من ذاكرتنا الوطنية

بدون عنوان

انتهى عهد القنابل الانفجارية واللغوية والشعارات الصارخة وحل زمنٌ جديد !

ولن يغسلَ أجسامَنا وذاكراتنا المغبرة بصدأ السنين وغبار النسيان وترهل الروح سوى الاعتراف الموضوعي، والبوح الجميل !

ليس فينا من هو كامل وتام، الذي لم يخطئ، وليس فينا من هو من معدن البطولة الخارقة، ولكن فينا من ناضل وجمع الحطب القليل للتنور الوطني، ومن كتب المنشورات في الليل المعتم وفي الغرف المرهفة بكل آذانِ جدرانها لخطى الأحذية، ومن خط أول شعار على الجدار العالي على المحكمة القديمة بكلمة  [يسقط الاستعمار]، ولم يكن البحارة الأميون وباعة المفرق المتناثرون يفهمون حتى هذه الخطوط السوداء الكبيرة التي كـُتبت على الجدار، وفي عمق سوق المنامة، وحتى التجار المتعلمون نظروا بدهشة إلى هذا الشعار الغريب !

ولم يفهم المارة والشرطة الذين غسلوا الشعار إنهم أمام حقبة جديدة من التاريخ !

لكن أن يتجرأ أحدٌ على الكتابة العالية، ويضع أمام العيون يافطة مكتوبة بالدم والوعي، ثم يزاحم الأكتاف القاسية ويكتب ورقاً ويقود تجمعات ويقفز على المتاريس ويتلقى الرصاص ويموت، فإن هذا هو الشيء المذهل..

أربعون سنة وهذا التاريخ الوطني غائبٌ، فورقةٌ منه تكفي لإرسال صاحبها وراء الأسوار، وحين تقرأ كتيباً عليك بعدها أن تحرقه أو تعطيه لآخر  وآخر حتى يكون مصيره الأخير في النار ! فامحت الذاكرة أو كادت .

كانت كلُ المجلات التي تتكلمُ عن نضالِ الشعوب متوفرةً في المكتبة الوطنية في الشارع الذي هو امتداد لما كان يـُسمى شارع الظلام، ثم سُمي الشارع المسقوف، وهو الشارع الذي تصطفُ فيه المحلات الكبرى وقتذاك، وفي خلفياته تقع المقاهي التي يتجمع فيها الهامسون، وهم المناضلون الذين يتواعدون، ويتبادلون قصاصات الصحف والمجلات والكتب والأخبار، وكانت المجلات والصحف القومية الناصرية هي التي تعلو الرفوف ويتخاطفها القراءُ بسرعةٍ شديدة !

كان من يريد أن يصبح مشهوراً وقائداً يلتحقُ بالهيئة وبالقوى القومية الناصرية، وأذكرُ أحدَ معارفي وكان طموحاً وشبه أمي، ولكنه أصر أن يكون ناصرياً بارزاً، فكان يكثرُ الإغارة على ذلك الشارع ويشتري المجلات المصرية، [آخر ساعة، والمصور] ويملأ بها بيته ومن ذلك الشارع، ثم يمشي في كشافة الهيئة، والكثيرون يفعلون مثلما يفعل والنضالُ حماسٌ وصخب حاد وشعارات متوهجة !

كان يبدو لك من هياج الناس أن كلَ  فرد هو إنسان مناضل، تحفُ به الأرواحُ المقدسة، وأنه طاهر نبيل، وأن الوطن سوف يتحرر في غمضة عين، وأن العاصفة القومية ستكنسُ كل شيء في لمح البصر، وأن هدير المذيعين وصخب الإذاعات قادرٌ أن يحّول الوطن العربي الممزق إلى دولة جبارة تتفجرُ طاقاتها الصاروخية بلمح البصر وتستولي على المريخ قبل الروس والأمريكيين !

لكن هذا الرجل من معارفي بعد سنوات تحول إلى مقاول لا يعرف شيئاً عن السياسة، ويعرف الكثير عن فنون النصب والاحتيال، ويهتم كثيراً كيف ينتزعُ بيتاً من قريب متأزم مالياً، وكيف يبهرجُ الكلام ويصبح وجههُ كثيرَ الابتسام بشوشاً للمصالح والمكاسب متوارياً في الخسائر والمطالب !

كان هؤلاء الصاخبون المنفعلون أوقات الأزمات والثورات يظهرون وكأن لا أحد شريف وثوري غيرهم، وكانوا يملأون باصات طلبة المدارس بالصخب، ويعتدون على الناس لأقل شبهة، ثم يمضي الزمن وتراهم موظفين قساةً على مرؤسيهم، يقومون بأي شيء من أجل أن ترتفع درجاتهم ونسوا النضال الوطني، وكأنهم ليسوا هم الذين اتهموا الكثيرين بالخيانة للروس والفرس والإنكليز، ثم بلطوا على خط المال والوشاية والتفاهة !

ليس في النضال الوطني أهم من الاجتماعات والشخصيات البارزة والكتب والنزول إلى الشارع إذا حمى الوطيس !

ولعل الكتب قد لعبت في حياتي دوراً لا يقل عن ذلك الشريط من البشر المكافحين والسجون الممتلئة، والشوارع النازفة !

لقد كان بيتنا الواقع في حي العمال بمنطقة القضيبية لا يكادُ يعرفُ شيئاً أسمه الكتاب . وكنت أتحرق شوقاً إلى الكتب، إلى درجة كبيرة، لأن بعض أبناء الميسورين في المدرسة من أقراني كانوا يتحدثون عن كتب دارون وفرويد ونجيب محفوظ والعقاد، وأقصى ما حصلت عليه في طفولتي كتاب مغامرات عنترة بن شداد، الذي لا يزال حتى الآن ترتعش سطوره بين عيني وكأنه مفتوحٌ أمامي !

وحاولت أن أقرأ في المكتبة العامة بالمنامة، حيث كانت مدرسة الثانوية أشبه بقلعة من قلاع المعرفة، تحيطها الساحاتُ، ويبدو شبكها المعدني الطويل، مصيدة لأوراق الشتاء المتطايرة وللطباشير، وقلعة للنضال الوطني ولتخريج الكوادر في سبيل الحرية ! وتجثم المكتبة العامة في جانبها الشمالي، ويبدو الحصول على كتاب فيها لطالب أشبه بمغامرة محفوفة بالمخاطر، وللأسئلة والكثير منها كتب أدبية تقليدية.

فغدت المكتبة الرئيسية التي تعلمتُ منها هي مكتبة التنظيم، ففي [ الجبهة ] ليس ثمة كتاب خاص، وأهم الأشياء التي تبقى معك بعد الاجتماعات السريعة هي الكتب، والكتب ليست بالقطاعي وليس ثمة وقت محدد للترجيع والاستعارة، وللسؤال عن ميولك وعنوانك وولي أمرك !

هنا نهرٌ من الكتب يتدفق بلا ثمن، و[ كوارتين ] مليئة تــُعطى لك لتقرأ، هنا أكبر الباحثين؛ مجلدات رأس المال، وكتب سلامة موسى وجورج حنا، وأدب المقاومة، والأعمال الكاملة للينين وروايات مكسيم غوركي والفولاذ سقيناه، وجورج آمادو، وأسس الفلسفة وكتب ماوتسي تونغ وغيرها كثير..

