بعد الحرب العالمية الأولى جرت تغيرات كبيرة في العالم العربي والإسلامي فقد زالت الإمبراطوريات التي تظلل المسلمين أو أغلبيتهم في وحدة سياسية حقيقية أو رمزية، وفي 1924 قامت الحكومة التركية بإلغاء الخلافة وأعلنت قيام دولة علمانية تحولت بعد سنة إلى جمهورية علمانية.
في ذات السنة نفسها كتب مثقفٌ أزهري وقاض شرعي بإحدى المحاكم المصرية كتاباً حول الخلافة الإسلامية واسم المثقف هو علي عبدالرازق، وبدأت عاصفةٌ سياسية وفكرية حول الخلافة والعلمانية.
كتب محمد رشيد رضا في صحيفة المنار:
[ لقد كانت الخلافة والسلطنة فتنة للناس في المسلمين كما كانت حكومة الملوك فتنة لهم في سائر الأمم والملل. وكانت هذه المسألة نائمة فأيقظتها الأحداثُ الطارئة في هذه الأيام، إذ أسقط الترك دولة آل عثمان، وأسسوا على أنقاضها فيهم دولة جمهورية بشكل جديد، من أصوله أنهم لا يقبلون أن يكون في حكومتهم الجديدة سلطة لفرد من الأفراد لا باسم الخليفة ولا باسم سلطان، وأنهم فصلوا بين الدين والسياسة فصلاً تاماً ]، (28).
لكن إسقاط السلطنة العثمانية لم يهز مصر مثل كتاب علي عبدالرازق، فهذا القاضي الشرعي قام بعرض رؤية تمثل انقلاباً كبيراً في فهم الإسلام، حيث أنكر وجود أصول شرعية لدولة دينية في الإسلام، مدللاً على ذلك عبر القرآن والسنة.
وقد فهم علي عبدالرازق ظهور الإسلام بأنه [ دعوة سامية أرسلها الله لخير هذا العالم كله، شرقيه، وغربيه، عربيه وأعجميه، رجاله ونسائه، أغنيائه وفقرائه.. ]، وإن هذا الدين الُمرسل لديه كان بغرضِ جمع ما اسماه الأمم العربية: [ هذه الأمم المتنافرة اجتمعت كلها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، حول دعوة الإسلام، تحت لوائه ] لكن تلك الوحدة في رأيه: [ ليست سياسية بأي وجه من الوجوه. ولا كان فيها معنى من معاني الدولة والحكومة، بل لم تعد أبداً أن تكون وحدة دينية خالصة من شوائب السياسة. وحدة الإيمان والمذهب الديني، لا وحدة الدولة ومذاهب المـُـلك ]، (29).
يفصلُ علي عبدالرازق هنا فصلاً كلياً بين ظهور الإسلام كدين وبين ظهوره كدولة، وهو فصلٌ قد يكون مرجواً في زمن مستقبلي تحديثي عميق، ولكنه بأي حال من الأحوال لم يكن موجوداً في ذلك الزمن الأولي، أي أن علي عبدالرازق أسقط رغبته الذاتية على الواقع الموضوعي، وعبر هذا الإسقاط الذاتي كان عليه أن يتعسفَ التاريخَ والوقائع وثقافة الوعي السائد حينئذٍ.
فإن يكون الإسلام دعوة دينية خالصة لا تربطها بعمليات الصراع السياسي العربي وبتكوين دولة للعرب براية الدين، هو أمر يبترُ التاريخَ الحقيقي بغض النظر عن سلامة الدعوة لتكوين دولة لا دينية معاصرة.
يواصل علي عبدالرازق عرضَ فكرته:
[ يدلك على هذا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فما عرفنا انه تعرض لشيءٍ من سياسة تلك الأمم، ولا غير شيئاً من أساليب الحكم عندهم، ولا مما كان لكل قبيلة منهم من نظام إداري أو قضائي، ولا حاول أن يمس ما كان بين تلك الأمم بعضها مع بعض، ولا ما كان بينها وبين غيرها من صلات اجتماعية أو اقتصادية الخ…]، (30).
إن عبارة علي عبدالرازق تقومُ بعمليةٍ تعميميةٍ كبيرة، فكأن الباحث هنا ليست لديه أية وقائع عن تشكل الإسلام، فهذه الدعوةُ الدينية الخالصة التي لم تتشابك بمعاركٍ سياسيةٍ عربية وعالمية هي غير موجودة في التاريخ، فقد ارتبطت الدعوة بتغيير وضع العرب السياسي المشتت، وبتشكيل دولة كبيرة، ثم بتغيير الأنظمة السياسية المسيطرة على المنطقة، وهذا كله استدعى تشريعات على مختلف الأصعدة.
وصحيح ما يقوله [ بل ترك لهم عليه السلام كل تلك الشئون، وقال لهم أنتم أعلم بها ] ولكن هذا ينطبق على تدابير الإنتاج وصناعة الأشياء والعلوم وليس على النظم السياسية!
