كانت التحديات المختلفة التي تحيط بالإمبراطورية العثمانية قد دفعت الخلافة إلى اختيار الاتجاه الإصلاحي بين التيارات الدينية السائدة، فقد كان هناك الاتجاه الصوفي والاتجاه الوهابي.
لقد كانت الاتجاهات الصوفية هي السائدة طوال حقبة الانحطاط، وهي تماثل الاتجاهات العبادية الشكلية التي كانت تجاورها، حيث عبرتا معاً عن الركود الاجتماعي وإعطاء تميز ديني ما للمسلمين.
وقد رأينا هذه الاتجاهات الصوفية في كل مكان مجسدة في [ الطرق ] المختلفة تقوم بالمقاومة الوطنية والثورات في وجه الغزاة. وفي عاصمة الخلافة العثمانية كانت هذه الطرق تحظى بمكانة هامة.
فقد عمل السلطان عبدالحميد على تشجيع اتجاه الوحدة السياسية بين الولايات العثمانية، حيث غدت المركزية هي الأداة السياسية المطلوبة لتجميع أجزاء الإمبراطورية المفتتة والمُهدّدة من قبل الدول الغربية الصاعدة على المسرح العالمي.
[وعلى هذا اعتمدت الدعوة «إلى الوحدة الإسلامية» اللغة العربية واستعانت، لتحقيق فكرتها، برعايا من أصل عربي. فكان أحمد فارس الشدياق أول من أُستخدموا لهذه الغاية، وذلك في عهد عبدالعزيز. ثم جمع عبدالحميد عدداً من نظراء الشدياق، وعدداً من المشايخ العرب، معظمهم من اتباع الطرق الصوفية، تنافسوا في تمجيد دعوته..]، (1).
إن الطابع الصوفي الطرائقي بأشكاله المعرفية والاجتماعية يعبر عن التفتت السياسي، وعن الجمع بين الأشكال العبادية وأنواع الخرافة والعمليات السحرية، وهو ما كان متطابقاً مع الوعي الجماهيري السائد لما قبل النهضة.
ومن هنا كانت حنبلية العصر السابق والتي تنامت عبر ابن تيمية تهجر المدن الخاضعة للسلطة العثمانية وللطرق الصوفية متجهة نحو الصحراء العربية، وقد وجدت في الوهابية شكلاً مناطقياً أخذت تنمو من خلاله، لرفض هذه الطرقَ الصوفية المهيمنة وطرق العبادات الإسلامية المتوحدة بعبادة القبور والأولياء، ومن أجل أهداف شيوخ القبائل والدينيين التي تطابقت أهدافهم السياسية التوحيدية التوسعية في الجزيرة العربية وطموح رجال الدين هؤلاء الذين يسعون لهيمنة خطابهم التوحيدي القسري الحنبلي.
وكانت فارس تقدم نموذجاً إسلامياً مغايراً، حيث تمكنت الإثناء عشرية من تشكيل وحدة قومية فارسية عبر هذا المذهب التعددي الإلهي غير المركزي وبتحويل الطرائق الصوفية الشيعية إلى تيار جماهيري وطني محرر لإيران من هيمنة المغول والأتراك.
وفي توظيف السلطنة العثمانية للصوفية فقد كانت تتوجه للسائد وهو أمر كان يضاد توجههاتها السياسية الجديدة المستهدفة للتحديث والمركزية السياسية. ومن هنا فقد كانت بحاجة إلى شكل ديني مختلف يجمعُ بين المذاهب السنية التي تم تحنيطها عبر الإقطاع المركزي السابق، وبين أشكالٍ من التحديث تقوي الهيكل السياسي العثماني المسيطر.
وكان الصدام غير المباشر والمباشر الذي أخذ يتصاعدُ بين العالم الإسلامي وأوربا قد ولدَّ المشاعرَ والأفكار بالتصدي لهذا التفاوت الحضاري الكبير بين المسلمين والأوربيين، فظهر أكثر من داعيةٍ للتغيير الداخلي في الدول الإسلامية، وقد تعددت الرؤى.
كان من أبرز هؤلاء الدعاة جمال الدين الأفغاني وهو الذي تبلورت فيه هذه اللحظة التجديدية المقاومة فهو قد عبر عن:
[ فكرة الوحدة الإسلامية) الثورية هذه. وذلك الخليط من الشعور الديني والوطني والراديكالية الأوربية ]، (2).