وفي الأسواق يكمنُ الباعةُ الشعبيون للكتب والمجلات التقدمية. في المخارقة يجلس الكهلُ من عائلة زليخ يبيعُ البضائع البسيطة العادية، ولكن يأتي إليه مثقفون وعمال، ويستغرب بعض الناس كيف يستقبل هذا العجوز هؤلاء، ثم يخرجون ولم يشتروا شيئاً.

كان المثقفون يأخذون المجلات الفكرية والسياسية الموضوعة تحت علب وصناديق البضائع، والتي تأتي من بيروت، وخاصة مجلة [ الوقت ]، التي كانت هي مجلة قضايا السلم والحرية والاشتراكية التي تصدر في براغ بالمعسكر الاشتراكي وقتذاك !

وفي تلك الأوراق القليلة كنتَ تقرأ تحولاتَ العالم والموائد المستديرة التي تعرض خبرات الأحزاب وصراعات الفكر والسياسة !

وفي مكتبة البحرين كانت الكتب الأدبية التقليدية تملأ الرفوف وكانت العتمة والغبار ولكن تحت الطاولة توجد كتب هزت العالم وغيرت التاريخ ! وإذا كان صاحب المكتبة يعرفك جيداً فسوف يفتح لك الدهاليز السرية !

وفي الانفتاح الأول ظهرت مكتبة النجمة، وانهمرت الكتب الفكرية والتقدمية، حتى غدت هذه الكتب موضة المكتبات الأخرى، ثم جاءت سنواتٌ كان أكثر من يقرأُ فيها هو النار !

وبعد سنوات حين أخذتنا الصناديق في الصحراء وعزت أوراق الكتب، وأدمنا قراءة الروشتات الطبية رحنا نتذكر بحسرة ذلك العالم الساحر المليء بكتب بلا ثمن، والتي حين خرجنا كانت قد ضاعت أو احترقت أو صودرت أو نـُسيت في ممرات الزمن المغبر .

كانت أحياء القضيبية والحورة والعوضية في شرق المنامة تتجاور وتكاد تتلاصق بشدة، ولكنها تبدو نائية عن بعضها، وكأنها قرى منفصلة!

كانت القضيبية أشبه بفضاء متسع، فيها مناطق سكنية صغيرة متناثرة؛ يجثمُ فيها قصران، قديم وجديد، وفيها قسمٌ من الأكواخ وعرائشُ السعف ومناطق الفرق الموسيقية الشعبية القادمة من جذور أفريقيا السوداء، وهي المساكن التي عصفت بها الحرائقُ ولم يبق منها سوى هذه الأطلالُ النازفةُ والصادحة!

أما الحورة فكانت منطقة سكنية مزدحمة، تكدس فيها فقراء، أحاطها البحر من جهتين، واتخذت الحكومة المنطقة الشمالية كمستودع عائم وأرضي للقمامة، وبدت الحورة أكثر بؤساً من بقية المناطق.

أما فريق العوضية، فهو بيوت أكثر التصاقاً وحداثة ونعمة. كانت أجواء الانفكاك تخيم على هذه الأحياء رغم أن حركة هيئة الاتحاد الوطنى قد جمعت الشعب في كيان واحد، لكن هزيمتها وعودة اليأس والحزن، أعادت الناس؛ الى أجواء العداء والتفكك والريبة.

فكانت المعارك تشتعل بين الأحياء، ثم أخذت أنفاس الحركات السياسية الجديدة تتوغل إلى هذه الحارات بصور متفاوتة.

فإذا كانت الحورة قد استقبلت المد القومي بصورة حماسية، وانعكس ذلك على تشكل خلايا قومية فيها، فإن العوضية كانت قد أخذت تتشرب الماركسية منذ أوائل الخمسينيات، فتدفق المهاجرين المطرودين من إيران، والأحداث الوطنية العاصفة هناك، ومناخ حركة الهيئة التي قذفت بالجمهور في النشاط السياسي، وتضخم أعداد العمال البحرينيين بصورة واسعة سريعة، كل هذه جعلت من الوعي التقدمي عملية ضرورية، تستدعيها مهمات الحركة السياسية الوطنية التي قذفتها الهيئة من الانتشار الهائل إلى الغياب الكامل!

كانت الحركات القومية المختلفة تقوم بذات أخطاء حركة الهيئة، من حيث البنية التنظيمية، فهي تقوم بحشد الشباب المتحمس، وتعتبره منظماً بصورة آلية، دون أي عملية انتقاء وتثقيف، وكذلك من حيث غياب الوعي المبرمج والمدروس والممنهج. ولذا كانت مسألة البرامج مسألة في غاية الأهمية حينذاك بسبب أن حركة الهيئة كانت حركة مبلبلة، مشتتة، لم تطرح أهدافاً استراتيجية ممكنة التحقيق، فهي تطرح مطالب ديمقراطية جزئية كانتخابات أعضاء إدارة ثم تتراجع عنها، أو تعتبر نفسها جزءاً عضوياً من حركة الوحدة العربية والإسلامية. دون أن تظهر مسألة الحرية الوطنية والاستقلال الناجز كهدف رئيسي محوري.

ولهذا فإن المجموعات القومية التي راحت تكرر أخطاء الهيئة في الحورة أو المحرق، أخذت تتحس لظاهرة جديدة بدأت تظهر في العوضية! فجبهة التحرير التي ظهرت كنواة صغيرة في خضم حركة الهيئة، راحت تعمل بأسلوب سياسي وفكري مغاير في هذه المنطقة المحصورة بين الأحياء «العربية والدينية المذهبية المختلفة»، فانضم عاملٌ جديد إلى نزاعات الأحياء، وغذته أطرافٌ مختلفة ليتحول إلى صدام شخصي واجتماعي . فتشكيل خلايا صغيرة، وقراءة المجتمع بصورة جديدة، وتثقيف الأعضاء والأصدقاء بصورة منظمة يومية، وطرح شعارات سياسية مناسبة، كان هذا شيئاً مغايراً مخيفا، فلا شك أن وراءه قوة خارجية خطيرة!

فظهرت حملةٌ عنيفة على « العجم » و« المتسللين »! و« الشيوعيين المخربين »؛ وكان هذا يترافق مع المد القومي، حيث تتفجر الإذاعات بالجمل الملتهبة، عن الخطر الإيراني، وكان البعض يعتدي على الخبازين البسطاء باعتبارهم جواسيس!

ثم ظهر الخطر الروسي والسوفيتي وتغلغل روسيا الشيطاني إلى منابع النفط! وكان وراء كل هذه الحملة والصراخ اتجاهات شتى، تداخلت فيها الأهداف الغربية الاستعمارية مع حركة القوميين العرب والبعثيين والناصريين بضرورة مقاومة القوة السياسية الجديدة: قوى المعسكر الاشتراكي حينذاك وتجسده التقدمي العربي.

