أرشيف الكاتب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

أفاتار غير معروف

عن عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆 𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙 21.10.2014 | 1.3.1948

كانت الكلمات عاجزة عن البوح

   في ليلة تكريم الروائي والأديب عبدالله خليفة كانت الكلمات عاجزة عن البوح صادقة في شوقها لأديب كان له أثر الغمام في هطول المطر

   جمع كبير شهده مركز عبدالرحمن كانو الثقافي مساء الثلاثاء الماضي احتفاء بتكريم رائد الرواية العربية والكاتب العصامي عبد الله خليفة، في امسية تجلت فيها كل المشاعر الجياشة التي حملها المنتدون لخليفة الأديب والإنسان، عبر ليلة كرم فيها الراحل خليفة برعاية كبيرة من قبل «دار اخبار الخليج للنشر والتوزيع» وبتنظيم عملت عليه اسرة الأدباء والكتاب ومركز عبد الرحمن كانو الثقافي قبل رحيله، ولكن القدر وإرادة الله كان اقوى حيث ذهب الراحل قبل أن يشهد تكريمه.
كانت ليلة انصبت فيها كل المشاعر المحبة لخليفة عبر كلمات قيلت في حقه مستذكرة إنجازه الكبير الذي تجاوز الأربعين عاماً من العطاء الأدبي والفكري.
وعبر وقفة حداد من قبل الحاضرين بدأت الأمسية التي كان يديرها الفنان القدير عبد الله يوسف، الذي استذكر علاقته بخليفة منذ اصدر الراحل مجموعته القصصية الأولى «لحن الشتاء» قائلاً: أعود بالذاكرة الى تلك السنوات البعيدة التي كلفتني فيها «مكتبة دار الغد» لصاحبها الشاعر عبدالله خليفة بتصميم غلاف لمجموعة لحن الشتاء، ويومها رسمت الغلاف ولم اكن مقتنعاً به، لكن السنوات رجعت بي سريعاً، عندما كنت اطل من نافدة شقة ابني في اسطنبول بتركيا.

وكانت مشاعري ملتفة حول ذلك الظلام الذي يلف المدينة مع زخات خفيفة من المطر، حيث شغلني خبر رحيل عبدالله خليفة عن دنيانا، عندها رجعت بالذاكرة الى تلك السنوات البعيدة يوم صممت اول غلاف في مجموعات الراحل خليفة، وهو لحن الشتاء.
ومع لحن الشتاء وآخر نتاجاته الروائية «خليج الأرواح الضائعة»، كان لعبدالله ذلك الحنين الذي لم ينقطع عن ذاكرتي ولم تقصني السنين عن ملاحقة نتاجه الأدبي والفكري.
بعدها تقدم الشاعر علي عبدالله خليفة رئيس مجلس إدارة مركز عبدالرحمن كانو الثقافي، بكلمة رحب فيها بالحضور وبالضيوف الذين تعشموا تعب السفر قادمين من الأردن وتونس والسودان ودول الجوار من المملكة العربية السعودية وقطر مشاركين محبي عبدلله الاحتفاء بليلته، مترحماً علي خليفة على الراحل عبدالله قائلاً: «يعز علينا كثيرا ألا تكون هذه الشخصية بيننا الآن، فلقد سبقتنا يد المنون ونحن نغالب الزمن للحاق بالتكريم والمكرم حاضرا، لكن لا راد لقضاء الله سبحانه وتعالى، يعزينا أن المكرم الراحل كان على علم بما عقدنا العزم عليه».
معرجاً في كلمته حول الفكرة من التكريم والتي اشار اليها: أن فكرة تكريم المبدعين البحرينيين بصفة عامة كانت هاجسا حاضرا لدى أسرة الأدباء ومركز كانو الثقافي، كل على حدة، ينطلق من الواجب الوطني لرد الاعتبار إلى ثقافة البحرين الوطنية المهمشة، وذلك من خلال تكريم شعبي للرموز الإبداعية تشارك به كل فئات المجتمع البحريني الذي كانت همومه وأحلامه مادة حية في إبداعاتهم على مدى عقود.
وإننا نكرم في شخص هذا الأديب الراحل النخبة من حملة مشاعل التنوير الذين كرسوا ثقافة الإبداع والتعدد في مجتمع متآلف مسالم، من خصائصه تنوع الأطياف.
وبعد الشاعر علي خليفة كانت الكلمة للأمين العام لأسرة الأدباء والكتاب الدكتور راشد نجم التي قال فيها: يسعدني نيابة عن أسرة الأدباء والكتاب أن أرحب بكم أجمل ترحيب وأرحب كذلك بضيوفنا الكرام من دول الخليج العربي وأصدقاء الراحل العزيز.. في حفل تجمعنا فيه المحبة.. ويدفعنا فيه واجب التكريم لمن أشعلوا شموع حياتهم من أجل إسعادنا.. ولونوا فضاءات حياتنا الثقافية بإبداعاتهم حتى غدوا رموزا يفخر بهم الوطن ونفاخر بهم أمام الأمم.
موضحاً في كلمته ان الأديب والمفكر الراحل عبدالله خليفة علامة مضيئة في المشهد الثقافي والأدبي المعاصر في مملكة البحرين.. سواء في فضاء السرد حيث تمحورت إبداعاته في كتابة الرواية التي اتسمت بالواقعية وتمثلت شخوص رواياته من نماذج مجتمعية تتحرك بيننا وقد لا نلتفت إليها.. لكنه يلتقطها بعناية، وإن عبدالله لم يمت لأن الادباء لا يموتون!
مستطرداً حول المنجز الذي غدا بعبد الله رائداً من رواد الرواية في البحرين، واديباً له مكانته الفكرية والأدبية المرموقة.
مؤكداً نجم: ان هذا ليس حفل تأبين للراحل العزيز ولكنه حفل تكريم لإبداعه ونتاجه الفكري.. فصاحب الكلمة لا يموت أبدا وإن غادر الدنيا جسدا.
بعدها كانت الكلمة للأستاذ أنور عبدالرحمن رئيس تحرير صحيفة «أخبار الخليج» والتي من خلالها قال: الحديث عن الأستاذ عبدالله خليفة ليس أمرا سهلا رغم أنه كان زميلا لنا منذ البدايات المبكرة لنشأة «أخبار الخليج»، ورغم أننا كنا نتابع باهتمام كتاباته، لكنه في واقع الأمر كان إنسانا قليل الكلام مع جميع من حوله. كان عبدالله خليفة يطرح أفكاره من خلال قلمه، ولعل معظمكم يعرفه اكثر مني أو ربما على ذات القدر أو المستوى وذلك من خلال كتاباته وإبداعاته. كان – رحمه الله – ينتمي إلى المدرسة الفكرية العميقة للفكر الماركسي، أو بمعنى آخر لم يكن يؤمن ولا يتقبل الشيوعية الغوغائية، وفي تقديري أنه كان من خلال فكره وأطروحاته أقرب ما يكون إلى المدرسة الماركسية الإنجليزية التي كانت سائدة في جامعتي أكسفورد وكامبريدج فيما بين حقبتي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي وهي المدرسة التي كان من ابرز رموزها وأعلامها مفكرون من أمثال كيم فيليبي وجورج برنارد شو، وغيرهم من أقطاب النخبة المثقفة التي شغلت أفكار واتجاهات الرأي العام البريطاني في تلك الحقبة.
مستطرداً رئيس تحرير جريدة أخبار الخليج في كلمته عن عبدالله: ومما لا شك فيه أن الأستاذ عبدالله خليفة كان انتقائيا في قراءاته إلى أبعد الحدود، وقد انعكس ذلك بجلاء على كتاباته.
فهو لم ينجرف مطلقا إلى تقلبات ما يجري في الشارع السياسي من مواقف مرتبكة وأحداث طارئة وكان يفضل الانتظار والتأمل والتفكير بعمق في كل ما يجري قبل أن يدلي بآراء كانت أحيانا تتسم بكثير من الجرأة إلى درجة أنها سببت نوعا من الصدمة لبعض رفقائه ومعاصريه، طارحا أفكارا تدعوهم الى مراجعة فكرهم ومناقشة مسلماتهم.
ويمكن القول بأنه عبر ذلك النهج كان يمثل منبرا مختلفا بالمقارنة ببقية الكتّاب المسيسين، فقد كان مدرسة مستقلة بذاتها.
ومن هذا المنطلق، يمكننا أن نشهد له أنه كان مثقفا عميقا مشغولا بالفكر وتغيير المفاهيم البالية في الوعي الاجتماعي والسياسي، ولم تكن له أي مطامع في منصب أو جاه كما يهفو الى ذلك كثير من المثقفين، بل كان – رحمه الله – سيد نفسه.
موضحاً أنور عبدالرحمن في ورقته إنهم: في «أخبار الخليج» كانوا يقدرون قلم وفكر الأستاذ عبدالله خليفة، وكانوا يسمحون له بأكبر مساحة من حرية التعبير لطرح آرائه وأفكاره لأنهم كانوا على ثقة من انتمائه إلى المدرسة العقلانية وانحيازه الى النهج التدرجي في التطور والتقدم ، مترحماً عليه ، معتبراً رحيله فقداً لواحد من ألمع المبدعين في تاريخنا المعاصر.
وفي كلمة للكاتب إسحاق الشيخ ألقاها بالنيابة عن رفقاء وأصدقاء الراحل قال فيها: «لقد أدرك راحلنا الكبير أن الثقافة في علاقة وطنيتها البحرينية والأممية الإنسانية، وان عليها أن تكون ثقافة تنويرية تدفع بالتحول الاجتماعي، وفي علاقتها الإنسانية بين الناس وفي النضال من اجل تحريك المجتمع البحريني، بهدف تطويره والأخذ به وعيا ثقافيا في الاستنارة، وعلى طريق الحداثة والتحديث، وهو ما أفنى حياته بكرامة نفس وشموخ إنساني لا احد يجاريه، ولا احد يشاطره فيها».
وبعرض فيلم تسجيلي لشهادات أصدقاء الأديب الراحل من اعداد احمد الصائغ تحدث فيه كل من الشاعر علي السترواي الذي اعتبر رحيل الأديب عبدالله خليفة هو رحيل للرواية العربية، باعتباره كان ركنا كبيرا في الأدب الخليجي، مضيفا أن الأديب الراحل ارتبط بالعمال والبسطاء وكان يكتب عن المعدومين.
وبشهادة أخرى قال فيها الناقد فهد حسين: ان الراحل عبدالله خليفة كان حنوناً ومعيناً له في تجربته الأدبية، وكثيراً ما وقف بجانبه مشجعاً له في مسيرته النقدية، وإنه انسان كبير القلب.
أما الكاتب المسرحي يوسف الحمدان فيقول: إن الحديث عن عبدالله خليفة حديث مؤلم ذو شجون، كثيراً ما كان لي فيها مع عبدالله مواقف جميلة وإنسانية، معتبراً انه قهر الموت ولم يمت.
وفي قصيدة عامية للشاعر علي الستراوي بعنوان: «يا عبيد قلبك سفين المحبين»
قال فيها الشاعر الستراوي:
يا عبيد اسمك وطن
وقلبك سفين المحبين
وشراعك يناحين الحمام
«ياعبيد» سر الوطن..
قصة هوى جروحك
وكانت القصيدة طويلة اسرد فيها الشاعر الستراوي صورة من الذكريات التي جمعته مع الراحل عبدالله خليفة.
بعدها كانت للإضاءات السردية وقفات قصيرة قدمتها كل من الدكتورة ضياء الكعبي: بعنوان «الرواية وادلجة التاريخ» وورقة أخرى للدكتورة انتصار قائد البناء تحت عنوان: «مفهوم الحرية في رواية الينابيع» وأخرى الأوراق النقدية كانت من نصيب الدكتورة أنيسة ابراهيم السعدون تحت عنوان: «جدل الأنا والآخر وقلق الهوية في رواية (الأقلف) لعبد الله خليفة»، وجميع هذه الدراسات جمعت في كتاب وزع في نفس يوم التكريم. بالإضافة إلى آخر روايات عبد الله خليفة وهي «خليج الأرواح الضائعة».
وكان الختام عرض فيلم قصير من إخراج حمد الشهابي وتمثيل مجموعة من ممثلي البحرين جاء تحت عنوان «المتشرد» مأخوذ عن رواية «الاقلف» للراحل عبدالله خليفة.
وأخيراً كعادة سنتها اسرة الأدباء والكتاب في تكريم المبدعين قدم في ختام الحفل «وسام الإبداع البحريني» إلى الأديب والمفكر الراحل عبدالله خليفة، حيث تسلمها نيابة عنه شقيقه السيد عيسى خليفة.
وكانت ليلة كنا نتمنى فيها أن يكون عبدالله بيننا ليشهد تكريمه الذي رحل عالماً به.

