كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة
*ما هي الديمقراطية؟
*الديمقراطية الحديثة وبناؤها
*الديمقراطية عملية مركبة
*الديمقراطية تحولٌ تاريخي
*معاني الديمقراطية في الشرق
*الديمقراطيةُ طريقٌ واحدٌ
*لا ديمقراطية من دون علمانية
*الإسلام دين الديمقراطية والعلمانية
ما هي الديمقراطية؟
إن مصطلحات مثل ديمقراطية وقوى ديمقراطية وطنية تحتاج إلى فحص للتأكد من سلامتها.
كلما اتسعت قدراتنا على التفكير الحر كلما زاد نقدنا، وعرضّنا مفاهيم وتورايخ قديمة للنقد، إن هذا يشكل تطوراً في التفكير الحر، ولهذا فإن مصطلحات مثل قوى ديمقراطية تجعلنا نسألُ هل تستطيع القوى الشمولية أن تكون ديمقراطية؟
نتجت القوى السياسية من إقتباس تجارب شمولية عالمية وعربية، فكيف ستأتيها الديمقراطية؟ هل الديمقراطية هي التصويت المرتب؟ وهل هي تقدر القوى الشمولية أن تطور تجربة ملتبسة بين الشمولية الحكومية وبعض الحريات؟
إذا كان يتم ترتيب التصويت لتبقى جماعة مسيطرة على الجماعة ككل، كما أن القائد بقي ثلاثين أو أربعين سنة قائداً وحين يموت يواصل أصحابه نهجه ونفخ مسيرته العظيمة، فترى السياسي العربي دائماً يحكم من قبره؟
(الديمقراطية) الشرقية الشمولية لا تريد أن تكون ديمقراطية غربية، والأحرى أن نقول أنها لا تستطيع ذلك، وهيهات وربما لقرن من الصراع والتجديد والمشكلات!
هناك طبقة وسطى كبيرة حرة، ذات مؤسسات قوية، ورأمسالية الدولة صغيرة تقتصر على المؤسسات العلمية والإشرافية، وليس أن تبتلع الأخضر واليابس كما هو الأمر لدينا. وأن تكون هناك طبقة عاملة موحدة وإنتجتها المصانع الخاصة وليس عمالاً تابعين لشركات حكومية لا تسمح لهم حتى بالدفاع عن مصالحهم الإقتصادية البسيطة.
الشروط كلها مفقودة في التجارب التي يقال أنها تتجه للديمقراطية.
والقوى السياسية تريد تشكل رأسمالية دولة تقوم هي بإدارتها.
هكذا الأمر في التجارب القومية العربية حيث نجد ذروة التجربة هي وجود حكومة شمولية مستولية على الإقتصاد.
وهكذا التجارب الإشتراكية.
إذن كيف ستظهر الديمقراطية من تكوينات كلها لم تجرب الديمقراطية؟
تنظيمات ترتعب من الأفكار الحرة ومن الحراك السياسي الحر داخلها، القواعد لا تعترض ولا تطرح قيادات من داخلها ولا تعرض تاريخ التنظيم للتحليل والدرس والنقد؟
هناك هوامش من هذه العملية في نقد الظواهر الحكومية السيئة، والمطالبة بالتغييرات فيها وفي إدارة البلد، لكن كل هذه تبقى إنتقادات قد يقبل بها وقد لا يسمع بها وقد ترفض.
ليس ثمة سلطة تشريعية قوية.
والتنظيمات لا تستطيع أن تكون مثل هذه السلطة التشريعية القوية، لأسباب التفرد الحكومي الإقتصادي بدرجة أساسية.
لكن لو قامت التنظيمات الدينية بإدارة الإقتصاد هل ستكون هناك ديمقراطية؟
ستظهر هناك قوى مهيمنة على الفوائض الإقتصادية، وستقلل الحريات الإجتماعية، وربما تقوم بقمع كبير للقوى العلمانية والملحدة والغربية المستوردة وللحياة التحديثية البسيطة التي تشكلت بعسر خلال قرن؟!
أما القوى التي تحتضن الحداثة الديمقراطية أي الطبقة الوسطى الحرة ذات المصانع والشركات المستقلة فغير موجودة بإتساع كبير، وحتى الموجود كثير منه مجرد لافتات للشركات الحكومية والرموز الحكومية؟
إذن النسيج كله شمولي مناقض للديمقراطية، والأمور تحتاج لعقود طويلة وأجيال لتؤسس ديمقراطية وطنية!
وقد تركت الحكومة الجماعات المذهبية السياسية في مقدمة المسرح السياسي، وعبر خصامها بالدرجة الأولى، وهي تدير اللعبة السياسية كلها.
وإذا تحرك التجار سوف يشتغلون لمصالحهم ولزيادة فيض العمالة الأجنبية ولرفع القيود عن التجارة وإلغاء قرارات وزارة العمل، وليس فيهم قدرات كبيرة على طرح قضايا الديمقراطية والعلمانية والتحديث!
لقد أدت السيطرات الاقتصادية الطويلة والثروات النفطية إلى بروز القوى العربية البدوية السنية في الجزيرة العربية، لتشكل نهضة تحديثية من خلال رأسماليات الدول التي تخضع للقبائل والأسر الحاكمة والتجار الكبار، والتي يمكن التخفيف من غلوائها التفردية عبر النقد وتعاون الكتل السياسية المختلفة، والتطوير التدريجي للصناعات الخاصة وما يماثلها من مؤسسات تحديثية إقتصادية ومراقبة الملكيات المسماة عامة، وتطوير الحياة الاجتماعية تدريجياً عبر هذه السنين الصبورة.
هذه هي حدود (الديمقراطية) الخليجية وغير ذلك أما إنقلابات تقود لما قادت له في الدول العربية وبتجاربها المعروفة، وأما الإرهاب.
الديمقراطية الحديثة وبناؤها
لا بدَّ من تداخل وتشابك العملية التحولية السياسية مع قوانين الديمقراطية العالمية، فتغدو الأحزاب معبرة عن فئات التجار والحرفيين والعمال والنساء، فينفصل الحزبي عن جماعته المذهبية، ويصيغ عقليته السياسية في ضوء تعبيره عن هذه الفئات وتلك، ويمكن لفئات الحرفيين والتجار والعمال أن تتقارب اجتماعيًا وسياسيًا، وهذا الانفصال ليس قطعيًا وباترًا في الديانة بل هو جزء من ثرائها، وتعبيرها عن مطالب الجماهير على مر التاريخ.
لكن هذا التعبير يأخذ شكلاً حضارياً ليس فيه مساس بالفئات السكانية الأخرى ويأخذ طابعه الإنساني كذلك.
فئات الوسطى الصغيرة يمكن أن تتقارب وتجد مشتركات بينها، والفئات الوسطى الكبيرة تجد حياتها وظروفها تدفعها للتكتل بصفة معينة.
هذه العمليات السياسية الاجتماعية ليست ضد التاريخ الديني بل هي تستقي من خبرة التاريخ العربي الإسلامي وترى التفكك الذي جرى ويجري وتتجاوزه.