كانت طبيعة الحركات القومية المختلفة، عبر انتفاخاتها التنظيمية التي تكبر بصورة واسعة في بضعة أشهر ثم تختفي في السنوات التالية وكأنها لم تكن، تصيب بأضرار بالغة الحركة الوطنية الناشئة في ظروف مخالفة جنينية، بعد عملية يأس حادة بعد أن أخفقت حركه الهيئة بصورة مروعة والتي كانت أشبه بدولة فى عزها!

ولم يكن الأمر يعود فقط لعملية النمو المترهلة فحسب بل أيضاً في طبيعة الحركة التى تأخذ في نموها السريع الحشائش الضارة والأزهار الصغيرة إلى دوامة الفعل السياسي الفوضوي، والقيام بأعمال سياسية لم يحن أوانها، وتتحول إلى مغامرات تضر العود الهش للحركة الوطنية بعد كبواتها المختلفة والتي يكون حصادها مفقودين وشهداء ومنفيين وحرائق!

وقد تجسد ذلك في ربط البحرين بالأحداث في البلدان العربية بشكل عاطفى وحماسى صاخب، فكأن الشعب البحريني مهمته هي فقط في التضامن مع أشقائه، دون اعتبار للفروق بين عمليات التضامن القومي وعمليات الصدام الوطني، فكل عملية تضامن تتحول إلى معركة محلية حادة، فراح جدول الحركة الوطنية البحرينية يرتبط بمناسبات الثورة المصرية وخطب قائدها وانقلابات سوريا الكثيرة وصراعات العراق التي لا تنتهي! ولهذا كان أحمد سعيد يقود شوارعنا المحلية أكثر من الزعماء الطالعين تواً من الطفولة!

ومن هنا كانت احتفالات الوحدة والصدامات بين القوميين والبعثيين والشيوعيين تنعكس بشدة على الشوارع، والدكاكين وجلسات المقاهي، وانقسم الناس فجاة بين عبدالكريم قاسم وجمال عبدالناصر وأخذت المعارك تنتشر!

من هنا كان تفكير جبهة التحرير بفك الارتباط الآلي بين القومي والوطني مدعاة لاستنكار الاتجاهات القومية التي لم تكن تملك برامج وطنية داخلية، ولم يكن لديها خطط عمل سياسية واضحة، وتعيش على الانفعال. وقد تم اعتبار فك الارتباط الآلي هذا بمثابة خيانة قومية، وارتباط مباشر بموسكو عدوة العرب، ويصل ذلك حتى إلى مستوى الفرق الرياضية وأسماء الأندية، فهناك « العربي » وهناك « الوطني »، وهناك العروبة والشعلة والفجر والوحدة، فأخذت التيارات السياسية تنقل خصوماتها وشعاراتها إلى الجمهور والحياة اليومية!

لكن خط جبهة التحرير الصغير والمحدود جماهيرياً راح يؤكد نفسه وينمو بصورة مطردة، فالضربات المستمرة ضد التنظيمات المتضخمة كانت تؤدي إلى انفلاشها وعدم تركها أي أثر سوى الحسرة والمعتقلين المعترفين، الذين يتحولون من التطرف إلى السلبية الكلية، أو الارتداد.

وهو ما كان يحدث بصورة مستمرة في جنين الحركة الوطنية على مدى عقود القرن العشرين الأولى خاصةً، من حيث غياب التراكم الفكري والتأسيس النظري السياسي، وتعرض الحركة للعفوية والانفعالية الشديدة وأخطارهما. وهي جوانبٌ ستورثها الحركةُ السياسية « العلمانية » لشقيقتها وخصيمتها الحركة الدينية.

بطبيعة الحال لا يعنى هذا أن حركات التحرير كانت منقطعة عن هذه التقاليد، أو أنها لا تحوي أخطاء من نوع آخر، وكذلك فإن هذه الحركات الوطنية المنتفخة كانت تشكل حماية للتنظيمات الأكثر بعد نظر، وكان تقلص الحركة الوطنية وهزائمها أمراً مضراً للتنظيمات اليسارية الوليدة، التي انضمت إليها الشعبية عبر التحول في حركة القوميين العرب.

ولهذا كانت الانتقادات الموجهة لها من باب الحرص على تماسكها وقوتها الداخلية، لكن تلك التنظيمات رأتها كمعاول هدم لها!

لابد من التأمل العميق في تاريخنا الوطني لمزيد من العبر، لذاكرة قليلاً ما تتعلم، بسبب تاريخها البدوي – القروي القريب والمتجذر.

ولهذا فإن أخذ احدث الموضات الفكرية لا يعني الانتقال للحداثة!

كان صعود جبهة التحرير والجبهة الشعبية في فضاء أواخر الستينيات وفي عقد السبعينات برمته، هو تعبير عن تحول البحرين إلى بلد تهيمن فيه المجموعات العمالية والطلابية وانهارت فيه الزراعة وانعدمت فيه طبقة الفلاحين، وأخذت الأزمتان الاجتماعية والوطنية المتداخلتان يتم التعبير عنهما بالشعارات اليسارية المتصاعدة.

كان صعود التنظيمين يؤكد أن زمن التنظيمات الفضفاضة قد رحل، وأن الخلايا الصغيرة والأفراد المنظمين بشكل دقيق، هو العمل الحزبي الذي يستطيع أن يتجذر في الواقع ويصمد.

وكان واضحاً منذ البدء أن تكوين التنظيمين الاجتماعيين مختلف ومتداخل كذلك، فالتحرير التي نمت على جذور عمالية أكبر احتوت العديد من المثقفين والطلبة، كما أن الشعبية التي أسسها المثقفون وأفراد من الفئات الوسطى والصغيرة، تضم كذلك عمالاً.

ومن هنا كانت قواعد التحرير في المصانع والحياة العمالية، فنمت على أكتاف الإضرابات وتغلغلت في القرى حيث تصاعد وجود العمال. ولهذه النشأة حيوية في البدايات، حيث ظهر نمط من العمال المسيسين والمعلمين والمثقفين كذلك، الذين كرسوا فكرة (الماركسية — اللينينية)، حيث هناك خطوط عريضة صارمة للحركة، تعود لتأسيسات الأممية الثالثة وأدبياتها، وغدت هذه الخطوط الفكرية مهمة في الإجابة عن أسئلة الواقع والتطور، أي كيف يجري النضال ضد الاستعمار وكيف يمكن خلق جبهة وطنية عريضة تجمع الناس لتجاوز النظام الاستعماري؟ وكيف تتشكل التكتيكات ومن هى الطبقة التى تكون طليعية في هذا النضال؟

كان وجود العمال البحرينيين الكثيف وانتشار مثل هذه الأفكار يعودان لعوامل متداخلة، فكأن الظروف الموضوعية بحد ذاتها تجذب هذه الأفكار وتنشرها بين الفئات المثقفة من العمال والطلبة، فتحصل هذه الأفكار على انتشار وتأثير وتصمد بقوة في امتحان الواقع، أكثر من التنظيمات القومية الواسعة والفضفاضة، كذلك فإن طبيعة الفكر الملتحم بنظريات في الاقتصاد وعلم الاجتماع، كان ذا جاذبية خاصة.

