
- عنوان الكتاب: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية (أربعة أجزاء)
- المؤلف: عبدالله خليفة
- دار النشر: وكالة كنزي للنشر (طبعة حديثة، القاهرة)
- حقل الاشتغال: تاريخ الأفكار، علم الاجتماع المعرفي، الفلسفة العربية الإسلامية
1. في إبستمولوجيا التأسيس والمنهج: الفكرة كصراع أرضي
يُمثّل إعادة إصدار مؤلف “الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية” للمفكر والروائي البحريني الراحل عبد الله خليفة، حدثاً معرفياً استثنائياً في سياق مراجعة التراث الفكري العربي وتفكيكه. لا يقدم هذا السفر الموسوعي قراءة تاريخية سردية تقليدية تعتمد النقل والوصف المدرسي، بل يؤسس لمنعطف إبستمولوجي حاسيم في حقل تاريخ الأفكار وعلم الاجتماع المعرفي، عبر تبني مقاربة جدلية-مادية صارمة.
ينطلق عبد الله خليفة من فرضية مؤسسة مفادها: أن الأفكار والمنظومات الفلسفية ليست كائنات مفارقة تعيش في فراغ تجريدي، بل هي التعبير الرمزي والإيديولوجي عن صراعات الأرض، ومصالح الطبقات، وتحولات أنماط الإنتاج. بناءً على هذا المرتكز، يتجاوز الكتاب النظر إلى الفلسفة باعتبارها “ترفاً ذهنياً”، ليعيد توطينها داخل شروطها التاريخية والاجتماعية والسياسية الحاضنة لها.
2. التشريح التاريخي وبنية الوعي: مسار الأجزاء الأربعة
عبر أربعة أجزاء متكاملة تعاقبياً، يشتغل المؤلف بمشرط التحليل المادي لتفكيك بنية الوعي والعقل العربي الإسلامي، متتبعاً أربعة مستويات تاريخية مفصلية:
أولاً: التأسيس الأنطولوجي والأسطوري (الجزء الأول):
يغوص المؤلف في الطبقات العميقة للذاكرة الشرقية الأولى (بلاد الرافدين، وادي النيل، والجزيرة العربية)، ليحلل كيفية انبثاق الوعي الروحي والأسطوري كاستجابة مباشرة لتحولات البنيات الاقتصادية الأولى كالزراعة والري والرعي. يرصد هذا الجزء ببراعة لحظة “تخارج” الإله والملك، مفسراً صعود الأنساق الفوقية كإنعكاس لتشكل البنيات الطبقية الأولى وسلطة الدولة المركزية.
ثانياً: التبلور الإمبراطوري والاشتباك العقلي (الجزء الثاني):
ينتقل التحليل إلى الفضاء العباسي، حيث تصادمت ثقافة البادية بالمنظومات الإمبراطورية العريقة. ويفحص المؤلف أثر حركة الترجمة والمثاقفة، مقدماً قراءة نقدية لمشروع الكندي الفلسفي، وتجليات العقلانية الكلامية عند المعتزلة (إشكالية العدل والحرية). يرى خليفة في هذه المعارك السجالية تعبيراً غير مباشر عن صراعات القوى والمراكز الاجتماعية الناشئة في قلب الدولة الإمبراطورية.
ثالثاً: التشظي الإبستمولوجي والتأويل الباطني (الجزء الثالث):
يواكب هذا الجزء أزمة الوعي إبان تفكك المركزيات السياسية الكبرى وتشرذم الخلافة. ويرصد انزياح العقل من صرامة البرهان الفلسفي الظاهري إلى رحاب التأويل الباطني، والتصوف، والإشراق. وفي هذا السياق، يخضع إسهامات عمالقة الفلسفة (من الفارابي وابن سينا إلى الغزالي وابن رشد) للتحليل، باعتبارها محاولات لاستنطاق أزمات العصر وتصدعات الهوية السياسية والاجتماعية.
رابعاً: أزمة الحداثة والنهضة المعاصرة (الجزء الرابع):
يمثل المحطة النقدية الأشد خطورة، حيث يفحص أزمة العقل العربي الحديث ويفكك طروحات النهضة والإصلاح (الأفغاني، الكواكبي، محمد عبده)، مروراً بالنزعات التجديدية والنقد الديكارتي عند طه حسين، وصولاً إلى سجالات الفكر المعاصر (القومي، الماركسي، الوجودي). يقدم خليفة هنا نقداً جذرياً لكيفية تحول “المثالية” في الفكر العربي الحديث إلى ملاذ تعويضي وخطاب بديل يُخفي وراءه العجز عن الفعل التاريخي والسياسي الفعلي على أرض الواقع.