لقد كان الإقطاع الديني المهيمن خلال القرون السابقة، قد استند إلى شبكاته المذهبية في كل بلدٍ ومنطقة، فكان الإقطاع المذهبي المتحالف مع شتى السلطات السياسية في هذه البلدان والمناطق، يرتكزُ على تلك القشور من العبادات المنسلخة من صيرورة الإسلام كحركةِ تغييرٍ نهضوية سابقة، فقام رجال الدين بالتحالف مع الحكام والسلاطين والشيوخ في بقع العالم الإسلامي بتجميد التطور.
ولهذا كان صعود جمال الدين الأفغاني ثم محمد عبده معه، يتشكلُ من خارج هذه الشبكات السياسية – المذهبية، ومن هنا حين كانت مذهبية جمال الدين الأفغاني متواريةً ومغيّبة، فإذا قيل إنه كان شيعياً فإنه لم يظهر بذلك، وراح يطرح [ الإسلام العام ]، أي هذا الإسلام اللامذهبي. فغدا ذا أصل شيعي وفكر سني.
هنا تعبيرٌ غامضٌ وحالةٌ فردية استثنائية للصعود فوق شبكات المذاهب السياسية، وتكوين رؤية إصلاحية نهضوية خارجها وترتكز على عمومياتها، لأن بؤرة هذا الخطاب هو [التوحيد].
كما تقوم على رؤية فردية تخترق الموضوعي على صعيد تكون المذاهب، وعلى صعيد الفعل السياسي، ولهذا تتسم أفعالها بالمغامرة على الصعيدين. ومن هنا لن يكون لها نبتٌ محدد في أي بنية إقطاعية – مذهبية. في حين أن التلامذة سيبدأون من الشعارات العامة فقط، لتتكشف الإشكالية التاريخية لها.
إن العودة إلى فترة الإسلام الأولى تعتمدُ على الخطاب العام، وهذا الدمج بين عمومية الإسلام والإصلاح السياسي والاجتماعي هو ما كان تريدهُ الإمبراطورية العثمانية والباب العالي، ولم يكن جمال الدين كفردٍ مفتقدٍ لأي جماعة دينية وسياسية قادراً على العمل المناطقي الطويل، نظراً لاصطدامه الدائم مع السلطات الشمولية المتخلفة.
وبهذا فإن الاثنين جمال الدين والباب العالي وجدا إن ثمة مصلحة من تعاونهما، جمال الدين يقوم باستثمار حاجة الإمبراطورية للإصلاح عبر خلق أشكال تحديثية مختلفة، تحدُ من هيمنة الخلافة الشمولية وتتيحُ للمسلمين في شتى بقاعهم ظروفاً جديدة تطور من حياتهم وتقاوم الغزاة.
والباب العالي وجد في جمال الدين أداةً لاستقطاب رجال الدين والمصلحين والمثقفين إلى قيادته وتوظيفها لمزيدٍ من الهيمنة على الأقطار شبه المفككة.
ولهذا فإن الجانبين كانا لا يتفقان إلا وقتاً قليلاً، فالباب العالي يخضعُ بشكلٍ دائم للغزو الغربي المتصاعد ولشروطه ولتغلغل تجاره وشركاته، في حين كان جمال الدين يدعو لمقاومة ذلك، ولنشر المجالس المنتخبة والمدارس والمصانع والعلوم.
كان جمال الدين يعتمد على الوسائل النخبوية والأعمال الفردية والمغامرة وحتى الوسائل الإرهابية لتخويف وردع الحكام، ثم أخذ يتوجه إلى الأشكال التثقيفية السياسية المباشرة عبر الصحافة.
كانت شعاراته الرئيسية هي:
مواجهة [خطر التدخل الأوربي والحاجة إلى الوحدة الوطنية لمقاومته، والسعي إلى وحدة أوسع للشعوب الإسلامية، والمطالبة بدستور يحدُ من سلطة الحاكم]، (3).
والفكرة الرئيسية التي سيطرت على وعيه هي فكرة فهم الإسلام بشكل صحيح من قبل المسلمين، وتأتي في أولوياتها بعث خلافة العصور الأولى الموحدة، ولكن إذا لم تتحقق مثل هذه الوحدة السياسية فعبر التطور الإسلامي النهضوي لكل بلد، والحاكم في هذا البلد لا بد أن يعترف بسيادة الشريعة، وأنه لا بد من الثورة على كل حاكم يحيد عن هذه الشريعة، ولا يتصور الأفغاني وجود تناقض بين العقل البشري والشريعة الإسلامية، وتكمن شعلة الإسلام لديه في النبوة والفلاسفة:
[فهو يقر بأنه من الممكن قيام دولة فاضلة على أساس العقل البشري كما يمكن قيامها على أساس الشريعة الإلهية. وقد أعرب عن هذا، بتعابير تذكر بالفلاسفة، في تلك المحاضرة التي أدت إلى مغادرته اسطنبول. إذ قال إن الجسم الاجتماعي لا يحيا بدون روح، وأن روح هذا الجسم هي الملكة النبوية أو الملكة الفلسفية.. أما الأولى فهي هبة من الله.. بينما الثانية تنال بالتفكير والدرس ]، (4).