إضافة إلى تداخل فئات الشعب وتبلورها سياسياً فهي تغدو مركزة على ما هو معبر عن الواقع الاقتصادي الاجتماعي، فتتلاقى فئات على صعيد الوطن والمنطقة، ولا تغدو النخبة هي المعبرة عن الحزب، وتقطع علاقاته بالفكر والاقتصاد وتجعله محدوداً غير قادر على التطور السياسي المستقبلي.
بطبيعة الحال هذه تحتاج إلى عمليات تنوير وتفكيك سياسي وإعادة بناء ويمكن أن تأخذ جذور التنظيم وتدمجها في العملية المعاصرة.
إذا لم يحدث ذلك فإن التنظيمات المكونة على أساس طائفي هي التي سوف تتغلب وتصعد عملية الصراع بين طائفتين، وتؤدي إلى الشروخ التي حدثت في بلدان أخرى.
ترتبط انتماءات الفئات السياسية الجديدة بتغيير طابع الملكية العامة التي تُحرر وتغدو ملكيات خاصة، أو مباعة على البرلمان، أو مراقبة من داخله وهو الذي يقوم بتوزيع دخولها حسب حاجات الطبقات والفئات ومدى مساهماتها في عمليات الانتاج.
هنا أشكال معينة مرتبطة بالعلمنة والتحديث والديمقراطية حيث تنصب اهتمامات الطبقات والفئات على مصالحها المادية وتبرمجها وتدافع عنها في البرلمان.
هذا يستلزم تغيير الوعي العامي السطحي ووعي المتعلمين الذين لا يتجاوزون هم كذلك هذا المستوى بسبب كسلهم الفكري وعدم تجذرهم في قضايا الفكر والفلسفة والسياسة والتاريخ ورفضهم التحليل وعيشهم على المسلوق إعلاميا والمنتهي الصلاحية.
ولا يمكن تغييره سوى بالصدام معه ونقده وكشف تناقضاته حيث يقوم العلمانيون الديمقراطيون بتحليل الشبكة الصدئة للماضي والحاضر.
في العملية الطويلة التاريخية لتحول الفئات الوسطى لطبقة وسطى وتوجيه الفوائض الكبرى نحو الصناعة وتغيير معيشة القوى المنتجة لتحدث عمليات تفكيك على صعيد المال العام والثقافة والتعليم وتغدو الوظيفة الحكومية مرحلية قصيرة مرهونة بإنجازاتها، ومساءلة من قبل الجهات التي تقود العملية التحولية التاريخية يجري صنع التحول الحقيقي.
بهذا تتوجه البلدان نحو تغيير طابع الذهنية المحافظة الملتصقة بالتراب العتيق والتي ينفصل عنها الأميون ويتدفق عليها المتعلمون والمثقفون، الذين يغادرون انتماءات (الفرجان) والأحياء الضيقة وينتمون إلى أوطان وتجديد مبانيها.
الديمقراطية عملية مركبة
الديمقراطية عملية مركبة معقدة في تاريخ الشرق بل وفي العالم كله، ولكن منطقتنا إختصت بتعقيد طويل للظاهرة حتى بلغت مجموعة من القرون.
حين جاء السيد محمد علي الطباطبائي إلى طهران سنة 1894 ألح على إقامة دستور وتأليف مجلس شورى شعبي، ويقول(كنتُ أذكر هذين الأمرين على المنبر، وكان الشاه ناصر الدين يشتكي مني، ويبعث لي بالرسائل التي تقول بأن إيران غير مستعدة للدستور لحد الآن. لقد كنتُ مبتلي به طالما كان حياً حتى ذهب).
صراع المشروطية أي الدستورية ضد الاستبداد طويل، فكم مرتْ من عقودٍ من بداية القرن التاسع عشر لحد الآن دون أن تتكامل المشروطية التي تجعل الحكمُ المستبد مقيداً؟!
ظهر البرلمان الأول في إيران سنة 1906 وأُزيل بعد سنتين وعادت الحياة صراعاً بين الشمولية والنزعة الدستورية تتقلب عبر العقود دون أن تصل لبر الأمان حتى الآن!
تقوم الحركات الديمقراطية في الشرق عموماً على النخب الصغيرة المحاطة ببحرٍ من التخلف والاستبداد في الطبقات المختلفة، وبين الرجال والنساء، وفي الدين والثقافة، فحين جاء السيد محمد علي الطباطبائي كم كان معه من دعاة الديمقراطية؟ بضع أشخاص، وضده حشود من رجال الدين والقبائل والأسر المتنفذة، وحياة إجتماعية يسودُها الاستبداد، فالشعب ذاته لا يعرف ما هي الحرية وما هي ثقافة الحرية، والرجال مستبدون بالنساء، والنساء يستبددن بالأطفال، والمثقفون إنتهازيون، يعملون مع الدول بوضاعة حتى إذا سمعوا إنفجارات الحرية يطلقها مضحون قلة ورأوا بوادر نصرها وإنتشار وظائفها إندفعوا نحوها عساهم يحصلون على مغانم منها. فإذا إنهارت وجاء حاكمٌ جديدٌ غيرُ الذي قَبل بها، ولم تعجبه هذه(المشروطية) وأقامَ إنقلاباً عبر فرقة أجنبية من الروس قطعتْ رؤوسَ الثوريين وعاد المثقفون للحظائر ولعلع صوتُ الشيخ فضل الله نوري صارخاً:
(إن أصلي المساواة والحرية مخربان لركن القانون الإلهي القويم. إذ أن الإسلامَ يقومُ على العبودية على الحرية. وأحكامهُ ترتكزُ على تفريق النقائض وجمعها لا على المساواة. فما تؤدي إليه المساواةُ هو أن تُحترمَ الفرقةُ الضالة والطائفةُ الإمامية على نهرٍ واحد)!
يقوم المتنورون والحكامُ الطليعيون ودعاةُ التقدم في الشرق بالعمل لنشر الديمقراطية أو الإستجابة لدواعيها لأسبابٍ مختلفة، لكن عبر شروط ذاتية مثل كتابة دساتير كما فعل السيد الطباطبائي وعمل نخبة تروج للدعوة، وإنتهاز مناسبات سياسية وإجتماعية لإطلاق الدعوة والتأثير على الأوضاع وإقناع الحكام على القبول بها، فيتحول المجلس أو البرلمان لجسم سياسي محنط أو جامد غير قادر على الفعل، أو يتمكن من تأدية دوره وسن القوانين لكن السلطات تنقلب عليه.
فليس ثمة شروط موضوعية كبيرة لكي يلعب هذا البرلمان دوره، فالشعبُ أساسُ الحكمِ الديمقراطي متخلف، والديمقراطية هي حكم الشعب؟!
الشعب ليس في مستوى الديمقراطية، فلا يصطف بالطوابير بنفسه، ولا يقرأ برامج المرشحين، ولا يعرفها أو يناقشها إذا تمكن من قراءتها أصلاً.