اخبار الخليج تاريخ النشر :٣ يناير ٢٠١٥

حضور كثيف في احتفالية تأبين عبدالله خليفة بمركز كانو الثقافي

قالوا في الأديب الراحل: كان ركنا كبيرا في الأدب الخليجي

شهد مركز عبدالرحمن كانو الثقافي مساء أمس أمسية ثقافية وفنية استثنائية لشخص استثنائي، حيث أقيمت احتفالية تأبين الأديب والمفكر الراحل عبدالله خليفة برعاية وتنظيم صحيفة أخبار الخليج وأسرة الأدباء والكتاب، تأكيدا على أن عبدالله خليفة من مبدعي الوعي والتنوير والثقافة الأصيلة الرصينة، وصاحب الإنتاج الأدبي والثقافي الغزير الذي أثرى الأدب البحريني بمؤلفاته، بداية من لحن الشتاء وحتى آخر إصداراته «خليج الأرواح الضائعة».
وقد بدأ الحفل بالوقوف دقيقة حداد على روح الأديب الراحل، ثم ألقى بعدها الشاعر علي عبدالله خليفة رئيس مجلس إدارة مركز عبدالرحمن كانو الثقافي كلمة المركز رحب فيها بالحضور وبالضيوف الكرام القادمين من المملكة العربية السعودية وتونس والأردن والسودان ودولة قطر للاحتفاء بتكريم شخصية أدبية وفكرية بحرينية، قائلا «يعز علينا كثيرا ألا تكون هذه الشخصية بيننا الآن، فلقد سبقتنا يد المنون ونحن نغالب الزمن للحاق بالتكريم والمكرم حاضرا، لكن لا راد لقضاء الله سبحانه وتعالى، يعزينا أن المكرم الراحل كان على علم بما عقدنا العزم عليه».
وأضاف في كلمته «أن فكرة تكريم المبدعين البحرينيين بصفة عامة كانت هاجسا حاضرا لدى أسرة الأدباء ومركز كانو الثقافي، كل على حدة، ينطلق من الواجب الوطني لرد الاعتبار إلى ثقافة البحرين الوطنية المهمشة، وذلك من خلال تكريم شعبي للرموز الإبداعية تشارك به كل فئات المجتمع البحريني الذي كانت همومه وأحلامه مادة حية في إبداعاتهم على مدى عقود.
إننا نكرم في شخص هذا الأديب الراحل النخبة من حملة مشاعل التنوير الذين كرسوا ثقافة الإبداع والتعدد في مجتمع متآلف مسالم, من خصائصه تنوع الأطياف, النخبة المبدعة ذات المواقف الجلية والشجاعة في رفض كل أشكال الإرهاب والتخريب وتقسيم وتأزيم المجتمع فكان عبدالله خليفة الأبرز والأشد ضراوة في الدفاع عن النهج الإصلاحي للمسيرة الوطنية.
ولمرضه العضال ولإحساسنا بأهمية الزمن في اللحاق بالتكريم قبل فوات الأوان تنادى رفاق الراحل للتعجيل بتكريمه فالتقت جهود جميع الأطراف وتوحدت لتنظيم هذه الاحتفالية المشتركة بمعرفته وبالتعاون معه, وقد تشرفنا بمشاركة من رافقوا المكرم في مسيرته النضالية, وقدرنا لأخبار الخليج وللأستاذ أنور عبدالرحمن رئيس التحرير مواقف الدعم والرعاية, شاكرين لإدارة وسائل الإعلام وإدارة تلفزيون البحرين ما تقدما به من مساندة مهمة ولكل المثقفين المتعاونين تحية شكر وتقدير.
للمنجز الأدبي والفكري للأستاذ عبدالله خليفة قيمة رفيعة في ميزان النقد الأدبي إلى جانب جهوده المكثفة في شأن الصحافة الثقافية بالبلاد طيلة سنوات, فتكريم أمثال هؤلاء لا يأتي من باب العاطفة الشخصية أو المجاملة الصداقية, فلقد كنا نلتقي مع المكرم في بعض أفكاره ونختلف معه قطعيا في بعضها.
كانت معاناة الإنسان البحريني البسيط مادة تجربته الشعورية, ومرتكز أعماله الأدبية, اشتغل بالتدريس ثم بالصحافة وعاش تجربة السجن لسنوات وخرج منه أكثر إصرارا على ما كان يعتقد ويؤمن.
كان قارئا نهما وفي جوع دائم إلى المعرفة, تؤرقه هواجس التنوير وكيف يبدد الظلام من حوله, اعتكف خلال سنواته الأخيرة مركزا جهده على الإنتاج الكتابي فأنجز عددا من الروايات لم تزل مخطوطة, وحين داهمه المرض قاومه بتكتم شديد رافضا التصريح به, وتصارع معه بإرادة الإنسان غير المكترث بالنتائج, رافضا لكل محاولاتنا لعلاجه خارج البحرين.
كان الرجل, رحمه الله, ذا شخصية إنسانية فريدة, هادئا.. صموتا.. تمور بداخله الأفكار فينفثها نارا درامية ساخرة متهكمة, كان عصاميا حادا في طروحاته الفكرية ثابتا على مبدأ حدي لا يتنحى عنه قيد أنملة, ومن خلاله يقيس البشر ويحدد علاقاته بهم, فكان ذلك مدعاة إلى أن يساء فهمه وأن تفسر مواقفه على غير ما كان يريد, حتى من قبل أقرب الناس إليه.
إن مسيرتنا الأهلية المشتركة لتكريم المبدعين في البحرين ستستمر بإذن الله وستظل هذه الأرض ولودا تنجب المبدعين جيلا بعد جيل».
ثم ألقى الدكتور راشد نجم النجم الأمين العام لأسرة الأدباء والكتاب كلمة الأسرة قال فيها «يسعدني نيابة عن أسرة الأدباء والكتاب أن أرحب بكم أجمل ترحيب وأرحب كذلك بضيوفنا الكرام من دول الخليج العربي وأصدقاء الراحل العزيز.. في حفل تجمعنا فيه المحبة.. ويدفعنا فيه واجب التكريم لمن أشعلوا شموع حياتهم من أجل إسعادنا.. ولونوا فضاءات حياتنا الثقافية بإبداعاتهم حتى غدوا رموزا يفخر بهم الوطن ونفاخر بهم أمام الأمم.
يشكل الأديب والمفكر الراحل عبدالله خليفة علامة مضيئة في المشهد الثقافي والأدبي المعاصر في مملكة البحرين.. سواء في فضاء السرد حيث تمحورت إبداعاته في كتابة الرواية التي اتسمت بالواقعية وتمثلت شخوص رواياته من نماذج مجتمعية تتحرك بيننا وقد لا نلتفت إليها.. لكنه يلتقطها بعناية مثلما ينتقي تاجر اللؤلؤ نماذج لآلته.. حتى غدى رائدا من رواد الرواية في البحرين, حيث أصدر ما يزيد على عشرين رواية بداية من زاويته «لحن الشتاء» عام 1975 مرورا بروايته «الهيرات» عام 1984 ثم رواية «أغنية الماء والنار» عام 1988 وحتى روايته الأخيرة «خليج الأرواح الضائعة» عام 2015 التي أصدرتها أسرة الأدباء والكتاب بعد رحيله بالتعاون مع مركز عبدالرحمن كانو الثقافي وهيئة شئون الإعلام مرورا بكل الكم الكبير من الروايات والدراسات البحثية, حيث أصدر الراحل مجموعة من الدراسات الواسعة والمهمة التي اتسمت بالعمق والتحليل التاريخي والفلسفي.
ولم يقف قلمه عند حدود كتابة القصة القصيرة والرواية والدراسات بل اتسع فضاء اهتمامه ليشمل عالم الصحافة عندما عمل في صحيفة «أخبار الخليج» فاشتغل على التصدي لقضايا وملفات ساخنة سياسية واجتماعية وأدبية ودينية بهدف دعم الثقافة الوطنية التنويرية التي خلقت له شهرة واسعة, وفي نفس الوقت فتحت أمامه بوابة واسعة لصدامات كثيرة مع شرائح من المثقفين والسياسيين ورجال الدين, ولكن رغم ذلك ظل طوال حياته صامدا على مبدأه ومحترمة أطروحاته رغم الاختلاف المتباين للنقاد والمهتمين حولها.
إن أسرة الأدباء والكتاب تشعر بالكثير من الاعتزاز والامتنان لما اتسمت به روح الشراكة والتعاون مع مركز عبدالرحمن كانو الثقافي خلال مراحل التخطيط والإعداد والتنفيذ لهذا التكريم ليكون بداية مسيرة لن تتوقف في تكريم المبدعين البحرينيين في مجال الأدب والفكر والثقافة وهم أحياء بيننا لإعادة الاعتبار إلى رموزنا الثقافية ودعم ثقافة البحرين الوطنية التنويرية التي اتسمت بروح التسامح والتعددية وقبول الآخر.
إننا نتقدم بالشكر الجزيل إلى كل من ساند فكرة هذا المشروع بتكريم المبدع الراحل عبدالله خليفة من مؤسسات رسمية نخص منها بالذكر هيئة شئون الإعلام التي تحملت مشكورة تكاليف طباعة ملف الدراسات والرواية وكان الصديق العزيز الأستاذ يوسف محمد مدير وسائل الإعلام بالهيئة نموذجا طيبا للتعاون وتذليل الصعوبات, وكذلك الأخ العزيز الأستاذ نبيل بوهزاع مدير تلفزيون البحرين, ومن مؤسسات أهلية وعلى رأسهم صحيفة «أخبار الخليج» ممثلة في الأخ الأستاذ أنور عبدالرحمن رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير لدعمهم لفكرة التكريم ومساهمتهم ماديا في تحمل تكليف هذا الحفل, وإلى أسرة الراحل العزيز الذين وفروا لنا المعلومات المطلوبة, وإلى جميع من أسهم معا بجهدهم السخي من اللجنة المنظمة لحفل التكريم من أعضاء أسرة الأدباء والكتاب ومركز عبدالرحمن كانو الثقافي.. وإلى جميع وسائل الإعلام المختلفة ووسائط التواصل الاجتماعي فلهم منا جميعا الشكر والتقدير.
إن هذا ليس حفل تأبين للراحل العزيز ولكنه حفل تكريم لإبداعه ونتاجه الفكري.. فصاحب الكلمة لا يموت أبدا وإن غادر الدنيا جسدا»
عقب ذلك ألقى الأستاذ اسحاق الشيخ كلمة بالنيابة عن رفقاء وأصدقاء الراحل قال فيها «لقد أدرك راحلنا الكبير أن الثقافة في علاقة وطنيتها البحرينية والأممية الإنسانية، وان عليها أن تكون ثقافة تنويرية تدفع بالتحول الاجتماعي، وفي علاقتها الإنسانية بين الناس وفي النضال من اجل تحريك المجتمع البحريني، بهدف تطويره والأخذ به وعيا ثقافيا في الاستنارة، وعلى طريق الحداثة والتحديث، وهو ما أفنى حياته بكرامة نفس وشموخ إنساني لا احد يجاريه، ولا احد يشاطره فيها.
ان الثقافة التنويرية هي ثقافة تلازم حراك المجتمع وتدفع به ضمن قوانين جدل التحول المادي التاريخي وهو ما وعاه جيدا عبدالله خليفة في باكورة نشاطه الذهني, ارتباطا في البناء الفوقي من المجتمع البحريني وفي تكريس ثقافة الاستنارة استهدافا في تغيير أسس البناء التحتي وتشبيع مؤسساته بوعي الثقافة التنويرية.
إن الثقافة التنويرية تشكل حاجة ملحة وضرورة أساسية في تحريك الأسس الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في المجتمع البحريني على طريق التحول إلى غد مجتمع بحريني قادم ناهض, وهو ما كان يؤرق أحلام وآمال رائد ثقافة التنوير والتغيير في مملكة البحرين عبدالله خليفة, الذي كان في طليعة المبتهجين بالمشروع الإصلاحي الذي كان يراه عن حق فاتحة أمل حقيقي على طريق غد مشرق للبحرين, ولقد رن قطرات حياته حبا وجدانيا معنى بحب البحرين وكان بحرينيا خالص الشفافية في بحرينيته, وكان يسابق الحياة ثقافة مستنيرة من أجل حياة أفضل للبحرينيين وكان يرى أن ثقافة الاستنارة هي الطريق الأجدى من دون منازع في تحريك القيم الثقافية في نسيج المجتمع الفوقي الذي يتعاكس بالضرورة في تغيير ثقافة نسيج المجتمع التحتي نهوضا بالبحرين في ضياء تنويري يعانق فلق ضياء الشمس في الكون.
إن مفهوم الثقافة التنويرية عند عبدالله خليفة مفهوم يرتبط بظواهر المنعطفات التاريخية في حياة الأمم والشعوب وهو ما نراه مكرسا في كتبه وروايته المشغولة بالثقافة التنويرية وأهميتها في حركة التغيير, وكان يرى عن حق أن الثقافة التنويرية هي ثقافة يمكن أن تلعب دور مهما ضد الثقافة الطائفية وتجلياتها الإرهابية بشكليها المضاد والمضاد له, من واقع أن الثقافة التنويرية في مفهوم يساريتها عند عبدالله خليفة هي إنسانية بطبيعتها ضد العنصرية والقبلية والمذهبية الطائفية.
إن الثقافة التنويرية هي ثقافة سلمية مناهضة للإرهاب وتدعو إلى السلم والحوار المدني بين الأطراف, حوار في علمانية الفكر والمنهجية الاجتماعية والسياسية بعيدا عن المذهبية الطائفية وتجلياتها المتطرفة بالعنف والإرهاب, وفي إثارة الفتن الطائفية بين أبناء الوطن الواحد.
ولقد كان الراحل الكبير عبدالله خليفة داعية ثقافة تنويرية وطنية علمانية يتجدد العدل فيها بين أبناء المجتمع الواحد, بعيدا عن المذهبية والطائفية, وكان رحمه الله من الداعين بتحرير المرأة البحرينية ومساواتها في الحقوق والواجبات ودفع الأذى عنها وتكريس إنسانيتها في المجتمع, وأنه من الأهمية بمكان وضع مؤلفات عبدالله خليفة ضمن المناهج التعليمية لأهميتها في تكريس الثقافة الوطنية التنويرية في المدارس التعليمية وتشبيع خصوصيات الناشئة بالثقافة الوطنية التنويرية, كما أنه من الأهمية أيضا وضع اسمه على أحد الشوارع في مملكة البحرين ليكون ذاكرة ثقافية تنويرية وطنية بحرينية لها مكانتها التنويرية في ذاكرة تقادم الأجيال.
شكرا لجريدة «أخبار الخليج» في شخص رئيس تحريرها الأستاذ أنور عبدالرحمن في رعايتها لهذا الحفل الجميل.. شكرا للجنة تكريم الأدباء في البحرين التي دشنت نشاطها في شخص الراحل الثقافي التنويري عبدالله خليفة».
بعد ذلك تم عرض فيلم تسجيلي لشهادات أصدقاء الأديب الراحل أكد فيه الشاعر علي السترواي أن رحيل الأديب عبدالله خليفة هو رحيل للرواية العربية، باعتباره كان ركنا كبيرا في الأدب الخليجي، مضيفا أن الأديب الراحل ارتبط بالعمال والبسطاء وكان يكتب عن المعدومين.
ويقول الأستاذ فهد حسين ان الراحل عبدالله خليفة كان إنسانا لأقصى درجات الإنسانية مع الجميع، أما الأستاذ يوسف حمدان فيقول إن عبدالله خليفة هو الرجل الذي قهر الموت بالكتابة، مضيفا أننا لو قمنا بجمع كل كتاباته ورواياته ومقالاته لوجدناها تضاعف من عمره.
عقب ذلك ألقى الشاعر علي الستراوي قصيدة شعرية بعنوان «عبيد».
ثم قدمت كل من د.ضياء الكعبي، ود.انيسة السعدون، ود.انتصار البناء رؤى بأبحاث حول النتاج الروائي للأديب الراحل.
وعقب ذلك تم عرض فيلم بعنوان «المتشرد» عن رواية «الاقلف» للأديب الراحل.
وفي ختام الحفل تم تقديم «وسام الإبداع البحريني» إلى الأديب والمفكر الراحل عبدالله خليفة، حيث تسلمها نيابة عنه شقيقه السيد عيسى خليفة البوفلاسة ، وعقب ذلك تم توزيع آخر رواية صدرت للأديب الراحل عبدالله خليفة بعنوان «خليج الأرواح الضائعة» على الحضور، وأيضا كتاب بعنوان «فضاءات السرد في أدب عبدالله خليفة» الذي يتضمن بحوثا ودراسات وشهادات جديدة حول نتاج الأديب الراحل.