لكن على أي مستوى فكري ونظري استطاع فكر التحرير أن يشكل أدبياته الدقيقة فتلك مسألة بحاجة إلى دراسات . وأذكر هنا دراسة كانت منتشرة بعنوان « المد والجزر في الحركة السياسية »، وكانت هذه الكراسة المكتوبة بخط الأيدي الكثيرة التي تتداولها وتنسخها، وتحرقها، تعالج أسباب الخفوت والاندفاع في الحركة السياسية الوطنية، ولماذا لا تنمو تتجذر؟ الأفكار بسيطة وساذجة ولكنها حينذاك في أواخر الستينيات تبدو كشعلة من الضوء الباهر! وكانت تبحث بشكل صحيح لماذا لا يشارك الناس في السياسة وكيف يقوم المناضل بجذبهم؟

وأول مقالة شبه علمية تعالج التطور الاجتماعي البحريني ظهرت في مجلة الطليعة المصرية التي كان يرأسها لطفي الخولي، والتي أخذت تثري الساحة العربية بنفس تقدمي جديد، هذه المقالة كتبها سيف بن علي (أحمد الذوادي) في بداية صدور تلك المجلة، وراح يعالج فيها اقتصاد الغوص والنفط وتشكيله المجموعات السكانية، وكانت اللمحات الأولى عن الطبقات والاستعمار، وفيما بعد تزايدت المقالات والكتيبات التي تعالج قضايا السياسة الملحة، كالموقف من اتحاد الخليج العربي المقترح في ذلك الوقت، الذي كان فيه التحليل متواضعاً حيث يقوم هذا التحليل على فكرة أن الاتحاد التساعي وقتذاك سوف يقام وما الأحاديث عن الاختلافات سوى فبركة وخداع! ولكن تلك الاختلافات غير المدروسة كانت حقيقية فعلاً، ولكن هذا كان تعبيراً عن ردود سريعة وعدم تعمق في قراءة الواقع!

أخذت الجبهتان: التحرير والشعبية تثبتان دورهما السياسي المؤثر، وكان اعتماد الشعبية على المثقفين والطلبة قد جعل صوتها أكثر انتشاراً ونشاطاً، ولهذا برزت بقوة في الاتحادات الطلابية وجسم المثقفين المحدود وقتذاك.

ومع انعطاف حركة القوميين العرب إلى الماركسية صار اليسار مهيمناً على الشارع البحريني‘ وبدأت عملية تجذير للوعي السياسي، وللأدبيات السياسية الوطنية، واختلفت المنشورات بشكل واسع، فغدت مركزة على التحليلات الاقتصادية والاجتماعية، وأخبار الناس العاديين وقضايا الفساد، وراحت تسرد بالأرقام والوثائق، ولم يخلُ ذلك بطبيعة الحال من الشعارات العامة والعاطفية الزاعقة!

وفيما كانت التحرير تتمركز على الشأن الوطني كانت الشعبية تجمع بين الشأن الوطني وقضية تحرير الخليج والجزيرة العربية كلها. كان النهج القومي قد تبلور هنا في حركة قيل: إنها واسعة وتمتد من الكويت إلى عمان، وان التركيز على الشأن الوطني البحريني المحدود فيه ضرر على طبيعة الحركة وتطورها. فيما كانت التحرير ترفض هذا التوسع، وتركز على قضايا الواقع الحقيقية، أكثر من فرض قوالب من الخارج، لكن عدم الاهتمام بالشأن القومي والمناطقي كان ليس تعبيراً عن عدم وجود حركات شبيهة بالتحرير فى مناطق الخليج الأخرى، ولكن أيضاً في عدم الاهتمام والدرس لواقع المنطقة الخليجية المترابطة عضوياً ، وعدم درس لجذور النضال في المنطقة الممتدة في الحركات الشعبية القديمة.

ولكن الصلة بالحركات السياسية خارج البحرين لم تأت بجوانب إيجابية مفيدة وقتذاك، بل أدت إلى أضرار، عبر تخوف البريطانيين من هذه الامتدادات، وتحول جبهة طفار إلى جبهة ساخنة فعلية‘ فكانت ردودهم حادة عبر التدخل الإيراني القمعي، والحملات الخ..

انعكست هذه الأضرار على مسار الحركة الوطنية البحرينية، فكان سلق الأشكال السياسية الفوقية وعدم تجذرها في الترب الموضوعية، والقفز إلى أشكال ومهمات سياسية عليا، قد جعل الحركة السياسية تضعف، وتدخل في صراعات داخلية وتمزقات كانت لها نتائجها المستقبلية في ضعف حركة اليسار.

حينذاك أخذ الخطان السوفيتي والصيني يبرزان ويتصارعان عالمياً وعربياً وبحرينياً، وركز الخط الأول على النضال السلمي والديمقراطي البعيد المدى، في حين توجه الثاني نحو الدعوة لحرب التحرير الشعبية باعتبارها الوسيلة الوحيدة للتغيير، وكان تطبيق هذا في ظروف البحرين والخليج كارثة!

كان هذا التنافس المضر يبعثر الطاقات ولكنه كان يتوسع، وهناك من يغذيه ويحوله إلى خنادق، لكن الحوار المسئول كان يجري كذلك، والعمل المشترك المحدود يثبت أن النضال الجماهيري هو أفضل وسيلة للتغيير، وحينذاك كانت هذه الوسيلة مجسدة ومتنامية في نضال العمال والناس والطلبة في كل مكان، وكانت أحداث السبعينيات كافية لإثبات أن النضال النقابي يمكن أن يتحول إلى نضال وطني واسع في الشوارع، وينتقل من جوانب بسيطة إلى نضال من أجل الديمقراطية والحرية والبرلمان والدستور.

وبطبيعة الحال كانت اليسارية الطفولية تظهر هنا كذلك عير تسييس كل قضية عمالية، وجعلها صداماً سياسياً وأزمة عامة، وهذا ما يتم استغلاله لضرب الحركتين العمالية والسياسية كذلك.

فتحولت صراعات عمالية بحتة في طيران الخليج وألبا إلى أزمات سياسية ومن ثم بدأت عمليات استيراد العمالة الأجنبية وتقليص العمال البحرينيين إلى ثلث العمالة العامة.

يعود « زخم » التيارات الوطنية والدينية كذلك على حماس الجمهور البسيط للعملية السياسية المشحونة التي ينبغي أن تغير أوضاعه الصعبة، لكن هذه العملية تصّعد عموماً أفراداً من الفئات الوسطى خاصةً إلى المراكز القيادية في التنظيمات السياسية، التي تستطيع أن تنتج أفكارها، فبدون هؤلاء الأفراد المثقفين يستحيل أن تتم كتابة البيانات .

وينمو العمل السياسي مادامت هذه الرابطة قوية ومتوهجة بين أولئك العمال والموظفين والعامة عموماً وهؤلاء المثقفين الذين يصعدون تدريجياً إلى القيادة الكلية للتنظيمات.

ولهذا نجد الفروق كبيرة بين بدايات جبهة التحرير والجبهة الشعبية وبين ما آلتا إليه، ففي البدء كان « زخم » العناصر العمالية والطلابية والفقراء عموماً مهيمناً على القواعد والقيادات، لكن في النهاية اكتسحت العناصر « المثقفة » المستويات العليا بصورة شبه كاملة.

