الرأسمالية الحكومية في أمريكا اللاتينية

كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة

فصل: الرأسمالية الحكومية في أمريكا اللاتينية من كتاب : رأس المال الحكومي الشرقي: وهي قراءة جديدة للماركسية، تبحثُ أسلوبَ الإنتاجِ الراهن في الشرق عبر نظرة مختلفة، الصادر سنة 2016.

تجربة كوبا

تداخل النضال من أجل التحرر الوطني بالنموذج الاشتراكي في كوبا تداخلاً شديداً، فلم يكن التخلص من الدكتاتورية السياسية السابقة يهدف فقط لمجتمع ليبرالي متحرر من السيطرة الأجنبية ومن حكم العسكر والإقطاع. كانت تحمل نموذجاً مبهماً ومضموناً راح ينمو بشكل عسير ومتحول وعنيف.

فكوبا تقع على بعد خطوات من أكبر دولة مهيمنة في العالم، وراحت تتحداها وتشكلُ نموذجاً مغايراً صلباً وذا حماسة ثورية فائقة!
وعلى الرغم من التغييرات الاجتماعية الثورية التي قامت القيادة الكوبية والمؤامرات الأمريكية الخارجية المستعينة باللاجئين إلا أن الحكم لم يتزعزع.
ثم أضيف إلى هذه التدخلات العسكرية تبدل المنظومة (الاشتراكية) وسيرها نحو خطوات تحولية مغايرة، أطلقت التعددية الحزبية والصحافة الحرة وحكم البرلمانات وكوبا رفضت ذلك كله!
وكان غياب الاتحاد السوفيتي سنة 1990 يعني على المستوى الكوبي زوال مساعدة تبلغ عدة مليارات من الدولارات تـُعطى سنوياً لجزيرة (المقاومة والحرية) كما يُطلق عليها!
ولكن غياب هذه المساعدات وتبدل التجارة الجيدة مع سوق الكوميكون (سوق الدول الاشتراكية) لم يقد كذلك إلى زوال حكم الحزب الشيوعي الكوبي ولا إلى انفجار اجتماعي كاسح من الشعب، رغم أن أزمة البلد الاقتصادية بدءً من أولائل التسعينيات كانت قوية مشهودة في المرئيات الإعلامية العالمية بصور الهاربين في القوارب والغارقين في المحيط والواصلين بعسر إلى شواطئ الدولة العدوة من جزيرة الحرية!
تعود صلابة الحكم في كوبا إلى قيامه بإجراءات اجتماعية جذرية، فقد سلم الأراضي الزراعية للفلاحين، وسلم المصانع والمتاجر للعمال، وصار هؤلاء المنتجون مالكين حقيقيين لقوى الإنتاج الرئيسية، ومسئولين عن منجزاتهم، وأي عودة للمنفيين الكوبيين يعني إستعادة هذه الأملاك، وبالتالي إحداث إضطراب مخيف. فجعل الحكم هذه الجماهير على مدى عقود الستينيات والسبعينيات والثمانينيات مالكة ومسئولة ومعسكرة بمليشياتها وجيشها ضد أي تدخل أجنبي.
بل هي كانت تقدم خدماتها العسكرية عبر القارات وخاصة في أفريقيا وتساهم في دحر قوى معادية للثورات الوطنية فيها.
هذه الأحزمة الاقتصادية والسياسية والعسكرية مربوطة بأدلجة كفاحية مضحية زاهدة تجعل هذه الجماهير في حالة إستنفار دائم.
هذا الصمود الأسطوري تشكل على مدى العقود بلافتة النظام الاشتراكي، وهي لافتة تشيرُ إلى سير المجتمع الحتمي نحو زوال الطبقات والملكية الخاصة وأجهزة الحكم القسرية وما إلى ذلك من مصطلحات الرؤية (الماركسية – اللينينية) التبشيرية بتحقيق الاشتراكية بدون أدوات الرأسمالية.
إن هذه الرؤية الملتحمة بين الحرية الوطنية والإجراءات الاجتماعية التأميمة والإصلاحية الزراعية، غدت هي فكر الدولة ووجودها، وحياة الناس، وأي استعادة للأرض مثلاً من قبل المالكين القدامى من بين أصحابها المالكين الجدد يعني الحرب الأهلية، وسواء جاء الملاكون القدامى عبر التدخل الأجنبي أم عبر صناديق الاقتراع فإن الأمر واحد.
