أرشيف الأوسمة: عبـــــــدالله خلــــــــيفة : إعادة تشكيل الأسطورة الشعبية في ساعة ظهور الأرواح

إعادةُ نظرٍ نقديةٍ شجاعةٍ لتاريخ

قبل أكثر من ثلاثين سنة قامت الجماعتان السياسيتان جبهة التحرير الوطني والجبهة الشعبية لتحرير البحرين بالتحالف السياسي مع القوى الدينية الطائفية، بمنظورٍ غيرٍ مستقل وغير نقدي.
كان التحالفُ يمثل ضربةً كبيرة للقوى الوطنية العلمانية لم يُعالج ولم يُنقد ولم يتم تجاوزه، وصار كسقفٍ يبرر استقلال القوى الدينية وقيامها بأعمالِها السياسية الفوضوية المختلفة، ومن ثم تغلغل ذلك في الساحة وشقَّ شعبنا لصفين متعاديين غير قادرين على العمل السياسي المحِّول للمجتمع، حيث لم تُرفض تلك الممارسات وتُدان ويُنسحب من ذلك التنسيق الذي غدا مبررات وذيلية سياسية ألقت بظلالها الكثيفة السلبية على تطور تنيك المنظمتين الوطنيتين.
لقد تكرسَّ ذلك وخاصة في جبهة التحرير الوطني التي كانت قد رسخت التفكيرَ المسئول الوطني، ولكن وعيها الإيديولوجي كان في تلك اللحظة من التاريخ، غير قادرٍ على اكتشافِ الخطوطِ الصحيحة للواقع ولتحول العالم الشرقي في انهيار أنظمته الشمولية، ولم يتم استبدال الماركسية الشمولية بماركسية ديمقراطية، تقرأُ بعمق الواقع، وتنفصل عن التيارات الدينية الشمولية الطائفية، وتقدم خريطةَ تحول ديمقراطية عقلانية.
وجاء التحولُ السياسي المحلي من دون أن تتشكل تلك الرؤية، ومن دون أن يُعالج التنظيم معالجةً ديمقراطية وفكرية صحيحة، ومن دون أن يتشكل تحولٌ شرعي ديمقراطي من جبهة التحرير الوطني إلى المنبر الديمقراطي التقدمي، ومن دون أن يطور التنظيمُ أدواته الفكرية ويعالج مراحل تاريخه، وخاصة تاريخه الأخير ومشيه وراء الطائفيين السياسيين ومشروعاتهم الخطيرة المتفاقمة لاحقاً.
ولهذا فإن التشكيلةَ المسماة المنبر الديمقراطي التقدمي جاءت وريثة هذه الارتباكات والاختلالات وتجميعاً عشوائياً للأعضاء ذوي الارتباط بالتاريخ السابق.

إن العجز الفكري عن التحول لماركسية ديمقراطية، وسيادة شعارات عامة فضفاضة، لم يحولها لجماعةٍ وريثة لجبهة التحرير الوطني في ظروف بناء جديدة متجاوزة الماضي أسلوب سياسة ووعي، بل غدت وريثة لجبهة التحرير وهي تتحللُ من خطوطها الفكرية وتفقدُ أدواتها التحليلية النقدية الغائرة في الواقع والمجتمع.
وإذا كان التحللُ في الجماعات الوطنية السابقة الأخرى هو في أدواتِ الوعي القومي، فإن التحللَ هنا هو في أدوات الوعي الماركسي، التي فقدتْ رؤيتَها الطبقية وموقفَها المعبرَ عن العمال والقوى الوطنية الأخرى في عمليةِ الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية وتكوين دولة مستقلة ديمقراطية علمانية وجزءٌ حرٌ من الخليج والوطن العربي.
كان العجزُ في الانتقال إلى شكلٍ تنظيمي معبرٍ عن الجماعة التقدمية وتصعيدها مماثلاً للعجز في تصعيد الوعي الماركسي إلى مرحلةٍ جديدة وتجاوز التحالفات مع القوى الطائفية وتشكيل تحالف جديد من القوى الحداثية العلمانية الديمقراطية الذي يفتح الطريق المختلف العصري.
إن التذبذبَ بين العصرين التقليدي والحديث، بين الطبقات المالكة والعاملة والأمتين العربية والفارسية، بين السنة والشيعة، كان ينمو في البلد والمنطقة مفككاً كياناتها دافعاً إياها إلى صراعاتٍ ضارية مدمرة. وكان إدخالُ الطائفيين في الحصانَ الوطني النائم منذ دمشق المنفى هو إدخالُ جماعات أولى من المُدمرين للوعي والنضال الوطني والبناء الديمقراطي. وكانت النتائجُ هي تفكيكُ الدفاعات وخلقُ المواجهات الدامية والضحايا بين الشعب الواحد وصنع كوارث كبيرة.
لا تنفصلُ الانهيارات في الوعي وإنتاج هذا الكم المروّع من الخسائر البشرية والمادية عن المسئولية السياسية، وقد قامت القوى التقدمية الوطنية المحدودة التي رفضت الذيلية للطائفيين وخطوطهم السياسية، في مواجهة ذلك قبل ثلاثين عاماً وبعدها، وبتوضيح مسئولية القوى الحكومية والسياسية الأهلية لعدم إجراء التغييرات ووضع حد لمشكلات الشعب الكبيرة الحادة، وبعدم الانجرار للمغامرات التي تفجرت بعد ذلك وقادت إلى مزيد من الوقائع الدالة على خراب هذا الطريق وانسداد الأفق أمامه، لكن هنا اتسعت دوائر الاكتشاف لمساحة انهيار التقدميين السابقين والقوى التابعة للطائفيين لدى دوائر اجتماعية أكبر.
ومن الجهة الأخرى، فإن تراكمات النفي والتجاوز ظلت محدودة ثم أخذت تتسع ولم يعد الموقف التابع للطائفيين سوى كارثة متواصلة على من ساهم فيه. فهذا موقف لا مستقبل له، وقد كانت أضراره على مدى هذه العقود تعلم الحجر. ولهذا، فإن أي معالجة لكل هذا المسلسل لا بد أن تقوم بنقد جذري وانفصال علني عن كل هذه الأخطاء.