لقد نقل هذا التصعيد الثقافي الحركات الوطنية من المستوى العامي البسيط، ومن الارتباط بشعارات الخارج، إلى الحفر الوطني الداخلي، وبهذا غدت الحركات أكثر اقتراباً من عمليات التحليل الاجتماعي والاقتصادي للبنية الاجتماعية، فتطورت النظرية الوطنية تطوراً كبيراً قياساً إلى أفكار الخمسينيات حيث كانت تتركز الأفكار على المطالب الجماهيرية المباشرة، أو على نقل شعارات العالم العربي والإسلامي.

لقد عكست العلاقة بين المثقفين والعمال التي تشكلت داخل التنظيمات الوطنية البحرينية، رؤية اليسار العالمي في ذلك الوقت، حيث ينبغى تجاوز المرحلة الرأسمالية وطرح البديل الاشتراكي، ورغم أن ذلك لم يُطرح في الأدبيات بصورة مباشرة، فإن ممارسات الحركات كانت تُقصى البرجوازية المحلية، وكانت أغلب البيوتات التجارية قد تركت المعارضة، وبهذا تحمل العمال الجهد الأكبر من التضحيات.

وسيكون لاتجاهات المثقفين نحو الارتباط الشديد والحماسي بالعمال، ثم الانفصال عنهم، أسباب عميقة فقد وجدوا مادةً بشرية تبذل التضحية والمساندة المالية، ثم كانت هي الطبقة « الموعودة » بصناعة الجنة الأرضية، ومن هنا طرح « الماركسية – اللينينية » الشعارية حيث الانفصال عن الإرث الديني، وهو أمر لا يتحقق حقيقةً، فتغدو الشعارات مجرد طبقة لغوية خارجية، فيأتي التسييس لجوانب إيجابية من الدين، فتعجز الحركات الوطنية عن إدراك ضرورة العلمانية وفهم الدين.

وتزداد الهوة بين مثقفي الحركات الوطنية والعمال، مع تبدل البناء الاجتماعي وتبدل طبقة العمال ومجيء العمال الأجانب، واتساع الفئات الوسطى بشكل كبير، وهي الفئات التي لم يُحسب لها حساب في منظور الاكتساح المنتظر للعمال الاجتماعي والسياسي.

ومثلما كان يحدث في رأسمالية الدولة الشرقية من انفصال إدارات المثقفين السياسيين الحكوميين عن العمال والملكية العامة، يحدث التشقق بين المثقفين والواقع، بين النظرية المتكلسة وحقائق الحياة، مثلما تقوم فئات المثقفين باستغلال مواقعها السائدة في فوائدها الشخصية، وهو أمر كان يزيد الافتراق بين قوى التضحية وقوى الاستفادة، مثلما أن القواعد الاجتماعية للتنظيمات الوطنية تتآكل، والضربات العنيفة المتواصلة عليها تهدم نسيجها المترابط وعلاقاتها بالناس، فتتفاعل عواملٌ كثيرة على هدم مرحلة.

وهذا يظهر في تصدع الأفكار وعدم تطورها، والاستمرار في « الكليشيهات » القديمة المحفوظة، وكاريكاتيرية التحالفات غير المبدئية، وغياب التعاون المثمر والبعيد المدى بين التيارات الوطنية، ويتم التسرب من داخل اليسار نحو اليمين غير الصناعي المنتج، بل الطفيلي!

إن كثرة الحشود ومواجهات الشوارع وقراءة كتب التيار فقط، تؤدي إلى العيش في وهم إيديولوجي، الذي يخلقه حماسُ الشباب والأفكار المتوهجة وقلة التجربة وعدم وجود إرث وطني ثقافي عريق مكتوب ومتداول .

ولأن اليسار البحريني نشأ وحيداً، بلا أحزاب للطبقة الوسطى، ولا أحزاب من أي نوع، فهو يحاور أفكاره الخاصة فقط، ولهذا نشأ فقيراً من الناحية الفكرية .

كان التجار الذين بقوا من حركة الهيئة يعيشون في عزلة ويأس سياسي، وتبدل فكري، وهم أنفسهم لم ينشئوا أفكاراً عميقة في الحياة الاجتماعية، ومن هنا كانت التربة الفكرية البحرينية وفي الخليج عموماً بلا مستويات أرضية متوارية .

لكن عموماً كانت نهضة الحركة الوطنية بطابعها التجاري أكثر غنى في مطبوعاتها وساهم تداول المطبوعات بين الجمهور في إحداث اليقظة الوطنية، وللأسف لم يتم الحفاظ على الحياة الصحفية كمركز مهم لتداول الأفكار الوطنية ولإنتاجها .

وحين أعلنت الحكومة البريطانية مشروع الانسحاب من شرق السويس، وهو المشروع الذي أسس الدول الحديثة الصغيرة في الخليج، خاف التجارُ الكبار في البحرين على مصالحهم وأسرعوا إلى المسئولين البريطانيين يرجونهم عدم الانسحاب !

وبغياب الصحافة وبغياب فاعليات الفئات الوسطى الغنية فإن البلد اعتمدت ثقافياً وفكرياً على المطبوعات الخارجية، المصرية واللبنانية والروسية، وهكذا صار حتى من الناحية الورقية، غياب ساحق للكلمة المنتجة محلياً .

ومن هنا لم يكن على الأرض السياسية سوى العمال واليسار، وعلى مدى أكثر من عقدين تحملت عائلات هذه القوى حملات القمع والمداهمات، وكان لذلك أثر بالغ القسوة على الحياة الفكرية، هو غياب أي تراكم فكري عميق، فلا كراس يبقى، ولا منشورات تحفظ في أرشيف، وتــُدرس وتحلل وتصوب .

ولا تبقى سوى الذاكرة اليومية، وإذا كانت الأسماء مستعارة، والمقرات معدومة، والمناضلون يصعدون إلى قطار العمل السري ثم ينزلون مختفين في محطات، ليصعد آخرون، ليعبر العمل السياسي عن مقارعات موسمية، وعن أشباح لا تراكم سوى مجموعات صغيرة باسلة، ثم يذوب كل شيء في حمى الصراع وتنور الأحداث الذي لا يشبع من الأجساد والسنين .

وهكذا صار الكفاح العمالي والتغيير الاشتراكي  مانشيتات مستمرة في المنشورات والخلايا، لكن النظرية لم تتأصل لدى هؤلاء العمال الكثيرين الذين يأتون ويرحلون، وهم يفهمون جيداً الأجور والأسعار والنضال النقابي، أما ما بعد ذلك من تشكيلات وقوانين للتاريخ والوعي، فهي عبارات تومضُ في الأذهان ثم تختفي .

إن بعض المثقفين النادرين كانوا يطلبون من العمال أكثر من طاقتهم العقلية، فيقحمون فيهم أفكاراً كبرى من الصعب استيعابها وتطبيقها، وهذا جزءٌ ن الفقر الفكري أكثر من الغنى .

إن عدم وجود فئات وسطى متنورة، كان هذا يفقر المنطقة، ويجعل التنظيمات اليسارية تقف في الفراغ، ثم تعتبر ذلك شيئاً جيداً، خاصة عبر سيادة النمط التجاري من أولئك الراكضين للسلطة البريطانية لكي لا تنسحب، لكن ذلك هو الذي جعل اليسار عارياً اجتماعياً بدون غابة كثيفة من الأشجار، كما أنه لم يعمل على دعم هذه الفئات التجارية، بل أشعرها بالخوف .