إن هذه الفكرة المستوحاة من الفارابي وابن سينا، تومئ إلى منظومة التفكير الدينية النهضوية القديمة لدى الفلاسفة العرب والمسلمين، والتي جعلت فكر النبوة فكراً تصويرياً وفكر الفلاسفة فكراً مفاهيمياً، وكلاهما معبران عن الرسالة الإسلامية العامة الإلهية، ولهذا فإن جمال الدين يشكلُ عقليةً اجتهادية عامة مسيسة للوقائع العصرية الجديدة، دون أن يصل إلى الوعي الديمقراطي الحديث بفصل الدين عن السياسة، أي أن مفاهيمه هي تصعيد للإقطاع السياسي الديني السابق في خطوطه العريضة، وهذا ما سيؤدي أن تكون نتائج الحركة الكبرى خاضعةً لإعادة تشكيل هذا الإقطاع القديم بصورةٍ يستفيدُ بها من التحديث الأوربي، دون أن يماثله في جوهريته.
بعضُ نقاط رؤيته تظهرُ في هذا المقطع:
[.. أن ما وحد الأمةُ في الماضي إنما هو مؤسسةُ الخلافة السياسية وجماعة العلماء المحافظين على العقيدة الصحيحة. لكن الخلافةَ انفصلتْ عن العلماء في عهد العباسيين، ثم زالت عملياً من الوجود فيما بعد، وقام مقامها دولٌ مستقلة، وبقي العلماءُ عنصر الوحدة الوحيد، وغدوا روح الأمة وقلب الشعب المحمدي. ولكنهم، مع مرور الزمن، انقسموا هم أيضاً على أنفسهم حول المعتقدات وانحرفوا جميعاً، ما عدا القليل منهم، عن الحقيقة إلى الضلال. ]، (5).
إن هذه الأفكار التعميمية عن [ أمة واحدة ]، تحيل المسلمين بأممهم المتعددة المتصارعة، وشعوبهم المختلفة، إلى كيان تجريدي عام واحد، وقد مثلته سابقاً عملية التوحيد القسرية الراشدية – الأموية – العباسية من خلال المركز الشمولي في العواصم المسيطرة، وبهذا يتطابق وعي الأفغاني مع الوعي السني الشكلي، ويعيد وعيه إلى الوعي السائد لدى بعض الفقهاء في العصر الأموي أو العباسي، وبهذا فهو كفردٍ من الفئات الوسطى التي ظهرت في بداية العصر الحديث يعيدُ وعيه إلى هيكل النظام الإقطاعي المركزي السابق، فيحقق تبعية فئة وسطى لذلك الإقطاع الذي يغدو هدفاً للحاضر، ومن هنا فهو حين يردد فكرةً من أفكار فلاسفة المسلمين السابقين، الذين ماثلوا الفلسفة بالنبوة فهو يفكر من داخل ذلك المناخ، وبالتالي فهو غير قادر أن يتماثل مع نهضة البرجوازية الغربية المعاصرة التي أزاحت الإقطاع، رغم إنه يطالب بالاستفادة من إنجازاتها.
أي أنه يعيد إنتاج مواقف الفئات الوسطى التحديثية التابعة للإقطاع في العصر السابق، والتي لم تستطع أن تقود الجماهير المسلمة في عمليات تحول جذرية. وهو إذ يصطدم بالأفكار الأوربية العلمانية الفاصلة بين الدين والسياسة،لا يستطيع أن يتفهمها، ليس بسبب غياب تجديده الفكري بل لأن هذا التجديد الفكري خاضعٍ لعصر سابق.
إن هذا الإصلاح يمثل تطوراً للمنظومة الإقطاعية المركزية النهضوية السابقة التي ضعفت ثم انهارت، والتي تكونُ عودةُ العالم الإسلامي إليها إنجازاً، ولكنها عودة مستحيلة، ليس فقط لزوالها، بل لأن العالم دخل تشكيلةٍ جديدة هي الرأسمالية الحديثة.