إعادة تشكيل الأسطورة الشعبية في ساعة ظهور الأرواح

عبدالله خليفة إعادة تشكيل الأسطورة الشعبية في  ساعة ظهور الأرواح

تتأسس رواية «ساعة ظهور الأرواح» للروائي البحريني «عبـــــــدالله خلــــــــيفة» على إعادة تشكيل الأسطورة الشعبية في سياق نصي يشير إلى تجذر ذاكرة الروائي ووعيه في تراثه الشعبي سعياً إلى تصنيع عالم فني يحاكي العالم الواقعي ويتوازى معه وترتبط أحداثه بمجموعة من الشخوص الذين يواجهون قوى غيبية خارقة ويستثمر الراوي قصة الكنز وهو رمز أسطوري يمثل قصة سحرية غامضة تدور حولها الحكايات ولهاث شرائح اجتماعية مقهورة من أجل الحصول عليه بتسخير الجان واستخدام وسائل السحرة مما يضفي على الحكاية الشعبية أجواءً رمزية وخرافية طقوسية ترقى بها إلى مستوى الأسطورة
ويتخلل سرد هذه الحكايات أهازيج وأغان شعبية تشبه الطقوس الدرامية المشيرة إلى ارتباط أهل القرية الأزلي بالخرافة

والراوي يقوم بإعادة صياغة هذه العوالم الأسطورية وفق قيم إيديولوجية تهدف إلى هزهزة بعض المعايير الثقافية والاجتماعية المتكلسة بغية طرح رؤية معرفية جديدة تدعو إلى إعادة النظر فيما ترسخ في العقل العربي من بعض المعتقدات المتوارثة

وتشكيل الأسطورة الشعبية في الرواية يحل محل الآلية التي كان الإنسان البدائي يدرك بها عالمه الخاص ويتوازى ذلك مع آلية إدراك أهل العدّامة لواقعهم فحينما يكون الهدف النهائي للإنسان البدائي هو البحث عن المعرفة يتمثل الهدف الأساس لأهل العدّامة في البحث عن الكنز بوسائل بدائية تتمثل في ممارسة الطقوس السحرية
ويتم تفعيل البرنامج السردي لتشكيل الأسطورة الشعبية في الرواية على تقنية مؤسسة من نظامين الأول نظام ما قبل الكلام
والثاني نظام ما بعد الكلام
أما الأول وهو نظام ما قبل الكلام فيتوزع على ثلاثة محاور : التفكير والتذكر والأحلام
ففي محور التفكير تسيطر بنية الرموز على حركة التفكيروتغلفها فالرواية زاخرة بالكثير من الرموز والتيمات الأسطورية إذ يضفي الراوي على حادث ميلاد الطفل صفة سحرية مشيراً إلى أسطورة الميلاد في الأساطير اليونانية القديمة فيرمز الطفل للخصوبة والميلاد وترمز شخصية مريم ترمز لدورة الحياة المستمرة والمتراوحة بين التجدد والانقضاء كما يرمز الشيخ درويش للمخلص الذي تتطلع إليه أنا ليخلصها من مخاوفها وإحباطاتها بينما شخصية بو سمرة ترمز للصراع بين الوجود والعدم ويتمثل الرمز الأسطوري في الكنز كواحد من أعباء وأحلام الذات الإنسانية في العدامة كما يرمز بحث الشخوص عنه إلى المعرفة الأبدية التي يتطلع إليها الإنسان والممثلة في محور الخلود السرمدي والذي لن يتحقق وجوده أبداً ومن ثم يظل رمزاً خالداً
وفي محور التذكروالرؤيا الاستبطانية :
نجد الحدث يرتكز في نموه وتطوره الدرامي على آلية التذكر فتتداعى الذكريات على وعي الشخوص والنصوص التذكرية لا تكتفي فقط بالتعبير عن الحدث الواقعي أو الحدث الأسطوري على حدة بل تمزج بين هذا وذاك في بؤرة تذكرية واحدة مما يعمق بنية الأسطورة بهذا الطابع الدرامي المتقيد بحدود الحكاية الشعبية

وفي محور الصيرورة الحلمية
يعيد السياق النصي توصيف الحدث عبر صيغ حلمية تكشف عن حراكية الحدث الأسطوري مما يفرز إنطباعاً بديمومة الحلم وانسيابه في سلسلة متتالية ومن ثم فإن ارتباط الحلم بهذه الديمومة المتصلة يجعله تمثيلاً لما هو حقيقي وابدي

أما النظام الثاني الذي يتأسس عليه البرنامج السردي فهو نظام ما بعد الكلام
ويضم ستة محاور
ففي محور الطقوس الأسطورية
نجد الراوي يؤسس للنظام الأسطوري في الرواية متكئاً على استغلال عناصر الموروث الشعبي لحكاية ( الكنز ) كما يفيد الراوي من تقنية ( الرؤيا ) التشوفية التي يدّعي بعض السحرة أنهم يتنبئون بها للمستقبل ويوظف مجموعة الحكايات الخرافية المرتبطة بالكنز الذي يتشكل تشكلاً غرائبياً
وتتوالى عمليات تراكب الحكايات الواقعية مع الأسطورية مما يسهم في تنامي تشوفات الشخوص وحلمهم بكنز الأجداد المدفون تحت الأرض ويشي سعي الشخوص في الحكايات المتراكبة إلى حلم الحياة الأبدي الذي لا يكف فيه الإنسان عن تطلعه لكنز غيبي يمثل تطلع الإنسان إليه للحصول عليه دورة مكررة في الحياة ويرتبط هذا الحلم بطقوس فلكلورية تغمر الإنسان في خضم طقوس سحرية تجذبه نحو عالم سفلي غامض وأثير فتتوازى غواية البحث عن ( الكنز ) مع غواية البحث عن ( الحقيقة )

وفي محور الخلاص وازدواجية الفجوة بين الواقع والأسطورة
نجد الحلم الضائع الذي يمثل تلك الفجوة المتنامية بين معطيات الواقع الحقيقي ومعطيات الواقع الحلمي هو البنية الدينامية الفاعلة والتي تسكن روح النص وتشي بنفسها في الأسطورة المعبرة عن المفارقة الكامنة بين جوهر الذات وبين طبيعة النسق الاجتماعي القائم وهذه المفارقة هي المولدة لبنية الفجوة التي تطرح الاسئلة لتحريرها من ركمات الخراب
كذلك تشير الرواية إلى أن العطالة التي تعانيها أنا الجماعة في المجتمعات العربية هي المحك الأبرز في تشكيل الخرافة وهزيمة الذات الانسانية ومن ثم فالراوي ينتقد أنا الجماعة بقيمها البالية التي رسخت السلوك الخرافي المولد لهزيمة الذات الإنسانية
وفي النهاية تتجاوز الرواية المستوى الأسطوري البدائي بعد أن قامت الأسطورة بأداء وظيفتها التي أهلتها للنهاية الصادمة مع الفكر الأسطوري البعيد عن واقعية الحياة فيصبح العقل أقدر من الأسطورة على خلق منظور جديد للواقع
وبذلك تكون الذات العربية قد تحررت من لعنة الخنوع التي بقيت تلاحقها منبعثة من زمن الخرافة وحتى زمن الآلة التي كان لها السطوة في تحويل الذات من ذات مستلبة من قبل قوة ميتافيزيقية إلى ذات ما زالت مستلبة ولكنه الاستلاب الحضاري الذي طوق مجتمع العدامة إبان تطوره وانتقاله إلى زمن الآلة التي عمقت مفهوم الغربة بين الانسان وذاته وبينه وبين الآخر ولكنها بشرت في الوقت نفسه بواقع يسيطر عليه العبث والتشتت في مقابل الحلم بالميلاد الجديد

وفي محور التشكيل الميثولوجي للشخصية نجد شخوص العدامة تعيش الشيء وضده مؤكده انقضاء كل الأشياء وأن الحلم الخالد مجرد خدعة كبيرة وتبدو الشخوص كما لوكانت تحيا حياة بدائية بامتلاكها القدرة على الاتصال بقوة غيبية تمدها بأسباب السيطرة على الواقع المعاين وتمنح الشخصيات بعض الأمتيازات الممثلة في القدرات العجيبة والتحكم في الآخرين ومن هذه الشخصيات شخصية الشيخ درويش الذي سعى إلى إقناع الناس بوجود الجن في حياته ومن ثم ارتبطت الشخصية في أذهان الناس بأنها ذات بعد أسطوري ويتحول إلى ساحر يوهم الناس بأن العالم الذي يعيشون فيه مملوء بالكائنات الغيبية التي بإمكانه وحده أن يتصل بها زاعماً أن بقدرته التحكم في الأرواح وتوجيهها الوجهة التي يريد
فتتجسم الشخوص من خلال حضور كائنات غيبية وقوى خارقة ممثلة في المردة والعفاريت والأرواح كما تحضر أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة

أما في محورالمصاحبات الصوتية والبصرية
نعني به الجزء القولي المصاحب للطقوس التي تصف الأسطورة بصورة تمثيلية تتولد عنها أصوات تسمع وكائنات تتحرك في الفضاء النصي للرواية فقد شغل العالم السفلي بوصفه مصدراً تأتي منه الشياطين والأرواح الشريرة مساحة واسعة من وعي الشخوص وذاكرتهم في العدامة ففي النظرة الأسطورية للعالم اعتقد الإنسان أن الأرواح وعالم الجن تحل في كل مكان في الأشجار والحجارة والرياح والنجوم وتتحول إلى كائنات متحركة قادرة على الفعل وفي الوقت ذاته يقوم الساحر عن طريق أداء تمثيلي باسترضاء هذه القوى بممارسة طقوس معينة وإنشاد ترانيم وتعاويذ وإشعال البخور المصاحب للطلاسم الغامضة كل ذلك يجعل الحدث مترافقاً مع مصاحبات صوتية وبصرية
وتتحول هذه المصاحبات الصوتية والبصرية إلى لغة أسطورية تلعب دور الكورس في المسرح الإغريقي وتوحي بأجواء ملحمية

أما في حراكية الزمن المثيولوجي ودائريته
فيبرز الزمن الدائري المرتبط بالدورة الطبيعية التي يمر بها الإنسان من خلال وجوده العضوي فيما يضمر في طياته العودة الأبدية للشئ نفسه
كما يمتزج الزمن الأسطوري ويتشابك زمن الحكاية الأساس مع زمن بعض الشخصيات الأخرى عبر حكايات عاطفية قصيرة وما يفتأ جميع الشخوص أن يجمعهم زمن واحد هو زمن البحث عن الكنز مما يهيئ لبروز حكاية أسطورية وتناميها من خلال امتزاج الحكايتين وتراكبهما
فتتسم الرواية بثراء الفضاء المنفتح على تضاريس المكان بمناخاته الشعبية المتوترة والمترقبة للعثور على الكنز جامعا بين الفضاء التراثي المرتبط بالأساطير الشعبية وبين فضاء الأمكنة الحديثة مما يجعل العدّامة تتأبى – كمكان- عن طوابعها الواقعية الاعتيادية لترقى إلى مرتبة أسطورية تتغيا لها مكاناً في الوعي والذاكرة

وفي محور الحضور الطقسي للغة المجازية :
برزت التشكيلات اللغوية أقرب إلى طبيعة الشعر تواؤماً مع مستويات التشكيل المثيولوجي
حيث يتمتع الشعر بلغة أسطورية وتشترك الأسطورة مع الشعر في لغته القريبة من المجاز
بفطريتها التي تثير دهشة المتلقي نتيجة تعبيرها عن المكامن الغامضة والمعبرة عن دهشة العالم كما يوظف اللغة المجازية الفارزة لأجواء معبأة برائحة الحكايات والطقوس الشعبية

وأخيراً فنص ساعة ظهور الأرواح معبر عن الإمكانات الثرة التي يزخر بها التراث في الجزيرة العربية

د. أسماء أبو بكر
ملخص ألقي في ملتقى قراءة النص في جدة والموسوم بــ ” الرواية في الجزيرة ” بتاريخ (27-29 -3 1430)