
كتب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة
إنها مسافةٌ كبيرةٌ تلك التي تفصلُ بين ماركس ودريدا، بين منظر الطبقات العاملة الغربية وبين المثقف الذي أسهمَ في صنعِ رؤيةٍ تُسمى «التفكيكية». ثمة مهمةٌ تحويليةٌ للأول على صعيد تغيير موقع تلك الطبقات العاملة، فتغدو سياسية بالدرجة الأولى، في حين يتوجه دريدا لتغيير مفاهيم ثقافية وطرح فلسفة جديدة.
وقد خصص دريدا كتاباً لقراءة ماركس من خلال رؤيته، سماه «أطياف ماركس»، (الترجمة العربية للدكتور منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري، ط 2، 2006، الذي سوف نعتمدُ عليه في قراءة دريدا وليس ماركس).
يعبر الكتابُ عن خلاصة هذه الرؤية، كما أنه يعرض رؤيته الشبحية لماركس، حيث ترتكز على تحليلات أدبية، واستدعاء شبح هاملت كثيراً، ومناقشة الشبحية عموماً، وقد افتتح ماركس وأنجلز كتابهما المشترك «البيان الشيوعي» بعبارة «شبحٌ يحومُ على أوروبا، إنه شبح الشيوعية!».
تمثلُ اللحظتان: لحظة ماركس في سنة الثورة العمالية الأوروبية الواسعة سنة 1848 ولحظة دريدا سنة 1967 حيث كتب أبرز كتبه في هذه السنة في فيض إبداعي، عبر تأملات شخصية، مسافةً زمنيةً كبيرة، ليس في تدفق سيل الزمن المحض، بالسنوات والعقود، بل في تدفق الزمن الاجتماعي الثوري العالمي.
كانت الدعوة التي فجرها ماركس وأنجلز في تلك السنة من القرن التاسع عشر، عبر حيثيات اللغة المشكلة من تحليلٍ تلغرافي ونداءات شوارعية، تحمل خضم الزمن الاجتماعي في حينه.
تعتمد لغةُ «البيان» على مصطلحات عسكرية قتالية وتفرزُ بسرعةٍ وحدةٍ معسكرين اجتماعيين متصارعين:
«حر وعبد، نبيل وعامي، بارون وقن، معلم وصانع، وبكلمة ظالمين ومظلومين، في تعارض دائم، خاضوا حربا متواصلة، تارة معلنة وطورا مستترة، حربا كانت تنتهي في كل مرة إما بتحول ثوري للمجتمع كله، وإما بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين».
هو تصويرٌ قتالي لتاريخ أوروبا الصراعي الاجتماعي، وليس لتاريخ البشرية، منذ أثينا وعبر ومضات حتى العصر الوسيط، بتركيز تلغرافي ورسالة غير مشفرة للبروليتاريا الأوربية “الحديثة”، من القائد المثقف الذي خرجَ من بين دخان خنادق الصراع الاجتماعي الملتهبة، وهذه اللغة الصراعية الحربية فيها ومضاتٌ من العلم التحليلي الاجتماعي، لكن الأدلجة الزمنية المؤقتة زاخرة فيها.
وتتركزُ الرسالةُ ضد الأنظمة الرأسمالية الراهنة التي انتصرت توا على الإقطاع:
«الشرط الأساسي لوجود الطبقة البرجوازية ولسيطرتها، هو تكديس الثروة في أيدي خواص، تكوين الرأسمال وإنماؤه. وشرط وجود الرأسمال هو العمل المأجور. والعمل المأجور يقوم، حصراً، على المزاحمة بين العمّال. وتقدّم الصناعة، الذي تُشكّل البرجوازية دعامته بلا إرادة منها وبلا مقاومة، يُحِلّ وحدة العمّال الثورية عبر الترابط محل انفرادهم الناتج عن تزاحُمهم. وهكذا فإنّ تطور الصناعة الكبيرة يزلزِلُ تحت أقدام البرجوازية، الأساسَ الذي تُنتج عليه وتتملّك المنتجات. إنّ البرجوازية تُنتج، قبل كل شيء، حفّاري قبرها، فانهيارها وانتصار البروليتاريا، أمران حتميّان».
وتُرسم الأوضاع هنا بذات اللغة العاطفية المتأججة حماسة وفيها موضوعيةٌ ترقصُ على لهب، والخندقان واضحان، والموت الاجتماعي لأحدى القوتين قريب وأكيد، حين تلغي البروليتاريا المزاحمة بينها، ويتكفل وضع التقدم الصناعي نفسه بالقضاء على البرجوازية، فيجري هنا الرسمُ الاختزالي للموقف الراهن وتحويله إلى أمر سياسي. تاريخ البروليتاريا كقسم ذليل ومتخلف من السكان غير مرصود، وتاريخ الإنجازات الرأسمالية غير مرصود، وثمة معركة لابد أن تنتهي بانتصار القسم المعدم غير المبحوث في وعيه ومستوياته. غائيةُ السياسة هنا أكبر من التحليل العلمي.
وتتحول سرعة التحليل المقتضب العاطفي المتكهرب في نيران أوروبا في سنة 1848 إلى سياسة عالمية موزعة على كل الأقطار:
«وأخيرا يعمل الشيوعيون، في كل مكان، على إقامة العلاقات، وعلى تحقيق التفاهم بين الأحزاب الديمقراطية في جميع البلدان. ويأنف الشيوعيون من إخفاء آرائهم ومقاصدهم، ويُنادون علانية بأن لا سبيل لبلوغ أهدافهم إلا بإسقاط النظام المجتمعي القائم، بالعُنف. فلترتعد الطبقات السائدة خوفا من ثورة شيوعية. فليس للبروليتاريين ما يفقدونه فيها سوى أغلالهم وأمامهم عالم يكسبونه. أيّها البروليتاريون، في جميع البلدان: اتحدوا بين التشريح الاكلينيكي المختزل لطبقات أوروبا (الغربية) وأمريكا الشمالية في طبقتين اثنتين فقط ومتصارعتين فوق خندق الغرب، حيث لم تكن بقية العالم سوى ناقعة في الإقطاع، يتم التوصل للأوامر العسكرية الموجهة لـ «الفصائل» بإسقاط النظام المجتمعي القائم».
إنها تعابير حاميةٌ ومتناقضةٌ، فتحويل معسكر أوروبا الغربي في بضع مدن مشتعلة وسحبه إلى جميع أقطار العالم، للقضاء على نظام مجتمعي بشري تم اختزاله هو الآخر، وتنمَط في شكل مجرد، ومع هذا التجريد الحاد، فإن الشيوعيين حسب صيغة البيان هنا مدعوون كذلك للتفاهم بين الأحزاب الديمقراطية في جميع البلدان.
هل ثمة أحزاب ديمقراطية في جميع البلدان؟ وهل يمكن الحوار مع الديمقراطيين وأنت مدججٌ بكلِ هذه اللغة العسكرية؟ وكيف يمكن الحوار هنا وأنت لديك مشروع كوني لإزالة كل من يختلف مع البروليتاريا؟
في غمرة ما هو كائن في تلك السنة الحامية الأوروبية ثمة تنوعات وبقايا أنظمة ومستويات أوروبية وأمريكية متفاوتة، وثمة علاقات بين أوروبا الغربية هذه والعالم، أي هنا الكثير من التفاصيل والمعطيات الجوهرية كذلك التي لا تُؤخذ في مثل هذه اللحظة الاختزالية، لكنها حين تُصاغ في بيان تاريخي ينتشر ويتغلغل في الأبنية الاجتماعية المختلفة المتفاوتة التطور، يحدثُ لها انفصالٌ عن لحظتِها الخاصة، وتغدو ذاتَ نمو مستقل، فتصبحُ لغةُ البيان عالميةً فعلاً، أي ان الزمنَ الاجتماعي هنا يحلقُ بها، ويغدو طيرانها معتمداً على سرعة الرياح الاجتماعية.
إن الزمنَ الاجتماعي يحلقُ بلغةِ (البيان) في جميع أقطار العالم، وهذا التحليق مؤاتٍ لأسبابٍ كثيرة.
إنها لغةٌ سياسيةٌ اجتماعية إبداعيةٌ تنفصلُ عن لحظتِها المدموغة بذاك النمو النسبي ذي التاريخية المحددة، وهي تستوعبُ صراعاتهِ العامةَ المجردةَ – الملموسةَ، وتحيلُها إلى مخططٍ مجرد، فتُسقطُ أوروبيتَها على بقيةِ أنحاء العالم، وقد رأينا كيف كان تمثُل الصراعات الاجتماعية الأوروبية في فقرةِ البيان؛ (حرٌ وعبدٌ، ونبيلٌ وعامي إلى آخر الفقرة)، تشيرُ إلى تحليلٍ لتاريخٍ أوروبي واضح وصريح، من دون أن تظهرَ بالمقابل تحليلاتٌ للشرق، أو حتى للغرب اللاتيني، ونحن نعرفُ كيف اهتم ماركس بتحليلِ أمريكا الشمالية التي هي امتدادٌ لأوروبا الغربية، ولكن ماعدا أقطار الرأسمالية الغربية المتطورة هذه، فإن بقيةَ العالم تقعُ في الظل، ومن هنا حين تعولمُ لغةُ البيانِ الشيوعي، وتصدرُ أوامرَ للعمال في جميع أنحاء العالم تقومُ بأوروبةِ الحركة العمالية العالمية منذ البداية، وتسحبُها إلى مستواها، وتجعلُ مهماتِها السياسية مهماتٍ عالمية.
تلعب لغةُ البيانِ العاطفيةِ الهائجة والموضوعيةِ المتداخلة بها، دوراً أكبر من أي كراس وكتاب ماركسي آخر! إنها لغةٌ حميمة، وناتجةٌ من كفاحِ شوارع صاخب، ومن تراكماتٍ فكرية كبيرة لبعض المثقفين الألمان بدرجةٍ خاصة، والصياغة ذات تراكيب معينة مبهرة:
(ويأنف الشيوعيون من إخفاء آرائهم/ فلترتعد الطبقات السائدة خوفاً).
(شبحٌ ينتابُ أوروبا – شبح الشيوعية. ضد هذا الشبح اتحدتْ في طراد رهيب قوى أوروبا القديمة كلها: البابا والقيصر، مترنيخ وغيزو، الراديكاليون الفرنسيون والبوليس الألماني).
إنها لغة أدبية شعرية قصصية متداخلة، وتحولت الأفكارُ إلى لوحاتٍ، بأسلوب شعبي متأجج بالكرامة، و(البيان) بهذا يتابعُ الكتبَ الدينية بلغاتِها التعبيرية الأخاذة، كما أنه يتحول إلى دعوةٍ دينيةٍ بهذه الإطلاقية والتعميمية المفارقةِ للظروفِ المتباينة للقارات والشعوب، فألغتْ العلميةَ، في غيابِ تحليلاتِها الجزئيةِ الدقيقة لكل الأرض، وصادرتْ الأبحاثَ المُفترضةَ بفرضِ لغةٍ جاهزة، وبشعاراتٍ من مستوى أوروبي، تتشكلُ فيه حرياتٌ كبيرةٌ نوعاً ما، وقد أبعدَ الأديانَ عن السياسة المسيطرة، في حين انه عندما تنتقلُ لغةُ البيانِ هذه لشعوبٍ أخرى تعيشُ في ظروفٍ مختلفةٍ من حيث الصناعة والحريات والثقافة، فإن لغةَ البيان المقاربة للدين لغةً، ووعداً بتحقيق الجنة، الأرضية هذه المرة، تصيرُ لها قراءات مختلفة ومقبولة لأسبابِ الزمن التاريخي المتنامي، فالأوروبةُ تغدو قبل عدة قرون من صياغة (البيان) عالمية في استغلالِها للموارد الخام في القارات الأخرى، وتغدو رحلاتَ استكشافٍ وغزواً وفرضَ حماياتٍ تجارية وتغلغلاً للجيوش الخ..
إن الزمنَ التاريخي الراكد لعصورَ الإقطاع، حيث البشرية مفتتة إلى قارات وعوالم ذات صلات واهنة، يتسارعُ بشكلٍ كبيرٍ عبرَ زمنِ الآلة، التي تقومُ باختزالِ المسافاتِ الجغرافية أولاً، ثم بنشر العلاقات الرأسمالية في العديد من البقاع، واختراعاتها المختلفة وأنواعها الأدبية والعلمية والثقافية عموماً، وكلُ حدثٍ من هذا هو تسريعٌ للزمن الأوروبي، الذي يغدو زمناً عالمياً متسارعاً. إن تعددَ الأزمنةِ في زمانٍ عالمي كبير، تفرضهُ تشكيلةٌ عالميةٌ واحدةٌ هي التشكيلة الرأسمالية أخذتْ تبزغُ من عصر النهضة، من قلبِ أوروبا الغربية، لكن لهذه التشكيلة مستوياتِ تطورٍ مختلفةٍ، فمن بلدان تضخُ الموادَ الخام، إلى بلدانٍ تصنعُها، إلى بلدانٍ تتداخلُ فيها هذه العملية المركبة، فتظهرُ أزمنةٌ مختلفةٌ للتشكيلة الرأسمالية التي تتحول من أوروبية إلى كونية، لكونِها أوجدتْ أمكنةً مختلفةً لها، تجرى فيها عملياتُ إنتاجٍ متعددةٍ الأشكال. فيتسارعُ الزمنُ في جانب ويبطىءُ في جانب آخر، ثم يتداخل في زمانٍ متقاربٍ متنوع كذلك، لأن وحدة التشكيلة لا تتم بشكلٍ تام.
تستطيع لغةُ (البيان) أن تنفذَ لعمالِ العالم مع مرورِ هذا الزمنِ الاجتماعي، المتعددِ المستويات، فالبلدانُ الرأسماليةُ المتطورة تستوعبها، بشكلٍ يعبرُ عن مستواها، فهي تهضمُها ببطءٍ، وان المطالبَ المباشرة للعمال تحظى بلغاتِ اهتمام متنوعة، من قمعٍ في البلدان الأقل تطوراً والتي تعيش في بقايا إقطاعٍ مؤثرٍ كأسبانيا، في حين تتحقق تلك المطالب المباشرة في إنجلترا وهولندا وفرنسا، أما المطالب الكبرى بسيطرة العمال على الحكم وإلغاء الطبقات فلا تتحقق، ليس فقط لنمو الرأسمالية وتوسعها خارج بلدانها وإنشائها لمستعمرات وارتفاع مستوى معيشة عمالها، بل كذلك لعدم إمكانية تحقق الاشتراكية أو الشيوعية، في هذه القرون. إن الرأسمالية الأوروبية هي قائدةٌ لتشكيلة عالمية، تظهر هنا في بداياتها، وعبر استعمارها تقوم بنشرها، وتغدو هي في ذروتها.
إن التشكيلة الرأسمالية كتشكيلةٍ عالميةٍ كانت تحققُ بعضَ زمنيتِها المحدودة في القرن التاسع عشر. إن أي تشكيلةٍ تغدو تشكيلةً بشرية، لترابط تاريخ الإنسان، والتشكيلة البشرية لها زمنيةُ مئاتِ السنين، لقيامها على قوى إنتاج محددة تنتشر وتغدو عالمية وتتعرض للاصطدام بعلاقات إنتاج تغدو قيوداً فتحدث عمليات الثورات عبر مستويات بشرية مختلفة لتصعدَ علاقاتُ إنتاجٍ جديدة، ثم تزولَ عبر قرون كذلك. لقد عرفنا ذلك تطبيقاً على التاريخ الأوروبي في؛ (مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي) لكن تبلورها وفهمها البشري لم يكن ممكناً في تلك الافتتاحية للزمن الرأسمالي، إن الزمنية هنا مهمة، لكن البيان يختزلها.
إن جمل (البيان) الأولية التي قرأناها مراراً مهمة هنا كذلك، لتجعلنا نحسُ بإيقاعِ الزمنِ السريع المؤدلج:
(حر وعبد، ونبيل وعامي/ فلترتعد الطبقات السائدة/ يا عمالَ العالم اتحدوا)، إيقاعُ اللغةِ هنا المتسارعُ من الأوروبي للكوني، يقفزُ على عدةِ ألوف من السنين: التشكيلة العبودية لها أكثر من خمسة آلاف سنة! التشكيلة الإقطاعية تقارب الألفين أو أكثر، الرأسمالية الصناعية الأوروبية لها قرنان أو ثلاثة قرون بالكثير!
لكن وعي ماركس بكون التشكيلة أوربية/ عالمية، يختزلُ تجاربَ الشعوب الأخرى عبر النيابة الأوروبية، ويختزلُ التشكيلةَ نفسها، قبل أن تكونَ بشريةً، وقبل أن تتجلى على هذه المساحة الأرضية الواسعة، وتدخل فيها قوى إنتاج البشرية كلها لتتجاوزها عبر تباين مستوياتها وقواها كذلك.
تتمكن لغةُ (البيانِ) من الاستحواذ على الألبابِ الشرقيةِ خاصةً وهي تدخلُ التاريخَ العالمي. كان البيانُ قد دخلَ في حلقةِ التاريخ الأوروبي لكنه لم يشكلْ التحولات التي وَعد بها، لكن العواصفَ انتقلت لآسيا.
إن التاريخَ الأوربي المعاصر فككَ لغةَ البيان عبر زمنيتهِ الخاصة، فقبلَ بالنسبي فيها ورحل المطلقَ إلى تاريخ الإنسانية الكلي القادم، تخلى عن ماركس الشاب وقدر ماركس الكهل، وناضلَ من أجل تغيير معيشة الطبقات العاملة، ولم يعطها فرصةَ الحكم وتغيير البناء الرأسمالي، فظلت أحزابُ النسبي كالأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في الواجهةِ والحكم لأنها آمنت بالنسبي ورحلتْ المطلقَ، وغيرتْ ما تعلق بالنسبية الاجتماعية، متفهمة النظامَ الرأسمالي، في حين قاومت أحزابُ المطلق هذه النسبية المحدودة في تصورها واستمرت في العمل لإزالة الرأسمالية تماماً خاصة الأحزاب الشيوعية، فرحلتْ مع المطلق القادم غير العائش في النسبي.
لكن هذه النسبية أخذتْ تتعمق، وعلى العكس فإن الرأسمالية أخذت تنتشرُ بتوسع، وتتعمقُ في شرق أوروبا وجنوبها، ودخلت أوروبا في حروب منهكة دمرت الكثير من قواها العاملة، فراحت تتحدُ في رأسماليةٍ قارية، ثم ان الرأسماليات الكبرى في العالم راحت تتطورُ تقنياً بشكلٍ هائل، وحدث نقصٌ في قواها العاملة، واستدعتْ قوى العالم الثالث إليها، وثوّرت قوى الإنتاج ودخلتْ مرحلة أكثر تطوراً في التقنيات، واستغلت القارات الأخرى بتوسع.
وهي سلسلة من التطورات المعقدة جعلت الخصمين الاجتماعيين البروليتاريا والبرجوازية يعيشان في صراع نسبي سلمي طويل، لكن ظلَ الحراكُ الفكري لدى الفئة الوسطى الصغيرة، (البرجوازية الصغيرة) هذه التي سوف توجد كل أنواع الفنون والآداب والفلسفة وغيرها، وسوف تستمرُ بصخب وثورة في الفراغ المطلق وفي الوجود النسبي وفي تفجيرٍ للأشكالِ المجردةِ في الفنون كالتعكيبية والسريالية، وفي المسرح اللامعقول وفي الرواية: الرواية المضادة وغلبة تيار الوعي، وفي الفلسفة سوف تحتل الظاهراتية الأداةُ التكوينيةُ للمعمارِ الفلسفي المكانَ الأبرزَ في تشكيلِ عماراتِ الفلسفة الكبيرة: الوجودية، والبنيوية، والتفكيكية الخ.
إن تكون وعي البرجوازيات الصغيرة في هذا الحراك يستندُ إلى (جمود) الخصمين الاجتماعيين العمال والبرجوازية، وهو جمود يبتعد عن صياغة أشكال الوعي بشكل عام. فالمواد الخام قد تأتي منهما، ولكن القيام بالثورات الفكرية والتعبيرية سيتركز في هذه الفئات المطحونة والقلقة والمنتجة الفكرية، بين قوتي الرحى الرأسمالية، وإذا كان للطبقتين الكبريين المتصارعتين إنتاجٌ فكري، فعبرها كذلك، فهي التي تتداولُ البضائعَ الفكرية السابقة، وتفحصها بين فئاتها المتنوعة، وقد رفضت كلتا الأداتين الفكريتين للطبقتين السابقتي الذكر، وهما الماركسية والليبرالية السياسية، اللتان تتمحوران حول توجهات المادية الجدلية أو المادية السوقية. كان لابد لها من الاستقلال والتفرد، من رفضِ المادية خاصةً كفلسفة، فرفض المادية يعني رفض عمليات الحفر في البُنى الاجتماعية وتحليل الظاهرات والتغلغل في اكتشاف القوانين الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، وهذه عملية تربطها بالكادحين، وبنقد عالم الرأسمالية الموضوعي وبكل الحراك الصراعي الذي ينجمُ عنه، من تشكيل ثورات فكرية في الجامعات ووسائل الإعلام المختلفة، لكن كل هذا لا يدخل في السوق الرأسمالية، فعالمُ الرأسمالية الفكرية قائمٌ على المادية السوقية، بكل ظلالِها، من صعود لرمزيي البرجوازية الصغيرة وتحويلهم إلى نجوم في الفلسفة والأدب والفنون، كمستوى راقٍ للثقافة البرجوازية، أو تحويلهم إلى منتجي أدب فضائحي وفنون سوداء مختلفة تجذب وتكسب الملايين. إن البرجوازية المالكة هي التي تحدد توزيع الإنتاج الثقافي وأقسامه ونموه، والبروليتاريا هي المستهلك الأكبر، التي يوجه الإنتاج الثقافي لتخديرها أو لتشجيعها على الإنتاج وعيش التسلية بعد هلاك العمل.
في المستوى الراقي لعبت الأدواتُ الظاهراتية دورها كركيزة لهذا العالم الثقافي المتنوع الواسع ذي الآثار الهائلة، وقد ارتكزت عموماً على رفض الاعتراف بالواقع، وشكلت واقعاً مختلقاً، هو الكلمة أو الأدب أو البُنية أو الرموز المقطوعة عن البنى الموضوعية للعالم.
كان هذا الخيارُ هو خيارٌ طبقي بامتياز، كان إلغاءً لعالم الطبقتين المتصارعتين، ورفضَ أعتبارهِ أساساً للوعي. وهو جاءَ بسبب تلك النسبية التي أشرنا إليها، وكون إطلاقية ماركس وتلك الدعوة الثورية لكسح البرجوازية لا تستند إلى أساس راهن.
وهي الدعوةُ المباشرةُ التي تخلى عنها في كتابه الناضج التاريخي (رأس المال)، ولكن الفصائل التي دعاها للعمل كانت قد نهضت في أقطار الأرض على إيقاعات الزمن الاجتماعي المختلفة، والتصقَ (البيانُ) بها أكثر بكثير من رأس المال. لما قلنا من نضاليته الشعبية البسيطة، ولاختزاله، ولخياليته في جانب ولعلميته في جانب آخر، وتركزت الدعوة عند من يستفيد منها بدرجة أساسية وهم العمال.
صار للبيان ولهذه الماركسية مساراتٌ مختلفة، لطبيعة محتواها المتعدد الوجوه ولتناقضاتها الفكرية الداخلية، ولنموها في قاراتٍ مختلفة، التحقتْ بالرأسمالية على أنحاء متفاوتة في الزمن وفي الأشكال والمراحل.
وفي حين سارت لغاتُ (البيان) بوفرةٍ واتساع هائل في الشرق مشتْ ببطءٍ في الغرب، وكان هذا التناقضُ البارزُ وجهاً لتناقضٍ عميقٍ أخذَ يتكشفُ بقوةٍ هائلةٍ في التاريخ البشري المعاصر. كان الغربُ يصيرُ هو المالكُ الأساسي للخيرات، هو الاستعمار المهيمن على المواد الخام الثمينة والرخيصة، هو المحولُ لها: ثرواتٍ أسطوريةً وتقنيات رفيعة وطبقات مستمتعة ثرية وخدماً فكريين وفنيين كثيرين، وعلماء متخصصين لتطوير المصانع وتضليل العالم الخ.
كانت الطبقتان المالكة والعاملة تصنعان السلعَ المادية وكانت البرجوازية الصغيرة تصنعُ السلعَ الثقافية.
إن التناقض الكبير بين الغرب والشرق، تأسس في مرحلية الاستعمار بين (الشرق العامل البروليتاري والشرق المالك البرجوازي). هذا ما تعمم في فترة بين نهاية القرن التاسع عشر ومنتصف الخمسينيات من القرن العشرين.
إن هذا التعميمَ ايديولوجي مضللٌ بطبيعة الحال، ولكنه كان يمتلك شيئاً من الموضوعية أيضاً. وفي انتقال الماركسية الشعبوية المعتمدة على (البيان) قامتْ بالارتكاز على مثل هذه التعميمات ثم جرتها لتاريخ الشرق.
في (اللينينية) تكرست شعبوية البيان، الذي كانت له امتدادته في كتب ماركس، مثل (الايديولوجية الألمانية) حيث يدعو للثورة البروليتارية من دون ضرورة لوجودِ أسسٍ واسعة للنظام الرأسمالي، وهذا كان لينينيةً ألمانيةً، لكن حتى هذه (الأيديولوجية..) لم تُطبع في حياة ماركس، فغدت الماركسية تمشي كدين مقدس.
أي أن لينين في توجهه لثورة اشتراكية لم يكن يصدر من وازع شخصي محض، وكان اختراق مسألة التشكيلة الرأسمالية وتجاوزها قد بدأ من ماركس نفسه:(حر وعبد، ونبيل وعامي/ فلترتعد الطبقات السائدة/ يا عمال العالم اتحدوا). إن إمكانية اختراق نظام رأسمالي – إقطاعي، وإقامة نظام ديمقراطي، وذي إصلاحات تقدمية، مختلف عن تحطيم التشكيلة الرأسمالية.
إن النظامَ الرأسمالي يختلفُ عن (التشكيلة) الرأسمالية، فإزالة التشكيلة أمر يعني إزالة مفردات النظام الرأسمالي الأولية كالنقود والدولة والطبقات والسوق.. الخ، ويعني نظاماً عالمياً، لكن تغيير النظام الرأسمالي وتمزيق جوانب كبيرة منه ليس مثل ذلك.
هذا الخلط بين النظام والتشكيلة، بين الإصلاحات وإلغاء الرأسمالية، كانت قد صُوبت من ماركس نفسه في رأس المال، من دون وضوح كلي منه، وليس في البيان كما أشرنا سابقاً، لكن هذا التصويب تم تجاهله وراحت الحركة الماركسية في الشرق ترتكز على البيان بدرجة أساسية.
وفي تطبيق الثورة الروسية سنة 1917 وبعد التأميمات وغيرها عادت إلى السوق والنقود وتطوير الرأسمالية سنة 1921، بعد أن حُجمت الدكتاتورية اللينينية لكن الدكتاتورية الروسية العامة لم تُحجم بل تفاقمت.
هذا جعل من الماركسية بالنسبة إلى أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية مجموعة من الأشباح السياسية والعسكرية على قول دريدا، لكنها بالنسبة إلى جزء كبير من الشرق ظلت حليفاً مهماً ثم قائداً كونياً.
مهما كانت النتائج للبيان فإن ماركس ظهر كشخصية عالمية فاعلة في تاريخ الرأسماليات، كنقيض لها وكمؤسس لها أيضاً! بين أن يكون قائداً لزوال الرأسمالية وقائدا لتشكيل الرأسمالية، هذه هي القراءات المعقدة للشعوب، في تفاوت مستويات تطورها، وفي تباين فهمها للماركسية.
سوف نحاول أن نرى ذلك عبر قراءة دريدا للماركسية عبر كتابه السابق الذكر: (أطياف ماركس). هذا الباحث الذي تم الاحتفال بأعماله في البحرين وصدر كتابٌ عنه هذه السنة 2009.
لا يُذكر هذا الباحث الفرنسي المولود في الجزائر بأي شيء مثير، ربما حادثة واحدة صغيرة اضطُهدَ فيها، لكنه باحث غارق في الكتب والأبحاث. هو جزء من ذلك المناخ الذي أشرنا إليه، حيث الفئات الوسطى الصغيرة التي تم صُنع شريط فكري لها من قبل البنية الرأسمالية المسيطرة، عبر الظاهراتية الممتدة من كانط، التي يقومُ فيها الفكر بمناقشة سطوح الظاهرات المتبدلة دوماً في موجات أشبه بموضات الملابس والتسريحات، وهو حين رفض تحليل الواقع كبنية، لم يرفض أن يحلل ظاهراته المتطايرة منه، المفصولة عنه، تجنباً لخروجه من دائرة التداول السلعي، ومن الاصطدام بجذور الواقع والسلطات، رغم أن ذلك لم يكن كلياً، فهناك بعض التيارات التي استندت إلى تطور الوعي الديمقراطي والوعي التقدمي وطورت أدوات التحليل كذلك كالبنيوية الوظيفية مثلاً.
إن موجات الوعي هذه الأشبه بالموضات تغدو أشباحاً، فهي أشبه بالنجوم فترة ثم تغوص في مياه العتمة، لا يبقى منها شيءٌ كثير، تزول لعدم ارتباطها بموجات اجتماعية كبيرة، ولهذا نرى دريدا يكرس كتابه لمناقشة الأشباح حين يناقش شخصية ماركس التي (ملأت الدنيا وشغلت الناس).
شخصية باحثة مثل دريدا انجذب ليناقش الأشباح حين يناقش تلك الشخصية الحافلة بالأحداث والمؤججة للأحداث، ويملأ كتابه الشديد الغموض بهذه المناقشات التحليلية المجردة الملموسة المتقطعة المتناثرة، الأدبية، داخل كيان يفترض أن يكون غير أدبي، لكون الظاهرات الأدبية توجه التحليل خارج البنى الاجتماعية المرفوض تحليلها والغوص فيها بأوروبا والعالم.
لدينا أشباح كثيرة وأهمها شبح الملك هاملت من مسرحية شكسبير المعروفة. ويقوم بربط شبح هاملت بشبح الشيوعية الوارد في (البيان) وفي كتب أخرى لماركس.
يظهر شبحٌ في بداية مسرحية هاملت للأمير الابن هاملت ويدعوه للانتقام لمقتل أبيه. الشبح هو الأبُ القتيل نفسه، ويظهر في حالة درامية عنيفة مليئة بالظلال التعبيرية، ويتشكل كقفزة غير واقعية، مضادة للمسار التكويني الواقعي للبناء الدرامي الشكسبيري هنا. إن هذا القطع الايديولوجي في هذه المسرحية الواقعية، يرتبط بمسارات لا فنية، وأسطورية شرقية، لكنها أُخذت كتفعيل للفعل الدرامي من الخارج، من الوهم.
بين الجذور الأسطورية الشرقية للشبح، وظهور المسرحية الشكسبيرية هذه في بداية عصر النهضة الأوروبي، العقلاني المتنامي، ثمة قطيعة كبيرة مع النص الماركسي، مع مفردة الأشباح التي ظهرت في البيان. ولكل مقطع في سياقه الزمني، وبنيته، دلالات.
لكن دريدا ضخم تضخيماً كبيراً من (الشبحية)، وغدت مسرحية هاملت هي المحللة، وغُيّب ماركس كثيراً، فهذه تحدث القطيعة مع النص الماركسي في بنيته الاجتماعية، وقطعه عنها، وتعليقه في الفضاء الشبحي، ثم إطلاق العنان للخيال والمنولوجات الذاتية والتدفق اللغوي ذي العتمة الشديدة والتعميمات الغريبة الغامضة ثم ظهور لبعض التحليلات السياسية المفاجئة العميقة الجيدة الطالعة بجزر نائية لا تمتلك أي علاقات مع الشبحية تلك ثم العودة الدائمة للشبحية الشكسبيرية.
يدعو دريدا في كتابه (أطياف ماركس)، إلى قراءة ماركس ويقول: (وسيكون من الخطأ إذا لم يُقرأ ماركس وتُعاد قراءته ومناقشته)، ص41.
يبدو ماركس هنا باستمرار كشبح، كطيف زائل، (ولابد من تقدير جهوده على الأقل)، والاعتراف بدوره!
إن الأشباحَ تحيي ذواتها وتشبحُ الرموزَ التاريخية الباقية في بحار الزمن الاجتماعي، إنها هي التي ذابت أو تكاد تغرق في موضات الوعي السائد، وفي موجات الوعي المُبتلعة، والتي تصيرُ نجوماً في سماء الاستهلاك الثقافي تتصورُ انها الركائز الباقية، وليست أشباحاً، ليست جزءًا من حطام ثقافي، قابل للتجدد في حطام آخر وهكذا.
والاهتمام بماركس كشفقةٍ فكريةٍ غربية ضرورية لأسباب:
(ومنذ اللحظة التي أخذت فيها آلة الدوغمائيات والمعدات الأيديولوجية (الماركسية): (دول، أحزاب، خلايا، نقابات، وأمكنة أخرى من أمكنة الإنتاج العقدي) بالاختفاء، فإنه لم يَعُد لنا عذر)، ص 41.
لقد زالت الشموليات الشرقية الاشتراكية وأصبح لماركس إذًا مكانة ما. إن غياب التحليلات الموضوعية تقود إلى نتائج إحسانية مثل هذه.
لقد رأينا كيف انتشرت الأفكار الماركسية في الشرق وفي أمريكا اللاتينية بشكل عاصف، وكيف قُرئت هذه الأفكار في كثير من الأحيان، بمستويات تناقضاتها الداخلية: أي بكونها دعوة للثورة الاشتراكية الراهنة، وبكونها قراءات إصلاحية لأنظمة متخلفة ولأنظمة رأسمالية متطورة كذلك. إن فقرات كثيرة في (كتاب البيان) (تكرر ذكره أكثر من عشر مرات في كتاب الأطياف) و(كتاب الأيديولوجية الألمانية) (تكرر أربع مرات)، هذان الكتابان الشبابيان غير الناضجين لماركس وأنجلز، قد تم نشرهما باعتبارهما هما الفكر الماركسي وفيهما فقرات تدعو للثورة الاشتراكية المباشرة العنيفة وإزالة الطبقات فوراً وغيرها من المهام التي تتحقق في قرون وبشكل متدرج.
وحين اتحدتْ هذه الفقراتُ بثوراتِ الشرق الاجتماعية والوطنية تحولتْ الأنظمةُ إلى الاشتراكيةِ المُزيّف فهمها، التي صارت متحدة بالغيب الديني (الماركسي)، وهي ليست سوى رأسماليات حكومية، ودكتاتوريات، أُنجزتْ فوق ضلوع العمال، ولكنها في مجريَي التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي لدول الشرق حققت إنجازات اقتصادية كبرى، وأخطاء رهيبة كذلك، ثم تقزمت كثيراً وتشوهت بشكل هائل في دول صغيرة الخ. وقد تداخلت فيها الثنائيات المختلفة: ديمقراطية ودكتاتورية، ماركسية عمالية وبيروقراطية رأسمالية، تضحية واستغلال الخ.
لكن هذا لا يعني توقف التجربة وعدم إعادة إنتاجها بشكل ديمقراطي، وهذا يتطلب من باحث أن يقرأ ذلك ولا يعتمد على الاختزالات والظلال الأدبية السريعة المروق وعلى تيار الوعي والرموز الفلسفية المبهمة في خضم قراءة مارد سياسي.
لكن الوصول إلى الاستنتاجات الفكرية يبقى هو المهم، إن الجمل الماركسية المقطوعة السياق التي غدت في اللينينية حجر الزاوية، تبقى مجرد وقود في حطب آسيوي، ومجرد تحريك لدكتاتوريات قومية كامنة كبرى، وفيها كذلك أدوات اجتماعية وسياسية مستمرة، ونهضة لملايين الكادحين، لكن المهم والباقي ليست تلك الفقرات غير الموضوعية، لكن ما يبقى هو المنهجية، أي درس الظاهرات في خضم البُنى الاجتماعية واكتشاف قوانينها. هذه التي ترفضها أغلبية الفئات الوسطى الصغيرة المتذبذبة في الغرب والشرق، والمتلاعبة فوق حبال صراع الطبقات، الراكضة وراء مصالحها المحدودة، التي تصنع منها رؤىً.
إن شبحية شكسبير في مسرحية هاملت تعودُ لتضييعهِ قوانينَ السببية الاجتماعية، مثلما ضيعها دريدا، وفي الأدب يغدو ذلك فناً، وفي الفلسفة يصيرُ غفلةً، لكنه يعتمد على نظرة الكاتب الذي توصل لبعض السببيات الاجتماعية ودمجها في إبداعه، ولم يتوصل لسببيات أخرى، فتغدو ثغرة في الوعي الواقعي المباشر السائد في المسرحية الشكسبيرية، وهذه الشبحية الافتتاحية المُشعلة لحدث المسرح والمفجرة لشخصية هاملت، تعود لطابع السحرية الباقي الذي يدخل كتعويض عن ذلك الفقدان التحليلي، وهو أمرٌ سيغني تفكيكية دريدا في عدم تحليل ماركس.
أما ترديد ماركس للشبحية فهو يأتي في مسار آخر، وفي لغة تعبيرية أخرى، وفي بنية أخرى، في لغة صراع سياسي كوني، في مبارزة غير متكافئة بين طبقات شعبية صاعدة وأعمدة المال والطغيان في أوروبا منتصف القرن التاسع عشر، ويُقصدُ فيها استخدام اللغة الدينية السحرية على سبيل السخرية، هذه اللغة السائدة في الرموز التي وجه إليها النقد ذاك. هي عملية تقزيم لتلك الرموز السائدة في الحكم، وإعلاء للعمال على مسرح الحقائق والعلم كما يتفهمه، كما يشير دريدا نفسه في بعض مواقع الكتاب الخاطفة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبـــــــدالله خلــــــــيفة: رأس المال الحكومي الشرقي، منشورات ضفاف – بيروت، كلمة للنشر- تونس، منشورات الاختلاف – الجزائر، دار الأمان – الرباط.
عالم عبدالله خليفة الإبداعي مقاربة نقدية تحليلية والضبط الببليوجرافي
لا يقرأون . . ويتعاظمون! : كتب ـ عبدالله خليفة
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
رأس المـــال الحـكومــــي الشـــــــــــــرقي ــ الطبقة العاملة في البحرين
كتب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة
ملحـــــــــــــــق الدراسات :
⇦ الطبقة العاملة في البحرين

العمال والرأسمالية
العمال في البلد والجزيرة العربية ككل يواجهون مهمات مختلفة عن عمال العالم العربي والعالم، وتحتاج من أجل لحلحتها وتغييرها إلى وعي ديمقراطي يتغلغل في الحياة.
وفي تجربة مع نشرة عمالية رفض المسئولين فيها عبارة لي تقول بتقوية الرأسمالية في هذه المنطقة، وكأن هؤلاء يناضلون لتجاوز الرأسمالية وإزالتها!
لا تستطيع حتى الأقسام المتقدمة للبشرية في الغرب تجاوز الرأسمالية في خلال القرن الحالي، الواحد والعشرين، لعوامل موضوعية عميقة، وتغدو سياسة الزحزحة التدريجية للرأسمالية وتصعيد دور القطاعات العامة المُراقـَّبة والملكيات التعاونية ومقاومة الأستغلال المتطرف هو السياسة الممكنة هناك.
في حين تتطلب السياسة في بلداننا تطور قوى الإنتاج للحاق بالثورة التقنية ولتسريع عمليات نمو الرأسمالية، وتشكيل رأسمالية وطنية وخليجية جزيرية عربية، بحيث تتوجه رؤوسُ الأموال لمنطقتنا، ولتوسيع عمالتنا الوطنية والعربية، ولتتكامل الرأسماليات الوطنية وهي الجزر الصغيرة في عوالم الاقتصاد التقليدي وسيطرة الجماعات الحكومية المُتنفذة، وليتم تصعيد دور الشعب في كلِ بلدٍ في المراقبة على المال العام وللقضاء على الظاهرات السلبية وعلى الأستغلال المفرط، ومن أجل تصعيد دور الجمهور العامل في الحياة السياسية.
وإزالة الأستغلال هو حلم في الزمن الراهن، وتحويل الحلم إلى سياسة يومية هو كارثة، فالعامل منذ البداية يقوم ببيع قوة عمله، مؤكداً اعترافه بأهمية الأستغلال ودوره الموضوعي، وإذا كانت لديه أموال وشغلها فهو سوف يستغل الآخرين، وليس ثمة خيار ثالث.
وهكذا فإن فائض القيمة المترتب على استغلال العمال في منشآت النفط والمصانع يغدو هو المُشغل للحكومة والتجارة والصناعة، ونظراً لأنه فائض قيمة مُنتج بأغلبيته من صناعة استخراجية زائلة، فيتطلب وعياً سياسياً كبيراً ووعياً نقابياً، ليتجه الوعي السياسي من أجل الاستثمار الوطني الأمثل لذلك الفائض، بدلاً من الأهدار والشفط، حتى يؤسس بنية صناعية تقنية متطورة غير قذرة كما يجري بتوسع رهيب في الوقت الراهن، ومن أجل توزيع جانب كبير من الفائض على الخدمات المختلفة.
في حين أن الوعي النقابي يناضل لمصالح العمال في المنشآت.
وهكذا فإن العمال يناضلون من أجل رأسمالية وطنية ديمقراطية، مع اهتمامهم بمصالحهم المستقلة.
ومن هنا يغدو النضال ضد السياسة الإقطاعية المهيمنة على المال العام وتوزيعه، وعلى المخلفات الاجتماعية لهذه السياسة وسيادة الذكورة المطلقة وغياب التنوير والثقافة العقلانية، هي المهمات التي ينبغي أن تكون في المقدمة لا القضاء على الرأسمالية الوطنية التي لم تتجذرْ ولم تقمْ بدورها.
ويشيرُ قلبُ المهمات هذه، وسياسة حرق المراحل هنا، إلى الطبيعة التقليدية للجماعات المتقدمة لقيادة العمال والقوى الشعبية عامة، فهي متخلفة، وتحن للزمن الديني الرومانسي، وغير قادرة على فهم الواقع الراهن، بمهماته المركبة المتداخلة، نظراً لعدم تثقيف نفسها، واكتفاءها بالحشو واللغو السياسي.
وهذا ما تنقله هذه القيادات إلى الشباب والطلائع العمالية، ومن هنا تتداخل مع بعض الجماعات المذهبية السياسية الجامدة.
والغريب أن بعض هذه الجماعات المذهبية هي الأكثر حراكاً في القراءة والبحث، ومنها يخرج الكثيرون من الكتاب والفنانين والنقابيين، نظراً لأن قواعد هذه الجماعات هي من العمال والفقراء، وهم يحتاجون أكثر من غيرهم لفهم تعقيدات المرحلة الراهنة، وللعقلانية السياسية والإصلاحية النقابية المتدرجة، بحيث تتحول النقابات إلى مؤسسات اجتماعية كبيرة مؤثرة في حياة العمال الاقتصادية، وفي حياة المجتمع السياسية.
ولكن هذه المهمات الصعبة مركبة، فهي تحتاج إلى وعي نظري مرهف، وإلى نشاط كبير، وإلى تمهل وصبر طويلين.
العمال في الآخر
كان العمال هم الذين بنوا المصانع، وحولوا أوربا المتخلفة إلى قارة تملك الدنيا!
ثم كان حصادهم قليلاً!
وقالت الرأسمالية الشرقية: (الطبقة العاملة قائدة النضال من أجل الاشتراكية!) ثم خربوا هذه (الاشتراكية) وعاد العمال إلى بيوتهم الصغيرة والبطالة والتسول أكثر بؤساً من عمال الغرب!
وقالت الرأسمالية الحكومية الدينية الشرقية: (العمالُ هم أكثر المضحين في الثورة الإسلامية)، فكانوا هم القتلى على خطوط النار، والمتحملين للغلاء والفقر والبطالة!
وما زال العمال يُخدعون.
وقال غيرهم: (بناء الوطن)، لكن لماذا تـُبنى الأوطان دائماً على حسابهم؟! ثم رأوا أنها بناء القصور والفلل والبلاجات الباذخة وجزر المتعة!
ونسوهم بعد الثورات والتضحيات وأنزلوهم من طوابق الأحلام العالية إلى حضيض الأرض.
يتم استثمار حضور الطبقات العمالية مع تصاعد الفئات الوسطى حين تدخل الفئات الأخيرة في عمليات تغيير تاريخية كبيرة، وعبر استعمال الأخيرة لأدوات دكتاتورية سياسية وفكرية، تقوم بتعبئة العمال لمصلحة صعودها وجلوسها على الكراسي والأموال.
نداء الأمة، بناء الأشتراكية، هزيمة الرأسمالية، القضاء على الاستعمار، نهضة الإسلام العظيمة، بناء الأوطان الحرة، ذات الأسر الواحدة المتحابة!
كلها عبارات غامضة ضبابية، كبرى، لها جانب من الحقيقة وواقع النضال المشترك، لكن بدون اتفاق يضمن للعمال المشاركين والمضحين نسبة من الكراسي والفوائد وتغييراً لمعيشتهم وظروف علمهم، وحين تنتهي المهمة الوطنية والطبقية والدينية، يعودون لمصانعهم وطروفهم وفقرهم وينساهم السياسيون المحنكون!
ثمة فوائد مشتركة للجانبين، لكن العمال سوف يدفعون هم الجهد الأكبر والتضحيات، وإذا لم يشكلوا أدواتهم المدافعة عن مصالحهم، سيبجدون أنفسهم في النهاية في حالات بؤس وإستغفال!
العمال هم في تطور التاريخ من سيكونون القوى المستمرة في النضال والبحث عن التغيير فهم ليس عندهم سوى أجورهم، ومن لديه أكثر من ذلك سوف ينضم لحركات المالكين السياسية.
(الحرية، الأخاء، المساواة)، صرخة البورجوازية الفرنسية، عبر لغة سياسية مجردة، تريد تغيير عالم ديني محافظ ذي طوائف وأمتيازات مجحفة للأقلية، والشعارات ذاتها هي تشكيل لمجتمع تهيمن عليه هذه البورجوازية عبر العلاقات الاقتصادية الرأسمالية بدون هيمنة قطاع حكومي.
(الماركسية – اللينينية ، والماوية، والكاستروية والناصرية والبعثية والخمينية والعربية الخليجية والتونسية والجزائرية والغاندية الخ)، شعارات البورجوازية الشرقية ذات الرأسمالية الحكومية الاستبدادية وهي تشكل نهضة مغايرة لنهضة البورجوازية الغربية لكنها مماثلة لها في صعود النظام الرأسمالي الحكومي الشرقي وبأدوات الدكتاتورية، حسب الدول وتجاربها ومستويات تطورها.
(الطائفيات الإسلامية)، صرخاتٌ لصعود البورجوازية الطائفية لتشكيل أنظمة رأسمالية حكومية بأدوات دكتاتورية بهذا المستوى من القمع أو ذاك، بتقزيم أكبر للعمال والنساء وللحريات. وهي طائفيات لأنها تعجز عن التوحيد الاجتماعي للمواطنين في مثل هذه اللحظة التاريخية المشتركة.
بعد كل فترة تحالفية اجتماعية التي تسودُ فيها أدواتُ التخدير الإيديولوجية، وهي تتماثلُ من حيث النصوصية الدينية الغيبيية اللاعقلانية وغياب النقد وشخصنة السياسة وعبادة الأفراد، تصعدُ الفئاتُ التي استحوذت على الثورات – الثروات، وتنفصلُ عن العمال وهي القوى التي تطوعتْ لخدمة مستغلِيها نظراً لعوامل التخدير السابقة الذكر والمهمات الطبقية والوطنية المشتركة، وتجدُ نفسَها في وضع متدنٍ فقير وهو من الناحية الفكرية مزر، وقد شحبت أدواتها النقابية والرقابية وتخدرت بالكحول الرخيص أو بالعبادة الشكلانية، وتشكلتْ طواقم انتهازية فيها، تضعُ قدماً هنا وقدماً هناك، بغية استمرار الاستغلال والتغييب السياسي للعمال.
وخلال الفترة الطويلة لغياب العقل العمالي المستقل، حسب تجارب الدول والأمم، تكون العودة للنضال أصعب، بعد عقود من التبعية.
هذا إذا لم تـُدخلْ العمال القوى المسيطرة في مغامرات الحروب وكوارث التسلح، وهي من ثمرات جهودهم.
وغالباً ما يتضررُ العمالُ اقتصادياً من وضع الرأسماليات الحكومية وهي تـُخرجُ شياطينـَها من داخلها، أي حين تبيعُ شركات القطاع العام، وحين تعلن انفصالها عن الإيديولوجيات الشمولية التي صنعتها وجيرتها واعتبرتها مقدسة، وتعود لقانون السوق المرفوضة سابقاً، وهو أمرٌ يعني ترك العمال في ظروفهم المتدنية، وتشغيل آليات الأسعار غير المُسيطر عليها حكومياً، ويجري التداولُ الحرُ للنقد والبضائع، وتوضع القطاعات العامة التي صنعوها خلال عقود في مجرى البضائع المتحركة في السوق الداخلية ولصيد أرباب العمل من الخارج، فيكتشف العمالُ مدى تدني قوى عملهم التي تـُباع من خلال بطالة واسعة وحريات تنقل كبيرة للعمال المهاجرين.
في أزمنة وجود القطاعات العامة رغم كل فسادها وبيروقراطيتها تكون لهم فسحٌ من درس وتنظيم لكن أغلبها يضيع بسبب جهل أغلبية العمال لكون الرأسمالية الحكومية عابرة، لن تظل إلى الأبد، وسوف تتحول إلى بضائع خاضعة لأسعار السوق، وهم في هذه الأثناء كانوا يتبعون قوى البورجوازية الصغيرة الشمولية، مجيرين لمشروعات سياسية أكثر من الدفاع عن مصالحهم المستقلة، وهي المشروعات التي فككت صفوفهم، وجمدت مداركهم، وابعدتهم عن قوى عمالية أجنبية تعاني مثل ما يعانون وأكثر.
تسللت إلى العمال أفكارُ القوى الأخرى التي تستغلهم، وأخرتهم بفضل قيادات انتهازية أو مغيبة الوعي، حتى جاءت الفكرة وسقطوا على الأرض.
والفرق كبير بين عمال الأمبراطورية البريطانية وبين عمال الأمبراطورية الروسية، والإيرانية، والعربية، لم يتخدر العمال الأنجليز بالحشيشة القومية والدينية و(الأشتراكية) وفي حين تحول الكثير من أولئك إلى مستولين وجدت النقابات العمالية البريطاينة نفسها تصنع الحكومات.
حيرة عمالية
مع تبدل المنظومة العالمية وتكشف طبيعتها الموضوعية فإن الحركات المؤدلجة تخسر الكثير من الوقت في وقت التحولات العاصف.
إن شعارات مثل (تسقط الرأسمالية) في العالم الثالث ولنبني الاشتراكية ربما لا تزال تدورُ في ذهنِ بعض النقابيين واليساريين، خاصةً في حالات جمود الطبقة الحاكمة وتحجر نهجها الاقتصادي وتوسع الفقر والبطالة فإننا يمكن أن نصادف مثل هذه الشعارات وتظهر ردود أفعال لدى بعض الفئات المغبونة.
وسوف تكون الشعارات المعاكسة مثل لنساهم في تطور الرأسمالية أو لنقمْ بتصحيحِ الرأسمالية، مثار بلبلة في هذه الأوساط.
إن رؤية هذه الأوساط جامدة للحراك التاريخي الذي جرى في القرن العشرين السابق، حيث أتضحت العملية المركبة المعقدة لتطور الرأسمالية العالمية، وإنتقلتْ أحزابٌ إشتراكية في أوربا الشرقية وأمريكا اللاتينية للحكمِ أو للمشاركةِ في الحكومات، من أجل أن تجعل القطاعات العامة أكثر شفافية، ومن أجل تقليص هيمنتها على الاقتصاد والحياة السياسية والاجتماعية والإعلامية، وكذلك من أجل أن يتوسعَ حضورُ القطاعات الخاصة في الاقتصاد والمسئولية السياسية الوطنية وتَصححَ بعضَ جوانب ذاتيتها الحادة.
أصبحت قضايا الحد من البطالة والفقر والمشاركة في الثورة الصناعية والثورة التقنية، وخلق الرأسماليات التي تحقق القفزات الاقتصادية الكبرى على الطريقة الصينية والكورية الجنوبية والفيتنامية، من مطامح قادة اليسار والنقابات.
إن الحد من الإستغلال الجامح ومجابهة عدم التفكير في أوضاع الطبقات العاملة ومخاطر العولمة ونقل العمالة الأجنبية ومقاومة تفشي الأوبئة وتصعيد حضور النساء في العمل والنقابات والحكم، ونقل الثورة التكنولوجية والتعاونية للأرياف، وغيرها من قضايا غدتْ محوريةً في تطور الرأسمالية بمستوى تطوراتها الراهنة، كل هذه القضايا والأفكار تغدو أكثر صعوبةً وأوسع تحدياً في حياة المجتمعات العربية الإسلامية المنغلقة العائدة للوراء والمتجهة للتفتت وتذويبِ نفسِها في عالم يقفز نحو التكتلات الكبرى!
فإذا كانت القياداتُ النقابيةُ واليساريةُ العربية لا تقدح زنادَ فكرِها بعملياتِ تجديدٍ خلاقة فهي تشاركُ بشكلٍ صامتٍ في تدهور الحال العربي، ولا تجد نفسها إلا مع قوى التفتيت.
لكن الأمور أعقد من ذلك وأخطر. فقد رأينا الكوكبين الرأسمالي الغربي والاشتراكي القومي الشرقي يصطدمان ويكونا أرضاً جديدة، لكن العمليةَ القادمة هي التصادمُ الداخلي لهذين الكوكبين داخلَ كل بلد، أي تشكيل رأسمالية صرفة في البلدان الشرقية، وتبدل موقعا الرأسمالية الحكومية والرأسمالية الخاصة، ليظهر مزيجٌ منهما حسب ظروف ومستوى كل بلد.
بلدان مثل روسيا وإيران وكوريا الشمالية يهيمنُ عليها العسكرُ وقوى الصناعات الحربية يغدو تحولها أكثر عسراً من الهند والصين وفيتنام والبرازيل حيث قوى الصناعات المدنية.
دول عربية ذات مهمات أكثر تواضعاً من تلك، تريد حضوراً لقوى الصناعة الخاصة والنساء والعمال والعلوم التقنية في الإدارات وتغيير مستوى قوى العمل المتخلفة.
ليست مهمات الأحزاب اليسارية والنقابات هي واحدة في كل مثل هذه البلدان، لكنها في مواقع المساعدة على تغيير مواقع قوى الرأسمالية العامة والخاصة، وتوجيه الفوائض نحو إعادة هيكلة البلدان المتخلفة لما فيه صالح القوى العاملة والتنمية الوطنية والشعوب ككل.
فبلد يوجه فوائضه للخارج أو يركز على إقتصاد الخدمات ويفيد قوى عاملة معينة أو يكرس تخلفاً في القواعد العمالية، أو لا تهمه سوى مصلحة طبقة صغيرة ضيقة، ولا يقارب خططاً وطنية، أو يهدر فوائضه في التسلح والحروب، يحتاج للنقد والتصويب.
إن المزيد من الدرس الموضوعي لحالةِ كل بلد، ورؤية الأهداف التنموية المشتركة لمعظم القوى السكانية، والاهتمام بتطوير الإنتاج الوطني، وتطوير أحوال الطبقات المنتجة، عمليات كلها مهمة وخاصة من قبل المهتمين السياسيين والنقابيين.
ستخضعُ عملياتُ الإندماج بين الرأسماليتين الحكومية والخاصة لأشكالِ التطور الوطنية، وستنهمرُ كميةٌ كبيرةٌ من الإيديولوجيات والصراعات الدينية واليسارية والوطنية الغامضة والحادة، وتحدث تصادمات وتُطلب مساهمة القوى الشعبية والعمالية لمعاونة هذا الطرف أو ذاك، وتجري عملياتٌ قومية – دينية فوق رأسمالية، لأن البلدانَ المتخلفةَ وهي تشكلُ سوقَها الخاصة، وبنيتَها الرأسماليةَ الوطنيةَ هي في علائقَ دينيةٍ ما قبل رأسمالية مع جيرانِها، وهم سوقٌ تاريخية لها، كما أن بنيتَها الوطنية التي تحوي قوميات أخرى تتفتت وتتطلبُ لُحمةً.
ومن هنا فإن القوى الشعبية لا تجابه فقط دراسة واقعها الخاص وضرورة أن تشكل سياسةً موضوعية فيه، بل أن يكون لها موقف أممي وموقف قومي إنسانيين من جيرانها وأخوتها.
الاشتراكية بين النضال والأحتيال
ورثتْ الحركاتُ الاشتراكيةُ كلَ مخاضِ وتجاربِ البشر السابقين من أجل التغيير والمساواة الاجتماعية وأحلام العدل، وظهرتْ الاشتراكية العلمية مفرقةً نفسها عن الإشتراكية الخيالية، باعتبارها باحثةً موضوعيةً في سببياتِ زوالِ الرأسمالية وسببيات نشؤ الاشتراكية.
وقد استطاعت قوى الحضارة الغربية بما فيها من مؤسساتٍ ديمقراطيةٍ رأسمالية (شعبية) وشفافيةٍ ومن مُرَاقبةٍ وقوى عقولٍ باحثةٍ كثيرة وجمهورٍ متعلم، أن تحدَ من مخاطرِ نشؤِ الاشتراكية بشكلٍ عنيفٍ وعبر إنقلاباتٍ كارثية ووضعت حدوداً لصراع الفريقين الاجتماعيين: مالكي وسائل الإنتاج والعاملين في هذه الوسائل في ظروفٍ قاسيةٍ ولكنها تتغيرُ بنضالِهم داخل هذه المجتمعات الصانعة للمؤسساتِ الوسطى المقاربة بين القوى المتصارعة.
وحين قاربتْ الفاشيةُ الاشتراكيةَ وزعمتْ إنها جزءٌ منها، بانت إحدى علامات الأخطار المُحدِقة بالدعوةِ الاشتراكية (النبيلة) الإنسانية، من التصاق دعواتٍ أخرى بها، وهي دعواتٌ دكتاتورية أسسها أناسٌ منتفخون بالعظمةِ الجنونية، صرخوا من أجلِ إنقاذِ الفقراء والعمال المأزومين، لكنهم أرادوا خلقَ مستعمرات بعد أن إنتهى أو كاد عصر الاستعمار!
في جنون الاشتراكيات الوطنية لدى موسوليني وهتلر نلمحُ ثأرَ الأمم المتأخرة عن النمو الديمقراطي، التي لم تشهد تاريخاً ديمقراطياً عريقاً، وهذا التضخم القومي الهائل المتواري، خاصة لدى ألمانيا الجريحة المهزومة من حربٍ عالمية، ومن إقتطاع لأراضيها، ومن جذورٍ عسكريةٍ دموية تشكلتْ في تاريخها التوحيدي، ومن هذه الرغبةِ المتأججةِ لديها للثأر والرفعة وسحق الآخرين.
إن أغلب الدعوات (الإشتراكية) هي دعواتٌ قوميةٌ، لأمم ولشعوبٍ متخلفة، أو مسحوقة، أو مهانة، تريدُ العزةَ والقفز على تخلفها، وتستغلها وتوظفها أحزابٌ شتى قومية وإشتراكية ودينية. وتغدو في دول الشرق مرادفةً للتحرر الوطني والتقدم التحديثي، ولكنها تفتقدُ في الاشتراكية ما كان مؤِسِساً غربياً فيها، وهي شروطُ الحداثةِ والعلمانية والديمقراطية والعقلانية. فأغلبُ دولِ الشرق وأمريكا اللاتينية تفتقدُ هذه الشروط، وهي حين تزعمُ إنها سوف تقفزُ للاشتراكية إنما تقومُ بعمليةِ خداعٍ إيديولوجية.
لقد كانت دعواتٌ قومية دكتاتورية غير عقلانية وغير علمانية وغير ديمقراطية، إن تلك المضامين القومية المتوارية توضعُ عليها طبقات كثيفة من الشعارات الأخرى، لكن القومية السائدة المتوارية المسيطرة تظهر مع نمو البناء(الإشتراكي). إن روح الاشتراكية في أمريكا اللاتينية هي القومية اللاتينية ذات المذهب الكاثوليكي المعادية لأمريكا الشمالية البروتستانتية الرأسمالية المتفوقة. ويغدو إستخدام شعارات رفعة الكادحين من قبيل توظيف قوى الجمهور البسيط لتضحياتٍ جسامٍ وتشكيلِ رأسماليات لاتينية، مثلما حدثَ في روسيا والصين.
إن تداخلَ (الاشتراكية) هنا مع اللاعقلانية والدكتاتورية يتجسدُ في قيامِ نخبةٍ صغيرةٍ بتقريرِ مصيرِ أمم، وهو أمرٌ يتحقق من خلال تنامي القوى العسكرية الباطشة وأجهزة المخابرات وما تفعلهُ من كوارث تجاه الحقوق الإنسانية وتجاه الوعي العقلاني، وتجاه العلمانية لأنها بعملياتِ سحقِ الأديان إنما تقوي أشكالَها اللاعقلانية، وتخلقُ ديانةَ عبادةِ الزعماء، وهي عودةٌ لأشكالِ بدائيةٍ من التدين. ثم هي أشكالٌ تنهارُ ويعودُ الوعي الديني المحافظُ العتيق.
لكن (الإشتراكيات) القومية الشرقية خاصة الكبرى منها، المجسدة لسيرورة تطور الأمم العظيمة كروسيا والصين والهند(والأخيرة أسرعت بنفضِ الاشتراكية الوطنية سريعاً)، تخلقُ مقاربةً ملتفةً مع الرأسماليات الغربية، فتدخلُ الرأسماليةَ الحديثةَ من الأبواب الخلفية ومن القمع، ومن الفسادِ الحكومي، ولكن الصراع الاجتماعي لا ينتهي، بل يتمظهر بأشكالٍ أخرى.
إن قيام الاشتراكية يحتاج لأسسٍ موضوعية طويلة، لأن إحتكار الفوائض الاقتصادية لمجموعات قليلة، ولأمم صغيرة، يفجرُ تطورَ البشرية ربما إلى الهلاك العام، وتغدو السيطرة على قوى الإنتاج وإستخدامها لصالح الأغلبية مهمة، لكن من خلال أدوات المؤسسات العريقة وقوى الأغلبية وليس من خلال عمل النخب الصغيرة، أو المغامرات.
التحولات ونصيب العمال
تزدادُ المنطقة دخولاً في التحولات العالمية وعلى مدى السنوات القادمة ستشهدُ المزيد من تفكك قوى المحافظين السياسيين والدينيين، ومن تصليح أداء الليبراليين واليساريين كذلك.
إن اللافتات العامة المرفوعة المجردة عن الوطن والدين لا تكفي وحدها لاستقرار الاجتماعي، فالجمهور صار يتوجه لنقد الملكيات العامة المتجمدة وفشل المصانع الحكومية وهو بحاجة إلى حريات سياسية واقتصادية أكبر ليدفع باقتصاديات (الثروة الفقيرة) إلى طريق النمو الحقيقي، فالنمو الحقيقي لا يتحقق دون تغييرات عميقة في حياة المنتجين.
إن الشعارات المجردة تنقشع لأن الملايين تريد أن تعيش في مدن صحية وبظروف إنسانية، ولهذا فإن فكرة الانتخابات الحرة تنتشر، لكن العديد من الأنظمة العتيقة تخشاها، فهي عاصفة اقتصادية وسياسية لا أحد يعرف إلى أين سوف تستقر.
إن الجمهور العمالي الذي وثق في القوى الدينية بدأ يتراجع عن ذلك التأييد الذي غمر الشوارع في عقود سابقة، فقد وجد إن حياته لم تتغير كثيراً، في حين أن الفئات الدينية وصلت للثراء والفاحش أحياناً، وسواء عبر النفوذ الحكومي أم عبر تسلق أكتاف الجمهور وتضحياته، أم عبر الشركات والبنوك التي أرسلت توظيفاتها لأممٍ أخرى.
كما أن بعض القوى الليبرالية راحت تتخلى عن ليبرالتها المجردة وتدمجها بالبحث في مصالح العمال والفلاحين الذين تدهورت أحوالهم خلال هذه العقود، حيث تم التراجع عن التأميمات وأستعيدت أراضي الإصلاح الزراعي ونهبت الشركات العامة.
عبرتْ الشعاراتُ الدينية عن مناخ الغموض الاجتماعي وعن دخول جمهور من البسطاء الريفيين والحرفيين إلى العمل السياسي، وهؤلاء يصدقون الزعماء الروحيين منذ قرون، لكنهم راحوا الآن يختبرون هذه اللافتات عبر معاشهم ويقارنون الأقوال بالأفعال، ويعتبرون حياتهم المعيشية وتحويل ظروفهم البائسة هي المقاييس لتمييز الجماعات دون أن يتخلوا بطبيعة الحال عن تدينهم.
ولهذا فإن أحزاب القومية والدين والوطن المجردة الحاكمة أو المعارضة التي تصل للسلطة تواجه أسئلة المعيشة أكثر مما تواجه أسئلة الشعارات العامة.
وتواصل أحزابٌ دينية الحديثَ بالنغمة القديمة ولكن البعضَ الآخر العملي راح ينزل للشارع والظروف ويفهم الاقتصاد الحر وقوانينه.
إن مكانة أكبر قادمة لأحزاب الوسط التي تجمع بين الجذور الدينية وتغيير الأوضاع الاقتصادية السيئة، والتي تقلص نفوذ القطاعات العامة وتقوي الفئات الوسطى، والمسار يتجه عموماً نحو الفئات الوسطى الغنية وقادة البنوك والمصانع والشركات، حيث تتراكم الأرباح لديها فيتسع نفوذها على حساب رجال الدين والجماعات التقليدية عموماً.
في البدء يكون المناخ الديني السياسي فهو المتنفسُ الوحيد في دولٍ شمولية عديدة، لكن هذا المتنفس يغدو بعد ذلك على المحك، ويتصاعد دور الطبقات الشعبية في تأييد اتجاهات معينة أقرب إلى تطوير عيشها، مما يؤدي إلى تصاعد دور الفئات الوسطى الحديثة التي تجمع حولها العمال المستنيرين وقادة النقابات.
وبطبيعة الحال فإن هذه الفئات تعمل لمصالحها ولنفوذها المتزايد، وربما لدى بعضها مغامرات، لكن أصحاب السلطان المطلق في الدين والمال العام يواجهون العد التنازلي لسلطاتهم.
إضافة إلى ذلك فهذه الفئات أقرب للاقتصاد الحديث وفهم طبيعة تطوره وبضرورة تغيير البناء الاجتماعي تبعاً لذلك، ومن الممكن كذلك أن تقيم تحالفات مع بعض القوى الدينية المؤيدة للحداثة، وعموماً فإن الطبقات الوسطى تتقدم لاحتلال منصة المسرح السياسي، عبر تراكم الثروة المادية وعبر فهم جديد للثروة الروحية، وهذا لا يمكن أن يتحقق كذلك دون إعطاء مكاسب للعمال.
كسل القيادات العمالية
بعد كل حقبة سياسية ينتصرُ أغنياؤها الذين سيطروا بخيوطٍ متعددة عليها.
لم يحدثْ في التاريخ أن أنتصرتْ وهيمنتْ قوى الفقراء والعمال. تنطلق شعاراتٌ كثيرةٌ وتموجُ أدخنةٌ متلبسةٌ، لكن بعد ذلك يظهر المسيطرون من كبار الأغنياء.
ودائماً كذلك هناك المناضلون الطيبون والسذجُ والانتهازيون والمتحمسون الرومانسيون للشعارات التي تطلقها الطبقاتُ المسيطرةُ على علاقات الإنتاج، وكذلك القوى الهامشية المترجرجة وراء علاقات الإنتاج هذه.
تمثل الرأسماليةُ الحكوميةُ في الشرق أقوى المراكز في علاقاتِ الإنتاج هذه، وليس السياسيون ورجال الدين والمثقفون سوى قوىً خارجَ هذه العلاقات، ولا يحصلون على فتاتٍ مهم سوى من دخولهم في أحضان هذه العلاقات، أو إستفادتهم منها، أو معارضتهم لها لكي تعطيهم شيئاً!
ويجري العمالُ وراءَ هذه القوى الهامشية مرةً لتحقيقِ الإشتراكية وهي ليستْ سوى رأسماليةٍ حكوميةٍ بشعاراتٍ ثورية، فيجدون بعد ختام الحقبة السياسية كيف تحول ضباط الجيش والمخابرات والحزب الاشتراكيون، رأسماليين كباراً!
ومرة بصفة ثورة قومية تنتهي بإنفتاح وله القطط السمان التي إستفادت منه.
ومرةً وراء الثورة الإسلامية وهي ليست سوى رأسمالية حكومية بشعاراتٍ دينية، فلا يعرفون الآن أين يمضون، هل لحربٍ كارثية أم لتطور سلمي ديمقراطي؟!
رجالُ الدين وأتباعُهم من السياسيين هم قوى هامشية ليس لديها رأسُ مالٍ حديث قوي ومسيطر، ولكنها تريدُ أن تكَّونَ رأسمَالها عن طريقِ الدين، وهذا يتم كذلك عبر الشعارات الدينية، فما هي مصلحة العمال في ذلك؟
المتحالفون والمتعاونون معهم من مثقفين وتجار صغار يريدون أن يركبوا هذه الموجة ويستفيدوا من موسم التجارة بالدين، وهذا هو مسار سياسي بات معروفاً.
لكن القيادات العمالية لا تعرف ذلك، هي تعيشُ في ثقافاتٍ شموليةٍ متعددة، ثقافات دينية إشتراكية قومية متداخلة، تعبر عن دكتاتوريات الشرق، وسيطرة ذكوره على نسائه، وسيطرة حكامه على محكوميه وسيطرة سياسيه على الكتل العامية، وإنتزاعهم الثروة من كل ذلك.
ويفترض أن تكون القياداتُ العمالية هي التي درست وأستوعبت كل كوارث وإنجازات الشرق هذه، وتعلمت من سابقيها، وأن تؤسسَ الاستقلالية العمالية عن هذه الكتل المشبوهة إجتماعياً، والخطرة على النضال العمالي، الأكثر عرضةً للعذاب والضرائب والكوارث ودفع الفواتير.
والمشبوهية هنا تتعلقُ بعدمِ فهمِ هؤلاء لأفكارِهم وشعاراتِهم ومن يمثلون هم حقيقة، فهل يمثلون العمال أم قوى إخرى تتغلغلُ بين ثيابهم وجلودهم!؟
المحكُ والفيصلُ هنا عن مدى إيمانهم بالقضيةِ الملتبسةِ هذه في حياتهم السياسية أن يطوروا حياةَ العمال، من شتى النواحي الاقتصادية والثقافية والعملية.
أما أن تكون أوضاعُ العمال في اسوأ حال، وكتلهم ممزقة، وتواجه عمليات خصخصة وتفقير وبطالة وغربة وأوضاع أسرية معيشية قاسية، وكلُ قطاعٍ يحتاجُ موسوعةً لفحصِ مشاكلهِ وتدوينها ودرسها وبحث حلولها، والعمال الأجانب قوى بائسة ومنافسة وفوضوية لهم، ثم يتوجهون لقضايا سياسية كبيرة أغلبها مجرد وبعضها إستعراضي، فهو يعني إنهم مجردُ أدواتٍ لم يتطوروا ليكونوا قيادات عمالية متجذرة.
نريد أن نرى شيئاً من جهدهم لحياة العمال ومستقبلهم، حتى وإن بدأ ذلك على شكل درس وضع العمال بدايةً. فحتى الآن لا نجد شيئاً أولياً في ذلك، فأين هي عمليات قراءة أوضاع العمال؟
كم هي أعدادُ العمال المواطنين والأجانب؟ ما هي شرائحهم؟ كم العمال اليدويون وعدد العمال المهنيين والفنيين؟ ما هي الأجور المتوسطة والحقيقية في كل هذه الفئات؟ ما هي أبرز المشكلات لدى مختلف هذه الفئات العمالية ولدى مختلف الشرائح البارزة ؟ أين يتركز العمال وأين هي المؤسسات الصغيرة ؟ كيف يحدث الحراكُ العمالي عبر الهجرة والبطالة وظهور الأجيال الجديدة وماهي فروع الإنتاج في هذا الحراك؟ ما هي تحديات العمل النقابي؟ ما هي العلاقة بين العمال المواطنين والعمال الأجانب؟ كيف تتم المنافسة والصراع والتعاون بينهم؟ الخ.
يُفترض أن تشتغل قوى الدرس والبحث والتأمل على مثل هذه القضايا الأولية الأساسية(لأن ثمة قضايا كبرى بعدها)، بحيث أن تقدم النقابات عمليات فحصٍ أولى وتراكمات معرفية وتحددُ أبرزَ القضايا والمشكلات بحيث تقوم بالعمل لتغييرها بالوسائل المتاحة والتي يكمنُ في بدايتها التثقيف والمعرفة بالأوضاع الحقيقية ونشرها على الجمهور العمالي بدرجة خاصة.
العمال بين اتجاهات حادة متضاربة
كل جماعة تواجه خيارات فكرية وسياسية متعددة ومتضاربة، بطبيعة مرحلة الانتقال الحالية، لكن توجهات الحداثة الديمقراطية هي ثقافة تخترق كل هذه الجماعات، ولكن كلَ جماعة تهيمن عليها ثقافة الشمولية والمركزية والأنا في نفس الوقت!
والعمال رغم كونهم طبقة فقيرة يتطلعون مثل غيرهم إلى الأستئثار بالخيرات المادية وحدهم، خاصة وهم يعانون الأمرين في إنتاج هذه الثروات، ويأتي اناسٌ ويدغدغون فيهم مثل هذا الحلم، لكي يتسلقوا في سلالم السلطة، فينشرون بينهم وعياً زائفاً عن إسقاط الرأسمالية وسحقها المظفر في جزيرة العرب التي تناضل من أجل سفور المرأة ولم تستطع أن تفعل ذلك!
هذه الطفولية اليسارية هي نتاج معاناة مريرة كذلك، خاصة وهي ترى جماعات (اليسار) تتقرب لمن لديه الذهب، سواء كان معمماً أم متوجاً!
فترى شباب هذه الجماعات وقد فقدوا نضالية آبائهم، وتوجهوا لنضال الشموع والرحلات والتغزل بالبنات! فأين هم من التغلغل في الحارات الفقيرة والنضال بين الأميين والأميات وتثقيف البسطاء والعمال؟ لأن تثقيف العمال صعب، ويحتاج إلى تضحيات جسام، وهم لا يريدون أن يضحوا ويكرسوا وقتاً من أجل تثقيف الجمهور الأمي والعادي بل أن يتمتعوا بالمشروبات والمعسل اليساري!
فهو النضال الجاهز ( away take) بعد أن أنتشرت المطاعم الغربية، وقد جعلها بعضهم (نظرية) فصار التسلق مدرسة، فتسلقوا على الدول الكبيرة في الخارج، وراحوا يمدون خيوطهم وخطوطهم لمن يدفع، ولمن يرفع، وبغض النظر عن كون من يدفع شبكة خطرة تقود جماعتهم لمأزق فكري، فالفكر لا أهمية له، ما دام هناك الكثير من الجهلة من شعبي، والذين يصدقون هذه الشعارات البراقة، ويتحمسون للمفرقعات الصاخبة، لكنهم لا يعملون من أجل توحد العمال والفقراء في كيان واحد، لأنهم يخافون من هذا التوحد لأنه يقضي على ذلك التسلق والكسل السياسي.
ومن جهة أخرى يمكن أن ينشأ فصيل آخر يزايد على الشعارات العمالية والثورية، فيصرخ لتسقط الرأسمالية، ولنحطم الأغنياء وعاشت دولة العمال والفلاحين، وهو بالكاد يكتب أربعة أسطر باللغة العربية السليمة!
وهو من هؤلاء الشباب المتحمسين لقضية الفقراء لكنه لا يريد أن يفتح كتاباً، وأن يدرس التحولات العاصفة في العالم، فيقوم بالنقل من الكراريس القديمة في أوائل القرن العشرين، فيعتبر إن كل الجماعات السياسية انتهازية، ويجب مقاطعتها ومقاطعة البرلمان ومقاطعة الدينيين الرجعيين، في حين أن قراءة آراء هؤلاء مهمة، ونقدها وتحليلها ضروريان، وجعلهم يفهمون التاريخ الإسلامي عملية أساسية، لأنهم مثل القوى الأخرى يعيشون حالة جمود فكري وشمولية وتسلق على حساب العاملين، وتطورهم باتجاه الديمقراطية مهم، ومساهمة العمال في تطور هؤلاء مهم، لأنهم يقررون أجورهم وظروف عملهم وتسريحهم أو بقائهم في أعمالهم، فكيف يمكن مقاطعتهم وإلغائهم؟
لكن مقاربة الدينيين والمستقلين المعبرين عن القوى الأخرى تعتمد على القوى النقابية والسياسية، ومدى حضورها في مناطقهم كمعبرين عن العمال، ومدى دور نقاباتهم في الدفاع عن معيشة الشعب العامل في القطاعين الخاص والعام معاً.
إن دينامكية التفكير العمالي في هذا العصر المعقد وفي هذه المنطقة الصعبة يعتمد على مرونة شديدة من قبل الشباب خاصة، لأنهم بلا نضج ويشتغلون بحماس وتهور أو بكسل، ومن هنا يغدو رفض إشكال التسلق والاعتماد على النشاط المستقل وطرح الحلول المعقولة للمشكلات، واعتماد الفقراء على أنفسهم ونضالهم، هو الطريق الصحيح الصعب ولكن الذي سوف يؤتي بثماره.
الديمقراطيةُ البرجوازيةُ العماليةُ
إذا كان المصنعُ هو أساس الحياة الاقتصادية للمجتمع، فإن المستثمرين والعمال هم أساس تطوره الاجتماعي السياسي على مدى العصر الحديث حتى ينطفئ هذا الأسلوب تدريجياً.
هذه الضرورة لا تتكشف من أول وهلة بل عبر مجرى الزمن الاجتماعي الصراعي الطويل.
في البدايات لا يكون للعمال وجود إجتماعي سياسي، فهم كم مهمل، لكن الضرورات الاقتصادية وتطور الصناعة وإنتشار التعليم والوعي النقابي والسياسي، يجعل لهذه المجموعات المفتتة كيان طبقة بعد عقود طويلة.
أما الوجود السياسي وكونها طبقة مؤثرة ليس في المصانع فحسب بل في البرلمان والمؤسسات السياسية فهي مسائل تتعلق بمدى تطور الديمقراطية الاجتماعية السياسية في المجتمع: تغير طبيعة العائلة الكبيرة، وإنتشار الثقافة الموسوعية وسط العمال، وظهور العائلة العمالية المكثفة المتطورة، وتحول العمال اليدويين المستمر لعمال تقنيين وخبراء وعلماء، وهذا يتعلق بمجرى تطور الثورة العلمية التقنية.
زمنيةُ العمالِ اليدويين الأكثر تخلفاً تحددُ زمنيةَ البرلمانات التي تملأها البرجوازية وفئاتها المتعددة، في هذا الزمن لا يستطيع العمالُ فهمَ السياسة وتنتشر الأمية بينهم، هذه الزمنية تؤجج الأحقاد وإستعمال العنف من قبل فئات من العمال، وفي هذا الزمن النقابات ضعيفة والأحزاب الاشتراكية ذات نهج شمولي.
تتطور البرجوازية والعمال في مجرى الصراع التعاوني، فالأولى تقودُ تطور وسائل الانتاج، وتربط المصانع بمعاهد البحوث، وتطور العلوم المرتبطة بالانتاج، وهو أمر يقود لتوسع فهم العالم، وتنشأ فئاتُ العلماء المنفصلة عن الانتاج في بادئ الأمر، ثم تتغلغل العلومُ في المصانع وفي فئات العمال، فتتضاءل الشمولية وسط الطبقات العمالية وتغدو منتجة في الوعي السياسي الديمقراطي.
تعتمد تطورية البلدان على تطور المصانع وعلاقاتها بالعلوم والتقنية، ووجود الأسواق والمواد الخام، وتضيق الأسواق بشكل دائم فتتوسع البلدانُ الرأسمالية المندمجة مع بعضها البعض، مثلما يصبح العمال قوة إجتماعية قارية. ولهذا فإن أوربا الغربية تغدو أكثر ديمقراطية فيما يلعب الحجم الاقتصادي الضخم في الولايات المتحدة دوره في التوسع والاستعمار وخسارة الفوائض الاقتصادية على التسلح والحروب، ويبقى العمال فيها قوة غير مؤثرة على التطور الاقتصادي السياسي. ولهذا فإن أزماتها الأكبر في الطريق. الاعترافُ المتأخرُ بالعمال كقوة سياسية يخلف قوى الانتاج ويؤزم التطور سواءً في الغرب أو الشرق.
في بعض البلدان النامية ترتفعُ راياتُ العمال الحمراء والمتعددة الألوان كقوةٍ سياسية مجردة فالمستوى الاجتماعي المتخلف لهم والهيمنة السياسية الإيديولوجية الزائفة عليهم يجعلان الفئات الوسطى الصغيرة أو الارستقراطية أو الإقطاع تزيح الطبقتين المنتجتين وتتحكم في الفوائض، ويختنق التطور الاجتماعي السياسي الديمقراطي لعقود حتى يظهر مجدداً ويغدو العمالُ أكثر الخاسرين وتتشوه البناءات الاقتصادية: ضخامةٌ في الرساميل غيرِ المنتجة وتقزمٌ في المنتجة منها؛ سواءً كان ذلك بسبب البذخ أو التسلح أو التوجهات للأرباح السريعة، لكن السبب الأهم هو غياب الجدلية الصراعية التعاونية بين المستثمرين والعمال، وعدم تحول الديمقراطية لترشيد إقتصاد السوق نحو تطوير قوى الانتاج البشرية والمادية.
في البلدان النامية ضخامة أعداد العمال الهامشيين والعاطلين وغير المؤثرين في الحياة الاجتماعية، تعبيرٌ عن ضعف الانتاج، وإنهيار الانتاج القديم وعدم التمركز في المصانع وضعف صلاتها بالعلوم والتقنية، ولا توجد برجوازية صناعية هنا، بل فئات وسطى صغيرة تفتقدُ القدرة على تكوين الرساميل الصناعية ولهذا تكون ذات وعي ديني، حيث لم يندغم الوعي هنا بالعلوم وقراءة الطبيعة وتطوير العمال والمصانع.
الضرورات تكسرُ الأشكالَ الحِرفية الصغيرة، مثلما تتضخم رؤوس الأموال، ويتمركز العمال، وتتصل المصانع بالتقنيات والمعارف الحديثة، فيكرر الشرقُ مسارَ الغرب بصور أسرع، وتصبح القاراتُ السكانيةُ قادرةً على تجاوزه حين تطور صراع المستثمرين والعمال التعاوني الديمقراطي، فيصبح القرن الواحد والعشرين بدايات العصر البرجوازي العمالي العالمي المشترك المديد في القرون القادمة.
الأفكارُ والمراحلُ التاريخية
تتداخل الأفكارُ الوطنيةُ والعالمية، فالبشر يتبادلون المنتجات الفكرية والسلعية، وتحدث التأثيراتُ بسببِ حاجاتِ الأبنية الاجتماعيةِ الوطنية للتغييرِ وقدرة القوى الفاعلة الصاعدة في هذه المراحل على إنتاج الأفكار المُحركة للواقع وعلى التفاعل مع الجمهور الشعبي، محرك التاريخ الأساسي.
لكن هذا الوعي غائبٌ حتى في الدراسات الجامعية، لصعوبةِ قراءة التداخلات والبُنى الاجتماعية الوطنية في كل مرحلة، التي تحددها ظروفٌ موضوعية وإنتاجٌ وطني عالمي للأفكار.
وجود طبقة ذات تقدم تاريخي هو بؤرة الموقف، ولنأخذ هنا موقفاً من التاريخ المصري الثقافي السياسي، لأنه معروف عربياً غير أنه من الصعب فهمه.
فالفئاتُ المتوسطة التي ظهرت في أوائل القرن العشرين بمصر هي التي طرحتْ التنظيمَ السياسي المعبرَ عنها، وكذلك الأشكال الفكرية والفنية والأدبية المسايرة لها.
إن مستوى هذه الفئات الوسطى السياسي الفكري هو مستوى إستيراد لليبرالية ذات شعارات نهضوية، ولهذا فإن قدراتها لا تسمح لها بتركيبٍ جدلي معقدٍ يغوصُ في البنية الاجتماعية ذات الجذور العميقة، أي أن تقومَ بتحليل البناءِ الاجتماعي المصري العربي الإسلامي المسيحي وإكتشاف قوانين تطوره، فهي لا تقدر على هذا الغوص، فتطرحُ شعاراتٍ عامة، تتمظهرُ في كلِ شكلٍ من أشكالِ الوعي بدرجةٍ معينةٍ وحسب الناشطين في هذا الحقل أو ذاك، فالزعامةُ السياسيةُ تطرحُ ديمقراطيةً مقاربةً للملاك الكبار والصناعيين، مثلما يتبدى ذلك في قيادة سعد زغلول، وهي رؤية تقزمُ اليسارَ والفلاحين، ومحمد حسين هيكل يطرحُ رواية أوربية على جسد الريف المصري الذي يخلو من الإقطاع، فيما تتقدم الفئاتُ الوسطى في وعي نجيب محفوظ، لكنها لا تصطدمُ بالإقطاعِ المحلي، إلا بشكله السياسي التركي الأجنبي وفي علاقاته الأسرية حيث الأبوية الشمولية. وهنا تتمظهر بشكل محسوس فني رؤية الليبرالية لما بعد الحرب العالمية الأولى، فهي لا تتغلغل في جذورِ البنية الاجتماعية، فالإسلام والمسيحية غائبان، ليس لأنهما غائبان عن الحياة ويفعلان فيها كثيراً، بل هما غائبان عن رؤيته. يتمظهرُ الإقطاعُ في شريط عرضي خاصةً حين يعرقل نمو الفئات المدنية.
الليبراليةُ الاستيراديةُ هنا هي في وعي فئاتٍ وسطى ذاتِ ثقافةٍ معينة وظهرتْ في ظروف معينة، لهذا تقاربُ العموميات، كما أنها تجذبُ فئاتٍ كثيرةً في البدء لأن هذه الفئات الكثيرة متحدةٌ في أهدافٍ مشتركة هي؛ طرد المستعمرين، ونهوض الصناعة والاقتصاد الوطني، لكن التطور التاريخي يسير حسب مصالح الطبقة القائدة للتحالف الشعبي، وهي التي تتمايز مصالحُها شيئاً فشيئاً عن الجمهور العمالي والفلاحين والفئات الوسطى الصغيرة التي تجدُ أن فئات(البرجوازية) والملاك الزراعيين الكبار، تخذلهم شيئاً فشيئاً، وتكرسُ مصالحَها فتنقضُ عنهم.
الطبقة القائدة للتحول التاريخي هنا تعجزُ عن إقامةِ تحالفاتٍ عميقة، إنها لا ترضي العمالَ بالدفاع عن أجورهم ولا تقوم بتغيير ظروفهم، وهي تصمتُ عن الفلاحين ولا تطرحُ تغييراتٍ في المُلكية الزراعية وتتجنبُ الإصلاحَ الزراعي.
التحالفُ يتفكك، لكن لا تظهر طبقةٌ حاملةٌ لتشكيلة جديدة تاريخية، لأن الطبقة الرأسمالية التي كان يجب أن تجذرَ هذه التشكيلة وتغيرَ الإقطاعَ في الزراعة والبيوت والثقافة وترفع من أوضاع العاملين وتجعلهم قاعدتها الجماهيرية القوية، توقفتْ عن معركتها فتنطعت لهذه العملية فئاتُ البرجوازية الصغيرة الدينية واليسارية والعسكرية وأدخلت مصر والبلدان العربية في مراحل تجريبية تائهة.
لهذا نجد التنظيمات السياسية تتجه خاصة بين الحرب العالميتين الأولى والثانية، وبعدهما، لأقصى أشكال اليسار والدين.
على مستوى الوعي سنجد عبدالرحمن الشرقاوي يكرس أهمية الإصلاح الزراعي وتغيير حياة الفلاحين ويهتم بالإسلام كثورة شعبية، بأشكال جزئية وأدبية، وفقهية، لكن بلا رؤية تقدمية شاملة.
وحين تجسدت هذه الرؤى التجريبية وسيطرت فئةٌ عسكريةٌ من البرجوازية الصغيرة المضطربة في زمنية الناصرية، نجدها لم تستطع أن تخلق نظاماً حاملاً لهوية، ولتشكيلةٍ، فقدمٌ لها في الرأسمالية والإقطاع وقدمٌ لها في الاشتراكية، فلم تفهمْ الإسلامَ ولا الحداثة، وفي النهاية نجدُ هذا التآكلَ السياسي الاقتصادي والإنفتاح الاقتصادي الفوضوي تعبيرين عن فشل الطريق نحو التشكيلة الحديثة.
ومن هنا فإن الفئات المثقفة التحديثية الطالعة في الستينيات والتي ذهبت لسجون العسكريين لم تعد تثق بالمطلق كنظام، ولم تقدم رؤى بديلة. وفي هذا إستمرارية لأزمات أجنحة البرجوازية الصغيرة الحديثة، فبدأت أجنحتُها التقليدية في النهوض مدعومةً من أموال النفط في الجزيرة العربية وإيران ومن فشل مغامرات العراق وسوريا. والآن تنتصر الأجنحة المحافظة مكرسة تقاليد أكثر تخلفاً من سابقاتها.
هذه خطوط عريضة أساسية لما جرى في مصر والبلدان العربية، وكل بلد له مساره التاريخي الخاص في الخطوط العريضة السابقة، ضمن هذه الممارسة للفئات الرأسمالية الليبرالية الأولى والتي توقفت عن التغيير، ثم جاءت الفئاتُ البرجوازية الصغيرة يساراً ويميناً، ولم تفلح في إيجاد نظام، وإستمرارية هذه الفئات في إنتاج الأزمات تتشكل في رؤاها، وعلينا أن نراقب مرحلة التجريب الجديدة في اللحم العربي.
إنها عاجزة عن تغيير الإقطاع وعلاقاته المتجذرة في البنى والعلاقات الاجتماعية والثقافية وفي رؤاها، فيغدو أمامنا تاريخٌ تجريبي آخر، يستنزف القوى والموارد، ويضيع عقوداً أخرى من الحلول الكلية والسحرية والشمولية.
إن هذه الفئات لا تتحد لتغيير ما هو تقليدي وتتفق على هذا وتتبادل العملية السياسية وتجعل الجمهور حكماً، بحيث تغدو الأدوات السياسية والإعلامية حرة تحترم كافة وجهات النظر، مركزين على تغيير ما يتفق الناسُ على تغييره من علاقات إقتصادية متخلفة وتوضع الخطط لتطويرها.
المراحلُ التاريخيةُ والموقفُ المغامرُ
تمثل الفئات الوسطى الصغيرة أساس الحراك التاريخي في البلدان النامية المنتقلة من الإقطاع إلى الرأسمالية، وهي تغدو أساس الحراك ومشكلته معاً.
فهي أكثر الفئات عدداً وأنشطها إنتاجاً سياسياً وهي قادرة على خلق الاضطراب التاريخي في ذات الوقت. فنظراً لعدم حملها علاقات إنتاج تتذبذب مع القوى الغالبة سواء التي تشد للإمام أم للخلف، وهي تخلقُ مراوحةً طويلة مقلقلة للشعوب حتى تتقدم الطبقات المنتجة لاحتلال مسرح التاريخ.
في المرحلة الليبرالية إندفعت لقشور الليبرالية بدون القبول بإصلاح زراعي وتحرر النساء والعقول بشكل جدي فبقيت البنى الاجتماعية في الإقطاع.
في المرحلة العسكرية برزت الفئاتُ الوسطى الصغيرة بذاتها وإندفعت للاشتراكية البيروقراطية وهمّشت الإصلاح الزراعي وتحرير النساء والعقول وخربت المـُثُل الاشتراكية.
تكسرت المبادئ الليبرالية والاشتراكية بسبب المبالغة الشكلية في الدعوة لكن تطرف هذه المجموعات قطع الطريق على التدرج والتنامي الإصلاحي، مما خلق ثنائية الحرب الباردة التي كانت تحطيماً نارياً للقوى الديمقراطية المناضلة الصغيرة في أحشاء المجتمعات التقليدية النامية، ونفياً للطبقتين المنتجتين العمالية والبرجوازية في الدول (الاشتراكية) الحكومية الشمولية.
وبعد أن إنقشع السرابُ الليبرالي والخيالُ الاشتراكي عادت المجتمعات لمستوياتٍ إيديولوجية سياسية محافظة متطرفة في الرجعة للوراء كما كان تطرفها في القفزات إلى الإمام!
في المرحلة الحالية برز (الإسلام) المفهوم بمثل تلك الضبابية والانتقاءات الإيديولوجية حسب طريقة هذه الفئات الصغيرة المتراقصة بين الحبال الطبقية، والتراقص هنا يغدو بين رأسماليات الدول الحاكمة وبين المهمشين فيها، بين الحكومات ومجموعات المعارضة الطائفية المختلفة، بين العصر الحديث والعودة للعصور الوسطى، ويتحول هذا الرقص لصراع مذهبي ديني عنيف يجر الناس للاضطرابات، بدلاً من تحويل رأسماليات الدول لرأسماليات حرة وعبر نضال الشعوب المتدرج المتنامي وإحترام الصراع الاجتماعي فيها، وتكوين الأسس المادية والفكرية للانتقالات السياسية والاجتماعية الأكثر تطوراً.
المجتمعات النامية التي تطورت إقتصادياً وإجتماعياً بعض الشيء تراجعت للوراء كثيراً في الفهم الإيديولوجي للحياة والصراعات.
فبعد فشل الاشتراكية والليبرالية برزت التياراتُ الطائفية السياسية وإندفعت أغلبُ قوى البرجوازية الصغيرة فيها متحمسة لها، نافية ما عداها، مؤسسة نفس أخطاء المراحل السابقة، فهي تصاب بسكرة تفقدها أي توازن وتطير بأجنحة الحماس نحو النار.
إنها فئات مع الغالب والسائد فتداخلت بصور غرائبية مضحكة، لكن قوى الإقطاع الدينية التي تصاعدت بعد فشل الليبرالية والاشتراكية، مستندة للعلاقات الريفية المحافظة غالباً، تقوم بجر هذه الفئات البرجوازية الصغيرة للوراء، فهي ليست ديمقراطية ولا قومية بل تتبع قيادات التنظيمات والمراجع الكبرى الدينية التي تريد قولبة الحاضر حسب مفاهيمها العائدة للعصور الوسطى خادعةً الجماهير بالحديث عن الإسلام.
لكن فئات البرجوازية الصغيرة هي الأكثر صخباً وحماساً لهذا الخيال الحارق العائد للخلف، مثلما كان الحال أيام اليسار المغامر والصخب من أجل الكفاح المسلح وإسقاط الرأسمالية.
العقدة هنا تمكن في تحريك الجمهور العاطفي الذي يعيش في سديم إجتماعي وإيديولوجي متصوراً الذهاب للجنة، بدون شقاء الرأسمالية والتصنيع ومصائب العمل النسائي!
إن ما إستُخدم سياسياً ليس هو الإسلام أو الاشتراكية أو الليبرالية، بل هو مصطلحاتٌ معلبةٌ وشعاراتٌ غير متجذرة في تُربٍ موضوعية، بل مسلوقة ونيئة، ومقدمة بأعداد هائلة صاخبة للجماهير.
وطريقة السلق هي واحدة في هذه المجموعات رغم مواقعها الإيديولوجية المتنافرة. فهي ترفض النمو المتدرج في بُنى رأسمالية متخلفة شرقية واضحة القسمات وترفض التوجه للنموذج الغربي العالمي الديمقراطي العلماني، وتقدم تصوراً إيديولوجيا من خيالها الواسع، فبداية هي لا تقرأ هذه البُنى الشرقية، بسبب أن مشاعرها الحادة وجملها الصاخبة وحياتها المحافظة المهيمنة على النساء والحرية والعقول والعائشة في الثقافة السحرية ترفضُ الواقعَ الموضوعي، فهي تريد القفز بدون أن تعالج سلبياتها وتخلف بيوتها ووعيها وتطور عملها.
الآن تجمعت بأعداد وفيرة للمشروعات الطائفية المحافظة الممزقة للبلدان العربية الإسلامية، وتعمل بنفس الصخب وبنفس الروح المطلقة المتعصبة لكن هذه المرة المشروع قفزة للوراء بشكل كارثي.
حركية الفئات الوسطى وثبات العمال
يحتاج العمل السياسي الديمقراطي إلى نشاط الفئات الوسطى الديناميكية عادة، المتحركة، الباحثة عن مواقع قدم لها في الأرض الاجتماعية، وكذلك مبدأية العمال وصلابتهم في النضال.
ومن حق أي حركة سياسية أن تعمل في كل أرضها الوطنية وتختار المواقع المناسبة لها، والتي تعطيها منتوجاً سياسياً أكثر من غيرها، خاصة تلك المواقع التي لها حضور تاريخي فيها.
كانت الانتخابات السياسية قد تجيرت بشكل طائفي خطر من قبل الهيئات المتنفذة حكومياً وأهلياً، وهو مصير سيء للجميع مع الاستمرار في تجذيره، ولعدم القدرة على إنتاج ثقافة وطنية حديثة.
عبرت القوى التقليدية المتسيدة على الأرض عن أفكار قديمة، مثلما أن القوى الجديدة عاجزة عن إثبات جدتها.
رغم النشاط الذي تقوم به الفئاتُ الوسطى بطبيعةِ أعمالِها الحرة والوظيفية الحديثة لكنها ترتكز على الجانب التقليدي الفكري، والدعاية والأدلجة ونشاطات المقر.
هل تفكر القوى السياسية بالظروف الاقتصادية الصعبة للجمهور؟
هل تحلل أوضاع المدن التي تشتغل فيها سياسياً وظروفها العمرانية والاقتصادية والصحية والبيئية والمرورية؟
هل تعالج مشكلات العمالة الأجنبية وظروفها السكانية والاجتماعية المخلة بتطور البلد وظروفها؟
ما يتم التركيز عليه هو الخطابات السياسية والتحالفات للوصول إلى المقاعد، فليس ثمة خطط اقتصادية، ولا قدرة على معالجة التطور الاقتصادي الوطني برمته، ووضع الخطط البديلة الشعبية للخطط الحكومية.
فلا بد من تلاقي الجمعيات والتيارات السياسية على خطوط عريضة ترتكز على المطالب العامة، وعلى النمو العقلاني للتيارات، وليس على الاستفادة من الحماس المؤقت.
يجب طرح مثل هذه الشعارات:
- نطالب بمراقبة للشركات العامة وميزانياتها ومداخيلها وكيفية توزيع فوائضها بالصورة المناسبة.
- نريد مساندة وإصلاح ومراقبة الشركات والبنوك الكبرى الخاصة لما فيه فائدتها وفائدة الأغلبية العاملة البحرينية.
- تغيير أوضاع الخدمات العامة المتراجعة في الصحة والتعليم والبيئة والعمل الخ..
- رفع مداخيل الجمهور بالصورة الاقتصادية التالية..
إن القوى الوسطى تتوجه للصراعات فيما بينها لأسباب فكرية لا تهم الجمهور، وبهذا تتصارع طائفياً وسياسياً بشكل غير حضاري، وهو أمرٌ يبدو في الشعارات، وليس ثمة تركيز على الأوضاع الاقتصادية العميقة، لأن دراسة هذه الأوضاع بشكلٍ موضوعي ليس بقدرة أحد التيارات بل تحتاج لتعاون جماعي كبير من التيارات المحلية.
التعاون المشترك من قبل القوى السياسية لتقوية الرقابة البرلمانية وجمع المعلومات الواسعة.
والهدف الاقتصادي الاستراتيجي خلق تعاون بين القطاعين العام والخاص يستهدف ضبط تطورهما المشترك وتنمية القطاعين ومداخيلهما ورفع مستوى معيشة الناس في ذات الوقت.
إذا وَضعتْ الفئات الوسطى والتي بيدها النشاط السياسي الإنتخابي مصالحَ الغالبيةِ العامة من الناس فهي تجذر تياراتها وأفكارها على صعيد حقيقي ومستقبلي بعيد المدى، بدلاً من انتهاز الفرص والوصول للكراسي بغض النظر عن المسقبل وإستغلال المشاعر المؤقتة، وهو ما لا يجذر أفكارها مهما كانت.
كما أن من المناسب للقوى العاملة أن تبحث عن مرشحين متجذرين ذوي خطط مستقبلية طويلة، فالاقتصاد يعاني كثيراً، والحكومة تعتمد على ما هو مؤقت، وعلى الإبر البترولية المؤقتة، وتدفق الشركات وفيضها العابر، وحتى الآن لم ينجح الاقتصاد المنوع الذي طـُرحت شعاراتهُ خلالَ عقود طويلة، مما يشير إلى سياسة اقتصادية غير ناجحة على المدى الطويل، سوف تتضح مشكلاتها مع تضاءل الإنتاج البترولي.
ولم تنجحْ الإبرُ المؤقتة في السنوات الأخيرة والمعالجات القصيرة، والأمور تحتاج إلى تعاون وطني واسع بين قوى الدولة والتجار وأرباب العمل والعمال، تعاون سياسي عميق وليس اتفاقات مؤقتة وعاطفية.
وليس إلى تدفقات عفوية كبيرة تؤدي لبعض الدخول وللكثير من الزحام والتضارب وفوضى السوق ونتائجه على إزدحام المواصلات وعلى الخدمات.
كذلك فإن الاندفاع على الموارد المحدودة ليس هو الجانب السليم.
وكذلك التدفق في إستخدام الأراضي بأشكال مؤقتة سريعة.
هناك إذن مشروع حكومي لاستثمار ما هو مباشر وبشكل سريع ودون وجود خطط اقتصادية موضوعية مسقبلية بعيدة المدى.
وثمة مشروعات خاصة للنمو الاقتصادي الربحي السريع بدون تعاون ورؤى جماعية ودون رؤية لأوضاع الغالبية.
بطبيعة الحال لن يهتم الجمهور العريض بمسائل الخطط المستقبلية وهياكل الاقتصاد وغير ذلك من القضايا المعقدة، بل سوف يطالب بخدمات رخيصة ومكاسب مادية كبيرة، ونواباً يحققون له مثل هذه الرفاهية.
وهي أهداف مهمة فهناك دخول كبيرة قادرة على ذلك، وجزء من الرقابة البرلمانية والبلدية والسياسية لا بد أن يتوجه لذلك، ولكن هذا لا يكفي دون رؤية بعيدة المدى، وقوى سياسية ذات إدراك مستقبلي وذات قراءات للاقتصاد وكيفية إصلاحه وشرح ذلك للجمهور لكي تتشكل كوارد مستقبلية فيه تفهم هذه القضايا وتناضل من أجلها.
النضال السلمي بلا حدود
فيما تصر قوى العنف والتخلف على القنابل النووية ووضعنا في مضمار قتل ضيق، تعمل قوى النضال السلمية بضعف وتشتت وحيرة.
والسبب يعودُ لعقليتها العنفية المضمرة.
النضال السلمي لا حدود له، يوسع الأفق السياسي، يقوي ويقرب الخصوم، ينتج أساليب تقدم مستمرة، يحرر الشعوب وهي مقاربة لحالات تطور.
تعبرُ الجزائرُ عن فخرِها بثورة المليون ونصف المليون شهيد وكان يجب أن تتأسى وتفكرَ بعمقٍ لماذا حدثت هذه المأساة المروعة وبذلت كل هؤلاء الضحايا؟ فكرْ لو أن هؤلاء كانوا أخوتك، ماذا كنتَ ستشعرُ في هذا المصاب؟
ثم لم يترك الجزائريون فرنسا الاستعمارية وذهبوا إليها عاملين بظروف قاسية وكأنهم لا يريدون ترك مستعمريهم المتقدمين الذين افتقدوا حضورهم في بلدهم المحررة!
لم يسأل خوارج الحاضر عن تأسيس المغرب الأوسط من قبل خوارج الماضي! فهو تاريخُ حدةٍ سياسية لم يجرِ فيه سلمٌ حضاري طويل.
عنزةُ غاندي كانت أكثر أهمية من مدافع الباكستان، وفي حين تصعدُ الهندُ لقمم التقدم الاقتصادي تتفككُ وتتمزق الباكستان ويكون فيها الأبطال أجساماً مفخخة وقتلى بجنون ولا أحدٌ يأبهُ بإحتضارِها السياسي!
لماذا تسرعون في القضاء على الإحتلال الإسرائيلي البغيض؟! هو مفيدٌ في جوانب لكم، يعلمكم كيف تتشربون وتتجاوزون اليهود في إقتصادهم وتقنياتهم ومعلوماتهم، هذه فرصتكم للتعلم من أكثر قوى الإستغلال في العالم ذكاءً، وهم أكثر المدارس خطورة ودهاءً في تاريخ الإنسانية، فحولوا شبابكم لعلماء وتقنيين، وحولوا متاجركم البائسة لمصانع صغيرة للمعلومات والتقنية، وأنتم أكثر نسلاً منهم ولستم أكثر ثقافة منهم حتى الآن، ولا تجعلوا المقاومة الدموية هي طريقكم فإنها إستمرار للاستعمار وقضاء عليكم، وقد سبح اليهودُ في بحر التقدم الغربي وكان معهم رأس المال الطويل المكين، وعددهم ضئيل ونوعي متطور فوقفوا على رأس العالم الرأسمالي المسيطر على الكرة الأرضية وهم أقل الشعوب عدداً!
ألم نشبع من تاريخ التشنج؟
ولهذا فإن جماعات (النضال) في الجزيرة العربية والخليج يقضون على سبل التطور الوفيرة الغنية في المنطقة، فليست لهم من طرق التغيير سوى الحرائق والدماء والسيارات المفخخة، والمذابح، وصارت القاعدة بطلة في المدارس الثانوية، وهي تحضرُ المزيدَ من قوى العسكر الغربيين إلى بيوت المحصنات المسلمات.
ضعْ قنبلةً وأهرب وتقضي على الاستعمار والعدو وتحرر المسلمين وتنصرهم على أعدائهم الكفرة!
جملٌ سهلةٌ تدغدغُ عقولَ المراهقين وتطيرُ بهم في سماء البطولات، ويقتربون من أبطال المسلمين والمجاهدين والسلف، ولكنهم لا يفعلون سوى تمزيق هذه الدول، وزرع القواعد فيها، ونهب ثرواتها بتقوية الجيوش وتضخيم الميزانيات العسكرية، ولا يدرون إنهم مجرد مواد غبية في إستراتيجيات دولية تريدُ حصدَ الأخضر البترول وتركَ الأعشابَ الصفراء المسمومة من حروبٍ أهلية ودمار بعد ذلك لهم.
إن تضخم العسكر على كل الضفاف العربية الإسلامية – الغربية هو المشروعُ المشترك الأكثر حضوراً وسيطرة، ويقوم الأولادُ الأغبياء بدورِهم المرسوم وهم يتمزقون ويفخخون الأسواق ويقتلون العرب والمسلمين خاصة.
في كلِ قنبلةٍ يزرعُها هؤلاء في المدارس والمعاهد والمتاجر والمعابد هي قفزة في وزارات (الدفاع) وهي توسع في مقابر العرب وقضاء على مشروعات تحررهم وتقدمهم!
هل تدري كم مومس ظهرت بعد إرهاب الجماعات المسلحة في إفغانستان؟
وكم عائلةٍ باعتْ أغراضَها وبناتها؟ وكيف حول هذا (الجهاد) إفغانستان لأرضٍ مدمرة وأي تحرير سوف ينتجُ – لو حدث – من كل هذا الدمار الاجتماعي وبيع البشر لأنفسهم وأعراضهم؟
نعم إن النضال السلمي هو بلا حدود، وفيه أن لا نستكين لقوى خارجية وقوى داخلية إستغلالية، وكلما تجذرنا فيه إنفتحتْ سبلٌ جديدة، وتنامت قدراتُنا، وكانت مقاومتُنا أكثر صلابة وأوسع علماً.
والسلام لا يعني الأستسلام بل يعني تراكم قوانا وعدم حرق البشر والأرض في سبيلِ أهدافٍ سياسيةٍ يمكن بلوغها بتضحيات أقل.
العمال بين الرأسماليتين
تشير الملامح العامة للاقتصاد الوطني إلى تمتع الرأسمالية الحكومية بأقوى الشركات ذات الدخول العالية، رغم أن بعضها يواجه مشكلات إقتصادية كبيرة بسبب الأداء البيروقراطي الطويل، وبطبيعة الحال لا بد أن تكون أجور الموظفين والعمال في القطاع العام، وهم القاعدة العريضة التحتية للبروليتاريا أفضل من القاعدة التحتية الأوسع لعمال القطاع الخاص، والفارق بين الأغلبيتين في وجود الأجر العام المتوسط في الفئة الأولى بين 200 – 300 في حين ينزل لدى القطاع الخاص بين 50 – 150.
إن ثمة مشكلات محورية في البناء كصغرِ السوق وما يترتبُ عليه من ضعف قوى الشغيلة العددية والنوعية وضعف مستواها المعيشي، وتدني إنتاج النفط في البلد، والمشكلات البنيوية في الإدارة كوجود موارد كبيرة دون قدرة على الضبط والتدقيق والتوزيع الوطني، وخروج فوائض كبيرة من الرأسمالين العام والخاص للخارج، وعدم قيامهما بإعادة تشكيل بنية الاقتصاد الخدماتية القائمة على تصدير المادة الخام، فيما يكون مجيء الرساميل الأجنبية للاستحواذ على أرباح أخرى، وبعدم المساهمة المؤثرة في السوق المحلية.
إن ضعف الأجور لدى القاعدة العريضة التحتية من الشغيلة البحرينيين والأجانب يلعب دوراً في جمود السوق وعدم تطور قوى العمل، وتسببُ ذلك عملياتُ إنتزاعِ الربح الأقصى في مثل هذه السوق الضيقة بكل شيء.
الرأسمال العام لا يُحكم بوسائل الرقابة الدقيقة، وفئاته العليا تمتص الزيادة فيه وتوجه أجزاء كبيرة منها نحو جوانب إستهلاكية حكومية عامة، فالدخول العامة كبيرة لكن الهيكل البيروقراطي يمتصها، لتضخمه غير الفعال، ولضخامة العمليات غير الاقتصادية البذخية والمظهرية وغير ذلك من مشكلات وكذلك التسربات غير المنظورة منه للقطاع الخاص.
إن إتساع القاعدة العمالية الضعيفة الأجور من أجانب ومواطنين والتي تمثل السبب المحوري لضعف الاقتصاد والحياة الاجتماعية، لا ينفي وجود الفئات المتوسطة ذات الرواتب الأعلى، والتي تلتقي مع الفئات المتوسطة الحرة في القطاعات الخاصة.
إن هزالة الأجور تُقابل بارتفاع وسائل المعيشة وبارتفاع الأسعار المستمر، وبالمنافسة بين الشغيلة البحرينيين والأجانب، وبضيق السوق المحلية، وبالسياحة التي ترفع الأسعار على المواطنين والعاملين الأجانب.
إن الرأسمالية الخاصة لا يمكن أن تعطي أجوراً مرتفعة للشغيلة اليدويين، بسبب الموارد المحدودة والمنافسة الشديدة في هذه السوق الضيقة، وبسبب الرغبة في الحصول على أرباح أكبر دائماً، ولهذا فإن حياة الشغيلة كلها تعاني الفقر والحاجة وعدم الوصول للخدمات الجيدة من تعليم وصحة وغذاء ومواصلات.
ويلجأ الرأسمالُ الخاص بشكلٍ كبيرٍ إلى جلب مثل هذه العمالة الرثة للحصول على الفروق الاقتصادية بين البلدان، وهو أمرٌ يؤدي للتلاعب بالحدود الدنيا للأجور وتخفيضها بشكلٍ مستمر، ويتواصل ذلك عبر رفع أسعار السلع، خاصة في المواد الأولية كالأرز والطحين والسكر والدهن وغيرها، فيحدث تآكلٌ مستمرٌ للأجور. ويتم التغلب على كفاحية العمال بجلب عمال جدد دائماً وإحدث المنافسة الشرسة بين العمال المحليين والأجانب.
وفيما يحافظ الرأسمالُ العام على أجوره المحددة لكنه يلجأ لوسائل أخرى لتخفيض الأجور، عبر الإستعانة بشركات المقاولات التي تجلب عمالاً متدنيي الأجور.
ليست مصادفةً أن يكون أغلب العمال من الأرياف سواء المحلية أو الآسيوية، لأن ذلك يتم بآلية الأجور المنخفضة، كما يعطي ذلك وعياً نقابياً طبقياً محدوداً وأشكالاً من الوعي الديني التجسيمي التنفيسي غالباً، وتسهلُ عبرهِ العملياتُ الاقتصادية الرأسمالية المتخلفة، رغم طرح الهدف لإنشاء مدينة تحتذي الغرب المتطور!
وتُقدم الخدمات الإسكانية من قبل الرأسماليتين الحكومية والخاصة بشكلِ الإستغلال الكبير، فالعمالُ المحليون يشترون بصعوبةٍ كبيرة منازل ذات قيم بأربعةِ أضعافِ قيمتها الحقيقية إن لم يكن أكثر، ويُستنزفون طوال حياتهم من جراء ذلك، فيما يحصل العمال الأجانب على مساكن قديمة رثة، أو شقق ويسكنون فيها بأشكال جماعية متعددة.
تكوينات الطبقة العاملة في البحرين
إن الطبقةَ العاملةَ البحرينية التي تكونتْ بعد الأربعينيات من القرن العشرين، تشكلتْ في الصناعات الاستخراجية، أي ما ارتبط بصناعة الاستخراج والتكرير النفطية، وذلك شكلَ جسما اقتصاديا محدودا، يظلُ دائما هامشيا على قوانين البنية الاقتصادية، أما بقية القطاعات فهي لم تكن صناعية أو قريبة من الصناعة، فهي أعمالٌ تجارية أو خدماتية ذاتُ تمركزٍ قليلٍ قياساً لدول أخرى، ومن هنا لعبت البؤرُ الاقتصاديةُ الاستخراجية والتحويلية الصناعية والخدماتية الكبيرة المهمة دورا إقتصاديا مركزيا وغدت مراكز مهمة في نضالِ العمال من أجلِ تغيير ظروف العمل وتحسين الأجور بأشكالٍ متعددةٍ تعكسُ تباين القوى الاجتماعية في كل مرحلة.
ولم ينمُ الهيكلُ الاقتصادي الصناعي بدرجةٍ أساسيةٍ بل أدتْ فوائضُ النفط إلى تصاعدِ الأقسام والمستويات الاقتصادية الخدماتية المختلفة كالبنوك والمؤسسات التجارية والشركات المخلتفة.
كان هذا يشكلُ قفزةً على طبيعة الاقتصاد الإنتاجي البسيط، فتصاعدتْ الفوائضُ المالية إلى هياكل اقتصاديةٍ غيرِ مخططٍ لها، وشكلتْ سوقاً غيرَ مبرمجة ولا متسقة، فتنامتْ العملياتُ الاقتصادية في كل اتجاه، حسب قوانين العرض والطلب ومن لديه أغلب الفوائض النفطية، في الداخل والخارج.
ظلت الصناعاتُ الاستخراجيةُ المحوريةُ المحدودة تمثلُ الهيكلَ الاقتصادي الأساسي، ونتجتْ عنها صناعاتٌ متوسطةٌ وصغيرة، وظهرتْ نسخٌ جديدةٌ في العقود التالية في مواد خامٍ ومُصنعة أخرى شكلت صناعاتٍ جديدةً لا تختلفُ عن هيكليةِ الصناعات السابقة، وإن تغيرتْ مواقعُها وتبدلَ عمالُها المواطنون إلى أجانب.
هي الاستراتيجيةُ الاقتصاديةُ نفسُها التي وُضعتْ في بدايةِ الستينيات، من دون قراءةٍ جديدةٍ لطبيعة التطور الصناعي العالمي الثوري، ولكن من أجلِ ضخِ الفوائضِ في الأجهزةِ الحكوميةِ وما يصلُ إلى السوق من دخلٍ مباشرٍ أو غيرِ مباشرٍ منها، من دون العناية بقضايا التلوث ومشكلات الاختناق المروري وانحصار الخريطة الجغرافية الوطنية في مثلث واحد ضيق.
هذه السياسةُ الاقتصاديةُ غيرت خريطةَ الطبقة العاملة البحرينية، وكما أن الاقتصادَ لم يعد وطنيا، فكذلك الطبقة العاملة في البحرين لم تعدْ وطنية، بل صارت وطنية – مناطقية – عالمية.
وفي حين كان الجسمُ البحريني هو الأغلبيةُ في السابق، صار الأقلية، وهذا التكوينُ الموضوعي لا علاقةَ له بالمشاعرِ الوطنية والقومية، بل هو جزءٌ من إشكالياتِ البنيةِ الاجتماعية، أي من كونِها تقومُ على صناعةٍ استخراجيةٍ لمادةٍ ذاتِ سعرٍ مرتفع غير موجهة وطنيا، وتندفعُ الفوائضُ بلا خطةٍ مُبرمجةٍ وطنية وتبدلُ البنيةَ الوطنيةَ القديمةَ المرتبطةَ باقتصادٍ سابقٍ مرتبطٍ بسعرِ نفطٍ منخفض.
إن عمليةَ الانتقال شكلتْ صدمةً اجتماعيةً وتحولاتٍ لم تتمْ السيطرة عليها في بنيةٍ اجتماعيةٍ صغيرة، وإذا كانت لها نتائجٌ مختلفةٌ ومتحدة في المستويات كافة، وفي الظاهراتِ الوطنية عامة، فإننا نركزُ الآن في انعكاساتِها على الطبقة العاملة التي لم تعدْ بحرينيةً خالصةً، لنحاول قراءة هذه التأثيرات داخلها من خلال بُناها ومستوياتِها المرصودةِ رصدا كميا فقيرا.
إن التناقضَ الأولي في هذا الجسم الاجتماعي هو بين ما هو وطني وما هو أجنبي، وهو أمرٌ يؤدي إلى تفككِ أجزاء الطبقة، بسببِ غيابِ أسلوبِ الإنتاج الحديث المتماسك:
“قدرتْ ورقةُ عملٍ صادرة عن منظمة العمل الدولية ارتفاعَ نسبةِ العمال الأجانب مقارنة بالسكان في البحرين عام 2010 بـ (1،39%)، مشيرة إلى أنهم يمثلون ما نسبته (58،58%) من إجمالي القوى العاملة.
وأوضحتْ ورقةُ “هجرة اليد العمالة الدولية والعمالة في الوطن العربي” المقرر عَرضُها في جلسات المنتدى العربي للتشغيل الذي تنظمه منظمتا العمل الدولية والعربية، أن العمال الآسيويين يستحوذون على النسبة الأعلى مقارنة ببقية الجنسيات، فقد بلغ عددهم (542) ألف عامل، مقارنة بـ (38) ألف عربي، و(12) ألف أوروبي وأمريكي.
وتطرقت الورقة التي تناقش أوضاع العمالة الأجنبية في المنطقة العربية إلى أن النساء الأجنبيات يشكلن غالبية العاملين في المنازل في البحرين، حيث بلغ مجموع تلك العمالة في عام 2007 ما يقارب (64) ألفا، منهم (7،64%) من النساء”، جريدة الوقت البحرينية،20/10/.2009
علينا أن نستعيرَ الأرقامَ من المنظمات العربية من أجل رؤية بعض الصورة المحلية، وهي صورةٌ توضحُ التناقضَ بين قوتي العمل الرئيسيتين: المحلية والأجنبية، وهي أرقامٌ تقفُ فقط عند أرقام الهجرة والجوازات، ولا تستطيع أن تضيف إحصائيات أعمق في بُنى قوى العمل الغائرة.
وإذا كان التناقضُ قد تجسدَ بين الرجالِ المحليين والأجانب، على مستوى كميةِ بيعِ قوى العمل خارج البيوت، فإنه كذلك يتجسدُ بين النساء داخل البيوت وفي المشاغل الصغيرة، وهو يوضح كذلك ضخامة الأيدي العاملة النسائية المستخدمة في المنازل، أي في أشكالِ عملٍ بذخية وهامشية.
إن الجسم الوطني من الطبقة العاملة هو الذي يلعب الدورين السياسي والنقابي، وسنجدُ تغيراتٍ كبيرةً في هذين الدورين خلال المرحلتين السابقتي الذكر: مرحلة الوطنية ومرحلة المناطقية العالمية.
لقد انقلبَ الواقعُ في الحياة الاقتصادية عنه في الحياتين السياسية والنقابية، فقد ساد العمالُ الأجانبُ في بُنية العمال وتحجم العمالُ الوطنيون.
كان العمال المسيسون الوطنيون والنقابيون البحرينيون في الشركات الكبرى قد مارسوا دورهم من خلال ذلك بالتناسق مع الحركة السياسية الوطنية الاجتماعية من خلال مطالبها المختلفة.
وهذا الواقع تعرضَ للتغيير مع تبدل البنية الاقتصادية، وفيضان العمال الأجانب.
يُلاحظ من خلال الإحصائيات تدفق العمال الأجانب نحو الخدمات الإنشائية، والأعمال الهامشية، وأعمال الملكيات الصغيرة الاسمية قانوناً، وقلة منها تتجه نحو الأعمال الإدارية الكبيرة، وهذه الفئة تنضم إلى القوى المالكة للمؤسسات الاقتصادية أكثر من ارتباطها بالعمال.
يوجهُ هذا التكوينُ العددي الكبير الواسعُ سهمَهُ الحاد في مجتمعٍ صغيرٍ على العمال اليدويين وذوي التعليم المحدود وغير ذوي الإمكانيات التقنية والعلمية، سواءً كانوا في المدينة أو القرية، لكن ما يجعل أكثرَ ضرباتهِ تتجهُ للعمالِ في الريف هو تماثلُ الشروط العملية بين العمال الأجانب والعمال الوطنيين الفقراء في القرى، واختلافها في الشروط الاجتماعية، فالمشرعُ يجلبُ عمالاً ريفيين ذوي أجور زهيدة جدا ويلقي بهم في سوقٍ ضيقةٍ مكتظةٍ وبشكل كثيف.
فوجدَ عمالُ القرى والأحياءِ الشعبية المدنية أنفسَهم يواجهون منافسين أشداءَ كثيرين، وبشروطٍ معيشيةٍ غير متساوية، فتغدو قوانين حساب قوة العمل الوطنية بشروط تجديد إنتاجها هنا غير شروط تجديد العمال الأجانب عيشاً وكلفة وفروق أسعار للعملات، بسبب تباين قيم المساكن وإعادة إنتاج العائلة معيشيا وتعليميا وغير هذا من متطلبات الحياة المختلفة بين البحرين والبلدان التي جاءَ منها العمالُ الأجانب، فمجيئهم من الأرياف والمناطق المهمشة في بلدانهم يجعل كلفتهم متدنية جدا، وردود أفعالهم على سوء المعيشة وفقد الحقوق ضعيفاً.
كما ان إسكان أغلبهم في المناطق الرثة، وحملهم الأمراض الجسمية، وغياب أي حس وطني أو حضاري في المناطق الجديدة التي سكنوا فيها وأغلبها في مدن البحرين العريقة في الحارات القديمة، يدمرُهم إنسانيا، ويجعل تجميع النقود لديهم بأي صورة عملية ملغية لطبيعتهم العمالية الكفاحية المفترضة، إضافة إلى سوء الطعام المقدم والمبيع إليهم من المطاعم الرخيصة السيئة المواد والطبخ، ورداءة المساكن التي يعيشون فيها بأشكال جماعية تعاونية، وغياب زوجات الأغلبية منهم، ان كل هذه الظروف أهلت الأغلبية الأجنبية من العمال لتلعب دورا سلبيا في تطور الحركة العمالية البحرينية، خاصة مع مجيء قيادات نقابية عمالية بحرينية ذات رؤى معينة.
ولقد ظهرت الحركةُ العماليةُ النقابية خلال العقد الأخير كنتاج ردود فعل لهذا الواقع الاقتصادي العمالي المتناقض، فثمة تدهور لمراكز تجمع العمال المواطنين، وغياب أي دور نضالي عمالي عام، وثمة كثرة للجزر العمالية المفصولة عن بعضها بعضا، وكثرة للعمال الموجودين خارج النقابات، إضافة إلى وجود الأغلبية العمالية الأجنبية جسماً موجوداً في البحرين ومؤثراً في اقتصادها وظروف معيشتها ولكنه خارج النقابات فعليا.
وليست مصادفة هذا التقابل بين قيادات نقابية دينية وجسم عمالي أجنبي معزول. لقد جاءت القيادات النقابية البحرينية ذات التفكير المذهبي كردِ فعلٍ على اقتحام العمال الأجانب الحياة البحرينية، مثلما دخل جمهور العمال الريفيين خاصة في تأييد كبير للحراك السياسي الديني.
ولهذا فقد واجهت الوجود العمالي الأجنبي الكثيف بشكل سلبي، فلعله يختفي بالتجاهل، وبالتالي فقد أضعفت من أوراق الطبقة العاملة في البحرين ككل، من حيث غياب درس هذا الوجود العمالي الأجنبي ورؤية مشكلاته وأوضاع بشره السيئة المنعكسة على البلد صحة وسكناً ومعيشةً ومصيراً عماليا.
إن الوعي الديني المحافظ انعكس في مشاعر كراهية الأجانب، وعدم إدخالهم في التكوينات النضالية المحلية، وبالتالي ضيع هذا أوراقاً مهمةً في النضال العمالي وفي التفاوضات وفي الصراع ضد الاستسهال في جلب العمال الأجانب ونشرهم في أي مكان وفي غياب حقوقهم وبجعلهم مادةً مؤثرةً ضد العمال البحرينيين.
عبرتْ الأشكالُ النقابية البحرينية عن انقسامٍ عميق في الشعب والقوى المنتجة عامة، فالانقسامُ السياسي الطائفي عكس نفسه على التكوينين النقابيين، ولمحدودية حضور البحرينيين في الانتاج المادي (26%) من العمل العام للسكان المواطنين والأجانب، وجسَّد كذلك صغر حجم الانتاج الرأسمالي الكبير الخاص والعام وضخامة الانتاج الصغير وهي نفس السمة التي تمثلُ أسلوب الإنتاج العربي ذا المواد الخام الرئيسية المُحاطة بشبكةٍ من المؤسسات التجارية والمالية والسياسية الاستنزافية له، وأعطى هذا الجسمُ الاقتصادي تكويناتٍ نقابيةً محدودةً ضعيفة العضوية وشبابية بالدرجة الأولى وبحرينية لا تضم العدد الكبير من العمال الأجانب والأجيال القديمة من العمال البحرينيين أنفسهم.
ضعفُ هذه التكوينات النقابية لا يعود فقط إلى انقسامها بل أيضاً لطبيعة الجسم الاقتصادي الاجتماعي، من حيث قلة عدد الشركات والمصانع الكبرى، وكونها كما قلنا لانتاجِ وتحويل المواد الخام: النفط، والألمنيوم، والحديد المستورد، وإعادة تصديرها، مما يجعل جسم الطبقة العاملة لا يعتمد على التكوينات البشرية الكبيرة، وهذا التكوين الاقتصادي للبلد لا يقوي البناءَ الصناعي العلمي للسكان، فالشركاتُ الصغيرة الكثيرة العمال المتناثرين، تعتمدُ كذلك على غالبيةٍ عمالية أجنبية، ووراءهم أيضاً ما يُسمى بحثالة البروليتاريا، أي عمال كثيرون هامشيون، هاربون، أو باعة جوالون، أو عارضون لقوة عملهم في الشوارع!
طبيعةُ أسلوبِ إنتاجِ المواد الخام، لا يجعلُ الصناعةَ تضم القوى الرئيسية للسكان رجالاً ونساءً، وهذا الأسلوبُ الصناعي القديم يضعفُ الصناعةَ والتطور الاقتصادي عامة، وينعكسُ في الطبقة العاملة، المنتوج البشري لهذا الأسلوب، الذي يهدرُ الكثيرَ من الفوائض، ولا يقومُ بإعادتِها للبناء الاقتصادي لأجل تغييره وتحديثه بالصناعات الجماهيرية أو بالصناعات المتطورة التي تبدل نمط السكان الاقتصادي.
لهذا يغدو الهدرُ الاقتصادي وتوجه الفوائض المالية خارجَ الانتاج كما أن القسم الأكبر من الفوائض يعيدُ إنتاجَ نفسِ البنيةِ الاقتصادية المتخلفة ولشروطِ تجديدها في الإدارة والتعليم والصحة الخ.
ينعكس ذلك في تكويناتِ الطبقة العاملة، من حيث ضخامةِ القوى العاملة الأجنبية(مائتا ألف عامل وعاملة)، يعمل أغلبهم في مصانع المواد الخام أو في المهن الثانوية الكثيرة، وتذهب أغلبيةُ الأجور للخارج.
وتغدو التكويناتُ السياسيةُ والمالية والاقتصادية تعيدُ إنتاجَ هذا النمط وتوسعه بأشكالٍ غيرِ مخططةٍ وتلقائية حسب قوانين السوق العفوية.
هذا الأسلوبُ الانتاجي (القَدري) المعتمدُ على هباتِ الطبيعة المباشرة، وهو الشكلُ الأولي من الانتاج الرأسمالي العالمي، والذي يغدو تابعاً للأشكالِ الرأسمالية المتطورة في الغرب والشرق، يعتمدُ على هذه المواد الخام الثمينة ومراكز إنتاج الطاقة لكي يحصل على فوائض يبددُهَا في الاستهلاك، فيخلقُ عمالاً ذوي رؤى دينية، يعيشون هم كذلك على هبةِ الطبيعةِ المباشرة بدون تطوراتٍ علمية مهنية وفكرية وسياسية كبيرة في مهاراتهم العملية وفي أنشطتِهم السياسية والنقابية، ولهذا فإن العمال اليدويين أغلبية كاسحة.
ومن هنا هم ينقسمون نقابياً بحسب المذاهب الاسلامية المحافظة التي سيطرتْ على إنتاجها قوى الإقطاع القديمة، وينقسمون بحسب أديانهم في مجموعات العمال الأجانب القومية والدينية غير المنظمة نقابياً والمتجمعة بأشكالٍ جماهيرية خاصة.
كما أنهم ضعفاء لصغر أحجامِهم في المؤسسات الاقتصادية، الميكروسكوبية، مع قلة العمال المنظمين للنقابات، وغياب القاعدة الرئيسية من العمال، كذلك فإنهم يضعفون أنفسَهم بتبني الآراء الطائفية المحافظة المغرقة في الرجعية الفكرية، والانتهازية السياسية، ولهذا فإن توسع مثل هذه الجماعات النقابية يمثلُ مشكلةً وخطراً نظراً إلى نشر الانقسام والصراعات الطائفية وتغلغلها في الشركات وبين العمال والناس!
وكانت الطبقة العاملة سابقاً تلعبُ دوراً طليعياً في توجه المجتمع والشعب نحو الوحدة والتحرر والديمقراطية بسبب طبيعة الطلائع في ذلك الوقت، لكن الطائفيات السياسية لم تواجه الواقع بموضوعية، وتوجهت للصراع السياسي الفوضوي فأضعفتْ النقابات وشلتْ الوعي العقلاني والدارسَ لبُنية الطبقة العاملة وكيفية تطويرها، ولسبب قيادة الإقطاع الطائفي الذي وجهها للصراعات السياسية المغامرة فكانت النخبوية الصغيرة والانقسامات وعجز العمال عن رفع أجورهم حتى بدولار واحد!
العمالُ والأفكار
لعبت الطبقةُ العاملةُ دوراً مؤثراً في تشكيل الأفكار الوطنية التحولية، عبر محافظتها على نواتها التقدمية العلمانية، رغم أن هذه النواة من الأفكار لم تتبلور تبلوراً عميقاً في ذلك الحين من زمانِ النشأة.
كانت بدايةُ الأفكار وهي تبحثُ عن بوصلةِ التوجه للشعب ووحدته وتقدمه، في مسارِ الأمةِ العربية والإنسانية، وكانت كفاحيةُ العمال هي ضمانةٌ مهمةٌ لوحدةِ الشعب والعمل لتحرره.
هذه النواةُ تعرضتْ للتآكل بعد تحول البنية الاجتماعية المقاربة لسمات من الرأسمالية الحرة، نحو رأسمالية حكومية، ولإنهمار العمالة الأجنبية، وعدمِ توازنِ تطور البنية الاجتماعية، ووقوع خلل في مستوياتها وغياب الديمقراطية فيها.
عدمُ صمودِ النواةِ التقدمية العلمانية تجلى في الموقف من الأفكارِ الدينيةِ السياسية ذاتِ الشكلِ الطائفي المعين. لقد أُخذت هذه الأفكارُ بدون أداوتِ تحليلِ تلك النواة، فلم يُر الطابعُ الطبقي لهذه الأفكار الطائفية السياسية المستوردة، وهذا معيارٌ أساسيٌّ لما كان في ذلك الوعي، وغُيّبَ الطابعُ الطبقي لتلك الأفكار الطائفية باعتبارها آراء وممارسات رجال دين محافظين إيرانيين تشكلُّ وجهاً للإقطاع وعدم وجود أفكار ديمقراطية فيها.
لقد قُطعتْ جذورُهُا الطبقية، وعُلقتْ في الفضاءِ السياسي البحريني المعارض وتم تبنيها والسير وراءها، ونشرها بين الناس.
إن المضمونَ الطبقي الإقطاعي هو ضررٌ بالغٌ للشعبين الإيراني والبحريني، ولكافةِ الشعوب التي تُدخلُ هذه الأفكارُ في حقلِ ممارستِها السياسية، فهي آراءٌ لمجتمعٍ آخر ذي تطور سياسي خاصٍ به، مأزومٍ بشكلٍ تاريخي معقد.