في المناقشة مع رينان تتضحُ جوانبٌ أخرى من وعيه، فرينان يعتقدُ بأن الفكر العربي السابق [ من عمل مفكرين غير مسلمين عانوا ثورة نفسية داخلية على دينهم. وإذ قاومهم اللاهوتيون والحكامُ معاً، لم يتمكنوا من التأثير في المؤسسات الإسلامية. وقد بقيت هذه المقاومةُ محدودةً طالما كانت السلطة في أيدي العرب والفرس، لكنها انتصرت انتصاراً تاماً عندما تسلم البرابرة، أي الأتراك في الشرق والبربر في الغرب، قيادة الأمة ]، (6).
يتضمن رأي رينان تعميمات خاطئة عديدة عبر تحويل الفلاسفة العرب إلى كيان واحد متجوهر، ثم في رؤيتهم كغير مسلمين وهو زعم يتطابق مع تكفير المحافظين المتطرفين المسلمين. ولكن إسلام الفلاسفة كان مختلفاً عن ما هو سائد. كان تحديثياً. وهو أمر لا يعتقد رينان إنه ممكن [ للعقل الشرقي ].
وتصدي جمال الدين لهذا الأفكار جاء من منطلقات خاصة، فهو قد اعتبر عملية ظهور الأديان كعمليةٍ تجريدية فهي قد ظهرت حيث [ لم يكن بإمكان الإنسان أن يميز بعقله بين الخير والشر ولا بإمكان ضميره المعذب أن يجد الراحة في ذاته. فجاء الدين يفتح له آفاق الأمل، فارتمى في أحضانه. لكنه اضطر، لجهله أسباب الأحداث المحيطة به وأسرار الموجودات، أن يأخذ بإرشادات رؤساء الدين.. المفروضة عليه باسم العلي، دون أن يتمكن من تمحيص نفعها أو ضررها ]، (7).
يفهم جمال الدين الأفغاني ظهور الأديان السماوية بشكل رومانسي تجريدي، فكأنها حاجة فردية، وليست تطوراً فكرياً اجتماعياً موضوعياً له عدة آلاف من السنين، وإنها كانت ثورات ضد أنظمة العصر الاستبدادي القديم الشامل، فهو حين يقطعُ مسارها التاريخي سيستعصي عليه أن يفهمَ سببياتها العميقة، وهذا النقصُ المعرفي يترافقُ مع توظيفٍ إيديولوجي حماسي وعملي وآني.
إن توظيف الدول الاستبدادية للدينين المسيحي والإسلامي هو أمر مفهوم لدى جمال الدين، ووجود حقبة ثورية ووجود حقبة محافظة هو أمر مفهوم لديه كذلك، ولهذا يواصل القول: [ أما في المرحلة التالية فقد تحرر الناس من القيود المفروضة على عقولهم وأعادوا الدين إلى نصابه الصحيح، كما جرى في المسيحية في عهد الإصلاح. ولما كان الإسلام أفتى من المسيحية بعدة قرون، فهو لا يزال ينتظر (إصلاحه) ويترقب قيام لوثر جديد فيه ]، (8).
هذه العبارة الهامة الدقيقة في جانب معرفة الحقب الدينية، ينقصها الفهمُ الموضوعي الذي يضعها في سلسلة التطور التاريخي، فوجود [ النصاب الصحيح ] للدين هو جوهرة فكرية للدين بمعنى أنه يوجد جوهر ديني نقي خارج التاريخ، وليس أن الدين في الحقب التأسيسية يحوي أفكاراً مهمةً تعكس مصالح الأغلبية ويجري بعد ذلك التخلي عنها، لكن مصالح أغلبية المؤمنين تتغير عبر العصور، ولهذا فإن عصرَ الانتقال من زمنِ الإمبراطورية العثمانية للتحديثِ يحتاجُ إلى وعي مصالح هذه الأغلبية الإسلامية، ولهذا فإن العودة لــ[النصاب الصحيح] وإنتاج إصلاح إسلامي على غرار البروتستانتية هو جانب مهم، ولكن فكرة نقل البروتستانتية الأوربية للشرق الإسلامي ستعبرُ عن فكرة نقل المخترعات الأوربية الجاهزة إلى الشرق، وهذا ممكن في حالة الآلات لا في حالة النماذج الاجتماعية التاريخية التي هي إبداع ثوري وشعبي بالدرجة الأولى.
فالبروتستانتية لها شروطها الأوربية الخاصة، فتحتاج إلى تقدم صناعي وثقافي كبير، في حين كانت الإمبراطورية العثمانية الإقطاعية تجابه مهماتٍ تاريخيةً مختلفة. علينا أن نضع وعي السيد جمال الدين كوعي متقدم هنا إذا تذكرنا حملته الأولى على الدهرية وهي عبارة عن شتائم للتنوير وعدم فهم كبير للمسار التحديثي الأوربي: [ الأضاليل التي بثها هذان الدهريان فولتير وروسو هي التي أضرمت نار الثورة الفرنساوية المشهورة ثم فرقت بعد ذلك أهواء الأمة، وأفسدت أخلاق الكثير من أبنائها فاختلفت في المشارب وتباينت المذاهب وأوغلوا في سبل الخلاف زمناً يتبعه زمن حتى تباين تصدعهم..]، [نقلاً عن عاطف العراقي، العقل والتنوير، ص 158 ].