فيأتي أناسٌ هم الذي يَجلبون الشعب للتصويت، بالخداع أو بالشراء، أو بالدعوة الدينيةِ المُلزمة، وهؤلاء المندوبون من سلطاتٍ دكتاتوريةٍ دينية وسياسية عرفية وإجتماعية ليسوا ديمقراطيين بالضرورة، وليس مطلوباً منهم أن يكونوا حتى مثقفين!
وهنا لن تتصارع قوى ديمقراطية متنافسة بجدارة لفهم أحوال الشعب، ولن تقوم بدرسِ أحوال الشعب لكي تصل لمشكلاته وجذورها وتقدم الحلول وتكسب الأصوات داخل البرلمان من أجل حل مشكلات الشعب!
شعبٌ ليس ذا علاقة بالديمقراطية لا ينتجُ ديمقراطية.
بطبيعة الحال هذا يتطلبُ شعباً على علاقةٍ وطيدة بفهم السياسة وفهم البرامج والأحزاب ويافطاتها الحقيقية والمزيفة وبغياب مثل هذا الشعب فهو يسمح للمستبدين والانتهازيين أن يقطفوا ثمار تعبه من مال وزمن تاريخي، فالديمقراطية هي بلا وكلاء ومقاولي أنفار وباصات تشحن الناس مثل البهائم.
نتائج مثل هذه الوكالة تقعُ على رؤوسِ الشعب نفسه، حين تشتغلُ النخبُ بالتلاعب بمصيره، إنقلاباً وحروباً وفساداً سياسياً طويلاً يقود لليأس من الديمقراطية وحب الدكتاتورية!
كذلك فإن الشعوبَ ليست في حالات مجردة، فبدون الطبقات الحديثة من طبقة وسطى ذات مشروع ديمقراطي تحديثي أو طبقة عاملة ديمقراطية، لا يمكن للشعب أن يكون شعباً حديثاً، يصنع مؤسسات تتصارع بشكل سلمي لتحديد ثمار الاقتصاد كيف تتجه، والفوائض المالية من تخدم من طبقات المجتمع وأية مشروعات تحظى بالأولوية؟
الديمقراطية لعبة سياسية متحضرة، لأجل سلطة قابلة للمداولة، لقوى تعلن هزيمتها بقوة حين تفشل مشروعاتها، وتعددُ هي أخطاءها قبل غيرها، لا تتعكز على عكاكيز المال والدين والخداع، وليست هي لعبة بين قوى دكتاتورية يريد كل منها أن ينقض على الآخر حين تأتيه الفرصة!
الديمقراطية تحولٌ تاريخي
تتشكل الديمقراطية بفضل الفئات الوسطى، وذلك حين تتوجه لاستلام السوق المحلية، وحين ترث ملكيات الدول، وتعيد تشكيل الاقتصاد الحرفي والصناعات الصغيرة إلى صناعة آلية، وتطور مهارات العمال حسب مستوى تطور العصر الصناعي – التقني..
ورغم ضخامة هذه الشروط الاقتصادية فهي تتطلب شروطاً فكرية وسياسية، فبماذا تعبر الدولة الدينية أو المذهبية أليست هي تعبيراً عن العصر السابق على الحداثة والرأسمالية؟
إن المذهبيات السائدة هي مذهبيات محافظة تعبر عن الطبقات فيما قبل الرأسمالية، وتعني وجود مجتمعات مفككة، وغياب السوق والشعب الموحد الخ..
لهذا نجد إن العديد من رجال الدين المنفتحين يشتغلون في تجديد الموقف من البنوك ومن الموقف من العلاقات مع الأمم غير الإسلامية ومن قضايا الحدود، ومن أنواع الحكومات الخ.. وهي كلها محاولات لإنتاج أحكام تعبر عن فئات وسطى تحاول التقريب بين النظام الاجتماعي التقليدي والنظام الحديث كما يتتجسد في الغرب، دون أن تتطابق معه في الأخلاق والدين، دون يستطيع رجال الدين هؤلاء إنتاج نظام إسلامي ديمقراطي، لأن
إن العصر العربي الراهن هو عصر التمهيد للديمقراطية، ولهذا هو يدخل مخاضاً معقداً منجراً إلى صراعات سياسية اغلبها يؤدي إلى تدمير قواه الانتاجية، وبدلاً من أن يكون التحولات السياسية هي تتويج طويل للنمو الاقتصادي وتشكل طبقة وسطى موحدة، تؤدي التحولات السياسية إلى تفتتيت كل مجتمع عربي.
فقد لعبت الدولة المركزية المسيطرة على المجتمع ذات التوجه الديني الشمولي عامل السيطرة على تكوين البلد المفتت، ولكن تطور العملية الديمقراطية يقود إلى إزاحة سيطرة الدولة على الاقتصاد، وهذا يؤدي إلى دخول المجتمع طور التفكك، كما يجري في العراق، والسودان، وفلسطين وكما جرى في الجزائر الخ..
وإزاحة هذه السيطرة لا يكون بفعل نضوج الطبقة الوسطى، فلا تظهر طبقة قادردة على وراثة النظام القديم بشكل حقيقي، بل بفعل تدخل خارجي كالعراق، أو بفعل أزمات مركبة كفلسطين، وهذا يؤدي إلى استعادة التكوينات العتيقة دورها فتحدث فوضى وحروب طائفية ومناطقية.
إن هذه الأزمات ستدوم طويلاً بل سوف تعرقل كذلك عمليات الحل الموضوعي لأنها تقود إلى العنف الذي يغدو هدراً للموراد.
وتعبير ( الفوضى الخلاقة) الذي يستخدمه الغرب في عملياته الجراحية للعالم الإسلامي، تعبر عن فقدان الحل الموضوعي، لأن الحل الموضوعي يتطلب عشرات السنين، فليس بالأوامر تنشأ المصانع والتجارة الحرة الخاصة، وليس بالأوامر يفك رجال الدول المتنفذون سيطرتهم على الأسواق والمداخيل، وليس بالأوامر تنشأ أفكار دينية متفتحة ديمقراطية توحد أي شعب..
ولهذا فإن كلمات مثل التقريب بين المذاهب والتسامح الديني والتخصيص ومراقبة المال العام وغيرها هي الشعارات العامة للدخول إلى فضاء التغيير ذاك..
من هنا يغدو نموذج الحلول الصغيرة المتراكمة والذي هو نموذج مصر، وليس نموذج الحل التفجيري كما هو العراق، أفضل للقوى السياسية في البلدان التي بعد لم يفجرها الصراع السياسي.
إن تراكمات الحلول وإجراء تغييرات صغيرة متراكمة وإدخال القوى الشعبية في عملية الحكم والمسئولية والإنتاج هو الطريق الذي ينبغي |أن تسلكه الدول والفئات الوسطى ذات الثروة.