يقع خطاب علي عبدالرازق في تناقض كبير لا يعرف كيف يقوم بحله، وذلك يتبدى في العبارتين التاليتين:
[ ربما أمكن أن يقال، أن تلك القواعد والآداب والشرائع، التي جاء بها النبي عليه السلام، للأمم العربية ولغير العربية أيضاً، كانت كثيرة، وكان فيها ما يمس إلى حد كبير أكثر مظاهر الحياة في الأمم، فكان فيها بعض أنظمة للعقوبات، وللجيش، والجهاد، والبيع والمداينة والرهن، ولآداب الجلوس والمشي والحديث..].
ثم يقول مناقضاً ذلك:
[ ولكنك إذا تأملت، وجدت إن كل ما شرعه الإسلام، وأخذ به النبي المسلمين، من أنظمة وقواعد وآداب، لم يكن في شيء كثير ولا قليل من أساليب الحكم السياسي، ولا من أنظمة الدولة المدنية..]، (31).
توضح هاتان العبارتان المأزق الفكري السياسي الذي ألم بفكرة علي عبدالرازق، ففي الأولى يقول بأن ثمة نظاماً سياسياً شاملاً، يبدأ من العقوبات حتى مظاهر الحياة اليومية شكله الإسلام، ثم يقول في العبارة الثانية بأن ذلك ليس نظاماً سياسياً.
لكننا نستطيع أن نفهم سبب التناقض بأن لدى علي عبدالرازق مفهوم معين للدولة السياسية، لا يصرح به هنا، ولكننا نرى أنه النظم الغربية الحديثة التي يؤمن بها علي عبدالرازق، باعتبارها هي النظم السياسية الصحيحة والسليمة، ويتضح ذلك في تعبير (الدولة المدنية)، فهذا تعبيرٌ عصري جُلب مع العلاقة بالحداثة الغربية.
وهو إذ يؤمن بالإسلام إيماناً عميقاً، ولكنه يؤمن كذلك بالدولة العصرية المدنية، وبضرورة أن تكون دولة لا دينية، فإنه يقوم بالالتفاف على التاريخ الموضوعي وحقائقه التاريخية، بالقول بأن ما جاء به الإسلام لا يتضمن تشكيل دولة دينية:
[ إن كل ما جاء به الإسلام من عقائد ومعاملات، وآداب وعقوبات، فإنما هو شرعٌ ديني خالص لله تعالى، ولمصلحة البشر الدينية لا غير ].
إن الرؤية الغائرة وراء هذه العبارات المتضادة هي رؤية لا تاريخية، فهي لا تفهم تشكل الإسلام كصراع لتكوين دولة لقبائل مشتتة، متخلفة، كما أن أنها لا تفهم – أي هذه الرؤية – الأفكار الدينية وسواها كتعبير عن وعي سياسي متداخل بالمقولات الدينية المختلفة، التي لم يكن بالإمكان أن لا تكون سياسية، وأن لا تتداخل مع الدين معاً، فتلك ضرورة الزمان والمكان، والمستوى التاريخي للعرب وللمسلمين وقتذاك.
إن الفكرة إذن لدى علي عبدالرازق ليست ذات جذور تاريخية، وذات بعد اجتماعي موضوعي، فتغدو خاضعة للإرادة الفردية الخالصة، سواء تشكل ذلك عبر وعي نبوي قديم، أم عبر إرادة علمانية حديثة.
فالدين مجرد دعوة أخلاقية ولا تتضمن هدفاً سياسياً لديه، وكأن بالإمكان أن تتشكل دعوة أخلاقية خارج الصراع الاجتماعي والسياسي، وكأن الدعوة الأخلاقية النبوية بتحطيم الأصنام ليست هي أيضاً تحطيم للسلطات القبائلية الكثيرة، وكأن المفهوم الإسلامي التوحيدي ليس هو أيضاً تشكيل سلطة مركزية في المدينة.
إن قيام علي عبدالرازق بتفكيك الصلة بين الديني والسياسي، يتشكل إذن عبر وعي ذرائعي برجماتي، هو وعي معاصر، يُسقط عملية تفكيك الديني عن السياسي، لهدفٍ راهن، هو تفكيك الصلة بين الدين والدولة.
ولكن هذا التفكيك وقطع الصلة بين الديني والسياسي، في العصر النبوي والراشدي، تناقضه السيرة والقرآن والأحداث، فهنا لا بد أن يقوم الباحث علي عبدالرازق بتعسف في تفسير كل تلك المصادر الإسلامية.
إن هذا العرض الحقيقي لما جرى في التاريخ، يستبدله علي عبدالرازق بعرض وهمي، فلا يتمكن من مناقشة المسائل المحورية التي ترتبت على مثل هذا الوضع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
■ انظر عبــدالله خـلــيفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث , وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة , 2015.
علي عبدالرازق
أضف تعليق
