ليس نتاج تراكم الثروة لدى أقسام من اليهود هو نتاج عبقرية دم أو سلالة، أو من جانب اخر نتاج مؤامرة سامية، بقدر ما هو نتاج تراكم ظروف تاريخية معقدة .
فمجيء القبائل اليهودية إلى فلسطين والصراع مع أهلها الكنعانيين نعبا دوراً أساسياً في وضع الخطوط الفكرية والاجتماعية لتكون هذه القبائل، التي حاولت بعد ذلك حماية نفسها وخصوصيتها عبر الدين .
لقد كان هؤلاء الكنعانيون العرب هم بناة الحضارة في فلسطين وفي شرق المتوسط وفي البحر الأبيض المتوسط عموماً، فهم الذين ظهر منهم ذلك الشعب الذي عرفته أوربا باسم (الفينيقيين).
وهؤلاء الفينيقيون هم الذين طوروا التجارة وأسسوا بيوت المال التي عرفت باسم الصيرفة، وبادلوا المنتجات بسفنهم التي مخرت البحار حتى شواطئ إنجلترا في ذلك الزمن الموغل في القدم .
قام اليهود في ذلك الزمن بالاستيلاء على أرض وإرث الكنعانيين هؤلاء، وعلى طرقهم في إدارة التجارة والمال وعلى العديد من جوانب التراث الديني والأسطوري كذلك.
وبعد تشتت اليهود نظراً لتشكيلهم دولة في مفترق طرق الإمبراطوريات المصرية والعراقية والسورية، استفادوا من ذلك الإرث الفينيقي المالي ودمجوه بتعصب ديني وعزلة خاصة عن المحيط، فتداخلت عمليات استغلال الإرث الديني باستغلال الجيران من الشعوب المحيطة وتكوين ثروات ظلت تتراكم على مدى التاريخ.
عبرت اليهودية عن نمو رأس المال المالي، وهو النمط من المال الذي أنكرت الحضارتان المسيحية والإسلامية وجوده وشرعيته، بشكل عام، مما جعل اليهود هم الجيران والأعداء داخل هاتين الحضارتين، في حين أن اليهود لم يجدوا موطئ قدم في الحضارات الهندوسية والبوذية والزنجية، بسبب عدم رفض هذه الحضارات وجود الفائدة المالية، وتشكل رأس المال المالي !
إن وجود اليهود داخل هاتين الحضارتين، لم يمنع الصراعات المستمرة بين هذه الأديان، وكان جوهره هو قدرة اليهود الصيارفة والرأسماليين عموماً؛ على مراكمة الأرباح الناتجة من استغلال القوى المنتجة.
لكن القادة والحكام الذين يتوجهون لمصادرة أموال الرأسماليين سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو يهوداً، يشيعون أسباباً دينية أو سياسية لهذه المصادرات التي يلجاون إليها حين تنضب خزائنهم!
وقد حاول بعض المسلمين والمسيحيين الاشتغال بالمهن الحرة والصيرفة خصوصاً، ولكن أعداد المسلمين خصوصاً كانت قليلة قياساً. باليهود، الذين وسعوا عملياتهم في الدول الناشئة في روسيا وشرق أوربا، التي فتحت أبوابها لرأسمالهم الظاهر والباطن.
كان الدبيب اليهودي على الجغرافيا البشرية يعبر عن عمليات تطور الرأسمالية، الذي كان يتسارع في إيطاليا وهولندا وإنجلترا، وفجأة تغدو الجاليات اليهودية في غرب أوربا من أقوى الجاليات اليهودية في العالم!
ولا شك أن هذا النمو الرأسمالي كان يتبعه تطور تقني وعائلات قليلة العدد، واهتمام بالتطور العلمي، لأن رأس المال المالي يحتاج إلى البخل وقلة النفقات ومراكمة الأرباح والبحث عن المواد الثمينة وتحولات الاقتصاد والمواد الخام وامكنتها، والعلاقة بالسياسيين والحركات السياسية المؤثرة وتتبع تطور الدول المهمة.
وهكذا فإن المرحلة الرأسمالية الصناعية قد جعلت القوى المالية اليهودية في أبرز المواقع الاقتصادية و الاجتماعية، ولكن مرحلة الرأسمالية المالية، مرحلة هيمنة البنوك، هي التي جعلتهم في ذروة الدول الامبريالية، بريطانيا والولايات المتحدة !
وهكذا دخلت اليهودية مرحلة الامبريالية لكن على حساب العرب، وعلى حساب أحفاد الكنعانيين، وهم الفلسطينيون!
استغلال في عمق التاريخ
أضف تعليق
