في ذكرى رحيله الخامسة.. «عبـــــــدالله خلــــــــيفة» ماكث بيننا بإرث عصي على الغياب

رغم الغياب يدأب «عبـــــــدالله خلــــــــيفة» على الحضور بإرثه الذي يشرع دائمًا في البوح عن إبداع غير متناه، شكله عبر عقود فكرا وأدبا وثقافة، حتى صار للرواية في البحرين عرابا، ومثقفا وكاتبا بارزا خلق نتاجات بعلامة فارقة في المشهد الأدبي والثقافي البحريني والخليجي، تنوعت بين القصة القصيرة والرواية والنقد والفلسفة والبحث والتحليل السياسي والتاريخي. والتماسا لأصداء ذكرى رحيله الخامسة لدى المثقفين، تواصل «الثقافي» مع عدد منهم.

سيال هادر

الناقدة الدكتورة إنتصار البناء ترى أن الذكرى الخامسة لوفاة الأديب البحريني الكبير عبدالله خليفة حلَت ثقيلة، معتبرة أن الفراغ الذي خلفه غيابه لم يجد ما يملؤه «فبصمة خليفة كانت مميزة، وقلمه لا يشابه حبره قلم أحد سواه. عبدالله خليفة أحد أهم أركان الرواية والقصة القصيرة في البحرين. انطلق من سمات جيل الإيديولوجيا لكن الفكر في أعماله لم يسبق الفن ولم يتغلب عليه. لقد تمازجا بما يشبه السيمفونية التي تبعث المشاعر وتهيجها في وجدان المستمع دون أن تنطق ببيان».

وتشير البناء إلى أن الأعمال السردية لـ«خليفة» انحازت للمجتمع، كونه أحد ممثلي الإتجاه الاجتماعي والواقعية الإشتراكية في البحرين والخليج. موضحة أن «شخوص رواياته كانت مزيجا من كل أطياف المجتمع الغني والفقير والعامل والمرأة والبيض والسود والعرقيات المتعددة. 

وتضيف: «طرح أسئلة الحرية في أعماله. وبحث عن العدالة الاجتماعية. وانتصر للمهمشين وللمرأة. وهؤلاء كانوا أبطال رواياته وقصصه القصيرة، أفكاره كانت عنيدة وجريئة. وبرغم ذلك استطاع أن يتحدى كل عيون الرقابة ومقصاتها وأن يتجاوزها بسلام».

وتستشهد البناء بنماذج من النتاجات الروائية للراحل، بالقول: «في روايته «ذهب مع النفط» صدم القارئ بعنوان الرواية ثم ضيعه في تلاشي بطل الرواية الذي عانى كل صنوف العطب بعد خروجه من السجن. وفي «رواية الينابيع» اختزل قراءة على ضفاف التاريخ للبحرين وهي تغادر ماضيها وتلج إلى عالم النفط والاستعمار والتحرر.

وتتابع: «في رواية «اغتصاب كوكب» ضاع الوطن المنتهك بين مفترسيه ذات اليمين وذات الشمال. وفي رواياته التاريخية ناقش الروايات بالسرد والتفكيك ووجهة النظر الأخرى».

وتلفت إلى أن «خليفة» لم يكن يعني إلا كتابة ما يفكر ويحس به، واصفة إياه ببحر غزير الأمواج، وروح متهوجة بالعطاء، وسيال هادر يكتب في مختلف صنوف الفنون الأدبية من مقال وقصة قصيرة ونقد ودراسات فلسفية.

وتعبر البناء عن مدى الإمتنان تجاه الراحل، بالقول: «نحن الذين نشأنا على كتاباته ورواياته وأعماله القصصية نشعر بالإمتنان نحوه لأنه كان جزءا من نشأتنا وتكويننا. تقاسم معنا الأفكار وتجادل مع دواخلنا، وقادنا أحيانا، وعارضناه كثيرا. لكنه بقي اسما مرسوما في ذاكرتنا للبحرين التي أحببنا ونحب ونكتب من أجل أن تكون كما نحلم».

تجارب مؤثرة

من جهتها، تعتبر الكاتبة الدكتورة أنيسة فخرو أن تجربة عمل الراحل عبدالله خليفة في سلك التربية لمدة خمسة أعوام أثرت في الحس النقدي في كتاباته، مشيرة إلى أن «تجربة الاعتقال التي خاضها لسنوات ست من 1975 إلى 1981، كانت لها أثر كبير وواضح في شخصيته وكتاباته، بل إني أرى بأن دخوله المعترك السياسي كان له التأثير الواضح في وقوفه ضد الظلم مع الفقراء والمظلومين طوال تجربته الحياتية الثرية، وبروز حدة الصراع الاجتماعي والطبقي وحجم المعاناة والمكابدة في كتاباته الأدبية والصحفية حيث بدأ الكتابة الصحفية منذ سنة 1981 في مختلف القضايا الاجتماعية والثـقافية في الصحف البحرينية والخليجية».