وعبرَ فرضِ هيمنةٍ ذكورية حادة متخلفة، وشمولية سياسية طائفية على المجتمع القومي المتعدد الأعراق كما في إيران والعراق ولبنان، وثنائي الطائفة كما في البحرين، وفرضِ نصوصيةٍ دينية محافظة تقليدية غير عقلانية، فإن المساراتَ السياسية لهذه الأفكار تُحدثُ أضراراً فادحةً لكافةِ المجتمعات التي تَدخلُ فيها وتلعبُ دوراً في حياتها السياسية.
وفقدانُ النواةِ التقدمية العلمانية لهذه المعايير الأساسية في رؤيتها، كان يَضربُ أهمَّ حائطٍ فكري له تجربة وطنية يتصدى لدخول هذه الأفكار الدكتاتورية العنيفة للمجتمع، وبالتالي فإن خطرَها تغلغل بين كافة الجماعات.
إضافةً لتغييبِ الطابع الطبقي لتلك الأفكار تم إلغاء قراءة تطورها الاجتماعي الخاص، أي سيرورتها التاريخية، وكيف نبتتْ في مجتمعٍ وتحت أية حاضنةٍ وكيف سارتْ وتفاعلتْ مع قوى أخرى داخلية وخارجية، أي داخل إيران وخارجها، فإلغاءُ السيرورةِ التاريخية لدرسِ هذه الأفكار وقطعُ علاقاتِها يؤدي لعدمِ معرفةِ الحاضنة الاجتماعيةِ المماثلة لها في بلدان أخرى، كما حدث في الريف البحريني لما جرى قبل أعوام في الريف الإيراني، أو غيرها من الأرياف العربية التي لها أشكالٌ إجتماعيةٌ وإيديولوجية مشتركة إحتضنت تلك الأفكار دون درايةٍ، ونظراً للمنابت المشتركة وعدم التصدي الوطني الإصلاحي والعمل التقدمي المتنوعين الحازمين ضدها.
وهنا في الريف البحرين كانت ثمة جمهورٌ عمالي كان يمكن أن يشكلَ حائطاً آخر يصدُّ تغلغل الأفكار الطائفية اليمينية الخطرة، لكن النواةَ التقدميةَ العلمانية كانت قد تفككتْ وضعفتْ في تنامي الأحداث، فضُربتْ خصائصُ الوعي الطبقي المستنير المستقل المناضل لدى عمالنا وجمهورنا بشكل عام.
ولهذا فإن مصالحَ الطبقة العاملة البحرينية تعرضتْ للأخطارِ الجسيمة سواءً بالدفاع عن سلامتِها البشرية أو بالدفاع عن مصالحِها الاجتماعية.
فغيابُ الرؤية الطبقية لجذورِ الأفكار الطائفيةِ في المصدر الإقطاعي الإيراني يحولُها لأدواتٍ لصعود القوى الدينية ذات الرؤى التقليدية المعادية للتقدم والديمقراطية، ولتفكيك المجتمع البحرين وتعريضهِ للانقسامِ وللصراعاتِ المذهبية ويقدمهُ لقمةً للتدخل الأجنبي.
والمستقبلُ السياسي يحتاجُ لتقويةِ تلك النواة التقدمية العلمانية في ظروف أخرى، حيث نمت ظروف التنوع الوطني الديمقراطي، وظهرت قوى عديدة تقارب الحداثة والديمقراطية والوطنية، وصار بالإمكان تشكيل لحمة إجتماعية مشتركة من الدفاع عن مصالحِ الأغلبيةِ الشعبية التي تؤدي معاناتها وعدم تبلور وحدتها وكفاحيتها الحديثة لاختراقِها من قبل قوى التدخلِ والفوضويةِ السياسية، وجرها لمعارك جانبيةٍ بدلاً من خلق وحدة العمل الديمقراطي الإصلاحي المتنوع التوجهات لحل القضايا السياسية والاقتصادية للناس.
إن التعاون الاقتصادي بين الطبقات الوطنية للوقوف سداً واحداً ضد قوى التدخل والشمولية هو المعيار الأساسي لهذه المرحلة، عبر تصعيد دور المؤسسات المنتخبة وعملها لتقدم ورفاهية الشعب بأسره.
الوعي البحريني وإشكاليات التقدم
ترنح الوعي البحريني بكافة أشكال وعيه منذ نهاية السبعينيات بسبب تضخم رأسمالية الدولة بشكل كلي وغياب مشروعات التقدم الخاص، وإعتماد اليسار على خطابات إنقلابية، وضمور الليبرالية.
كانت معرفة إشكالية رأسمالية الدولة الحكومية المتضخمة، ممكنة وأساسية، لأنها تغدو المشكلة المحورية لتطور الاقتصاد لقوى سياسية عديدة لكن من خلال وسائل ديمقراطية متفق عليها من الأغلبية ضمن التطور السياسي.
كان دعم تطور الرأسمالية الخاصة وصنوها الفكري السياسي (الليبرالية) محدوداً جداً إن لم يكن معدوماً، بسبب غياب الرصد الدقيق لهذه الليبرالية، ومطالبة اليسار بظهور ليبرالية وطنية صارخة سياسياً، وكان هذا أمر غير ممكن، مع تجربة الخمسينيات الحادة، وكذلك مع تضخم الرأسمالية الحكومية، ولكننا سنجدُ أن الليبراليةَ ليستْ بهذا التقزم المطروح من قبل قوى اليسار المتطرفة، فلو أقمنا بمقرابة أولية موضوعية لجريدة (الأضواء) البحرينية فسنجدُ أن هذه الجريدة الرائدة أفسحت المجالَ للكثير من الأدبيات الفكرية والسياسية الوطنية الليبرالية، وكانت المسرح الكتابي الذي بزغت فيه أزهارُ المرحلة النقدية، ثم تنامت في شتى حقول المعرفة.
وهذا الطرح إستمر بأشكالٍ متعددةٍ في الصحافة وفي أشكال الوعي الكتابية المختلفة: الشعر، والمسرح، والقصة والرواية، والبحوث والمقالات وغيرها. ووجد له تجسيداته في الكتل الوسطية المدنية في البرلمان.
بطبيعةِ الحال كان الفكرُ المجردُ والوعي النظري بقدراتهِ على التحليلِ وكشف البُنية الاجتماعية محدوداً وضامراً بشكلٍ كبير، لكننا نستطيع أن نجدَ بعضَ البذور لذلك في تحليلات سياسية نادرة أو في دراساتٍ فكرية وثقافية عامة، لكن البُنية الاجتماعية لم تُدرس بشكلٍ عميق.
ولهذا كان فكرُ التيارات السياسية فقيراً جداً، لم يقمْ بمثلِ هذه التحليلات المُعَّمقةِ، وكانت قراراتهُ السياسيةُ ترتكزُ على هذه التبسيطيةِ الفكرية السياسية، ويتكشفُ ذلك خاصة في الأحداث الجسام، وزمنية الافتراق بين تأييدِ البُنية الاجتماعيةِ الليبرالية والصبر عليها ونقدها وتطويرها، وبين وعي المغامرة للقفزِ إلى شكلٍ سياسي ونظامٍ شمولي مبهمين وخطرين كذلك.
ويتجلى ذلك في بؤرٍ تاريخيةٍ كعدمِ دقةِ تشخيصِ أحداث التسعينيات، أو في غموض المسألة الدستورية وتحميلها قوالب حادة فوضوية، غير ممكنة التنفيذ المفيد، وتأييد الديمقراطية بدون دعم القطاع الخاص وتجلياته الفكرية والسياسية.
غياب الدراسات المعمقة لدى اليسار جعل قواعده الفكرية هزيلة، قابلة للاختراقات من قبل الطرف الخطر سياسياً وهو الجماعات الدينية المحافظة، فقدراته على فهم الإسلام وتحليله غير ممكنة لديه، وهو جزءٌ من هذه البنية الاجتماعية. فلا يعرف الحد بين الإسلام كثورة وبين الأشكال المحافظة والرجعية التي تتلبسه.
إن عمله غير الملتحم بتطور ونقد الليبرالية يكشف عن شموليته، ورغبته التسريعية في التغيير، وعدم فهم الخريطة الاجتماعية السكانية بمشكلاتها، وكيفية طرح الحلول فيها، ومساعدة الجمهور عليها، وهذا أدى لإلتصاقه بالقوى الدينية المحافظة الحاملة للجمهور والسائرة به عكس التاريخ الديمقراطي، التي لم تتشكلْ خلال النضال البحريني، بل جاءتْ مستورَّدةً، شعارية، ولم تلتحم بشعب البحرين.
لكنها هي الأخرى معادية لليبرالية، أي انها تفوق كراهية اليسار لها، فهي تعبرُ عن أشكال الحرية الاجتماعية والسياسية والبشرية المُدانة من قبل القوى المحافظة.
هذه القوى البرجوازية الصغيرة والفئات الوسطى التحتية، لم تتكون بشكل رأسمالي كبير، ولم تعمل لتعميق تجربة القطاع الخاص، وتطويره، وخلق علاقة تعاونية ديمقراطية مع القطاع العام للوصول بالبلد إلى الديمقراطية الحديثة المنجزة.
فيظهر عداءٌ إيديولوجي للرأسمالية الوطنية من الطرفين: اليسار الجامد، واليمين الديني المحافظ، وليس ثمة قدرات على الدرس، ورؤية الخريطة الاقتصادية–الاجتماعية البحرينية المستقبلية، وبالتالي فإن إتخاذ المواقف السياسية يتم على أساس عفوي، وغالباً ما يتم ذلك خاصة في أوقات الأزمات بشكل مغامر لأنه لا يوجد عند الطرفين نضال حقيقي داخل البنية الوطنية الرأسمالية لتطويرها.
تغلب الشعارات السياسية المستوردة يعبر عن إفتقاد الدرس وغياب تراكمية البحوث، وتشكل عقلانية سياسية، وبث هذه الشعارات في عامة مغيبة الوعي، متحمسة.
الأغلبية عمالية
البلد ليست ذات أغلبية سنية أو شيعية، البلد ذات أغلبية عمالية!
النقابات الكبيرة كألبا وبابكو وبلتكو وغيرها عرفت كيف تمضي نحو مصالح أعضائها لأنها ذات قوة في منشآتها الاقتصادية المستقلة، والعمال والموظفون الحكوميون فهموا بأن السادة النواب مشغولون بقضايا غير آنية، وبالإصلاح الاقتصادي لشركات الحكومة المتعثرة في كشف البيانات الدقيقة عن أحوالها، وعملية الكشف والتدقيق فيها وإعادة فوائضها لسكة الأمان والسلامة تحتاج لشهور إن لم تكن سنوات!
ولهذا سارع الموظفون بتثبيت نقاباتهم خارج الدوام الحكومي، وكتبوا عريضتهم لإصلاح رواتبهم المتجمدة لعقود والتي تبخر أغلبها بسبب صعود أسعار كل المواد الغذائية، التي غدا ارتفاعها عند كهنة الاقتصاد مسألة شديدة الغموض، وليس بسبب قطف الكبار في الجماعات التجارية والمالية الثمار البسيطة التي تحققت من زيادة الدخول لبعض الفئات، فغلوا المواد الغذائية والايجارات واندفعت المؤسسات المالية في عصر المديونين وتحويل تأخرهم في دفع الأقساط ورهانات بيوتهم إلى أرباح جديدة هائلة تــُعلن على الملأ كل يوم!
وتململت الفئاتُ العمالية وموظفو الحكومة التي تتشابه أوضاعهم مع العمال، بسبب اللقاء السعيد في عالم الأجور المتدنية، وبسبب ضخامة فاتورة أقساط الديون والإيجارات واشتعال كل ما حولهم من مواد شيطانية.
هذه الجماعات العمالية الكبيرة الممركزة في مؤسسات ووزارات تستطيع أن تتكاتف وتعمل من أجل مصالحها في حدود الدفاع عن الأجور الحقيقية المتآكلة، وفي معركة لا تتوقف لكي تكون للنقود قيمة حقيقية في السوق التي لا تعترف بسلطة سوى أسعارها المفروضة.
لكن عمال وموظفي القطاع الخاص المبعثرين وهم الأغلبية الكاسحة في البلد عاجزة عن الوصول لشيء من ذلك وهم مثل الأطرش في زفة الفلوس!
ومن الواضح إن القضية لها بعدها الاجتماعي الكبير، فقد أدرك جمهورُ العمال بأن أحداً لن يهتم بمصالحه، وأن الكتلَ السياسية خاصة الفائزة في الانتخابات، مشغولة أما بدفع الأقساط المتراكمة عليها من فترة المقاطعة، أو بتعلم اللغة العربية للنطق في البرلمان، أما الكتل الفائزة القديمة فهي مشغولة كذلك بتضخيم ثروة جيوبها، و(النضال) في حدود الممكن، مثل تقديم منحة للمتقاعدين أو توجيه بركاتها للعجزة والدعاء لهم.
أما الكتلة الأسوأ فهي المشغولة بفتح المعارك الجانبية مع أخوانهم في المجلس أو مع الصحافة أو مع الفنادق والسياحة، والمهم لديها إشغال الناس بالضجيج لأبعادها عن الإصلاح ما أمكنتها حناجرها في ذلك!
العمال تعلموا اللعبة السياسية بسرعة، وبدلاً من الأنتظار سنوات طويلة شحيحة، راحوا يتقدمون بأشكال حضارية للاحتجاج على نسيانهم من قبل مجالس الإدارات التي تعيش حالات من غليان الفرح والابتهاج لضخامة الأرباح التي تتدفق عليها من كل حدبٍ وصوب، وهي في غمرة هذه الاحتفالات تدفع بالهبل، وحين رفع العمال وهم واقفون في الشمس لافتات تدعو هذه الإدارات للانتباه إليهم، وزيادة بضع دنانير، صرخ بعضهم وغلت الدماءُ في عروقه!
لكن النضال العمالي الحضاري مستمر، والزيادات تتحقق، بدون كسر مصباح واحد، وإرسال صواريخ للسماء!
تنتشر الجماعات المعبرة عن اليمين بمختلف تجلياتها ولكن كلها تجمع في برامجها على الاهتمام بالفقراء والعمال ولكن بشكل ضمني.
استطاعت قوى اليمين على مدى العقود الثلاثة الأخيرة أن تمد نفوذها للطبقة العاملة والفقراء، عبر عباءة الفكر المذهبي السياسي.
ومع ذلك فرغم تواجدها الكثيف في البرلمان والنقابات فإنها لم تقدم للعمال زيادة في الأجور، بعد عدة سنوات من التجربة البرلمانية وبعد عدة سنوات كذلك من تشكيل النقابات.
ما هو سبب عجزها عن الاهتمام بظروف العمال وخاصة في القطاع الخاص؟
نجد إن التيارات المذهبية السياسية هي ذات توجه يميني غير عصري، أي مع الرأسمالية دون أن تعرف إنها مع الرأسمالية فهي ذات قصور في فهمها حتى لوجودها السياسي.
لكنها تخاف من نمو حركة القوى الشعبية مستقلة عن سيطرتها السياسية المذهبية، خاصة حركة العمال المتوجهين للنضال من أجل تغيير أجورهم وظروف عملهم المتدنية، مع وجود حشد هائل منافس من القوى العمالة الأجنبية الذي يقبل بأي شروط عمل وبأي أجور، على الأقل في هذا الوقت، ولا ندري ماذا سيفعل غداً، لأنه حين يتقوى سوف يطالب بتغيير ظروفه هو الآخر، مع دعم المجتمع الدولي، الذي صار يرفض التفرقة في الأجور بين العمال مهما كانت هوياتهم القومية، وهو مع الشعار الدولي: أجور متساوية لأعمال متماثلة.
ومع الصعود لقوى اليمين المذهبية السياسية وانتعاش الحركة العمالية المطلبية في الظروف الراهنة، فهذا يعني اختلافاً إن لم يكن صداماً بين ممثلي الشعب في البرلمان وممثلي الشعب في المصانع والشركات!
وإذا كانت قوى اليمين المذهبي السياسي قد تخلت عن ممثلي اليسار والعمال في أثناء الحملة الانتخابية، وصعدت أعضاءها وممثليها بشكل كلي، فهذا وقت العمال البحرينيين بأن يفكروا في مصالحهم، وأن يدعموا ممثليهم السياسيين، المعبرين عن مصالحهم، والذين يعرفون ظروف العمال في المصانع والشركات وأحجام الاستغلال التي يتعرضون لها، ويستطيعون تقديم مشروعات قوانين تطور أوضاعهم.
لقد قامت كتلة الوطنيين الديمقراطيين في الدورة البرلمانية السابقة بصراع كبير من أجل حقوق العمال في هيئة التأمينات الاجتماعية، وواجهت عملية سرقة الأراضي بشكل قانوني وعرائضي ووقفت بقوة ضد القوانين المعرقلة للحريات.
والآن تواصل قائمة الوحدة الوطنية هذا النضال في مرحلة برلمانية جديدة، متوجهة لقضايا أكثر خطورة، وأهمها فيما يتعلق بالعمال هي زيادة حجم العمال الوطنيين، ومواجهة البطالة ودعم مشروع الحكومة ضد البطالة وتعميقه، وتحرير التأمينات الاجتماعية من النفوذ البيروقراطي وأعادتها للجسم العمالي، وتوسيع العمالة البحرينية في القطاع الخاص، ودعم عمالة المرأة وتطوير أجورها وظروفها، وتوسيع وجودها في القطاع الخاص الخ..
إذن تنتظر العمال مهمات كبيرة، والحديث عن فصل العمل النقابي عن العمل السياسي لا يجوز خاصة فيما يتعلق بالانتخابات التي سوف تنعكس نتائجها بقوة على حياة العمال، سلباً أم إيجاباً، فكلما قل حضور اليسار والديمقراطيين كلما ساءت ظروف العمال، والعكس صحيح.
إن شلل حركة الطبقة العاملة النقابية سياسياً وعجزها عن دعم ممثلي اليسار والقوى الديمقراطية هو من الإشكاليات التي تسببت بها المرحلة السابقة من التطور السياسي، حيث اتضحت الهوية اليمينية للقوى المذهبية السياسية، وتجميدها لحضور العمال السياسي وعرقلة دعهم للقوى الوطنية الحديثة.
بهذا الشكل أو ذاك، عبر تلك الجمعية أو هذه، أرتفع ممثلو الفئات الوسطى إلى سدة البرلمان، وعاد العمال إلى بيوتهم وغرفهم ومصانعهم يحلمون بالتغيير!
كانت الخطابات السياسية والبرامجية للمثلي الجمعيات، تطرح مبادئ عامة، وتعد بتحول مستوى المعيشة لكل المواطنين، لكن دون خططٍ محددة ملزمة بشيء، فهو كلام عام يلقى من أجل الأصوات، ولم يكن للعمال وعي يحاصر ممثلي هذه الفئات الوسطى عن برامج وأرقام محددة لتغيير وضع العاملين، كما تفعل الأحزاب في الدول المتقدمة، والتي تضع برامج لزيادة الأجور والرواتب بمعدل محسوب برقم، وتشكل خططاً بناءً على هذه الأرقام التي يقدمها خبراء متخصصون.
وإذا لم تقم هذه الأحزاب بتنفيذ وعودها فهي تنسحب من الحكم، أو تجبرها إضرابات العمال على الرحيل!
والفارق كبير بين أحزاب ذات خبرة عريقة في العمل السياسي، ولديها لجان من الخبراء والباحثين، وبين جمعيات تتعلم أوليات العمل السياسي، وذات لغة إيديولوجية صاخبة، وهو أمر يقودها إلى التوهان بين ممثلي السلطة الأشد استعداداً وحنكة، والذي استعدوا لها بخطط وقيادات ومؤسسات تقلب أولياتها أو تجعلها تتصادم، محرضةً أكثر على الإيديولوجي والسياسي العام الصاخب، ثم تقوم هي بتنفيذ ما تريده في الحياة الاقتصادية.
كذلك فإن تغير حياة ممثلي الفئات الوسطى الذين ارتفعوا على جسم العمال سيلعب دوره في تخثر خطاب الصراع الحماسي، الذي لم يكن يستند على أسس علمية، وتحدث عمليات انفصال شيئاً فشيئاً بين النواب والبلديين (الأفندية) والجمهور العامل، الذي سيجد أن طريقه هو للنقابات هو الذي يمكن أن يعوضه عن خيبة الأمل في ممثليه السياسيين.
العمالُ والإصلاحُ الوطني
لعبَ العمالُ خلال عقود الخمسينيات والستينيات دوراً تحولياً وطنياً، نظراً لوجود جماعاتٍ من العمال المثقفين المتنورين الوطنيين، ولم يكن بإمكان التطور الاجتماعي الصعود السياسي الكبير لولا هذه الجهود.
إنغماسُ هذه الجماعاتِ في الهموم المعيشية والاجتماعية للعمال وعدم التطرف في تسييسها، والاهتمام بتطور التجارة والصناعة وتطور الاقتصاد عموماً، جعل هذا النضال مقدمةً للحقوق الدستورية كما ظهرتْ في أوائل السبعينيات، وهي العلامةُ التي جعلتْ العديدَ من المثقفين يصبحون سياسيين مشاركين في صياغة الدستور والمرحلة السياسية وقتذاك.
كما أن هذا النضال الذي لم يُصدعْ الحياةَ الاقتصادية فإنه لم يعبث بموارد البلد ومؤسساته، وهو أمرٌ يدعونا لملاحظة المرحلة الراهنة حيث تغدو السياسة مغامرة وعبثاً، وغابت تلك الطليعة المتنورة من العمال ولم تورث كفاحها للأجيال التالية.
لم تكن الأمية الثقافية منتشرة بين تلك الطليعة، فكان أولئك العمال الشباب خاصة يقرأون مختلف أنواع الكتب، ويساهمون في أنشطة الأندية وفي الثقافة والسياسة.
الوعي الوطني الذي يربط بين تقدم البلد ككل والحياة الحديثة، وينشر علاقات إجتماعية جديدة في العائلات، يصطدم بمعوقات سياسية ودينية وإجتماعية كبيرة تعرقل تطوره.
ومع إنتشار العمالة الأجنبية لحد الغلبة السكانية، وخاصة العمالة الرثة غير المنظمة في نقابات وتيارات، وتضخم الرأسمالية الحكومية وإتجاهاتها نحو التخضم الوظيفي والهيمنة على مشروعات كبرى، وإنتشار الغربة في المدن الكبيرة القديمة وغياب العلاقات الوطنية فيها، وتحولها لأمكنة تسلية، أصبح عمال الريف هم الأبرز في مستويات الطبقة العاملة البحرينية، وقد هيمنت عليهم الشعارات الدينية وغابت الثقافةُ الحديثةُ المعبرةُ عن طبقة العمال من صفوفهم إلا فيما ندر.
إن الانقسام القومي للعمال، وتعدد مصادر الهويات القومية التي ينحدرون منها، وهيمنة المستويات الدنيا للبروليتاريا، وضخامة المؤسسات الصغيرة، وعمال المقاولات غير الدائمين، وإتساع الفئات الوسطى والصغيرة، جعل من حضور العمال السياسي مُغيباً.
رغم أن العمال هم أغلبية السكان فليس ثمة ممثل سياسي لهم في البرلمان، ومن الممكن أن يطرح بعضُ النواب مشكلاتهم إلا أنهم كحضورٍ مستقل مميز غائبين.
يعبر الوعي الديني السائد بين الكتل الاجتماعية عن تغييب الواقع، والاهتمام بالأطروحات الأخلاقية والوعظية، ولهذا فإن أصحابها لا يكادون يعرفون مشكلات المصانع والورش وقضايا العمال من ظروف مادية صعبة ومن ظروف عمل متنوعة.
وإذا أستولتْ نفسُ الأشكال الدينية على هيئات العمال وعلى أعصابهم السياسية وحركتهم الاجتماعية فإنها تقودهم لدروب خارج الواقع، وتجعلهم لا يفكرون في قضاياهم العملية والمعيشية ويتحولون إلى أدوات للقوى الدينية السياسية وأغراضها الخاصة.
عدم الربط بين قضايا العمال المعيشية والقضايا العامة علامة هامة هنا، ولكن هذا يخص فقط العمال البحرينيين فيما العمال الأجانب يهتمون بقضاياهم العملية والمعيشية بدرجة خاصة وقد حققوا مكاسب في ذلك! كما أن السفارات تراعي أوضاعهم وظروف تشغيلهم وعقودهم وتحاول تطويرها وتطوير حقوقهم ومساكنهم.
فليس للعمال البحرينيين نواب وليس لهم أنصار من النواب يعبرون عن قضاياهم، فهم بلا صوت نقابي وبلا صوت سياسي معاً.
في الظروف السابقة ومع ندرة العمال الطليعيين الوطنيين ووجود حشود من العمال الأميين، كانت للكلمة تأثيرها على تطور الأوضاع المعيشية والاجتماعية للعمال، وعبر ذلك ازدهرتْ مشروعاتُ الإسكان، والتعليم والصحة وغيرها.
الأمرُ يعودُ لطبيعةِ الوعي الوطني المسئول في ذلك الحين، ولغيابهِ في الفترة الحالية وسيطرة المغامرين الدينيين، غير الواقعيين في نظرتهم السياسية وثنائية إنتمائهم، وينتجُ من ذلك عدم إهتمامهم بحياةِ الأسر العمالية وظروفها الصعبة، وإعتبارهم العمالَ مجردَ أدواتٍ للتكتيك السياسي الذي ينتظرون صدوره من جهات خارج النقابات والحياة العمالية.
إن تأثيرَ العمال في الانتخابات وتصعيد قوى عقلانية إصلاحية صارتا ضرورتين طبقيتين ليس في الوقت الراهن فحسب بل في الدورات القادمة من أجل أن يكون للعمال صوت مؤثر في الحياة الاقتصادية خاصة.
تدهورُ الوعي العمالي
لعبت الطبقة العاملة البحرينية دوراً وطنياً توحيدياً، خاصة في التعاون الوثيق مع هيئة الاتحاد الوطني المعبرة عن الفئات الوسطى، فغدا التصدي للاستعمار والتقدم الاجتماعي مهمات مشتركة متداخلة بين القوتين الاجتماعيتين الرئيستين.
لكن في الانفكاك الذي جرى بعد ذلك وتوجه كل قطب نحو مصالحه وتوجهاته السياسية الاجتماعية لم تتطور العملية السياسية نحو تعميق الديمقراطية.
إنفصال التجار عن العمال حدث لضعف تطور الصناعات المحلية وغلبة التكوينات غير الصناعية ثم فاقم ذلك جلب العمال الاجانب بصور واسعة غير مخططة وغير معبرة عن أهداف وطنية عميقة.
لكن الطبقة العاملة واصلت الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والاهتمام بالأهداف العامة للمجتمع عن طريق المعبرين السياسيين عنها، لكن الذين لم يطوروا التحالف الاجتماعي مع الفئات الوسطى.
ومع تصاعد القوى الدينية الطائفية التي قسمت الشعب حدث الانقسام في صفوف القوى العمالية كذلك.
لم ينفصل هذا التدهور في الوعي عن التحولات في البنية الاجتماعية للعمال، الذين تبدلوا من أغلبية القوى العاملة البحرينية إلى أن يكونوا ثلث العمال، وغدا العمال الأجانب هم الذين يكونون الأغلبية، وكثرت الفئات العامشية وما يُسمى بحثالة البروليتاريا فيها، كذلك تصاعدت الفئات البرجوازية الصغيرة في تكوين الطبقة العاملة وحدثت لها تأثيرات فكرية وسياسية، وغلب تكوين العمال الريفيين على الأصول السكانية لها، وتبدلت البنية الاجتماعية العامة من بنية شبه حرة إلى بنية رأسمالية دولة غالبة.
هذا كله أنعكس على توجهات العمال وغلبة الانقسامات.
فالخطابات الوطنية العقلانية المهتمة بالإصلاحات والتحولات التدريجية تغيرت إلى خطابات طائفية سياسية ومغامرة مما قاد إلى خسائر سياسية وإجتماعية دون تقدم في أوضاع العمال الاقتصادية والاجتماعية، بل على العكس زادت مشكلات الغلاء والبطالة وضعف الأجور ومنافسة القوى العاملة الأجنبية وتدني مكانة التكوين العمال النسائي وعدم حصوله على مواقع نقابية هامة رغم توسع حجم النقابات وحصولها على مكانة عامة مميزة.
غلبة الوعي الديني الطائفي على الجماعات الإدارية العمالية أضعف مكانة العمال كما أضعف بقية المكونات الاجتماعية وغدت قدراتها في التفاوض والدخول للبرلمان والتعبير المميز عن الطبقة العاملة وتاريخها الوطني خارج الوضع السياسي العام.
هذا لا ينفصل عن تدهور الوعي الوطني للجماعات التي كانت معبرة عن الشغيلة فيما سبق والتي لم تقم بخلق ومواصلة التراكم السياسي الديمقراطي خلال التاريخ الاجتماعي عبر العقود السابقة.
يعود ذلك لتدهور الوعي العمالي الطبقي الوطني حيث غابت عمليات التحليل للرأسمالية وإتجاهاتها وكيفية إصلاحها وتحديد بنية الطبقة العاملة ومكوناتها وكيفية تغيير هذه البنية التي غلبت عليها التكوينات غير الصناعية وإنتشرت فيها الفئات القادمة من المؤسسات التجارية والمالية، وهو أمر كان يحتاج لمزواجة بين النضال الوطني السياسي العام والنضال النقابي.
العمال والتغيير الاجتماعي
لا يستطيع العمال البحرينيون أن يدخلوا في معارك سياسية طاحنة ويكونوا هم الطليعة والضحية، لقد مضى هذا الزمن العتيد!
وحين نتذكر تاريخنا المضيء الزاهر بالنضال الوطني نرى قوى العمال هي التي تنزل للشوارع وتجابه وهي التي تضحي في معارك السويس والحرية وهي التي تـُفصل من الأعمال وتشكل الوحدة الوطنية على الأرصفة المضرجة بالدماء، وهي التي تطالب بالدستور والتحديث والمساواة الوطنية بين الطوائف والأجناس.
وكانت حصيلتها هي من كل هذه التضحيات قليلة، ومضى الأجدادُ والآباءُ وهم مثقلون بالديون والفقر، فيما ارتفعتْ القوى التي كانت صامتة أو منتظرة، وهي القوى الميسورة التي تتكلم وتصرخ في السر وتصمت في العلن، فسقطت ثمار كل المراحل في أحضانها، وبنت الفنادق والعمارات والشركات والبنوك، ثم وظفتْ وضخمت ورقت القوى العاملة الأجنبية!
كان العمال هم الورقة القوية الرابحة المستخدمة في الصراع السياسي، وفي كل فترة يطل عليهم مندوبون معينون ليؤججوا غضبهم على النظام السياسي، لكي يندفعوا في إضرابات ضاعت هويتها النقابية والسياسية، وتداخلت تداخلاً مغرضاً وحماسياً، فلا تحققت الأغراض العمالية ثم ركب السياسيون الموجات ليصلوا إلى أهدافهم.
وقد تكون تلك أغراضاً وأهدافاً عظيمة، وقد تكون دواعي السرية وعدم وجود أدوات نضالية علنية أخرى، من الظروف المخففة لهذا الإستيلاء السياسي على العمال.
لكن كل تلك الظروف السابقة المريرة تستدعي نظراً ثاقباً من القيادات العمالية، حتى لا تكون مجرد أداة سياسية بأيدي غيرها يستخدمونها من أجل تحريك الوضع السياسي أو من أجل استخدامها كأدوات ضغط في معارك سياسية تهمها حتماً باعتبارها عضواً مهماً في الساحة الاجتماعية، لكنها ليست هي الوسيلة المجانية للركوب السياسي، فلديهم أدواتهم وقنواتهم، فليستخدموها ويطوروها بكل قوة وصبر وعناد!
ومن هنا فينبغي على القيادات النقابية والعمالية أن يكون هاجسها الأول هو تغيير حياة ومعيشة العمال، فقد شبع العمال من الفقر والبطالة وتسمين بقية الطبقات، ومن التضحيات الوطنية على مدى نصف قرن ثم يكون جزاؤهم التهميش وتفضيل القوى العاملة الأجنبية!
وليس المنهج النقابي المركز على حياة العمال الداخلية بمنهج غير سياسي، فهو منهج سياسي بامتياز، لأنه منهج سياسي بعيد المدى، فلا يمكن للعمال أن تكون لهم مواقف سياسية وهم ضعفاء مهمشون ومجرد أدوات للمرشحين حتى لو كان هؤلاء المرشحون من قوى تهميش العمال والسكوت عن أجورهم المنخفضة ومساكنهم الرثة، وعن سؤ تعليم أبنائهم، والمطبقة ألسنتهم عن فصلهم وعدم إعطائهم أولوية على الخريطة الاجتماعية.
فالعمال ليسوا ورقة انتخابية بيضاء، ولا يمكن أن يكونوا مجرد ذيول ومصفقين للمرشحين، ولا يمكن ان يدخلوا في الطوابير السياسية الزاعقة وللجماعات الشمولية الفاشلة على مدى عقود، ولكي يرفعوا قوى جديدة سياسية على اكتافهم ليصلوا للثروة والمراكز على حسابهم كما فعل قرناؤهم السابقون!
أن صوت العمال لدى النقابات الطليعية يقول لقد نضجنا أيها السادة الميسورون، فابحثوا لكم عن ضحايا آخرين، وظفوا العمال الذين لا يعرفون العربية في مهرجانتكم السياسية والانتخابية، فلتعطكم البروليتاريا الأجنبية المسكينة التي جلبتموها من كل حدب وصوب أصواتها وأكتافها لكي تصعدوا.
فليعطكم المدراء والموظفون المسترخيون في شركاتكم أصواتهم، فلا يمكن أن نعطيكم أصواتنا من جهة وأنتم تفصلوننا من أعمالنا وتقللون أجورنا من جهة أخرى.
لا يمكن أن نعطيكم أصواتنا وأنتم تريدون معارك سياسية مذهبية، وهاهم العمال مشتتون تائهون مع هذه الجماعات، يرفعون لافتات كل يوم تندد بالفقر والتلوث والبطالة والتجنيس وغيرها من القضايا دون أن يتحقق لهم متر واحد من التقدم الاجتماعي.
بسبب أن هؤلاء العمال والفقراء تائهون سياسياً، ضاعوا بين كراديس القوى المذهبية ومعارك طواحين الهواء التي تخوضها، وبعدم معرفتها النضال الطبقي ودور النقابات والأحزاب العصرية.
إن العمال قوة منظمة عصرية، تستطيع أن تحقق مطالبها المهنية عبر نضالها الخاص المنظم الدقيق، نيابة عن أنفسها وليس عن فريق سياسي يستغلها في مآربه.
ولكم في تجارب النقابات الطليعية خلال السنوات القليلة الماضية خير مثال على ذلك، فلقد حققت منجزات معيشية كبيرة لعمالها بدون هذه المعارك الدونكيشوتية في الشوارع والأزقة وتفجير الأسواق وتخريب دكاكين الفقراء والصيادين وحصار القرى وتعريض البشر للقنابل والأدخنة، ثم تكون نتائجها (فالصو) على حد تعبير العامة، بل تكون نتائجها محاكمات وسجون وتعذيب للأهل الذين يرون فلذات أكبادهم يتم التجريب فيها بهذا الشكل!
لا شك أن هذين النهجين سيتصارعان ويخضعان لمحكمة الأغلبية الواسعة من العمال والموظفين والحرفيين، وكل الشغيلة البسطاء الذين بعد لم ينضموا لدائرة التأثير والفعل ولم يرفضوا بقوة الأساليب المغامرة والفوضوية لجرهم إلى أجندة سياسية لم تخضع لحكمهم ولصوت العقل.
العمال البحرينيون يشكلون الوحدة الوطنية
لا تستطيع القوى الغنية أن تشكل وحدةً وطنية في المرحلة الراهنة في الكثير من البلدان النامية، بسبب تنازعها على السلطة وتعدد انتماءاتها الإقليمية والعالمية.
فنجد كبار التجار يصرون على الاستخدام المفرط للعمالة الأجنبية ويترتب على ذلك في الثقافة السياسية تمييع موقفهم من القضايا المحورية في حياة الأغلبية من الناس، فإذا جاءت مسالة تقنين وتطوير خريطة العمالة تبعاً للمصلحة الوطنية، دخلوا في منطقة ضبابية تحركها مصالحهم التي يريدونها مطلقة لا تـُقيد ولا تـُجدول بأجندة وطنية ما.
أما الحكومة فهي كذلك لا تقدر على جعل الأغلبية العاملة أغلبية بحرينية لأن مصالحها تتوافق مع كبار التجار، ولكون العمالة الأجنبية لها صدى في العديد من فئات الموظفين كبارهم قبل صغارهم.
والقضية أنه لا يمكن إزالة العمالة الأجنبية بين ليلة وضحاها ولكن المسألة خطة لتغيير مثل هذا الوضع، خطة متدرجة، تفعل كل العاطلين والنساء العاطلات في بيوتهن والبرامج التعليمية
ولكن هذا لا يتوافق ومصالح الكبار من المستثمرين الذي يريدون الأمور تمضي بلا خطة وطنية، وبشكل تلقائي، وهو أمر مضر حتى بمصالحهم على المدى البعيد.
ومن هنا يغدو العمال البحرينيون هم المتضررون من مثل هذه السياسة الاقتصادية الحرة بلا ضبط وطني .
الحفاظ على النضال والأمن معاً
تواصل الأغلبيةُ البحرينيةُ الجمعَ بين النضال الضروري لتغيير الجامد واللاوطني والفاسد في الحياة، وبين الأطر الاجتماعية التي يتحقق فيها هذا النضال، وأهمها إطار الأمن وسلامة البشر والمؤسسات والممتلكات.
العمل في إطار فوضوي ودموي هو ليس نضالاً هو تخريب، هو مشبوهية سياسية، هو عجز عن التطور السياسي، وعن نمو قدرات الشباب الاجتماعية.
يمكننا أن نضع علامات إستفهام ونقوم بتحقيقات سياسية وفكرية حول هذه المشبوهية، ومتابعة خيوطها ومدار إثاراتها.
إن الأغلبية التي إتحدت في مشروع هذا النضال يجب أن تقرأ الثغرات التي يتمُ بها هذا التسلل؛ من أين يدخل؟ كيف يتجذر في بقاع دون غيرها؟ ماذا يستخدم من مواد شعارية؟ ولا أن تُحولَ ذلك إلى قراءة أمنية كلية، بل إلى قراءات إجتماعية كبيرة وسياسية متجذرة.
فضعفُ شكلِ هذه الأغلبية الوطنية وإعتمادها على النمط المذهبي أمر يُسهل الإختراق، لقد قامت بتجزئة الشعب وفككت صفوفه، وبالتالي فإن الإختراق يمكن أن يتم بوسائل عدة.
لكي تَهزمَ هذه الأغلبية قوى التدخل والتسلل يجب أن تتحدَ سياسياً، أن تجعل مشروع التغيير الشعبي السلمي المتحد دائرة محصنة بوثائق وبمؤسسات ديمقراطية، وبالتالي فإن المتسللين يتعرون وينكشفون في دائرة الفراغ الخارجي. وتتكشفُ روابطُهم وأهدافهم.
حين تبلورُ قوى الأغلبية هذه الدائرةَ الوطنيةَ التي تعمل للتغيير من خلال المؤسسات وبأشكال سلمية، وتضع مشكلات كل المواطنين في بؤرة عملها، فإن قوى الفوضوية وقوى الإرتباطات الخارجية وقوى الشباب اليائس ومعدوم الوعي ستنحصرُ في دوائر ضيقة وتُهزم على المدى الطويل.
لا بد أن قوى العمل البرلمانية المتحدة والقوى السياسية التي تؤازرها ستسدُ ضربةً قوية لهذه التدخلات.
هي بحاجةٍ لهذا التماسك والتداخل وصياغة برنامج موحد بسيط وغير معقد يركزُ على حل مشكلات المال العام وتوزيعه ومكافحة الفساد والتمييز والتجنيس في ظل التمسك بالأطر القانونية والحفاظ على السلم الأهلي والأمن.
نجد إن غياب هذه البرامجية وهذا الوضوح السياسي الجامع بين تشديد النضال والحفاظ على الأمن، ما يجسد بعض خصائص قوى الأغلبية السياسية البرلمانية، على سبيل المثال، وكيف لا تقوم بحملات فكرية لتوضيح هذا الخط بين الجمهور، الذي يتهمها بالتقصير وبجمع المال، وكأن العمل البرلماني طاقة سحرية تقوم بين ليلةٍ وضحاها بحلِ كلِ مشكلات الفقر والبطالة والكسل الشبابي والتمييز والتجنيس، وليس أنه عمل سياسي كبير يحتاج إلى تكاتف الطاقات الشعبية، ويحتاج لقادة متفرغين لهم رواتبهم الجيدة، ولكن لهم نشاط كبير كذلك.
إن جذب دوائر الشباب المتقلقل والحائر تجاه برنامج الأغلبية الشعبية في التغيير هو أمر حيوي.
فالأمر لا يعني صمتاً تجاه مشكلات الجمهور، ولا كسلاً ونوماً، بل يعني نشاطاً وجمعاً للمعلومات، ودراسةً للشركات الحكومية، وإكتشافات للوزارات وطرق علمها ومشكلاتها، ولا يعني سخرية من النواب وعدم تقديم المعلومات والتنصل من واجب النقد الموضوعي.
إن لجؤ المتظاهرين للعنف ولجؤ قوى الأمن للعنف بدون مبرر، هي أمور تطرح ضرورة تطوير الأجهزة العسكرية وبحرنتها بصورة شبه كلية، فقوى التطرف الفوضوي تلجأ للعنف لتوسيع العنف في الواقع، وخلق ضحايا، وتأتي بعض قوى الأمن وتقع في الفخ، نظراً لفقدان ربما فهم الموقف أو عدم فهم اللغة.
لكن هذه الجوانب الجزئية تحتاج إلى تحول قوى البرلمان الراهن أو القادم إلى قوة إتحادية وطنية تنزل بشكل مشترك لتوعية الجمهور وخلق من أطرها حملات لطريق نضال الأغلبية المشترك في التغيير وتطوير أحوال المعيشة خاصة وتحجيم التدخلات الأجنبية بكل صورها.
إنتهى زمنُ العمالِ الآليين
لم تشتغل النقابات من أجل النضال من أجل العمال الكادحين في معيشتهم الصعبة، وفي ظروفهم القاسية، تركوهم لسنوات وهم مشغولون بخطاباتهم السياسية، ولكن حين تضرر هؤلاء الإداريين ومساعدوهم صار على العمال النضال من أجلهم.
القياداتُ البيروقراطيةُ تجعلُ الناسَ ضحايا وخدمَاً لها، لا أن تكون هي المضحيةُ من أجل العمال.
لأنها تظن أنفسها لا من طينة العمال والبشر بل من طينة مقدسة عليا من واجب هؤلاء العبيد العمال طاعتها والموت من أجلها!
لكن كيف تكون هؤلاء؟ ومن أي مواد إيديولوجية تم تخريب وعيهم الإنساني البسيط المضحي؟
من النسخ المزيفة من الدين والإيديولوجيات الشمولية.
لم يكونوا يفهمون الإسلامَ ويعيشون في تراثه النضالي، بل كانوا يصلون بشكلٍ آلي، مثلما يعيشون في المصانع كأجزاءٍ من تروس، كوظائف آلية، يومية مُتعبة منهكة، لكنهم يؤدون الحركات الآلية المطلوبة، والدينُ غدا في عيشهِم الأمي مثل مصنعٍ يؤدون فيه الحركات خدمةً لرؤوساءٍ مُغيبين أو حاضرين، يقودون الجموعَ، دون عيشٍ في مفردات الدين، دون تلمسٍ لأصابع الكادحين الصلبة القاسية من حملِ الحصى، وحمل الأدوات، ورؤية هذه الأجساد المضناة في العيش بين الآلاتِ والدخان والسخام، أو أن هؤلاء (الرفاق) يعيشون في غرفٍ ضيقةٍ مزدحمة بالعيال.
أو أن هؤلاء العمال يذوبون بين أزقةٍ ضيقةٍ وينطفئون بين الجدرانِ والعملاتِ الصغيرة الهاربة، وحمل الأغراض المرتفعة الأسعار دوماً، ويحملون أطفالهم أو أجسامهم لمستشفياتٍ مزدحمة، وينتظرون طبيباً أو ممرضة في طوابير طويلة. إذا أمكن لهم أن ينجبوا ذرية ولم ينطفئوا بين التراب والتراب.
القادةُ الخرافيون المستخدمون للإسلامِ كنصوصٍ مجردةٍ مفرّغةٍ من الأنسنة، لا يرون العمالَ، لا يرون ملامحَهم، لا يطالعون عيونَهم المنطفأة من التلوث والأمراض، وعظامَهم التي تنحني حتى تلامس الأرض.
إنهم يرون سلامة حركات الصلاة، وضخامة الطوابير الموجهة للعبادة، دون حتى مراقبة الأرض المفخّخة، وحملة المتفجرات، ولهذا حين يظهرُ هؤلاء تظهرُ مستنقعاتُ الدماء وتزدهرُ البلدانُ بالحرائق.
إنهم في عليائهم السياسية البيروقراطية كالنجوم، كالأقمارِ الصناعية الموجهة للحشراتِ البشرية، لكي تموتَ في حرب، أو تتعذبَ في مواجهات، ولا تفتحُ مسارحَ لترى هؤلاء العمال يضحكون، ويمثلون، ويحركون العرائسَ لأطفالهم، ويجادلون عائلاتهم ويطورنها، بدلاً من السهرات المطولة في الخارج والإختفاء القسري.
حراكُ السماءِ والأفلاك والنجوم العالية لذراتِ البشر العمالية، حراكُ نصوصٍ إستبدادية شرقية، تجعلُ العمالَ أدواتٍ لمخططات سياسيين شموليين يتحكمون من وراءِ القصور بالمواد البشرية الآلية.
وكلما طالت شبكاتُ هذه الزعامات كلما تعقدت ظروفُ العمال المصطادة كالفراشات في الخيوط الطويلة.
ولهذا فإن كائنات الزعامة هي متواريةٌ سيدةُ الوجودِ والحضور، والكائنُ البشري المرهف مُلغى، هو في خدمةِ البيروقراطي السائس، ومن مستلزماتِ الخطة السياسية المغامرة المُعّدة بدون مشاركة منه أو دراية له، لكنه سيجدُ نفسَه في عاصفةٍ مفاجئة تقتلعهُ من بيته ومن عياله.
زمنُ العمال الآليين إنتهى، زمنُ هيمنةِ النقابة البيروقراطية، بل هو زمنُ العمالِ الحواريين، زمنُ العمالِ المشاركين في صياغة النقابة، وحراكها وتطورها، كلُ حبةٍ من المصنع ومن النقابة ومن الحزب ومن البيت ومن ملعب الفتيان وروضة الأطفال هي للإنسان العامل، هي حوارٌ معه، ومن مسئوليته، وغايته.
هم العمال الديمقراطيون لا عمال المؤامرات البلانكيين والباكونيين، المغامرين، والانتهازين، هم عمالُ التراكمات الديمقراطية الحريصون على تطور الشعب ومصالحه، لا المقامرون في صالات القمار السياسية وبهوياتٍ شمولية طائفية تمزيقية للمسلمين والعرب والمواطنين والكادحين الأجانب الرفاق على الأرض وفي المصنع والوطن.
إنهم العمال الديمقراطيون لا الآليين التابعين الذيليين، فهم الذين يقرأون ويدرسون، حتى على شموع الحزب والدولة الأخيرة، يقدرون زوجاتهم ولا يأتون إليهن في الساعات الأخيرة وهن ضحايا اللصوص والفقر.
في أدلجتهم للدين يلغى المحافظون العمالَ من التراث، يذوبونهم في حضور الأسر الارستقراطية، وتضحياتهم ومعاناتهم، مثلما يلغون حضورهم في العصر الحديث، فهم مجرد أدوات في الماضي والحاضر.
آلياتُ النضال الحديث
يقول أحدُ القراء كاتباً بأسم مستعار ما يلي:
(لا أعتقد أن السيد عبدالله خليفة يجهل طبيعة القاعدة الاجتماعية العريضة للقوى السياسية – المعارضة – الدينية – الشيعية في البحرين، وهى التي تشكل واحدة من أساسيات ودعامات تبنى الموقف الوطني – التقدمي إزاء الثورة ، وهذه الجماهير وإن لم تكن بأكملها بروليتاريا، بالمعنى الكلاسيكي، فإنها من جملة الكادحين والمُعدمين والمُهمشين، ومن هنا فإن نضال القوى السياسية – المعارضة – الدينية – الشيعية إجمالا يعبر فى الوقت الراهن عن مصالح اجتماعية للمسحوقين، ولا يمكن أن يتجاهلها الماركسيين(؟)، وهذا أيضا ينطبق على الجماهير من المتدينين وغير المتدينين السنة الذين انضموا إلى جمهور الثورة ولم تخدعهم دعايات الثورة المضادة، وقلتهم العددية لا تنفي دورهم وإنما تنفي ذرائع الثقافة السائدة حول إدعاءات الطائفية.).
يستدرجُ الأخُ البحرينَ إلى واقعِ الثورةِ بصورةٍ ذاتية، فهو يقرر أنها في حالةِ ثورة، أو من أنجر معهم، وبالتالي فيجب أن ننخرطَ نحن كتاباً وقوى أخرى مع هذه(الثورة) وحسب أجندة قادتها!
الثورةُ في مثل هذا الوعي فعلٌ ذاتي تقررهُ نخبٌ، ويخضعُ هذا الوعي لقراراتِها، ولكن الأمور بهذا الشكل ليست ثورة في الواقع ولكنه تآمر. أي أن تقومَ نخبٌ معينة بفرضِ واقعٍ سياسي بالقوة، وليس أن يكون فعلاً نابعاً عفوياً من الشعب.
الثورة ذات شروط موضوعية، وتتجلى حين يقوم الناسُ العاديون بالانفجار لأنهم لم يعودوا يحتملون الظروف القاسية لأسباب إقتصادية حارقة.
لكن ما قادتهُ الجماعاتُ المذهبيةُ السياسية هو فعلٌ ذاتي منها، هو نسخُها لأحداثِ في مصر ومحاولتها إعادة تكرارها لدينا، والأرض غير الأرض، والجماهير غير الجماهير، والواقع غير الواقع.
الجماعاتُ المذهبيةُ السياسية من طائفةٍ واحدة، وهو أمرٌ ينفي فعلَ الثورة من أساسه.
الجماعاتُ المذهبية السياسية إشتغلتْ لنفسها خلال عقود: هيمنةٌ على طائفتها، تكريسٌ لقياداتٍ فيها، رفضُ تكوين العلاقات الوطنية الديمقراطية بين الشعب الواحد، ثم سيطرة فصيل واحد على بقية الفصائل من نفس الطائفة وإبعاد الأخرى عن مركز القرار وجعل كافة المواد السياسية تخضع لهذه الجماعة التي تقوم بإعلاء هيمنتها شيئاً فشيئاً.
وقد كنا نقول بأن من حق الطائفة أن تناضل نتيجة لحرمان ولمشكلات تاريخية لكن بدون شكل سياسي طائفي، لكن الأدوات الخاطئة أُتيحتْ لها، والمجلسُ المنتخبُ أعطاها حضوراً كبيراً، وبلديات عديدة إمتدت تحت عملها، ولكن أين النضال؟ وأين الإنتاج السياسي؟!
إشتغل التيارُ المذهبي السياسي لتشكيلِ دولةٍ خاصة به، وليس أن يكون تياراً وطنياً بحرينياً من أجل تطوير دولة مشتركة، وأن يستوعبَ أفضلَ ما في طائفته من عناصر ديمقراطية ومهنية، وأن يستوعبَ أفضل ما في شعب البحرين التي تقبل ببرنامجه، وبهذا يتقدم لتغيير ما في الواقع من سلبيات، وأن يراكم الايجابيات الموجودة في النظام، وأن يجعل ذلك مقدمة لتطوير أعمق.
إن عجزَ التيار المذهبي عن التطور العلمي من أهم الأسباب لتشكل وعي المغامرة السياسية عنده.
فقد تواجدَ خلال ربع قرن وعاشَ على شعارات، ولم يقمْ بتطوير قدراته وجماعته، وتحويلهم لكوادر، ولم يقمْ بتطوير ثقافته وعلمه بالواقع، فأين قضايا ومشاكل الجماهير المرصودة لديه؟ أين الدراسات عن الفقر والبطالة ومشكلات العمالة؟ أين تطوير الآداب والفنون والثقافة؟ أين درس خريطة البلد والأسكان ومشكلات الجزر؟ أين الحلول المقترحة لكل هذا؟.
لا شيء من الإنتاج العلمي لدرس البلد، وكوادر المنظمة المذهبية السياسية تتدهور، وتجلب الشبابَ الصغار ليكونوا نواباً، وبقية المنظمات من نفس الطائفة والمبعدة عن الفعل والمشاركة مع هذا التنظيم الرئيسي تتطرف أكثر فأكثر، نظراً لعزلتها وحرمانها.
الريف البحريني فيه طاقات شبابية وعلمية وفكرية، لكن هذه الطاقات لا توجه للبناء، ويجري إهمال قاعدة عريضة من الشباب تخسر نفسها في الفراغ واليأس والكسل.
وينتج من ذلك لعدم الاستفادة من هذه الطاقات أحلام مغامرة وتآكل للروح الخلاقة، وتحريف توجيهها نحو الصدام السياسي.
لقد لاحظنا وجودَ إمكانيات إبداعية وفكرية خلاقة لبعض هؤلاء الشباب، رأينا تطوراً مذهلاً في بعض النساء، رأينا حباً لديهن للحرية والانفكاك من قهر القرون الوسطى! رأينا أن هذا الشباب خلاق ولكن الفرص الاجتماعية لا تُتاح له.
الريف البحريني الذي لم يعد ريفاً بل ضواح لمدينة البحرين الموحدة،
خارجَ الطائفةِ داخلَ الطبقة
حين يحول المثقفُ الواقعَ الاجتماعي السياسي إلى عالمِ طوائفٍ ويرفضُ عالم الطوائف والعيش في الوقت ذاته على مادتها الاجتماعية الأثرية يواصلُ البقاءَ في الطائفية.
رفضُ الطائفةِ هو موقفٌ متقدمٌ على موقفِ المتعلم السياسي الطائفي، لأن الرفضَ هنا يشيعُ قيماً جديدة في عالم القرية المتبلد حيث يجري قمع النساء والرجال من قبل المؤسسات التقليدية المهيمنة، وقمع النساء أشد وتغييب الحقوق أوسع لكن الرجال العامة هم كذلك مقموعون، لكن هذا الرفضَ غير كافٍ لأنه ضحل الوعي، لا يحلل الجذور، ولا يخرج من الطائفة للانتماء الاجتماعي العصري.
نجدُ تاريخَ المسلمين عبر الدول الارستقراطية التي شكلتْ الحضارةَ وانهيار الحضارة معاً، بإنجازاتها وسلبياتها معاً، حين قام الأمراءُ والخلفاء بالسيطرة على مسار التاريخ وبجعلِ حراكهِ في الطبقةِ العليا الذكورية، التي تنتقلُ عادةً من البادية أو القرية أو المنطقة الرعوية كما إنتقل العربُ من شبه الجزيرة للحواضر الشمالية، وتعيشُ على الغنائم بشكل هائل عبر الحروب وجلب العبيد والجواري ثم حين تنقطع الحروب ويصعب وجود ضحايا أو بلدان قريبة للغزو، أو حين تقف الصحارى كالصحراء الكبرى دون توغلهم في عوالم القبائل المسالمة أو الدول القبلية المماثلة، يركزون على الخراج وتحصيله بكلِ دقةٍ وقسوة.
ولهذا فإن دولةَ المسلمين العامة، دولةَ المواطنةِ المفترضة، تضمحل، ومشروعُ التحديثِ الديمقراطي الأولي، مشروعُ تعاونِ الطبقات المختلفة يتلاشى، والرجالُ الارستقراطيون النخبُ(من الملأ) الجديد هم الذين يصوغون هذا العالمَ الطبقي الذي يصنعهُ ملاكُ وتجارُ العبيد وأصحابُ الخراج، في حراكِهم لاستعادةِ الجاهلية وقبائلها وفخرها وحروبها وتسجيل كل نأمةٍ من خرابها على أنه الوجود العربي الأبدي.
عالمُ الطوائفِ يتكونُ قليلاً قليلاً من نقاطِ العَسفِ المتراكمة، من تحولِ النصِ الديني إلى حروفٍ متيبسة عن الحياة أو أغلال، ومن عجزِ المعتزلةِ عن الدخول في الطبقة التجارية أو الطبقة الكادحة، ومن التلاعب اللغوي الفكري بين الطبقات، ثم عيشهم على فتاتِ الارستقراطية.
ظل الوعي الديني في تجريداتهِ أو ملموسيتهِ الفقهية التاريخية مركزاً على مطلقٍ خارج الخريطة الاجتماعية، وعلى جزئياتٍ إقتصادية واجتماعية متناثرةٍ متحركةٍ من قبل المطلقِ لا من قبلِ العياني الاجتماعي المتحرك.
ولهذا فإن منتجي الفكرِ والثقافةِ صاروا مثل الارستقراطية يعيدون أسبابَ الحركة الاجتماعية والغربة وغياب العدل واللامساواة وظلم النساء إلى عدمِ فهمِ المطلقِ الديني لا إلى الظروفِ المادية من تحكمِ الحكمِ وسوءِ توزيع الثروات وبناء الخراج من أجل الجيوب الخاصة لا من أجل مؤسسة الدولة، دولة المواطنين.
ولهذا فإن صانعي فكر الطوائف أكدوا على الولاء للمطلق ورفض الطوائف في حين كانوا يصنعون طوائف جديدة. معتبرين أن سبب الضياع الديني الاجتماعي هو لعدم فهم النصوص الدينية التي أعطتْ طائفتهم مكانةً عالية.
لهذا فإن حرمان الطائفة المميزة المختارة من السلطة هو سبب كارثة المسلمين الأبدية، في حين تؤكد الطوائفُ الأخرى انها هي المعبرة عن النص، والمطلق وروح الديانة والأمة وأن الطوائف الأخرى معدية وأنها منحرفة.
تغييب النص الديني عن نضاليته الديمقراطية الأولية وعن مشروع المدينة النهوضية اللاطائفية المشروع المجهض بسبب صراع الارستقراطيات على المنافع، هو بسبب هيمنات طبقية متعددة حولتْ سيطراتها إلى تملكٍ للنص والبشر، وأخرجتهم من الحراكِ السياسي المستقل وجعلتهم توابعَ لها.
حرمتهم من التعبير عن أنفسِهم كرجالٍ محرومين، وكنساءٍ ضائعاتٍ من العمل والانتاج ومن تشكيلِ الشخصية، وكمثقفين مستقلين يجسدون شخوصَهم لا أن يعبروا عن نماذج منمطمة في الحكم ويلغوا ذواتهم المتنامية في الانتماء للناس وللقيم الرفيعة.
يتحول الانتماء للطبقات المنتجة المتضادة ثراءً للمدينة الديمقراطية، حيث أسلوب الانتاج يجعل الناس تتصارع على تطوير ما هو عام للجميع وما هو خاص للطبقة والأفراد، وتصبح الطائفةُ وراءَ ظهورهم السياسية وتصبح الطبقة السياسية محل نقدهم وتطويرهم.
لهذا فإن إدارةَ المدينة لا تنظر إلا لدور القوى السياسية الانتاجي، وقدرة الجماعات السياسية على ابتكار المشروعات وتنفيذها ويجري حساب عملهم عبر هذه المؤسسات.
هي البداياتُ الصغيرةُ للخروج من عالم الطوائف.
عمال المدن وعمال القرى
إن ظهور العمل بالأجر بدأ مع دخول الشركات والبنوك الغربية إلى البحرين، وتركزت هذه في المدن، خاصة مدينتي المنامة والمحرق، وفيما قبل ذلك لم يكن نظام العمل بالأجر سائداً، وتحول بعد الأربعينيات من ظاهرةٍ محدودةٍ مرتكزة على عمال المؤسسات التجارية وجماعة عمال النفط، إلى نشاط إقتصادي سائد، وأختفت الأعمال غير المحسوبة بالأجر فتحول العمال إلى طبقة واسعة، مع تنامي فوائض النفط وظهور المؤسسات الحكومية والخاصة.
لم يكن لعمال ومزارعي الأنشطة السابقة كالغوص والزراعة، أجور محددة بل يتم التعامل معهم بالقطعة والأنصبة في عمليات الإنتاج، مما يزيل الحدود بين الأجر والسلف، مع غياب التسجيلات الدقيقة لمدد العمل وثماره.
لكن العمال بالأجرة أختلفت ظروفهم، وغدت محددة، ومحسوبة، وكان ذلك من جراء كون المؤسسات حديثة، ذات جذور غربية، وأدى تواجدهم في المدن وإنبثاقهم الواسع من الأجيال القديمة ومن تدفقات الأجيال الحديثة المتعلمة، ونشؤهم في ظرف نمو المنظمات القومية واليسارية الحديثة، أن تشربتْ الجموعُ بحداثةٍ معينة تلحظ في مسالكهم الشخصية، فلم يكن ثمة محدودية إجتماعية تسيطر عليهم، واتسم سلوكهم بالحرية، كالمشاركة في دور الطرب والغناء والسفر وحضور المسرحيات وقراءة الكتب والصحف، وفي الحي المدني كانت المؤسسة الدينية غير ذات سطوة على تفكيرهم، وبهذا تداخلت جموعهم التي هي في أغلبها جموع أمية أخذ التعليم طريقه إليها بتدرج طويل، مع تلك التنظيمات، التي نشرت بينهم أدبياتها.
كون هؤلاء العمال المدنيون على مدى عقود، أجيالَ المنظمات السياسية وخاصة اليسارية منها، وصار العمال الشباب قواعدها، مما زادها حضوراً في المؤسسات الصناعية والاقتصادية المختلفة.
وليس معنى هذا بأن القرى لم تكن تنتج عمالاً، بل كان يتدفقُ منها عمالٌ على مدى كل هذا التاريخ. لقد كانت منطقة سترة منتجة كبيرة للعمال، خاصة لشركة النفط ولأعمالها المختلفة من حفر الآبار إلى إنشاء مصنع التكرير والقيام بالأعمال اليومية المختلفة.
لكن عمال القرى أخذوا يتدفقون بمعدلات أسرع في سنوات لاحقة، خاصة في السبعينيات والثمانينيات وما بعدها بشكلٍ أكبر من عمال المدن، التي توقفتْ عن ذلك الفيض العمالي الواسع كما كان من قبل، فقد غدت الأنشطة الاقتصادية كثيرة، وجذبت القطاعات الحكومية العسكرية والأمنية العمال اليدويين خاصة، وارتفعت الأجور فيها، بينما غدت الأعمال اليدوية غير مرغوبة بها.
وتوسعت المدينتان المحرق والمنامة وخاصة الأخيرة التي أحتضنت الشركات والبنوك بشكلٍ كبيرٍ عما كان سائداً من قبل.
وهكذا فإن الفيضَ السكاني في المدن توجه إلى المهن الإدارية والفنية والاقتصادية، وتصاعدتْ الأنشطةُ الاقتصاديةُ الخاصة، وبهذا فإن الفيضَ العمالي تقلصَ وإن لم يختفِ تماماً، فما تزال هناك بروليتاريا تظهرُ ولكنها تتوجه إلى المهن الدنيا في الأجهزة الحكومية والشركات الخاصة.
يمثل حراكُ العمالِ والشغيلة عامةً الأسسَ الموضوعية لجذور المنظمات السياسية المختلفة، فحراكُ عمالِ المدن بين الأربعينيات والسبعينيات، أنتجَ حراكَ المنظمات القومية واليسارية التحديثية، فكانوا هم القواعد الأساسية لتحركاتها، وبدون وجود عمال ذوي ثقافة مدنية متفتحة لم يكن بإمكانِ هذه المنظمات أن تجد مناصرين.
لكن الأحوال تغيرت مع توقف التدفق العمالي الواسع، وصعود الفئات الوسطى في المدن بصورةٍ كبيرة، وعوامل الضغوط على الحركات القومية واليسارية، فجنحتْ الفئاتُ الوسطى لخطاب اليمين السياسي خاصةً الذي وجدتهُ في الجماعات الدينية السنية، وفيما بعد توسع هذا أو رُحَّل إلى المدن الجديدة.
كما أن خطابات تلك المنظمات اليسارية خاصة ركز على العمال، في الوقت الذي أخذ حضورُهم المدني يتقلص.
زاد الحضور الريفي للعمال، وأخذت مناطقٌ كثيرةٌ في الريف وبعض الأحياء المدنية الفقيرة في خلقِ سيل من الرجال والشباب العمال، وغدا عمال القرى هم الأكثرية في واقع المنتجين البحرينيين وأعطى هؤلاء العمالُ المنظمات الدينية الشيعية حضورها وتوسعها. أدت مشكلاتهم وفقرهم الكبير وغياب الثقافة الحديثة إلى ضخامة لتلك المنظمات، رغم أن الجذور الاجتماعية تختلف بين هذه القواعد العمالية والقيادات الراجعة للملاك ورجال الدين.
إن تباين الفئات المكونة للطبقة العاملة البحرينية وتاريخية نشؤها المعقد، وتضاد الحداثة والتقليدية في تشكيلِ أجيالِها، جعلها غير قادرةٍ في الفترة الأخيرة على الوحدة والدفاع عن مصالحها بقوة، فهي لا تملكُ وحدةً فكرية نقابية قوية، كما أن وجود عمال أجانب أكثر منها جعل العمالَ البحرينيين في وضع منافسة قاسية، كما أن مشاعر الموجة(الدينية) نأتْ عن التوحد مع العمال الأجانب والدفاع عن ظروفهم، مما جعل الطبقة العاملة البحرينية والأجنبية في حالة إستغلال هائلة وظروف صعبة كبيرة.
مشكلاتُ عمالِ الريف
إستطاعت القوى المذهبية السياسية إختراقَ نضال شعبنا وحرفهِ عن مساره الديمقراطي التحديثي العلماني، وجاءت أكبر الضربات في شقِ صفوفِ الطبقة العاملة وتذييلها لمصالح الطائفيين السياسية، إبتعاداً عن مواصلةِ المسار الديمقراطي الوطني والتبعية لسيناريوهاتٍ خارجيةٍ مغامرة بالشعوب.
تتجسدُ في عمال الريف بؤرة هذه الأخطاء والمشكلات في البُنية الرأسمالية الوطنية المتفاوتة المستويات.
لقد عبر الريفُ في البحرين عن أوضاعِ رقعةٍ جغرافية صغيرة وطنية راحت تنمو في التحديث الرأسمالي بسرعةٍ شديدة مغايرةً لكافة البلدان الأخرى في المنطقة، بسبب الطابع الجغرافي الخاص وتنامي المدن وصعوبات وضع الزراعة، مع تقلص المياه الجوفية بصورة مستمرة، ولهذا فخلال عدة عقود تنامت المؤسساتُ الاقتصادية الصناعية الكبيرة مع تقلص الرقعة الزراعية، ووجدتْ القرى نفسها أمام فيضٍ سكاني مستمر، لم يهاجرْ للمدن بسبب القرب الجغرافي والقدرة على الدخول في سوق العمل.
لقد غدت الطبقةُ العاملة هي الطبقةُ الأكبر في مجتمعٍ غير زراعي، وغدت هي المؤثرُ الاجتماعي الهام على الحراك السياسي.
وقد دمجت الحركةُ الوطنية التحديثية بين المشكلات العمالية وقضايا التطور الوطني والديمقراطية، وحققت نقلةً مختلفة عن المسار التقليدي السابق، مما جعل العمال أساس التوحيد الوطني، فإنصهرتْ في المؤسسات الاقتصادية جماعاتُ السكان المختلفة.
هذه البنيةُ الاجتماعية هي لزمن بداياتِ النفط وقبل التسارع في أسعاره، وحين إندفعت أسعارُهُ للذروة، تبدلت البنيةُ الاجتماعية، وصار هناك فيضٌ كبيرٌ من الرساميل المحلية والخليجية والعالمية، ولم تستطع القوى العمالية الوطنية أن تلبي حاجات السوق من حيث العدد والنوعيات المختلفة ومن حيث تبدل قوة العمل وسوقها الخاص.
ضخامةُ الانشاءات العمرانية والاقتصادية ومشروعاتُ البنية التحتية الكبيرة جلبت قوى عمالية أجنبية واسعة، صارت هي الأكبر خاصة في القطاع الخاص.
بعض العمالة المحلية وقوى الموظفين وجدت لها مجالات في المشروعات المتطورة في الشركات الكبيرة والبنوك، وكانت هذه هي جزءٌ من مواليد الفئات الوسطى والعمال حيث كان ثمة تعلم جيد، في حين واجهت أجيالُ الريف والأحياء الشعبية الفقيرة في المدن مشكلات كبيرة أمام التشغيل وكانت من الصفوف التعليمية الدنيا أو من المتسربين من التعليم.
وقد واجهتْ هذه الأجيال من أبناء العمال أو المزارعين السابقين والحِرفيين والعاطلين المنافسة غير المنتظرة مع العمال الأجانب المتدفقين بوفرة والقابلين بأجور متدنية.
تصادمَ مستوى العمال الوطنيين المنخفض مع تدفق العمال الأجانب الوفير، وهذا مثّل أزمةً معيشية لهؤلاء الذين وجدوا نفسهم مطرودين من السوق أو مُهمشين فيه، وتوسع ذلك خاصةً في فئة الشباب.
ولم تشتغل الجماعات النقابية لدرس وحل هذه المشكلات بل عملت لتوظيفها سياسياً، وهو خط مثّل الطريقة المغامرة التي كانت تطفحُ في السنوات الوطنية والتي قللت من خطورتها نقابيةٌ ديمقراطية وأعمالٌ سياسية عقلانية، لكنها كانت موجودة رغم الصراع ضدها لضعف تقاليد النضال العمالي السياسي الديمقراطي وإنتشار روح المغامرة.
كان يُفترض النضال مع هؤلاء العمال الأجانب وضد الانخفاض المريع لأجورهم وسكنهم وعيشهم المزري، والصراع المشترك ضد الأجور المنخفضة وغياب قانون للحد الأدنى من الأجور والعمل لتغيير التعليم المهني البحريني، ومنع التسرب من المدارس، ومكافحة البطالة بشكل عميق ومستمر، ودعوة وزارات العمل والتربية والصناعة على حل مشكلات العمال الريفيين والعمال الفقراء عامةً وأوضاع النساء العاملات الاجتماعية المتخلفة سواءً من ضعف أجور النساء ومن إخراج البنات من التعليم أو من غيابِ رياض الأطفال في الريف والحرفِ والصناعات المخصصة للنساء وضعف التعليم التقني الزراعي والصناعي.
تفككُ أقسام الطبقة العاملة وعدم وجود قيادات موحَّدة ودراسات موضوعية عن أقسامها وأوضاعها حولها لطبقة ليست من أجل نفسها، وحوّل عمال الريف وعمال المؤسسات الصغيرة لكيان إجتماعي ضائع في السوق عاجز عن تغيير أوضاعه الصعبة وتطوير السوق الوطنية وتقدم المجتمع.
تفكيكُ وحدةِ العمال
لوحظ لسنوات سابقة نهج مختلف في نقابة عمال ألبا عن نهج قيادة نقابات العمال البحرينية، التي تمثل أغلبية النقابات والحراك العمالي البحريني منذ سنوات التحول السياسي.
وهذا النهج أعتمد على التعاون والصراع مع إدارة الشركة وتحقيق مكاسب مهمة للعمال، في حين لم نجد هذا النهج موجوداً بقوة في قيادة نقابات العمال. وربما كانت هناك نقابات تقوم بذلك النهج على مستوى بعض الشركات وبعض النقابات ذات القيادات المستقلة وتحقق مكاسب للعمال لكن هذا لم يتحول إلى خط نقابي واضح ومستمر.
نهجُ الصراع المسيّس الحاد ونهج التعاون الصراعي أخذا يبرزان بشكلٍ غامض خلال السنتين الأخيرتين، اللتين كانت مفصليتين في حياة الطبقة العاملة في البحرين، ربما كانا متشابكين وغير متبلورين نظرياً وسياسياً، حيث عاشت القوى السياسية والاجتماعية الطالعة من العقود السابقة بدون فكر إصلاحي ديمقراطي وطني واضح ومتبلور، وهذا ما أنعكس على وقائع الأحداث في السنة السابقة، وبرز نهجُ المغامرةِ السياسية الحادة خطيراً على مصائر العمال طبقياً قبل أي شيء آخر، فقد أُلحقوا مثلما كانوا يُلحقون سابقاً بأحداث سياسية إجتماعية دون قراءة لنتائجها ومصيرها، ودون أن تكون لطبقتهم رؤية وقرار مستقل لكن هذه المرة بشكل وطني مناطقي كبير وخطير.
فكانت الخسائرُ جسيمةً على العمال وأسرهم بشكل خاص، لكن الأخطر هو بقاء مشكلاتهم في الشركات والمصانع والأعمال المختلفة بدون حلول، كما أن مشكلات الأسعار وتصاعدها وغلاء الايجارات وكافة القضايا الأخرى المتعلقة بمعيشتهم تفاقمت بدون حلول.
أنتج نهج المغامرة تعطيلاً لمجلس النواب وفقدانه للحراك الشعبي والجدل الساخن على المستوى السياسي، كما أنتج تعطيلاً للعمل النقابي المواجه لمشكلات العمال المتفاقمة غير المحلولة خلال هذه السنوات، كما أضر بالعمل البلدي وغياب حركته التي كانت مهمة واعدة.
وصار هناك صوت واحد في البرلمان لا أثر له ولا قوة تأثير ولا جدال حيوي، مما يجعل البلد في حالةِ بطالةٍ سياسية كبيرة، على مستويي المعارضة والموالاة. أما الهذيان السياسي اليومي والإدعاءات بالنشاط فكلامٌ فارغ لا يُقنع حتى الصبية في الشوارع!
أكثر المتضررين من نهج الانقسامات وتمزيق كل حي وكل جماعة هم العمال الذين يعانون في كل جانب، في مؤسساتهم وفي الحياة الاقتصادية المتفاقمة الغلاء والمصاعب المعيشية وتدفق العمال الأجانب المساكين بدورهم في كل مكان يخطفون اللقمةَ من المواطنين.
حين يكون الحل بالانقسام يغدو الأمرُ مشكلةً. كنا نتمنى أن يعالج إتحادُ النقابات الأمرَ بالحكمة، ويصّعد الديمقراطيةَ في داخله، وكان تجمعُ النقابيين الذي جرى قبل مدة وحاول أن يحل الاختلافات، ويجمع النقابيين على كلمةِ توحيد، تم نقضه من قبل البعض في إتحاد النقابات، فلم يُصعِّد هذا البعضُ نهجَ التوحيد فكان لجؤ الطرف الآخر للانشقاق.
بطبيعة الحال هذا ما يفرحُ خصومَ العمال لكن العمال وحدهم هم الذين سيتضررون من هذه الانشقاقات، حيث لن يقف الأمر عند إنشقاق واحد بل ستتكاثر الانشقاقات والاتحادات مثلما حدث في الجمعيات النخبوية المتكاثرة كالعشب بعد الأمطار الشللية والنرجسية!
وكان يُنتظر من إتحاد النقابات أن يتوجه لحل مشكلات العمال في مؤسساتهم وشركاتهم، وأن يُحدث قراءات وحراكاً لفهم القضايا الاقتصاية وتقديم الحلول لها، وبدلاً من ذلك تكاثرت الخصومات بين النقابيين وتبودلت الاتهامات وكان هذا شيئاً مؤسفاً كما أنه أمر وطني خطير ومفجع، لكن ما ذنب العمال أن لا تجد القوى النقابية حلولاً لمشكلاتها؟ وكان يُفترض أن تتكرسَ لمشكلات العمال!
هل هو بسبب(ضخامة)أجور العمال؟ أم بسبب غياب المنافسة مع القوى العاملة الأجنبية أم هو بسبب الحضور الكثيف للبرلمان في قضايا العمال والدفاع عنهم وحل مشكلاتهم!
فيما النقابات مهيئة فقط للصراع السياسي ولإدخال الصراعات السياسية والمذهبية داخلها؟!
التسييس المطلوب هنا هو تسييس وطني لتفعيل البرلمان والبلديات والحريات العامة وتوحيد العمل النقابي الوطني الديمقراطي، لأن العمل النقابي لا يمكن أن يكون بلا سياسة، لكنها سياسة مسئولة ديمقراطية وطنية تراكم الإصلاحات وتطور قوى العمال سياسياً وثقافياً وأسرياً وصحياً.
إن الديمقراطية تتطور بعمال متوحدين وشعب متماسك ولديه أدوات التغيير والإصلاح منعزل عن ظروف وصراعات المنطقة التي تفرضُ مشكلاتها علينا، فيستقلُ عنها ويدرك إن إختلافه الوطني أمرٌ داخلي لا تستغله قوى خارجية أو داخلية فتوظفها لمصلحتها.
إذا كنتم مسلمين فالقرآن دعا للوحدة، وإذا كنتم تقدميين فالبيان يقول يا عمال العالم إتحدوا، وأنتم تفرقون الأزقة البحرينية عن بعضها البعض، وتُدخلون العمالَ البسطاء في مشكلات سياسية وخلافات ولديه الكثير من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يريد حلولاً لها.
العمالُ والطائفية: ظرفٌ عامٌ
يُفترضُ أن تكون الطبقات العاملة هي أكثر القوى الاجتماعية إبتعاداً عن مزالق التعصب القومي والشمولية الطائفية المحافظة، ولكنها أنزلقتْ كغيرِها من القوى الاجتماعية في نفس المسار الذي عقّدَ وأسنَّ وطيفَّ التطورَ الوطني الديمقراطي في كل بلد عربي إسلامي.
إنها قوى تعيشُ في ظروف قاسية وفي أعمال بسيطة خاصة عمال القطاع الخاص، حيث كثرة متنوعة من المؤسسات التي تعمل في مستويات مختلفة، وبإرادات كيفية في مسائل الأجور وظروف العمل.
إن تعقد مسارات التطور السياسي الاجتماعي في بلداننا وخاصة دول الخليج والمشرق العربي الإسلامي عامة يتمثل في عدم نضج التطور التاريخي السياسي، وغياب النضج هذا هو الذي أسسّ قواعدَ الرجوع المتعثر للماضي.
تكون الطبقتين المحوريتين في الديمقراطية الحديثة وهما البرجوازية والعمال جُوبه بعقباتٍ إقتصادية وإجتماعية وثقافية كبيرة، فزمنُ الاستعمار شهدَ صعود هاتين الطبقتين بحكمِ جوانب الليبرالية التي أشاعتها الدولُ الغربيةُ للهيمنةِ على المواد الخام المتوجهة إليها، رغم رثاثةِ أوضاع الشغيلة في المؤسسات النفطية والاقتصادية الأخرى، والتي كانت تقبلُ أية أجور متدنية وهي النازحة من الأرياف الفقيرة والمهن البحرية والحِرفية المختلفة وبلا تجارب نقابية وسياسية، لكن كانت تتواجد جوانبٌ من الحريات التي ساعدتْ على تطور الوعي النقابي والسياسي المحدود، فقد كانت الدولُ الغربية تريدُ من الدول العربية والإسلامية نسخَ تجربتِها لكن بدون توفير أسسها الموضوعية سوى فتاتٍ منها.
توفيرُ الأسس التحديثية الغربية من صناعات متطورة وقوى إجتماعية منبثقة منها، وحريات مواكبة، هو هدفٌ ظلَّ مثل السراب في حين كان الواقع هو العودةُ للوراء، والمضي نحو المجتمعاتِ التقليدية الطائفية! والأخطر نحو المجتمعات الدينية المتقاتلة ضد بعضها البعض كما يجري حالياً!
وهكذا قامت الانقلاباتُ العسكرية والإيديولوجية بتزييفِ الوعي الثوري، وإحلال الماضي الطائفي بديلاً عن المعاصرةِ العلمانية الديمقراطية، فكانت الانقلاباتُ تنحدرُ نحو الطوائف عبر رفض الحكوماتِ المختلفة المنبثقة منها أو المختلفة معها، للنموذج الديمقراطي العلماني، فالحكوماتُ عبرتْ عن قوى ارستقراطية عليا في طوائف غدتْ هي روابطُها وقلاعها في ظل رفضها للنمو الديمقراطي العصري، ووجدت نفسَها بتفاقم إمتيازاتها وتراكماتها المالية غير قادرة على الديمقراطية، فكان أن شجعتْ القوى الطائفية للعمل السياسي الواسع، أو أن العسكريين الكبار تحالفوا مع رجال الدين الكبار من أجل حَرف التطور السياسي نحو ضبابٍ إجتماعي يُصّعدُ الصراعَ الحربي بين الأمم والقوميات الدينية المختلفة بدلاً من عقلانية الصراع السلمي الديمقراطي الداخلي.
كان العمالُ أكبرَ الضحايا من جملة التطورات العاصفة، فأرتفاعُ قيم وسائل المعيشة المختلفة، ساير الإزدهارَ الزائفَ للعولمة، حيث كل السلع الجديدة معروضة إضافة إلى ثورة وسائل الاتصال والبناء والديكور، لكن المشترين قلةٌ في ظل أن مجالاتِ العمل محدودة، وقابلة للاختراق الواسع من قبل العمال الأجانب الذين هم ضحايا عماليين على مستوى القارات، لكنهم يزاحمون رفاقهم الوطنيين، ويطردونهم خارج السوق، واتسعت الاختراقاتُ للأسواق الوطنية عبر تفجر حروب إقليمية، أو عبر صراعات طائفية حادة.
وهذه المساراتُ عبرت عن رفض الدول العربية والإسلامية المستقلة السير على النموذج الديمقراطي الحديث، وتوجهها للسوق المعاصرة ببُنى وهياكل إقطاعية سياسية وإيديولوجية. فحمايةُ السوق الوطنية وإنتاج رأسمالية وطنية قوية وبعمالها الوطنيين المتطورين هو صلبُ التطور السياسي الديمقراطي المعاصر، لأنه لا ديمقراطية وحرية وطنية مع عمال عاطلين ومتخلفين، لكن هذا معدوم عبر هيمنة الرأسماليات الحكومية وإهتمامها بأرباحها، فيما القوى الرأسمالية المحلية المُحاصَّرة تلجأُ للعمال الأجانب ومستويات متخلفة من القوى من أجل البقاء في الأسواق المشتعلة.
وكل هذا يؤدي لتآكل الأسواق وتوجه الفوائض من أرباح المؤسسات الحكومية والخاصة، أو من العمال الأجانب، إلى الخارج لتنمية رأسماليات أخرى وراء الحدود! فيما تزداد العروضُ في الأسواق الوطنية تأزماً ويتدهور الطلب.
هذه الارتباكات في السوق تصعدُ الوعيَّ الديني المحافظ، حيث يغيبُ الفهمُ العقلاني وإدراكُ الأسباب ويغدو الغيبُ تعويذةً سحرية لحل كل المشكلات العصية، فالجمهورُ العمالي يعود لوعيه الطائفي وهو يرى السلعَ والأجور تتبخر من بين يديه العاملتين بقوة، فيلوذُ بنصوصه الدينية وعباداته، لكي تنجيه من ظروف مادية تعصرهُ كل يوم، وهي جوانب تساير الطبقات العليا المسيطرة على الفوائض والسياسات غير الديمقراطية والإعلام والمؤسسات الدينية، في مختلف البلدان العربية والإسلامية، فتتصادمُ مع بعضها البعض بدلاً من تكوين منظومات إقتصادية حديثة متعاونة وتقود الصراعاتُ والحروب للمزيد من الانهيارات والطائفية واللاعقلانية السياسية.
العمالُ والطائفيةُ: إبعاد التحديثيين
نشأت مؤسسةُ المصنع في العالم العربي الإسلامي بشكل غير تاريخي متدرجٍ ممتدٍ في الشبكة الاجتماعية الثقافية، بل كطفرةٍ داخلية وإستيراد، فخضعت للخيارت الذاتية للأفراد والجماعات والدول.
إعتمدت هذه المؤسسةُ على العلاقة الصراعية التعاونية بين الرأسماليين والعمال، وعبرتْ عن إنتقالها من التعسف والاستغلال المطلق إلى التعاون والديمقراطية الاقتصادية والسياسية، وعبرت عن تاريخ غربٍ أوربي خاص، إحتاجَ لعقود طويلة ليتجذر في غرب أوربا نفسها ثم إنتشر بصعوبة في بقية الغرب.
نشأةُ المصنعِ في المشرق العربي الإسلامي نشأةٌ مختلفة، ولم تكن تحولاً إستراتيجياً حتى ظهر المصنعُ بشكل مصنع تكرير النفط.
ظهورُ المصنع في المشرق بهذه الصورة كان علاقةً صراعية تعاونية مع الغرب، تمثلت بهِ ما ظهر في نشأة المصنع في الغرب والتسلسل التاريخي له من تعسفٍ وإستغلال ساحق حتى تعاون ديمقراطي.
لكن الجماعات السياسية المشرقية لم تفهم هذا الحضور الثنائي الصراعي، فقد تصورتهُ ملكيةً أجنبية على أرضها في البداية ثم تصورتْهُ ملكيةً وطنية خالصة لمن يسودُ الدولَ المشرقية المستقلة.
هذه الخليةُ الانتاجية المهمة التي اسمها مصنع التكرير واكبتها خليتان أخريتان هما الحزب الرأسمالي والحزب العمالي.
لقد أعطى مصنعُ التكرير وهمَ العلو والطيرانِ على الواقع المتخلف، فخلال ومضةٍ من عمر الزمن كان المالكون له قادرين على إمتلاك السيارة والقطار والطائرة والتحليق في الفضاء السياسي.
لقد توهموا الحداثةَ والمساواة مع مكتشف النفط ومستخرجه ومصدره ومستغله أبشع إستغلال حينذاك وهو الذي يمتلكُ شبكةَ التصنيع والتحديث والمواصلات والعلوم.
إن التحولات المفاجئة التي خلقتها فوائضُ النفط أوهمت الخليةَ الرأسماليةَ المبكرة إنها قادرة على المغامرة السياسية، سواءً بتأميم النفط أو بتحرر البلدان من الغرب. تجلى هذا في روسيا ولدى مصدق أو في العراق. وقد تحول الوهمُ لديها إلى كوارث وطنية.
كما تحول ذلك في الخلية العمالية إلى وهم آخر هو إمكانية التخلص من الرأسماليين، وهذا قاد لصناعةِ إيديولوجيات الطيران السياسي فوق الخرائط الموضوعية.
المصنعُ الغربي الذي تجاوز الثنائيةَ الصراعية المطلقة بعد عقودٍ طويلة إحتاج لشبكات إقتصادية وإجتماعية وتعليمية كثيفة لم تتشكل إلا من خلال الصراعات العنيفة بين طبقتي الانتاج، لكن العلاقات التي تطورتْ ديمقراطياً أتاحت تجنب الحروب والخسائر البشرية المنتجة وتلاشي الثروة المادية.
ولكن المصنعَ المشرقي النفطي خاصة إعتمد على التحليق فوق الظروف معتمداً على الوفرة المالية التي يتيحها معملُ التكرير الذي لم يستطع أن ينتجَ مصانعَ حقيقيةً مغايرة للنفط ومشتقاته، بل واصل إمتداده في مصانع خامات له، معبراً بهذا عن عدم قدرته على خلق ثورة صناعية حقيقية، وجسّدَ توسعاً إستهلاكياً ورساميل عقارية ومصرفية وخدماتية متسربة للأمان المالي وتاركةً الوطن العربي في جوع تنموي.
الطبقاتُ التي تملكتْ معامل التكرير أزاحتْ الرأسماليين والعمالَ معاً، وتوجهت الفوائضُ لجوانب تحديثية مظهرية، وراكمت الطبقاتُ الرأسمالية البيروقراطية الفوائضَ لديها ولم تعد لقوى الانتاج أي للرأسمالية الخاصة والعمال، وانتجت حشوداً من البرجوازيات الصغيرة التي إعتقدت قدرتها الكلية وإزاحت كل القوى وبهذا تتالت المشروعاتُ السياسية القوميةُ والشيوعية والطائفية أخيراً الكاسحة.
لم تعد الفوائضُ لهياكل الانتاج وتضخمتْ الجوانب الاقتصادية الاجتماعية الثانوية، فثمة ملايين المتاجر للاستهلاك ولا مصنعاً واحداً لصنع سيارة أو طائرة.
بتهميش الطبقتين المنتجين الرأسمالية والعمالية تم تكرار الوعي الطائفي الذي يكرسُ البقاءَ في العصر الإقطاعي بما فيه من تفتيت البلدان والجماعات والأحزاب والطبقات.
ولهذا يشكل الوعي الطائفي السياسي الأخير الراهن محاولة أخرى لإبعاد التحديث الديمقراطي العلماني وفرض شموليات طائفية محافظة، ولهذا يلعب النفطُ أو مؤسسةُ تكريره دور تصعيد هذه الجماعات وإشاعتها ودعم فصائلها من فوائض النفط والغاز، بقصد الحفاظ على الطابع المحافظ للدول العربية الإسلامية وعدم إنتقالها للحداثة الحقيقية.
إن مؤسسةَ التكرير النفطي لم تجعل المصنع رائداً واسعاً تحويلياً وبالتالي رفضت حضور الطبقتين المنتجتين وغذت وعيهما بالأوهام، والكرة التاريخية في ملعبهما وبضرورة إستعادة دوريهما.
العمالُ والطائفية : وحدةُ المصنع
تتكرس الوحدةُ الوطنية ليس في الشوارع بل في المصانع أساساً.
المصانعُ هي الخلية الرئيسية لانتاج الوحدة الوطنية والعقلانية السياسية.
العلاقات الصراعية بين الرأسماليين والعمال تؤدي تاريخياً لتأطيرها ضمن الوحدة الصراعية، وبدونها تتعرض المجتمعات والتجارب السياسية للتمزق والفشل والعودة مجدداً إليها.
إن أرباب العمل لا تدفعهم إلى المشروع الصناعي نزعاتٌ خيرية بل البحث عن أرباح متصاعدة وسريعة لو أمكن.
إن أوضاعَ السوق والمتاح المفيد من المشروعات هي المحركات السريعة للمخاطرة برأسمالهم، وهذا الوعي المباشر النفعي هو ما يتكرسُ غالباً وطويلاً في الفهم التجاري السائد، وكل ما كانت دورةُ رأسِ المال سريعةً ومفيدة وخالية من المخاطر الاجتماعية والسياسية كلما كان ذلك هو الأفضل.
أما تغيير الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاهتمام بطبيعةِ العمال الفكرية والوطنية فهي خارج الوعي النفعي المباشر، ولكن تلك الأوضاع وطبيعة العمال الوطنية هي أمورٌ جوهرية تؤثر في مصائر المصنع والحياة الاقتصادية عامة.
ورب العمل الكائن الاقتصادي النفعي المباشر يتطور ويفهم الأوضاع التاريخية التي تؤدي لازدهارِ بنية إقتصادية معينة وإنهيار بنية إقتصادية أخرى.
فالعمالُ ليسوا كماً بشرياً بل هم طبقةٌ شديدة الأهمية والضرورة للمصنع، وبدونها وبدون تطورها وإعادة إنتاجها في الأجيال القادمة، لا آفاق تاريخية له.
تفجرت الأزماتُ الوطنيةُ والتاريخية في البلدان المختلفة حين تفجرت الأزمات في المصانع بدايةً، فعملياتُ التسريحِ الواسعة، أو الاعتماد الكثيف على العمال الأجانب بدون خطط للتطور الوطني، كانت هي المصادر الأساسية للأزمات السياسية الطاحنة عبر العقود.
أرباب العمل في تسريحهم للعمال أو في تفضيلهم للعمال ذوي الأجور الشديدة الانخفاض الأجانب كانوا يلغون الوحدةَ الوطنية في المصنع.
هذه الأوضاع أدت للقلاقل الاجتماعية السياسية الطويلة وغالباً ما يرون الربيع العربي بدون هذه السببيات الجوهرية. فقد إختلتْ الوحداتُ الوطنية على مستويات المعامل والمناجم والممتلكات الحكومية الاقتصادية أساساً وفاضت على المجتمعات.
المنجمُ يقدم مواداً ثمينة للشركة الحكومية ويقدم أجوراً شديدة الانخفاض للعمال وتقوم القوى الوسيطة: المقاولون والإدارات الحكومية والبنوك الحكومية والخاصة، بالاستفادة الأكبر من الفوائض الاقتصادية، بحيث تتحول المنطقة المنجمية أو الصناعية، إلى حزامِ فقرٍ وحين يتكاثر الأبناءُ بدون قدرة على الدخول في المناجم والمصانع والاشتغال في مهن هامشية كما حديث لبوعزيزي، فيؤدي ذلك لقيام قوى غير منتجة خاصة الأحزاب بإستغلال الأزمة والصعود للسلطات، ولكن المنجم يُتركُ في فقرهِ ولعدمِ تغيير العلاقات داخله ويُطلب منه الاستمرار في الانتاج داخل نفس الخريطة الاقتصادية الاجتماعية المتخلفة!
وذلك لأن عمالَ المنجم وأرباب العمل لم يتفاوضوا هم ويشكلوا وحدةً سياسية وطنية ويحددوا دور المصنع أو المنجم في الحياة الاقتصادية السياسية المشتركة وكيفية تطور الشبكة الصناعية العمالية التعليمية في النطاق الوطني بأسره بحيث لا تعتمد على الوسطاء الطفيليين وبحيث تتكاثر المصانعُ من خلال الفوائض النقدية ويتم تطويرها التقني المواكب للعصر.
الوحدة الوطنية هي من خلال هذا الصراع التوحيدي الرأسمالي العمالي فيقوم إنقسامُ الجماعاتِ على أساس موقعها في الانتاج وليس على أساس عقيدتها الدينية، وعلى إختلافِ مفاهيمها في كيفية توزيع الفوائض الاقتصادية، وكيفية تطوير القواعد الاقتصادية الوطنية، ومحاربة البطالة والفقر وضعف المدارس الصناعية وعادات البذخ والكسل والأدمان الجماهيرية، فثمة نقاطٌ مشتركة وثمة إختلافاتٌ، وهذا يجري عن طريق تيارات سياسية تبلورُ هذه الاختلافات وتعمل أعمالاً مشتركة أو أعمالاً فردية في ظل الاختلاف الوطني التعاوني تحت قبة البرلمان.
الوعي النفعي المباشرُ للطبقات يظهرُ من خلال النزعات العفوية الصراعية المؤثرة على تطور المنتجين، وعبر تركِ قوى سياسية تستغلُ هذه الصراعات لمصالحها الذاتية، ولهذا فإن حزبي أرباب العمل والعمال يكونان مهمين في حضورهما التاريخي القائم على إنتاج المعرفة الاقتصادية السياسية الاجتماعية لكلا الجانبين، ولوجودِ المصانع ومستقبلها الاجتماعي والتقني وعلاقاتها بالأسواق وبالمواد الخام المتجددة وعلاقاتها بالعلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية وبتطور القوى المنتجة، وعبر الارتفاع عن هذا الوعي النفعي المباشر لكلا الفريقين، هذا يهتم بأرباحه لأقصى درجة وذات يهتم بأجوره لأقصى درجة.
العمال والنقابات والطائفية
كان العمالُ السوفييت هم مؤسسو الحكم (الاشتراكي) وتحرر القوميات في الشرق حيث قامت تضحياتُهم في بناء المصانع وتقديم الفوائض المالية للطبقة الحاكمة بل وقبل ذلك في القيام بالانقلاب المسلح وتأسيس الحرس والجيش وصنع الدولة الموحَّدة والدفاع عن حدودها ضد كافة المتدخلين والغزاة، أي أن دورهم كان محورياً، لكن السلطة كانت بقيادة فئة من البرجوازية الصغيرة، راحت تنفصلُ بعد عقودٍ عن هؤلاء العمال وورثتهم في الإنتاج.
غيابُ الديمقراطيةِ وعدمُ مراقبةِ الفوائض وبالتالي عدم معرفة التكوينات الطبقية في نموها داخل أجهزة السلطة وكيفية تشكل الفئات الجديدة من خلالها في المجتمع على مدى تلك العقود وكيفية سدها لمسام الديمقراطية الشعبية الأولى أدى إلى إنفصال العمال عن السلطة وعن التضحية من أجلها.
أشكالُ الوعي الوطنية التوحيدية التي رافقت عملية البناء المؤسِّس راحت تنهار مع إنفصال الحكم عن العمال، لنجدَ أن المؤسسات التوحيدية والحزب القائد والرؤى التقدمية والنقابات العمالية تتعرض للتبدل الهائل والانقلاب على أدوارها وهو أمر جرى في أغلب دول العالم النامي.
يمكننا هنا أن نقرأ تجربتَنا الوطنية البحرينية العمالية على ضوء ذلك مثل كل التجارب البشرية المعاصرة خاصة، فالأفكارُ الوطنية التي خُلقتْ عبر المنورين في بدايات القرن العشرين خاصةً والتي تغلغلتْ في الأندية ما كان لها أن تؤسس نضالاً وطنياً تحررياً من الاستعمار لولا إيمان العمال بها، مترافقاً ذلك مع الدفاع عن مصالحهم الاقتصادية في المنشآت خاصة النفطية منها.
وهذا النضال إتسع وتجذر في العقود التالية جاذباً إليه فئات مختلفة. ولهذا كان الاستقلال الوطني ونشؤ المؤسسات الدستورية مترافقاً مع النضال العمالي وزيادة مكاسبهم.
إن نشؤ رأسمالية الدولة في السبعينيات وإتساعها كان حجز الزاوية للتطور الاقتصادي الوطني ولكن إنفصالها عن العمال بعد ذلك، وهو الذي ظهر في حل المجلس الوطني وغياب المؤسسة البرلمانية، وتسرب الفوائض في جهات غير مراقبة أدى بعد سنوات لانفصال العمال عن التوحيد الوطني.
فمختلفُ الطبقات والفئات راحت تبحث عن مصالحها الخاصة، عبر الأشكال المباشرة من الوعي الديني.
كان الوعي الوطني الذي نشأ عبر عقود القرن العشرين وتعملق في الستينيات وفي زمن الاستقلال وتكرس في الدستور، لم يجد أدوات تطوره في المؤسسات السياسية والاجتماعية المختلفة المشتركة.
وكانت بعض التيارات هي المشغولة بتأصيل الوعي الوطني وترافقت مع بذوره ونموه الكبير، وهي كذلك إنفصلت عنه، عبر التركيز على الوعي الطبقي المستورد من الرأسماليات الحكومية الشرقية، والذي أغنى الثقافة الوطنية بأدوات تحليل جديدة متطورة عن مستويات هيئة الاتحاد الوطني خلال عقدين لكنه لم يتطور ويواكب المرحلة الجديدة ولم يتح له الاندماج مع العمال ويقيم تحالفهم مع الفئات الوسطى التحديثية، فيما كانت اللجان المشتركة سائدة ولم ترتفع إلى مستوى الوعي الديمقراطي بالصراع الحر الوطني المتحد كذلك بين العمال والإدارة، بين العمال والرأسمالية الحكومية أو الخاصة. وهكذا تدهورت أدواتُ الوعي الوطني والوعي العمالي المستقل بسبب غياب تلك العلاقات الصراعية الاجتماعية الوطنية وأتيح للطائفيين السياسيين أن يتغلغلوا من بين هذه الثغرات.
إنفصالُ كافة الطبقات والفئات وإنكفائها نحو مصالحها الخاصة خلال عقود رأسمالية الدولة الشمولية، أدى إلى غياب أشكال الوعي الوطنية المنتجة خلال العقود السابقة، وبالتالي الرجوع لما قبل تلك المرحلة.
نشؤ النقاباتِ الطائفية كان نتيجةً إذن لتدهور الوعي الوطني، حيث كان لا بد لرأسماليةِ الدولة من أن تكون محوراً لكافة العمليات الاقتصادية الاجتماعية الثقافية وعبر أدوات الديمقراطية، وبحيث تتوزع الفوائض بأشكال وطنية وإنتاجية عادلة على مختلف المنتجين العماليين والرأسماليين الوطنيين، كما بدأت عملية التغيير في الوقت الراهن والتي تحتاج لتعميق واسع.
عودتنا لتلك المرحلة الوطنية ولأشكال وعيها وتطويرها لمستجدات العصر حيث أن خسائرها لا تزال تعرقل تطورنا الوطني فلا بد من عودة العلاقات الديمقراطية الصراعية الموحَّدة بين العمال ومختلف أرباب العمل سواءً في الشركات العامة أو الخاصة، بحيث يجد العمالُ مصالحهم تلتقي والتمسك بالدولة الوطنية ومؤسساتها، وبرامج التحول الدستورية فيها. وحين تتمكن هذه المؤسسات والقوى النقابية المتخلية عن الطائفية السياسية والمنتجة وحدة وطنية وتعددية ديقمراطية من تطوير حياة العمال الاقتصادية فإن أشكالَ الوعي الطائفية السياسية سوف تذبل كذلك.
إن الكثير من أشكال الحياة والظروف كالصحة والتعليم والبرلمان والبلديات وغيرها تتداخل والمؤسسات العمالية النقابية والمؤسسات الاقتصادية الانتاجية، وهي تتأثر بمدى نشاط العمال السياسي وممثليهم والجماعات السياسية المدافعة عن تطورهم وهي كلها تتجمع وتصب في تطوير المجتمع بشكل ديمقراطي.
العمال وواجب النضال والتوحيد
لم تستطع التطوراتُ الاقتصادية السياسية الإيديولوجية أن تُظهر سوى عدة قوى بحرينية ذات حضور جماهيري وبينها التفاعل الإصلاحي الديمقراطي ضعيف.
قوة الدولة وفيها تمت قيادة البناء الاقتصاد الواسع خلال أكثر من نصف قرن، وشكلت الشركات العامة ومن خلال إدارة صعدت بمستوى البناء بشكل كبير ونتج منها كذلك مشكلات إقتصادية وإجتماعية وسياسية لم تتم معالجتها.
ورغم الفيوض المالية الكبيرة خلال نصف قرن من تدفق الثروة النفطية والانفتاح السياحي عبر بناء مئات الفنادق والشركات المالية ووجود أنظمة رسوم دقيقة على كل سلعة مستوردة وكون مشروعات الإسكان تجارة رابحة للدولة وتدفق المساعدات كذلك من دول الخليج إلا أن وضع الدولة الاقتصادي يتضح من خلال إجتماع لمجلس الوزراء الأخير الذي بحث:
في(عدد من الخيارات لمعالجة الاختلالات المالية بتفعيل برامج للضبط المالي لتقييد الديّن الحكومي العام وخفض نسبته الى الناتج المحلي الاجمالي، واعادة هيكلة الدعم واستهداف توجيهه الى مستحقيه)، وهو الامر الذي اقترن بتشكيل لجنة على مستوى عال لترشيد المصروفات وضبط النفقات الحكومية ومعالجة أوجه الاختلالات المالية.
فمرئياتُ مجلس الوزراء تتجه للخارج الاجتماعي الشعبي وليس لأداء الحكومة خلال عقود، وتحويل قضية الفساد وإلتهام الملايين من قبل الهمين إلى مشكلة للضبط المالي وتقييد الدين الحكومي! ورغم ضخامة الطاقات الاقتصادية المستنزفّة من الأموال العامة فهي تتجه لوضع العبء الحكومي المستمر عن الخدمات الاقتصادية والصحية والتعليمية وتحميلها للسكان، لتتوارى عبر هاتين العدستين الحكوميتين الذاتيتين القضايا الحقيقية لتتجه نحو (إعادة هكيلة الدعم الحكومي وضرورة توجيهه لمستحقيه)!
وبهذا فإن الإدارة الحكومية كقوة سياسية مهيمنة لم تنجح خلال السنوات الأخيرة في تغيير المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الحرجة، فهي مترهلةٌ وهائلةُ الإنفاق، وهي تستطيع أن تتبدل لكنها لم تحصل على آليات تغيير إدارة الثروة العامة حيث هي لوحدها في التنفيذ فيما القوى الاجتماعية السياسية خارج عمليات الجدل السياسي والمساهمة الفعالة الإيجابية.
ولكن على ضخامة حضورها في المجتمع فلم تكّون قوةً سياسيةً مؤيدة لها بشكلٍ فعال ومنظمةً قادرةً على الدفاع الإيجابي عنها، وإصلاحها عبر وجود مرونة سياسية تنظيمية وقدرة على تحويل إدارة الدولة لقيادة ديناميكية إقتصادية سياسية للمجتمع، بمعنى أن تحول الوزارات لقيادات تنفيذية قادرة على تقليل نفقات الإدارة وتغيير البيروقراطية الواسعة المهدرة المتنفذة ولصناعة مشروعات مفيدة جماهيرياً.
وهذا الوضع الحكومي العام السياسي إنعكس على القوتين السياسيتين ذات الجمهور.
فالجماعات السنية المؤيدة للدولة ليست لديها رؤية نقدية تحليلية عامة للنظام تقوم على تنفيذها بقدر ما هي تعتمد على الصعود السياسي المالي خلال عقود طويلة سابقة، ومحاولة فرض السياسات المحافظة التي لم تكن تقبلُ بها الدولةُ نفسها ولا النخب المتطورة من السكان، نظراً لوجود منحى ليبرالي كبير في توجه الدولة، وقد برزت هذه الجماعاتُ السنية السياسية المحافظة في السنوات الأخيرة خاصةً لكونها تعارضُ الجماعات السياسية الشيعية فلم تساهم في إصلاح الدولة خلال تلك العقود أو تمد أيديها لتغيير أوضاع الناس ومساعدة الحكم في التغيير فصعدتْ لإحداثِ توازن سياسي أكثر من أن يكون لها دور تحويلي واضح، وهو أمرٌ يفترض أن يتغير وتُخلق ديناميكية فكرية تحليلية لقضايا الناس وعلاجها.
وكانت وما زالت الجماعات الشيعية ذات سياسة معارضة للنظام من الخارج ولظهور نظام شيعي مقابل للنظام السني، وهو أمرٌ جعلها في السياق الإيراني الانقلابي المتصاعد في السنوات الأخيرة خاصة.
ولهذا نجدها مثل الجماعات السنية المحافظة رغم الجمل الثورية الصاخبة، بلا برامج عملية محددة ملموسة لتغيير أوضاع الوزارات والمشكلات الجماهيرية مركزة على الشعارات السياسية العامة المجردة التي تمثل مناطحات وليست سياسات ممكنة وليست علاجات حقيقية لظروف البشر، إن عدم دخولها في النظام ومعالجة المشكلات بصور حقيقية يجعلها ضعيفة سياسياً وبلا خبرة في الإدارة فلم تتعلم شيئاً خلال هذه العقود إلا في مسائل البلديات.
أما الجماعات التحديثية اليسارية خاصة فهي لم تُعط أي فرص للحضور والمشاركة بل على العكس جُوبهت طويلاً، ويُفترض أن تكون لها سياسة مستقلة مشاركة لجهود الحكومة والبرلمان المختلفة في التغيير وإزالة المشكلات عن الناس، لكي تبرزَ وتعرف الحياة السياسية الاقتصادية الحقيقية وتساهم في تطوير البرلمان.
إن كل المشكلات الاقتصادية والسياسية تنزل فوق رؤوس العمال في النهاية، والفئات السياسية الوسطى تستطيع أن تعيش بظروف جيدة، لكن إنشقاقات القوى السياسية ترك أثره على الطبقة العاملة القوة الوحيدة الرئيسية القادرة على طرح مطالب الشعب وتطوير الإصلاح، ولهذا لا بد للقوى العمالية من رؤية منابع الفساد وهدر الأموال العامة وعرض ذلك في الكتابات والمطالب وفي البرلمان والبلديات، بدون تشنجات وفوضوية، بحيث تعود الفوائض المالية للسكان.
إن موضوعية الطبقة العاملة ومتابعتها جذور المشكلات والتقدم بخطوات نقد وطرح حلول وكتابة دراسات عن هذه القضايا العميقة واليومية هي المسائل المطلوبة من قيادات النقابات وهي العملية النضالية التي سوف تتجه لتوحيد الطبقة العاملة وحين تتوحد ويكون لها شأن في النضال العام ستوحدُ الشعبَ وتتغير التيارات السياسية السائدة.
تسريحُ العمالِ ومسئوليةُ الانتهازيين السياسيين
لم يعدْ لشعبنا العامل أية أداة للدفاع عن مصالحه، فحين تتجرأ شركةٌ على تسريح أكثر من ألف عامل بكل بساطة وهي التي ضُخت فيها الملايين من عمله وقوته، فإن أكبر النقد يوجه للقوى الشعبية التي نزعت كلَ أدواتها النضالية الديمقراطية وجلستْ على طريق التسول العامة وتستجدي وتمدها يدها حسنة سياسية لله.
هذه عينةٌ صغيرةٌ لما يحلُّ بالجمهور العامل، الذي تمت قيادة جماعات مؤثرة منه في المغامرات السياسية، دون قدرة منه على خلق قواعد حقيقية صلبة للدفاع عن مصالحه الاقتصادية والاجتماعية خلال عقود من المراهقة السياسية.
ضربُ وحدة الشعب البحريني كانت هي المنجزُ الأولُ الكبير لهذه الجماعات السياسية الطائفية، عبر تشغيل موادٍ مذهبية مستوردة ونقلها للمجال السياسي وحشرها في لحم الناس، والحماس الصاخب لها، وعدم المبالاة بكوارثِها المتتالية، وإنتاج حراك الطوائف كان المعول الأول لضرب وضع العمال.
وبطبيعة الحال لم يكن العمال وحدهم من تعرض لشق الصف، فهناك التجار والشرائح المختلفة من الصناعيين والعقاريين وغيرهم، الذين تضررت مصالحها من محاولة فرض إرادة طائفة من قبل مجموعات من الطائفيين السياسيين الصاخبين وهو الأمر الذي نقل تناقضات الطائفية السياسية الفوضوية إلى المناطق التجارية والسكنية المختلفة.
إستكانت مجموعاتٌ من السكان لإرادةِ الطائفيين السياسيين اليمينيين المعادين للكادحين لعدم وعيها بجذورِ هؤلاء الطبقية وتصورت إنهم يمثلون طائفة وليس إنهم مجموعات من البرجوازيين الصغار الفوضويين التابعين لرجال الدين الإقطاعيين.
نقص الوعي الطبقي السياسي لدى السكان البسطاء سهلتْ ووسعتْ تمزقاته الجماعاتُ المدعيةُ الأنتماء لليسار والقوميين، التي لم تعر الطابع الطبقي لهؤلاء الطائفيين اليمينيين وتركتهم يوسعون دوائرَ نفوذهم في السكان، بحيث غدا هذا النفوذ تعطيلاً لكل وحدة ممكنة، وبل للحياة العادية الآمنة، ولهذا نقلتْ الأزمة والوعي الذيلي الانتهازي لهذه التنظيمات نفسها، فأقالت نفسَها من الحياة السياسية الحقيقية وغدت أداةُ زفةٍ لا أداة موقف نضالي صلب.
إستطاعت هذه الجماعات أن تشل التطور الديمقراطي الممكن للشعب، بتعطيل أدوات المجلس النيابي، الذي كان مشروعاً مفيداً لكنه تعرض للانقسام الحاد ثم للعجز السياسي الراهن.
كان البرلمان مطلباً مرتبطاً بتطور الديمقراطية، ووحدة الناس، وتطور وعيهم السياسي الوطني، لكن الاختطاف الطائفي لم يُرد سوى هيمنته الطائفية وإرادته المفروضة على الشعب، ولا يعبأ بظروف الشعب ومعاشه وتضحياته.
في هذا التعطيل الواسع للبرلمان والنقابات والبلديات ماذا يمكن أن يفعل غيرهم سوى أن يبقوا كطائفةٍ أخرى مختلفة؟
لكن هل يمكن بطائفيةٍ مضادة أن تتحقق مطالب الناس في تطور العيش وحل مشكلات البناء الاقتصادي؟
والعملُ بطائفيةٍ مضادة هو تكريس نفس الفعل الخاطئ، ولا يمكن تصحيح الطائفية إلا بوعي وطني مسئول، يعيدُ بناءَ ما دمرهُ الطائفيون السياسيون منذ البدايات التمزيقية، عبر الوقوف ضد شبكاتها وآراءها ومجمل عملها.
بدون ذلك يستمر الشللُ لكافة الطبقات، فالعمالُ يُفصلون ولا يجدون قوى نقابية وسياسية متماسكة موحدة تفكر فيهم كقوى عاملة وطنية وعربية وأجنبية، ذات مصالح مشتركة، والرأسماليون الوطنيون تتعرضُ أعمالهم للخطر والكساد وهم ينقلون الأزمة للمستهلكين وللبناء الاقتصادي ككل، فيقلصون أعمالهم ويفصلون العمال ويرفعون الأسعار.
فلا توجد هيئة تضامن وطنية بين العمال والرأسمالية الوطنية، ولا توجد أسسٌ للتعاون والنضال المشترك ضد الفوضويين الطائفيين الخطر الأكبر الداهم على شعبنا، فكلُ فريقٍ منفصل، ويتخذ الإجراءات التي تفيد مصالحه الخاصة، دون التفكير فيما هو مشترك.
لكن هذه الإجراءات والأنشطة سلبية وتؤثر على الناس ككل، وتفيدُ الفوضويين الطائفيين الذين ليس لهم مشروعٌ سياسي وطني حقيقي، فما هم سوى أدوات عميلة، لا تملكُ من قرارِها شيئاً وطنياً مسئولاً، وتغدو الفوضى ونشر الحرب الطائفية الأهلية هو نتاجُ تصرفاتهم في خاتمة المطاف.
فإذا لم تتحدوا عمالاً وأرباب عمل، وقوى وطنية ونواباً وتناضلوا من أجل الشعب لا من أجل فئات صغيرة نهمة للمكاسب الشخصية والفئوية، فالجميع يخسر ويتعرض للمكشلات الصعبة، خاصة العمال الذين يفقدون لا مكاسب تجارية بل فرص العيش والحياة.
عن البطالة
ليس ثمة قضية كبيرة تحلها المؤسسات من دون أن تؤكدها الأرقام، لكن هنا كل شيء خاضع للتسييس، والأدلجة، والمواقف العابرة غير المتجذرة في مصالح البلد والشعب.
فأبسط شيء لحل قضية هو أن تـُعرف أرقامها بدقة، ومن دون معرفة هذه الأرقام التي يجمعها ويبثها جهازٌ موضوعي محايد لا يدخل في لعبة السياسة بالتالي، فإن القضية لا تتشكل ولا تنتهي، فهي مصدر إزعاج مستمر من جهات عدة، لكنها قضية حيوية لهؤلاء الذين لا يتاجرون فيها وهم العاطلون أنفسهم.
حين نقرأ بعض الأرقام للأجهزة الحكومية سوف نصاب بالحيرة والدهشة لأن الأرقام أولاً لا تكاد أن تتغير، وهي هنا أرقام بسيطة، محدودة، كأن يقول الوزير المختص إن عدد العاطلين لا يتجاوز ألفاً.
فلماذا إذًا كل هذه الضجة على ألف إذا كان الرقم صحيحاً؟
لنأخذ بعض الأرقام المسجلة عبر التصريحات المختلفة للمسئولين والجهات الإعلامية والتجارية:
(قال وزير العمل البحريني والشؤون الاجتماعية (السابق) عبدالنبي الشعلة إن عدد الباحثين عن العمل زاد إلى 9670 فرداً وهو الأعلى منذ سنوات وتمثل البطالة المسجلة 3،1% من القوة العاملة البالغة 307 آلاف فرد، في البحرين، ويبلغ عدد السكان 666 ألف نسمة، ثلثهم من الأجانب، وقدرت البطالة بحوالي 2،5% في نهاية 1999)، هذا التصريح لوزير العمل وقتذاك قيل سنة 2001، علق عليه اقتصاديون ودبلوماسيون كما يذكر الخبر بأنهم يقدرون البطالة بـ 10% بمن فيهم غير المسجلين لدى وزارة العمل.
لكن وزير العمل وقتذاك الأستاذ عبدالنبي الشعلة قال بعد فترة وجيزة وعبر مانشيت مثير نشرته إحدى الصحف (بالغة مستوى لم تبلغه البلاد من قبل.. البطالة في البحرين ترتفع إلى خمسة في المائة) ما يلي:
(قالت البحرين إن 16 ألف مواطن عاطلون عن العمل وفقاً لسجلات شهر ديسمبر. قال وزير العمل إن هذا الرقم يمثل 5% من إجمالي عدد سكانها البالغ 651 ألفا أكثر من ثلثهم أجانب. وفي أبريل الماضي لم يزد عدد المسجلين لدى الوزارة على 9670).
خلال فترة وجيزة تغيرت الأرقام وتغيرت النسب، من دون أن نعرف من قام بالإحصاء ومن حدد الأرقام وغيرها هذا التغيير الكبير كله.
نرى أن العالم الخارجي دائماً يشكك في أرقام المسئولين وهي عادة تجري دائماً، ولكن الفجوة كبيرة بين أرقام الوزير وقراءات الخبراء.
ولكن أن تكون لوزارة العمل أرقام ثم تتغير تغيراً كبيراً بين شهري أبريل وديسمبر من العام نفسه فهو بفضل تلك العجائبية في الوزارات البحرينية.
ثم نجد الشعارات المطروحة نفسها:
(ومنعت البحرين الأجانب من شغل بعض المهن لتوفير الأعمال للبحرينيين)، كلام من سنة .2002 رويترز.
عليك أن تقارن هذا (المنع) بتزايد الأرقام لأعداد الأجانب فقد تفاقمت الأرقام كثيراً ولم يحدث المنع لبعض الأعمال بل حدث الانتشار كما سيظهرُ لاحقاً.
(وخصصت 25 مليون دينار(66 مليون دولار) لسنة 2002 للمساعدة على إيجاد فرص عمل وتوفير تدريب مهني). لكن لمن؟ للألف من المسجلين في سنة 1999 أم للألف المسجلين سنة 2002؟ أم للأعداد المتزايدة الجديدة المجهولة سابقاً التي ظهرت فجأة وبفعل السحر الوزاري؟
وفي الفترة نفسها قالت الحكومة إن على (القطاع الخاص أن يوظف عشرين ألفا من العاطلين).
(ويشير بعضُ أعضاء مجلس الشورى إلى أن ظاهرة البطالة التي دفعت حدتها مؤخراً بعض الشبان للاعتصام احتجاجاً داخل مبنى وزارة العمل في المنامة تطول ما بين 20 و30 ألف شخص وبما معدله 25% من اليد العاملة في هذه الدولة التي يبلغ عدد سكانها 700 ألف شخص)، (العربية، 10/ 5/ 2001).
وبما أن الأرقام للمشكلة، لأعداد العاطلين، متحركة زئبقية، ضائعة وتائهة، وقد غادرتْ علمَ الإحصاء ودخلتْ علمَ الجان، فقد تاهت المشكلة وجسمها المحدد.
لكن الأرقام تختلف عند وزير العمل الحالي الدكتور مجيد العلوي، فرغم ان سعادته يكرر رقم الألف العاطل الشهير مراراً، فإنه يقول بعد فترة من تطبيق برنامج التوظيف الوطني ما يلي:
(قال وزير العمل البحريني د. مجيد العلوي إن نسبة البطالة انخفضت من 15% إلى 4%. كما قال سعادته إن هناك ستة آلاف وسبعمائة وظيفة شاغرة في الحكومة)، (إيلاف، يوم الأحد، 26 نوفمبر، 2006).
لكن اتضح أن الوظائف الشاغرة في الحكومة ليست بهذه الأرقام الكبيرة، فهل كانت نسب الوزير دقيقة؟
ويبدو هذا التوهان في الأرقام قد تسرب إلى كتابة أستاذ جامعي وخبير اقتصادي ونائب حالي في البرلمان فذكر(لا يُعرف على وجه الدقة حجم البطالة في البحرين فحسب تقرير لوكالة الاسوشيتد برس تبلغ نسبة البطالة 15 في المائة في اوساط العمالة الوطنية، إلا أن نسبة البطالة أقل من ذلك بكثير حسب الاحصائيات الحكومية. يبقى الشيء المؤكد هو أن الإناث يشكلن الغالبية العظمى من العاطلين، وعلى هذا الأساس فإن مشروع التأمين ضد التعطل سيفيد النساء أكثر من الذكور)، (جاسم حسين، مشروع التأمين ضد التعطل، صحيفة الاقتصادية الإلكترونية، 2008).
يجعلنا هذا الكلام نظن بوجود بطالة في العمالة غير الوطنية أيضاً، كما أنه كلام في حالة ذهول غيبي عن الأرقام، ثم يعلمنا معلومة خطيرة أخرى هي أن النساء هن الأكثر بطالة واستفادة من مشروع التأمين ضد البطالة، وليس هنا ثمة تعريف لبطالة النساء، لأن ثلث النساء قابعات في بيوتهن في بطالة إلزامية منذ عقود، وهذا يعني ان الأرقام المطروحة أكثر بكثير من أرقام وكالة أمريكية للأنباء تعرف أفضل من متخصص بحريني في الاقتصاد.
نجد بدلاً من هذه الأرقام التائهة معلومات محددة من دراسة مؤسسة ماكنزي التي أعدت دراسة حول البطالة وتطورها المتصاعد مستقبلاً:
(وجاء في الدراسة التي أعدتها مؤسسة ماكنزي للاستشارات لحساب مجلس التنمية الاقتصادية وطُرحت في ورشة عمل نظمها المجلس.. أن هناك حوالي عشرين ألف بحريني من دون وظيفة) مضيفة ان هذا الرقم سيشهد ارتفاعاً كبيراً إذا لم يتم شيء حياله.
(وأضافت إذا استمرت التوجهات الراهنة في نوعية الوظائف الجديدة ومشاركة البحرينيين في سوق العمل يمكن للبطالة أن تبلغ 70 ألف عاطل أي 35% من اجمالي قوى العمل بحلول عام 2013 في حال بقاء الأوضاع على حالها).
وتابعت الدراسة (ومع أن هذه الأرقام مثيرة للقلق فإنها لا تكشف بالكامل عن مدى خطورة المشكلة، فإن ثلث البحرينيين يعملون في وظائف لا تفي بمستوى مهاراتهم وسوف تزداد النسبة إلى حوالي 70% من قوى العمل بحلول 2013)، (شبكة النبأ المعلوماتية 2004).
الظاهرة غير معروفة تماماً لدى الجهات المسؤولة، أرقامها متبخرة متحولة، والدولة وعدد سكانها في حالة سيولة غامضة، فكيف تـُحل مشكلة؟
كانت الدراسة الأخيرة أقرب للموضوعية بسبب عدم وجود خلفية مسيسة ومؤدلجة، وحاولت أن تضع أرقاماً وحقائق مستندة إلى جسم الاقتصاد المدروس بشكل موضوعي.
تغدو المقاربة هنا مهمة عبر درس الهيكل الاقتصادي وأعداد السكان المواطنين والعمالة المهاجرة وحراكها الداخلي المضمر والخارجي المحدد بأرقام.
لكن من جهة الوزارات كل شيء مخفي متوار، والسحرة يشتغلون ويخرجون الأرانب والأرقام من القبعات.
في الصين التي يبلغ عدد سكانها مليارا وثلاثمائة مليون أرقام البطالة محددة ومعروفة تماماً، والحكومة لا تخفي الأرقام على ضخامة السكان.
علينا أن نبحث ما وراء هذه الأرقام البحرينية المضطربة.
رأينا الاضطراب في أرقام ظاهرة محورية من حياة المجتمع البحريني، وهذا الاضطراب يرجعُ إلى جملةٍ من العوامل، فهناك العوامل السياسية المباشرة، حيث يقول جهاز وزارة إنه مسيطر تمام السيطرة على تلك الظاهرة وهو بسبيل القضاء عليها.
فهو يقدمُ أرقاماً غير دقيقة تبعاً لحالته السياسية، حيث ان تفاقم هذه الظاهرة وتحولها إلى مشكلات في الشارع، هو أمر مختلف عن رصد هذه الظاهرة حين يسود الهدوء وتنتشر الأعمال المربحة.
كما أن الأمر يعود إلى مستوى أكبر من وزارة العمل، إلى بناء اجتماعي عام لا تستطيع السيطرة عليه، وهو يعود إلى وضع البناء الاقتصادي الوطني المتناقض وغير المبرمج وغير المحكم التطور، فهناك ثلاثة أبنية اقتصادية تشتغل في نظام اجتماعي واحد.
الأول هو القطاع الحكومي الأقرب نسبياً للمعرفة العامة.
الثاني هو القطاع الخاص الذي ينأى عن هذه المعرفة نسبياً، ويختلط فيه الوضوحُ والغموض، لأسبابٍ كثيرة.
الثالث هو القطاعُ المختلط، القطاعُ الذي تخرجُ إليه أموالٌ حكومية وخاصة وينمو بطرائق مجهولة تماماً. وهو قطاع لا نعرفه ولا نستطيع رصده لغياب المعلومات لكنه مؤثر كثيراً.
هذه القطاعات الاقتصادية الثلاثة تشكل منظومة اقتصادية غير محكمة التنسيق والترابط، فالقطاع العام الذي يُفترض أن يعبرَ عن ملكية الناس.
ولكن القطاع العام بدوريه السياسي والاقتصادي المهيمنين يحاول أن يسيطر على البطالة بإجراءات لا تضر القطاع الخاص، فهو أيضاً بحكم التداخل مع القطاع الخاص، لا يريد أن يضعف القطاع الخاص.
ومن هنا ثمة (بطالة) مقنعة داخله فدوره الأبوي وعدم معرفة كيفية ظهور ونمو المداخيل العامة، يجعله يقوم بالتوظيف الإداري الواسع، من دون أن يكون العديد من الوظائف ذا جدوى اقتصادية.
ويمكن القول هنا إن القوى التقليدية غير الرأسمالية الحديثة تعمل على بقاء الأبوية من جهة الدولة بتضخم أجهزتها وأعدادها، وتحولها إلى (أب) راع لكنه يخسر دوره باستمرار، لأنه لا مكان للأسرة الأبوية السياسية، وينتج عن ذلك (البطالة) المقنعة. وسوف تجبر عملياتُ التطور والتقشف وتراكم العجز على أن تتحلل الدولة من دورها كأب سياسي، وتخفض من البطالة المقنعة فيها، ولا يحدث هذا من دون نمو العملية الديمقراطية خاصة مساهمة أرباب العمل والعمال في الحياة السياسية، ومن دون حضور هاتين الطبقتين في أعمال البرلمان وتحملهما مسئولياتهما مع الدولة وتراجع الدولة عن العديد من سلطاتها الاقتصادية، لا يمكن القضاء على البطالة بشكل مؤثر.
في حين يلعبُ شيوخ الدين دور الأب في حياة الأسرة الخاصة، ويزداد حضورهم فيها كلما نأت هذه الأسر عن العمليات الرأسمالية التحديثية وعدم تشغيل نسائها. فتزداد فواتير الحياة المتراكمة عليها، إذا لم تقم بتحديث علاقاتها السياسية الاجتماعية الأسرية نحو الديمقراطية المنزلية، ولهذا فلدينا بطالة مقنعة كبيرة في البيوت، رغم أن النساء يقمن بعمل شاق في المنازل من دون أن يأخذن عليه أجوراً.
فلابد للقضاء على البطالة المقنعة من رسملة الدولة والأسرة، وهو الأمر الذي يقود إلى تخفيض البطالة المقنعة وزيادتها في الحياة العامة إذ لم تتخذ تطورات مناسبة كإحلال العمالة الوطنية محل الأجنبية وإعادة تأهيلها خاصة في مجال التقنيات الحديثة لأنه الأنسب للبلد والأكثر جدوى.
لهذا فإن وزارة العمل توجه قدرتها على متابعة القطاع الخاص، ومراقبته ومحاولة جعله يسهم في حل مشكلة البطالة في إطار نظرة جزئية بيروقراطية تعالج بعض الطفح الجلدي ولكن لا تخترق الأنسجة الداخلية للمريض.
والقطاع الخاص يتهرب من أن يكون كبش فداء لنظام اقتصادي تهيمن فيه الحكومة، وهو يقول إنه اقتصاد حر، ولهذا فإن أجندة العمالة في القطاع الخاص تابعة لمسألتي الربح والخسارة، لا للاستقرار السياسي والوحدة الوطنية والانتخابات وغيرها من أجندة الحكومة.
فهو لن يقدم لها المعلومات الدقيقة عن العمالة داخله وجنسياتها ولن يسهم في توظيف العمال البحرينيين بالشكل المطلوب في هذه التحديات.
إن هذا يعود لمدى قدرته الاقتصادية، ولمدى تطور العمالة البحرينية تقنياً ومدى قبولها بالأجور داخله، فالقضية هنا ليست سياسية، فإذا كانت الحكومة بسيطرتها على 80% من الاقتصاد الكبير في البلد لا تستطيع أن تفعل ذلك فهل يفعله من يملك أقل من تلك النسبة؟
أما الاقتصاد المختلط الثالث في هذه القائمة فهو مليء بتجار “الفري فيزا” واستغلال الموظفين الحكوميين لنفوذهم في تأجير بناياتهم للموظفين الأجانب، والتهام الأراضي والشواطئ، واحتكارهم أفضل الشروط الاقتصادية والمالية والجغرافية، فهذه كلها منطقة معدومة الرؤية، يجرى فيها كذلك جلب العمالة الأجنبية بتوسع ونشرها في البلد “تطفيشها” المواطنين من أرزاقهم وزياداتها لبعض المواطنين في حصالاتهم.
أناس تدخل وأناس تخرج، فكيف يتم حصار البطالة؟
كيف تتم معرفة الأرقام والبلد في حالةِ سيولةِ مصالح، هذا يفتح شركات ويطلب عمالة، وهذا يغلق شركات ويسرح عمالة تبقى في البلد؟ وهذا وذاك يجلبان عمالة بتوسع فهي رخيصة عابرة بلا أوراق مدققة، ويتم التلاعب بحالاتها ومصائرها وأجورها؟
هو اقتصاد غير راسخ البناء، الرواتب والأجور والمداخيل في القطاع العام لها مسارات.
ويتسبب ذلك في ضبابية الأرقام وهامشيتها وعدم وضوحها.
وفي القطاع الخاص للرواتب والأجور حسابات مختلفة، مغايرة عن القطاع العام، وصار للقطاعين إجازات وعطل ومعاشات مختلفة، وهذا يُدين وذاك يستدين، وهذا يخفي أرباحه وذاك ينشرها على الملأ بمباهاة تجارية وسياسية، وكتل من المواطنين والأجانب ذات نسب اشتغال مختلفة تماماً عند كل من (الأرباب)، وصارا مثل الطائفتين لهما مواعيد متعددة، فغدت هناك طائفية دينية وطائفية اقتصادية.
كذلك فإن للقطاع الخاص فساده المختلف.
وثمة علاقة وطيدة بين البطالة المقنعة والبطالة المكشوفة، الدولة لا تستطيع أن تقوم بعملية جراحية اقتصادية عميقة، ولكن الظروف الاقتصادية المتفاقمة سوف تجبرها على ذلك، والقطاع الخاص لا تهمه سوى مؤسساته النائية في ظنه عن القطاع العام ومشكلاته، ولهذا ليست لديه سياسة وطنية بامتصاص العمالة الزائدة في الدولة والبطالة المتزايدة في المجتمع. والدولة لا تستطيع أن تتحول إلى دولة ذات حسابات رأسمالية شاملة وذات حسابات سياسية تحديثية ديمقراطية كاملة، ومن هنا تبقى القطاعاتُ الثلاثة تفرز البطالة من كل مسامها. التبصر والتخطيط والوطنية وغيرها من الصفات الحميدة مطلوبة، لكن هل تـُطبق؟
إن غياب الأرقام الدقيقة، وغياب السياسات البعيدة المدى، وتناقضات الهياكل الاقتصادية الثلاثة، هي كلها عجينة واحدة.
ولهذا فالقول إن اقتصادنا هو شبيه باقتصاد الدول المتقدمة هو أمر غير دقيق، فاقتصادنا هو اقتصاد لمجتمع تقليدي متحول إلى الرأسمالية ولكن لم يصل إلى الرأسمالية المتقدمة، ولذلك فالبطالة هناك ناتجة عن مجتمع رأسمالي توحدت هياكله، وتلعب فيه الدولة دورا سياسيا فقط.
كذلك فإن العمالة النسائية العالية شرط له، في حين هناك أكثر من ثلاثين امرأة في المنازل، وهي بطالة مقنعة أسرية واسعة، في حين تأتي النساء من الخارج للعمل بشكل واسع.
اتجهت وزارة العمل بجهود حثيثة للقضاء على البطالة، الظاهرة الطافحة على جسد المجتمع، وكانت الجهود متواضعة.
وهي تتركز كما قلنا في قطاع الشباب والخريجين والعمال المفصولين من أعمالهم، وهو قطاع صغير إذا قسنا البطالة بمعناها الواسع السابق الذكر. وهو قطاع رغم صغره ظل بعيداً عن الرصد الكمي، من حيث التدفق المستمر للأجيال الجديدة التي تتخرج من التعليم أو التي تتسرب منه (يعاون ذلك عدم وجود قانون للتعليم الإلزامي)، وكذلك تصاعد جهود النساء للخروج من البطالة المنزلية، وعددهن غير محدد. كذلك هناك العاطلون وهم عدد ممكن ضبطه وهناك المهاجرون وبعضهم ذاب في المجتمعات الأخرى وبعضهم لم يذب.
ومنذ يناير توجهت وزارة العمل للسيطرة على ظاهرة البطالة الشبابية في أغلبها الأعم، فظهر قانون الضمان ضد التعطل في بداية سنة 2007، حيث نص القانون على دفع مبلغ شهري للعاطل وهو 150 ديناراً، وهو بالكاد يكفي للمواصلات وبعض الوجبات خلال شهر، ويُدفع هذا المبلغ بعد دراسة حالة العاطل وكونها حقيقية، وهذه عملية بيروقراطية مجهدة للعاطلين للحصول على مثل هذا المبلغ الهزيل.