حضور كثيف في احتفالية تكريم عبدالله خليفة بمركز كانو الثقافي
اخبار الخليج ٣١ ديسمبر ٢٠١٤

أدب السجون: إجابة على أسئلة جريدة الوطن

أدب السجون
إجابة على أسئلة جريدة الوطن

• كيف تحصلون على أدوات الكتابة . .
• كانت عملية الحصول على أدوات الكتابة في غاية الصعوبة خاصة فيما يتعلق بالأقلام، فالأقلام نادرة وشحيحة جداً، في حين أن الأوراق أكثر سهولة، فهي تظهر من علب صابون(التايد) لكن المسحوق الإيراني في ذلك الوقت(درايا) ، منذ اواسط السبعينيات حتى بداية الثمانينيات ، كان الأكثر كرماً في تحول أغلفته إلى الورق، فحين تنقع هذه الأغلفة بالماء ثم تجففها تتحول أجزائها الداخلية المتعددة إلى دفتر كامل من الممكن أن تكتب عليه قصة قصيرة كاملة!
لكن مسألة الأقلام كانت عويصة وظلت تعرقل عملنا الكتابي، ومن الممكن التغلب عليها بمساعدة شرطي أو سجين، وقد قمتُ في سجن (جدا) بتعليم بعض السجناء القراءة والكتابة، فكان أجري هو الحصول على بعض هذه الأقلام التي تتحول إلى كنزٍ ثمين، فأنت تخبئها في علب معجون الحلاقة أو علب الصابون الناعم، وقد يتحول قلم الرصاص إلى طول أصبع، فتضعه في غصن شجرة، وحينئذٍ بإمكانك أن تكتب به!
لكن مشكلة الأقلام ظلت على مدى أعوام السجن مرهقة للجماعة وكأنها قضية وطنية كبيرة، حتى قمنا بحل بعض إشكالياتها في سجن (سافرة) حيث كنا نبدل أقلام الناشف التي تعطينا إياها إدارة سجن سافرة الممتلئة حتى نهاياتها بأقلام ناشف أخرى، تكاد أن تكون فارغة من الحبر، فيأتي العريفُ الأردنيُ صارخاً (أين الكلمات) ويلفظها بطريقة لهجته التي تـُضخم الكاف، فهو لا يقصد الكلمات بل القلمات!
ولم تنفرج أزمة القلمات حتى خرجنا واستعملنا الآلات الطابعة ثم الكمبيوتر لكن ظل قلم الرصاص هو الأثير، وصارت عقدة فكلما رأيتُ قلم رصاص سرقته، حتى راحت تتجمع لدي بشكل هائل دون أن أكتب بها!
• هل هناك بعض الممنوعات . . .
• الحياة في السجن كلها ممنوعات ، فلا أحدٌ يسمح لك بالكتابة ، التي هي نشاط غير قانوني ، لأنهم عزلوك لكي يمنعوك من الكتابة والتأثير الفكري والسياسي ، فلا بد وقتذاك أن تتحايل على هذه القيود ، فتكتب وراء الجدران وبعيداً عن عيون الحراس، وتخبئ ما تكتبه تحت الفراش ، أو بين اللعب ، أو في أمكنة أكثر غورا ، وأن تجعل الأوراق أقل حجماً بشكل مستمر ، وأن تخبئها بين ثيابك في لحظات المداهمة وأن تحتفظ بنسخ ، وأن تستغل الرسائل الموجهة للأهل لكي تنسخ هذه الأعمال وترسلها للخارج تحت عيون الرقيب نفسه
• ما انواع الكتابة . .
• كنتُ دائماً ولا أزال القصة القصيرة ، والرواية ، والمقالات ، والبحوث، منذ أن كنتُ طالباً في المرحلة الثانوية وفي معهد المعلمين ، وفي السجن واصلتُ نفسَ الأنواع الأدبية والفكرية ، لكن أصبح لظروف السجن تأثيرها من حيث صعوبة الكتابة ، وصعوبة كتابة البحوث خاصة ، ولكن انفتح مجال القصة القصيرة أكثر ، لأن نفس السجن نفـَسٌ سريع ، متوتر ، وهو كذلك مطول ، لأنه يتيح لك (التنقيح) عشرات المرات ، فليس أمامك جريدة تسرع بإعطائها قصصك ، وأمامك كذلك وقت طويل منذ أن تشرب الشاي الأحمر الكريه حتى تأكل وجبة المساء التي تأتي في العصر ، ولهذا فإن خيال الكتابة يتطور ، وتدخل معهد التشكيل المعمق للنص !
• هل يمكن للسجين أن يكتب عما يدور في الخارج .. .
• الكتابة حرة في السجن أكثر من خارجه ، لأنك تستطيع أن تكتبَ ما تشاء فأنت محبوس أصلاً وغير معرض للعقوبة رغم أنني عوقبت عن الكتابة داخل السجن. ولكن عموماً أنت في الكتابة عموماً تلغي الجدران ، والحواجز وتكتب بحرية ، لأنك تكتب من أجل أن تغير ، لكن حياة السجن الداخلية تعطيك مادة خصبة ، فأنت تقابل مجرمين عتاة ، فهذا قتل ولداً وذاك سرق خزنة وهرب بها ، وثالث اغتصب وقتل من أغتصبه ، وتجد هؤلاء يعيشون بهدوء ويأكلون ويمتمعون بالحياة ، وكأنهم قتلوا عصافير أو قططاً ، وكذلك تجد أن المعتقلين السياسيين بشخوصهم ونماذجهم الكثيرة يعطونك مادة للكتابة ويجعلونك تحلل الواقع بدرجة أكثر عمقاً مما كنت ترى سابقاً.
• ماذا أضافت تجربة السجن إلى تجربتكم ….
• تجربة السجن مريرة ، انقطاع عن الأهل والناس ، وعن الحرية ، وعن النشاط ، وعن الأكل اللذيذ ، وعن النساء ، فهي أما أن تصلبك أكثر أو تحطمك ، وقد استفدت من كل تجربة مريرة ، وبدلاً من أن أضيع وقتي ، كنتُ أتعلم أي شيء ممكن ، أقرأ أي كتاب موجود ، أي ورقة عن الأدوية أو السحر أو العلوم أو الدين ، استمع للقصص والدروس والتجارب ، أتعلم من أصدقائي وأعلم ، أكتب بشكل مستمر ، تجارب كثيرة كتبتها ، وضاع الكثيرمنها ، لكنها صقلت قدراتي في هذا المجال .
• عندما تكتبون هل كان لأحبابكم . . . .
• بطبيعة الحال فأنت جزءٌ من أهلك ، وكانت أمي قد ماتت في الشهور الأولى من سجني ، وكتبت قصصاً عديدة عنها ، وكذلك أهلي ، وحيِّ ، حيث استلهمت حكايات منطقتنا (القضيبية والحورة ورأس رمان ) وظهرت في روايات عدة : أغنية الماء والنار ، والضباب ، والينابيع الخ.. وتأخذ العلاقات الأسرية مكانة والعلاقة العاطفية مكانة ، فالمرأة لها من وجودك في السجن نصيب ، وكانت لي علاقة عاطفية بامرأة ، ويحدث مزيح مركب بين كل ذلك ، فالكتابة ليست تسجيلاً بل إعادة تركيب لعناصر كثيرة .
• هل للعلاقة الجنسية . . .
• ليس هناك أخطر من الجنس بعد السياسة ، فالحنين للمرأة يأخذ من وقتك الكثير ، وتتشوه بدون العلاقة الصحية بالمرأة ، وتصبح حياتك الجنسية غير سليمة حتى يكتب لك الله الفرج من الظلم والكبت والوحدة الشقية ومعاركة الفراش في الليل ، حتى تصيبك هلوسة جنسية ، وتزداد أحلامك البيضاء ، ولعلها رحمة حتى تفرغ شحناتك حينما يستمر السجن سنوات كثيرة !

كيفَ كتبتُ؟

1 – الوقت المناسب
كنتُ أكتب منذ كنتُ طالباً ثم مدرساً، في أواخر الستينيات من القرن العشرين، وحينئذ لم تكن للكتابة وقت وطقوس، لأن الوقت الأصلي للكتابة كما تكرس لدي لم يكن موجوداً، فأن تكونَ مدرساً فإن الصباح يتم إختطافه منك، وتلعب ضجة الطلبة دورها في القضاء على أي مناخ إبداعي.
لكنني مع هذا كنت أكتب قصصاً قصيرة وبعض المقالات في الليل، في أجواء مشتتة.
كانت سنوات السبعينيات تجري بهذا المناخ، وقد دخلت الأعتقال السياسي منذ 1975 أغسطس، وخرجت في بداية الثمانينيات، وبالتأكيد فإن طقوسَ الكتابةِ في السجن صعبة، لكنها كرستْ كتابةً صباحية، حيث الفراغ الطويل والمزاج المفتوح، لكن الأمرَ يعتمدُ على وجودِ القراطيس من ورقِ السجائر ومن قلمٍ رصاص قصير صعب المنال، ولم يوجد الشاي وكان هذا عاملاً مُحبِطاً للكتابة.
كتبتُ في هذا المناخ مجموعةً قصصية واحدة(الرمل والياسمين)، وعدة روايات قصيرة: اللآلئ، الهيرات، القرصان والمدينة، والعديد من المقالات والتعليقات على ما يُكتب في السجن والعالم الخارجي، إضافة لمشروعات روائية وقصصية كثيرة ذهبتْ في ظروف حملات التفتتيش وعدم القبول من المؤلف نفسه!
لا بد لك في هذه الأحوال من قدرةٍ على الاحتفاظ بما تكتب، ولهذا فإن أمكنةً سريةً لا بد أن تكون موجودةً جاهزةً بعد إنجاز المسودة كقعرِ حقيبةٍ، أو داخل معاجين الحلاقة!
بعد الخروج من السجن لم يكن ثمة عمل، وعدتُ لبيتِ أبي القديم، ولم يكن ثمة مكان هادئ، وتغير الجو كثيراً، لكن تحولت غرفتي القديمة إلى ساحة قتال لإخراج المسودات الغائرة في المعاجين، لتبدأ عمليات التنقيح والتبييض.
أخذ الصباحُ مكانتَهُ مجدداً، وتوفر الشاي والورق والأقلام لكن لم يتوفر الهدوء، فلا بد من البحث عن عمل، وتغير البيت، وتغير الحي، لكنني تمكنتُ من نشرِ ما كتبتهُ في مرحلة السجن بمساعدة أصدقاء سواءً في التنظيم السياسي أم من قبل إتحاد الكتاب العرب بدمشق.
وقد تعودت أن أحول ساعات الصباح الأولى إلى ساعات كتابة للأدب أو الفكر عامة، وبشكل مستمر ومنضبط على مر السنوات، ولكن هذا يتوقف على الفكرة الموجودة والمزاج، وبضرورة الوحدة والعزلة في المكان الذي يوفر الهدوء والتركيز، ولكنني لا أكتب كثيراً كل يوم، فربما فصلاً أو صفحة، أو حتى فقرة صغيرة، لكن الكم المتابي يتراكم على مدى الأيام، وهذا يجعل الذات في جدل يومي مع المادة ومعالجتها.
2
كما قلت لك سابقاً بأن ثمة علاقة مفروضة على المكان، أحياناً تكون لديك زنزانة في سجون متعددة، بعضها شرح وبعضها مقبض جداً، لكن المكان الذي تواجد عبر الأختيار هو جو الغرفة المغلقة، أو الصالة حين تكون في شقة زواج، ونفس الصباح حيث تذهب الزوجة للعمل، وتبقى وحدك، لكن مع تواجد الآخرين والضجيج تتسحيل الكتابة، إلا في حالة السجن حين يصمت رفاق الزنزانة نهاراً وينشغلون بأعمالهم من تشكيل حرف أو كتابة أو قراءة، لكنك لا تنتج بنفس مستوى العزلة الحرة.
3
علمتني الظروف أن أكتب بكل شيء، بأي مادة تنهمر على الورق الأبيض أو على الشاشة، كان الجون يتملكني وأنا أبحث عن قلم لدى المسجونين بأحكام الذين تعلمهم العربية فيهدونك قلماً طويلاً أشبه بمعجزة. ثم كتبت كثيراً بالأقلام المتعددة بعد ذلك، وكنت قبل السجن قد أشتريتُ آلةَ طباعة كتبت عليها، فأشتريتُ أخرى بعد أن تم إلقاء تلك الآلة في البحر خوفاً!
الآلة الكاتبة الجديدة أخذت معي سنوات، تنقلت بها من الشقة الصغيرة حتى غرفة فوق السطوح على بناية، وقد تحملت عدة مجلدات من الروايات وعدة مجلات من الأبحاث فتصدعت، فكانت نهايتها هناك، أصبحت رثة، ضعيفة الطبع، وهنا بدأت العلاقة مع الكمبيوتر، كانت هذه الآلة تحفة وثراءاً وحفظاً جباراً، لكن البدايات كانت مروعة!
أخطاء في الحفظ فضاعت فصول وقصص، وأخذت سنوات عدة وأنا أـعلم وأتغلغل في السيطرة على هذه الآلة، وعشت مع عدة أجهزة ثابتة أصيبت بالأجهاد وتغلغلت فيها الفيروسات بسبب جمعي للكثير من المعلومات من مختلف المواقع، فأنا كاتب عمود يومي في جريدة أخبار الخليج وعبر عدة سنوات لا بد لي من الإطلاع المستمر ونقل المعلومات والدخول في مختلف المواقع، حتى أصبح المحمول رفيق الدرب!
4
لا أعترف بالإلهام الكتابي أو بأشياء مميزة للكتابة، لكن الآن أصبح المحمول أفضل صفحة بيضاء أخطُ عليها، وأصبحتْ العودةُ للقلم الناشف والحبر أو حتى قلم الرصاص الصديق الوفي لسنواتِ غيرَ ممكنةٍ بسبب هذه الآلة الجميلة الفذة!