إن الفقر الثقافي والنظري هو من فقر المنطقة مدنياً فلا صحافة مستمرة تراكم الفكر والتجارب، ولهذا كان الكتاب الوطني الُمنتّج غير موجود ، وحين ظهر بصورة أدبية أخذته كذلك التوجهات النخبوية  .

ولهذا يمكن تأريخ الحركات السياسية بحركة الصحافة ، وخاصة الجانب الخبري فيها وجانب الأعمدة والمقالات المكثفة .

حين كان يتم الدخول إلى تنظيم مثل جبهة التحرير الوطني فقد كانت هناك شعارات تنظيمية داخلية كانت بمثابة الهيكل الفكري الذي لا يتغير، وهي شعارات تبين مدى الاختلاف عن الزمن الراهن .

وهذه الشعارات هي : السرية التامة، والاتجاه نحو الجماهير، والتثقيف الذاتي، ودفع الاشتراكات والتبرعات .

تتلاقى هذه الشعارات وتتكامل في منظومة سياسية واحدة، أساسها الاعتماد على النفس، وتطويرها على المدى الطويل وعدم الوقوع في مغامرات وبناء الذات والتنظيم .

التوجه نحو الجماهير، كان يعني شيئاً كبيراً لمجموعات سياسية ووطنية اعتادت على الحديث مع الأصدقاء والشلل، ووضع هذا كشعار كان يجعل الوطنيين يحدقون دائماً في المجالس والمقاهي وأمكنة العمل، والمدارس، ويقرؤون بماذا يفكر الناس، وكيف يعبرون، وما هي الأشياء والمطالب الملحة لهم .

ظلت الحركات السياسية البحرينية دائماً تفكر بما تفكر به هي، وبعمليات إسقاط شعاراتها ووعيها على الناس، وليس بما يفكر الناس حقيقة، وبظروفهم الحقيقية، وبقدراتهم على التغيير .

كانت هذه أول عملية إصغاء عميقة لأصوات البسطاء، وكانت هذه العملية صعبة ومكلفة في أزمنة لا جرائد فيها، وأن وجدت فنادرة، فهذه العملية تتطلب كتابة ما يقوله الأميون والعمال والفلاحون والمثقفون، وتدوينه ودراسته.

وكانت عملية دراسة هذه الأصوات الجماهيرية الغامضة، عملية شاقة، وكان لا بد من الاستعانة بالدراسات والمصادر . ولهذا كان وعي مراقب للجمهور يتطور ويغتني .

أما شعار التثقيف الذاتي فهو شعار خلاق، لأن السياسي يتحول عبره إلى إنسان متعلم ومثقف، عبر الإطلاع الدائم، وسبق أن رأينا كيفية تنظيم وحشد أمهات الكتب الوطنية والاشتراكية، وتوزيعها بشكل واسع .

ويغدو التنظيم مسئولاً عن عملية القراءة لدى العضو، الذي لا بد أن يكتب تقريراً أسبوعياً عن ما قرأه ويقوم بتلخيصه وتتم مناقشة هذا التلخيص لرؤية مدى استيعاب العضو للكتب التي قرأها !

إن كتابة التلخيصات والتعليقات والانتقادات هي الطريقة التي تتبعها الجامعات حالياً، لإثراء التفكير وتكوين شخصية مميزة للطالب، على أن تكون كتباً من مختلف المدارس الفكرية !

كان تآكل المبنى العلماني للحركات الوطنية بطيئاً. فلم تكن هذه التوجهات متجذرة ككل الحركات النهضوية العربية، التي لم تستطع أن تحول الفئات الوسطى إلى طبقة وسطى تعيد تغيير المجتمع التقليدي، فكان أن تصدت فئات وسطى صغيرة لهذا التغيير ولكن للانعطاف عن مهمات المجتمع الرأسمالي الحديث والقفز إلى الاشتراكية، وكان هذا وعياً عالمياً لم يستوعب النظرية.

والواقع إنه مع الرغبه في مثل هذا القفز التاريخي، فإن الكثير من الأفكار المتواريه كانت مدفونة تحت الشعارات الوطنية العامة، التي كانت صحيحة ومهمة تاريخياً.

فكان الوعي السائد يتصور بأن اليساريين والاشتراكيين هم ممثلون للطبقة العاملة، لكن هؤلاء الممثلين كانوا منقسمين إلى عمال ومثقفين، ومهما كان دور العمال في التنظيمات متقدماً فهم عبر مسار العمل السياسي لا بد أن يتراجعوا و يعودوا إلى الصفوف الخلفية والقواعد، بينما يصعد المثقفون، مثلما يحدث تاريخياً في دول المعسكر الاشتراكي حيث يضحي العمال في بدايات الثورات ثم تقوم الفئات الوسطى البيروقراطية بالسيطرة على مقاليد السلطات، وكذلك هذا يحدث في الأنظمة القومية والدينية، وهكذا فإن الحركات الوطنية البحرينية حدث لها مثل ذلك، فعبر الزمن صعد المثقفون ممثلو الفئات الوسطى إلى القيادات، والمثقفون بل والعمال كذلك غير قادرين موضوعياً على إنتاج نظام اشتراكي، ويبقى الأفق أمامهم هو مجتمع رأسمالي وله مهمات موضوعية تختلف عن المهمات الموضوعية لتكوين مجتمع اشتراكي، حيث أن الأخير يتطلب مجتمعاً ذا تطور صناعي وثقافي هائل.

ولكن حين توهم نفسك بالعمل لإنجاز مجتمع غير ممكن تاريخياً، وتضع مهمات سياسية تترافق مع هذا الوهم التاريخي، يعود ذلك بأضرارٍ كبيرة على الأجسام السياسية الصغيرة التي تتصدى لمهمات تضعف بناها المحدودة.

كانت المهمات الاشتراكية متوارية داخل البنى الفكرية والتنظيمية لهذه الجماعات، فكانت الشعارات العمالية وخلق الثورات التي تؤدي إلى إزالة الرأسمالية، وربما كانت جبهة التحرير الوطني أقل إيغالاً في مثل هذه الشطحات السياسية عبر التركيز على التحرر الوطني، وتجميع القوى السياسية الوطنية المختلفة في عمل سياسي كبير، وكانت تقدم حتى المساعدات الفكرية لبعض المجموعات القومية التي لا تعرف أسس العمل التنظيمي السري، وتندفع بشدة ثم تختفي بسرعة.

لكن هذا الواعي الاشتراكي كان موجوداً بقوة، عبر الأخطاء التي كرستها المرحلة السوفيتية والصينية بتجاهل قوانين التشكيلات الخمس، فلم تكن هناك قراءة للمجتمع التقليدي باعتباره هو المجتمع السائد الذي ينبغي تغييره، وبضرورة تنمية كافة القوى السياسية والفكرية لتغييره، عبر استثمار كافة الإمكانيات الاجتماعية وتطويرها ، لكن النظرة لــ« البرجوازية »، وهي طبقة رهن التشكيل، لا رهن الإنجاز، ضيّع مثل هذه التنمية والفرص. وهذا أمر خاطئ على مستوى القراءة التاريخية، أي ثمة عدم معرفة بالتاريخ العربي الإسلامي وطرق التطور فيه، والوعي يأخذ السهل هنا وهو جلب الكتب الخارجية وحفظها وتطبيقها .