ثم إنه إذا حصل العاطل على شهادة جامعية يُرفع المبلغ إلى 180!
وقانون الضمان ضد التعطل تتعاضد معه إجراءاتُ رفعِ كلفة العمال الأجانب واستخدام الرسوم المتحصلة في تدريب العمال البحرينيين.
فهنا تقوم المؤسساتُ الحكومية بأخذ الأموال من القطاع الخاص للتدريب وللقضاء على البطالة، فالأموال تؤخذ من القطاع الخاص، ولهذا تبدو هذه الأموال والعملية كلها متواضعة.
ومن الواضح هنا كيف تتم المعالجة لظاهرة البطالة بصورة إدارية وبالاعتماد على أموال محدودة، لا تمثل شيئاً كبيراً للعاطلين، ولا لاجتثاث الظاهرة.
وعلى طريقة هذا التعكز جاء إجراء فتح مكتب التوظيف في قطر:
(صرح وزير العمل الدكتور مجيد العلوي انه سيتم افتتاح مكتب توظيف البحرينيين في الدوحة بدعم من الحكومة القطرية مشيراً إلى أنه سيلحقه ثلاثة مكاتب في أبوظبي ودبي وسلطنة عمان خلال الأشهر الثلاثة المقبلة)، جرى ذلك يوم 29/10/.2007
وأكد الوزير في حواره ان توظيف البحرينيين بدول الخليج لا يعني خروج الكفاءات البحرينية إلى الخارج، وإنما يعتبر نقلاً للكفاءات وتبادلاً للخبرات بين دول الخليج في إطار قانون التأمينات الجديد)، وأضاف العلوي أن العمالة الأجنبية زادت بنسبة 40% سنوياً مع الطفرة الاقتصادية في البحرين).
ولنلاحظ هنا التناقضات التي تتشكل في مثل هذه السياسة لمكافحة البطالة، فإن سياسة التدرج في القضاء على البطالة ودفع القطاع الخاص بإجراءات زيادة رسوم العمل التي تبلغ حسب تصريح الوزير بين 20 إلى 30 مليون دينار، وهي التي تقوم بإعالة العاطلين بذلك الفتات.
أي أن هذه السياسة لم تثمر، بسبب إن العمالة الأجنبية زادت على حد قول سعادته بنسبة 40%.
ولا نعرف من الذي زادها وعرقل إجراءات الدولة، ولماذا لم تحدث تدخلات بهذا الشأن كأن يوضع العمال البحرينيون على قائمة هذه الزيادات؟!
ولكن الوزارة تقوم بعمل جبار آخر هو افتتاح مكاتب توظيف!
وهل احتاج البحرينيون على مدى السنوات الطويلة السابقة للعمل في دول الخليج إلى مكاتب توظيف؟!
ثم كيف يكون ذهاب البحريني للبحث عن عمل في بلد آخر تبادلاً للخبرات؟
وهل هناك خبرات من تلك الدول في بحريننا الغالية لكي يحدث هذا التبادل العميق؟
وأي تبادل للخبرات لأناس فقدوا أعمالهم في بلدهم ليتغربوا في حين ان الوزارة عاجزة عن فتح مكاتب توظيف لهم في المنامة والرفاع والمحرق؟
تبدو مثل هذه الإجراءات البيروقراطية المحدودة هي أقصى جهد يُبذل، نظراً لتلك الرؤية المحدودة للمشكلة وعدم تناولها من جذورها.
فليس ثمة قوانين توظيف تجاه القطاع الخاص بنسبة معينة ولو ضئيلة.
وليس ثمة إجراءات بحرنة في أجهزة الدولة ذاتها المليئة بالموظفين والعمال الأجانب.
مع كثرة دخول الدولة وكثرة الرسوم والموارد المختلفة، فتقوم بمشروع جبار للقضاء على البطالة لكن من خلال رسوم على القطاع الخاص؟!
وما يمكن أن يحدث للإجراءات التي تقوم بها وزارة العمل تجاه ظاهرة البطالة هي المعالجة الجزئية المفيدة على كل حال، لكنها محدودة وناقصة، لكون مسامات المجتمع المتعددة سوف تضخ عاطلين بشكل مستمر ومتصاعد.
وإذا تذكر توصيات دراسة ماكنزي فإن البطالة سوف ترتفع إلى معدلات قياسية مستقبلاً، حيث لا يقود على التوظيفات ولا تحديدات، وضخ المجتمع للعاطلين عبر التخرج والبيوت سوف لن يتوقف.
والعمالة الأجنبية ذاتها تضخ بطالة أو تحل محل وظائف وطنية، فالعمال الأجانب يجلبون أسرهم ويوظفونهم في مختلف الأعمال، من دون ضبط.
لقد جاءت التصريحات الحكومية الأخيرة عن تراجع نسبة البطالة بصورة مفرحة، حيث بلغت كما قيل 8،3،% والمقصود بها القطاع الشبابي، لكن مثل هذه النسبة في هذا القطاع تعني الخريجين الجدد والطلبة والعمال البحرينيين المفصولين من الشركات وغيرهم في حين أن معدلات توظيف العمالة الأجنبية يزداد.
فهذا لا يعني السيطرة على الظاهرة، إلا بشكل محدود.
ولهذا فإن الخبراء يطرحون ضرورة السيطرة على مشكلات البنية الاجتماعية ككل:
(لم تنجح حكومات دول الخليج الغنية بالنفط حتى الآن في القضاء على مشكلة البطالة على الرغم من الفورة النفطية التي تدر عليها عائدات قياسية وتغذي نموها الاقتصادي.
واعتمدت معظم دول مجلس التعاون الخليجي برامج لتأهيل مواطنيها لدمجهم في سوق العمل إلا ان القطاع الخاص مازال يعتمد بشكل واسع على اليد العاملة الاجنبية. وقال الخبير الاقتصادي السعودي احسان بوحليقة ان اسواق مجلس التعاون شوهت بسبب انفتاحها المفرط على اليد العاملة الاجنبية ولكون القطاع العام يشكل ملجئاً ملائما جدا بالنسبة للمواطنين.
وقال بوحليقة ان تدفق العمال الاجانب الى دول مجلس التعاون حيث باتوا يشكلون حوالي 40% من السكان يمثل ظاهرة فريدة في العالم “فليس هناك أي مكان آخر في العالم تسير الامور فيه على هذا النحو”. ويبلغ اجمالي عدد سكان دول المجلس 37 مليون نسمة بحسب آخر ارقام للامانة العامة للمجلس يمثل الاجانب 40% منهم).
ويقول أحد المحللين الاقتصاديين تعليقاً على اتساع البطالة في الدول العربية عامة بشكل غير مسبوق:
(تعلمنا من دراستنا للبطالة في البلدان العربية إنه لا توجد إحصائيات رسمية أو شبه رسمية يمكن الارتكاز عليها في الدول العربية، بسبب ضعف الإدارة والفساد، وحتى لو كانت النسب مقاربة إلا أنها لا تشمل البطالة المقنعة الحكومية حيث يقوم عشرة عمال بأداء وظيفة عامل واحد، أو العمال المسجلين بدون عمل، فعلى الحكومات العربية إعادة نظر شاملة لتوزيع الثروات وتوجيه الاستثمارات الخاصة والعامة..).
وفي الواقع إن عمليات تغيير البطالة تتطلب إجراءات واسعة من قبل الحكومات والبرلمان والنقابات وهي إعادة تشكيل للمجتمعات وهي مسألة تاريخية.
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
رأس المـــال الحـكومــــي الشـــــــــــــرقي ــ الكتاب الأول
✺ توطئة
✺ الفصل الأول
✺ من تاريخ قوى المال الغربية
✺ إستكمالُ نظريةِ ماركس عن رأسِ المال
✺ الفصل الثاني
✺ الرأسماليات الحكومية الشرقية الكبرى
✺ اليابان تجربة الرأسمالية الخاصة
✺ الرأسمالية الحكومية الروسية
✺ الأجور والسلطة الحكومية الرأسمالية
✺ الرأسمالية الحكومية الصينية
✺ الرأسمالية الحكومية في الهند
✺ الرأسمالية الحكومية في أمريكا اللاتينية
✺ تجربة كوبا
✺ الفصل الثالث
✺ الرأسماليات الحكومية العربية والإسلامية
✺ الرأسمالية الحكومية المصرية
✺ الرأسمالية الحكومية الإيرانية
✺ الرأسماليات الحكومية الخليجية
✺ خلاصات عـــــــــــــــــــــامة
✺ مسارات الرأسماليات الحكومية الشرقية
✺ (إصلاحات) الرأسماليات الحكومية الشرقية
✺ أنماط الرأسماليات الحكومية الشرقية
✺ من يملك الرأسمالية الحكومية؟

توطئة
لم تتح لكارل ماركس فرصة التعرف على رأس المال الشرقي، الذي تطور بعد وفاته، في أواخر القرن التاسع عشر، ولهذا لم تتم دراسة هذا الرأسمال التاريخي المغاير لرأس المال الغربي، فخلافاً للرأسمال الغربي القادم من الإنتاج الشخصي، بدءً من الحرف فالمانيفاكتورة ثم الصناعة الآلية الخ، ظهر الرأسمالُ الشرقيُّ بقوتهِ الكبيرة من الحكومات أساساً.
ولهذا كانت مرحلة الليبرالية العربية وامضة، محدودة التاريخ، لاعتمادها على الرأسمال التجاري بشكلٍ كبير، فجاءتْ مرحلة الرأسمالية الحكومية ورافقتها الأفكارُ القومية والبعثية والماركسية والآن الطائفية.
لتطور أشكال الملكية العامة والخاصة في وسائل الإنتاج وفي نسبهما المتعددة، علاقاتٌ موضوعية، تعتمدُ على تطور هذه الوسائل.
إن تقلصَ الأفكارِ الليبراليةِ يرجعُ لتقلص الملكيات الخاصة لوسائل الإنتاج، والتوزيع، والتمويل، ولهذا رأيناها في المرحلة الحكومية الرأسمالية تذبل، وسواء كان ذلك في روسيا السوفيتية أو الصين الشيوعية أو مصر الناصرية وغيرها من الدول، فالدولُ الشرقية لها قوانينٌ عامة مشتركة، يحاولُ هذا الكتابُ أن يُظهرها.
كما أن الأفكارَ(الاشتراكية)مرتبطة بنمو الملكية الرأسمالية العامة، وهي تذبلُ كذلك مع تقلص هذه الملكية وتوسع الملكية الخاصة.
لن تنتهي الملكية العامة الرأسمالية الكبيرة الحكومية في الشرق إلا بحدوث ثورة كبيرة في قوى الإنتاج، فهذه الدول تسيطر على منابع الثروة كالبترول والغاز والمناجم الكبرى، باسم الشعوب الغافلة، وحتى في عهد الاصلاحات الرأسمالية الخاصة الحكومية في روسيا والصين وبقية دول الشرق التي تقاطرت على هذه العملية واحدة بعد أخرى، فإن الدولَ لم تتركْ هذه الملكية التي تصنع قوى الرأسماليين البيروقراطيين الحكوميين الذين يخرجون من هذه المطابخ الكبرى كقططٍ سمان.
ويجري ذلك أما بالتخلص من قطاعات خاسرة، وتحميل الشعوب فاتورة الفساد، أو عبر المشاركة مع الرساميل الخاصة الوطنية والأجنبية في أرباح مؤسسات قوية، لكن لا يجري ترك الدجاجة التي تبيض ذهباً؛ قطاعات إنتاج المواد الخام الثمينة.
وهذا على مستوى الأفكار يؤدي لشحوب أفكار الوطنية والقومية والاشتراكية.
وفي الدول الطائفية السنية والشيعية فإن المذهبية المحافظة تبقى حجر الزاوية في النظام الإيديولوجي، معبرة عن سياقات خاصة لدول أكثر ترسباً في النظام الإقطاعي.
وفي الوقت الذي تصعدُ فيه القوى البيروقراطية على جثة المجتمع القديم، فإنها لا تستطيع أن تكون ليبرالية ديمقراطية حقيقية، فهي بسيطرتها على أغلبية المال العام وإنتاجه تخشى هذ الديمقراطية، تخشى هروب الدجاجة الذهبية من تحت قبضتها، فتغدو لها تحفظات على هذه الديمقراطية لكونها (لا تتناسب مع تقاليدنا العريقة)، أو بسبب الخشية من الفوضى وغيرها من التبريرات التحكمية.
وتقوم بمزج هذه السلطة التحكمية بكم ما من الشعائر الديمقراطية، لكن التي تجعل حزب السلطة، سواء كان الحزب الشيوعي في الصين أو حزب روسيا بيتنا، أو الحزب الوطني الديمقراطي المصري، أو النخبة من الطائفة السنية المتحكمة في موارد البلد، أو النخبة من الطائفة الشيعية المتحكمة في موارد بلد آخر، أو أن يجري وضع خليط من النخب الطائفية المتعددة في بلد ثالث.
ومهما كانت الصراعات والخلطات فإن النتيجة هي إنشاءُ طبقة مسيطرة على وسائل الإنتاج، تتوزعُ بينها مصادرُ الخيرات العامة، بعضها متنفذ في أغلبية الملكية العامة وبعضها متنفذ في الملكيات الخاصة وبينها تعاون وصراع يتحددان بطبيعة العلاقات بين الطرفين وبحجم السوق ومسائل أخرى كثيرة.
هذه مرحلة رجراجة بين الرأسماليتين العامة البيروقراطية المنتهية ولايتها، وبين الرأسمالية الخاصة التي لم تعط الولاية ولم يحن سعدها الكامل.
هذه المرحلة التي نعيشها الآن والتي تمثل حلقة من حلقات تطور الرأسماليات الشرقية منذ أن كانت جنيناً في رحم الأمبراطوريات الإقطاعية فأنتجت لنا متجراً ومصنعاً صغيراً وبنكاً محلياً متواضعاً، حتى تفتت الأمبراطوريات أو تحولت بشكلٍ آخر محافظة على السوق الهائل كالأمبراطورية الروسية التي صارت أمبراطورية سوفيتية، والأمبراطورية الصينية التي صارت جمهورية الصين الشعبية، وهذا التحول فيهما أدى إلى إنجاز ثورة صناعية كبرى لم تصل بعد لمستوى الثورة الصناعية الغربية، لكن ضخامة السوق كانت معجلاً آخر، وفي حين لم تهدر الصين بضائعها على الجمل الثورية كثيراً استنزفت روسيا نفسها في ذلك.
كان المتفتتون – أي الذين زالت أمبراطوريتهم كالمسلمين – أكثر الخاسرين، فعلينا مراجعة تجربة مفتتة زادتها الأيام تفتتاً، وهي مثلت في النهاية تجربة المذهبيات الإسلامية المشغولة بالحروب الكلامية والحقيقية معاً.
كان بروز الرأسماليات الحكومية بشكل طائفي تعبيراً عن صراعات الماضي الخاوية، وعن الرغبة في إستعادة الأمبراطوريات، وعن ضعف الرأسماليات الحكومية في بلدان محدودة السكان، وعن تخلف هؤلاء السكان الاجتماعي والاقتصادي، وعن عدم وجود طواقم حكومية ذات كفاءة في رؤية مسارات التطور وضعف التعاون بين هذه الإقطار الدينية.
꧂ الفصل الأول
من تاريخ قوى المال الغربية
يتحدث العديد من المثقفين العرب عن أزمة الطبقة الوسطى وانهيارها أو صعودها أو غير ذلك في تعميمات ودون أية تحليلات اقتصادية وتاريخية، تجعل عقولهم ومناهجهم تتغلغلُ في البنى الاقتصادية وتفهم ما يجري.
هذا بخلاف علماء الاقتصاد والتاريخ الغربيين الذين كرسوا الكثير من المؤلفات لفحص ذلك، بدءً من آدم سميث وريكاردو حتى ماركس.
ويقدم لنا كارل ماركس وصديقه فريدريك انجلز لوحات تاريخية ومعركة ثقافية ساخرة وعلمية عميقة عن كيف نشوء الطبقة الوسطى وقوى المال عموماً في الغرب، وذلك في كتابهما المشترك:(1).
ويقدم المؤلفان ذلك بصفته تاريخاً للإنسانية الحديثة، ويعتبران ما تشكل ويتشكل في الغرب كأنه تاريخ للشرق كذلك، لكن ما يقصدانه هو تكون الرأسمالية في الغرب، في حين ستكون للشرق رأسماليته المغايرة وذات التاريخ المختلف، ولكن الرؤى الغربية حتى من وجهة اليسار في ذلك الحين تدور في المركزية الأوربية التي سوف تقود للاشتراكية. ويفيدنا ذلك في رؤية النمطين من الرأسمالية، الرأسمالية الغربية الخاصة والرأسمالية الحكومية الشرقية. وكل منهما له سياقه العام المتميز.
يتوجه ماركس في دراستهِ المذهلة عن تاريخ أوربا الاقتصادي إلى كيفية ظهور الإقطاع في العصر الوسيط وكيف برزت المدنُ بعد إنهيارِ الأمبراطورية الرومانية، وهو يمشي على تضاريس الحرف والنقابات الحرفية وكيفية تشكل الرساميل عبر مختلف البلدان، أي إلى الأجسام الاقتصادية لأرباب العمل المختلفين من إيطاليا حتى انجلترا مركز الثورة الصناعية، ويميز بين شرائح كبيرة من هذه القوى: (إن البرجوازية لا تنمو إلا بصورة تدرجية في ذات الوقت مع شروطها الخاصة، وتنشق وفقاً لتقسيم العمل إلى فئات متعددة، وتمتصُ جميعَ الطبقات المالكة التي تصادفها)، (بالقدر الذي تتحول وفقاً له كل الملكية القائمة إلى رأسمال صناعي أو تجاري)، (2)
وماركس حين يعرضُ منتوجات الواقع هذه يتتبعُ جذورَها في التاريخ السابق مثل الحرف، والإقطاع، والنقد الذهبي، والاكتشافات الجغرافية والثقافة، ويمثل ذلك حدوث الشكل الأول الأبتدائي من العولمة الحديثة، لكي يصلَ إلى مكوناتِ التاريخ الاقتصادي الاجتماعية، فمع نمو الرساميل بشكليها الصناعي والتجاري ظهرتْ المصانعُ الأولى؛ (وكانت العاقبة الأولى لتقسيم العمل بين المدن المخلتفة قيام المانيفاكتورات، هذه الفروع للإنتاج التي أفلتت من نظام النقابات الحرفية)،(3) ص66، (واقتصرت على السوق الداخلية)،(وأصبحت المانيفاكتورة ملجأً للفلاحين من النقابات الحرفية التي كانت تستعبدهم أو تدفع لهم أجوراً سيئة). (ومع قيام المانيفاكتورات وُضعت الأممُ المختلفة في علاقات مزاحمة، وانخرطتْ في صراعٍ تجاري، هذا الصراع الذي احتدمَّ بواسطةِ حروبٍ، وحمايةٍ جمركية ، وحظرِ إستيراد).
(وتلقت المانيفاكتورة وحركة الإنتاج بصورةٍ عامة انتفاضة هائلة من جراء امتداد التجارة الذي تحقق مع اكتشاف أمريكا والطريق البحرية إلى جزر الهند الشرقية. إن المنتجات الجديدة المستوردة من هناك، وبصورة خاصة كتل الذهب والفضة التي دخلتْ التداول، قد بدلت تبديلاً كاملاً مركز الطبقات حيال بعضها بعضاً، ووجهتْ صفعة شديدة إلى المُلكية العقارية الإقطاعية وإلى الشغيلة.)، والمقصود بالشغيلة هنا الحرفيين خاصة، (4).
إن قوى الإنتاج الجديدة التي غذتها تطورات العلوم وانتشار المجموعات الكثيفة من المشردين في المدن، والاتساع الهائل للتجارة أدت كلها إلى أن (التجارة والمانيفاكتورة قد خلقت البرجوازية الكبيرة؛ أما في النقابات الحرفية فقد تمركزت البورجوازية الصغيرة التي لم تعدْ سائدة في المدن بعد الآن، بل لم يكن لها بد من الانحناء امام سلطان التجار والمانيفاكتوريين الكبار)، ويحدد ماركس تكوينات القوى الغنية المتعددة بالشكل التالي في الهامش:(البورجوازية الصغيرة – الطبقة المتوسطة – البورجوازية الكبيرة).
أما المرحلة الثانية للتحول فقد بدأت في منتصف القرن السابع عشر حتى نهاية القرن الثامن عشر، التي تتميز باستمرارِ اتساعِ التجارة، وبتطورِ الصناعات المتخصصة كالحرير، وبرفع الحظر عن تصدير الذهب والفضة وبدء النقد الورقي، والمضاربة بالرساميل والأسهم من مختلف الأصناف)، وقد توسع الطلب التجاري بحيث أن قوى الإنتاج المحدودة عجزت عن تلبيته، (وقد عممتْ الصناعة الكبرى المزاحمة وأنشأتْ وسائلَ المواصلات الحديثة وأخضعت التجارة لها، وحولتْ الرأسمالَ بأسرهِ إلى رأسمالٍ صناعي، وانبثقت المدنُ الصناعية العملاقة الحديثة)، (ولقد دمرتْ حيثما تغلغلت الحرفَ اليدوية)، (لقد أكملتْ انتصارَ المدينة التجارية على الريف).
لقد لعبت الملكية الخاصة وقوة العمل المأجور دوريهما في صياغة هذا العالم الاقتصادي، ولم تكن هنا شبكة سياسية تمنع مثل هذا النمو المتداخل الذي بدا فوضوياً، ولكن تضافر الملكية الخاصة والعلوم والمنافسة الاقتصادية أدت إلى تثوير قوى الإنتاج، وعبر ثلاثة قرون من هذه الديناميكية تكون قوى الإنتاج قد تفوقتْ عن كل ما جرى في التاريخ سابقاً.
أما في الشرق فسوف تتعرض الحركة الاقتصادية لتدخل الرساميل الغربية، ثم إلى قيام منظومات سياسية شرقية تقيدُ نموَ الاقتصاد بشكلٍ حكومي، وينجحُ بعضها في أحداث قفزة بفضل أداة الدولة المركزية المُخططة، لكن لا تبلغ درجة تطور الغرب، ثم تتشابك المنظومتان الرأسمالية الغربية الخاصة والرأسمالية الشرقية الحكومية، في صراع عالمي، ثم في توليفة مشتركة راهنة تظل صراعية مفتوحة لاحتمالاتٍ جديدة لا تتوقف.
إستكمالُ نظريةِ ماركس عن رأسِ المال
كانت آراءُ ماركس واسعة عميقة، من جهة الغرب، ومحدودة من جهة الشرق.
جانبان متناقضان يمثلان مستوى الحركة العمالية التقدمية الأوربية بين سنوات 1844 إلى 1882، ويعبران عن حركة العالم المتشكل تحت نقدِ الغربِ وأساطيله.
فكانت الحركة التقدمية العمالية تصحو مشتتة مقموعة ممزقة، غارقة في الأحلام والهذيان الاجتماعي، وفي المعارضة العنيفة، وفي ثوراتِ الشوارع المنطفئة بسرعة، أقطارُها الغربية الثلاث أنجلترا وفرنسا وألمانيا، تصوغ ردودَ الفعلِ الشعبية تجاه ظاهرة الرأسمالية العاصفة التي فجرتْ تحولاتٍ غيرَ مسبوقةٍ في التاريخ البشري.
وكانت أنجلترا وفرنسا هما طليعة هذا الحراك الفكري السياسي، ففيهما بلغت الرأسمالية مستويين كبيرين، خاصة الأولى التي كانت هي الأوسع تطوراً.
ولكن الحركة العمالية كانت غارقة في المشروعات الخيالية الاجتماعية.
شارل فورييه وسان سيمون الشخصيتان الفرنسيتان الاجتماعيتان البارزتان تقدمان مخططات خيالية لكيفية إنقاذ العمال، وكانا ينشران تنظيميهما السياسيين في كل انحاء فرنسا، ويجمعان الأنصارَ والقيادات العمالية في هذه الشبكة الاقتصادية الواسعة من معامل النسيج والمناجم، ويخططان لكي ينقلا العمال إلى جزر ومناطق بعيدة لتأسيس مستعمرات إشتراكية، أو ينتظرُ فورييه الرأسماليين الكرماءَ ليقدموا له معونات لجعل الرأسمالية جنة إجتماعية وظل ينتظر في تلك الساعة التي حددها للقاء أهل الخير طوال سنوات كثيرة حتى مات دون أن يطرق بابه أحدٌ.
وكان برودون الاشتراكي الإنساني يؤسس بنكاً للمعادلات الاجتماعية، من أجل أن يأخذ العمال أنصبتهم من الأرباح وكذلك الرأسماليين، دون ضرر ولا ضرار بين الجانبين المتخاصمين، لتسود العدالة الأبدية هذين الفريقين المتنازعين على الفلوس التافهة.
لكن رجلاً ألمانياً هارباً من ثورة دامية ومطارداً جاء إلى فرنسا وهو مشحون بديالكتيك هيجل المثالي الغيبي، ليعدل هذه الأفكار.
كان عليه أولاً أن يعدل هذا الديالكتيك القادم من الفكرة المطلقة المسيطرة على العالم وتاريخه، وهي التي تكـّون الممالك والجمهوريات والأنظمة وتحددُ طبيعة الأدب في أفريقيا وآسيا، وتكونَ البوذية في الصين.
كان قلبُ هذه الأسطورة ذات المضمون العجيب والمضيء مهمة شاقة كبيرة لرجلٍ مثل ماركس، كان عليه بالتالي أن يقرأ كلَ تواريخ الإنسانية ويحللُ أنظمتـَها، وهو ليس مثل هيجل في موقعه الجامعي ومنزله الباذح في برلين.
وكان العملُ العلمي الذي إشتغل عليه في الجامعة هو تحليلُ الفلسفة الإغريقية، وهو إختيارٌ يدلُ على أوربيته الغارقة حتى العظم.
سنجدُ أن ثقافته الفلسفية والأدبية عن الأغريق هي ضخمة ونافذة إلى علاقات ومضامين دقيقة فيها، يكتب:
(إن ديموقريطس أبعد ما يكون عن رفض العالم، بل كان على النقيض من ذلك عالماً طبيعياً تجريبياً) ،(الذرة بالنسبة إليه، متعارضة مع أبيقور، قد كانتْ مجردَ فرضيةٍ فيزيائية، ذريعة من أجل تفسير الحقائق، تماماً كما هي في التراكيب الخلائطية للكيمياء الجديدة(دالتون وآخرون)، (5) .
هذه فقرة من كتابٍ من كتبِ مرحلة الشباب، الجدالية، مع الكـُتاب الألمان، ويبدو فيها وهو متبحرٌ في الفلسفةِ بضفتيها اليونانية والأوربية الحديثة، وفي قسمٍ صعبٍ هو فلسفة العلوم الطبيعية، والاختصاص الأوربي واضح وعميق فيها، والأهم هو وضعهُ تاريخَ الفلسفة فوق ظروف نشأتِها الموضوعية، محللاً شخوصَ الفلاسفة من حيث الفكرة والشخصية الخاصة كذلك، عبر هذا الجمع الجدلي بين الذات والفكرة والصراع الاجتماعي.
وهو نهجٌ سوف يطورهُ خلالَ صراعاتهِ الفكريةِ المختلفة.
لكنه لم يستطعْ أن يكونَ مثل هيجل وهو المتنقلُ بزوجتهِ وبناته بين بلدٍ وآخر، مطاردٌ من شتى المخافر، وبالكاد يستطيع أن يؤمّن لقمة عيشهِ وبمساعدةِ رفيق كفاحه فريديك أنجلز، وكان عليه أن يقوضَ تلك الأفكار عن الاشتراكية الرائجة في القطرين القائدين لرأسمالية ذلك الزمن، أنجلترا وفرنسا.
إن المصادرَ التي اعتمدَ عليها في قراءاتهِ الاقتصادية لا يمكن عُدها، سلسلة طويلة من المؤلفين في عصور أوربا الغربية النهضوية الرأسمالية، بدءً من سيسموندي الإيطالي وتلميذه شيربوليز وسينيور الأنكليزي وجيمس ميل وجون ويد وآدم سميث وريكاردو وغيرهم كثيرون ).
إن تحليلَ كتب هذه الحشود من الباحثين والمؤرخين الاقتصاديين وضعتْ منهجيتهُ فوق الأرض الاقتصادية الغربية للوصول إلى خلاياها الاقتصادية التكوينية الأولى وهي: البضاعة، ورأس المال، والنقد، وقوة العمل، والآلة وغيرها، أي هي عملية تشريحٍ علمية طويلة في الجسد الاقتصادي الغربي، في تكوينه وتاريخيته.
والتاريخية هنا هي تاريخية غربية، فظهورُ رأسِ المال مأخوذ في مجالهِ الذي يبدأ من العصر الوسيط حتى يتعملق في القرن التاسع عشر، سواءً تمظهرَّ ذلك في الدول الغربية الأوربية أو توسع في أمريكا الشمالية، وقد راحتْ قراءاتهُ تتوسعُ في اقتصادِ أمريكا، وتتنبأ لها بقيادة الاقتصاد الرأسمالي الغربي عامة، وسيتابعُ كذلك انتشارَ العلاقات الرأسمالية دولياً، ليس كما نبتتْ في أقطار العالم الأخرى، بل كما تمظهرتْ بشكلٍ بريطاني، في الهند وهو المثال الوحيد الذي تردد في كتبه عن الشرق الحديث، خاصة بعد استقراره في لندن وتوفر المراجع في مكتبة المتحف البريطاني.
وما يشغلهُ طوالَ سنين الاربعينيات والخمسينيات هو الوضع في المانيا بلده وتحليل البنية الرأسمالية التي سوف تحتاج إلى عقود من أجل الوصول لقوانينها.
وجاءَ اهتمامهُ بألمانيا باعتبارهِ بلده ولهذا تابعهُ بشكلٍ مكثفٍ من أجل حدوث تحول جذري فيه؛(فبينما كانت البورجوازية الفرنسية، وباسطة أضخم ثورة عرفها التاريخ، ترتفع إلى السلطة وتغزو القارة الأوربية، وبينما كانت البورجوازية الانكليزية التي سبق أن تحررتْ سياسياً تثــّور الصناعة، وتخضعُ الهندَ سياسياً، وتخضع بقية العالم تجارياً، لم يذهب البورجوازيون الألمان في عجزهم إلى أبعد من الإرادة الطيبة)، السابق، (6).
إن هذا الهاجسَ الوطني ترتب عليه مناقشات وحوارات عميقة وصاخبة مع العديد من رموز الثقافة الألمانية وخاصة مع ما يُسمى باليسار الهيغلي، الذي طمح في تغيير الفلسفة نحو اليسار لكنه عملياً ظل أسير مثالياتها الغيبية.
الخلاصة هنا هي أن ماركس هو منتج لنظرية اقتصادية أوربية تعكس سيرورة الرأسمالية الغربية عامة، ولها بنية اقتصادية مغايرة للتاريخ السابق وللتاريخ الشرقي.
تدل سنواتُ الأربعينيات والخمسينيات لكارل ماركس وفريدريك انجلز على بحثهما المضني لتفسير جديد للتاريخ، ظلَّ في مادةٍ أوربية غربية خالصة. وقد صدرَ المجلدُ الأول من رأس المال في الستينيات من القرن التاسع عشر.
وترافقَ ذلك مع نضالٍ فكريٍّ مع النخب الألمانية الغارقة في المثاليات والغيبيات والتحليلات الجزئية للتاريخ والمجتمع، والتي بدأت تقرأ تاريخ رأس المال الحديث لكن بمستوياتٍ قديمة.
ومن هنا أخذ هذا الجدالُ سمة المؤلفات ك(بؤس الفلسفة) و(الإيديولوجية الألمانية) و(الأسرة المقدسة)، و(ضد دهرنج)، وهو جدالٌ مليءٌ بالسخرية، والأحكام الجزئية وكثرة الموضوعات ومناقشة الجمل الصغيرة بتوسع، ومناقشة الأفكار الفلسفية النظرية المضادة، وتبيان تهافتها، وهو جدالٌ امتدَّ لفرنسا كذلك مع برودون وسان سيمون وجماعات الاشتراكيات الخيالية.
وفي هذين العقدين بدت لماركس وانجلز إن الثورة العمالية المباشرة هي الفعلُ الوحيدُ الممكن الراهن لتصفية الرأسمالية، بناءً على أثر الغضب المتصاعد في القرن التاسع عشر ولسوءِ أوضاع العمال.
وإذا كانت ألمانيا بلدهما متأخرة في تطورها الصناعي ومحاطة بدولٍ متطورة فلا يمنع ذلك من نشوء الثورة العمالية فيها والتي تزيل البورجوازية:
(ومن البدهي إن الصناعة لا تبلغ ذات المستوى من الأحكام في جميع أقاليم البلد الواحد. ومهما يكن من أمر، فإن هذا لا يؤخر حركة البروليتاريا الطبقية، لأن البروليتاريين الذي خلقتهم الصناعة الكبرى يأخذون زمام القيادة . .)، (وإن البلدان حيث تطورت الصناعة الكبرى تؤثرُ بطريقةٍ مماثلةٍ في البلدان التي تفتقرُ أكثر أو أقل إلى الصناعة، وذلك بقدر ما تنجرف هذه البلدان غير الصناعية بفعل التجارة العمومية في تيار صراع المزاحمة العمومية)، (7).
إن ماركس الألماني الذي تعيشُ بلدُهُ في تخلفٍ صناعي، وبعمال محدودين وبنخب مائعة فكرياً، يريد الثورة العمالية باعتبارها البديل الاشتراكي لرأسمالية متخلفة.
هنا نجدُ الأفكارَ التي استخدمها لينين فيما بعد. وهي الأفكار الماركسية الشبابية التي لم تنضجْ في معمل التحليل المطول. لم يصلْ ماركس لطبيعة الرأسمالية الأوربية بشكل دقيق هنا(أي في المرحلة الشبابية)، كما أنه لا يعرف كثيراً تاريخ العالم، وخاصة الشرق، وهو في هذا المستوى العلمي الأولي، فتبدو له الرأسمالية الظاهرة في أوربا كأنها الرأسمالية العالمية كما سوف تتطور فيما بعد. إنها النسخة الوحيدة المرئية، وحتى فهم التشكيلات وهي التشكيلة المشاعية، فالعبودية، والإقطاعية، ستـُؤخذ من خلال التاريخ الأوربي.
وإذا رجعنا للفقرةِ السابقةِ الذكر المُستشـَّهد به، فنرى إن تيار المزاحمة وانتشار التجارة لا يقودان بالضرورةِ إلى بناءِ أنظمةٍ رأسمالية على الطريقة الغربية، في آسيا وأفريقيا، وهو أمرٌ يلمح إلى أن الرأسمالية تبدو لماركس ذات خصائص واحدة في الغرب والشرق.
إن محدودية فهم الرأسمالية في الاربعينيات الأوربية والحماس وتفجر الثورات كلها تقود إلى إستنتاجات سياسية بزوال الرأسمالية الراهن، وهو أمرٌ يتقلصُ في كتابه (رأس المال) حيث تـُؤخذ على أنها انتشار الصناعات الكبيرة، وهذا يكفي للثورة الاشتراكية وإزالة الأستغلال الرأسمالي، وهي شعارات يُقصد منها كذلك دحر المشروعات الخيالية للاشتراكيين الحالمين. لكنه حتى في راس المال لم يتصور نمطاً آخر من الرأسمالية. فيتوارى تاريخ الشرق المميز عن ماركس كما عن لينين فيما بعد.
ولكن الثورات العمالية كانت تتوجه لتحسين أوضاع العمال رجالاً ونساءً وأطفالاً المعيشية ومكانتهم السياسية حيث يُحرمون من التصويت والدخول للبرلمانات، فكانت هي جزءٌ من عملياتٍ إصلاحية لتغيير مكانة الطبقات العمالية في النظام الرأسمالي الحديث، الذي يجمعُ طبقتيه الرئيسيتين المالكة والعاملة في الإنتاج. وهو أمرٌ صراعي تعاوني غذاه إستعمار هذه الرأسمالية للعالم الشرقي خاصة.
لكن من جهةٍ أخرى فإن ماركس هو كذلك ديمقراطي غربي يدركُ أهمية البورجوازية، وفي مؤلفه رأس المال يواصل الإصلاحية العميقة داخل هذ النظام، ومنذ الشباب يدركُ بعضَ جوانب ذلك؛ (ولقد ظهرت عبارة المجتمع المدني في القرن التاسع عشر، حالما تملصتْ علاقاتُ الملكيةِ من الجماعةِ القديمة والوسيطية. إن المجتمعَ المدنيَّ بصفتهِ هذه لا يتطور إلا مع البورجوازية)، السابق، (8).
لا تبدو لماركس الرأسمالية إلا واحدة، غربية، قامتْ على حراكِ البورجوازية الخاصة، ولم تكن الدولُ إلا مساعدة لصعودِها أو معرقلة لها، مرة من خلال الصراع ومرات من خلال التعاون مع الدول المَلكية خاصة.
لكن ليس من خلالِ مَلكية مطلقة فالملكية المطلقة تعني ضعف تطور الرأسمالية، وماركس يطالبُ من محاورهِ أن يسمي له بلداً(تعهدَ البورجوازية، في شروط متطورة للتجارة والصناعة، وفي مواجهة المزاحمة القوية، بالدفاع عنها إلى مليك مطلق؟)، (9).
تعطينا هذه العبارة، ليس فقط الشروط السياسية لنمو هذه الطبقة القائدة للإنتاج الحديث، بل أيضاً كون هذه التجارة والصناعة خاصتين غير حكوميتين، وكلما تدخلتْ الحكوماتُ المَلكية خاصة عرقلتْ ذلك التطور الرأسمالي في فروع الاقتصاد المختلفة.
كيف يمكن إذن أن تزولَ الرأسمالية؟ هذا سؤالٌ مؤرقٌ تسخنهُ أوضاعُ العاملين وطموحُ الإنسان عامة لإلغاء الإستغلال، فهل تزول الرأسمالية لأسبابٍ أخلاقية؟
يجيب انجلز بعد موت ماركس في مقدمة كتاب الأخير (بؤس الفلسفة)؛ (ونجد بالنسبة لقوانين الاقتصاد البورجوازي أن القسم الأكبر من الإنتاج لا يخص العمال الذين انتجوه. وإذا قلنا الآن:(هذا ليس عدلاً)، (يجب أن لا يكون هكذا). فإنما يصبحُ هذا القول متعلقاً بالأخلاق لا بالاقتصاد. . فماركس لم يُقمْ مطاليبَهُ الشيوعية على هذا الزعم بل أقامها على تقلصِ الإنتاج الرأسمالي المؤكد. هذا التقلص الذي لم يَحُدث أمام عيوننا!)، (10).
إن ظاهرة تقلص الإنتاج بشكلٍ نسبي ممكنة، ولكن التقلصَ بشكلٍ مطلقٍ لا يمكن تصورهُ إلا في عالمٍ تتحولُ كلُ الدولِ فيه إلى منتجةٍ واسعة للسلع فلا تجد كلها أسواقاً، وما دامتْ توجد دولٌ أخرى غير صناعية وفيها أسواق مفتوحة، فإن التقلصَ المطلقَ مستحيل. ولكن حتى التقلص المطلق لا يكفي لإقامة الاشتراكية لكنه يعبر عن الطريق المسدود للرأسمالية، وتلك مسألة أخرى.
وهكذا فإن أوربا الغربية وأمريكا الشمالية التي أوجدت الرأسمالية الخاصة راحت تبحثُ عن أسواق للمواد الخام وأسواق لتصدير البضائع المُصّنعة، وقامتْ بذلك عبر وسائل القهر، لا عبر التبادل الحر، فهي تنتزعُ الموادَ الخام بالقوة وتبيعُ سلعَها بالقوة وتلغي حرفاً قديمة وعالماً اقتصادياً في العالم الشرقي، وهو ما جعلَ البلدانَ المغزوة تنتجُ نمطاً آخر من الرأسمالية هو نمط الرأسماليات الحكومية الشرقية ثم غدتْ كذلك في أمريكا اللاتينية لأنها كحال الشرق.
إذن كان ظهورُ نمطٍ آخر من الرأسمالية قد جاءَ في الشرق كحمايةٍ قومية وتحررية ضد اكتساح الرأسمالية الغربية للعالم.
وفي حين كان أصلُ الرأسمالية الغربية حركاتٍ اجتماعية خاصة تحررية، فإنها قد وصلتْ للسلطة وصارتْ متحكمة في الحكومات، فاستخدمتْ أدوات القوة الرسمية لفرضِ نفوذِها الاقتصادي على الأمم المتقطعة الأوصال والمتخلفة والضعيفة.
وبهذا فإن الرأسماليات التي ظهرتْ في الشرق في مجتمعات إقطاعية متخلفة وجدتْ نفسَها تلتحمُ بأجهزة الحكم منذ البداية. وفي حين وجدَ النموذجُ الخاصُ الغربي الرأسماليُّ مساحة كبيرة من الزمن لنموه تصل إلى أكثر من خمسة قرون، فإن النموذج الرأسمالي الشرقي أختنق في وقت محدود بين مائة أو خمسين سنة، وتحت ضغط مقاومة للسيطرة الخارجية جعلتهُ يحمي أسواقـَهُ الداخلية بأجهزةِ الدول.
ومن جهةٍ أخرى، فإن الرأسماليات الغربية لم يعد ركود الإنتاج فيها وأزماته إلا فترات مرحلية، يعودُ فيها الإنتاجُ أقوى من السابق، بفضلِ توسع الإسواق المستمر وتطور القوى المنتجة، التي التحمت فيها التطبيقات العلمية وثورتها بأدوات الإنتاج.
ويتعلق ازدهار الأسواق بظروف جديدة جيدة للجمهور في بقاع مختلفة، أما الكساد فهو غياب هذه الظروف، لكن الإنتاج الرأسمالي يشتغل على جانبين إستغلال موارد وتدهور حرف وصناعات، وعلى ازدهار معيشة، وهذان جانبان متناقضان.
وبين إعادة إنتاج الداخل وتنمية الأسواق والقوى العاملة والقوى المنتجة عموماً كانت تحدث توسعاتُ هذه الرأسمالية وتطوراتـُها المتسارعة المتزايدة في التقنيات، في حين وجدتْ الرأسمالية الشرقية الحكومية (ذات النمط المُسمى إشتراكي) نفسها في انقطاع عن السوق العالمية وعن تطور القوى المنتجة الكونية.
وتتراوح عمليات التطور في الرأسماليات الشرقية، ففي بعض التجارب الخاصة كاليابان التي حذت حذو الغرب بشروط البناء الاقتصادي نفسه حدثت تطورات هائلة، في حين أن التجارب الحكومية الرأسمالية العامة المتفوقة كروسيا والصين، واجهت إشكاليات هذا النظام، دون أن تستطع الخروج كلياً من إشكالياته، وضاعت دولٌ أخرى في عمليات تجريبية مشوهة غالباً بدون تجذر كمصر وأغلب دول الشرق عامة.
إن العديدَ من القوانين المكتشفة عن السلعة وقوة العمل والتراكم البدائي وأولوية الصناعة الثقيلة وتحرير الريف والنساء من السيطرة الإقطاعية وغيرها، والتي نتجتْ داخل الرأسمالية الخاصة حيث يلعبُ السوقُ الدورَ المركزي، لن تكون مستوعبة في أغلب تجارب الشرق الحكومية الرأسمالية، حيث لا يلعب السوق الدور المركزي دور ضبط فروع الإنتاج، بل ستكونُ لها تطبيقاتٌ مختلفة ومستويات متباينة في الرأسماليات الحكومية التي غدا فيها جهازُ الدولة هو المخطط وصانعُ الحواجز الاقتصادية والحريات الاقتصادية كيفما تريدُ إدارتـُهُ السياسية، وبهيمنة الأجهزة البيروقراطية في تشكيل المصانع وتحديد قوى العمل وتوزيعها، وفي خلق عمليات التراكم والتجديد الإنتاجي، وتحديد القطاعات الاقتصادية وأولوياتها، حسب وجهة نظر كل دولة، وحسب كل مرحلة من تطور قوى الإنتاج، وكذلك تحديد قوى العمل الفكري الذي يعودُ كذلك لسيطرةِ الدول عبر المدارس والمعاهد، ومدى رفده للعمليات الإنتاجية أو إنقطاعهِ عنها.
وهذا لا ينفصلُ كذلك عن تاريخيةِ المجتمع وطبيعةِ تطوره، ومدى حجم ونوع العلاقات ما قبل الرأسمالية كالعبودية والإقطاع، ومدى عرقلتها أو عدم عرقلتها للتطورات الرأسمالية. وكذلك مدى علاقات التبادل بين هذه الدول والعالم الخارجي، ودور هذا التبادل في تطوير أو عدم تطوير الإنتاج.
ولهذا لا بد أن تـُدرس كل دولة أو كل مجموعة دول في الشرق حسب تجربتها، مقارنة بنموذج التشكيلة الرأسمالية الغربية الحديثة.
إن التشكيلة الرأسمالية الاقتصادية – الاجتماعية الغربية تعبيرٌ يُقصدُ منه تعميم الصفات التي جرتْ في كل دولة غربية لنمو الرأسمالية، فرغم تأخر دول وتقدم أخرى، ورغم تبدل الأنظمة السياسية من نظام جمهوري إلى نظام ملكي إلى سيطرة اليسار في بعض المواقع التاريخية، أو عمليات تبادل الحكم بين الليبراليين – الاشتراكيين الديمقراطيين وبين المحافظين، فإن قوانين التشكيلة العامة تبقى هي نفسها كما حددها ماركس في كتابه رأس المال.
ولكن دول الشرق أُقحمتْ في هذه التشكيلة بدون إرادةٍ منها، فقد كانت منساقة في تواريخها الاجتماعية الخاصة، في تشكيلة تتراوح بين العبودية والإقطاع، في مستويات شديدة التباين، كوجود حتى علاقات مشاعية فيها، أو وجود تجارب إقطاعية ازدهرتْ بعلاقاتٍ بضاعيةٍ كبيرة كالدول العربية الإسلامية والصين، ولكن جميعَ هذه الدول وبغض النظر عن تلك المستويات والتقاليد المختلفة وجدتْ نفسها تـُزجُ في عالمٍ تسيطرُ عليه تلك التشكيلة الرأسمالية الغربية، وهي التي تجعلها كذلك أن لا تصيرَ مثلها، وتمنعَ تطابقـَها معها، بل أن تبقى في تكويناتها العامة ما قبل الرأسمالية الحديثة كي تمدَها بالمواد الخام وتفتح أسواقها لها، أو حتى تعطيها رساميل نقدية.
ورغم أن هذه الصيغة استمرتْ لدى العديد من الدول ارتضتْ لنفسِها دور البقرة الحلوب، مادة خاماً وسوقاً ورساميلَ نقدية موجهة للسيد الغرب، إلا أن دولاً أخرى ثارت أو تمردت بشكل مغامر أو عقلاني مخطط، حسب قدرتها على قراءة التشكيلة الرأسمالية الحديثة بقوانينها المُكـّتشفة، ومدى إستقلال أجهزتها السياسية عن الاقتصاد ما قبل الرأسمالي الخاص، وبهذا فإن أنماطاً عدة من الرأسماليات تكونتْ في تجارب الشرق، بعضها المطابق وبعضها المفارق، وبعضها التجريبي الضائع وبعضها المترنح للوراء بسبب الأبنية الاقتصادية – الاجتماعية شديدة التخلف وأجهزة حكوماته وجنونها السياسي.
وبهذا فإن التشكيلة الرأسمالية الحديثة الغربية وهي تسيطر على العالم الآخر كانت تنقلهُ إلى مستواها بسبب الصراع الذي أثارته، وتظهر منافساتـُها ومصارعاتـُها الرأسماليات الشرقية الخاصة والحكومية، في تكوين بشري رأسمالي تختلط فيه الرأسمالية الخاصة والعامة ويغدو أرفع من الرأسمالية التي وقف عندها كارل ماركس واعتقد أنها الطبعة الوحيدة، فقد ظهرتْ طبعة أخرى ورغم أنها سيئة وأقل جودة من النسخة الأولى، لكنها في مجرى الصراع الاقتصادي تـُحسنُ من النسخةِ المشوهةِ، وتستفيدُ من بعضِ جوانبـِها لتحسن عملية النسخ.
إن الطبعة الوحيدة تـُعّممُ، تغدو عولمية، بمستوياتِها المختلفة المتضادة المتداخلة.
وتحسنُ النسخُ الشرقي للرأسمالية الحديثة يؤججُ الصراعَ كذلك، لأن النسخَ تـُفعل أسواقها وتحولُ المزيدَ من المهمشين والمهمشات إلى عمال، وتخفف من تسلط الدول أو تتحكم فيها كلياً، وتقلل من الاعتماد على العمل البسيط اليدوي وتوسع الاعتماد على العمل التقني وتنتقل تدريجياً للثورة الملعوماتية التقنية الرقمية.
وبهذا يغدو الشرق غرباً، ويغدو العالمُ واحداً، وتصل البشرية إلى إختناق اسواقها بالبضائع، فتبحثُ عن صيغ عيش أخرى.
الخلاصة
قدم كارل ماركس مقاربةً اقتصادية لرأسمالية زمنه، وكشفَ قوانيَن نموها وتطورها لحد نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وجاءت الاحتمالاتُ الكبيرة التي تصورها لرأسمالية زمنه، بأن تدهوراً عميقاً سوف يحل بقوى الإنتاج، نظراً لنزول معدل الربح الوسطي، وبالتالي سيؤدي ذلك أما لتدهور الإنتاج أو لتوسع المصروفات القاصمة لظهر كل منتج، وإنه بالتالي فإن المجتمعات الرأسمالية سوف تشهد ظهور معسكرين لا ثالث لهما، معسكر نخب الأغنياء القليلة الباذخة، ومعسكر البروليتاريا المدقعة في الفقر والمتهيأة للثورة. لقد اكتشف سلسلة من قوانين الإنتاج الرأسمالي التي تمثل ثورة معرفية مثل فائض القيمة، وطرق إعادة الإنتاج الخ.
كانت هذه القراءة العميقة لجذور نمو الرأسمالية تمثلُ معجزةً معرفيةً لرجل واحد مضح، كرسَّ أربعين سنةً من سنواته الأخيرة من أجل القراءة والكتابة في بلد لا ينتمي إليه، وفي عائلة فقيرة وبين كثرة أولاد، لم يعتمد سوى على صديق واحد، ولم تكن له لجان أو مؤسسة دراسات خاصة به.
لكن الرأسمالية الغربية لم تقتصر على جذورها وعلى أوضاعها في القرن التاسع عشر، وراحت تتطور كأسلوبُ إنتاجٍ ديناميكي لم يتوقعه ماركس، وظن إنه سيكون محصوراً في أوربا الغربية وأمريكا النامية بقوة وقتذاك.
إن السوق الضيقة التي توقعها ماركس توسعت كثيراً، وشملت قارات العالم كله، وبهذا فإن الأنظمة الغربية حولتْ العالمَ إلى تابع لها، فما عادت القوانينُ المتعلقة ببنيةٍ اقتصادية ضيقة تشمل غرب أوربا بمماثلة لسوق كونية. وبهذا فإن دورَ الربح الوسطي المتآكلِ والمتدني والمضعفِ لقوى الإنتاج، والذي يعبرُ عن مجتمع واحد لا امتداد متوسع له، والمحكوم بآلية اقتصادية غدت ميكانيكية في رؤية ماركس؛ إن هذا الربح المتراجع تلاشى، وظهرت آفاقٌ لا تحدُ من الأرباح!
لقد توسعت الشركاتُ الغربية، ووجدت عالماً فقيراً تابعاً يمدها بالمواد الخام، وأسواقاً كبرى، ووجدت قوى عمل هائلة في الشرق، بأجورٍ شديدة الانحفاض وهذا هيأ لها الانتقال من عالم الثورة التقنية الميكانيكية إلى عالم الثورة المعلوماتية.
فمن المصانع الكبرى والتلوث وثورة الحديد والفولاذ والمدن المكتظة إلى عالم الأجهزة الدقيقة والكومبيوتر وثورات الفيزياء والكيمياء وتصنيع الزراعة والثورة البيولوجية وغزو الفضاء الخ.
ومن بعد الحرب العالمية الثانية توافقت الرأسماليات الغربية على منظومة واحدة، تجعل الصراع بينها سلمياً، تقنياً، وعبر غزو الأسواق الأخرى وهذا يعني مزيداً من التغيير في السلع والتقنية.
إن رأسمالية كارل ماركس القديمة لم تعد تحكمها قوانين الربح الوسطي وعجز القوى الإنتاجية، لكن تحكمها قوانينُ العالم الواحد الذي صار كتلةً اقتصادية واحدة، متعددةَ المستويات؛ غربٌ غنٌّي مسيطرٌ وشرقٌ ناهض، ذو آفاق في الرأسمالية أكثر توسعاً وتقنية وفتوة وأقل تكلفة من رأسمالية الغرب الكهل.
ظهرت قوانينٌ جديدةٌ للرأسماليات الكونية، رأسماليةٌ غربية حرة قديمة وذات مستوى عريق من التقنية والمستوى المعيشي الجيد ومن السيطرة على البيئة، ورأسماليات شرقية متنوعة تسودُ فيها الحكوماتُ المسيطرة والمتحكمة في الإنتاج والتي تقومُ بالتخطيط وبفتحِ الأسواق معاً، وهذا بسبب تأخر نمو هذه الرأسماليات وبضعف وعي الشعوب وتراثها الاجتماعي المحافظ، مما يجعل الصناعة بأجور شديدة الانخفاض وبدون شروط بيئية كبيرة، وهذا أدى كذلك لنقل صناعات كبيرة إلى الدول ذات النمو المتسارع كالصين والهند وشرق وجنوب آسيا.
فنهضت هذه الرأسماليات الشرقية نهوضاً لا سابق له، بسبب اتساع أسواقها وعوز أهلها وضخامة أعدادهم وكبر ساعات العمل فيها، وجلبها للتقنيات الغربية التي تعبتْ فيها الدولُ الغربية، فحصدتْ مكاسباً من التطور العالمي متنوعةً، وبهذا قامت بغزو أسواق المسيطرين السابقين عليها وانتزعت منهم الأرباح في عقر دارهم.
إنها رأسمالياتٌ كونية متعددة الأقطاب، متنوعة المستويات، وهذا لا يمنع من بقاء التناقض الكبير بين مستويات الغرب والشرق.
فرأسمالياتُ الغرب لديها كذلك عمقها التقني ولشعوبها مستويات حضارية أكبر، وهي لا تزال مسيطرةً على ثروات كبيرة من الشرق، خاصةً من المناطق الضعيفة التطور، والتي لا تزال تقدمُ الموادَ الخام وليس في شعوبها تطور صناعي أو تقدم تقني كبيرين.
ولكن العالم كله تشمله رأسماليات متعددة، مُقادة من الغرب، الذي لم تعد تناقضات كارل ماركس الاجتماعية تجري فيه بتلك الصورة المبسطة، ولكنه لم يخرج من ذلك التناقض المحوري بين البرجوازية والبروليتاريا، وهي برجوازية اصبحت ذات سيطرة عالمية، والبروليتاريا لم تعد البروليتاريا الصناعية المدقعة الفقر، بل تطورت مادياً ومعرفياً، وظهرت بروليتاريا جديدة ذات معرفة تقنية، وانتقل عصبُ قوةِ العمل إلى الدماغ بدلاً من التركيز على اليد كما كان سابقاً، فهي بروليتاريا مثقفة تتطلعُ لمستوى معيشة مرتفع، وتجمع في نضالها بين ورقة الانتخاب والأضرابات الاقتصادية المؤثرة، وآفاق تطور هذه الطبقات العاملة كبير، ليس على مستوى العمل الاقتصادي بل كذلك في دورها السياسي، وفي تغييرها لحياة الاستغلال والثقافة المحافظة، ولا يستبعد في العقود التالية أن تحكم عبر أحزاب ووزارات.
أما البروليتاريا الرثة المدقعة فقراً ذات العمل اليدوي فانتقلت إلى الشرق وأمريكا اللاتينية. إن برجوازيات الغرب تنقل مخلفاتها الصناعية إلى الشرق كما تنقل الوظائف الدنيا في مجتمعاتها، أو تستورد العمالة اليدوية المتدنية، فتصاعد التناقض بين الشرق والغرب وغدا كتناقض كبير يحكم العالم، فغدا سكان العالم الثالث كبروليتاريا عالمية متدنية الأجور وتعيش في أوضاع سيئة وبخدمات رثة، وبدت الفروق بين الأجور والظروف على مستوى العالم مخيفة.
وبدت سيطرة الدول دائم العضوية ودول الشرطي العالمي الغربية كجهاز عسكري يؤبد الفروق بين التكوينين المختلفين ولا يبحث هذه الفروق التناقضية الخطيرة ويحلها.
إن التطور الرأسمالي العاصف خلال القرن الجديد سيكون ذا احتمالات خطيرة، وستظهر رأسمالياتٌ شرقية كبرى تريد أسواقاً وموادا متناقصة باستمرار، ولا يستطيع هذا العالم المكتظ بهذه الرأسماليات المتصارعة إلاستمرار إلا عبر تغييره وتشكيل مجتمعات إشتراكية ديمقراطية تنقله إلى تعاون إنساني أرقى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش الفصل الأول:
(1) : (الإيديولوجية الألمانية: كارل ماركس وفريدريك انجلز، دار دمشق ومن ترجمة فؤاد أيوب).
(2) :السابق ص 65.).
(3): (السابق ص 66 ).
(4) (السابق ، ص 68).
(5): (السابق ص139).
(6):(السابق ، ص 197).
(7)(السابق، ص 72)
(8) :(الإيديولوجية ، السابق، ص 85).
(9) : (السابق ، ص 205).
(10)(بؤس الفلسفة، مكتبة ودار الحياة، بيروت، ص 12).
꧂ الفصل الثاني
الرأسماليات الحكومية الشرقية الكبرى
لا بد لنا لكي نفهم طبيعة تكوينات الرأسماليات الحكومية الشرقية من مقارنتها بالرأسمالية الخاصة التي تكون تحت ظروف إستثنائية في الشرق وهي التجربة الرأسمالية اليابانية.
اليابان تجربة الرأسمالية الخاصة
حين نقرأ بعض الحيثيات المفيدة التي يقدمها مؤلفون عرب حول مسار التجربة اليابانية، وخاصة كيفية الانتقال من النظام الاقطاعي إلى النظام الرأسمالي، فإنهم يضعونها في إطار المعجزة، الخارجة عن قوانين الانتقال نحو الرأسمالية في الشرق، لكونهم لا يقرأونها ضمن قوانين الانتقال العامة للرأسمالية الشرقية ذات الخصائص المختلفة عن الرأسمالية الغربية.
لقد قفزت اليابان نحو نمط الرأسمالية الغربية الخاصة، خلافاً للرأسماليات المعرقلة بتدخل الدول الشمولية في الشرق. بل وعلى العكس قامت الطبقة الحاكمة اليابانية بتوجيه قوى الأغنياء نحو تلك الرأسمالية الصناعية الخاصة، وهو جانبٌ سياسيٌّ فريد نشأ بسبب صغر اليابان تجاه الدول الكبرى المحاصرة لها والتي تريد التهامها كالولايات المتحدة وروسيا والصين.
لقد عملت الطبقة الحاكمة التي قلصتْ نفسها إلى أسرة صغيرة حاكمة، مزيلة طبقة الإقطاع الكبيرة وموجهة إياها نحو الاستثمارات التجارية والصناعية.
لكن قيادة الأمبراطور لهذه التحولات لم تكن دفعة واحدة بل جرى تذويب الطبقة الإقطاعية على مراحل:
(أطاحت القوى السياسية بالشوجون (قادة الجيوش) وانتقلت مقاليد السلطة للامبراطور من جديد بعد ان كانت في يد مجموعة من نبلاء البلاط استأثروا بها، نظراً لصغر سن الامبراطور مايجي، وقد كان عليهم باعتبارهم قوة جديدة ان يواجهوا المشكلات الملحة وعلى رأسها الزحف الغربي على بلادهم والفساد المالي، لأن مواجهة الاطماع الاوروبية في اليابان تتطلب قاعدة اقتصادية صلبة، بعد ان بدأت السلطة الحاكمة في اليابان في العمل على تعديل النظام الطبقي بما يتلاءم مع الأوضاع الجديدة، حيث قامت باجراء العديد من التعديلات والقوانين التي تنظم الطبقات، تمهيداً لإلغاء النظام الاقطاعي، وكانت البداية عام 1869 حيث وضعت تصنيفاًَ جديداً للطبقات جعلت بمقتضاه ارستقراطية البلاط وحكام المقاطعات طبقة واحدة باسم النبلاء، وقسمت الساموراي الى مستويين، ساموراي كبار، وساموراي صغار. وفي عام 1870 ادخلت الحكومة تعديلات على أوضاع الطبقة العامة فصار من حقها بمقتضى هذه التعديلات اتخاذ ألقاب عائلية، وسمحت لأبنائها في العام التالي بالتزاوج مع ابناء الطبقة العليا. كما سمحت الحكومة للنبلاء والساموراي بالاشتغال بالزراعة والتجارة والحرف. وفي عام 1872 أعادت الحكومة تقسيم القوى الاجتماعية الى ثلاث طبقات، هي النبلاء، والساموراي و«الهيمين»، والأخيرة تضمنت العامة وصغار الساموراي القدامى والمنبوذين وأصبحت جميع الطبقات بعد ذلك ـ نظرياً ـ أمام القانون سواء، وقد اضطرت الحكومة عام 1872 الى ان تسن قانوناً يجرم الاسترقاق ويحرم الاتجار في الرقيق.)، (1)
كان إبعاد الطبقة الإقطاعية الكبيرة العدد عن الدخول الحكومية هاماً لأجل إبعاد أجهزة الدولة عن التبعية لطبقة من الطبقات، أي أن تكون محايدة بشكلٍ نسبي، بين الطبقتين الكبريين، الطبقة الإقطاعية الآفلة، والطبقة الرأسمالية الصاعدة، فقد أدركَ الأمبراطور إن المستقبل للأخيرة وللصناعة وللحداثة، وهو بحاجةٍ للقوى العاملة الحديثة وللعلوم، ولا بد بالتالي من الانفصال عن إرث الماضي الإقطاعي، ومن جعل الصناعة بؤرة الحياة الاقتصادية، ومن تحرير الفلاحين والنساء، وتشابك ذلك المنحى الاقتصادي بالشعور القومي الاستقلالي، بل والاستعماري التوسعي كذلك، والذي تحول فيما بعد إلى عدوانية خارجية.
ولنلاحظ كيف كانت اليابان مربوطة بوشائج متخلفة مع علاقات الإنتاج القديمة، كالعبودية، وعلاقات اجتماعية متخلفة كثيرة، لكن جهاز الدولة المركزي إستقل عن الطبقات القديمة، وحسم الخيار الحضاري باتجاه مماثلة تقدم الغرب في جوهره، وهو التصنيع الواسع.
(وقد أدى إلغاء النظام الطبقي وتطبيق نظام المعاشات واستبدال نظام سندات حكومية به الى تجريد طبقة الساموراي بشكلٍ كامل من امتيازاتها المادية، ورفع عبئاً كبيراً كانت ميزانية الدولة تتحمله كل عام قامت بتوجيهه للتنمية.)، (2).
إن خلق التراكم البدائي في التجربة اليابانية كان على الطريقة السوفيتية، بأن تـُجلب الفوائض المالية من الطبقات المثقلة بالاستهلاك والبذخ أو الموظفة في الزراعة، وأن تصُبَ في الصناعات الثقيلة والخفيفة. لكن بدون أن تنتقل الثروة المُصادَّرة وعمليات التراكم المختلفة من ضرائب وغيرها، لتشكيل رأسمالية حكومية على الطريقة السوفيتية، بل أن تكون لعمليات التوجيه المركزي نحو المجتمع الرأسمالي من خلال قيادة الأمبراطور!
وهنا فروق كبيرة بين هذه القيادة وما جرى في بعض دول الشرق، فكثيراً ما تـُقارن عملية القيادة اليابانية بمصر في عهد إسماعيل باشا خاصة، كما يقول عارض الكتاب: يتحدث الكتاب في فصله الثالث عن حركة التصنيع ونمو الرأسمالية في اليابان، برصدها في عهد مايجي بشكل يذكرنا بحركة التحديث التي حاول اسماعيل باشا في مصر أن يقودها، وبنفس الاسلوب، حيث لجأ كلٌ منهما للاستدانة من بيوت المال الفرنسية والانجليزية لبناء وتحديث بلاده، وكانت القروض أداة كل منهما لاقامة مشاريعه التي رآها مناسبة لنقل بلاده الى مرحلة التطور والتقدم الصناعي التي تعيش أوروبا في ظلها)، (3).
إن عمليات الاستدانة والتثقف من الغرب والقيام بإجراء تغييرات في الريف لم تكن متماثلة مع نظام إسماعيل، لفارق جوهري هو طبيعة الدولة اليابانية في هذا الوقت التي اختارت التوجه نحو الاندماج في المنظومة الرأسمالية العالمية، وأن تكون منها بل من قياداتها، في حين ظل إسماعيل في دائرة النظام الإقطاعي، وتغدو الاستيرادات المجلوبة من الغرب لديه إستيرادات جزئية، تحديثة فوق جسد متخلف تقليدي.
في حين توجهت الطبقة الحاكمة اليابانية في تلك الأسرة الصغيرة الأمبراطورية إلى إزالة الإقطاع بكل تشكيلته وتداخلاته في الحياة الاقتصادية والدراسية، فجمعت التراكمات المالية لتوسيع الصناعات، وجعلت الأرياف مُلحقة بها، ولهذا كانت ثمة عملية قسوة شديدة موجهة للريف، أدت إلى حدوث ثورة فيه، نظراً لهذا الجلب الحاد لفوائضه من أجل الصناعة البؤرة الكلية التي توجه الدولة المداخيل نحوها.
هذا ما مثلَّ لستالين تجربة هامة سوقها فيما تلى تحت شعار الاشتراكية.
وفي حين انتهى عهد إسماعيل وخلافائه من بعده بتراكم الديون ظهرت الفوائضُ النقدية الكبيرة في اليابان!
إذن مثلت تجربة اليابان تجربة نحت نحو الرأسمالية الخاصة خلافاً لتجارب الشرق حيث تسودُ الرأسماليات الحكومية.
إن تحويلَ القطاع العام إلى قائدٍ سياسي للقطاع الخاص، يتطلب أن لا تـُثقل أجهزة الدولة بالعمليات الاقتصادية الواسعة التي تعيقُ دورَ القيادة السياسية للرأسماليةِ الناميةِ في محيطِ التخلف.
لماذا يجب أن تكون الدولة قيادة سياسية وليست اقتصادية، ولماذا لا يجب أن تأخذ دور أرباب العمل، بل وأن تشجعَ أربابَ العمل على الاستقلال عنها، وأن يفجروا طاقات الصناعات الثقيلة والخفيفة بقيادتها التخطيطية وليست الإدراية؟
لأنها تكون مشغولة بتلك القيادة السياسية ذات المهام الجسيمة الواسعة، فلديها مهمات نقل التجارب العلمية الغربية للمصانع، وتغيير مناهج التعليم لتواكب عمليات التغيير الاقتصادي، ولديها العمليات السياسية الخارجية المختلفة من إنشاء الجيوش والتوسع التجاري الخارجي ومجابهة التدخلات وغيرها.
كذلك فإن تدخل الدولة في تملك المصانع والمؤسسات التجارية وغيرها، يفسد عملية النمو الاقتصادي في مرحلة التشكيل الأولى للعلاقات الرأسمالية، فتغدو العمليات الاقتصادية مربوطة بأجهزةِ الحكم ومصالح الموظفين، وبتدخل الوزارات فيما ليس من إختصصها، وليس هو مجالها، ويضع بين أيديها ثروات هائلة ليس من ملكها، فتتسرب إليها وتضيعها.
ولا تتشكل سوقٌ حديثة تقومُ بتطوير البضائع، بل يحدثُ توجيهٌ بيروقراطي من أعلى، يجمد نمو العلاقات الاقتصادية في مخططات بيروقراطية وعمليات فساد واسعة. وفي مثل هذه المراحل التكوينية ليس سوى السوق يلعبُ دور المطور للسلع.
وتتكفل القيادة السياسية من قبل الدولة اليابانية في فرش الأرضية لنمو القطاعات الخاصة والثورة العلمية والتقنية في مجالي الصناعة الثقيلة والخفيفة على التوالي والتداخل في مرحل لاحقة.
كذلك فإن هذا يرتبط بعمليات الحريات في مختلف أشكال الوعي وأشكال الحياة، فالجامعات ومؤسسات البحث العلمي تكون حرة، غير موجهة بخطة حكومية لإعاقة العقول عن البحث المستقل كما تفعل المؤسسات العلمية العربية، ثم يغدو الصراع الطبقي محكوماً بمؤسسات دستورية، لا تجعل العمال مجمدين بدون تطور في مختلف جوانب حياتهم، بل يتابعون تطور الصناعات ويطورن أواضعهم المادية والعلمية.
تقومُ الرأسمالياتُ الحكومية الشرقية بتوجيه التطور الاقتصادي نحو أهداف سياسية واقتصادية مسبقة، بما فيها من صواب وأخطاء، وبما يفهمه رجالها من معرفة اقتصادية، نظرية، وهو أمرٌ مضادٌ لتشكل الأسواق الحرة، وبُنية الرأسمالية الحديثة.
فلم تقم النخبة السياسية المسيطرة في اليابان بفكرة الأخذ الجزئي من الحضارة الغربية، بالاستيراد الانتقائي لأجزاء من تلك البنية الحديثة الصناعية – السياسية – العلمية، فقد درستها وطبقت هيكلها الأساسي على المجتمع، ولم تقل سوف آخذ التقنية وأتوجه للصناعات الخفيفة أو الاستخراجية حتى لا أرهق الأجيال، بل توجهت للصناعات الثقيلة بشكل أساسي لترافقها وتليها بعدئذ الصناعات الخفيفة، وكذلك لم تفصل بين مستويات البنية هذه؛ مستواها السياسي الديمقراطي، وكذلك مستواها الثقافي العلمي التقني بصورة خاصة، لأنه هو المرتبط بالصناعة، أما مسائل الفلسفة والأدب والفنون فهي تـُنتج من خلال الوعي الوطني.
إن نمو الرأسمالية الخاصة اليابانية جرى من خلال السوق، وليس من خلال هيمنة الدول، وهذا أدى إلى حراك رؤوس الأموال باتجاه القطاعات المربحة والمفيدة للتطور الاقتصادي الوطني، وهذا أدى لتطور قوى الإنتاج والعلوم مع تطور السوق.
وقد شجعت الحكومة البيوتات المالية لتتحول إلى شركات كبرى وليس أن تحجم دور تلك البيوتات وتأخذ مكانها، وهو أمرٌ أدى إلى فوضوية السوق وتآكل الفوائض الاقتصادية في أجهزة الدول، وإلى هروب رؤوس الأموال وتشوه البنية.
هذا لا ينفي جملة من التناقضات كأي اقتصاد رأسمالي خاص، فطبيعة التوجهات الحكومية اليابانية التي أشرفت على تصنيع البنية الرأسمالية الحداثية في الأرض اليابانية، قامت بالإسراع بها، تجنباً للسيطرات الأجنبية وخاصة الغربية منها، وكذلك للحصول على المستعمرات والمواد الخام بأسعار رخيصة، وهذا ما أدى إلى سلسلة من التدخلات اليابانية وإنشاء المستعمرات، مما كان له أثر سلبي على طبيعة هذه الرأسمالية التي غدت عسكرية توسعية فجّرت نفسها للحروب وللمحور الفاشي، وكان آخرها الحرب العالمية الثانية التي انتهت بمأساة كبرى على اليابان.
وأعطت التجربة اليابانية حراكاً لدول جنوب وجنوب شرق آسيا التي حذت حذوها فغدت الرأسمالية الخاصة الصناعية أساساً لتقدم نصف قارة آسيا.
إن أساسيات التحديث الغربي تم وضعه هناك، والمبني على الوعي العقلاني العلماني الديمقراطي، وعلى الحريات المختلفة، وتشكلت دساتير ومؤسسات على هذا الأساس، مما وسع بشكل هائل من قدرات المنطقة.
لا ينفي هذا صراع العمال والقوى الشعبية ضد هذه الرأسمالية الخاصة، بل هي قوى مشاركة في مثل هذا البناء، ويمكن أن تصل للسلطة من خلال الأدوات التي وفرتها المؤسسات، لكن لتطرح برنامجاً تطويرياً للاقتصاد لكن من وجهة نظر العمال، أي يتواصل النمو الاقتصادي ذاته الخاص من خلال مصالح المنتجين.
في حين أن الرأسماليات الحكومية تطرح أنظمة شمولية، ولهذا ترفض العلمانية والديمقراطية، ويمكن أن تتحدث بأسم العمال والفقراء، لكن بدون منظماتهم الخاصة المستقلة.
في الرأسمالية الخاصة على قرار النموذج الياباني يحدث نمو التراكم الاقتصادي داخل عمليات الإنتاج، ورغم تقسيم الفوائض الذي يقرره المالكون لا العاملون فإن العاملين يناضلون لأعادة تقسيم هذا الفائض باستمرار.
الرأسمالية الحكومية الروسية
عاشت روسيا خلال القرن التاسع عشر مواجهة مستمرة مع الغرب المتفوق عنها، والغرب المقصود هنا أوربا الغربية وأمريكا الشمالية، وقد نتج التحدي بسبب الطفرة التي قام بها الغرب، من التخلف حتى الصناعة الحديثة، وما استتبع ذلك من تبدل كبير للمجتمعات، ومن انتشار لثقافتها، ومن إستيلائها على مستعمرات كبيرة زادت من تطورها ومكانتها على الصعيد العالمي، بل وجاء هذا الغرب غازياً على خيول نابليون ومدافعه، في حين كانت روسيا تعيش في مرحلتي العبودية والإقطاع المتداخلتين، ففي الوقت الذي كان تنتشر في الغرب الديمقراطية والحداثة، كانت روسيا تناقش تحرير العبيد! كانت أغلبية الفلاحين وهم أغلبية الروس كذلك، مسترقين في قرى شديدة التخلف.
فكانت روسيا تصحو من مجتمع الرقيق على رؤية أكثر العلاقات تطوراً في العالم وقتذاك، وأدى ثقلها السكاني الكبير ومستعمراتها الأكثر تخلفاً منها، إلى إشكاليات في التطور الروسي إلى حد الانفصام، فهي حاضرة في أكبر الأحداث الغربية كهزيمة نابليون ووقف إصلاحات الثورة الفرنسية وراحت تقود المد الرجعي في أوربا وهي في نفس الوقت تتطلع إلى تجاوز أوربا ولعب دور قيادي آخر للإنسانية!
فكانت هناك أفكار وتيارات تنادي بتجاوز الرأسمالية، سواء بشكل أدباء كتولتسوي وديستوفسكي أم بتيارات كالشعبيين والاشتراكيين الثوريين وتنادي بالحفاظ على الإرث المشاعي الذي لا يزال قائماً في بعض المناطق والعلاقات، وهو الأمر الغامض الذي تغلغل في حزب البلاشفة في آخر الأمر، رغم أن حزب البلاشفة قام على الصراع ضد هذه الأفكار أساساً، ونادي بضرورة الدخول العميق في الرأسمالية! ويمكن الرجوع هنا لكتب لينين المتصدي الكبير لأفكار الشعبيين وخاصة في كتاب(تطور الرأسمالية في روسيا).
وحاول بعض القياصرة المصلحين سد الهوة الهائلة بين روسيا والغرب، عبر نقل العاصمة بقرب القارة الأوربية، وبخلق إنفتاح اقتصادي وبقبول المؤثرات الثقافية الفرنسية والألمانية.
لكن ضخامة روسيا ومستعمراتها و تجذر الاقتصاد الإقطاعي وضعف نمو الرأسمالية داخل هذا المجتمع ضعيف التطور الصناعي، جعل من حل تناقضات التخلف الرهيبة مسألة تحتاج لقرون.
كيف تبدل حزب البلاشفة من التصدي للشعبيين والاشتراكيين الثوريين، الرافضين للتطور الرأسمالي، والمنادين بالإبقاء على الجماعية وضرورة تأميم الأرض، إلى أن يتقبل مثل هذه الأفكار؟!
لماذا لم يواصل تأييد التطور الرأسمالي الديمقراطي العلماني والمتدرج؟
فبين الحملات الفكرية ضد أولئك الخصوم (غير العلميين) و(الفوضويين) على حد التعابير البلشفية وقتذاك، إلى تقبل أطروحاتهم ومركستها بصورة عسكرية، لم يمض سوى عقدان.
هل حدثت تغييرات رأسمالية هائلة تستوجب تجاوزها نحو الاشتراكية؟
لم يحدث شيءٌ من هذا القبيل، ولكن حدثت تطورات سياسية كبرى، فقد توسع الاستعمار الغربي، وراحت دوله الكبرى تستحوذ على أقطار الدنيا كلها، وتقوم حروب بينها، وخاصة المجزرة الهائلة، الحرب العالمية الأولى، بل وراحت تتغلغل في روسيا نفسها عبر شركاتها، مهددة ببلع مستعمراتها.
ولم تؤد دعوات لينين بتشكل معارضة قوية ضد الحرب دورها، وانحاز الاشتراكيون الديمقراطيون في كل بلد إلى بلدهم، وأعلن لينين الانفصال عنهم، ونعتهم بأنهم اصبحوا منحازين لبرجوازيات بلدانهم.
في هذه الفترة يمكن رؤية لينين(القومي)، المتواري، الغائر في الثقافة الشعبوية الاشتراكية المنعوتة سابقاً بالتخلف، وهذا التبدل الكبير بين تأييد التطور الديمقراطي للرأسمالية ورفض هذا التطور والقفز عنه، هوة كبيرة.
تم سد هذه الهوة المفاجئة الغريبة بمجموعة من المقولات، أهمها أن(روسيا تمثل الحلقة الرأسمالية الضعيفة التي يمكن كسرها والقفز بها للاشتراكية)، وبظهور الاستعمار الذي هو أعلى مراحل الرأسمالية، مما يعني في هذه المقولة الأخيرة بأن الرأسمالية غدت كونية، وإنه لا داعي لانتشارها الكلي في البلدان المتخلفة.
وكل هذه المقولات تقوم على هواجس قومية بورجوازية لدى لينين، فروسيا أمنا تواجه خطر السيطرة الأجنبية، ولا بد من الحفاظ عليها وعلى مستعمراتها، يغدو لينين هنا رجل التحرر الوطني، الذي سوف يجابه عملية استعباد روسيا، وينقذها بالتوجه الشعبي التحرري التقدمي.
لقد سقطت الأممية الثانية التي كانت ترفع راية الاشتراكية الديمقراطية في رأيه، رغم أنها لم تسقط حقيقة، وسقطت الماركسية المنتجة في الغرب كما يتصور.
هنا مفترق طريق كبير بين الشرق المتخلف الإقطاعي، والرأسمالية الغربية، فالشرق يريد النهضة، والغرب الاستعماري يريد السيطرة عليه، الشرق يبحث عن طرق جديدة للتطور مغايرة للغرب، الذي وصل إلى ذروة التطور الاقتصادي ويريد منع الآخرين من التطور والاستقلال!
قاد لينين عملية إقامة الرأسمالية الحكومية الروسية. لينين هنا أقرب لقائد تحرري شرقي، انزلق تدريجياً من ثقافة الغرب الماركسية الديمقراطية إلى منتوج فكري خليط، يجمع أفكاراً ماركسية إلى أفكار الشعبيين والاشتراكيين الثوريين الروس.
من الماركسية أبقى على بعض المنهجية في معالجة قضايا الغرب، وتجاه الأم روسيا تخلى عن هذه الماركسية، وراح يركب المقولات التي تلائم نهضتها التسريعية وهيكلها السياسي البيروقراطي القومي.
من الماركسية أخذ ضرورة تطبيق الاشتراكية ولكنه جعله في بلد لا يمتلك التجربة الصناعية الكبيرة ولا السكان العمال، وجلب فكرة كارل ماركس بشأن(دكتاتورية البروليتاريا) باعتبارها نظاماً شمولياً وليس فترة إستثنائية لأي دولة شعبية ديمقراطية تواجه نظاماً قديماً شرساً كما رآها ماركس في مذابح كومونة باريس سنة 1870.
إن العودة للنظام الاستبدادي الشرقي هي مسألة شاملة للحركات والأنظمة في الشرق بعد فترة من جلبها أفكاراً ديمقراطية من الغرب، فالبناءُ الشرقي الاستبدادي هو الذي يحددُ تطورَ الأفكار المجلوبة.
إن مصطلح(السوفييت) نشأ من خلال ثورة الجماهير نفسها، وهي تقومُ بخلقِ مجالس شعبية مُنتخبة، تمثيلية للعمال والبحارة، وهذه المجالسُ تكونتْ بفعلِ نضالِ الناس أنفسهم، وصارتْ جهازَ حكم، ديمقراطياً، وكان شعار(كل السلطة للسوفيت)، يعني جعل الحكم في يد هؤلاء الناس، ولو إنه هذا الشكل الانتخابي استمر طوال الفترة اللاحقة لأمكن للقوى الشعبية أن تحد من سلطة الجهاز التنفيذي وتضع حد لتجازوات شرطته السرية خاصة، لكنه تم القضاء على إستقلال السوفيتات، لتـُدمج في النهاية في السلطة التنفيذية. ترافق تحويل السوفيتات لجهاز تابع للسلطة التنفيذية بالقضاء على الأحزاب والصحافة الحرة، وبهذا فقدت الثورة زخمها الشعبي الحر وعيونها المفتوحة.
إن(السوفيتات) تعبيرٌ عن الجهد الخلاق للجمهور وعقليته الديمقراطية، وعَبْرَ كفاحِها ضد القوى المناوئة تمكنتْ من خلق سلطة شعبية مُنتخبة، وغدا (رأسمال الدولة) في ملكيتها العامة، وهذه الفترة تعبر عن الثورة الشعبية التي فجرها البلاشفة، لكنهم لم يتركوها مستقلة، مُراقِبة للسلطة التنفيذية، وأن تجري إنتخاباتها بشكل حر ودوري.
إن أبرز مواقع السلطة التنفيذية كان الجيش الذي بُني من صفر إلى أن وصل إلى ستة ملايين جندي، ثم جهاز المخابرات، فراحت هذه الأجهزة تمثل الهيكل الحقيقي للحكم.
فالرأسمالية الحكومية إذن تشكلتْ والمالكُ الحقيقي (قوى العاملين) يُبعد عن ملكيتهِ، وكان جهدُ هذه القوى في بناء المصانع وتشغيلها ومراكمة الفوائض المالية هو المؤسسُ للصناعة وتطوراتها، لقد كان العمالُ المالكين الرسميين الشكليين لقوى الإنتاج في أغلبيتها، لكن المالكين الحقيقيين كان الموظفون. كانت البيروقراطية هي التي تدير قوى الإنتاج هذه، وتقرر كيفية نموها وإعادة إنتاجها، وكمية توزيع الفوائض والتخطيط لمؤسسات أخرى والعلاقة بينها وبين التعليم والمرافق العامة كلها.
ومثلما يحدثُ في أي ملكية عامة شرقية يبدو الناس هم أصحابها، لكن الملكية الحقيقية تعود للإدارة، وكلما ازدادَ نمو الفوائض وازدهر الإنتاجُ تشبثتْ هذه الإدارة بالملكية.
علينا أن نقرأ شعار(الاشتراكية في بلد واحد) بكونه شعار(الرأسمالية الحكومية في بلد واحد).
لماذا لم يطرح هذا الشعار الأخير بدلاً من كل هذه المناورة الكبيرة؟
لقد كانت شعارات الاشتراكية هي مولدة الزخم والتضحيات الجسيمة لدى الجماهير، فهي مصدقة بأنه في خاتمة جهودها ثمة واحة خضراء تهون في سبلها كل التضحيات، ولهذا فإن حماسَها مشروع، خاصة أن صانعي المشروع يعيشون في مستوى عيشها، في بداية الأمر، ويقومون بنفس تضحيتها، ويصبحُ المشروعُ دينياً ككل المشروعات السياسية في الشرق، فهنا تضحية وهناك جنة، ولكن الجنة أرضية هنا.
إن الإدارة الصارمة العسكرية البوليسية الزاهدة تستنفر معجزات العمل الجماهيري، والذي يقوم بالخوارق العملية حقاً، ففي بضع عقود قليلة يتم إنجاز بناء قوى الإنتاج الكبرى في الصناعات الحديثة. بناء مصانع تنتج وسائل الإنتاج استغرق في الغرب عدة قرون!
هذه الملحمة لا تخلو من أخطاء جسيمة تعبر عن إدخال العسكرة والأرهاب في الاقتصاد، كفرض التعاونيات بالقوة والتأميمات الكلية.
إن رأس المال العام غدا رمزياً من صنع وملكية العمال، لكنه خرج عن هذه الملكية، وانفصل عن هذا الجمهور، فالسوفيتات لم تعد مالكة حقيقية، ولم تعد مراقبة بجدية المُلكية والسلطة والحزب التي اصبحت كتلة واحدة، تقاطر عليها الانتهازيون والاستغلاليون، كما نقول أرى الناس قد ذهبوا لمن عنده الإنتاج والأرباح، ولم تملك أدوات المحاسبة من خلال برلمان حر، ولو إنها فعلت ذلك لكان قد خففت من نتائج الشمولية.
كان لينين مؤسساً لهذه الدكتاتورية، وكان لا بد لفكرة القفزة نحو الاشتراكية أن تصادر أدوات الديمقراطية (البرجوازية)، وهي ثقافة إنسانية واسعة وعميقة من عقلانية ومراعاة حقوق الإنسان، وتعددية حزبية وتعددية داخل الحزب نفسه، وإذا كانت البرجوازية قد ساهمت بها وقادتها في لحظة تاريخية وتخلت عنها في فترات كثيرة، لكنها ثقافة إنسانية من صنع العاملين، ومن دونها تزول الثورة والاشتراكية وكل ذلك، ويظهر الأمبراطور الشرقي في شخصي لينين وستالين، لكن هذا الأمبراطور فقير ومضح!
لقد أثارت التجربة السوفيتية قيادات اليسار في ذلك الحين ومنهم كاوتسكي وروزا لكسمبرغ:
(السيدة روزا لكسمبورغ تقول أن ” نظرية لينين في الدكتاتورية تفترض أن الإشتراكية إنما هي صيغة معدة سلفاً وهي في جيب الحزب الثوري، وجماهير الشعب بأكملها يتحتم أن تأخذ دوراً في ذلك وإلا فإن تحقيق الإشتراكية سيجري بمراسيم تصدر عن دزينة من المنظرين خلف مكاتبهم “، (4).
وتقول أيضاً ؛ (إن التحقيق العملي للنظام الاشتراكي بشكله الاقتصادي والاجتماعي والقضائي إنما هو مسألة غائمة).
بطبيعة الحال كانت هذه الانتقادات تصدر من اليسار الغربي المعجون في عالم الديمقراطية لكن الأمر ينمو بشكل آخر في الشرق.
بدأت الرأسمالية الحكومية بشكلها السوفيتي كنهاية لتاريخ الإستغلال السابق وملحقاته من الأديان والدكتاتوريات واللاعقلانية، والتحمت بأحلام الاشتراكية القاضية على الطبقات وصراعاتها، ومؤدية لعالم بلا طبقات.
إن الرأسمال الشعبي الذي صنعهُ الناسُ بتضحياتهم، لا يزول كلياً حتى في أسوأ لحظات الارتداد، فهو قنطرة غير مباشرة لاشتراكية الحلم تلك، ولكنه في الواقع الراهن الزائل كذلك، قنطرة للرأسمالية الخاصة.
انفصلَّ رأسُ المالِ عن مالكيه لغياب الديمقراطية، وتحولَّ لمالكيهِ الحقيقيين بحكم قبض اليد وهم البيروقراطيون الحكوميون بكلِ تنوعِهم ومراتبهم العليا المتحكمة في مفاتيح الإنتاج.
حين تغدو البيروقراطية حاكمة فإنها تجمد أي نظرية عن الغنى والجدل مع الواقع، سواء على مستوى الرقابة والتشريع، أو على مستوى العلوم الاجتماعية.
وكما تخبو المجالس المنتخبة وتموتُ انتقاداتـُها ورقابتها الصارمة كذلك تفلس النظرية الحكومية، وتغدو الماركسية هنا أداة تبرير لا تحليل، والعمالُ الذين تصوروا الاشتراكية جنة أرضية يصنعونها بدمائهم وعرقهم، يجدون نفس الإدارات الاستغلالية، ونفس الهيئات الكهنوتية، فينفصلون عن النظرية المقولبة كما ينفصلون عن الملكية العامة (المسروقة).
لا يعودون يضحون أو يطورون مهاراتهم، فينتقلون لمستويات أرقى في الإنتاج، بل إنهم يغتربون عن الإنتاج الذي صنعوهُ وصار يسيطر عليهم ويستغلهم، وبينما كانت الماركسية أداة محاربة الاستغلال والاغتراب تغدو أداتهما، فيعود العمال للدين، بعد فشل الجنة الأرضية وتحولها لجحيم!
بعد أن قامتْ الرأسمالية الحكومية الروسية بخلق القواعد الصناعية الكبرى، ومؤسساتِ الطاقةِ العملاقة، وطرق النقل، وقفزت بالثقافة الجماهيرية قفزات هائلة، وكانت أساس هزيمة الغزاة الألمان الذين دمروا الغرب الديمقراطي، ونشرت نموذج التحرر من الاستعمار في العالم، عجزت عن التطور، خاصة بنقل قوى الإنتاج إلى مستوى آخر، فتجمدت سلعها التقنية.
مهماتٌ خارقة في الواقع، تمت بتضحيات أسطورية، وكان لا بد من فك الأغلال السياسية عن قوى الإنتاج، وتمظهر ذلك بنقد تجربة الدكتاتورية عبر خروتشوف، الذي فهم عجز (الاشتراكية) عن التطور بسبب عنف ستالين وجبروته، لكن البيروقراطية عادت وأمسكت السلطة كلية، ثم بدأ الإصلاحيون من داخل الحزب بتفجير الموقف بدلاً من المراجعة الطويلة الدقيقة للأزمة.
رأسمالية الدولة
يقدم لنا (توني كليف) قراءة إقتصادية سياسية عميقة في البناء السوفيتي:
(الرأسمالية بصفة عامة – ورأسمالية الدولة البيروقراطية بصفة خاصة تعنى بخفض النفقات ورفع الكفاءة وليس تلبية الحاجات الإنسانية. إن عقلانيتها ليست عقلانية بالأساس، حيث أنها تغربُ العاملَ، محولةً إياه إلى “شيء”، إلى موضوع متحكم فيه، بدلا من ذات تشكل حياتها وفقا لرغباتها. لهذا السبب يعمد العمال إلى تخريب الإنتاج.
وكما في الزراعة، سعى ورثة ستالين للتعامل مع هذه المشكلة في الصناعة بواسطة الجزرة، ووجدوا أنهم لا ينجحون هكذا، وعادوا جزئيا على الأقل للعصا.
إن إغلاق معسكرات العمل العملاقة بعد وفاة ستالين، قد تلاه إبطال للقوانين التي جعلت العمال عرضة للعقوبات القانونية عند غيابهم أو تأخرهم عن العمل. يقارن كليف هذه التغييرات بما حدث خلال تطور الرأسمالية الغربية: في المراحل الأولى للثورة الصناعية استخدمت كافة أنواع الإكراه “قوانين التشرد، نظام ملاجئ الفقراء” لإجبار الناس على قبول نظام الانضباط في المصنع، ولكن متى صار للنظام الرأسمالي الجديد جذور فان أنواع الإكراه هذه بدأت تعطل إنتاجية العمل، وإستبدلت بأشكال إكراه ذات طابع اقتصادي صرف.
ولكن كانت هناك قيود صارمة على حجم الجزرة التي كان بالإمكان استخدامها لتحفيز العمال لرفع الإنتاجية. في عام 1953 / 1954 وعد أول رئيس وزراء بعد ستالين، مالينكوف، بإنتاج أكبر للسلع الاستهلاكية على حساب وسائل الإنتاج. إلا أن فترة شهر العسل للصناعة الخفيفة لم تدُم طويلاً، ففي إطار التنافس الاقتصادي، والعسكري العالمي، لا يمكن تجنب إخضاع الاستهلاك للتراكم. وما أن حل خريف عام 1954 حتى شنت هجمة، قادها خروتشوف وبولجانين (وزير الدفاع وقتها) وشيبيلوف، ضد “تدليل المستهلكين”، ودعت للعودة إلى المزيد من التركيز على الصناعة الثقيلة. في يناير 1955 أعلن خروتشوف أن:
المهمة الأكثر أهمية، والتي يكرس الحزب كافة جهوده لإنجازها كانت وتظل، تقوية الدولة السوفيتية، وبالتالي الإسراع بتطوير الصناعة الثقيلة.
بعد ذلك بأسبوعين أجبر مالينكوف على الاستقالة من منصبه كرئيس للوزراء. أما نصيب الصناعات الخفيفة والصناعات الغذائية في الاستثمار الصناعي للدولة، والذي تراوح بين 16 و17% في الخطط الخمسية للثلاثينيات، و 3ر12% في النصف الثاني من الأربعينات، فقد انخفض لأقل من ذلك في الخمسينات وأوائل الستينات إلى حوالي 9%.
بدون أي حل للأزمة الزراعية وبدون أية زيادة في الاستثمار في صناعات السلع الاستهلاكية، كان هناك حد للارتفاع الممكن في مستويات معيشة العمال خلال سنوات خروتشوف. وبحلول 1963:
بشكل مطلق، تحسن إنتاج السلع الاستهلاكية. ومع ذلك، فإجمالاً لم تصل النتائج في حالات كثيرة حتى إلى أهداف الخطة الخمسية الأولى فيما يتعلق بنصيب الفرد من الإنتاج، على الرغم من كل التغييرات، إلا أن مستويات المعيشة في روسيا ما زالت أقل كثيراً منها في أوروبا الغربية وأعلى قليلاً فقط منها في روسيا في عام 1928 (قبل عهد الخطط).
هكذا فعلى الرغم من أن الأوضاع كانت أفضل كثيرا بالنسبة للعمال في نهاية فترة خروتشوف، مما كانت عليه في ظل ستالين (يذكر أن مستوى معيشتهم كان قد انخفض في منتصف الثلاثينات إلى حوالي ثلاثة أخماس ما كان عليه في عام 1928)، فان التحسينات لم تكن بأي حال كافية لكي تحدث زيادات هائلة في إنتاجية العمل. هكذا ختم كليف فصله عن العامل الروسي:
إحدى الهموم الرئيسية للقادة الروس اليوم هي كيفية تنمية إنتاجية العامل. لم يسبق أن كان موقف عمالهم بهذه الأهمية بالنسبة للمجتمع.
فمن خلال جهدهم في تحويل العامل إلى ترس في آلة بيروقراطية، يقتلون فيه ما هم في أشد الحاجة إليه، الإنتاجية والقدرة الإبداعية. الاستغلال المرشد والصارم يخلق عقبة رهيبة أمام ارتفاع إنتاجية العمل.)،
يقدم توني قراءة تحليلية من الداخل للبنية الاقتصادية- الاجتماعية، عبر رؤية هيمنة الإدارة المركزية على نشاط العمال، ويبين تناقض الخطط مع مستوى الإمكانيات، ويشير أن خطط خروتشوف فشلت وجاء عهد الركود البريجينفي الذي لم يقدم جهود تغيير.
وعبر فسيفساء النظام المتطاير وتكسير الحوائط وتدمير الروابط السياسية بين القوميات وحرق الحدود، عادت روسيا لتكون الأمة المستقلة وهي التي اعتقلتْ كلَ الأمم حولها وقادتها في تجربة نارية كونية!
كان تفكيك الاتحادات وتغيير المسار السياسي يستهدف من البيروقراطية المتغيرة الآن العودة للرأسمالية وقوانين سلعها، وتبديل طوابع قوى العمل، وتوسيع قوى العمل الذهني بدلاً من سيادة قوة العمل البروليتارية. إن ذلك كان يصدر من مفاتيح السلطة في المخابرات والجيش، التي وجدت في يلستين أداة التحطيم المناسبة وإلغاء التضحيات المالية الاشتراكية الهائلة، للعمالة وللشعوب في الخارج وللمعسكر الاشتراكي، وكان عجز جورباتشوف نموذجاً لعدم تطور الماركسية داخل الحزب، وغياب التحام النظرية بالجمهور وطليعتهُ الجديدة عمالُ التقنيات والصناعات الحديثة، وغياب الديمقراطية الحزبية والسياسية العامة.
ولهذا فإن تفجيرات قد حدثت وليس إعادة بناء طويلة وديمقراطية متدرجة، ومثل يلستين هجوم البيروقراطيين الفاسدين ورجال الأعمال، وكان ذلك لا بد أن يكون شعبياً مؤثراً بسبب تلك المتحجرات الدكتاتورية خلال عقود، وإغلاق العقول والإنتاج عن التطور، ومصادرة الحريات، فكانت القوى البيروقراطية في تحولها نحو الرأسمالية الخاصة تستند على تراث طويل من الأخطاء هي التي صنعته، وتهاجم تلك الإدارات المتعسفة في الزمن السابق وهي امتدادها وثمرتها.
إن نشاط الرأسمالية الحكومية الروسية خلال سبعين سنة سابقة كان يجري تحت بند إزالة الطبقات والإستغلال، وهي أمور لا تتشكل بسبب تغيير الإقطاع وإحلال رأسمالية حكومية، خاصة أن الرأسمالية الحكومية هي شكلٌ متخلفٌ من الرأسمالية الحديثة! فهي رأسمالية تقوم على العنف الإداري، والعنف يشكل مؤسسات كبرى، لكن التطوير الداخلي التقني العميق خاصة للقوى العمالية أبرز أدوات الإنتاج، لا يمكن أن تشكله.
لكن الرأسمالية الخاصة التي أُقيمت كانت كذلك بتجريبية مدمرة، يقول الخبير الروسي الاقتصادي (ستانليسلاف مينشكوف) :
إن(إصلاحيي فترة ما بعد الحقبة السوفييتية انتهجوا العقيدة الكلاسيكية الغربية الجديدة، والتي تقوم على فكرة أنه لكي يعاد هيكلة النظام الاقتصادي الاشتراكي على شكل اقتصاد رأسمالي فإنه يكفي الاستعاضة عن ملكية الدولة بالملكية الخاصة، مع إطلاق قوى السوق على هواها، ولكن التطبيق العشوائي لاقتصاد السوق بعد سنوات طويلة من الأخذ بالاقتصاد الموجه، جعل التحول إلى الرأسمالية أمراً محفوفا بالمخاطر، وتسبب في تضحيات اقتصادية واجتماعية جسيمة، تجسدت على شكلِ تردٍ حاد في الأوضاع المعيشية بالنسبة لمعظم أفراد الطبقة العاملة والمتوسطة الروسية.)، (5).
(من كتابه تشريح الرأسمالية الروسية).
إن نسب الأرباح الهائلة للشركات الروسية أعلى من نظيرتها الغربية، فشركة يوكوس(بلغت أرباحها في عام 2003 نحو 36 % من قيمة مبيعاتها الإجمالية، في حين تصل الشركات الأمريكية إلى 10%)، (6).
وإستناداً على ملكية عامة هائلة اصبحت مرتكزاً للشركات الخاصة، حيث غدا النظام الضريبي وسيلة لإعطاء المال للأغنياء من جيوب الفقراء، فصار نشؤ الرأسمالية بشكلها الخاص الرهيب هذا نتاج التحكم العتيق الطويل للرأسمالية الحكومية.
الأجور والسلطة الحكومية الرأسمالية
رغم تباين مسيرتي الرأسماليات الغربية الخاصة والرأسماليات الحكومية، إلا أن للرأسمالية عموماً طابعاً متماثلاً مهما كان طابعها الاجتماعي المتلون بين هذا البلد أو ذاك، بين هذه المنظومة الغربية الرأسمالية ، الخاصة أو تلك الحكومية الشرقية (الاشتراكية؟).
فللرأسمالية عموماً صفات جوهرية فهناك مالك وعمال وأجور، وتشكيل قيمة لأي سلعة، وإنتاج فائض قيمة، وتحول قوة العمل إلى سلعة، ووجود فترة أولية تـُسمى التراكم البدائي، حيث تـُحضر رساميلٌ ومدخراتٌ لتشكيل صناعات كبرى، يسودُ فيها تخفيض الأجور، ومعروف ما كتبهُ كارل ماركس عنها في الجزء الأول من كتابه رأس المال، كذلك معروفٌ ما كتبه عن الرأسماليات الخاصة الغربية في بدء تشكلها من تطويل ليوم العمل إلى 16 ساعة وأكثر، ومن إستخدام للنساء والأطفال بشروط مجحفة إلى آخر ذلك من ظاهرات قام بدرسها طوال عقود.
كذلك فإن من ظاهرات التشكل الأولي للرأسمالية التركيز على الصناعات الثقيلة ثم نشر المكننة في كل فروع الإنتاج، ثم يأتي التتويج لذلك في مكننة الزراعة.
لكن ما لم يُبحث هو كيفية تشكل الرأسماليات الحكومية الشرقية، وهل استطاعت أن تخرقَ تلك القوانين لتشكيل الرأسمالية الغربية وأن تتجاوزها في تكوين مغاير؟
لقد أهيلت الكثير من المصطلحات والدعايات حول هذه التجارب الشرقية، ولكننا سنرى إنها لم تختلف عن تكوين الرأسمالية الغربية الخاصة، لكن بأشكال مختلفة، وفي ظروف أخرى، اتسمت بالتسريع.
إن الطابعَ السياسي الحكومي المُضفى على الملكية الرأسمالية لا يستطيع إختراق أو تغيير قوانين القيمة وفائض القيمة، بل يؤدي إضفاء الطابع السياسي إلى مشكلات اقتصادية وسياسية على المستوى البعيد، تقومُ بعدها قوانينُ الاقتصاد الرأسمالي بالظهور وبكسر الغلاف السياسي الزائف الذي وُضع فوقها.
إن الدولة تضفي على هذا الإنتاج طابعاً إيديولوجياً بالقول إنه وطني أو قومي أو إشتراكي، لكن هذا لا يضيفُ شيئاً اقتصادياً للسلعة المُنتــّجة.
ويُقصد بالطابع الإيديولوجي عادة خلق حماس لدى المنتحين للتخلي عن بعضٍ من أجورهم، وإعطائها للإدارة، وغالباً ما يتخلى العمال عن بعض أجورهم من أجل القضية القومية أو الاشتراكية ولدعم التطور الاقتصادي بل ويشتغلون بلا أجور في مناسبات تضحوية، ولكن أجورهم هي سلعة مشتراة حسب إعادة تجديد قواهم وتجديد حياة أسرهم، فيما تمضي الفوائض للإدارة الحكومية بدلاً من الرأسمالي الفرد.
إن التجربة الروسية في تشكيل الرأسمالية الحكومية هي من أبرز التجارب في إظهار تماثلها مع الرأسمالية الغربية الخاصة، في الجوانب المشتركة، وهي إستغلال العمال، والعودة لقوانين القيمة والربح ووجود فترة تراكم بدائية أولية وغيرها، عبر واقع تاريخي مختلف، ومن خلال بنية اجتماعية مغايرة.
فحين تأممت المؤسسات الخاصة غدت جزءً من القطاع العام، الذي أمسك بشكل متدرج الاقتصاد، وكان السؤال الاقتصادي الأهم هو كيفية الحصول على الموارد أي الفوائض التي يمكن بها توسعة الإنتاج وتجديده على نحو كبير يلغي التخلف؟
إن القطاع العام المُصَّادر من طبقة البرجوازية قامت بإدارته قوى العمال، فتملكتهُ ونظمتهُ على نحو جديد، لكن قوى العمال الأمية كانت غير عليمة بالإنتاج وتوسعه، وتطويره، في المنشأة وعلى المستوى السوفيتي، فتراجعت الإدارة العمالية التشاركية الديمقراطية، وجاءت الإدارات البيروقراطية، وكان هذا أول دخول من الباب الخلفي للرأسمالية الحكومية:
(أرغم لينين عام 1918 على القول بأن ” الإدارة الفردية هي الأكثر نجاعة” في الصناعة. وبحلول عام 1920، طلب استبدال إدارة اللجان بإدارة الأفراد، رغم اعتراضات اتحاد العمال وأعضاء الحزب، هذا رغم أن لينين نفسه كان ضد البيروقراطية.)، (7).
(كذلك قامت التعاونيات بتشغيل عمال مأجورين مبررة ذلك بتخريجات نظرية، إلى جانب تبرير تفارق الأجور. كان ستالين قد تحدث للمدراء عام 1931 قائلاً:(علينا وضع حد للمساواة البرجوازية الصغيرة. إن التفارقات ضرورية للوصول إلى نجاعة أعلى في مجتمعنا الإشتراكي)، (8).
إن تراكم الفوائض من القطاع العام لم يكن يكفي لإحداث التحولات الجذرية في الصناعة، رغم أن التأميمات مثلت شكلاً من أشكال التراكم البدائي، وامتدت إلى سرقة الأموال الشخصية للملاك وسرقة دور العبادة المسيحية، لكن جاء التراكم البدائي الأوسع عبر مصادرة أموال وأراض أغنياء الريف، وإحداث التجميع التعاوني الزراعي بالقوة، وهذا مكن الدولة من الحصول على موارد كبيرة، لخلق الصناعة الثقيلة.
وإذ قامت تجربة الرأسمالية الحكومية على نهب الأغنياء لكنها لم تـُغني الفقراءَ كذلك، فظلت الأجورُ بمستوى متدنٍ طوال عقود من التجربة السوفيتية، وكان بقاء الإدارة العمالية الديمقراطية يعني الاهتمام بهذه الأجور وبرفعها، وكذلك ببقاء السوفيتيات كشكلٍ ديمقراطي للحكم، وكذلك بقاء وانتشار الثقافة العقلانية والديمقراطية الماركسية، لكن كل هذا مُنع لتصاعد دكتاتورية الإدارات البيروقراطية الحكومية.
كان جعل الجماهير العمالية تعيش في الفقر يتم من خلال اليافطات الحماسية، وكان إبقاء الأجور على هذا المستوى المنخفض يعني حدوث تقدم صناعي كبير، وكذلك يعني صعود الإدارات الحكومية فوق ظروف طبقة مغايرة أفضل حالاً نبسياً وقتذاك لأنها ستنمو بصورة كبيرة فيما بعد، فتنفصل عن العمال، وتكون طبقة رأسمالية داخل أجهزة النظام.
إذا رأينا كيفية تشكيل الرأسماليتين الغربية الخاصة والحكومية الشرقية، فإننا رأينا بشكلٍ خاص نمو الرأسمالية الشرقية ومثالها كان الاتحاد السوفيتي، وكيف أن قوانين الرأسمالية العامة راحتْ تتجسدُ على الأرض، خاصة قانون التراكم البدائي، الذي لعب دوراً في تجميع الفوائض الكبيرة وإنتزاعها من المنتجين لتشكيل التصنيع الواسع، وترافق مع ذلك تحديث الريف ومكننته، وهو شرط هام آخر، لعدم العودة للإقطاع. وهو أمرٌ طبقته التجربة الصينية في زمن وظروف أخرى.
ومهما كانت شعاراتُ الحكم فإن الاقتصاد له سببياته المستقلة في النمو، وتكوين المصانع وخلق شبكة هائلة منها، وتنويع السلع، هذه كلها جوانب تنموية تقدمية، لكن في النهاية تغدو البضائع هي الأساس، وعمليات تسويقها، وتنافسيتها، وقدرتها على اختراق الأسواق المحلية والعالمية.
إن الهياكل البيروقراطية تؤدي إلى تخلف البضائع وتدهورها، فالسكان مضطرون لشراء السلع الرديئة حيث لا تأتيهم سلعٌ خارجية، وتقوم الدولة هنا بسرقة المنتجين والمشترين على حد سواء.
فالعمالُ يصنعون هذه البضائعَ بأجورهِم الهزيلة ثم يشترونها بمبالغ كبيرة، ويُمنع هنا نقد البضاعة السيئة، وكذلك إحتجاجات العمال ضدها وضد الأجور المنخفضة!
هذا يقود إلى إستزافٍ اقتصادي، فالبيروقراطياتُ المعجبة بنظامِها الإنتاجي، تؤبدهُ ببقائِها داخل المؤسسات، وبالرشاوى التي تدفعها للصحافة أو لأعضاء الحزب، وبنظامها السياسي الذي يمنع التكوينات السياسية الأخرى، والتدقيق في العملية الاقتصادية السيئة.
إن تعرض البضائع للتدهور المستمر يتشكلُ من جانب آخر فوق تقسيم عمل دولي معين، أي في ظل شروط الصراع بين الرأسماليتين الخاصة الغربية والحكومية الشرقية، صراعٌ سبقت فيه الأولى الثانية بأشواط طويلة، وعبر شروط المنافسة وبتحكم السوق الحرة وعبر النمو المتدرج لقوى الإنتاج والتقنيات فيها، وعبر إستقلال الثقافة والعلوم عن هيمنة الحكومات.
إن خروج الرأسماليات الحكومية الشرقية من السوق الدولية لا يغدو خروجاً مطلقاً، فهو خروجٌ نسبي مؤقت، بسبب التنمية التسريعية لقوى الصناعة، ولكن ما تتوصل إليه من بضائع مُنتجة داخلها لا يحتك داخل سوقها الوطنية المنفصلة، ولا يتعرض للمنافسات، ولا يتطور عبر السوق، التي تغدو مثل بقية أدوات الاقتصاد كالمصنع والسلعة والإدارة مشكلة بطريقة سياسية فوقية.
هذا يؤدي لتدهور البضائع، ويتوقف تطور المصانع عند بناء المؤسسات الكبرى والبنى التحتية، ثم تتجمدُ العملياتُ الانتاجية، عاجزة عن التطور الرأسي، وتطوير قوى الإنتاج، ويؤدي ذلك لبقاءِ الأجور عند مستوياتها المنخفضة، والتركيز على بيع المواد الخام أو الأسلحة للسوق الخارجية، واتساع التهريب لأسواق هذه الدول، وتغدو المهربات سوقاً إستنزافية وأداة تعرية لجمود التطور التقني في الرأسماليات الحكومية.
وهذا ينعكس على حياة العمال، فمن الحماس للتجارب إلى خبوه، والعودة للدين الذي يمثل مانعة الصواعق في كل العصور، وإلى الأدمان، وعدم ظهور أجيال من عمال شباب ذوي ماهرات عالية وتقنيات رفيعة، واتساع الهوة التقنية والتنافسية بين الرأسمالية الغربية والرأسمالية الحكومية الشرقية.
وتؤدي السياساتُ الجامدة لمزيدٍ من التدهور في الإنتاج، كما تؤدي السياساتُ الذكية والمرنة لتطوراتٍ جيدة على مدى المقاربة مع قوانين إنتاج التشكيلة، ولهذا فإن خروتشوف حاول أن يغير من النظام الجامد على مستوى نقد الماضي، وتحريك الوعي النقدي في السياسة والفكر، مثلما حاول أن يغير الاقتصاد في نواح محدودة، واتجه أغلبها نحو إعادة الاعتبار لبعض قوانين إنتاج البضائع.
(علينا التأكد فيما إذا كان تمويلنا للسد العالي في مصر مربحاً أم لا. لا شك أننا نريد تقوية علاقتنا بأصدقائنا، ولكن هذا مجرد حديث سياسي بحت، حيث يجب أن لا نلقي بنقودنا في الهواء. علينا التأكد بأن المصريين قادرون على الدفع لنا من قطنهم الجيد ومن أرزِّهم)، (9).
(إن خروتشوف هو الأول الذي جعل من تحصيل أعلى معدل للربح هو الهدف الرئيسي للنشاط الإقتصادي، كما استخدم الحساب الرأسمالي “الكلفة – الفائدة” وتعديل الأسعار لتمكين هذه المعايير.)، (10)
ترافق ذلك مع آراء الاقتصادي السوفيتي ليبرمان الذي خفتت من المركزية وأعطت للمؤسسات الاقتصادية استقلالها ووضعت أهمية للسوق. لكن لم يترافق مع ذلك أعطاء الفرصة لظهور المؤسسات الخاصة، وإحداث ديمقراطية سياسية وفكرية، ويرتبط ذلك بسيطرةٍ هائلة للبيروقراطيات، التي رفضتْ خلال عقود المشاركة العمالية في ظل النظام، مما كون رأسمالية سوداء باطشة وعصابية، وهو الأمر الذي خفتتْ منهُ الحكومة الصينية، فأحدثتْ تدرجاً في التحول الاقتصادي.
لقد بدأ التحطيم المتدرج للسوق (السوفيتية) المُسيّسة، وللأدلجة البيروقراطية للماركسية، واصبحت العودة للسوق الدولية محتمة، مثلما العودة لقوانين الإنتاج الرأسمالية، فقال خروتشوف بضرورة (دخول السوق العالمية طبقاً لقانون القيمة الدارج في هذه السوق)، ورغم الردة في عهد بريجنيف إلا أن كوسيجين رئيس الوزراء أكد على ضرورة؛ (توجيه المشروع ليحقق نجاعة أعلى، ويبدو أنه من الأفضل استخدام مؤشر الأسعار).
لكن هذه التحولات الجزئية في نظام الرأسمالية الحكومية السوفيتية لم تعبر كذلك عن فهم طبيعة المنظومة السوفيتية، التي فـُهمت بأنها نظامٌ إشتراكي يعاني من بعض الاختلالات في طريقه نحو الشيوعية في حين إنه نظام رأسمالي حكومي ذو صعوبات كبيرة في التطور وفي فهم العملية الاقتصادية، ويحتاج إلى ديمقراطية عمالية كان قد فقدها في تلك السنوات الثلاثينية خاصة، ولأن العمال المتخلفين تقنياً وفكرياً ومستوى القوى الإنتاجية المتخلفة لا تبني الاشتراكية عامة وربما لو وُجدت كانت قد أصلحت بعض الشيء من الكوارث التي انفجرت في خاتمة المطاف.
اكتشفت الرأسماليتان الغربية الخاصة والشرقية الحكومية وحدتهما المشتركة عبر الصراع والتطور التاريخي المتداخل، وعبر التهام الطبقات العمالية بكل شكل ولون.
وما كان تبايناً شديداً تم رؤية نسبيته، وكونه مرحلياً في العملية التاريخية المشتركة، فليس النمطان سوى مرحلتين من تطور العملية الرأسمالية العالمية، قامت الأولى في ظلِ سيطرتها على المواد الخام والعمال والأسواق الواسعة، بشكلٍ مبكرٍ نظراً لظروفٍ خاصةٍ بالقارة الأوربية والقارة الأمريكية، وكان إنتاجها المتميز المتطور في القرنين 19 و20 هو ثمرة لتلك التراكمات على أصعدةِ قوى العمل والعلوم.
ولم يكن لحاق الرأسماليات الشرقية الحكومية تحت واجهات سياسية، وبدعوى رفض الطريق الغربي، نظراً لجراح الاستعمار وللجذور القومية والدينية المنتهكة من قبل القوة الأولى، سوى شكلٍ آخر للرأسمالية حاول اللحاق بالشكل الأول وتجاوزه والظهور بمظهر المجدد المتميز المختلف.
وكانت الرأسمالياتُ الغربية، التي ضمتْ كذلك رأسماليات خاصة فتية في قارةِ آسيا، قد دخلتْ في حقبةِ النصف الثاني من القرن العشرين عصرَ الثورةِ التقنية والمعلوماتية، وكان هذا العصرُ قد كشفَّ بوضوحٍ قيادة الرأسمالية الغربية – اليابانية للتطورين الاقتصادي والعلمي في العالم، وعجز الرأسماليات الشرقية بسيادات الدول البيروقراطية، عن اللحاق ليس بالمستوى الجديد من تطورها بل وحتى بالمستوى القديم.
ولم تكن هذه سيادة في الفراغ، بل كانت سيادة بضائعية متطورة من نوع جديد، وإستغناء عن الكثير من المواد الخام، وعن الكثير من المصانع القديمة، وهي كلها أمورٌ فجرتْ العديد من أغلفة الأنظمة الشرقية الاستبدادية.
أخذت التطوراتُ الجديدة تغزو المنظومات الشرقية المتعددة المستويات، فتتخلى هذه عن الاقتصاديات القديمة المتكلسة، وتحررُ أقساماً من الاقتصاد، وتسمح بقطاعات خاصة كبيرة، وتقوم بتقليد السلع الغربية المتطورة، خاصة في بلدان الصين وروسيا وجنوب شرق آسيا والهند والبرازيل وغيرها من الدول، وكما هي العادة فقد لعبت قوى العمل دورها في تفجير طاقات هذه الدول، ونقلها لمستويات تطور جديدة.
إن ضعف الأجور وتدنيها لعبَ مرة أخرى دوره في تفجير هذه الطاقات، وفي انتقال الثورة التقنية للدول الآسيوية ذات القوى العمالية الواسعة، والأسواق الكبيرة، وهذا أثرَّ بدورهِ على وضع العمال المتميز في دول الغرب.
قامت العديد من الشركات العالمية بالانتقال لدول مثل الهند تجد فيها حريات اقتصادية واسعة وقوى عمل هائلة ورخيصة ومتقدمة.
إن العملية الرأسمالية المتطورة بوصولها لدول الشرق اطلقت كبيرة فيها، وانتقل جانبٌ كبير من التحديث إلى الشرق، وبهذا حدث تداخلٌ على مستوى جديد بين الرأسماليتين العالميتين، وهو تداخل مباشر وعالمي مختلف، فلم تعد الرأسمالية المتطورة الغربية ذات مكان جغرافي محدد محصور برقعة جغرافية، بل صارت كونية، ولكنها كونية مرتبطة بالأجور وتدنيها، لا برتفاعها وتطورها، إلا إذا اعتبرنا أن العمال في بعض دول الشرق حصلوا على أجور مترفعة قياساً لما تقدمه الرساميل المحلية.
لكن هذا التداخل بين الرأسماليتين العالميتين يمثل حلقة جديدة من التطور التاريخي للمنظومة الرأسمالية المعقدة والمركبة، فنحن هنا أمام رأسمالية ذات مستوى متطور ورأسمالية ذات مستوى متخلف تصطدمان بقوة خلال بضع سنوات، مما ولدت ظاهرات بالغة الحدة والثراء والتنوع والخراب كذلك!
كوكبان يصطدمان ويولدان جسماً ثالثاً، قد يكون مسخاً وقد يكون وليداً جديداً ذا تكوين انتقالي لرأسماليات حكومية ديمقراطية، يلعب فيها العمال دوراً مغايراً مختلفاً عن دور البقرة الحلوب ويشاركون في الحكومات على أساس كونهم ممثلين للطبقات العمالية بشكل حقيقي وليس أدوات للطبقات الاستغلالية المتوارية تحت يافطتهم.
وفيما تزدهر الهند بشركات التقنية المتطورة، فإنها لا تزال تعيش ريفاً إقطاعياً متخلفاً، فيما تغدو الرأسماليات الحكومية على نمط روسيا والصين أكثر قابلية للتطورات الثورية في وسائل الإنتاج العصرية، فيما تتزعزع بعضُ الرأسماليات الغربية الكبرى. يطلق زعيمٌ ألماني من جمهورية ألمانيا الاتحادية على الرأسمالية في بلده بأنها (رأسمالية الجراد!)، ويقول:
(في الآونة الأخيرة بلغ هذا التناول الانتقادي الجديد للرأسمالية ذروته في سلسلة من الهجمات التي شنها زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي فرانتز مونتيفيرينج . فقد اتهم رجال الأعمال الذين ينقلون الإنتاج إلى الدول ذات الأجور المتدنية بأنهم يؤكدون بهذا على فرط جشعهم وافتقارهم إلى الإحساس بالمسئولية الاجتماعية. ثم شبه مديري صناديق الأسهم الدولية بوباء الجراد الذي يحتل الشركات ويستغلها ثم ينتقل إلى غيرها بعد أن يكون قد أتم عمله التخريبي وأجهز عليها.)، (11).
وفيما تقوم الرأسمالياتُ الخاصة بتطور جديد في دول الشرق المنهكة من السيطرات الحكومية، فإن الرأسماليات الخاصة بحاجة للتغييرات الشعبية والحكومية الديمقراطية في الغرب.
مسارات مختلفان، ومركبان، يرسمان حركة تاريخية مختلفة للرأسمالية العالمية، لا تبدو لنا الآن سوى بضع ملامح من تكوناتها.
الرأسمالية الحكومية الصينية
تمثل الصين تجربة تاريخية فريدة وغريبة، فهي خلافاً لما كان يُسمى(الدول الاشتراكية) والتي لم تستطع القيام بقفزة صناعية كبرى بفضل مواردها السلمية، أستطاعت أن تصل لمستويات الدول الكبرى الصناعية في خلال نصف قرن.
يقول أحد المسئولين الصينين:
(قامت الصين بدفع الإصلاح والانفتاح بكل الثبات على مدى الـ25 سنة الماضية، حيث تم بناء نظام اقتصاد السوق الاشتراكي وتكوين اقتصاد الانفتاح، وازدادت القوة الإنتاجية الاجتماعية والقدرة الإجمالية للدولة وتطورت جميع القضايا الاجتماعية على نحو شامل، وتم إنجاز القفزة التاريخية لمعيشة الشعب من حالة الكساء والغذاء إلى مستوى الرغيد بشكل عام. فخلال 25 سنة من عام 1978 إلى عام 2003، حقق الاقتصاد الصيني معدل النمو السنوي %9,4، وزاد كل من اجمالي قيمة الناتج المحلي (1400 مليار دولار) وحجم التجارة الخارجية (851,2 مليار دولار) واحتياطي النقد الأجنبي (403,3 مليار دولار) بـ10 و40 و2400 مضاعفة على ما كانت عليه في عام 1978. وحاليا، يتربع الحجم الإجمالي لاقتصاد الصين المكانة السادسة في العالم ويحتل إجمالي قيمة التصدير والاستيراد المرتبة الرابعة في العالم)، (12).
تشير عبارتا (تكوين السوق الاشتراكي) و(اقتصاد الانفتاح)، إلى الهيكلين اللذين رأيناهما في اقتصاديات الدول الشرقية عموماً، حيث جهاز الدولة الذي سيطر خلال عمليات التنمية والتغيير، وشكل القطاع العام، وكذلك إلى هيكل الاقتصاد الخاص.
لقد حاول ماو تسي تونغ أن يخلق اقتصاداً عاماً كلياً خالياً من الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وأن يقوم بقفزة اقتصادية على هذا الأساس وعارض بقوة ظهور وتوسع الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وكانت الثورة الثقافية التي قادها قد رفعت شعارات القضاء على البرجوازية، اقتصاداً وثقافة، وفي سبيل ذلك اضطهد الكثير من قيادات الحزب، لكن النزوع نحو ظهور البرجوازية كان قوياً في الاقتصاد والسياسة.
(في عام 1979، بدأت الصين تطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح، لاكتشاف طريق جديد للتنمية الاشتراكية ودفع التحديث بكل القوة) (من حديث السفير السابق الذكر)، أي أنه في هذه السنة تم حسم خيار التطور الاجتماعي الصيني، واتسع حضور القطاع الخاص جنباً إلى جنب القطاع العام المسيطر.
علينا أن نتجاوز مصطلحات القادة الصينيين ونحن نفسر مثل هذه التحولات الكبرى، فما قامت به الصين عبر ماو كان تشكيلاً لرأسمالية حكومية عامة كلية، وكانت الأجور المنخفضة، والتأميمات، والتعاونيات، وتوسيع الزهد والاكتفاء ب(صحن الأرز)الوحيد لكل صيني، والتي سُميت عبر الطرح السوفيتي ب(إشتراكية الثكنات العسكرية) كان تراكماً رأسمالياً أولياً، والتراكم البدائي قانون كلي عام في التجارب الرأسمالية غرباً وشرقاً، كما رأينا في التجربة الروسية، وهكذا فإن نشؤ الرأسمالية الحكومية كان قوياً، وواسعاً، عبر خلق قوى الإنتاج الكبرى والمؤسسات الاقتصادية الوطنية العامة، ثم توقف عن التطور النوعي نظراً لحبس الملكية الخاصة، وجمود الملكية العامة. أما كيف ظهر قادة صينيون من قيادة الحزب الشيوعي الصيني، وألغوا التجربة الماوية، فهو أمرٌ يظل غامضاً ولم يُطرح في الأدبيات السياسية الصينية بوضوح. لكن كان يظهر في المسار الصيني قوة التوجه القومي في الحزب، والبحث عن حلول للتطور الاقتصادي من خلال ظروف الصينيين، وليس عبر نسخ مستوردة، وكان الحزب يعيش بين الجماهير كالسمكة في البحر كما يقولون، فقام بتجديده الكبير من خلال هذا الاهتمام بمصالح نخب الحزب والدولة والجيش وبمصالح الناس، فزاوج بين القطاعين العام والخاص.
ولا شك أن البرجوازية التي حاربها ماو طويلاً وهجس بها موجودة داخل القطاع العام، وهي التي زاوجت وقادت تشكيل القطاع الخاص الهائل، لكن تظل الحكومة في يد المسئولين(الشيوعيين)!
ولا تستطيع هذه البرجوازية الحكومية – الخاصة، أن تقذف البلد في تجربة رأسمالية على النمط الغربي دفعة واحدة، ومن هنا فهي تتخندق في (الحزب الشيوعي)،الذي يجمع بين الملكيتين، ويرفع من مستوى معيشة الشعب، ويشكل كذلك فئات برجوازية مرفهة.
مذا يحدث للثقافة (الشيوعية) التي كانت تـُحفظ حتى لأطفال المدارس؟ تظهر المصطلحاتُ السابقة الذكر المزودجة تعبيراً عن كل شيء مزودج في الصين، وعن هذا الخيار الثنائي المعقد؛ إنها مصطلحات(اقتصاد السوق الاشتراكي)، و(سياسة الانفتاح).
فيتم تخفيف الحديث إن لم تـُـلغ تماماً الكلمات عن زوال الطبقات، وإزالة البرجوازية، وزوال الأجهزة الحكومية القامعة، وتنتشر ثقافة مزدوجة، ثقافة البرجوازية الحكومية المسيطرة وظلالها من ثقافة رجال الأعمال الغربية، وهناك ثقافة الشعب العادي الخافتة والذائبة في ظل سيطرة الطبقة الحاكمة بفرعيها العام والخاص.
وكما حدث للماركسية في روسيا عبر خفوتها وتحولها إلى نمطية بيروقراطية، يحدث هنا ذلك، مع بقاء (الماوية) كشكلٍ منافس للماركسية الحكومية وقد صارت ليبرالية شمولية.
يجادل بعض الكتاب اليساريين بأن ما تم في روسيا والصين هو تجربة إشتراكية، وأن ما يُسمى بإصلاحات الصين الأخيرة هو هدم لتلك الاشتراكية.
(هُدم الانجاز الاقتصادى التاريخى المتمثل فى الثورة الزراعية الصينية التى لم تحرر مئات الملايين من البشر فى ذلك البلد من أسار العلاقات الاقتصادية الاقطاعية فى منتصف القرن العشرين فحسب، بل نقلتهم فى النهاية الى اعتاب الاشتراكية؛ وكيف تم هذا الهدم بصورة فوضوية تحت دعاوى نظرية تطوير القوى المنتجة تحت ستار تحقيق “اشتراكية ذات خصائص صينية”، ذلك الشعار الذى صار مثاراً لتهكم العمال الصينييين الذين حرّفوه الى شعار ” بل هي رأسمالية ذات خصائص صينية”. فبعد شروع الحزب الشيوعى الصينى فى التحول لبناء الاشتراكية فى الستينات من القرن الماضى كان جوهر الصراع، فيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية، داخل الحزب والدولة فى الصين هو صراع بين دعاة نظرية تطوير القوى المنتجة كيفما اتفق، والمدافعين بقيادة ماو عن ضرورة التغيير الاجتماعى الجذرى لاحداث ثورة فى القوى المنتجة. كان هذا جوهر الصراع، الا انه ظل، بين الفينة والاخرى، يبرز متستراً بأشكال مختلفة من الخلافات الفكرية والآيديولوجية.) ، (13).
إن تشكيل الرأسمالية الحكومية يبدو بشكل إشتراكي، وقد عملت لبناء ذلك الشعار القوى العمالية والفلاحية بتضحيات جسيمة، ولكن أشكال حكم هذه القوى الشعبية التي ظهرت في بدء الثورة يُلغى لصالح الأجهزة الحكومية، وهي التي تقود عملية الرسملة، مثلما جرى ذلك في التجربة الروسية وأن كانت الصين أقل دموية وأكثر اهتماماً بشعبها وبعدم الخوض في صراعات عالمية ذات خسائر جسيمة، ومثلما جرى ذلك في تجارب التحرر الوطني، والبناءات الوطنية المغلفة بمصلحة الشعب والقومية والدين ثم تكشفت هوياتها الحقيقية.
ولهذا فإن الحديث عن جمهورية الصين الديمقراطية ذات التعددية، لم يستمر طويلاً بل هيمنت اللجان العليا في الحزب الشيوعي الصيني على المجتمع، وتحولت لجنين قيادة الرأسمالية بشكليها العام والخاص.
لقد حدث المسار الديمقراطي بشكل وميض سريع أثناء شعارات مثل(دع مائة زهرة تتفتح)، ولكن نشؤ الملكية العامة والإدارة العامة والحزب الواحد يؤدي إلى الرأسمالية الحكومية البيروقراطية بشكل عادي كما جرى في التجارب ذات التركيزين الاقتصادي والسياسي الحكوميين.
فتنبثق الرأسمالية الخاصة كحل لانسداد الطريقين السياسي، بغياب مشاركة العمال في الحكم ومنظماتهم، وكانسداد اقتصادي بسبب تحجر الملكية العامة.
إذن (دكتاتورية البروليتاريا) في الشرق هي شكلٌ من أشكال نمو التجربة الرأسمالية الحكومية، ولو أنه انبثقت تجربة ديمقراطية شعبية حقيقية وحافظت على النمو الاقتصادي المتصاعد وكذلك على المشاركة الديمقراطية لمختلف القوى الاجتماعية، لحدث الوصول إلى رأسمالية دولة ديمقراطية، وهي شكلٌ أولي لظهور الاشتراكية. لكنها تفتقد هنا عوامل القفزات والتسريع الذي تطلبه كل قومية عملاقة ذات مصادر طبيعية غنية وشعب هائل والتي يقودها حزب واحد دكتاتوري عموماً.
بمعنى أن (رأسمالية الدولة) الديمقراطية لا تصبح مجرد حصالات لظهور الرأسماليين من قنوات الحكم كما يحدث في دول الشرق عموماً، بل تتم مراقبة الدولة وأجهزتها بشكل شعبي، وتظهر رأسمالية خاصة في النور ولكن أملاك الناس العامة يتم الحافظ عليها وتطويرها.
ولكن الدكتاتورية الشخصية لماو والسياسية للحزب والاقتصادية للقطاع العام، جعلت هذا مستحيلاً، وكرست ثقافة سياسية مسطحة ذات لون واحد.
الآن يبقى مسار جمهورية الصين المستقبلي غامضاً، فرغم النتائج الكبيرة في الإنجازات الاقتصادية والاجتماعية، فإن التطور غير مراقب من قبل الجمهور، والبلد تفتقد إلى الأحزاب والصحافة المختلفة مع الدولة والحريات الديمقراطية بشكل عام.
والإنجازات إذا لم تراقب فإنها تضمرُ بعد سنين وتتحول الفوائض الكبيرة للحصالات الخاصة، وللتبذير.
ويتراكم الفقراء والمعوزون والعاطلون في جانب وتتضخم الملكيات الخاصة للرأسماليين، ثم يحدث صراع كبير حاسم، أما بإستكمال مسيرة رأسمالية الدولة باتجاه ديمقراطي إشتراكي أو يغدو المجتمع رأسمالياً صرفاً، تتفجر فيه صراعات قومية واجتماعية حادة.
وما دامت الدولة قادرة على توفير العمل للأغلبية وهي أغلبية هائلة جداً، فإن الناس سوف تسير وراءها، وإذا وجدت في أجهزة الحزب والدولة قوى تواصل النهج الاشتراكي الديمقرطي فإنه سوف تقلل من الكوارث التي سوف تحدث في حالات الاستقطابات الاجتماعية في بلد واسع وخطير مثل الصين.
الرأسمالية الحكومية في الهند
رغم ضخامة السوق الوطنية الهندية، وكثافة القوى العاملة ذات الأجور الزهيدة، فلم تستطع الهند القيام بتجربة مماثلة للرأسماليات الحكومية في كل من الصين وروسيا، وقاربت تجربتها تجربة بعض الدول العربية كمصر، رغم توجهها لحكم علماني ديمقراطي.
يعود ذلك للطابع المسالم لتجربة حزب المؤتمر والتي كانت تعني تداخلات بين الفئات الوسطى القائدة لهذا الحزب وطبقتي الإقطاعيين الزراعيين والدينيين، وهو أمرٌ ماثل حراك الفئات الوسطى المصرية منذ الوفد حتى الضباط الأحرار، ومن هنا جاء اللقاء في كتلة عدم الانحياز.
لكن مسائل التشابه تعود لقضايا أكثر تعقيداً وبشكل أوسع وبطريقة تلاق غريبة، فقد قام حزب المؤتمر بعد الاستقلال عام 1948، بتأميم صناعات عديدة وأنشاء القطاع العام في العديد من الصناعات، في مشابهة أخرى للتجربة المصرية.