0-1-1

إعادة تشكيل الأسطورة الشعبية في ساعة ظهور الأرواح

عبدالله خليفة إعادة تشكيل الأسطورة الشعبية في  ساعة ظهور الأرواح

تتأسس رواية «ساعة ظهور الأرواح» للروائي البحريني «عبـــــــدالله خلــــــــيفة» على إعادة تشكيل الأسطورة الشعبية في سياق نصي يشير إلى تجذر ذاكرة الروائي ووعيه في تراثه الشعبي سعياً إلى تصنيع عالم فني يحاكي العالم الواقعي ويتوازى معه وترتبط أحداثه بمجموعة من الشخوص الذين يواجهون قوى غيبية خارقة ويستثمر الراوي قصة الكنز وهو رمز أسطوري يمثل قصة سحرية غامضة تدور حولها الحكايات ولهاث شرائح اجتماعية مقهورة من أجل الحصول عليه بتسخير الجان واستخدام وسائل السحرة مما يضفي على الحكاية الشعبية أجواءً رمزية وخرافية طقوسية ترقى بها إلى مستوى الأسطورة
ويتخلل سرد هذه الحكايات أهازيج وأغان شعبية تشبه الطقوس الدرامية المشيرة إلى ارتباط أهل القرية الأزلي بالخرافة

والراوي يقوم بإعادة صياغة هذه العوالم الأسطورية وفق قيم إيديولوجية تهدف إلى هزهزة بعض المعايير الثقافية والاجتماعية المتكلسة بغية طرح رؤية معرفية جديدة تدعو إلى إعادة النظر فيما ترسخ في العقل العربي من بعض المعتقدات المتوارثة

وتشكيل الأسطورة الشعبية في الرواية يحل محل الآلية التي كان الإنسان البدائي يدرك بها عالمه الخاص ويتوازى ذلك مع آلية إدراك أهل العدّامة لواقعهم فحينما يكون الهدف النهائي للإنسان البدائي هو البحث عن المعرفة يتمثل الهدف الأساس لأهل العدّامة في البحث عن الكنز بوسائل بدائية تتمثل في ممارسة الطقوس السحرية
ويتم تفعيل البرنامج السردي لتشكيل الأسطورة الشعبية في الرواية على تقنية مؤسسة من نظامين الأول نظام ما قبل الكلام
والثاني نظام ما بعد الكلام
أما الأول وهو نظام ما قبل الكلام فيتوزع على ثلاثة محاور : التفكير والتذكر والأحلام
ففي محور التفكير تسيطر بنية الرموز على حركة التفكيروتغلفها فالرواية زاخرة بالكثير من الرموز والتيمات الأسطورية إذ يضفي الراوي على حادث ميلاد الطفل صفة سحرية مشيراً إلى أسطورة الميلاد في الأساطير اليونانية القديمة فيرمز الطفل للخصوبة والميلاد وترمز شخصية مريم ترمز لدورة الحياة المستمرة والمتراوحة بين التجدد والانقضاء كما يرمز الشيخ درويش للمخلص الذي تتطلع إليه أنا ليخلصها من مخاوفها وإحباطاتها بينما شخصية بو سمرة ترمز للصراع بين الوجود والعدم ويتمثل الرمز الأسطوري في الكنز كواحد من أعباء وأحلام الذات الإنسانية في العدامة كما يرمز بحث الشخوص عنه إلى المعرفة الأبدية التي يتطلع إليها الإنسان والممثلة في محور الخلود السرمدي والذي لن يتحقق وجوده أبداً ومن ثم يظل رمزاً خالداً
وفي محور التذكروالرؤيا الاستبطانية :
نجد الحدث يرتكز في نموه وتطوره الدرامي على آلية التذكر فتتداعى الذكريات على وعي الشخوص والنصوص التذكرية لا تكتفي فقط بالتعبير عن الحدث الواقعي أو الحدث الأسطوري على حدة بل تمزج بين هذا وذاك في بؤرة تذكرية واحدة مما يعمق بنية الأسطورة بهذا الطابع الدرامي المتقيد بحدود الحكاية الشعبية

وفي محور الصيرورة الحلمية
يعيد السياق النصي توصيف الحدث عبر صيغ حلمية تكشف عن حراكية الحدث الأسطوري مما يفرز إنطباعاً بديمومة الحلم وانسيابه في سلسلة متتالية ومن ثم فإن ارتباط الحلم بهذه الديمومة المتصلة يجعله تمثيلاً لما هو حقيقي وابدي

أما النظام الثاني الذي يتأسس عليه البرنامج السردي فهو نظام ما بعد الكلام
ويضم ستة محاور
ففي محور الطقوس الأسطورية
نجد الراوي يؤسس للنظام الأسطوري في الرواية متكئاً على استغلال عناصر الموروث الشعبي لحكاية ( الكنز ) كما يفيد الراوي من تقنية ( الرؤيا ) التشوفية التي يدّعي بعض السحرة أنهم يتنبئون بها للمستقبل ويوظف مجموعة الحكايات الخرافية المرتبطة بالكنز الذي يتشكل تشكلاً غرائبياً
وتتوالى عمليات تراكب الحكايات الواقعية مع الأسطورية مما يسهم في تنامي تشوفات الشخوص وحلمهم بكنز الأجداد المدفون تحت الأرض ويشي سعي الشخوص في الحكايات المتراكبة إلى حلم الحياة الأبدي الذي لا يكف فيه الإنسان عن تطلعه لكنز غيبي يمثل تطلع الإنسان إليه للحصول عليه دورة مكررة في الحياة ويرتبط هذا الحلم بطقوس فلكلورية تغمر الإنسان في خضم طقوس سحرية تجذبه نحو عالم سفلي غامض وأثير فتتوازى غواية البحث عن ( الكنز ) مع غواية البحث عن ( الحقيقة )

وفي محور الخلاص وازدواجية الفجوة بين الواقع والأسطورة
نجد الحلم الضائع الذي يمثل تلك الفجوة المتنامية بين معطيات الواقع الحقيقي ومعطيات الواقع الحلمي هو البنية الدينامية الفاعلة والتي تسكن روح النص وتشي بنفسها في الأسطورة المعبرة عن المفارقة الكامنة بين جوهر الذات وبين طبيعة النسق الاجتماعي القائم وهذه المفارقة هي المولدة لبنية الفجوة التي تطرح الاسئلة لتحريرها من ركمات الخراب
كذلك تشير الرواية إلى أن العطالة التي تعانيها أنا الجماعة في المجتمعات العربية هي المحك الأبرز في تشكيل الخرافة وهزيمة الذات الانسانية ومن ثم فالراوي ينتقد أنا الجماعة بقيمها البالية التي رسخت السلوك الخرافي المولد لهزيمة الذات الإنسانية
وفي النهاية تتجاوز الرواية المستوى الأسطوري البدائي بعد أن قامت الأسطورة بأداء وظيفتها التي أهلتها للنهاية الصادمة مع الفكر الأسطوري البعيد عن واقعية الحياة فيصبح العقل أقدر من الأسطورة على خلق منظور جديد للواقع
وبذلك تكون الذات العربية قد تحررت من لعنة الخنوع التي بقيت تلاحقها منبعثة من زمن الخرافة وحتى زمن الآلة التي كان لها السطوة في تحويل الذات من ذات مستلبة من قبل قوة ميتافيزيقية إلى ذات ما زالت مستلبة ولكنه الاستلاب الحضاري الذي طوق مجتمع العدامة إبان تطوره وانتقاله إلى زمن الآلة التي عمقت مفهوم الغربة بين الانسان وذاته وبينه وبين الآخر ولكنها بشرت في الوقت نفسه بواقع يسيطر عليه العبث والتشتت في مقابل الحلم بالميلاد الجديد

وفي محور التشكيل الميثولوجي للشخصية نجد شخوص العدامة تعيش الشيء وضده مؤكده انقضاء كل الأشياء وأن الحلم الخالد مجرد خدعة كبيرة وتبدو الشخوص كما لوكانت تحيا حياة بدائية بامتلاكها القدرة على الاتصال بقوة غيبية تمدها بأسباب السيطرة على الواقع المعاين وتمنح الشخصيات بعض الأمتيازات الممثلة في القدرات العجيبة والتحكم في الآخرين ومن هذه الشخصيات شخصية الشيخ درويش الذي سعى إلى إقناع الناس بوجود الجن في حياته ومن ثم ارتبطت الشخصية في أذهان الناس بأنها ذات بعد أسطوري ويتحول إلى ساحر يوهم الناس بأن العالم الذي يعيشون فيه مملوء بالكائنات الغيبية التي بإمكانه وحده أن يتصل بها زاعماً أن بقدرته التحكم في الأرواح وتوجيهها الوجهة التي يريد
فتتجسم الشخوص من خلال حضور كائنات غيبية وقوى خارقة ممثلة في المردة والعفاريت والأرواح كما تحضر أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة

أما في محورالمصاحبات الصوتية والبصرية
نعني به الجزء القولي المصاحب للطقوس التي تصف الأسطورة بصورة تمثيلية تتولد عنها أصوات تسمع وكائنات تتحرك في الفضاء النصي للرواية فقد شغل العالم السفلي بوصفه مصدراً تأتي منه الشياطين والأرواح الشريرة مساحة واسعة من وعي الشخوص وذاكرتهم في العدامة ففي النظرة الأسطورية للعالم اعتقد الإنسان أن الأرواح وعالم الجن تحل في كل مكان في الأشجار والحجارة والرياح والنجوم وتتحول إلى كائنات متحركة قادرة على الفعل وفي الوقت ذاته يقوم الساحر عن طريق أداء تمثيلي باسترضاء هذه القوى بممارسة طقوس معينة وإنشاد ترانيم وتعاويذ وإشعال البخور المصاحب للطلاسم الغامضة كل ذلك يجعل الحدث مترافقاً مع مصاحبات صوتية وبصرية
وتتحول هذه المصاحبات الصوتية والبصرية إلى لغة أسطورية تلعب دور الكورس في المسرح الإغريقي وتوحي بأجواء ملحمية

أما في حراكية الزمن المثيولوجي ودائريته
فيبرز الزمن الدائري المرتبط بالدورة الطبيعية التي يمر بها الإنسان من خلال وجوده العضوي فيما يضمر في طياته العودة الأبدية للشئ نفسه
كما يمتزج الزمن الأسطوري ويتشابك زمن الحكاية الأساس مع زمن بعض الشخصيات الأخرى عبر حكايات عاطفية قصيرة وما يفتأ جميع الشخوص أن يجمعهم زمن واحد هو زمن البحث عن الكنز مما يهيئ لبروز حكاية أسطورية وتناميها من خلال امتزاج الحكايتين وتراكبهما
فتتسم الرواية بثراء الفضاء المنفتح على تضاريس المكان بمناخاته الشعبية المتوترة والمترقبة للعثور على الكنز جامعا بين الفضاء التراثي المرتبط بالأساطير الشعبية وبين فضاء الأمكنة الحديثة مما يجعل العدّامة تتأبى – كمكان- عن طوابعها الواقعية الاعتيادية لترقى إلى مرتبة أسطورية تتغيا لها مكاناً في الوعي والذاكرة

وفي محور الحضور الطقسي للغة المجازية :
برزت التشكيلات اللغوية أقرب إلى طبيعة الشعر تواؤماً مع مستويات التشكيل المثيولوجي
حيث يتمتع الشعر بلغة أسطورية وتشترك الأسطورة مع الشعر في لغته القريبة من المجاز
بفطريتها التي تثير دهشة المتلقي نتيجة تعبيرها عن المكامن الغامضة والمعبرة عن دهشة العالم كما يوظف اللغة المجازية الفارزة لأجواء معبأة برائحة الحكايات والطقوس الشعبية

وأخيراً فنص ساعة ظهور الأرواح معبر عن الإمكانات الثرة التي يزخر بها التراث في الجزيرة العربية

د. أسماء أبو بكر
ملخص ألقي في ملتقى قراءة النص في جدة والموسوم بــ ” الرواية في الجزيرة ” بتاريخ (27-29 -3 1430)

كتبت أعمالي الأولي داخل السجن السياسي

عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏14-8-2019

‏عبـــــــدالله خلــــــــيفة واحد من المبدعين المميزين في مملكة البحرين‏,‏ فهو يكتب القصة والرواية‏,‏ إضافة إلي الدراسات النقدية الأدبية والمقال الصحفي‏,‏له العديد من الأعمال المميزة التي يسهم بها في إثراء الحركة الأدبية بالبحرين وإنضاجها حتي تتحول البحرين إلي منتج أدبي حقيقي ومميز في المنطقة العربية سواء هي أم منطقة الخليج بشكل عام‏…..‏وعبـــــــدالله خلــــــــيفة واحد من مثقفي البحرين المناضلين من أجل وضع أسس الديمقراطية وإعلان دستور وطني هناك‏,‏ وذاق مرارة السجن السياسي عقب إلغاء المجلس الوطني البحريني في منتصف سبعينيات القرن الماضي‏.‏