ولهذا فإن الفئات الوسطى الصغيرة التي ملأت القيادات على مدى العقود السياسية، فرضت قوالب شعارية على الحركة الوطنية، هي التي سميتها قوالب الماركسية المستوردة، وراحت القواعد العمالية والشعبية عامةً هي التي تقدم التضحيات، لكن تلك الاشتراكية لم تكن سوى ملابس خارجية فضفاضة، في حين كانت تنمو الرأسمالية داخل قنوات التنظيمات، ولكن ليس من نوع الرأسمالية المنتجة، ولهذا فإن هذه الحركات الاشتراكية سرعان ما التحقت بالتنظيمات الدينية في أعمالها السياسية، مزيلةً آخر ما بقي من تماسك فكري وتنظيمي لها.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : من ذاكرتنا الوطنية

أن تكتب الأدب في السجن

Screenshot_٢٠١٨-١٠-٠٧-١٤-٣٦-٥٦

عند التفكير بالكتابة عن أدب السجون في البحرين، لا يستطيع أحد تجاوز الروائي والمناضل الراحل عبـــــــدالله خلــــــــيفة وآخرين كثيرين من شعراء وأدباء (أحمد الشملان، قاسم حداد، عبد الحميد القائد، علي الشرقاوي وآخرون). في الموسيقى مجيد مرهون، رسامون: (علي دويغر، خليفة اللحدان) وأيضاً نحاتون وضعوا بصماتهم على صخور معتقل جزيرة جدا الذاك .. ما هي ابتكاراتهم لتحقيق هذا المنجز الإبداعي أو ذاك، وكيف يواجهون الأخطار للحفاظ وتأمين ما أنجزوه حتى يخرج من الظلمات إلى النور … من السجن إلى خارجة بعيداً عن أعيّن الشرطة؟

عبدالله خليفة واحد من هؤلاء، كيف كان يكتب قصصه ورواياته ودراساته النقدية في الأدب والفكر خلف القضبان؟..

على أية ورق يكتب، في حين يمنعه السجان التزوّد بالورق وحتى بدفتر مذكرات، وبأي قلم يكتب والأقلام ممنوعة على المعتقلين وسجناء الرأي والضمير حتى لو كان قلم رصاص طوله أصبع لكتابة خواطره فترة التغييب القسري؟.. كيف كانت تُهرّب هذه الكتابات من داخل السجن إلى خارجه لتطبع على ورق مصقول وتتلاقفها الأيدي سراً خلسة عن الرقيب؟.

من الروايات والقصص التي تمّ تهريبها من السجن إلى خارجه طيلة فترة اعتقال عبدالله خليفة الذي استمرَّ ست سنوات منذ الهجمة على الوطنيين بعد حل المجلس الوطني في العام 1975 حتى أفرج عنه في العام 1981 والتي كُتِبَتْ على رقائق غلاف عُلب السجائر: روايات «اللآلئ» و«القرصان والمدينة» و «الدرويش والذئاب»، وهذه الأخيرة لم تنشر بعد، إضافة إلى قصص قصيرة حوتها فيما بعد مجموعة «الرمل والياسمين».

يروي أحد رفاقه الذين عايشوه حرارة الأوضاع في السجن، كيف كانت المعاناة لتوفير قلم وأوراق، كنا لا نرمي الأكياس ولا عُلب السجائر وننقل قلم «البنسل» – قلم الرصاص، والاسم الحركي المتعارف عليه بيننا: «حمبوص» من زنزانة لأخرى عبر مخابئ في حمامات السجن الذي نقضي فيه حاجاتنا، نلتقط الإشارات البعيدة عن أعين الرقيب والشرطة. وأحيانا بمساعدة شرطة متعاونين ومتعاطفين مع مظلوميتنا لتأمين الورق والأقلام للمبدعين ومن بينهم الراحل الرفيق عبدالله خليفة الذي كان غزير الإنتاج الإبداعي، نهم في القراءة، له عالمه الخاص، كتُوم، قليل الكلام كثير العمل والاجتهاد ويطلق النكات أحياناً، يلتقط العابر ليوظفه في رواية أو قصة.

ما أن يتم توفير بعض الأوراق وجمعها من زنزانة وأخرى حتى يقضي عبدالله عليها، وفي اليوم التالي يطلب المزيد وقلم رصاص آخر حتى أطلق عليه لقب أكبر مستهلك في السجن للورق والأقلام، وأي ورق وأي أقلام، الآن فهمنا، كيف استطاع هذا المبدع والمفكر أن ينتج أكثر من أربعين مؤلفاً، بين رواية وقصة قصيرة وكتب نقدية في الأدب وأربعة أجزاء من كتابه الضخم: «الاتجاهات المثالية في الفلسفة  العربية الإسلامية» وخلال عام من مرضه العضال لم يتوقف عن الكتابة ولديه 15 رواية لم تطبع بعد إضافة إلى 13 رواية لم ينته من كتابة كامل فصولها و بأحجام مختلفة.

أثناء المقابلات في السجن مع عبدالله خليفة يتقصد شقيقة عيسى بوضع قلم في جيبه الأمامي بشكل لافت ويتربص فرصة مغافلة الرقيب لتهريبه له.

في إحدى المقابلات جلس عيسى في مقابله وجهاً لوجه، بينما والده وشقيقته جلسا على جانبيه، الأيسر والأيمن، كانت عيناه وهو يتحدث إلينا تمعن بحركات تمويهية على القلم وأكاد أرى لعابه يسيل مثل جائع يرى أمامه وجبة دسمة يريد التهامها، يقول عيسى، في ذلك اللقاء حدث شيئاً طريفاً، حيث كان يراقبنا الضابط راشد عبدالرحمن، خرج ثوانٍ لظرف ما لا نعرفه، أغلق الباب وراءه، فقام عبدالله بفتح جورابه ومدَّ رجله أمامي. في إشارة لوضع القلم في فتحة الجوراب، تداركت ببديهية لما كان يريد، فوضعت القلم وكان له ما أراد، أسند

ظهره إلى الكرسي وعاد للحديث معنا بارتياح شديد وكأن شيئاً لم يكن.

شقيقه عيسى، لا يزال يتذكر.. كان قلم حبر جاف، ماركة «باركر» من أجود أنواع الماركات آنذاك، وكان ذلك في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي.

كان عبدالله يكتب نصوصه الأدبية ورسائله التي تصلنا بقلم الرصاص، وفيما بعد يستخدم قلم الحبر الجاف، وأدركت من خلال نصوصه الأدبية الجديدة أن عملية تهريب «الباركر» في جورابه بالرجل اليسرى قد نجحت، فها هو يخط بذاك القلم الذي وضعته بيدي في جورابه..اجتاحتني فرحة كبيرة وتمنيت أن يسقط مطراً لأمشي تحته كي يُبللني.