وتحولت هذه الرؤية والمصالح الشعبية إلى دولة لاتقبل برؤية أخرى وهي على خندق المجابهة المستمرة، فصارت الدولة هي دولة الرأسمالية الحكومية الوطنية، ولكن بعد لم يتحول موظفو الدولة إلى المالك الحقيقي، ويبعدوا الناس عن الفيء العام كما نقول بلغة الفقه الإسلامي.
وهذا الفيء صار تعليماً وعلاجاً مجانين في كل الظروف والمراحل، وهو أمر أدى إلى مزيد من التلاحم بين هذا الشعب الفقير الذي توزع عليه الخيرات العامة المحدودة بشكل متقارب، ولكن هذا لا يعني أن الوزارات لم تبدأ بالانفصال عن الجمهور، وأن الفساد لم يظهر.
ولكن تلك الرؤية المشار إليها سابقاً تصدعت في مركز إنتاجها في روسيا، وأنعكس ذلك ليس بشكل فكري فقط بل بشكل مالي حاد أيضاً، وتلك العقود المحمية بمساعدة الرفيق الأكبر انتهت، والأزمة الاقتصادية وصلت إلى كوبا بعنف.
وفي العقود السابقة وضعتْ كوبا أسسَ قاعدتها الاقتصادية، وتخصصت في إنتاج سكرها ومعدن النيكل والتكنولوجيا الحيوية والصناعة الطبية الالكترونية. وهي كلها لا توفر تطوراً واستقراراً أقتصاديين، ولهذا تنامى العجز وزادت مشكلات الفقر.
فـُطرحت أسئلة كبيرة على التجربة ومدى صحتها، وكيفية تجاوز مشكلاتها، وهل يتم التوجه نحو التجربة الروسية وتحولها أم تستمر كوبا على نفس النظام بدون تغيير أم يحدث الخيار الثالث وهو الخيار الذي أتبعته تجارب مثل فيتنام والصين؟ فكان الاتفاق على الخيار الثالث الذي يواصل تجربة مقاومة الجار الثقيل، وقد طرح سياسيو كوبا ومفكروها آراءً تؤدلج رأسمالية الدولة الوطنية هذه وتقول بأن الماركسية المتبعة لديها ليست جامدة بل تتطور عبر أزمات الواقع وتبدلاته، دون أن تلغي الأساس الاقتصادي الذي صار الهيكل العظمي للدولة، بل تحسنه لمزيد من الانجاز، كما أن الأساس الفكري للحكم وهو الاشتراكية سيظل متبعاً، وأن تفاوت الثروة المتصاعد لن يلغي هدف المجتمع لإزالة الطبقات، وبالتالي لن يسمح للقوى البرجوازية الصاعدة عبر هذه الإصلاحات في الوصول للسلطة. لكن كيف يتم زوال هذه القوى الجديدة المطلوبة اقتصادياً؟ وإلى أين ستوجه نموها؟ وهل سيبقى البلد بعد هذا بلد الحزب الواحد؟ وهل لن يحدث تداخل وتحالف بين القوى البيروقراطية المتحكمة في الأجهزة ومنافعها وبين هذه القوى المالية الجديدة؟
عموماً انطوت صفحة معينة من تاريخ كوبا وانفتحت صفحة جديدة ودخلت الرأسمالية الخاصة للاقتصاد المُسمى إشتراكياً.
ظهرت تغييرات كبيرة في الاقتصاد الكوبي بعد سنوات طويلة من تحكم الدولة في الهيكل الاقتصادي العام. فقد جرت إجراءات مالية واجتماعية كثيرة:
(شملت هذه الاجراءات فتح الباب امام الاستثمارات الاجنبية وتوسيع الشركات ذات الملكية المشتركة (بين الحكومة الكوبية والشركات والاستثمارت الاجنبية) وانتقال هذه من قطاع التصدير والاستيراد الى قطاع التمويل الاستثماري والقطاعات المحلية في الاقتصاد الكوبي. وقد أدت الازمة الاقتصادية الى التعجيل في علمية الاصلاع الاقتصادي الذي شمل العناصر التالية:
على مستوى التجارة الخارجية:

انفتاح متزايد على رأس المال الاجنبي وازدياد عدد الاستثمارات المشتركة بين الحكومة الكوبية والشركات الاجنبية وتنشيط الاستثمارات الاجنبية (السياحة الدولية، صناعة الادوية، تطوير البيوتكنولوجيا، انعاش انتاج السكر). وقد لاقت هذه الاجراءات نجاحات كبيرة في معالجة الازمة والتصدي لآثارها المدمرة على المستوى الداخلي، كما شكلت محاولة منتظمة ومثابرة في انعاش الاقتصاد الكوبي وادخاله الى السوق العالمية.