يقول تقرير عن المشكلة الاقتصادية للهند بالرؤية التالية:
(ويرى كثير من الخبراء الهنود والأوروبيين أن هذا النمط التنموي الموجه ظل يعمل بكفاءة طيلة فترة حكم نهرو، حيث نجح في خلق قاعدة صناعية واسعة ومتنوعة، فضلا عن تحقيق قدر كبير من الحرية للاقتصاد الهندي في مواجهة التبعية الخارجية. ويذهب البعض إلى أن الفضل في ذلك يرجع إلى ما كانت تتمتع به النخبة الهندية في ذلك الوقت من رؤية للتحديث، مما ساعدها على التوظيف الأمثل لموارد الدولة المتاحة واستثمارها في القطاع العام الصناعي. ومع هذا تظل نقطة الضعف الأساسية في هذا النمط التنموي في أنه لم يكن مصمماً على افتراض ضرورة التصدير للأسواق الخارجية، استناداً إلى اتساع السوق الداخلي الهندي والوفاء باحتياجاته من السلع والخدمات. وبالتالي فإن بؤرة تركيزه انصبت على تحقيق طفرة إنتاجية كمية وليست نوعية عالية للصناعة الهندية، وهو ما أدى بدوره إلى ضعف قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية.) ، (14).
رغم صوابية هذه النظرة إلا أنها تبقى جزئية، فالقضية أكبر من ضعف القطاع العام الصناعي، فالثورة الصناعية تفترض ثورة في الإنتاج الزراعي وتغلغل المكننة في الريف، وهذا ما لم يحدث، بل تـُرك الريف في تخلفه وبسيادة الإقطاع داخله، وبكل فسيفساء القوميات وهيمنات رجال الدين الكثيرين والسحرة وغيرهم وهذا أمرٌ ينفي الثورةَ العلمية الرديف الثقافي للتصنيع في المدن والأرياف. وبهذا فإن المدنَ الهندية الكبرى تعرضتْ لموجاتِ الهجرة من الريف نحوها وملئها بالعمالة الرثة وببحر من المقتلعين والمهمشين وبمدن الصفيح، فنجد شيئاً من المشابهة هنا كذلك مع الاقتصاد المصري والعديد من إقتصاديات الدول العربية والإسلامية.
وبدلاً من ذلك لجأت الحكومة الهندية إلى عمليات واسعة لاستصلاح الأراضي حققتْ شيئاً من الفوائض الزراعية لسنوات، لكن الإنتاج الزراعي ظل راكداً.
إن فشل القطاع العام الصناعي كان متوقعاً، أولاً بسبب جزريته وسط المحيط الزراعي الحرفي القروي، وثانياً لضعف الموارد التي كانت سوف تأتي من عمليات إصلاح الريف، وثالثاً للفساد والبيروقراطية داخل هذا القطاع.
وبهذا فإن تجربة (الإشتراكية) الهندية استنزفت الموارد وعجزت عن القيام بتحولات جذرية في القطاعات الاقتصادية الكبرى، فحصلت أحزاب اليمين على فرصة لرفع شعارات الخصخصة، وتغيير التحول الاقتصادي بجهات جديدة.
إن الهند وهي تشكل نظاماً إنتخابياً حراً، لم تستطع أن تقوم بإصلاحات شبيه بإصلاحات ستالين وماو، في إستنزاف الريف وإستخراج الفوائض منه، لتوسيع الصناعات الكبرى، ولم يكن ذلك ممكناً عند أقطاب المؤتمر وأساسهم الاجتماعي البرجوازي الوطني، فحاول المؤتمر أن يوازن ويحتفظ بدور الأب السياسي الراعي للطبقات المحافظة، والفقيرة على حد سواء ، وهذا محالٌ إلا في فترةِ توازنٍ اقتصادي مترجرجة بين الطبقات الأساسية، لكن الطبقات الفقيرة تنمو بمعدلات هائلة، والتصدير ضعيف، والصناعات مُستنزفة بيروقراطياً، فكان مجيء اليمين والأحزاب الهندوسية الدينية، والتوجه لتصعيد دور القطاع الخاص، كقيادة للاقتصاد. وقامت هذه بإجراءات الخصخصة الواسعة بدءً من أوائل التسعينيات.
لكن مقاومة القوى البيروقراطية والنقابية العمالية والتقدمية كانت تتصدى لعملية بيع القطاع العام أو إلغاء دوره، وأيدت عملية إزدواجية القطاعين، فتنامت إجراءات الخصخصة والتحولات الانفتاحية:( وقد كان التدرج والحذر هما سمة التحول، وليس أدل على ذلك من أن قطاع التأمين لم يتم تحريره أمام المستثمرين الأجانب إلا في أوائل عام 2000، كما لم يتم التحرير الكامل لسعر صرف الروبية الهندية إلا عام 1993.) ، (15).
إن الفئات البرجوازية التي تشكلت في القطاع العام وجمدته وجمدت الثورة الزراعية تحالفت بعد ذلك مع الفئات البرجوازية الجديدة الصاعدة من الأحزاب الدينية والبرجوازية الكبيرة، ومع القوى اليسارية أيضاً، لمواصلة وتوسيع تغلغل الرساميل الأجنبية، (من قبيل إعطاء حق التملك الكامل للأجانب في مشروعات(الطرق والسياحة والصناعات البترولية وتوليد الطاقة) أو الحق في تملك 49% من قطاع الاتصالات و51% في الصناعات الدوائية، فضلا عن كثير من القطاعات الأخرى التي أصبحت الموافقة عليها بصفة آلية مثل الكيماويات والتعدين والنقل والغزل والنسيج)، (16). وكانت العملية الأكبر والهائلة هي في خلق مراكز البرمجة والمعلوماتية.
لقد تهمشت الرأسمالية الحكومية بعد عقود الجمود، فقاد اليمين المتطرف الهند مرة واليسار مرة، في تناوب اجتماعي اختفى منه حزب الوسط التاريخي مؤسس (الإشتراكية) والرأسمالية الحكومية الهندية!
الرأسمالية الحكومية في أمريكا اللاتينية
تجربة كوبا
تداخل النضال من أجل التحرر الوطني بالنموذج الاشتراكي في كوبا تداخلاً شديداً، فلم يكن التخلص من الدكتاتورية السياسية السابقة يهدف فقط لمجتمع ليبرالي متحرر من السيطرة الأجنبية ومن حكم العسكر والإقطاع. كانت تحمل نموذجاً مبهماً ومضموناً راح ينمو بشكل عسير ومتحول وعنيف.
فكوبا تقع على بعد خطوات من أكبر دولة مهيمنة في العالم، وراحت تتحداها وتشكلُ نموذجاً مغايراً صلباً وذا حماسة ثورية فائقة!
وعلى الرغم من التغييرات الاجتماعية الثورية التي قامت القيادة الكوبية والمؤامرات الأمريكية الخارجية المستعينة باللاجئين إلا أن الحكم لم يتزعزع.
ثم أضيف إلى هذه التدخلات العسكرية تبدل المنظومة(الاشتراكية) وسيرها نحو خطوات تحولية مغايرة، أطلقت التعددية الحزبية والصحافة الحرة وحكم البرلمانات وكوبا رفضت ذلك كله!
وكان غياب الاتحاد السوفيتي سنة 1990 يعني على المستوى الكوبي زوال مساعدة تبلغ عدة مليارات من الدولارات تـُعطى سنوياً لجزيرة (المقاومة والحرية) كما يُطلق عليها!
ولكن غياب هذه المساعدات وتبدل التجارة الجيدة مع سوق الكوميكون (سوق الدول الاشتراكية) لم يقد كذلك إلى زوال حكم الحزب الشيوعي الكوبي ولا إلى انفجار اجتماعي كاسح من الشعب، رغم أن أزمة البلد الاقتصادية بدءً من أولائل التسعينيات كانت قوية مشهودة في المرئيات الإعلامية العالمية بصور الهاربين في القوارب والغارقين في المحيط والواصلين بعسر إلى شواطئ الدولة العدوة من جزيرة الحرية!
تعود صلابة الحكم في كوبا إلى قيامه بإجراءات اجتماعية جذرية، فقد سلم الأراضي الزراعية للفلاحين، وسلم المصانع والمتاجر للعمال، وصار هؤلاء المنتجون مالكين حقيقيين لقوى الإنتاج الرئيسية، ومسئولين عن منجزاتهم، وأي عودة للمنفيين الكوبيين يعني إستعادة هذه الأملاك، وبالتالي إحداث إضطراب مخيف. فجعل الحكم هذه الجماهير على مدى عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات مالكة ومسئولة ومعسكرة بمليشياتها وجيشها ضد أي تدخل أجنبي.
بل هي كانت تقدم خدماتها العسكرية عبر القارات وخاصة في أفريقيا وتساهم في دحر قوى معادية للثورات الوطنية فيها.
هذه الأحزمة الاقتصادية والسياسية والعسكرية مربوطة بأدلجة كفاحية مضحية زاهدة تجعل هذه الجماهير في حالة إستنفار دائم.
هذا الصمود الأسطوري تشكل على مدى العقود بلافتة النظام الاشتراكي، وهي لافتة تشيرُ إلى سير المجتمع الحتمي نحو زوال الطبقات والملكية الخاصة وأجهزة الحكم القسرية وما إلى ذلك من مصطلحات الرؤية (الماركسية – اللينينية) التبشيرية بتحقيق الاشتراكية بدون أدوات الرأسمالية.
إن هذه الرؤية الملتحمة بين الحرية الوطنية والإجراءات الاجتماعية التأميمة والإصلاحية الزراعية، غدت هي فكر الدولة ووجودها، وحياة الناس، وأي استعادة للأرض مثلاً من قبل المالكين القدامى من بين أصحابها المالكين الجدد يعني الحرب الأهلية، وسواء جاء الملاكون القدامى عبر التدخل الأجنبي أم عبر صناديق الاقتراع فإن الأمر واحد.
وتحولت هذه الرؤية والمصالح الشعبية إلى دولة لا تقبل برؤية أخرى وهي على خندق المجابهة المستمرة، فصارت الدولة هي دولة الرأسمالية الحكومية الوطنية، ولكن بعد لم يتحول موظفو الدولة إلى المالك الحقيقي، ويبعدوا الناس عن الفيء العام كما نقول بلغة الفقه الإسلامي.
وهذا الفيء صار تعليماً وعلاجاً مجانين في كل الظروف والمراحل، وهو أمر أدى إلى مزيد من التلاحم بين هذا الشعب الفقير الذي توزع عليه الخيرات العامة المحدودة بشكل متقارب، ولكن هذا لا يعني أن الوزارات لم تبدأ بالانفصال عن الجمهور، وأن الفساد لم يظهر.
ولكن تلك الرؤية المشار إليها سابقاً تصدعت في مركز إنتاجها في روسيا، وأنعكس ذلك ليس بشكل فكري فقط بل بشكل مالي حاد أيضاً، وتلك العقود المحمية بمساعدة الرفيق الأكبر انتهت، والأزمة الاقتصادية وصلت إلى كوبا بعنف.
وفي العقود السابقة وضعتْ كوبا أسسَ قاعدتها الاقتصادية، وتخصصت في إنتاج سكرها ومعدن النيكل والتكنولوجيا الحيوية والصناعة الطبية الالكترونية. وهي كلها لا توفر تطوراً واستقراراً أقتصاديين، ولهذا تنامى العجز وزادت مشكلات الفقر.
فـُطرحت أسئلة كبيرة على التجربة ومدى صحتها، وكيفية تجاوز مشكلاتها، وهل يتم التوجه نحو التجربة الروسية وتحولها أم تستمر كوبا على نفس النظام بدون تغيير أم يحدث الخيار الثالث وهو الخيار الذي أتبعته تجارب مثل فيتنام والصين؟ فكان الاتفاق على الخيار الثالث الذي يواصل تجربة مقاومة الجار الثقيل، وقد طرح سياسيو كوبا ومفكروها آراءً تؤدلج رأسمالية الدولة الوطنية هذه وتقول بأن الماركسية المتبعة لديها ليست جامدة بل تتطور عبر أزمات الواقع وتبدلاته، دون أن تلغي الأساس الاقتصادي الذي صار الهيكل العظمي للدولة، بل تحسنه لمزيد من الانجاز، كما أن الأساس الفكري للحكم وهو الاشتراكية سيظل متبعاً، وأن تفاوت الثروة المتصاعد لن يلغي هدف المجتمع لإزالة الطبقات، وبالتالي لن يسمح للقوى البرجوازية الصاعدة عبر هذه الإصلاحات في الوصول للسلطة. لكن كيف يتم زوال هذه القوى الجديدة المطلوبة اقتصادياً؟ وإلى أين ستوجه نموها؟ وهل سيبقى البلد بعد هذا بلد الحزب الواحد؟ وهل لن يحدث تداخل وتحالف بين القوى البيروقراطية المتحكمة في الأجهزة ومنافعها وبين هذه القوى المالية الجديدة؟
عموماً انطوت صفحة معينة من تاريخ كوبا وانفتحت صفحة جديدة ودخلت الرأسمالية الخاصة للاقتصاد المُسمى إشتراكياً.
ظهرت تغييرات كبيرة في الاقتصاد الكوبي بعد سنوات طويلة من تحكم الدولة في الهيكل الاقتصادي العام. فقد جرت إجراءات مالية واجتماعية كثيرة:
(شملت هذه الاجراءات فتح الباب امام الاستثمارات الاجنبية وتوسيع الشركات ذات الملكية المشتركة (بين الحكومة الكوبية والشركات والاستثمارت الاجنبية) وانتقال هذه من قطاع التصدير والاستيراد الى قطاع التمويل الاستثماري والقطاعات المحلية في الاقتصاد الكوبي. وقد أدت الازمة الاقتصادية الى التعجيل في علمية الاصلاع الاقتصادي الذي شمل العناصر التالية:
على مستوى التجارة الخارجية:
- انفتاح متزايد على رأس المال الاجنبي وازدياد عدد الاستثمارات المشتركة بين الحكومة الكوبية والشركات الاجنبية وتنشيط الاستثمارات الاجنبية (السياحة الدولية، صناعة الادوية، تطوير البيوتكنولوجيا، انعاش انتاج السكر). وقد لاقت هذه الاجراءات نجاحات كبيرة في معالجة الازمة والتصدي لآثارها المدمرة على المستوى الداخلي، كما شكلت محاولة منتظمة ومثابرة في انعاش الاقتصاد الكوبي وادخاله الى السوق العالمية.
- ازالة احتكار الدولة للتجارة الخارجية
- السماح بتداول العملات الاجنبية وتحديداً الدولار الاميركي وافتتاح المزيد من مكاتب صرف العملات الاجنبية تحدد سعر صرف هذه العملات على أساس العرض والطلب. وقد صُرّح للمشاريع الخاصة بالتداول بالدولار وتمويل ذاتها مقابل تحويل جزء من دخلها (بالدولار) الى خزينة الدولة. وتشكل الدولارات التي يرسلها المغتربون الكوبيون في الولايات المتحدة الى ذويهم في كوبا الجزء الاكبر من الدولارات التي غزت السوق الكوبية. إضافة الى ذلك، فقد سمحت الاتفاقيات التي عقدتها الحكومة الكوبية مع الشركات الاجنبية العاملة في كوبا، ان تدفع جزءا من رواتب الموظفين الكوبيين العاملين في هذه الشركات بالدولار.
- تعديلات في الهيكلية التنظيمية للدولة من اجل ضبط العلاقة في التعامل مع الشركات الثنائية والاستثمارات الاجنبية
- التعديلات القانونية التي صاحبت هذه التطورات الاقتصادية والتي كان من اهمها التعديل الدستوري في يوليو 1992 والذي اعاد تعريف “الملكية الاشتراكية”، والاقرار بظهور شكل جديد من الملكية، وتحديد الملكية وتغييرات اخرى داخل نظام التخطيط الاقتصادي.)، (17).
هذه عينة من التحولات الاقتصادية الصناعية والمالية خاصة التي جرت في كوبا، وهناك إجراءات في الزراعة التي تمثل جذور التجربة، فقد تم إلغاء سيطرة الدولة على الأرض، وهذا يعني إن ملكيات الفلاحين التي كانت شكلية أصبحت بيدهم فعلياً وقانونياً كذلك، كما عملت الحكومة على تشجيع التعاونيات الزراعية وهي إجراءات تشير إلى خوف الدولة من تنامي الفئات البرجوازية في الريف، بعد جعل تطور الملكية الخاصة قانونياً وفي وسيلة إنتاج مهمة وكبرى في الجزيرة.
إن الدولة الاشتراكية المفترضة هنا تقوم بتغذية نمو الطبقات المختلفة، فهذا سوف يقوم بخلق إزدهار للفئات الوسطى، ويوسع أعمالها، وتستفيد الحكومة من ذلك عبر الضرائب المستحدثة، وتنامي خزينتها، وقد عمقت ذلك أيضاً عبر إعطاء إستقلالية للمؤسساتها الاقتصادية، التي غدت حرة، وتتعامل مع السوق بشكل مباشر، وتنمي ماليتها المستقلة، وهو أمرٌ سيؤدي إلى تطوير الإنتاج والتقنية.
ولا تنعدم في مثل هذا الاقتصاد الخاص المتنامي حالات الفساد والتداخل بين الرأسمالين الحكومي والخاص، في ظل تنامي العمليات الاقتصادية المختلفة.
وبهذا يتشكلُ مساران اقتصاديان مختلفان، متضادان كذلك، ودرجة التضاد وعمقها تعتمد على إدارة الدولة، وهو شأن تقوم به وزارة التخطيط، وبهذا تكون تكونات الفئات الوسطى المالكة محسوبة، ومستثمرة من أجل تطوير القطاع العام.
لكن هذا يعتمد على الرقابة الشعبية والحرة، وهو أمر لا يتشكل في مجتمع بلا صحافة حرة وبلا إنتخابات وبرلمان حر، ومن هنا فإن العكس قد يكون هو المتواجد والمستمر، أي أن يقوم القطاع العام بتسريب أمواله إلى القطاع الخاص، وحين يصل القطاع الخاص إلى قوة كبرى فإنه يعيد تشكيل التجربة لصالحه.
(حقق الاقتصاد الكوبي في الفترة الواقعة بين العام 1994 و1999 معدل نمو سنوي يساوي 4.5 % . وفي العام 1995 كان النمو 6.2 %. وفي العام 2000 وصل النمو الاقتصادي إلى 5.6 %. وفي عام 2001 وصل إلى 3%، ولم ينم الاقتصاد أكثر من ذلك حتى الآن)، (18).
يشير هذا إلى نمو بطيء ومهم وإلى توقف عن التطور اخيراً، فسيطرة الدولة وحجم الاقتصاد ومواده لا تسمح بأكثر من ذلك، وظلت الخدمات الصحية أفضل خدمات صحية على مستوى العالم، وأكبر عدد من الأطباء قياساً للسكان. ولكن بدأت المجانية الكلية تختفي، وبدأت رسوم على بعض الخدمات.
إن شعارات مختلفة تنمو في المجتمع الكوبي، فالشعارات الاشتراكية ومؤسساتها تخبو، والشعارات الرأسمالية تتصاعد، ولكن نموذج رأسمالية الدولة الوطنية أنتصر ليس على مستوى كوبا بل على مستوى أمريكا اللاتينية التي بدأت بعض بلدانها بإصلاحات عميقة دون أن تتحول الدولة إلى دكتاتور كما في كوبا، وهو ما يشير كذلك إلى أن القارة اللاتينية سوف تصبح سوقاً موحدة ذات خصائص متقاربة، مستقلة عن الهيمنة الأمريكية الشمالية، وسوف تتغلغل الحريات السياسية والفكرية في كوبا أيضاً، ويتشكل نظام جديد مرتكز كذلك على الماضي الثوري.
بقية تجارب رأسماليات الدول في أمريكا اللاتينية
عبر صعود اليسار في أمريكا اللاتينية وإستلام العديد من الأحزاب القومية الاشتراكية واليسارية الديمقراطية عن تنامي حركة التحرر الوطني والتوحد والإصلاحات الاجتماعية في هذه القارة، وهي كلها معانٍ متداخلة معبرة عن تبدلات في هذه القارة.
فمنذ الانفصال عن الاستعمارين الأسباني والبرتغالي والقارة في عملية ديناميكية لإزالة التكوين الإقطاعي الشديد التخلف والجمود، خاصة في ملكية الأرض، ثم واجهت ككل وبصور مختلفة هيمنة الحكومات الأمريكية الشمالية، التي كرست حكم القوى الإقطاعية والكمبرادور وخصصت القارة لإنتاج المواد الخام، وظهرت في خلال ذلك فئاتٌ وسطى واسعة، راحت تطرح رؤى ليبرالية ويسارية عديدة بهدف التغيير الاجتماعي الذي تحقق بأشكالٍ بطيئة ومتضادة، وظهرت تجاربٌ قومية تحررية على أساسٍ استبدادي غالباً وكانت هي أقوى التجارب وما زالت تتمظهرُ حتى في حكومات اليسار الأخيرة.
عبرتْ هذه المضامينُ الاجتماعية القلقة المتتالية عن هواجس مشتركة لدى(اللاتين) في الاستقلال عن هيمنة القارات الأخرى، وعن تكوين قارة متحررة ذات سمات قومية متقاربة، يجذرُ ذلك الأصولُ العرقية التي يؤسسها الهنودُ الحمر المنتشرة في القارة، والأصول القرابية الاستعمارية لشبه الجزيرة الأيبرية، (الأسبانية – البرتغالية)، وهو ما يؤدي إلى إنشطار اجتماعي بين الفلاحين الهنود والأرقاء السابقين، والأقليات البيضاء، التي تشكل غالبية الفئات الوسطى والحكام غالباً، وما يؤسس ذلك الوحدات الوطنية لدى كل شعب، وبمدى تغلغله في عملية الثورة الديمقراطية وحدوث الإصلاحات في الريف وتطور العمال في المدن، وتنامي الصناعات التحويلية غالباً، وهي كلها أمور تخلق تنام للوعي السياسي الديمقراطي.
لم تستطع أمريكا اللاتينية أن تخلق تجربة (إشتراكية) على غرار روسيا والصين، الدولتين الكبريين، تعيد تشكيل التخلف بصور قاسية وسريعة، إلا في كوبا التي عجزت عن ذلك بسبب صغرها وضعف مواردها الاقتصادية وقلت قواها السكانية، وكونها جزيرة مفصولة عن بحر القارة الواسع.
ومن هنا كانت كوبا تمثل هاجساً سياسياً لكل أمريكا اللاتينية وتحريضاً مستمراً على القفزة الاشتراكية المنتظرة وعلى التحرر الناجز والعداء المطلق للولايات المتحدة الأمريكية.
ومن هنا ظهر الرافدان الأساسيان لحركة التغيير في العقد الأخيرمن القرن الماضي وتصاعد حضورهما في بداية هذا القرن، وجاءا من مصادر فكرية واجتماعية متداخلة مركبة معقدة بطبيعة هذه القارة.
كانت التأسيس اليساري القومي الشمولي من الحركات الأولى في القرن الماضي زمن الخمسينيات، وخاصة الحركة (البيرونية)، التي قامت بخلق تغييرات اجتماعية نقلت البلدان اللاتينية درجة جديدة من الصراع الاجتماعي وغدت نسخة مطبقة في بلدان عدة؛ حيث قامت حكومات لاتينية متعددة بتأميم بعض مصادر الإنتاج الرئيسية، ووزعت بعض دخولها على الجمهور الأكثر فقراً، وخلقت بهذا شعبية حماسية للتغيير.
وتمثل هذه الحركات (الاشتراكية) العسكرية والحكومية بداية لصعود رأسمالية الدولة الوطنية، مرتكزة على قيادات قادمة من الطبقات القديمة المسيطرة وتنحو باتجاه تحويل اجتماعي نهضوي يفكك العلاقات الإقطاعية المتحكمة في النسيج الاقتصادي خاصة، ويدعم هذه السياسة العاملون اليدويون والفلاحون بدرجة خاصة، ومن ثم فهي حركات لا تعتمد على تطور عميق في قوى الإنتاج، مما يقود إلى عجوزات مالية وأرتفاع للأسعار وهبوط للأجور، وبالتالي لا تجد هذه الحكومات العسكرية الشمولية، ذات الجمل الثورية الحماسية، آفاقاً كبيرة للتطور، وتسقط بانقلابات مضادة، ويستولي على الحكم ممثلو الطبقات القديمة وممثلو الفئات الوسطى الموالون لهم. وتنتشر في القارة معادة اليسار والشيوعية وتتوسع هيمنة الولايات المتحدة وتكرس الأنظمة الموالية لها، ويصبح اليسار محاصراً في(كوبا) أو مُسقطاً بشكل دموي في (تشيلي) أو مُطارداً يعمل على حروب العصابات في الغابات الكثيفة بكل مآسيها وكوارثها وإنتصاراتها النادرة.
ومع سقوط الاتحاد السوفيتي بدأت التيارات اليسارية بالأزدهار، فقد سقطت مسألة المعسكرات الدولية المتصارعة، ولم يعد الجمود الاقتصادي والإقطاع الرث بمقبول حتى على المستوى الأمريكي عامة، كما أن التيارات اليسارية خلال العقود السابقة كانت قد أنتشرت في مراكز العمل والإنتاج، وغدت ذات جماهيرية في مناطق الفقر والهنود، كما توسعت الحريات السياسية التي ساعدت هذه القوى على الأنتشار بصورة أكبر، مع تخلي الكثير منها عن أفكارها القديمة؛ أفكار حرب العصابات، و(الماركسية – اللينينية) ورؤى الدولة الشمولية وبدأ إنتاج فكر ماركسي ديمقراطي يستحضر تجارب أوربا الشرقية والرؤى الديمقراطية الإنسانية الغربية خاصة تجارب الاشتراكية الديمقراطية.
لكن مستوى هذا التمثل مختلف، فقد أبرزت تجارب صعود اليسار الرافدين سابقي الذكر، في مؤسسات الحكم، وعكست نهجين مختلفين في إدارة الاقتصاد وفي العلاقة مع الجمهور وفي تشكيل علاقة دولية ولاتينية.
يعبر مصطلحُ(اللاتين) عموماً عن الجذور الدينية الكاثوليكية، وهو أمرٌ يشيرُ للسيرورة التاريخية المغايرة لأمريكا الشمالية، حيث هناك قاد البروستانت الأنكليز والهولنديين والألمان تكوين القارة، فصعّدوا العلاقات الرأسمالية بقوة، خاصة إنها ليست ذات إرث إقطاعي، وغدت موحدة كذلك، في حين حمل اللاتين تراثاً ضخماً من الإقطاع، في قارةٍ مفككة، لم يذبحوا فيها الهنودَ كما فعلوا في الشمال، وهذه الأنسنة والمعاداة للرأسمالية وتحول الشمال إلى مسيطر ومشكل للرأسمالية، وهياج الوحدة القومية – الأممية اللاتينية، حملَ أرثاً (يسارياً) راح يتمظهرُ في كل مرحلة بأشكال.
عبّر الرافدان السياسيان المهيمنان على حكومات أمريكا اللاتينية اليسارية عن عقليتين مختلفتين، عن يسار قديم لم يتشرب الوعي الديمقراطي، وتيار آخر بدأ يدرك نسبية اليسار ومرحلية حكمه، وموقعه في تنشيط العمليات الاقتصادية الرأسمالية والدفاع كذلك عن مصالح الأغلبية الشعبية.
هذه الجدلية في تكوين هذا اليسار الجديد الحاكم لا تعني انتفاء النواقص، ولا التناقضات الاجتماعية، بين أن يكون حاكما وينشط علاقات إنتاج رأسمالية ويدعم قطاعاً عاماً ويعمل على زيادة الإنتاجية، بدلاً من نثر النقود والمعونات على الفقراء، وهو أمرٌ يثير اقصى اليسار، ويعتبره خيانة فيشكلُ يساراً مصارعاً منافساً!
تمثلت تيارات اليسار الديمقراطي في التجارب التالية:
(حزب العمال الموحد” بزعامة (لولا)، عامل الصلب والمناضل العمالى فى البرازيل، و”الحزب الاشتراكى الديمقراطى” بزعامة ريكاردو لاجوس ثم ميشال باشليه (ناشطة حقوق الإنسان) فى تشيلى، و”الحزب الاشتراكى الديمقراطى” فى أورجواى بزعامة تابارى فازكويز (المقاتل السابق فى حركة توباكوموراس). وهذه الأحزاب تتولى مقاليد السلطة فى بلادها حالياً. كما تشهد نيكاراجوا صعوداً متسارعاً لتحالفات يسارية من هذا النوع وإن كانت مازالت فى المعارضة حتى الآن ومرشحة بقوة لتولى زمام السلطة.)، (19).
إن ظهور هذه الأحزاب الحديثة وتحولها عن اليسار القديم ونشؤها من مناضلي حرب العصابات والمثقفين الاشتراكيين الديمقراطيين وطلوعها من مواقع الإنتاج والأرياف، لم يكن بدون أفكار إشتراكية جديدة ديمقراطية، تلاقحت مع النشاط العمالي، وغدت ذات أشكال ديمقراطية في تكوين مؤسساتها السياسية المعتمدة على غياب المركزية المتصلبة، وتعددية المنابر وتكوين وحدة سياسية عملية مؤثرة في الواقع، أي أنها راحت تعمل على فكر سياسي عملي في خدمة الجمهور وفي العلاقة الديمقراطية معه، وكان وصولها للسلطة ليس إنقطاعاً عن تلك العلاقات الجماهيرية، وعبر خلق تحولات لها، لا تضربُ كذلك قوانين الاقتصاد وترعب الشركات الخاصة، وهي تقدم أيضاً تغييرات يحسها الناس في حياتهم المعيشية، بدون الأدعاءات بالقضاء على الاستغلال.
وهناك اليسار القديم المتمسك بثوابت الصراع المطلق مع الولايات المتحدة، وتكوين تحالفات ضدها، وهو يعبر عن نمط تجارب الرأسماليات الحكومية التي كان مشروعها الأول إزالة الرأسمالية وإلغاء الطبقات والاستغلال، وتجسد ذلك في كوبا، وكما رأينا في موضوع سابق، كيف تجمدت التجربة وتحولت نحو نموذج مغاير، ونضيف هنا بأن التجربة الكوبية هي في قلب تجارب النضال القديمة والجديدة في أمريكا الجنوبية، فتجارب اليسار الجديد ترفض حصارها وتقدم المعونات لها رغم إختلافها الفكري عنها، ورفضها لطريقتها السياسية، في حين أن تجارب مثل التجربة الفنزويلية بقيادة شافيز تعتبرها هي النموذج وتقدم لها مساعدات كبيرة غدت مكان المساعدات السوفيتية السابقة.
يقدم لنا أحد الصحفيين المطلعين على تجارب الصراع بين نمطي اليسار ملاحظات نارية في تصوير هذا الصراع، ويكشف المحور اليساري الصاعد وخصمه الرئيسي، فقد برزت:
(مجموعة ثلاثية جديدة من زعماء أمريكا اللاتينية ـ الرئيس الكولومبي ألفارو أوريبي، والبرازيلي لويز إناسيو لولا داسيلفا، والمكسيكي فيليبي كالديرون ـ العازمين على القضاء على أباطرة المخدرات والحركات العصابية المسببة لزعزعة الاستقرار في أمريكا اللاتينية، فضلاً عن عزل زعيم الدهماء مُـحدث النعمة، الرئيس الفنزويلي هيوغو شافيز.)، (20).
إن السياسات الداخلية المعتمدة على الحكم البرلماني النزيه والقوانين التي تدعم نمو الرأسمالين العام والخاص، وبالتالي تقوم بتطوير الدخول الوطنية، تشكل في السياسة الخارجية سياسة تعاون سلمية غير مؤدلجة وغير مواجهة، بغرض تخفيف عملية التسلح والعسكرة وتوجيه الدخول نحو التنمية بصورة أساسية. وهذه تحتاج إلى علاقات حسنة مع كافة الدول بما فيها حكومات الولايات المتحدة المختلفة.
لكن مثل هذه السياسة تقابل بالرفض من قبل حكومات وتنظيمات يسارية أخرى، لا ترى نفسها إلا في مواقع المجابهة.
هكذا فإن رئيس كولومبيا عليه أن يواجه حرب العصابات التي يقودها (ثوار ماركسيون) وتجار مخدرات، ويتعاون مع الدول الأخرى ليضع حداً لمثل هذه التجاوزات.
(لقد بات محور أوريبي – لولا – كالديرون يشكل نفوذاً جغرافياً استراتيجياً لأن الأمور بدأت في التغيير في كوبا منذ سلَّم فيدل كاسترو الرئاسة رسمياً لأخيه راؤول. وأصبحت أمريكا اللاتينية مهووسة بهذا التحول، ويبدو أن أوريبي وكالديرون ولولا عازمون على عدم ترك الزمام لشافيز)، (21).
إن محور رؤوساء الجمهوريات هؤلاء يعبر عن صعود تلك العقليات الجديدة في اليسار اللاتيني، الديمقراطية في علاقاتها بالجمهور ودرايتها بقوانين التشكيلة الرأسمالية في لحظة صعودها الواسع الراهن وتناقضاتها المعقدة في تلك القارة، بما يعزز نموها ويبدل العلاقات الإقطاعية والأبوية والعشوائية في توزيع الدخول ويحافظ على معيشة الأغلبية، ولكنه في أول الطريق، فما تلبث قوى اليمين الليبرالي أن تمسك بزمام السلطات في وقت مغاير، لكن هذه المرحلة تتوجه للصراع مع اليسار الطفولي والدكتاتوري المتلفع بالرايات القومية والمعاداة الشكلية للرأسمالية.
لعل شافيز رئيس جمهورية فنزويلا يمثل نمط اليسار القديم الفاشل في فهم العصر والتحولات والمسبب للكثير من المشكلات لبلده ولمنطقته.
هناك إحتفاء به في الصحافة العربية السائدة بسبب إهتمامها باللغة الخطابية الانفعالية والفارغة في محاربة الأمبريالية ولبقاء الأنظمة التقليدية الدكتاتورية في منطقتنا، في حين إنها لغة تسبب في فنزويلا وفي أمريكا الجنوبية المتاعب للشعوب.
فبدلاً من مساعدة القيادة الجديدة في كوبا للتخلص من نهج الاعتماد على الغير والدول الأخرى، بإعتمادها على شعبها وإجراء تغييرات عميقة في النظام تبعدها عن هذا التسول التاريخي، يصر شافيز على بقائها بهذه الصورة الجامدة، وعلى غياب الديمقراطية والتعددية وحرية الصحافة، باعتبارها أحد المراكز المناؤة لأمريكا ولهزيمتها، وهو في سبيل ذلك يهدر أموالاً كثيرة ويصّعب وضع شعبه. لكن صعوباتها ومشكلاتها الاقتصادية كبيرة:
(وفي وقت سابق من هذا العام (2008) وافق وزير خارجية المكسيك على إعادة جدولة الدين الذي بلغ 400 مليون دولار أمريكي الذي تخلفت كوبا عن سداده.)، (22).
يجري الباحث المصري عمرو عبدالرحمن، مقارنة عميقة بالأرقام بين نظامي شافيز والنظام المكسيكي بالصورة التالية:
(النظرة السريعة تشير إلى تدهور مؤشرات النمو الاقتصادى والتنمية البشرية منذ مجيئ شافيز للسلطة في 1999 بشكل متواصل. وهو ما يتضح من مقارنة تلك المؤشرات مع نظيرتها فى المكسيك، التى شهدت واحدة من أدنى معدلات النمو فى القارة خلال الفترة ذاتها. فخلال السنوات السبع الماضية نما الاقتصاد المكسيكى بمعدل إجمالى 17.5% بينما لم يحقق الاقتصاد الفنزويلى أى نمو على الإطلاق. وفى الفترة بين 1997 و2003 نما الناتج المحلى الإجمالى المكسيكى بنسبة 9.5% على مدى الفترة، بينما انكمش الاقتصاد الفنزويلى بمعدل 45%. وفى المدة بين 1998 و2005 فقد البيزو المكسيكى 16% من قيمته بينما هبطت قيمة البوليفار الفنزويلى بنسبة 292%. وبين عامى 1998 و2004 تقلص عدد الأسر المكسيكية التى تعيش فى فقر مدقع بنسبة 49% فى حين ازداد عدد الأسر التى تعيش فى فقر مدقع فى فنزويلا فى ذات الفترة بنسبة 4.5%. أما من حيث معدل التضخم، فقد قدر بـ3.3% فى المكسيك فى عام 2005 فى حين بلغ نظيره فى فنزويلا 16% فى نفس العام. ولم تمنع هذه الأزمة المالية المستحكمة شافيز من التوسع فى عقد صفقات السلاح مع كل من روسيا وأسبانيا.).
يتبلور النهجان في كون النهج اليساري الديمقراطي لا يضحى بالحريات الاقتصادية والثقافية والسياسية من أجل التنمية، بل يمزج بينهما في توليفة صعبة، تجعل الحكومات من هذا النوع معرضة لمناورات أقصى اليمين وأقصى اليسار، ومن أجل تحقيق خططها في التنمية تجعل الجمهور مشاركاً ومتحملاً المسئولية وتجعل خططها وأعمالها مكشوفة للبرلمانات والصحافة، ولكن عبر هذا يجب أن تحقق ما وعدت به الناخبين من تطور معيشي ونمو في مداخيل السكان وتقليص للبطالة.
أما حكومات اليسار القديم فهي تفرض سيطرة مغايرة على البرلمان والصحافة، وتعود جذور ذلك للبيرونية وهي النزعة السياسية القومية الشمولية والمعادية كذلك للاستعمار والمؤيدة للتأميمات على غرار التجارب العربية(القومية)، ولم يتورع بيرون عن قمع الجمهور وخاصة العمال والقيام بمجازر.
وهذه النزعة على الطريقة الكوبية لا تقبل بالمعارضات، وتقود في نهاية المطاف إلى العجز الاقتصادي لهذه الأنظمة.
(أما إيفو موراليس فى بوليفيا فهو قادم من خلفية شعبوية قحة تدافع عن زراعة نبات الكوكا السام والذى يستخدم فى إنتاج الكوكايين تحت دعوى الخصوصية الثقافية لشعب الإيمارا الهندى الأحمر!)، (23).
مثل هذه الأنظمة عرفناها في منطقتنا العربية وقادت وتقود لكوارث جمة، لكن عبر شعارات فضفاضة عن القومية ومحاربة الأمبريالية.
لكنها تقوي التبعية باستنزاف المصادر الاقتصادية على السلاح والبيروقراطيات والمساعدات غير المبررة لأنظمة وحركات أخرى إستبدادية مثلها.
تتعدد سياسات اليسار الديمقراطي الحاكم في أمريكا الجنوبية، وأغلبها لا يتصادم مع مؤسسات النقد والأمم المتحدة والشركات الكبرى ويحاول تطوير الاقتصاد وحياة الناس من خلال أدوات أخرى لا تلغي عمل الحكومات الليبرالية السابقة، على غرار سياسة لولا رئيس البرازيل:
(ومع وصوله للسلطة استطاع من خلال هذه السياسات تحقيق فائض سنوى فى الموازنة العامة بالرغم من تباطؤ معدلات نمو الاقتصاد البرازيلى. ومن جهة أخرى، استطاع حزب العمال البرازيلى انتهاج سياسات اجتماعية مبدعة مثل التمويل الاجتماعى للعائلات حسب ارتفاع مستوى تعليم أبنائها وهى المبادرات التى كان حجر الزاوية فيها إدماج مؤسسات المجتمع المدنى. المحصلة كانت قفزة نوعية فى مؤشرات التنمية الاجتماعية مثل التعليم والصحة وخلافه)، (24).
تنوع اليسار الحاكم لو تم بشكل رفاقي يكون أمراً مفيداً، لكن ذلك لا يحدث وتصر وجهات النظر الشمولية فيه على إفشال التجارب الأخرى، ومهاجمتها، مما يقوض سياسات التعاون المشتركة بينها، ويجعل توحد أمريكا الجنوبية على أساس سياسات تقدمية ديمقراطية بحاجة لعقود.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش :
(1) توفى المؤلف ولم نعرف من اين استمد المصدر!
(2) انظر الهامش (1) .
(3) انظر الهامش (1) .
(4):( عن مقالة (روزا لكسمبرغ في مواجهة لينين، فؤاد النمري، موقع إيلاف).
(5): (الخبير الروسي الاقتصادي (ستانليسلاف مينشكوف) : فقرة من كتابه تشريح الرأسمالية الروسية).
(6)(المصدر السابق).
(7): (عادل سمارة (السمينار الفكري الذي عُقد في بروكسل حول التجارب الشيوعية سنة 1995).
(8): (السابق).
(9): (السابق).
(10): (السابق )
(11):(فيرنر– سين ، مدير معهد Ifo للبحوث الاقتصادية في ميونخ).
(12): (من كلمة السفير ووسيكه في مؤتمر ” الصعود الصيني” الذي أقامه مركز الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة).
(13):(من مقالة للسيد محمود محمد ياسين، موقع الحوار المتمدن.).
(14):(من (موقع المعرفة، تطورات الاقتصاد الهندي، بقلم عبدالرحمن عبدالعال).
(15):(السابق).
(16):(السابق).
(17) (مسعد عربيد، مستقبل الاشتراكية في كوبا، الحوار المتمدن).
(18):(السابق).
(19):(عمر عبدالرحمن، موقع البوصلة).
(20):( موقع الصحيفة الاقتصادية الإلكترونية).
(21):(السابق).
(22):(السابق).
(23): (موقع البوصلة).
(24) : (السابق).
꧂ الفصل الثالث
الرأسماليات الحكومية العربية والإسلامية
الرأسمالية الحكومية المصرية
كانت للتدخلاتِ الحكومية في الاقتصاد جذورٌ موغلة في القدم في مصر، وفي العصرِ الحديثِ ظهرتْ من خلالِ محمد علي، وتتوجتْ في العهد الناصري، الذي شكلَ قطاعاً عاماً كبيراً.
(وكانت أبرز هذه السياسات قانون الإصلاح الزراعي في سبتمبر 1952، والاتجاه إلى التصنيع لاستيعابِ مزيدٍ من العمالة وإنشاء “المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومي” أواخر العام نفسه، وبدء الاستثمار الحكومي المباشر من خلاله في شركة الحديد والصلب عام 1954، ثم تأميم قناة السويس عام 1956. ومع تزايد تدخل الدولة بدأ الاتجاه للتخطيط عبر إنشاء لجنة التخطيط القومي عام 1957 بدلاً من مجلس الإنتاج القومي.)، (1).
سيطرة الدولة على القطاع الأكبر من الاقتصاد قادتْ إلى تحولاتٍ اقتصادية واجتماعية كبيرة، وحدثَ نموٌ بمعدلاتٍ متفوقة، (وقد أسفرت تلك المرحلة عن تحقيق معدل نمو بلغ 38% خلال الخطة الخمسية)، (2).
إن توسع قطاعات الدولة كما كان لها دورها في تشكيل البنية الاقتصادية التصنيعية الهامة كان له سلبياته على المدى البعيد كأي قطاع رأسمالي حكومي شمولي، لا تصحبهُ رقابة شعبية ومشاركة للعمال في الإدارة والمراقبة، مثلما تغيّبُ المنظمات السياسية الشعبية والبورجوازية.
يشيرُ الباحثُ المصري عادل غنيم في مؤلفه “رأسمالية الدولة التابعة فى مصر” إلى مأزقِ استراتيجيةِ الاستثمارِ الحكومى الموسعِ فى السوق الرأسمالى. ففى هذا المؤَلف يشيرُ غنيم الى اتجاه البورجوازية المصرية الى التوسع فى الاستثمار الحكومى لصالح مشروعها الدولتى والذى لاقى مساندة من الغالبية الكاسحة من الشعب المصرى نتاج اعتبارات أيديولوجية وسياسية متعددة. ومع تشكلِ بيرواقرطيةٍ متنفذة من رحم هذه المؤسسات تسعى الى الانتقال لصفوف الرأسمالية كان النهب المنظم أو ما يُطلق عليه فى الإعلام سياسات التخسير هو السبيل الوحيد أمام هذه الشريحة للانتقال لصفوف البورجوازية. ويورد غنيم أمثلة شيقة جداً حول وقوف هذه الشرائح بحزم أمام أى محاولة لإصلاح القطاع العام أو حتى ضخ استثمارات جديدة فى منشآته إذ تشكل أى محاولة لإصلاح هذه المنشآت إخلالاً بالشرط الموضوعى لهيمنتها السياسية والأيديولوجية. وفى المقابل لم يكن أمام التحالف الإجتماعى الحاكم فى هذه الحقبة إلا التوسع فى سياسة المنح والاقتراض من الخارج للابقاء على نفس المستوى من الانفاق الإجتماعى فى حين بقي قطاعُ الدولة خرباً ولم تكن استثمارات القطاع الخاص قد نمت الى الحد الكافى الذى يسمح لها بلعب دور محورى فى عملية التنمية. هذا ما أطلق عليه غنيم رأسمالية الدولة التابعة: نظام للهيمنة السياسية والأيديولوجية لبيروقراطية الدولة العسكرية والأمنية القائم على نهب القطاع العام والتوسع فى سياسة المعونات والديون فى ذات الوقت.)، (3).
إن الفئة البورجوازية الصغيرة العسكرية التي استلمت الحكم في الثورة تصاعد نفوذها وثروتها حتى جاء زمنُ الانفتاح لتغدو فئات وسطى كبيرة عمقتْ النموَ الرأسماليَّ الخاص ووسعتهُ إلى حدٍ كبير لكن عن طريق الفساد السياسي.
وهي إذ حافطتْ على القطاع العام في بعضِ الجوانب وخاصة في مؤسساتِ الجيش والأمن والإدارة العامة والقطاعات التصنيعية الكبيرة، فإنها جعلتهُ مصدراً لبقاء السلطة ولضخ الرساميل إليها، عبر مختلف المشروعات الحقيقية أو الزائفة، خاصة في زمن ما بعد عبدالناصر.
يتساءلُ باحثٌ مصري عن دور الأجهزة الحكومية المتدخلة في الاقتصاد بالصورة التالية:
(• بماذا نسمي تآكل 1.2 مليون فدان من الأراضي الزراعية الخصبة والذهاب لاستثمار مليارات الجنيهات لاستصلاح أراضى صحراوية؟!
• بماذا نسمي تراجع الإنتاج المصري من القطن وقصب السكر وانعكاس ذلك علي صناعتى الغزل والنسيج والسكر وكذلك علي احتياجات المصريين من هذه المنتجات؟!
• بماذا نسمي تصفية أصول إنتاجية مملوكة للدولة وبيعها كمعدات خردة وأرض فضاء؟ كما تجاوز عدد المصانع المتوقفة عن الإنتاج من القطاع الخاص 800 مصنع حيث أغلق 400 مصنع بمدينة العاشر من رمضان، و151 مصنع بمدينة السادس من أكتوبر، و170 مصنعا بمدينة برج العرب. وكشفَ تقريرٌ صادرٌ عن جمعية المستثمرين بمدينة السادس من أكتوبر أن 29% من المصانع بالمدينة، أغلقت أبوابها بسبب التمويل و11% بسبب الارتفاع الذي شهدته أسعار الخامات.
• بماذا نسمي إنفاق مليارات الجنيهات على قري سياحية ومشروعات عقارية مثل مدن الأشباح بينما انتشرت العشوائيات لتضم 17 مليون شخص يعيشون في1109 منطقة عشوائية في20 محافظة.
• ماذا يعنى تهريب أكثر من 200 مليون دولار إلي خارج مصر بينما نتسول استثمارات نقدم لها كل التسهيلات ولا تأتي؟!
• ماذا يعنى دخول بنوك القطاع العام في شراكة مع البنوك الأجنبية طوال الثمانينات والتسعينات ثم بيع حصتها بأبخس الأسعار ؟!) (4).
كانت الرأسمالية الحكومية إذن هي بوابة إنتاج كبيرة للرأسمالية الخاصة، وفي الجانب الأول يتفق ذلك مع ظهور الرأسماليات الحكومية الشرقية، التي سُميت بأنها التجارب الاشتراكية وفي هذا الزمن أعطتْ الجمهورَ بعضَ الحقوق، وهو أمرٌ ضروري لثبيت سيطرتها، وتوسيع شعبيتها، وبطبيعة الحال فإن زمن توسع الرأسمالية الخاصة وتحول الرأسمالية الحكومية قيادة لها ومُشكِلة لإياها يكـّونُ هذا الخيلط المرعبَ بين رأسمالية حكومية فاسدة ورأسمالية خاصة تابعة لها. ولكن تغدو الرأسمالية الخاصة لأرباب العمل المستقلين دائماً محل تهميش أو ضغوط وخسائر بطبيعة الحال.
والرأسمالية الحكومية بهذا تجرُ مخلفات الإقطاع معها هنا، وهي سيطرة الوعي الديني المحافظ، وتخلف النساء واللامساواة بين المواطنين، وتشكيل بورجوازية جبانة ذات ذهنية محافظة تابعة للسلطة، خاصة في الأقسام العليا المتواشجة مع عمالقة القطاع العام. فيما تواصلُ بعضُ الفئاتِ الوسطى المعارضة الديمقراطية.
على المستوى السياسي فإن حزبَ الحكومة يبقى هو حزبُ الحكومة مهما اختلفتْ اليافطاتُ التي يرفعُها كالاتحاد القومي فالاتحاد الاشتراكي فالحزب الوطني، وهذا يختلفُ عما جرى في الرأسمالية الحكومية الروسية حيث انفصل الحزبُ الشيوعي عن جهاز الدولة، وغادرَ إمتيازاتها لكونه يمتلكُ تاريخاً نضالياً عريقاً وقيادات صلبة، في حين تشكلَّ للمافيا حزبُ السلطة الخاص، الذي وصلَ للحكم عبر الانتخابات في زمنٍ قياسي! وهذا يدلُ على قوة العناصر التقدمية في روسيا حتى في جهاز حكم فاسد، في حين لم يحدث ذلك في مصر. وكان آخر إطلالة لهذه العناصر فيما عرُف بالتنظيم الطليعي السري في الاتحاد الاشتراكي، الذي ذهب العديد من أفراده للسجن وذهب هو مع الريح.
وهذه السلطة الحكومية الرأسمالية – العامة – الخاصة – المتضافرة مع بقايا الإقطاع الكبيرة في النظام المصري والنظام العربي الإسلامي عامة، يجعل اليساريين المصريين يتساءلون عن إمكانية الفعل النضالي تجاه مثل هذه البنية المشوهة من كل جانب، هل يجري تغييرها من خلال الحفاظ على بنية الرأسمالية وتطويرها أم يجري نسفها وإحلال رأسمالية (حرة) مكانها ويتم فيها إلغاء القطاع العام كلية؟
هناك العديد من الاختلافات والرؤى المتعددة بهذا الصدد.
لقد أخذت بعضُ قوى اليسار المصري تستوعب العملية المرَكـَّبة في تشكلِ الرأسماليةِ الحكومية الشرقية، فلافتات الاشتراكية الوطنية المؤَّدلجة تظهرُ باعتبارِها مراحل لتطور رأسمالية الدولة، وتجاه وضع ومصير هذه الرأسمالية تتباين الآراء.
إن هذا المصير يتعلق بمدى تطور الرأسمالية الخاصة الليبرالية المستقلة عن شمولية الدولة، وبمدى تقدم وضع الطبقة العاملة، ويتداخل وضعا العمال والبورجوازية الخاصة المستقلة تعاوناً وصراعاً. كذلك يتداخلُ هذا كله بعملياتِ التغيير لرأسمالية الدولة الشمولية باتجاه رأسمالية الدولة الديمقراطية. فلا بد من الحفاظ على الصناعات الكبرى العائدة للملكية العامة ومراقبتها وتغيير طابعها البيروقراطي. إنها عملية مركبة ولكن ثمة اتجاهات سياسية عديدة تأخذها بشكلٍ جزئي، وبعدمِ فهم السيرورة التاريخية العامة لهذا النمط الرأسمالي الشرقي من الرأسمالية العالمية.
ويظلُ حجمُ الطبقة العاملة ودورها هنا أساسياً، وقد تطور الوعي التقدمي المصري هنا كثيراً في رصد تاريخ هذه الطبقة ومستوياتها وأقسامها وعبر الأرقام، منذ زمن بعيد.
(بلغ إجمالي قوة العمل فى مصر في أول يناير من العام الحالي ما يزيد عن20 مليوناًً، وبلغ عدد المشتغلين في القطاع الحكومي نحو 5 ملايين، ونسبتهم من إجمالى عدد العاملين بأجر غير معرضة للزيادة فى ضوء سياسة تقليص التعيينات بالحكومة.)، (5).
إن تقلص عدد العاملين بأجر داخل الأجهزة الحكومية وتصاعدها في خارج هذه الأجهزة يشيرُ عموماً إلى تراجع هيمنة الرأسمالية الحكومية وتفكك هيمنتها السياسية الاقتصادية، بشكلٍ محدود، وتصاعد دور الرأسمالية الخاصة، ولكن العمال خارج هذه الأجهزة متنوعي الارتباطات بالرأسمالية الخاصة:
(وفي القطاع الخاص داخل المنشئات يبلغ عدد العاملين المُؤّمن عليهم نحو5 ملايين وفق الإحصائيات الرسمية، ونسبتهم تتزايد مع تصاعد كل من عمليات الخصخصة والاستثمار الخاص. والحقيقة أن الكثير من العمالة المنظمة فى القطاع الخاص غير مؤّمن عليها، ومن ثم لا يتضح حجمها الحقيقى من الإحصائيات الرسمية.).
(وينقسم العاملون بأجر حسب القطاعات التى يعملون بها إلى 50% يعملون فى التجارة والخدمات، و19% يعملون فى الصناعة، و31% يعملون فى الزراعة.)، (6). (السابق).
إن تبعثر الطبقة العاملة وضعف تكوينها الصناعي، ووجود حشود تحتية كبيرة لها متقاربة مع (قاع) البروليتاريا، إضافة لهيمنة النقابات الحكومية وسيطرة الوعي الديني المحافظ عليها، وهي أمورٌ كلها تعكس الجذور الريفية لهذه الطبقة و هيمنة الاقتصاد الخدماتي عليها، وغيبة التكوينات النسائية الكبيرة عنها، وبالتالي هامشيتها السياسية.
إنها في مرحلة النضال الديمقراطي العام وطنياً، فهي نقابياً تسعى لتغيير أوضاعها المهنية داخل المؤسسات الحكومية والخاصة، وهو أمرٌ يتجلى في إضرابات بعض قطاعاتها، إنه أمرٌ نقابي عمالي يتضافر مع حركة أرباب العمل للخروج من هيمنة الرأسمالية الحكومية، لتوسع وحريات الرأسمالية الخاصة.
على المستوى السياسي يتجسدُ ذلك في المعارضة المشتركة لحزب الدولة المسيطر خلال نصف قرن، والذي يعكس تلاوين الرأسمالية الحكومية في عدة عهود، كما أن قوة الأخوان المسلمين تعكس هي الأخرى محافظة وتخلف الرأسمالية الخاصة وجذورها الريفية، وكذلك تنامي شرائح منها عبر الفساد السياسي.
وفي حين تتقدم علاقاتُ الرأسمالية الحديثة داخل الريف المصري، حيث يبين ذلك توسع حضور العمال العاملين بأجر، فإن الرأسمالية الخاصة الصناعية ضعيفة.
إن هذه الظاهرات تعكس سببيات عامة مهمة، مثل إن الفساد السياسي يبعثرُ فوائضَ كثيرة خارج عملية التجديد الموسع للصناعات الوطنية والقوى العاملة، مثله مثل المحافظة الاجتماعية والسياسية الدينية التي تعرقلُ انخراطَ النساء في الصناعة، فيما تتقدمُ الأريافُ و(المدن) الريفية في المدن، وتتضخم الأجهزة الحكومية بالأعداد غير العاملة.
إن قوانين الرأسمالية الحكومية الشرقية الصناعية الشاملة على غرار روسيا والصين لم تـُستكملْ في مصر الناصرية، وقوانين الرأسمالية الخاصة المستقلة على غرار اليابان لم تـُستكمل هي الأخرى في زمن ما بعد عبدالناصر.
ولهذا فإن الحديثَ عن مقاربةِ مصر لنمور آسيا في أقصى تصور لحداثة رأسمالية مصرية، أو بمعنى عملية هدم القطاع العام وبالبدء من رأسمالية مستقلة(حرة تماماً)، برنامجٌ غير ممكنٍ بسببِ السيطرة الطويلة المتجذرة لقطاع الدولة، وفكرياً يتجسدُ ذلك بالواحدية الفكرية الدينية اللاعقلانية، فلا بد من الانتقال لرأسمالية الدولة الديمقراطية، على مراحل، وبتوجيه الفوائض الاقتصادية والقوى العاملة للصناعات الحديثة العامة والخاصة المتطورة بشكل رئيسي، وهذا يتطلب محاربة الفسادين الاقتصادي والسياسي الحكوميين، وبتحالفات ديمقراطية تقدمية وليبرالية واسعة لتنفيذ البرنامج التحديثي السابق الذكر.
إن هدمَ القطاعِ العام أو القفزة نحو الحكم الاشتراكي، شعاران كلاهما يعبران عن عدم فهم قوانين التطور الاقتصادية، فالأمرُ يتطلبُ تقوية القطاع العام ومراقبته وإخضاعه للديمقراطية، مثلما يتطلب الأمر التعاون الواسع مع الرأسمالية الخاصة المتوجهة لتحديث المجتمع وتصنيعه وديمقراطيته.
تتم رؤية التطور في مصر لدى بعض وجهات النظر اليسارية في تضاد لا يقبل هذا الجمع:
هل تجري عملية (تعبئة عمال القطاع العام للإبقاء على منشآتهم خاسرة ويتحملوا هم وأبنائهم للجيل الثالث على الأقل خسارتها مع المطالبة البائسة باستقلالية تنظيمهم النقابى فى مواجهة طبقة تعتمد فى سلطتها على هذا القطاع العام نفسه؟ أم القبول بخصخصة هذا القطاع مع النضال من أجل شفافية هذه العملية وضمان حقوق العاملين واستقلالية التنظيم النقابى والتى ستتحول الى مطالب منطقية ومشروعة فى أى ديمقراطية بورجوازية أظن أننا على أعتاب الولوج اليها قريباً؟)، (7).
إن خصخصة هذا القطاع بشكل كلي صعبة كما أنها مضادة للتطور الاستقلالي الوطني الاقتصادي، وهي تلقي البلد في أحضان الشركات الأجنبية، وهذا لا يمنع من النضال من أجل ديمقراطية هذا القطاع، وداخل النضال الديمقراطي الوطني عامة، لكن وجود مرتكزات اقتصادية عامة إستقلالية والسيطرة على فوضى الاقتصاد الخاص، يجعل القوى الشعبية ذات حضور أكبر في (الديمقرطية البورجوزاية القادمة).
الرأسمالية الحكومية الإيرانية
دون تراث ديمقراطي طويل في البلدان الشرقية لا تستطيع ملكية الدولة إلا أن تتحول إلى رأسمالية حكومية شمولية.
هناك الكثير من الآراء والمناقشات حول الثورة الإيرانية وأسباب تحولها لنظام ديني شمولي بدلاً من أن تكون حتى نظاماً ليبرالياً ديمقراطياً.
لقد أسس الشاه دكتاتورية الحكم وقطاع الدولة الاقتصادي الكبير، الذي تغدو فيه ملكية النفط الحكومية أداة السيطرة الكبيرة على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
إن دينامية الثورة تعود للجماهير الشعبية التي شاركت فيها، لكن القوى السياسية الليبرالية واليسارية لم تفهم قوانين الأنظمة الحكومية الرأسمالية في الشرق. فصعودُ الدولة ذات القوة الكلية في المجتمع لا يمكن مقارنته بتطور الصراعات الاجتماعية في الغرب.
لم ينفصل النظام الملكي السابق عن المحافظة الدينية، وتجسيد القومية الفارسية، فجاءَ النظامُ الديني ليكمل ذلك التاريخ.
ورغم منطلقات الحزب البلشفي في روسيا، واختلافها عن أفكار حزب الجمهورية الإيرانية كثيراً، لكن كان تتويج النظامين في توليفة واحدة: هي دكتاتورية الدولة وهيمنتها على القطاع الاقتصادي الأكبر، ثم إنتاج بورجوازية (سوداء) من داخل مؤسسات النظام، وإذا تأخر ظهورها في إيران فإنها سوفَ تظهرُ لاحقاً.
(كان الضعف فى حركة العمال جزئياً نتيجة لعوامل موضوعية، فكان هناك أنقسام داخل الطبقة العاملة بين أولئك العاملين فى القطاع الحديث فى المصانع الكبيرة وهؤلاء العاملين فى القطاعات التقليدية فى الورش الصغيرة (والتى معظمها كانت تـُدار من أصحابها أو أعضاء العائلة). وكانت المناطق التى يسكنها العمالُ غالباً يسودها عددياً القطاعات البائسة من البورجوازية الصغيرة، فقد كان يوجد 750 الف تاجر ومن الطبقة الوسطى، وتجار صغار، فى طهران فى 1980 فى مقابل 400 الف عامل فى المؤسسات الصناعية الكبيرة. وكانت أعداد كبيرة جداً من العمال جديدة على الصناعة ولديهم تراث ضئيل من الصراع الصناعى – 80% منهم كانوا من أصول ريفية وكل عام تغرقُ الاحياءُ بحوالى 330 الف من الفلاحين السابقين، وكان ثلثهم فقط متعلماً ولذلك كان قادراً على قراءة الاعلام اليسارى، برغم أن 80% كانوا يمتلكون جهاز تليفزيونات. وأخيراً كان حجم القمع فى ظل الشاه يعنى أن عدد المناضلين الموجودين فى أماكن العمل كان قليلا جداً، (8).
إن التدفق الريفي للمدن هو عامل مهم في نشر الإيديولوجية الدينية المحافظة لكنه ليس هو السبب المحوري، فالبنية الاجتماعية بنية إقطاعية قديمة، والفهم المذهبي المحافظ هو نتيجة طويلة لسيطرة الإقطاع على إنتاج الإسلام، وهزيمة النزعات الديمقراطية الأولى، ولكن ذلك يتبدى بصورة أكبر مع هيمنة الأجنحة الريفية على عملية الإنتاج هذه، وهي الأشد محافظة، ومن هنا فهذا الفهم موجود في الأحزاب اليمينية وكذلك (اليسارية).
فنظراً لعدم وجود فئات متوسطة إيرانية مستقلة على مدى التاريخ السابق، إلا من لحظات ثقافية صوفية شعبية انتقادية، ومن نزعة تحررية لبعض الشخصيات الفكرية والأدبية، فإن الفهم الإقطاعي المحافظ سيطر على الحياة بكل جوانبها وبتاريخها السابق، وتقوم الدولُ ذات الملكية المركزية بإدامة هذا التراث، في لحظات تشكيل جهاز الدولة وملكياته المختلفة، إلى مستوى معين من تطور قوى الإنتاج، ولهذا وجدنا البلشفية تتصدع في زمن، كما تتصدع الماوية في زمن آخر، فلإيران البيروقراطية الدينية لحظة تصدعها القادمة، من داخل جهازها نفسه.
إن المظلة الدينية التقليدية تظلل الجميع، ولهذا ليس وجود قوى عاملة ثورية كافٍ بحد ذاته، ما لم تكن ثمة قوى رأسمالية خاصة واسعة، وما لم تكن الدولة ليس في يدها معظم الثروة، فإذا كانت كذلك تستحيل الديمقراطية!
لقد قام المحافظون على مدى ألف سنة بتشكيل وعي ديني (إسلامي) مقلوب على رأسه، وقد أقاموا ثقافتهم على رفض توزيع الأملاك الزراعية على القرويين، والهيمنة على خيرات الأملاك العامة، ونشر ثقافة السحر واللاعقل والأحكام الفقهية الجزئية العاكسة لذلك المبنى الاجتماعي، ويُكمَلُ هذا بإضعاف الأسرة الصغيرة الفاعلة المنتجة والثقافة العقلانية الديمقراطية وتأييد الأنظمة المستبدة.
وبهذا فإن الحزب الجمهوري الإيراني كان يواصل هذا الاستبداد، بإدعاءات ثورية، أما النسب الطبقية الاجتماعية المعبرة عن نشؤ أجسامٍ للحداثةِ في العهدين الملكي والجمهوري، فهو نشؤ أغلبه إستيرادي، فهذه الأجسام الصغيرة في بحر الريفيين المقتلعين من قراهم، تعتمدُ على صناعة مستوردة وصناعية نفطية (نخبوية) وصناعة إستهلاكية، وهي تنمو الآن نحو صناعات أكثر تطوراً، وهذا سوف ينعكس على مجريات التطور الاجتماعي القادم.
إن قوة الثقافة المحافظة الإقطاعية كانت تتغلغل في كافة المنشآت السياسية والاجتماعية، بقيادة جهاز الدولة، وهو يقوم عبر سيطرة فئات البورجوازية الصغيرة التي استولتْ على السلطة بعد ركوب الموجة الثورية، كما فعل ذلك الضباط الأحرار في كثير من الأنظمة العربية، وهو توسيعُ قطاعات الاقتصاد الحكومي، وفي إيران فإن إعطاء الأجهزة العسكرية قطاعات اقتصادية يؤدي إلى توسيع الخنق السياسي للقطاعات المدنية، وإلى مخاطر الحروب.
لهذا فقد تم نمو الدكتاتورية الحكومية عبر مراحل وأول مرحلة هي إبعاد اليسار، فقد كان الحضور اليساري الواسع يعرقل تحكم البورجوازية الصغيرة في المنشآت العامة الموجودة من العهد الملكي والمؤمّمة أو الجديدة، فهو يقوي الرقابة وحضور العمال المستقل والانتقادي لهذا التحكم في الثروة العامة.
وكانت مغامراتُ بعضِ فصائل اليسار وعدم فهم الفصائل الأخرى لطبيعة نظام الرأسمالية الحكومية الشمولية، يؤججُ تصاعد نفوذ البورجوازية الصغيرة التي تمتطي سلالمَ النظام، والتي تجدُ في الصعود ثروة ومنافع ونفوذاً متصاعداً، وهي تتحول بهذا إلى بورجوازية أكبر، وذات يوم ستجدُ أن سقفَ النظام باتَ ضيقاً عليها.
ومن ثم كان ضرب الاتجاهات الليبرالية (بني صدر وحزب بازركان وغيرهما )محطة أخرى لنمو الرأسمالية الحكومية، وهو أمرٌ يعبرُ ليس عن ضرب العلاقات الرأسمالية الخاصة في إيران فمهما كانت توجهات الدينيين، فهم لا يقدرون على رفض هذه العلاقات لأنها مؤيدة من قبل الدين، وكان نضال التجار عاملاً مهماً في تصاعد النضال السياسي، ولكنهم يرفضون تمدد الرأسمالية الخاصة وتحولها إلى نظام، وما يترتب على ذلك من نشؤ نظام رأسمالي خاص بأثاثه الديمقراطي وحرياته المختلفة.
كذلك فإن النظام الرأسمالي الخاص يكون تعددياً ومنفتحاً فيغدو مغايراً لمشروع الدولة القومية التوسعية أو ذات الجمهور المذهبي المُفترض المنتمي لها، فهي دولة مذهبية فوق قومية كذلك، فليس ضرب الاتجاه الليبرالي الديمقراطي هو لمجرد مماحكات شخصية وتنافسية بين المتحالفين الدينيين – الليبراليين الذين استولوا على السلطة بتعاونٍ مرحلي، بل لاختلاف المشروعين الرأسماليين، مشروع الرأسمالية الحكومية الدكتاتورية ومشروع الرأسمالية الخاصة.
ورغم أن التكتيكات السياسية لعبت دوراً في تغليب الاتجاه الأول على الثاني لكنه وحتى بدون هذه التكتيكات والمناورات فإن القواعد الاقتصادية الاجتماعية الكبرى للمجتمع تعطي الدينيين الشموليين فرصة هائلة لتشكيل دكتاتوريتهم أكبر من حلفائهم في فترة ثم خصومهم في فترة لاحقة.
ليس لينين أو ماو أو الخوميني، هم الذين شكلوا هذه الرأسماليات الحكومية لكنها الظروف الموضوعية التي جعلتهم، كلٌ في بلده وظروفه يتوجه نحو تصعيد دور الدولة الكبرى، حسب المنظار الإيديولوجي لكلٍ منهم، وهو منظارٌ يعكس تلك الظروف الموضوعية والذاتية.
إن الإجراءات ومسارات تشكيل المجتمع كانت توضح تباين طريقي الدينيين والليبراليين، وفيما كان الليبراليون يسعون لإضعافِ الدولة وتقوية المجتمع المدني، كان الآخرون على الضد منهم، ولكن لنر ما لدي الليبراليين من أدوات لتحقيق نظامهم المفترض.
كان تحالفهم مع الدينيين يتوجه لضرب الحريات التي كان يُـفترض أن يكونوا هم المدافعون عنها بوجه الموجة الدينية الشمولية:
(وافقَ كلٌ من قادة الحزب الجمهورى والليبراليون على فكرة الثورة الثقافية من خلال الفعل المباشر للجماهير الذين حرضوا على التظاهر فى ساحات الجامعات. كان ذلك بالنسبة لليبراليين وسيلة للتخلص من المحرضين اليساريين فى النقابات العامة والمصانع والمناطق الريفية، حتى يمكن اعادة الاستقرار الاقتصادى والسياسى للبلاد.)، (9).
وبتصعيد مثل هذه الأدوات وبإدخال الغوغاء لضرب المثقفين والعمال والجرائد اليسارية، وهي أدواتٌ طالما استخدمتها الرأسماليات الحكومية المستبدة خاصة نظام ماو تسي تونج وغيره، قام الليبراليون بعزل أنفسهم عن الجمهور الطليعي.
وكانت جذورهم الاقتصادية التصنيعية ضعيفة، ولهذا كان يُسمون قوى البازار، كما أن رفاهيتهم الكبيرة ساعدت الدينيين على تصويرهم بالقوى الطفيلية.
كما أن قواعد الدينيين الاجتماعية من جهةٍ أخرى كانت واسعة بسبب الاقتصاد التقليدي العريض؛ قطائع زراعية، وعقارات، وحرف، فكان الجمهور مشكل من غياب الاقتصاد الحديث، وعبر هذا الجمهور المتمسك بالعادات الإسلامية في اللباس والعبادات، في هذا المجتمع، كان التراث الديني التقليدي الشعائري هو السائد، ولكن الدينيين حولوه لفعلٍ سياسي مضادٍ للحريات ولهذا الجمهور الكادح نفسه، ومن أجل تركيز السلطة بين أيديهم، فتجاه التقدميين واليساريين ركزوا على الطبيعة (الألحادية) لفكرهم، وقد ساعدهم هؤلاء أنفسهم نظراً لعدم تشكل النظرة التغييرية من داخل التاريخ الإسلامي وعبر الارتكاز على التراث والواقع الموضوعي الراهن، فـُصورتْ غربتهم عن التراث كفعلٍ معادٍ للإسلام، وليس كنقلٍ ثقافي حضاري هام للشعب الإيراني في وقت لم تكن فيه أدواتٌ فكرية نضالية إيرانية مُنتـَّجة محلياً، خاصة وأن الإسلامَ تم السيطرة عليه من قبل المحافظين وتجييرهِ لخدمةِ السلاطين والشاهنشاهات عبر القرون السابقة، ولكن اليساريين من جهة أخرى، لم تتطور نظراتـُهم مع تصاعد الصراع الاجتماعي، وظلت شعاراتـُهم السياسية مفصولة عن فهم القوى الاجتماعية والإرث وكون الدينيين المحافظين يعبرون عن قوى الأستغلال المتصاعدة في حراكها من الإقطاع الحكومي إلى الرأسمالية الحكومية المرتكزة على تخلف القوى الشعبية الريفية خاصة، لأجل استخدامها في مشروع الرسملة المتصاعد بأجورٍ زهيدة، وبلا حقوق كبيرة، وعبر تخلف ثقافي يتيحُ لتلك القوى القيام بمختلف المشروعات السياسية.
إن إستخدام الإرث كان فعلاً سياسياً مباشراً، فعبر تصوير اليساريين بالملحدين أعداء الإسلام، وتصوير الليبراليين كخدم للغرب، كانت تجري عمليات قمع واسعة لتجسيد ما يصوروهُ الدينيون المحافظون بأنه الأسلام:
(احتلت عصابات حزب الله الجامعات، اصابت وقتلت أعضاء الجماعات السياسية التى كانت تعارض الثورة الثقافية، واحرقتْ الكتب والصحف التى أُعتقد أنها ” غير اسلامية “، وأغلقت الحكومة كل الجامعات والكليات لمدة ثلاثة سنوات تم خلالها اعادة كتابة مناهج الجامعات.)، (9).
إن الهيمنة الدكتاتورية تنتقل من القيادة السياسية إلى الاقتصاد وتستثمر الفوائض النفطية خاصة في توسيع القواعد الاقتصادية والمشروعات وأنظمة التسلح وتوسيع عسكرة المجتمع، وقمع الحريات السياسية ثم الفكرية والاجتماعية، تقوية لذلك البناء الاقتصادي البيروقراطي.
وهكذا فإن الليبرالية يُقضى عليها من الجانبين عبر توسيع الملكية العامة لتغدو هي الهيكل الاقتصادي المسيطر، وبإزالة الحريات والتفكير الحر، وبفرض قالب عام مؤدلج تجري عبره الاحتفالات والمفاسد والمسالخ والحروب.
الماضي أقوى، والاقتصاد التقليدي أوسع، والجماهير أغلبها أمي، وحينئذٍ تأتي عملياتُ الغسل العقلية الجماهيرية لتنمية خط اقتصادي، يوسع مشروعات، لكنه يفسدها عبر التحكم البيروقراطي، وتزداد الصناعات الاستهلاكية بسبب ذلك ولعجز الاقتصاد بهذه التسربات الكثيرة والعسكرة عن خلق الصناعات الثقيلة.
وإذا كان الليبراليون متحالفين متعاونين في ضرب اليسار مع الدينيين فقد حاولت فصائل العمال الدفاع عن أنفسهم ولقمة عيشهم فانتشرت موجة من الأضرابات:
(كان اليسار مسيطراً فى أوساط الطلاب برغم الموجة الاولى من القمع الذى تعرض له فى أغسطس 1979، وكانت مجالس شورى المصانع قد انهكت نتيجة لموجة القمع ذاتها، لكن استمر الكثير منها قائما لعام آخر، وبالطبع لم يكن استعداد العمال للصراع قد انتهى – ففى عام 79-1980 كان هناك 360 اضراباً متنوعاً ” الاعتصام بالمصنع أو احتلاله ” و180 اضراباً فى 80-1981 و82 اضراباً فى 81-1982.)، (10).
لكن نظراً لكون الفصائل اليسارية ماشت الموجة الدينية بقوة في البداية، وأيدت صعود الرأسمالية الحكومية ذات القناع الديني، واعترضت على أشياء جزئية، وانساقت مع موجة العداء المضلل للاستعمار الذي يصطنعهُ النظامُ وسيلة تخديرية للجمهور، ولم تفرق بين جوانب التبعية وبين جوانب الحضارة الغربية الديمقراطية، الضرورية لمنع الاستبداد، وهذا يبين الطبيعة العقلية ليسار ديني محافظ غائر تحت الجلد السياسي، فاليسار نفسه يعيش ظروف الدينيين الاجتماعية العقلية، من حيث العلاقة بالدين والنساء والتاريخ، ولهذا فإن حراكه إضرابي جزئي اقتصادي، أو عسكري أرهابي أو جماهيري نقدي عقلاني مفيد لكنه يُقمع وينتهي.
بقعُ اليسار والليبرالية صغيرة في هكذا مجتمع ديني محافظ، يبدو للجمهور فيه أن الدينيين هم الجذر والأصل والتراث، نظراً لطبيعة الثقافة والمهن والتاريخ القومي.
وككل الرأسماليات الحكومية الشرقية الشمولية فإن الطبقة المسيطرة من العسكريين والموظفين الكبار المتضافرين مع رجال المال والمعبرين عن مصالح هذه الرأسمالية سوف يتوجهون لليبرالية منسوجة على قياس مصالحهم، وإلى خلقِ مجتمع أقل استبداداً، وتخفيف الطابع الديني الشمولي للنظام دون الخروج التام منه، إذا لم تفجرْ الحروبُ والثوراتُ هذا النسيج.
وهكذا فإن خيار الرأسمالية الحكومية الروسية أو الصينية الشاملة قاد إلى نشر العلاقات الرأسمالية الحديثة بصورة جذرية، مثل خيار الرأسماليات الخاصة في اليابان وإستراليا والهند، ومن منطلق آخر، ومن مستوى اقتصادي مختلف.
لكن خيار الرأسماليات الحكومية الدينية في العالم الإسلامي يستندُ إلى واقع قوى إنتاج متخلفة، ذات جذور قروية وبدوية(فتصير قوى شيعية وسنية متصارعة)، ويتم عرقلة تطور العلاقات الرأسمالية والتحديثية في الريف ولقوى الإنتاج البشرية، خاصة النساء، نظراً لتخلف العلاقات الاجتماعية والثقافة، وهو ما يؤدي إلى رأسماليات حكومية ذات تناقضات هيكلية اقتصادية كبيرة، فتتجمدُ الأريافُ والنساءُ والذهنية العقلية عن التطور، ويُعرقلُ التلاقح بين العلوم والصناعات، وتتضخم الأجهزة الإدارية وتتحكم في الأسواق، وتزداد القيودُ الحكومية في كل مجال، مما يوسعُ الفساد من جهة أخرى، ويؤدي بالكثير من الفوائض نحو الغرب أو للبذخ الخاص أو للعسكرة أو إلى جلب العمالة الأجنبية الرخيصة،(في إيران تتضخم العمالة الأفغانية) وهو تعبير عن العجز عن تطوير القوى المنتجة البشرية المحلية. وكل هذا يُصور باعتباره الطريق الإسلامي للثورة أو التطور السياسي الرشيد للدول الإسلامية!
وهذا الطابع المتخلف للرأسماليات الحكومية في العالم الإسلامي يقودُ إلى استمرار العلاقات الإقطاعية السابقةِ بكلِ مخلفاتها من عجزٍ عن توحيد المواطنين، وطبع نسخ مشوهة لاعقلانية للإسلام، وإلى تقسيم الدول إلى أثنيات متصارعة، وإلى الحروب والتدخلات بين الدول الدينية هذه، التي امتلكت الحقائق الكلية واعتبرت نفسها الخادمة الأمينة لتعاليم السماء النقية، وهذا كله يقود لهدر الموارد والدوران الدائم في طاحونة التخلف.
الرأسماليات الحكومية الخليجية
تعتبر ملكيات الدول الخليجية لمصادر الثروات من القضايا الشديدة الغموض، فهي غير مدروسة، ولا توجد مصادر لكشف تجلياتها، ولهذا فإن البحث فيها أشبه بمتاهة، ولكن لا يمنع ذلك من بعض المناوشات التحليلية، بغرض الوصول لأبعادها مستقبلاً، فهي بحاجة إلى أجيال من المحللين لكشف ثروات هائلة لبلدان ومع ذلك تشكو الآن من العجز.
تعطينا المظاهر الخارجية للتناقضات الاقتصادية والتباينات والمشاركات بين القطاعات العامة والخاصة في الخليج فكرة أولية عن مسارين مختلفين إشكاليين يبدوان بشكل غامض، فهنا يجري حديث عن أزمة اقتصادية تعانيها خاصة القطاعات العامة، وتطلب مساعدات وتعاون القطاعات الخاصة، ويظل ذلك محصوراً في الشأن الاقتصادي دون تبلوره في الشأن السياسي. وهذا يشير إلى مشكلات عميقة في البنى الاقتصادية، رغم أسطورية المداخيل التي حازت عليها القطاعات العامة، التي واجهت تصاعد الدين العام، وتفاقم البطالة الأهلية ثم اختلالات النمو الاقتصادي بين الأقاليم والمناطق! فراحت تطلب المعونة من القطاعات الخاصة أو تشركها في مساعدتها عبر آلية القرارات السياسية والاقتصادية.
فرغم سيطرة القطاعات العامة على الاقتصاد خلال العقود السابقة، فإنها توقفت عن التطور، بل يحدث فيها جمودٌ كبير، وسنلاحظ ذلك على صعيد التوظيفات، أي توظيف المواطنين في الأجهزة الحكومية.
(تظهر البيانات الأخيرة المتاحة أن عدد العاملين في الخليج وصل إلى 14 مليون فرد بحلول نهاية 2007، شكلت العمالة الوطنية 18% منهم. وبلغ عدد العاملين في القطاع العام 13% من إجمالي عدد العاملين، 80% منهم عمالة وطنية. وبينما يقدر معدل البطالة بين العمالة الوطنية بنحو 3،6. ووفقا لتقديراتنا الأولية لعام 2008، فقد تكون مؤشرات سوق العمل في الخليج قد أظهرت المزيد من التحسن مع انخفاض معدل البطالة إلى 3.2%. إلا أن تدهور البيئة الاقتصادية للمنطقة في الوقت الحالي مقارنة مع السنوات السابقة، يتوقع أن يقلص تلك النجاحات جزئياً وأن يطرح تحديات جدية. وعلى الرغم من الجهود التي بذلت في السنوات الأخيرة والقوانين المرتبطة بتوظيف العمالة الوطنية، ما زال سوق العمل الخليجي يواجه خللا هيكلياً مقارنة مع نظرائه عالمياً. فعلى سبيل المثال، يشكل عدد المواطنين العاملين في القطاع العام في الخليج نحو 58% من إجمالي العمالة الوطنية، (مقارنة مع 42% فقط في القطاع الخاص). ويعتبر هذا المعدل مرتفعاً، كما أنه يتخطى ذلك في بعض الدول، إذ بلغ نحو 90% في قطر في عام 2007، و86% في الإمارات، و84% في الكويت، بينما بلغ 50% في السعودية. وتشير هذه الأرقام إلى أن قدرة القطاع العام الخليجي على استيعاب العمالة الجديدة قد تكون بلغت حدودها القصوى. وقد أعلنت البحرين بوضوح في ديسمبر الماضي الحد من التوظيف في قطاعها العام)، (11).
تتوجه الأرقام والأبحاث نحو جوانب جزئية وتعتبر ارتفاع البطالة أو إنخفاضها هي مشكلات صغيرة، ولا تعتبرها كمؤشرات على خلل بنيوي في البناء الاقتصادي. فحكومات تملك أغلب الثروات الهائلة لكنها تعجز عن التوظيف، وهي غير قادرة على تغيير بنائها هذا.
ونلاحظ هنا بأن الأبويات الاقتصادية وسيطرة الدول على توظيف العمالة الوطنية يتزايد في دول بعينها، فيما يتقلص في دول أخرى، ويتعلق ذلك بحجم الثروة النفطية وعدد السكان، دون أن تلعب المدخرات الهائلة السابقة والتي لا يعرفُ أحدٌ كيفت تسربت وتنامت في جهاتٍ أخرى، أي دون أن يكون لها دور جدي في التغيرات الاقتصادية الراهنة السلبية، حيث تقلص الحكومات الخليجية توظيف المواطنين، ويتوقف ذلك في البحرين تماماً.
فهناك ثلاثة ترليونات ونصف الترليون كودائع خليجية في العالم من القطاعين العام والخاص، ثم تعجز عن الدور الأبوي الذي قامت له خلال عقود التهمت فيها الدخول. هذا شكلٌ أولي لتوقف مكائن الدول عن دورها الراعي السابق. ولكن في المقابل تتنامى دور القطاعات الخاصة التي لم تستحوذ على كلياً تلك الثروات في المواد الأولية التي احتكرتها الحكومات لكنها عاشت في خيرها كذلك!
تتوجه التحليلات الاقتصادية الخليجية إلى القشور:
( تظهر البيانات أن معدل التوظيف في القطاع الخاص نما بواقع 8.0% في المتوسط سنوياً بين عامي 2003 و2007، بينما بلغ متوسط النمو في القطاع العام نحو 2.8%. وبالتالي، فقد ارتفعت مساهمة القطاع الخاص في إجمالي معدل التوظيف بخمس نقاط مئوية خلال الفترة نفسها. ويعود هذا الإنجاز الهام إلى البيئة الاقتصادية المؤاتية التي دعمت نمو أنشطة القطاع الخاص. وفي الكويت، تشير احدث البيانات إلى أن معدل توظيف المواطنين في القطاع الخاص نما بواقع 16% في العام الماضي، بينما ارتفع في القطاع العام بنحو 2.9%، ما رفع مساهمة القطاع الخاص في إجمالي معدل توظيف الكويتيين بنقطتين مئويتين إلى 18%. وفي السياق نفسه، تراجع عدد الكويتيين العاطلين عن العمل من 19.9 ألف مواطن في 2007، إلى 16.6 ألف مواطن في العام الماضي. وبالتالي، فإن معدل البطالة تراجع من 6.5% إلى 5.2% في الفترة نفسها. (12) .
إن المصدر لا يوضح لنا سببيات هذا التراجع في القطاعات العامة وصعودها في القطاعات الخاصة، لا بالتحدث عن طبيعة الأملاك العامة هذه؛(مصانع، معامل تكرير، وزارات، جيوش، شرطة الخ). فالأملاك العامة تـُجرد بتعبير (القطاعات العامة)، مثلما يتم تجريد القطاعات الخاصة وفروع إنتاجها وتبادلها وتداولها بالقول بأنها قطاعات خاصة، والأمر له علاقة بالبيانات وطرق التوزيع وغياب الشفافية على مدى عقود في القطاعات العامة.
كما أن بؤرة الأملاك العامة كمعامل التكرير والمصانع لا يتم درس علاقاتها بالمؤسسات المدنية الخالصة، وأحجام الفوائض وطرق تراكمها وتوزيعها بين إعادة الإنتاج، وبين صرفها على المشروعات العامة والوزارات.
لكن التقرير يعطينا بأن قدرة القطاعات العامة على الصمود في معركة التوظيف غير ممكنة، وأنها سوف تتراجع، كما أن البحرين قد أعلنت توقيف التوظيف دون أي تحديد وشفافية في هذا المجال. ويعيد ذلك حسب رأي الخبراء العالميين الذين استعان بهم التقرير إلى عدم القدرة على تطوير قوى العمل البشري الوطني في المنطقة. وهو سبب وحيد مقطوع الصلة كما سوف نرى بعمليات الإنتاج والتراكم، فالتربية والتعليم وإنتاجها لقوة العمل لا تتشكل بشكل مجرد، وبدون خطط مترابطة بين الإنتاج، وقوة العمل الوطنية، وإذا كان الإنتاج غير مُسيطر عليه، خاصة السيطرة على فوائضه وطرق توزيعها وعودتها لإعادة الإنتاج الموسع، فإن التآكل على مستوى الإنتاج المادي، وعدم الفائدة لقوة العمل الوطني، تغدوان مظهرين لمشكلتي: غياب التخطيط وتسرب الفوائض.
وهذا يشير إلى آلية العجز الاقتصادي البنيوي حيث التركيز على النفط ثم على صناعاته أما القدرة على تغيير الخريطة الاقتصادية المتناقضة فهو أمر ليس بقدرة الحكومات كما يبدو، والمقصود بتغيير الخريطة الاقتصادية الاعتماد على قوى العمل المحلية والعربية، وإحداث تحولات صناعية تتناسب مع قوى المنطقة السكانية، وتطوير قدرات شبابها لتلك الصناعات التقنية. لكن القطاعين العام والخاص غير قادرين على ذلك، يدفعهما هاجس الحصول على أكبر الأرباح وتصديرها للخارج للمزيد من الأرباح، أما الشؤون الاجتماعية والاقتصادية الأهلية فهي مضغوطة في ظل الميزانيات المحدودة التقشفية خاصة في بعض الدول الخليجية، فيما يشهد الوضع المالي على ترحيل الأموال من القطاعين العام والخاص للخارج عبر أشكال متعددة، وكذلك عبر العمالة الأجنبية.
إذا كنا قد لاحظنا تجمد الرأسماليات الحكومية الخليجية عن توظيف المواطنين، مما يعكس توقف الدور الأبوي الذي كان يتردد بقوة طوال العقود السابقة، فإن الأعباءَ المالية بدءً من هذا التجمد سوف تـُوضعُ على كواهل القطاعات الخاصة وهي سوف تضعُها على الجمهور العامل:
(في الخليج، شكل الطلب المحلي ما نسبته 70% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2006. وبالنظر إلى مكونات ذلك الطلب، بلغت حصة الاستهلاك الخاص 45%، أي نحو ضعف حجم الاستهلاك الحكومي. بينما شكل الإنفاق الاستثماري للقطاعات الخاصة والحكومية على حد سواء حصة الـ30% المتبقية من الطلب المحلي، وهذا يدل على مدى أهمية الإنفاق الخاص في تحديد إجمالي النمو الاقتصادي.)، (13).
لكن حين تنفق المؤسسات الخاصة ذلك كله من أين تستخرجه؟ إنه من عمل القوة العاملة الأجنبية والمحلية. وحين تقلصُ الحكوماتُ إنفاقـَها سوف تقلصُ القطاعاتُ الخاصة إنفاقـَها تسريحاً للعمال وتقشفاً وتظاهراً أحياناً بطرد المدراء الأجانب ذوي الرواتب العالية المخيفة، لكن ألم يكن هؤلاء متبحبحين طوال السنوات السابقة يديرون ويقدمون الأرقامَ حسب ما تشتهي تلك الإدارات؟!
والفوائض الحقيقية الكبرى نبعتْ من النفط والغاز والمصانع التي رضعت من حليب تلك المؤسسات الواسع غير المراقب. لكن أين ذهبت أغلبية الفوائض؟
لقد قامت السياسات الاقتصادية بشكل عام في دول الخليج على أحتكار القطاعات العامة للثروة الأساسية، ثم تشغيل أعداد واسعة من المواطنين في أجهزة الدول، وترك هوامش محدودة للقطاعات الخاصة في جوانب الاقتصاد التابع للاقتصاديات الحكومية، ومن ثم جلب أ‘داد هائلة من العمال الأجانب.
وكل هذه الجوانب تبدو متباعدةً عن بعضها البعض لكنها مترابطة، فقد أضعفت الدولُ الثرواتِ البشرية والمادية، وقد أشار البنك الدولي لإشكالية دول الخليج هذه عبر تضخم أجهزة الدول بالموظفين، من جهة وضعف التعليم عن إنتاج عمال في مستوى حاجات الأسواق من جهةٍ أخرى، كما قامت القوى العاملة الأجنبية بتحويلات هائلة، فصار الخليج سوقاً عابرة، أكثر منه سوقاً متجذرة تغني الغرب والشرق وتجفف الثروة من داخله، مما لم يجعل القطاعات الحكومية تتطور صناعياً وتقنياً، ولم يدع القطاعات الخاصة تتولى الأمور.
ومع تلك التحويلات الهائلة من المليارات تجد القطاعات العامة نفسها بحاجة إلى سيولة.
ومع ضخامة الأعداد العاملة في الحكومات تجد أنها يمكن أن تتقلص لغياب الإنتاجية، فتضخمها يأتي بشكل سياسي وليس إقتصادياً.
لا نعرف لمن هذه الترليونات في الخارج(ثلاثة ونصف) وكيف تتوزع وكيف تنمو وما هو عوائدها على الدول والشعوب، ولكن الذي نعرفه هو هذا التضاد الكبير بين ما أنتج وما زال يُنتج من ثروة وضخامة الحاجة المحلية الماسة الخليجية لرؤوس الأموال ولتوزيعها على الإنتاج والبشر.
أما الإصلاح الاقتصادي الذي تطرحه هذه الدول فهو إصلاح محدود ولا ينفذ لجوهر الأمور، بل هو ترقيعٌ وابتعاد عن الإصلاحات الاقتصادية الجذرية المنتظرة.
وتتباين دول الخليج في العلاقات بين القطاعات الحكومية والقطاعات الخاصة ففيما هناك لم تستفد كثيراً من القطاعات الحكومية، استفادت القطاعات الخاصة في الكويت والإمارات وقطر من القطاعات الحكومية وأزدهرت على ضفافها :
(ان النمو في كل من قطر والكويت والامارات العربية المتحدة ارتبط بنمو قوي في القطاع غير النفطي، حيث ان نصيب الفرد في النفط والغاز أعلى بكثير منه في بقية بلدان مجلس التعاون الخليجي، وقد كانت هذه الاقتصادات حريصة على تبني سياسات اقتصادية تهدف الى تنويع مصادر دخلها، وفي هذه الاثناء كانت السعودية تحاول تشجيع القطاعات غير النفطية عبر مختلف الوسائل، غير انها تواصل تحقيق نسبة نمو متواضعة نسبيا، حيث يتفوق القطاع النفطي على غير النفطي بهامش ضئيل)، (14).
تواجهنا نفس الأسئلة فلماذا استطاعت هذه الدول أن توسع على القطاعات الخاصة والسكان فيم لم تستطع الدول الأخرى القيام بهذه التطويرات للمعيشة وأزدهار القطاعات الخاصة؟
تعود المسألة إلى ظهور قوى اجتماعية داخل القطاعات العامة الرأسمالية وحازت على ثروات كبيرة منها بفضل احتكارها للمناصب طوال سنوات، وهذا يتبدى في مظاهر كثيرة، مثل الرواتب العالية والدخول غير المنظورة، وتملك الأراضي وبيعها خاصة أراضي الشواطئ وأراضي المدن التجارية، والدخول في الأعمال التجارية وتشكيل الشركات بأسماء تكون غالباً واجهات، والحصول على امتيازات من الأعمال الحكومية المختلفة كمعرفة المخططات وبيع الأراضي، وجلب الفيز الحرة وتوزيع أصحابها في كل مكان، وأعطاء الموظفين الأجانب الكبار رواتب عالية وتسكينهم في مساكن وعمارات خاصة تابعة لموظفي الدول، والحصول على دخول نفطية باطنية الخ..
وأما الميزانيات فهي ميزانيات سياسية وليست ميزانيات حسابية دقيقة، فهي تقوم على تنظيف الأرصدة من أي تلوث ظاهري وتقدمها نظيفة خالية إلا من بعض العجوزات المرتبة.
ولهذا فإن النظرة السطحية تشاهد أملاكاً ومدخرات بتلك المبالغ السابقة الذكر دون أن تكون ناتجة من استثمار عادي، فلا تكفي مئات السنين لتكوين تلك المليارات والترليونات؟!
ومع هذا التباين فإن الدول التي سربت تلك الأموال تطالب القطاعات الخاصة وتطالب المواطنين بتحمل أعباء المرحلة، أو تقوم برفع الرسوم على الخدمات وغيرها من الأساليب.
تتوجه المصطلحات الاقتصادية في الخليج إلى تعابير مثل( ضرورة الشراكة بين القطاعين العام والخاص)، وتنعقد مؤتمراتٌ عدة في شتى العواصم الخليجية لمناقشة التعاون هذا؛ وشهدت العاصمة السعودية الرياض، انطلاق فعاليات الملتقى العلمي الأول بعنوان ” الشراكة والمسؤولية الاجتماعية بين القطاعين العام و الخاص.. الواقع والمأمول”، والذي تنظمه وزارة الشؤون الاجتماعية).
ويهدف اللقاء (إلى إتاحة الفرصة للعاملين في الوزارة والأجهزة الحكومية الأخرى ذات العلاقة وكذا القطاع الخاص والباحثين والأكاديميين والمهتمين بهذا المجال لتبادل الخبرات وطرح الآراء للخروج بتوصيات عملية عن كيفية تحقيق الشراكة الحقيقية بين القطاعين العام والخاص لتحمل المسؤولية الاجتماعية ومواجهة التحديات الجديدة التي تعترض المجتمع ودعم عملية تحقيق أهداف التنمية المستدامة).
وهذا يحدث في الإمارات كذلك (تنظم مجموعة أبوظبي للمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات، المنبثقة من مجموعة الإمارات للمسؤولية وغرفة تجارة وصناعة أبوظبي، مؤتمر أبوظبي للمسؤولية الاجتماعية للمؤسسات بمشاركة مؤسسات الدولة الحكومية والخاصة ونخبة من كبار الباحثين لمناقشة نفس القضية.
والكويت ليست بمعزل عن الجهود الخليجية في هذا المجال ، إذ يستقطب المؤتمر الثالث للمسؤولية الاجتماعية للشركات والمؤسسات، اهتمام العديد من المسؤولين في الشركات العالمية العاملة في مجال بحوث واستشارات وتقارير المسؤولية الاجتماعية.
(وسيناقش هؤلاء الخبراء الازمة الاقتصادية والمالية العالمية وأثرها على المسؤولية الاجتماعية للشركات وكيف يمكن للشركات ان تتفاعل مع هذه الازمة وتخرج منها بأقل خسائر ممكنة خاصة وانه يتوقع ان تستمر هذه الازمة الى نهاية 2010 وهو ما يخلق العديد من التحديات أمام الشركات).
لكن القضية ليست هي المسئولية الاجتماعية وهو عنوان عريض مجرد ولكن إشكاليات الرأسمالية الحكومية في كل بلد، وتوقفها عن دورها المطلق السابق، وحاجتها للقطاعات الخاصة دون أن تتخلى عن دوريها القيادين في السياسة والاقتصاد.
فكأن هذه المؤتمرات تقول لم تكن لدينا مسؤولية اجتماعية وعلينا الآن إيجادها!
والإشكالية لا تخفى وهي المتمثلة بإشكاليات القطاعات الحكومية وصعوبة سيطرتها على ظواهر الاقتصاد. أي أن هذه الأبنية الاقتصادية التي شكلت خلال نصف قرن استنفدت أدوارها لكن دون إعتراف من الدوائر المسئولة، التي تريد مواصلة التحكم في الموارد العامة وتريد في نفس الوقت معونة القطاعات الخاصة.
واعتبرت دراسة قامَ بها بنكُ الإمارات الصناعي في أبريل من العام الماضي بأن ظاهرة التضخم في الخليج وارتفاع تكاليف إقامة المشاريع وزيادة أسعار السلع والخدمات لا تقل أهمية عن مشكلة العجز وارتفاع الديون الحكومية التي تميزت بها سنوات التسعينيات، وقد حددت الدراسة ذلك على أساس سعر برميل النفط عند 100 دولار، وهو الأمر الذي حقق بعض الفوائد لكن الأمور تغيرت في السنوات الأخيرة.
ويحصر البنك دراسته الاقتصادية في الظواهر الخليجية الداخلية، حيث تـُفصل التحويلات المالية الهائلة لهذه الدول للخارج، وهي الأموال التي تآكلت في الغرب(3 تريليون دولار ونصف الترليون)، وكأن ليس لها علاقة بدول الخليج ولا بدعم اقتصادياتها . أما من ناحية قوة العمل فإن قوة العمل الأجنبية تمثل هدراً آخر؛ (إن تدفق العمال الاجانب الى دول مجلس التعاون حيث باتوا يشكلون حوالى 40 في المائة من السكان يمثل ظاهرة فريدة في العالم “فليس هناك أي مكان آخر في العالم الامور فيه على هذا النحو”، الخبير الاقتصادي السعودي إحسان بوحليقة، ويضيف (أصدرت السعودية في سنة 2007 حوالي 1،7 مليون تأشيرة عمل).
أما الدخول الحقيقية فكانت هائلة:
(أسفرت الطفرة النفطية الأخيرة (2002 حتى أواسط عام 2008) عن قدر كبير من الإيرادات لدول مجلس التعاون الخليجي الست، البحرين وعمان والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة والسعودية، قدرت بمعدل سنوي يصل الى 327 مليار دولار في الفترة بين 2002 و2006، أي أكثر من ضعف متوسطها، مقارنة بالسنوات الخمس السابقة، (15).
ولكن تتباين الدخول النفطية وتأثيراتها على كل من دول الخليج فالبحرين وعُمان ليست بمثل جيرانها :
(لكن البحرين وعمان تقدمان صورة مختلفة فقد سجل القطاع النفطي فيهما نسب نمو سلبية على مدى فترة هذه الدراسة، وهو ما يوضح ان البلدان ذات الموارد الضعيفة غير قادرة على الاستفادة من ارتفاع اسعار النفط والثروات الطبيعية، وتعاني البلدان من انحدار سريع في الاحتياطيات النفطية، وضآلة طاقة الانتاج، ويشدد الخبراء النفطيون على حاجة البلدين الى الاستثمار في طرق محسنة لاستخراج النفط، وقد كانت نسبة النمو في البحرين وعمان مدفوعة في صورة اساسية بالقطاعات غير النفطية كالخدمات المالية والبناء. لقد استفاد القطاع غير النفطي بشكل كبير من الانفاق العام الهادف ومن الزيادات الحادة في الانفاق الرأسمالي الموجه الى تحديث البنية الاساسية الصناعية، وتقليص القيود في القطاعات الرئيسة.) ،(16).
وتتجلى سياسة ضبابية الموارد وتقسيمها وهجرتها في مسألة الدين العام، فالدول النفطية الخليجية رغم تلك الإيرادات الكبيرة في خلال السنوات السابقة ازداد دينها العام:
(لذلك فان التوسع في الانفاق العام في الفترة بين عامي 2002 و2008 ارتبط بسياسة عامة اكثر صرامة نسبيا لتقليص الدين العام. وبعد عام 2002، نجحت بلدان مجلس التعاون في السيطرة على الدين العام وتقليصه الى متوسط 20.4 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي في عام 2006، مقارنة مع متوسط 69.9 في المائة في الفترة بين 1998 و2002. وسجلت المملكة العربية السعودية أعلى نسبة دين الى الناتج الاجمالي عام 2006 بلغت 28 في المائة، تبعتها البحرين بنسبة 23.3 في المائة، فيما سجلت الكويت ادنى نسبة 8.5 في المائة.)، (17).
مع تدفق تلك المبالغ في فترة العقد السابق فإن الدين العام وصل إلى هذا المستوى؟! كيف؟
علينا أن نرى مظاهر تطور القطاعات الخاصة لكون بعهضا يعيش على حساب تلك الإيرادات الضائعة، لقد غذت القطاعات العامة القطاعات الخاصة خلال فترة التحول السابقة، ثم وصلت القطاعات العامة للأزمة، دون أن نعرف من المسئول عن هذه الأزمة، القطاعات العامة أم الخاصة وكيف وبكم؟ هذه هي الخلاصة الكبيرة للمسألة، لكن الأرقام ضائعة!
ولهذا حين تطرح مقولات التعاون بين القطاعين العام والخاص لا تتوضح الصورة الضبابية.
تريد الأوساط الحكومية الخليجية الاستفادة من القطاعات الخاصة دون إعادة هيكلة للاقتصاديات العامة، وهي هيكلة لو جرت لأدت إلى عواصف اقتصادية واجتماعية بسبب أن التراكمات الربحية أهدر أغلبها من خلال أداوت التملك والإدارة والتوزيع، ولن تتحمل القطاعات الخاصة ما أضاعته تلك الملكيات الحكومية وأما أن تبيع ما تملكه أو بعضه المغذي الذي لا تريد أن تتخلى عنه، أو تتحمل فواتير الإدارة المتزايدة الصعوبة خلال السنوات القادمة.
وبهذا الحل أو ذاك فإن مناقشة القضية تحتاج إلى مواد تحليلية وشفافية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر :
(1) :(الهيئة العامة للاستعلامات المصرية).
(2): (السابق).
(3) (القطاع العام ليس من الاشتراكية في شيء، عمرو عبالرحمن، موقع البوصلة).
(4): ،(إلهامي الميرغني، مستقبل التطور الرأسمالي في مصر، موقع الحوار المتمدن).
(5): (سامح سعيد عبود، موقع البوصلة).
(6): (السابق)
(7): (موقع البوصلة، عمرو عبدالرحمن).
(8): (الموقع: مركز الدراسات الاشتراكية في مصر).
(9):(السابق).
(10): (السابق).
(11) (النفط نعمة ونقمة معاً، 24 مارس، 2009 إبراهيم سيف، جريدة القبس).
(12): (السابق)
(13): (السابق)
(14):(السابق)
(15):(السابق)
(16):(السابق).
(17): (السابق)
خلاصات عـــــــــــــــــــــامة
مسارات الرأسماليات الحكومية الشرقية
هناك ثلاثة إختيارات اقتصادية جرت في تواريخ الرأسماليات الحكومية الشرقية نبعت من ميزانِ قوىً اجتماعيةٍ ومن بُنى اقتصادية سابقة، ومن وجهاتِ نظرٍ سياسية مؤثرة على التطور، وهي قد انبثقتْ من هذه الأوضاع الرئيسية:
1 – ضعف الإقطاع وقوة البورجوازية.
2 – قوة الإقطاع وضعف البورجوازية.
3 – ضعف الإقطاع وضعف البورجوازية.
تتعلق التجاربُ من الصنف الأول المذكور أعلاه بمسار الشرق، حيث أن التدخلات الغربية في تاريخهِ الانتقالي بين الإقطاع والرأسمالية تحثهُ على التغييرِ والقفزةِ من واقعهِ المتخلفِ السابق نحو التحديث، وكلُ قيادةِ دولةٍ تكونُ لها خططها الاقتصادية، المنبثقة عن تجربتها وظروفها.
ينبثقُ الخيارُ الأولُ وهو ضعفُ الإقطاع وقوة البورجوازية من وجودِ ظروفٍ إستثنائيةٍ قد لا تتكرر في بلدان أخرى، ففي العادة التاريخية للشرق وهو يخرجُ من دياجير الظلمات الزراعية إلى النور الصناعي، أن يكونَ العكس هو الصحيح، أن يكون الإقطاع المسيطر خلال القرون السابقة هو السائد والقوي، وأما البورجوازية فهي ضعيفة تقتصر على المتاجر والصرافين، ولا يدعمها قطاعٌ صناعيٌّ مهم، ولكن في التجربة اليابانية ظهرتْ ظروفٌ مختلفة، بيناها في الحديث عن التجربة الرأسمالية الخاصة اليابانية، جعلتْ من قوة الحكم السياسي طليعة لوعي هذه البورجوازية وتنفيذاً لوجودها المضمر وإتاحة لنموها بكل السبل من خلال تخطيط بعيد المدى يستوعب قوانين التجربة الرأسمالية الغربية الخاصة، رغم أن هذه القيادة تتمثل في حكم الأمبراطور وجماعته، غير أنها تبنت خيار الغرب في البناء الاقتصادي بشكلٍ متكامل.
وتم تكرار تجربة اليابان في جنوب شرق آسيا عبر ما عُرف بتجارب النمور الآسيوية حيث يتاح نمو كبير للرأسماليات الخاصة، وتـُحجم الرأسمالية الحكومية، وهي تكرارٌ للتجربة اليابانية واستفادة من توظيفاتها وتقنياتها، وهذه الاستفادة من الجانبين البنيوي والتقني تعكس عمليات تسارع الرأسماليات الخاصة باعتبارها خط تطوري محوري ومتصاعد في تكوينات الرأسماليات الشرقية.
أما الخيار الثاني وهو (قوة الإقطاع وضعف البورجوازية) فهو خيارُ الكثير من دول آسيا وأفريقيا، خاصة الدول العربية والإسلامية، فهي بسببِ تخلفها الاقتصادي، وسطوات ماكينات الدول القديمة المتنفذة، وضعف قواها السياسية الطليعية الحكومية المتبصرة لآفاق المستقبل وتبعية القوى الاقتصادية الخاصة لها، فإنها تراوحُ في مسارها بين الإقطاع والحداثة الرأسمالية، بين الأحجام عن مشروعات الصناعات الكبرى وبين البقاء في مشروعات التجارة والعقارات والتمويل.
ويتمظهر ذلك بقوة في تقزم القطاعات الصناعية وعدم قوننة تطورها بشكل صحيح، وضعف نمو التصنيع في الأرياف، وإبعاد قوى بشرية واسعة عن الصناعة، كالنساء والقوى الهامشية والموظفين الحكوميين، وعدم خلق ثورة ثقافية مواكبة للتصنيع، ومحدودية الحريات.
وهذا يقود لهدر الثروات بشكل مستمر وبأشكال متعددة، فمرة نجد التسربات المالية الكبيرة المستمرة من القطاعات العامة إلى القطاعات الخاصة في العتمة السياسية، أو في تهريب الأموال، أو في تكاليف التسلح ونفقات الحروب، أو في البذخ وغير ذلك.
أما الخيار الثالث وهو الخيار المترتب على(ضعف الإقطاع وضعف البورجوازية) فهو يعتمد على لحظات ثورية فريدة من تاريخ أمم عريقة كالأمة الروسية والأمة الصينية، تقومُ فيها قوى الفئات البورجوازية الصغيرة المتحالفة مع العمال بقيادة معركة التصنيع والتحديث.
ونظراً لهذه القوى الشعبية المتجذرة والمتضررة من الأبنية الاقتصادية القديمة فإنها توسع مدى التغيير وتضرب بشدة العلاقات ما قبل الرأسمالية، وتضرب العلاقات الرأسمالية الخاصة كذلك بهذا المستوى أو ذاك بين هذه الدول، مما يؤدي إلى جعل الدول هي المالكة الرأسمالية الكبرى، وهو أمرٌ يعيد تشكيل الرأسمالية الخاصة على مستوى زمني معين، وبأشكال من التعثر والتطور حسب تجربة كل بلد وإختيارات قواه السياسية الحاكمة.
لكن ظروف ضعف الإقطاع وضعف البورجوزاية والمتجهة لتضخيم القطاعات العامة، لا تنفي التكون الرأسمالي. وتضخمُ القطاعات العامة يعودُ للتصدي لقوى الغزو الخارجي ومن أجل نهضة الأمم الشرقية خاصة في البدايات المُبشرة، لكن في نهاية مطاف بناء البنية التحتية يتوقفُ ويتراجع النمو الإيجابي لتصاعد عوامل الفساد الداخلية، وكون مشروع الرأسمالية الحكومية ليس له مالك معين فيضيعُ بين المالكين المتعددين من موظفين كبار وأحزاب وقوى اجتماعية مثل الأوقاف، وليس له علاقة مباشرة مع المنتجين ومع الجمهور المالك الوطني المُفترض، وبالتالي يصبحُ كماءِ السبيل، يتناقصُ ولا يزيد، يتآكل ولا ينمو. يتعطلُ نموه التقني، وتتراجعُ تطوراتهُ التكنولوجية الحفرية الداخلية، خاصة مع تفكك العلاقات بين المؤسسات الاقتصادية والتعليمية، بين العمال والإدارات، بين المؤسسات الاقتصادية والأسواق، وبهذا فإننا نجدُ القطاعاتِ الحكومية الرأسمالية بعد زمنٍ بأنها هي الخاسرة، تدفعُ أكثر مما تقبض، تتسلفُ وتزدادُ ديونـُها، رغم وفرة المواد الخام والمُصنعة المُباعة.
وهذا على المستويين الاقتصادي والاجتماعي النهائيين يتمظهرُ في تدني الأرباح وتراجع الخدمات، وتصاعد القطاعات الخاصة التي تقومُ على انقاض القطاعات العامة أو على تقزمها، فوزارات الصحة التي أكلتْ الكثيرَ من المالِ العام والأجسادِ وتردتْ خدماتها، تظهرُ إلى جانبها المستشفياتُ والشركاتُ الخاصة الأكثر نجاحاً والأكفأ علاجاً، لكن على ظهور الجمهور الذي يدفعُ باستمرار وبصورةٍ متصاعدةٍ أثمان كافة الفئات البورجوازية التي يتتابعُ ظهورُها في تاريخ الرأسماليتين العامة والخاصة، من جيوبه، مرة كمواطنٍ تابع لحكومات، ومرة كمواطن يشتري خدمات.
وفي الحالتين ينشأ رأسماليون يشكلون طبقة ويجمعون تراكمَ الأرباح مرة باعتبارها رواتب مجزية ورشوات وإكراميات وسرقات، ومرة على أعتبار أنها أرباح خالصة.
أو أن تحدث عمليات الخصخصة حيث تـُباع القطاعات العامة، الخاسرة ليتحملها الجمهور، أو الرابحة ويشتريها الرابحون، وفي كلِ الأحوال يدفعُ الجمهورُ ثمنَ غفلته.
(إصلاحات) الرأسماليات الحكومية الشرقية
بدأت التطورات السياسية في دول الشرق توضح أن الملكيات (العامة) كانت في أغلبها ملكيات حكومية بيروقراطية ولم تكن ملكيات شعبية حقيقية.
ولم يصل وعي الشعوب إلى أن تدخل بقوة لتغيير هذه الملكيات إلا بطرق عفوية.
إن القوى البيروقراطية داخل هذه القطاعات(العامة) هي التي قررت التغيير بناء على عوامل سياسية واقتصادية معقدة. فقد رأت أن مصالحها تتعرض للخطر إذا استمرت هذه الرأسمالية المُدارة من قبلها، مع غياب تفويض الإدارة من قبل الشعوب.
ولهذا كانت(الإصلاحات) هي استمرار لعقليات الهيمنة على الملكيات(العامة) فالدول هي التي تقرر مدى ما تسميه ب(الإصلاحات)، أي ما يُباع من هذه الملكيات وما يبقى تحت الإدارات وبأية طرق تتم عمليات التصفية والإبقاء.
الرأسماليات الحكومية التي تديرها البيروقراطيات تعني أنها ملكيات خاصة لهذه الإدارات التي تحكمت في التصرف بها خلال عقود، وإلى أي حد هي عامة وإلى أي حد هي خاصة، هذا أمر لا يعرف أهل كل بلد تدار فيه مثل هذه العمليات الاقتصادية.
أي أننا أمام طبعة ثانية من الرأسماليات الحكومية الشمولية، التي تقول أن هذه الملكيات هي عامة ولا يمكن بيعها كلها، ولا بد من الاحتفاظ بها كأساس للتنمية(الوطنية). رغم أن هذه الأملاك العامة في حالة خسائر مستمرة.
وللبيروقراطيات طرق تحايل عريقة ولكن أمام تباطؤ تطور هذه الملكيات وخسائرها والأثراء من خلالها لدى هذه البيروقراطيات بحيث غدا هذا الفساد مشكلة وفضيحة داخل أقسام أي طبقة حاكمة.
وهنا تطرح مسألة مهمة هل تغدو الإصلاحات طرق تحايل جديدة على الإصلاحات، أي يظهر شركاء جدد يمدون نفوذهم في الأملاك(العامة)، أم أن العملية جدية في هذا الإصلاح؟
ومن الواضح في البلدان الشرقية عموماً أن الصراع يدور حول فوائض المواد الخام الثمينة، كالبترول والغاز والفوسفات والمناجم وغيرها، وأصرار البيروقراطيات على التحكم في هذه الثروة وتوزيعها بطرق مُلتبسة، وأبعاد الرقابة الدقيقة عنها.
وتترتب على ميوعة توزيع الفوائض وإلتباسها حتى لدى المشرعين نظراً لتحكم الحكومات في تمويه الاتفاقيات الاقتصادية بين الحكومات والشركات المحلية أو العالمية، وكون هذه الاتفاقيات جرت في أزمنة الشمولية وغياب المعلومات لدى الرأي العام، استمرار الاختلالات في البناء الاجتماعي لكل بلد واستمرار الاضطرابات.
ونتيجة لأن إصلاحات الرأسمالية الحكومية الشمولية هي نسخة مستمرة للرأسمالية الحكومية المهيمنة فإن الأحوال تبقى على ما هي عليه أن لم تزدد سؤاً.
أحياناً تغدو الإصلاحات تفكيكاً لدولة كبيرة كالاتحاد السوفيتي، حيث تقوم البيروقراطية الأساسية وهي البيروقراطية الروسية في هذه الحالة بتملك أغلبية الثروة العامة للاتحاد السوفيتي، وهو أمرٌ أدى إلى إنفلاش الاتحاد وتحكم البيروقراطية الروسية بقوة في اقتصاد البلد وزاد هذا من الأثرياء الكبار إلى درجة هائلة!
وفي الصين ظهر أصحاب الملايين فوق عمل شعبي رخيص وهائل.
فكيف يغدو (الإصلاح) زيادة هائلة في الأثراء الفاسد؟
حدث هذا خاصة مع زيادات أسعار النفط، ونرى أن الصراعات بين الكتل الحاكمة، تتفاقم مع هذه الزيادات ومع ظهور وسائل أثراء جديدة. فتظهر قوى سياسة جديدة تقول بأنها تقوم بإصلاحات نظراً للوضع الاقتصادي السيء السابق، في حين أنها تريد وضع اليد على ملكيات الدولة أو أنها تريد توسيع حضورها الاقتصادي.
كذلك فإن أدوات الرقابة على الملكيات(العامة) ضئيلة جداً في هذه الدول ذات الملكيات العامة السائدة، نظراً لغياب البرلمانات والنقابات والصحافة الحرة خلال عقود، وهي إذا ظهرت تكون مقيدة بشكل كبير ومغلولة الأيدي عن الفعل المغير.
فإذا كانت الدول تملك 80% من الشركات الكبرى الإنتاجية المنتجة لفائض القيمة الوطني، وهي بهذا تتحكم في توجيه معظم الدخول، وتشكل الإدارات الحكومية والاقتصادية العامة كيفما تريد، ويغدو أغلب المواطنين وغير المواطنين يشتغلون لديها أو لدى قوى الرأسمال الخاص التي نمت تحت أجنحتها، فإن الديمقراطية والانتخابات والكتل السياسية تغدو من إعدادها للمسرح السياسي.
ولا عجب بهذا أن يستطيع حزب حكومي نبت بين ليلة وضحاها أن يسيطر على الأغلبية البرلمانية. أو أن صيغاً مشابهة تحدث في بلدان أخرى، كلها لا تغيّبُ هذه الحقيقة، بل تلونها حسب أوضاع وتطورات كل بلد.
فإذا استمر الفساد الاقتصادي كيف يمكن أن تجري إصلاحات؟
الخطورة أن تضاف قوى جديدة تشارك في العمليات الاقتصادية الغامضة، فيظهر مستثمرون مفاجئون وشركات وهمية جديدة، وقادة سياسيون كبار يظهرون بين عشية فاسدة وضحاها، وتبرز صحفٌ جديدة ذات إمكانيات هائلة وأصحابها معدمون، وتلعب الأجهزة الحكومية الإعلامية دوراً نشطاً في تصعيد مثل هذه الفقاعات السياسية والثقافية.
وفي خلال هذه الهوجة (الديمقراطية) تكون الأجهزة الحكومية والشركات الخاصة المتداخلة معها قد توغلت في مناطق استثمار جديدة واقتنصت ثروات خيالية، في حين أنها تماحك على الفلوس الصغيرة الموجهة للعاملين.
هل هي طبعة جديدة من الرأسمالية الحكومية الفاسدة الشرقية في حالة توسع، أي أن العملية هي تحسين صورة معينة وإبقاء الجوهر على ما هو عليه؟
هل تتمكن الأدوات الديمقراطية الشاحبة أن تفعل شيئاً مع صراعاتها ونشؤ أحزاب كثيرة وصراعات هذه الأحزاب مع بعضها البعض؟
بل أن بعض الرأسماليات الحكومية تقوم بتحميل العاملين فاتورة ما أفسدته في الاقتصاد وما يجري من تباطؤ في التطور الاقتصادي ومن ميزانيات هزيلة ومن تآكل للملكيات(العامة) بأشكال متعددة كالقيام بخصخصة للوزارات ذات الأهمية الجماهيرية كالكهرباء والبريد والمواصلات العامة والمياه وترك الموارد العامة الغنية تائهة أو غامضة الوضع.
عملية تغيير الطبعة الثانية من الرأسماليات الحكومية الشرقية صعبة ولا شك، ومسألة نمو الحريات الديمقراطية تحتاج لقوى شعبية ومعرفية وسياسية هائلة متعاونة.
لكن كما رأينا في بعض مسارات التطور فإن الإصلاحات والنضالات المختلفة تقود للمقاربة مع الرأسمالية الغربية الخاصة !
أنماط الرأسماليات الحكومية الشرقية
فيما كان سياسيو الشرق في بدايات القرن العشرين يحاولون القفز على الرأسمالية الغربية الخاصة، عبر نماذج مصطنعة، توجه سياسيو الشرق في أواخر هذا القرن إلى احتذاء نموذج الرأسمالية الغربية، لكن لا تزال الكثير من العقبات والآراء ومستويات التطور الموضوعي المتباين تحول دون ذلك.
وعلى أساس تطورات الرأسمالية الشرقية تنشأ ثلاث موديلات:
موديل الهيمنة الرأسمالية الحكومية المطلقة وهو نموذج قام به الاتحاد السوفيتي. ولم تستطعْ الدولُ الأخرى أن تقومَ بمثلهِ لصعوبتهِ وتطلبه مواردَ هائلة وخطورته على التطور الاقتصادي المستقبلي.
موديل هيمنة الرأسمالية الحكومية مع وجود قطاعات خاصة بهذا الاتساع أو ذلك، لكنها لا تمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد، وقد تكون مستقلة وقد تكون قد نشأت من الملكيات العامة بالباطن، وتقابل هذا حكومات دكتاتورية متعددة الأشكال السياسية لكن القبضة على الموارد العامة تكون هي السمة المشتركة.
وأخيراً موديل التعاون بين القطاع العام والقطاع الخاص بقيادة الأول، وهذا يفترضُ وضعاً ديمقراطياً ووطنياً منسجماً، وهو أمرٌ يشكلُ العكس كذلك دون الخروج عن عملية التعاون، أي أن يقوم القطاعُ الخاصُ بقيادة التطور الاقتصادي بدون إلغاء للقطاع العام الصناعي. أي أن هذا النموذج تحكمهُ مقارباتٌ بين القوى الاجتماعية الوطنية المختلفة من أجل تنمية القوى المنتجة المحلية بطرق اقتصادية مختلفة، ويجمعها جامعُ التطور المشترك لقوى الإنتاج. وهذا النموذج تمثله بعض التجارب في دول أمريكا اللاتينية عبر حكومات اليسار.
وفي حالة ثالثة هي حالة الصراع والألغاء فإن الوضع الاقتصادي يتجه للفوضى والاضطراب لغياب إستراتجية اقتصادية وطنية تجمع القوى العمالية والشعبية مع القطاع الخاص في خطة تنموية واحدة مشتركة كحالة مصر مثلاً.
وإذا لم يقمْ أي بلد بتأسيس قواعده الصناعية الكبرى فإن أنماط رأسمالياته الحكومية والخاصة تظل في حالة سيولة اقتصادية وسياسية غير مستقرة على نمط كلبنان على سبيل المثال.
وتمثل رأسماليات الخليج العربي الحكومية حالة مماثلة للموديل الثاني، فالحكوماتُ هي المهيمنة على أغلبية الموارد، وهناك هوامش كبيرة أو صغيرة للقطاع الخاص، مع مشكلات خاصة بالمنطقة، مثل الهدر الكبير للثروة من خلال ظواهر كثيرة: الفساد الحكومي، والعمالة الأجنبية، وتضخم أجهزة الدول، وغياب النساء عن الإنتاج، وضعف التطور العلمي الخ.
تؤدي مقارباتُ الدول الرأسمالية الحكومية للنموذج الغربي الرأسمالي، إلى سلسلة من التطورات والمشكلات الجديدة والصراعات السياسية والاجتماعية والثقافية الحادة.
فالانتقال من الموديل الأول إلى الموديل الثالث لأن الموديل الثاني هو تحصيل حاصل للأول، يعني تغيير بعض القطاعات العامة بيعاً أو إجراء إدارة رقابية شعبية واسعة على الفوائض الاقتصادية الناتجة منها، وتغيير العلاقة السياسية المهيمنة البيروقراطية على الاقتصاد إلى علاقة اقتصادية تعطي السلع وأدوات الإنتاج مساراتها الخاصة الموضوعية، وهذا يقود إلى تبدل أسس النظام ونسف الكثير من علاقاته.
ويعتمد ذلك على كيفية تغيير القوى السياسية للعلاقات الاقتصادية، هل ينشأ ذلك بخطة وطنية وبعلاقات ديمقراطية بين قوى الشعب أم أن حيتان القطاعات العامة تبقى مسيطرة. وإذا استمرت الحيتان فإن ذلك لا يعني تغييراً إلى الموديل الثالث بل هو بقاء في الموديلين السابقين.
وإذا حدث تغيير حقيقي، وتحول الرأسمال الوطني المجسد في شركات حكومية وأموال حكومية، وغدت كلها بيد الإدارة الشعبية، فهذا أمرٌ يغير البناء التحتي، وتتبدل علاقاتُ الإنتاج، ولا تعودُ الدولة هي المالكُ الكلي، وتصير رمزاً للمالكين الحقيقيين سواء كانوا قطاعاً عاماً أم خاصاً.
إن قوى الإنتاج المادية والبشرية التي تتعرض للاستنزاف من قبل الدول المهيمنة الفوقية والمُخطـِّطة كيفما تشاء للاقتصاد، والذي يقود لأشكال كثيرة من الفساد والهدر، تتعرض للتآكل والضعف على مستويات مختلفة كأن تتضخم في جانب وتضعف في جوانب أخرى مهمة، أو أن تذهب الموارد للخارج، أو لبذخ المسئولين. وهي عادة تجعل القوى العاملة في ضنك معيشي مستمر، وفي حالة ضعف علمي، وتضخم عددي كمي، نظراً لطابع الاقتصاد غير المخطط.
حقق النمط الأول خاصة تحولات كبرى في الإنتاج وحقق الثورة الصناعية في ظروف الشرق، لكن مع استمرار الدكتاتورية السياسية فإن الفوائض الاقتصادية وربما حتى الإنجازات الصناعية قد تتعرض للتدهور، بسبب بقاء عمليات الفساد والبيروقراطية، وبالتالي فإن فوائض كبيرة تذهب للخارج، أي أن الهبوط إلى الموديل الثاني ممكن كذلك للموديل الأول، مثلما يحدث في جمهورية روسيا الاتحادية حيث يحدث نزيفٌ ماليُّ نحو الغرب، وتبقى الصناعات ضعيفة، وتبقى الدولة بائعة مواد خام ثمينة وبضائع عسكرية. وهكذا فإن شبح الدولة الاستبدادية يطارد روسيا دائماً.
أما الموديل الثاني فهو جائزٌ أن يرتفعَ إلى مستوى الموديل الأول، إذا حوّلَّ قسماً كبيراً من الفوائض لإعادةِ إنتاجٍ موسعٍ موجهٍ للتحديث الصناعي والتحديث العلمي ولتغيير الـُبنى الاجتماعية والثقافية المتخلفة.
وتقومُ هذه الأنماط على نمو العلاقات الرأسمالية العالمية كذلك، المتناقضة بين الشرق والغرب، أي بسبب انتشار العلاقات الرأسمالية الواسعة في دولِ الشرق، وكذلك بسببِ تأزم العلاقات الرأسمالية في الغرب.
وهذان المظهران المتضادان يعكسان شبابية الأسواق الشرقية ووجود قوى عمل هائلة ورخيصة في بعض الدول الكبيرة، وحدوث انتقالات للرأسمال الغربي نحو هذه الدول، وشيخوخة الرأسمالية في الغرب من حيث تصاعد الأسعار والأجور والبحث عن الأسواق المتقلصة دائماً وتفجير بعض الحروب، (وهذه العملية تشكل إعادة إنتاج موسعة عالمية في بعض الدول الآسيوية الكبرى فيما تدهور بلداناً أخرى إلى درجة الهلاك)، إن هذه الظواهر تطور الرأسمالية في بعض بلدان الشرق، وتقوى حضور العمال والمؤسسات الديمقراطية الأهلية في حياة الدول الغربية.
كما أن الدول الغربية تستدعي عمالة شرقية رخيصة، مثلما تمتص الفوائد النقدية الكبيرة، القادمة من دول النفط.
وهكذا فإن أزمة العقارات الأمريكية مثلاً تعبر عن تصاعد الاقتصاديات الطفيلية، أي تسارع بعض القطاعات المالية خصوصاً لجني أرباح كبيرة بدون أن يواكب ذلك تطور الإنتاج، فتغدو الأزمات المالية الغربية ليس كما كان في الماضي مقصورة على الغرب بل تصبح عالمية، بسبب تشابك موديلات الشرق الاقتصادية مع الرأسماليات الخاصة الغربية. فتغدو الظواهر الطفيلية والأزمات كونية تعرقل الإنتاج العالمي.
من يملك الرأسمالية الحكومية؟
في إحتدام الصراعات الاقتصادية والسياسية في العالم الثالث الذي يحاول الخروج من الطبيعة الهجينة الاقتصادية لأنظمته تبقى الملكية (العامة) محور تلك الصراعات.
غموض الملكية من غموض التطور السياسي، حيث تواصلُ الدولة دورَها الإقطاعي القديم بالهيمنة على الأرض، ثم الموارد، ثم الثقافة.
إن أعمار الملكيات الحكومية تتراوح مع نشؤ نقيضتها الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، فهي تغدو حاضنة للجمهور العامل، الذي يجد في الملكية العامة جانباً أفضل من الملكية الخاصة تلك، ومن هنا نشؤ الأبويات الاقتصادية الشرقية التي تتمظهر حيناً بالدولة الوطنية وحيناً بالدولة الاشتراكية، وهو أمر يسرع في بعض الجوانب من اللحاق بالغرب.
تنبثق الملكية العامة من الأدوار العتيقة للدول الشرقية، فنجد أن الأرض هي الملكية الأساسية لانبثاق الرأسمالية الحكومية، لكنها لا تـُؤخذ كبضاعةٍ بشكل كلي، بل كملكية تابعة للحكومة، فهي توزعها أو تصادرها أو تحولها لأملاك (عامة) كيفما تحدثُ السيطرة السياسية.
تساعدها في ذلك الجذور القديمة حيث وجود الملكيات العامة للآبار وللمراعي، وبالتالي الغياب العميق للملكية الخاصة الزراعية، التي ظهرت في بعض الدول الشرقية الكبيرة خلال القرنين الماضيين فقط، كما ظهر ذلك في ما يسمى بإصلاحات محمد علي في مصر.
كانت وجود الملكيات الجماعية للأرض الزراعية في الشرق من أهم أسباب استقرار الزراعة ومحاصيلها، ومن أهم أسباب الجمود الاجتماعي كذلك، فهو شكلٌ يؤبدُ الملكية الإقطاعية حيث لا تقوم الحكومات في المراكز (الوطنية) أو في مركز الخلافة بتغيير نمط الزراعة وتطويره أو تبديل حياة المزارعين، أنها فقط تكتفي ب(الخراج) حتى سمى أحدُ الباحثين هذا النمط الإقطاعي باقتصاد الخراج.
ولهذا حدث في قرون الحداثة العربية الأولى هذا الأقحام للملكية الخاصة في الريف، عبر هيمنة الدول المحلية أو الغربية، وقدمت قوى يسارية عديدة مشروعات تقوم على الاحتفاظ بهذا الشكل التعاوني الإنتاجي في الزراعة، وتطويره لمقتضيات الحداثة.
كان إلحاق الملكية الزراعية بالدولة قد تم بأشكال عديدة إذن، عبر التملك الخاص، أو عبر الاقتصاد الحكومي العام، وهو ما شكل جذور التدهور المستقبلي الكبير للزراعة، خاصة في مواجهة نمور التغلغل المتعددة، وأدى إلى تدهور البيئة الزراعية، وتخفيض أجور العمال للانتقال للمدن، وخلق فوائض سكانية جاهزة للحروب والعمل المنخفض السعر وإستغلال الأرياف والبوادي للهو والصيد.
حولت الدولُ الأرضَ وخاماتها وإنتاجها إلى تابع لها، لأنها كانت الثروة الأساسية في الزمن السابق، لكن مع تغير الثروة وانتقالها للمواد الخام الصناعية، انتقلت سيطرات الدول إليها، وأخذت الأرضُ الزراعية تفقدُ أهميتها المركزية. وهو الأمر الذي ساهم في تدهور مكانة السلع الزراعية وانحدارها، خاصة مع عدم تحديث الأرياف.
هذا قد وضع السيطرة الإقطاعية على التطور الرأسمالي الشرقي المتنامي منذ البداية، فجعل من ملك الأرض سابقاً يملك البترول والحديد والذهب الخ.
تنامت ثرواتُ من يحكم، تبعاً لسيطرته على المواد الخام، ومدى قيمها في السوق العالمية، ومع غياب الديمقراطية فإن الثروات معظمها شكل (الرأسماليات الخاصة)، فإذا كان هناك رقابة شعبية، أو أن الحكم قد انبثق من ثورة، فإن تحجيم الرأسمالية الخاصة داخل الحكومة أمر ممكن، وهو الأمر الذي يوسع الملكية العامة حسب حضور القوى العمالية والاشتراكية داخل النظام، لكن ذلك مؤقت، فقوى الإستغلال أقوى من قوى الشراكة، وغياب الحريات يشجع على الفساد، وما تلبث الملكيات العامة أن تـُنخر ويتحدد ذلك اقتصادياً في الانتقال من زمن الوفرة إلى زمن الاستدانات الحكومية المتعددة ثم يأتي الأفلاسان الاقتصادي والسياسي في نهاية المطاف.
إن الملكيات العامة تغدو مشكلة محورية مع تتابع الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية الحديثة، فيظهرُ الخلافُ على الأملاك الحكومية نفسها، حين تتشق الدولة الكبيرة إلى دول، كما حدث في روسيا ودول الرابطة على ممتلكات الاتحاد السوفيتي السابقة، وكما يجري من خلاف على ممتلكات العراق النفطية، وكما يحدث من سلب علني للقطاعات والأملاك العامة في العديد من الدول. وحين تثور القوميات والطوائف في بعض الدول بسبب الموارد العامة وسؤ توزيع فوائضها إيذاناً أما بفك الارتباط بينها أو بتشكيل وحدة قومية أو وطنية على أسس جديدة.
لكن نقيض الملكية الحكومية هو الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، فهذه الملكية المتقزمة خلافاً للملكية العامة تصعدُ وتتوسعُ، فالملكية العامة تتوقفُ عن النمو في لحظةٍ زمنية معينة متعددة الأشكال بين الدول الشرقية، حسب تطوراتها الخاصة، وهذا التوقف هو الذي يصعدُ النقيضُ أي الملكية الخاصة، وكانت الطواقمُ الإدارية وهي تشتغلُ للملكية العامة تفكر في كيفية تنامي أملاكها الخاصة، وعبر الخطط الاقتصادية والإنشاءات الوطنية الباهرة والمفيدة في العديد من الجوانب تزدهرُ الجيوبُ الخاصة، فيتم نقل الفوائض بشكل مستمر من جهة إلى جهة أخرى، حتى تبدو الفوارق متسعة وكبيرة وتزداد بين الضفتين المتباعدتين! كما تتدهور الخدمات الحكومية بشكل دائم وتقام إلى جوانبها الخدمات الخاصة التجارية.