من أهم أعماله القصصية مجموعة دهشة الساحر وسيد الضريح ويوم قائظ أما رواياته فقد أصدر ما يقارب العشر روايات منها اللآلئ والقرصان والمدينة وأغنية الماء والنار والضباب وأخيرا رواية الينابيع في جزءين والجزء الثالث تحت الطبع الآن‏,‏ أما دراساته النقدية فقد شملت الإنتاج الأدبي الصادر من جميع أنحاء الوطن العربي‏,‏ إضافة إلي أدب الطفل‏.‏

وفي واحدة من زياراته المتعددة إلي دبي جلست إليه في محاولة للاقتراب منه والتحدث معه حول أعماله وإسهاماته الأدبية ورؤيته النقدية لإبداع الخليج‏,‏ سألته في البداية عن سبب ندرة الأسماء الخليجية المنتشرة عربيا في مجال القصة والرواية مما يؤدي بطبيعة الحال إلي قلة الأعمال الخليجية فقال‏:‏

 الحقيقة أن الرواية في الجزيرة العربية والخليج عمرها قصير نسبيا ولا يتعدي الثلاثة عقود وهذه فترة غير كافية كي تنضج وتنتشر‏,‏ فمثلا خلال القرن العشرين لم تنتج الجزيرة العربية والخليج أكثر من خمسين رواية والسعودية مثلا وهي بلد ضخم وكبير جدا لم تنتج منذ منتصف القرن الماضي سوي روايتين علي الأكثر‏,‏ لكن بعد منتصف القرن العشرين ومع الثورة والتطور الاجتماعي والثقافي بدأت الأجيال الجديدة تنتقل من القصة القصيرة إلي الرواية لأنه حتي في البدايات الأولي معظم الأعمال الأدبية كانت متجهة نحو القصة القصيرة لأن الرواية تحتاج إلي تراكم القصة القصيرة ذاتها فنيا وإلي اكتشاف الواقع بشكل عميق وإلي التطور الشكلي ونموه وهذا لا يجري إلا من خلال الاحتكاك العميق بالرواية العربية والعالمية وهذا ما جعله يتطلب فترة زمنية طويلة‏.‏

‏⇦‏ طبعا أنت لا تحسب عبدالرحمن منيف ضمن ما ذكرت؟

عبدالرحمن منيف انتقل من الجزيرة العربية ليعيش في المناطق الشمالية بسوريا والعراق (ولد وعاش في الشام والعراق)* وهذه أماكن ذات ثروة ثقافية عميقة وقديمة ولاحظي أنه حتي في تطور الإسلام والثقافة العربية القديمة ظهر الإسلام في شبه الجزيرة العربية لكنه لم يتجزر فيها أو يكون مؤسساته الثقافية والحضارية وإنما انتقل إلي الشمال في العراق وسوريا والمشرق في مصر وهذه المناطق هي التي كونت الثروة المعرفية والثقافية بينما عادت الجزيرة إلي حياتها الصحراوية‏,‏ هذه الحياة وقلة المدن وتباعدها وعدم وجود تطور اقتصادي عميق في تلك السنوات ما كان ليؤدي إلي تطور ثقافي كبير جدا في العصر الحديث‏,‏ بدأ هذا التطور نتيجة للنمو الاقتصادي الجديد بسبب ظهور النفط‏,‏ عبدالرحمن منيف تواجد في المناطق العربية الأخري واستطاع أن يتغلغل في بيئتها الثقافية والفنية وأن يكون جزءا منها‏,‏ والملاحظ علي كتابة منيف عن التكوينات الخليجية الجزيرية علي أنها نظرة من الخارج مثل مدن الملح التي يكتبها كموجود في سوريا أو العراق ويكتب معتمدا علي مذكرات الإنجليز وغيرها إضافة إلي ذكرياته هو نفسه في المنطقة والتي لم تمتد طويلا‏,‏ وهناك أمر مهم أيضا أحب أن أشير إليه أنه لو كان يعيش في الداخل ما استطاع أن يكتب رواية بهذا الشكل لأنها موجهة بشكل أساسي للأسرة الحاكمة‏.‏

‏⇦ هل تريد أن تقول إن منطقة الخليج تربة غير صالحة للشكل الروائي الإبداعي؟

 لا ولكن نظرا لأنها لم تكن متجزرة في التربة الثقافية ليس لها تاريخ كبير مثل البلاد العربية الأخري وإن كان النفط والنمو الاقتصادي أدي إلي تسارع نموها وإن كان ذلك قد أدي إلي ظهور سلبيات مثل سهولة تسمية أي نثر رواية وطباعتها لتوفر المال‏,‏ كذلك استغل الكثيرون قدراتهم المادية للترويج لأسمائهم في الوطن العربي في حين لم يتمكن آخرون ممن لا يمتلكون المال‏,‏ لتبقي المواهب الحقيقية مدفونة في الداخل لتحفر بهدوء‏,‏ وخاصة أن المنطقة لم تكن كلها معرضة للثراء‏,‏ فهناك أجزاء شديدة الفقر وهناك العديد من الكتاب الحقيقيين زج بهم في السجون مثلما حدث لدينا في البحرين حيث لدينا تجربة مريرة في الحياة السياسية وأغلب النتاج الشعري والقصصي البحريني مكتوب داخل السجون فكيف يروج نفسه كي ينتشر‏.‏

‏⇦‏ وهل كتب عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏أدبه في السجون أيضا ؟

بالطبع كتبت جزءا منه وليس كله في السجن‏,‏ فلدي شهادة روائية كتبتها داخل السجن حيث مررنا في البحرين بصراعات سياسية حادة منذ السبعينات وكان لدينا مجلس وطني ونقابات ومحاولة جادة للإصلاح السياسي لكن الحكومة قامت بحل المجلس الوطني عام ‏1975‏ واعتقل علي إثر ذلك الكثير من الكتاب والمناضلين وكنت أنا واحدا منهم حيث ظللت بالسجن حتي الثمانينيات‏,‏ لكن ما أحب أن أؤكد عليه أن وجودي في السجن لم يكن شرطا لخروج إبداعي بشكل جيد‏,‏ فالمكان ليس له علاقة بجودة وشكل الإبداع وإنما المهم أن يكتب الأدب بلغة فنية تراعي المعمار الروائي أو القصصي وكون الرواية كتبت في السجون لا يعطيها ذلك أي أهمية فنية أو مكانة روحية غير التي تتوافر للعمل المكتوب خارج السجون‏,‏ لكن الكتاب في السجون تصادفهم عقبات كثيرة تجعل من قدرتهم علي إنجاز عمل أدبي داخل السجن انتصارا كبيرا علي واقع مأساوي‏.‏

‏ ما الأعمال التي كتبتها داخل السجن؟

 كتبت ثلاثة أعمال في هذه الفترة الأول اسمه اللالئ ومجموعة قصصية ثم رواية باسم القرصان والمدينة‏,‏ وتشكل هذه الأعمال بداياتي الأدبية حيث كتبتها في السبعينات وحتي تخرج من السجن وتعبر الجدران حفظتها داخل أنابيب معجون الحلاقة ليأخذها صديق ويطبعها بعد ذلك‏.‏

‏ هناك ملاحظة مأخوذة علي الإبداع القصصي الخليجي وهي أنه لا يخرج عن إطار التراث والغوص وصيد اللؤلؤ‏…‏ ألا توجد مواضيع أخري؟

 الرواية لابد أن تغترف من الواقع‏,‏ فمثلما قام نجيب محفوظ بتحليل الحارة المصرية‏,‏ يقوم كتاب الخليج بتحليل مجتمعهم وأرضهم والمهن التي امتهنوا بها مثل الغوص والصيد‏,‏ وكما تعذب فلاحو مصر في الأرض وعانوا من سيطرة الإقطاعيين‏,‏ تعذب الخليجيون في البحر من سيطرة الربابنة والنواخذة‏,‏ فكان مثلا الربان يربط الصياد الذي يعترض عليه في الصاري وإذا مرض صياد لا يصرف له أجر وإذا مات تشردت بعده عائلته وهكذا‏,‏ لقد كانت تلك المرحلة من المراحل القاسية علي الناس التي خلقت قصص كفاح وبطولات وأنا أعتقد أن هذه المرحلة كانت أفضل من الوقت الحالي حيث يتولي الخليجيون الإدارات وينتفخون ويتعالون علي العاملين من الجنسيات الأخري‏,‏ إذن التجزر في شخوص المنطقة والتعرف عليهم وتحويلهم إلي روايات وأيضا استغلالها للترميز علي الوضع الراهن أمر مطلوب‏,‏ المهم أن لا يقوم الكاتب بالبكاء الرومانسي علي الماضي والنظر له علي أنه النقاء والصفاء والخالي من السلبيات‏,‏ يجب النظر للماضي ودراسته بذكاء وبشكل موضوعي ونري إلي ماذا أدي ثم تحليل الواقع المعاصر بجميع جوانبه‏.‏

‏⇦‏ نعود إليك‏..‏ هل بدات بالقصة القصيرة أم بالرواية؟

بالقصة القصيرة ففي المناطق التي لا يوجد بها تراث قصصي غني معاصر متجذر تكون البداية دوما مع القصة‏,‏ فنحن عندما بدانا في الستينيات والسبعينيات كتابة القصة‏,‏ كانت هناك بلدان في المنطقة العربية تكتب هذا اللون الأدبي منذ قرن مضي وعندها منجز إبداعي وثقافي راق يمكن لأي أديب جديد أن يستند إليه أما في الخليج فليس لدينا هذا التراكم المنجز لمدة قرن لذا بدأنا بكتابة القصة القصيرة لأنه لم تكن هناك روايات منجزة في المنطقة‏,‏ بالطبع كانت هناك محاولات لكتابة الرواية لكنها خرجت مفككة ذات بنية ضعيفة وظهرت في شكل تربوي إصلاحي متعال علي المجتمع‏,‏ لكن نحن بدأنا في الستينيات والسبعينات بالحفر الموضوعي في الحياة واكتشاف النماذج علي حقيقتها وتحويل القصص القصيرة بشكل تدريجي إلي رواية‏,‏ عموما الكتابة الأدبية كلها واحدة ولكنها أجناس مختلفة وليس معني هذا أن تحول كاتب القصة القصيرة للرواية أمر طبيعي فمن الممكن أن لا يكتب الأديب سوي لون واحد طوال حياته ويمكن أن يعزف علي اللونين‏.‏

⇦‏ أنت تكتب في النقد الإبداعي أيضا فهل يؤثر الجانب النقدي داخلك علي الإبداعي؟

 عندما أكتب إبداعا أدبيا لا أنظر إلي أي مقاييس إبداعية مسبقة أو أي نظريات أفصل عليها قصة ولكن أنا لدي نظرة شخصية للأدب بشكل عام‏,‏ نظرة تنطلق من المدرسة الواقعية وتطوراتها ومدارسها كلها‏,‏ في البداية اخترتها بشكل انعكاسي مباشر ومع تطور التجربة أخذت الواقعية بشكل أعمق أنمو من خلالها‏.‏

⇦‏ وما نظرتك المستقبلية للكتابة الإبداعية في الخليج‏..‏ هل ستشهد تطورا لتشكل تيارا خاصا في الخريطة الإبداعية العربية؟

 ما يحدث أن الشباب في الخليج لديهم سيولة نقدية تشجعهم علي التسرع بالنشر دون أن يكون إنتاجا إبداعيا حقيقيا ودون الرجوع إلي النقاد والمراجعين‏,‏ ففي السعودية هناك إنتاج أدبي هائل لكنه للأسف غير مميز‏,‏ فهم لا يتجزرون في قراءة مجتمعهم ولا يقرأون تراثهم بشكل عميق ولا يطلعون علي الإرث الأدبي والروائي العالمي والعربي‏,‏ وبالتالي لا يتشربون النوع الأدبي روحيا وفنيا وتتحول العملية الإبداعية لمجرد صفقات تجارية حتي يتم الترويج لهم في الخارج ولينتشروا في البلدان العربية الأخري‏,‏ لذا أحذر من هذا وأنصح بالتعب علي الإبداع والعمل الجاد لامتلاك الأدوات الإبداعية قبل التفكير في النشر والانتشار‏..‏ عموما الرواية لدينا تنمو وإن كان بشكل حذر علي أيدي روادها مثل إسماعيل فهد إسماعيل في الكويت وهناك كتاب سعوديون لديهم تجارب مهمة وإن كانت الإشكالات الفكرية في هذا البلد تمنعهم من التطور الفكري مما يؤدي إلي أن يظلوا يعيدون إنتاج أنفسهم‏