3. أفق المقارنة الإبستمولوجية: خليفة، مروة، وتيزيني (صراع المنهج داخل العباءة المادية)
لا تكتمل القراءة النقدية لمشروع عبد الله خليفة إلا بوضعه في سياقه المعرفي المقارن مع المشروعين الأبرز في قراءة التراث بالمادية الجدلية: حسين مروة (النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية)، والطيب تيزيني (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط).
يشترك الثلاثة في توظيف الأدوات المادية، لكن خليفة يفترق عنهم جذرياً في “المصب المعرفي” والهدف الإيديولوجي:
| وجه المقارنة | حسين مروة | الطيب تيزيني | عبد الله خليفة |
|---|---|---|---|
| موضوع البحث والتركيز | النزعات المادية الحاضرة في الفلسفة وعلم الكلام (البحث عن الجذور التقدمية). | الفكر العربي في العصر الوسيط كحلقة تطورية متصلة بالعمق الحضاري والشرق أداتي. | الاتجاهات المثالية وكيفية هيمنتها وتوظيفها السياسي والاجتماعي لحجب الواقع. |
| الهدف الأيديولوجي | الشرعنة والإنقاذ: إيجاد “جذور تراثية” للفكر التقدمي والاشتراكي لشرعنته حديثاً. | التأصيل المعرفي: إثبات انخراط العقل العربي في التاريخ العالمي لتطور المادة. | التفكيك الجذري: تعرية “الوعي الزائف” وبيان عجز الفلسفات الدينية عن التغيير البنيوي. |
| طبيعة المعالجة | مهادنة وتوفيقية؛ محاولة “إنقاذ” الفلاسفة والمتكلمين بإبراز نزعاتهم المادية المبطنة. | أكاديمية صارمة ترصد التعاقب الصاعد الحتمي لتطور المنظومات المعرفية. | نقدية تفكيكية جريئة؛ ترى أن الأنساق المثالية تقف حائلاً دون الفعل التحرري. |
تجليات الافتراق المنهجي:
- القطيعة مع “التنقيب التوفيقي”:
بينما انهمك حسين مروة في التنقيب المضني عن “البذور المادية والعلمية” داخل نصوص المعتزلة والمشائين لإثبات وجود فكر مضاد للغيب (وهو ما نقده خليفة ضمنياً برؤيته أن الوعي السائد كان يبتلع الاستثناءات دائماً)، لم يشغل خليفة نفسه بـ”إنقاذ” التراث؛ بل اتجه مباشرة لتشريح بنية المثالية نفسها بوصفها أداة هيمنة. - نقد الخطاب التعويضي للنهضة:
في حين نظر تيزيني ومروة إلى أقطاب “النهضة” (الأفغاني ومحمد عبده) كحلقات جنينية للوعي التقدمي، يخضعهم خليفة (في الجزء الرابع) لنقد تاريخاني صارم، مبيناً أن استدعاءهم للأنساق المثالية كان نكوصاً ذهنياً وتعويضاً عجزياً عن قيادة تغيير مادي حقيقي. - حساسية الذات الروائية:
تتبدى فرادة خليفة في نمط المعالجة؛ فبينما يغرق تيزيني في لغة اصطلاحية جافة، يستفيد خليفة من أدواته كروائي لسبر أغوار “الاغتراب الروحي” (كأزمة الغزالي أو شطحات الصوفية)، مفككاً إياها كمعادلات تعكس أزمة الذات المطحونة تحت وطأة تصدع الإمبراطوريات.
4. الخاتمة النقدية: الراهنية والإنعتاق
تتكامل في هذا العمل عبقرية عبدالله خليفة “الروائي” الحساس لتحولات الوجدان، مع صرامة “المفكر المادي” الذي يفكك المقولات بموضوعية. وتكمن القيمة الكبرى لهذا السفر الموسوعي – الذي أخرجه بحنو تحريري رفيع الأستاذ عيسى خليفة البوفلاسة .
إن الكتاب يضعنا أمام مرآة كاشفة لواقعنا المعاصر؛ فالهروب المستمر نحو المطلقات والمثاليات والأنساق التجريدية ليس سوى إعادة إنتاج للآليات التعويضية القديمة التي تحجب التناقضات الواقعية للبنى التحتية. في المحصلة، يظل مؤلف عبد الله خليفة وثيقة إبستمولوجية بالغة الأهمية، تحفز العقل العربي على الانعتاق من أسر “الوعي الزائف”، وتدعوه إلى مواجهة شجاعة مع شروطه التاريخية والمادية كشرط أول ووحيد لصناعة نهضة حقيقية تنطلق من تراب الواقع لا من سديم التجريد.
اكتشاف المزيد من عبـــــــدالله خلــــــــيفة : كاتب وروائي
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