كما يتم هنا الاستفادة من ملكيات الأرض حسب وضع كل دولة، فتـُلحق بالمشروعات الحكومية الخاصة.
لا تتيح تطورات الملكية الخاصة المنبثقة من الملكيات العامة مستويات ديمقراطية كبيرة، فقد اعتمدت الدولُ على الدين كشكل تغيّب بهِ وعي الناس، أو على أي إرث سياسي يستخدم في عمليات تلميع من جهة وإطفاء من جهةٍ أخرى، وهي كلها أفكار تحنيطية للوعي تمنعه من رؤية الواقع، ولهذا فإن الليبرالية تظهر بشكل كسيح، عاجزة عن التحول إلى ميدان السياسة، ونظريات الغرب التقنية الثقافية تتحول إلى سحر آخر.
وليس عجز الليبراليات سوى عجز للملكية الخاصة لوسائل الإنتاج عن الأنتشار والتعمق في مواد الأرض وخاماتها والتوظيف الحديث لبشرها، ولضعف وعي العمال تجاه الملكيات العامة. ومن هنا فإن الإيديولوجيات المستوردة تبقى بلا قواعد مادية تحملها للناس.
26/12/2009
❁ تم ❁
عبـــــــدالله خلـــــــيفة
كاتب وروائي
𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆
𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙
21.10.2014 | 1.3.1948
◇ من مواليد القضيبية – البحرين.
◇ خريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى سنة 1974.
◇ عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعية والثقافية في الصحف البحرينية والخليجية، ونشر في العديد من الدوريات العربية.
◇ عضو اتحاد الكتاب العرب بسوريا.
◇ ساهم في مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب، وأول مؤتمر أشترك فيه كان سنة 1975 الذي عقد بالجمهورية الجزائرية وقدم فيه بحثاً عن تطور القصة القصيرة في البحرين، وشارك في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب بتونس سنة 2002، ببحث تحت عنوان «جذور العنف في الحياة العربية المعاصرة»، وشارك في مؤتمر بجمهورية مصر العربية سنة 2003، وببحث تحت عنوان «المثقف العربي بين الحرية والاستبداد» وذلك باتحاد الكتاب المصريين. والعديد من المؤتمرات الادبية العربية.
◇ منذ سنة 1966 مارس عبــدالله خلــيفة كتابة القصة القصيرة بشكل مكثف وواسع أكثر من بقية الأعمال الأدبية والفكرية التي كان يمازجها مع هذا الإنتاج، حيث ترابطت لديه الكتابة بشتى أنواعها: مقالة، ودراسة، وقصة، ونقد. ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي قام بطبع نتاجه القصصي والروائي والفكري في دور النشر العربية المختلفة.
ونتاجه الأدبي والفكري يتنوع على النحو التالي:
✗ القصص القصيرة:
1 – لحن الشتاء «قصص»، دار الغد، المنامة_ البحرين، 1975.
❖ «القصص: الغرباء – الملك – هكذا تكلم عبد المولى – الكلاب – اغتيال – حامل البرق – الملاذ – السندباد – لحن الشتاء – الوحل – نجمة الخليج – الطائر – القبر الكبير – الصدى – العين».
2 – الرمل والياسمين «قصص»، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1982.
❖ «القصص: الفتاة والأمير – علي بابا واللصوص – شجرة الياسمين – العوسج – الوجه – الأرض والسماء – المصباح – نزهة – الصورة – اللقاء – لعبة الرمل– الأحجار – العرائس – الماء والدخان».
3 – يوم قائظ «قصص»، دار الفارابي، بيروت، 1984.
❖ «القصص: الدرب – أماه… أين أنت – الخروج – الجد – الجزيرة».
4 – سهرة «قصص»، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1994.
❖ «القصص:السفر – سهرة – قبضة تراب – الطوفان – الأضواء – ليلة رأس السنة – خميس – هذا الجسد لك – هذا الجسد لي – أنا وأمي – الرمل والحجر».
5 – دهشة الساحر «قصص»، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، 1997.
❖ «القصص: طريق النبع – الأصنام – الليل والنهار – الأميرة والصعلوك – الترانيم – دهشة الساحر – الصحراء – الجبل البعيد– الأحفاد – نجمة الصباح».
6 – جنون النخيل «قصص»، دار شرقيات، القاهرة 1998.
❖ «القصص: بعد الانفجار – الموت لأكثر من مرة واحدة! – الأخوان – شهوة الدم – ياقوت – جنون النخيل – النوارس تغادر المدينة –رجب وأمينة – عند التلال – الأم والموت – النفق – ميلاد».
7 – سيد الضريح «قصص»، وكالة الصحافة العربية، القاهرة، 2003.
❖ «القصص: طائران فوق عرش النار – وراء الجبال – ثنائية القتل المتخفي – البركان – سيد الضريح – وتر في الليل المقطوع – أطياف – رؤيا – محاكمة على بابا – الحارس».
8 – الكسيحُ ينهض «قصص» دار نينوى للدراسات والنشر 2017.
❖ «القصص: الشاهدُ.. على اليمين – الكسيحُ ينهض – جزيرة الموتى – مكي الجني – عرضٌ في الظلام – حفار القبور – شراء روح – كابوس – ليلة صوفية – الخنفساء – بائع الموسيقى– الجنة – الطائر الأصفر – موت سعاد – زينب والعصافير – شريفة والأشباح – موزة والزيت – حمامات فوق سطح قلبي – سقوط اللون – الطريق إلى الحج – حادثة تحت المطر – قمرٌ ولصوص وشحاذون – مقامة التلفزيون – موتٌ في سوق مزدحمٍ – نهاياتُ أغسطس – المغني والأميرة».
9 – أنطولوجيا الحمير «قصص» دار نينوى للدراسات والنشر 2017.
❖ «القصص: انطولوجيا الحمير – عمران – على أجنحة الرماد – خيمةٌ في الجوار – ناشرٌ ومنشورٌ– شهوة الأرض – إغلاقُ المتحفِ لدواعي الإصلاح – طائرٌ في الدخان – الحيُّ والميت – الأعزلُ في الشركِ – الرادود – تحقيقٌ – المطرُ يموتُ متسولاً – بدون ساقين – عودة الشيخ لرباه – بيت الرماد – صلاةُ الجائع – في غابات الريف – القائدُ مجنونٌ – الحية – العـَلـَم – دموعُ البقرة – في الثلاجة – مقامات الشيخ معيوف».
10 – إنهم يهزون الأرض! «قصص» دار نينوى للدراسات والنشر 2017.
❖ «القصص: رسالةٌ من بـينِ الأظافر – الأسود – عاليةٌ – جلسةٌ سادسةٌ للألمِ – غيابٌ – عودةٌ للمهاجرِ – دائرةُ السعفِ – الضمير – المحارب الذي لم يحارب – الموتُ حُبـَأً – إنهم يهزون الأرض! – حـُلمٌ في الغسق – رحلة الرماد – أعلامٌ على الماء – گبگب الخليج الأخير – المنتمي إلى جبريل – البق – رغيفُ العسلِ والجمر – عوليس أو إدريس – المفازة – قضايا هاشم المختار – أنشودة الصقر – غليانُ المياه».
11 – ضوء المعتزلة «قصص» دار نينوى للدراسات والنشر 2017.
❖ «القصص: ضوء المعتزلة – جزرُ الأقمار السوداء – سيرة شهاب – معصومة وجلنار– سارق الأطفال – شظايا – الترابيون».
12 – باب البحر «قصص» دار نينوى للدراسات والنشر 2020.
❖ «القصص: وراء البحر.. – كل شيء ليس على ما يرام – قمرٌ فوق دمشق – الحب هو الحب – شجرة في بيت الجيران – المذبحة – إجازة نصف يوم – حادث – البائع والكلب – ماذا تبغين ايتها الكآبة؟ – إمرأة – الربان – إذا أردتَ أن تكونَ حماراً – اللوحة الأخيرة – شاعرُ الصراف الآلي – البيت – حوت – أطروحةٌ – ملكة الشاشة – الغولة – وسواسٌ – مقامة المسرح – إعدام مؤلف – يقظة غريبة».
✾ الأعمال الروائية الكاملة، المجلد الأول: اللآلئ، القرصان والمدينة، الهيرات، أغنية الماء والنار، 2004.
✾ الأعمال القصصية الكاملة، المجلد الثاني: لحن الشتاء، الرمل والياسمين، يوم قائظ، سهرة، دهشة الساحر، جنون النخيل، سيد الضريح، 2021.
✾ الأعمال الروائية الكاملة، المجلد الثالث: مريم لا تعرف الحداد، الضباب، نشيد البحر، الأقلف، الينابيع، 2021.
✾ الأعمال التاريخية الكاملة، المجلد الرابع: محمد ثائراً، عمر بن الخطاب شهيداً، عثمان بن عفان شهيداً، يا علي! أميرُ المؤمنين شهيداً، رأس الحسين، مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني، ضوء المعتزلة، 2021.
✗ الأعمال الروائية:
13 – اللآلئ، 1982.
14 – القرصان والمدينة، 1982.
15 – الهيرات، 1983.
16 – أغنية الماء والنار، 1989.
17 – مريم لا تعرف الحداد، 1991.
18 – الضباب، 1994.
19 – نشيد البحر، 1994.
20 – الأقلف، 2002.
21 – ساعة ظهور الأرواح، 2004.
22 – رأس الحسين، 2006.
23– عمر بن الخطاب شهيداً، 2007.
24– التماثيل، 2007.
25 – عثمان بن عفان شهيداً، 2008.
26 – يا علي! أميرُ المؤمنين شهيداً، 2008.
27 – محمد ثائراً، 2010.
28 – ذهب مع النفط، 2010.
29 – عنترة يعود الى الجزيرة، 2011.
30 – الينابيع, الطبعة الكاملة، 2012.
31 – عقاب قاتل، 2014.
32 – اغتصاب كوكب، 2014.
33 – رسائل جمال عبدالناصر السرية، 2015.
34 – ثمن الروح، 2016.
35 – ألماس والأبنوس، 2016.
36 – ابنُ السيد، 2016.
37 – الأرض تحت الأنقاض، 2017.
38 – حورية البحر، 2017.
39 – طريق اللؤلؤ، 2017.
40 – بورتريه قصاب، 2017.
41 – مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني، 2018.
42 – شاعرُ الضياء، 2018.
43 – خَليجُ الأرواحِ الضَائعةِ، 2019.
44 – هُـدهـُـد سـليمـان، 2019.
✗ الدراسات النقدية والفكرية:
45 – الراوي في عالم محمد عبد الملك القصصي، 2004.
46 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، صدر الجزء الأول والثاني معاً بمجلد واحد، في ستمائة صفحة، ويعرضُ فيه المقدمات الفكرية والاجتماعية لظهور الإسلام والفلسفة العربية، 2005.
47 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الثالث، وهو يتناول تشكل الفلسفة العربية عند أبرز ممثليها من الفارابي حتى ابن رشد 2005.
48 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث، وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة، 2015.
49 – نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية، 2007.
50– تجارب روائية من الخليج والجزيرة العربية، 2008.
51 – صراع الطوائف والطبقات في المشرق العربي وإيران، 2016.
52 – الملعون سيرة وحوارات وما كتب عنه، 2016.
53 – تطور الأنواع الأدبية العربية: دراسة تحليلية للأنواع من الشعر الجاهلي والقرآن حتى الأدب المعاصر، وهي دراسة مكثفة فكرية تكشف علاقة التداخل بين النصوص العربية والصراع الاجتماعي، 2016.
54 – الكتاب الأول: رأس المال الحكومي الشرقي: وهي قراءة جديدة للماركسية، تبحثُ أسلوبَ الإنتاجِ الراهن في الشرق عبر نظرة مختلفة، الكتاب الثاني:لينين ومغامرة الاشتراكية: وهو كتيب نظري تحليلي لأفكار لينين ولنظريته، 2016.
55 – عالم قاسم حداد الشعري، 2019.
56 – عبـدالله خلــيفة: عرضٌ ونقدٌ عن أعماله، 2019.
57 – الكلمة من أجل الإنسان، 2020.
عبــدالله خلــيفة على موقع الحوار المتمدن
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=436071
مليون قارئ. 6,348,633 عدد إجمالي القراءات:
عدد المقالات المنشورة: 1,218.
عبــدالله خلــيفة على ووردبريس:
https://isaalbuflasablog.wordpress.com
https://iakalbuflasa.wordpress.com
عبــدالله خلــيفة على الفيسبوك:
https://www.facebook.com/abdullakhalifaalbuflasa
عبــدالله خلــيفة على You Tube:
https://www.youtube.com/channel/UCdyc68FyFxWEu1nt9I7K46w
عبــدالله خلــيفة على مدونة بينترست:
عبــدالله خلــيفة على مدونة إنستغرام:
https://www.instagram.com/abdulla_khalifa_albuflasa
البريد الالكتروني لـ عيسا خليفة البوفلاسة
isa.albuflasa@gmail.com
isa_albuflasa@yahoo.com
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
ذاتياتٌ وفتات
كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة
نشؤ الفكر الاشتراكي إعتمد على كونه الموضوعي الوحيد، لأنه يكشف أساس الوجود الاجتماعي المتناقض من خلال حياة طبقة لا مصلحة لها في تزييف الواقع وتغييب سببيات الوجود.
وهو شيء عامة صحيح في القرن التاسع عشر حين كان المثقف النقدي الريادي الحر يدرس بعمق الوجود، فالتاريخ بتناقضاته لم يكن يُفهم بشكل موضوعي.
جاء هذا الفكر من أجل أن تزدهر الذاتية العقلانية المتجددة لا أن تتشيأ رأسمالياً وتذوب.
وكانت الطبقة الرأسمالية ذاتها قد إعتمدت على أن الفردية هي بؤرة المجتمع، الفردية المتفتحة المزدهرة بالحياة والانتاج.
لكن الأفراد صاروا غباراً في الأنظمة، والفلسفات في الغرب المعبرة عن حراك الطبقة الوسطى حاضنة الفردية ركزت على دعم الفردية وحصرها في أناها الأناني أو المنقطع عن الآخرين، منذ أن سخر مؤسس الوجودية كيريغارد من هيغل وعقلانيته الطاوسيية المعلقة في السماء وأساطير المطلق.
الوجودية وتيارات الحياة ركزت على هذه الفردية المسحوقة حتى توارت هذه الفلسفات وظهرت الفلسفاتُ الوضعيةُ المركزة على الأفكار والدرس خارج الذات المحروقة.
نمو الأنظمة الشمولية الكبرى في القرن العشرين حوّلَ البشر إلى فتاتٍ، إلى كائناتٍ مسحوقة، إلى مجردِ أدواتٍ للمصانع والدوائر وإلى طعامٍ للدول.
الاشتراكية والرأسمالية في القرن العشرين هما مجتمعا الاستعمار الشرقي والغربي.
في (الإشتراكية) الشرقية يتم إبقاء إستعمار الشعوب التي تمت السيطرة عليها كما في مرحلة القيصرية الاستعمارية أو الصينية أو الصربية أو كما سيجري لاحقاً من إنفكاكاتٍ مروعة ، وفي الغرب يتم إستعمار بقية العالم.
رأسماليات الشرق الشمولية في روسيا والصين وإيران وإسرائيل تعني السيطرة على الشعوب والأمم التابعة داخل سيطراتها القديمة.
عالم القرن العشرين هو العالم الذي ساد فيه الاستعمار لكل خلية جغرافية، لم يبق مكانٌ خارجَ السيطرة.
هو العالم الذي تم فيه سحق البشر والهيمنة عليهم في كل مكان.
فلسفات الغرب وراؤه حاولت أن تركز في حقبةٍ كبيرة من كيريغارد حتى سارتر بأن تخلق له مكانة حرة، أن تمنع السيطرات الخارجية الهائلة أن تصل لنفسه وروحه. لكن هذه الحريات كانت صغيرة في ظل آلة الرأسمالية الشاملة التي حسب شهيتها الهائلة للأسواق والرساميل كانت تنتجُ الحروبَ أكثر الظاهرات تدميراً للبشر وفتحاً للأسواق.
الرجلُ الذي وجدَ نفسه خنفساء عند كافكا هو ثنائيةُ الوجود في عالم رأسمالي كابوسي.
العالم الاشتراكي الوطني الذي هو رأسمالية شرقية شمولية سحقَ الشعوبَ بقسوة شديدة كذلك، آلات القوميات العتيقة الإقطاعية الملتهمة للقوميات الأخرى والأديان محت وجود الفرد المستقل.
الاقتصادياتُ المرفوعةُ لمستوى المحارق المقدسةِ إلتهمتْ الملايين بدون أي نأمةٍ ذاتية بارزة، لم تتح لها حتى أن تكون خنفساء كافكاوية.
ثورات التحرر الوطنية كان يمكن أن تشعلَ قناديل للفرديةٍ الخلاقة، لولا أن رأسماليات الدول التي هيمنت على الاقتصاديات واصلت تحويل الإنسان لحشرة، فحروبُ الصراعاتِ الطبقية ضد المختلفين حطمت الكثير من الشُعلِ الذاتية للأفراد فأما أن يزولوا وأما أن يظلوا أصفاراً.
لا تريد الأنظمة الاستغلالية سوى البشر النسخ، البشر الذائبين في السلع، البراغي المستعدة للقتل والتحول لفراشاتٍ صفراء في النصوص الميتة، وبكسرِ آلات الحفر الفكرية، ونشر الأقنعة، والدمى والأساتذة المقطوعي اللسان.
لم تصنع الاشتراكية الوطنية الدينية والدول القومية الكلية ذات الكائنات المحبوسة الملغاة من تواريخها ولغاتها وأحلامها، سوى أن تكون الأشكال الجماعية البوليسية سواءً عبر وعي أو دين كرنفالي إحتفالي يتم فيه إعداد المواطنين للقتل، وللانصهار في رموز الدم، وليكونوا عيوناً تحدقُ في كلِ نأمةِ تغيير من فرد، وتُشهرُ بالمختلفِ الحر، وتعتقلُ الأرحامَ عن الولادات، وتحرق ما يشذ عن النسخ.
القادمون الجدد لمعابد البضائع والرساميل المعبودة يحرقون البخور البشري لترضى بنوك الدم، ويتحول البشرُ لرمال، وذرات في أجهزة، ودخان في الزمن.
القرن العشرون كان زمن توسع وظهور الرأسماليتين الكبريين الغربية والشرقية وحروبهما المتعددة الأشكال، ربما وصل القتلى لمائتي مليون قتيل، هذا كان غباراً بشرياً كلياً، أما إندماجهما وتحولهما لرأسماليةٍ كونية واحدة وفتح آخر قلاع رأسماليات الدول والجماعات الشمولية المغلقة في القرن الواحد والعشرين فأمامه حروب وأسلحة نووية وجرثومية فكم سوف يكون عدد القتلى والبشر مشغولون بالدفاع عن شبكاتها العنكبوتية التي تساقطوا فيها كالذباب؟ (كم وصل عددُ القتلى الآن في سوريا؟).
تظل في الغرب مساحاتٌ كبيرةٌ للفرد لكون ثمة نضالات كبيرة وكثيرة خلال قرون موجهة من أجل الفرد المحدد العياني الملموس، لا الجموع المجردة فقط. لكن في الشرق الأمر مختلف، ثمة تاريخٌ هائل من نفي الأفراد وإزالة الفردية الخصبة وتوسيع الجموع القطعان. وهؤلاء من السهل أن يلغوا ذواتهم ويسحقوا الآخرين.
إنهم مثل بطل المسرحي أبسن (برغونت) الذي يقشرُ بصلةً ولا يصلُ للبِ أبداً، وربما كان الأمر أسوأ في الإنسان المعاصر الذي كلما نزع قشراً إنفجرَّ في وجهه.
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
عبـــــــدالله خلــــــــيفة : يحيا في إبداعه الأدبي

فيصل عبدالحسن

كان هدفه جعل الناس يؤمنون بما آمن به
الموت ليس هو فَصْلُ الخِطَابِ في حياة المبدعين، فكم من مبدع عاش لقرون بعد موته الفسيولوجي، ومن هؤلاء الروائي البحريني عبدالله خليفة، الذي وافاه الأجل في 21 أكتوبر 2014. وتصادف ذكراه الثالثة صدور كتاب نقدي عن إبداعه القصصي والروائي بعنوان “عبدالله خليفة .. السرد في زمن الإبداع” بأقلام ثلاثة من النقاد هم: الرشيد بوشعير وفيصل عبدالحسن والباحث صبري مسلم حمادي.
قدم للكتاب الناقد عمر عبدالعزيز، الذي أشار في تقديمه إلى القلق العميق، الذي وضع الكاتب النقاد فيه، حول تجنيس إبداعه. متسائلا هل ما كتب سيرة أم رواية؟
يقول عبدالعزيز ” الاستنتاج المركزي الذي يمكن الوصول إليه من خلال تصفُّح النصوص الإبداعية السردية للراحل عبدالله خليفة، يفتح سؤالاً هاماً حول قلق التجنيس للنصوص السردية، حيث جسَّر المسافة بين المفارقات السردية الناجمة عن خصوصيات الرواية، وأدب السيرة الذاتية والقصة، وصولاً إلى النص المفتوح، وبهذا المعنى اختارالسارد العليم أن يكون شاهداً على تراسل الأنواع الأدبية، توطئة لتراسل أشمل ضمن المنظومة المفاهيمية الكلية النابعة من ثقافة عالمة، وذائقة فنية أفقية“.
قدم للكتاب الناقد عمر عبدالعزيز، الذي أشار في تقديمه إلى القلق العميق، الذي وضع الكاتب النقاد فيه، حول تجنيس إبداعه. متسائلا هل ما كتب سيرة أم رواية؟
الحساسية الجديدة
تناول الناقد بوشعير المنجز الروائي لخليفة من خلال قراءات مختلفة لمنجزه الروائي، منذ رواياته الأولى، كاللآلئ، والقرصان والمدينة، والهيرات، وأغنية الماء والنفط، وامرأة، وحتى ما كتبه في أواخِر حياته، كنشيد البحر، والينابيع، وعقاب قاتل.
ومن خلال قراءاته المتعددة لإبداع الراحل الروائي خرج برأي نقدي قال فيه “إنَّ الرواية عند عبدالله خليفة لم تكن ترفاً أدبيّاً أو جماليّاً دعائيّاً يعلن عن قدرة التربة الخليجية على احتضان وسائل هذا الفن السردي، بقدر ما كانت أداة لا غنى عنها لرصد حركة التاريخ الاجتماعي والفكري، والتعبير عن الهواجس الذاتية، والأزمات الموضوعية، ووعاء لطموحات المبدع المرهف الحساسية، وبحثه الدائب عن القيم الإنسانية، التي تذوب في زحمة التغيرات المحلية والعالمية”.
بينما رأى كاتب هذه السطور أن إبداع خليفة من خلال الحساسية الجديدة في الرواية والقصة العربية، قد شاءت أن تستخدم حياة كاتبها لتكون مادة روائية ممتعة يعيش القارئ فصولها، ويتعرف من خلالها على مفاصل المجتمع وتاريخه وتابوهاته.
ومَن أصدق مِن كاتب يضع على وجهه قناع شخصية روائية، ليعيد تفصيل مجتمعه بكل صدق، وصراحة، وموضوعية من دون خوف، ولا إدانة من قبل المجتمع، الذي يكتب عنه؟ فالكتابة عند خليفة بلسان شخصية خيالية في متن روائي من خيال محض كما يظن البعض، ولكن ما كُتب هو الحقيقة، لما عاشه الكاتب وما رآه وتأثر به.
الحساسية الجديدة في الرواية والقصة العربية، التي شاءت أن تستخدم حياة كاتبها لتكون مادة روائية ممتعة
صحافيون فقراء
ملأ خليفة مجموعتين بهذا النوع من القصص، التي تحكي محكيات من حياة كاتبها، فنجد في مجموعته “سهرة”، التي صدرت عام 1994 و”دهشة الساحر” التي صدرت عام 1997، الكثير من القصص التي تحكي عن معاناة كاتب، وصحافي في بداية طريقه إلى الكتابة والنشر. والكاتب يعيش وسط عائلة بحرينية متوسطة الحال، وعلى عادة هكذا عائلات في الشرق، فإنَّها لا ترى في الأدب وكتابته غير ضياع للوقت والجهد. وأنَّ الابن الموهوب إنْ استمر في هكذا ولع، فهو ضائع لا محالة، وليس أمامه غير طريق الفقر والحاجة، وأنَّه لا طائل سيأتي من وراء حرفة الأدب والكتابة.
تطرق الكتاب إلى هذه الظاهرة التي عانى منها الكاتب الراحل، حيث أن بعض العائلات ترى في نبوغ أولادها في هذا الجانب نقصاً في العقل والمواهب، وكارثة ألمت بها، لأنَّها رُزقت بفرد لا يستطيع أن يقف على رجليه وحده، وسيبقى عالة عليها، وبدلاً من أن يكون عوناً لها في مواجهة الحاجة والفقر، فقد صار مصدر قلق لها، وعاهة دائمة في النسيج العائلي.
الصدام مع المجتمع والعائلة هو ما نلمسه في أغلب قصص المجموعتين لخليفة. ولكن إلى جانب النشاط الفكري والسياسي لأبطال قصصه فإننا نستقرئ من خلالها حياة كاتبها في بواكير شبابه، حين كان ناشطاً سياسياً في سنوات الدراسة الثانوية، وناشطاً فكرياً بعد ذلك في المعهد العالي للمعلمين.
فقصصه: السفر، وسهرة، وقبضة تراب، والطوفان، وغيرها من قصص المجموعتين، كتبها الكاتب من وهج تجربته الشخصية، فهي سرود عن حياة الفقراء من العمال وأصحاب حرفتي الصيد والغوص من الباحثين عن رزقهم في صيد السمك أو اللؤلؤ أو العمل في آبار النفط، كما كتب الراحل عن حياة الصحافيين الفقراء، المتعاونين مع صحف فقيرة لا تكاد تغطي ثمن مطبوعاتها، وتتخذ هيئات تحريرها من الصحافة وسيلة لحسم الصراع السياسي مع خصومها الطبقيين أو من يعادونهم فكرياً وسياسياً.

الرواية عند عبدالله خليفة أداة لرصد حركة التاريخ الاجتماعي والفكري
الروائي ليس واعظا
كتب الناقد صبري مسلم حمادي عن حياة الكاتب عبدالله خليفة وإبداعه الروائي، وربط العلاقة بين مراحل حياة الكاتب، ومراحل تطور كتابته الإبداعية، وتأثيرات عمله السياسي، والفكري على المتن الروائي الذي كتبه، فخليفة من جيل من الكتَّاب وضعوا كل أهدافهم في جعل الناس يؤمنون بما آمنوا به من أفكار فلسفية وسياسية، لكن خليفة لم يقع في هذا المَطَبّ.
وكتب الناقد حمادي في هذا الشأن، فقال “ليس من شأن الروائي الفنان أن يطل بفكره عبر سطور روايته، وبشكل مباشر كي يعظ أو ينصح أو يرسم خارطة طريق للمستقبل، لأنَّه إنْ فعل ذلك، فإنّه يضحي تماماً بالجانب الفني في عمله السردي، الذي قد يتحول إلى جنس كتابي آخر، هو المقال الاجتماعي ذو الهدف الإصلاحي”.
وهو مما لا يخفى على عبدالله خليفة الروائي البحريني ذي الخبرة العريضة في مجال الفن السردي، فقد نأى بفنه عن هذا المَطَبّ الخطير في كل أعماله الروائية والقصصية، ومارس ذلك في عواميده الصحافية، ومقالاته السياسية، ومقابلاته التي لها طابع فكري أو سياسي.
الكتاب النقدي الجديد “عبدالله خليفة.. السرد في زمن الإبداع” جاء بـ450 صفحة من القطع الكبير، وتميز برصانته النقدية وسعة مباحثه، ويمكن عدّه أحد أهم المصادر النقدية عن أدب وفكر عبدالله خليفة، الذي تميز بإبداعه الروائي، وإضافاته المهمة للسرد البحريني والعربي. وقد صدر الكتاب عن دائرة الثقافة بالشارقة ــ 2017.
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
جذور العنف في الحياة العربية المعاصرة
جذور العنف في الحياة العربية المعاصرة
[نحو موقف علماني عربي شامل]
يطرح المسار العربي الراهن، بكل ضجيجه الدموي العنيف، وخاصة في منحدراته العميقة المعتمة: عن ذبح للبشر، وتدمير العمران، وتشكيل الجماعات والدول #الطائفية، وصنع الخنادق العربية والإسلامية المتقابلة المسلّحة، ووضع الملايين تحت الإقامة الجبرية في قفص السيد المطلق المتجدد أبداً، ضرورة تشكيل مواقف عربية عميقة وجريئة و#ديمقراطية #علمانية تعيد رؤية #تاريخ #الأمة_العربية بشكل جديد وجذري ليصل النقد والتغيير إلى #جذور_العنف المتكلّس في تاريخنا وأبنيتنا #المادية والروحية. إنه في هذا العصر الذي أدار ظهره للمنحوتات الحجرية المؤبدة للقمع الشامل، تتراءى ضرورة المعرفة الحقيقية، كمحاولة أولية وهامة لوقف مسلسل الدم والانهيار، ولوقف سير العربة العربية نحو هاوية الطائفية والتخلّف.

انه الزمن العالمي الذي وضع كل شيء تحت مجهر وتلسكوب العين #الإنسانية الفاحصة، وصنع الوعي ثورات وأجهزة تعيد تشكك النسيج الاجتماعي والجسدي والفكري.
فآن لنا نحن العرب أن ندخل العصر بقوة، وأن نعرّي كل شريط الاعتقال الطويل للشعوب، الذي كان مسلسلات كابوسية لتشويه وتقزيم إرادتنا وأرواحنا، وحبسنا في زنازين الحكم الشامل، الذي لم يدع حلماً من وعينا وجسدنا إلاّ قيّده.
آن لنا أن نقول أيها الحكم الفرعوني الطويل، لقد أتخمنا بجبروتك وتسلطك على نسائنا وأطفالنا وأغانينا وفرحنا، آن لنا أن نعرّيك ونهدمك. ليس في هذا المسرح الأرضي المنكوب سوى الإنسان العربي قمّة المخلوقات، صانع القيود الحديدية والغيبية، وهو الذي يشكلها وينفيها.
لم نعد الآن قادرين، وأشلاء الضحايا تقطر فوق رؤوسنا رعباً وأسئلة، وتصنع المذاهب المفخّخة أنقاض دولة وتعدّنا لحروب أهلية طويلة ومريرة، ان نتجاهل آلاف السنوات من الحكم العنفي الشامل، حيث طبقة صغيرة ترث الامتيازات والخيرات، وتقيم تركيبة اجتماعية متحجّرة، يقف على قمتها السيد الرجل المطلق، وتجعل الحكام آلهة والمحكومين عبيداّ، والذَكَر سيداً ابدياً، والأنثى جارية مولّدة، والملاك الكبار يتوارثون الأرض والبشر.
❶
اتّسم تكوّن الدولة #الإسلامية الأول بالسيطرة على #الطبقات المختلفة عبر #وعي واحد شامل. ولكن ذلك لم يكن لاّ مؤقتاً، حيث راحت التناقضات #الاجتماعية تتفجّر، وخاصة مع #حروب_الردّة ثم #حروب_الفتوح التي أغدقت على #الارستقراطية القرشية والعربية خيرات #البلدان_المفتوحة، وأدى هذا إلى احتدام الصراعات، مرة بقتل الخليفة عمر بن الخطاب ومرة ثانية بقتل عثمان بن عفان، ثم بالحرب مع أو ضد علي بن أبي طالب، ومن هنا توسّعت الخلافات والصراعات الطبقية التي تمؤهت من خلال #الوعي_الديني، الذي تحول إلى #وعي_مذهبي.
لقد حاول عمر بن الخطاب أن يقيم توازناً اجتماعياً، وأن يوزع غنائم البلدان المستغلة بشكلٍ متساوٍ على الفاتحين #العرب، إلاّ ان التناقضات العميقة فجرت الصراعات الدموية وطلعت الأرستقراطية #العربية الباذخة لتشكل ملكاً عضوضاً جيرّ مختلف المفردات #الفكرية والأدوات السياسية لحكمه الطويل.
❷
لقد قام النظام الإقطاعي – العبودي بعد سيطرته على ملكية الأرض والفلاحين، بتفصيل بدلة دينية ــ مذهبية على مقاس امتيازاته ومصالحهم مواصلاً إستلام ملكية البشر، من اسلافه الفراعنة والأكاسرة والقياصرة، محافظاً على التركيبة السياسية الاجتماعية المتحجّرة: سيطرة مطلقة للحكام، سيطرة شاملة للذكور، استغلال لا يرحم للمزارعين والعبيد (1).
لقد انجرّت القوى المعارضة، بحكم شروط الوعي والوجود الاجتماعي إلى استخدام ذات العباءة الدينية في تبرير اختلافها وصراعها مع الحكم الديني والمذهبي المركزي، فابتكرت مذاهبها الأخرى، لتعكس مصالح جهاتها وأممها وجماعاتها، ورغم أنها لوّحت بالعدالة وتحقيق المساواة،وخدمة المناطق والأقاليم المختلفة وحققت إنجازات ملموسة وقتية في سبيل ذلك، إلا أن الأغنياء الكبار والمتسلّطين ما لبثوا أن سيطروا على شبكة إنتاج المذاهب كذلك، وضخّوا السلطة والثروة إلى خزائنهم، فغدت الحروب المذهبية الدامية المستمرة تعبيراً عن حروب اجتماعية يتم إخفاؤها، ولا تجد الأدوات السلمية والقانونية لكي تظهر وتتبلور وتحل.
إن المعارضين العرب بلجوئهم إلى #الدين وتفسيره مذهبياّ خسروا عملية التغيير العميقة الشاملة ودمّروا الدولة التي أرادوا إنقاذها.
لقد غدا الكفاح من أجل العدل والمساواة ملتبساً بالخلاف #الطائفي الفقهي، وصار انفصالياّ، مناطقياً، مما أدّى إلى تمزيق الدولة العربية ــ الإسلامية، وتحطيم بناها الاقتصادية وشبكتها الاتصالية المادية والفكرية.
لم تكتف الطبقات المهيمنة في كل المذاهب المنقسمة المتعادية، وعبر كل الأبنية الاجتماعية في حركتها التاريخية، بأدوات القمع العادية، وعنف الشرطة والجيوش والسجون وفرض الجزية والخراج، بل جعله من المذهب الديني قمعاً وسيطرة، عبر إزاحة ما هو انساني، ومراكمة ما هو شعائري وعبادي شكلي.
لقد تمّ التركيز على ما هو حزين ويائس ومجمّد لانطلاقة الروح والجسد والفرح ونزع علاقات #التضامن و#الكفاح بين العرب، وتغييب لما هو مساواتي بين #الرجل و#المرأة، وبين الأمم، وبجلّ ما هو تراتبي وشوفيني وذكوري مسيطر.
ويحاول المنقبون المعاصرون في مناجم الماضي، أن يروا بعض البصيص في كفاح العرب عبر قراءة بذور النور العقلانية المنتجة في حقول اللاهوت.
لقد حاولت #الأمم_الإسلامية عبر الأوعية المذهبية ان تتحرر، وكانت الفرق الدينية تحاول بأدوات الفكر الديني الخروج من سطوة المذهب المركزي المسيطر، وحاول #الفلاسفة المتنوّرون أن يزحزحوا تلك المركزية الشمولية #المذهبية #الإقطاعية، عبر تخفيف مراكزها ومن أجل تعدّد أقطابها، ومن أجل وعي موضوعي بقوانين المادة والطبيعة، فكان كل هذا النشاط العظيم كفاحاً داخل الممر المعتم، ونضالاً ضد #الأساطير بأدوات أسطورية، وصراعاً ضد الظالمين بحديد قيودهم، وجاء المتصوّفة ليسبحوا في البحر حتى قاعه المعتم، ،فكافحوا العقل المذهبي الرسمي الشمولي الظاهر، بلا #عقلانية #باطنية، فسيفسائية، أسلمت #الوطن_العربي في خاتمة المطاف إلى سلطات #الدراويش والدولة العلية المعلولة.
❸
وعندها بدأ #رجال_الدين النهضويون المسلمون والعرب في #القرن_التاسع_عشر كفاحهم المتصدّي للسيطرة الأجنبية المحدقة وللتخلّف المزمن، جعل كثير منهم الدين مرة أخرى أساساً لعملها السياسى. ومنذ ذلك الحين وُضع الأساس الحديث لمشكلاتنا الراهنة.
إن شعارات #النهضة ومقاومة #الاستبداد والدعوة للحكم البرلماني واصلاح التعليم ونشر المعارف الخ .. كانت خطوات إيجابية في سبيل النهوض العام للأمة العربية غير المستقلة والمتداخلة مع بقية الأمم الإسلامية، ولكن بقيت الشعارات الدينية ــ النهضوية غير مدركة لطبيعة الجسم السياسي الديني المحافظ الكبير الذي راحت تستثير نشاطه، ليغرقها في النهاية بشبكته الطائفية الواسعة، وبجذوره الممتدة قروناً مديدة.
إن الأفكار الحالمة لم تكن على دراية بحجم وعمق التركيبة الاجتماعية السياسية الفكرية المحافظة، والتى راحت تستعيد سطوتها على الحياة العربية، عبر تغذية القرى الاستعمارية لها والتي وجدت فيها أرضية أساسية لتمزيق الأمة العربية والتي تم تفتيتها سياسية وادارياً، وغذيت تنوّعاتها الإقطاعية والعشائرية والمذهبية والمناطقية، وتم ربط اقتصادها المنتج للمواد الخام بالدول المسيطرة وهمّشت قواها الاقتصادية والثقافية التصنيعية. ورفضت قوى علمانية تنويرية صغيرة مسار الانبعاث الديني ــ القومي المتضافر، طارحة استيراد النموذج الحداثي الغربي، ولكن ظلّت طاقاتها العقلية الهامة والمفيدة، معتمدة على تشكيل الإنتاج الثقافي، غير المترابط مع الوعي السياسي وإنتاج الممارسة الثورية(2). ولقد تلاقح هذان الاتجاهان الرئيسيان في بعض الخطوط الصغيرة العابرة. حين استعارات بعض القوى القومية بعض الجوانب #العلمانية، وبشكل محدود. ونظراً لانعزالية الاتجاه الثقافي العلماني عن الممارسة الكفاحية #الوطنية، بدا وكأنه مرتبط بالسلطات الأجنبية، ونموذج لتبعية فكرية للغرب.
إن الاتجاه #القومي الديني في عملية تغلغله بين #الجمهور_العربي، أعتمد النفعية والعفوية، ووجد أن استغلاله لمشاعر المؤمنين، وتنشيطه لبعض المفاهيم الدينية والشعائرية قد وسّع شعبيته، مما أدّى إلى إحجامه عن تعميق الوعي العلماني في صفوفه، وتركيزه على الجانب الديني. ولا شك أن تسييس الإسلام بشكل وطني وقومي قد أدى الى توحيد بعض #الشعوب_العربية ضد #الاستعمار، وعبّر عن #علمانية محدودة، وبيّن أن البعد عن الشبكة الاجتماعية المحافظة، هو بذور لنمو #ديمقراطي هام، ولكنه نمو لم يكتمل، ليس لأن تلك الشبكة ذات قرون من التأهيل في البنى الموضوعية والذهنية للعرب فحسب، بل لأن القوى التحديثية العربية لم تواصل مهماتها العصرية، وعجزت عن تغيير نظم الامتيازات، وكانت هي جزء من القوى المستغلة للجماهير، ووجدت أن من مصلحتها الإبقاء على الوعي المحافظ تثبيتاً لنفوذها.
كما أن القوى الاستعمارية والعربية التابعة واصلت تعميق وتعزيز دور المؤسسات المذهبية، فكانت تركيبة التخلف شرطاً من شروط ديمومة النهب الاجنبى والداخلي.
إن القوى الحديثة النامية حينذاك، بتركيبتها الإقطاعية والبرجوازية المتداخلة، لم يكن من برنامجها إنتاج أدوات نظرية وسياسية لبناء مجتمعات ديمقراطية علمانية. وقد وجدت مصلحة في إبقاء التركيبة القروسطية. مع إجراء إصلاحات اجتماعية وسياسية مهمّة عليها، وكان إغفالها لأفكار #المتنوّرين_العرب العلمانيين، خاصة في مسائل #فصل_الدين_عن_السياسة_و_الدولة، تعبيراً عن وشائجها القرابية مع تلك التركيبة المتخلفة.
❹
أن عجز الطبقات الرأسمالية ـــ الإقطاعية عن قيادة معركة الاستقلال الاقتصادي والسياسي وتحقيق «العدل»، ،قد هيّأ الفرص لبروز القوى الاجتماعية الوسطى والصغيرة للتصدّي لهذه المهمة، ولاستقطاب الحماس وتوظيف المعاناة #الجماهيرية لأجل تشكيل خطوط سياسية نظرية تسريعية وشمولية نتجاوز #الليبرالية والتحديث الديمقراطى.
وإذا كان ذلك لم يتبلور بصورة سريعة عند القوى القومية واليسارية، واحتاج لسنوات أخرى ليتشكل بصورة أحزاب قومية ويسارية شمولية، فان #الأصوليين_الإسلاميين كانوا أسرع في التقاط المنحى الفاشي الذي كان مخيّماً على العالم. إن رفض الأصوليين الإسلاميين لاتجاه الليبرالية الإسلامية الذي تشكل لدى #الأفغاني وكوكبته، والذي شرع لحرية الاختلاف والتعدّد، وأسبقية #العقل على #النص، بدأ يتصاعد ويتبلور لديهم حين رأوا التحديث الرأسمالي يقوم بهدم جوانب من التركيبة #الإقطاعية المسيطرة على المسلمين. ويزعزع بعض أشكال وجودها بمظاهر #الحداثة المنتشرة وعبر الدعوات الرافضة للخلافة وبأفكار #فصل_الدين عن المؤسسات السياسية.
وقد كانت الأشكال المذهبية ــ السياسية تعبير عن التركيبة الاجتماعية التي صار الغرب الرأسمالي نفياً لها، بنموذجه التحويلي للإقطاع المسيحي، وفصله عن للدولة، وبإلغائه للطبقات الإقطاعية المتحكّمة في #ملكية_الأرض والبشر والعقل. ولم يكن الغرب نفياً نظرياً لتلك التركيبة، بل كان تدخّلاً عملياً لوضع حدّ لأكثر أشكالها تطرّفاً كملكية الرقيق والاتجار به والسخرة، وقد وضع تلك الحداثة الجزئية رهن التجسيد الملموس، تمريراً لتغلغل امتيازاته.
وحين تشكّلت ونمت #البرجوازيات_العربية ــ الاقناعية في حضن هذا التحويل التابع، قامت بانجازات نهضوية مهمّة، وكان الإسلام الليبرالي شكلاً لنموها وتجليها، لكن تلك البرجوازيات كانت ضعيفة التكوين الصناعي. ذات جذور إقطاعية واسعة، فدخلت في علاقة تناغم مع البنية المحافظة العتيقة(3). إنها لم تستطع إنجاز المجتمع الليبرالي بشكل شامل. فإن الثنائية الصراعية بين الإقطاع والرأسمالية كانت في عميق وجودها، كانت جزءاً من امتيازاتها وأفكارها. ولقد غدت الحداثة الرأسمالية هى هذه الأحزاب والدساتير والكيانات الجديدة، ولكن الجسم الإقطاعي بقى هو الملكية الواسعة للأرض وللفلاحين وللنساء وللأفكار وللحياة الشعبية.
❺
كان للتغيير الليبرالي العلماني الواسع يتطلب تحويلاً صناعياً ــ علمياً ــ اجتماعياً، لم تستطع نصف الرأسمالية هذه أن تحققه، أو أن يسمح لها الاستعمار المسيطر أن تحققه.
ومن هنا تزايد التناقض بين التكوين الحديث الليبرالي غير الواقف على قاعدة صناعية ــ اجتماعية قوية، والحياة الشعبية المستغلة وغدا النموذج الليبرالي فاقداً لمعقوليته السياسية مع تزايد الصراع. وقد جاءت الحرب العالمية الثانية لتُسرّع في ذلك، فصارت الأفكار الشمولية الدينية أو فيما بعد القومية ـ واليسارية هي المستقطبة لقطاعات الرأي العام المؤثر.
إن ردود الفعل الأصولية الأولى ضد الحداثة المقتحمة المترافقة مع غزو استعماري، كما تمظهرات في #الوهابية و#السنوسية الخ… ارتدت طابعاً وطنياً مقاوماً، ولكن ذلك المظهر عبّر عن مضمون إقطاعي. يهيمن بقوة على البنى الاجتماعية ويمنع تحديثها إلا في سياق تعزيز سيطرته المتشددة. إن ردود الفعل هذه، والتى كانت في مناطق صحراوية وريفية عربية شديدة التخلّف، عبّرت عن الوعي الاقطاعي المذهبي التقليدي للإسلام، الذي ظلّ مسيطراً بشكل كلّي على الجمهور، مانعاً إياه من أي بصيص حضاري في تلك المناطق المحبوسة بالسيوف والرمال.
لقد أعطى مثل هذا الوعي للإسلام في مراكزه البدوية الحصينة، موديله القمعي والمتخلف إلى الوعي الأصولي المسيّس للإسلام المستيقظ في المدن العربية، والذي أفاق على دوي المارشات العسكرية الفاشية، وحرب الرأسمالية اللاعقلانية الهمجية ضد الرأسمالية الديمقراطية ليأخذ الأزياء الموحدة والطوابير العسكرية وسلطة الدكتاتور المطلق وإرادة القوة، مدمجاً معها سيادة النص الحرفي على التأويل الإنساني، معتبراً المرحلة الإقطاعية العتيقة نموذجه الأمثل.
وستعبر القسمات الأصولية الأولى حينئذ عن المسار المعاكس للعصر الديمقراطى، فعلى هذا الوعى أن يدافع عن تركيبة اجتماعية منهارة، وأن يحتفظ بابنيتها السياسية والاجتماعية والفكرية مع القبول بأجزاء أساسية من العلاقات الرأسمالية الاقتصادية، وإضفاء طابع ديني شكلي على الأجزاء الأخرى.
إن ما أكدته المرحلة #الليبرالية_العربية من سيادة للامة، وقدرة الشعب على اعادة النظر في مجمل البنية الاجتماعية المتوارثة وعصرنة ودمقرطة كافة القوانين والعادات والأفكار العتيقة يتم منعه ايديولوجياً لتقف الأصولية ضد حكم الشعب. ومن أجل استمرار البنية التقليدية في المرحلة الرأسمالية.
لقد تمّ رفع مصالح الأرستقراطية الذكورية المتزمّتة، الاجتماعية والطبقية، إلى مصاف المقدّس والأزلي، والذي لا يجوز لنهضة العرب الجديدة أن تمسها وتعيد النظر بها. إن مرحلة التداخل والتعايش بين النظام التقليدي والنظام الرأسمالي قد وصلت هنا إلى نقطة الافتراق، وتم وضع العصر الحديث، عبر الوهم الأيديولوجي، بشكل مضاد كلياً للمرحلة القديمة والتي ينبغي استعادتها بالقوة(4).
إن أساس المشروع يعتمد على حكم الإرهاب الشامل. وذلك بتحويل هذا الفهم المضاد للعقل وتطوير الحياة. إلى دكتاتورية واسعة كلّية تعتقل الأفراد والجماعات في مختلف تجليات وجودهم الملابسية والديكورية والفكرية. إن هذا الأسلوب الدكتاتوري: يستهدف جعل التركيبة الاجتماعية المحافظة خارج العقل والزمن. متّحدة كلياً بالغيب، ومصانة بعنف شامل.
ومع هذا فسنجد هذه الرؤية نفسها في تناقض مزمن بين إعادة تفسير الدين رأسمالياً، وبين الحفاظ على التركيبة التقليدية. إن التفسير الرأسمالي يقود الى اعادة بلورة بعض المفاهيم بشكل حديث، في حين أن الحفاظ على التركيبة يؤدي إلى العنف والتشدد. إنها لا تستطيع أن تتخلى عن أسسها #الايديولوجية الشمولية #الإقطاعية، لكنها تضطر لرسملة العديد من تصورّاتها، في حين أن بعض القطاعات القاعدية التي استثارها هذا الخطاب العنفي المضاد للحداثة تقوم بإنتاج شعارات أكثر تطرفاً وعداء للحداثة فتصير أكثر عنفاً وإرهاياً.
إن الموديل الحديث من #السلفية الذي أُنتج في #مصر، سيتأثر وينمو بالتطورات المحافظة في بقية الدول العربية والإسلامية. كما انه سيغذّي مناطق أخرى بذات الأيديولوجية الشمولية الدينية وبتناقضاتها المختلفة.
❻
كانت البرجوازيات العربية تعمل بعد انهيار #الدولة_العثمانية واستعمار الدول العربية للخروج من علاقات الإنتاج الإقطاعية المسيطرة في القرون السابقة طالعة من #ملكية_الأرض والعقار نحو المتجر والمصنع، ومن انتاج الناس الديني إلى إنتاج العقل التابع والمؤول للدين.
لقد تنامت شعارات #التحرر_الوطنى وتحققت تعددية سياسية وتشكلت حريات اجتماعية مهمة، لكن النظام التابع ذي البنية الرأسمالية الضعيفة والعلاقات الإقطاعية المتحكمة في أغلبية الأرض الزراعية والمستوى الأكبر من البنية الاجتماعية ــ الذهنية، عجز عن الرسملة والدمقرطة الواسعة للحياة. ولقد تشكّلت قوى قومية ووطنية ضد تلك الأبنية الرأسمالية ووجهت قواها وخططها لإلغاء تلك الأنظمة إلغاءً عسكرياً عنفياً.
لقد اعتمدت القوى القومية والشيوعية على التسريع الكبير للتطور وسلق المراحل، وتجاوز التكوينات الرأسمالية الليبرالية الجنينية التى تشكلت بصعوبة على مدى قرن #النهضة السابق. ولم يكن لدى هذه القوى تصور واضح لطبيعة البنى الاجتماعية المراد تشكيلها معتمدة على بعض المطالب الاجتماعية والسياسية لقطاعات من الجماهير، وعبر تسييس نخب معينة مثقّفة وشعبية، ودفعها في صراع طويل، للإطاحة بالتحالف الرأسمالي الإقطاعي المهيمن.
إن الرافد القومي من الحركة الاجتماعية العربية اعتمد على توجيه النخب السياسية ــ العسكرية نحو انبعاث الأمة واستعادة نهضتها ووحدتها معتمداً على الترابط بين القومية والدين، باعتباره حلقة أساسية في ذلك النهوض(5). إن الأمة في هذا الوعي تغدو جوهراً مفارقاً للتاريخ، مثلها مثل الأمة لدى #الأصوليين. وهو جوهر غير مرتبط بسيرورة اجتماعية وتاريخية محددة، وعبر تكوينات اجتماعية متناقضة، لم يأخذ هذا الوعي أن القبائل العربية ووحدتها كانت شكلاً جنينياً لتكوّن #الأمة_العربية، وهي وحدة دينية قبائلية تمت بسرعة، واندمجت بعملية فتوح واستيلاء على أراضٍ عربية أخرى تحررت، وعلى أمم مختلفة تعرّبت، وعلى أراضي أمم غير عربية ظلت تابعة.
وعبر هذا التداخل والتناقض بين الأمر قامت الأمة العربية، ولمصلحة الأرستقراطية العربية، بقيادة واستغلال بقية للأمم التابعة التي ولدت وتبنَّت وطوّرت في كفاحها ضد التبعية الإقطاعية العربية المركزية افكاراً ومذاهب مستقلة مضادة للدولة، فظهر الصراع القومي والاجتماعي عبر أشكال دينية، فككت الدولة العربية الواسعة.
إن الأمة العربية باستيلائها على أراضي الأمم الأخرى عبر الدين، أعطت الأمم الاخرى فرص الاستيلاء على أراضيها بنفس الدين. وإذا كانت فتوح الأمة العربية، قد جاءت في أزمنة وأوضاع كان النظام الإقطاعي العالمي في بدء تشكّله، فإن الأمم البدوية الطَرَفية التي استولت على الأرض العربية بعد قرون، جاءت في مرحلة الإنهاك النهائى للنظام الإقطاعي الإسلامي المركزي وفي بدء تحول قسم من البشرية الى العصر الرأسمالي. إذا كانت الأمة العربية قد أسهمت في إثراء تطور الأمم الأخرى غير العربية عبر نقلها الى مراحل أعلى، مثلما استفادت هي من تجربة الأمة الفارسية التى تطورت بالاحتكاك معها، فإن الأمم البدوية قد حافظت على أسوأ أشكال النظام الإقطاعي، عبر تحويله إلى إقطاع عسكري.
ولم تفهم الحركة القومية في بدء تشكلها إن الدولة الشمولية السابقة قد قضت على إمكانية نمو البرجوازية العربية النهضوية إبان العصر العباسي، التى أنهكت وسحقت داخل الأقبية الاقتصادية السياسية الفكرية للنظام القروسطي وأن استعادة الدول العربية الإسلامية القديمة، لا يؤدي إلا لتشكيل نظام استبدادي نصف رأسمالي نصف قطاعي، يعيد إنتاج الهياكل الطائفية و#الدكتاتورية العتيقة الرابضة في البنى الاجتماعية التقليدية التي لم تتمقرط عبر البنية الرأسمالية الليبرالية. إن النزعات القومية بعدم نقدها #العصر_الوسيط نقداً ديمقراطياً علمانياً حاسماً وعميقاً، احتفظت بالتركيبة التقليدية المحافظة، ودمجها في رؤيتها القومية الانبعاثية التى ازدحمت بالمفردات #الرومانتيكية، التي تخفي التناقضات الاجتماعية. في سبيل تشكيلة قومية صلبة وعنيفة.
إن استلهامات القومية من الوعي الالمانى القومي، تعبّر عن إعادة إنتاج تجربة الأمة الألمانية الممزقة قبل وحدة القرن 19، من خلال الأداة #البسماركية العسكرية. ثم امتداداتها #الهتلرية في القرن العشرين، داخل تجرية الأمة العربية الممزقة، والمُراد توحيدها وتطويرها عبر التسريع العنيف. ويمثل ذلك رفضاً للتطور الرأسمالي الليبرالي، والغاء للتطور الموضوعي للحياة العربية، والقفز عليه بإرادة نخبوية، عبر نشاط الحزب الطليعي الرافض للتضادات الاجتماعية والموحد لها بإرادة شمولية قوية. وقد تجسّد هذا بتوجّهها إلى المؤسسات العسكرية وجعلها القوة المهيمنة على الواقع، فأعادت إنتاج النظام الشمولي بتركيبة جديدة، تتجمع فيها علاقات رأسمالية نامية وعلاقات اقطاعية.
❼
وكما رفضت الاتجاهات القومية المرحلية الرأسمالية الديمقراطية في التطور العربي، ومثلما فعلت الأصولية الدينية برفضها جوانب أساسية من هذه المرحلة، كذلك فإن التيارات الشيوعية قامت بالقفز فوق التشكيلة الرأسمالية. لقد غدت الرأسمالية. في وعي «الماركسية ــ اللينينية» طريقاً مسدوداً يجب تجاوزه، عبر الانتقال إلى #الاشتراكية. لقد كانت #الماركسية العربية تستورد الخطوط العامة للتفكير من خارج الوضع الموضوعي للامة العربية. فلم تتوجّه هذه الأحزاب إلى التعاون الاستراتيجي مع البرجوازيات العربية لأجل تشكيل أنظمة ديمقراطية علمانية، تحقق عملية الثورة الوطنية الديمقراطية، بل قامت بالقفز على الشروط #المادية والذاتية، في كفاح يتسم يحرق المراحل، واعتماد الارادية الثورية الذاتية المليئة بالتضحية غير الصبورة، وكان من جراء هذا إقامة أحزاب شمولية ذكورية، تسيطر فيها إرادات الزعماء المطلقي الصلاحية، وتستغل كافة الشعارات المادية والدينية لتحقيق عملية التسريع الثوري التي نتجه إلى دولة شمولية بالضرورة.
إن الجذر الديني يغور في الشعارات #الشيوعية العربية، عبر تشكيل دعي غيبي مستقبلي، تتحقق فية الجنّة الشيوعية الخالية من الطبقات، في الغد المبهم والكلي غير المنظور للإنسانية، فتتم التضحية بالاجيال الحاضرة ويتم العجز عن حل المشكلات العميقة الراهنة، عبر قفزة تسريعية نحو الغد. ويبدو الطابع الديني في الشعارات الشيوعية كذلك عبر النظرة التقديسية لوطن الاشتراكية الأول وللمكتب الشيوعية، وعدم القدرة على معالجة فصل الدين عن السياسة والدولة.
❽
لقد تحققت نتائج مهمة من هذه التجارب القومية والشيوعية عبر نهوض القوى الشعبية وتشكلت تجارب اجتماعية مهمة؛ إلا أن معاندة الواقع الموضوعي، والقفز على التطور الرأسمالي، دمّرت في النهاية الكثير من المكتسبات الكفاحية التي تحققت على مدى عقود سابقة. إن التجربة القومية والشيوعية في استلهامها التجارب الفاشية أو الشيوعية، ونقل نموذج حكم الحزب الواحد، وفرض قيادته على المجتمع؛ وإبعاد القوى البرجوازية العربية، ساهمت في إشاعة مناخ شمولي، وألغت الجوانب الليبرالية والديمقراطية التي تحققت في الحياة العربية.
لقد تحولت النقابات والجمعيات والثقافة إلى أدوات للحزب الواحد، بدلاً من أن تخدم طبقاتها وفئاتها، وتنمي تطورها العصري. وفي سبيل تحقيق هيمنتها تصارعت الاتجاهات القومية والشيوعية بضراوة في الواقع العربي، من أجل الوصول أو البقاء في الحكم؛ وفي سبيل ذلك ألغت أسس الدولة العصرية. إن الاستخدام النفعي الانتقائي للشعارات القومية والدينية والشيوعية في عجينة شمولية، قد حافظ على البنى التقليدية الأساسية: سيطرة الدولة المطلقة ــ سيطرة الدين التقليدي على الوعي والحياة ــ سيطرة الذكور واضطهاد #النساء ــ سيطرة الأغنياء المتحكّمين في أجهزة الدولة وذهاب الفائض الاقتصادي إليهم ــ سيطرة #القبلية و#العشائرية والطائفية الخ…
إن استمرار بقايا المرحلة الإقطاعية في تجارب #الأحزاب القومية والماركسية؛ بعدم كفاحها من أجل الدمقرطة الشاملة للمجتمعات العربية، وترسيخ التطور الرأسمالي بكافة جوانبه، قد جعلها موضوعياً تواصل إبقاء مجتمع الاستبداد الشرقي، مشكّلة قشرة «تقدمية» فوقية تآكلت هي الأخرى.
❾
بدء من الخمسينيات، من #القرن_العشرين بدأت إجراءات إصلاحية ضد الإقطاع في مجال #الملكية_الزراعية بعدد من الدول العربية والإسلامية، ورغم أنها إصلاحات لتحديد حجم الملكية الكبيرة، ومن أجل إدخال تطور رأسمالي في #الأرياف، إلا أن هذه الإجراءات أثارت #الحركات_الدينية المدافعة عن #الإقطاع؛ وبدأت تعيد تنظيم صفوفها وبرامجها، منتقلة إلى الرد الاستراتيجي الشامل ضد الإصلاحات الرأسمالية على صعيد الملكية وبعض الجوانب الاجتماعية(6). كذلك فإن بعض دول #الجزيرة_العربية لعبت دوراً كبيراً في الدفاع عن النظام الإقطاعي، وللوقوف بوجه التطورات التحولية الإصلاحية.
ورغم أن الزراعة محدودة في منطقة الجزيرة العربية، إلا أن سيطرة الدولة على القطاع البترولي أعطى للأسر الحاكمة إمكانيات مالية كبيرة، وامتدادات واسعة في قطاعات #العقار والتجارة و#رأس_المال_المالي والخدمات. لكن هذا النمو الرأسمالي القاعدي الواسع، غير التصنيعي بدرجة كبيرة، لم يخلخل التركيبة الإقطاعية على مستوى البناء الاجتماعي والأيديولوجي والسياسي، ويلعب «الدين» هنا، المفصّل على مقاس هذه السيطرة؛ دوراً محورياً في إخفاء التناقضات وتوحيد الشعب بالقوة.
كذلك جاءت #حركة_التحرر_العربية حينذاك، لتشكّل تضاداً سياسياً وفكرياً حاداً مع هذه الأنظمة. ورغم التباينات السياسية والاقتصادية والفكرية بين النظم العربية المختلفة وقتذاك، إلا أن ثمة تشابهات هامة بينها، فالدولة كانت استبدادية شمولية في مختلف تجلياتها الوطنية أو التابعة، ويلعب المصدر التشريعي الديني، بدرجات متفاوتة، مرتكزاً أساسياً في تشكيل الوعي العام والحكم. أي أن الدول العربية المختلفة حافظت على بنى إقطاعية قوية في أنظمتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وقد يصل ذلك إلى تحول البلد إلى قلعة يحكمها ملك مطلق، يصادر المجلات والأفكار الجديدة، أو إلى جمهورية تسمح بجوانب من الحداثة لكنها لا تصل إلى العظم الاجتماعي للنظام(7).
ورغم أن التحديث الرأسمالي كان يجري على الجانبين التابع والوطني، إلا أن الرسملة لم تقم بإعادة تشكيل الأبنية الاجتماعية، وبناء صناعة واسعة في هذه الأنظمة، وظل فائض كبير فيها موجه للاستهلاك الترفي ولصناديق النقد الغربية. وكان النمو الرأسمالي يقترب من البنى التقليدية السياسية والاجتماعية، عبر تفكيك #الأسر_الأبوية الكبيرة والقبائل، وتحررت أقسام من نساء المدن، طرحت قضية المساواة المرأة بالرجل في كافة شؤون الحياة، وصارت مسألة تحرير المرأة قضية محورية لإحداث تحول نوعي عميق في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذه الحقبة وصل مشروع رأسمالية الدولة الوطنية إلى الأزمة العميقة، بسبب عدم تجذّر التطور الرأسمالي الشامل وانسداده، وسيطرة الدولة الدكتاتورية على الفائض الاقتصادي وإهداره، وقادت التحوّلات الاقتصادية وهبوط أسعار المواد الخام الزراعية إلى تضخّم المدن المهاجرين الريفيين المقتلعين من أراضيهم وعوالمهم. وتواكب تآكل الأبنية الفكرية والسياسية للجماعات القومية والشيوعية مع وصول نموذج التسريع الشمولي الحداثي إلى مأزقه الاقتصادي والسياسي، وأدت الصراعات الجانبية والحروب والمغامرات العسكرية أدوارها الأخيرة في تقويض هذه البنى.
وفي هذه الأثناء كان النموذج المحافظ يتصاعد في الحياة السياسية والفكرية العربية، عبر استمرار العلاقات الإقطاعية في #الريف، ونقص قوانين #الإصلاح_الزراعي المطبقة سابقاً، و تصاعد دور بعض دول النفط المحافظة في السياسة العربية، وغذى صرفها الأموال الهائلة على تنامي #الجماعات_الأصولية، وكذلك بسبب تفجر الثورة في #إيران وسيطرة قوى #الإقطاع_الديني على مسارها السياسي، ومساعدة الاستعمار الأمريكي والرجعية الدينية لتسلم قوى الإقطاع المذهبي السلطة في أفغانستان، إن كل ذلك قد جعل عودة المد المحافظ اليميني يغذي الاندفاع الأكثر صوب الماضي، فالتسريع هذه المرة نحو الخلف لا للأمام.
لقد استطاع المد اليميني المحافظ أن يشكّل هجوماً عاماً واسعاً على قوى الحداثة العربية لمنع تنامي عمليات التطور الرأسمالي والديمقراطي في الأبنية الاجتماعية والسياسية. وتعيش أقوى وأغلب قوى هذا اليمين على علاقات ما قبل التطور الرأسمالي، إما باقتطاع مباشر من أرزاق وأموال المؤمنين بها، وإما باستخدام جهاز الدولة لسرقة #المال_العام، وقد يتداخل هذان الأسلوبان في العديد من التجارب والأوضاع. وجاءت هذه الأموال الكثيرة لتدعم الجماعات الدينية، وشركاتها المالية.
لقد تبادلت الرأسمالية المتخلّفة، على مستوى العلاقات الاقتصادية، والإقطاع، على مستوى الحياة الاجتماعية والوعي، تداخلهما ووحدتهما. فسيطرة المصدر الإقطاعي على هذا المال، يجعل المحافظة على ينابيعه، السلطوية والفقهية ضرورة أساسية، لإعادة إنتاجه المستمر. كما إن توسّع السيطرة الدينية على المنتمين لهذه الطوائف التابعة، يغدو مصدر أرباح مستمرة. من هنا يغدو الحفاظ على التركيبة الاجتماعية والسياسية المحافظة ضرورة لاستمرار الاستغلال الموسع للجماهير.
إن تشجيع بعض الأنظمة العربية والإسلامية للجماعات الأصولية، دفع وعي المنطقة للارتداد السريع نحو الماضي، لتطبيق النموذج المثالي «النقي» وأدى إلى إبراز آليات المنظومة الإقطاعية العتيقة، عبر تشكل الفرق المذهبية، وأفكارها التي تواصل التشدد مع تنامي عملية التطور الرأسمالي، وبدء تفكك الدول الوطنية دينياً، وتدفق العنف بكل أشكاله.
❿
تعود بنى العنف العربية المعاصرة بجذورها العميقة إلى تكوينات الدولة الإقطاعية العربية ــ الإسلامية، حيث تم بناء واستمرار الدولة، أو معارضتها، عبر العنف. وإذا كان العرب قد عرفوا العنف على أساس صراع القبائل على الموارد، فإنهم واصلوه عبر أشكال الصراع السياسي في العهد الإسلامي. وتشكّلت سياسة القوى المسيطرة عبر حروب الفتوح، واستثمار غلال وخزائن البلدان المفتوحة، ثم لمواصلة تحصيل الخراج، وجلب العبيد والجواري، ولتحطيم قوى المعارضة الدينية غير المركزية، وللسيطرة على القوى الشعبية.
وقد تم استخدام مختلف وسائل العنف للحفاظ على الامتيازات في الملكية والحكم والاستثمار. فكانت أشكال التعذيب وأدواته كثيرة كالجّلد والرّجم وقطع اليد وقطع الأيدي والأرجل معاً والصلب وقطع الرؤوس والأوصال والسلخ والإعدام حرقاً والتشميس وقرض اللحم وإخراج الروح من دبر وقلع الأظافر والتعذيب الجنسي الخ..(8). لقد استخدمت هذه الوسائل كافة القوى السياسية الحاكمة والمحكومة؛ بحيث إن المناخ العنفي القهري شكّل جذور الحياة السياسية والاجتماعية العربية المعاصرة.
وحين جاء الاستعمار كان عنفاً ساحقاً ضد الحياة العربية، وقام بتشكيل سلطاته عبر العنف، ورد عليه العرب بكفاح وطني وقومي واسع، عبر حروب التحرير والثورات.
وحين تشكلت بعض الأبنية الرأسمالية الملكية الليبرالية قامت بإرساء بعض أسس دولة القانون الحديثة، وتم استبدال أشكال العنف القروسطية البشعة بعقوبات معاصرة وأشكال حديثة. إلا أن هذه الإشكال المتحضّرة نسبياً، لم تستطع أن تعالج جذور العنف والتفاوتات الطبقية الصارخة في البنى الاجتماعية. فالعنف ضد الطبقات الشعبية والنساء والأقليات القومية والمذاهب غير الرسمية استمر بقوة.
وفي فترة صعود التيارات القومية اليسارية اعتمد العنف كسياسة منظّمة لانتزاع الحكم وتثبيته. كانت القوى القومية سبّاقة في الوثوب إلى الحكم عبر الانقلابات العسكرية، وتشكّلت كإرادة شمولية قهرية ضد المسار الديمقراطي السلمي وقد أُعتمدت لغة الثنائية المطلقة في تبرير هذا العنف. فهناك معسكران: معسكر العملاء، ومعسكر الوطنيين. فمهما كانت بعض الجوانب الديمقراطية في أنظمة التبعية فهي عميلة وشريرة. ومهما كانت الأنظمة العسكرية شمولية وقهرية فهي وطنية طيبة.
وهذه الثنائية الإطلاقية ستستمر مع الجماعات الشيوعية، حيث المعسكرين المتقابلين: معسكر البروليتاريا، ومعسكر البرجوازية.
ولن يكون ثمة جديد في ثنائية الدينيين المطلقة حيث معسكر المؤمنين يقابل معسكر الكفار.
إن هذا الوعي التضادي، المُشكّل على أساس جذور دينية، حيث التفاوت المطلق بين «الإله» و«الشيطان»، يغدو العالم فيه بلونين لا ثالث لهما، ولا بد أن يسلّم الخصم في الجهة المضادة تسليماً أو يُلغى جسداً.
لقد استخدمت الأنظمة والجماعات الحديثة المختلفة العنف ضد بعضها البعض عبر هذه المناظير الضيقة، ملغية الهوامش البسيطة لعصر النهضة، ومزيحة مفردات دولة القانون، مدمرة بعضها البعض، ومحجمة بنية التحديث الرهيفة العربية.
ولقد وقفت الأصولية فوق هذا #التراث_العربي القديم والمعاصر الحافل بالعنف، وأطلقت أدواته إلى أقصى حد ممكن، وهو عنف يستند في نظرها إلى امتلاكها الحقيقة المطلقة، ولديها النصوص الواضحة التي تدعوها للفعل وتحقيق نموذجها وسيطرتها. فلقد تشكّلت في مناخ جعلت فيه قادة التحول التحرري العربي كفاراً، وصورت فيه كل مسار الأمة البطيء الصعب والطالع من أغلالها القروسطية، ومستنقعات التعذيب والجلد والرجم، باعتباره هو الكارثة، وكوّنت لها نموذجاً خيالياً من الماضي، هو عصر صدر الإسلام، انتفت منه المشكلات والصراعات والمظالم. وهو نموذج تّم تقديسه لقرون طويلة، ومُنع النظر العقلي فيه لدى كل التيارات العربية. فتربّت هذه الجماعات على عنف يومي ضد الحداثة والتطور والديمقراطية، وصار النموذج الماضي معدّاً للتطبيق الحرفي بالقوة في كل مكان. وشجعت الأموال والمناخات المحافظة والارتدادات عن التحديث، هذه الجماعات التي تحوّلت إلى عصابات مسلحة للانقضاض على حاضر ومستقبل الأمة.
لقد كان العنف بتجميع السلاح والإرهاب هو خطوات عادية في سيرورة أي جماعة أصولية. إن الأصولية نظام شامل للعنف. عنف ضد الحداثة. عنف ضد المرأة وتحررها. عنف ضد الفنون. عنف ضد الشعوب وتقدمها. عنف مدمر مجاني. عنف طائفي تعصّبي. عنف لعرقلة المسار التحديثي والانتقال إلى المجتمع الرأسمالي بكل مستوياته.
«11»
فقدت البرجوازية العربية تصف التحديثية، نصف العلمانية، زخمها الاقتصادي والفكري والسياسي، وجاءت قوى اجتماعية بعد الحرب العالمية الثانية من البرجوازية المتوسطة والصغيرة، لتواصل عملية التجديد بأدواتها العسكرية، وقد انهار عملها التغييري واتضحت الأزمة بقوة في بداية السبعينات. ومنذ ذلك الوقت بدأت القطاعات ما قبل الرأسمالية ودول النفط والفئات البرجوازية الكبيرة القديمة والجديدة، بتشكيل الواقع العربي. أما بقية الأنظمة العسكرية فقد تحوّلت إلى أنظمة استبدادية فاسدة، وبدأت تعاني من مجموعة من الأزمات العميقة الشاملة، فتراكم العجز المالي بسبب سرقة المال العام، وبتفجر الحروب مع الجيران أو بسبب الصراعات الداخلية.
وجاء انهيار #الاتحاد_السوفيتي و#المعسكر_الاشتراكي ليعمّق أزمة هذه الأنظمة، والجماعات المؤيدة أو التابعة لها. فهذه الأنظمة والجماعات لم تستطع أن تستوعب النموذج التحولي الديمقراطي الرأسمالي في دول المعسكر الاشتراكي، لتنتقل إلى رأسمالية ديمقراطية. فأسس الدولة الاقتصادية – الاجتماعية العربية لم تزل بعد أسس نصف إقطاعية ــ نصف رأسمالية. ولم تصل إلى مستوى الدول الاشتراكية السابقة، التي أعادت تشكيل بناها في ظل تسريع رأسمالية الدولة الخاص بها.
وعلى العكس فإن معظم دول رأسمالية الدولة العربية «الوطنية» أوصلت مجتمعاتها إلى إعادة بعث للهياكل التقليدية والطائفية والقبلية، وأدى نمو دول النفط في الجزيرة العربية وخارجها إلى تشجيع نموذج رأسمالية الدولة الشمولية ذات الأجزاء الإقطاعية. وعبّر كل هذا عن عدم قدرة الأمة العربية، بهياكلها الإنتاجية ــ الاجتماعية ــ السياسية ــ الأيديولوجية للانتقال إلى المرحلة الرأسمالية الصرفة.
إن الأنظمة العربية المختلفة بعجزها عن تغيير السوق الوطنية، تغييراً رأسمالياً شاملاً، عبر الإلغاء الشامل الإقطاع سواء في ملكية الأرض أم في ملكية النساء أم في الأفكار والنظم السياسية والحقوقية، هيأت الشروط الموضوعية والذاتية لصعود قوى اليمين المتطرّف بطرق الفاشية، لاستلام السلطات في أغلب الدول العربية.
وفي هذا المناخ التحولي الانهياري، اتضح عجز الأدوات السياسية العربية الوطنية والتقدمية، عن #المراجعة العميقة لأدواتها الفكرية والسياسية، وعدم مقاومتها لمسار الارتداد الرهيب في #الوعي والحياة.
إنها عبر ميراث الدكتاتورية الضارب في وعيها وعملها، لا توجه الكفاح إلى بؤرة المرحلة وقضيتها المحورية. فالكفاح ضد الدكتاتورية، مهما كانت مدنية أم دينية، في السلطة أم خارج السلطة، في الحكم أم في المعارضة، هو الكفاح المحوري الذي يُبعد القوى الوطنية العربية عن الانتهازية والانتقائية والعفوية.
إن الكفاح من أجل الديمقراطية، هو كفاح ضد الجماعات الأصولية والسلطات الشمولية معاً، وهو كفاح لتحرير القوى الشعبية من كافة أشكال الهيمنة.
إن الدول الدكتاتورية والجماعات الفاشية وأوهام الشعب وسيطرة الذكور المطلقة على النساء، وتذليل المنظمات السياسية والجماهيرية لمصلحة الأنظمة الدكتاتورية، الخ .. كلها ينبغي أن تُواجَه بنضال ديمقراطي واسع وعميق ومتنوع. إن الكفاح من أجل الديمقراطية هو كفاح من أجل العلمنة كذلك، ففصل الدين عن السياسة المعارضة والحاكمة، هو مقرطة سياسية واجتماعية عميقة، وحين يتم الفصل بين هذين الجانبين يتحوّل الكفاح الديمقراطي إلى شعارات سياسية انتهازية.
«12»
يطرح الواقع العربي الراهن أفقاً عاماً عريضاً لحل المشكلات العميقة المتراكمة عبر الحقب السابقة، وعبر التقارب بين مختلف القوى الليبرالية والديمقراطية، المهدّدة من قبل الأصوليات الدينية، والمجمدة أو المضروبة من قبل الأنظمة الحاكمة. إن الأهداف العامة هي استعادة مطالب التطور الديمقراطي العربي، التي تم القفز عليها عبر مراحل التسريع الأمامية السابقة، أو المواجهة من قبل مشاريع التسريع الماضوية الدموية الراهنة، وهي #تحرير_المرأة، وتحرير الدولة عن الدين، وتحرير الدين من سيطرة الإقطاع، وتشكيل وتعميق الحريات وتجذير المسار الصناعي الوطني والعربي الخ ..
إن الخط الأساسى لهذا المسار العربى المتلوّن حسب مستويات تطور البنى الاجتماعية، هو في تشكيل تحالفات ديمقراطية واسعة، تعزل القوى الدكتاتورية وتهزمها.
إن الدول والجماعات السياسية نصف الدينية والتي تريد مقاومة التيارات المتشددة، الداعية إلى أقصى تطبيق حرفي للدين، وأوسع اعتقال للإنسان، تجابه بالمزيد من المشكلات وفقدان المصداقية، كما تؤدي عملية الاستغلال البرجماتي للدين إلى إعطاء فرصة لمزيد من نمو التيارات الأصولية.
إن السلطات العربية التي تقاوم الجماعات الدينية من خلال الدين، تتجه إلى الحقل الأيديولوجي للجماعات المتطرفة، وتنزلق تحت ذات المظلة الفكرية، عبر تنامي لغة المزايدة حول الدين وتمثيل المؤمنين. إن هذا الإنزلاق من قبل الأنظمة الرأسمالية العربية المتخلفة، يشبه انزلاق الجماعات الحديثة السابقة نحو الشبكة القعرية العميقة للإقطاع؛ ولهذا فإن الأنظمة العربية تقوم بتقويض أساسها الفكري الهش، وحينئذ فإن المعركة تنتقل إلى مسألة السيطرة على الحكم(9).
إن السلطات العربية بتعبيرها عن قوى برجوازية كبيرة أو برجوازية عسكرية بيروقراطية وعن ملاّك الأرض الكبار، تعبّر عن استمرار التركيبة المزدوجة بين الإقطاع والرأسمالية؛ وبين العصر الوسيط والعصر الحديث، فتضع كل قدم في عصر، مواصلة رحلة الانشراخ العربية.
إن هذه الازدواجية هي المدمرة، فلا بد من اقتلاع جذور الإقطاع الاقتصادية والاجتماعية وفصل السياسة عن الدين، وتحرير الدين من الاحتكار الإقطاعي القروسطي له، وتشجيع برجزة الإسلام، والقيام بإصلاحات عميقة في التركيبة الاجتماعية التقليدية، عبر المساواة بين الرجل والمرأة، وجعل الدولة لا دينية، ومساواة كافة المواطنين أمامها. وإن ذلك لا يتشكّل دون نضال واسع من قبل القوى الحديثة العربية الديمقراطية، وهي تقوم بتجديد نفسها ديمقراطياً، وعلمانياً وتوجيه القوى الشعبية والبرجوازية الصناعية خاصة، والنساء والمثقفين.
إن إعادة ترتيب الأولويات السياسية والاجتماعية يبقى ضرورياً لمواجهة انتكاسة التطور، فلم يعد أساساً تحرير الشغيلة، بل تحسين ظروفهم وتطورهم الفكري والسياسي، وغدا تحرير المرأة والدين والعقل ركيزة أساسية لإعادة تشكيل البنى. وإن التعاون الواسع بين العمال والبرجوازية الصناعية، سيغدو مهمّاً لتشكيل قوة مشتركة تؤسس رأسمالية حديثة، ولا يجب أن يتوجّه النضال المطلبي وتطوير حياة العمال إلى تجاوز الرأسمالية.
إن توسع الأشكال الطفيلية من #رأس_المال، وتفاقم السياسة الليبرالية الجديدة الموجهة ضد الشغيلة، وتدفق الشركات المتعددة للنجنسية وعمليات القفز فوق الأطر الوطنية والقومية كلها مشكلات كبيرة، ولكنها لا تقود بالضرورة إلى تجاوز للرأسمالية بصيغ متسرعة، بل إن تدعيم رأسماليات عربية صناعية ــ زراعية ــ علمية هو الأمر الذي يضع القواعد المالية لتغيير التراكيب التقليدية المحافظة في المجتمعات. إن الدفاع عن الطبقات الشعبية ومصالحها في الحياة والتقدم، يترافق مع الكفاح من أجل الديمقراطية والعلمنة. عبر الصراع ضد مختلف تجليات الاستبداد القديمة والحديثة.
خلاصة
حين بدأ أنهيار الدولة العثمانية، وتغلغل الرأسمال والسيطرة الأوروبية، بدأ النظام الإقطاعي العربي المجزأ في الانهيار التدريجي البطيء، عبر مستويات عدة، وعبر مناطق وبلدان وأزمنة متفاوتة. لقد كانت المراكز المدنية الأساسية هي البقع الأولى في هذا الخروج الحديث، ثم تبعتها الأقاليم القريبة في الأرياف والمناطق الصحراوية، التي جاءت كحلقات أخيرة من الانهيار الإقطاعي والنمو الرأسمالي، وعبر فترة زمنية امتدت من أوائل القرن التاسع عشر حتى أواخر القرن العشرين. ولكن الانهيار الكلي على مستوى الملكية وعلى مستوى البنى الاجتماعية والسياسية لم يتم حسمه حتى هذه السنوات الأخيرة من القرن العشرين، ويبدو أنه بحاجة إلى عقود أخرى من القرن الواحد والعشرين.
لقد حدث تباين وتداخل بين بنيتين متصارعتين مختلفتين: بنية تقليدية آفلة لها كل مفرداتها الاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية، والتي لم تُخترق إلا في جوانب معينة، وخاصة في الاقتصاد. وقد عبّرت عن هذه البنية الأصوليات الدينية المختلفة وثمة بنية رأسمالية حديثة تنامت عبر جوانب عدة، ولكنها لم تحسم انتصارها الكلي على البنية القديمة. وعبّرت عنها مختلف التيارات السياسية الحديثة.
وكما إن البنية الاجتماعية القديمة راحت تتخلخل وتتساقط أجزاء منها، فإن مفرداتها الفكرية والسياسية راحت تتآكل هي الأخرى، بفعل تيارات التحديث المتتالية، التى تكوّنت كحلقات مرتبطة بنمو الجماعات وصراعاتها، وبتشكل قاعدتها الاقتصادية غير الحاسمة. ومع تعرّض النظام التقليدي للانهيار التدريجي، بدأت قواه بمقاومة واسعة؛ تجسّدت بإحياء وتنشيط الهياكل العبادية والمؤسسات الدينية والقبلية.
وبدأت الاحتجاجات الأولى ضد الإجراءات الاجتماعية الحديثة المتخذة ضد الإقطاع الزراعي والأسري، تتحول إلى منظومة أيديولوجية – سياسية، تختبيء وراء المقولات الدينية المقدسة لدى المؤمنين بها، وتستثيرها بقوة سيطرة على الناس ووقفاً لمسار التحول الديمقراطي ولتحلل سيطرتها على شبكاتها الطائفية ــ البشرية.
وراح الاختيار الحاسم بين بنية تقليدية وبنية رأسمالية صاعدة يتحول إلى مجابهة عميقة وواسعة ودامية، وكلما ازداد التطور الرأسمالي عمقاً ازدادت نزعات الارتداد والمقاومة، خاصة مع تفاقم المشكلات المترتبة على التطور الرأسمالي الدولتي البيروقراطي الفاسد أو الرأسمالي الفوضوي.
لقد قاد الكفاح ضد الرأسمالية والحداثة إلى عصاب فكري وسياسي، مع تشكّل الحركات الأصولية، التي وضعت التركيبة القديمة المحافظة في مجابهة لا تقبل المساومة ضد التركيبة الحديثة، محوّلة المجابهة إلى حرب أهلية عربية حقيقية أو مضمرة.
أما أشكال التداخل والتلاقح المختلفة التي أيّدتها وكرّستها معظم الاتجاهات السياسية العربية بين الإقطاع والرأسمالية، خاصة مع تعثّر هذه الرأسمالية ومشكلاتها الكثيرة المؤلمة، فقد غدت لا مبدأية ولا أخلاقية ولا عملية. وإن أشكال التلاحقات بين العصرين وبين البنيتين، غير المبدئية والثقافية، قد عرتها الأصولية بقوة شديدة مركزة على تهافتها. جاعلة من هذه المبدئية الارتدادية الظلامية قوة حماسية كبرى، ونشيداً عسكرياً قروسطياً لاحتلال المدن المتذبذبة.
إن ارتباط النمو الرأسمالي بسيطرة الدولة الشمولية سواء كانت وطنية أم تابعة، قد أوقف التطور وعرقله بسبب الفساد وتحجيم الرأسمالية الصناعية، وضرب الحريات المختلفة. وجاء تصاعد دور بعض دول الخليج العربية، وإيران، عبر رأسمالية الدولة الغنية المحافظة؛ ليعزز الارتداد الماضوي، ثم وصلت الرأسماليات العربية الدولتية غير الديمقراطية والهجينة إلى أزمة واسعة مع بداية التسعينيات.
لقد وجدت الجماعات الأصولية في هذا المناخ المحافظ والمأزوم رأسمالياً وحداثياً. العاجز عن خلق الرأسمالية مع ادعائه الانتساب إليها، القدرة على الادعاء بأنها مؤهلة لإنقاذ الأمة. إن سيطرة الدول على أجزاء مهمة من الاقتصاد، وضعف مستوى البنى الصناعية – العلمية، وسيطرة القطاعات الزراعية والرعوية والحرفية «وهي القاعدة المادية للماضي» وتوجّه الرأسمالية العربية نحو القطاعات المالية والتجارية وإرسال الفوائض المالية الهائلة إلى الغرب واستنزافها بشتي الأشكال، وعبر الأزمات العسكرية والاقتصادية، وتضارب التيارات الحديثة العربية، إن هذا جعل إمكانية تشكيل أنظمة شمولية باسم الدين أمراً فعلياً. إن ذلك يفتح الباب لحمامات دم غزيرة، ويؤدي لانهيارات الوحدات الوطنية وتفجر الحروب المذهبية.
إن المبدأية والتماسك الفكري والأخلاقي غدت أساسية في الصراع ضد التيارات السياسية التى تستغل الدين لأهداف أنانية ومتخلفة؛ ولم يعد من المقبول التلاعب بمشاعر المؤمنين عبر انتهازية وانتقائية المواقف، وبعدم كشف الحقائق الموضوعية عن التاريخ والواقع لهم؛ استخراجاً لعلمانية شعبية كامنة صارعت كثيراً لوقف تقدم الهيمنة الدينية الإقطاعية الشاملة على كل شعرة من جلودهم.
إن تكوين البنى الحديثة الديمقراطية صار هو الخط الاستراتيجي الذي يشكل العمود الفقري لتحالف. علماني عربي واسع النطاق، يستهدف وقف تقدم الشموليات الإرهابية الجديدة، وهزيمتها.
إن وطناً كبيراً ينتظر جهوداً جريئة وكبيرة لكي يطلع من مستنقع الدم المعد بجهل وقسوة.
إن نظرة نقدية عميقة، علمانية أصبحت ضرورة لإعادة تشكيل وعينا بالتاريخ وبالواقع المعاصر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) (أن.. غياب الملكية الخاصة للأرض، واحتكار الدولة، أي قمتها، لريع الأرض، والاستئثار بالفائض الاقتصادي، ووضع الأسس الراسخة للاستبداد السياسي، ووضع في أيدي الحكام وسائل إضافية للقمع والطغيان) #عبدالله_حنا (النهضة والاستبداد) ص 31، دار الأهالي، دمشق الطبعة الاولى.
– راجع: #سوسيولوجيا_الفكر_العربي #محمود_اسماعيل الجزءان الثاني والثالث.
(2) #رفعت_السعيد (حسن البنّا)، دار الثقافة الجديدة. مصر، ص 13 ـ 50، الطبعة الخامسة.
(3) (ارتفع نصيب الرأسماليين المصريين في الشركات. حيث بلغ في منتصف الثلاثينيات 47% مقابل 53% للأجانب، ونظراً لتخوفهم من إيداع تراكمات أموالهم في المصارف، فقد اتجهوا الى توجيهها لشراء أراض زراعية بالريف)، د. #محمد_حافظ_ذياب: «سيد قطب: الخطاب والأيديولوجيا» ص 26، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الاولى.
(4) المصدر السابق. الفصل الثاني ص 79 – 109.
(5) «الفكر العربي وصراع الأضداد»، د. محمد جابر الأنصاري ص 363- 441، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت. الطبعة الأولى.
(6) «المادية والفكر الديني المعاصر»؛ #فالح_عبدالجبار، ص 192: مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية؛ بيروت.
(7) المرجع السابق ص 210.
(8) «فصول من تاريخ الإسلام السياسي»: #هادي_العلوي، ص 285 مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية بيروت، الطبعة الأولى.
(9) «هم يعارضون المجتمع المدني، هم يواجهون كل ما بنته مصر عبر قرن ونصف القرن من الزمان من دستور وقانون وضعي، وفكر ليبرالي، وحريات وديمقراطية نسعى كي تكتمل، هم ضد العقل والعلم والثقافة وحرية الرأي، هم ضد الفن والأدب والموسيقى، وكل ما أبدع المصريون طوال تاريخهم الحديث» د. رفعت السيد: «الإرهاب إسلام أم تأسلم» ص 262، دار سينا للنشر.
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
رأس المـــال الحـكومــــي الشـــــــــــــرقي ــ أو أسلوب الإنتاج الكولونيالي
لا شك أن المفكر اللبناني الراحل مهدي عامل من المساهمين البارزين في تحليل الواقع العربي المعاصر من منطلقات نقدية عميقة وخاصة من رافد الماركسية البنيوية ، التي قام بتطبيقها على الواقع العربي بصورة حرفية ، دون رؤية الاختلاف بين مستوى التطور الغربي ، وتطور البُـنى الاجتماعية العربية .
ونحاول في هذه الموضوعات قراءة آرائه وتحليلاته لندوة جرت في الكويت في السبعينيات من القرن الماضي ، اتخذت لها عنواناً هو (أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي) ، وقد ناقشها في كتابه : (أزمة الحضارة العربية أم أزمات البرجوازيات العربية ؟) .
يفترض مهدي عامل مسبقاً ، ودون دراسات ، بأن المجتمعات العربية هي مجتمعات رأسمالية . فهو يصر على أن ( نمط الإنتاج الرأسمالي المسيطر في البنيات الاجتماعية العربية) ، (9) .
إن هذا يبدو لوعيه شيئاً بديهياً ، صحيح إنه يقول أن ثمة علاقات ما قبل رأسمالية في هذا الإنتاج غير أنها ليست سوى بقايا .
فيقول بوضوح : إن فهم تطور بنية علاقات الإنتاج الرأسمالية مثلاً في البلدان العربية في الوقت الحاضر ، وفهم أزمات هذا التطور يستلزم بالضرورة الانطلاق بالتحليل من هذه البنية بالذات في شكل وجودها القائم في كل من البلدان العربية. ) ، (10) .
وليس ثمة من الضرورة بحث جذور هذه البُنى (مع ظهور الإسلام مثلاً ، أو مع الجاهلية ، أو مع بدء العصر العباسي أو الأموي أو الأندلسي أو عصر الانحطاط الخ . . ، بل هو يبدأ مع بدء التغلغل الإمبريالي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.) ، (11) .
وهو يعترف بأن ثمة (أشكالاً من الإنتاج سابقة على الإنتاج الرأسمالي لا تزال حاضرة في البنيات الاجتماعية العربية) ، غير أنها ليست سائدة فيه ، بل الإنتاج الرأسمالي هو السائد .
ونحن نحاول أن نفهم كيف استطاع الاستعمار أن يجعل من هذه العلاقات سائدة ؟ أي كيف استطاع أن يجعل العلاقات ما قبل الرأسمالية لا تسود بل أن تسود العلاقات الرأسمالية ؟
لا يقوم مهدي عامل ببحث هذه المسألة تاريخياً ، بأن يعطينا أمثلةً عن بلد عربي ومنذ القرن التاسع عشر تحول إلى الرأسمالية ؟ فلا نجد .
ولا أن يقوم بتحديد متى استطاعت البرجوازيات العربية أن تستولي على الحكم وتنشر النظام الرأسمالي الشامل ؟
ومن جهة أخرى فهو يؤكد بأن ( كثيراً من علاقات الإنتاج الاجتماعية ، سواء في الحقل الاقتصادي أم السياسي أم الإيديولوجي ، التي تنتمي إلى أنماط من الإنتاج بالية ، أي بالتحديد ، سابقة على الرأسمالية ، لا تزال قائمة في البنيات الاجتماعية المعاصرة ) ، ( 12 ) .
ينطلق مهدي عامل لتحديد هيمنة الرأسمالية على العالم العربي منذ القرن التاسع عشر بشكل مضاد للقراءة الموضوعية ، وهو يفترض رأسمالية سحرية تتشكل منذ أن تطأ بوارج بريطانيا وفرنسا الشواطئ العربية ، في حين إن الرأسمالية تتعلق بمدى تشكل الرأسمال الخاص في القطاعات الاقتصادية المختلفة ، ومدى انتشار العمل المأجور على بقية أنواع العمل في النظام الاجتماعي .
وتتحددُ سيطرةُ البنيةِ الرأسماليةِ بوصولِ منتجي البضائع إلى سدة الحكم ، وإزاحة ملاك الأرض وإقطاعيي السلطة السياسية ، وسيادة العمل بالأجرة ، وهي كلها أمور لم تتحقق في نهاية القرن التاسع عشر ولا في نهاية القرن العشرين العربيين !
ولكن مهدي عامل يُصادر ببساطة ، قبل أن يبحث ، فهو منذ البدء يقول : ( أزمة البرجوازيات العربية. .) فأفترض إن هذه البرجوازيات قد حكمت وتعفنت في الحكم وهي مأزومة الآن ؟ ! في حين إن البناء الاقتصادي والسياسي لم تتحقق فيه شروط انتصار الرأسمالية !
ولكن ذلك لا يتعلق فقط بالبحث الفكري بل والأخطر بالمهمات السياسية المباشرة ، فيقول بأن :
( المهمة الأساسية لحركة تاريخنا المعاصر بهذا الشكل ، لاتضح لنا أن تحققها يمر بالضرورة عبر عملية معقدة من الصراع الطبقي ضد البرجوازيات العربية المسيطرة . .) ، ( 13 ) .
ولكن كيف يمكن إسقاط أسلوب إنتاج لم يُسد وطبقات لا تحكم ؟
علينا أن نناقش مسألة أسلوب الإنتاج الكولونيالي التي طرحها مهدي عامل ، كي نقوم بتفكيك تفكير هذا المفكر ، وهي التي اعتبرها حجر الزاوية في نظريته حول تطور العالم العربي .
كما رأينا سابقاً ، ( راجع الفقرة حول التاريخ العربي ) إن مهدي عامل يرفض تحليل البنية الاجتماعية العربية الحالية من خلال جذورها ، وهو ينتقد المفكرين العرب المجتمعين في الكويت لمناقشة ( أزمة تطور الحضارة العربية) بسبب قيامهم بالعودة إلى جذور التاريخ العربي ، طالباً الوقوف عند العصر الراهن والنظر إلى الماضي من خلال البنية الاجتماعية الراهنة .
إن مهدي عامل ينظر للبُنى الاجتماعية العربية الراهنة وكأنها صياغة أوربية غربية ، فقد قام الاستعمار الغربي برسملتها ، أي بتحويلها إلى رأسمالية ناجزة ، وهذه الرأسمالية الناجزة يُطلق عليها أسم ( أسلوب الإنتاج الكولونيالي ) ، وبهذا قام مهدي بخطئين كبيرين مزدوجين ، فهو قد قطع السيرورة التاريخية للبُنى العربية الاجتماعية ، أي قام بإزالة طابعها الطبقي التاريخي ، وهي عملية يقوم فيها بالتمرد على القوانين الموضوعية لرؤية المادية التاريخية عن التشكيلات الخمس : المشاعية ، والعبودية ، والإقطاع ، والرأسمالية ، والاشتراكية.
فهو عبر هذه المقولة قد ألغى كون البُنى الاجتماعية العربية بُنى إقطاعية ، فحين لا نبحث ألف سنة من التطور الاقتصادي والاجتماعي السابق ، ونعتقد أن أسلوباً جديداً للإنتاج قد تشكل ، وأسمه الأسلوب الكولونيالي ، في خلال بضع سنين ، وأن علينا أن ننظر للتاريخ من خلال هذا الأسلوب غير المحدد والغامض ، فتتشكلُ لدينا هنا رؤيةٌ سياسية دكتاتورية تحاول أن تفرض نفسها على جسدِ التاريخ الموضوعي ، بمعطيات غير مدروسة .
إن رفضَ تحليل الماضي ، أي رفض بحث التاريخ الإقطاعي للعرب ، يتضافرُ لدى مهدي عامل ، ورفض تحليل الحاضر ، أي قراءة عمليات التداخل بين الإقطاع والرأسمالية ، كأسلوبين للإنتاج موضوعيين في التاريخ العربي الراهن ، ويطالب بمناقشةِ أسلوب إنتاج من اصطلاحاته هو أسلوب الإنتاج الكولونيالي .
ومع هذا فعلينا أن نناقش تسمية أسلوب الإنتاج المقترح ، فمهدي عامل لا يُنكر وجود بقايا نظام تقليدي في هذا الأسلوب الذي انتصرت فيه العلاقات الرأسمالية ، ودون أن يطرح أية أرقام أو معطيات على انتصار العلاقات الرأسمالية الموهومة ، لكنه يعتبر إن العلاقات الرأسمالية المنتصرة في العالم العربي تشكل علاقة تبعية مع العالم الغربي حيث العلاقات الرأسمالية الأقوى ، وهذه الأخيرة الغربية هي التي تقوم داخلها بتقويض أساليب الإنتاج الأخرى ، في حين تعجز الرأسمالية العربية في علاقتها التابعة من تقويض أساليب الإنتاج السابقة داخلها ، وبهذا فإن أسلوبَ الإنتاج الكولونيالي الذي سادت فيه البرجوازياتُ العربيةُ يحتاج إلى ثوراتٍ عمالية لتقويضه والانتقال إلى الاشتراكية .
تتشكلُ هذه العمومياتُ الفكريةُ من منهجٍ مجردٍ يفرضُ قوالبه على الواقع الحي غير المدروس ، فتـُـلغى مسألةُ التشكيلة الإقطاعية بجرة قلم ، ويتم تحويلها إلى تشكيلة أخرى متطورة بقفزة خيالية أخرى هي التشكيلة الرأسمالية الكولونيالية ، ثم تحدث القفزة الأكبر إلى الاشتراكية . . ولا يزال الباحث لم يحلل الإقطاع العربي وسيرورته السابقة والراهنة .
والغريب إنه في كتابه هذا ( أزمة الحضارة العربية . .) يناقش جملةً من المفكرين العرب الذين يقدمون له مادة تحليلية ممتازة ، ولو أنه أبعد فرضياته الإيديولوجية المسبقة ، أو استفاد بعمق من الماركسية البنيوية التي نقل تطبيقاتها لفهم البنية الاجتماعية ، لأمكنه أن يدخل إلى دائرة التاريخ العربي وتشكيلته التي تضاربت أسماؤها لديه . ولكنه حدد منذ البدء هؤلاء الباحثين كمنظرين للبرجوازيات العربية المستولية على الحكم والتي وصلت إلى الأزمة ، وبالتالي يجب نقد وعي هذه الطبقات المسيطرة عبر وعي الطبقات الثورية الخ . .
حين يناقش مهدي عامل الباحث العربي شاكر مصطفى يتجاهل مهدي المادة الفكرية الثمينة التي يقدمها شاكر لتوصيف تطور المجتمعات العربية بقوله :
( إن الاستمرار الاجتماعي الذي تعيشه الشعوب العربية إنما تحكمه عناصر عديدة في مجموعها التركيب العربي القائم . . وأن لامتدادات التاريخ في هذه العناصر المكان الواسع إن لم يكن الأول. . ) وهذه (العناصر الأساسية الباقية عند أربعة جوانب :
أ ــ طرق الإنتاج المادي ب ــ تكوين نظام السلطة ج ــ طبيعة العلاقات الاجتماعية د ــ قيم الفكر التراثية..)، ( 14 ) .
هكذا نرى لدى شاكر مصطفى نظرة تاريخية موضوعية واقتراباً دقيقاً من فهم أسلوب الإنتاج الإقطاعي العربي الإسلامي المستمر عبر ألف سنة ، الذي يتأسس في نظام السلطة والإنتاج معاً ، ثم يتمظهرُ في العلاقات الاجتماعية : الأبوية ، هيمنة الذكور ، اللامساوة الجنسية ، الطائفية الخ . . ثم يصل النظام الإقطاعي إلى المستوى الثقافي : الأمية ، الخرافة الخ . .
إن شاكر مصطفى يمثـل مقاربة علمية ( ماركسية ) من فهم التاريخ ، ولكن ماذا يفعل مهدي عامل بمثـل هذه المقاربة ؟
بدلاً من أن يقوم بفهمها ودرس التاريخ العربي يقوم بالمصادرة السريعة ، فيقول :
( أما أن يكون هذا التاريخ الذي تكونت فيه البنية الاجتماعية للواقع العربي الحاضر ، تاريخاً يرجع إلى ما قبل عشرة قرون خلت ، أي إلى العصر العباسي أو أواخر العصر الأموي ، فهذا ما نختلفُ فيه جذرياً مع الدكتور مصطفى ) ، ( 15 ) .
فهو يحتار كيف أن هذه البنية المزدهرة يوماً ما تصبح هي نفسها سبب التخلف ؟ فيقول بلغته :
( فالبنية هذه ليست في حاضرها ، من حيث هي بنية ، أي كلٌ معقد متماسك ، سوى البذرة التي كانتها في الماضي ، تنامت ، فتنافت وتواصلت في حركة من تماثـل الذات بالذات ، وما الذات هذه إلا الذات العربية نفسها . ) ، ( 16 ) .
إن مهدي عامل الذي ينتقد شاكر مصطفى على أنه صار يفكر بمنهج هيجل الجدلي المثالي ، يعجز عن اكتشاف رؤية الوعي الموضوعي لدى مصطفى شاكر في فهمه للتاريخ العربي ، ويصبح هو هيجلياً مثالياً .
فالبنيةُ العربيةُ الإقطاعية في زمن الإمبراطورية العباسية كانت نظاماً مركزياً ، والإقطاع المتحكم في الخراج الهائل يصرفه على البناء الترفي والثقافة المقربة المفيدة للنظام ، ثم يتحلل هذا الإقطاع المركزي بسبب ثورات الشعوب ، ليجيء نظام الإقطاع اللامركزي ، وتظهر الدول والدويلات الإقطاعية ، وتكرر بشكل أوسع إنجازات ومشكلات النظام السابق ، ثم يتهرأ هذا النظام الإقطاعي الديني العام بتشكيلاته المتعددة ، ليغدو أنظمة وإمارات إقطاعية صغيرة مذهبية الخ . .
إن هذه السيرورة التاريخية تحافظ على قسمات عامة أشار لبعضها شاكر مصطفى في المقطع السابق ذكره ، حيث يغدو الحكام هم المستولون على القسم الأكبر من الثروة العامة ، وتتواشج السلطة والثروة ، ويشركون رجال الدين في السيطرة على العلاقات الاجتماعية ، أي ينقلون العلاقات الإقطاعية إلى البيوت والأحوال الشخصية الخ . .
وإذا لم نقم كما يريد مهدي عامل بقراءة هذه السيرورة التاريخية الاجتماعية التي امتدت خلال ألف سنة ، والتي تتغلغل في أبنيتنا الاجتماعية وقوانينا الوراثية وفي سلطاتنا المطلقة، وفي شعرنا ونثرنا وعاداتنا ولاوعينا ، فكيف نقوم بتغيير هذه البنية التقليدية وتشكيل النهضة ؟ !
إن مهدي عامل يخرق قوانين الوعي على مستوى قراءة الماضي ، وعلى مستوى قراءة الماركسية ، فعبر قراءة الماضي يتجاهل البنية الإقطاعية وسيرورتها الراهنة ، وعلى مستوى الماركسية يقوم باختراع مغامرات سياسية محفوفة بالكوارث ، عبر اختراعه مقولة أسلوب الإنتاج الكولونيالي وتصفية البرجوازيات العربية .
فهو بدلاً من قراءة الماضي ورؤية أسباب عجز البرجوازيات العربية القديمة عن تشكيل النهضة ، والقيام بثورة رأسمالية ، وقراءة أسباب ضعف البرجوازيات العربية الراهنة وعدم قدرتها على تغيير أسلوب الإنتاج الإقطاعي وتشكيل تحالف معها لتغيير التركيبة التقليدية يقوم بوضعها في خانة العدو والقفز ضدها إلى مهمات غير حقيقية ومكلفة كما دلت تجربة الشعب اللبناني .
يمثـل المفكرون الذين تواجدوا في الكويت لمناقشة مسائل النهضة العربية وكيفية إيجادها ، نخبة اشتغلت في حقول الدراسات لزمن طويل ، وبغض النظر عن اجتهاداتها ومدارسها فإنها تعبر عن عقول مهمة تعارض المجتمعات العربية التقليدية من منطلقات مختلفة ، لكن المفكر اللبناني مهدي عامل نظر إليها كخصوم وليس كقوى مساندة للطبقات العاملة العربية في تغيير مجتمعات التخلف ، وبهذا كان يرفض العديد من الآراء المهمة التي تقدمها كما فعل مع مصطفى شاكر .
ويعترض مهدي عامل كذلك على زكي نجيب محمود الذي يمثل المدرسة الوضعية أو التجريبية المنطقية في دعوته لاحكام العقل في النظر إلى الأشياء ، وخاصة في جملته التي قالها بضرورة ( الاحتكام إلى العقل في قبول ما يقبله الناس وفي رفض ما يرفضونه) ، ودعا زكي نجيب العربَ إلى التوجهِ لتمثل الحضارة المتقدمة ، واعتبر إن الاحتكام إلى العقل ميز الحضارات العقلانية ، معطياً نماذج أربعة على حضارات احتكمت إلى العقل وهي :
أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد ، وبغداد في عصر المأمون ، وفلورنسة في القرن الخامس عشر ، وباريس في عصر التنوير في القرن الثامن عشر .
أي إن زكي نجيب يقدم درجات من صعود البرجوازية عبر العصور ، أعطى إنتاجها المادي قدرة على الفهم الموضوعي للطبيعة المجتمع ، على درجات متفاوتة .
ويعترض مهدي عامل على هذه التصنيفات ويقول :
( وهنا تظهر الدلالة الطبقية لهذا المنطق من التفكير : فانتفاء الطابع التاريخي ، أي النسبي ، من شكل العقلانية الخاص بالبنية الاجتماعية الرأسمالية يجعل من هذا الشكل الخاص مطلقاً ، فيظهر ما هو تاريخي – أي ما يحمل فيه ضرورة تخطيه ونفيه – بمظهر ما هو طبيعي – أي يحمل فيه ضرورة تأبده – ويظهر الشكل الطبقي البرجوازي للعقلانية بمظهر العقلانية الإنسانية ، أي بما هو طبيعي ملازم للحضارة كحضارة . .) ، ( 17 ) .
إن فئاتٍ برجوازيةً عربية تعاني من هيمنة تقليدية متخلفة ، وحين تقوم باستعادة لحظات من فعل الفئات المتوسطة عبر التاريخ الماضي إنما تريد شحذ عقلها وإرادتها من أجل تشكيل عالم نهضوي عقلاني عربي ، يمكن حتى للقوى الشعبية فيه أن تناضل بصورة حديثة ، لكن زكي نجيب محمود هنا يفصل العقلانية عن أسلوب الإنتاج ، ولا يرى إن العقلانية في أسلوب إقطاعي ( عباسي ) هو غيره في أسلوب رأسمالي جنيني في أوربا ، وبالتالي كان هذا يحتاج لقراءة العنصر العقلاني في سيرورته التاريخية .
إن النموذج الذي يختاره مهدي عامل في الفصل الرابع من الكتاب السابق الذكر ، هو الشاعر والباحث أدونيس ، الذي صاغ دراسة حول الإمام أبي حامد الغزالي في ذلك المؤتمر مُستنتجاً ــ أي أدونيس ــ بأن الفكر الديني :
[بقواعده وغاياته ، هو الذي يسود المجتمع العربي ، اليوم . ولذلك فإن الإيديولوجية السائدة ، سواء في المدرسة والجامعة والبرامج التربوية ، والصحافة والإذاعة والكتاب ، إنما هي قوة ارتداد نحو الماضي ، وقوة محافظة على الراهن الموروث . . فعلاقات الإنتاج الموروثة . . ما تزال هي السائدة . . والبنية الإيديولوجية التقليدية . . ما تزال كذلك هي السائدة] ، ( 18 ) .
هذا الكلام يقوله أدونيس في سنة 1974 ، وبالتالي استطاع أن يشخص الواقع العربي تشخيصاً مهماً بحيث أننا الآن ( سنة 2005 ) ندرك الفجائع المترتبة على هذه السيادة الماضوية . ولكن اليسار حينذاك لم يكن ير مثل هذا التشخيص ، كرفيقنا الراحل مهدي عامل ، الذي يتصدى لهذه المقولة قائلاً رداً وتحليلاً للرأي السابق :
[1 – الفكر العربي هو نموذجه ، ونموذجه هو الغزالي ، فالفكر العربي إذن هو فكر الغزالي .
2 – الفكر السائد في الماضي هو الفكر السائد في الحاضر .
3 – البنية الإيديولوجية السائدة في الماضي هي البنية الإيديولوجية السائدة في الحاضر.
4 – علاقة الإنتاج المتوارثة – أي السائدة في الماضي – هي علاقات الإنتاج القائمة في الحاضر .
إذن الماضي هو هو الحاضر ، لا شيء تغير. ( خلاصة ). ] ، ( 19 ) .
من الواضح إن مهدي عامل يقوم بتبسيط نظرة أدونيس إلى التاريخ الفكري العربي ، فالغزالي لدى أدونيس هو كل الفكر العربي الديني المحافظ ، ولكن أدونيس يقول إن هذا الفكر المحافظ المذهبي هو الذي ساد ، وإذا طورنا مقولة أدونيس كما توصلنا إليها ، فنقول إن رؤية الغزالي كانت هي ثقافة الإقطاع السائد . ولكن ثقافة الإقطاع المذهبي متعددة ، وحتى تسود قامت بالقضاء على التيارات الدينية المعارضة ، وهذه لها حراك وصراع استمر إلى وقتنا الراهن ، فليس معنى ذلك سكون الخريطة الفكرية الاجتماعية ، بل أن لها ألواناً وتضاريس معقدة . ولكن من الناحية الجوهرية فإن المنظومة العربية الإسلامية لم تخرج عن التشكيلة الإقطاعية ، ومعرفة وتحديد التشكيلة هذه هي الخطأ الجوهري لدى مهدي عامل كما بينا سابقاً ، في حين أن الباحثين المنبثقين من الفئات الوسطى الحديثة كأدونيس وشاكر مصطفى ، يرون أنها مستمرة ، لكنهم لا يعرفون كيف يبلورن ذلك نظرياً .
يضع مهدي عامل بعض ممارسات الفلاسفة العرب كابن رشد في دائرة ما يسميه [بالممارسة الإيديولوجية لما يمكن تسميته بالطبقة الأرستقراطية العربية المسيطرة في المجتمع الاستبدادي في القرون الوسطى.] ، وبغض النظر عن جمله من المفاهيم الخاطئة في هذه العبارة ، فإن مهدي عامل يضع الممارسات النقدية للمفكرين العرب المسلمين السابقين في سياق [مجتمع استبدادي] ، وليس في سياق التشكيلة الإقطاعية المعروفة بداهةً للمادية التاريخية ، ثم يقوم بوضع الحركات والفكر الديني الإسلامي المعاصر في سياق آخر فيقول :
[ أما في الحالة الثانية ، «فالإسلام» موجود بالشكل الذي يتحدد فيه بحقل آخر من الممارسات الإيديولوجية الطبقية ، خاص ببنية اجتماعية مختلفة ، يغلب عليها الطابع الكولونيالي، في انتمائها التاريخي إلى نمط الإنتاج الرأسمالي .] ، ( 20 ) .
إن هذه البنية الحديثة التي يضع مهدي عامل الوعي الديني السابق فيها ، هي بنية يغلب عليها ( الطابع الكولونيالي وتنتمي تاريخياً إلى نمط الإنتاج الرأسمالي) ، وهي توصيفات نرى كيف أنها بذاتها قلقة مضطربة ، وهو يلجأ إلى كلمة ( كولونيالي) الأجنبية المنتفخة ، لكي يُشعر القارئ بأنها مصطلح غني في حين يمكن القول بأن البنية العربية هي بنية تابعة ، ووجود التبعية لا يخلق تشكيلة جديدة ، أي أنه حين تقوم الرأسمالية المسيطرة غربياً بإلحاق البلدان الفقيرة الإقطاعية في العالم الثالث باقتصادها ، فإن هذه البنية التابعة تظل في تشكيلتها الإقطاعية السابقة ، لأن الاستعمار لا يقوم بثورة اجتماعية فيها بحيث يحولها إلى نموذجه أو نموذج الرأسمالية ، بل يبقيها في بنيتها السابقة ويجري تغييرات سياسية واقتصادية بحيث تقوم بضخ المواد الأولية إليه وتغدو سوقاً لمنتجاته الخ . . لكن عمليات الإلحاق والتغيير الرأسمالية المحدودة تكون في إطار التشكيلة الإقطاعية ، أي أن التشكيلة السابقة لم تتبدل بثورة تبدل البناءين ؛ التحتي بثورة اقتصادية ، والبناء الفوقي بثورة ثقافية ، بل جاءتها عناصر رأسمالية فقامت باستيعابها في قوانين التشكيلة الإقطاعية التقليدية .
إذن عدم فهم مهدي عامل للقضية المحورية وهي قضية التشكيلة يقوده إلى سلسلة من الأخطاء اللاحقة ، حيث ينفي كون الدين أيديولوجية فكرية مسيطرة في الحاضر ، لأنه نفى كون التشكيلة المعاصرة تشكيلة إقطاعية ، وبهذا لم يُدرك المهمات الفكرية والسياسية الأساسية الراهنة ، وهي تغيير التشكيلة وبناءها الفكري التقليدي .
ولهذا يقوم بنقد أدونيس لأنه يقول باستمرار التشكيلة الإقطاعية ووعيها الديني الأساسي ، ( ويجب أن نقول هنا وعيها : المذهبي السياسي ) ، منتقداً إياه بأنه ينقل :
[مركز الثـقل في الممارسة الإيديولوجية للصراع الطبقي ضد البرجوازية المسيطرة ، من صراع ضد إيديولوجية هذه الطبقة ، بمختلف تياراتها ، إلى صراع ضد الشكل الديني أو الطابع الديني من هذه الإيديولوجية..] ، ( 21 ) .
وهنا يواصل مهدي عامل عدم فهمه وخلطه للأمور ، فأدونيس في نقده للشمولية الدينية ينقدها في ظل نظامها التقليدي الإقطاعي ، أي باعتبار الوعي الطائفي المحافظ تجلياً فكرياً واجتماعياً للممارسة الإقطاعية المهيمنة على المسلمين (والمسيحيين) ، وليس باعتبارها نضالاً ضد الشكل الديني ، أي بأنها قضية فك علاقة الدين بالسيطرة السياسية والاجتماعية الإقطاعية الراهنة ، وتشكيل منظومة سياسية حديثة علمانية .
أي أن مهدي عامل يريد تجيـير النقد ضد الدين ، ويجعله بإطلاق ، وليس ضد الوعي السياسي الطائفي المستغل للإسلام في تأبيد البنية الإقطاعية المتخلفة ، وبالتالي يريد توجيه الوعي الفكري ضد البرجوازية العربية الحديثة ، باعتبارها سبب الأزمة والعائق ، أي أنه في النهاية يقوم بالدفاع غير المباشر عن الإقطاع الديني ، أو أنه بالهجوم على البرجوازية الحديثة يفتت الصفوف الموجهة ضد الإقطاع الديني والسياسي .
فلنحلل أكثر التباس المفاهيم والمراحل واستراتيجيات النضال لدى مهدي عامل .
يقول :
[ فالعلاقة هذه التي تمنع تطور الإنتاج الرأسمالي ، في شكله الكولونيالي ، من أن يميل ، في قانونه العام ، إلى القضاء على علاقات الإنتاج السابقة عليه ، في سيطرته بالذات عليها ، هي نفسها العلاقة التي تمنع البرجوازية الكولونيالية ، في ممارسة سيطرتها الإيديولوجية / من القضاء على مختلف الإيديولوجيات السابقة على الإيديولوجية البرجوازية ، في سيطرتها بالذات .. ] ، ( 22 ) .
يعتمد مهدي عامل على منطق ارسطي شكلاني يجرد التاريخ من سيرورته الحقيقية ، ويضعه في قوالب لا تاريخية ، أي لا توجد إلا في وعيه الذي يقع خارج التاريخ الحي .
فهو أولاً قد أثبت انتصار الإنتاج الرأسمالي في العالم العربي ، في القرن التاسع عشر كما سيقول لاحقاً أيضاً ! لكن هذا الانتصار تم في إطار كولونيالي ، ورغم إن البرجوازيات العربية التي انتصرت على أشكال الإنتاج ما قبل الرأسمالية قد انتصرت إلا أنها مع ذلك تحافظ على الأيديولوجيات ما قبل الرأسمالية وهو ذات السبب الذي يجعلها تحافظ على أساليب الإنتاج ما قبل الرأسمالية !
فأولاً حين جاء الاستعمار إلى العالم العربي في القرن التاسع عشر ، كرس الإقطاع والطائفية والأمية ، ولم تستطع الفئات الوسطى ( البرجوازية ) أن تنمو إلا بشق النفس ، وخاصة الفئة الصناعية ، وبقيت الأبنية الاجتماعية تسود فيها عبودية النساء وعدم خروجهن للعمل والإنتاج، وهيمنة الإقطاع الطائفي الخ . .
وبهذا فإن نضالات الفئات الوسطى كانت تتحدد في كل بنية اجتماعية عربية ، حسب تطورها الاقتصادي الاجتماعي ، فإن تنمو فئة وسطى وتقود نضالاً ديمقراطياً كان ذلك يحتاج إلى عقود ، وليس كما يظهر في وعي مهدي عامل ، بشكل أزرار سحرية ، وكأن تشكل علاقات الإنتاج الرأسمالية تتم في الذهن وليس في الواقع الحي . أي أن الرأسمالية تحتاج إلى شروط موضوعية وهي انتشار الصناعة وانتشار العمل بالأجرة وتحرر النساء الخ . .
ولو افترضنا جدلاً بنشؤ الرأسمالية الواسعة في نهاية القرن التاسع عشر ، وهذا محض خيال ، فإن أشكال الوعي الدينية ، المرافقة للتشكيلة الإقطاعية ، لا تنهار بسهولة كبيت من ورق .
إن الوعي الديني المترافق مع التشكيلة الإقطاعية العربية تأسس فوق بنية زراعية / حرفية / رعوية ، وداخل صراعات اجتماعية ( قومية ) ومناطقية ، وقادته الصراعات السياسية الاجتماعية إلى الانقسام المذهبي الكبير في عصر الثورة والمعارضة ، بين التيارات المحافظة والتيارات المعارضة ، بين التيارات الإقطاعية الناجزة وتيارات الفئات الوسطى الفاشلة ، ثم إلى الانقسام المذهبي الكبير الثاني حين انتصرت التيارات والدول المحافظة ، أي الانقسام بين السنة والشيعة .
إن هذه السيرورة الاجتماعية الإيديولوجية المتلونة بمراحلها وآثارها لا يمكن أن تزول آلياً مع الانتصار الموهوم للرأسمالية كما يظن مهدي عامل ، بل إن هذا البناء الفوقي يحتاج إلى قرون لكي تتم زحزحة خطوطه المتكلسة ، ولكن الأمر أعقد من ذلك لأن هذا البناء الفوقي يتأسس تحت بناء قاعدي لم يتغير كثيراً.
وكما أوضح شاكر مصطفى في عبارته الهامة التي اقتطعاها مهدي عامل ورفضها ، بأن النظام الإقطاعي العربي الديني تتداخل فيه مسألتي السلطة والُملكية ، أي تتواشج فيه جوانب من البناءين التحتي والفوقي ، فالمسيطرون على الثروة والملكية العامة والأوقاف الخ . . هم الإقطاعيون السياسيون والدينيون ، وهو أمر يتمظهر مذهبياً في البلدان ذات المذاهب المتنوعة ، ودينياً في الأقطار الإسلامية ذات الاختلاط مع المسيحية ، وهذه الهيمنة الإقطاعية تظهر على شكل مَلكيات استبدادية وهو أمر استمر حتى منتصف القرن العشرين في بعض الدول العربية وليس في أغلبها ، وعلى شكل جمهوريات رئاسية أو ملكيات لم تستطع أن تـُنجز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية المكتملة ، أي في جميع الأقطار العربية الإسلامية حتى الوقت الراهن .
يحكم مهدي عامل على البرجوازيات العربية منذ تشكلها وصراعها ضد الإقطاع والاستعمار ، بحكم سياسي واحد ، فبعد أن شكلها بشكل ناجز في ذهنه فحسب ، وبعد أن شكل الأنظمة الرأسمالية العربية في وعيه فحسب ، غدت متطابقة مع البرجوازية الاستعمارية المسيطرة وبالتالي غدت منذ البدء عدواً .
لهذا فإنه لا يقرأ سيرورتها الفكرية والاجتماعية وبالتالي مراحل تطورها ومن هنا لا يرى فرقاً بين (ما نراه في أيديولوجيتها من مفاهيم «عصرية» ليبرالية ، وما نراه أيضاً في بدء ” تاريخها الإيديولوجي ” من مفاهيم أرادت أن تكون مثيلة مفاهيم الثورة الفرنسية البرجوازية ، كما هو الأمر عند رفاعة الطهطاوي ولطفي السيد وغيرهما ) ، ( 23 ) .
ومهما كانت عدم الدقة في المطابقة بين آراء الثورة الفرنسية وآراء الطهطاوي ولطفي السيد ، فإن عدم رؤية أهمية آراء المنورين العرب في ذلك الكهف الإقطاعي التي كانت ولا تزال الشعوب العربية تحاول الخروج منه ، فذلك يدل على وعي الأرادوية الذاتية ( الثورية ) في إلغائها للقوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي ، مثلما تفعل في مسألة الوعي بالتشكيلة وبالوعي المهيمن فيها ، حيث يلغي مهدي عامل أهمية أفكار البرجوازية النهضوية ويثبت آراء الإقطاع الديني ، فيقول بأن الإيديولوجية الدينية :
( ليست هي الإيديولوجية المسيطرة ، أو التيار الإيديولوجي المسيطر في الإيديولوجية المسيطرة ، أو أيديولوجية البرجوازية الكولونيالية المسيطرة ) ، ( 24 ) .
إذن إنه في عدم وعيه بسيرورة الإقطاع السياسي الديني في الماضي : بقوانين تشكله وصراعاته وظهور الفئات الوسطى بين أشداقه وأسباب انهيارها وغلبته ، فإن مهدي عامل لا يرى قوانين استمراريته وانهياره في العصر الحديث العربي ، وأسباب ضعف الفئات الوسطى ، وصراعها معه ومع الاستعمار.
إن عدم رؤية قوانين البنية الاجتماعية في الماضي ، هي ذاتها تتجلى في عدم رؤية قوانينها في الحاضر ، ويقود ذلك إلى عدم رؤية قوانين التشكيلة الإقطاعية عامة ، خاصة عملية تفكيكها وتغييرها المعاصرة ، وإذا أحلنا آراء مهدي عامل الفكرية العامة إلى الميدان السياسي ، فيعني ذلك تقوية الإقطاع .
فعدم تثمين مقاومات الفئات الوسطى في الماضي والحاضر ، وتشكيل جبهة سياسية تحديثية واسعة ، تراكم الوعي النهضوي وتقود في الخاتمة إلى الثورة أو القطع مع المنظومة الإقطاعية ، واستبدالها بمنظومة حديثة ، يعني تصفية القوى النهضوية وتفكيكها ، وبالتالي تصعيد الإقطاع في مستويات البنية المختلفة .
علينا أن نرى إن ثمة عدم دقة تحليلية للإقطاع المذهبي وتطوره في التاريخ العربي لدى أدونيس كذلك ، أي أن أدونيس لا يرى الجذور الاجتماعية لتشكل الحداثة قديماً وحديثاً ، التي تؤسسها الفئات الوسطى العربية ، ولكنه يقترب من هذا التحديد بشكل أفضل من مهدي عامل، الذي يقول عن ذلك :
( لكن المنطق الذي قاد أدونيس إلى عدم رؤية هذا الطابع الطبقي المميز للصراع الإيديولوجي في واقعنا الراهن ، هو تلك المعادلة الرابعة التي أقامها بين علاقات الإنتاج السائدة في الماضي وعلاقات الإنتاج القائمة في الحاضر. .) ، ويضيف مهدي عامل : ( أما أن تكون هذه العلاقات الموروثة نفسها هي هي العلاقات القائمة حالياً ، فهذا ما لا يمكن للمنطق العلمي أن يقبل به ، برغم وجود الانسجام الداخلي في منطق أدونيس..) ، ( 25 ) .
ومن المؤكد إن الإقطاع العربي الكلاسيكي القائم على ملكية الأرض الزراعية والخراج ، لم يعد شاملاً ، لكن مهدي عامل لم يقم بدرس العلاقات الاقتصادية العربية الحديثة ، وكيف أن ملكية الدولة لوسائل الإنتاج تمثل شكلاً إقطاعياً حين تغدو تابعة بالوارثة لأسرة أو جماعة سياسية ، بدلاً من أن تكون هذه الوسائل بضاعة متداولة ، ولهذا ثمة استمرارية كبيرة بين حقول النفط وحقول الزراعة ، وبين الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي تتركها في تقوية الإقطاع الأسري والحزبي الخ . . ونعرض ذلك كمثال عابر فقط ، من أجل أن نرى استمرارية الحياة التقليدية ، وبالتالي فإن الحكم العام الذي يطلقه أدونيس باستمرار الوعي التقليدي وهيمنته لا يجانب الصواب .
إن أدونيس إذن عبر تلك الفقرة التحليلية يقربنا من رؤية البنية الحقيقية للحياة العربية ، فيما يعمل مهدي عامل على إخراجنا من تلك البنية وإدخلانا في بنية موهومة من قراءته ومعايشته للحياة الغربية ، فيريد نقل مهمات الصراع الطبقي فيها، إلى بلدان متخلفة ، تشكو من قلة البرجوازية والعمال والتصنيع ، دون أن يحاول العودة إلى مصادر أدونيس في قراءة المجتمعات العربية ، في كتابه (الثابت والمتحول) خاصة .
في إحدى الفقرات من كتابه ( أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية ؟ ) ، يقر مهدي عامل ضمناً بسيادة العلاقات الإنتاجية والاجتماعية التقليدية وهو يرد على أدونيس فيقول :
( إن وجود هذه العلاقات السابقة في البنية الاجتماعية الكولونيالية لا يعني أنها العلاقات السائدة في هذه البنية ، حتى وإن كانت هي تنتشر على القسم الأعظم من السكان ، كما هي الحال في الهند مثلاً، أو في كثير من البلدان العربية . .) ، ( 26 ) .
إنه يعتبر الإنتاج التابع شكلا تاريخياً محدداً من الإنتاج الرأسمالي ، فمهما كانت الأشكال ما قبل الرأسمالية منتشرة فإن ما يحدد توجه التطور هو النمط الرأسمالي . وبطبيعة الحال لا يمكن أن نأخذ بهذه الجمل إلا عبر تحليل للأبنية الاقتصادية الاجتماعية المحددة في كل بلد ، فرغم أن التطور الرأسمالي هو تطور عالمي عاصف ، إلا أن كل منطقة وبلد لهما خصوصياتهما ، أي أن الأمر يعود لتطور التشكيلات وتاريخها ، وتناقضاتها الداخلية ، فالتشكيلة الإقطاعية العربية الإسلامية ، عبر سيطرة مختلف الدول الاستعمارية على أقطارها المتعددة ، لم تقم هذه الدول الاستعمارية برسملتها بشكل شامل ، وحتى بعد مختلف الثورات الوطنية فإن المسألة الديمقراطية لم تـُحل ، أي أن هذه الأنظمة ظلت على بنياتها الإقطاعية المذهبية ، وظلت الدولة طائفية واللامساواة بين المواطنين سائدة ، وظلت قوى ما قبل رأسمالية تتحكم في الثروة العامة الخ . .
لكن مهدي عامل لا يرى ذلك ، بل يرى إن هذه الأنظمة أنظمة رأسمالية فيجب أن :
( يرفض الدولة البرجوازية ، أي هذا الشكل التاريخي الطبقي المحدد من الدولة، ويرفض علاقات الإنتاج البرجوازية الخ . .) ، ( 27 ) .
كما أن القوى العاملة مدعوة ( لممارسة العنف الثوري ، من حيث هو عنف طبقي ، بأدواتها هي وبمنطقها هي وبنظامها هي ، من أجل القضاء على سبب وجود العنف الذي هو المجتمع الطبقي ) ، ( 28 ) .
إن مهدي عامل لا يقول ذلك في فرنسا والولايات المتحدة ، بل في لبنان وسوريا والعراق والجزيرة العربية ، فبدلاً من معرفة ما يحدده شاكر مصطفى وأدونيس من دولة استبدادية طائفية إقطاعية متخلفة ، يقوم مهدي بصناعة دولة موهومة هي الدولة البرجوازية ، وقد اكتملت علاقات الإنتاج الرأسمالية فيها ، وبين النموذج الواقعي الذي يرفض الدخول فيه وتحليله ، يجر نموذجاً آخر ويريد مجابهته ، وهذا الجر يخلق مهمات سياسية وعسكرية مختلفة ، فهو هنا يريد إزالة البرجوازية بالقوة ، فتتحول هذه الكلمات في يد اليساري اللبناني إلى سلاح ، ويغدو كل الفلاحين المقتلعين من الجنوب والنازحين على المدن والفقراء ، جيش الثورة البروليتارية في مواجهة البرجوازية .
إن مهدي عامل بعد أن حول المجتمع المتخلف الطائفي التابع الجائع إلى المصانع والبرجوازية إلى (مجتمع برجوازي مأزوم بسيطرة هذه البرجوازية ) ، لم تعد المهمة سوى اقتلاع هذه البرجوازية لكي تحل الأزمة ، وهكذا يُفتح الطريق للحرب الأهلية اللبنانية من البوابة النظرية .
لا يعني ذلك بأن توصيفات أدونيس للمجتمع العربي التقليدي متكاملة ولا أن الحلول التي يطرحها لتجاوز أزمة المجتمعات العربية التقليدية ، فهي كذلك تعاني من عدم فهم سيرورة التطور العربي.
إن أدونيس يقول حسب رواية مهدي عامل بأن ( شخصية العربي ، شأن ثقافته ، تتمحور حول الماضي / القديم ) . وأنه في الحضارة العربية (لما انتفى الفرد في الموضوع وتغرب عن ذاته في الجماعة أو الدولة أو السلطة أو النظام … كان الاتباع ، وكان التخلف ، وكان حاضر الإنسان العربي أو ماضيه ) ، ( 29 ) .
نستطيع أن نقول بأن مقاربة أدونيس للتشكيلة الإقطاعية تركز هنا على غياب الوعي الفردي (البرجوازي) ولكنه يجعله مطلقاً ، والمسألة ليست مسألة انتفاء الوعي الفردي فهذا مظهر للبنية الإقطاعية التي جعلت الفئات الوسطى تابعة لها ، ولكنه وهو حين يشير إلى ( تلاشي ) الفرد المبدع أو هيمنة التقليد في الحضارة القديمة ، فهو يشير إلى شيء موضوعي لم يتبينه تمام التبين ، وهو سيطرة الهياكل الإقطاعية العامة الاقتصادية والاجتماعية والإيديولوجية ، ولهذا فإن الفردية، وتوسع الفئات الوسطى الحرة ، وبالتالي انتشار الإبداع لم يحدث بصورة جذرية ، وقد تتبعنا ذلك في قراءات سابقة ، وبينا جذور الفئات الوسطى وارتكاز قواها الأساسية على الدولة الإقطاعية . وبهذا فإن الفئات الوسطى العربية في الماضي والحاضر ، لم تستطع أن تتحول إلى طبقات برجوازية كلية ، وهذا بخلاف رؤية مهدي عامل التي تقول بأنها وُلدت كبيرة ناجزة بفعل الأزرار السحرية الغربية ، ولكنها بعد كما يقول أدونيس كذلك لم تستطع حتى الآن أن تزيح الاتباع وتنشر الحرية بشكل شامل !
تلخيصاً وتطويراً لما سبق، يقيّم مهدي عامل تقييماً سلبياً الجوانب التي يتلمسها المفكرون المنبثقون من الفئات الوسطى الحديثة والتي تميل لتشكيل النظام الرأسمالي الحديث بكل قسماته ، فمهدي عامل يقوم بإزاحة لهذا المجتمع التقليدي الحقيقي المرفوض من قبل هؤلاء المفكرين ، ويضع بدلاً منه توصيفات مستقاة من تطور أعلى ، هو تطور البلدان الرأسمالية المتطورة ، ويضع المهمات التي تواجه الطبقات العاملة في هذه البلدان الرأسمالية المتطورة ، والتي تعالج مهمات تاريخية مختلفة ، وبدلاً من تشكيل جبهات موسعة للقوى الحديثة والديمقراطية لإزاحة التشكيلة الإقطاعية الطائفية العربية ، فإن يوجه القوى ضد أحد الأجنحة المهمة في عملية التغيير الديمقراطية ، ولهذا فهو يجعل ممثلي القوى الليبرالية والعقلانية الفكرية في الندوة المذكورة ، كخصوم ألداء وليس كحلفاء في معركة واحدة ضد تشكيلة تجاوزها التاريخ .
وهذا يقوده لعدم تثمين الأحكام الموضوعية التي يطرحها هؤلاء المفكرون والباحثون، وعدم الاستعانة بهذه المواد الفكرية الثمينة لتطويرها عبر المنهج المادي الجدلي، ورؤيتها في سياق التشكيلة الحقيقية.