وترى فخرو أن نتاج الراحل الأهم هو أعماله الروائية التي جعلته علامة أدبية فريدة لها حيز لامع بين كبار الكتاب العرب، مستدلة على أبرزها بالقول: «أهم تلك الأعمال الروائية التي جعلت الأديب والروائي والناقد البحريني عبدالله خليفة في مصاف الأدباء العرب الكبار، هي اللآلئ (1981)، والقرصان والمدينة (1982)، الهيرات (1983)، وأغنية الماء والنار (1989)، ومريم لا تعرف الحداد (1991)، ونشيد البحر (1994)، وساعة ظهور الأرواح (2004)، ورأس الحسين (2006)».

وتضيف إزاء نتاجات الراحل الأخرى «أصدر عبدالله خليفة سلسلة أدبية وتحمل عنوانا موحدا: عمر بن الخطاب شهيدا (2007)، وعثمان بن عفان شهيدا، وعلي بن أبي طالب شهيدا (2008). وتوجها بكتابه عن النبي بعنوان محمد ثائرًا عام 2010. وربما أجمل ما كتبه هو رسائل جمال عبدالناصر السرية الذي صدر عام 2015 بعد وفاته عام 2014 عن عمر يناهز السادسة والستين بعد أن ترك إرثا أدبيا عزيزا نفخر به. 

زاد ثقافي للأجيال

ويلفت الباحث والروائي إبراهيم راشد الدوسري إلى أن إرث الراحل عبدالله خليفة في الإبداع الأدبي والفكري سيظل زادا ثقافيا تنهل منه الاجيال الشابة المثقفة وذات الاهتمامات الأدبية في الحاضر والمستقبل. مشيرًا إلى أن رؤى الأديب عبدالله الإبداعية والفكرية ليس لها حدود.

وبشأن نتاج الراحل الإبداعي يقول الدوسري «جسد عبدالله خليفة من خلال أعماله الإبداعية القصصية والروائية معاناة وصراع الانسان العربي في مواجهة الاستلاب والتهميش وكان واقعيا حيث رصد لحظات الإنكسارات والطموح والصمود وحتى الجنون وكان يتميز اسلوبه بالعمق والتصوير الفني الجميل».

ويتابع موضحا «أما نتاجه الفكري والفلسفي فكان يمتاز بالعمق والتحليل والوصول إلى النتائج بعد عرض المعلومات التي تغني الموضوع الذي يبحث فيه وهذا دليل على ثقافته الواسعة رحمه الله واسكنه فسيح جناته».

مثقف موسوعي

بدوره يصف الشاعر فواز الشروقي الراحل «خليفة» بالمثقف الموسوعي الذي انعكست ثقافته العالية على رواياته. مبينا أنه لم يكن مجرد روائي «بل كان صاحب مشروع ثقافي. فجميع رواياته كانت تعبّر عن هذا المشروع، على اختلاف أحداثها وزمانها ومكانها وشخصياتها».

ويستذكر الشروقي لقاءه الأول مع الراحل عبدالله خليفة، بالقول: «كان أول لقاء لي مع الروائي عبدالله خليفة حين زارنا في جامعة البحرين برفقة الدكتور إبراهيم غلوم، وكنت طالبًا حينها، ودار بيننا نقاش مفتوح حول رواياته. وفي العام 2010م كنت في زيارة للبنان، وأوصاني أن آتي له بنسخ من روايتين له صادرتين حديثًا في ذلك الوقت، هما «ذهب مع النفط» و«محمد ثائرًا». وقد منحني عبدالله خليفة شرف أن أكون أول بحريني يقرأ هاتين الروايتين بعد صدورهما».

إرث باق

ويؤكد الشاعر والأديب الإماراتي الدكتور طلال الجنيبي أن «الرموز لا تغيب، وإنما تترك لنا من إرث الحضارة والجمال ما يخلد بقاءها وهكذا عبدالله خليفة عراب الرواية البحرينية والخليجية، هو باق رغم الرحيل، ومستمر رغم الإنقطاع، وماكث رغم الغياب، وهكذا دأب الكبار دائما وأبدا رحم الله الكبير القدير عبدالله خليفة».

السبت ١٩ أكتوبر ٢٠١٩

 

أضف تعليق