أجرت الحديث في دبي ــ أمنية طلعت
27/11/2004
الأهرام العربي
27/11/2004

  المحرر

عبدالله خليفة وحوار عن أدب السجون

8

• كيف تحصلون على أدوات الكتابة . .
• كانت عملية الحصول على أدوات الكتابة في غاية الصعوبة خاصة فيما يتعلق بالأقلام، فالأقلام نادرة وشحيحة جداً، في حين أن الأوراق أكثر سهولة، فهي تظهر من علب صابون(التايد) لكن المسحوق الإيراني في ذلك الوقت(درايا) ، منذ اواسط السبعينيات حتى بداية الثمانينيات ، كان الأكثر كرماً في تحول أغلفته إلى الورق، فحين تنقع هذه الأغلفة بالماء ثم تجففها تتحول أجزائها الداخلية المتعددة إلى دفتر كامل من الممكن أن تكتب عليه قصة قصيرة كاملة!
لكن مسألة الأقلام كانت عويصة وظلت تعرقل عملنا الكتابي، ومن الممكن التغلب عليها بمساعدة شرطي أو سجين، وقد قمتُ في سجن (جدا) بتعليم بعض السجناء القراءة والكتابة، فكان أجري هو الحصول على بعض هذه الأقلام التي تتحول إلى كنزٍ ثمين، فأنت تخبئها في علب معجون الحلاقة أو علب الصابون الناعم، وقد يتحول قلم الرصاص إلى طول أصبع، فتضعه في غصن شجرة، وحينئذٍ بإمكانك أن تكتب به!
لكن مشكلة الأقلام ظلت على مدى أعوام السجن مرهقة للجماعة وكأنها قضية وطنية كبيرة، حتى قمنا بحل بعض إشكالياتها في سجن (سافرة) حيث كنا نبدل أقلام الناشف التي تعطينا إياها إدارة سجن سافرة الممتلئة حتى نهاياتها بأقلام ناشف أخرى، تكاد أن تكون فارغة من الحبر، فيأتي العريفُ الأردنيُ صارخاً (أين الكلمات) ويلفظها بطريقة لهجته التي تـُضخم الكاف، فهو لا يقصد الكلمات بل القلمات!
ولم تنفرج أزمة القلمات حتى خرجنا واستعملنا الآلات الطابعة ثم الكمبيوتر لكن ظل قلم الرصاص هو الأثير، وصارت عقدة فكلما رأيتُ قلم رصاص سرقته، حتى راحت تتجمع لدي بشكل هائل دون أن أكتب بها!
• هل هناك بعض الممنوعات . . .
الحياة في السجن كلها ممنوعات ، فلا أحدٌ يسمح لك بالكتابة ، التي هي نشاط غير قانوني ، لأنهم عزلوك لكي يمنعوك من الكتابة والتأثير الفكري والسياسي ، فلا بد وقتذاك أن تتحايل على هذه القيود ، فتكتب وراء الجدران وبعيداً عن عيون الحراس، وتخبئ ما تكتبه تحت الفراش ، أو بين اللعب ، أو في أمكنة أكثر غورا ، وأن تجعل الأوراق أقل حجماً بشكل مستمر ، وأن تخبئها بين ثيابك في لحظات المداهمة وأن تحتفظ بنسخ ، وأن تستغل الرسائل الموجهة للأهل لكي تنسخ هذه الأعمال وترسلها للخارج تحت عيون الرقيب نفسه
• ما انواع الكتابة . .
• كنتُ دائماً ولا أزال القصة القصيرة ، والرواية ، والمقالات ، والبحوث، منذ أن كنتُ طالباً في المرحلة الثانوية وفي معهد المعلمين ، وفي السجن واصلتُ نفسَ الأنواع الأدبية والفكرية ، لكن أصبح لظروف السجن تأثيرها من حيث صعوبة الكتابة ، وصعوبة كتابة البحوث خاصة ، ولكن انفتح مجال القصة القصيرة أكثر ، لأن نفس السجن نفـَسٌ سريع ، متوتر ، وهو كذلك مطول ، لأنه يتيح لك (التنقيح) عشرات المرات ، فليس أمامك جريدة تسرع بإعطائها قصصك ، وأمامك كذلك وقت طويل منذ أن تشرب الشاي الأحمر الكريه حتى تأكل وجبة المساء التي تأتي في العصر ، ولهذا فإن خيال الكتابة يتطور ، وتدخل معهد التشكيل المعمق للنص !
• هل يمكن للسجين أن يكتب عما يدور في الخارج .. .
• الكتابة حرة في السجن أكثر من خارجه ، لأنك تستطيع أن تكتبَ ما تشاء فأنت محبوس أصلاً وغير معرض للعقوبة رغم أنني عوقبت عن الكتابة داخل السجن. ولكن عموماً أنت في الكتابة عموماً تلغي الجدران ، والحواجز وتكتب بحرية ، لأنك تكتب من أجل أن تغير ، لكن حياة السجن الداخلية تعطيك مادة خصبة ، فأنت تقابل مجرمين عتاة ، فهذا قتل ولداً وذاك سرق خزنة وهرب بها ، وثالث اغتصب وقتل من أغتصبه ، وتجد هؤلاء يعيشون بهدوء ويأكلون ويمتمعون بالحياة ، وكأنهم قتلوا عصافير أو قططاً ، وكذلك تجد أن المعتقلين السياسيين بشخوصهم ونماذجهم الكثيرة يعطونك مادة للكتابة ويجعلونك تحلل الواقع بدرجة أكثر عمقاً مما كنت ترى سابقاً.
• ماذا أضافت تجربة السجن إلى تجربتكم ….
• تجربة السجن مريرة ، انقطاع عن الأهل والناس ، وعن الحرية ، وعن النشاط ، وعن الأكل اللذيذ ، وعن النساء ، فهي أما أن تصلبك أكثر أو تحطمك ، وقد استفدت من كل تجربة مريرة ، وبدلاً من أن أضيع وقتي ، كنتُ أتعلم أي شيء ممكن ، أقرأ أي كتاب موجود ، أي ورقة عن الأدوية أو السحر أو العلوم أو الدين ، استمع للقصص والدروس والتجارب ، أتعلم من أصدقائي وأعلم ، أكتب بشكل مستمر ، تجارب كثيرة كتبتها ، وضاع الكثيرمنها ، لكنها صقلت قدراتي في هذا المجال .
• عندما تكتبون هل كان لأحبابكم . . . .
• بطبيعة الحال فأنت جزءٌ من أهلك ، وكانت أمي قد ماتت في الشهور الأولى من سجني ، وكتبت قصصاً عديدة عنها ، وكذلك أهلي ، وحيِّ ، حيث استلهمت حكايات منطقتنا (القضيبية والحورة ورأس رمان ) وظهرت في روايات عدة : أغنية الماء والنار ، والضباب ، والينابيع الخ.. وتأخذ العلاقات الأسرية مكانة والعلاقة العاطفية مكانة ، فالمرأة لها من وجودك في السجن نصيب ، وكانت لي علاقة عاطفية بامرأة ، ويحدث مزيح مركب بين كل ذلك ، فالكتابة ليست تسجيلاً بل إعادة تركيب لعناصر كثيرة .
• هل للعلاقة الجنسية . . .
• ليس هناك أخطر من الجنس بعد السياسة ، فالحنين للمرأة يأخذ من وقتك الكثير ، وتتشوه بدون العلاقة الصحية بالمرأة ، وتصبح حياتك الجنسية غير سليمة حتى يكتب لك الله الفرج من الظلم والكبت والوحدة الشقية ومعاركة الفراش في الليل ، حتى تصيبك هلوسة جنسية ، وتزداد أحلامك البيضاء ، ولعلها رحمة حتى تفرغ شحناتك حينما يستمر السجن سنوات كثيرة !

عبـــــــدالله خلــــــــيفة ما بين الماء والنار

الماء والنار وما بينهما ..
من معاناة الفقراء اليومية، من احلامهم المستحيلة وخوفهم المستديم، من قهرهم وانسحاقهم يقدم لنا الروائي البحريني عبدالله خليفة اغنية الماء والنار ويعرض علينا موضوعته ببساطة تناسب بساطة شخصياته، وهي بساطة الروائي المحترف الذي يذكرنا دوماً بما نسيناه او ما تناسيناه في خضم الركض وراء سراب الحياة، يذكرنا باولئك الناس الذين ما يزالون يشكلون النسبة الاكبر على هذا الكوكب، تلك النسبة التي تعيش بصدام لا ينتهي وهي تقف على حافة مسننة من هامش ضيق من الحياة، تأتي الى الدنيا وتشقى ثم تمضي منها دون ان تحقق ما تصبو اليه .. انها فوضى الحياة التي تأخذ منهم ولا تعطيهم ما يستحقون، ويأخذ آخرون اكثر بكثير دون ان يعطوا شيئاً .. هذه هي المعادلة المختلة التي تقوم عليها حياتنا والتي لم تستقم ابداً منذ بدء الخليقة .. ومنها انبثقت رواية اغنية الماء والنار الصراع الدائم بين الاغنياء والفقراء.
تنطلق الرواية من حي فقير جداً يعيش سكانه في اكواخ وبيوت وعشش من التنك والصفيح، تمتلك ارضه سيدة تسكن بعيداً عن الاكواخ في بيت حجري، سيدة لها سطوة وجاه تصل الى المتنفذين من سلك الشرطة، وبيتها هو الوحيد الذي تصله الكهرباء في ذلك المكان، بينما الحي بأكمله يعيش في ظلام دامس في الليل، ويقال عن هذه المرأة بأنها اميرة الاميرات ولها حرس وخادمات.
يتغلغل عبدالله خليفة في مفاصل هذا الحي ليكشف لنا نمط العلاقات السائدة والمعاناة التي يعيشها الناس والتي تكاد تكون زادهم اليومي.
الشخصية الرئيسية في العمل منحها الروائي لشاب يعمل في السقاية يدعى راشد .. فهو المسؤول عن ايصال المياه الى البيوت .. حياة هذا الشاب اكثر من بسيطة، يعيش في كوخ هو كل ما يملكه . هو شخصية مرحة معظم الوقت، يحكي الحكايات لاطفال الحي ويشاكس النساء احياناً .. في الليل حيث يأوي سنعرف ان لراشد وجهاً آخر، فهو يحلم بالزواج من زهرة احدى بنات الحي، يتمنى ان يعيش معها في بيت حجري وينجب الكثير من الاولاد، وزهرة هذه لا تشبه الاخريات اللواتي يداوينه اذا جرحت قدماه، ويضحكن له اذا قص عليهن طرفة، ويسألن عنه اذا تأخر .. انها تغلق الباب دونه، وتحتقره وتشيح عنه اذا مر بالقرب منها، بينما تضحك لصديقه جابر وتقف معه طويلاً عند الباب .. وسنعرف انهما – زهرة وجابر – على علاقة سرية ستكشفها الايام.
لكن احلام راشد لا تقف عند زهرة .. فلطالما ود ان يرى اميرة الاميرات، وتحقق له ذلك ذات صباح حين رأى سيارتها تنتظر قرب بوابة قصرها، ومنذ تلك اللحظة كره الحياة التي وجد نفسه عليها، كره حياة الفقر والعمل المضني في حمل الماء، وكره الكوخ البائس الذي يحتوي جسده المتعب في الليل .. لكنه كان يهرب من هذا الواقع الى الاحلام، وكان من شأن الذين كان يقص عليهم القصص، وعن النساء اللواتي لا يجد فيهن ما يأخذه الى مغامرة كتلك التي تحققها له اميرة الاميرات في احلامه والتي تاخذه الى بيت تلك السيدة فيرى نفسه وقد اضاء مصابيح بيتها واطل من نوافذها العالية على الاكواخ البائسة .. بل اخذته احلامه اكثر من ذلك فوجد نفسه على فراشها الوثير المضمخ بماء الورد .. لقد خرجت احلامه عن نطاق احلام الفقراء، وصار عليه ان يسعى الى ذلك البيت الحجري بأية طريقة.
كان اهل الحي يسمونه ملك الماء ذلك ان مهنته لا تبور طالما بقيت الاكواخ غير مشمولة بمد انابيب الماء الصافي .. ومع ذلك فان هذه المهنة لا توفر له اكثر من قوت يومه .. يأكل القليل ويهرب الى احدى الخمارات لعله ينسى بؤس يومه.
وعبر رحلة راشد على ارض الواقع وفي طيات الاحلام يلقي عبدالله خليفة الضوء شيئاً فشيئاً على شخصياته، زاد رحلته في هذه الرواية التي صدرت ضمن اربع روايات عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2004. فهناك جابر صديق راشد، وهو شاب يعيل اسرة كبيرة متكونة من ام واب واخوة مما يعيق علاقته بزهرة ويحجم عن الزواج منها بسبب ضيق ذات اليد .. وسنقف على اكثر من محطة في حياة هذين العاشقين بالتوازي والتقاطع ايضاً مع احلام راشد ومعاناته.
ذات ليلة كان القمر فيها يمر بحالة خسوف، خرج الناس حاملين الاواني للطرق عليها لعل الحوتة التي ابتلعت القمر ترأف به وتخرجه من فمها المرعب، وكان راشد يمشي في تلك الليلة على غير هدى حين سمع همساً ولمح ظلال امرأة ورجل ظن للوهلة الاولى انهما زهرة وجابر .. وقد حالت ضجة الناس وطغت على المشهد حتى صرخ بهم ليخبرهم ان ما يحدث للقمر ما هو الا بسبب هذا الفعل الشائن.. واسرع والناس من ورائه باحثاً عنهما .. الا انه لم يجد شيئاً وانما ابتلعته احدى الحفر في ظلام الليل، ولم يسمع الا الضحك منه وعليه، واصيب بجروح ورضوض .. ولكن ما آلمه اكثر هو تأنيب الضمير لأنه لم يكن متأكداً مما رآه، فهل يا ترى كان اشكالاً بصرياً تساوق مع افكاره المريضة؟ مهما يكن فقد شعر بالالم لعجزه ولتفاهة حياته وخلوها من الدفء والحب.
* * * ثمة انتقالات انسيابية بين البيت الحجري وما يجري فيه، وحياة الفقراء في الاكواخ والصرائف .. في ذلك البيت تقرر السيدة طرد سائقها العجوز، وكانت المصادفة قد وضعت راشد امامها حين جلب لها الماء، فاقترحت عليه ان يعمل لديها وسوف يتدرب على السياقة .. ها هو الحلم يحلق به عالياً، لطالما تمنى رؤيتها والآن يصبح قريباً منها.
وخلال ايام قليلة قاد السيارة، والمرآة الحلم تجلس في المقعد الخلفي، انه يثرثر معها فتصده بسرعة، ليس هذا مهماً، انه يطمع بامتلاكها وففي اسرارها التي جعلتها غامضة ومهابة الى هذا الحد.
لقد تغير كل شيء فيه، صار نظيفاً وصارت الفتيات قرب يديه، يفتحن له الابواب ويبدين اعجابهن به، بل حتى زهرة اصبحت تنظر اليه بفضول واعجاب .. لكنه لم يصل بعد الى ما يصبو اليه، صارت احلامه تسبقه ويعجز عن اللحاق بها، فهو لم يستطع في الواقع ان يعرف السيدة او يقترب من زوايا البيت واسراره، في وقت فقد فيه الاصدقاء وجلسات الشاطىء وحكايات الاطفال .. وعلى طرف آخر يمضي صديقه جابر في علاقته السرية بزهرة .. لقاءات مسروقة بعيداً عن الانظار .. هي تحبه ولكنه مكبّل بأسرته، وحين تخبره ان رجلاً غنياً تقدم لخطبتها تداهمه فرحة خفية ليزاح العبء عنه .. وقد حدث الامر فعلاً ذات يوم عندما تعالت الزغاريد في بيت زهرة، لكن ما ان آلت الامور الى ذلك حتى شعر بالندم واكتشف ان علاقته بها ليست عابرة وانه يحبها فعلاً.
كل يمضي الى حلمه بطريقة مغايرة، وقد تأتي الاحلام باكثر مما يتمنى المرء وها هي السيدة تطلب من راشد دخول غرفة نومها .. اعطته دفتراً كان بحوزة السائق السابق وامرته ان يجمع لها ايجارات البيوت .. لقد ارتفعت منزلته وخيّل اليه بأنه اصبح قاب قوسين من الشمس .. ولكنه حين راح يدور على الابواب واجهه الكثر بضيق الحال وقلة المورد .. ماذا يفعل؟ انه لم يعد ذلك الشاب البائس الذي يحمل الصفائح وينقل الماء مثيراً ضحك الاطفال، انه الآن بوجه رجولي صلب وينام على سرير فخم ولا بد لشخصيته ان تتغير .. وتغير فعلاً، صار يعامل الناس بفظاظة، ولا يترك الابواب الا بعد استحصال الايجارات، فالمهم لديه هو رضا السيدة التي قلبت حياته رأساً على عقب، والوصول الى حلمه الى اقصى المديات .. وها هي تناديه للصعود الى الطابق العلوي الذي لم يكن مسموحاً له ان يتخطى عتباته، ليس مهماً ماذا تريد منه، قد تستخدمه جمراً للمباخر او فحماً للمواقد .. صعد السلم بهواجس كثيرة لا تستقر على شيء، وحين وصل احس بأن الاضواء التي تحيط المكان قد انطفأت فهوى الى الارض لا يدري بالتأكيد هل رأى السيدة في حضن رجل ام تراءى ذلك، كل ما يدريه ان السيدة صرفته حين احست بتعبه .. ومضى الى البيت مستغرقاً في نوم عميق لم يصح منه الا بعد ايام كانت فيها السيدة قد تزوجت من رجل ثري يدعى خليفة، وفي هذا الوقت بالذات كان صديقه جابر ينتظر في مكان ما زهرة التي شكلت له في آخر مرة رآها فيها ما تعانيه من زوجها التاجر .. كان ذلك اللقاء قد وضع حداً لعلاقتهما اذ لم تعد زهرة تلك المرأة التي احبها .. لقد تخلت عن براءتها ودون خجل تعرت امامه فبدت امرأة مبتذلة على نحو مريع ..
.. وانهارت ايضاً بعد ايام علاقة الزواج بين السيدة وزوجها خليفة، فاستغلت غيابه في رحلة صيد لتبعث بخادمتها الى راشد وتخبره بأنها تحبه وتريده فوراً.
لقد اصبحت المرأة المضيئة بين يديه، وسيأخذه الفرح الى حدود لا نهاية لها.
ولكنه افاق من حلمه وهو بين يديه، تطلب منه ان يحرق الاكواخ ليجبر الناس على الرحيل، وتستثمر الارض بطريقة افضل، وهنا يقع راشد في صراع مرير مع نفسه اذ كيف يتحول الى رجل شرير ويحرق بيوت الناس؟ واخيراً تغلب عنصر الشر وقاده الى صفيحة غاز وعلبة كبريت لتذهب الاكواخ الى النار ويذهب الفقراء الى مكان آخر، وتذهب ذكريات طفولته الى هباء منثور، الحياة الجديدة بانتظاره والمرأة الاميرة طوع اصابعه.
لقد برع الكاتب في لحظات الصراع التي عاشها راشد بين اقدام واحجام وهواجس واحلام ثم البحث عن مكان مناسب لاشعال الشرارة الاولى واستحالة الليل الى نهار وصرخات وعويل، كل يريد النجاة بنفسه من هذا الجحيم الذي اتى على الاكواخ والصرائف .. وهرب راشد باحثاً عن مكان يختبىء فيه فسقط في حفرة عميقة يتناهبه الخوف والحلم في وقت واحد .. الخوف من ان يفتضح امره .. والحلم بامتلاك السيدة التي سلمها كل شيء حتى جثث اهله وتحول من شاب طيب يحمل صفائح الماء ويغني ويحكي الحكايات للاطفال الى رجل شرير هارب لا يقوى على الخروج من الحفرة العميقة التي يسقط فيها .. لقد تذكر الآن وهو على هذه الحالة بأنه مر بثلاثة رجال عائدين من سهرتهم، كان احدهم صديقه جابر وقد رأوه وهو يحمل الصفيحة .. لا بد انهم الآن يبحثون عنه بعد ان تحول الحي كله الى رماد وبقايا اثاث متفحم وروائح غريبة ونساء مفجوعات ..
الشرطة التي وصلت اخيراً لم تفعل شيئاً حتى بعد ان اتهم راشد والسيدة بافتعال الحريق .. ولم يجد الفقراء من يساعدهم فساعدوا انفسهم .. بعد ايام قليلة جلبوا الواح الخشب والصفائح والتنك والسعف لتبدأ من جديد حركة بنيان الاكواخ .. لكن ضابط الشرطة المتواطىء مع السيدة جاءهم بأمر ازالة الاكواخ بقوة القانون .. ولأن الفقراء ليس لديهم ما يخسرونه فقد هاجوا ولعنوا وهجموا على الضابط ولم يستطع الا بصعوبة الخروج من تلك الزوبعة لتأتي بعد ذلك سيارات عسكرية وينهمر الرصاص من كل حدب وصوب على الغاضبين .. لكن ماذا يفعل الغضب والحجارة امام الآلات التي راحت تدك الاكواخ دكاً؟ تلك هي اغنية الماء والنار الاغنية الحزينة والنار التي لم يطفئها الماء .. وكأن عبدالله خليفة اذ وصل بنا الى هذه النهاية اراد ان يقول ان الفقير فقير والغني غني، واذا ما اختلت الامور فانها ابداً لن تكون في صالح الفقراء، برغم انه قادنا الى اعتقاد آخر وسحبنا الى احلام لن تتحقق على ارض الواقع.
استمر في القراءة

عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏: تجـربـة السجـن أفهمتنـي البـشـــر

بورتريه قصاب

    عبـــــــدالله  خلــــــــيفة كاتب بحريني كبير مارس الأشكال الإبداعية والصحفية كافة‏,‏ وذاق تجربة السجن‏,‏ التي لم تمنعه من الكتابة‏,‏ وهو في سبيل إنجاز مشروع للرواية التاريخية‏,‏ يختلف كثيرا عما كتب في هذا الاتجاه‏,‏ وكانت روايته عمر بن الخطاب شهيدا علامة في هذا الطريق‏.‏أنجز خليفة حوالي سبع مجموعات قصصية منها دهشة الساحر وجنون النخيل وخمس عشرة رواية منها رأس الحسين وعمر بن الخطاب شهيدا وعثمان بن عفان شهيدا ونشيد البحر إضافة إلي دراساته النقدية مثل نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلي الرواية الفلسفية‏.‏
إلي نص الحوار مع عبـــــــدالله  خلــــــــيفة ‏.‏
‏*‏ تمارس كتابة أكثر من نوع أدبي‏..‏ ألا يأتي هذا علي حساب القيمة؟
العملية تاريخية بسبب عملي بالصحافة‏,‏ فكنت أقوم بعرض الكتب وتحليلها سواء كانت قصة أم رواية أم في النقد والفكر علي مدي ثلاثين عاما وأكثر‏,‏ ما أدي إلي تشربي بكل هذه الأنواع الإبداعية خصوصا أنها متداخلة‏,‏ لكني بدأت الكتابة بالقصة القصيرة منذ نهاية السبعينيات وواصلت الكتابة فيها‏,‏ وفي النصف الثاني من السبعينيات وأوائل الثمانينيات حاولت أن أتجذر في الرواية‏,‏ وجاءت فترة التسعينيات لأتعمق في الواقع العربي الإسلامي بحيث أفهم تطور التاريخ وأكتب الرواية التاريخية التي هي جزء من الرواية المعاصرة‏.‏
‏* ماذا فعلت بك تجربة السجن‏..‏ كإنسان ومبدع؟
◈ تجربة السجن خصبة بالنسبة لي رغم أنها عنيفة ومؤلمة من حيث الاقتراب العميق من الإنسان‏,‏ بحيث تعيش مع بشر بشكل يومي وتتعرف علي خبايا أنفسهم‏,‏ ومن هنا أعطتني هذه الفترة فكرة كبيرة لفهم البشر‏,‏ كما جعلتني أقرأ كثيرا من المجلدات في شتي أنواع المعارف‏,‏ وأصبحت تجربتي أميل إلي السرد الواقعي المباشر‏.‏

* هل أصبحت الرواية ديوان العرب؟
◈ كان الشعر هو الفن الأول عند العرب قديما‏,‏ لأن معظمه كان مدحا للملوك والقوي السائدة‏,‏ حيث يرتزق الشعراء منه‏,‏ في العصر الحديث أصبحت الرواية تستولي علي المشهد الثقافي وبقي الشعر‏,‏ لكنه لم يستطع أن يعبر إلي نقد الحياة أو يغوص في جوانبها‏,‏ بعد أن أزاحته الرواية للمرتبة الثانية‏.‏
‏*‏ وكيف تكون الحركة الأدبية والنقدية في البحرين؟
◈ الحركة الأدبية والنقدية في البحرين متطورة ووثابة باستمرار وهناك عشرات الكتب التي تصدر كل عدة أشهر في مختلف جوانب الأدب والنقد خلال الثلاثين سنة السابقة‏,‏ وحدث تطور كبير في البنية الإبداعية‏,‏ بحيث إنها استطاعت أن تجمع بين تجربتها المحلية وإنجازات الأدب العربي في الأقطار الأخري‏,‏ وظهرت رموز استطاعت أن تصل إلي مستوي العديد من الدول العربية سواء علي مستوي الشعر أم الدراسة الفكرية والنقدية‏,‏ ولكن هناك إشكاليات حدثت في العقود الأخيرة بسبب عمليات القهر السياسي والإغراء المادي‏.‏
‏*‏ وماذا عن تجربتك مع رواية عمر بن الخطاب شهيدا؟
◈ هذه الرواية جاءت ضمن سلسلة عن الشخصيات الإسلامية الكبيرة بعد تلك القراءات التي توجهت إلي فحص التراث العربي‏,‏فرواية‏’‏ عمر بن الخطاب شهيدا‏’‏ هي تجربة أولي في الرواية التاريخية وهي صعبة‏,‏ واعتمدت فيها علي المصادر التاريخية دون الخروج عن تفاصيلها وكتبتها بأسلوب أدبي‏,‏ لأن الرواية تبجل شخصية عمر بن الخطاب وتظهره بطلا تاريخيا‏.‏
‏*‏ وهل توجد حدود أو خطوط حمراء للمبدع يجب عليه ألا يتخطاها؟
◈ الأدب العربي خاض مسألة الكتابة عن رموز الإسلام‏,‏ فكتب توفيق الحكيم عن‏’‏ محمد‏’‏ صلي الله عليه وسلم‏,‏ وهناك كتاب آخرون وكذلك أفلام تناولت الصحابة وظهر بعضهم فيها مثل‏’‏ بلال‏’,‏ والقضية هل المقصود الإساءة إلي هذه الرموز أم تقديمها في شكل جيد؟
‏*‏ هل هناك قيود علي النشر والإبداع في البحرين؟
◈ القيود الموجودة في كل بلد هي عدم التطرق للرموز‏,‏ وأجهزة الإعلام والصحافة تتجنب التوجه إلي تحليل عميق للسلطة والنظام عموما‏,‏ فتجدين أن صحافتنا سطحية بشكل عام وتفتقد العمق فيلجأ بعض الشباب إلي المواقع الإلكترونية ويقومون بكتابة المقالات الجادة التي تقوم الحكومة بإغلاقها‏,‏ ولا توجد لدينا صحافة خاصة بل صحافة قريبة من الحكومة أو معبرة عن رسالتها‏.‏
‏*‏ نشأت في المملكة العربية السعودية‏..‏ فما تأثير ذلك عليك كمبدع؟
◈ أنتقل بين البحرين والسعودية‏,‏ وعشت طفولتي في مدينة‏’‏ الخبر‏’‏ ولي أقارب بها وهي ذات بيوت صغيرة وراءها رمال لا أول لها ولا آخر‏,‏ وتقوم الرمال من فترة إلي أخري بالهجوم علي هذه البيوت حتي تكاد تطمسها‏,‏ فأخذت هذه المشاهد تجذبني للبحث في هذه الصحراء وأدبها‏,‏ ففي العديد من القصص القصيرة أو معظم الروايات أهتم بالصحراء كمشهد مكاني وهناك قصة قصيرة لي عن رجلين أحدهما باحث عن الآثار والآخر صعلوك يقوم باختطاف التمثال الذي عثر عليه الأثاري ومشهد الصحراء يحيط بهما‏.‏
‏*‏ بماذا أثرت الكتابة في الصحافة عليك كمبدع؟
◈ الصحافة كانت طريق العيش الوحيد‏,‏ حيث كنت أعمل مدرسا ثم طردت من التدريس بسبب الخلاف علي المناهج‏,‏ فلجأت إلي الصحافة وكانت الكتابات الصحفية أشبه ببلع‏’‏ الجوارب‏’‏ فقد كنت أعمل في التحقيقات‏,‏ وهي تقتل الكاتب ولكنها طريقة للعيش كنت أحاول إجراء التحقيقات التي تتناول حياة الناس الفقراء والكادحين‏,‏ وأقترب منهم لمعرفة تفاصيل مشاكلهم ومحاولة فهم نفسيتهم ومعاناتهم‏ …).

أجرت الحوار جيهان محمود
الاهرام العربي 14/6/2008

عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏: تجـربـة السجـن أفهمتنـي البـشـــر

عبدالله خليفة الأعمال الكاملة

عبـــــــدالله خلــــــــيفة روائياً

     تعتبر الرواية في البحرين حديثة العهد في الساحة الأدبية بالقياس إلى بقية الأشكال الأدبية الأخرى المتواجدة معها على نفس الساحة . إذ أن الكم الروائي الذي صدر حتى الآن لا يتجاوز عدد أصابع اليد ، مما يطي انطباعاً على قلة عدد المبدعين الذذي دخلوا هذا المجال . ويعود هذا التأخر في ممارسة الإبداع الروائي عند أدباء البحرين إلى تأخر المجتمع البحريني في الانفتاح على مظاهر الحياة العصرية وعلى الأشكال الثقافية الحديثة . وقد نشط الإبداع الروائي في مطلع الثمانينيات في هذه المنطقة من العالم العربي . إذ لم تكن الساحة الأدبية في البحرين قبل هذا الوقت إلا مسرحاً لقصائد الشعر والقصة القصيرة والمقال النثري ، ولم تكن الوراية بزخمها المتشابك ونسيجها السردي المعروف ، وخصوصياتها في سبر أغوار العالم والحياة إلا مطمحاً غالياً للمبدعين في البحرين.
وكانت أول رواية بمعناها الفني تصدر في البحرين هي رواية (الجذوة) لمحمد عبدالملك عام 1981 ، تتابعت على أثرها روايات (اللآلئ) عام 1982، و(القرصان والمدينة)عام 1982، و(الهيرات) عام 1983 لعبدالله خليفة . كما صدرت رواية أمين صالح (أغنية أ . ص الأولى ) عام 1982 ورواية (الحصار) لفوزية رشيد.
ويمثل إنتاج عبدالله خليفة القسم الأكبر في عدد الروايات التي صدرت في مسيرة الأدب البحريني . إذ تمثل رواياته الثلاث نصف عدد الروايات الصادرة تقريباً والتي تمثل البواكير الأولى لمحور الرواية في الأدب البحريني الحديث.
وعالم عبدالله خليفة الإبداعي سواء ما ظهر في قصصه القصيرة أو في رواياته هو عالم البيئة الاجتماعية البحرينية بخوصياتها ومتغيراتها وتحوراتها . وبكل ما يكتنفُ جوانبها من هموم ترتبط بالبحر والسواحل وحياة الصيد والغوص لاستخراج اللؤلؤ وتجارته . وكذا بكل ما طرأ على بينتها الأساسية من متغيرات ملحة خاصة بعد ظهور النفط في أرضها ودخول عالم التقنية والمال وغزو العمالة الآسيوية وما صاحبها من تطورات على البنية الأساسية للبيئة البحرينية ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً.
والتعبير عن الواقع هو الهم الأول للشكل الروائي سواءً كان لواقع بيئياً ينبعُ من صلب البيئة وما يطرأ عليها من تغير نتيجة للانجازات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة التي تحدث في بينها للمجتمع كما حدث في بيئة البحرين بصفة خاصة والخليجية بصفةٍ عامة . كما أن الواقع النفسي الذي تضطلع به الرواية في الأعمال التي تتميز بهذا اللون من الكتابة ، والذي تحشدُ له من الشخصيات التي تفرز من همومها وطموحاتها واقعاً نفسياً يمثلُ هو الآخر واقعاً اجتماعياً له خصوصيته.
وقد كانت البدايات الأولى للرواية في البحرين متأثرة تأثراً كبيراً بهذا الواقع خاصة إن المؤثرات التي تمورُ بها الساحة الأدبية في العالم الغربي والعالم العربي كانت تجد لها صدى في هذه البدايات ، وكان المضمون العام لهذه الروايات ينسحب في إسقاطاته على الواقع الاجتماعي الذي تعيشه المنطقة.
ولعل فكرة الربط بين الشكل والمضمون في الأعمال الروائية البحرينية من ناحية أ،ها تتناول الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في هذا المجتمع والمشكلات الناجمة عنه جعل رواد الرواية في البحرين يحتفون بالأشكال الواقعية التي تعبر عن مدلول البيئة وما يصاحب ذلك من تعبير عن النقد الاجتماعي والتمرد ضد مظاهر التسلط و(الفقر) والقمع، وهي سمة احتفى بها رواد الرواية في العالم كله حينما بدأت الأشكال الروائية تأخذ طريقها إلى الظهور ، وكان التعبير عن الواقع هو الهم الأول لدى معظم من كتبوا الرواية في بداياتها الأولى في كل مرة . وكلنا نذكر أعمال ديستويفسكي وجوجول وتولستوي في روسيا ، وبلزاك وستاندال وفلوبير وزولا في فرنسا وديكنز وتوماس هاردي وسمرست موم في انجلترا . فقد كانت كتاباتهم الروائية جميعها تنبع من بيئتهم الخاصة وتعبر عن هموم ومآسي مجتمعاتهم ، وتجسد المشكلات الذاتية ، والهم النفسي ، وتأزمات العصر ، والواقع على المستوى العام والخاص على السواء.
كما أن الرواية العربية هي الأخرى عندما بدأت طريقها في دروب الساحة الأدبية ، كان الاتكاء على الموضوعات المستمدة من البيئة هو أهم موضوعاتها ، نجد ذلك في رواية (زينب) للدكتور هيكل ، وأعمال نجيب محفوظ ، وحنا مينا ، ومحمود المسعدي ، ومحمود أحمد السيد ، والطيب صالح وغيرهم.
ولعل الروائي البحريني عبدالله خليفة وهو أهم روائيي البحرين حتى الآن ، وأحد الذين استمدوا أعمالهم من الواقع الاجتماعي لبيئته ، وأحد الذين عبروا بأعمالهم القصصية والروائية عن هموم المجتمع البحريني بكل خصوصياته . لعله يعتبر رائد الرواية البحرينة بجانب انه يتسمد خصوصيته في هذا المجال من احتفائه بصفة خاصة بعالم البحر والغوص وما يحيط ويتصلُ به من اعمال لها عبقها وتراثها وموروثها الاجتماعي الخاص . وفي حديث له عن تجربته القصصية والروائية قال : (لقد بدأت محاولات الكتابة القصصية منذ عام 1969 ، وقد نشرتُ عشرات القصص والمقالات الأدبية منذ تلك السنة ، ومنذ البداية كانت تسكنني هموم وطني وآماله ، وقد عبرتُ عنها حسب تجربتي الأدبية والفكرية ، حيث كنتُ اتوجه إلى الفكرة والحدث بوضوح وبلامواربة ، وقد حاولت استعياب فن القصة وبعد فترة رحتُ اتأمل التجربة بشكل أكثر عمقاً واستيعاباً ، كما أن حصلتُ على تجارب كثيرة ومختلفة حياتية ، استطعتُ من خلالها الاقتراب من الواقع بشكل أكثر حمييمة . ولهذا صارت القصص حسب رأيي أكثر اتساعاً وإحاطة بالحياة ، كما أن هذا الاتساع والإحاطة مهدا لعملية الكتابة الروائية ، فمنذ أن يحدد الكاتب شخصياته ، ويقومُ بتعميقها ، ويشكل فصولاً في قصته القصيرة ، حتى يبدأ في طريق الرواية . وقد كتبتُ قبل روايتي الأولى (اللآلىء) ثلاث روايات قصيرة لم أقم بنشرها ، كنتُ اتجه فيها إلى الغرابة واستحداث أجواء عجيبة ولكني مع الاهتمام بموضوعات شعبية أخذتُ اقترب من الرواية ، وبدأت ملامح الأشخاص في الظهور ، كما أخذ واقعهم الذي يعشون فيه بالتبلور شيئاً فشيئاً . قد دفعني هذا إلى محاولة السيطرة على الصراع الروائي ، ووحدته وعملية تطويره ).

(اللآلى) ومظاهر القهر الاجتماعي

تشكل رواية (اللآلئ) نغمة خاصة في اعمال عبدالله خليفة ، فهي الرواية الأوللى له ، وهي تعبرُ عن مجتمع البحر وصيد اللؤلؤ ، وما يكتنف هذا العالم من مخاطر الغوص ، والعلاقات التي تربط بين العاملين بالبحر ، وممارسات أصحاب السفن ، وجشعهم ، وتسلطهم ، ومظاهر القهر الاجتماعيي ، والتحكم الذي يفرضه (النواخذا) صاحب سفينة صيد اللؤلؤ على الرجال الذين يعملون على سفينته سواء كان ذلك في أعمال الصيد أم في تسيير دفة السفينة .
ومن خلال الحدث الذي يتنامى ويتصاعد في الرواية من موت صائد اللؤلؤ (مطر) بعد إصرار النوخذا على معاودة نزوله الماء مرة أخرى ، ومحاولة الرجال المستميتة إقناع النوخذا بالاكتفاء بهذا الصيد الثمين ، مروراً بهذه الأم التي تدفعُ صغيرَها ليعمل في الغوص بدلاً من أبيه المكبل بديون النوخذا ، وكان البحر انتزع صياداً ماهراً للؤلؤ بعد رحلة حياتية شاقة ، فدفع له البر المتمثل في هذه الأم بالبدل (الصغير) ليجدد دم هذا العالم المتميز ، عالم الغوص العجيب المثير . ويصور الروائي عبدالله خليفة إصرار الأم على عمل إبنها في عالم الغوص ، غير مبالية بنظرات الرجال النهمة ، وبالمصير المجهول الذي ينتظر إبنها :
(( فزعَ الصغير ، قام وعاد إلى مكانه . جاءت أمهُ وهي تجره وراءها . دخلت عليه في المجلس بين الرجال . ماذا تريد هذه المرأة ؟ ، تطلعوا إليها وإلى الصغير الذي اختفى وراء عباءتها . إن وجهها لم يزلْ جميلاً . وهذه عيناها وراء البرقع تنبئ بذلك . لم تزل تملك بعضَ الموارد حتى وزوجها مشلول)).
وتبدأ رحلة الصيد والغوص وسط العواصف والأنواء والأمواج ، ويصور الكاتب معاناة الرجال وصراعهم ضد الطبيعة الثائرة . وكذا هذا الصراع للنوخذا وحرصه على لآلئه التي استخرجها من البحر . إنه لا يخاف الطبيعة بقدر ما يخاف ثورة البحارة عليه ، إنه لا يخاف هذه الأمواج التي تعلو كالجبال ، كما يخاف رجاله الذين يستغلهم أبشع استغلال ، ويعرض حياتهم للخطر والموت في سبيل لآلئه المزعومة :
((بحثَ عن حزامه ، ها هو ذا ، سكب السائل البلوري على قطعة مخنل ، تشعُ هذه اللآلئ كالنجوم . أدخلها في جيب منه . أحكم إغلاقه جيداً . بحث عن خنجرهِ فوجدهُ تحت وسادته . لأستعدَ جيداً . هؤلاء البحارة مستريحون في فقرهم ونومهم وموتهم . وأنا عليَّ أن أواجههم في يقظتهم وغضبهم )).
وفي خضم هذه العواصف يفقد النوخذا الطفل الذي دفعته أمه إلى البحر ليتعلم فنونَ الغوص بدلاً من أبيه . لقد ارتطمتْ السفينة بصخرةٍ كبيرة . ولكنها الحقيقة اصطدمتْ بالواقع الأليم ، وبدأ الرجالُ رحلة المعاناة مع الطبيعة والصحراء والماء واللآلئ والموت :
((أين الرجال ؟ إنهم قطعٌ خشبية تطفو في محيطٍ صاخبٍ ضار فهل تستطيع إمساك جذوره ؟ أين الرجال وهم ينهارون في قبضة العملا ويتفتتون كرملٍ يابس ؟ تقدم إذا بغيت الهلاك . أين الرجال وهم يبحثون عن جحور يختبئون فيها ؟ الدفة قطعة خشب كعصا معلم أعمى . الرجالُ والدفة والظلام والظلام واللآلئ والموت بانفجار الرأس والمراقبة طوال النهار ، والركض حيث تولد اللؤلؤة ، والسياط على ظهور الرجال ، والدم الذي يتسربُ واهناً . . نقطة نقطة . وأكوام المحار . أين الرجال وأحلام الآلات والدخان والحدائق . تعال الآن ليخرس هذا الفم إلى الأبد ، تعالْ لتزرع عظامك فوق هذه الصخرة الشيطانية)).
وتتحطم السفينة ولكن النوخذا يحتفظ بحزام اللآلئ وينتظر على الشاطئ المهجور بينما أخذ الرجالُ في التنقيب عن الماء والطعام والأسماك الصغيرة في البحر . فالماء يأت من نبع في البحر . وهذه إحدى خصائص البحرين الفريدة . وأحصى النوخذا خسائر الرحلة في الرجال فجاءت ثلاثة ومن بينهم الصبي . وقبعوا على رمال الشاطئ المهجور ينتظرون النجدة ويحتمون من البرد .
وتجوسُ كلمات الكاتب لتغترف من باطن الشخصيات حكاياتهم وأوشاقهم للأهل والزوجات.
ثم يعارك الرجالُ الصحراءََ برمالها وشمسها عملاً على الوصول إلى ميناء ينقذهم من الهلاك جوعاً في هذا الشاطئ المقفر بقيادة الربان أو النوخذا الجديد من زملائهم الذي يعمل اللآلئ والنقود(؟)

كتب: شوقي بدر يوسف

ناقد ادبي من مصر

عبـــــــدالله  خلــــــــيفة  روائياً