ولكن مهدي عامل دخل في قراءة التاريخ بذاتية ثورية تـُسقط رغباتها على التاريخ الحقيقي ، بدلاً من اكتشاف تطوره ، فكان ابتكاره لمقولة ( أسلوب الإنتاج الكولونيالي ) بداية لخرقه أساسيات المادية التاريخية ، حول أساليب الإنتاج المحددة والُمكتشفة ، وهذا الخطأ المحوري قاده إلى سلسلة من الأخطاء النظرية في تحليل الجوانب المحددة في تطور التشكيلة الإنتاجية العربية ، السابقة الذكر، فهو قد اعتبر علاقات الإنتاج الرأسمالية مُـنجزة في حياة المجتمعات العربية منذ نهاية القرن التاسع عشر ، وهذا ما دعاه إلى عدم تثمين حلقات التنوير المتعددة التي قامت بها الفئات المتوسطة العربية ، في الماضي والحاضر ، ثم الدعوة إلى خلق اصطفاف حاد إلى معسكرين رأسمالي تجاوزه التاريخ ، وعمالي يجب انتصاره .
وكان هذا خرقاً للمهمات الحقيقية لقوى الثورة والتغيير العربية التي تواجه تشكيلة متخلفة ، ولكن الخطوط الفكرية التي طرحها مهدي عامل كانت تتضافر ووضع دولي مواتٍ ، مما جعلها في حيز التنفيذ ، ولكن النتائج المترتبة على هذه الخطوط النظرية والسياسية كانت كارثية خاصة على البلدان التي طبقتها بشكل عنيف ، وأهم هذه النتائج إن القوى السياسية ما قبل الرأسمالية ، والمذهبية الاجتماعية ، هي التي استفادت من تناحر القوى الحديثة ، وهي التي برزت إلى السطح والفاعلية ، حيث ساعدتها عوامل أخرى ، مما أوضح بشكل جلي بأن مهمات حركات التغيير العربية لا تزال مواجهة الأبنية التقليدية ، وضرورة عدم التحالف مع هذه القوى التقليدية وابرازها ، رغم السهولة التي تبدو بها عمليات التحالف مع هذه القوى الماضوية ، وضرورة تكريس تحالف الجبهة النهضوية التحديثية الديمقراطية ، حتى لو كانت الصعوبات جمة في طريق تشكيله وتعزيز عناصره الديمقراطية والعلمانية .
لكون التحالف مع القوى التقليدية وتعزيزها هو تقوية للتشكيلة الإقطاعية وسيرورتها الطويلة في الحياة العربية ، لأنها تشكيلة متكاملة ومتجذرة ليس في الحياة السياسية ولكن أيضاً في الحياة الاجتماعية والفكرية.
ونظن لو كان المناضل والمفكر مهدي عامل حياً ، لكان قد راجع الكثير من أفكاره ، التي كان يعززها حينذاك وضع عالمي مختلف .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش ومصادر:
لهذا فإن القول بوجود بنية كولونيالية أمرٌ يفتقد إلى التحليل المادي التاريخي.
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=413619
البنية والوعي
اختلف مع العديد من المفكرين حول رؤيتهم لمسار المجتمعات العربية الإسلامية الراهنة، ولاسيما مع المفكر اللبناني الراحل مهدي عامل في مفهومه عن [ أسلوب الإنتاج الكولونيالي]، الذي أراد أن يجعله توصيفاً لمجتمعات العالم الثالث التي منها مجتمعاتنا.
وقد استفاد مهدي عامل من تطورات الفكر الماركسي في فرنسا، وخاصة تطورات البنيوية الوظيفية على يد غولدمان وآلتوسير، اللذين ركزا على مفهوم [ البنية]، باعتبار كل مجتمع بنية خاصة لها قوانين تشكلها، غير المنفصلة عن قوانين تطور التشكيلة الاجتماعية ـ الاقتصادية التي تضم مجموعة من المجتمعات، والبنية ذات مستويات ثلاثة: اقتصادية وأيديولوجية وسياسية، وهي مستويات متداخلة، كل منها له أهميته التكوينية في مسار البنية، وبهذا ينتهي ذلك الفصل التعسفي بين الاقتصادي والفكري والسياسي.
وقد طبق مهدي عامل هذا المفهوم على مجتمعات العالم الثالث، رافضاً إنها مجتمعات إقطاعية أو رأسمالية، أو فقط مجتمعات تابعة، مقترحاً أسلوباً جديداً للإنتاج هو الأسلوب الكولونيالي، فهي مجتمعات تابعة، غير قادرة على إنتاج بورجوازية وطنية قادرة على تشكيل مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية.
وبطبيعة الحال هذه المقولة تكمل الوعي اللينيني باستباق قيادة البرجوازية وقيام العمال بتشكيل هذه الثورة.ويواصل مهدي عامل ذلك قائلاً بأنها تابعة للرأسمالية الأقوى، وبالتالي لا يمكن أن تقوم بعملية القطع في بنية التبعية.
وفي رأيي فإن مهدي عامل لم ينطلق من درس تطور المجتمعات العربية الإسلامية، أي ما هي أساليب الإنتاج في دول المشرق الذي صار عربياً، وكيف ظهر الإسلام وفي أي بنية وما هي تطورات هذه البنية.
إذا أخذنا مثالاً بسيطاً على مفهوم البنية، فنقول عن سلطة الاحتلال الإنكليزية في الدول العربية في بدايات القرن العشرين، هل كانت سلطة رأسمالية أم إقطاعية؟
إن قانون البنية هنا يقول بأن البنية الاجتماعية لها قوانينها الداخلية، وهي التي تستقبل المؤثرات الخارجية وتعيد تشكيلها داخلياً، فنحن قد نأخذ أداة غربية متقدمة ولكن شروط وجودها في بنيتنا الوطنية تعيد تشكيلها حسب قوانينها، فالتلفزيون المنتج يغدو عندنا أداة ترفيه، وكذلك فإن قائد الاحتلال البريطاني الذي يسجن من يقوم بتعدد الزوجات في إنكلترا حين تدوس أقدامه أرضاً عربية يقبل بهذا التعدد.
وكذلك فإن كافة المنتجات الثقافية والاقتصادية تخضع لإعادة التشكيل داخل البنية، فيغدو المستعمر البريطاني رئيساً لسلطة إقطاعية.وتغدو عمليات التحديث الرأسمالي المحدودة غالباً في بنية إقطاعية مهيمنة.لكن هذا الإقطاع عرف سيرورة خاصة تمثل تطور المجتمعات العربية الإسلامية، التي تغدو فيها المذهبية شكلاً دينياً محافظاً للصراع الاجتماعي.
ولهذا فإن تكون الفئات المتوسطة في مجتمعاتنا هو تكون تابع أولاً للإقطاع، فتبعيتها للإقطاع هو الذي يجعلها تابعةً للإمبريالية. إن عدم تجذر الخطاب الفكري والسياسي للفئات المتوسطة، يعود لهذه التبعية المركبة.
لو أخذنا المجتمع اللبناني كمثال لقرأناه بوصفه مجتمعاً إقطاعياً مذهبياً نموذجياً. فكافة الشرائح التي تبدو قوى برجوازية هي قوى لإقطاعية مذهبية ودينية مختلفة. الحزب الاشتراكي التقدمي هو يافطة للإقطاع الدرزي والمهيمنين فيه، أي أن الشريحة المتوسطة في الطائفة الدرزية لم تستطع أن تغير الإقطاع المهيمن عليها، أي أن تغدو جزءً من طبقة برجوازية قائدة، وهذا يحتاج لشروط اقتصادية، عبر تعاضدها مع الشرائح الوسطى في الطوائف الأخرى، وفكرية عبر إزاحة الوعي الطائفي المهيمن في الفكر السياسي الدرزي وغير الدرزي، وبقراءة نقدية للوعي الدرزي باعتباره إحباطاً للنضال الثوري عند الفلاحين المسلمين في العصر الوسيط وهيمنة للإقطاعيين على إنتاج هذا الوعي والسيطرة على الفلاحين الذي تقسموا وفقدوا قدرتهم على الكفاح الطبقي العام، وهو أمر يُعاد إنتاجه في المجتمع الإقطاعي اللبناني الحديث، عبر مستوى آخر من تطور البنية وتداخلها مع الهيمنة الأجنبية.
ويمكننا أن نأخذ الوعي الفرنسي الملبنن كنموذج يواصل متابعة المسألة على صعيد الوعي، ونرى كيف إن وعي الثورة الفرنسية المستورد إلى لبنان تحول إلى كهنوت، أي أنه لم تستطع أفكار ديدرو وفولتير وجان جاك روسو أن تطيح بسيطرة الكنيسة والملالي على الوعي. فلماذا صار ميخيائيل نعيمة صوفياً؟ ولماذا ترنحت الثورة الرومانتيكية عند جبران خليل جبران؟ ولماذا صار الحزب الشيوعي اللبناني تابعاً لحركة القوى المذهبية عوضاً أن يقود معركة لتشكيل مجتمع حديث لا طائفي؟ أي كيف غدت الماركسية ديناً وعقيدة ؟ أي لماذا لم تستطع الفئات الوسطى والشعبية فيه أن تغدو علمانية؟ أي لماذا ابتعدت أدوات مهدي عامل من الحفر والهدم للمجتمع الإقطاعي اللبناني الطائفي كتشكيلة حقيقية وليس كمجتمع كولونيالي؟
تكمن الإجابات في الحفر المزدوج الماضوي والحديث، عبر دراسات ملموسة في تكوينات المجتمعات وتطوراتها الخاصة، أي تحولها من كيانات داخل الإمبراطورية الإسلامية إلى كيانات وطنية، وكيف تمت التطورات والصراعات القديمة والحديثة، وكيف ومتى حدثت التغيرات في البُنى الإقطاعية في كل بلد بلد، وفي المستويات الثلاثة السابقة الذكر، وهل وصلت هذه التغيرات إلى الخروج من التشكيلة؟
إننا في لحظة تاريخية فكرية كبيرة هي إعادة لصياغة المفاهيم وانقلابها، وتاريخنا كله موضوع للحوار، لأن كتلته الجامدة صارت تعيق أمة كبيرة عن المشي في الكوكب الأرضي.
عبـــــــدالله خلــــــــيفة
( 9 ) : ( أزمة الحضارة العربية أم أزمات البرجوازيات العربية ؟ ) ص 16 ، ونعتمد على الطبعة السابعة للكتاب الصادرة عن دار الفارابي ببيروت سنة 2002 .
( 10 ) ، ( 11 ) : ( المصدر السابق ، ص 21 ) .
( 12 ) : ( المصدر السابق ، ص 53 ) .
( 13 ) : ( المصدر السابق ، ص 39 ) .
( 14 ) : ( المصدر السابق ، ص 43 ) .
( 15 ) : ( المصدر السابق ، ص 54 ) .
( 16 ) : ( المصدر السابق ، ص 54 ) .
( 17 ) : ( المصدر السابق ، ص 34 ) .
( 18 ) : ( المصدر السابق ، ص 73 ) .
( 19 ) : ( المصدر السابق ، ص 74 ) .
( 20 ) : ( المصدر السابق ، ص 76 – 77 ) .
( 21 ) : ( المصدر السابق ، ص 78 – 79 ) .
( 22 ) : ( المصدر السابق ، ص 81 ) .
( 23 ) : ( المصدر السابق ، ص 82 ) .
( 24 ) : ( المصدر السابق ، ص 82 ) .
( 25 ) : ( المصدر السابق ، ص 85 ) .
( 26 ) : ( المصدر السابق ، ص 87 ) .
( 27 ) : ( المصدر السابق ، ص 104 ) .
( 28 ) : ( المصدر السابق ، ص 105 ) .
( 29 ): ( المصدر السابق ، ص 97 ) .
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
قناةُ الجزيرةِ وتزييفُ الوعي العربي
دولةُ قطر لم يكن فيها شيء هام في تاريخها سوى هجرة قبائل وهابية إليها قبل عقود طويلة من إكتشاف النفط، فقامت الأسرةُ الحاكمةُ بتجميد حياة الأهالي ومنعهم من شتى أنواع الحريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فغدت قطر حتى الخمسينيات من أكثر دول الخليج تخلفاً.
تدفق النفطُ وإرتفع مستوى المعيشة ولكن أميرُ قطر السابق إستمر في الهيمنةِ المحافظة على البلد ولم تقدم القبائل أية إمكانية للتطور الاجتماعي الداخلي، بعد تلك العقود الطويلة من غياب المدن والفئات الوسطى والثقافة بأبسط أشكالها.
ووجود البحرين الأصغر منها قربها كان يشكلُ حالةً غريبة من التباين الواسع، فالبحرين ازدهرت إقتصادياً وإجتماعياً وسياسياً وثقافياً مما شكلَّ غيرةً عميقة لدى الجارة وكذلك لعبتْ النزاعاتُ القديمة دوراً في تأجيج تلك الغيرة، ومما يُروى بأنه بعد تدفق النفط وخاصة الغاز المفجر للثروة والطموحات القطرية حاولت الإدارة القطرية تحريك الجو الثقافي الميت فبحثت عن كُتاب فلم تجد سوى واحد لكن أتضح إنه بحريني يعيش في قطر!
تدفق الثروة مع سكان قليلين محافظين لم تُترك لهم فرص في الانفتاح والتطور، وكانت الحياة التقليدية السابقة قد فرضتْ أجواءَ المحافظة الشديدة فلم يُقبل التغيير ولم توجد قوى إحتجاج أو تساؤل من فئات وسطى أو مثقفين أو متمردين!
ولهذا فإن الانقلاب على الأمير الأب وعزله ونفيه كان بمثابة مغامرة سياسية كبيرة، وكان بمثابة صدمة موجعة للتقاليد القبلية والحالة السياسية الأبوية في دول مجلس التعاون الخليجي!
هذا الزلزال الأسري لم يعبرْ عن ثورةٍ إجتماعية، ولم يكن على طريقة السلطان قابوس في التغيير التدريجي، فكان بمثابة مغامرة فردية لم تملك أية أسس حضارية وتقاليد تغيير وديمقراطية، فكانت لعبة وإستعراضاً فردياً ورغبة جامحة في الظهور ولو على حساب الأب شبه المفجوع المُطارد!
فحتى تشكيل أنساق ديمقراطية جنينية أسرية تبررُ هذا التغيير لم تحدث، وحتى الصبر على النمو الحضاري الحذر لم تحدث وجرى أول إنقلاب في الخليج من قبل الابن على الأب!
المغامرةُ التي حدثتْ وتغيرتْ فيها السلطةُ القطرية لم تأت بتحولٍ نوعي في الدولة التي تفتقدُ إلى الإمكانيات الفكرية والثقافية المهمة إلا من بعض الإبداعات الشخصية لنفر حفر بنفسه في الصخور والرمال غير الغازية بدون مساعدة من أحد!
إن الإمكانيات المادية الهائلة التي نتجت من إنتاج الغاز الذي تفجر بوفرة جعلت من الطاقم السياسي الحاكم يبحث عن طريقة للبروز في عالم الشهرة السياسية الساطعة في المنطقة!
وقد كان إنقلابه وعدم تجذره القبلي المتعقل يجعله فريسة للمغامرات وحب العروض والشهرة والسطوع في المنطقة خاصة إنه أمتلك الثروة النفطية الغازية، لكن كيف يحققُ حلمه وحالةَ الاستعراض الكبرى العربية وربما حتى الكونية وهو في صحراء مجدبة من المواهب؟ ولم يكن هناك سوى التزمت الديني السني المتشدد، ولم يوجد سوى تدخين الحشيش والمخدرات تسلية للشباب، حتى غدت حتى الدوائر الحكومية مخدرة!
وكانت جماعة #الأخوان_المسلمين هي الوحيدة المسموح لها بالتنفس في ذلك الجو الاجتماعي الخانق التي تزيدُ السيطرةَ عليه وتبررُ بلادته ومحرماته الكثيرة.
القبائل الوهابية من جهة والإنقلابيون الحكام المبهورون بذواتهم المتضخمة المنفوخة بغازات نفطية ملأت بشوتهم التي كانت قبل فترة وجيزة مليئة بأتربة الصحراء، إلى درجة البالونات والمناطيد الهائلة التي إرتفعت فوق شبه الجزيرة القطرية ثم فوق المنطقة!
جسمان متعارضان كل منهما لا يتماشى مع الآخر فظلا يعيشان كل منهما في عالم!
فكان لا بد من إستمرار تخدير القبائل بالمنح المالية والبيوت الواسعة والسيارات التي كلها زادتها جدباً في الإنتاج الثقافي!
لكن لا بد من الظهور للإدارة ذات العروض، فلم تقبل تتحول من مثل بعض الدول الخليج التي ركزت على التطوير الثقافي أو التركيز على السياسة والثقافة وتقدم الشعب التدريجي،
فغدت الحالة القطرية حالة فصام بين إدارة تعيش في فضاء، وشعب يعيش في فضاء آخر.
عنصرا الـــ (show) و #الأخوان_المسلمين كيف يلتحمان مع بعض؟
كيف تلتحم لحيةٌ كثةٌ ونصوصيةٌ تقليدية محنطةٌ في عروض تلفزيونية حديثة ومع نسوة متبرجات مغريات لزوم الأغراء في العروض المشوقة؟!
كان عنصر التركيب؛ عنصر لحم هذين المركبين المختلفين، هو في عنصرٍ ثالث هو عنصر الأمبريالية الثقافية البريطانية ذات التاريخ الطويل في العروض الإذاعية والتلفزيونية، (الموضوعية شكلاً المؤدلجة مضموناً) والتي لديها خبرة في كيفية صياغة الخداع والأكاذيب وأنصاف الحقائق، وإعداد المواد حسب سياسة المسيطر السياسي.
إذن كل شيء سوف يخضع لعنصر العرض المبهر المشوق وإستغلال المادة الخبرية حسب المنظور الإيديولوجي للمرحلة المحافظة الأخوانية وجذب الناس إليها عبر تطعيم بعض الحقائق بذلك العرض المؤدلج الخاص، الذي يبث الوعي المحافظ الديني اليميني ويحقق العلو لإدارة البلد ويدخلها في السياسة المناطقية والعربية والعالمية، بدون أن تحتاج لشعب متطور ومثقفين كبار، فالمذيعون والفنيون كثيرون يمكن جلبهم عبر نفس الشبكات الأخوانية والإعلامية الجاسوسية البريطانية والعربية.
قامت الأسرةُ الحاكمةُ في قطر بإنقلابها على الأبِ المؤسس بإلغاء أبسط العادات الإسلامية حيث ينصُ القرآنُ على توقير الأب والأم وعدم قول الأف لهما، وهذا يعني إعتماد الإصلاح المتدرج وتطوير الحياةِ الأسرية والأوطان بشكلٍ عقلاني.
فبعد طعن الأسرة يحلُ كلُ شيء، وتُستباح المحرمات، وتتحللُ الجماعةُ المغامرةُ من الأخلاق، وتبيحُ أي شيء من مغامرات سياسية ومن تلاعب بالأموال العامة وتُدخلُ دولَ الخليج في علاقاتٍ خطرة مع أنظمةٍ وجماعات شمولية إرهابية، وتصيرُ مصلحةُ هذه الجماعة فوق أي عرف وأخلاق وأسس عقلانية وديمقراطية!
وحين تعلمنا المحطةُ بأخلاقِ الإسلام كل يوم يجب أن تعلمَ نفسَها أولاً وتعلمَ الأسرةَ الحاكمة فيها التي إستباحتْ كلَ شيء! أما الساكتون من (علماء الإسلام) على ذلك فهؤلاء من نفس العينة فهم خدم السلاطين المراهقين هذه المرة.
إذن تأسست #قناةُ_الجزيرة على أسسٍ إيديولوجية #إنتهازية مائعة مع غياب نظرة ديمقراطية نابعة من القوى المحلية الوطنية، مثل طبيعة السلطة التي تكونت في قطر حيث الفردية، غير المتجذرة في نمو حضاري ديمقراطي نابع من فئات عليا وسطى تنامت في المجتمع وفرضت مقاييسها التحديثية.
أي أن ظهورها كنخبة فردية متحللة من قوى تقليدية مؤثرة أو شعبية أتاح لها أن تتحرك وسط خيارات دينية محافظة وقومية مضمرة بشكل إنتهازي مغامر قوي، فغدا صعودها بأي طريقة متحللة من الأخلاق والمبادئ ومدعية بها كذلك!
هي ثوريةٌ كاذبةٌ لكن تحاول لصق نفسها بالثورية دون أن تنجح في ذلك للأسباب الموضوعية المذكورة سابقاً، نظراً للمنحى الديني المحافظ القائم على سلطة قبلية سيطرت على موارد دولة غنية بالنفط والغاز، وتحكمت في كيفية توزيع هذه الثروة، دون أن تدخل نفسها في تحويل بلدان الخليج العربية بشكل تنموي نهضوي وديمقراطي مشترك.
من هنا تتشكل سياسة العروض والرغبة في الإبهار ومتابعة الأحداث الساخنة دون موقف نضالي حقيقي، مثل إستخدام الأسماء الكبيرة في الفقه والصحافة القومية، فالنجومية ضرورية وهي تعني القدرة البترولية الغازية على شراءِ الذممِ والأسماء وأدلجتها لصالحِ سياسة العروض.
إن الارتكاز على شخصيتين مثل الشيخ #يوسف_القرضاوي والأستاذ #محمد_حسنين_هيكل، هو شكلٌ لتلك العروضية المؤدلجة الإبهارية دون مضمون كفاحي حقيقي.
فهو إستخدام لشخصياتٍ توقفتْ عن الحفر الديمقراطي الحديث سواءً في الإسلام أو في القومية العربية، فالشيخ القرضاوي يقدمُ آراءً فقيهةً جزئيةً مطلية ببعض الحداثة، لا تجعله مجدداً وذا حَفرٍ عميق في الفقه والتراث الإسلاميين، فهو يكرسُ المذهبيةَ السنية المحافظة، مرتداً حتى عن مؤسسي التنوير الإسلامي كالأفغاني ومحمد عبده، وليست له علاقة بالتجديدات الجارية بقوة في عمليات التجديد في الوعي الإسلامي، يشتغل مثل المحطة لتصعيد قوى الأخوان والشركات المالية الدينية للهيمنة على العالم العربي.
لقد تخثرَ فقيهاً ونظرياً، وهو ما يؤسسهُ عيشهُ في بلدٍ محافظ كقطر، مؤسس لوعي أخواني تقليدي يتحرك للسيطرة على العالم العربي، فلم يعارك حتى التحولات الفكرية والاجتماعية في مصر منبع هذا الشكل الوسطى المتذبذب من الوعي المذهبي المرتبط بفقهِ الإقطاع، وليس بفقهِ الثورةِ الإسلامية المؤسِّسة.
وهذا بسبب العمل مع دولة إقطاعية المضمون مشكلةً لرأسماليةِ دولةٍ شمولية مستغلةٍ لثروة ضخمة بشكل إستبدادي وربطت نفسها بسياسة المغامرات للدول الشمولية والجماعات الأرهابية .
فهنا تتحول التجديدات الثانوية الفقهية للشيخ إلى عرقلة لتطور المسلمين المحتاجين لثورة فكرية ديمقراطية تنأى بالاستخدام المذهبي الذكوري المتسلط للدين، وتخلق مقاربة بينهم وبين الرأسمالية الديمقراطية العالمية في أقل إحتمالاتها الممكنة في المنطقة الخليجية العربية وتعمل على توجيه الثروة والثورة للتغيير العربي الإسلامي التوحيدي. وهذا ما يفعله راهناً بدعوة الناخبين في مصر (يوم21 نوفمبر 2011) بعدم إنتخاب من يشرب الخمرة لأنه فاسق حسب رأيه وهو حكمٌ خطيرٌ يتناقضُ مع قوله بضرورة إنتخاب الأكفأ، وهل يؤدي شرب البيرة إلى تعطيل العقل والفساد السياسي كما تفعل أنت في عاصمة المغامرة؟ ألا يعطل عقلك الديني ما تأخذهُ من أسرةٍ حاكمةٍ لها هذا التاريخ غير المشرف المغامر الخطير على نضال المسلمين ووحدتهم؟!
هذا نموذجٌ لرفعِ الحكم الفقهي الشكلي إلى مصافِ القانون المقدس، وترك التوجيه المقدس في القرآن عن العائلة!
إن تغييبَ الشيخ للمنحى الثوري التأسيسي في #الإسلام هو مواكبةٌ إيديولوجيةٌ للإقطاع الحاكم في قطر، مثله مثل تغييب هيكل لمنحى التجديدات الديمقراطية في #القومية، فهو قد قام بتحويل عمل المناضل الرئيس #جمال_عبدالناصر إلى أسطورة أخرى مثلما عمل القرضاوي بتحويلِ الثورة المحمدية إلى أسطورةٍ وهي حراكٌ تاريخي محددٌ له جوانبه الايجابية والسلبية، بدلاً من أن يقوما بدرسِ أسبابِ الثورتين الاجتماعية وصراع الطبقات فيهما، بتجمدِ الديمقراطية في الثورة الأولى وتحولها إلى إقطاع سياسي، وعجز الناصرية عن التحولِ إلى الديمقراطية نظراً لهيمنة رأسمالية الدولة الشمولية مثل الحالة في قطر التي تخلقُ ثورةً زائفةً باسم الثورة الحقيقية التي ترفض الولوج في أولياتها وتترك مراقبة الثروة للشعب عبر برلمانٍ منتخبٍ بل تقوم بتوزع الثروة على الإعلاميين المُضِّللين وفئات النفاق والاستغلال المختلفة.
إن خطابات الضيفين الدائمين على #الجزيرة الفضائية السَابقي الذكر نموذجين لتجميد الأفكار الثرة للإسلام والقومية وتحنيطها في أشكالٍ متيبسة، لا تقتحمُ الواقعَ، أو الأوضاع العربية المتفجرة، فتضيئها، وترشد خطواتها وتخلق عقلانية في نضالها، بل تقدم فقهاً ووعياً لما يشتيه السلطانُ الشمولي العابثُ بالأموال العامة ومصير العرب والمسلمين!
ومن هنا فتاريخ القرضاوي الأخواني المضاد للناصرية، وتاريخ هيكل المضاد للأخوان، يمكن أن يتلقيا في برامج منفصلة، وكل منهما يبثُ خطابَه بدون إغتناء مشترك، وبدون تجاوز لخطابات شمولية غدت متحجرةً متصحرةً، في عالمٍ يغلي بالتحولات، لأنهما تيبسا عن المضامين الحية للواقع المضاد للعالم الإقطاعي المحافظ المؤسَّس في الإسلام والمؤسَّس في القومية العسكرية الشمولية معاً!
نحن نأخذُ الشيخَ والأستاذَ في التلفزةِ المؤدلجةِ الجزيرية، كجزءٍ من عروضٍ واسعة، يُقصد بها جذب المشاهد والتعكز على الأسماء ثم تسريب مضامين سياسية عبر موادٍ أخرى مضللةٍ هادفةٍ لترسيخ وعي معين، ونشر سياسات خطيرة مضادة لتطور الأمة العربية والمسلمين، علينا متابعة ظهوره وتشكله.
نظراً للخطِ السطحي المذهبي السياسي اليميني الذي نشأتْ به فضائيةُ الجزيرة فإن الموادَ الطافحةَ المثيرة التي ظهرتْ في السنوات الأولى لعمرِها كانت القاعدة وبن لادن وصدام حسين وغزو العراق وغيرها من المواد التي هي بذاتها عروض.
زمنية بن لادن تحدد المنحى الأولي للجزيرة وطاقمها ومستواهم الإعلامي وقدرتهم الفكرية.
إن زمنيةَ صعود بن لادن تتماشى مع الوهابية العريقة في السعودية وقطر، فهي الشكل الجامد الإقطاعي البدوي للاختلاف مع البشر ومع المسلمين أو ضدهم.
هي المعاندة الطفولية للاستعمار، الناتجة من تغلغل الحنبلية في الجزيرة العربية وزيادة جمودها وتصحرها، وتحولها لعصابات ذبح وسرقة وإعتقال للمسلمين في أزمنةٍ سابقة، ثم تدفقت الثروةُ على بعضِ أصحابِها فحولوا الثروة لثورة إرهاب أو عروض إعلامية مبهرة زائفة تشترك في ذبح البشر أو السكوت على إيديولوجية الذبح!
إلتقاء الشكلين من العروض السياسية والإعلامية والإرهابية هو نتاجٌ لذاتِ المذهبية الشكلانية إسلامياً، التي تتحولُ في يد شيوخِ سلطةٍ وشيوخِ دينٍ إلى دكتاتورية سياسية سلمية أو عنيفة، كلٌ في موقعه!
الجانبان هنا يأخذان المذهبَ المحافظ وقد تحول إلى هيمنة طبقية إستغلالية غير ديمقراطية وينتقيان ما شاء لهما الهوى السياسي، أحدهم يحولهُ إلى هجوم بالطائرات على البرجين والثاني يعرض ويبهرُ بهذا الأجرام وينشرهُ في كل مكان!
لم يقم الطاقمُ الإعلامي بدرسٍ مسبقٍ طويل للظاهرات الاجتماعية والسياسية في الإسلام المعاصر، خاصة تاريخ الحنبلية وعلاقاتها بالوهابية، وكيف جاءت وكيف حدث التجميد لتطور الإسلام في العصر الوسيط ولتطور القبائل في الجزيرة العربية وأين ذهبت مداخيل النفط عن تغيير الحياة التقليدية العنفية لهؤلاء!
ولهذا يعمم هذه الصورة الإرهابية الدموية للإسلام كصورة بطولية!
إن الوعي الأخواني المشكل بتسطحٍ لرؤيةِ الإسلام بعينٍ يمينية إستغلالية إنتهازية كليلة النظر سوف يفصل بين ظاهرة بن لادن والواقع المحافظ للجزيرة العربية وأنظمتها الاقطاعية المسيطرة على الثروة النفطية وبين المغامرات الإرهابية لبن لادن.
وسيكون لقاء بن لادن المقاول الاقتصادي النفطي والظواهري المتعلم المصري غير مدروس كلقاء فئات إستغلالية ثرية في الجزيرة العربية للمثقفين والمتعلمين الدينيين والسياسيين العرب وإستخدامهم للأدلجة العصابية المذهبية والقومية، في مرحلةِ التأسيس للخطاب الأخواني بشكله الدموي حينذاك وللخطاب القومي المتجمد بشكله المستمر.
إن المقدم المنبهر بعروضه والقادم من الأخوانية الفلسطينية أو المصرية هو نفسه يدخلُ حمامَ الدم كجزء من نضال قوي، نافخاً في شخصية بن لادن محولاً إياه لبطل خارق، ورمز إسلامي، ويستحيل عليه تقديم قراءات عقلانية لمثل هذه الظواهر، ويتابع كمؤلفِ أرسين لوبين الأحداثَ البوليسية السياسية مفصولة عن المذابح وحمامات الدم التي تجري للبشر، ومن هنا تغدو هروبية بن لادن وإختفائه في إفغانستان واللجؤ إلى الكهوف لا تثير فيه أي شيء من تاريخ الفرق الدينية الإرهابية كالخوارج التي نبذت المدنيةَ والسلم والديمقراطية والحضارة، فلا يستطيع أن يفهم هذا كتحللٍ لجماعات دينية خرجت من الحياة المدنية الحديثة، ومن الطبيعة البشرية، لعالم الحيوان، بل يعرض ذلك كبطولاتٍ ويتابعها في جبال قندهار ورسائل بن لادن المفخخة للبشرية، مشدوهاً مذهولاً (لعظمة هذه البطولات)!
إن الأخواني وقد أُلتقط من حارات #مصر الفقيرة أو من غزة يتم ذلك بمستويات عدة لابناء الفئات الوسطى المتجمدة فكرياً وسياسياً، فيتم إغراقه في غاز قطر، وسواء كان ذلك على مستوى شيخ هام كالقرضاوي أو على مستوى كاتب كبير كهيكل أو كمذيع مثل #أحمد_منصور، أو مثل الظواهري الذي يُحال على الخدمة الحربية في إفغانستان، هم أفراد من فئات وسطى تاهت عن طبقتها البرجوازية، التي لم تستطع أن تقوم بمهمتها النضالية الديمقراطية في بلدها وتؤسس الحداثة، تحليلاً للإسلام بتوجيهه نحو الديمقراطية، أو بتعرية القومية كدكتاتورية، أو كنقدٍ ضد ذروة التدهور عبر الظواهري الذي يصير إرهابياً وخارجاً كلياً من المدنية.
إن الجزيرةَ تغرقُهم بالغازِ الإعلامي المالي، لإنتاجٍ خطابات متطرفة حماسية تجذبُ وتخدعُ الجمهور، ويخطفُ الأضواءَ بطلُ المرحلة بن لادن، الممثل لعجز تلك الفئات عن النضال الديمقراطي الحاسم في بلدانهم، فيتحول على العكس إلى ضرباتٍ كارثية في بلدان العرب والمسلمين، وسلخ لشعوبهم وسرقات لثرواتهم البترولية!
ولكن مقدم (الشو) منبهرٌ ويحولُ هذه الكوارثَ إلى عروضٍ جديدة!
إن المضمون المفقود هو جزءٌ من وعي المسئولين القطريين العاجز عن فهم الديمقراطية وعن تصعيد فئات وسطى متحضرة في بلدهم، فلا يستطيع أن يعرض بالنقد الإعلامي وبالشرح الفكري هذه الظواهر المتداخلة وأسبابها العميقة، ولهذا يظهر بن لادن في الجزيرة كبطلٍ عالمي وليس كظاهرةٍ تدميرية!
تزدادُ العروض الأمريكية في منطقة العالم العربي الإسلامي المتداخلة، وهو ما يؤسسُ مواسمَ طافحةً بالنشاط الدموي أو بالإعلام الجزيري المخضب كذلك من هذه النافورات المتدفقة بالجثثِ والمدنِ المحترقة والسياراتِ المفخخة ونشر رياح الأشلاء ومن ثم الشعوب المهاجرة ومن ثم أخيراً الشعوب الثائرة!
البطل الصحراوي المطرود للكهوف يخلي المكان للبطل المدني الذي لم يتأثر بالمدنية وظل مجرماً.
#صدام_حسين والجزيرة الفضائية لحظة أخرى من غياب الدرس والبحث والتنوير وتسييد اللوثة القومية هذه المرة بدلاً من اللوثة الدينية، وفي اللوثتين منحى الجزيرة التسطيحي الغائر، حيث لم يقدر ضيفاهما المستمران من تحليل الإسلام أو تحليل القومية العربية وإنتاج مادة معرفية تنويرية إنسانية، فتكون مادةُ العرضِ هي ذاتها خاوية رغم الإبهار، ولكنها تجسد كذلك الإفلاس الفكري المتواري.
صدام وأمريكا، ثنائي معروض بإطلاق، مثل ثنائيات الوعي الديني القومي الشمولي، فهنا الحق وهناك الباطل، هنا النور وهناك الظلام، هنا العرب والإسلام والأخيار وهناك أمريكا والغرب والأشرار!
ورغم سحق صدام للعراق وشعبه، فهو يظل بطلاً في هذا الوعي الشمولي المسطح، ومن هنا فإن البطولات العربية الإسلامية غالباً ما تُؤخذ منتقاة من ظروفها الحقيقية وتداخلات التقدم والتخلف، ويُلغى الشريط الذي يحدد منابت رموز الدين الطبقية كقوى إستغلالية تطورية في فترة ما، ثم تتحول إلى أيقونات مقدسة تغدو أدوات للقوى الاستغلالية المتخلفة المفككة الممزقة لبلدان المسلمين والمواطنين عموماً، لكن الوعي الطائفي يُؤخذ كرأس الحربة في هذه العمليات.
إن صدام يُلحق بهذه الرمزية الدينية، فهو سوف يبني دولة عربية نهضوية كبرى ويحقق الانجازات كما فعل الأسلاف العظام! وتُستغل هنا كلمات الفتوح و #العروبة والإسلام بتشنج عاطفي من أجل بلع شفرات الحلاقة المسمومة التي سوف تُدس في حناجر الناس.
في وعي محمد حسنين هيكل الشمولي يغدو الزعيمُ بؤرةً مركزيةً تقوم بلعب دور التحويل ولهذا فإن صدام العراق في تلك اللحظة المأساوية الكارثية في مسلسل الحقيقة يغدو قائد التصدي لأمريكا قائدة سحق #العرب وتقزيم تطورهم القومي التوحدي، ولهذا فهو رغم مذابحه رجل المرحلة الذي لا يوجد رجل آخر مكانه يقوم بهذه المهام الجسام!
هنا تظهر وتتوالى العروضُ الفنيةُ المؤدلجةُ المتممة لهذا الهراء الفكري، فالزعيم يسبحُ في النهر بطلاً وينشرُ جيوشه ويطلق الصواريخ ويجتمع بالساسة وعلماء الدين والأدباء والمثقفين وكلهم يثني على دوره الخلاق التاريخي!
اللحظتان المؤدلجتان الفارغتان من أي وعي عربي إنساني ديمقراطي، وهما لحظة تأييد الدكتاتور، ولحظة التخلي عنه، تظهران تجاه القاعدة وبن لادن، وتجاه صدام حسين معاً.
الوجهان يعبران عن عدم الحفر الموضوعي في المادة السياسية، ففي اللحظة الأولى يتم التهويل للرمز الفردي، وربطه بمقدسات وعظمة الأمة التي هي بلا مراحل ولا طبقات، مجردة معممة متجوهرة حسب إيديولوجية الفئة الطائفية اليمينية صاحبة الرأسمال العولمي الطفيلي أي غير الصناعي والمنتج، فهنا الزعيم الطائفي الذي قاد بعض جماعاتها للكهوف والتخلف والهجمات الأجرامية الاستفزازية، أو الزعيم (القومي) الذي ذبح شعبه وتلاعب بتاريخه وسلمه جثة محروقة للغرب، يغدو رمزاً للأمة وإرادتها، وهي عملية نفخ سياسية دعائية لتحريك الجماعات المؤمنة بهذا الخط وغرزه في الجمهور وإستغلال عواطفه وربطه بهذه الجماعات لعملياتٍ سياسية راهنة وقادمة.
تصير العمليات التي تخرج من فضائية الجزيرة والعمليات التي تخرج من القاعدة الأمريكية الكبرى قرب الجزيرة في قطر نفسها، شكلين لفعلٍ واحد هو تزييف وعي الشعوب العربية والسيطرة عليها وتفتيتها طائفياً.
الغزو للعراق الذي تم بأدوات وعي أمبريالية أمريكية والذي كرسه النظام الدكتاتوري السابق المحبوب للجزيرة في اللحظة الأولى المدحية، تم هذا الغزو لتفكيك العراق وتصعيد القوى المحافظة الطائفية، ولم يشتغل على تكوين برجوازية نهضوية وطنية قائدة في أقل الخيارات المعقولة، وهذا الاشتغال الأمريكي حرباً تلاقى مع إشتغال الجزيرة دعاية وتضليلاً للعراقيين وبقية العرب.
مثلما لعب ذات الفعل على شخصية بن لادن وإفغانستان تضليلاً ثم تفكيكاً للمجتمع الإفغاني وتحطيم بنيته عبر خلق الصدامات بين القومية المذهبية البشتون وبقية القوميات، بين طالبان والحكومة (المركزية).
ومن هنا فإن الإيديولوجية السائدة تحريضاً في الجزيرة وهي الإدعاءات الثورية، هي مجرد لحظة أولى، تُعمم وترمز وتُجرد بدون تحليلات ملموسة معمقة للبُنى الاجتماعية المرصودة، وبدون إحداث مناقشات ديمقراطية حولها من أجل رؤية الطرق بتحولها الديمقراطي، وبتجميع كافة القوى الاجتماعية والتيارات على حلول توحيدية تطويرية.
وكان #السودان نموذجاً آخر لهذا التصعيد الثوري الديني الزائف ثم تم عبره هدم السودان التدريجي عبر الانفصالات والحروب الأهلية.
ولهذا فإن لغة الطبول والاستعراض والمصادمات والتعريض والإدعاءات تستهدف تفجير العواطف وخلق حالات من الإثارة وعدم إعمال العقول وعدم تقارب القوى السياسية العربية الديمقراطية والتقدمية والدينية، ومن أجل نشر التنوير والديمقراطية الوطنية وبقاء الاستقلال.
وكذلك فإن صرف الأموال الهائلة على هذه العمليات الدعائية والسياسية يستهدف تصعيد هذه القوى الطائفية والرأسماليات الطفيلية وقوى الإقطاع الديني، وتوسيع نفوذ المؤسسات المالية القطرية والغربية وهدم القطاعات العامة المنتجة.
بين تأييد وشحن الجمهور العربي والمسلم بفظائع بن لادن وصدام حسين، وبين الترويجِ للثوراتِ العربية خيوطٌ مشركةٌ ولغةٌ إيديولوجية يمينية إنتهازية واحدة.
من يروج لذبح العرب والمسلمين وجرهم لمغامراتٍ خطيرة إجرامية وأنظمة إستبدادية وظلامية لا يمكن أن ينقلبُ بين برنامج وآخر إلى ديمقراطي وثوري!
إن اللغةَ السطحيةَ الراكبةَ فوق الموجات السياسية الطافحة وإستغلال عواطف الجماهير العفوية وتوجيه الأحداث لأغراضٍ ليست من جوهرها النضالي الديمقراطي وحرفها لغاياتٍ أخرى هي غايات القوى الطائفية اليمينية وإقتصاد الشركات المالية القطرية وعملائها، وسائلٌ هي ذات جوهر لم يتغير ولكن تغيرت المنطقة والمرحلة والظروف.
إن من روّجَ للقتلة في الجزيرة وللدكتاتوريين السفاحين هو ذاته من يروج للمناضلين من أجل الديمقراطية!
فلم تحدث أية مراكمات في الوعي ولم تطرح الجزيرة نقداً لظلاميتها ومواكباتها للفاشيتين الدينية والقومية، وبقى منهج الاستغلال النفعي، وركوب الموجات، وفصل الظواهر عن بعضها وعدم درس جذورِها وإستغلال المشاهدين والمشاركين في الأحداث، لتوجيه الأمور لغايات التنظيمات الطائفية.
لا علاقة للجزيرة والرأسمال الإقطاعي الغازي القطري بصراعات البُنى العربية والإسلامية حيث غرقت الرأسمالياتُ الحكومية بمصر وتونس وليبيا وسوريا والعراق والجزائر واليمن والبحرين وإيران وغيرها من البلدان العربية والإسلامية في أزمات إجتماعية عميقة، وغدا صعود الرأسماليات الخاصة التحديثية الديمقراطية وقوى العمال مسألة ملحة لإعادة تجديد البنى المسدودة الآفاق.
هي أزماتٌ بنيويةٌ تطالُ أشكالَ الرأسماليات الحكومية والرأسماليات الخاصة كذلك، لكنها تتمركز وتتعقد في هذا الشكل المتخلف من الرأسمالية في العالم الثالث نظراً لاحتكار السلطات وتجميد هياكل الإنتاج وإبقاء قطاعات سكانية كبيرة كالنساء والفلاحين والفئات الهامشية خارج الإنتاج الحديث.
ومثلما يحدث في إيران عبر تصدير أزمتها إلى الخارج تقوم قطر بذات الأمر، عبر تصدير أزمتها للخارج، وهي أزمة مختلفة عن إيران وبقية الدول، فهنا أزمة قيادة تبحث عن دور نجومي لا تقوم به في بلدها، ولديها تراكمات من فوائض نفطية تريد تحريكها في المنطقة والعالم، وشراء شركات حكومية وخاصة في الدول العربية والأوربية.
إنها أزمة المراهقة السياسية وهي تتجلى في الأسرة الحاكمة أولاً بالقفز على الشرعية، والقفز على دول الخليج المحافظة التي تتطور بشكل بطيء ومتدرج وهي لا تختلف عن نموذج الرأسماليات الحكومية الجامدة والفاسدة نفسه، ومن هنا تنفتح علاقات المغامرة لبعض أفراد الأسرة الحاكمة القطرية على كافة الصعد، بقيام علاقات مع دولٍ مغامرة وإحتلالٍ كإسرائيل وإيران.
فهي سياسةٌ لا ترتكزُ على قوى تحديثية وطنية، بل تهمش حتى الشخصيات الثقافية النادرة في قطر، ومن هنا فإنها لم تستطع أن تقدم نموذجاً ديمقراطياً داخلياً بالسماح بنمو فئات حرة لكون هذه القوى سوف تحد من التفرد المطلق للشخوص القليلة المتفردة في الأسرة الحاكمة.
ولهذا فإن النموذج المغامر يعرض الشعب القطري نفسه للعزلة عن محيطه والتضاد معه، كخفوت المشروعات المشتركة، ولا تختلف ظروف القطريين عن الليبييين في نظام المقبور #القذافي، ولا تمتاز البنية الاقتصادية والسكانية والخدماتية بمميزات متفوقة بأي شكل من الأشكال، في دولة خصصت نفسها للعروض السياسية الرياضية، كإحتضان كأس العالم مع دفع الرشاوي الطائلة في ذلك.
ومن هنا تتجاهل القناةُ بشكلٍ فظٍ مشكلات الشعب القطري وكأنها تبثُ من مكانٍ آخر، كما ترفض الاستعانة بالمثقفين القطريين الشباب الواعدين في هذه الفترة، فتعيش قطر حالة ليبية مشابهة لزمنية العقيد المغرور، وثلته هي نفسها هنا، لكن بدون دم ومجازر هنا إلى حين.
ولهذا فإن الطبيعة المغامرة لسياسة القناة تنتقلُ للمناخ المحلي وتسممهُ، وتحرضُ القطريين بشكلٍ غيرِ مباشر على القيام بمغامرات ضد دولتهم وإستقرارها عبر نشرها مثل هذه الثقافة الخطيرة من جهة وإحتقار الشعب من جهة أخرى!
لهذا نجد عدم الاستعانة بمقدمين محليين، وجلبهم من الخارج من دول عدة، وغالباً ما يتم ذلك بوسائل سياسية خاصة.
ولهذا فالمحطة تخلق إضطرابات كامنة على الصعيد الوطني، كما تنقل مغامراتها للخارج بقصد الصعود في أية أحداث كبرى في المنطقة العربية.
فإذا كانت الدولة التي تنبثق منها هي كذلك رأسمالية حكومية شمولية، ميزتها إمتلاك وفرة من الفائض النقدي، فإنها لا يمكن أن تكون نموذجاً جديداً لدولٍ مأزومةٍ بنفس الموديل!
ولهذا فإنها تنقلُ نموذجَها المحافظَ الطائفي الانتهازي للخارج، وتبحثُ عن نسخٍ سياسيةٍ معجونةٍ بنفسِ الأمراض الطائفية المحافظة مثلها، فتُعّضد هذه النسخ، وتستغلها في خلق مشروعات سياسية وإقصادية مشتركة، فيتوسع الموديل الطائفي اليميني الانتهازي.
ولهذا فإن الأحاديث عن الدعم المالي للأحزاب الدينية إضافة للدعم الإعلامي ليست بعيدة عن الواقع.
فنلاحظ القناة كيف ركبت ظهور الشباب الثوري المنفتح، وعضدت حركاته بشكل واسع، ومدغدغ للمشاعر النضالية وشعارات الحرية، وإستغلتهُ في عالمٍ من البراءة والسذاجة السياسية والتضحية، ثم ساهمت في دعم جماعات الطائفية المتخلفة وعياً سياسياً وإسلاماً، من أجل تصعيد النسخ البدوية الإقطاعية الجزيرية في دولٍ كمصر #تونس و #سوريا و #اليمن و #الجزائر و #المغرب، وقد حدثَ تغلغلٌ كثيفٌ سابق أوتى ثماره المرة على هذه الشعوب.
ومن هنا فإن الرأسماليات الموعودة بها هذه الدول لا تبتعد عن النموذج الأصلي الطفيلي، أي الذي يركز على العمليات المالية والعقارية وشراء حطام القطاعات العامة التي ناضلت من أجل قيامها ووجودها الطبقات العاملة العربية، ولهذا يجب التحذير والنضال ضد خراب هذه الدول العربية التي سُرقتْ ثوراتُها بسبب الأحزاب الطائفية والدعاية الفضائية وخاصة من لدن الجزيرة، لتحطم صناعاتها وزراعاتها وتحقق هجرات عمالها عبر تصعيد مثل هذه الموديلات التي خربتْ بلدانَها أولاً وأضاعت ثرواتها الهائلة على سباق الهجن والسيارات وناطحات السحاب وأزالت الحرفَ والزراعة وجلبت عمالة هائلة بأجور متدنية وأستغلتها في الأعمال غير الإنتاجية بشكل أساسي ولتقزم شعوبها وتبقيها على البداوة وكره العمل اليدوي ولم تنشىء الصناعات المتقدمة ولم تدخل هذه البلدان الثورةَ العلمية التقنية رغم هذه الوفرة.
إنها رسملةٌ جارية مع وعيٍّ محافظ معادٍ للحريات النسائية وتحرر الفلاحين وحريات الثقافة والعقول وللانتاج المتطور ولإبقاء البداوة وعالم الإقطاع، ويريدُ خداعنا بألفاظ ثورية زائفة.
عبـــــــدالله خلــــــــيفة: قناةُ الجزيرةِ وتزييفُ الوعي العربي ⇦ ⇦ ⇦ http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=290773&r=0
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
عبـــــــدالله خلــــــــيفة : حـــوارات
حوارات عبـــــــدالله خلــــــــيفة في كتابه الملعون الصادر بعد وفاته (الملعون سيرة وحـــوارات وما كتب عنه، 2016.)
أدب السجون
• كيف تحصلون على أدوات الكتابة . .
ــ كانت عملية الحصول على أدوات الكتابة في غاية الصعوبة خاصة فيما يتعلق بالأقلام، فالأقلام نادرة وشحيحة جداً، في حين أن الأوراق أكثر سهولة، فهي تظهر من علب صابون (التايد) لكن المسحوق الإيراني في ذلك الوقت(درايا) ، منذ اواسط السبعينيات حتى بداية الثمانينيات ، كان الأكثر كرماً في تحول أغلفته إلى الورق، فحين تنقع هذه الأغلفة بالماء ثم تجففها تتحول أجزائها الداخلية المتعددة إلى دفتر كامل من الممكن أن تكتب عليه قصة قصيرة كاملة!
لكن مسألة الأقلام كانت عويصة وظلت تعرقل عملنا الكتابي، ومن الممكن التغلب عليها بمساعدة شرطي أو سجين، وقد قمتُ في سجن (جدا) بتعليم بعض السجناء القراءة والكتابة، فكان أجري هو الحصول على بعض هذه الأقلام التي تتحول إلى كنزٍ ثمين، فأنت تخبئها في علب معجون الحلاقة أو علب الصابون الناعم، وقد يتحول قلم الرصاص إلى طول أصبع، فتضعه في غصن شجرة، وحينئذٍ بإمكانك أن تكتب به!
لكن مشكلة الأقلام ظلت على مدى أعوام السجن مرهقة للجماعة وكأنها قضية وطنية كبيرة، حتى قمنا بحل بعض إشكالياتها في سجن (سافرة) حيث كنا نبدل أقلام الناشف التي تعطينا إياها إدارة سجن سافرة الممتلئة حتى نهاياتها بأقلام ناشف أخرى، تكاد أن تكون فارغة من الحبر، فيأتي العريفُ الأردنيُ صارخاً (أين الكلمات) ويلفظها بطريقة لهجته التي تـُضخم الكاف، فهو لا يقصد الكلمات بل القلمات!
ولم تنفرج أزمة القلمات حتى خرجنا واستعملنا الآلات الطابعة ثم الكمبيوتر لكن ظل قلم الرصاص هو الأثير، وصارت عقدة فكلما رأيتُ قلم رصاص سرقته، حتى راحت تتجمع لدي بشكل هائل دون أن أكتب بها!
• هل هناك بعض الممنوعات . . .
ــ الحياة في السجن كلها ممنوعات ، فلا أحدٌ يسمح لك بالكتابة ، التي هي نشاط غير قانوني ، لأنهم عزلوك لكي يمنعوك من الكتابة والتأثير الفكري والسياسي، فلا بد وقتذاك أن تتحايل على هذه القيود ، فتكتب وراء الجدران وبعيداً عن عيون الحراس، وتخبئ ما تكتبه تحت الفراش ، أو بين اللعب ، أو في أمكنة أكثر غورا ، وأن تجعل الأوراق أقل حجماً بشكل مستمر ، وأن تخبئها بين ثيابك في لحظات المداهمة وأن تحتفظ بنسخ ، وأن تستغل الرسائل الموجهة للأهل لكي تنسخ هذه الأعمال وترسلها للخارج تحت عيون الرقيب نفسه .
• ما انواع الكتابة . .
ــ كنت دائماً ولا أزال القصة القصيرة ، والرواية ، والمقالات ، والبحوث، منذ أن كنتُ طالباً في المرحلة الثانوية وفي معهد المعلمين ، وفي السجن واصلتُ نفسَ الأنواع الأدبية والفكرية ، لكن أصبح لظروف السجن تأثيرها من حيث صعوبة الكتابة ، وصعوبة كتابة البحوث خاصة ، ولكن انفتح مجال القصة القصيرة أكثر ، لأن نفس السجن نفـَسٌ سريع ، متوتر ، وهو كذلك مطول ، لأنه يتيح لك (التنقيح) عشرات المرات ، فليس أمامك جريدة تسرع بإعطائها قصصك ، وأمامك كذلك وقت طويل منذ أن تشرب الشاي الأحمر الكريه حتى تأكل وجبة المساء التي تأتي في العصر ، ولهذا فإن خيال الكتابة يتطور ، وتدخل معهد التشكيل المعمق للنص !
• هل يمكن للسجين أن يكتب عما يدور في الخارج .. .
ــ الكتابة حرة في السجن أكثر من خارجه ، لأنك تستطيع أن تكتبَ ما تشاء فأنت محبوس أصلاً وغير معرض للعقوبة رغم أنني عوقبت عن الكتابة داخل السجن. ولكن عموماً أنت في الكتابة عموماً تلغي الجدران ، والحواجز وتكتب بحرية ، لأنك تكتب من أجل أن تغير ، لكن حياة السجن الداخلية تعطيك مادة خصبة ، فأنت تقابل مجرمين عتاة ، فهذا قتل ولداً وذاك سرق خزنة وهرب بها ، وثالث اغتصب وقتل من أغتصبه ، وتجد هؤلاء يعيشون بهدوء ويأكلون ويمتمعون بالحياة ، وكأنهم قتلوا عصافير أو قططاً ، وكذلك تجد أن المعتقلين السياسيين بشخوصهم ونماذجهم الكثيرة يعطونك مادة للكتابة ويجعلونك تحلل الواقع بدرجة أكثر عمقاً مما كنت ترى سابقاً.
• ماذا أضافت تجربة السجن إلى تجربتكم ….
ــ تجربة السجن مريرة ، انقطاع عن الأهل والناس ، وعن الحرية ، وعن النشاط ، وعن الأكل اللذيذ ، وعن النساء ، فهي أما أن تصلبك أكثر أو تحطمك ، وقد استفدت من كل تجربة مريرة ، وبدلاً من أن أضيع وقتي ، كنتُ أتعلم أي شيء ممكن ، أقرأ أي كتاب موجود ، أي ورقة عن الأدوية أو السحر أو العلوم أو الدين ، استمع للقصص والدروس والتجارب ، أتعلم من أصدقائي وأعلم ، أكتب بشكل مستمر ، تجارب كثيرة كتبتها ، وضاع الكثيرمنها ، لكنها صقلت قدراتي في هذا المجال .
• عندما تكتبون هل كان لأحبابكم . . . .
ــ بطبيعة الحال فأنت جزءٌ من أهلك ، وكانت أمي قد ماتت في الشهور الأولى من سجني ، وكتبت قصصاً عديدة عنها ، وكذلك أهلي ، وحيِّ ، حيث استلهمت حكايات منطقتنا (القضيبية والحورة ورأس رمان ) وظهرت في روايات عدة : أغنية الماء والنار ، والضباب ، والينابيع الخ.. وتأخذ العلاقات الأسرية مكانة والعلاقة العاطفية مكانة ، فالمرأة لها من وجودك في السجن نصيب ، وكانت لي علاقة عاطفية بامرأة ، ويحدث مزيح مركب بين كل ذلك، فالكتابة ليست تسجيلاً بل إعادة تركيب لعناصر كثيرة .
• هل للعلاقة الجنسية . . .
ــ ليس هناك أخطر من الجنس بعد السياسة ، فالحنين للمرأة يأخذ من وقتك الكثير ، وتتشوه بدون العلاقة الصحية بالمرأة ، وتصبح حياتك الجنسية غير سليمة حتى يكتب لك الله الفرج من الظلم والكبت والوحدة الشقية ومعاركة الفراش في الليل ، حتى تصيبك هلوسة جنسية ، وتزداد أحلامك البيضاء ، ولعلها رحمة حتى تفرغ شحناتك حينما يستمر السجن سنوات كثيرة !
كتبت أعمالي الأولي داخل السجن السياسي
ــ أمنية طلعت
ــ الأهرام العربي
عبدالله خليفة واحد من المبدعين المميزين في مملكة البحرين, فهو يكتب القصة والرواية, إضافة إلي الدراسات النقدية الأدبية والمقال الصحفي,له العديد من الأعمال المميزة التي يسهم بها في إثراء الحركة الأدبية بالبحرين وإنضاجها حتي تتحول البحرين إلي منتج أدبي حقيقي ومميز في المنطقة العربية سواء هي أم منطقة الخليج بشكل عام…..وعبدالله خليفة واحد من مثقفي البحرين المناضلين من أجل وضع أسس الديمقراطية وإعلان دستور وطني هناك, وذاق مرارة السجن السياسي عقب إلغاء المجلس الوطني البحريني في منتصف سبعينيات القرن الماضي.
وفي واحدة من زياراته المتعددة إلي دبي جلست إليه في محاولة للاقتراب منه والتحدث معه حول أعماله وإسهاماته الأدبية ورؤيته النقدية لإبداع الخليج, سألته في البداية عن سبب ندرة الأسماء الخليجية المنتشرة عربيا في مجال القصة والرواية مما يؤدي بطبيعة الحال إلي قلة الأعمال الخليجية فقال:
ــ الحقيقة أن الرواية في الجزيرة العربية والخليج عمرها قصير نسبيا ولا يتعدي الثلاثة عقود وهذه فترة غير كافية كي تنضج وتنتشر, فمثلا خلال القرن العشرين لم تنتج الجزيرة العربية والخليج أكثر من خمسين رواية والسعودية مثلا وهي بلد ضخم وكبير جدا لم تنتج منذ منتصف القرن الماضي سوي روايتين علي الأكثر, لكن بعد منتصف القرن العشرين ومع الثورة والتطور الاجتماعي والثقافي بدأت الأجيال الجديدة تنتقل من القصة القصيرة إلي الرواية لأنه حتي في البدايات الأولي معظم الأعمال الأدبية كانت متجهة نحو القصة القصيرة لأن الرواية تحتاج إلي تراكم القصة القصيرة ذاتها فنيا وإلي اكتشاف الواقع بشكل عميق وإلي التطور الشكلي ونموه وهذا لا يجري إلا من خلال الاحتكاك العميق بالرواية العربية والعالمية وهذا ما جعله يتطلب فترة زمنية طويلة.
• طبعا أنت لا تحسب عبدالرحمن منيف ضمن ما ذكرت؟
ــ عبدالرحمن منيف انتقل من الجزيرة العربية ليعيش في المناطق الشمالية بسوريا والعراق وهذه أماكن ذات ثروة ثقافية عميقة وقديمة ولاحظي أنه حتي في تطور الإسلام والثقافة العربية القديمة ظهر الإسلام في شبه الجزيرة العربية لكنه لم يتجذر فيها أو يكون مؤسساته الثقافية والحضارية وإنما انتقل إلي الشمال في العراق وسوريا والمشرق في مصر وهذه المناطق هي التي كونت الثروة المعرفية والثقافية بينما عادت الجزيرة إلي حياتها الصحراوية, هذه الحياة وقلة المدن وتباعدها وعدم وجود تطور اقتصادي عميق في تلك السنوات ما كان ليؤدي إلي تطور ثقافي كبير جدا في العصر الحديث, بدأ هذا التطور نتيجة للنمو الاقتصادي الجديد بسبب ظهور النفط, عبدالرحمن منيف تواجد في المناطق العربية الأخري واستطاع أن يتغلغل في بيئتها الثقافية والفنية وأن يكون جزءا منها, والملاحظ على كتابة منيف عن التكوينات الخليجية الجزيرية على أنها نظرة من الخارج مثل مدن الملح التي يكتبها كموجود في سوريا أو العراق ويكتب معتمدا علي مذكرات الإنجليز وغيرها إضافة إلي ذكرياته هو نفسه في المنطقة والتي لم تمتد طويلا, وهناك أمر مهم أيضا أحب أن أشير إليه أنه لو كان يعيش في الداخل ما استطاع أن يكتب رواية بهذا الشكل لأنها موجهة بشكل أساسي للأسرة الحاكمة.
• هل تريد أن تقول إن منطقة الخليج تربة غير صالحة للشكل الروائي الإبداعي؟
ــ لا ولكن نظرا لأنها لم تكن متجذرة في التربة الثقافية ليس لها تاريخ كبير مثل البلاد العربية الأخرى وإن كان النفط والنمو الاقتصادي أدي إلي تسارع نموها وإن كان ذلك قد أدي إلي ظهور سلبيات مثل سهولة تسمية أي نثر رواية وطباعتها لتوفر المال, كذلك استغل الكثيرون قدراتهم المادية للترويج لأسمائهم في الوطن العربي في حين لم يتمكن آخرون ممن لا يمتلكون المال, لتبقي المواهب الحقيقية مدفونة في الداخل لتحفر بهدوء, وخاصة أن المنطقة لم تكن كلها معرضة للثراء, فهناك أجزاء شديدة الفقر وهناك العديد من الكتاب الحقيقيين زج بهم في السجون مثلما حدث لدينا في البحرين حيث لدينا تجربة مريرة في الحياة السياسية وأغلب النتاج الشعري والقصصي البحريني مكتوب داخل السجون فكيف يروج نفسه كي ينتشر.
• وهل كتب عبدالله خليفة أدبه في السجون أيضا ؟
ــ بالطبع كتبت جزءا منه وليس كله في السجن, فلدي شهادة روائية كتبتها داخل السجن حيث مررنا في البحرين بصراعات سياسية حادة منذ السبعينات وكان لدينا مجلس وطني ونقابات ومحاولة جادة للإصلاح السياسي لكن الحكومة قامت بحل المجلس الوطني عام 1975 واعتقل على إثر ذلك الكثير من الكتاب والمناضلين وكنت أنا واحدا منهم حيث ظللت بالسجن حتي الثمانينيات, لكن ما أحب أن أؤكد عليه أن وجودي في السجن لم يكن شرطا لخروج إبداعي بشكل جيد, فالمكان ليس له علاقة بجودة وشكل الإبداع وإنما المهم أن يكتب الأدب بلغة فنية تراعي المعمار الروائي أو القصصي وكون الرواية كتبت في السجون لا يعطيها ذلك أي أهمية فنية أو مكانة روحية غير التي تتوافر للعمل المكتوب خارج السجون, لكن الكتاب في السجون تصادفهم عقبات كثيرة تجعل من قدرتهم علي إنجاز عمل أدبي داخل السجن انتصارا كبيرا على واقع مأساوي.
• ما الأعمال التي كتبتها داخل السجن؟
ــ كتبت ثلاثة أعمال في هذه الفترة الأول اسمه اللآلئ ومجموعة قصصية ثم رواية باسم القرصان والمدينة, وتشكل هذه الأعمال بداياتي الأدبية حيث كتبتها في السبعينات وحتي تخرج من السجن وتعبر الجدران حفظتها داخل أنابيب معجون الحلاقة ليأخذها صديق ويطبعها بعد ذلك.
• هناك ملاحظة مأخوذة علي الإبداع القصصي الخليجي وهي أنه لا يخرج عن إطار التراث والغوص وصيد اللؤلؤ…ألا توجد مواضيع أخري؟
ــ الرواية لابد أن تغترف من الواقع, فمثلما قام نجيب محفوظ بتحليل الحارة المصرية, يقوم كتاب الخليج بتحليل مجتمعهم وأرضهم والمهن التي امتهنوا بها مثل الغوص والصيد, وكما تعذب فلاحو مصر في الأرض وعانوا من سيطرة الإقطاعيين, تعذب الخليجيون في البحر من سيطرة الربابنة والنواخذة, فكان مثلا الربان يربط الصياد الذي يعترض عليه في الصاري وإذا مرض صياد لا يصرف له أجر وإذا مات تشردت بعده عائلته وهكذا, لقد كانت تلك المرحلة من المراحل القاسية على الناس التي خلقت قصص كفاح وبطولات وأنا أعتقد أن هذه المرحلة كانت أفضل من الوقت الحالي حيث يتولى الخليجيون الإدارات وينتفخون ويتعالون على العاملين من الجنسيات الأخري, إذن التجذر في شخوص المنطقة والتعرف عليهم وتحويلهم إلي روايات وأيضا استغلالها للترميز على الوضع الراهن أمر مطلوب, المهم أن لا يقوم الكاتب بالبكاء الرومانسي على الماضي والنظر له على أنه النقاء والصفاء والخالي من السلبيات, يجب النظر للماضي ودراسته بذكاء وبشكل موضوعي ونرى إلي ماذا أدي ثم تحليل الواقع المعاصر بجميع جوانبه.
• نعود إليك.. هل بدأت بالقصة القصيرة أم بالرواية؟
ــ بالقصة القصيرة فـفي المناطق التي لا يوجد بها تراث قصصي غني معاصر متجذر تكون البداية دوما مع القصة, فنحن عندما بدانا في الستينيات والسبعينيات كتابة القصة, كانت هناك بلدان في المنطقة العربية تكتب هذا اللون الأدبي منذ قرن مضي وعندها منجز إبداعي وثقافي راق يمكن لأي أديب جديد أن يستند إليه أما في الخليج فليس لدينا هذا التراكم المنجز لمدة قرن لذا بدأنا بكتابة القصة القصيرة لأنه لم تكن هناك روايات منجزة في المنطقة, بالطبع كانت هناك محاولات لكتابة الرواية لكنها خرجت مفككة ذات بنية ضعيفة وظهرت في شكل تربوي إصلاحي متعال على المجتمع, لكن نحن بدأنا في الستينيات والسبعينات بالحفر الموضوعي في الحياة واكتشاف النماذج على حقيقتها وتحويل القصص القصيرة بشكل تدريجي إلي رواية, عموما الكتابة الأدبية كلها واحدة ولكنها أجناس مختلفة وليس معني هذا أن تحول كاتب القصة القصيرة للرواية أمر طبيعي فمن الممكن أن لا يكتب الأديب سوي لون واحد طوال حياته ويمكن أن يعزف على اللونين.
• أنت تكتب في النقد الإبداعي أيضا فهل يؤثر الجانب النقدي داخلك علي الإبداعي؟
ــ عندما أكتب إبداعا أدبيا لا أنظر إلي أي مقاييس إبداعية مسبقة أو أي نظريات أفصل عليها قصة ولكن أنا لدي نظرة شخصية للأدب بشكل عام, نظرة تنطلق من المدرسة الواقعية وتطوراتها ومدارسها كلها, في البداية اخترتها بشكل انعكاسي مباشر ومع تطور التجربة أخذت الواقعية بشكل أعمق أنمو من خلالها.
• وما نظرتك المستقبلية للكتابة الإبداعية في الخليج.. هل ستشهد تطورا لتشكل تيارا خاصا في الخريطة الإبداعية العربية؟
ــ ما يحدث أن الشباب في الخليج لديهم سيولة نقدية تشجعهم على التسرع بالنشر دون أن يكون إنتاجا إبداعيا حقيقيا ودون الرجوع إلي النقاد والمراجعين, ففي السعودية هناك إنتاج أدبي هائل لكنه للأسف غير مميز, فهم لا يتجذرون في قراءة مجتمعهم ولا يقرأون تراثهم بشكل عميق ولا يطلعون على الإرث الأدبي والروائي العالمي والعربي, وبالتالي لا يتشربون النوع الأدبي روحيا وفنيا وتتحول العملية الإبداعية لمجرد صفقات تجارية حتي يتم الترويج لهم في الخارج ولينتشروا في البلدان العربية الأخرى, لذا أحذر من هذا وأنصح بالتعب على الإبداع والعمل الجاد لامتلاك الأدوات الإبداعية قبل التفكير في النشر والانتشار.. عموما الرواية لدينا تنمو وإن كان بشكل حذر على أيدي روادها مثل إسماعيل فهد إسماعيل في الكويت وهناك كتاب سعوديون لديهم تجارب مهمة وإن كانت الإشكالات الفكرية في هذا البلد تمنعهم من التطور الفكري مما يؤدي إلى أن يظلوا يعيدون إنتاج أنفسهم .
تجـربـة السجـن أفهمتنـي البـشـــر
جيهان محمود
الأهرام العربي
عبد الله خليفة كاتب بحريني كبير مارس الأشكال الإبداعية والصحفية كافة, وذاق تجربة السجن, التي لم تمنعه من الكتابة, وهو في سبيل إنجاز مشروع للرواية التاريخية, يختلف كثيرا عما كتب في هذا الاتجاه, وكانت روايته عمر بن الخطاب شهيدا علامة في هذا الطريق .
• تمارس كتابة أكثر من نوع أدبي.. ألا يأتي هذا علي حساب القيمة؟
ــ العملية تاريخية بسبب عملي بالصحافة, فكنت أقوم بعرض الكتب وتحليلها سواء كانت قصة أم رواية أم في النقد والفكر علي مدي ثلاثين عاما وأكثر, ما أدي إلي تشربي بكل هذه الأنواع الإبداعية خصوصا أنها متداخلة, لكني بدأت الكتابة بالقصة القصيرة منذ نهاية السبعينيات وواصلت الكتابة فيها, وفي النصف الثاني من السبعينيات وأوائل الثمانينيات حاولت أن أتجذر في الرواية, وجاءت فترة التسعينيات لأتعمق في الواقع العربي الإسلامي بحيث أفهم تطور التاريخ وأكتب الرواية التاريخية التي هي جزء من الرواية المعاصرة.
• ماذا فعلت بك تجربة السجن.. كإنسان ومبدع؟
ــ تجربة السجن خصبة بالنسبة لي رغم أنها عنيفة ومؤلمة من حيث الاقتراب العميق من الإنسان, بحيث تعيش مع بشر بشكل يومي وتتعرف علي خبايا أنفسهم, ومن هنا أعطتني هذه الفترة فكرة كبيرة لفهم البشر, كما جعلتني أقرأ كثيرا من المجلدات في شتي أنواع المعارف, وأصبحت تجربتي أميل إلي السرد الواقعي المباشر.
• هل أصبحت الرواية ديوان العرب؟
ــ كان الشعر هو الفن الأول عند العرب قديما, لأن معظمه كان مدحا للملوك والقوي السائدة, حيث يرتزق الشعراء منه, في العصر الحديث أصبحت الرواية تستولي علي المشهد الثقافي وبقي الشعر, لكنه لم يستطع أن يعبر إلي نقد الحياة أو يغوص في جوانبها, بعد أن أزاحته الرواية للمرتبة الثانية.
• وكيف تكون الحركة الأدبية والنقدية في البحرين؟
ــ الحركة الأدبية والنقدية في البحرين متطورة ووثابة باستمرار وهناك عشرات الكتب التي تصدر كل عدة أشهر في مختلف جوانب الأدب والنقد خلال الثلاثين سنة السابقة, وحدث تطور كبير في البنية الإبداعية, بحيث إنها استطاعت أن تجمع بين تجربتها المحلية وإنجازات الأدب العربي في الأقطار الأخرى, وظهرت رموز استطاعت أن تصل إلي مستوي العديد من الدول العربية سواء علي مستوي الشعر أم الدراسة الفكرية والنقدية, ولكن هناك إشكاليات حدثت في العقود الأخيرة بسبب عمليات القهر السياسي والإغراء المادي.
• وماذا عن تجربتك مع رواية عمر بن الخطاب شهيدا؟
ــ هذه الرواية جاءت ضمن سلسلة عن الشخصيات الإسلامية الكبيرة بعد تلك القراءات التي توجهت إلي فحص التراث العربي, فرواية “عمر بن الخطاب شهيدا” هي تجربة أولي في الرواية التاريخية وهي صعبة, واعتمدت فيها علي المصادر التاريخية دون الخروج عن تفاصيلها وكتبتها بأسلوب أدبي, لأن الرواية تبجل شخصية عمر بن الخطاب وتظهره بطلا تاريخيا.
• وهل توجد حدود أو خطوط حمراء للمبدع يجب عليه ألا يتخطاها؟
ــ الأدب العربي خاض مسألة الكتابة عن رموز الإسلام, فكتب توفيق الحكيم عن “محمد” صلي الله عليه وسلم, وهناك كتاب آخرون وكذلك أفلام تناولت الصحابة وظهر بعضهم فيها مثل “بلال”, والقضية هل المقصود الإساءة إلي هذه الرموز أم تقديمها في شكل جيد؟
• هل هناك قيود علي النشر والإبداع في البحرين؟
ــ القيود الموجودة في كل بلد هي عدم التطرق للرموز, وأجهزة الإعلام والصحافة تتجنب التوجه إلي تحليل عميق للسلطة والنظام عموما, فتجدين أن صحافتنا سطحية بشكل عام وتفتقد العمق فيلجأ بعض الشباب إلي المواقع الإلكترونية ويقومون بكتابة المقالات الجادة التي تقوم الحكومة بإغلاقها, ولا توجد لدينا صحافة خاصة بل صحافة قريبة من الحكومة أو معبرة عن رسالتها.
• نشأت في المملكة العربية السعودية.. فما تأثير ذلك عليك كمبدع؟
ــ أنتقل بين البحرين والسعودية, وعشت طفولتي في مدينة ”الخبر” ولي أقارب بها وهي ذات بيوت صغيرة وراءها رمال لا أول لها ولا آخر, وتقوم الرمال من فترة إلي أخري بالهجوم علي هذه البيوت حتي تكاد تطمسها, فأخذت هذه المشاهد تجذبني للبحث في هذه الصحراء وأدبها, ففي العديد من القصص القصيرة أو معظم الروايات أهتم بالصحراء كمشهد مكاني وهناك قصة قصيرة لي عن رجلين أحدهما باحث عن الآثار والآخر صعلوك يقوم باختطاف التمثال الذي عثر عليه الأثاري ومشهد الصحراء يحيط بهما.
• بماذا أثرت الكتابة في الصحافة عليك كمبدع؟
ــ الصحافة كانت طريق العيش الوحيد, حيث كنت أعمل مدرسا ثم طردت من التدريس بسبب الخلاف علي المناهج, فلجأت إلي الصحافة وكانت الكتابات الصحفية أشبه ببلع “الجوارب” فقد كنت أعمل في التحقيقات, وهي تقتل الكاتب ولكنها طريقة للعيش كنت أحاول إجراء التحقيقات التي تتناول حياة الناس الفقراء والكادحين, وأقترب منهم لمعرفة تفاصيل مشاكلهم ومحاولة فهم نفسيتهم ومعاناتهم .
أسئلة الأستاذة فاطمة المحسن الكاتبة العراقية
الكاتب والروائي عبدالله خليفة لك رصيد اللآلئ وكلماتك جمعت الرمل والياسمين كقرصان تدخل مدينة الحرف وتبعثر إبداعك في يوم قائظ تصدح فيه أغنية الماء والنار كامرأة يلفها الضباب أو هي سهرة لنشيد البحر حين يعانق الينابيع لتتركنا في دهشة الساحر بين هذا الإنتاج …
• حدثنا عن تجربتك؟
ــ هي تجربة طويلة توجهت لجوانب عديدة من الكتابة ، سواء في مجال القصة القصيرة ، أو مجال الرواية ، أو مجال الدراسات الأدبية والفكرية . وفي كل هذه الجوانب المنوعة اهتممت بالإنسان والحياة وفهمها ومشاركة القراء في هذه العملية وتطويرها على مدى السنوات الأربعين السابقة ، وعبر تطوير الأدوات حسب جهدي ونظرتي .
• هناك علاقة قوية جمعت الكتاب في جيلكم بالوطن حتى أصبحنا لا نميز السياسي من الكاتب؟
ــ لا يوجد كتاب لا يشكلون علاقة بالوطن ، في كل الأجيال ، ولكن تتنوع هذه العلاقة بينهم حسب مواقفهم الفكرية ، فهناك كتاب تغدو علاقتهم بالوطن نفعية أو استثمارية وربما هامشية ، وقد يبدأون علاقة نضالية ثم تتبخر مواقفهم ، وتغدو (الأنا) هي التي تظهر كأنا مركزية مهيمنة وينكمش العالمُ من حولهم . وآخرون يظلون مكافحين ، فتغدو السياسة معياراً ووجهاً من وجوه العلاقة بالوطن والمواقف منه ،ولهذا تتنوع ارتباطات الكتاب بالسياسة والأحزاب . والكاتب الذي لا يشكل له موقفاً سياسياً يعني بأنه في حالة غموض اجتماعي .هناك كتاب مواقفهم مائعة لأنهم يقيمون علاقات متضادة بين القوى الاجتماعية ، و ثمة كتاب انحازوا للسلطة وآخرون للقوى الشعبية . فتعبر المواقف الفنية – الفكرية المتداخلة عن جذور ما مختلفة .
• أصبحت الثقافة تعني الوطن ، والوطن رديف الثقافة ، كيف تفسر هذا الوضع ؟
ــ الوطن كيانٌ مختلفٌ عن الثقافة ، فهو جسمٌ تاريخي ومادي واجتماعي ، بينما الثقافة هي شكلٌ من أشكال الوعي الإنساني ، ولهذا تكون لدينا ثقافات متعددة ، بعضها يكون تحليلاً وتجسيداً وسيرورة مع الوطن ، وبعضها مغترب عن الوطن ، وبعضها مستغل مستنزف للوطن ، وبعضها قادم من الخارج وطفيلي وبعضها قادم من الخارج وإنساني . . هي مسألة معقدة ومركبة وتحتاج لتحليلات معمقة في كل جانب!
• هل دور الكاتب والمبدع تعرية الواقع وتغييره ، وهل نستطيع أن نحدد وظيفة أو هدفاً معيناً وراء الكتابة الأبداعية ؟
ــ (الواقع ) كلمة كبيرة ، ومسألة تغييره هذه تحتاج إلى حشود وجهود بشرية متنوعة وتاريخية ، أي أن التغيير يتشكلُ عبر أجيال ومراحل ، وبالتالي فإن الأدب النضالي يساهم في هذه العملية المركبة الطويلة تاريخياً ، بقدرته على أكتشاف هذا الواقع ، واستثمار أدوات فنية متعددة وغنية ، وكلما التحم الأدب بالعملية النضالية العامة للناس ، كلما كان أقدر على فهم الواقع ونقده ، وخاصة وهو يتوجه لعقول ونفوس البشر ، ويشكل علاقة حميمة باقية معهم ، لأن أدباً كثيراً يكون له دور نقدي ما في مراحل يتساقطُ في مراحل أخرى، وثمة أدب لم يكن له دور في مراحل ، يتصاعد دوره في مراحل جديدة ، فالعلاقة بين الأدب والواقع والتغيير تخضع لمستويات مركبة من التداخل والتقاطع والتباين.
• يرى البعض أن هناك قوالب وأركاناً ثابتة للتعبير تحدد شكل الكتابة الأدبية لا يحق للمبدع أن يكسرها تحت دعوى الإبداع . ما رأيكم في هذا القول؟
ــ هناك أنواع أدبية كبرى كالنوع القصصي، والنوع الشعري ، والنوع الدرامي ، وهذه الأنواع لها سمات وخصائص عامة ، أكتسبتها عبر القرون ، وطنياً وإنسانياً ، وبالتالي فإن المبدع في أي نوعٍ منها لا بد له أن يتجذر في سماتها ويتشرب روحها ، وهناك عمليات درس وعلوم لذلك ، لكن الإبداع من جهة أخرى لا يتوقف ، والإضافاتُ تحدثُ بشكلٍ مستمر من خلال التجارب الأدبية المتنوعة ، في كل هذه الأنواع ، وتحدث تداخلات وعلائق مشتركة . فالقاص لا يستطيع أن يخرجَ من تشكيلِ الحدث والشخصية لأنهما جوهريان في هذا النوع ، لكن تأتي إضافاته في أسلوبه واختياراته للشخوص والأحداث وزوايا تشكيلها..
• هل يمتلك الكاتب العربي اليوم خصوصية في الكتابة بعيداً عن الموروث وتأثيرات الثقافة ؟
ــ الموروث هو جزءٌ من الكتابة ، فاللغة الأدبية كائنٌ تاريخي ، وأي لفظ له سيرورة طويلة ، وأي نوع له تجربته الخصوصية ، فالكاتب يقفُ عليها حين يبدأ ، لكن خصوصية الكتابة عملية راجعة للكاتب نفسه ، أي كيف يستفيد ويستثمر الموروث ويطوعه لعصره ولغته الخاصة به ، وليس الأمر يتعلقُ بموروثهِ القومي فقط بل الأمر يتعداه للموروث الإنساني الواسع. . فنحن ورثنا قصة معينة من القدماء لكن على ضوء العصر طوعناها شكلاً ومضموناً لعمليات جديدة . ويظل التراث القومي معيناً لا ينضب للإبداع والتأثر والتجاوز ، مثل الثقافة العالمية كذلك .
• للرواية اليوم أهمية جوهرية مؤثرة في زمننا الإبداعي حتى أن البعضَ أطلق عليه زمن الرواية ، فما رأيك في الجيل الجديد والحامل لتصورات مغايرة في الكتابة والنقد الروائي ؟
ــ كلُ نوع أدبي يحملُ أهمية جوهرية ، فلا يوجد نوع مختص بدم أزرق . لقد كان النوع القصصي ذا قيمة كبيرة للبشرية دائماً ، ولكن ما حدث في العصر الحديث أن النوع القصصي تداخل مع وعي جديد ، وعي قراءة الحياة بشكل موضوعي ، فراح يتغلغلُ تحليلياً في مشكلات الإنسان ، عبر أساليب فنية كثيرة ، وعبر بنيته الفنية التي أتاحت له هذا التغلغل ، وهذا الجانب جعل الرواية تغدو شريكة فكر ومتعة ، كما أن النوع القصصي توسع بشكل هائل في الدراما التلفزيونية وفي الفيلم الخ.. وهذا كله جعل إنتاج الرواية يتعاظم بشكل لم يسبق له مثيل . وحول الجيل الجديد وكتابته للرواية فقد سبق لي أن كتبت عن أعمال الجيل الجديد في مجلة (كلمات ) وفي الصحافة العربية ، وهو بحث عن الرواية في الجزيرة العربية ، وقد لاحظت أن بعض الشباب يتوجه نحو نسخ التجربة العربية في خارج الجزيرة ، والبعض يتوجه للإثارة والكتابة عن موضوعات حساسة دون بناء محكم، والنادر من يتجه للحفر في الواقع وللتعب في صياغة المعمار الفني . لحسن الحظ بعض كتابنا الشباب البحريني صار يتوجه للحياة الشعبية ويغرفُ منها موضوعاته وهذا ما جعل مثل هذه النماذج النادرة للأسف تحقق عملية نمو للرواية المحلية خاصة لدى فريد رمضان وجمال الخياط . الأول لجأ في روايته الأخيرة (السوافح . . ماء النعيم) إلى بذور البناء الملحمي ، حيث نجد اتساع الشبكة الشخوصية التي تتراوح من العراق إلى البحرين، في نسيج متنامٍ يجمع هذه الشخصيات الشعبية ويكشفُ صراعاتها ونفسياتها المتضادة. فريد لديه الأسلوب الواقعي (المحفوظي) الذي يشكل بنية موضوعية وينميها في التضاريس الاجتماعية اليومية ، بينما جمال يتوجه نحو المنولوجات الداخلية للشخصيات ، ويطلق طاقتها على الذكرى والتأمل والصراع ، فتأتي التضاريس من دواخل هذه الشخوص المتشظية . بطبيعة الحال الكاتب يصنعُ بناءه عبر سنوات طويلة ، فما لدى الشباب الآن بذور قابلة للنمو في اتجاهات شتى لأن الزمن الكتابي يضيف إليها .
• الرواية هي عالمٌ حافلٌ بالصراع والمتناقضات : فكيف ننظر للسيرة الذاتية من هذا المنظور ؟ وهي التي تمثل مفردة من مفردات عديدة للرواية ؟ – وماذا أضافت السيرة للمنجز السردي للرواية ؟ – ولماذا يلجأ الكاتب لكتابة التاريخ الذاتي ؟
ــ هذه الأسئلة الفرعية كلها في الواقع تدور في سؤال واحد هو ما علاقة الرواية بالسيرة الشخصية ؟ لا يوجد روائي لا يجعل سيرته مصدراً أساسياً لأعماله الروائية . إننا نجد إن روائياً بحاراً يكتب روايات عن الحيتان وصيدها . نجد روائياً آخر عاش حياة طويلة من التشرد فتغدو العديد من رواياته مشاهد من الترحال ومعاناة أهل القاع . هناك روائيون آخرون يحجبون حيواتهم الشخصية لأنها عادية ليس فيها ما هو مثير روائياً . فالسيرة مصدر للرواية لكنها ليست رواية ، فهي مادة خام ، ومرتبطة بحيثيات الحياة المباشرة اليومية، في حين أن الرواية تنزع للارتفاع عن هذه المباشرة ، لأنها غوص إلى الأعمق ، ولكن الغوص يعتمد على الأدوات الفكرية – الفنية للكاتب المتداخلة ، فالبعض لا يستطيع أن يرتفع عن سيرته لأنه لا يمتلك قدرة تعميم فنية . ثمة كتاب كبار نجد أن سيرهم لا تقل قيمة عن رواياتهم ، مثلما فعل نيكوس كازانتزاكيس في (تقرير إلى غريكو ) ، فجمع بين قدرة روائية كبيرة و سيرة ذاتية نارية ، لأن نيكوس عاش حياة فكرية خصبة وتجربة اجتماعية ثرة (وطنية – صوفية ) ، فتبدو سيرته ورواياته مثل أساطير الأغريق مواطنيه . ويبدو لي هنا أن حياة الروائي غدت أكبر من رواياته التخيلية ، فتغدو الحياة أكثر روعة وعمقاً من تلك ، ربما بسبب طابع أستثنائي فيها وامتلائها بالمغامرات والأحداث الجسام وبطريقة الكاتب الفذة في عرضها . أما حين تكون حياة الروائي عادية مثل نجيب محفوظ فإنه لا يستطيع أن يكتبها إلا كظلال ونفحات كما فعل في( أصداء السيرة الذاتية ).
• نهتم كثيراً بقراءة الرواية المترجمة، كما اهتم الغرب بقراءة الأدب العربي القديم ((ألف ليلة وليلة مثلاً)) – هل يقرأ الغرب النتاج الأدبي الحالي؟ وهل هناك معوقات لوصول الأدب العربي للغرب؟
ــ إن الغرب يقرأ بعض الأعمال العربية المشهورة وبالتالي لا يستطيع قراءة الرواية العربية الواسعة الضخمة . وهي عادة تــُترجم لعلاقات خاصة أو لدور البلد وأهميته في المنطقة ، أي هي نتاج عوامل سياسية غالباً ، لكن الغربلة الفنية تستغرقُ قروناً ، وهذا ما حدث حتى للرواية الغربية نفسها في بلدانها ، فلكي تصبح رواية (دون كيشوت) مَعلمَاً روائياً ريادياً احتاجت إلى ثلاثة قرون . وغالباً ما تأخذ العوامل الثانوية دورها في الاتصال الثقافي بين الأمم ، فنجد بعض الروايات تــُترجم بكثرة ، نظراً لعدم إطلاع المترجمين على حشود الروايات العربية ، أو لأنها تتكلم عن الغرب ، ولا يحدث حتى في النقد العربي ذلك التمييز العميق ، والنقاد والمترجمون مهتمون بعوامل الوطنية والصداقة والحزبية وغيرها من العوامل الجانبية في الأدب ، ولكن الزمن ينفي ويغربل هذه العوامل ، وتتوجه عمليات الأصطفاء التاريخي إلى ترشيح أعمال بعينها وتصعدُها عبر الأجيال . نجد (والتر سكوت) الروائي البريطاني لم تكن روايته التاريخية تمثل في نظر معاصريه سوى مغامرات فجة ، لكن النقاد الكبار وجدوا فيها بعد حقبة طويلة أنها ذات سمات إبداعية عبقرية ! ( راجعي بهذا الصدد كتاب الرواية التاريخية لجورج لوكاش ) .
• ما تصورك الشخصي لكتابة الرواية اليوم ؟
ــ غدت الرواية بالنسبة لي أهم جانب كتابي ، فهي تعيشُ في البؤرة ، وحتى كتابة الأبحاث كانت غالباً للبحث عن جوانب جديدة تحفرُ في الرواية ، فقد أردتُ أن أكتبَ روايات عن التاريخ العربي قبل عقد فرحتُ أدرس جوانب من التراث ، جعلتني أصنع كتاباً حولها . وحين أنهيت هذا الكتاب المؤلف من أربعة أجزاء توجهت ثانية لتلك الروايات التاريخية ولكن الفرق كبير بين تخطيطات ما قبل الدراسة وما بعدها ، فقد وقفتُ على قواعد من فهم موضوعي للأجواء الروائية ، فكتبتُ بعدها عن الشهداء الكبار في الإسلام والذين يمثل عصرهم أكثر العصور دراماتيكية ، وعصر الانتقال من الحلم الجماعي إلى التفكك والمآسي . . هكذا تغدو الرواية مدار الحياة الكتابية . .
• ماذا يعني لك كل :
• اليوم العالمي للشعر ؟
ــ اليوم العالمي للشعر هو تذكير بالجمال والفتنة والدهشة في زمن مضاد ، يحاول تكريس القبح ، وهو نوع من المقاومة المتوهجة . .
• تكريم أسرة الأدباء كل عام بعض أعضائها.
ــ هو احتفاء بالنتاج وليس اهتماماً شخصياً ، لأن ما يهمنا هو تكريس البناء الثقافي الفاعل والمغير للحياة ، ويغدو الاحتفاء بالنتاج خلق مشاركة جماهيرية وعمليات نقد وتحليل ، وما يمكن أن يثري الحياة الأدبية عامة .
• تكريمك هذا العام.
ــ كما قلت لكِ هي عملية اهتمام بالإنتاج الوطني وترسيخه ودعوة المنتجين الثقافيين للمزيد من العمل .
• نتاج جيل الشباب في الأسرة ..
ــ نتاج جيل الشباب هو أعمال جديدة وبحث مختلف في زمن مختلف ، والخوف أن يكرر هذا الجيل الأشكال الخارجية للجيل السابق بدلاً من أن يبحث عن صوته الخاص ، ويحفر في واقعه الذي اختلف عن واقع الأجيال الماضية.
• القصة والرواية في البحرين ..
ــ القصة والرواية في البحرين في حالة إنتاج مستمرة ، وثمة نقلة نوعية فيها عن بلدان المنطقة الأخرى ، لأن قضايانا وصراعاتنا أكثر تبلوراً ، وغدت عملية إصدار الرواية تتم على مستوى جيلين بل ربما ثلاثة ، مما يعبر عن تجاوز الرواية مرحلة التقطع والندرة وعدم وضوح السمات .
• لجؤك إلى الكتابة الفلسفية ..
ــ هي كما قلتُ لك هي عملية حفر في جذور الواقع والثقافة ، وهذه ربما حتى تؤدي بالنقد للفلسفة كما اهتممت في كتابي الأخير (نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية) بجوانب الوعي الفلسفي لدى الروائي الراحل ، دون أن تتحول الدراسة إلى بحث في المقولات فنحن كروائيين نركز على إبداع الصورة أكثر من البحث في المفاهيم المجردة .
الهروب إلى الماضي في الكتابات الخليجية يعكس ضعفاً في مواجهة الواقع
حوار: أنور الخطيب
الأديب البحريني عبدالله خليفة.. قلمٌ روائي متميز له مشروعه الإبداعي الملتصق، فكرة ولغة، بهموم واقعه الخليجي والعربي . بدأ كاتباً للقصة القصيرة ثم انتقل إلى عالم أرحب في الرواية فاصدر روايات: اللآلئ، الهيرات، أغنية الماء والنار، وامرأة. ويعمل الآن على رواية جديدة تصب في هاجس تغيير الواقع وملامسة معطياته.
شارك الروائي عبدالله خليفة في الملتقى الثالث للكتابات القصصية والروائية في الإمارات الذي عقد في الثاني من فبراير الجاري وقدم بحثاً حول الملامح المشتركة في الكتابة الروائية بين الكويت والإمارات. على هامش الملتقى كان لنا معه الحوار التالي:
• كيف كانت بدايات تعاملك مع الفن القصصي.. وما هي مسوغات الانتقال إلى الرواية ـ ثم ماذا حققت من خلال أعمالك على مستوى رؤيتك الإبداعية؟
ــ نحن في البحرين، أبناء جيل واحد هو جيل الستينات، نشأ هذا الجيل من ذاكرة الخمسينات الوطنية في البحرين وإرهاصات التحول الاجتماعي التي كانت زاخرة وقوية في المجتمع الصغير حيث كان هناك قطاع كبير من الناس الذين يعيشون في مستوى اجتماعي منخفض ـ وهناك الإدارة البريطانية التي تتحكم في البلد والخليج العربي ككل، وكانت مدينة المنامة مليئة بالأكواخ إلا من بعض البيوت من الطين. كان هذا في بداية الخمسينات ـ وحدثت موجة حرائق لتغيير هذه المدينة الفقيرة ـ نحن أبناء هذا المناخ الاجتماعي السياسي الفكري ـ وظهرت القصة القصيرة على نار هذه المدينة المتغيرة والتحولات التي كانت تدب في المجتمع ـ لم يكن هناك لشعب البحرين والخليج عموماً تقاليد قصصية وفنية عريقة وراسخة بل التماعات فنية قصصية متعددة متناثرة في الخليج الواسع، في البحرين نجد محطات صغيرة للقصة القصيرة في الأربعينات والخمسينات، ثم حدث انقطاع. وجيل الستينات الذي ظهر حاول أن يعبر عن فراغ فني محلي، ومن خلال موضوعاته المحلية التي كانت شبه مباشرة أثناء ظهوره الأول، كانت مشكلات الحياة الفقيرة وأزمات الإنسان في المجتمع تشده أكثر من جانب آخر ـ وبدأ جيلٌ من القصاصين يكتب في هذه الناحية ـ مثل محمد عبدالملك وأمين صالح وحلف أحمد خلف وأنا وغيرنا من كتاب القصة القصيرة المباشرة التي تهتم بالترميزات التراثية وأدوات الفلكلور المحلي والاستعانة بالأساطير وأحياناً الاستعانة بمناخ القصيدة من كثافة وصورة مجازية، هذه القصة القصيرة بدأت تتعمق عندما نضج هذا الجيل، وتبلور فنياً وتشابكت علاقاته بالثقافة العربية والعالمية، هناك دور أساسي لهذه الثقافات في رفد نتاجنا مثلما هو الحال لأقطار عديدة.
انتقلت القصة القصيرة إلى مرحلة فنية أخرى تهتم بجوانب هي الآن روحية وفلسفية وسياسية وتكشف لقطات وجوانب معينة ظلت باستمرار قاصرة عن استيعاب رافد الثقافة المتنامي وتحولات الواقع المطرد من جهة أخرى ـ إذا كان من البدء ـ كانت المدينة مجموعة من الأكواخ والبيوت الصغيرة في مدن صغيرة ـ حدثت ثورة اقتصادية وانشئت مدن عديدة وبنوك وشركات واستلابات وجوانب كثيرة من التحولات النفسية.
إذ كانت في البداية لا توجد مستشفيات أعصاب، الآن كثرت مستشفيات الأعصاب فأصبحت القضايا الروحية والفلسفية ما بين الإنسان والعالم، بين تضخم جهاز الدولة وانسحاق الفرد، بين الاقتحام الأجنبي الواسع والتقزم الوطني والقومي؛ هذه الجوانب كلها أصبحت مطروحة على صعيد القصة التي لم تستوعبها بالكامل، فبدأت الرواية تحاول أن تستوعب هذه الأسئلة المتعددة والكبيرة.
فظهرت في بداية الثمانينات رواية البحرين مثل رواية [ الجذوة] لمحمد عبدالملك وحاولت الرواية أن تصور التحولات في مرحلة الستينات، لكن تداخلت فيها الأزمنة والشخصيات بحيث كان من الصعب بلورة الهيكل العام للرواية. قصة أمين صالح [أغنية ألف صاد الأولى] عبارة عن أغنية ومونولوج عنيف لوعي باطني. هناك روايات أخرى مثل رواية [الحصار] لفوزية رشيد اتجهت للتعبير عن حالة اجتماعية وسياسية من خلال شبكة من الشخوص المتعددة. أنا كتبت في هذا السياق واهتممت بتبلور وتحليل هذا الواقع من زمن الغوص، فصدرت لي روايات ثلاث عن هذا العالم، الأولى هي اللآلئ، وتتحدث عن ربان وسفينة وتيه لمجموعة من البحارة، وتتكشف العديد من التناقضات والصراعات بين الشخصيات. فترمز لصراعات قديمة وأخرى حديثة أو تتكئ على صراعات قديمة وترمز لصراعات حديثة. وبعد رواية اللآلئ صدرت رواية [الهيرات].
وبشكل عام فإن العمليات الأولى للرواية عندنا يسود فيها نوع من التداخل الشديد أحياناً، فلا تعرف كيف تضبط ظهور الشخصيات وتبلور الأحداث ووصولها إلى القارئ، بحيث تنتقل له الدلالات. فيما بعد طلعت روايات حول مجتمع البحرين الحديث؛ مثل رواية [أغنية الماء والنار]، هذه الرواية تتحدث عن حرق مجموعة كبيرة من الأكواخ في مدينة المنامة. هذه الحادثة تحولت إلى رواية ليس تركيزاً على الحدث الاجتماعي أو الاقتصادي أو التاريخي للظاهرة، ولكن نمذجة للشخصيات. فالشخصية المحورية هي التي أتغلغل فيها وهي شخصية رجل يحاول أن يطمح للثراء وتجره سيدة غنية إلى حرق الأكواخ. ثم كتبت بعذلك رواية [امرأة] ثم رواية [الضباب]، ولدي مجموعات قصصية قصيرة مثل [الرمل والياسمين] و[يوم قائظ] و[لحن الشتاء].
• يلاحظ من خلال رواية [الضباب] انك تتحدث في صلب الغيير الحديث ولكن هذا لم يمنعك أن تطلق شخصياتك للبحر، وكأن البحر هو الأول والأخير، فهل هذا يعتبر حنيناً إلى الماضي كما يُشاع، أم أن البحر هو جذور تنطلق منها لمعالجة الحاضر؟
ــ بالنسبة لشخصية الضباب المحورية، إنها شخصية لا تحن إلى الماضي أو البحر وانما تهرب إلى البحر كشكل من أشكال الابتعاد عن المدينة التي حاصرته . البطل كان كاتباً ورجلاً ملء العين والبصر، فإذا به يتحول فجأة إلى فار، هذا المسخ والضغط الهائل التي تشنه آلة الدولة عندما تتحول إلى شيء ضخم يحطم الإنسان. خذها في أي بقعة من العالم، عندما يتعملق جهاز الدولة والقوى الخارجية على حساب الفرد وتعبيره ورؤيته وكلمته الخاصة المستقلة عن هذه الأجهزة هنا يتم تدمير هذا الإنسان، وهو حاول الاحتفاظ ببذرة من النقاء وببذرة من المقاومة وهي شخصية أخرى في ذاته. ومن هنا، البحر هو هروب بالنسبة لهذا الرجل، ودلالة البحر في أدبي الخاص شيء ترى فيه الكثير من الدلالات والتباينات لأن البحر هو جزء من الكوخ والبيت والنافذة، وهذا التشابك والتضافر بين البحر والبر، قضية جغرافية لها أبعاد إبداعية من حيث تحول البحر إلى رمز وإلى شخصية داخل الأحداث والحياة القصصية، فتجد الكثيرين يحولون البحر كجزء طبيعي جغرافي أو كدلالة كما تفعل أحياناً سلمى مطر سيف في قصتها[عندما تجعل سلطان والبحر يتداخلان]، والبحر يتحول إلى جنية تفترس سلطان الذي يحاول أن يحطم الجنية. ولكن لا يستطيع. إنه جدلية الشرطي والمقاومة، جدلية جهاز الدولة والرمز المخضر دائماً.
• في رواية [الضباب]، صحيح، هناك هروب إلى البحر ولكني لاحظت أيضاً حنيناً إليه من خلال الحنين إلى الجد وكلامه وجلساته وهناك نقطة أخرى بعض الكتاب لديهم حنني إلى الحياة القديمة رغم انهم لم يعيشوا تلك المرحلة، كيف ترى هذه الإشكالية؟
ــ هذه العملية تتعلق بتطور الخليج الخاص، تمثل الحياة القديمة، حيث الأسرة الجماعية، والوحدة المباشرة مع الطبيعة حيث كان المجتمع طفلاً على سرير الطبيعة مواعينه وإداوته من النخلة والبحر، وهذا المجتمع كالمجتمع الإغريقي عندما كان قريباً من الطبيعة وله أساطيره، فالمجتمع العربي قبل التحول الرأسمالي الواسع النطاق، هناك وحدة تتشكل، وحدة تناغمية بين البشر والطبيعة، بين البشر من حيث الترابط والأسرة الكبيرة، إذا مرض شخصٌ يلاقي اهتماماً من الجميع، الناس يبنون بيوتهم بشكل مشترك، وهذه العملية عندما تصطدم بالتطور الرأسمالي والمصالح المتباينة ولغة المصالح وتتفكك هذه الأسرة الكبيرة ويحترق سرير الحياة الشعبية البسيطة، هناك يحدث صدام بين الوعي والواقع الحديث ويحن (الإنسان) بالتالي لنموذج الحياة القديم ويجد فيه محاولة تآلفية مفقودة، مع المجتمع (الحديث). هذا الحنين يتحول أحياناً إلى حنين رومانسي فارغ فاشل، وأحياناً إلى نوع من كشف الحاضر، إذا استطاع الكاتب أن يدمج بين هذا الحنين وبين اكتشاف الواقع وإمكانيات المستقبل، لأنه لا يستطيع إعادة الوحدة القديمة في المجتمع الإغريقي، عندما بنيت الأسواق انتهت أسطورة هوميروس، وبالتالي كان من الصعب استعادة الحلم الطفولي الأسطوري.
وعندما خرج المجتمع الأوربي من الغابات والزراعة واصطدم بالقطار (التجاري) تشكلت الرومانسية حنيناً وعودة إلى الريف الجميل، تلك البقعة غير المدنسة. أحياناً عندما يفشل الوعي الفني في تحليل الحاضر وكشف تناقضاته، وبالتالي تجسيد ترميزات تشكيلية خاصة، يلجأ على تسهيل وتسطيح عملية العودة إلى الماضي. عندما استطاع نجيب محفوظ التغلغل في المدينة المصرية وكشف بانوراما وملحمية المدينة، استطاع أن يجسد ملحمية التطور العربي.
• قلت في بداية السؤال السابق أن بطل [الضباب] لجأ إلى الجد العجوز، لجأ إلى الأسرة والحلم القديم، كشكل من الحنين الرومانسي، فأنا أقول أن الجد ـ في هذه الرواية ـ يتعلق بهذه الهروبية. ليس الاصطدام مع القوى السلبية في المجتمع ولكن الهروب إلى مزارات رمزية وتجد أشكالها كثيرة في الوعي الإنساني، هذا الهروب للمزارات النفسية الميثولوجية الطبيعية هي عبارة عن ضعف الإنسان في مواجهة الواقع واكتشاف موقع خاص في حياته، هذه العملية واسعة الانتشار في الكتابة الخليجية والفن الخليجي، تجدها في التصوير الطبيعي للبيوت القديمة والأغاني التراثية.
ــ هذا يتعلق بمستوى تطور الوعي في المنطقة، وهو وعي بسيط، له من التطور عقد أو عقدين أو ثلاثة عقود، لم يكتمل نموه الطبيعي، واصطدم بمتحولات الثروة الكبيرة فتم تسطيحه بشكل آخر. من هنا صارت عملية الركون إلى هذا التبسيط وهذه الرؤية. اعتقد أن هناك محاولات قليلة تخترق أجواء هذه العملية لدى فنانين محددين بندرة. الفنان الواعي للحياة يتغلغل إلى القشرة التحتية للنفس البشرية ولتطور المجتمع. هذه عملية نادرة وصعبة جداً في مناخ موضوعي خاص يختلف عن مناخ آخر في بلدان عربية متعددة، حيث انقطعت الصلة بين المجتمع والطبيعة البكر.
• حسب رأيك متى للكاتب الخليجي الانتقال إلى المدينة، مع انك انتقلت في رواية [الضباب] إلى المدينة وشوارعها ومحاكمها وبيوتها.. متى يمكن الانتقال محلياً إلى المدينة كما ترى في روايات عالمية وعربية؟
ــ إذا استطاع أن يطور وعيه الفني وأن يكشف الشبكة المعقدة للحياة، نحن لا نزال على ضفاف تحليل الحياة الخليجية. هناك طبعاً محاولات كبيرة في الرواية الخليجية أو في الروايات التي كُتبت عن الخليج، مثل رواية [مدن الملح] لعبد الرحمن منيف، والمكونة من خمسة أجزاء، تكلمت عن صيرورة منطقة شبه الجزيرة العربية وبعض المدن النفطية وحاولت أن تمسح التطور الإنساني الاقتصادي التحويلي، وبشكل نثري سردي طويل جداً مليء بالعشرات من الشخصيات. وهذه ملحمية الرواية التسجيلية العربية عندما تسيطر على مجموعة من تواريخ المدن وتمحورها من خلال مجموعة من الأسر الأساسية وتكشف هذا التطور الواسع الذي يمكن أن تغلب عليه رؤية مستوى معين من القوى التحتية وتشعباتها، ولكن حتى هذا الجزء الكبير (لاحظ خمسة مجلدات كبيرة) لكي تكشف شيء في الخليج. يتصور البعض إن الجزيرة العربية والخليج منطقة محدودة وفقيرة ومليئة ببعض المدن الصغيرة والبرية، وبالتالي هي منطقة مسطحة نفسياً وفكرياً، وبالتالي إبداعياً. الأمر في الحقيقة ليس كذلك لأن منطقة الخليج هي قلب العروبة والكثير من الطبقات النفسية العربية متواجدة في هذه المنطقة. عندما تحفر قليلاً في العراق تجد تمثالاً من دلمون أو من عهد الآشوريين، في وقت تقوم بالمرور عليها بالسيارة الحديثة. إنها منطقة تحمل زخماً أسطورياً وتاريخياً عميقاً. ونجد إن الكتابات لا تزال على سطح العملية وتحتاج إلى تطور حضاري لكي تتبلور بنية ذهنية متطورة، قد تتجاوز ظروفنا الموضوعية والذاتية في بعض الأفراد، ولكن عموم الناس والكتاب من الصعب أن يقوموا بعملية الاختراق الواسع.
• سؤال أخير؛ ماذا بعد [الضباب] على صعيد معنى الكلمة وعلى صعيد مشروعك الروائي؟
ــ نحن نخترق الضباب. بالنسبة لمشروعي الروائي، هناك رواية جديدة، حتى الآن لم أصل إلى إنجازها بشكل كامل وتتعلق بهذا الهاجس الذي طرحناه سابقاً، هاجس منطقة الخليج، بين ثروة ضخمة ومحاولات تغيير مضنية. وحلم التغيير أين يوجد الآن؟ بعد أن سقطت أحلام التغيير ونماذجه في العالم ككل؟ ماذا يبقى، الأزمة تتكاثف على الإنسان من كل جانب، لم يبق إلا نموذج واحد للتطور الحضاري، هل يمكن أن تواجد نموذج آخر؟ هناك نموذج تفاوت الثروة والحظوظ، نموذج اللاعدالة، نموذج التناقضات الإقليمية والعالمية، الشمال والجنوب، الشرق والغرب، قضايا العالم الثالث، وقضية فلسطين تبقى معلقة دائماً، جرحٌ ينزف بينما تحل مشكلات أخرى.
هذه الرواية تحاول أن تطرح كل هذه الأسئلة بالنسبة لمنطقة الخليج
هذه الرواية تحاول أن تطرح كل هذه الأسئلة بالنسبة لمنطقة الخليج
حوار أجراه الباحث المغربي: أحمد شراك
• على صعيد سوسيولوجيا الكتابة والنشر، يُلاحظ المتتبع لإصداراتك القصصية والروائية، بأنها صدرت خارج الوطن ـ البحرين ـ وبشكل خاص في لبنان وسورية والإمارات. فهل يعود الأمر إلى إستراتيجية خاصة في النشر؟ إلى الانتشار باعتبار دمشق وبيروت، عواصم النشر والثقافة؟ إلى انحسار دائرة النشر في المنامة؟
ــ إن ذلك يعود بكل بساطة إلى سيرة حياتي الكتابية. فأول كتاب صدر لي سنة 1975، وأنا قابع في السجن، فلم أحصل على نسخة واحدة منه، وحين خرجت في الثمانينيات من ذلك التنور، لم استطع أن أجد شيئاً منه.
وفي سنوات السجن قمتُ بكتابة قصصي ورواياتي الأولى، التي حاولت نشرها بعد خروجي. إن إمكانية العزلة تعطيك قدرة على الإنشاء الشعري، ولكنها لا تملأ يديك بالمال أو الشهرة، فتحاول أن تسوق كتبك ودمك عند دكاكين لا تعبأ بروحك.
إن المنامة بخيلة على أبنائها دائماً، سواء بالنشر أم بالمال أم بالشهرة، ولهذا فإن المطابع تتخصص في الكتب التجارية وملصقات الراقصات ودفاتر البنوك، أما الكتاب الإبداعي فطباعته تعادل شراء سيارة [جديدة]!
وهكذا فقد ذهبتُ كغيري من الكتاب البحرينيين إلى دور النشر العربية، ونحن البحرينيين ـ بروليتاريا الخليج العربي ـ بحثنا عمن ينشر لنا مجاناً، وقد وجدنا في اتحاد الكتاب العرب بدمشق، ورئيسه علي عقلة عرسان، الرجل القومي الحقيقي، ضالتنا. لقد أصدر لنا الاتحاد العديد من الكتب، وقد طبع لي مجموعة قصصية وروايتين، ورغم إن الاتحاد لا يشارك في المعارض، وتقبع الكتب في صالته تنتظر بصبر طويل المشترين، فإنه قدم لنا الخدمة النبيلة الأولى الكبيرة.
وبعد ذلك كان علي الاعتماد على نفسي في النشر، بعد أن عملت في الصحافة. ومن المؤكد إن سوريا ولبنان يمثلان رئتين مهمتين للنشر العربي، فرخص الطباعة ودقتها وجمالها وانتشارها لا يمكن مقارنته بمكان آخر. رغم إن دكاكين الجزارة الثقافية هذه تستلم لحمك ودراهمك بكل برود وأنانية.
وهناك نقطة ضوء في الخليج، فاتحاد كتاب وأدباء الإمارات يحاول أن يشكل جزيرة يسبح إليها المؤلفون هاربين من بحر التماسيح الطباعية، وتاركين أشلاءهم ودماءهم وراءهم.
• إن المتتبع لتجربتك الروائية على الخصوص ، يلاحظ ـ على صعيد العناوين، بأن رواياتك تتكون، في الأغلب، على صعيد عناوينها من كلمة واحدة أو اثنتين، وهذه الكلمات/العناوين ، كلمات عادية تحمل شحنة لغوية مباشرة، إلا أن النصوص التي تحتويها تتسم بالتجريب من جهة وتعتمد على لغة رمزية شعرية مكثفة من جهة أخرى، وتأسيساً على هاته الإشارة، هل هناك وعي مسبق في اختيار هاته العناوين؟ أم أن الأمر يعود إلى الصدفة؟؟ بعبارة أخرى هل هناك استراتيجية ما، للعنونة بالنسبة لعبدالله خليفة؟
ــ هذه ملاحظة دقيقة، فعناوين مثل [لحن الشتاء]، و[اللآلئ] و[الرمل والياسمين] و[امرأة] و[الضباب] و[سهرة] و[الينابيع]، هي ومضات ما من ذلك العالم القصصي والروائي، ومحاولة لتركيز اللوحة في بؤرة أساسية، ولكن العناوين في رأيي لا تشير إلى دلالة أيديولوجية محددة. إنها لا تهتفُ وتصطخبُ باتجاه معين.
فـ[اللآلئ] كلمة تشير إلى جانب أساسي في البناء والحدث، فسفينة الغوص التي تاهت في البحر، قام الربان فيها بالاستحواذ على منتوج البحارة وهو اللؤلؤ، ولعل الذهن الذي شرد نحو صيغة التأنيث [اللآلئ] هو تعبير عن انحباس ذكوري في البحر حيث لا نساء، وفي السجن أيضاً! وتدور الرواية في رحلة تيه البحارة وصراعات حول النجاة واخفاء المحصول الخ …
[الضباب] رواية تدور حول [حشاش] راهن، ومنتمٍ سابق، والحدث هو رحلة الخروج الدامي من هذا التيه. لقد جاء العنوان من داخل عملية التشكيل. تركيزٌ له وبلورة. ليس شكلاً مسبقاً بل نتاجاً له.
[الينابيع] كذلك هو ومضة لاكتشاف الخطوط العريضة لمواقف الشخوص والأحداث والتطور، حيث يشير ليس إلى مناطق تدفق الماء التي حفلت بها البلد، بل أيضاً إلى مواقع تدفق الضوء والألم والحب والمواقف.
هل الوضوح في العناوين يعاكس البُنى الفنية التجريبية والشعرية؟ أتصور إن البنى رغم تدفقها وتكثفها، تحمل سياقات واضحة بشكل ما.
• ألاحظ تواصلاً بين القصة والرواية في كتابتك الرواية، يكسوه نفسٌ شعري، وهذا أمر عادي باعتبار تداخل الأجناس وتواصلها، إلا أن الانطباع الذي قد يخرج به قارئ أول بالنسبة لرواياتك هو إنها مجموعة من القصص أو تراكم قصي قصصي يحكمه نفس طويل؟ ومهما كانت انطباعات التلقي، كيف يتصور عبدالله خليفة كتابة الرواية ككيمياء إبداعي؟
ــ قد يكون هذا حكماً جزئياً، أو هو قراءة لعناصر معينة في التجربة. هناك بعض الملاحظات التي أقرأها: كقول أحدهم إن قصصي القصيرة روايات مكثفة ورواياتي قصص مطولة. في الواقع، إنني لا أرى الحدث القصصي إلا باعتباره كياناً واسعاً مترابطاً، يمتد إلى جزئيات الواقع والطبيعة، أي إنه يكون تجربة عميقة مثقلة بأشياء المكان وبملامح البشر الروحية وصراعاتهم الاجتماعية، وبشرائط الطبيعة المتغلغلة في المكان والإنسان.
في البدء، كانت القصة القصيرة بالنسبة إليّ ومضة سريعة جداً، ثم راحت تمتلئ وتتشبع بضراوة البنى والأشياء. إن هذا يرتبط بتطور الرؤية والتجربة.
لهذا تأتي الرواية كتتويج لاكتشاف اللحظة الإنسانية في جذورها وسيرورتها، في تشابك الحدث بأغصان الظروف وسكاكينها، وبارتباط الداخل بانفجارات الصراع.
إن حدثاً [عابراً] كما في رواية [مريم لا تعرف الحداد] وهو دهس امرأة غنية لصبي امرأة فقيرة في إحدى القرى، يثير دوامة من الأحداث المرتدة إلى الماضي والنازفة في المستقبل، ويضع خرائط القرية المدهوسة بالتحولات الصراعية موضع الرصد الشعري.
منذ حادث الدهس ودفاع ريم الضاري عن أبنها حتى محاولة قتل جنينها لم استطع أن ألغي حدثاً جزئياً أو جملة.
إن البنائية المتآزرة، سواء على مستوى عناصر السرد أو تشكيل الشخوص والأحداث والدلالات، هي شيء لا يمكن التخلي عنه، إذا أردنا صياغة رواية معاصرة، أما إذا تحولت إلى هياكل عظمية متجاورة، فهي تتقهقر إلى القص الطويل القديم، وتلك بنية توافقت مع حياة مفككة، ونمط اجتماعي عتيق، سواء على صعيد التآزر البنائي أو على صعيد الدلالة.
• هناك مسافة (لا تـُعبر) بين عبدالله خليفة الصحافي وعبدالله خليفة المبدع، إن على صعيد اللغة وإن على صعيد الأسلوب.. فهل لم يكن ممكناً الاستفادة من الكتابة الصحفية في إضاءات كثير من النصوص التي تَّهْربُ إلى الرمزية وتكثيف اللغة بشكل واضح؟ وبعبارة أخرى ما علاقة الصحافة بالإبداع في نظرك؟
ــ بالتأكيد على القاص أو الروائي أن يخاف من لغة الصحافة: لغة العرض المباشر والتقارير ومتابعة الأحداث السريعة، لأنه يحاول أن يمسكَ الأشياءَ الجوهرية العميقة في هذه المجريات اليومية النابضة كذلك بالألوان والمذاقات المختلفة والتلاشي.
ولقد أدخلت مثل هذه اللغة العرضية والملموسة إلى كتابتي، وبشكلٍ ليس محدداً، ولكن من أجل أن تكون جزءً من مادة الحياة، وأن تـُحور وتعدل لتتناسب ومجريات العرض الفني.
إن العديد من النصوص هي مضاءة بذلك، ويعتبرني بعضُ النقاد من الكتاب الواقعيين التقليديين، بعكس ما تشير إليه، وفي الواقع إن مثل هذه الإشكالية المزدوجة ناتجة عن رؤية جانب واحد من الكتابة.
فرصد الواقع بطريقة تسجيلية في مشاهد معينة هو أمر مطلوب لإحداث الإيهام ورصد العالم بشكل موضوعي، وقد كتبت بهذه الطريقة [الصحفية]- وأسمح لي أن أقول إنه لا يوجد أسلوب بهذا الاسم – ولكن أن يستولي الأسلوب الرصدي “التقريري” على الكتابة الفنية فهو يقطع أجنحتها ويطفئ بصيرتها، فليس الهدف من الكتابة القصصية عموماً التحليق عن الإنسان، بل اكتشاف الهيكل العظمي لتخلف الأمة وتعريته وعرضه للنور والنار.
ولهذا فإن الكتابة لا بد أن تزاوج بين مسألتين متضادتين، الرصد الموضوعي للعالم، وعدم الانحباس بين ملابساته الجزئية وأحجاره الجانبية.
والكتابة العربية عموماً ضائعة بين التحليق بعيداً عن الواقع، أو الانحشار بين غيرانه، وليس لدينا ذلك التضفير بين الاكتشافات العميقة للواقع، وتكوين اللغة الإبداعية ذات الطبقات الترميزية، إلا فيما ندر.
إن عدم قدرتنا على كشف الهياكل المتعفنة للعلاقات الاجتماعية -الروحية، يكمنُ في الوقوف عند الظاهر والاكتفاء بالرصد الصحفي، أو على العكس الغياب في الترميز والتعميم.
إن تضفير هذين الجانبين يعتمد على مواصلة رقابة الواقع التي تتيحها مواد الصحافة وأساليبها، وعدم الاكتفاء بموادها، والأمر يتوقف على الممارسة الكفاحية في تصوري، وليس الموقف التأملي المنعزل.
إنك تستفيد من مواد الحياة وعروضها الكرنفالية البائسة أو العظيمة. وتصل إلى القوى الميتة التي تُمسك برقابنا وأنفاسنا منذ بدء النهضة، وتعرض الأمر في مشرحة الرواية.
ومن المؤكد إن ذلك سيثير تناقضات أسلوبية كالغموض والترميز والشعرية الواسعة، أو العودة للنثر اليومي، لكن تقوم رحلة الرواية على الجمع بين الماء والنار، بين التغلغل في الجوهري وعرض المباشر، بين الشعرية والنثرية، بين الجوهرية والفوتوغرافية، بين الغموض والوضوح الخ…
• في روايتك الأخيرة [الينابيع] التي ظهر منها الجزء الأول الموسوم بـ[الصوت]، أريد أن أسألك هل هناك ضرورة/ ضرورات تيمائية (باعتبار الرواية تاريخية) تفرض جمالية خاصة ونوعاً خاصاً في الكتابة الروائي، وعلى رأسه هذا النفس الطويل والمتعدد (رواية في أجزاء)؟
ــ الضرورة تعود إلى الكاتب ومشروعه.
أن (ينهي) عملية التحليل الفنية الواسع لبلده، تطوراتها وتناقضاتها وبشرها.
أن يوهج ما يحاول التاريخ الزائف وحديد الواقع، أن ينفيانه.
أن يضيء كل تلك الكفاحات البسيطة، وذلك العذاب الطويل الغارق في النسيان والغياب.
أن يجعل أولئك البشر المجهولين في الأزقة وتحت عربات الزمن وفي آبار النفط المشتعلة، باقين، مضيئين عبر الزمن. أن يجسد أصابع الإنسان الباقية فوق البحر لتحل كل الألغاز المطروحة من قبل الضواري.
أن يعيدَ ترميم سيولة التاريخ والثمار، حيث شكلت أهرامات من الرؤوس المقطوعة والمنازل القميئة والأرواح المتقزمة، جهة العماليق المنقرضين، وأكداس النقد والأبنية الشاهقة والنفوس الزجاجية، جهة العماليق المسيطرين.
لكل شعب ملحمته، إعصاره الخاص، الذي اندفع فيه ليقاوم الأصنام والرؤوس المتوحدة ومصائد البشر. وهذا مشروع لملحمة، صورة كبيرة واسعة لرجال ونساء أعادوا صياغة التاريخ والإنسان.
الضرورة تعود إلى حلم الكاتب.
أن يجعل من رمل التاريخ لغة شعرية ولوحة تشكيلية لتصادم الينابيع القصوى للخير والشر، لتصادم القوى الكبرى، أن يرتفع عن المادة الخام للتاريخ، وللصحافة، للواقع، ليرى الشلالات الدفينة لتكون الأفكار العظيمة والنفوس النبيلة.
• إذا كان عبدالله خليفة لا يصدر رواياته ومجاميعه القصصية في داخل البحرين، فإن البحرين مع ذلك تشكل هاجساً حقيقياً في كتابته خاصة على صعيد التفضية والفضاء، حيث يحرص ـ وبقوة ـ على هذا الانتماء.. ويحاول أن يكون صوتاً لهذا البلد الشقيق، الذي بدأ يشهد تململاً حقيقياً على صعيد الكتابة والإبداع، وعلى صعيد الفعل الثقافي والمبادرات الثقافية.. فأين يضع عبدالله خليفة نفسه داخل هذا المشهد: البحرين الروائية بشكل مخصوص؟؟
ــ البحرين تشكل إحدى المُسرعات الحضارية في منطقة الخليج والجزيرة العربية، وعلى الرغم من صغرها، وربما بفضله، فقد تكونت تجربة نهضوية منذ أواخر القرن الماضي، ولعبت طليعية البحرين في الاقتصاد، سواء باعتبارها بؤرة في إنتاج اللؤلؤ وتشكيل التجارة، ثم باعتبارها أول بلد تدفق النفط فيه، في تسارع الإنتاج الثقافي وتكوين التيارات الفكرية ـ الفنية.
وبدأت القصة القصيرة منذ الأربعينيات، وانهمرت بغزارة وبحداثة في السبعينيات، ثم تحولت إلى الرواية في الثمانينيات. والنتاج الروائي قليل ولي أكبر حصة فيه [تسع روايات من ست عشرة رواية].
والواقع، إن البحرين ليس فيها تململ على صعيد الكتاب، بل يوجد فيها نشاطٌ غزير وطويل عبر نصف القرن التالي، فثمة عشرات المجموعات القصصية وعشرات الدواوين ومئات المسرحيات وكتب الأطفال والدراسات الفكرية، ولدينا رواد في الشعر والفكر السياسي وغير هذا كثير، وكل ذلك في شعب أقل من ربع مليون!
وساهمتُ في هذا الزخم منذ أواخر الستينيات بمئات القصص والمقالات والدراسات الفكرية والنقدية، وقد ظهرتْ في القصة القصيرة التي اشتغلتُ عليها عدة اتجاهات، أهمها الاتجاه الواقعي، والاتجاه التجريبي، اللذان تصارعا وتمازجا واختلفا، ومثلت الرواية امتداد هذا الصراع والتحول.
وقد عملتُ ضمن الاتجاه الواقعي، بتطوراته واخفاقاته وتحولاته المختلفة. الآن صعدنا فوق هذه التضاريس المحدودة مستثمرين دلالاتها الإيجابية.
• فيما يخص علاقة الثقافي بالسياسي، كيف ينظر عبدالله خليفة إلى المشهد السياسي في البحرين أيضاً؟ هل هناك تغير في الرؤية؟ هل هناك مصالحة مشاكسة؟ خاصة وأن روايتك الأولى [اللآلئ] عبرت بشكل رمزي عن مرحلة الخيمة المظلمة!؟
ــ المشهد السياسي في البحرين معتم، فمنذ حل المجلس المنتخب سنة 1975، وكنا ضحايا لذلك العنف، ونحن في حالة طوارئ دائمة. ورغم إن البلد عرفت تطورات اقتصادية كبيرة مع ارتفاع أسعار النفط، وشهدت البنية الاجتماعية ازدهاراً واسعاً، إلا أن الاحتكار السياسي وغياب التعددية أدى إلى تضاؤل احتواء الدولة للمجتمع ودخول البلد في حالة عجز مالي وسياسي متفاقم.
في حالة الطوارئ الممتدة ثلاثة عقود ركزت الدولة على اجتثاث التيارات الحديثة العلمانية، مما وسع وانهض الحركات الأصولية، وهذا أدى إلى نزاع دامٍ على مدى الأربع سنوات الماضية وخسارة مئات الملايين من الدولارات وعشرات القتلى وآلاف الموقوفين الخ..
ولا يبدو أن في الأفق رؤية سياسية تصالحية ناضجة تستوعب هذه الخناجر الدامية وتُدخل المجتمع في مجرى ديمقراطي.
• سؤال أخير في نص هذا الحوار يتعلق بالمغرب السياسي والثقافي في آن، فما علاقات عبدالله خليفة مع المغرب الثقافي خاصة الروائي منه إبداعاً ونقداً؟ وعلاقته مع المغرب السياسي، خاصة تجربة التناوب السياسي التي يشهدها المغرب بعد تشكيل حكومة التناوب من طرف المعارضة بزعامة اليوسفي الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي والوزير الأول في الحكومة المغربية الحالية؟
ــ المغرب نموذج مبهر للعرب. شيء متألق مختلف يلمع أمام القافلة العربية الصحراوية الطويلة، يحدوها للتوغل في العالم المتمدن الحديث، وعبور محيط الظلمات والطائفيات والإقطاعيات.
وكان انتصار أصدقائنا التقدميين المغاربة في الانتخابات التشريعية وتشكيلهم وعملهم لتحويل المغرب لصالح القوى الشعبية، مبعث اعتزاز وفخر هائل في الجزيرة العربية، وقد كُتبت العديد من المقالات التي أطرت هذه التجربة العظيمة، ومثلت أول تجربة تداولية عربية.
ونحن نتمنى على الأخوة المغاربة الديمقراطيين رص الصفوف، والتعاون العميق الموحد للمزيد من التأثير في الواقع.
أما الأدب المغربي والرواية المغربية فهما مدرستان لنا. نحن نتعلم من أدباء المغرب وروائييها الكبار. لقد العديد من الروايات المغربية الكلاسيكية والجديدة وتتبع بعض الكتب النقدية التي ترصد هذه التجربة ككتاب الناقد نجيب العوفي عن المقص المغربي، وكانت لنا لقاءات مع أدباء المغرب في مؤتمرات الأدباء العرب، ونحن فخورون بإنتاج أشقائنا المبدعين المغاربة، سواء على مستوى الأدب أم على مستوى السياسة والواقع.
عبدالله خليفة: المغامرات اللغوية أبعدت القارئ عن الرواية
عبدالله خليفة كاتب بحريني صاحب عدد من المجموعات القصصية المتميزة التي بدأ نشرها منذ منتصف السبعينات بمجموعة لحن الشتاء ثم توالت مجموعاته الرمل والياسمين ويوم قائظ ودهشة الساحر وجنون النخيل.
ودخل خليفة حقل الرواية بصدور روايته اللآلئ في بداية الثمانينات ثم توالت رواياته: القرصان والمدينة والضباب ورأس الحسين وعمر بن الخطاب شهيدًا والتماثيل كما كتب العديد من الدراسات النقدية والفكرية. وبمناسبة صدور عمله الجديد التماثيل كان هذا الحوار معه:
◇ صدرت لك حديثا رواية التماثيل ماذا عن الخطوط العريضة لهذه الرواية؟
❖ التماثيل رواية من روايات الحياة الاجتماعية المعاصرة وليست تاريخية، وهي تتناول الفترة الحالية في البحرين وتدور حول شخصيتين متناقضتين، الأولى بسيطة ومتفتحة وخيرة ولكنها ساذجة، والثانية شخصية ذكية وشريرة، وتصطدمان مع بعضهما بعضا حيث يقوم الرجل الشرير باستغلال الرجل الطيب في أعمال يتورط على أثرها في العديد من التجارب إلى أن دخل السجن وهناك تعلم الساذج كيفية التعامل مع الأشرار، بعد لقائه بأحد المناضلين الريفيين الذي يقوم بحراسة كنوز التراث التي هي التماثيل.
◇ شخصيات الرواية حلمية أم واقعية؟
❖ هناك صبغة تجمع بين الحدث اليومي الحقيقي من خلال شخصيتي حارس التماثيل، والساذج الشرير وهي ترميزات لأنماط بشرية وقوى متصارعة في الفكر والموقف والفن الآن بعدما كتبت مجموعة كبيرة من القصص والروايات لم أعد أكتب ما هو تسجيلي فوتوغرافي، لكنه يستفيد من المادة الحياتية ويتغلغل فيها ويضعها في صيغ ترميزية.
◇ ما سر تحولك من الكتابة التاريخية إلى الكتابة الواقعية؟
❖ كنت دائما مهتما بجذور الحالات القصصية والروائية كجذور بلدي والحالات الشخصية والفنية وصيرورة الشخصيات كما في روايات اللآلئ، وهي عملية مهمة لكشف تطور الشخصيات وإبراز تناقضاتها وجذورها الروحية، هذا المنهج دفعني إلى دراسة التاريخ الإسلامي بعد تخرجي من قسم اللغة العربية في معهد المعلمين، واصلت الكتابة الأدبية بهدف البحث في جذور الإسلام والأمة العربية، وأصدرت كتابا من أربعة أجزاء حول تطور الوعي العربي الفكر الفلسفي.
◇ هل تربط الرواية بالتاريخ لتعيد التعبير عما قاله التاريخ بلغة أخرى أم التعبير عما لا يقوله التاريخ؟
❖ لم أكتب الرواية بشكل تسجيلي تاريخي وتوثيقي دراسي وإنما بشكل روائي، أستخدم أسلوبا شعريا ولغة مرنة بحيث لم أتوقف عند التيمات التاريخية والتقارير المتيبسة للسرد القديم، حيث تتداخل الضمائر وينمو السرد عائدا للماضي ومتوجها للحاضر وتتشكل شبكة من الشخصيات مثل عمر في رواية رأس الحسين في المدينة وهو يجابه الاستغلاليين ويساعد الفقراء.
◇ ما حجم ودور الخيال في هذه الروايات التاريخية؟
❖ حجم الخيال يبقى محدودا لأنه توجد لديك مادة لا يجوز تحريفها أو تشويهها ودور الكاتب هو إضفاء عوامل التشويق على هذه المشاهد مثل الصراعات الحربية.
◇ كيف تتقاطع كمثقف مع المفاهيم التجديدية للغة؟
❖ الأسلوب الحديث بمغامراته اللغوية وسرده المنقطع واستخدام المونولوجات أو المشاهد المسرحية أو تعددية الأصوات هذا كله مطلوب لكن ينبغي أن يؤخذ بحذر وتوظيف حقيقي، لأن هناك هوة كبيرة بين الكاتب والقارئ، هذه الهوة تشكلت بسبب المغامرة المتطرفة في اللغة، حيث أصبح الكتاب الأدبي منبوذا وغير مقروء، ونحن نحاول أن نجمع بين تطوير اللغة واكتشاف مستويات غنية فيها وفي نفس الوقت نسعى لخلق لغة اتصال مع الجمهور.
◇ ما الهموم التي تشغل الكاتب البحريني؟
❖ هي نفس الهموم في الأقطار العربية الأخرى لا تختلف مثل قضايا الحرية والتنمية والفقر والغنى التي أشتغل عليها منذ أربعين عاما، واشتغل عليها قبلنا كتاب كبار، ولكن مهمتي في الرواية أو القصة تحويل هذه القضايا الكبرى إلى تيمات قصصية.
◇ برأيك متى ينتهي الروائي كروائي؟
❖ عندما يستنفد تجربته ولا يستطيع أن يستكشف عالمه ويقدم تحليلات إبداعية مهمة فيه وعندما يكرر نفسه ويعيش على ذات الموضوعات والأساليب.
◇ أين موقع المرأة في كتاباتك؟
❖ المرأة دائما ملازمة لي في كتاباتي خاصة في الرواية، نجد العديد من الأشكال كانوا نساء مثل بطلة روايتي امرأة التي تقود عملية التغيير في القرية، وتكتشف خيانة زوجها السياسية.
◇ أين أنت من المشهد الثقافي البحريني؟
❖ كنت في قلب المشهد طيلة أربعين عاما وكتبت مختلف الأنواع الأدبية والدراسات النقدية والفكرية وأخوض المعارك الفكرية من أجل تجذير هذا الأدب ودفعه نحو آفاق أخرى جديدة.