وهكذا فإن جمال الدين هو في موقف متناقض تاريخياً بشكل كبير، فهو سياسياً يناضل للحفاظ على وحدة الإمبراطورية العثمانية المتجهة للتفسخ السياسي، في حين كان يدعو فكرياً للإصلاح، والإصلاح يعني تجاوز هذه الإمبراطورية وقيام دول الشعوب المتحررة.
إن الوحدة الإسلامية بالشكل العثماني تعني الحفاظ على هذا السجن الكبير للشعوب وعلى الرابطة الدينية التقليدية، ومقاومة الظهور الحديث للشعوب والأمم بالشكل القومي وبالتالي عدم تصعيد الوعي الديمقراطي الحديث.
كانت هذه هي المهمة [ البروتستانتية ] الراهنة الممكنة، أي تشجيع البؤر الديمقراطية في كل بلد إسلامي، والحفر الفكري والاجتماعي داخل هذه البؤر لتتحول إلى حركات شعبية قادرة على المواجهة للتدخل الأجنبي وعلى القيام بعمليات تحويلية ديمقراطية داخلية معاً.
كان السيد جمال الدين بحاجة إلى قراءة الصراعات الاجتماعية والسياسية والثورات في ظل الإسلام، لمعرفة أسباب فشلها السابق، وكيفية تجاوز أخطائها في الوقت الراهن، لكن جمال الدين لم يكن من محبي الكتابة وتشكيل حفريات معرفية، ولهذا سيظل مثل إشارات المرور المزروعة في نهاية القرن التاسع عشر للدلالة على الطريق الذي ينبغي سلوكه وهو طريق غير متوجه إلى أوربا، بل للعودة إلى العصر الذهبي للإسلام وتكرار التجربة الإقطاعية التحديثية، وهو أقصى ما يمكن أن يصل إليه وعي ديني اعتمد مثل هذه المرتكزات.
إن العملية الشرعية الإصلاحية المتكونة هنا تعبر عن المضمون الداخلي لهذا المنهج، فهناك أحكام دينية لتغيير وضع المرأة وتغيير التعليم ولكن لا يوجد توجه لإلغاء العبودية ولتحرير الفلاحين، وهي أخطر الدروس غير المستوعبة للعديد من القرون السابقة.
ولا يمكن أن نفهم البروتستانتية دون حرب الفلاحين في ألمانيا، وبدون إضعاف الإقطاع المركزي لا تتشكل بروتستانتية، ولكن عمل السيد جمال الدين يتوجه لتقوية هذه المركزية.
ومن هنا فبروتستانتية السيد جمال الدين تظل هنا كذلك غير متفحصة لشروط تكون البروتستانتية الأوربية، وقد أتيحت لجمال الدين أن يقترب من أهم البؤر لهذه العملية التاريخية وهي البؤرة المصرية.
لقد عاش جمال الدين في مصر بضع سنوات هي من أهم لحظات التفاعل مع واقع محدد، وقد استطاع أن يجمع حوله نخبة صارت هي النخبةُ التي قادت مصر في النصف الأول من القرن العشرين، نخبةٌ جمعت فئات وسطى متداخلة مع قوى الإقطاع. لقد وجه هذه النخبة لتقوم بعلاقات فكرية وثقافية مع الجمهور داعية لشعارات النهضة الإسلامية والاقتباس المفيد من الغرب. كان شعاره الجبهوي مفيداً لوحدة الشعب المصري وهو: [حسن المعاملة وإحكام الألفة بينكم وبين أبناء أوطانكم وجيرانكم من أرباب الأديان المختلفة]، وهذا كان أساس تكون الوعي اللاديني السياسي داخل هذه النخبة، لكن مع احتفاظ الإسلام بسيادته السياسية، فذلك الوعي اللاديني السياسي هو أشبه ببرجماتية سياسية توافق الحداثة وتوافق الإقطاع الديني السياسي ومنظومته السائدة، وتتيح للفئات الوسطى القيام بحركة وطنية، لا تصل إلى مفهوم الدولة العصرية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
■ انظر عبــدالله خـلــيفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث , وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة , 2015.
جمال الدين الأفغاني
أضف تعليق