ازالة احتكار الدولة للتجارة الخارجية

السماح بتداول العملات الاجنبية وتحديداً الدولار الاميركي وافتتاح المزيد من مكاتب صرف العملات الاجنبية تحدد سعر صرف هذه العملات على أساس العرض والطلب. وقد صُرّح للمشاريع الخاصة بالتداول بالدولار وتمويل ذاتها مقابل تحويل جزء من دخلها (بالدولار) الى خزينة الدولة. وتشكل الدولارات التي يرسلها المغتربون الكوبيون في الولايات المتحدة الى ذويهم في كوبا الجزء الاكبر من الدولارات التي غزت السوق الكوبية. إضافة الى ذلك، فقد سمحت الاتفاقيات التي عقدتها الحكومة الكوبية مع الشركات الاجنبية العاملة في كوبا، ان تدفع جزءا من رواتب الموظفين الكوبيين العاملين في هذه الشركات بالدولار.

تعديلات في الهيكلية التنظيمية للدولة من اجل ضبط العلاقة في التعامل مع الشركات الثنائية والاستثمارات الاجنبية

التعديلات القانونية التي صاحبت هذه التطورات الاقتصادية والتي كان من اهمها التعديل الدستوري في يوليو 1992 والذي اعاد تعريف “الملكية الاشتراكية”، والاقرار بظهور شكل جديد من الملكية، وتحديد الملكية وتغييرات اخرى داخل نظام التخطيط الاقتصادي.)،(17).
هذه عينة من التحولات الاقتصادية الصناعية والمالية خاصة التي جرت في كوبا، وهناك إجراءات في الزراعة التي تمثل جذور التجربة، فقد تم إلغاء سيطرة الدولة على الأرض، وهذا يعني إن ملكيات الفلاحين التي كانت شكلية أصبحت بيدهم فعلياً وقانونياً كذلك، كما عملت الحكومة على تشجيع التعاونيات الزراعية وهي إجراءات تشير إلى خوف الدولة من تنامي الفئات البرجوازية في الريف، بعد جعل تطور الملكية الخاصة قانونياً وفي وسيلة إنتاج مهمة وكبرى في الجزيرة.
إن الدولة الاشتراكية المفترضة هنا تقوم بتغذية نمو الطبقات المختلفة، فهذا سوف يقوم بخلق إزدهار للفئات الوسطى، ويوسع أعمالها، وتستفيد الحكومة من ذلك عبر الضرائب المستحدثة، وتنامي خزينتها، وقد عمقت ذلك أيضاً عبر إعطاء إستقلالية للمؤسساتها الاقتصادية، التي غدت حرة، وتتعامل مع السوق بشكل مباشر، وتنمي ماليتها المستقلة، وهو أمرٌ سيؤدي إلى تطوير الإنتاج والتقنية.
ولا تنعدم في مثل هذا الاقتصاد الخاص المتنامي حالات الفساد والتداخل بين الرأسمالين الحكومي والخاص، في ظل تنامي العمليات الاقتصادية المختلفة.
وبهذا يتشكلُ مساران اقتصاديان مختلفان، متضادان كذلك، ودرجة التضاد وعمقها تعتمد على إدارة الدولة، وهو شأن تقوم به وزارة التخطيط، وبهذا تكون تكونات الفئات الوسطى المالكة محسوبة، ومستثمرة من أجل تطوير القطاع العام.
لكن هذا يعتمد على الرقابة الشعبية والحرة، وهو أمر لا يتشكل في مجتمع بلا صحافة حرة وبلا إنتخابات وبرلمان حر، ومن هنا فإن العكس قد يكون هو المتواجد والمستمر، أي أن يقوم القطاع العام بتسريب أمواله إلى القطاع الخاص، وحين يصل القطاع الخاص إلى قوة كبرى فإنه يعيد تشكيل التجربة لصالحه.
(حقق الاقتصاد الكوبي في الفترة الواقعة بين العام 1994 و1999 معدل نمو سنوي يساوي 4.5 % . وفي العام 1995 كان النمو 6.2 %. وفي العام 2000 وصل النمو الاقتصادي إلى 5.6 %. وفي عام 2001 وصل إلى 3%، ولم ينم الاقتصاد أكثر من ذلك حتى الآن)،(18).