أسئلة حوار الصحفية والكاتبة الجزائرية
• اكتشفك القارئ الجزائري من خلال روايتك الأخيرة «رأس الحسين» كيف تقدم نفسك لهذا القارئ ؟
ــ كنتُ قد شاركتُ في مؤتمر الأدباء العرب في الجزائر سنة 1975 وكنتُ شاباً غضاً وقتذاك ، وكان المؤتمر يضم أدباء وشعراء كباراً ، وفي المؤتمر قدمتُ بحثاً بعنوان (تطور القصة القصيرة) ، ومنذ تلك السنة انقطعت صلتي المباشرة بالجزائر وبالعالم الخارجي بعد الأحداث السياسية في بلدي.
لقد كنتُ أكتب في مجال القصة القصيرة والرواية والبحث ولم يتح لي النشر بسبب سنوات السجن سوى في الثمانينيات فنشرتُ عدة مجموعات قصصية عبر دور النشر اللبنانية والمصرية خاصة ، وكذلك كتبتُ مجموعة من الروايات. وتستطيعين أن تقولي إنني أكثر الكتاب في البحرين والخليج كتابة للرواية منذ البداية ، كما اهتممت بالنقد والأبحاث عبر الحفر في تاريخ المنطقة سواء بالكتابة عن الأنواع الأدبية والفنية البحرينية أم بالكتابة عن تطور الرواية في الجزيرة العربية والعالم العربي عموماً. فلي تحت الطبع كتاب عن الروائي العربي الراحل نجيب محفوظ بعنوان (نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية).
وفي العقد الأخير أهتممت بالكتابة عن التراث العربي الإسلامي الذي كان لي به اهتمام مبكر، فصدرت لي ثلاثة مجلدات ، أي ثلاثة أجزاء ، تبحث فيه تحت أسم (الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية) بدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت بين سنتي 2004 و 2005 ، وهذا هو المدخل الذي قادني لكتابة روايات عن التاريخ العربي الإسلامي ، فرواية (رأس الحسين) المنشورة عن طريق منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم ، هي ثمرة لهذا الاطلاع وهي جزءٌ من سلسلة روايات بهذا الصدد ، أنجزت منها رواية أخرى هي (عمر بن الخطاب شهيداً).
• في هذه الرواية تعيد الاشتغال على احدي ماسي التاريخ الإسلامي ما هي قصة هذا النص بالذات ؟
ــ قصة هذا النص الروائي تتعلق بجانبين هما العمل في الرواية التاريخية وإضفاء لمسات جديدة فيها ، والجانب الثاني الكتابة عن شهداء الإسلام الكبار . لقد رأيتُ بأن كتابة الرواية المعاصرة تغدو محلية أكثر فأكثر ، وغالباً ما يعزف عنها القارئ العربي ، خاصةً إذا غاصت في محلية شديدة ، ومن هنا تكتسب الروايات ذات البعد العربي العام أهميتها .
كما أن الرواية العربية التاريخية لم تتطرق إلا بشكلٍ نادر لبؤر التاريخ العربي الإسلامي ، ولهذا فإن كتابة روايات عن صدر الإسلام هي ذات أهمية كبيرة ، لأن هذه المرحلة خطيرة ومؤسسة ، كما أنها خلقت خلافات كبيرة بين العرب والمسلمين ، ولهذا كان لا بد من أضواء موضوعية عنها ، تراعي الحقيقة قدر الإمكان ، وتــُكتب بصورة فنية .
ويهمني في مثل هذه الأعمال خاصة الجانب الروائي فالدخول الفني الموضوعي في مثل هذه البؤر التاريخية أمر شائك ، وقد أقتصر الأمر على بعض الاجتهادات الفنية السابقة التقليدية والتي أعطتنا في الواقع حصيلة بحثية وفنية أولى ، خاصة أعمال طه حسين ، لكنها كانت ذات منظورات رومانسية ، ولم تستطع أن تكشف صراعات المادة التاريخية وجذورها ، لأن الرواية العربية التاريخية وقفت فوق قراءة محدودة للتاريخ وللإسلام عموماً ، ولكن عمليات التغلغل الأخيرة في التراث كدست مادة ورؤى جديدة ، فأصبحنا ننظر للتاريخ بأنه ليس فقط مآثر أفراد ولكنه حصيلة كذلك لفعل شعبي عميق ، وإن الفردي لا ينفصل عن العام ، وإن أخطاء المرحلة التأسيسية لا تلغي إنجازاتها التحويلية النهضوية العظيمة، وأن الماضي الخلاق يحتاج لقراءات نقدية موضوعية تثريه ، والقارئ العربي بدأ يتعرف على هذا الوعي الجديد من خلال الأبحاث ومن خلال الرواية التي لها مساحة أوسع.
وإذا كان أمين معلوف يتحدث عن تاريخ الشرق القديم في نقاط مضيئة فيه ، فإن تاريخ الإسلام التأسيسي أكثر صعوبة في التوغل به وعرض هذه النقاط المضيئة ، وبدون الإساءة للرموز بل إظهار جوهرها النضالي الإنساني .
• بدأت شاعرا و انتهيت روائيا كيف اختصرت المسافة إبداعيا ؟
ــ ثمة لبس هنا ، لعله اختلاط للأسماء ، فهناك العديد من لقب (خليفة) في البحرين والخليج بل ربما عندكم حتى في الجزائر حيث يوجد مؤلف مقارب لأسمي !
فأنا لم أكتب الشعر بل كانت تجربتي كلها في القصة والرواية والبحث ، لكن الشعر ليس نظماً بل لغة تعبيرية مكثفة عميقة ، تسري في الرواية والقصة .
• ظهرت مؤخرا بعض الروايات التي تطرح مشاكل الأقليات ألا تعتقد أن الأوضاع السياسية للعالم العربي كان لها دورا في ظهور هذا النوع من الروايات ؟
ــ الرواية تتغلغل في مشكلات الأقليات والأكثرية ، لأنها تعنى بالإنسان بأي صورة تشكل، لكن الرواية كنوع أدبي له علاقة وثيقة بالصراعات الاجتماعية فيتواشج مع صعود كافة القوى التي تريد أن تعبر عن نفسها ، ومن هنا هذا الكم الواسع من الإنتاج الروائي الذي يكتبه المؤلفون ، وبطبيعة الحال فإن المضطهَّدين يتوجهون بشكل أكبر وأعمق للتعبير عن جماعاتهم ومناطقهم وشعوبهم ، ولكن مستوى ذلك يتعلق بالشروط الفنية . إنه كلما زاد اضطهاد جماعة زادت قدرتها على التعبير ، وكثيراً ما نجد قوى النخبة المسترخية اجتماعياً قليلة بل ونادرة الإنتاج ، لكن من الممكن أن يظهر فيها مبدعٌ متميزٌ يكشف تعسفها وأمراضها . ولهذا تلاحظي كيف تصاعد إبداع المرأة العربية الروائي حيث تعبر عن استبداد طويل للرجال وعن معاناة هائلة . لكن أي رواية فيها مستوى فني كبير ؟ هذا هو المهم .
• يقال أن زمن الشعر قد انتهى، كشاعر هل ما زلت تؤمن أن الشعر ديوان العرب ؟
ــ زمن الشعر لم ينتهِ ولكن الشعر العربي في أغلبه أختار الاغتراب عن تحليل وكشف الحياة العربية ، فدخل لعبة الأشكال الخاوية ، أو أنحصر في الذات المغلقة ، وهي عملية حاولت تقليد شعر الغرب الأسطوري وشديد الحداثة ، لكن بدون جذور عربية وإسلامية ومسيحية الخ . . فالشاعر تضخمت أناه ، ونجد ذلك خاصة في الشعراء الذين أنفصلوا عن معارك مجتمعاتهم ، فصار شعرهم منحوتات لغوية يابسة ، فقدت علاقتها بالجذور والملموس والحي واليومي ، وأتجه آخرون لما أسموه الشعر اليومي فكان نثراً تصويرياً جزئياً لم يقدر على التغلغل في الجوهري إلا من جمع بين اللقطة والحياة ، بين الذات والصراع الاجتماعي .
ومن هنا حلت الرواية مكان سيادة الشعر ، خاصة أن أنواعها المقاربة كالمسلسل التلفزيوني والفيلم الخ انتشرت بشكل جماهيري ، وإن كانت هذه المقاربات الفنية تتجه للتسطيح وتغدو بمثابة الحكواتي القديم في صورة عصرية ، فهي تغدو من قبيل التسالي ، فلا تتجه للروايات الكبرى والمهمة في صناعتها الفنية ، تلك الروايات التي تعالج القضايا المحورية في المجتمعات العربية .
• في وراية رأس الحسين تعمدت أن تترك النهاية مفتوحة نوعا ما هل يمكن أن يحيل هذا لقراءة مختلفة لمر حلة تاريخية حرجة في التاريخ الإسلامي .
ــ نهاية رواية (رأس الحسين) معتمدة على عدم انتهاء الصراع التاريخي المحدد في تلك الحقبة إلى نتيجة بين التيارين المتصارعين ، تيار العامة والناس وتيار سلطة الأقلية ، فكانت ثمة أسس جديدة تتشكل في الإمبراطورية الإسلامية ، حيث عجزت عائلات الحجاز الأرستقراطية عن قيادة جمهور العامة نحو تحقيق المـُثــُل الإسلامية المتجسدة في زمن الثورة المحمدية ، ولهذا بدأت تظهر قوى الإصلاح داخل المدن وبصورة فكرية عقلية كالقدرية والمعتزلة والحنفية الخ. .
كانت معركة الحسين معركة مجموعة طليعية صغيرة في زمن تضخم الدولة الباطشة ، ولهذا كما قرأتِ بذكاء إن النهاية ظلت مفتوحة بسبب تلك الأسباب الموضوعية وإن كانت المعركة خميرة لتحول جديد .
• يعاني المشرق العربي من قطيعة ثقافية مع المغرب العربي ماهي الأسباب في رأيك .
ــ أن الصلات الثقافية بين الأقطار العربية عموماً ضعيفة ، لكن هذه العلاقات تنمو عبر وسائل الاتصال والنشر المختلفة ، كذلك العلاقات بين المشرق والمغرب العربيين في تطور مستمر ، خاصة بين النخب الفكرية والثقافية أما الجمهور العربي فهو أمي بأغلبيته فلا يدخل في علاقة ثقافية في بلده أو مع البلدان الأخرى .
من الضروري هنا القيام بعمليات نشر مشتركة ، وقيام علاقات قوية بين الاتحادات الأدبية ، نحن في أسرة الأدباء والكتاب في البحرين نقيم علاقات مع أتحاد الأدباء العرب في سوريا والأردن ، ولكن لم تتوفر القدرات لمثل هذه الأنشطة مع الجزائر أو تونس ، في حين أن الجهات الرسمية تقتصر على العلاقة مع المغرب الذي يقيم علاقات مع جهات حكومية ثقافية تتم فيها إستضافة وجوه معينة دائماً .
• تميزت منذ سنة 2006 بـ انفجار في الأقلام النسوية خاصة في السعودية هل يعني هذا إيذانا بتراجع سلطة الرجال إبداعيا ؟
ــ كثرت الكتابة الروائية النسائية في السعودية مؤخراً لأسباب اجتماعية أكثر منها أدبية جمالية ، فهناك كبت كبير لحرية المرأة فحتى حرية السياقة ممنوعة! ولا تزال المناهج الدراسية تعود لقرون مضت، ورغم حشود النساء المتعلمات إلا أن أوضاعهن صعبة جداً. هذا ما جعل بعض الفتيات يكتبن الرواية للتعبير عن هذا الكبت والحرمان ، لكن الرواية الفنية تتطور ببطء في السعودية ، فالكتاب المتميزون قلة قليلة وإنتاجهم الجيد محدود ، لكن الرواية كتسجيل صحفي وتحقيقات اجتماعية لها طابع القص هذه عملية تظل سطحية و(فضائحية)، بمعنى إنها تتوجه للإثارة ، وليس لتحليل المجتمع وظواهره . لي دراسة حول الرواية في منطقة الجزيرة العربية عموماً ، لم تظهر ككتاب بعد ، وجدتُ فيها إن البلدان – المدن كالكويت والبحرين و(مكة في السابق) بدأت فيها عمليات الرواية وتطورت فيها ، أما الأقسام البدوية فقد جاءت متأخرة وتضخم إنتاجها في الآونة الأخيرة بدون عمق كبير .
• أنت كروائي بحريني كيف تختصر واقع الرواية هناك للقاري الجزائري ؟.
ــ واقع الرواية عموماً ينمو بشكل كبير ، وهي تتجه لعمليات تصوير وتسجيل وتكوين ملاحم للبلدان المختلفة ، ونستطيع أن نقول بأنه يوجد فيها أعمق الحوارات الفكرية والفلسفية والاجتماعية ، فالروائيون يناقشون مسائل بالغة العمق بدءً من التطور الاجتماعي البسيط حتى قضايا الدين والمصير ، فإذا أخذنا روايات واسيني الأعرج مثلاً نجده يناقش تطور الجزائر خلال القرن الماضي كله ، ويغوص في معاركها السياسية والفكرية بشاعرية وعنفوان محتدم ، وبتقنيات خاصة مبتكرة ، ومثل هذه الرواية تعبر عن تلك الأعماق المتوارية من التسجيلات اليومية العابرة .
ومن الصعب جداً تلخيص الرواية حتى عند كاتب واحد فما بالك بتلخيصه بشكل عام ، فهي عموماً ملحمة العصر الحديث .
• ما الوقت المناسب الذي تختارونه للكتابة ، وكم ساعة تكتبون يوميا ؟
ــ كنتُ أكتب منذ كنتُ طالباً ثم مدرساً، في أواخر الستينيات من القرن العشرين، وحينئذ لم تكن للكتابة وقت وطقوس، لأن الوقت الأصلي للكتابة كما تكرس لدي لم يكن موجوداً، فأن تكونَ مدرساً فإن الصباحَ يتمُ إختطافه منك، وتلعب ضجة الطلبة دورها في القضاء على أي مناخ إبداعي تال.
لكنني مع هذا كنت أكتبُ قصصاً قصيرة وبعض المقالات في الليل، في أجواء مشتتة ، التعليم ، العمل السياسي ، القراءة ، مسارات تشدني في إتجاهات متعددة.
كانت سنوات السبعينيات تجري بهذا المناخ، وقد دخلت الأعتقال السياسي منذ 1975 أغسطس، وخرجت في بداية الثمانينيات، وبالتأكيد فإن طقوسَ الكتابةِ في السجن صعبة، لكنها كرستْ كتابةً صباحية، حيث الفراغ الطويل والمزاج المفتوح، لكن الأمرَ يعتمدُ على وجودِ القراطيس من ورقِ السجائر ومن قلمٍ رصاص قصير صعب المنال، ولم يوجد الشاي وكان هذا عاملاً مُحبِطاً للكتابة.
كتبتُ في هذا المناخ مجموعةً قصصية واحدة (الرمل والياسمين)، وعدة روايات قصيرة: اللآلئ، الهيرات، القرصان والمدينة، والعديد من المقالات والتعليقات على ما يُكتب في السجن والعالم الخارجي، إضافة لمشروعات روائية وقصصية كثيرة ذهبتْ في ظروف حملات التفتيش وعدم القبول من المؤلف نفسه!
لا بد لك في هذه الأحوال من قدرةٍ على الاحتفاظ بما تكتب، ولهذا فإن أمكنةً سريةً لا بد أن تكون موجودةً جاهزةً بعد إنجاز المسودة كقعرِ حقيبةٍ، أو داخل معاجين الحلاقة!
بعد الخروج من السجن لم يكن ثمة عمل، وعدتُ لبيتِ أبي القديم، ولم يكن ثمة مكان هادئ، وتغير الجو كثيراً، لكن تحولت غرفتي القديمة إلى ساحة قتال لإخراج المسودات الغائرة في المعاجين، لتبدأ عمليات التنقيح والتبييض.
أخذ الصباحُ مكانتَهُ مجدداً، وتوفر الشاي والورق والأقلام لكن لم يتوفر الهدوء، فلا بد من البحث عن عمل، وتغير البيت، وتغير الحي، لكنني تمكنتُ من نشرِ ما كتبتهُ في مرحلة السجن بمساعدة أصدقاء سواءً في التنظيم السياسي أم من قبل اتحاد الكتاب العرب بدمشق.
وقد تعودت أن أحول ساعات الصباح الأولى إلى ساعات كتابة للأدب أو الفكر عامة، وبشكل مستمر ومنضبط على مر السنوات، ولكن هذا يتوقف على الفكرة الموجودة والمزاج، وبضرورة الوحدة والعزلة في المكان الذي يوفر الهدوء والتركيز، ولكنني لا أكتب كثيراً كل يوم، فربما فصلاً أو صفحة، أو حتى فقرة صغيرة، لكن الكم الكتابي يتراكم على مدى الأيام، وهذا يجعل الذات في جدل يومي مع المادة ومعالجتها.
• ما المكان الملائم لكم والذي تفضلونه أثناء الكتابة ، وهل تغير المكان يؤثر على الرغبة في الكتابة ؟
ــ كما قلت لك سابقاً بأن ثمة علاقة مفروضة على المكان، أحياناً تكون لديك زنزانة في سجون متعددة، بعضها شرح وبعضها مقبض جداً، لكن المكان الذي تواجد عبر الاختيار هو جو الغرفة المغلقة، أو الصالة حين تكون في شقة زواج، ونفس الصباح حيث تذهب الزوجة للعمل، وتبقى وحدك، لكن مع تواجد الآخرين والضجيج تستحيل الكتابة، إلا في حالة السجن حين يصمت رفاق الزنزانة نهاراً وينشغلون بأعمالهم من تشكيل حرف أو كتابة أو قراءة، لكنك لا تنتج بنفس مستوى العزلة الحرة.
• هل تكتبون بالحاسوب أم بالقلم ؟
ــ علمتني الظروفُ أن أكتبَ بكلِ شيء، بأي مادةٍ تنهمرُ على الورق الأبيض أو على الشاشة، كان الجنون يتملكني وأنا أبحثُ عن قلم لدى المسجونين بأحكامٍ الذين أعلمهم القراءة فيهدونني قلماً طويلاً أشبه بمعجزة. ثم كتبتُ كثيراً بالأقلام المتعددة بعد ذلك، وكنت قبل السجن قد أشتريتُ آلةَ طباعة كتبتُ عليها، فأشتريتُ أخرى بعد أن تم إلقاء تلك الآلة في البحر خوفاً!
الآلة الكاتبة الجديدة أخذت معي سنوات، تنقلتُ بها من الشقةِ الصغيرة حتى غرفة فوق السطوح على بناية، وقد تحملتْ عدةَ مجلداتٍ من الرواياتِ وعدةَ مجلاتٍ من الأبحاث فتصدعتْ، وكانت نهايتها هناك، أصبحت رثة، ضعيفة الطبع، وهنا بدأت العلاقة مع الكمبيوتر، كانت هذه الآلة تحفة وثراءاً وحفظاً جباراً، لكن البدايات كانت مروعة!
أخطاءٌ في الحفظ فضاعتْ فصولٌ وقصصٌ، وأخذت سنوات عدة وأنا أتعلم وأتغلغل في السيطرة على هذه الآلة، وعشتُ مع عدة أجهزة ثابتة أصيبتْ بالإجهاد وتغلغلتْ فيها الفيروساتُ بسببِ جمعي للكثير من المعلومات من مختلف المواقع، فأنا كاتب عمود يومي كذلك في جريدة أخبار الخليج وعبر عدة سنوات ولا بد لي من الاطلاع المستمر ونقل المعلومات والدخول في مختلف المواقع، حتى أصبح المحمول رفيق الدرب!
• إذا كنتم تكتبون بالقلم ، فهل هناك أقلام أو أوراق معينة تساعدكم على الإلهام الكتابي؟
ــ لا أعترفُ بالإلهامِ الكتابي أو بأشياء مميزة سحرية للكتابة، والكتابةُ هي متعةٌ وجمالٌ ومعاناة وتضحية وحرفة لها قوانين إبداعية وعدة شغل، والآن أصبح المحمول أفضل صفحة بيضاء أخطُ عليها، وأصبحتْ العودةُ للقلم الناشف والحبر أو حتى قلم الرصاص الصديق الوفي لسنواتِ غيرَ ممكنةٍ بسبب هذه الآلة الجميلة الفذة!
• هل هناك مشروب معين أو موسيقى معينة أو عادة ما تساعدكم على تدفق الكتابة ؟
ــ أهم ظرف وطقس للكتابة هو المزاج الهادئ ووجود تراكم روحي من الأيام السابقة وشحنات متصاعدة من الصور والمشاعر والأفكار ، ومن حالة الخلق الساخنة المحبة للناس والتغيير ، والرغبة في الإضافة شيء للحياة ، ونقد أشياء معتمة، والأمل بصعود أشياء جميلة ، وهي كلها تتمظهرُ في حالاتٍ ، وشخوص ، وثيمات معينة تنمو في هذا الاشتباك الخلاق ، تظهر على الشاشة العقلية ، وتقوم الكتابة بإستخراجها من تلك الحالة الضبابية ، من ذلك الكمون الداخلي.
الشاي يتلون أثناء العمر ، يغدو الأحمرُ صعباً ، يصير الأبيض أفضل ، القهوة تأتي في أحيانٍ نادرة ، الأمر يتطلب التركيز وإقتناص تلك اللحظات من التجلي والهدوء والتركيز ومدى سلاسة المادة وإنفتاحها على حياةٍ متوهجة ومقاربتها للصراع الحميم المتوتر وقدرتها أن تكون مقنعة معقولة.
• رواية [عمر بن الخطاب شهيدا] كم من الوقت استغرق كتابتها ، وهل صَاحَبها طقوس معينة ؟
ــ روايةُ (عمر بن الخطاب شهيداً) جاءتْ في خضمِ قراءات وكتاباتي عن التاريخ العربي الإسلامي ، فنحن نلاحظُ غربةَ الروايةِ عن الواقعِ والقراء ، فقبلها إنفجرتْ في نفسي صورةُ الحسين الشهيد وكنت قرأتُ عنه سابقاً من موادٍ شتى، فخطرتْ لي بعد ذلك وبزمنٍ طويل من تلك القراءات فكرةُ الكتابةِ عن الرأسِ لوحده، الرأس كشخصيةٍ فنيةٍ مستقلة، كفنتازيا إجتماعية تجمع المواد التاريخية والخيال والصراعات غير المعقولة في التاريخ العربي الإسلامي.
وهكذا جاءتْ روايةُ (رأس الحسين) وصدرتْ عن الدار العربية للعلوم ببيروت.
حققتْ الروايةُ شيئاً من الاهتمام والإثارة على المستوى العربي الواسع.
جاءتْ روايةُ عمرُ بن الخطاب شهيداً في مسارٍ آخر، متجاورٍ مع الرواية السابقة، عبر ثيمتي الشهادة والبطولة، وبأداة الكتابةِ عن البطولةِ ببساطةٍ وعقلانيةٍ وبدون غيبيات، وبتحويلِ الشخصياتِ التاريخية الكبيرة إلى شخصياتٍ بشرية تقومُ بالفعلُ المثير المضحي من خلال العادي، وبالتجربة، ومن مواد الأرض الواقعية.
ولا تستمر الرواية عادة لدي فترة طويلة، فالمعدل هو أربعة شهور، إلا الروايات الطويلة، الممتدة في أجيال، والزمنية فيها بسبب العادة السابقة الذكر وهي الكتابة الصباحية اليومية، التي تخلق تراكمات. القراءاتُ الطويلةُ السابقة في التاريخ والتراث تهيءُ لك الجو، وربما ترجعُ لحيثياتٍ يومية كثيرة، لكن الكتابة الفنية تنمو بنفسها وبالاعتماد على أدواتها.
• هل حدث أن أعدتم كتابة عمل ما لمجرد أنه لم يعجبكم ؟
ــ كما قلت لك بأنني تخليت عن روايات عدة كتبتها في السجن، مثل (الدرويش والذئاب) بعد الإفراج لم تعجبني الغرائبية الشديدة فيها، التي شكلتْ في ذهني بُعداً عن المعقولية الفنية، فأحببت أن أكتبَ بشكل قريب للحياة، وللصدق، وأن تتنفس هذه المخلوقات الخيالية في العالم، وتصيرُ جزءً منه، وتشاركُ في أحداثهِ وتضيفُ لفهمه لآخرين قادمين.
هناك الكثيرُ من القصصِ القصيرة التي نُشرتْ في الجرائد ولم تظهرْ في مجموعة قصصية ولدي مجموعات قصصية لم تنشر حتى الآن في كتب وروايات جديدة كذلك رهن الأدراج، وعملية حذف النتاج هذا أشبه بالنقد والنقد الذاتي، فالكتب تمثل درجة أعلى من الكتابة، خطوة نحو تبلور الرؤية، نحو تشكيل الموقف من الحياة، وتصيرُ الكتاباتُ التي نُشرت في الجرائد ولم تجمع كأنها مسودات، أو حوار مع الناس.
(القرصان والمدينة) روايةٌ كتبتُها في السجن ومضتْ عبرَ معجونِ الحلاقة وبُيضتْ أثناء الخروج من المعتقل، ووقعتْ في إشكاليةِ الصياغة المضطربة، أثناء نشرها لدى دار الفارابي في أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، ولكن في طبعة الأعمال الروائية لدى المؤسسة العربية للدراسات والنشر (2004) – راجع Google Book Result – أدخلتُ عليها بعضَ التغييراتِ الهامةِ لإلغاءِ ذلك التشوش الذي حدثَ من تداخل الفصول والشخصيات، فهي روايةٌ غرائبيةٌ، ذاتُ سردٍ غنائي، وفيها شخصياتٌ متعددةٌ راوية.
• هل تتصارع أكثر من فكرة في ذهنكم أثناء كتابة عمل ما ؟
ــ بطبيعةِ الحالِ الكتابةُ مثلَ الحياة تقومُ على الصراع، فحين كنا في البداياتِ وأنت تعرفُ طبيعةَ المجتمعاتِ العربيةِ في الخليج وبساطتَها الشديدةَ، كان الصراعُ مبسَّطاً، بين الخير والشر، بين الوطنِ والقوى الخارجية، بين الذات والواقع، بين الفكرة والعالم، وتقود خبرةُ الحياة ورؤيةُ الشخوصِ والتقلب بين النيران والجليد، إلى أن تظهرَ أفكارٌ متضادة، وشخصياتٌٌ متناقضة، وكنا نرى بأن القوى المناضلة لها الإنتصار التاريخي، ثم رأينا تناقضاتها، وسذاجة تصوراتها، وتقلباتها الشديدة، ونحن جزء منها سلباً وإيجاباً، لكن مسافة المعرفة، والغوص في تحليلات الواقع وإنجازات حركة التغيير في العالم، تجعلك تنفصلُ عن هذه المادة، والأبطالُ الخارقون يتحولون بعد ذلك إلى موادٍ إنسانية، إلى تناقضاتٍ ملموسة، والفكرُ التقدمي يمتزجُ بالواقع العربي الإسلامي، والبداوةُ المنفيةُ من الكتابةِ تغدو بؤرتها، والجزيرةُ العربيةُ تحل محل الغرائبيات الغربية، وتتشبعُ المادةُ أكثر فأكثر بالحياة، التي لا تنفي الغرابة واللامعقول كذلك، وتصبحُ حياةُ الروائي مثلي شخصيةَ الذي يحملُ الغربَ في الشرق، والذي يُشّرحُ الواقعَ لا الذي يحملُ الإيديولوجية، وبالتالي فإن مساحات من الصراعات تتشكلُ في إثناء هذه السيرورة الكتابة.
• ماذا تشعرون أثناء الكتابة ؟ صراع ؟ أزمة ؟ دوامة ؟ أم يبدو الأمر طبيعيا لكم ؟
ــ أشعر أثناء الكتابة بالفرح والسعادة، لا يوجد هناك ألم أو تعذيب ذات ، حينما تكون هذه اللحظة أتدفق في العمل، وحينما لا تتكون لا أجبرُ نفسي على الكتابةِ أو على الاستمرار فيها، فشيءٌ قليل وبضعُ صفحاتٍ أو بضعةُ أسطرٍ أفضل من كتابة كثيرة مليئة بالجبر والأسى.
لأنني حينما أنهي الكتابة الأدبية أشتغل في الكتابة الصحفية أو الفكرية، أو لا أعمل.
لا توجد أزمة أو اضطراب لأن الكتاب يبحث عن الأزمات والاضطرابات ويفحصها ويعقلنها ويجسدها.
الرواية موقف فني تنمي الوعي والسمو الأخلاقي
حاوره: فيصل عبد الحسن
عبدالله خليفة ، الروائي الأول في دولة البحرين وهي حقيقة معروفة ولا يختلف عليها اثنان من المهتمين بالأدب البحريني، هو مزيج ثقافات قديمة وحديثة ، ونتاج واقع عربي بكل ملابساته، السياسية والثقافية والاجتماعية ، في كتاباته العديدة في المقالة والقصة القصيرة والرواية تجد التماعات الثقافة الموسوعية ، والهضم الإيجابي للفكر العربي منذ ثورات القرامطة، وحتى يومنا هذا، هو في حقيقة الأمر العديد من الفنانين في فنان واحد، ومن يطلع على تجربته الأدبية والثقافية يعيد كل حساباته بشأن واقع الروائي الذي يجب أن يتحدر من مجتمع متعدد الفئات ومتشابك العلاقات مع عمق تاريخي وجغرافي واسع ، فالروائي البحريني يكتب عن مجتمع ـ البحرين ـ الذي لا يمثل طول البلاد بكاملها سوى ساعتين بالسيارة، كما يقول عبدالله خليفة، حيث تقطع البلاد من جنوبها إلى شمالها ، والبلاد عبارة عن مدينة كبيرة وريف موزع على جزر عديدة ، ولكن هذه الجزر احتضنت ثورات القرامطة ، والعديد من حركات الخوارج، فحملت في رحمها تكوينات تاريخية بالغة العمق والتأثير بالحاضر ، والروائي عبدالله خليفة منذ السبعينيات بدأ رحلته مع الأدب بمجموعة قصصية أولى أسمها [لحن الشتاء] ثم جاءت مرحلة السجن بسبب الرأي التي امتدت لست سنوات وبعدها نشر مجموعته الثانية [الرمل والياسمين] عام 1982، ثم رواية [الهيرات] بمعنى المغاصات، وثم [يوم قائظ، قصص قصيرة] ورواية [أغنية الماء والنار] ورواية [القرصان والمدينة ] ورواية [نشيد البحر] ومجاميع قصصية: [سهرة]، [دهشة الساحر] و[جنون النخيل]، التقته الزمان وكان هذا الحوار:
• يتبادر سؤال منذ البداية، إن البحرين دولة صغيرة وعدد نفوسها محدود، والرواية كما نعرف تحتاج إلى عوالم متشابكة، تاريخ عريض، جغرافيا فسيحة، تفاعلات اجتماعية ونفسية، فكيف تمكنت من كتابة الرواية؟
ــ إن تطور الرواية ونشؤها لا يرجعان إلى أسباب جغرافية وسكانية بالدرجة الأولى، فمصدر الرواية هو التطور الثقافي والفني لمجتمع ما، والذي يتشكل في مدى من التفتح والازدهار الاجتماعي.
وقد مثلت البحرين مدينة متفتحة في عالم صحراوي وبحري قاسٍ، فأخذت تغزل من خيوط التأثيرات الإبداعية، العربية والعالمية، ومن معاناتها العميقة، ابحاثها الروحية المتغلغلة في شبكة اجتماعية مختلفة وهي لديها تاريخا الثر الخاص، الممتد من انتفاضة القرامطة الذين شكلوا أول جمهورية عربية اشتراكية، حتى أزمنة الاسترقاق البحرية والعبودية الأجنبية، من هنا لن تجد أي تيار فكري وسياسي عربي يخلو من ممثليه لدينا، ولن تمر مدرسة أدبية وفنية في العالم دون أن تعطي نتاجاً ما في البحرين، بل إن البحرين تعتبر بؤرة المشكلات والتيارات في الجزيرة العربية، وهي المدينة التي تصنع فيها الخميرة الفكرية والسياسية لشبه الجزيرة لسنوات عديدة سابقة.
وبهذا كله، فإن الرواية قد تأخر ظهورها في البلد، وكانت ثمة عوامل موضوعية وفكرية عديدة أهلتها لصنع الرواية ولكن تكاسل المبدعين وابتعادهم عن الإنتاج الروائي واقتصارهم على كتابة القصة القصيرة جعل ظهورها يتأخر، ولهذا فإنني وجدت كتابتي المستمرة للقصة القصيرة تؤهلني لكتابة الرواية، وتشكيل رواية عربية في الخليج، وليست الرواية تحولاً كمياً في القصة القصيرة، بل هي موقف فني انعطافي كبير، تحدث خلاله انكشافات موسعة في روح ووعي الإنسان ومحيطه.
إن كثرة الأحداث الاجتماعية والسياسية التي مرت بها البحرين هي مخزن دائم للكتابة الروائية، فالتغيرات والثورات والتحولات ليست قليلة، ولكن القضية هي الخروج من السطح الخارجي للحياة السياسية واكتشاف الجوانب العميقة للتطور الروحي والنفسي، بمعنى تمُثل ما هو إنساني في ما هو محلي، وما هو جمالي في ما هو اجتماعي.
• أنت الروائي الوحيد في البحرين، هل هناك غيرك و مازال في بداية الطريق؟
ــ أنا الروائي الأكثر إنتاجاً في البحرين، لكن لستُ الوحيد، هناك أسماء أخرى: محمد عبدالملك وأمين صالح وفوزية رشيد وفريد رمضان، ولكل منهم رواية أو أكثر، وهم في طريقهم لمواصلة هذا الإنتاج.
• إذن لنتعرف على بدايات الروائي عبدالله خليفة..
ــ ولدتُ سنة 1948 بالمنامة عاصمة البحرين، والبلد المكونة من جزر متعددة ، متلاصقة نسبياً، هي عبارة عن مدينة كبيرة تجاورها ضواح وريف وبرية صغيرة، حيث يمكنك قطعها بالسيارة من الشمال إلى الجنوب ـ إذا سُمح لك! ـ بساعة أو ساعتين.
في زمن مولدي كانت أكواخ السعف تملأ المدن والريف، كان وقتئذٍ عصر الغوص، حيث ينزل الرجال في أعماق البحر لاستخراج اللؤلؤ واقتناص قطراته الثمينة، قد شارف على الموت، ووصل عهد الآلة، ومصنع النفط وراحت التجارة تكتسح الحياة، وقد ارتبطت البحرين بمسارات الثقافة العربية دائماً، حيث راحت هذه تستجيب للتطورات الاجتماعية الداخلية، وتشكل مجمل الممارسات السياسية الإبداعية، وقد راح الأدب منذ الأربعينيات يتعلم أسس الأنواع الأدبية والفنية بصعوبة شديدة، نظراً لصغر البلد وقلة السكان واتساع الأمية وغياب التقاليد الثقافية العميقة.
وقد جئتُ في هذا المناخ الجغرافي والأدبي ومنذ أوائل الستينيات جمعت بالكتابة في مجالات القصة القصيرة والنقد الأدبي والمقالة، وقد استطعت عبر السنوات الأولى تشكيل مجموعة قصصية أولى هي [لحن الشتاء] توجهت فيها لتعبير عن قضايا اجتماعية وسياسية ساخنة، بكثافة، وصراخ وغضب!
وفي منتصف العقد، في آب [أغسطس] 1975، حدث انعطاف سياسي حاد، وحل البرلمان، وتم اعتقال مجموعات كبيرة من المثقفين، كنت من ضمنهم، حتى سنة 1981، وفي عقد السبعينيات اشتغلت على القصة القصيرة وتحويلها من خطاب فكري إلى نسيج فني، وشكلت مجموعة قصصية ثانية بعنوان [الرمل والياسمين] اتحاد الكتاب العرب سنة 1982، وفي ذات العقد السبعيني، بظروفه الصعبة وأدواته الكتابية الشحيحة، شكلت أول رواية لي بعنوان [اللآلئ] وهي تروي رحلة غوص مدمرة، لمجموعة من رجال البحر الضائعين في الصحراء بعد تحطم سفينتهم، وفي عقد الثمانينيات اشتغلت على أعمال قصصية وروائية عديدة وهي [الهيرات] بمعنى المغاصات و[أغنية الماء والنار] و[القرصان والمدينة] و[نشيد البحر] وهي روايات، و[يوم قائظ] و[سهرة] و[دهشة الساحر] و[جنون النخيل]، وهي مجموعات قصصية، كما ترافق ذلك بأبحاث وقراءات أدبية تقدمت ببعضها إلى مؤتمرات الأدباء العرب أو مؤتمرات الأدباء الإقليمية في المنطقة.
• ما هي تأثيرات الكتاب العرب والأجانب على نتاجك الأدبي؟
ــ إضافة إلى القصص البوليسية التي تأثر بها العديد من الكتب فإنني غرقت في قراءة دستويفسكي، ولا زال أعتبره معلماً فنياً وروحياً، مؤسساً لطريق السمو الروحي، ولكن عبر مُـثُل مختلفة. أعتقد إن الرواية المثيرة على صعيد الحبكة، المسبوكة في توهج حدثي وشخصاني، والمثيرة على صعيد التشكيل الروحي، هي من اختصاص وتأثير هذا الكاتب، والذي يدعمه الشكل الملحمي عند تولستوي، والمحفور في التضاريس الاجتماعية لدى بلزاك وأميل زولا ونجيب محفوظ، حيث الرواية العالمية، الدرامية، والملحمية لتمثلها في واقعنا العربي وهنا تجسيد يكمن في السيرورة القومية الخاصة بنا.
• هل حقاً إن عصرنا هو عصر الرواية؟
ــ هو عصر الرواية بامتياز، لكون هذا النوع لفني بؤرة لكافة الأنواع الأدبية الفنية الأخرى، إن فنون المسرح والتلفزيون والسينما، صارت تعتمد عليه، وغدا هذا النوع مرناً وقادراً على استيعاب مختلف تجليات الوعي والمعاناة عبر أشكال ممتعة وتحليلية تكشف مختلف مصائر الأفراد هي طريقة مثيرة للتفكير الخاص والعام، والتمثل المجازي والتسييس المباشر الخ..
وللأسف فإن بروز هذا النوع لا يعني أن يتم إهمال الأنواع الأخرى، وخاصة الشعر، ولكن لكون الكثير من الشعر دخل النفق التجريب الشكلي، والانقطاع عن سيرورات الحياة، فإن الرواية حاولت أن تتصدى لما عجز الشعر عنه، أو لتخلي الشعر عن مهمته الإبداعية المتفجرة الكاشفة.
قبل رحيله، عبدالله خليفة: الثقافة الحقيقية لا تخاف من تحليل الحياة بمشرط حاد
الغموض الإبداعي عزل للشكل عن المضمون، وللكاتب عن المجتمع
حاوره – كمال الذيب:
قضى الروائي والكاتب الصحفي البحريني المعروف عبدالله خليفة أكثر من 30 سنة يكتب في الصحافة الثقافية، وأكثر من 15 سنة مشرفا على الصفحات الثقافية، شاركته خلال الخمس سنوات الأولى في اصدار الملحق الثقافي في أخبار الخليج، محررا ومقدما للإصدارات الابداعية، البحرينية وشاركته أزمة هذه الصفحات وتقلباتها بين امزجة رؤساء التحرير، وكيف كان الجميع يضحي بالثقافة عند أول أزمة او ضائقة مالية تمس الصحيفة، لقد كانت الصفحات الثقافية جزءا من الظاهرة الثقافية، يعوزها كل شيء تقريبا، بالرغم من توافر الطاقات البشرية والإبداعية المتميزة. هذا النقص في الإمكانيات كان مرده بالدرجة الأولى إلى أن الكائن الثقافي منبوذ من كل الفئات والطبقات الاجتماعية.
هذا الموضوع كنت قد ناقشته مع القاص عبدالله خليفه قبل رحيله، عندما عقدت العزم على اجراء مسائلات مع عدد من الكتاب والمثقفين والفنانين البحرينيين المميزين، لتضمينها في إصدار حول الثقافة في البحرين، وكان عبدالله في مقدمة هؤلاء، إلا أن الاجل المحتوم وافاه قبل اصدار هذا الكتاب الذي ما يزال منذ اكثر من عام ونصف تحت الطبع، ولذلك عزمت على نشر جانب من هذه المحاورة حول أوضاع الصحافة الثقافية وتحولاتها واشكالاتها في البحرين، بما تسمح به المساحة المتاحة.
قلت لعبدالله: وكيف تقيم وضع الصفحات الثقافية وأنت أحد المشرفين عليها؟ وكيف انعكس الوضع الثقافي الراهن في تقديرك على مستوى الصفحات الثقافية؟
ــ الحديث عن الوضع الثقافي الراهن في البحرين والحالة الثقافية العامة وانعكاساتها على الصفحات الثقافية موضوع متشعب. إن علينا أولاً أن نقرأ الحالة الروحية في الثقافة، لقد كانت الحالة الثقافية في الستينات وبداية السبعينات صاخبة وقوية وحيّة، حيث كان توجه الأدب والثقافة نحو العمل الجريء، وكانت النصوص تصدر عن روح وثّابة شجاعة، لا تخاف من تحليل الحياة بمشرط حاد.
ورغم أولية التجربة للجيل الشاب حينذاك، إلا أن ذلك الجيل كان قوياً جريئاً، يهز الحياة، ولا يخاف من عرض المشكلات والنقد، وكان الكثيرون يكتبون، ويبدعون، وينتقدون أنفسهم، وكانت الصحافة الأدبية تنشر ما يكتبونه فوراً، وكان يحصل على صداه. كانت القصص والقصائد تُناقش وتحلل في جلسات أدبية شخصية، وكان القراء على صلة بهذا النتاج. أذكر كيف كانت ندوات عديدة لأسرة الأدباء والكتّاب تُقام في أندية المنامة والمحرق المتعددة، داخل قاعات صغيرة، وترى حشوداً من الناس في هذه الغرف والقاعات مستمتعين بالحوار والنقد.
وغالباً ما توضع الكتابات الجديدة على محك هذه اللقاءات، كانت قصصنا تُقرأ في ندوة، ويحدث حوار مفتوح لها، وأحياناً بدون أي إعداد مسبق، ولكن النقاش يفيض، والكاتب يحس أنه جزء من حياة، وجزء من بشر يقرأون، وليس حاله مثل الآن، يضاجع الأوراق فحسب التي لا تلد سوى الصمت. وكان رؤساء التحرير، من أمثال محمود المردي، وعلي سيار، وعبدالله المدني، أناساً مثقفين وأدباء، يتذوقون الكتابة الإبداعية، ولهم مشاركات فيها، وكانت تحدث حوارات مع الكتّاب من قبل رؤساء التحرير، هؤلاء الذين يناقشوننا في قصصنا، ويدعوننا للوضوح، وصياغة قصة أكثر تماسكاً، وعدم التركيز دائماً على السياسة.
لقد كانت أسرة الأدباء والكتّاب منفتحة، تعددية، ذات مناخ ديمقراطي، وليس ثمة أي قطب يذوب فيه كل الأقطاب الأخرى، أو شلة تستولي على النشر وترتيب الندوات، كنّا أشبه بالجوالين والكشافة، ننتقل من نادٍ إلى ناد، ومن أمسية إلى ندوة، ونتحاور بقسوة أحياناً، ونكتب بضراوة وكثرة على مختلف الجبهات والصفحات. لم يكن الهدف من الكتابة الحصول على نقود أو شهرة بإحداث الفعل الثقافي التنويري. وكانت الندوات العامة التي تحدث في قاعة الأندية مليئة بالجمهور المتعطش إلى المعرفة، حيث كان الكتاب والصحيفة والندوة هي وسائل الإعلام القوية. لكن كل هذا تغيّر اليوم، وجاء مناخ ثقافي مختلف، عبر حدوث التغيرات الاقتصادية الاجتماعية الكبيرة.
فالمدن صارت مليئة بالأجانب، وعزلت الأندية عن دورها الثقافي، وصارت محتكرة من قبل إدارات من أناس بعيدين عن الثقافة، ولذلك لا يقودها الأدباء والمفكرون، لقد عزلوها عن مناخها الفكري، وركزوا على الرياضة مما أدى إلى جعل الشباب بلا خلفية ثقافية. وأتذكر أن النادي الذي كان في منطقتنا، كان شعلة من النشاط الأدبي والفني، فيه فرقة مسرحية، وفرقة موسيقية، ومجلات حائطية، ومجلة مطبوعة، وكان يصنع العديد من الهواة في الثقافة، ويستضيف ندوات عديدة، ولكن عندما جاء أعداء الثقافة طردوا الفرق المسرحية والموسيقية، حتى أن أدوات الفرقة الموسيقية كانت تُرمى في الشارع، وهذا ما حدث في الكثير من مجالات الوعي، لقد بدأ مدٌّ رجعي معادٍ للثقافة.
وهكذا أصبحت قوة الثقافة الوطنية «مخترقة» على كافة الجبهات، لقد كان العدو يطلع من صفوفنا، فظهرت نغمة «الشكلانية» الواسعة، ودعت الكتّاب للتخلي عن «الكلمة من أجل الإنسان» وصار الغموض لغة تفجيرية تؤدي إلى عزل الشكل عن المضمون، والكاتب عن المجتمع، وتؤدي إلى الغرق في متاهات تجريدية ولغزية تُدمّر الأدب من الداخل.
ولقد فقدنا كتّاباً كثيرين بسبب هذه الطريقة، لأن مبادئ الوعي المضيء والوطني، واعتبار الكاتب قوة تغيير روحية في المجتمع، تضيع، ويتحول الكاتب إلى مهووس بذاته، وتشرخه أحلام جنون العظمة والتعملق الفارغ. ومن جانب آخر، فإن مشكلات الحياة الحادة المتفجرة مثل الصعوبة المادية تؤدي إلى فقدان البقية الباقية من الكتّاب.
ولهذا فإن الواقع الفكري يتهشم ويتقزم، وتروح وتذهب عن الكاتب الهام والجريء فلا تجده، لقد ندر مثل الجن، وكأن الحياة الثقافية التي كانت تندفع مثل القطار في السابق أصبحت مثل سيارة مثقوبة الإطارين، ومع ذلك فإن سائقها يحاول السير بين الرمال والحصى. ولا شك أنك تدرك اليوم الفروق الكبيرة بين الصفحات الثقافية خلال الفترة من 1965-1975 والصفحات الثقافية في الثمانينات، حين كان النشر صعباً، كانت القصص والقصائد تفيض بالمعاني العميقة، وترتبط بهموم الناس، هذه القصص والقصائد يصعب نشرها في الصفحات الثقافية الآن.
إن هذا هو الأمر المثير للغرابة والحزن، فلن تجد في جرائدنا اليوم أي قصص وقصائد ملفتة، وجريئة ومثيرة للقلق والغضب، ولهذا فإن المبتدئين يحصلون على فرصتهم في نشر محاولاتهم الأولى في صفحات القراء فقط. وإن الأوضاع العامة تنعكس بقوة على الحياة الثقافية، فليس هناك احترام للاستقلالية الإبداعية وأهمية مستويات الثقافة المستقلة في البنية الاجتماعية. كما أن أدوات الإعلام الجماهيرية مثل التلفزيون والصحافة هي التي تلعب دورها في غسل أدمغة الناس، إنه الغسيل الإعلامي اليومي الذي يطحن الإرادة والوعي الناقد، ويحولهما إلى مسايرات جزئية وانطباعية ومحدودة لما يجري، إن الناس يعيشون في بناء إعلامي زائف، كرّسه النشاط الإعلامي اليومي الكاذب. فمشكلات الناس الجوهرية يجري تغييبها إعلامياً من قبل الإعلاميين أنفسهم، وإحلال مشكلات أخرى جزئية ومحدودة مكانها.
لقد كانت الصفحات الثقافية أحد المتنفسات والرئات النظيفة للوعي والمجتمع، ولكن تم الإجهاز عليها، فما ينشر من كتابات وأعمال اليوم بائس إلى أقصى درجة. وحتى مساحة الكتابة الأدبية قلّت، في حين تمددت مساحات الشعر النبطي، والدعاية، وقضايا «النجوم» المنطفئة، والكتابات السهلة المسطحة التافهة المنافقة.
إن وسائل الإعلام الجماهيرية، خاصةً التلفزيون، تقود عملية غسيل الأدمغة، وتضع الناس في أحلام وردية، ومشكلات جزئية بسرعة وخفة، ويتم التوجه إلى تغريب المواطن، وتسطيح وعيه.
ولكن هناك جوانب إيجابية في هذه الثقافة، حيث أن الأقلام الجيدة منتشرة في الصحافة، ويوجد العديد من الكتّاب الذين يعالجون قضايا الحياة، والسياسة، والثقافة من منطلقات إيجابية.
إن سيطرة وسائل الإعلام الجماهيرية قد قادت إلى تهميش الأدب والجماعات الحديثة، وأبرزت القوى العتيقة والطائفية، فلم يعد للناس منابر وأصوات مدافعة عن مشاكلهم، فلجأوا إلى المنابر الدينية، واتسعت الظاهرة الدينية لهذه الأسباب بالدرجة الأولى، في حين لم تستطع القوى الحديثة، الليبرالية والديمقراطية أن تظهر من خلال التلفزيون، فقدراتنا على صياغة فن جماهيري سواءً كان مسرحياً أو درامياً ضاعت لأسباب كثيرة، مثل عدم جديّة المسرحيين في التطور، والبحث الفني، وضآلة الإمكانيات المادية، والرقابة التي جمّدت الفنون الجماهيرية البحرينية عموماً، ولهذا عندما صغنا بعض الأعمال الدرامية التلفزيونية كانت أشبه ب «الفضيحة» مثل: «أم هلال في القاهرة»، في حين نجحت الأعمال التي التزمت بالجدية والنص الأدبي المعقول، واعتمدت على طاقة الشباب الوفيرة، هكذا مثلاً تألقت الكتابة الجميلة مع الوعي التنويري الجاد مع المواهب الشبابية، مع تنوّع العطاءات والطاقات الإبداعية، ليكون العمل الفني الدرامي أفضل من عشرين كتاب تنويري، لماذا؟ لأن المسلسل الدرامي له حضوره الجماهيري الواسع، فكيف سيكون الأمر لو تضافرت طاقات الكتابة المتنوعة داخل هذا الجهاز التلفزيوني الخطير، وأتيحت الفرص لمختلف الأقلام والأجيال الفاعلة التنويرية؟ لقد كان مسلسل «العائلة» المصري أهم من ألف كتاب عربي، فلماذا لا يحدث تعاون خلاق لإنتاج أمثال هذا المسلسل في خليجنا، حسب قدراتنا، ومشاكلنا؟ إن ما تحتاجه هو الثقافة البحرينية الحديثة «الديمقراطية» هو أن تتاح لها الفرص في مختلف وسائل الإعلام الجماهيرية، وأن يتعلم الكتّاب استخدامها، وتطوير أعمالهم الإبداعية في مختلف الجهات.
قلت لعبدالله: الصفحات الثقافية تبدو مشوهة في إطار ما ينبغي أن نقوم به من دور في الساحة الثقافية، فهي منزوعة الوظيفة تعيش في حالة من الهلامية الرخوة بلا عظام، فما الحل من وجهة نظرك لتستقيم هذه الصفحات؟
ــ ما لم تصبح الثقافة ضرورة فلن تنمو لها عظام، ولن تتحول إلى مشروع. وهذا شأن كل الصفحات الثقافية فهذه الصفحات بلا رؤية وبلا استراتيجية. وإذا أريد للثقافة أن تكون مشروعاً، فإن الصفحات الثقافية يمكن أن تكون جزءاً من هذا المشروع، المطلوب هو أن تتحول الصفحات الثقافية إلى جزء من رؤية ثقافية وفكرية تخدم حركة التاريخ…
أما والثقافة مهمشة في واقعنا العربي، فستظل الصفحات الثقافية مجرد ورقة توت نغطي بها عوراتنا لنقول إننا نهتم بالثقافة. وتطوير الصفحات الثقافية يجب ان يتصل بتطوير الثقافة نفسها، وتطوير الثقافة يجب ان يرتبط بقانون الفعل الثقافي، لا بد من وجهة نظري أن تتحول الصفحات الثقافية إلى شريحة من الواقع الثقافي، يقودها ويكتبها وينشطها شعراء وقاصون ونقاد ومفكرون، ولا بد أن يكون في كل صحيفة قسم ثقافي ينخرط فيه عدد من المتحاورين والمثقفين والمبدعين والمفكرين.
أسئلة موجهة إلى الروائي والباحث عبدالله خليفة
حاوره: فهد حسين
أولاً : محور المدخل العام لفهم الرواية:
• من المتعارف عليه ، بل من البديهيات أن المبدع حين يبدع عملاً وينغمس في إنتاجه يسعى جاهداً إلى معرفة أبعاد هذا النوع الإبداعي . وأنت بوصفك روائياً، فما مفهومك إلى الرواية ؟
ــ مفهومي للرواية بأنها جنس قصصي ملحمي ، بمعنى إنها بناء واسع وعميق، يقوم باستيعاب الكل الاجتماعي في لحظة تاريخية معينة مفصلية . وكلما توغلت الرواية في جنسها كلما غدت ملحمية ، أي قائمة على صراع كبير ، وهذا المعنى تجده لدى جورج لوكاش خاصة في كتابه (معنى الواقعية المعاصرة ) وأعتقد أن هذا المفهوم قريب إلى فهمي وتجربتي .
• الرواية نص مفتوح كأي نص إبداعي أو معرفي آخر ، فأين تضع المتلقي الذي يتلقى عملك الروائي حينما تشرع في كتابة الرواية ؟
ــ كلمة (النص المفتوح) غير مفهومة بالنسبة إلي ، فالأدب بطبيعة نصوصه أنها مفتوحة غير مغلقة ، ولكن في علم الأجناس الأدبية ، نحن نتجاوز مثل هذه التعريفات الأولية ، فالرواية جنسٌ قصصي له قوانينه التشكيلية الخاصة به ، فإذا دخلتْ الأجناسُ القصصية الأخرى الزميلة له كالحكاية والأمثولة واللغز والقصة القصيرة فيجب أن تخضع لامتداده وجريانه الواسع وأن تذوب في كيانه. وليس أن تحتفظ بكينونتها الخاصة المستقلة .
ولهذا فهو مفتوحٌ عبر مثلَ هذا البناء ، وحين يتوجه القارئُ إليه تكون تلك مسئوليته ، أي مسؤولية القراءة المتعددة الأبعاد . وبالنسبة لي فأنا كان لدي عدم اهتمام بالقارئ في بادئ التجربة ، حيث كانت حالة التجربة (الوجود في السجن ) لا تسمح بها ، ولكن بعد مرور عقد أو أكثر صار هناك وضع خاص داخلي للقارئ ، فهو لا يحدد التجربة ولكن يكون رفيقاً في رحلتها ، فله عين متوارية عليها ، والقارئ يعبر هنا عن الإنسان الذي تريد أن توصل إليه عملك، وتحاول التأثير فيه ما أمكن لوجهة نظرك وبنائك !
• كل إنسان يحمل بين دفتي معرفته وثقافته البعد الأيديولوجي سواء أظهره أم أخفاه ، وأنت حينما تكتب الرواية فهل تنطلق من أطر أبستمولوجيـة أو أيديولوجية ، أو تكتب بحسب قراءتك إلى الواقع بعيداً عن هذا وذاك ؟ أي إذا كان الروائي محكوماً بأيدلوجيا معينة ، وتشكل هذه الأيديولوجيا إحدى روافده الفكرية التي يرتكز عليها ، فهل الروائي هنا يقدم بعض التنازلات الفنية من أجل تضمين عمله بعض أفكار الأيديولوجيا إلى المتلقي ؟
ــ يتحدد الأمر هنا بطبيعة الفكرة المهيمنة على الكاتب . أنا هنا لا أسميها إيديولوجية ، بقدر ما أسميها نظرة (أي يختلطُ فيها الوهمُ والعلمُ) . وهذه النظرة مسألة فكرية واجتماعية ونفسية متداخلة ومركبة الأبعاد ، فالعديد من الناس لديهم فكر ماركسي مثلاً لكن ما هي هذه الماركسية ؟ ومدى فهمه لها ؟
ولكن في الكتابة والكتابة الروائية خصوصاً ليس ثمة قالب أيديولوجي مسبق ، فالكتابة لتجربتك ستقودك إلى دروب تكسرُ القوالبَ ، فأي دعاية سوف تنقرض، وستجد أنك تكتب ما يحدث فعلاً ، وتصور الناس بما هم فيه حقيقةً ، ولكن من خلال المنظار التقدمي الذي تطالع به أنت الحياة ، فستجد إن الانكسارات ليست نهائية ، والقوى الأخلاقية والفكرية في الإنسان أقوى من المكاسب المادية . ولكن حين تبتعد عن ذلك ، وتشجع الهزائم ، واليأس ، فسوف تبتعد عن ملحمية الرواية التي تتطلب صراع المجموعات الواسع العميق وصدق العرض !
• تقول الدراسات السردية أن الرواية ولدت من رحم الملحمة ، وجاء القصة القصيرة بعد ولادة الرواية ، غير أن القصة في البحرين هي التي أنجبت الرواية ، وخصوصاً عند كتاب السبعينيات حتى وقتنا الحاضر ، فما الأسباب وراء هذه المعادلة المعكوسة.
ــ يجب أن نبتعد عن التعميمات الفنية الفكرية ، فالتاريخ الفني الإنساني واسع المجال ، فقد تكون الولاداتُ التاريخية في خلال القرون عبرَ القارات كما تفضلت بالقول ، ولكن بعد انتشار الرواية والقصة القصيرة كجنسين أدبيين متداخلين ومتكاملين عالميين ، لم يعد بالإمكان الحديث لدى الشعوب الأخرى التي جاءت بعد التجربة الأوربية ، عن هذا التوالد السابق والميكانيكي .
ولهذا فإن نشأة القصة أو الرواية بتقاطعاتها وتداخلاتها لم تعد تمثل تناقضاً ، أو أنه من اللازم والحتمي أن تقوم بمماثلة التجربة الأوربية ، فغدت النشأة هنا مرتبطة بتجربة الشعب ، أو بتجربة أدبائه ومدى قوة ظروفهم الطباعية والثقافية في العالم المعاصر التحديثي المفتوح ، فعدم وجود جرائد ودور نشر محلية ، جعل جنس الشعر هو المسيطر ، كمجتمع شفاهي ، ومع تجربة الكُتاب وتطورها ، بدأ الجنسُ الصغير في الظهور .
في حين أن التجربة العربية ومع وجود صحف ومجلات في القرن التاسع عشر ، ورغبة الناشرين في جذب القراء اهتموا بالرواية المسلسلة وهكذا بدأت الرواية العربية !
ثانياً : محور تقنيات العمل الروائي
• عندما تشكل المكان فهل تبني خريطة مكانية للشخوص ، وحركتها ، أو تترك الشخصية تحدد مسارها البنائي ؟ بمعنى هل تتدخـل بوصفك كاتباً في بنـاء الشخصية بعد رسمها في أثناء نمو الحدث ؟
ــ تظهر الشخصيةُ والحدث والمكان والزمان في تشكيلة شبه واحدة ، فالعناصر الذاتية (شخوص + أحداث) مترابطة والعناصر الموضوعية (المكان + الزمان + البنية الموضوعية الاجتماعية) .
أن الشخصية لا تظهر لوحدها في فراغ ، فلا بد أن تكون معها مشكلتها ، أو قضيتها ، وهكذا تبدأ في الظهور والتخلق ، فإذا كانت مثل شخصية الربان في رواية (اللآلئ) ، كشخصية محورية مهيمنة ، فهذه الشخصية تظهر في البحر ، بطبيعة المسألة المحورية داخل العمل ، كرجل عنيد وأناني واستغلالي وتحديثي ومغامر ، له نظرة خاصة في القفال (الرجوع للساحل) وهذا ما يسبب كارثة السفينة ، وهنا كما تلاحظ فإن الشخصية والحدث والمكان والزمان والبنية الموضوعية: (علاقات الطبقات وصراعها) ، ستكون مترابطة أشد الترابط ، ولكن يأتي نمو العمل لكي يوسع ويعمق هذه العناصر حسب نظرة الكاتب وكيفية تطويره للصراع . فالسفينة تقودها العاصفة للبر ، والجزيرة البرية هي مكان خامل يتيح للشخصيات الحضور المسرحي والدرامي الكاشف لها .
هذه العمليةُ سوف تطورُ الشخصيات وتنميها داخلَ بوتقة الصراع ، وإذا فرضتَ تصوراً أولياً مسيطراً فإنه يضعف نمو الشخصيات ، فشخصية الربان كانت في البداية شخصية تقليدية لكنها أصبحت غير تقليدية فهو ربان ذو طبيعة شعرية وهذا كسبهُ من نمو العملية الروائية .
• للمكان فعل رئيس لرسم الشخصيات ، ونمو الأحداث المتنوعة والمختلفة ، فهل يعني المكان الذي تأخذه له علاقة اتصالية بالهوية والانتماء والتفاعل الثقافي والإنساني ؟
ــ كما قلتُ سابقاً وأضيفُ هنا ، بأن المكان والزمان هما شكلان لوجود المادة، وفي الرواية هما شكلان لوجود (المادة الاجتماعية) ، باعتبارها هي الأساسُ الموضوعي لتكون الأحداث والشخوص .
فالشاطئ في زمن الغوص ليس هو نفس الشاطئ في زمن المدينة التجارية الحديثة ، والقرية في زمن الغوص غيرها في زمن التحديث . الشاطئ في زمن الغوص له طابعه البنائي الخاص: (أكواخ ، مزابل ، ألسنة حجرية كموانئ الخ ..) ، ولهذا فإن الزمان يصبحُ مختلفاً ، فساعة البحار بطيئة طويلة، وزمنه راكد ، في حين أن زمن المدينة التجارية سريع ، والساعةُ بيوم من حياة البحار . ولهذا فإن الشخوص يتأثرون بهذا المناخ الموضوعي . وحركة القارب الزمنية هي غيرها حركته في زمن الآلة فالأشياء يصيرُ لها طبيعة خاصة الخ ..
ومن هنا يأخذُ المكانُ دورَهُ الكبير في وضع الأساس للأحداث والشخوص ، فالأكواخ تضع علامات مختلفة عن غيرها ، وحين تحترقُ كما في (أغنية الماء والنار) تكوّنُ بيئةً جديدة لروايات أخرى (الضباب ، الأقلف الخ..) وتطورات المكان هي تحول الأبنية وطبيعة الشواطئ ، وبناء الحارات ، هذه كلها تخلقُ أجواءً جديدة: مؤثرات ثقافية مختلفة ، أبطالاً من نوع مختلف ، حركة صراع سريعة الخ ..
تغير المكان مقدمة لتغيرات فكرية ثقافية هائلة ، وفي الزمن الراهن ففي بناية واحدة تجد عدة قوميات وأديان وتداخلات وصراعات .
• حين تشكل المكان وتخطط لأزمنة الأحداث أين تقف أنت من هذا العمل ؟ هل خلف العمل تراقب أحداثه ونموها ؟ أو تتمركز فيه ؟ ولماذا ؟
ــ الفكرة الأساسية التي ظهرت تكونُ جزءً من نفسك ونظرتك وتجربتك ، وبالتالي فإنها تتطور بك ، ولكنك لا بد أن تجعلها تتشبع بغيرك ، بالحياة ، بالآخرين . وأن المؤلف ليس مراقباً بل مشاركاً ، بل صانعاً ولكنه ليس صنعاً آلياً ، فهو يشتغل من وراء الستار ، ولهذا أنت لا تتمركز فيه كدكتاتور ، بل تجعله ذا قوانين مستقلة عنك ، وينمو حسب مادته ، أي حسبَ ما أعطيتَ هذه المخلوقات من حرية ومن وجود وتابعت تطوراتها ، وفتحت لها هذه الأبواب، أي كديمقراطي ..
• ما العلاقة التي تربط الكاتب بالشخصية الروائية ؟
ــ إنها علاقة حب واحتفاء بهذه المخلوقات التي بدأت تتشكل ، وحين تكتمل تنفصل عنك ، وتغدو لها حياة مختلفة لدي القراء والكتاب والنقاد . وكلما كبرت سعدت أنت بنموها وانتشارها .
• أيهما أجدى في العمل الروائي أن يكون الكاتب هو السارد نفسه أم يكون واحداً من داخل العمل ؟ أم من الأفضل تعدد السرّاد ومستوياتهم ؟
ــ البناء الفني الموضوعي والتجربة سيفرضان طبيعة السرد ، فالسرد يمثل الحميمية الأسلوبية التي تتيحُ تطور العمل ، فكلما كان السردُ أكثر حرارةً وقوة كلما كان نمو الرواية أفضل .
ولهذا هناك سردٌ يدمرُ الروايةَ وسرد آخر يشعلها . ولا يهم هنا كثرة أو تعدد السراد أو الساردين ، و(القالب) المنتشر هو السرد بضمير الغائب ، أي استخدام ضمير ؛ (هو) لأنه سرد يبدو حيادياً ، إخبارياً موضوعياً ، بعكس حين تقول (أنا) . أي حين تكتب بضمير المتكلم ، وفي السيرة الذاتية لا يجوز السرد إلا بضمير المتكلم . رغم قيام بعضهم بتنويع حتى هذا النوع .
أو السرد بضمير المخاطب فهو أسوأ في رأيي .
أما تنويع السرد وضمائره فلا يخرج عن هذا الطابع الأساسي .
• في أي عمل سردي يبرز الزمان في صور متعدد ، فهناك الزمن الطولي والزمن العرض ، وهناك الزمن الأسطوري ، والزمن التاريخي ، وغيرها من الأزمنة التي تعطي العمل بعداً فنياً ، ولكن أي الأزمنـة منتشرة في الرواية البحرينية ؟ ورأيك في تعدد الأزمنة في العمل نفسه ؟
ــ كما قلتُ لك فإن الزمان هو مظهر أو شكل لتجلي المادة ، فسوف يتحكم كيفية عرض المادة الفنية الاجتماعية ، فإذا كانت طبيعة الصراع ممتدة بشكل ليس فيه عودة للماضي ، فسوف يتغلب طابع السرد الراهن والدراما المباشرة والحوارات بين الشخوص ، أما إذا كان الزمن السردي يجمع بين الماضي والحاضر فإن الزمن فيه عودة للوراء (فلاش باك) ، من أجل عرض الشخوص في سيرورتها التاريخية ، وغالباً ما يحدث في الرواية ذلك ، فكل زمن هو زمن تاريخي ، بمعنى أنه يجري داخل الحياة ، وهو كالزمن الموضوعي ، بما أن طابع المادة هو (الحركة) والجريان إلى الأمام وعدم التوقف ، فزمن الرواية الأساسي هو زمن الحركة إلى الأمام ، والعودة للخلف هي للمزيد من التقدم للإمام ، بالتالي فإن الحركة الاسترجاعية تستهدفُ المزيد من الكشف الروائي للشخوص وللأحداث وللمكان .
ويختلف الروائيون في طبيعة الاسترجاع وأحجام العلاقة بين الماضي والحاضر والأهداف الفنية لهذه العملية .
• كيف يتشكل المكان والزمان في عملك الروائي ؟
ــ كما قلتُ آنفاً فإن المكان والزمان يخضعان للمادة ، فأنت حين تتصور (أحمد ناصر) في رواية (الضباب) ، فسوف يخضعُ عرضُ المكان والزمان لطبيعةِ الأحداث ولطبيعة الشخصية المحورية هذه .
فهو نجده في بداية الرواية في (حفرة) مغطى بالأعشاب وورق الشجر ويدخنُ الحشيشَ ، إنه فاقد (للمكان: البيت الآمن ، الزوجة ، الأبناء ..) وفاقد للزمان (الذاكرة ، القدرة على العيش في زمنه السابق واستعادته ..) ، ويقوم الحدثُ الروائي عبر اتهامه بالاغتصاب للفتاة التي أنقذها بتحريك المكان حيث يوضع في السجن ، وتحريك الزمان عبر استعادته الصعبة الطويلة لذاكرته ، وهي أمور كلها تتنامى حين يقرر بأنه لم يكن مغتصباً ، وأنه إنسان أخلاقي . . هنا تتشكل وتنمو عملية السرد بهذا الطريق .
وكل رواية تخضعُ لظروفها هذه ، وتجعل المفردات الموضوعية من زمان ومكان وأجواء وحركة قصصية تابعة لها .
• ما أجدى التقنيات السردية حتى يستطيع الروائي إيصال فكرته ؟
ــ تقنية العرض الموضوعي تغدو أفضل التقنيات في تشكيل وعرض المادة ، وهي تعتمدُ على ما يُسمى (المشهدية) أي أن تكون الشخصيات والحدث و المكان والزمان مجسدة أمام عين القارئ في مشاهد ، وبالتالي يتحولُ القارئُ إلى مشارك ومتابع ومستمتع بهذه العملية التي تجري أمامه .
وأقوى البُنى المشهدية لا تستطيع أن تتخلى عن تضمين بنى مشهدية أخرى ، لكن قوة الرواية تكمن في تصعيد تلك البنية المشهدية المحورية الأولى وجعلها مسار الرواية ، كرواية (الجريمة والعقاب) ، حيث يغدو مشهد البطل راسكو لنيكوف وهو يخرج من غرفته في بداية الرواية هو المتواصل .
• للراوي مهام كثيرة ومتعددة ، وقد ذكر فريدمان : أن هناك المعرفة المطلقة للراوي ، والمعرفة المحايدة لـه ، والأنا الشاهـد ، والأنا المشارك ، والمعرفة الأحادية والنمط الدرامي ، ولكن أين يكمن الراوي عندك وما مميزاته ؟ أي هـل يأخذ ميزة من هذه الميزات ؟ وكيـف يوظفها في الرواية ؟
ــ المعرفة النسبية للراوي ، فمهما كانت معرفة المؤلف بشخوصه وأحداثه فهو لا يصطنعها اصطناعاً ، فهو يتعرف على شخصياته وتنمو عبر مشهدية العرض ، ولا يوجد راوٍ لا يلم إلماماً كبيراً بذلك ، لكنه يتحول إلى شاهد على تطوراتها ، حيث هي تأخذ من مواقعها الاجتماعية والنفسية الموضوعية ، وتقوم الوضعيةُ الأساسيةُ في كل الرواية البشرية (والمسرحية كذلك) على (وجود بطل إشكالي في مجتمع منحط أو مجتمع سلبي) حسب تعريف غولدمان الشهير والقاطع تاريخياً ، فهذا البطل الإشكالي هو الذي يحرك فاعلية الكشف والصراع مع أو ضد المجتمع السلبي ، ولا يفعل الروائيون سوى ترك هذا البطل يصارع أو يكشف أو يتكشف ، وبهذا فإنهم غير محايدين في العرض ، بل يستهدفون غايات تتبع مستوى تطورهم الفني ورؤاهم الفكرية .
• هناك صيغ للخطاب الروائي ، حيث المستوى الأول ويكمن في مراقبة الراوي ، والمستوى الثاني الذي يأخذ جزءاً من المراقبة ، والمستوى الثالث الذي يخلو من المراقبة ، ومن هنا نرغب في معرفة نوع الخطاب الروائي الذي تقدمه للمتلقي ؟
ــ لا يوجد شيء أسمه يخلو من المراقبة ، فالراوي هو المؤلف مستتراً وراء الرواة ، فمهما فعل الكاتب لا يستطيع أن يفلت من صيغة الراوي – المؤلف ، ولكن هناك مسافة موضوعية بينه وبين الشخوص ، مثلما قلنا سابقاً ، ولكن الموضوع هنا اتخذ بدلاً من الشخوص كلمات مثل الراوي ، وقد يتطابق الراوي مع المؤلف ، وقد يقدم المؤلف الراوي كشكل مناور للعملية الفنية، فهو يعرضه ليكشفه أو ينقده ، أو يجعله كاميرا له ليكشف أشياء معينة .
وعملية الراوي التي قدمتها خضعت للتجربة فأنت ترى في (اللآلئ) أسلوب الروي المتعدد الضمائر ، لكنه كله يتبع البطل المحوري (الربان السابق الذكر) وهنا تغدو عملية الروي صعبة ، ثم فيما بعد في التجارب الأخرى تغدو عملية الروي محددة ومتنامية في ضمير الغائب أساساً ، وإتاحة فرصة لوجهات نظر أخرى تتكلم من خلال أصواتها .
• من صيغ الخطاب الروائي : التقرير ، المذكرات ، الرسائل ، اليوميات وغيرها التي تستخدم في الرواية ، أيهما تفضل استخدامه ؟ ولِمَ ؟ أم أنك تبتعد عن هذه الخطابات وتنشئ لعمل خطاباً خاصاً ، وكيف يتم ذلك ؟
ــ أصبحت هذه الوسائل حيلاً قديمة ، ففي رواية القرن التاسع عشر الأوربية كثرت روايات الرسائل والمذكرات واليوميات ، وكلها تحمل نفس الخصائص الموضوعية ، لكن رواية القرن العشرين اعتمدت كثيراً على خلق البنى المشهدية الموضوعية ، تحريراً للشخوص من هيمنة صوت المؤلف المسيطر.
أما اللجؤ للتقارير والدراسات وتضمينها للعمل الروائي فهو يعني عجز الأسلوب الروائي عن تطوير شخصياته وتحويلها إلى شخصيات درامية ، فتغدو شخصيات تسجيلية ، تاريخية حقيقية ، مثل (مدن الملح) فهي عن شخصيات حقيقية ، واعتمد المؤلف على التقارير والكتب والمصادر ، بحيث ارتهن إلى تسجيلية واسعة ، فنجد شخصيات الأمراء والموظفين طاغية بينما شخصيات الناس العاديين مفقودة .
أنا افضل الفصل بين الجانبين : التوثيقي والتعبيري ، فجانب الدراسة له بناؤه الخاص ، وجانب الرواية له بناؤه الخاص ، أما الخلط بين الجانبين فيضعف الجانبين ، فتكون أمامك دراسة ناقصة، ورواية غير مكتملة .
• حين يقدم الروائي على كتابة الرواية يضع في اعتباره القارئ الضمني أو القارئ المضمر ، فهل تضع في حسابك هذا القارئ ؟ هل هو قارئ مثقف واع ؟ هل هو قارئ تمليه عليك مضامين الرواية ؟ هل هو قارئ مراقب عليك ؟ إذن كيف ترسمه حين تشرع في الكتابة ؟
ــ كما قلتُ سابقاً فإن صعودَ القارئ العام في نفس المؤلف هو عملية تاريخية ، أي له علاقة بمشروعه ووسطه ، فحين يكتبُ بأسلوب المونولوج الحر الكامل والتداعيات المتداخلة ، فإنه لن يجد القارئ المتابع ، خاصة في الحياة العربية ، وقد قامت الرواية العالمية بذلك حين ظهر فرويد بنظريته عن اللاوعي في أوائل القرن الماضي ، فراحت نماذجٌ من الرواية الأوربية تطبق الغوص في اللاوعي عبر ذات التشظي .
لكن أغلب الروايات المعاصرة تقوم على أسلوب يغوص في اللاوعي ولكن مع عرضه بشكل موضوعي ، وهذا يعني الاهتمام بالقارئ الوسطي ، القارئ المثقف ، الذي سيكونُ شاهداً ، ولعب انتصارُ الضمير الغائب والبُنى المشهدية والواقعية في خلق تيار عالمي بهذا الخصوص سواء قرأت رواية يابانية أو أمريكة أو بحرينية !
• يقال هناك زمن الحدث في الواقع المعيش ، وزمن الحدث داخل العمل الروائي ، وزمن الكتابة الروائية ، وزمن القراءة . فأين يكمن دورك في كل هذه الأزمنة الأربعة ؟
ــ هذه الأزمنة الأربعة تعكسُ عملياتُ تطور العمل الروائي من كونه أحداثاً حقيقية وقعت في الواقع في زمن سابق ، وبين تحول هذه العملياتِ التاريخية السابقة إلى مشروع روائي يبدأ الروائي في خلقه عبر استعادة الأحداث السابقة (أو اللاحقة في الرواية العلمية) ، وهو حر في كيفية عرض زمنية الماضي ، فيمكنه أن يربطها بالحاضر أو يجمدها داخل زمنها ، وحين تطبعُ الروايةُ فإن لها زمنية القراءة الخاص بها ، سواء قرأها قارئ واحد أو الملايين ، ولكن هذه القراءات تجري عبر الزمن وعبر إدراك الناس أن الرواية تحوي شيئاً مهماً خاصاً بهم .
ثالثاً : محور اللغة :
• يقول باختين أحد منظري الرواية العالمية : “إذا لم يعرف الروائي كيف يرتقي باللغة إلى مستوى الوعي ، ولم يستمع إلى الثنائية الصوتية العفوية ، وإلى الحوار الداخلي للكلمة ، فإنه لن يفهم ولن يحقق الإمكانات الحقيقية للرواية” .
فماذا يعني باختين بقوله : الارتقاء باللغة الروائية إلى مستوى الوعي ؟
وماذا يقصد بالثنائية الصوتية ؟
وماذا يرمي بالحوار الداخلي للكلمة ؟
ــ يعتمد باختين في نظريته للرواية على مسألة تعددية الأصوات ، أي أن تكون الأصوات الروائية معبرة عن تعددية فكرية وشخصية حقيقية ، وهو يقول ذلك في زمن سيطرة (الستالينية) ، ولهذا فإن كافة تعبيراته ومصطلحاته تتوجه إلى هذه القضية المحورية لديه كما أظن ، فالوعي لديه هو أصوات ، وهو يعتقد بأن دستويفسكي متعدد الأصوات ، حيث يجعلُ اللغةَ الروائية تعكسُ رؤى الأبطال ، بشكل دقيق . فلا بد هنا من أن ترتقي اللغة الروائية إلى مستوى الوعي سواء على مستوى وعي المؤلف أو على مستوى وعي الشخوص أو على مستوى تعدد الأصوات في اللغة : لغة دارجة ، لغة فصيحة ، فحين يعبر عامل عامي بلغة شعرية تغدو هذه إشكالية فنية . فلا بد أن تكون ثمة خطابات في وعي الرواة والشخوص : خطاب فلسفي لدى مثقف ، أرجوزة لدى فلاح ، حلم لدى طفل الخ ..
• يحاول الشاعر أن يبتعد عن المفردة بدلالتها المعجمية كلما أمكن ذلك ، وهذا قد يختلف عما يحاوله الروائي ، فهل الروائي يتأمل في المفردة معجمياً ودلالياً ؟ وهل يسعى لأن يعطي هذه المفردة دلالة أخرى ؟ وكيف يتم هذا ؟
ــ للكلمة وجود داخل السياق الخاص ، وهذا يعتمد كيف تظهر هذه الكلمةُ في السياق الروائي ، داخل السرد ، أم داخل الحوار ، أم في المونولوج الخ .. هناك أناس يجلبون مفردات من القواميس مباشرة ويضعونها في الرواية على لسان الأبطال أو في السرد ، وهي كلمات ثقيلة ، (كما في رواية الفارس الغريب..) ، لكن الكلمات في الرواية تعتمد على النمو الطبيعي العفوي في اللغة اكثر منها الانتزاع القاموسي ، ولهذا تغدو الكلمة القاموسية نابية هنا ، وكلما كانت اللكمة مصطلحية وقاموسية ونظرية وأيديولوجية كلما أثقلت الرواية !
• حينما تكتب رواية لابد من تفكير في لغتها المتداولة بين الشخوص ، فأية لغة تفضل التعامل بها في عملك الروائي ؟ وهل تفرق في استخدام اللغة حين ترسم الشخصية ؟ أي أيهما يفرض اللغة أنت بوصفك روائياً أم الشخصية بوصفها عنصراً من عناصر العمل ؟
ــ كلما كانت اللغة عفوية وطبيعية وجميلة ومعبرة عن مستويات الشخوص كان ذلك أفضل ، ولهذا فإن السردَ بلسانِ المثقف حين ينزل إلى تصوير حوارات شعبية يجب أن يتخلى عن التقعيد اللغوي والصرامة الأسلوبية للمثقفين ، ويحوي تلوينات العامة ، وحين يذهب للمثقفين الإيديولوجيين فلا بد أن يعكس طرقهم في الحوار الخ..
• في أي عمل إبداعي تبرز الضمائر : ضمير الغائب ، ضمير المخاطب ، ضمير المتكلم ، فأي الضمائر تتعامل في السرد والوصف والحوار ؟
ــ هذه السؤال أجبنا عليه سابقاً .
• في الخطاب الروائي هنـاك تباين بين لغة الوصف ولغة الحوار ولغـة السرد، فإلى إي حد وفق الروائي البحريني في هذه المعرفة المتباينة ؟
ــ يعتمد العمل الروائي هنا على الكل ، أي على بناء الرواية ، فتجد رواية لفريد رمضان تركز على المقاطع المشهدية الكبرى ، حيث تتفتت الشخصيات والأحداث في وحدات سردية متقطعة ، أي في راويته عن المقبرة (راجع عدد كلمات 21 الخاص بالرواية البحرينية ..) ، ويلعب السردُ الثيمة الأساسية ، أحياناً هو مسقطٌ كما في بداية الرواية أو هو (عفوي وطبيعي) كما في بقية النص .
أو في رواية جمال الخياط حيث لم تلعب أي من هذه الوحدات دوراً مركزياً طاغياً بحيث تغدو سمة معروفة له.
ولكي تلعب هذه السمات أدوارها ينبغي أن نعرف ما إذا كان الروائي غاص في فضح وكشف وتعرية المجتمع !
• في العمل الروائي يتعامل الروائي بلغة مباشرة ، ولغة غير مباشرة ، فمتى يقبل الروائي اللغة المباشرة ، ومتى يرفضها ؟
ــ حين يكون التعبير العفوي عن الشخوص ، وحين تجري الحوارات وعمليات التصوير الوصفية للأشياء ، ولكن اللغة المباشرة في التعبير عن أهداف الشخصيات وحركية السرد وغاياته تكون مرفوضة .
رابعاً : محور المرأة :
• قلما تجد رواية تخلو من شخصية المرأة ، ولكن تختلف وظيفتها من عمل لآخر بحسب ما يرسمه الكاتب ، فهل حضورها في عملك حضور وظيفي تقتضيه تقنيات السرد أم أنه حضور تكويني ضروري لخلق البناء العام للرواية؟
ــ كما أن تكوينات الرواية تخضع لطبيعة المؤلف وإستراتيجيته كذلك فإن حضور الشخصيات وأعدادها وجنسها يخضع لهذه العملية ، والعملية لا تعود لطبيعة الحرمان الجنسي أو الشبع أو للموقف من المرأة. بل تخضع للرؤية العامة للمؤلف .
في رواية (اللآلئ) هناك الحضور الكثيف للرجال بطبيعة المهنة البحرية ، مثلما نحن كسجناء رجال ، لكن حضور المرأة حضور ورائي ، أي حضور من وراء الستار ، حضور في الذكرى والحلم بجسد المرأة .
لكن في رواية (امرأة) تفرض المرأة حضورها الطاغي لطبيعة الحدث في موت الصبي العائد لهذه المرأة ، أي أن تكون شخصية الأم هي الطاغية ، وبما أن المرأة الأخرى هي المتسببة في موت الصبي فإن الرواية هي صراع بين امرأتين وتجد بعد هذا تضادات الرواية :
❖ المرأة الولاّدة / الأم / الحقول / النضال / النخلة / الشعر / الزهد / الجمال / الثورة
❖ المرأة القتل / المتعالية / العقم / التملك / الجدب للأرض / اللهو / التسلط .
• يقال أن جسد المرأة ليس رخيصاً ولا شريراً ولا مغرياً فسيولوجياً ، ولكن احتياجات الثقافة الذكورية هي التي أوجدت هذا الإغراء ، بحيث وضعت جسد المرأة طيّعاً مسالماً ضعيفاً . فهل توافق على هذا القول ، وكيف تجسد المرأة في عملك ؟
ــ في الرواية السابقة الذكر المرأة الضعيفة تقود الرجال وتشكل عاصفةً في القرية النائمة ، مصعدة معركة النخيل الميتة ، وهذا لا يعني فقدانها للأنوثة والحب والولادة والليونة الجسدية . كذلك فإن موقفها يعود لعلاقتها بزوجها المنتمي السابق والمنهار حالياً ، ولهذا تشكل نفياً لكل السلبيات في القرية الميتة.
هناك عشرات النساء في رواياتي وكل منهن له حكاية وطبيعة ، وكل هذا يعتمد على سياق هؤلاء النسوة : بنات شيوخ ، مغنيات ، مومسات ، ربات بيوت خاضعات ، صديقات محبات لأزواجهن ، رموز للحب أو للفقد أو للأمومة الضائعة الخ ..
أو مشاركات في الأحداث ، أو سلبيات ، عرضيات ، أو يهيمن على الحياة ، رموز كبرى للأمومة الخ ..
• في الرواية بشكل عام أدوار متعددة للمرأة ، فهناك المرأة الأم / المناضلة / الفتاة المتحررة الداعية للتغيير السياسي أو الاجتماعي / المرأة المومس / المرأة الغنية / الفقيرة ….. وغيرها من هذه الصور . فما هي علامات شخصية المرأة التي تحب أن تكون موجودة في أعمالك ؟
ــ لا توجد صورة مطلوبة سلفاً بل هي تتشكل ضمن معطيات المادة الفنية ، فقد تظهر المرأة كحاجة أو كهدف مراد تشكيله اجتماعياً وكنموذج مرغوب إيجاده، لكن العملية تخضع للفحص الموضوعي في الحياة.
وكيف يرى المؤلف – الذكر أمه وأخته وحبيبته ومدى ديمقراطيته معهن أو مدى تسلطه عليهن !
• هناك فرق في المصطلح حين نقول ونقصد المرأة ، الأنوثة التي تقابل الذكورة ، والنساء التي تقابل الرجال . فمتى تتعامل مع شخصية المرأة بوصفها أنثى أي النظر إلى كونهـا عنصراً مثيـراً للجنس والرغبـات الجنسية ، ومتى تتعامل معها بوصفها امرأة ؟
ــ هذه خصائص متعددة للمرأة ، وفي العمل الروائي يخضع ذلك لطبيعة الرجال وتطورهم الجنسي والفكري والاجتماعي ، فإذا كان الشخص مستبداً ذكورياً لن يرى المرأة إلا كجسد وحضن لإنتاج الأولاد .
أنا كمؤلف مختلف عن شخصياتي فأنا لا أسقط عليها رغباتي .
• في الرواية قد يظهر الحب أو الكره أو التعاطف أو غير هذا وذاك بين الرجل والمرأة ، فما العلاقـة التي تحاول أن تبنيها في عملك بينهما ، ووفـق أي المعايير ؟ هل هناك معاييـر اجتماعية أو ثقافية أو سياسيـة أو أيديولوجية أو ماذا ؟
ــ حسب العلاقة بينهما داخل الزمان والمكان والظروف وفي أجواء الرغبات والوعي . لا شك أن هناك رغبة كما قلت لنمذجة وتصعيد نموذج إنساني ، لكن ذلك مرتبط بالموضوعية وبالظروف والمعايير هي معايير الحب والصداقة والتكافؤ والنضال .
• مهما حاول الرجل الوقوف بجانب المرأة ، ويسعى إلى تحررها ، يظل الهاجس أنها في مأساة وحرمان اجتماعي وعاطفي . كيف استطاع الروائي البحريني مناقشة هذه القضية ؟
ــ لقد ناقشتها سابقاً و أضيف هنا بأنه وهو يناضل لتغيير وضع الفقراء والعاملين فإنه لا بد أن ينظر للمرأة بشكل خاص فهي جزء من القوى المنتجة المحرومة وسيئة الظروف .
خامساً : محور المحلية والتراث
• عادة ينطلق الكاتب في أعماله الإبداعية من معاناة محلية أو من خلال ظروف معينة يحاول سبر أغوارها ، ولكن عن طريق المحلية . فهل الأعمال الروائية البحرينية تعالج قضايانا المحلية الماضية والراهنة ؟ وهل يطرح ما يستشرفه من رؤية تجاه المحلية في العمل والواقع ؟
ــ بالتأكيد ، فإن الظروف المحلية كلها التي وردت في حوارنا السابق كلها تنطلق من الوضع البحريني – الخليجي – العربي – الإسلامي – الإنساني ، وكلما حفر الكاتب في المحلية يتكشف له العمق الإنساني المتواري تحت التراب والمدافن وفي الحياة اليومية : فمن البحرين نجد التاريخ الإسلامي وبالتالي قضايا الدين والتراث ، فكيف يلعب الدين دوراً أساسياً في تشكل الوعي ولماذا ؟ وهذه الأسئلة نجدها عند الأوربي والأفريقي الخ .. في قصة بسيطة عن (الأصنام) التي تكتشف في أرض باربار يمكنك أن تعبر عن الصراع بين الغرب والشرق ، وبين الإسلام كمفهوم تقليدي والإسلام كمفهوم إنساني (راجع هنا قصة الأصنام ، ص 17 من مجموعة (دهشة الساحر) ، هذه (الأصنام) سوف تثير شهوة الخارج على القانون الخارجي المعاصر ، والباحث الأوربي المسالم كما في قصة أخرى.. (راجع (قصة الرمل والحجر) من مجموعة (سهرة) . ص: 85 .
المحلية – العالمية هي متعلقة بالتحليل وعمقه ومدى حفره في المادة المعرفية و التاريخية .
• للعمل الروائي مميزات في ضوء المحلية ، فما مميزات الرواية البحرينية وهي تستقي من منبع المحلية ؟
ــ إنها تستقي تاريخه وتاريخه هي جذوره وتحولات بشره التي تفهم في ضوء وعي عالمي ديمقراطي تحديثي ، فترتبط بالعروبة والإسلام والإنسانية الخ ..
حين تحفر في الوضع والتقاليد والنماذج والثقافة تشكل محلاً قديماً – جديداً ، إنها تساهم بزحزحة نماذج وقوالب فكر وأشكال ثقافة متيبسة ، وبهذا تلبس أزياءها الوطنية ، ومميزاتها هي مميزات بلدها ومنطقتها ، ولكن عليها أن تتسع كماً وتتوغل كيفاً ، فلا تكفي بضع روايات لتشكل مساراً !
• بما أن المحلية عنصراً مهماً (؟) في الكثير من أعمال الروائيين البحرينيين، فكيف يتشكل خصائص المكان وملامح الشخصية الآتية من المحلية التي تغترف منها ؟
ــ الظروف الموضوعية من بحر وبر وزراعة وتاريخ خاص وبلد بسمات معينة وهو صغير المساحة ومكثف الروح وبه صراعات سياسية واجتماعية مستمرة عبر العصور ، تخلق كلها سمات خاصة ، وحتى الآن فهذه {المحلية} في حالة سيولة وتشكل ، فتجد ملامح الانفتاح بسبب الطابع البحري والتجاري وليس البدوي ، وتجد حضور المرأة وتجد العمل اليدوي بخلاف البداوة أو النفطية البذخية ، وتجد السمات الإنسانية من مقاومة وانهيار واستغلال ومشاركة وتيارات حديثة الخ ..
هذه كلها انعكست في الرواية .
• من خلال المتابعة للمنتج الروائي البحريني هناك الكثير من القضايا التي تكاد تتشابه في بعض الأعمال وتتكرر . فأين هي القضايا المحلية التي انفردت بها دون غيرك ؟ وأيها تكررت ؟
ــ انفردتُ بسبر أغوار المجتمع بتاريخه المعاصر حتى اللحظات الزمنية الراهنة أي عبر متابعة شخصية متنوعة ، تشكلت هنا في الرواية .
وتشابه القضايا ليس مهماً ، فقد عالجت القصص السابقة موضوع الغوص ، وتجد لدى فؤاد عبيد كتاباً (قصصياً) عن الغوص ولكن عن أدواتها ولا علاقة له بالقص .
القضية الأساسية كيف تصنع من الموضوع روايةً ، وهنا زوايا الرؤية والالتقاط وطبيعة الوعي المجسد والأدوات الفنية والفكرية الحديثة المستخدمة ، تلعب الدور الحاسم في تمييز كاتب عن آخر .
• هل الروائي البحريني مهووس بقضايا مجتمعه ؟ وإلى أي مدى استطاعت الرواية البحرينية نقل ملامح الواقع الاجتماعي والسياسي؟
ــ سبق أن عالجنا ذلك ، ولكن الكاتب البحريني ليس مهووساً بمجتمعه بل أقل من مهووس إنه على حافة المجتمع .
• التاريخ والتراث عنصران رئيسان لأي مادة روائية ، وحين تأخذهما في عملك ، فهل يكونان ساكنين جامدين أو تعيد صياغتهما ومعطياتهما ؟ وكيف يتم ذلك ؟
ــ سبق الإجابة على ذلك .
• ألا تعتقد أن الروائي حين يتكئ على التراث والتاريخ يتحول من روائي منتج لنص إبداعي إلى مؤرخ وكاتب تاريخ ؟ فما تفسيرك لهذا ؟
ــ التراث والتاريخ هو واقع سابق ، مثلما أن الحاضر الراهن سيكون تراثاً وتاريخاً سابقاً ، وسيطلق علينا بعد قرن كتاب البحرين التراثيين الحديثين !
إن الكتاب الذين يكتبون رواية تاريخية هم أيضاً كتاب مبدعون ، ويقال ذلك أحياناً للتقليل من كتاب ومن عطائهم . أقرأ كتاب الرواية التاريخية لجورج لوكاش فهو مدرسة في ذلك .
إن تحول الروائي لكاتب تاريخ أو مؤرخ هو حين يترك أدوات التشكيل الروائي ويعتمد على التقارير والشهادات والمصادر ، ويترك النسيج القصصي والحبكة والبؤرة المشهدية الخ .. أما إذا اعتمد عليها فإن الأمر يعود لمدى قدرته الفنية وعمقه وحيويته الإبداعية .
• تغترف الرواية البحرينية من التاريخ والتراث السياسي أو الفلكلوري المرفولوجي ، فما مدى فائدة هذا الاغتراف ، وأثره على الرواية ؟
ــ هذا ضروري جداً ، فهو يجعل الكاتب يتابع مواداً خاماً مهمة وكثيرة ، وسوف تثري خياله وعلمه الروائي ، وكثيراً ما لعبت لي كتبٌ تاريخية أو بحثية قواعد لانطلاق الخيال الروائي لي ، مثل كتب الغوص البحثية لعبدالله خليفة الشملان أو (..) (أظنه سعد مرزوق ؟) شملان الكويت ولديه عدة كتب حول الغوص، فهو يعطيك المادة الموضوعية لمشهدية عالمك .
بالنسبة للنفط والبحث فيه هناك مواد كذلك استفدتُ منها ورجعتُ لذكريات العمال القدامى كذلك وكتب فلكلورية .
سادساً : الرؤية والتأمل:
• من خلال متابعتك للمنتج الروائي المحلي والإقليمي والعربي والدولي ، كيف تصنف الرواية البحرينية ؟
ــ ينبغي أن يكون بدل كيف (أين تصنف الرواية) .
الرواية البحرينية هي رواية بكر ، من فتية الرواية العربية التي هي رواية فتية عالمياً ، وقد صرنا في زخم الرواية عربياً عموماً . وأحياناً نتقدم على العديدين . فالأمر ليس بالكم .
يحدونا لهذا الحكم كون تجربة بلدنا السياسية الاجتماعية خصبة عربياً وعالمياً وفريدة بعناصرها ودورها وموقعها ، فهي تتشرب وتغتني بسبب طابع الانفتاح المستمر .
لكن ليس ثمة اهتمام بها ، بسبب فقر المثقفين وعدم وجود مصادر مالية تغذي وتنشر هذه الرواية ، في دولة الإمارات هناك عشر روايات ، والقيمة الفنية متفاوتة فيها ، ولكن توجد هناك أكثر من عشرة كتب نقدية حولها!
• الرواج والانتشار للمنتج الإبداعي عملية مهمة بالنسبة للمبدع ، ولكن العمل الأدبي بأجناسه وأنواعه لا يحظى بالرواج والانتشار ، فماذا يعنى هذا إلى الكاتب ؟ وهل هناك أزمـة ثقافة أو أزمـة قراءة أو أزمـة متعلم .. الخ؟
ــ إن الأدب في البحرين كان يحارب لسنوات طويلة من الدولة ، فكيف يتم ترويجه ؟ كان الظهور على التلفزيون من الممنوعات ، إضافة إلى عدم وجود عادة القراءة الواسعة لدى العرب ذوي الأمية الواسعة ، إضافة لفقر البحرين وانعدام دور النشر المهمة وصغر السوق ، وكل هذه العوامل صحرت البلد ثقافياً وأنضبته..
ويعتمد ذلك أيضا على حجم الشعب وثقافته ودور القوى السياسية وكلها لدينا في حالة تقزم !
• هل يصل بالروائي أن يرسم شخصياته ، ويتعلق بها في أثناء الكتابة ، وسرعان ما يلبث أن يكون شبيهاً بها أو إحداها ؟
ــ الروائي أكبر من شخصياته فهو نبع لوجودها ولكن بعض الشخصيات التي خلقها تعايشه وتعيش فيه ، وعلى مستوى الفعل لديه يقوم بتجاوز شخصياته وخلق شخصيات أفضل منها ، وهكذا دواليك . .
بعض الكتاب العرب مأسورون في محدودية البطل لأنهم لا يتطورون ، لا ينتقلون من الاجتماع إلى الفلسفة ، فتبقى تصوراتهم ونضالاتهم صغيرة جزئية، فيظهر أبطالهم على بهذا المقدار الصغير .
• يقال الإبداع ليس إدهاش المتلقي ، وإنما هو التجسيد الصادق والحقيقة والعفوية في الكلمة . أين يقف الروائي البحريني من هذا القول ؟
ــ لا بد أن يدهش الإبداع المتلقي ، لا بد أن يجعله في حالة استمتاع وتغير واكتشاف . لكن هذا لا يتناقض مع الصدق والبحث عن الحقيقة ، والجانبان مكتملان ، صناعة الفن وصناعة الصدق.
• البعض يقول: لـيس هناك كتابة قديمة وأخرى جديدة ، ولكن هنـاك إضاءات جديدة في صلب هذا النوع أو ذاك ، فما نوع هذه الإضاءات التي قدمها الروائي البحريني للرواية البحرينية ؟
ــ لا تزال في طور التشكل والإضافة .
في قطر ظهرت 3 أو أربع روايات وكتبت ناقدة ميلاد الرواية القطرية . ونحن بعد أربعين سنة لا نزال مهمشين نقدياً وإعلاميا .
• قيل أن الأدب الواقعي هو الأدب الأكثر انتشـاراً ، ويقوم بدغدغة الفئـة الأوسع في المجتمع ، أي أنه أدب القاعدة الشعبية أو هو الأدب الذي يتطرق إلى معالجة الهامش من المجتمع . إلى أي مدى يتوافق هذا الرأي والرواية البحرينية ؟
ــ ظهرت الرواية العربية في البحرين متجهة إلى الواقعية وقد جرى نضال كبير لتثبيت أسس الواقعية في مواجهة الفوتوغرافية والفنتازية الشكلية وغيرهما ، لكن من دون التخلي عن السمات الفنية الإبداعية ، والتألق والاستقلالية الفنية .
لكن مسألة القواعد الشعبية مسألة مختلفة ، لأن قواعد القراءة قليلة ، كذلك فإن طبيعة التوصيل والنشر كانت محدودة ، فلا توجد هناك شعبية للرواية ، أي لم تصبح رقماً تداولياً مهماً .
• من المعروف أن النقد له دور بارز وفاعل في عملية الإنتاج الإبداعي . فأين يقف النقد البحريني إن كان هناك نقد تجاه الرواية ؟
ــ النقد قليل الحضور ، بسب أن النقد القصصي كانت له طبيعة دراسية مهنية ، أكثر من أن يكون مشروعاً نقدياً محتفياً بالقصة والرواية .
إبراهيم غلوم هو مشروع الناقد الشامل ، المثقف صاحب الرؤية والبحث في مختلف الأشكال وصار المسرح والتراث البحريني شاغليه ، فترك النقد الروائي القصصي .
أنا كتبتُ عن الرواية في الخليج بشكل واسع بسبب طلب من مؤتمرات نقدية للكتابة عن الرواية في الخليج ، وتعرضت لبعض النماذج البحرينية ، لكن ليس من شغلي ذلك . فقرأت الكثير من النماذج الروائية في المنطقة وصارت لدي دراية بها ، ولعلي غدوت المتخصص في الرواية بالمنطقة وبأسمائها ومميزاتها .
فهد حسين له نقد موضوعي وقراءات تتطور بشكل مستمر وحس أخوي مع الجميع وهذا يبشر بالخير ، واهتماماته بالرواية والقصة تجعله في رأيي الناقد الروائي المنتظر للبحرين والمنطقة .
• الكاتب يحتاج إلى الحرية في الكتابة ، والحرية في الأدوات والوسائل ، ولكن ما الذي يحد من الكاتب ويكون رقيباً على نتاجه الإبداعي سواء في صياغة الأفكار أو نقل المشاعر أو طرح الرؤية ؟
ــ لا رقيب على الكاتب الحر ، في السجن كتبتُ داخل قفص على أوراق الصابون والمحارم ، لا يتسلل السوس إلى عظام الكاتب إلا من داخله وحين تهاوي أفكاره وتساقط مواقفه وإيمانه بعدالة قضيته .
• إذا آمنا أن العمل الإبداعي هو نوع متمرد على الشكل واللغة والرؤية أيضاً ، فهل نجح الكاتب البحريني في تمرده هذا ؟
ــ إذا كانت روايتي تنامُ في معاجين الحلاقة ثم تظهر بعد ذلك للنشر ، ثم أواصل حفر الواقع وكشف وتعريته فهذا ليس فعل تمرد ولكن فعل نضال ، التمرد مؤقت سريع ، عاطفي ، أما النضال فمختلف . فهو يعتمد على قراءة العلوم : الطبيعية والاجتماعية . بالنسبة للكتاب الآخرين أسألهم . فلا أستطيع أن أجيب عنهم .
• من الملاحظ أن الناقد حين يكتب نقداً ولم يعجب المبدع يتهمه بعدم المعرفة أو الجهل ، وإذا أعجب بالنقد يثني عليه ويمدحه ، فما الخيط الرفيع بين المبدع والناقد ؟ ولم هذه الحساسية الكتابية بينهما ؟
ــ على الناقد أن يكون صبوراً في السير في تضاريس الكثبان للروايات والقصص ، وأن يدرك الخلفيات المركبة للنصوص ، وأن يأتيها برفق وحنان وموضوعية وأمانة ، فكلما كان رفيقاً كلما فهم النصوص أكثر واستطاع أن يقترب من أعماق الكتاب ، ولابد أن يفهم ظروف النص والكاتب حين ينقد ، حتى يكون صديقاً للكاتب والنص ، وحينذاك فإنه سيصل إلى استنتاجات مهمة ويفيد الكاتب ويحوز على تقديره حتى لو كان جارحاً في بعض المقاطع وقاسياً، فالموضوعية أفضل صديق للروائيين .
• بوصفك أحد المثقفين في هذا البلد المعطاء ، والمتابع للمشهد الثقافي البحريني ، فمن يصنع هذا المشهد ؟ الجهاز الرسمي المتمثل في إدارة الثقافة والتراث الوطني ؟ أم مؤسسات المجتمع المدني ؟ وكيف تقيمون هذا المشهد ؟
ــ يصنع المشهد الثقافي الكتاب والمبدعون بدرجة أساسية ، فالمهم في البداية هو الإنتاج والخلق ، أما التوزيع والعرض والتسجيل ، فهذه جوانب يمكن أن يقوم بها أناس وجهات مختلفة .
• الكاتب والمبدع البحريني هل يقوم بتثقيف السياسة أم تسييس الثقافة ؟
ــ حسب طبيعة وتوجه هذا المثقف ، بالنسبة لي أقوم بالمهمتين ، جعل السياسة تفهم الثقافة بكل أبعادها ؛ الأدبية ، والتراثية ، وكذلك بجعل المبدعين يفهمون السياسة ، ولا يتخوفون من المشاركة فيها وفي فهمها .
المحن مؤذيةٌ وصعبة، وهي قد تكسرُ البشرَ وخاصة المبدعين والمثقفين!
حاوره : علي الستراوي
عبدالله خليفة روائيٌّ وباحثٌ بحريني، بلغَ من العمر ستة وستين عاماً، بدأ حياته الإبداعية منذ أواخرِ الستينيات من القرن الماضي عبر المساهمةِ بإنتاجِ القصة القصيرة، ثم أنعطف إلى الروايةِ التي كرس فيها جهوده، وتداخلَ معها بكتابةِ الأبحاث فأصدرَ مجموعةً من الإصدارات عن التراث العربي الفكري والرواية العربية، وهذا الحوار هو آخر حوار أجري معه قبل أن يغادر دنيانا، وفي سياق الحوار نرى هذا المشوار المتعدد الجوانب وقسماته المميزة.
• عبدالله خليفة مشوارُ مثقفٍ تجاوز الأربعين عاماً في الكتابة ومازال في جرابه الكثير من العطاء، فكيف لعبد الله أن يقربنَا من كلِ هذه المحطات التي بدأتْ بالقصة القصيرة حتى وصلت لكلِ أنواع الكتابةِ الثقافية، ومازالت مشتعلة؟
ــ عاشت الكتابةُ لدي كنضالٍ فكري سياسي، فالقصصُ القصيرةُ التي كتبتُها بدايةً كانت طلقات، ثم تغيرتْ إلى نيران تجربةٍ طويلة، فعشتُ في مختلف المحن، بدءًا من العمل السياسي، والسجن، والبطالة، والعمل الصحفي اليومي الصعب. وتوجهتُ لقراءةِ تطور بلدي عبر هذه التجارب، فقرأتُ تاريخَه، وحياة منطقته، وإرثه الفكري، وصراعاته، فأنشأتُ أعمالاً عديدة يحكم عليها النقاد والقراء.
• يقول الروائي العربي حنا مينا (من عاش في فرنِ المحنة لقادر على تجسيد المعاناة)، ماذا يعني لكَ أدب المحنة؟
ــ المحن مؤذيةٌ وصعبة، وهي قد تكسرُ البشرَ وخاصة المبدعين والمثقفين، والكاتبُ حين يحولها إلى تجربةٍ مشعةٍ فإن ذلك يعتمدُ على نفسيتهِ وصلابتها وتطور موقفه، فقد تؤدي المحنةُ إلى نضجه، وقد تؤدي حياة الراحة إلى تآكله الروحي، وهذا يعتمد على العناصر الفكرية المقاوِمة التي شكلها في نفسه، وتنامت عبر التحليل الموضوعي التحويلي للواقع ومساهمته فيه.
• لك جهدٌ كبيرٌ في البحثِ الفلسفي والعطاء الأدبي والفكري، وقد أشعلتَ النارَ، أمام كل هذا التنوع، هناك من خالفك الرأي وآخرون وقفوا معك، فبماذا تردُّ عليهم؟
ــ مع تدهورِ الوعي الفكري العربي السياسي وخاصة تجاه مسائل التراث والواقع الراهن، كان لا بد من ظهور مساهماتٍ تحللُ الجذورَ العربية وتطوراتِها عبر العصور، وقد وجدتُ أن العديدَ من القراءات للماضي لم تكن دقيقة، فساهمتُ في قراءةِ التراث بحسب طاقتي، كذلك قمتُ بقراءاتٍ للرواية العربية، وربطتها بالقضايا المعاصرة وبتطور الثقافة، وهناك من الأدباء من لم تعجبهُ عمليةَ المزاوجةِ بين الإبداع والنقد والفكر، فيريدُ للأدباء أن يقفوا عند حدودهم ولا يتعدوها للنقد والفلسفة، فهم يشعرون بشيءٍ من الغيرة لهذا ويعيشون ضيقَ الآفاق. والواقع أن أي نقد يُوجه للكاتب هو نقدٌ مفيد وخاصة إذا كان موضوعياً وإذا لم يكن موضوعياً يعطيه فكرةً عن مستوى النقد وطبيعة كُتابه.
• يعتبرك الكثيرون من الكتاب وأنا واحد منهم أنك واحد من أهم كتاب المشاريع الفكرية والأدبية والتي تطورت لتكتبَ روايات عن التاريخ العربي بدت مغايرةً ومثيرة، كرواياتك: عمر بن الخطاب شهيداً، ورواية علي بن أبي طالب شهيداً، وعثمان بن عفان شهيداً، فكيف تنظرُ للشهادةِ من موقعٍ فكري؟ وألا يعني أن تصنيفك لكلِ هؤلاء الصحابة بأنهم شهداء مبالغاً فيه؟
ــ هذه من البؤر الفكريةُ الاجتماعية المرتبطة بالصراعاتِ السياسية وصراعات الأمم الإسلامية الراهنة، وهي صراعاتٌ مبالغٌ فيها، وخطرة على تطورها، فكلُ الصحابة الذين ناضلوا في تاريخ الإسلام ذوو مكانة عالية، ويُعتبر قتلهم جريمة، ويجب أن نتحدَ كلنا في هذا الموقف، وحين يرتكب المسئول أخطاءً فلا يجب أن يُعاقب بالتآمرِ والقتل بل بالتصحيح البناء. وأهمية مثل هذه الروايات والكتب الفكرية المحولة للوعي السائد الطائفي جديرة بالاهتمام لا بمنع الكتب ومصادرتها والتجني عليها بدلاً من قراءتها ونقدها وتصويبها إذا كانت فيها أخطاء!
• يعتبرك الكثيرون بأنك حاد نقدياً وقاس في تعاملك مع الأدب والتاريخ السياسي، فهل أنت كما يقولون؟
ــ الكُتابُ لا تعجبهم عادة الانتقادات التحليلية التي تكشف قضايا وأشكال إبداعاتهم، وخاصة حين تكشف التناقضات والمشكلات فيها، ولكن التحليلات للأدب لا تجري بصفةٍ شخصية فحسب بل لكون هذه النتاجات ثمارا للوعي والحياة العامة، والعديد من الكتاب لا يحبون مثل هذه اللغة النقدية ويريدون نقاداً يفصلون لهم بدلات خاصة على مقاسهم، ولهذا تجد أنهم يعطون كتبَهم لنقدها من قبل أصدقاء، وهذه مشكلة تبين تفاقم الذاتية لدينا.
• في محطات تجربتك العمرية الكثير من المشكلات وبدأت بكتابة القصة القصيرة حتى إنتاج روايات كبيرة بأجزاء، فكبرت فلسفتك الحياتية وكلفتك الكثير من المعاناة، فهل أنت سعيد لما أنجزته؟ وبماذا تحلم؟
ــ التجارب والمعاناة والانجازات تترافق، فأدواتُ الكشف النقدي للواقع لا تُسعد جهات عديدة، وأنت لا بد أن تتحمل مسئولية كلماتك ومواقفك. ولا شك أنني سعيد بما عملته، فهو الجانب الباقي من شخصي، وأحلمُ بكتابةِ المزيد وتأصيل مواقف فكرية وسياسية أكثر عمقاً وإضاءة، وكتابة ملاحم.
• التحولاتُ في الرواية العربية مشروعٌ متكامل في بُعدِ عبدالله خليفة الثقافي فكيف لكَ أن تأخذنا إليه؟
ــ الروايةُ العربيةُ بحرٌ كبير ومن الصعب التعبير المُعّمم عنه، ولكن الرواية العربية توجهتْ للمزيد من التغلغل في البُنى الاجتماعية العربية على مر القرن العشرين، وقد غدت أكثر خصباً بالتلاقح مع الموروث، لكنها لا تزالُ غيرَ عميقة في تحليلاتها الفنية العميقة للصراعات الاجتماعية النموذجية الهائلة الجارية، فالكثيرون يتوجهون للجانبي واليومي العابر وتصبحُ تحليلات الصراعات الكبرى المشكلة بفنيةٍ رائعة ونمذجة محدودة. إن التصادمات المحورية، واكتشاف الهياكل الصراعية وتجسيدها في نماذج مبهرة لا تزال غير متوفرة بشكل واضح واسع.
• (الأدبُ البحريني: الرؤيةُ والتحولات) هي عنوانٌ لورقة قدمتها ضمن فاعليات المكتب الدائم لاتحاد الكتاب العرب، بما اعتبره البعضُ بأنك تهاجم الكتابَ الروائيين العرب، فبماذا ترد عليهم؟
ــ هنا سوء فهمٍ في السؤال، فالنقادُ الذين كتبوا عن الروايةِ البحرينية في هذا المؤتمر تباينوا في مستوى كتاباتِهم، فهناك الناقدُ النادر الذي عكفَ على معالجةِ الهياكل الفنية والموضوعات والمضامين بشكلٍ نقدي متداخل وعميق، وهناك من ركز على الموضوعاتِ منفصلةً عن الأشكال والبنى التعبيرية، وهذه سلبيةٌ طالما نجدُهَا في نقدِ المؤتمرات الأدبية العربية. وأنا قمتُ بتحليل هذه العملية القاصرة، وطرح ما هو ناقص فيها.
• تجمعُ في كتابتكَ بين السياسة والأدب، فكيف ترى كلاً منهما على حدةٍ؟
ــ طبيعةُ العملِ الصحفي والدورِ السياسي تجعلكَ تهتمُّ بموادِ الحياةِ المباشرة وصراعاتها اليومية، وهي تدخلُ الكاتبَ في المباشر والحياتي اليومي الصارخ وأحياناً الفظ، الذي قد ينزعُ قراءتَك العميقةَ والبعيدة، ولكنه دائماً يجذركَ في الحياة، يُدخلكَ في المعاناة الشعبية والمناورات العليا للقوى السياسية، فالذي يتحول إلى صحفي ويدع اهتماماته الأدبية والإبداعية يتخصص في جوانب أخرى، وقد يفقدُ جوانبَه العميقة، والكاتبُ المزدهرُ بتحليل الواقع وقراءة المستقبل يجمع بين الجانبين؛ عينٌ على المادة اليومية وعدم السقوط في رمالها، وعينٌ على قوانين الحياة وسببيات الوجود، ولذا يُضفرُ بين الحياتي الفظِ والنثري وبين الجمالي.
• روايتك ما قبل الأخيرة (عنترة يعود للجزيرةِ)، أثارت الكثيرَ من اللغط بين المثقفين، وأنت قلتَ عنها في جريدة الحياة (لم تكن تعنيني حكاية النفط، إنه دفاع عن المعقولات التي تختصر الرواية في المنحى). قربنا من هذا المفهوم؟
ــ هذا كان جزءًا من الحوار حول المباشر والاتجاهات العميقة في الحياة، فالتركيزُ على التحولات الاقتصادية الاجتماعية النفطية كانت مرحلةً في الرواية العربية استنزفتْ نفسها، وجاء زمنٌ أدبي للعميق ولما بعد المباشر، وبطبيعة الحال هذه مسألة صعبة، فالرواية دائماً تغرقُ في المباشر، والآن لدينا موجة مباشرة في الخليج عن الحياةِ اليومية والجنسِ والبذخ الزائف، ونحن بحاجة إلى التجاوز والتغلغل في ظاهرات الحياة المركبة، وحاولتُ في رواية (عنترة يعودُ للجزيرة) طرح ما هو تراثي وواقعي عبر رؤية البطولة.
• أصواتٌ ضعيفةٌ اعتلتْ الساحةَ الثقافية الصحفية، توزعت بين المحلي والخليجي والعربي في ظل عروضٍ هشة لا ترتقي إلى الثقافة بعمق، فصفق لها من صفق وهاجمها من اختلف معها، فهل أنت من هؤلاء؟
ــ السياسة الثقافية للصحف والمجلات هي جزءٌ من وضعها السياسي والاقتصادي، فهي إذا كانت رسمية تضعُ خطوطاً حمراء عديدة على موادها وخاصة موادها الفكرية والأدبية التحليلية الناقدة، وهي هنا بحاجة إلى مثقفين إداريين تابعين، يرتبون الموادَ بحسب القرارات العليا، ولهذا فإن العديد من المجلات تنحى هذا المنحى، وترى ضخامة المواد في الخليج والمنطقة العربية التي ينتجها المبدعون بشكل يومي، ولكن هذه الصحافة لا تقربُ هذه الموادَ من أوراقِها الأنيقة عادة. والصحافة ذات المنحى الاقتصادي التي يديرها تجارٌ تقلل من الجانب الثقافي وتحجّم من المكافآت وربما كذلك تخفف من النقد السياسي، والجانبان الناشران هنا يعتمدان على ضعف الديمقراطية وحرية الرأي في المنطقة وغياب الصحافة الحرة الواسعة المقتدرة.
• أزمةُ طباعةِ الكِتاب أزمة أوجعت الكثيرين من المبدعين، ولا تزال هذه الأزمة توجع الكُتاب، بماذا تنصح دور النشر، وبماذا تقترح لحل أزمة النشر؟
ــ هذا جانبٌ آخر من مشكلاتِ الواقع الثقافي وهو مترابط به، فالكتّابُ هم مبدعون أحرارٌ يشكلون أعمالهم وفق رؤاهم، لا وفق رؤى الدول، ودور النشر الرسمية، ووزاراتُ الثقافة تشترط تخفيف الأظافر الحادة للأعمال الأدبية والفنية، أو إزالتها كلياً، فيما لدى المبدعين خيارات متعددة أخرى. ومن لديهم إمكانيات مالية يقدرون على الطباعة المكلفة فيهدرون أجزاءَ من حياتهم ومواردهم على الطباعة والنشر، وهذه مأساة إن لم تكن كارثة، تعبرُ عن واقع مرعب. ويعبرُ هذا كذلك عن ضعف الاتحادات الأدبية وعدم قدرتها على العمل من أجل تغيير ظروف المبدعين نظراً لكون بعضها أو كلها أجزاء من المؤسسات الرسمية أو الجماعات الشمولية المختلفة. المسألة مرتبطة كذلك بتطورات الديمقراطية والحريات والتحضر في المجتمعات العربية.
• بين الشعرِ واللوحة الفنية والكتابة السرديةِ حبلٌ يشد الأنواعَ الفنية والأدبية لبعضها البعض، فكيف للمبدع أن يفصلَ كلَ لون عن الآخر، وماذا يعني هذا الاختلاف في ظل مملكة الشعر؟
ــ الأنواعُ الفنية والأدبية لها خصائصٌ محددة مستقلة وخصائص مشتركة، بحسب موادها وأدوات تعبيرها وقسماتها الداخلية التي نشأت بها تاريخياً. وهي يمكن أن تَستثمرَ هذه الأدوات بحسب تطورها، فالقصةُ يمكن أن تَدخلها خصائصٌ من الشعر، كسماتِ التوهج والموسيقى والغوص في الأعماق بدون نثر جانبي متخثر، لا أن تتحول إلى فوضى تعبيرية، فهي تستثمرُ الشعرَ لتتطور المادة الحدثية والشخوص والشكل الفني، والقصيدةُ يمكن أن تستفيدَ من القصة عبر بروز هياكل دقيقة مرهفة تمسكُ الجزئيات الشديدةَ التناثر وتحفرُ عبرها في الحياة والوجود. الغوصُ في الحياةِ ورؤية العميق المذهل فيها يمكن أن يُشعرا القصة والقصيدة معاً.
• المرأةُ ماذا تعني لك؟
ــ هي الاكتمالُ الآخر للوجود البشري الذكوري. هي مُصعِّدةُ العواطف والسمو والجذور. الحب يخلق تطورات كبيرة في أعماق الإنسان، هو شكل القمة للتضحية.

حوار مع الكاتب عبدالله خليفة المؤلف الجيّد عاجز عن الوصول الى الناس
حوار مع الكاتب عبدالله خليفة: المؤلف الجيّد عاجز عن الوصول الى الناس
مجلة «الجديد» التابعة للحزب الشيوعي الإسرائيلي، تنقل مقابلة لعبدالله خليفة نشرت اصلاً في مجلة «اليوم السابع» سنة 1988.
The Palestinian Museum Digital Archive – أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي: العدد الثاني عشر من مجلة الجديد، كانون الأول 1988.
يعتبر الكاتب البحريني عبدالله خليفة، من ذلك الرعيل الذي ظهر منذ أواسط السبعينات، وسط زخم أدبي بحريني متميز شهد ظهور أسماء عديدة على الساحة العربية، وهو كاتب قصة ورواية ونقد، صدرت له روايات عديدة ومجموعات قصصية، ويستعد حالياً لإصدار كتب أخرى.
في البحرين التقى به يوسف مكي، مكاتب «اليوم السابع» وطرح عليه أسئلة عديدة تنشرها «الجديد» فيما يلي لإطلاع القراء على هذا الكاتب وتجربته الأدبية:
■ بدأت بكتابات القصة القصيرة وانتهيت إلى كتابة الرواية منذ بداية الثمانينات، لماذا هذا التحول؟
♦ في البداية أود ان اقول ان القصة القصيرة التي كتبتها كانت تتسم بالبحث الشمولي في الحياة والواقع، إذ أنها تتطلب تكثيفاً وتركيزاً على اللحظة النفسية أو الاجتماعية المحددة. ولكن كانت القصة التي اكتبها تهتم بهذا التركيز وترفض بعض جوانب الواقع، وتكشف اللحظة النفسية في ارتباطها بجوانب أعمق في الحياة. وقد دفعتني هذه المسألة الى الاهتمام بتوسيع هذه اللحظة وتعميق اللحظة القصصية وبالتالي ربطها بدلالات اجتماعية وتاريخية أعمق. فعلى سبيل المثال كتبت في بداية حياتي الأدبية قصة تتحدث عن مغني البحر، عن شخص في سفينة الغوص يغني ويطرب البحارة ويدفعهم لمزيد من العمل والإنتاج. هذه القصة مكثفة تهتم بلحظة نفسية مكثفة جدا، ولكن عندما ازددت معرفة وازددت عمقاً وفهماً للحياة والإنسان أخذت هذه اللحظة تتسع فلم اكتف بمغني البحر وحده في مشكلته الجزئية، وإنما صار هناك اهتمام بمرحلة الغوص واهتمام بتحليل هذه المرحلة بنماذجها المتعددة والاتجاه الى ربطها بجذورها التاريخية والاجتماعية فغدت اللحظة الصغيرة في القصة القصيرة نوعاً من الملحمة المكثفة التي تهتم بصراع هؤلاء البشر في لحظة زمنية عميقة المحتوى.
والملاحظ أنه كثيراً ما يبدأ القصاصون بالقصة القصيرة وتتعمق رؤاهم ومعرفتهم ثم يتجهون الى الأنواع الأدبية الأكثر إطالة وتوسعاً لتعميق القضايا التي كانوا يطرحونها. فعلى سبيل المثال «تشيخوف» بدأ بالقصة القصيرة ثم اتجه الى الرواية والمسرحية على وجه التحديد لأن اللحظات القصصية القصيرة المكثفة التي كان يكتبها كان بحاجة الى تعميقها أكثر. وهذا ما حدث بالنسبة لعدد من القصاصين العرب والعالميين.
■ هل يعني ذلك التحول الانتقال من حدث فردي تتناوله القصة القصيرة الى حدث اجتماعي متمثل في الغوص وصراع الأفراد. وبالتالي لا بد من تناوله في رواية؟
♦ القضية ليست هكذا بالتحديد وإن القصة القصيرة هي لحظة مكثفة موجزة تتناول خيطاً ما من هذا الإنسان أو من هذه الحادثة. هذا الخيط من الممكن أن يطرح بأشكال متعددة عن كل مناحي الحياة ولا بد من ربط النواحي التراثية النفسية والناحية الاجتماعية. والقصة القصيرة لا بد أن تربط بين هذين الجانبين. ولكنك وانت تكتب القصة القصيرة تكتشف باستمرار جوانب عديدة في الحياة الاجتماعية وفي هذه الحالة تلح عليك الأنواع الأدبية الأخرى لكي تستوعب المشكلات والأجزاء الكبيرة في الواقع والجوانب الروحية. والملاحظ هنا في البحرين إن التطور الأدبي كان مهتماً بالقصة القصيرة والشعر باعتبارها يمثلان نوعين يعبران عن مستوى وعي المبدعين الشباب، ولم يكن حينها يوجد لدينا تراث محلي من نوع الرواية وبالتالي كان لا بد إذ تكون القصة القصيرة في مجتمع ما زال في بداية انفتاحه على العالم ومن خلال ملاحقة التطورات الأدبية الجديدة في العالم العربي، وبعد سنوات من الخبرة والتطور، كانت هناك مسائل كثيرة ومستجدة تنمو في الحياة. وقد كنا فى حاجة الى تطوير الأدب والأدوات الخاصة به وفي ظل وضعية المجتمع بشكل عام كان لا بد أن تكون الأمور مرتبطة بالقصة القصيرة ومن ثم الانتقال الى نوع جديد وهو الرواية أو المسرحية.
الوقت المناسب
■ هل يعني ذلك أن التحول من القصة القصيرة إلى الرواية جاء في وقته المناسب؟
♦ اعتقد ذلك، خاصة أنني كتبت عدداً من القصص القصيرة، حوالي مجموعتين وقصصاً أخرى، وفي مرحلة السجن حدثت عملية اختمار فكري وأدبي وتأملات طويلة تم تحويلها الى رواية. إلا أن المسألة في حقيقة الأمر كانت عضوية. وهذه العضوية تنطبق على كتابة أي نوع من الأنواع الأدبية. ومن ثم يبدأ الوعي باكتشاف عملية الخلق الروائي بشكل أعمق. وكما ذكرت فإن القصة القصيرة المكثفة تكون البداية ثم الرواية بهدف تعميق الوعي الفني الموجود عند الكاتب، وهذا ما تعجز عنه القصة القصيرة وتستوعبه الرواية. وفي هذه الحالة يشعر الكاتب بأنه قام بكتابة ما لديه أو ما يعانيه ويختمر داخله. فرواية «اللآلئ» كانت عبارة عن تأملات طويلة في حياة الوطن وتعمق في كشف الأشياء والبحث عن المصائر التاريخية للأشياء والأفراد (الإنسان) كما أن الرواية تبحث الأسئلة الكبرى في الحياة. وهنا تأتي الرواية للإجابة عن هذه الأسئلة.
■ ذكرت أن الرواية بمعنى ما تحاول الإجابة عن الأسئلة الكبرى للمجتمع الذي تصدر عنه. والملاحظ ان روايتك الاولى تتناول فترة الغوص وهى فترة ما قبل النفط. هل هذه الرواية تجيب عن الأسئلة الكبرى للماضي أو عن الأسئلة الكبرى للمرحلة المعاصرة؟
♦ ـ سؤال جميل – تناول الماضي هو دائماً تناول للحاضر. لا يوجد بحث أو كتابة تهتم بالماضي بصفته المجردة. والنقاش في الماضي ليس نقاشاً في الماضي وإنما في الحاضر ولأجل الحاضر.
وبالتالي فهو نقاش في الحاضر وصراعاته. وهذا ينطبق على الرواية. وعندما يكتب روائي عن فترة ماضية، ويكتشف هذه الفترة وتناقضاتها وأعماقها من نماذج بشرية تعيش فيها والقضايا والأسئلة المهمة التى تؤرق هذه الفترة عندما يتحدث عن ذلك فهو إنما يناقش مسائل عصره بالتحديد. وعندما لا تكون هناك مناقشة لقضايا العصر الملحة، يكون العمل الأدبى لا قيمة له.
وهنا بطبيعة الحال لدينا الرواية، لأنه لا بد أن يكون ذلك العمل الأدبي شرارة تصب في هذا الصراع العام. ولا بد أن يكون قوة مضيئة في التحولات التي تجري في وقتها. فإذا ما سحبنا هذا المفهوم النظري على التجربة الملموسة، نجد بأن رواية «اللآلئ» هي اكتشاف للصراع بين الربان «النوخذة»، وهو الرجل الذي يتحكم في مصائر البحارة ويقودهم كما يحلو له ويستولي على تعبهم بهذه السيطرة وما يترتب عليها من نتائج نفسية، فيما نجد لدى البحارة تنامي الوعي بالرفض والتذمر وتنامي قدرتهم للتصدي لهذه السيطرة التي تقودهم الى الدمار. كما نلاحظ أن النوخذة يمثل الصراعات التي كانت موجودة ولا زالت موجودة وتتمثل في موقف طبقة معينة (القديمة) من التطور الرأسمالي. فالنوخذة كان يرغب في الاستفادة من اللآلئ للابتعاد عن البحر لتأسيس مؤسسة حديثة مرتبطة بالأحداث المستجدة في المجتمع.
الماضي والحاضر
■ إذا كان ذلك صحيحاً من الناحية النظرية. ما مدى انطباق ذلك على الرواية، خاصة اذا عرفنا ان فترة الغوص هي فترة قائمة بذاتها إلى حد كبير وفترة المجتمع الحديث هي الأخرى قائمة بذاتها، حيث أن الأولى قائمة على أساس علاقة السخرة والعبودية والفترة المعاصرة قائمة على أساس علاقات الإنتاج الرأسمالية، الا يعني ذلك اسقاطاً للماضي على الحاضر؟
♦ أعتقد أن الفترتين الماضية والمعاصرة في البحرين وفي منطقة الخليج عموماً هما لحظتان في تطور واحد وفي تشكيلة اقتصادية اجتماعية واحدة وهما ليستا مبتورتين عن بعضهما البعض وإنما متداخلتان. أما بالنسبة للفن فان له قوانينه الخاصة غير المقطوعة عن القوانين العامة لتطور الحياة فالفن يمكن أن يناقش أي شيء يمكن ان يناقش المستقبل أو أن يكتب روايات خيالية ويمكن ان يكتب عن عصر الكهوف. ولكن المسألة هي في كيفية مناقشة أي موضوع وبطريقة تضيء الحياة المعاصرة. وهنا عندما نناقش الماضي بموضوعيته فإننا بطريقة ما نثير ذات الأسئلة وذات الموقف في الحياة المعاصرة. وبالتالي بالنسبة الي ككاتب لا يمكن أن أفهم الماضي إلا على ضوء قوانينه ولكن بارتباطه بالحاضر.
■ ألا يعني هذا أن لفترة الغوص مشكلاتها الخاصة وللفترة المعاصرة النفطية مشكلاتها الخاصة التي تختلف عن الفترة السابقة؟
♦ كما قلت فإن الفترتين متداخلتان إلا أنها متباينتان اذ ان الحقبة النفطية تشكل انعطافاً في التطور الاجتماعي وتشكل لحظة تاريخية واجتماعية مختلفة عن السابق لكنها ليست مقطوعة عن الماضي. هذه اللحظة لها سماتها الخاصة. والرواية لا تهتم بالقضايا الجزئية التكتيكية، وإما بالقضايا الكبيرة في التاريخ والكاتب يتناول القضايا الكبيرة مثل قضية التطور الاجتماعي إلى أين؟ مثلا…
■ يقول جورج لوكاش «الرواية هي ملحمة بورجوازية» أو ملحمة المجتمع البرجوازي إلى أي مدى ينطبق هذا الكلام على الرواية في البحرين على الرغم من عمرها القصير نسبيا؟
♦ بالنسبة للتعريف القائل بأن الرواية ملحمة البرجوازية أعتقد أنه يعني أنها ارتبطت بنشوء الطبقة البرجوازية. أما في الدول النامية فالأمر يختلف. فقد نشأت الرواية باعتبارها رواية وطنية. أي أنها تحاول ان تجسد ملامح شعب وطموحاته وحركته وتاريخه فهي بهذا المعنى ملحمة وطنية وتركز على الجوانب الديمقراطية بالمعنى البرجوازي. والرواية العربية وكذلك في بقية دول العالم الثالث ارتبطت بالتخلص من الاستعمار والتصدي له. وهذا ينطبق على البحرين والخليج بوجه عام. فقد نشأت الرواية كمحاولة لاكتشاف هذه الناحية مثل رواية «الشاهندة» في الإمارات وكذلك بعض الروايات التي تناولت تطور المدينة في الخليج من قرية صيادين الى مدينة كبيرة الى مدينة استهلاكية نفطية. ولكن المسألة أيضاً تتعلق بمدى رؤية الكاتب وقدرته على الربط بين هذه التحولات في المجتمع والشخصيات والأحداث في الرواية. في البحرين كان يوجد اهتمام بمعالجة رواية «الحصار» لفوزية رشيد والتي تناولت حقبة السبعينات وتتحدث عن مجموعة من المناضلين من أجل التغيير داخل وخارج السجن. وهذا في رأي محاولة لاكتشاف الواقع من خلال نمو الرواية واستبصار القضايا الاساسية وكذلك بالنسبة للادوات الفنية فهي ما زالت في البداية.
نلاحظ ذلك من خلال بعض الروايات التي تتسم بالشعرية المكثفة جدا والغموض والتجريبية. فمثلاً نجد رواية امين صالح «اغنية ا – ص الاولى» تتجه اتجاهاً سريالياً، وهناك نماذج كثيرة.
من البحرين الى الخليج
■ ماهو موقع الرواية في البحرين بين الأدب العربي في الخليج، خصوصاً وان هناك كتاب روايات امثال اسماعيل فهد اسماعيل وليلى العثمان في الكويت؟
♦ يمثل كل من اسماعيل فهد اسماعيل وليلى العثمان نضجا قصصيا مهما في الكويت والمنطقة.
ولاسماعيل العديد من الإبداعات الروائية والنقدية والقصصية وتمثل إضافة مهمة. الا ان اغلب رواياته تناقش قضايا عربية شمولية أكثر منها محلية، كتطور المجتمع العراقي. ورباعيته اهتمت بالتاريخ العراقي في حين أن رواية «النيل يجري شمالا» تناقش فترة حكم مصر ايام نابليون. أما ليلى العثمان فقد اهتمت بقضايا المجتمع في الخليج ولديها روايتان تعالجان الحياة في الكويت ماضياً وحاضراً لماذا ذلك؟ لأن الجيل الحالي لا بد وأن يعالج الماضي باعتبار ان اقدامه ما زالت قائمة في الفترة السابقة. أما في بقية الخليج فيوجد تطورات خاصة في الإمارات العربية المتحدة التي فيها محاولات وكتابات قصصية وروائية تبشر بكثير من العطاء. ولدينا كتاب مثل علي أبوالريش ومحمد الحربي. (أنظر الدراسة المطولة عن الرواية بين الإمارات والكويت لـ عبدالله خليفة) أما في البحرين فهي تمتاز باهتمامها بالبناء الفني المتماسك وبالقضايا العميقة للتطور الاجتماعي خاصة بالصراعات الطبقية وهذا الاهتمام أيضاً يتعلق بالفكر والتطور الإبداعي وهو نتاج التطور الخاص بالبنية الاجتماعية. ومن هنا جاءت القصة القصيرة وخاصة الرواية زاخرة بهذه الصراعات وذات بعد طوري ربما أكثر من بعض الدول العربية في الخليج.