فهذه الفئات لاتريد أن تصعد فئات ثرية جديدة وهي تقبض على السوق بوسائل سياسية متعاونة مع الأنظمة القديمة، وهي لا تطور قواها المنتجة الوطنية، مفككة السوق بأشكال شتى، وتعاضد أشكال المذهبية المحافظة وأقتصاديات السوق الاستهلاكية المدمرة للتراكم الرأسمالي الحقيقي.
لكن مهما جرى من تغيرات نظل على بوابة التحول الديمقراطي التاريخي، ولا نعرف كيف سيتم تجاوز صراع الدول المسيطرة والمعارضة الدينية، فهل سينبثق تكون جديد، وينصهر الفريقان في تكوين تحديثي ديمقراطي أم يواجهان الأمور نحو التفكيك الكامل للدول والمجتمعات؟
أم أن صناديق الاقتراع سوف تخفف من قبضة كلا الفريقين على الموارد والسلطات؟
معاني الديمقراطية في الشرق
تحتاج المجتمعاتُ الشرقيةُ إلى عشرات السنين للاقتراب من الحالة الديمقراطية، فباستثناء المجتمع الهندي والياباني فليس ثمة إمكانية حالياً لتشكيل ديمقراطيات في آسيا وأفريقيا. المجتمع الهندي مجتمع فريدٌ من نوعه، عرف تعايش الأديان والقوميات، فأضفى عليها حزبُ المؤتمر في صراعه مع الاستعمار البريطاني صفة قانونية عميقة. بينما المجتمع الياباني أعطتهُ العزلةُ والتحولاتُ الداخلية الصناعية إمكانيةَ الاقتراب من الديمقراطية فتشكلت فيه بصورة فاشية كما بدا ذلك في الحرب العالمية الثانية، حتى جاء الاحتلالُ الأمريكي فجعله في ظل الديمقراطية الغربية وبهيمنة الطبقة الرأسمالية فيها.
نحن نفهم الديمقراطية باعتبارها حالةً سياسيةً تعني سيطرة الطبقة الوسطى على السلطة، فهي كذلك دكتاتورية، لكنها دكتاتورية تقدمُ للطبقات الشعبية مستوى من الحريات أفضل من المجتمعات الاستبدادية، لكن ما عدا ذلك فممنوع، وهذا تعبير عن مستوى تطور.
وبطبيعة الحال تنشأ فتراتٌ استثنائيةٌ تغدو فيها الطبقاتُ متقاربةً حينما يسقطُ نظامٌ استبدادي قديم، أو يواجه المجتمع مستعمراً ما فتتوحدُ الجهود، فتنشأ حالةُ نهوضٍ اجتماعية كبيرة، لكن تكون مؤقتة بطبيعة البناء الاجتماعي البشري المحدود في ظلِ إنتاج راهن عاجز عن خلق مساواة حقيقية، وفي ظل تنامي مصلحة طبقة عليا دون بقية الطبقات.
إن الانفراجات الشرقية والتبدلات السياسية التحديثية ليست هي حتى بمستوى الديمقراطية الرأسمالية الغربية، فهي صراعاتٌ داخليةٌ بين قوى اجتماعية تقليدية لم تصل احداها لتكون قوة ديمقراطية، وكل مجتمع يحمل بصمته الخاصة في ذلك، فليس ثمة فورمة لوصف مثل هذه الصراعات المختلفة.
فهناك قوى تقليدية ربما تريد وراثة قوى تقليدية حاكمة سابقة، للحصول على بعض امتيازاتها الاقتصادية ومواقع نفوذها، ويبدو ذلك في نوعية الأحزاب المناطقية أو المذهبية عادةً التي تعبرُ عن الاختلاف مع النظام السابق، غير أنها لا تختلف معه في تشكيل جماعة جديدة تقبض على مفاتيح السلطة.
ولعل هذا القبض يتم في مناطق جغرافية مبعدة عن التأثير في السلطة السابقة، فتظهر بصفة حكم أقاليم أو جمهوريات أو قوميات كما حدث ذلك في سقوط النظام السوفيتي أو العراقي، لكنها تظل سلطات شمولية جديدة، اتاح لها التحول السياسي المغمور بعاطفية قومية أو دينية شديدة، أن تحصل على أصوات كبيرة للوصول للحكم.
بطبيعة الحال هناك لحظة تقدم حتى في هذا التحول، فالنظام الشديد المركزية لم يلتفت إلى مشكلات الأقاليم أو المناطق المحرومة، أو الأثنيات المغبونة، فتأتي الأنظمةُ الجديدةُ لتعدل مثل هذه السياسات إلى حين، وهذا يعتمد على مهارة القيادة السياسية، لكنها لا تستطيع أن تخلق ديمقراطية، فهي ترتب الأوضاع ترتيباً خاصاً لكي تسيطر وتبعد الآخرين، معتمدة على الحماس القومي أو الديني.
إن المستوى الغربي الرأسمالي الديمقراطي صعب على الدول الشرقية، فغالباً ما يكون (الديمقراطيون) الشرقيون اصحاب نفوذ كبير في الدولة، يريدون إعادة توزيع حصص الامتيازات الاقتصادية، في حين إن الديمقراطيين الغربيين يكونوا ممثلي طبقة رأسمالية غنية لا يحتاجون لأجهزة الدولة لكي يثروا من خلالها، بل إنهم جاءوا ليكرسوا حكم طبقتهم كلها وربما يقدمون انجازات للطبقات الشعبية في بعض جوانب الأجور والأسعار والخدمات، وتكريس حكم طبقتهم يعني وضع سياسات اقتصادية تتعلق بمستوى الضرائب أو بتحفيز التصدير، حسب وضع الطبقة الاقتصادي الصراعي، مع طبقات أخرى في بلدان منافسة، أو لتحفيز الطبقة المنتجة في بلادها أو دفعها لمزيد من العمل، وهذا البرنامج المؤقت قد ينجح وقد يفشل وقد يُكرس في انتخابات جديدة أو يُهزم، ليظهر برنامجٌ آخر أكثر مقاربة للوضع ولمصالح المجموعات السكانية الأوسع، وهذا ما يفسرُ التناوبَ المستمر بين أحزاب اليمين واليسار في الغرب.
لكن الجماعة التي تحكم في الشرق أو القوة السياسية التي تصل للسلطة في الدول الشرقية، لم تكرس نظاماً لحكم طبقة معينة من خلال الإرادة الحرة للسكان، وهذا ما يجعلها دائماً في تحالف مع العسكر، ومن هنا فليس ثمة ديمقراطية شرقية بل عمليات طبخ سياسية تقوم بها القوى المؤثرة على الساحة.
وللوصول إلى مستوى الغرب أو الاقتراب منه يلزم الكثير من الثقافة العلمية والسياسية مع وجود قطاع خاص قوي ووطني، فليست الديمقراطية الهندية بلا عوامل موضوعية، فبدون القطاع الخاص الصناعي والتجاري الكبير الذي تكون والمعتمد على قوى عمالية هائلة، لم يكن بالإمكان جعل التعددية الفسيفسائية السياسية لتدخل في منافسات ضارية من أجل الحكم.
ولهذا كل ما يُرجى في مثل هذه الأوضاع والحالات التخفيف من قبضات الدول والجماعات القومية والدينية وخلق قطاعات خاصة لا تعتمد على الأثراء الحكومي، ترافقها ثقافة تحررية ودينية مستنيرة، توجه الجمهور لانتخاب الأفضل فهماً للظرف السياسي والقادر على دعم مثل هذه التحولات باتجاه الديمقراطية.
إن تكريس مرحلة انتقال للديمقراطية هي مسألة أجيال ومعارك وتنوير وتثقيف هائل، لتفكيك سيطرة الدول عن المال العام، ومنع أية قوة أخرى من الانقضاض على هذا المال العام، فهي عملية صراع مع كل القوى الشمولية.
الديمقراطيةُ طريقٌ واحدٌ
مع غياب الطبقة الوسطى من مجتمعات عربية مثل العراق والبحرين وبعض أقطار الجزيرة العربية تصبح الديمقراطية صعبة أو غير ممكنة.
شكلت الطبقة الوسطى وجودها بصعوبة في بعض الدول العربية، وحتى الآن لم يُعرف حجمها وتكويناتها، أي مدى حجم الرأسمال الصناعي وبقية الرساميل التكوينية المحورية فيها، ومستوى مؤسساتها العلمية وقدرتها على فهم الإنتاج وتطويره، حتى الآن هي في بعض الدول العربية فئات مهمة تتقارب لتصعيد أو ربما لتقزيم الرأسمال الصناعي، وهذا يعود لمستوى وعي تنظيماتها السياسية، ومدى فهمها لتطور الإنتاج الصناعي- العلمي في إعادة تغيير البناء الاجتماعي الاقتصادي التقليدي بموصفات الحداثة.
تلك الدول خلقت تراكمات على مستويات عدة، في حين أن الدول في الجزيرة العربية بعيدة عن ذلك والأسباب كثيرة: تصحرٌ إجتماعي لقرون، ومدنٌ هامشية، وصناعات إستخراجية هي الأساس لم تقدر على تحويل معظم السكان لعمال ومنتجين وملاكاً، ودولٌ تمتلكُ أغلبَ الفوائض وتتصرفُ فيها بأشكال غير مدروسة إجتماعياً ومرّحلة غربياً.
إن الدولَ لا تستطيع أن تخلق وتؤسسَ ديمقراطية، بل تخلقُها الطبقةُ الوسطى الحرة، يخلقها رجالُ ونساءُ الأعمال وهم مؤسسو المصانع والشركات الذين يربحون من دخولِ مؤسساتهم، وبالتالي لا يخشون شيئاً سواءً كانوا داخل أو خارج الحكم.
يدخلون الحكمَ لتغيير أحوال طبقتهم وزيادة ثرائها مع خدمة بقية الطبقات وزيادة أجورها وتحسين أحوالها في عملية تطوير إنتاج ضرورية لكل المواطنين، ولكي يكسبوا أصواتهم لحكمٍ تال.
الشفافية والعقلانية والحداثة هي جزءٌ من تكوين طبقتهم، وتغيير أشكال الإنتاج القديمة هي من مهماتهم الاقتصادية الاجتماعية.
تساعدُهم وتصارعُهم الطبقاتُ العاملة حسب مسار إصلاحاتهم، وهذه القوى العاملة حتى حين تشاركُ في الحكم تدخلُ تعديلات وتطورات على النظام الرأسمالي من موقعِ مصالحِها ومن موقع تطوير البنية الاجتماعية ككل.
وبدون هذه السياقات يَصُعب الحديث عن الديمقراطية.
ونحن في الجزيرة العربية خاصة علينا أن نقدم العتبات الأولى لظهور هذه البنية الاجتماعية. نشكل فقط بذوراً ديمقراطية لنترك للأجيال القادمة زراعتها.
فلا بد أن تتخفف الدولُ من تشييدِ المصانع والمؤسسات الاقتصادية التي تُصمم بطرقٍ بيروقراطيةٍ دون أشكال ديمقراطية، ودون دراية بطبيعة النظام الاقتصادي وكيفية تطوره العقلاني وقدرته على خلق تطورات إقتصادية وجذب العمال العاطلين المواطنين والشرائح المهمشة وجعلهم أغلبية منتجة بدل إقتصاد هدر العمالة ورأس المال القائم.
ولا تحدث الديمقراطية إلا من تحرك الفئات الوسطى نحو الإنتاج والأسواق شبه المحتكرة الآن للدول، وبالتالي فإن الأجهزة الحكومية الراهنة وهي المهيمنة على الاقتصاد والحياة الاجتماعية لا تستطيع خلق ديمقراطية، يُفترض فيها وجود إقتصاديات حرة وتداول للسلطات.
ومن هنا فلا بد من أن تكون الملكيات الخاصة في الإنتاج خاصة هي الأساس الاقتصادي.
الديمقراطية تخلق في قرون، ولكن هذا لا يعني عدم خلق البذور الراهنة والمقدمات الاقتصادية والسياسية والفكرية.
الهيئات الحكومية والجماعات السياسية الأهلية شمولية، تعيشُ في عالم الحرب الباردة وآثارها، وفي الرأسماليات الحكومية الشرقية وأفكارها، وهي بعد لم تقتنع في أعماقها السياسية، وفي هياكل عظامها بالديمقراطية.
أهم سمتان الديمقراطية هما العلمانية وتبادل الحكم، وهما سمتان يصعب القيام بهما في المنطقة. لكن هل نقف دون أن نتقدم نحوهما؟
تطبيق العلمانية يعني عدم إستعمال الدول والمنظمات السياسية للدين ومنتجاته في الحكم والعمل السياسي، ودون ذلك لا تتحقق الديمقراطية.
محاولات القفز والمناورات والإختراقات على ذلك بدون فائدة، لكن هذه لا تستطيع أن تفعلها الدول والجماعات الأهلية السياسية، ولا توجد فئات وسطى قوية تؤسس للأسباب الموضوعية السابقة الذكر.
الدول والجماعات الدينية إستخدامها للدين سياسياً يعبرُ عن شمولياتها، فلا بد للتقدم لأولِ خطوة نحو بذرة الديمقراطية من وقف ذلك.
الجماعات البرجوازية الصغيرة وتنظيماتها لا بد أن تدركَ أهميةَ الدخول في طريق الديمقراطية، وتنقدَ تاريخَها وشموليتها، وتمشي في طريق الحداثة والعلمانية والرأسمالية الحديثة، ولا أن تحولَ أفكارَها لرأسِ مالٍ تأخذهُ من الدولِ كإنتهازيةٍ مدفوعة الأجر، أو من إستغلالِ العامةِ من خلال المزايدة والمغامرة، مدفوعة الخسارة من مال الناس.
لا بد إذا أرادت أن تصيرَ رأسماليات أن تتوجه لبناء الأعمال الخاصة والمؤسسات التجارية والصناعية، بدلاً من تحويل السياسة لرأسِ مالٍ، فلا تشارك في سد مجرى تغيير العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بمنع التوجه نحو الرأسمالية الحرة.
في السياسة والوعي تؤيد تراكم المال وقوى العمل من أجل الخروج من الدول التقليدية، ومن أجل أن يغدو الهدفُ المحوري للمجتمع وهو تبادل السلطة ممكناً، عبر زوال التتنظيمات الشمولية غير القادرة على أن تكون ديمقراطية أساساً.
لا ديمقراطية من دون علمانية
تأخر المسلمون في الدخول إلى الحداثة والديمقراطية خلال القرون الأخيرة بشكل مأساوي، وحين يدخلون الآن بصعوبات جمة وبثورات مضحية عظيمة يقودها الشباب الديمقراطي العلماني يواصل المحافظون السياسيون والدينيون التشبث بسلطاتِهم شبه المطلقة.
تنافس مجرد عند صناديق الاقتراع حيث تبدو الديمقراطية العربية زاهية الألوان، في حين أن الشموليات الدينية خاصة تجرها من مسامها وخلاياها إلى الماضي والاستبداد.
المؤسسات الدينية الجماهيرية مجيرة لأسماء، والجمهور البسيط يُساق عبر الشبكات الاجتماعية المذهبية التي كونت خلال زمنية عهود الاستبداد الماضية، من أجل أن يصوت لقوى تقليدية جديدة، فبعد أن عانى الاقطاع السياسي عليه أن يعاني الاقطاع الديني وقد تحول إلى اقطاع حاكم ولكن إلى متى؟
لن تكون الديمقراطية سوى هيمنة معينة، فليس ثمة حرية مطلقة ولا ديمقراطية مطلقة، ولكن هذه الهيمنة الجديدة ما هي مقاربتها للحريات العامة وتطوير حياة الجمهور المعيشية؟ وهل هي تمثل نقلة باتجاه تطور هذا الجمهور السياسي بحيث يغدو قادراً على الاستقلال من شبكات الماضي القروسطية التي هيمنت عليه خلال العقود الأخيرة خاصة؟
حركت الحياة السياسية خلال العقود الأخيرة الجماهير العربية باتجاه التطور الاقتصادي الحديث نسبيا، وأنشأت أجهزة حديثة ومشروعات عامة وطورت الحياة الاقتصادية الخاصة، لكن هيمنة الدول التي قامت على هياكل تقليدية، خاصة هيمنة العائلات والقبائل حسب مناطق معينة أغلبها بدوية وريفية وحضرية جزئية، فشكلت اقطاعات سياسية في الدول العربية لهذه العائلات والقبائل والجماعات العسكرية والسياسية المتقاربة التي استغلت الملكيات العامة بجزء كبير لها.
ولم يكن بإمكان أحد منظم سياسيا أن يعارض أو يقاوم هذه السيطرات التي كانت تفتتُ قدراته، وتجهض تنظيماته، بدواع متعددة، ولكنها لم تقدر على التنظيمات الدينية التي لجأت إلى الاحتماء بالموروث، وشبكاته الاجتماعية الممتدة في الأشكال التعاونية والخيرية الزائفة شكلاً والمبطنة بسيطرات عائلية وقرابية وسياسية مذهبية ودينية.
يجب الفصل هنا بين شكل السيطرة ومضمونها، فالوزارات الحكومية والمصانع والبنوك التي غدت أجزاء اقتصادية من الدول ذات القطاعات العامة بشكل كبير، والتي تجرى فيها الأشكال الحديثة المستوردة، تقوم بخدمة قوى تقليدية، فتتوجه الفوائض لبناء قصور أو دعم مشروعات ثقافية تقليدية، فرأينا تنامي الشعر التقليدي والأشكال العامية المتخلفة من الأدب، وإعادة الاعتبار لأشكال موروثة من العادات وجرى التعصب لها، فقام رأس المال بدعم الاقطاع الماضوي في الحكم وفي الحياة عامة.
من هنا رفضت القوى المعارضة ذات الجمهور العامي بشكلٍ خاص أي تلويح بالديمقراطية العلمانية الفاصلة لاستخدام المذاهب والأديان في الحراك السياسي، وهو الأمر الذي لم يعارضه بعض الدول ولا أغلبية الأحزاب الحديثة، لأن ليس لها منفعة في هذه الأساليب السياسية المندمجة في السيطرات الدينية.
وهكذا فإن الشكلين من الاقطاع السياسي الحاكم والديني المعارض، أججا أساليب عتيقة في الحياة العربية وصعدا الموروث المحافظ بأشكال سلبية.
وهذا يمكن أن نلاحظه في العودة للقبائل والمناطقية وتضخم الأرياف في مواجهة المدن، وتفكك الدول فدولة عريقة كالعراق تتحطم في بنائها السياسي الوطني، وكذا السودان وسوريا وغداً غيرها من كل الدول العربية، وهنا تقوم الديمقراطيات الطائفية بهدم ما تبقى من الدول العربية ككيانات مؤسساتية، وهذا لا يتعارض مع الثورات العربية التي قادها الشباب الديمقراطي العلماني غير المنظم الذي سُرقت ثوراته منه.
لقد حدث ترد كبير في عقليات الجماهير العربية من الأجيال السابقة خاصة، التي سُحبتْ من الثقافات التحديثية الديمقراطية والتقدمية، وحُبستْ في الأشكال الإحيائية المحافظة الزائفة الانتماء إلى الإسلام بغيرِ ما تقول، فهي تمثل الثورة المضادة للإسلام التوحيدي، هي مذهبياتُ التفكك والتخلف واللاعقلانية.
وبهذا فمع عجز الاقطاع السياسي الحاكم عن تحويل الاقتصاد والثقافة للديمقراطية تحدث أزمة بنيوية، لأن الإقطاع لم يغد برجوازية حرة، فتحل الآن أزمة جديدة أكثر تعقيدا وتحللا لأبنية الاستقلال السياسية العربية، وتبدو «بشائرها» بعمليات التفكك الواسعة في كيان الدول، وأن تغدو الدول لا دول، بل كياناتٍ منفصلة وأقاليم وصراع مدنٍ وقرى، وهويات اثنية وطائفية وقومية.
وإذا كانت الدول قد رفضت العلمانيةَ جزئيا والديمقراطية كليا، فإن الدويلات الجديدة وطلائعها الطائفية ترفض العلمانية كلياً وتقبل الديمقراطية جزئيا، فتحدث النتائج نفسها، لأن الديمقراطية تغدو أداة السيطرة الاستبدادية المموهة فيما العلمانية تمثل نقضها وإزالتها.
فهي ذاتها حولت المذاهب والأديان إلى أشكال خالية من مضامينها الديمقراطية الإنسانية وصيرتها أدوات لاستغلال الفقراء وإبعادهم عن الحداثة والاستنارة، فلا قدرة لأشكال محافظة على تنمية حرية وتقدم وديمقراطية، وهذه كلها بسبب الوعي المتخلف للجماهير العربية وحبسها الطويل في ظلامية الأمية والجهل عقودا.
ديمقراطية غير علمانية، أهي ممنكة؟
حسمت جماهيرُ الأقطارِ العربية في مصر وتونس التوجهات الاجتماعية بالاندفاع نحو ديمقراطية علمانية بدت شفافة وغير مؤدلجة ومتسامحة دينياً ووطنية متجاوزة للتفرقة الدينية والمذهبية، وذلك لكون البلدين لهما تاريخ ثقافي تحديثي طويل، ولو أن الأخوان المسلمين قادوا الثورتين لبارتا وتمزق البلدان.
جنوحُ الجماهير تقودها الأجيالُ الجديدةُ المتعلمة الحديثة للبلد الذي لا تستغله طائفةٌ ولا يعيش تحت هيمنة ديانة واحدة، ويغدو بلداً متسامحاً، ديمقراطياً يركز على التغيير المعيشي، وهذا هو سبب الانتصار.
لكن الجماعات الدينية المغلقة لن تدعَ الناسَ تمضي للديمقراطية الحداثية، فحين يحدث ذلك ماذا ستفعل وأين تولي وكيف تحمي إستغلالها للجمهور؟ فلا بد أن تقاوم إنهيار سلطتها بقوة، كما عملَ الحزبُ اللاوطني اللاديمقراطي وصمد من أجل بقاء إستغلاله للجمهور زمناً طويلاً أستغل كافة الأدوات ليواصل عصر شرايين الشعب في خزائنه.
وما أسهل للدينيين المغلقين إثارة العواطف تجاه المسكرات وعورة المرأة والفنون وإثارة الشعب نحو قضايا جانبية قبل أن تجفَ دماءُ الضحايا من على الأرصفة وبلاط الشوارع.
رجلُ السلطة ورجلُ الدين في الشرق وجهان لعملةِ إستغلال الشعب، الأولُ يركزُ على قداسةِ العلم الوطني وخريطة البلد وقوانينه وأرضه التي تُفدى وتُحمى بالأفئدة، والحدود والرموز المقدسة، وكل هذا الكلام لكن المقدس لديه فعلاً هو الخزائن وكيفية تكديس الأموال وتجميع الثروات، وها هو كل هارب كبير تُوضع ثروته على شاشة الفضاء العالمي مُقاسة بالمليارات المكشوفة الواضحة، فأين ذهبت قداسة الوطن؟
ورجل الدين لا يختلف عنه، يحولُ رموزَ الدين المقدسة لدى المؤمنين من صلوات وكتاب ومناسبات إلى سيطرة على الناس وإستغلال موارد عيشهم وهيمنة على أرواحهم حتى لا تطير نحو العقلانية والحرية.
ألا ترى كيف يستميتون لملءِ بيوتهم بالأشياء الثمينة والأموال والأغذية؟ ألا ترى كيف يخافون أن يتحرر الناس ويغدون حداثيين يعبدون اللهَ دون وسائط ماكرة؟ ويمارسون شعائرَهم الدينية دون وكالاتٍ تجارية وسمسرة إجتماعية؟
فهل يمضي عربُ الحرية السياسية نحو سجون جديدة؟ ويستبدلون النار بالصحراء الضارية؟
لا أظن ذلك، ومهما فعلَ المجلسُ العسكري لكي يعيدَ ذات الطبقة القديمة بوجوه جديدة، وأن يواصل الإقطاعان السياسي والديني هيمنتهما على الشعب بأشكال رقيقة في البدء، فإن الشعوبَ العربية وخاصة الشعب المصري، قد أكتوى بالاثنين، ويريد بلداً حراً على الطراز الأوربي الديمقراطي الحديث، ولا يريد مواصلة العيش في زنزانات الأنظمة الدينية السياسية، يريدُ حكومةً تركزُ على تطوير عيشه ولا تفجر الخلافات بين المذاهب الإسلامية والأديان السماوية، فقد شبعتْ الشعوبُ من هذه الكوارث ومن الإدعاءات الأخلاقية المثالية، وأصحابها أكثر الناقعين في عسل المادة، وصانعي عالم الجواري، والبؤس الأخلاقي.
وها هو العراق بعد أن رسّخ سلطات الجماعات الطائفية الاستغلالية يثور مطالباً بخبزه الضائع، وأمواله الهاربة من يديه التي تتجاوز أسلاك الحدود وهي تحملُ الملايين، وينعى أعماله المتوقفة وحضارته التي هدمها السياسيون الشموليون والدينيون الطائفيون.
الديمقراطيةُ الحقيقية هي أن لا يكون حزباً واحداً مهيمناً فيها، يعيشُ أبديةَ الكراسي والخزائن، ولا أن يقبض الحزب الديني على عنقه ويمنعه من الطيران في عالم الحرية والاختيارات الأخلاقية والعقلانية.
إذا كان الحزبُ السياسي يمكن أن يتغير فإن الحزب الديني يربط نفسه إدعاءً بالذات الإلهية والسماء والمقدسات كلها، فكيف سيتبدل ويسمح لآخرين بنقده وكشف أمواله وإستغلاله؟
لقد جرب العربُ الأحزابَ السياسية الشمولية الدينية فهل يستمرون في التجريب الخائب؟
هل يعرضون بلادنهم للحرائق والخرائب في كل مكان؟
هل ينخدعون بالكلمات عن الطائفة المقدسة والحزب المقدس والجماعة التي لا يأتيها الباطل؟
(الدينُ لله والوطن للجميع)، قالها المصريون سابقاً، ولا بد أن يستعيدوها بشكل أكثر حداثةً وديمقراطية، وأن لا يجربوا الأنظمة الدينية الشمولية ومرارات الأحزاب الدينية بعد أن عانوا طويلاً من الأحزاب السياسية العسكرية.
الإسلام دين الديمقراطية والعلمانية
حين حدث الانقلاب على الأسس الاجتماعية للحكم في (الفتنة الكبرى) وما بعدها من نتائج استمرت ليومنا هذا، انقلبت تلك الأسسُ رأساً على عقب.
لم يكن ثمة ضرورة لأحزاب تقوم على أساس ديني، لأن الحكم هو للأغلبية الشعبية، وكان كبار الأغنياء قد أُبعدوا عن السيطرة على السلطة، ولهذا لم يخطرْ في بال عامة المسلمين أن تظهرَ أحزابٌ سياسية دينية، لأن الإسلام هو صوتُ الأغلبية العاملة.
وفي بداياتِ الانشقاق اعتبرتْ الأحزابُ السياسية المتوارية تحت لافتاتٍ دينية، إنها مع ذلك الميراث الرافض للأحزاب السياسية الدينية التي تمثل خروجاً عن دربِ السلف!
أخذت فئاتُ كبار الأغنياء التي وصلت للسيادة السياسية في صفوفِ مختلفِ الفرقاءِ المتصارعين على الحكم والثروة، وراحت تصورُ نفسَها أنها الوريث لما قامتْ بتحطيمهِ وإلغائهِ من التاريخ لجماعة المسلمين!
وحين جاءَ أي حكم مذهبي سياسي في هذه الطائفة أو تلك قام على نفس أساس الهيمنة الطبقية، فيصور نفسه بأنه الممثل للدين الحقيقي، وفي ذات الوقت له خزائنها المليئة بالمال والسندات والأراضي، وحين تقول فئة أنها ممثلة الإسلام تقوم باحتكار الثروة العامة وتحويل حزبها العسكري السياسي إلى القوة المهيمنة على العاملين. كان تاريخ الأغنياء الحاكمين المحدودي العدد بين أغلبية الفلاحين والبدو والفقراء.
وفي ذلك التاريخ تكونت جذور الجماعات الطائفية السياسية المعاصرة، فكانت الجماعاتُ السابقة تقتطعُ خيوطاً صغيرة من النصوص وتركبها على مصالح جماعة حاكمة في مختلف تضاريس العالم الإسلامي، وتحيل نفسها إلى حارسة للمذهب، وبالأحرى إلى معتقلة لتطور المذهب وتعبيره عن الناس.
فكان الحكام المستبدون يرون مدى شعبية هذا المذهب أو ذلك، ومدى قدرته على تكريسه لسطوتهم، ويكونون على أتم الاستعداد لتغيير المذهب وجعله سائداً في البلد الذي يحكمونه متى ما كان مفيداً لتكل المصلحة
غدا مثل هذا التسييس ميراثاً عميقاً متجذراً، توظفه الجماعاتُ السائدة لانفصال دولة عن أمبراطورية، أو في هدم أمبراطورية، ويوظفه المغامرون السياسيون إذا ما ركبوا على أجساد القبائل المطايا للوصول للكراسي.
والدائرة تدور والطاحونة تفرمُ عظامَ الناس، والقصور تمتلئ ثم تتحول لخرائب، وتتجدد ثانية بالمتع والعطايا والكنوز ثم تـُهدم وهكذا دواليك، وإستغلال الإسلام يقوم به أي لص أو مغامر أو ثائر كذلك، لكنه يتحول مثلهما، فلا عقول تتسع ولا معرفة عميقة تتراكم، ولا حضارة تبقى.
كان هاجس الوحدة قوياً في الإرث الأول، لأن الأرثَ وحدَّ مصالح الأغلبية، رفض صعود الطبقية العليا، الفرعونية، والملأ المالي، وجماعات الربا الفاحش، وأبناء الأكرمين، فاستخدم الملأ البنكي والسلطوي والجمهوري والملكي ورقة التوت الرقيقة؛ الصدقات، والتظاهر بالتقوى، والشكليات الديكورية الخارجية، ليتظاهروا بوحدة موهومة غير حقيقية للمسلمين، تفرقها كل يوم الضرائبُ على كواهل الناس، وتراكمات الثروة هنا وتراكمات الحرمان هناك، السجون المفتوحة هنا والسفرات والصناديق المُهّاجرة هناك.
صارتْ الأقفاصُ المذهبية السياسية ضرورية، للحفاظ على هذه الهيمنات، رغم أنه حتى الهيمنات الطبقية الحداثية تصاعدتْ في أغلبية الدول الأخرى دون الحاجة لمثل ورقة التوت تلك، والحالُ اليائسُ يقول أسرقونا لكن دعوا عنكم التلاعب بالدين!
لكن الوحدة الدينية المأزومة الموهومة هذه تزيد الانشقاقات والحروب والمعسكرات، لأن مئات الملايين تؤمنُ بها، ويظهر مغامرون من كلِ حدبٍ وصوب، يتنطعون لمثل هذه المهمة الجليلة المستحيلة الآن، فيركبون الطائرات للمغامرات ويتمردون بالجيوش ويقتطعون أجزاء من الدول لإقامة دول قطع اليد، والديكورات سهلة، والأكسسورات برخص التراب، ويقدم متعلمون جبالاً من الكتب للحفاظ على التفاسير العتيقة والتعصب الديني والتعصب القومي.
ويزداد حرج بعض رجال الدين العقلانيين من هذه التجارة بالمقدسات، لكن الأغلبية ماضية في المزاد الرهيب، فيتوارى هذا البعضُ ويقدمُ السياسيين دون أن تحدثَ عملية فصلٍ عميقةٍ بين المقدسِ والسياسي، بما كان أساساً للتوحيد، وما هو صار أساساً للصراعات على أموال الدنيا، بما كان تراثاً عزيزاً سامياً توحيدياً، وما هو عراكٌ على الإبل والنقود ونهب الأراضي!
وقد وصلتْ العملياتُ الصراعية إلى ما هدَّم دولاً (إسلامية) ،(بل قلْ تاجرت بالإسلام)، ونرى أمامنا جحافل المسلمين المساكين وهم يحملون عفشهم البائس مثلهم ويرفعون أطفالهم على أكتافهم، ليفروا من الصواريخ والقنابل، والطائرات (الإسلامية) تضربُ منازلـَهم وقراهم ومزارعهم، والجماعات الرافضة (الإسلامية) تطلقُ عليهم قذائفـَها وتحرقُ مزارعَهم وعالمهم الهادئ الساكن!
وتجمع الدولة (الإسلامية) الأموالَ وعَرق الملايين في مخازنها للجماعات المقربة، والإقاليمُ النائية (الإسلامية والمسيحية وغيرها من الملل) محرومة، عطشة للماء، ويقول رئيسهم (الإسلامي) للجمهور (سنعطيكم الماء!)، ويصيرُ ابناؤهم الضباط حكامَ البنوك والشركات الدنيوية و(الإسلامية)، ليواصلوا ثقافة الفتنة الكبرى، أي ليضعوا مخططات تدهور الدول الإسلامية وتمزقها، وبدلاً من الأفراس ورباط الخيل يُعدون به عدة لضرب المسلمين، يستخدمون قذائف الهاون ومدفعية الدبابات سلاحاً يرهبون به المطالبين عن أخذ أنصبتهم المتواضعة في الميزانيات والأموال التي انتجوها.
انظرْ إلى خرائط الرعب في إفغانستان وباكستان والسودان والجزائر، سيول من الحروب وضحاياها الفقراء، ولا جماعة طائفية قامتْ بالتبدل والتوبة من هذا الميراث الدامي.
ليس ثمة أكثر أسى من رؤية ما يجري في باكستان الآن مئات الآلوف من البشر يتشردون في لحظة، هنا يفقدُ الناسُ بيوتـَهم الرثة، وهناك في أمريكا يفقد الأغنياءُ فللهم الفارهة من الفساد المالي والبذخ، صورتان تمثلان وجهين لعملة دولارية واحدة، فبؤسُ باكستان تغذى من دكتاتوريات عسكرية استخدمتْ الدين مطية، ونهبتْ خيراتِ البلد ورحلـّتها للغرب، وتلاعبت بهذه الثروة قوى مالية غربية كبرى إلى درجة الجنون بذخاً وعسكرة. ولكن هؤلاء الفقراء الباكستانيون يتعرضون للموت في كل دقيقة، وأولئك الأغنياء يُعرض عليهم التعويض!