يشير هذا إلى نمو بطيء ومهم وإلى توقف عن التطور اخيراً، فسيطرة الدولة وحجم الاقتصاد ومواده لا تسمح بأكثر من ذلك، وظلت الخدمات الصحية أفضل خدمات صحية على مستوى العالم، وأكبر عدد من الأطباء قياساً للسكان. ولكن بدأت المجانية الكلية تختفي، وبدأت رسوم على بعض الخدمات.
إن شعارات مختلفة تنمو في المجتمع الكوبي، فالشعارات الاشتراكية ومؤسساتها تخبو، والشعارات الرأسمالية تتصاعد، ولكن نموذج رأسمالية الدولة الوطنية أنتصر ليس على مستوى كوبا بل على مستوى أمريكا اللاتينية التي بدأت بعض بلدانها بإصلاحات عميقة دون أن تتحول الدولة إلى دكتاتور كما في كوبا، وهو ما يشير كذلك إلى أن القارة اللاتينية سوف تصبح سوقاً موحدة ذات خصائص متقاربة، مستقلة عن الهيمنة الأمريكية الشمالية، وسوف تتغلغل الحريات السياسية والفكرية في كوبا أيضاً، ويتشكل نظام جديد مرتكز كذلك على الماضي الثوري.

بقية تجارب رأسماليات الدول في أمريكا اللاتينية

عبر صعود اليسار في أمريكا اللاتينية وإستلام العديد من الأحزاب القومية الاشتراكية واليسارية الديمقراطية عن تنامي حركة التحرر الوطني والتوحد والإصلاحات الاجتماعية في هذه القارة، وهي كلها معانٍ متداخلة معبرة عن تبدلات في هذه القارة.

فمنذ الانفصال عن الاستعمارين الأسباني والبرتغالي والقارة في عملية ديناميكية لإزالة التكوين الإقطاعي الشديد التخلف والجمود، خاصة في ملكية الأرض، ثم واجهت ككل وبصور مختلفة هيمنة الحكومات الأمريكية الشمالية، التي كرست حكم القوى الإقطاعية والكمبرادور وخصصت القارة لإنتاج المواد الخام، وظهرت في خلال ذلك فئاتٌ وسطى واسعة، راحت تطرح رؤى ليبرالية ويسارية عديدة بهدف التغيير الاجتماعي الذي تحقق بأشكالٍ بطيئة ومتضادة، وظهرت تجاربٌ قومية تحررية على أساسٍ استبدادي غالباً وكانت هي أقوى التجارب وما زالت تتمظهرُ حتى في حكومات اليسار الأخيرة.
عبرتْ هذه المضامينُ الاجتماعية القلقة المتتالية عن هواجس مشتركة لدى (اللاتين) في الاستقلال عن هيمنة القارات الأخرى، وعن تكوين قارة متحررة ذات سمات قومية متقاربة، يجذرُ ذلك الأصولُ العرقية التي يؤسسها الهنودُ الحمر المنتشرة في القارة، والأصول القرابية الاستعمارية لشبه الجزيرة الأيبرية، (الأسبانية – البرتغالية)، وهو ما يؤدي إلى إنشطار اجتماعي بين الفلاحين الهنود والأرقاء السابقين، والأقليات البيضاء، التي تشكل غالبية الفئات الوسطى والحكام غالباً، وما يؤسس ذلك الوحدات الوطنية لدى كل شعب، وبمدى تغلغله في عملية الثورة الديمقراطية وحدوث الإصلاحات في الريف وتطور العمال في المدن، وتنامي الصناعات التحويلية غالباً، وهي كلها أمور تخلق تنام للوعي السياسي الديمقراطي.
لم تستطع أمريكا اللاتينية أن تخلق تجربة (إشتراكية) على غرار روسيا والصين، الدولتين الكبريين، تعيد تشكيل التخلف بصور قاسية وسريعة، إلا في كوبا التي عجزت عن ذلك بسبب صغرها وضعف مواردها الاقتصادية وقلت قواها السكانية، وكونها جزيرة مفصولة عن بحر القارة الواسع.
ومن هنا كانت كوبا تمثل هاجساً سياسياً لكل أمريكا اللاتينية وتحريضاً مستمراً على القفزة الاشتراكية المنتظرة وعلى التحرر الناجز والعداء المطلق للولايات المتحدة الأمريكية.
ومن هنا ظهر الرافدان الأساسيان لحركة التغيير في العقد الأخيرمن القرن الماضي وتصاعد حضورهما في بداية هذا القرن، وجاءا من مصادر فكرية واجتماعية متداخلة مركبة معقدة بطبيعة هذه القارة.
كانت التأسيس اليساري القومي الشمولي من الحركات الأولى في القرن الماضي زمن الخمسينيات، وخاصة الحركة (البيرونية)، التي قامت بخلق تغييرات اجتماعية نقلت البلدان اللاتينية درجة جديدة من الصراع الاجتماعي وغدت نسخة مطبقة في بلدان عدة؛ حيث قامت حكومات لاتينية متعددة بتأميم بعض مصادر الإنتاج الرئيسية، ووزعت بعض دخولها على الجمهور الأكثر فقراً، وخلقت بهذا شعبية حماسية للتغيير.
وتمثل هذه الحركات (الاشتراكية) العسكرية والحكومية بداية لصعود رأسمالية الدولة الوطنية، مرتكزة على قيادات قادمة من الطبقات القديمة المسيطرة وتنحو باتجاه تحويل اجتماعي نهضوي يفكك العلاقات الإقطاعية المتحكمة في النسيج الاقتصادي خاصة، ويدعم هذه السياسة العاملون اليدويون والفلاحون بدرجة خاصة، ومن ثم فهي حركات لا تعتمد على تطور عميق في قوى الإنتاج، مما يقود إلى عجوزات مالية وأرتفاع للأسعار وهبوط للأجور، وبالتالي لا تجد هذه الحكومات العسكرية الشمولية، ذات الجمل الثورية الحماسية، آفاقاً كبيرة للتطور، وتسقط بانقلابات مضادة، ويستولي على الحكم ممثلو الطبقات القديمة وممثلو الفئات الوسطى الموالون لهم. وتنتشر في القارة معادة اليسار والشيوعية وتتوسع هيمنة الولايات المتحدة وتكرس الأنظمة الموالية لها، ويصبح اليسار محاصراً في(كوبا) أو مُسقطاً بشكل دموي في (تشيلي) أو مُطارداً يعمل على حروب العصابات في الغابات الكثيفة بكل مآسيها وكوارثها وإنتصاراتها النادرة.
ومع سقوط الاتحاد السوفيتي بدأت التيارات اليسارية بالأزدهار، فقد سقطت مسألة المعسكرات الدولية المتصارعة، ولم يعد الجمود الاقتصادي والإقطاع الرث بمقبول حتى على المستوى الأمريكي عامة، كما أن التيارات اليسارية خلال العقود السابقة كانت قد أنتشرت في مراكز العمل والإنتاج، وغدت ذات جماهيرية في مناطق الفقر والهنود، كما توسعت الحريات السياسية التي ساعدت هذه القوى على الأنتشار بصورة أكبر، مع تخلي الكثير منها عن أفكارها القديمة؛ أفكار حرب العصابات، و(الماركسية – اللينينية) ورؤى الدولة الشمولية وبدأ إنتاج فكر ماركسي ديمقراطي يستحضر تجارب أوربا الشرقية والرؤى الديمقراطية الإنسانية الغربية خاصة تجارب الاشتراكية الديمقراطية.
لكن مستوى هذا التمثل مختلف، فقد أبرزت تجارب صعود اليسار الرافدين سابقي الذكر، في مؤسسات الحكم، وعكست نهجين مختلفين في إدارة الاقتصاد وفي العلاقة مع الجمهور وفي تشكيل علاقة دولية ولاتينية.
يعبر مصطلحُ (اللاتين) عموماً عن الجذور الدينية الكاثوليكية، وهو أمرٌ يشيرُ للسيرورة التاريخية المغايرة لأمريكا الشمالية، حيث هناك قاد البروستانت الأنكليز والهولنديين والألمان تكوين القارة، فصعّدوا العلاقات الرأسمالية بقوة، خاصة إنها ليست ذات إرث إقطاعي، وغدت موحدة كذلك، في حين حمل اللاتين تراثاً ضخماً من الإقطاع، في قارةٍ مفككة، لم يذبحوا فيها الهنودَ كما فعلوا في الشمال، وهذه الأنسنة والمعاداة للرأسمالية وتحول الشمال إلى مسيطر ومشكل للرأسمالية، وهياج الوحدة القومية – الأممية اللاتينية، حملَ أرثاً (يسارياً) راح يتمظهرُ في كل مرحلة بأشكال.
عبّر الرافدان السياسيان المهيمنان على حكومات أمريكا اللاتينية اليسارية عن عقليتين مختلفتين، عن يسار قديم لم يتشرب الوعي الديمقراطي، وتيار آخر بدأ يدرك نسبية اليسار ومرحلية حكمه، وموقعه في تنشيط العمليات الاقتصادية الرأسمالية والدفاع كذلك عن مصالح الأغلبية الشعبية.
هذه الجدلية في تكوين هذا اليسار الجديد الحاكم لا تعني انتفاء النواقص، ولا التناقضات الاجتماعية، بين أن يكون حاكما وينشط علاقات إنتاج رأسمالية ويدعم قطاعاً عاماً ويعمل على زيادة الإنتاجية، بدلاً من نثر النقود والمعونات على الفقراء، وهو أمرٌ يثير اقصى اليسار، ويعتبره خيانة فيشكلُ يساراً مصارعاً منافساً!
تمثلت تيارات اليسار الديمقراطي في التجارب التالية:
(حزب العمال الموحد” بزعامة (لولا)، عامل الصلب والمناضل العمالى فى البرازيل، و”الحزب الاشتراكى الديمقراطى” بزعامة ريكاردو لاجوس ثم ميشال باشليه (ناشطة حقوق الإنسان) فى تشيلى، و”الحزب الاشتراكى الديمقراطى” فى أورجواى بزعامة تابارى فازكويز (المقاتل السابق فى حركة توباكوموراس). وهذه الأحزاب تتولى مقاليد السلطة فى بلادها حالياً. كما تشهد نيكاراجوا صعوداً متسارعاً لتحالفات يسارية من هذا النوع وإن كانت مازالت فى المعارضة حتى الآن ومرشحة بقوة لتولى زمام السلطة.)،(19).
إن ظهور هذه الأحزاب الحديثة وتحولها عن اليسار القديم ونشؤها من مناضلي حرب العصابات والمثقفين الاشتراكيين الديمقراطيين وطلوعها من مواقع الإنتاج والأرياف، لم يكن بدون أفكار إشتراكية جديدة ديمقراطية، تلاقحت مع النشاط العمالي، وغدت ذات أشكال ديمقراطية في تكوين مؤسساتها السياسية المعتمدة على غياب المركزية المتصلبة، وتعددية المنابر وتكوين وحدة سياسية عملية مؤثرة في الواقع، أي أنها راحت تعمل على فكر سياسي عملي في خدمة الجمهور وفي العلاقة الديمقراطية معه، وكان وصولها للسلطة ليس إنقطاعاً عن تلك العلاقات الجماهيرية، وعبر خلق تحولات لها، لا تضربُ كذلك قوانين الاقتصاد وترعب الشركات الخاصة، وهي تقدم أيضاً تغييرات يحسها الناس في حياتهم المعيشية، بدون الأدعاءات بالقضاء على الاستغلال.
وهناك اليسار القديم المتمسك بثوابت الصراع المطلق مع الولايات المتحدة، وتكوين تحالفات ضدها، وهو يعبر عن نمط تجارب الرأسماليات الحكومية التي كان مشروعها الأول إزالة الرأسمالية وإلغاء الطبقات والاستغلال، وتجسد ذلك في كوبا، وكما رأينا في موضوع سابق، كيف تجمدت التجربة وتحولت نحو نموذج مغاير، ونضيف هنا بأن التجربة الكوبية هي في قلب تجارب النضال القديمة والجديدة في أمريكا الجنوبية، فتجارب اليسار الجديد ترفض حصارها وتقدم المعونات لها رغم إختلافها الفكري عنها، ورفضها لطريقتها السياسية، في حين أن تجارب مثل التجربة الفنزويلية بقيادة شافيز تعتبرها هي النموذج وتقدم لها مساعدات كبيرة غدت مكان المساعدات السوفيتية السابقة.
يقدم لنا أحد الصحفيين المطلعين على تجارب الصراع بين نمطي اليسار ملاحظات نارية في تصوير هذا الصراع، ويكشف المحور اليساري الصاعد وخصمه الرئيسي، فقد برزت:
(مجموعة ثلاثية جديدة من زعماء أمريكا اللاتينية ـ الرئيس الكولومبي ألفارو أوريبي، والبرازيلي لويز إناسيو لولا داسيلفا، والمكسيكي فيليبي كالديرون ـ العازمين على القضاء على أباطرة المخدرات والحركات العصابية المسببة لزعزعة الاستقرار في أمريكا اللاتينية، فضلاً عن عزل زعيم الدهماء مُـحدث النعمة، الرئيس الفنزويلي هيوغو شافيز.)،(20).
إن السياسات الداخلية المعتمدة على الحكم البرلماني النزيه والقوانين التي تدعم نمو الرأسمالين العام والخاص، وبالتالي تقوم بتطوير الدخول الوطنية، تشكل في السياسة الخارجية سياسة تعاون سلمية غير مؤدلجة وغير مواجهة، بغرض تخفيف عملية التسلح والعسكرة وتوجيه الدخول نحو التنمية بصورة أساسية. وهذه تحتاج إلى علاقات حسنة مع كافة الدول بما فيها حكومات الولايات المتحدة المختلفة.
لكن مثل هذه السياسة تقابل بالرفض من قبل حكومات وتنظيمات يسارية أخرى، لا ترى نفسها إلا في مواقع المجابهة.
هكذا فإن رئيس كولومبيا عليه أن يواجه حرب العصابات التي يقودها (ثوار ماركسيون) وتجار مخدرات، ويتعاون مع الدول الأخرى ليضع حداً لمثل هذه التجاوزات.
(لقد بات محور أوريبي – لولا – كالديرون يشكل نفوذاً جغرافياً استراتيجياً لأن الأمور بدأت في التغيير في كوبا منذ سلَّم فيدل كاسترو الرئاسة رسمياً لأخيه راؤول. وأصبحت أمريكا اللاتينية مهووسة بهذا التحول، ويبدو أن أوريبي وكالديرون ولولا عازمون على عدم ترك الزمام لشافيز)،(21).
إن محور رؤوساء الجمهوريات هؤلاء يعبر عن صعود تلك العقليات الجديدة في اليسار اللاتيني، الديمقراطية في علاقاتها بالجمهور ودرايتها بقوانين التشكيلة الرأسمالية في لحظة صعودها الواسع الراهن وتناقضاتها المعقدة في تلك القارة، بما يعزز نموها ويبدل العلاقات الإقطاعية والأبوية والعشوائية في توزيع الدخول ويحافظ على معيشة الأغلبية، ولكنه في أول الطريق، فما تلبث قوى اليمين الليبرالي أن تمسك بزمام السلطات في وقت مغاير، لكن هذه المرحلة تتوجه للصراع مع اليسار الطفولي والدكتاتوري المتلفع بالرايات القومية والمعاداة الشكلية للرأسمالية.
لعل شافيز رئيس جمهورية فنزويلا يمثل نمط اليسار القديم الفاشل في فهم العصر والتحولات والمسبب للكثير من المشكلات لبلده ولمنطقته.
هناك إحتفاء به في الصحافة العربية السائدة بسبب إهتمامها باللغة الخطابية الانفعالية والفارغة في محاربة الأمبريالية ولبقاء الأنظمة التقليدية الدكتاتورية في منطقتنا، في حين إنها لغة تسبب في فنزويلا وفي أمريكا الجنوبية المتاعب للشعوب.
فبدلاً من مساعدة القيادة الجديدة في كوبا للتخلص من نهج الاعتماد على الغير والدول الأخرى، بإعتمادها على شعبها وإجراء تغييرات عميقة في النظام تبعدها عن هذا التسول التاريخي، يصر شافيز على بقائها بهذه الصورة الجامدة، وعلى غياب الديمقراطية والتعددية وحرية الصحافة، باعتبارها أحد المراكز المناؤة لأمريكا ولهزيمتها، وهو في سبيل ذلك يهدر أموالاً كثيرة ويصّعب وضع شعبه. لكن صعوباتها ومشكلاتها الاقتصادية كبيرة:
(وفي وقت سابق من هذا العام (2008) وافق وزير خارجية المكسيك على إعادة جدولة الدين الذي بلغ 400 مليون دولار أمريكي الذي تخلفت كوبا عن سداده.)،(22).
يجري الباحث المصري عمرو عبدالرحمن، مقارنة عميقة بالأرقام بين نظامي شافيز والنظام المكسيكي بالصورة التالية:
(النظرة السريعة تشير إلى تدهور مؤشرات النمو الاقتصادى والتنمية البشرية منذ مجيئ شافيز للسلطة في 1999 بشكل متواصل. وهو ما يتضح من مقارنة تلك المؤشرات مع نظيرتها فى المكسيك، التى شهدت واحدة من أدنى معدلات النمو فى القارة خلال الفترة ذاتها. فخلال السنوات السبع الماضية نما الاقتصاد المكسيكى بمعدل إجمالى 17.5% بينما لم يحقق الاقتصاد الفنزويلى أى نمو على الإطلاق. وفى الفترة بين 1997 و2003 نما الناتج المحلى الإجمالى المكسيكى بنسبة 9.5% على مدى الفترة، بينما انكمش الاقتصاد الفنزويلى بمعدل 45%. وفى المدة بين 1998 و2005 فقد البيزو المكسيكى 16% من قيمته بينما هبطت قيمة البوليفار الفنزويلى بنسبة 292%. وبين عامى 1998 و2004 تقلص عدد الأسر المكسيكية التى تعيش فى فقر مدقع بنسبة 49% فى حين ازداد عدد الأسر التى تعيش فى فقر مدقع فى فنزويلا فى ذات الفترة بنسبة 4.5%. أما من حيث معدل التضخم، فقد قدر بـ3.3% فى المكسيك فى عام 2005 فى حين بلغ نظيره فى فنزويلا 16% فى نفس العام. ولم تمنع هذه الأزمة المالية المستحكمة شافيز من التوسع فى عقد صفقات السلاح مع كل من روسيا وأسبانيا.).
يتبلور النهجان في كون النهج اليساري الديمقراطي لا يضحى بالحريات الاقتصادية والثقافية والسياسية من أجل التنمية، بل يمزج بينهما في توليفة صعبة، تجعل الحكومات من هذا النوع معرضة لمناورات أقصى اليمين وأقصى اليسار، ومن أجل تحقيق خططها في التنمية تجعل الجمهور مشاركاً ومتحملاً المسئولية وتجعل خططها وأعمالها مكشوفة للبرلمانات والصحافة، ولكن عبر هذا يجب أن تحقق ما وعدت به الناخبين من تطور معيشي ونمو في مداخيل السكان وتقليص للبطالة.
أما حكومات اليسار القديم فهي تفرض سيطرة مغايرة على البرلمان والصحافة، وتعود جذور ذلك للبيرونية وهي النزعة السياسية القومية الشمولية والمعادية كذلك للاستعمار والمؤيدة للتأميمات على غرار التجارب العربية (القومية)، ولم يتورع بيرون عن قمع الجمهور وخاصة العمال والقيام بمجازر.
وهذه النزعة على الطريقة الكوبية لا تقبل بالمعارضات، وتقود في نهاية المطاف إلى العجز الاقتصادي لهذه الأنظمة.
(أما إيفو موراليس فى بوليفيا فهو قادم من خلفية شعبوية قحة تدافع عن زراعة نبات الكوكا السام والذى يستخدم فى إنتاج الكوكايين تحت دعوى الخصوصية الثقافية لشعب الإيمارا الهندى الأحمر!)،(23).
مثل هذه الأنظمة عرفناها في منطقتنا العربية وقادت وتقود لكوارث جمة، لكن عبر شعارات فضفاضة عن القومية ومحاربة الأمبريالية.
لكنها تقوي التبعية باستنزاف المصادر الاقتصادية على السلاح والبيروقراطيات والمساعدات غير المبررة لأنظمة وحركات أخرى إستبدادية مثلها.
تتعدد سياسات اليسار الديمقراطي الحاكم في أمريكا الجنوبية، وأغلبها لا يتصادم مع مؤسسات النقد والأمم المتحدة والشركات الكبرى ويحاول تطوير الاقتصاد وحياة الناس من خلال أدوات أخرى لا تلغي عمل الحكومات الليبرالية السابقة، على غرار سياسة لولا رئيس البرازيل:
(ومع وصوله للسلطة استطاع من خلال هذه السياسات تحقيق فائض سنوى فى الموازنة العامة بالرغم من تباطؤ معدلات نمو الاقتصاد البرازيلى. ومن جهة أخرى، استطاع حزب العمال البرازيلى انتهاج سياسات اجتماعية مبدعة مثل التمويل الاجتماعى للعائلات حسب ارتفاع مستوى تعليم أبنائها وهى المبادرات التى كان حجر الزاوية فيها إدماج مؤسسات المجتمع المدنى. المحصلة كانت قفزة نوعية فى مؤشرات التنمية الاجتماعية مثل التعليم والصحة وخلافه)،(24).
تنوع اليسار الحاكم لو تم بشكل رفاقي يكون أمراً مفيداً، لكن ذلك لا يحدث وتصر وجهات النظر الشمولية فيه على إفشال التجارب الأخرى، ومهاجمتها، مما يقوض سياسات التعاون المشتركة بينها، ويجعل توحد أمريكا الجنوبية على أساس سياسات تقدمية ديمقراطية بحاجة لعقود.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش :
(17) (مسعد عربيد، مستقبل الاشتراكية في كوبا، الحوار المتمدن).
(18):(السابق).
(19):(عمر عبدالرحمن، موقع البوصلة).
(20):( موقع الصحيفة الاقتصادية الإلكترونية).
(21):(السابق).
(22):(السابق).
(23): (موقع البوصلة).
(24) : (السابق).

أضف تعليق