■ ذكرت أن الرواية في طور التكوين، أين موقع النقد في الرواية؟
♦ من المعروف أن النقد قد سبق الرواية ولدينا العديد من الكتابات والمحاولات النقدية السابقة على الرواية التي حاولت أن تؤصل التطور القصصي والفكري في البحرين مثل كتاب الدكتور إبراهيم عبدالله غلوم حول القصة القصيرة في الكويت والبحرين، لدينا أيضاً كتابات علوي الهاشمي وخاصة في مجال الشعر في كتابه ما قالته النخلة للبحر. ولدينا كتاب آخرون أمثال يوسف الحمدان في مجال النقد المسرحي ويوسف يتيم.
وقد لعب النقد دوراً تحفيزياً في نمو العمل الإبداعي. وما كتبه ابراهيم غلوم بالنسبة للقصة القصيرة هو محاولة فيها الكثير من الجوانب المفيدة والمضيئة للتطور التاريخي للقصة في الخليج والبحرين وهذه المحاولات حاولت أن تربط حلقات متعددة في الأربعينات والخمسينات والستينات، وادت الى الاهتمام بكتابة القصة القصيرة.
والملاحظ أن الرواية نمت عبر كتاب القصة القصيرة هذا فضلا عن اختلافها عن النقد الأدبي، لأن لها مسارها الخاص وعندما نلاحظ قصص الستينات نجد أنها اهتمت بجوانب عديدة ومهمة خاصة ما كتبه القاص محمد عبدالملك في مجموعتيه «نحن نحب الشمس» و«موت صاحب العربة» حيث نلاحظ قصصاً قصيرة بانورامية تتناول نماذج مختلفة من المهشمين والمحطمين من البشر ومحاولات الناس لتغيير هذا الواقع.
وعلى أعتاب هذه القصص القصيرة ظهرت الرواية، وفي مجال النقد يمكننا ملاحظة أنه قد لعب دورا كبيرا في اكتشاف لحظات تطور القصة. وفي هذا السياق وجد بعض الكتاب الذين كانوا ضد الكتابات النقدية الواقعية الموجودة على الساحة في البحرين. وينظر الى الكتابات التي تتسم بالشكلانية المفصولة عن هموم الانسان احياناً باعتبارها إنجازاً كبيراً.
ومن هنا فإن عدم وجود نقد واقعي يستطيع ان يكتشف الأدب في تطوره الفني والاجتماعي أوجد ثغرة وبالتالي تكرس لدينا نقد يهتم بالجوانب الفنية المفصولة عن الحياة كما أن هذه المحاولات النقدية غير دقيقة. وقد ادى ذلك الى نوع من الاهتمام بالكتاب الآخرين والى محاولة اكتشاف جوانب عديدة أخرى من العملية الإبداعية والأدبية فعندما يرى الناقد ابراهيم غلوم بأن «كتابات القاص محمد عبدالملك هي واقعية نقدية لكنه يبتعد عن الواقعية النقدية في «قوس قزح» يخطىء لأن هذه القصة هي في رأيي أكثر اقتراباً من الواقعية من القصص الأخرى. والمعروف ان هذه القصة قد ترجمت الى الفرنسية.
■ باعتبارك ناقداً أيضاً، يلاحظ ان الحياة الثقافية في البحرين تعج بالكثير من المستويات الابداعية، ضمن هذه المستويات يوجد تباينات في المنظور وفي وجهات النظر ما هو تقييمك للحركة الثقافية البحرينية بشكل عام؟
♦ الحركة الثقافية فى البحرين على مدى 20 سنة الأخيرة توزعت بين فترتين زمنيتين: فترة الستينات الأولى أو فترة الأزمة الاجتماعية، حيث كانت الأوضاع أكثر إحتداماً بالصراعات الاجتماعية. وكانت الثقافة والحركة الأدبية خصوصاً جزءاً من هذه الحركة الاجتماعية الضاغطة والمهتمة بتغيير الحياة. فالحركة الأدبية انبثقت آنذاك من الصراعات التي كانت قائمة وعبرت مختلف المستويات الابداعية عن هذا الصراع، والقصة القصيرة والشعر والمسرحية كانت تمثل أكثر أشكال الأدب حضوراً خلال هذه الفترة كما كانت تمثل وعياً طليعياً بالنسبة للمجتمع حينذاك.
ثم جاءت المرحلة اللاحقة (النفطية). في ظل هذه الوضعية نمت الفئات الوسطى وازدادت العمالة الأجنبية وقلت الأيدي العاملة الوطنية في القطاعات الإنتاجية وظهرت الطفيلية، ونزعة التسلط. وكل ذلك انعكس على الحركة الثقافية والادبية، لذلك نلاحظ القليل من الأدب الذي يحاول أن يضيء للناس ويطور أدواته الفنية، في الوقت الذي يوجد قسم آخر من الأدب يتقوقع في شرنقته مهتما بالغرائبية أو بجوانب معينة فنية مبتورة عن الواقع و الجوانب الجوهرية في الحياة.
وهذا يعنى تهميشاً للأدب كما أن هناك اعمالاً فنية أخرى ذات إسفاف مهتمة بجوانب هامشية. وحقيقة الأمر أن التطور الفني والادبي يواجه مأزقاً ويعود إلى ظهور الطفيلية ارتفاع المداخيل الفردية الذي أدى إلى ابتعاد كثير من الجمهور عن الثقافة والأدب، والاتجاه الى الفنون السوقية والمبتذلة وهنا نواجه مشكلة علاقة الأدب بالجمهور اضافة الى ذلك أدت هذه الحالة إلى خلل في العلاقة بين الكتاب والجمهور.
الواقع وانعكاسه
■ يقال ان الثقافة انعكاس للواقع، إلى أي مدى يمكن اعتبار ذلك الانعكاس صحيحاً للثقافة عموماً والأدب خصوصاً؟
♦ لا بد من الاشارة الى ان مفهوم الانعكاس يفهم أحياناً بشكل خاطئ وعلى أنه انعكاس مرآوي. والمشكلات التي تعبر عن التخلف ليس من الضروري أن تنعكس في الثقافة. ولربما يكون الأدب أكثر تقدماً من الواقع فعلى سبيل المثال نجد أن روسيا القيصرية كانت أكثر تخلفاً مقارنة بالدول الاوروبية الرأسمالية الا انها من الناحية الثقافية والادبية كانت أكثر تقدماً من بقية الدول وخاصة في مجال الأدب الواقعي والإنساني الذي اتسم بقدرة كبيرة على التحرر الروحي. وهذا معناه أن الناس فى فترة معينة وفي غمرة المشكلات الكبرى وفى فترات التمزق يتطلعون إلى آفاق أبعد ويتجاوزون الأنظمة القائمة التي تعيق تطلعاتهم وتقدمهم الثقافي والروحي، وهنا بالضبط يلعب الأدب دوره في عملية التجاوز وينسف الأنظمة الاجتماعية المتخلفة ويصل بالناس إلى آفاق أكثر تقدماً ورحابة ويهيئهم لتغييرات روحية ثقافية واجتماعية.
■ هل بإمكان الأدب أن يحدث تغييرات سياسية جذرية؟
♦ بالطبع لا. الأدب غير قادر على ذلك ولكنه قادر على أن يحضر تحضيراً عميقاً لروحية الإنسان من أجل التغيير بمعنى أنه يهيئ الأرضية لارتباطه بالاجابة عن الأسئلة الكبرى. وعندما يتأثر الناس بهذا الأدب الحقيقي يتحول هذا التأثير إلى قوة جماهيرية تساهم في تغيير الحياة.
والأدب هو رافد من روافد الحقيقة التي تمهد للتغير فمثلا شكسبير لم يحطم نظاماً اجتماعياً ولكن مسرحياته بقيت زادا مهما للبشرية تنهل منه بسبب معالجاته للقضايا الكبرى لدى الإنسان.
وفي البحرين أو الخليج نجد أن الأدب الذي يساهم في التحولات غير موجود. الا ان هناك بذورا أو جوانب مهمة تؤثر على فئات من الناس وفي مدى السنوات القادمة سوف تتسع عملية التأثير أما في لحظتنا الراهنة فنلاحظ أن الموجات الارتدادية والسلفية والمتخلفة هي التي تحاول أن تظهر على السطح وان تعرقل النمو الروحي والتطور الاجتماعي. وهذا ما نشاهده من انحسار للأدب وظهور حوانيت صغيرة تدعي الأدب وعدم اهتمام وسائل الإعلام بالأدب حقى ان الكتّاب يعانون من صعوبات الحصول على لقمة العيش وكذلك المثقفون.
■ ولكن الفترات الصعبة التي تمر بها الشعوب كثيراً ما تكون دافعاً لظهور كتاب عظماء لماذا لا يوجد لدينا كذلك؟
♦ لا شك أن كبار الكتَّاب يحتاجون الى مواهب كبيرة وان التطور الاجتماعي يساهم في ظهور مثل هذه المواهب كما أن المواهب الكبيرة ليست منفصلة عن التطور الاجتماعي ومثال على ذلك أن الكاتب الروسي دوستويفسكي لم يكن بالامكان ان يظهر في القرن 18 ولكنه ظهر في القرن 19 وهذا يعود لأسباب تطورية اقتصادية واجتماعية وثقافية تراكمت لتهيئة الجو المناسب لظهور مثل هذه الموهة لابداع الروائع التي ابدعها. وينطبق نفس الأمر على شكسبير، الشروط الموضوعية تلعب دوراً لخلق مثل هؤلاء الكتاب بالإضافة إلى الجوانب التراثية المتمثلة في الأبعاد النفسية والقدرات والجوانب الفكرية. اما في الخليج فإن التطور التاريخي لا يتجاوز 20 أو 30 سنة فقبل عشرين سنة كان التخلف يضرب بجذوره عميقاً في المجتمع، الأمية، الأكواخ، الفقر، المرض، في ظل هذه الوضعية كيف يمكن أن يظهر كاتب عظيم؟ ومع ذلك نجد الجانب الآخر إن البحرين، وخلال عشرين سنة، استطاعت أن تقوم بنهضة أدبية وفنية كبيرة وانطلاقاً من الصفر الى القصة القصيرة الى القصيدة الحديثة والروايات المتعددة.
حتى اننا وجدنا انفسنا ننافس بعض الدول العربية كاليمن أو الاردن وعلى الرغم من صغر حجم البحرين سكاناً ومساحة، يظهر لدينا شعراء وقصاصون مهمون على مستوى الوطن العربي. وان نخلق مسرحاً ونقداً ورواية في ظل هذه الظروف الصعبة، انجاز هام جدا الا أنه لا يكفي. كما أن غير المنشور من الابداعات كثير فلديّ مثلا روايتان غير منشورتين ومجموعة قصصية غير منشورة وكتابان نقديان غير منشورين. وهذا يعود للظروف المحيطة في منطقة اتجهت للبذخ والترف والابتعاد عن الثقافة وأيضا الى صعوبة حياة الأدباء والأدب.
■ هل الأدب الجيد هو بالضرورة أدب جماهيري؟
♦ ليس بالضرورة لأنه في فترة محددة لا يستطيع الأديب أن يكون جاهيرياً. وهذا مرتبط بعادات المتلقين والقراء وربما لأنهم يتجهون لأنواع فنية اخرى قد تكون مبتذلة. والكاتب الجيد لا يستطيع الوصول الى هؤلاء الناس. اضافة الى ذلك هناك قدرة الكاتب على توصيل ادبه. إذ يوجد كتاب يستطيعون بأدبهم العميق أن يكونوا جماهيريين ومن هؤلاء حنا مينة بسبب قدرته على التوصيل وتجسيد رواياته بطرق مقبولة من الجمهور.
وفي جانب آخر نجد كتاب مرموقين لكنهم يفتقرون للجماهيرية وهذا يعود الى طريقة تجسيدهم لابداعاتهم. فمثلاً ماياكوفسكي في الثلاثينات لم يكن جماهيرياً. والمعروف أن أذواق الجمهور حينذاك كانت من نمط جمالي معين. ومع تطور الابداع والذوق الجمالي اتسع بالتالي تذوق ماياكوفسكي. الجماهيرية ليست بالضرورة مقياساً للجودة، فالقصة البوليسية من أكثر الروايات رواجاً. الا ان الاديب الجيد هو من يحاول ان يوفق بين المضمون العميق لما يكتب وبين الشكل المعبر والموصل ولا يوجد تناقض بين جماهيرية الأدب وجودته.
■ ما المقصود بالجمهور؟
♦ يتحدد الجمهور كما يتحدد الأدب بارتباطه بالتطور التاريخي والاجتماعي وإلى أي درجة من التطور وصل هذا المجتمع. وما هي درجة الأمية إضافة إلى التربية الجمالية للناس ضمن المجتمع وكذلك درجة الوعي ودرجة الصراعات وقضايا النضال السياسى، كل هذه الأمور تؤثر بهذا القدر أو ذاك على خلق جماهير الشعر.
■ ما هو جديدك القادم؟
♦ كما قلت لك لديّ روايتان ومجموعة قصصية ومسرحية وكتابان نقديان أحدهما يتناول كاتباً محدداً إو يعالج تطوره الابداعي وقضاياه وبشكل مكثف ويربطه بمختلف جوانب الحياة اجتماعياً وثقافياً. وكل هذه الكتب جاهزة للنشر…
الجيل القديم لا يواكب المرحلة الجديدة
حاوره: جعفر الديري
على هامش العرض المسرحي الذي تقدم به مسرح الجزيرة في عرضه لمسرحية «السادة النواب» التقت «الوسط» بالكاتب والناقد البحريني عبدالله خليفة عضو لجنة تحكيم الأعمال المسرحية في حديث عن المسرح البحريني والتصورات والطرح الجديد الذي تقدمه المؤسسات والمسارح الأهلية…
⁎ هذه المسرحيات التي تعرض ضمن نطاق المؤسسات الخاصة والمسارح الأهلية هل تختلف عن تلك التي تعرض ضمن نطاق حكومي سواء في تجربتنا نحن في البحرين أو على مستوى الخليج العربي؟
✤ ذلك راجع الى النص والعرض، بمعنى هل يتجه النص والعرض الى قضايا عميقة، هل يقدم تقنيات جديدة هل هو على مستوى متطور، فكل هذه الجوانب هي التي تبين مدى جودة أو سوء العرض، اذ ان هناك مقاييس عامة فنية فكرية هي التي تحدد ذلك وليس طبيعة المنتج سواء كان شركة خاصة أو حكومية أو كان فرقة هواة أو أية مجموعة تقوم بالعمل، فالمهم كيفية بناء العمل وتجسيد الدلالات الفكرية والفنية على الخشبة ومستوى أداء الممثلين فيما يطرحون وما يحشدون من أحلام الناس.
⁎ ولكن ألا يمكن أن يشكل غياب الدعم المالي بالنسبة إلى المؤسسات الخاصة أو المسارح الأهلية عائقا أمام الانتاج المسرحي الجيد؟
✤ لا تشكل الموازنة عائقا حقيقيا أمام أي مبدع يريد أن يجسد ما يختلج في نفسه سواء كان مؤلفا أو كاتبا مسرحيا أو كان رساما أو ممارسا لأي شكل من أشكال الابداع، فالمهم ماذا يدور في داخله وماذا يريد أن يجسد ومن ثم يستطيع أن يتغلب على العقبات كافة. ولكن الحافز الروحي العميق بعرض قضايا الحياة والناس تلاشت عند الكثير من الفنانين والمجموعات المهتمة بالشأن الفني، اذ يهتمون بشكل أساسي بمسائل الأرباح والشهرة، ولكن مسائل العرض الجميل والتأثير في الحياة مفقودة عند الفنانين عموماً، وعلى ذلك لو توافرت لديهم هذه القوة الروحية والفكرية لكان بامكانهم التغلب على أية عقبة، خذ مثلا السينما الايرانية فهي في بلد فقير جدا ولكن هذا البلد الفقير يفوز بجوائز سينمائية عالمية مع أنه ليست لديه امكانات مادية أو تقنية حتى، ولكن النخب الفنية في مجموعات بسيطة من الفنانين العاملين في مجال السينما يحترقون من أجل فنهم ويقرأون ويتابعون ويضحون بالكثير لكي يؤسسوا فنا سينمائيا جميلا، ولكنك تلاحظ أن الفن السينمائي العربي وخصوصا المصري وعلى رغم الامكانات الضخمة من أموال واستوديوهات فإنه ينتج أفلاما في منتهى الرداءة، فالمسألة اذاً ليست مسألة امكانات ولكن مسألة روح ومواقف وتأثير.
⁎ ولكن ألا توجد أهمية للمال في العرض المسرحي، فالمسرحية تحتاج الى عدة أمور لتبدو بشكل جيد قادر على استثارة المشاهدين وتشجيعهم؟
✤ اعتراضا على هذا الكلام أقول انه عندما كان البلد فقيرا وكانت المسارح فقيرة والمثقفون فقراء في نهاية الستينات ومطلع السبعينات كان الفنانون ينتجون أعمالا أكثر جمالا وقربا من الناس، وكانوا في خلق مستمر وانتاج مستمر، ولكن عندما زادت أموالهم أصبحت اهتماماتهم مادية وتجارية فتقلص عندهم الدافع الروحي والثقافي لانتاج أعمال ابداعية، فبالتالي أصبحوا عاجزين ليس لضعف الأموال لديهم ولكن بسبب تراجعهم في الاهتمام بالثقافة وتحليل الحياة والاقتراب من الناس والابتعاد عن التغلغل في مشكلات الحياة وقضاياها، فحب التطور والاصلاح هو ما يخلق فنا عظيما. مايكل أنجلو مثلا لم يكن له رصيد في بنك البابا! ولكنه كان يرسم أكثر من اثنتي عشرة ساعة يومياً وهو متعلق بسقف الكنيسة، فهي عملية تضحية أساسا، ولكن الآن قلّت هذه التضحية. وهذا شأن لا يتعلق بالفن والمسرح فقط ولكنه شأن الثقافة عموماً، فاذا قمت بالتضحية من أجل الثقافة تهون كل الأشياء وتكون لديك قدرة على الانتاج. ولكن الآن تغير الأمر فلم تعد لدى الفنان القدرة على اعادة خلق الحياة ولم تعد لديه قدرة على خلق نماذج مشوهة في الحياة وتعريتها بحيث تعطي الجمهور دفعة جديدة، اذ نلاحظ مع تحولات ومحاولات الحريات المطروحة في الثقافة والحياة السياسية أنهم (أي الفنانين) غير قادرين على نقد أي شيء في الحياة على رغم أنهم كانوا يقولون ان الرقابة كانت السبب في منعهم من عرض مشكلات الناس، فالمشكلة اذاً داخلية لديهم أكثر منها قضايا خارجية تتمثل في الموازنة أو الرقابة أو هيمنة الدولة.
⁎ الصورة التي حفظها تاريخ المسرح العالمي «لموليير» وجريانه وراء تأسيس المسرح وعروضه المسرحية التي كان يدور بها من مكان الى آخر هل هي صورة لا تتوافر لدينا أبدا، بمعنى أن المخلصين الذين يعتد بهم تلاشوا تماما؟
✤ هناك مخلصون طبعا وهناك قلة من المستميتين في الانتاج الفني والمسرحي بأشكال بطولية أحيانا وهو أمر لا ينكر، ولكن يتم التوجه دائما ناحية توجهات معينة من الفنون الصعبة والغرائبية أو غير الشعبية. وموليير كان يحاول أن يمزج بين تقنيات الفن الجديد والوصول للناس اذ ان عملية المزج هذه هي التي تنقذ المسرح على مستوى تطور التقنيات الفنية وعلى مستوى تطوره كمسرح يعتمد على التذاكر. ولكن هنا في البحرين أصبح المسرح لا يعتمد على التذاكر لأنه لا يتجه الى الناس ولا يقوم بعرض جوانب معينة جماهيرية تجذب الناس، فبعض المسرحيين يقومون أحيانا بعمليات استخفافية بعقول الناس فهم يعرضون نماذج ليست نقدية جميلة وانما كاريكاتيرية ويتجهون الى الاسفاف على أساس أنه أسهل طريقة للشعبية ولكن هذا في حقيقة الأمر يعتبر إضرارا بالشعبية ذلك أن الشعب ليس غبيا بحيث أنه يقبل بأي طرح، فالشعب يريد أن تطرح نماذج شعبية ناقدة للحياة وتعطي متعة معينة، فحتى على مستوى المسرح في الخليج مثلا دولة الكويت استطاعت أن تخلق مسرحا جماهيريا ومتعة فنية لذلك وفرت الجانب النقدي في الحياة الاجتماعية وجانب المتعة، فأنت عندما تقوم بالاهتمام بالجوانب الفنية وتقطعها عن مجمل العملية الفنية، فإن ذلك سيؤدي الى ضمور المسرح، فالمسرح لا يعتمد فقط على الأدوات الفنية بل على المناقشة مع الناس، وما يجري الآن هو محاولة احتضان من قبل المؤسسات الحكومية لمسرح غير قادر على الصمود أو على الاعتماد على نفسه بشكل حقيقي.
⁎ فهل تجد أن المسارح البحرينية مبالغة في تصوير المشكلات التي تعترضها؟
✤ الكلام عن هذه المشكلات ما هو الا تبرير لمشكلات فكرية وابداعية تعاني منها المجموعات الفنية، ففي بداية المسرح في البحرين كانت المسرحيات تعرض في أماكن متعددة وبسيطة جدا في عروض معقولة، فهل كانت الموازنة في ذلك الوقت كبيرة؟! اذاً لا توجد عوائق حقيقية تواجه الفنان وهو يستطيع أن يقدم الجيد، فلو كانت هناك مجموعات مسرحية فكرية مرتبطة بالأحزاب التقدمية أو مرتبطة بالجمعيات المناضلة في البحرين لأمكن ايجاد مسرح بحريني شعبي حقيقي، لكن الكثير من الفنانين غير مرتبطين بالحركات المعارضة التقدمية أو الديمقراطية فهم يعيشون في عزلة، لكن الفنون الآن تتطلب مسائل أخرى واجتهادات مختلفة، والبحرين اليوم في مخاض ويمكن في السنوات الأخيرة أن تخرج من الحركات الاجتماعية الأخرى مسارح جديدة وامكانات جديدة اذ اصبح الجيل القديم غير قادر على متابعة المرحلة الجديدة التي يمر بها البلد والعالم عموما.
إشكالية البحر والواقع
ــ اشكالية البحر في أدب عبدالله خليفة، وتوتر هذه العلاقة بين انسان الجزيرة والبحر كما طرحتْ في روايتك ‹اللآلي›، كيف تقرأها لنا؟
إشكالية البحر والواقع
❊ إن البحر شكلَّ خلفيةَ القصة القصيرة في البحرين والخليج العربي ، فمنذ بدأت هذه القصةُ فإن أقدامَها الصغيرة كانت تخوضُ في المياه وفي المصائد المليئة بالخناجر والشباك، وبهذا كانت الرواية ابنة البحر والغوص ، الذي راحت تنزع أرديته وهي تدخلُ في العصر .
حين كنا أولاداً كانت عباءة الغوص الرمادية المزدانة بالقواقع والشوك والمحار والدماء تنفضُ أشباحها على خيالاتنا الصغيرة ، فنروح نسبحُ فيها فناً ، ونشكلُ أوجاعَ ذلك الإنسان السابق عبر القصة والرواية ، وهكذا تشكلت أولى الروايات البحرينية وهي تمزج بين معاناة بحارتنا وبين عذاباتنا كشباب يتفتح على العمل النضالي الوطني ، وحين كتبتُ ( اللآلىء ) في إحدى الزنازين ، حاولتُ أن أستخدم أحدث القتنيات الفنية وهي عملية المنولوج المطول للربان الذي كان يقودُ الغاصة في رحلة التيه والعذاب والصراع ، تجنباً لأسلوب العرض الواقعي التسجيلي المبسط ، وهكذا فإن البحر والسجن والتأمل والصراع ولدوا تجربة الرواية ، فالبحرهو تاريخ المنطقة وتراثها وليس هو المياه والجزر والينابيع فقط ، هو الماضي التقليدي القريب ، الذي لا يزال ينزف في أجسادنا وكلماتنا . .
إنه الربان غير التقليدي ، واللغة والمكان والتراث كانت تحاول أن تتحدث وتغدو عصرية متحررة ، مثل البلد مثل أجسامنا المحصورة في صناديق سافرة . .
ــ كونك مشروع ثقافي ، فكيف تنظر الى مستوى الثقافة الخليجية ، وكيف لك أن تقرأها على مستوى الرواية ؟
رواية الخليج
❊ غدت اهتماماتي كثيرة ، ومنها عملية النظرِ إلى النوع الروائي وهو يتشكلُ في الجزيرةِ العربية والخليج ، وقد جرى هذا الاهتمام عبر القراءة الحرة أولاً ثم عبر طلبات تقدمت بها منتدياتٌ وندواتٌ لعرضِ تجربة المنطقة ، في هذا النوع الإبداعي الذي راح ينمو بسرعةٍ كبيرة ، فقدمتُ دراسات كانت عملية تتبع مستمرة على مدى العقدين السابقين لنشوء وتطور الرواية في المنطقة ، كانت الدراسات تتجه نحو مواقع روائية وتجارب روائية محددة ، عبر التركيز على عمل روائي أو مجموعة من الروايات لكاتب واحد ، وبعدها غدت دراسة واسعة لتجارب كثيرة .
وهذه العملية قادتني إلى استنتاجات ، هي بمثابة اكتشافات للنصوص وللواقع الذي ظهرت فيه ، فكانت هناك بنيتان للرواية ؛ بنية ما قبل الرواية ، وبنية الراوية ، وبنية (ما قبل الرواية) هي بنية منتشرة سائدة تتمثل في تشكيلات قصصية مهلهلة لا ترتكز على محاور بنائية قوية ، ولا على نماذج ولا على أحداث جوهرية مغروزة في الواقع ، بل تستند على مغامرات تطفح على الأشياء والعلاقات ، وبنية الرواية المضادة والمتنامية بخلاف تلك الأشكال الخاوية ، وهي ترتكز على مدى تقدم الوعي الفني الواقعي ، وفهمه لتطور التاريخ والإنسان، ولهذا فإننا نجد في رواية الخليج الحقيقية المحاولات الأولى العميقة لدرس وتفحص الحياة الاجتماعية وكيفية سيرورة المشاعر والأفكار ، لكن هذه الوراية الجادة لا تلاقي رواجاً لأسباب كثيرة ، حيث يقبل الشباب خاصةً على رواية التسلية . .
إنني أجد في بعض كتابات الشباب في السعودية وعمان محاولات جريئة لاختراق شبكة العلاقات المستورة بأشكال كثيرة من النفاق والبهرجة والخداع ، فتجد كتابات تنفذ إلى صراعات الفقر والغنى ، الفساد وقوته وانتشاره والأنتماء وضعفه ، وندرة نماذح المقاومة في واقع رث متخلف أمي . .
ــ إن حضور التاريخ في أعمالك يشكل ذاكرة وطنية ، فكيف ينظر الآخرون اليها ، وهل أوقعك هذا التاريخ في صدام مع السلطة والآخرين ؟
التاريخ في الرواية
❊ تغدو الرواية روايةً تاريخية حين تتوجه إلى مساحة زمنية سابقة وتعرضها بأساليبها المختلفة .
كنتُ قبل أيام أقرأ كتاب جورج لوكاش (الرواية التاريخية) بعد أن كنتُ قرأته سابقاً ، لكنني رحتُ أقرأه في هذا الوقت وأتتبع عملية رصده للرواية التاريخية عالمياً ، في القراءة الأولى كنتُ أتفق معه كثيراً ، في القراءة الثانية صرتُ أختلف معه كثيراً !
لكن هناك حكمٌ لديه يظل هاماً وهو أن الرواية سواء كانت اجتماعية معاصرة أم رواية تاريخية ، ينبغي أن تكون ممتعة ، غنية بقدرتها على تحليل وتجسيد الإنسان والحياة والتاريخ ، لكن هناك النموذج المبسط في رواية (والتر سكوت) البريطاني ، والنموذج العميق عند تولستوي مثلاً . لكن النموذجين يحافظان على بنية روائية ممتعة وغنية . لكن العديد من الروايات التي يعرضها لوكاش في كتابه لأسماء لامعة ليست بمثل ذلك الوهج المفترض كمدحه لمسرحيات جوركي مثلاً أوتنقيصه من أهمية زولا . .
ولكن الرواية التاريخية عربياً لم تكن بذلك الغنى العالمي رغم ضخامة التاريخ العربي . لقد قمتُ بدرسِ هذه الرواية لدى جورجي زيدان ونجيب محفوظ ، في دراسة لم تنشر في كتاب ، فكانت استنتاجاتي أن الرواية العربية التاريخية تحتاج إلى أعمال كبرى ، ولهذا عكفتُ على قراءة التاريخ والفكر العربيين ، من أجل أن أحضر نفسي لكتابة رواية تاريخية كذلك . .
وقد كانت الرواية التي كتبناها عن الماضي الخليجي القريب أشبه ما تكون برواية تاريخية ، لكنها رواية اجتماعية معاصرة في ظني. فهي تعرضُ وتنقد وتكشف نسيجاً اجتماعياً لا نزال نعايشه ، رغم أنه صار من التاريخ ، فلا توجد في الواقع سدود بين الرواية التاريخية والرواية الاجتماعية ، لكن الرواية التاريخية تتعلق بالتاريخ المنتهي ، في العصور السابقة .
ولهذا فأنا بدأت بالنوعين الممزوجين رواية اجتماعية ترتكزُ على التاريخ ، ورواية تاريخية ذات قراءة اجتماعية ، لكن التاريخ ليس هو التاريخ الفعلي المتحقق فقط ، أي الذي حدث فعلاً ، بل هناك كذلك التاريخ الذي لم يحدث ، وهو الجانب الذاتي المنسوج داخل ذلك التاريخ الفعلي ، ليس بغرض العرض المدرسي كما يفعل جورجي زيدان ، بل بغرض تحليل وتجسيد رؤية معينة للتاريخ وللحاضر كذلك . وبهذا تغدو الرواية عرضاً درامياً لإشكاليات الإنسان والسلطة والحقيقة الخ . .
ولهذا فإن الرواية حين تكون موضوعية غير متحاملة على الشخوص التاريخية الحقيقية ، فإنها لا تسبب مشكلات مع الناس ، أي حين تكون صدقاً وحتى لو كان جارحاً فهو مشرط تحليل وتشخيص . .
وعلى هذا الدرب كتبتُ (الينابيع) بثلاثة أجزاء لم تنشر مكتملة، وروايتين تاريخيتين (رأس الحسين) و(عمر بن الخطاب شهيداً ) لم تنشر كذلك حتى الآن .
- المقالات العامة
- جذور_الرأسمالية_عند_العرب
- عبدالله_خليفة القرامطة .. الجذور التاريخية
- عبدالله_خليفة : كائنات مستأنسة
- عبدالله_خليفة : ما هو حبل الله؟
- عبدالله_خليفة : إنساننا البسيط المتواضع
- عبدالله_خليفة : إيران بين الحصارِ والتراث
- عبدالله_خليفة : الدولةُ والدكتاتوريةُ الروسية
- عبدالله_خليفة : الرقص ودلالاته الاجتماعية
- عبدالله_خليفة : حلقي مليءٌ بالنارِ على وطني
- عبدالله_خليفة وداعاً صديق الياسمين
- عبدالله_خليفة وطنيون لا طائفيين
- عبدالله_خليفة إعادة إنتاج العفاريت
- عبدالله_خليفة الماركسية الأديان
- عبدالله_خليفة الإنتاجُ الفكري وضياعُهُ
- عبدالله_خليفة الانتهازيون والفوضويون
- عبدالله_خليفة تلاقي المستغِلين فوقَ التضاريس
- عبدالله_خليفة عدم التطور الفكري وأسبابه
- عبدالله_خليفة: تطورات الرأسمالية الحكومية الروسية
- (علمية) فيورباخ وتوابعهُ
- مكونان لا يلتقيان
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: أفــق ـ مقالات 2008
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: قراءة جديدة لظاهرات الوعي العربي
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: بلزاك: الروايةُ والثورةُ
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تنوير وتحديث نجيب محفوظ
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: دوستويفسكي: الروايةُ والاضطهادُ
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: صراع الطوائف أم صراع الطبقات؟
- 𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆 𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙
- في الأزمة الفكرية التقدمية: عبـــــــدالله خلــــــــيفة
- قناةُ الجزيرةِ وتزييفُ الوعي العربي
- قد بيان الحداثة لــ أدونيس
- قصة الأطفال عند إبراهيم بشمي
- قصص من دلمون
- كتاب ايديولوجي لعبدالله خليفة
- كريستين هانا
- لينين في محكمةِ التاريخ
- لينين ومغامرة الاشتراكية
- من أفكار الجاحظ الاجتماعية والفلسفية
- من ذكرتنا الوطنية عبدالله خليفة
- موقع عبـــــــدالله خلــــــــيفة على You Tube
- ماجستير الأدب البحريني ـ آثار عبدالله خليفة
- ماركس الرمزي وشبحية دريدا
- مبارك الخاطر: الباحث الأمين المسؤول عن بقاء الضوء في الماضي
- محمود أمين العالم والتغيير
- محمد أمين محمدي : كتب – عبدالله خليفة
- مراجعة للعنف الديني
- مراجعةٌ للعنفِ الديني
- مستويات السرد .. الدلالة والسياق عبـــــــدالله خلــــــــيفة
- مسرحية وطن الطائر
- مسرحية الأطفال عند علي الشرقاوي
- نموذجانِ مأزومان
- نحن حبات البذار
- نحن حبات البذار عبدالله خليفة
- هل حقاَ رحل صاحب القلب الأبيض؟
- وهي قد تكسرُ البشرَ وخاصة المبدعين والمثقفين!
- وعي محمود إسماعيل
- وعي الظاهر والباطن
- وعبادةُ النصوص
- يوسف يتيم : دراسة تطبيقية لرواية الجذوة على ضوء المنهج الواقعي
- يحيى حقي: كتب – عبدالله خليفة
- أيوب الإنسان: عبـــــــدالله خلــــــــيفة
- أخوان الصفا
- أدب السجون: إجابة على أسئلة جريدة الوطن
- أدب الطفل في البحرين
- أزمة اليسار
- أسلوب القصة عند الجاحظ في (البخلاء)
- أسلوب الإنتاج الكولونيالي أو رأس المال الحـكومـي الشـــــــــرقي
- أسباب الانتهازية في اليسار
- إنتاجُ وعيٍ نفعي مُسيَّس
- إحترام تاريخ اليسار – كتب: عبدالله خليفة
- الفكرة ونارها: عبـــــــدالله خلــــــــيفة
- القائد والمناضل عبـــــــدالله خلـــــيفة مفكراً وأديباً وروائياً بحرانياً
- الكلمة من أجل الإنسان
- الليبرالية في البحرين
- المفكر اللبناني كريم مروة
- المنبتون من الثقافة الوطنية
- المذاهب الإسلامية والتغيير كتب: عبـدالله خلــيفة
- المرأة والإسلام
- الولادة العسيرة لليسار الديمقراطي الشرقي
- الوعي والمادة
- الوعي الجدلي في رسالة الغفران لأبي العلاء المعري
- اليسار في البحرين
- اليسار في البحرين والانتهازية
- اليسار والميراث الديني
- اليسار البحريني يخسر «عفيفه الأخضر»
- الأعمال الصحفية الكاملة. أفـــــق، 2024
- الإسلام السياسي كمصطلح غربي
- الانتهازية الفكرية عبـــــــدالله خلــــــــيفة
- الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الاسلامية.
- البطل الشعبي بين الماضي والحاضر
- التحرير تبقى عاليا ومضية كتب عبدالله خليفة
- التضحوي والاستغلالي
- التطور الفلسفي العربي الحديث المبكر .. عبــدالله خلــيفة
- الحدثُ الأوكراني ودلالاتُهُ الديمقراطية
- الحربائيون
- الرواية الخليجية لم تتجذر في الأرض بعد
- السودان بحاجة إلى الديمقراطية والسلام
- الساقطون واللاقطون ــ كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة
- الصحراويون والزرع
- الطبقة العاملة الهندية في البحرين
- العناصر الفكرية في الشيوعية العربية
- انتصار للطبقة العاملة في العالم بتنصيب الرئيس لولا دي سيلفا رئيسا للبرازيل
- اتحاد الكتاب العرب في سورية| ينعي الأديب البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة
- بيع كتب ومؤلفات عبـــــــدالله خلــــــــيفة
- تكويناتُ الطبقةِ العاملةِ البحرينية : عبـــــــدالله خلــــــــيفة
- تناقضات الماركسية – اللينينية
- تآكل التحديثيين ونتائجه
- تجاوز الشللية والقرابية ــ كتب: عبـــــــدالله خلـــــــيفة
- تحدياتُ الحداثة في الوعي الديني
- تحدياتُ العلمانية البحرينية
- تداخلات جبهة التحرير والمنبر الديمقراطي – كتب: عبدالله خليفة
- تعريف العلمانية
- تعريف العلمانية عبدالله خليفة
- ثقافة الانتهازية: كتب – عبـــــــدالله خلــــــــيفة
- جمعية التجديد الإسلامية
- جورج لوكاش … تحطيم العقل !
- جبهة التحرير الوطني البحرينية باقية والمنبر التقدمي شكلٌ مؤقت وعابر
- جذور الرأسمالية عند العرب
- حكمٌ دستوري وإلهٌ عادلٌ
- حوار مع الكاتب عبدالله خليفة: المؤلف الجيّد عاجز عن الوصول الى الناس
- حوار مع عبدالله خليفة
- حوار المفكر العلماني صادق جلال العظم
- رفاق الطريق
- رفعت السعيد والسرد السياسي
- روسيا ودعم الدكتاتوريات
- روسيا الدكتاتورية
- رأس المـــال الحـكومــــي الشـــرقي ــ أو أسلوب الإنتاج الكولونيالي
- سردية الانكسار والانتصار في رواية «التماثيل»: عبدالله خليفة
- صراع الطوائف والطبقات في فلسطين : كتب-عبدالله خليفة
- ضيعة الكتب ضيعة كبيرة. أصدقاء الكاتب لا يعرفون عناوين كتبه.
- طفوليةُ الكلمةِ الحارقة
- طفوليةُ الكلمةِ الحارقة : عبدالله خليفة
- ظهور المادية الجدلية: كتب- عبدالله خليفة
- علي الشرقاوي
- عودةُ الحداثيين لطوائفهم
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة .. الفكرُ المصري ودورُهُ التاريخي
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : «الكلمة من أجل الإنسان»
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : في الأزمة الفكرية التقدمية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : فيلم الشاب كارل ماركس
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : فالح عبدالجبار
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : فصيلٌ جديدٌ لا يعترفُ بالحداثة وقوانينها
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : قانون الإنتاج المطلق
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : كلمة من أجل الكاتب
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : كاتب أدبيات النضال
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : لماذا يموتُ الشعرُ؟!
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : لولا تخاذل الحداثيين ما جاء الطائفيون
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : لويس أرمسترونغ ــ موسيقى الحياة الوردية
- عبدالله خليفة: ملاحظات حول مجموعة ــ الفراشات لأمين صالح
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : من أفكار الجاحظ الاجتماعية والفلسفية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : من ذاكرتنا الوطنية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : منعطفٌ تاريخي للعرب
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : ميراث شمولي
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : نقادٌ مذعورون
- عبدالله خليفة: نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : نضال النساء في البحرين
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : و(الفولاذ) بعناه!
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : وردة الشهيد
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أفـــق ـ مقالات 2010
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أن تكتب الأدب في السجن
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: أسباب تمكن الحركات الطائفية من الاختراق
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أشكال الوعي في البنية العربية التقليدية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : إنّهُ المثقفُ العضوي!
- عبدالله خليفة: إعادة تشكيل الأسطورة الشعبية في ساعة ظهور الأرواح
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الفقه والدكتاتورية المنزلية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الفنون في الأديان
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : القصة القصيرة الطلقة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الكلمة من أجل الإنسان ــ كارل ماركس
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الكائنُ الذي فقدَ ذاته
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الكتابة وظروفها إجابة على أسئلة
- عبدالله خليفة: المناضل والأديب والإنسان ــ تقديم المحامي عبدالوهاب أمين
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : المنبتون من الثقافة الوطنية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : المثقفون العاميون
- عبدالله خلـيفة : المجموعة القصصية ــ ضــــوء المعتــــــــزلة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : المرأة بين السلبية والمبادرة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : النساء وضعف الخبرة السياسية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : اليهودُ من التراث إلى الواقع
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : اليسارُ الديمقراطي واليسارُ المغامر
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الأفكار والتقدم
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الأديان والماركسية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الإصلاحيون الإيرانيون
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : البنية والوعي
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : البناء الفلسفي في أولاد حارتنا
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : البرجوازية والثقافة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : التفككُ الثقافي
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : التبعية للدينيين
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الثقافة والمثقفون البحرينيون
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الثلاثة الكبار
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الثورية الزائفة لمحطة الجزيرة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الحداثة مشروعان فقط
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الدكتور عبدالهادي خلف مناضل أم ساحر؟
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الدين والفلسفة عند ابن رشد
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الرموزُ الدينيةُ والأساطير
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الرهان على القلم
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الراوي في عالم محمد عبدالملك القصصي
- عبـــــــدالله خلــــــيفة: الساقطون واللاقطون ــ المنبر اللاتقدمي مثالاً
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الشاعر الكبير يوسف حسن و زهرة الغسق
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : العقل والحريــــــــــــة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : العلوم والإنتاج والفلسفة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : العمل والعمال والمصنع
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : العناصر الفكرية في الشيوعية العربية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : العائلة والديمقراطية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : تنوير نجيب محفوظ
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : تآكل الماركسية أم الماركسيين؟
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : تآكلُ الماركسيةِ في البحرين
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : تسلقُ البرجوازية الصغيرةِ الديني
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : تطورٌ حديثٌ حقيقي
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : تعدد الزوجات والحرية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : ثقافةُ الديمقراطيةِ المتكسرة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : جورج لوكاش وتحطيم العقل
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : جذور العنف في الحياة العربية المعاصرة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة : حكاية أديب
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: خفوتُ الملاحم
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: رموز الأرض
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: روحُ الأمة!
- : رأس المال الحكومي الشرقي – الطبقة العاملة في البحرين
- عبدالله خليفة : شقة راس رمان التي عاش فيها 21 عاماً وتوفى فيها.
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: صراع الطوائف والطبقات في فلسطين
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: ظهور المادية الجدلية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: علم الحشرات السياسية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: عن الديمقراطية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: عالم قاسم حداد الشـعري
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: عبادةُ الشخوص
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة كيف تلاشتْ النصوصُ الحكيمة؟
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي
- عبـدالله خلـــيفة الأعمال الكاملة القصصية والرواية والتاريخ والنقدية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة السيرة الذاتية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: قناةُ الجزيرةِ وتزييفُ الوعي العربي
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: كلنا إسلام سياسي!
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: لينين في محكمةِ التاريخ
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: أفكار سياسية دينية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: ألفُ ليلةٍ وليلة . . السيرة السحرية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: أغلفة الكتب
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: النظر بموضوعية في تاريخ الإنسان
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الوعي الديني والبنية الاجتماعية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الأيديولوجيات العربية والعلم
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الأزمة العقلية للثورة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الانتماءُ والغربةُ
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الباحث عن أفق تنويري عربي
- عبـدالله خليفة: البحرين جزيرةُ الحريةِ الغامضةِ في العصر القديم
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الخيال والواقع في الأديان
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الرمزيةُ وأهميتُها
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: العصبيةُ والعمرانُ
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: بؤرةُ الوهمِ قديماً وحديثاً
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: بروليتاريا رثةٌ: برجوازيةٌ ضعيفة
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تفتيتُ المكونات
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تبعية العلمانيين للدينيين ــ جذورها ونتائجها
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تحليلٌ لكلامٍ مغامر
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تحديث نجيب محفوظ
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تدهور مكانة المرأة واتساع الرقيق
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تركيب حضاري
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تطور الوعي الديني في المشرق القديم
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: ثرثرةُ الوعيِّ اليومي
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: حريات النساء مقياس للديمقراطية
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: دعْ الإنسانَ حراً
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: رؤيتان للدين
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: سبينوزا والعقل
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة: سذاجةٌ سياسيةٌ
- عبـــــــدالله خلــــــــيفة(تفتيتُ المكونات)
- عبـــــــدالله خلـــــــيفة : مسيرة نوال السعداوي
- عبـــــدالله خلــــــــيفة : اليسارُ والتكويناتُ الاجتماعية الدينية
- عبــداللـه خلـــــيفة . . الأقلف والبحث عن الذات
- عبــدالله خلـــــيفة .. مقاربة الشعر الجاهلي
- عبــدالله خلـــــيفة : قراءة لــ طه حسين
- عبــدالله خلـــــيفة : قراءة لـــ إسماعيل مظهر
- عبــدالله خلـــــيفة : وعي النهضة لدى الطهطاوي
- عبــدالله خلـــــيفة : وعي النهضة عند سلامة موسى
- عبــدالله خلـــــيفة: إبراهيم العُريّض ــ الشعر وقضيته
- عبــدالله خلـــــيفة: المثقف العربي بين الحرية والاستبداد
- عبـدالله خلــيفة: عرضٌ ونقدٌ عن أعماله
- عبد الله خليفة: كانت الكلمات عاجزة عن البوح
- عبدالله خليفة
- عبدالله خليفة «الساعةُ آتيةٌ لا ريبَ فيها»
- عبدالله خليفة.. كي لا يُدفن مرتين !
- عبدالله خليفة : وحدة الماضي والمستقبل
- عبدالله خليفة : الاشتراكية والمستقبل
- عبدالله خليفة : البحرين في بدء التحديث
- عبدالله خليفة : التنوير الاجتماعي عند فرح أنطون
- عبدالله خليفة : التنوير الرومانتيكي عند جبران خليل جبران
- عبدالله خليفة : العقل والديمقراطية في وعي جورج طرابيشي
- عبدالله خليفة : بوخارين ومصير روسيا
- عبدالله خليفة : تنوير لويس عوض
- عبدالله خليفة : تنوير يعقوب صروف
- عبدالله خليفة : صراع اليسار واليمين في الإسلام
- عبدالله خليفة : صراع الطوائف أم صراع الطبقات؟
- عبدالله خليفة – الأعمال القصصية
- عبدالله خليفة – الأعمال القصصية – المجلد السابع
- عبدالله خليفة – الأعمال النقدية – المجلد الثامن
- عبدالله خليفة – الأعمال التاريخية
- عبدالله خليفة – الأعمال الروائية – المجلد السادس
- عبدالله خليفة قبل رحيله: المحن مؤذيةٌ وصعبة
- عبدالله خليفة كل الأشجار
- عبدالله خليفة من أجل الشعب اولا
- عبدالله خليفة نفعية في الكتابة
- عبدالله خليفة وقضية المرأة في الرواية الخليجية
- عبدالله خليفة يكتب عن نجيب محفوظ
- عبدالله خليفة أحد أهم الكتاب المخلصين لتجربتهم الفكرية
- عبدالله خليفة أزمة اليسار
- عبدالله خليفة إشكالية البحر والواقع
- عبدالله خليفة المخادعون
- عبدالله خليفة الوعيُّ القرآني قفزةٌ نوعي
- عبدالله خليفة الأعمال الكاملة
- عبدالله خليفة الأعمال الكاملة الروائية والقصصية والتاريخية والنقدية
- عبدالله خليفة الأعمال النقدية الكاملة
- عبدالله خليفة الأعمال الروائية والقصصية والتاريخية والنقدية الكاملة
- عبدالله خليفة الإسلامُ ثورةُ التجار
- عبدالله خليفة الجمهورُ و(الغوغاء)
- عبدالله خليفة الحلال والحرام في السياسة الراهنة
- عبدالله خليفة الرعب من الحب
- عبدالله خليفة السحر والدين
- عبدالله خليفة العقل والحرية
- عبدالله خليفة اسكرايب
- عبدالله خليفة جريدة النور
- عبدالله خليفة رائد الثقافة التنويرية البحرينية
- عبدالله خليفة عن المرأة
- عبدالله خليفة.. تحطيم الصورة وتكوينها
- عبدالله خليفة… حياته
- عبدالله خليفة: في التطورِ العربي العام
- عبدالله خليفة: فائض القيمة البحريني
- عبدالله خليفة: القحط في زمن النفط
- عبدالله خليفة: المسكراتُ وأحوالُ السياسة
- عبدالله خليفة: المغامرات اللغوية أبعدت القارئ عن الرواية
- عبدالله خليفة: الوعيُّ العربيُّ وتطوراته
- عبدالله خليفة: العربُ ونقدُ الواقع
- عبدالله خليفة: تنوير تقي البحارنة
- عبدالله خليفة: تنوير حسن الجشي
- عبدالله خليفة: تناقضات الوعي العربي تاريخياً
- عبدالله خليفة: تباين طرقِ التطور العربية
- عبدالله خليفة: شيعةُ العربِ ليسوا صفويين
- عبدالله خليفة: صراعاتُ الوعي العربي تاريخياً
- عبدالله خليفة: ضعفُ العقلِ النقدي
- عبدالله خليفة: فائض القيمة والاقتصاد السبعيني
- عبدالله خليفة: عبيب «مأكول خيره»..!
- عبدالله خليفة: عبدالناصر كإقطاعي
- عبدالله_خليفة الثلاثة الكبار
- عبدالرحمن بدوي
- General articles
- The_Roots_of_Capitalism_among_the_Arabs
- Abdullah_Khalifa The_Qarmatians .. Historical Roots
- Abdullah_Khalifa : Domesticated Creatures
- Abdullah_Khalifa : What is the rope of God?
- Abdullah_Khalifa : Our simple, humble man
- Abdullah_Khalifa : Iran between siege and heritage
- Abdullah_Khalifa : The Russian State and Dictatorship
- Abdullah Khalifa: Dance and its social implications
- Abdullah_Khalifa : My throat is filled with fire for my homeland
- Abdullah_Khalifa Farewell, friend of jasmine
- Abdullah_Khalifa : Patriots, not sectarian
- Abdullah_Khalifa Re-producing the Goblins
- Abdullah_Khalifa Marxism Religions
- Abdullah_Khalifa Intellectual Production and its Loss
- Abdullah_Khalifa Opportunists and Anarchists
- Abdullah_Khalifa encounters exploiters across the terrain
- Abdullah_Khalifa : Lack of intellectual development and its causes
- Abdullah Khalifa: Developments in Russian State Capitalism
- ( Scientific) Feuerbach and his followers
- Two incompatible components
- Abdullah Khalifa: Horizons – Articles 2008
- Abdullah Khalifa: A New Reading of the Phenomena of Arab Consciousness
- Abdullah Khalifa: Balzac: The Novel and the Revolution
- Abdullah Khalifa: Enlightening and Modernizing Naguib Mahfouz
- Abdullah Khalifa: Dostoevsky: The Novel and Persecution
- Abdullah Khalifa: Sectarian conflict or class conflict?
- 𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆 𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙
- On the progressive intellectual crisis: Abdullah Khalifa
- Al Jazeera and the distortion of Arab consciousness
- Adonis’s statement on modernity
- Children’s stories by Ibrahim Bashmi
- Stories from Dilmun
- An ideological book by Abdullah Khalifa
- Christine Hannah
- Lenin in the court of history
- Lenin and the Adventure of Socialism
- Some of Al-Jahiz’s social and philosophical ideas
- Abdullah Khalifa, our national hero.
- Abdullah Khalifa’s website YouTube
- Master’s Degree in Bahraini Literature – Works of Abdullah Khalifa
- Marx’s symbolism and Derrida’s spectral nature
- Mubarak Al-Khater: The trustworthy researcher responsible for preserving the light in the past
- Mahmoud Amin, the world and change
- Mohammed Amin Mohammedi: Written by Abdullah Khalifa
- A review of religious violence
- A review of religious violence
- Levels of Narration: Meaning and Context – Abdullah Khalifa
- The Bird’s Homeland play
- Children’s play by Ali Sharqawi
- Two problematic models
- We are the seeds
- We are the seeds of Abdullah Khalifa
- Has the kind-hearted man truly passed away?
- It can break people, especially creative and intellectual individuals.!
- Mahmoud Ismail’s awareness
- awareness of the apparent and the hidden
- And the worship of texts
- Youssef Yatim: An Applied Study of the Novel “The Ember” in Light of the Realistic Approach
- Yahya Haqqi: Written by Abdullah Khalifa
- Job the Human: Abdullah Khalifa
- Brethren of Purity
- Prison Literature: An Answer to Questions from Al-Watan Newspaper
- Children’s literature in Bahrain
- The crisis of the left
- The storytelling style of Al-Jahiz in (The Misers))
- The colonial mode of production or Oriental state capital
- Reasons for opportunism on the left
- Producing utilitarian, politicized awareness
- Respecting the history of the left – Written by: Abdullah Khalifa
- The Idea and Its Fire: Abdullah Khalifa
- Leader and activist Abdullah Khalifa, a Bahraini thinker, writer, and novelist
- The word for humanity
- Liberalism in Bahrain
- Lebanese thinker Karim Mroue
- Rooted in national culture
- Islamic Schools of Thought and Change, by Abdullah Khalifa
- Women and Islam
- The difficult birth of the Eastern democratic left
- Consciousness and matter
- Dialectical consciousness in Abu al-Ala al-Ma’arri’s Epistle of Forgiveness
- The left in Bahrain
- The left in Bahrain and opportunism
- The Left and the Religious Heritage
- Bahraini left loses Afifa Al-Akhdar»
- The Complete Journalistic Works. Horizon, 2024
- Political Islam as a Western term
- Intellectual Opportunism – Abdullah Khalifa
- Idealist trends in Arab-Islamic philosophy.
- The folk hero between the past and the present
- Liberation remains high and bright, wrote Abdullah Khalifa
- Sacrificial and exploitative
- Early Modern Arab Philosophical Development… Abdullah Khalifa
- The Ukrainian event and its democratic implications
- chameleons
- The Gulf novel has not yet taken root.
- Sudan needs democracy and peace.
- The Fallen and the Pickers Up – Written by: Abdullah Khalifa
- Desert dwellers and agriculture
- The Indian working class in Bahrain
- Intellectual elements in Arab communism
- A victory for the working class worldwide with the inauguration of President Lula da Silva as President of Brazil.
- The Arab Writers Union in Syria mourns the passing of Bahraini writer Abdullah Khalifa.
- Selling books and writings by Abdullah Khalifa
- The Compositions of the Bahraini Working Class: Abdullah Khalifa
- Contradictions of Marxism-Leninism
- The erosion of modernization and its consequences
- Overcoming favoritism and nepotism – Written by: Abdullah Khalifa
- Challenges of modernity in religious consciousness
- Challenges facing Bahraini secularism
- Interventions of the Liberation Front and the Democratic Platform – Written by: Abdullah Khalifa
- Definition of secularism
- Definition of secularism by Abdullah Khalifa
- The Culture of Opportunism: Books – Abdullah Khalifa
- Islamic Renewal Society
- Georg Lukács… The Destruction of Reason !
- The Bahraini National Liberation Front remains, while the Progressive Tribune is a temporary and transient entity.
- The roots of capitalism among the Arabs
- Constitutional rule and a just God
- Interview with writer Abdullah Khalifa: A good author is unable to reach people
- Interview with Abdullah Khalifa
- Dialogue with secular thinker Sadiq Jalal al-Azm
- companions on the road
- Rifaat al-Saeed and the political narrative
- Russia and its support for dictatorships
- Dictatorship Russia
- Eastern state capital – or the colonial mode of production
- The Narrative of Defeat and Triumph in the Novel “The Statues”: Abdullah Khalifa
- Sectarian and class conflict in Palestine: Written by Abdullah Khalifa
- The book market is vast. The author’s friends don’t know the titles of his books..
- The childishness of the burning word
- The childishness of the burning word: Abdullah Khalifa
- The Emergence of Dialectical Materialism: Written by Abdullah Khalifa
- Ali Al-Sharqawi
- The return of modernists to their sects
- Abdullah Khalifa
- Abdullah Khalifa: Egyptian Thought and its Historical Role
- Abdullah Khalifa: “The word is for the sake of humanity.”»
- Abdullah Khalifa: On the Progressive Intellectual Crisis
- Abdullah Khalifa: The Young Karl Marx Film
- Abdullah Khalifa: Faleh Abduljabbar
- Abdullah Khalifa: A new faction that does not recognize modernity and its laws
- Abdullah Khalifa: The Law of Absolute Production
- Abdullah Khalifa: A word for the writer
- Abdullah Khalifa: Writer of resistance literature
- Abdullah Khalifa: Why does poetry die?!
- Abdullah Khalifa: Had it not been for the inaction of the modernists, the sectarianists would not have come.
- Abdullah Khalifa: Louis Armstrong – La Vie en Rose
- Abdullah Khalifa: Notes on the collection “Butterflies” by Amin Saleh
- Abdullah Khalifa: From Al-Jahiz’s social and philosophical ideas
- Abdullah Khalifa: From our national memory
- Abdullah Khalifa: A historical turning point for the Arabs
- Abdullah Khalifa: A Comprehensive Legacy
- Abdullah Khalifa: Terrified Critics
- Abdullah Khalifa: Naguib Mahfouz: From Historical Novel to Philosophical Novel
- Abdullah Khalifa: The Struggle of Women in Bahrain
- Abdullah Khalifa: And we sold (steel).!
- Abdullah Khalifa: The Martyr’s Rose
- Abdullah Khalifa: Horizons – Articles 2010
- Abdullah Khalifa: Writing Literature in Prison
- Abdullah Khalifa: Reasons for the ability of sectarian movements to infiltrate
- Abdullah Khalifa: Forms of Consciousness in the Traditional Arab Structure
- Abdullah Khalifa: He is the organic intellectual!
- Abdullah Khalifa: Reshaping the popular myth in the hour of the appearance of spirits
- Abdullah Khalifa: Jurisprudence and Domestic Dictatorship
- Abdullah Khalifa: The Arts in Religions
- Abdullah Khalifa: The Short Story Bullet
- Abdullah Khalifa: The Word for Man – Karl Marx
- Abdullah Khalifa: The being who lost himself
- Abdullah Khalifa: Writing and its circumstances: An answer to questions
- Abdullah Khalifa: The Fighter, the Writer, and the Human Being – Presented by Lawyer Abdulwahab Amin
- Abdullah Khalifa: Those who are uprooted from national culture
- Abdullah Khalifa: Popular Intellectuals
- Abdullah Khalifa: The Short Story Collection – The Light of the Mu’tazila
- Abdullah Khalifa: Women Between Passivity and Initiative
- Abdullah Khalifa: Women and the Lack of Political Experience
- Abdullah Khalifa: The Jews: From Heritage to Reality
- Abdullah Khalifa: The Democratic Left and the Adventurous Left
- Abdullah Khalifa: Ideas and Progress
- Abdullah Khalifa: Religions and Marxism
- Abdullah Khalifa: Iranian Reformists
- Abdullah Khalifa: Structure and Awareness
- Abdullah Khalifa: The Philosophical Structure in Children of Gebelawi
- Abdullah Khalifa: The Bourgeoisie and Culture
- Abdullah Khalifa: Cultural Disintegration
- Abdullah Khalifa: Subservience to Religious People
- Abdullah Khalifa: Bahraini Culture and Intellectuals
- Abdullah Khalifa: The Big Three
- Abdullah Khalifa: Al Jazeera’s False Revolutionary Appearance
- Abdullah Khalifa: Modernity is only two projects
- Abdullah Khalifa: Is Dr. Abdulhadi Khalaf a fighter or a magician?
- Abdullah Khalifa: Religion and Philosophy in Ibn Rushd
- Abdullah Khalifa: Religious Symbols and Myths
- Abdullah Khalifa: Betting on the Pen
- Abdullah Khalifa: The Narrator in the World of Muhammad Abdul Malik’s Stories
- Abdullah Khalifa: The Fallen and the Pickers Up – The Non-Progressive Platform as an Example
- Abdullah Khalifa: The great poet Youssef Hassan and the Twilight Flower
- Abdullah Khalifa: Reason and Freedom
- Abdullah Khalifa: Science, Production, and Philosophy
- Abdullah Khalifa: Work, Workers, and the Factory
- Abdullah Khalifa: The Intellectual Elements of Arab Communism
- Abdullah Khalifa: Family and Democracy
- Abdullah Khalifa: Enlightening Naguib Mahfouz
- Abdullah Khalifa: Is it Marxism or Marxists that are eroding?
- Abdullah Khalifa: The Erosion of Marxism in Bahrain
- Abdullah Khalifa: The Climbing of the Religious Petty Bourgeoisie
- Abdullah Khalifa: A truly modern development
- Abdullah Khalifa: Polygamy and Freedom
- Abdullah Khalifa: The Culture of Fractured Democracy
- Abdullah Khalifa: Georg Lukács and the Destruction of Reason
- Abdullah Khalifa: The Roots of Violence in Contemporary Arab Life
- Abdullah Khalifa: The Story of a Writer
- Abdullah Khalifa: The Fading of Epics
- Abdullah Khalifa: Symbols of the Earth
- Abdullah Khalifa: The Spirit of the Nation!
- Abdullah Khalifa: Eastern State Capital – The Working Class in Bahrain
- Abdullah Khalifa: The Ras Rumman apartment where he lived for 21 years and where he died.
- Abdullah Khalifa: The Conflict Between Sects and Classes in Palestine
- Abdullah Khalifa: The Emergence of Dialectical Materialism
- Abdullah Khalifa: Political Entomology
- Abdullah Khalifa: On Democracy
- Abdullah Khalifa: The Poetic World of Qasim Haddad
- Abdullah Khalifa: The Worship of Individuals
- Abdullah Khalifa: How did the wise texts disappear?
- Abdullah Khalifa, writer and novelist
- Abdullah Khalifa: Complete Works of Short Stories, Novels, History, and Criticism
- Abdullah Khalifa’s Biography
- Abdullah Khalifa: Al Jazeera Channel and the Distortion of Arab Consciousness
- Abdullah Khalifa: We are all political Islam!
- Abdullah Khalifa: Lenin in the Court of History
- Abdullah Khalifa: Political and Religious Ideas
- Abdullah Khalifa: One Thousand and One Nights… The Magical Biography
- Abdullah Khalifa: Book Covers
- Abdullah Khalifa: Looking objectively at human history
- Abdullah Khalifa: Religious Awareness and Social Structure
- Abdullah Khalifa: Arab Ideologies and Science
- Abdullah Khalifa: The Intellectual Crisis of the Revolution
- Abdullah Khalifa: Belonging and Alienation
- Abdullah Khalifa: The seeker of an Arab enlightenment horizon
- Abdullah Khalifa: Bahrain, the mysterious island of freedom in ancient times
- Abdullah Khalifa: Imagination and Reality in Religions
- Abdullah Khalifa: Symbolism and its importance
- Abdullah Khalifa: Tribalism and Civilization
- Abdullah Khalifa: The epicenter of illusion, past and present
- Abdullah Khalifa: A ragged proletariat: a weak bourgeoisie
- Abdullah Khalifa: Breaking down the components
- Abdullah Khalifa: The subservience of secularists to religious figures – its roots and consequences
- Abdullah Khalifa: An Analysis of Adventurous Words
- Abdullah Khalifa: Naguib Mahfouz Update
- Abdullah Khalifa: The decline in the status of women and the expansion of slavery✶
- Abdullah Khalifa: A Civilizational Structure
- Abdullah Khalifa: The Development of Religious Consciousness in the Ancient East
- Abdullah Khalifa: The Chatter of Everyday Consciousness
- Abdullah Khalifa: Women’s freedoms are a measure of democracy
- Abdullah Khalifa: Let man be free
- Abdullah Khalifa: Two Visions of Religion
- Abdullah Khalifa: Spinoza and Reason
- Abdullah Khalifa: Political naiveté
- Abdullah Khalifa [ Crushing the components]】
- Abdullah Khalifa: Nawal El Saadawi’s Journey
- Abdullah Khalifa: The Left and Socio-Religious Formations
- Abdullah Khalifa: The Uncircumcised and the Search for Self
- Abdullah Khalifa… An Approach to Pre-Islamic Poetry
- Abdullah Khalifa: A Reading of Taha Hussein
- Abdullah Khalifa: A reading by Ismail Mazhar
- Abdullah Khalifa: Al-Tahtawi’s Awareness of the Renaissance
- Abdullah Khalifa: The Renaissance Consciousness of Salama Moussa
- Abdullah Khalifa: Ibrahim Al-Urayyidh – Poetry and its Cause
- Abdullah Khalifa: The Arab Intellectual Between Freedom and Tyranny
- Abdullah Khalifa: A presentation and critique of his works
- Abdullah Khalifa: Words failed to express
- Abdullah Khalifa
- Abdullah Khalifa: “The Hour is coming, there is no doubt about it.”“
- Abdullah Khalifa… so that he is not buried twice !
- Abdullah Khalifa: The Unity of the Past and the Future
- Abdullah Khalifa: Socialism and the Future
- Abdullah Khalifa: Bahrain is beginning modernization
- Abdullah Khalifa: Social Enlightenment in Farah Antoun’s Thought
- Abdullah Khalifa: Romantic Enlightenment in the Works of Khalil Gibran
- Abdullah Khalifa: Reason and Democracy in the Consciousness of George Tarabishi
- Abdullah Khalifa: Bukharin and the Fate of Russia
- Abdullah Khalifa: Enlightening Louis Awad
- Abdullah Khalifa: Enlightening Yaqoub Sarrouf
- Abdullah Khalifa: The Left-Right Conflict in Islam
- Abdullah Khalifa: Sectarian conflict or class conflict?
- Abdullah Khalifa – Short Stories
- Abdullah Khalifa – Short Stories – Volume Seven
- Abdullah Khalifa – Critical Works – Volume Eight
- Abdullah Khalifa – Historical Works
- Abdullah Khalifa – Fictional Works – Volume Six
- Abdullah Khalifa before his departure: Trials are painful and difficult
- Abdullah Khalifa, all the trees
- Abdullah Khalifa: For the people first.
- Abdullah Khalifa’s pragmatism in writing
- Abdullah Khalifa and the issue of women in the Gulf novel
- Abdullah Khalifa writes about Naguib Mahfouz
- Abdullah Khalifa is one of the most dedicated writers to his intellectual experience.
- Abdullah Khalifa: The Crisis of the Left
- Abdullah Khalifa: The Problem of the Sea and Reality
- Abdullah Khalifa, the deceivers
- Abdullah Khalifa: Quranic awareness is a qualitative leap
- Abdullah Khalifa’s Complete Works
- Abdullah Khalifa: Complete Works of Novels, Short Stories, Historical Works, and Criticism
- Abdullah Khalifa’s Complete Critical Works
- Abdullah Khalifa: The Complete Works of Novels, Short Stories, Historical Works, and Criticism
- Abdullah Khalifa, Islam, the merchants’ revolution
- Abdullah Khalifa, the public and (the mob))
- Abdullah Khalifa: Halal and Haram in Current Politics
- Abdullah Khalifa, the terror of love
- Abdullah Khalifa, the magician and the religious scholar
- Abdullah Khalifa, the Caliph of Reason and Freedom
- Abdullah Khalifa Scribe
- Abdullah Khalifa, Al-Nour Newspaper
- Abdullah Khalifa, a pioneer of Bahraini enlightenment culture
- Abdullah Khalifa on women
- Abdullah Khalifa… Deconstructing and Reconstructing the Image
- Abdullah Khalifa… His Life
- Abdullah Khalifa: On the general Arab development
- Abdullah Khalifa: Bahraini Surplus Value
- Abdullah Khalifa: Drought in the Time of Oil
- Abdullah Khalifa: Intoxicants and Political Affairs
- Abdullah Khalifa: Linguistic adventures distanced the reader from the novel.
- Abdullah Khalifa: Arab Consciousness and its Developments
- Abdullah Khalifa: Arabs and the Critique of Reality
- Abdullah Khalifa: Enlightening Taqi Al-Baharna
- Abdullah Khalifa: Enlightening Hassan Al-Jishi
- Abdullah Khalifa: Contradictions of Arab Consciousness Historically
- Abdullah Khalifa: The Divergence of Arab Development Paths
- Abdullah Khalifa: Arab Shiites are not Safavids
- Abdullah Khalifa: Conflicts of Arab Consciousness Historically
- Abdullah Khalifa: Weakness of Critical Thinking
- Abdullah Khalifa: Abdullah Khalifa: Surplus Value and the Seventies Economy
- Abdullah Khalifa: Abeeb “whose goodness is consumed””..!”
- Abdullah Khalifa: Abdel Nasser as a feudal lord
- Abdullah Khalifa, the three greats
- Abdul Rahman Badawi
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆
𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙
21.10.2014 | 1.3.1948
◇ من مواليد القضيبية – البحرين.
◇ خريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى سنة 1974.
◇ عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعية والثقافية في الصحف البحرينية والخليجية، ونشر في العديد من الدوريات العربية.
◇ عضو اتحاد الكتاب العرب بسوريا.
◇ ساهم في مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب، وأول مؤتمر أشترك فيه كان سنة 1975 الذي عقد بالجمهورية الجزائرية وقدم فيه بحثاً عن تطور القصة القصيرة في البحرين، وشارك في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب بتونس سنة 2002، ببحث تحت عنوان «جذور العنف في الحياة العربية المعاصرة»، وشارك في مؤتمر بجمهورية مصر العربية سنة 2003، وببحث تحت عنوان «المثقف العربي بين الحرية والاستبداد» وذلك باتحاد الكتاب المصريين. والعديد من المؤتمرات الادبية العربية.
◇ منذ سنة 1966 مارس عبــدالله خلــيفة كتابة القصة القصيرة بشكل مكثف وواسع أكثر من بقية الأعمال الأدبية والفكرية التي كان يمازجها مع هذا الإنتاج، حيث ترابطت لديه الكتابة بشتى أنواعها: مقالة، ودراسة، وقصة، ونقد. ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي قام بطبع نتاجه القصصي والروائي والفكري في دور النشر العربية المختلفة.
ونتاجه الأدبي والفكري يتنوع على النحو التالي:
✗ القصص القصيرة:
1 – لحن الشتاء «قصص»، 1975.
❖ «القصص: الغرباء – الملك – هكذا تكلم عبد المولى – الكلاب – اغتيال – حامل البرق – الملاذ – السندباد – لحن الشتاء – الوحل – نجمة الخليج – الطائر – القبر الكبير – الصدى – العين».
2 – الرمل والياسمين «قصص»، 1982.
❖ «القصص: الفتاة والأمير – علي بابا واللصوص – شجرة الياسمين – العوسج – الوجه – الأرض والسماء – المصباح – نزهة – الصورة – اللقاء – لعبة الرمل– الأحجار – العرائس – الماء والدخان».
3 – يوم قائظ «قصص»، 1984.
❖ «القصص: الدرب – أماه… أين أنت – الخروج – الجد – الجزيرة».
4 – سهرة «قصص»، 1994.
❖ «القصص:السفر – سهرة – قبضة تراب – الطوفان – الأضواء – ليلة رأس السنة – خميس – هذا الجسد لك – هذا الجسد لي – أنا وأمي – الرمل والحجر».
5 – دهشة الساحر «قصص»، 1997.
❖ «القصص: طريق النبع – الأصنام – الليل والنهار – الأميرة والصعلوك – الترانيم – دهشة الساحر – الصحراء – الجبل البعيد– الأحفاد – نجمة الصباح».
6 – جنون النخيل «قصص»، 1998.
❖ «القصص: بعد الانفجار – الموت لأكثر من مرة واحدة! – الأخوان – شهوة الدم – ياقوت – جنون النخيل – النوارس تغادر المدينة –رجب وأمينة – عند التلال – الأم والموت – النفق – ميلاد».
7 – سيد الضريح «قصص»، 2003.
❖ «القصص: طائران فوق عرش النار – وراء الجبال – ثنائية القتل المتخفي – البركان – سيد الضريح – وتر في الليل المقطوع – أطياف – رؤيا – محاكمة على بابا – الحارس».
8 – الكسيحُ ينهض «قصص» 2017.
❖ «القصص: الشاهدُ.. على اليمين – الكسيحُ ينهض – جزيرة الموتى – مكي الجني – عرضٌ في الظلام – حفار القبور – شراء روح – كابوس – ليلة صوفية – الخنفساء – بائع الموسيقى– الجنة – الطائر الأصفر – موت سعاد – زينب والعصافير – شريفة والأشباح – موزة والزيت – حمامات فوق سطح قلبي – سقوط اللون – الطريق إلى الحج – حادثة تحت المطر – قمرٌ ولصوص وشحاذون – مقامة التلفزيون – موتٌ في سوق مزدحمٍ – نهاياتُ أغسطس – المغني والأميرة».
9 – أنطولوجيا الحمير «قصص» 2017.
❖ «القصص: انطولوجيا الحمير – عمران – على أجنحة الرماد – خيمةٌ في الجوار – ناشرٌ ومنشورٌ– شهوة الأرض – إغلاقُ المتحفِ لدواعي الإصلاح – طائرٌ في الدخان – الحيُّ والميت – الأعزلُ في الشركِ – الرادود – تحقيقٌ – المطرُ يموتُ متسولاً – بدون ساقين – عودة الشيخ لرباه – بيت الرماد – صلاةُ الجائع – في غابات الريف – الحية – العـَلـَم – دموعُ البقرة – في الثلاجة – مقامات الشيخ معيوف».
10 – إنهم يهزون الأرض! «قصص» 2017.
❖ «القصص: رسالةٌ من بـينِ الأظافر – الأسود – عاليةٌ – جلسةٌ سادسةٌ للألمِ – غيابٌ – عودةٌ للمهاجرِ – دائرةُ السعفِ – الضمير – المحارب الذي لم يحارب – الموتُ حُبـَأً – إنهم يهزون الأرض! – حـُلمٌ في الغسق – رحلة الرماد – أعلامٌ على الماء – گبگب الخليج الأخير – المنتمي إلى جبريل – البق – رغيفُ العسلِ والجمر – عوليس أو إدريس – المفازة – قضايا هاشم المختار – أنشودة الصقر – غليانُ المياه».
11 – ضوء المعتزلة «قصص» 2017.
❖ «القصص: ضوء المعتزلة – جزرُ الأقمار السوداء – سيرة شهاب – معصومة وجلنار– سارق الأطفال – شظايا – الترابيون».
12 – باب البحر «قصص» 2020.
❖ «القصص: وراء البحر.. – كل شيء ليس على ما يرام – قمرٌ فوق دمشق – الحب هو الحب – شجرة في بيت الجيران – المذبحة – إجازة نصف يوم – حادث – البائع والكلب – ماذا تبغين ايتها الكآبة؟ – إمرأة – الربان – إذا أردتَ أن تكونَ حماراً – اللوحة الأخيرة – شاعرُ الصراف الآلي – البيت – حوت – أطروحةٌ – ملكة الشاشة – الغولة – وسواسٌ – مقامة المسرح – إعدام مؤلف – يقظة غريبة».
✾ الأعمال الروائية الكاملة، المجلد الأول: اللآلئ، القرصان والمدينة، الهيرات، أغنية الماء والنار، 2004.
✾ الأعمال القصصية الكاملة، المجلد الثاني: لحن الشتاء، الرمل والياسمين، يوم قائظ، سهرة، دهشة الساحر، جنون النخيل، سيد الضريح، 2021.
✾ الأعمال الروائية الكاملة، المجلد الثالث: مريم لا تعرف الحداد، الضباب، نشيد البحر، الأقلف، الينابيع، 2021.
✾ الأعمال التاريخية الكاملة، المجلد الرابع: محمد ثائراً، عمر بن الخطاب شهيداً، عثمان بن عفان شهيداً، يا علي! أميرُ المؤمنين شهيداً، رأس الحسين، مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني، ضوء المعتزلة، 2021.
✾ الأعمال النقدية الكاملة، المجلد الخامس: تطور الأنواع الأدبية العربية، نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية، الراوي في عالم محمد عبدالملك القصصي، عالم قاسم حداد الشعري 2023.
✾ الأعمال الروائية الكاملة، المجلد السادس: ساعة ظهور الأرواح، التماثيل، ذهب مع النفط، عنترة يعودُ الى الجزيرة، عقاب قاتل، اغتصاب كوكب، رسائل جمال عبدالناصر السرية، 2023.
✾ الاعمال القصصية الكاملة، المجلد السابع: إنهم يهزون الأرض! ، 2023.
✾ الأعمال النقدية الكاملة، المجلد الثامن: تجارب روائية من الخليج والجزيرة العربية، عبدالله خليفة: عرضٌ ونقدٌ عن أعماله، حوارات نقدية، 2023.
✾ الأعمال الروائية الكاملة، المجلد التاسع: ألماس والأبنوس، طريق اللؤلؤ، ثمن الروح، ابنُ السيد، بورتريه قصاب، 2023.
✾ الأعمال الروائية الكاملة، المجلد العاشر: خَليجُ الأرواحِ الضَائعةِ، الأرض تحت الأنقاض، حورية البحر، هُدهُد سليمان ، شاعرُ الضياء، 2023.
✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد الأول: أفق ـ منشورات: سنوات 2003، 2004.
✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد الثاني: أفق ـ منشورات: سنوات 2005، 2006.
✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد الثالث: أفق ـ منشورات: سنوات 2007، 2008.
✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد الرابع: أفق ـ منشورات: سنوات 2009، 2010.
✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد الخامس: أفق ـ منشورات: سنة 2011.
✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد السادس: أفق ـ منشورات: سنة 2012. ✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد السابع: أفق ـ منشورات: سنوات 2013، 2014.
✗ الأعمال الروائية:
13 – اللآلئ، 1982.
14 – القرصان والمدينة، 1982.
15 – الهيرات، 1983.
16 – أغنية الماء والنار، 1989.
17 – مريم لا تعرف الحداد، 1991.
18 – الضباب، 1994.
19 – نشيد البحر، 1994.
20 – الأقلف، 2002.
21 – ساعة ظهور الأرواح، 2004.
22 – رأس الحسين، 2006.
23– عمر بن الخطاب شهيداً، 2007.
24– التماثيل، 2007.
25 – عثمان بن عفان شهيداً، 2008.
26 – يا علي! أميرُ المؤمنين شهيداً، 2008.
27 – محمد ثائراً، 2010.
28 – ذهب مع النفط، 2010.
29 – عنترة يعود الى الجزيرة، 2011.
30 – الينابيع, الطبعة الكاملة، 2012.
31 – عقاب قاتل، 2014.
32 – اغتصاب كوكب، 2014.
33 – رسائل جمال عبدالناصر السرية، 2015.
34 – ثمن الروح، 2016.
35 – ألماس والأبنوس، 2016.
36 – ابنُ السيد، 2016.
37 – الأرض تحت الأنقاض، 2017.
38 – حورية البحر، 2017.
39 – طريق اللؤلؤ، 2017.
40 – بورتريه قصاب، 2017.
41 – مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني، 2018.
42 – شاعرُ الضياء، 2018.
43 – خَليجُ الأرواحِ الضَائعةِ، 2019.
44 – هُـدهـُـد سـليمـان، 2019.
✗ الدراسات النقدية والفكرية:
45 – الراوي في عالم محمد عبد الملك القصصي، 2004.
46 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، صدر الجزء الأول والثاني معاً بمجلد واحد، في ستمائة صفحة، ويعرضُ فيه المقدمات الفكرية والاجتماعية لظهور الإسلام والفلسفة العربية، 2005.
47 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الثالث، وهو يتناول تشكل الفلسفة العربية عند أبرز ممثليها من الفارابي حتى ابن رشد 2005.
48 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث، وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة، 2015.
49 – نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية، 2007.
50– تجارب روائية من الخليج والجزيرة العربية، 2008.
51 – صراع الطوائف والطبقات في المشرق العربي وإيران، 2016.
52 – الملعون سيرة وحوارات وما كتب عنه، 2016.
53 – تطور الأنواع الأدبية العربية: دراسة تحليلية للأنواع من الشعر الجاهلي والقرآن حتى الأدب المعاصر، وهي دراسة مكثفة فكرية تكشف علاقة التداخل بين النصوص العربية والصراع الاجتماعي، 2016.
54 – رأس المال الحكومي الشرقي: وهي قراءة جديدة للماركسية، تبحثُ أسلوبَ الإنتاجِ الراهن في الشرق عبر نظرة مختلفة، 2016.
55 – عالم قاسم حداد الشعري، 2019.
56 – عبـدالله خلــيفة: عرضٌ ونقدٌ عن أعماله، 2019.
57 – الكلمة من أجل الإنسان، 2020.
58 ـ إضاءة لذاكرة البحرين، 2024.
59 – أيديولوجي 2025.
60 – لينين ومغامرة الاشتراكية: وهو كتيب نظري تحليلي لأفكار لينين ولنظريته، 2025.
61 – الكلمة من أجل الإنسان، جزء ثانٍ 2025.
عبــدالله خلــيفة على موقع الحوار المتمدن
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=436071
عدد إجمالي القراءات: 7,712,539 مليون قارئ.
عدد المقالات المنشورة: 1,218.
عبــدالله خلــيفة على ووردبريس:
https://isaalbuflasablog.wordpress.com
عبــدالله خلــيفة على الفيسبوك:
https://www.facebook.com/abdullakhalifaalbuflasa
عبــدالله خلــيفة على You Tube:
https://www.youtube.com/channel/UCdyc68FyFxWEu1nt9I7K46w
عبــدالله خلــيفة على مدونة بينترست:
عبــدالله خلــيفة على مدونة إنستغرام:
https://www.instagram.com/abdulla_khalifa_albuflasa
البريد الالكتروني لـ عيسا خليفة البوفلاسة للتواصل : 009733336905
isa.albuflasa@gmail.com
isa_albuflasa@yahoo.com
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
#جذور_الرأسمالية_عند_العرب
فصل من كتاب: رأس المـــال الحـكومــــي الشـــــــــــــرقي
لا تسعفنا المصادرُ في الحديث عن وجود أو عدم وجود العمل المأجور ومدى حضوره في العصر الجاهلي والإسلامي الأول، رغم أنها مسهبة في تعداد الثروات الخاصة وظهور القطائع، وهي الشكلُ المبكرُ للإقطاع العربي، وتحدد العلاقات التجارية وطرقها والعلاقات الاجتماعية – السياسية المصاحبة لهذه التجارة، وكذلك تذكرُ الموادَ الأولية العربية والحرفَ المُقامة عليها، ومن هنا من الصعوبة بمكان معرفة طبيعة رأس المال الجاهلي ــ الإسلامي.
في البدء لا بد من معرفة المواد الأولية وهي السلع التي سوف تدخل السوق، وقيم هذه السلع، ومن أي عمل بشري أُنتجت، وماذا يحدث لهذه القيم في السوق، والأثمان التي يأخذها الوسطاء، ونوعية هذه السلع وأسباب نموها بهذا الشكل أو ذاك.
ومن الواضح بأن جغرافيا الجزيرة العربية هائلة، وأن ثمة مناطق زراعية متنوعة متباعدة، كاليمن وعمان والبحرين ويثرب ـــ المدينة، والطائف الخ ، وهذه المناطق تفصلها عن بعضها البعض الصحارى الواسعة، وهي لا بد لها من إقامة علاقة تبادل بينها وبين بعضها البعض ومع العالم القريب كذلك.
إن الوقائعَ تشيرُ إلى عمليات تبادل تجارية بين هذه المواقع المختلفة، ويعبرُ التبادلُ عن وجود فائض اقتصادي، تمكنت قوى العمل الشعبية القبائلية من إيجاده، فقام وسطاءٌ هم تجار بإرساله للمناطق الأخرى فاغتنوا واغنوا التجار في المدن، ثم كانت مكة هي الوسيطة الكبرى التي نهضت فوق قوى العمل هذه حتى قوة تجارية عالمية.
كانت هناك مناطق ذات تاريخ قديم في الإنتاج كاليمن، ومن اليمن خرج اليهودُ إلى يثرب وأسسوا فيها الزراعةَ والحرف، كما خرجت قبائلٌ يمينة عديدة إلى يثرب وغيرها من المناطق خاصة شمال الجزيرة العربية، وتعبر قدرات اليهود في يثرب عن تعمق كبير في الجوانب الحرفية.
كانت سلع اليمن هي مثل: النسيج الفاخر، والذهب، والفضة، والأحجار الكريمة، ومواد التجميل، والتوابل بأنواعه ، والأسلحة وغيرها.
إن هذه السلع تدل على تجذر قوى العمل ومهاراتها المتنوعة، وإذ تشير إلى صلات تجارية بالخارج كالهند وأفريقيا، إلا أنها بضائع ومواد خام مستوردة تقوم قوة العمل اليمنية بإعادة تشكيلها ومن ثم تصديرها.
وتعبر مدينة يثرب عن هذا الطابع اليمني الحرفي المتأصل:
«أسس اليهود يثرب وعملوا الزراعة والحرف وصناعة السلاح والحدادة والدباغة والنجارة والصرافة وكان العرب يملكون 13 أطماً واليهود خمسين، وكان في المدينة أكثر من 300 صائغ حلي وكلهم من اليهود العرب وثمة حي اسمه حي الصاغة،» المال والهلال ، شاكر النابلسي ،ص 132.
وكانت المناطق الجزيرية الكبرى الأخرى كعمان والبحرين أقل من اليمن في التطور الحرفي بسبب التكون الحضري البعيد لليمن ومركزية حكمها، وعمان والبحرين تنتجان الموادَ الزراعية غالباً، مع ما يتبع هذه المواد من حرف.
إن هذا التكون التبادلي بين مناطق الجزيرة العربية كان يتبع الطريق التجارية الدولية أساساً، فهو يضخُ ما يزيد عن حاجتهِ إلى الأسواق الخارجية، فأغلب السلع الاستهلاكية الضرورية كالمواد الغذائية تـُستهلك محلياً، وما يزيد عنها وما يُخصص للبيع والتجارة يتوجه للأسواق المحلية ومن ثم المناطقية، وهي أسواق ثلاث كبيرة هي «عكاظ ومجنة وذو المجاز».
وتوضحُ طبيعة السلع اليمنية المُصَّدرة غلبة السلع الاستهلاكية البذخية، التي تباع لمركز التصدير ومن ثم تباع خارجياً، في حين يعيش أغلبية المنتجين على السلع الضرورية.
وبحكم تحول مكة إلى المركزين التجاري والديني معاً، فقد اختلطت السلعُ بالقيم الدينية. كانت المناطق الجزيرية العربية التي تقيم التبادل بينها بحاجة إلى سوق موحد تجري فيه أكبر عمليات التبادل، فكانت مكة التي تحولت من قرية إلى مدينة بفعل الخط التجاري الدولي المار بها، ومن ثم غدت المركز التصديري الرئيسي، فكان المنتجون لكي يستمروا في عيشهم بحاجة إلى تصدير الفائض نحو قبلة مكة التجارية، التي راحت تصير قبلة دينية كذلك ، بحكم إن الشعائرَ الدينية تحمي السلع والنقود الناتجة منها والعمليتان متداخلتان.
لكن المنتجين لم يفعلوا ذلك مباشرة، بل من خلال الوسطاء التجاريين، الذين كانوا يأخذون تلك السلع ويبيعونها، وفي البدء نيابةً عنهم بحكم النشؤ القبلي، ثم مع استمرار التمايز بين المنتجين والمالكين، انفصلوا وصاروا تجاراً مستقلين.
وتبينُ نشأةُ مدينة مكة هذا النموَ المتمايزَ للفئات التجارية من قلب العلاقات القبلية، ففي البداية نجد أن جد القبيلة «قصي بن كلاب» عنده أغلب وظائفها الدينية والتجارية مما عبر عن وحدة قبلية كلية في القمة، ثم تنشأ البيوتاتُ التجارية العائلية؛ كأمية وبني مخزوم وبني هاشم الخ .. مثلما تظهر العائلات الغنية والعائلات الفقيرة.
لكن الفارقَ بين مكة وبقية المناطق إنها غير منتجة لسلعٍ، بل هي تستقبلُ السلعَ وتصدرها، وتحتفظ بجزءٍ ضئيلٍ منها للاستهلاك، فهي بلا جذور حرفية وبلا زراعة، ومن هنا قامتْ بتحويل جزء من رؤوس أموالها لتملك الأراضي في المناطق المجاورة فكانت «الطائف» بستانها، و«جدة» ميناءها فغدت دويلة اقتصادية.
تعبرُ مكة عن المدينة التجارية الخالصة، التي لم تتطور من داخلها لتكون مدينة تجارة، بل هي قد أسستها الضرورة التبادلية العالمية والمناطقية، ولهذا فإن المناطق الأخرى لم تستطع أن تتطور مثل مكة في نموها الاقتصادي وفي عقليتها التحديثية.
لقد ساعدها غيابُ الجذور الزراعية والحرفية لكي تكونَ مدينةَ مالٍ وسلعٍ بالدرجة الأولى.
لكنها مع ذلك بحكم خلفيتها الدينية التي رُكبت وتصاعدت بفضل دورها التجاري التوحيدي، فكان هذا الدور يعضد المكانة التجارية ويضفي عليها قداسة، ولكن هي قداسة تجميعية للرموز الدينية مثلما هي تجميع للسلع التجارية.
ومع ضخامة دور الوسيط بين المنتجين المتوارين، سواء كانوا عرباً أم أجانب، فإن الوسيطَ هو الذي أثرى أكثر من أولئك المنتجين، وتدلنا الأرقامُ التجارية للسلع ولأرباحها عن ضخامة الرأسمال البضائعي الذي يتدفق والذي يتحول من جديد للتجارة، أو يشتري الأرض العقارية، التي كانت محدودة بحكم ضخامة الصحراء.
ومنذ البداية نلمح هذا التناقض الهام بين كمية النقد الكثيرة المتوفرة وغياب التوظيفات الفاعلة، فيذهب قسمٌ كبير من النقد نحو الاستهلاك البذخي، فيضيع من دورة رأس المال، ولكنه في هذه المرحلة لا يضيع بل يوظف لكن حين ستنشأ أسرٌ حاكمة ويتراكم الفائضُ لديها فسوف يتجه إلى البذخ الخالص.
كان في جزيرة العرب طريقان للتجارة «أحدهما شرقي يصل عمان بالعراق وينقل بضائع اليمن والهند وفارس براً، ثم يجوز غرب العراق إلى البادية حتى ينتهي به المطاف في أسواق الشام» «والطريق الثاني هو الأهم وهو غربي يصل اليمن بالشام مجتازاً بلاد اليمن والشام ناقلاً أيضاً بضائع اليمن والحبشة والهند إلى الشام وبضائع الشام إلى اليمن حيث تصدر إلى الحبشة والهند عن طريق البحر»، كتاب أسواق العرب، ص9 .
من المدن التجارية الهامة في العصر القديم «تيماء: المحطة الكبرى العامة شمالي الحجاز مروراً بسلع وبُصرى وتدمر ودمشق».
«كان للعرب دراية بالملاحة منذ القرن العاشر قبل الميلاد»، «عن تاريخ العرب الأدبي نيكلسون» ويضيف: «وكانت صعوبة الملاحة في البحر الأحمر تجعلهم يفضلون الطريق البري».
«كانت القوافل تقوم من شبوت في حضرموت وتذهب إلى مأرب عاصمة سبأ ثم تتجه شمالاً إلى مكربة «مكة» وتظل في طريقها من بترا حتى غزة».
«كان الحميريون هم المسيطرون على التجارة جاعلين العرب الحجازيين عمالاً عندهم حتى قبيل البعثة» السابق ص 11.
«منذ القرن السادس انتقلت التجارة تدريجياً من اليمنيين إلى قريش».
قال الألوسي:
«وأما أهل اليمن وعمان والبحرين وهجر فكانت تجاراتهم كثيرة ومعايشهم وافرة لما في بلادهم من الخصب والذخائر المتنوعة والمعادن الجيدة»، ص 11 «على أن لــ طيئ ومنازلها أواسط نجد شهرة في الاتجار شمالي جزيرة العرب».
(وقدّر بعضُهم ما يشتريه العالمُ الروماني من طيوبِ بلاد العرب والفرس والصين بقيمة مائة مليون من الدراهم) ص 12.
وتعبيراً عن التبادل المناطقي الواسع قالوا: (برود اليمن وريط الشام وأردية مصر). ومن أقوالهم: (الطائف مدينة جاهلية قديمة وهي بلد الدباغ يدبغ بها الأهب الطائفية المعروفة). أما (هجر والبحرين فهي متجر التمر الجيد).
كان التجار يُسمون السماسرة فجاء الإسلامُ بكلمةِ معشر التجار. وهناك اسماء أعجمية وَرَدتْ للعرب تحملُ أسماءَ البضائع: (الصنج والصولجان والفيل والجاموس والمسك وخصوصاً أنواع النسائج كالديباج والاستبرق والابرسيم والطيلسان) السابق ص 18.
وتعرفنا بعض الكلمات الأعجمية التي عربت وصارت جزءً من التسميات العربية على تغلغل العلاقات البضائعية في الحياة الجاهلية مثل:(ترف وجزية ودرهم وفندق وقارب ولص). سردَ هذه الكلمات بندلي جوزي في بحثه (بعض إصطلاحات يونانية في اللغة العربية) في مجلة مجمع اللغة العربية 3 / 330 نقلاً عن المصدر السابق، ص 19).
قال معاوية لصوحان صف لي الناس فقال: خلق الناس أخيافاً، فطائفة للعبادة، وطائفة للتجارة، وطائفة خطباء، وطائفة للبأس والنجدة، ورجرجة بين ذلك يكدرون الماء ويغلون السعر ويضيقون الطريق.
وقد عرف العربُ سندَ الملكية (طابو) والعقود.
ومن كتاب المحاسن والأضداد نقرأ ( إن العديد من رؤوساء قريش كانوا باعة وحرفيين). وتعددت البيوع عندهم مثل: بيع الغرر، أي بيع ثمر النخل والشجر لمدة عام أو عامين وهو مرفوض دينياً.
بيع التصرية وهو عدم حلب الناقة لفترة من أجل أن تمتلئ وهو شكل من التحايل.
البيع الناجز وهو البيع الصحيح يداً بيد.
(في البدء كانوا يتعاملون بالمقايضة ثم تعاملوا بنقود الروم والفرس، الدنانير والدراهم، ويقدر الدينار بعشرة دراهم، والدرهم يساوي عشرة قروش مصرية (حسب زمن المصدر 1960)
ويدل هذا على ضعف تطور العلاقات البضاعية ــ النقدية، ثم نموها عبر تنامي إنتاج القبائل عبر مئات السنين، واستمرار سيطرة الفرس والروم السياسية، فكان فائضٌ ما ينتقل من الجزيرة للأمبراطوريتين، ثم غدت نقودهما نقودَ الأمبراطورية الإسلامية التي وورثت الهيكل الاقتصادي ــ السياسي العبودي ــ الإقطاعي دون أن يستطيعَ التراكمُ المالي أن يؤدي إلى المرحلة الرأسمالية.
وجاء لدى المقريزي إن أول من ضرب السكة عمر بن الخطاب على نقود فارسية مع كلمات عربية إسلامية.
وكان لديهم (المكس) وهو أخذ العشر من بائعي السوق والمكس في اللغة النقص وفي البيع انتقاص الثمن. قال الشاعر:
أفي كل أسواق العراق أتاوة/وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم
وحول الاستغلال وتراكم الأموال، جاء في خزانة الأدب (كان أحيحة بن الجلاح كثير المال شحيحاً عليه يبيع بيع الربا في المدينة).
عُرف بعض الصحابة باستخدام الربا كخالد بن الوليد وعثمان بن عفان وحين جاء الإسلام تركا الربا بطبيعة الحال، وكان الرهن يصل إلى رهن البشر مما يعبر عن كوابح تطور العلاقات البضائعية النقدية وانغمارها بعلاقات العبودية وقتذاك.
وهناك ربا الأضعاف المذموم بشدة في القرآن ((لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة)) آل عمران 3، وهو أمرٌ يعبرُ عن هدف سياسي هو زعزعة سيطرة القبائل اليهودية على المدينة وعلى العرب وقد أخذ الفقهاءُ هذا الحكم كحكمٍ مطلق وليس نسبياً، ثم جاء فقهاءٌ حاولوا تجاوز هذه الإشكالية عبر ما ُسمي بفقه (الحيل). وهذا كله يبين استمرارية تنامي العلاقات البضائعية النقدية لدى العرب رغم الكوابح الطبيعية الهائلة والشظف والتحكم السياسي الجائر في عصور الدول الاستبدادية.
لم تستطع العلاقات المالية والبضاعية كشكلٍ أولي من العلاقات الرأسمالية أن تحصل على مساحة أساسية في البناء الاجتماعي العربي الجاهلي، بسبب ضخامة العلاقات الأبوية التي تتمظهرُ في سيطرة شيوخ القبائل على أجسام القبائل في حركاتها الانتقالية المكانية وفي توجههاتها، عبر الحفاظ على البناء الاجتماعي التقليدي القائم على خضوع الفقراء للأغنياء والصغار للكبار والنساء للرجال والعبيد للسادة.
وهذا كله يؤدي لعدم ظهور وتراكم الرأسمال.
وتلك سيطرة اجتماعية موجودة في كل القبائل، لكن لم يكن لرؤساء القبائل مركز سياسي ما، فجاءتْ الدولةُ العربية الإسلامية لتضعَ الأسسَ لانتقال سيطرتهم الاجتماعية لتكون سيطرة سياسية بعد هزيمة دولة الجمهورية الشعبية زمن الخلفاء الراشدين.
وتلك السيطرة الاجتماعية على كل قبيلة منفردة، توحدت بالنظام السياسي الأمبراطوري، الذي كرسَّ سيطرة زعماء القبائل، وأشركهم في المداخيل واستعان بهم في الجيوش والحروب الخ..
وبهذا فإن العلاقات المالية البضاعية في زمن الجاهلية لم تحصل على بنية اجتماعية مُستوعِبة لها، بسبب ضخامة الصحارى وتشتت القبائل والمدن.
فبقيت العلاقاتُ الرأسماليةُ الجنينية على ضفاف العلاقات الاجتماعية الأبوية وحين تكونت المدنُ الإسلامية الأولى خاصةً، كالبصرة والكوفة والفسطاط والقيروان وفاس فإنها كانت معسكراتٍ للجيوش، مما جعلها مراكزَ سياسية بدرجة أولى، ثم تحول بعضُها إلى مدنٍ تجارية كبيرة لأسباب خاصة بها كالبصرة التي غدت الميناء الكبير على ضفة الخليج.
أما السيطرة الاقتصادية الكبرى على الثروة والإنتاج فكانت من نصيب نفس تكوين الشيوخ القبليين في زمن الجزيرة الجاهلية، ولكن صارت سيطرتهم مركزةً في أسرة واحدة وفي شخص الخليفة، وغدت الأملاكُ الكبرى الزراعية هي الأساس الاقتصادي للدولة، ومن الخراج و مكوس التجارة تتشكل أغلبية الدخول.
تغدو الملكية الزراعية الإقطاعية هي ملكية عقارية غير داخلة في التداول البضائعي بشكل عام، لأنها بعضها يُوهب أو يُباع، ولكونها هي مصدر أغلبية الثروة الأساسية فإن (المجتمع) يكون قد أعاق نمو العلاقات البضائعية بطريقة سياسية مخربة على المدى الطويل.
إن الملكية العقارية الكبرى هي بضاعة في ذاتها لكنها مملوكة للإدارة السياسية فتتجمد وتعرقلُ تطورَ السلع ونموَ رأس المال، وهي كذلك وسيلة من وسائل إنتاج البضائع، عبر تحول مداخيلها عند الأسرة الحاكمة وأسر الكبار عموماً إلى وسيلة اكتناز وبذخ، فتغدو مصدراً لحراك اقتصادي يؤدي مع مرور السنين إلى الأفلاس، لأن المداخيل (أو الجزء الأكبر منها) لا تعود لبنية الإنتاج.
إن الطبقات والفئات التي تستولي على النصيب الأكبر من الفائض الاقتصادي تدرجهُ في الاستهلاك الشخصي، فسواءٌ كان ذلك لدى الخلفاء وزوجاتهم وابنائهم أم لدى التجار الكبار والقواد وكبار رجال الدين الحكوميين، فإن الفائض لا يعود مرة أخرى لتطوير الإنتاج إلا بنسبة ضئيلة كترميم السدود.
وسنجد بعض مظاهر تدهور رأس المال التجاري كالهجوم على أموال كبار التجار وقيام هؤلاء بإخفائها تحت الأرض، والسطو على أموال الخلفاء أنفسهم وسرقة مصاغ زوجاتهم، في حين إن الوضع الاقتصادي العام يشير إلى الخروج المستمر للذهب من الديار الإسلامية، وتدهور قيمة العملتين الذهبية والفضية، وتدني وتدهور الحاصلات الزراعية، وجمود الحرف بسبب عدم تغلغل الرأسمال المادي والعلمي بها، فتغدو الحرف عاجزة عن التحول للصناعة، بل تصيرُ مهناً تقليدية يسيطر عليها أسطوات ومعلمون يحولون طرق الإنتاج فيها إلى أسرار، ويحولون الشغيلة إلى تلاميذ. وهذا ما يكون مناسباً في مستوى الثقافة مع الثقافة الصوفية التي تغدو هنا طرق دراويش مخلوطة بسحر وخزعبلات.
هكذا فإن رأس المال يغدو على ضفاف المجتمع الإسلامي، سواء بتدميره على مستوى الطبقة الحاكمة بالبذخ، أو على مستوى الشغيلة بتحجر الإنتاج وتدهوره المستمر.
ولكن بين التوسع الكبير للإنتاج الزراعي وضخه للموارد في المدن وبين انهياره ثمة قرون من التطور الاقتصادي الذي تظهر فيه إبداعات اجتماعية وثقافية كثيرة.
ونستطيع أن نرى تبايناً في علاقات الإنتاج والتداول، فثمة علاقات عبودية جزئية وإقطاع سياسي متحكم بشكل عام، وعلاقات رأسمالية غير سائدة تتمركز في التجارة خاصة.
وإذا حدث تناغمٌ بين الإقطاع السياسي والعلاقات الرأسمالية، بمعنى عدم قيام الإقطاع الحاكم بتضييع الثروة وساهم بفتح المجال لنمو التجارة والحرف، أي بتطوير مصادر الإنتاج، فإن العهدَ يشهد ازدهاراً، كما حدث في بعض فترات الحكم الأموي أيام معاوية وعبدالملك بن مروان، ثم في الدولة العباسية لدى المنصور وهارون الرشيد والمأمون، ولكن مع تفاقم نفقات الحكم والجيش فإن ذلك يؤدي لتدهور مصادر الإنتاج، وقيام فترة الاضطرابات و مجيء الحكام الضعاف وتدهور الثقافة الخ، كما نلحظ ذلك مع حكم المعتصم العسكري البذخي ثم تنامي التدهور في الخلفاء من بعده، وتؤدي الحروب دور المعجل للتفسخ والتجزؤ للأمبراطورية.
وعلى الرغم من السيطرة العامة لنظام الإقطاع على النظام الاجتماعي الإسلامي إلا أن هذا النظام شهد نمواً كبيراً للرأسمال التجاري لا يصل بطبيعة الظروف السابق شرحها إلى تجاوز ذلك النظام.
وقد أوضحنا كيف إن هذه العلاقات التجارية والمالية ازدهرت بشكل واسع، وعرفت كل أشكال التبادل التجاري والمالي، بين المناطق العربية الإسلامية وبينها وبين العالم.
وإذا كانت هذه العلاقات لم تصل إلى إزاحة البناء الاقطاعي، أي هيمنة الأسر على المال العام والإنتاج، فإنها نقلتْ جوانبَها المتقدمة إلى القارة التي سوف تتفتح فيها هذه العلاقات التجارية المالية على أوسع مدى وهي القارة الأوربية.
وبعكس الآراء الزاعمة بقيام العرب بخلق التخلف الأوربي فإن المعطيات التاريخية الموضوعية تشير إلى العكس أي قيامهم بخلق أسس النهضة على مستويي الاقتصاد والثقافة.
وهكذا فإن درجات التطور الرأسمالي العالمي لها حلقات مشتركة من الأدنى إلى الأعلى وبالعكس، فبعد التدهور الاقتصادي الذي جرى في أوربا خلال القرنين السابع والثامن الميلاديين، ظهرت الدويلات الإقطاعية الصغيرة وصارت الكنيسة الكاثوليكية أكبر مالك للأرض الزراعية وتحكمت الجيوش والأنفاق الهائل عليها مما زاد من الضرائب التي أضعفت الإنتاج.
ووقع الاحتكاك العربي الأوربي الاقتصادي الإيجابي في حوض البحر الأبيض المتوسط، ومن هنا نرى أن المناطق الداخلية والغربية الأوربية عرفت النهضة لاحقاً، وتركزت النهضة في المدن الإيطالية القريبة من الممالك العربية، ورغم إن الرأسمال التجاري الإيطالي تشابك بقوة مع الحملات الصليبية التي استثمرها إلا أنه تنامى أكثر بفضل نمو التجارة السلمية، فسك العملات النقدية الجديدة وأسس الشركات، وغيّر نظامَ الأرقام مدخلاً نظامَ الأرقام العربية وترجم ونقل الكثير من جوانب العلوم الطبيعية والرياضية والفلسفية العربية، وكل هذه الخميرة انتقلت إلى الدول الأوربية في الوسط ثم في الشمال والغرب، والأخيرة هي التي قامت بالثورة الصناعية والرأسمالية الشاملة بفضل ابتعادها عن مركز الإقطاع في روما وازدهارها بالتجارة والاكتشافات الجغرافية.
بطبيعة الحال فإن قانونَ النمو داخليُّ دائماً لكن المؤثرات الخارجية الإيجابية تسرعُ من الصراعات الداخلية باتجاه التقدم، ولم يستطع الرأسمال الصناعي الظهور في غرب أوربا إلا بتراكمات هائلة أوربية وعالمية، حيث عملت التدفقات النقدية والمعلومات العلمية وحرية بعض المدن على هدم الجدار الكبير بين الحرف والصناعة، أي عبر خلق نظام المحركات في إنتاج السلع: (المانيفكتورة ثم المعامل). وهو أمرٌ عجز عنه العرب للأسباب السابقة الذكر. وبهذا التحول تم ظهور نظام الرأسمالية العالمية ومنشأه أوربا الغربية.
إن وجود مناطق حرة لظهور الرأسمال الصناعي، حرة من حيث عدم تسلط الحكومات ورجال الدين المحافظين، قد تشكل في المناطق البعيدة عن المركزيات المتشددة، وعبر خلق سوق قومية الخ..
ولكن مع تحول الرأسمالي الأوربي القاري – العالمي، فإن السيطرة على المواد الخام والأسواق الخارجية صارت معرقلةً لنمو الرأسماليات في الدول المتخلفة، فقام الغربُ بالتحكم في أسواق الدول العربية والإسلامية، مانعاً إياها من العملية التي ساهمتْ هي فيها وأسست تقدمه، أي أنها كونت مرحلة الرأسمال التجاري التأسيسية، فوضع الغربُ الأمبريالي اثناء سيطرته الأولى القيودَ الكثيرة على بقاء الدول العربية والمختلفة عامة في مرحلة الرأسمال التجاري دون المساح لها بالصعود إلى مرحلة الرأسمال الصناعي. فعاش الشكل الأعلى وهو الرأسمال الصناعي (الحر) أكثر من قرن على التحجيم والقيود.
فحين جاء الاستعمار الغربي لم يعمل على تغيير البناء الإقطاعي الموروث بل حافظ عليه ووطده. بأن جعل الحكام يحصلون على قسم كبير من الثروة من خلال التحكم في أجهزة الدول، وهو الأمر الذي حافظ على البناء الإقطاعي القديم، بكل بنيته الاجتماعية، وكان الحكام هم الغربيون ثم سلموا الحكم للقوى المحلية التي جُيرت لخدمة البناء الاقتصادي التابع.
وهذه العملية الاقتصادية العالمية المتضادة، أي دفع العرب أوربا للتقدم ثم دفعُ الغربِ العربَ للتخلف، تعكس طبيعة النظامين العالميين الإقطاع والرأسمالية، في مرحلة النشأة الأولى العالمية للنظام الحديث، وهي تعكس مستوى قوى الإنتاج على الجانبين، فالنظام الأول العربي يقومُ اقتصادياً على الخراج والمكوس والغزو (وهو شكل من الاستيلاء المباشر على السلع)، في حين يقوم النظام الثاني الغربي على تصدير رأس المال والسيطرة على الأسواق. فكان من الطبيعي أن يحدث تصادمٌ كبيرٌ ومأزقُ بين التشكيلات الاقتصادية البشرية الكبرى.
وهذه المرحلةُ من العلاقة بين الإقطاع الشرقي والرأسمالية الغربية هي مرحلة أولى لأن مراحل أخرى ستتشكل تبعاً لتبدل قوى الإنتاج الغربية وتطور الدول الشرقية كذلك، فتغدو التشكيلة الرأسمالية عالمية تزيل التشكيلات التي كانت قبلها بشكلٍ تدريجي.
لقد ابقت الرأسماليةُ الغربية الدولَ العربية في البناء الإقطاعي و(تطوراته) ويظهر ذلك في الحفاظ على طبيعة الحكم السياسي الذي يغدو مالكاً لقسم كبير من الثروة عبر الجهاز الحكومي، وهو الجاب الذي يمثل استمرارية للدول السابقة الأموية والعباسية والطوائف، فهنا لم يحدث قطع بنيوي، ولم تجعل الدول الغربية السيطرة الدول العربية على نموذجها بل أبقتها في الماضي، في ذات التشكيلة الإقطاعية، فصارت التطورات المالية والتجارية القديمة والمحدثة تجري في البناء القديم لأسباب سياسية واقتصادية عميقة.
يتحدد تاريخ البشرية في القرن العشرين بصراع الرأسماليات الغربية الكبرى القوية برأسماليات الشرق النامية الضعيفة، وقد قُيض لرأسماليات الشرق أن تبرز روسيا كقوة طليعية عالمية لها، وبطبيعة الحال وبسبب مستوى الوعي، أُعتبر ذلك صراعاً بين الرأسمالية والاشتراكية، وأعطى الشكلُ الذي ظهرتْ بهِ الرأسماليةَ في روسيا كشكلٍ رأسمالي حكومي التباساً في فهم العملية التاريخية، لكن كان ذلك إبرازاً لسببية أقوى هو دور الدولة في الشرق الحاسم في عمليات التحول الاقتصادية.
لقد كان بروز الدولة في هذه العملية التاريخية إستعادةً لهذا الدور القديم الراسخ، ولكن جرى هذه المرة في سبيل إحداث قفزة اقتصادية كبرى، أدت إلى خلق القواعد الرأسمالية الحقيقية للاقتصاد عبر التركيز على الصناعة الثقيلة المحورية في حدوث الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، مع يترافقها من عمليات تحديث اجتماعي وثورة ثقافية ومساواة قانونية للنساء بالرجال، وبالتالي قربت هذه العملية التاريخية الكبرى روسيا من مصاف الدول الرأسمالية الكبرى في غضون نصف قرن، إذا تغاضينا عن الحروب التي شُنت على روسيا والمقاطعة الاقتصادية والعلمية، وكان لذلك ثمن باهظ لكن العملية أُنجزت، كما قامت روسيا كذلك بجعل تجربتها عالمية عبر الصين وفيتنام وأوربا الشرقية الخ..
ثم انضمت دولٌ عربيةٌ إلى هذه التجربة بدون ذلك الحسم السياسي، وهو قوة الدولة في تغيير الهياكل الإقطاعية وإحداث القفزة الكبرى بسحب الفائض الاقتصادي من مسام المجتمع كله وتوجيهه نحو الصناعات الكبيرة والعلوم.
وإذ استطاعت دول روسيا والصين وشرق أوربا من تحقيق معدلات تنمية غير مسبوقة بشرياً، فإن دول العالم الثالث الأخرى ظلت تراوح في مشكلاتها وتخلفها وتجرجر أذيال الماضي كامعاء لا تـُدفن، لكن ذلك لا يعني عدم حدوث أخطاء كبيرة في التنمية.
فقد عملت التجربة على تملك كل أشكال الملكية الخاصة دون تفريق ونظرة بعيدة المدى، فصادرت الأملاك الإقطاعية الأسرية والدينية أولاً، ثم الملكيات الصناعية والتجارية ثم توجهت لأملاك الأرض المتوسطين ومن ثم الصغار، مما حول الدولة إلى المالك الوحيد، باعتبار أنها ستكون جسراً نحو الملكية الشيوعية المفترضة، أي أن هذه الملكية العامة ستلغي نفسها، وهو عكس التصور الشيوعي الأصلي الذي يقول بأن الملكيات العامة الناتجة من تطور تقني هائل، لن تحتاج إلى دولة لتشكلها بل أن الدولة نفسها ستذوب وتغدو إدارة الاقتصاد ذاتية من قبل المنتجين وإداراتهم، فيغدو التصور (الإشتراكي) الروسي مطابقاً لرأسمالية قومية، تقوم بتضخيم الدولة وتسريع العملية الاقتصادية، وهو ما قلنا بأنه يتماشى مع الجذور الاستبدادية الشرقية في عملقة الدول وتحكمها، وهذا ما أدى إلى قدرة هائلة على السيطرة على الفوائض الاقتصادية وتوجيهها إلى الصناعة الثقيلة، وعبر تقشف وزهد ثوري خاصة في البداية، وتوسيع المشاركة الشعبية والحزبية إلى اقصى حد في التنمية ومراقبتها، وبدون هذا التلاحم الشعبي والحزبي والقتالية الثورية التي تشكلت خلال هذا الوهم الإيديولوجي بتشكيل الاشتراكية وإذابة الفروق إلى الأبد بين الأغنياء والفقراء، وعدم العودة للاستغلال، ما كان للتضحيات الشعبية أن تتشكل.
ولكن حدثت المعجزة بشكل آخر وهو انضمام الدول الشرقية الكبرى إلى النادي الرأسمالي الغربي، في حين أن الدول العربية التي ماشت هذا الوهم الإيديولوجي ماشته بكثير من التردد والخوف، فقد عارضت مصادرة الملكية الإقطاعية السياسية والدينية، رغم أنها هي الأخرى كانت تعبيراً عن دكتاتورية شعبية لكن هذه الدكتاتورية لم تلبس ملابس الدكتاتورية الطبقية المفترضة، فهي خائفة من دهسها من قبل هذه الدكتاتورية، وهكذا كان قادة المعسكر (الاشتراكي) قادمين من صفوف العمل السري الطويل ومن الحروب الأهلية ومن بين العمال والفلاحين، لكن قادة (الاشتراكية) العربية كانوا عسكريين بيروقراطيين، فعجزوا عن الحسم مع الملكيات الإقطاعية والإرث الإقطاعي الاجتماعي والديني، فوجهوا ضرباتهم الاقتصادية إلى البرجوازية الصناعية أولاً، في حين تركوا الوسطاء من مقاولين ومن صيارفة ومن ملكيات زراعية كبيرة، وتركوا القوى العمالية الفائضة دون حشدها في قوة العمل الاجتماعية، فاستمرت قوى الهامشيين كالعاطلين واللصوص والشحاذين والمومسات بشكل واسع، وعجزوا عن دمج أكبر قوة مهمشة في الإنتاج الاجتماعي وهي النساء، وكان من ثمار هذه السياسة (الإشتراكية) عدم بناء الصناعة الثقيلة فاستمرت نفس الهياكل الاقتصادية المتخلفة مع بعض التطور في الصناعة المتمثل في بناء بعض مصانع الحديد والصلب وغيرها من المنشآت كمنشآت الري، هي الحدود التي بلغتها مثل هذه التنمية التي رفضت تشكيل الصناعة الثقيلة، بدعوى عدم التضحية بالجيل الراهن، وما لبثت أن تنامت سوسة البيروقراطية والفساد في هذه الملكية العامة نفسها، فقلصت إيجابياتها أو جعلتها في خدمة قوى الطفيلية المتصاعدة.
وفي حين أن الدول الشرقية (الاشتراكية) قد عانت فيها الصناعة الخفيفة المهلة، وأدت البيروقراطية إلى شلل تقني وإلى العجز عن ملاحقة الثورة المعلوماتية والعلمية، بعكس ما كانت تنادي به الاشتراكية في أدبياتها الأولى، لكن الصناعة الثقيلة قد شكلت، وتغلبت في أحيان عديدة على مستويات بعض الدول الرأسمالية الغربية. أما الدول الاشتراكية العربية فهي ضيعت الصناعتين فلم تجذر صناعة ثقيلة ولا خفيفة، وكان من جراء ذلك ما سُمي بــ(الانفتاح) وهو القضاء على الصناعتين معاً وترك الاستيراد يستولي على السوق الوطنية.
ودليل ذلك يظهر في السلعة، حيث لا توجد سلعة مصنعة عربية هامة، في حين إن الدول الشرقية (الاشتراكية) تمكنت من تصنيع سلع كبيرة رغم أن المواصفات ليس بجودة السلع الغربية تماماً، لكنها في الطريق لكسب معركة الجودة والنوعية.
وهذا يعني أن الطبقة الإدارية التي لبست عباءة الاشتراكية في الشرق إعادت تشكيل قوة العمل البشرية لتلائم الاقتصاد الحديث، وحافظت على خلق سوق وطنية كبيرة محمية، ووجهت الفوائض الاقتصادية نحو معركة التغيير الاقتصادي الحاسم، وغيرت البنية الاجتماعية الشعبية المحافظة التقليدية لتلائم سوق العمل العصري في حين لم تفلح ذات الشريحة في العالم العربي القيام بذلك.
يقوم المضمون الإقطاعي العربي الموغلُ في القدم بدمغ أية ظاهرة واردة من الخارج، فيحيلها إلى هيكليتهِ ويمتصُ حداثتَها في تخلفه، ورأسامليتها في إقطاعيته.
فامتيازاتُ النفط وواردته تقسم بين الشركة الغربية والعائلة الحاكمة أو قيادة الحزب أو قيادة الدولة، فبدلاً من أن تكون ملكية النفط إنتاجية خاصة أو تابعة لدولة ديمقراطية، تصبحُ ملكاً لأطراف سياسية متنفذة، تعكس مصالح الطبقة المسيطرة في البلد المعني.
وفي حين يخصص قسمٌ صغيرٌ للخدمات ومصالح الدولة العامة تقوم ذات القوى المحلية المهيمنة وحلفائها في الإدارة بشفط قسمٍ آخر منه ذلك التقسيم الثنائي؛ غربٌ مستكشفٌ مستورد، وشرقٌ منتجٌ مالك، وهي تسمياتٌ على غير مسمى.
هكذا يقوم الإقطاع بتحويل ملكيةٍ رأسمالية حديثة إلى ملكية إقطاعية أساسية، في موارد الإنتاج الكبرى، ثم تجري كل العمليات الاقتصادية الفوقية بطريقة رأسمالية من تحديد للرأسمال الثابت أو المتغير وأسعار المواد الخام وبيعها، ولكن المضمون الأساسي، وتحديد أساسيات الدخل، تتم من خلال عوامل سياسية مسيطرة على العلاقات الاقتصادية، وهو أمر لا يختلف عما حدث في العصرين الأموي والعباسي.
وهذا يندرج على الاصطفافات التجارية وطبيعة العائلات التجارية التي تتشكل من خلال قرارات سياسية عليا، عبر تشكل علاقات سياسية معينة بين الطبقة المسيطرة وهذه العائلات التجارية، فيجري السماح لعائلات معينة أو منع عائلات معينة من التجارة أو من الدخول إلى البلد، أو إعطاء جنسيات معينة حق مزاولة مهن مهمة، كما حدث للعائلات الأوربية المهاجرة في بعض الأقطار العربية ومنحها أمتيازات لا تـُمنح لمهاجرين آخرين.
وتقوم العائلة المالكة للأرض والعباد أو المكتب السياسي للحزب الحاكم أو هيئة الضباط المتنفذة، بتقريب أو إبعاد الموظفين الكبار وتحديد بناء الوزارات والإدارات تبعاً لمصالحها ونفوذها ومداخيلها.
بل حتى الموظفين الصغار يتأثرون بالسيطرة الإقطاعية على أجهزة الدولة، فهي ترتبُ الدوائرَ لخلق صراعات مذهبية أو دينية أو قومية وتكون خالية من الأفكار المناوئة لها، وتخفض الرواتب هنا من أجل ضبط السيطرة وخلق الفئات الدنيا المحتاجة.
وإذا كان المضمون الإقطاعي هو المشكل لجوهر الملكية العامة فالطلاء الغربي الخارجي يكون متحداً بذلك المضمون، عبر المظاهر الحديثة والأشكال المحاسبية الغربية، لأن السلعة الخام لن تبقى في البلد المعني، بل سوف تكون من نصيب البلد الغربي، فليس مكان الإنتاج سوى مكان عابر، في حين يكون البلد الغربي الرأسمالي هو المكيف للسلعة من أجل حاجته ومشروعاته وتطوره. فيغدو البلد (المستورد) هو المنتج، ويصير المشتري هو المتحكم في عملية البيع.
يغدو مكانُ إنتاج السلعة ضمن النظام الإقطاعي المحلي مستهدِفاً لغاياتٍ سياسية بارزة، أهمها استمرار تدفق المادة الخام الثمينة، كمادةٍ خام أو كمادة محوَّلة بعض التحويل، في حين تبقى العمليات التقنية والاقتصادية العميقة من اختصاص البلد المستورد، وهذه التحولات العميقة هي التي تبقي البلدُ المتطور مسيطراً ورأسمالياً في حين تبقى البلدُ المصدرُ إقطاعيةً تابعة.
وإذا حدثت تطوراتٌ رأسمالية في البلد المصدر فإنها تبقى رأسمالية فوقية أو سطحية لا تصل إلى تصنيع المادة الخام إلى اقصى مدى.
وليست المادة الخام ثمينةً إلا لظروف اقتصادية تاريخية تتعلق بأهميتها في بلد الاستيراد المُسيطر، وليس في البلد المُصدر، فمن اكتشفها أو زرعها وخلق شبكة إنتاجها المحلية وشبكة توزيعها الدولية هو البلدُ المستورد، لظروف اقتصادية مرحلية تتعلق بتطور قواه المنتجة، ودور السلعة المستوردة البارز في هذا الإنتاج، وحين تُشاع مثل هذه السلعة أو تحل محلها بدائل كالقطن الذي نافسه الحرير والنايلون والقماش العادي، فإن نظام الاستيراد المسيطر يتغير.
ولا تقتصر قوى نظام المستورد المحلي على الطبقة الإقطاعية المالكة أو المشاركة في الملكية، بل على قوى تقدم مساندة مالية وخدماتية وعملية للمشروع، كالمقاولين الذين يستأجرون عمالاً أو يبيعون مواداً مفيدة للمشروع، أو كالتجار الذين يشترون جزءً من المادة الخام أو المكررة ويوظفونها في السوق المحلية أو يصدرونها للسوق القريبة، ولا بد لهؤلاء أن يكونوا مرضيين عنهم من قبل الطبقة المسيطرة، حيث يمثلون جزءً من الحزام الاجتماعي الحامي للمشروع.
أما العمال فهم يجلبون بسبب قوة عملهم، التي يخضع تطورها لتطور قوى الإنتاج في المشروع.
إن السيطرةَ الإقطاعية تصيرُ دائماً هي مضمون الظاهرات الاقتصادية، في حين يغدو الشكلُ رأسمالياً، وهذا التناقضُ هو مشكلُ البضاعةَ الأساسية، التي هي المادة الخام الكبرى التي يقوم عليها الاقتصاد كالفوسفات أو البترول أو القطن، ومن ثم يتغلغلُ في كل ظاهرات الإنتاج والحياة.
فكما رأينا كيف غدت سلعة البترول وهي البضاعة الأساسية التي ستحركُ نظامَ الإنتاج برمتهِ متناقضةً بين سيطرة الإدارة السياسية الاستعمارية – المحلية، ذات التوجه السياسي المفروض من أعلى، وبين طبيعة السلعة ذات المعايير الاقتصادية الحديثة المجلوبة من الغرب والمعبرة عن عالم (حر)، فنرى في (البضاعة) صراع التشكيلتين وتباينهما.
فهنا إقطاع وهناك رأسمالية، هنا قديمٌ مهيمن، وهناك حديثٌ براني خارجي، وكما يبدو ذلك في السلعة التي تشكلُها قوةُ العمل فإن قوةَ العمل ذاتها تعيشُ نفس التناقض.
فقوة العمل المنضمة لأحدث نظام اقتصادي عالمي وقتذاك تكون مُخرجةً من حقولٍ خربة أو كاسدةٍ أو من مغاصاتٍ انتهى زمانها، أو من اقتصاد رعوي ضاق بأهله، أو من ريف متخلف تكنولوجياً واجتماعياً.
ومن هنا فالعاملُ وهو يبيعُ قوةَ عملهِ يبيعُها في وقتِ كساد أو أزمة أو انهيار أو ضعف، ولهذا فإن المعروضَ من قوة العمل يكون كبيراً، فتتدنى الأجورُ إلى أدنى حالاتها، في سلعةٍ هي ثمينة جداً على المستوى العالمي.
فالمجتمع المتخلف التابع لا يعرضُ سلعتيهِ: البترولَ والعمالَ، وهو في حالةِ حرية، بل في حالة تبعية، فيعرضهما بأسعار متدنية، سواءً على المستوى السياسي الذي يظهرُ في امتيازات النفط الممنوحة بشكلٍ أسطوري للشركات الأجنبية، أو في حالة أجور العمال التافهة.
ومن هنا فهو يقدمُ قوةَ العمل وهي في مجتمع تقليدي، مصنوعةً من موادِ عيشهِ البسيطة كالأرز والخبز والأسماك أو العدس والفول، أي كل المواد التي تصنعُ جسمَ العامل بأسعار متدنية جداً.
مثلما أن أماكنَ سكنهِ هي الأكواخُ والبيوتُ الكبيرة المزدحمة بالأطفال، ذات الإيجارات البسيطة، مثلما أن معرفته معدومة وعقله مشحون بالخرافات، وهو يجلبُ للاقتصاد الحديث ما تعلمهُ من عادات في أعمالٍ سابقة أو من فنون تعايشت واقتصاد مختلف، كما يجلبُ خاصةً أميتَهُ التي تكون بعيدةً جداً عن قراءة اتفاقيات النفط أو كيفية تشغيل الآلات.
وهكذا فإن العاملَ القادمَ لاقتصاد عصري يكون قادماً من اقتصاد إقطاعي ينهار، يعرضُ قوةَ عملِهِ كبضاعةٍ تشكلتْ في اقتصاد تقليدي، ومن هنا يتحدثُ هذا العامل شكلانياً، أي يصيرُ جزءً من عالم الحداثة وهو يحملُ داخلَهُ علاقات المجتمع الإقطاعي وثقافته، فيقوم بتغيير الثوب البحري أو الريفي أو البدوي، ويلبس البنطلون، الذي هو زي موحد سواء في مصر أم بريطانيا، مثلما يلبسُ القميصَ أو يضع النظارة، أو يتعلم بعض جوانب المهنة الحديثة.
وحين يرتقى أكثر يعرف بعض أسرار هذه الآلات الجديدة بعض الشيء، من تشغيل وملحقاته.
إن التناقض في البضاعة له مستوياتٌ متعددة، ففي البضاعة ذاتها كجسد مادي خالص، وهي هنا تتبدى كشكل سائل، فإنها تبقى في أرضها الذي ظهرت منه بجسدها نفسه أو بعض مشتقاته، في حين أنها تحصل لها تطورات هائلة حين ما تنتقل للعالم الآخر. ففي الإقطاع تظل مادة تشغيل لبعض المحركات أو مادة ثقيلة للشوارع، أما في الغرب المستورد فإنها تظهر بكل تركيباتها وتتشكل عليها مجموعة كبيرة من الصناعات.
وعلى مستوى آخر فإن هذه المادة حين تتحول إلى رأسمال في البلد المستخرجة منه تتحول إلى مداخيل في اقتصاد إقطاعي، أي تتجه أساساً لخدمة الطبقة الإقطاعية الحاكمة، وإداراتها وجيشها وبوليسها، والجزء الباقي يتوزع بين التجارة وقوة العمل.
أي أن المداخيل في البلد المصدر تتوجه أغلبها لعمليات اجتماعية وسياسية لا تضيفُ تراكماً نقدياً على البضاعة، بل تصبُ في جهة الاستهلاك الجماعي، خاصة مداخيل الطبقة الحاكمة، في حين إن التجارة توظف بعضه لعمليات استيرادية معاكسة لعملية التصدير، والجزء الأخير الأقل شأناً يظهر كأجور.
وفي حين تتضاءلُ رأسماليةُ البضاعة المنتجة في البلد المصدر، وتستحيل إلى علاقات إقطاعية اجتماعية وسياسية وثقافية، فإن كل ينابيع رأسمالية البضاعة تظهر حين تصل البلد المستورد، فتظهر مكونات كثيرة لها، كما تتصاعد قيمها بتحولها إلى مواد مصنعة، فتطور السوق الرأسمالية بقوة.
ويتعاكس التصدير والاستيراد حول البضاعة المركزية، وهي مركزية فقط في حياة البلد المصدر، لكونها مادة خام أولية أو شبه مصنعة تكون أقرب للمواد الزراعية منها للصناعة.
سلعة (البترول) سلعة حديثة رغم عفاريت الكيروسين والقار القديمة التي كانت تتراءى لبدو الصحراء ورغم الجمال المنبوذة التي تـُطلى بها.
فهي سلعة غربية اكتشفها وانتجها الغرب عبر شركاته، فضخم من وجودها ودورها كما يفعل تجاه البضائع العصرية المركزية، كالفوسفات والذهب والفضة وباقي المعادن.
لم يعرف العالمُ القديمُ السلعة المركزية التي تهيمن على البناء الاقتصادي هيمنةً كبيرةً بهذا الشكل، فهو يعيشُ على سلة كبيرة من البضائع، صحيح إن سلعة الذهب كانت تدوخه إلا أنها تبقى أداة نقد واكتناز.
إن تشكيلَ البضاعة المركزية في العالم الشرقي هو في حدِ ذاتهِ عمليةٌ جراحية خطيرة تـُعمل لمريض بالجوع ومصاب بكل الأمراض القديمة، لكنها عملية إعاقة أكثر منها عملية علاج، فهي فقط تشفي الطبيب الغربي من نهمه للذهب. فالبضاعة الرئيسية المركزيةُ تقودُ إلى تورم الجسم، فالمجتمع النفطي يغدو نفطياً، والمجتمع الفوسفاتي يبقى فوسفاتياً، ومجتمع الحرير يبقى حريرياً، ويسيطر الشاي على الهند وسيلان، وتبقى العديد من أقطار أمريكا اللاتينية مصابة باستفحال الموز كبضاعة، وتحاول بريطانيا أن تجعل المجتمع الصيني أفيونياً فلا تقدر وتستطيع أن تجعل المجتمع الأفغاني حشاشاً.
إن الاستعمار يركز على إنتاجِ سلعةٍ واحدة كبرى في البلد المعني، مثلما يقوم في المصنع بتخصيصِ أصبع واحدة للعامل من أجل العمل تاركاً كل جسده الباقي معطلاً، وكما أنه يجعل العامل معاقاً في مصنعه فإنه يجعل شعوباً كثيرة معاقة عن المشي التاريخي الطبيعي.
وفي حين إن بضاعة الشاي الهندية تظهر كجزء طبيعي من الزراعة الهندية، مثل الموز في أمريكا الوسطى، لأنها تظهر في شبكة من البضائع القديمة المختلفة، الناتجة من كيان زراعي ومدني له تاريخ هام، إلا أن بضاعة البترول مختلفة فهي تظهر فجأة من باطن الأرض المجدبة وحولها قفار وصحارى واسعة، ومن هنا كان ظهورها وتفجرها يُربط بشكل سحري وأنه جزء من نشاط الجن.
لقد ظهرت عبر استكشاف غربي، علمي، فهي بضاعةٌ لها علاقة بتطور المحركات والطاقة، وبالبحث الغربي عن مصادرٍ لطاقةِ المصانع والآلات الضامئة أبداً للنار، وجاء هذا النشاط الاستكشافي ككل حركة علمية مرتبطاً بالحاجة الضرورية لقوى الإنتاج، وفي هذا الوقت كان التفسخ يتوالى على الأمبراطورية العثمانية آخر أمبراطورية جمعت المسلمين، فكان تفكيك هذه الأمبراطورية يتناغم مع انفتاح شهية الدول الغربية للاستعمار، ومع ظمأ المصانع لطاقة رخيصة كبيرة، فاشتغلت اليدان السياسية والعلمية على تقديم البلدان شبه الصحراوية و الصحراوية كبضاعة سياسية كبيرة على مائدة جوع العواصم الغربية وآلاتها.
وهكذا أختلفت بضاعة البترول عن بضاعة الشاي الهندي، فهي بضاعة مرمية في الصحراء البعيدة، لا تربطها وشائج بالمدن، وهناك شيوخ القبائل يمرون ويتغوطون دون أن يعبأوا بهذه الرمال الخالية.
فليس ثمة شبكة تربطها بمدن أو بزراعة، وليس ثمة أحد يملكها، فهي (معجزة).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبدالله خليفة: رأس المال الحكومي الشرقي ، منشورات ضفاف , بيروت 2016 .
isa.albuflasa@gmail.com
- المزيد
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على X (فتح في نافذة جديدة) X
- المشاركة على Threads (فتح في نافذة جديدة) سلاسل
- شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
- مشاركة على Tumblr (فتح في نافذة جديدة) Tumblr
- المشاركة على Pinterest (فتح في نافذة جديدة) Pinterest
- اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة


