هناك أناسٌ يريدون من التقدميين البحرينيين أو العرب بشكل عام، إلا يتغيروا وأن يبقوا في مواقفهم القديمة مؤيدين للاشتراكية السوفيتية وغيرها من الصيغ، ليثبتوا لدى هؤلاء نزاهتهم وصدقهم التاريخي!
ولكن قد جرت عمليات تاريخية كبرى فى القرن الماضي جعلت الكثير من مفاهيم التحول السياسي تتبدل كثيراً، فقد اتضحت محدودية الفهم للاشتراكية، الذي صاغته تجربة التنمية المتخلفة في البلدان الشرقية، واستحالة تشكيل تجارب اشتراكية في بلدان ضعيفة التطور، وقواها الإنتاجية شديدة التخلف، ومع ذلك فتجارب (رأسماليات الدول المركزية) التى جرت في روسيا والصين وأوربا الشرقية، قامت بعمل تاريخي مذهل، فعبر نصف قرن تمكنت من إحداث تقدم هائل، ولكن أداة الدولة التي تقوم بمثل هذه التحولات الكبيرة، لها أخطاء خطيرة كذلك في غياب الديمقراطية وأحداث بيروقراطية معيقة للتنمية المستمرة وفاسدة!
وهكذا جرى تعديل لفهم الاشتراكية وليس التخلي النهائي عنها، وتناضل الأحزاب التقدمية في العديد من البلدان الشرقية للجمع بين الديمقراطية وبين توجيه ملكية الدولة إلى خدمة الجمهور العامل والشعب عموماً، مع تشجيع القطاعات الخاصة على خدمة خطط التنمية.
ولهذا لا تغدو الاشتراكية ملغاةٍ ولكن مضمرة، ومحددة في عملية تاريخية طويلة، تخضع مراحل تحقيقها لإرادة الناخبين وتطور الاقتصاد الوطني في كل بلد، وكذلك تخضع للتعاون والصراع مع القطاعات الرأسمالية التي تشارك في السلطة أو تنتزعها كلية من أيدي أحزاب اليسار، وتقدم برامجها الخاصة برؤيتها، وهكذا يقوم اليسار واليمين بإدارة دفة الدولة كل حسب توجهه ووصوله إلى البرلمان، والشعب يحكم على أداء كلٍ منهما، ولهذا يقوم كل منهما بتطوير قواعد الإنتاج، والاقتصاد، من منطلقاته الاجتماعية ولخدمة القوى الاجتماعية الأقرب إليه، وفى هذا عملية ديناميكية تراكم ما هو إيجابي، ولكن التناقض موجود بين اتجاه يركز على الوقوف مع رأس المال واتجاه يقف مع ملكية الدولة العامة وخدمة أغلبية الجمهور العامل!
وحتى الآن الدول العربية تعجز عن تشكيل مثل هذه التجربة لكونها تعيش مرحلة ما قبل رأسمالية لم تتخلص من عوائقها، ولهذا حين يناضل اليساريون والتقدميون مع نمو الرأسمالية في الدول العربية التقليدية، ليس ذلك تناقضاً مع توجهم العام، ولكن مثل هذا النضال وتحقق دول رأسمالية حديثة وعلمانية وديمقراطية، هو الذي يقربهم من المستوى العالمي المتطور، مستوى الصراع الحضاري والسلمي بين اليمين واليسار!
ولهذا فإن برامج الثورة الروسية في تشكيل تجربة اشتراكية عظمى مزيلة للرأسمالية، عنى عملياً بغض النظر عن الأقوال، تشكيل رأسمالية ولكن بأدوات حكومية شاملة، ومثل هذه الرأسمالية كانت أقرب للطبقات الشعبية، بسبب جعلها التحول المزيل للإقطاع والتخلف، لخدمة هذه الطبقات في التعليم والسكن وغيرها من الخدمات، كما يجعل قدراتها على مقاومة الاستغلال أكبر.
ومع ذلك فقوانين الرأسمالية كنظام عالمي واحدة، فالرأسماليون الذين طردوا عادوا من خلال أجهزة الدولة التى فسدت بسبب احتكار السلطة، وظهروا بشكل أسواً من رأسماليي الغرب، لأن الرأسمالية الغربية تمت عبر عدة قرون من التطور الاجتماعي المتدرج والشامل، وهكذا استطاعت قوى الإنتاج أن تنمو بشكل هائل واقوى من الرأسمالية الحكومية الشرقية، وأن تسبقها وتدمر حواجزها الاقتصادية وتخترق أسواقها!
ولهذا نحن أمام تجارب تاريخية كبرى لا تفيد فيها الأكليشيهات والمعلبات المنتهية الصلاحية، ولابد أن تستفيد النظرية التقدمية العربية من تجارب الشعوب، وتقدم مقاربات أكثر دقة وفهماً لواقعها وللعالم، وهذا أمر ينعكس على تبدل مواقفها من قضايا كثيرة كالتحالفات والثقافة والدين والسلطة الخ..

تعقيب: جبهة التحرير والمنبر: موضوعات عن اليسار في البحرين | عبـــــــدالله خلــــــــيفة : كاتب وروائي