«تفخيخ» برواية «اللآلئ»

علم رفاق (ع ج س) قرب الإفراج عنه خلال أيام ففكروا كيف يهربون معه رواية «اللآلئ» لعبدالله خليفة ونصوص للصحافي إبراهيم بشمي، قال له أحدهم في يوم الإفراج سنهدي لك بنطلوناً من بنطلوناتنا ذات الجودة بدل بنطلونك «الكحيان» هذا، لتقابل أهلك بهندام نظيف، تبادل معهم الابتسامات البريئة دون علمه بخططهم في تهريب «أوراق ممنوعة» من داخل السجن إلى خارجه.

قبل أيام من مقابلة إدارة السجن للإفراج عنه كانوا يخيطون الأوراق الصغيرة في البنطلون الهديّة، رزم من الأوراق، كل فصل من فصول الرواية بجانبه فصل آخر يخاط بإتقان يُبعد الشبهات.

تزامن موعد الإفراج عن (ع -ج) مع الانتهاء من «تفخيخ» بنطاله بالنصوص الأدبية، أعطوه رسائل شفوية للقاء شخص ما بالبنطال ذاته كشفرة متفق عليها، وعند وصوله المنزل اكتشف تلغيم بنطاله برواية «اللآلئ» لعبدالله خليفة ونصوص بشمي.. فسلم الأمانة إلى أصحابها وكان يضحك على نفسه لعلمه متأخراً عن هدية الإفراج من رفاقه الذين غادرهم إلى فضاء الحرية وهم لازالوا خلف القضبان.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أن تكتب الأدب في السجن

محمي: عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أفق ـــ مقالات 2003

هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور أدناه:

نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية

77

الفصــل الخامـس

البناء الفلسفي في أولاد حارتنا

رواية «أولاد حارتنا» هي رواية ذات إشكاليات كبيرة، لكونها تتحدث عن قصص الأديان السماوية في المنطقة، وهي قد جاءت ككتابة في مرحلة الرواية الاجتماعية فعكست مستواها الفكري، وما فيه من تناقضات استطاع الكاتب تجاوزها في أعمال أخرى تالية تناولت الإرثَ الروحي العظيم في المنطقة بدون التجسيد المباشر للانبياء.

يقدم لنا راوي رواية «أولاد حارتنا» افتتاحية يبررُ فيها الكتاب، فهو مسجلٌ لروايات الرواة، المتداولة في القهوة بهذه الحارة.
فهنا جسمٌ اجتماعي معاصرٌ صغيرٌ ملموس هو الحارة والقهوة والبيتُ الكبيرُ والساكن الذي فيه «الجبلاوي» والأوقاف المترتبة على تاريخ البيت.
«كلما ضاق أحدٌ بحالهِ، أو ناء بظلمٍ أو سؤ معاملة، أشار إلى البيت الكبير على رأس الحارة من ناصيتها المتصلة بالصحراء وقال في حسرة: هذا بيتُ جدنا، جميعنا من صلبه، ونحن مستحقو أوقافه، فلماذا نجوعُ ونضام ؟!»،(1).
نلاحظ هنا إن «الكلية» الوطنية غدت ذات جذور ماضوية، فكلمات مثل «الجميع»، ونحن، هي كلها تستكملُ التعبيرَ عن الضمير الوطني، وإن تجلى ذلك في تاريخ المنطقة العام، ومن هنا فهو يقولُ لاحقاً: «وحارتنا أصل مصر أم الدنيا، عاش فيها وحده وهي خلاء خرب» فتغدو الأنا الوطنية أصلاً للبشرية والوجود كذلك.
إن الراوي منذ البداية يخلقُ هذه الأزدواجية، بين البناء الاجتماعي المعاصر حيث البيت الذي تشكلَّ في الخلاء، وبين المنظومات الدينية السائدة في المنطقة.
إن البناءَ الاجتماعي المعاصر من قهوةٍ وحارةٍ وفتوات وأشياء هو علاقاتٌ اجتماعية موضوعية تعودُ إلى حقبة القرون الوسطى، حيث بعدُ لم تتفككْ بتحولات عصرية، فهي بناءٌ عبودي ــ إقطاعي لم يتحدثْ، وهذا البناءُ يفرضُ أشياءه ومواده الخاصة به. فهو الديكورُ الذي ستمثلُ فيه سيرَ أديانِ المنطقة وقد عُبِّر عنها بطريقة الحكواتي.
في حين أن المقصودَ بالروي ليس هذا البناء الاجتماعي العائد لحقبةٍ معينة، بل الوعي الديني الذي تشكل في هذا المنطقة خلال أكثر من ثلاثة آلاف سنة.
ولكن هذا الوعي الديني لا يُعرض كمقولاتٍ وآراء بل يُعرض كقصصٍ أو حكايات وهي حكايات داخل بناء مصري اجتماعي يعودُ للقرنين الماضيين.
وبهذا فإن الرواي راح يجسدُ المفاهيمَ الدينية الكبرى بأشياءٍ وعلاقات تعودُ لزمن آخر ومكان آخر، فمفهوم الإله الواحد جسده بـ«الجبلاوي»، والسماء التي تحكمُ الأرضَ جسدها بـ«الخلاء».
فالبيتُ الكبيرُ الذي يرمزُ كذلك للسماء، «على رأس الحارة، من ناصيتها المتصلة بالصحراء»، هو تلك السماء الدينية المسيطرة على الأرض الشرقية، المهيمنة على ناصيتها، والتي عبرها تتشكلُ الحقبُ والصراعات وتوزع الثرواتُ وهي التي تشكلت عموماً في الصحراء ففاضت على وادي مصر!
فيقوم الراوي ــ المؤلفُ بالتركيز في المبنى الفكري الديني بجعلهِ متشيئاً في ركائز صغيرةٍ محددةٍ هي: الجبلاوي، والبيت الكبير، والحديقة ــ الجنة، والمجلد الكبير ــ اللوح المحفوظ الخ..
وهو يجسدُ هذه الركائزَ من الإرث وتصويره، لكنه لا يسميها باسمائها الحقيقية المقدسة بل باسماء يخترعها ويحيلها إلى قصصٍ تبدو كأنها لا تمتُ إلى ذلك الأصل، لكنه يقصد أن يعنيها أيضاً عبر ذلك الديكور المحلي الذي اخترعهُ لها والتي أعطته أياه الحاراتُ المصرية في القرن التاسع عشر خاصة!
ومفهومُ الإله الواحد المجسد والمركز هنا هو خلاصة رأي المؤلف في فهم أديان المنطقة وتطورها، فهو إذ يجسد الجبلاوي كشخصيةٍ معبرةٍ عن مفهوم الإله الواحد، لا يهتم باختلافات ومفاهيم الأديان المتعددة، بل هو يستخلصُ ما هو جوهري داخل وعيه الديني، فيتناولُ الخطوطَ العريضةَ في هذه الأديان، وعلاقتها بالأرض، والمعاني الأساسية لظهورها وعلاقاتها بالسكان، لكن ليس في تاريخها الحقيقي بل في تاريخ القرن التاسع عشر المصري وقد صارت تلك الأديان «حكايات» وأمثولات وليست تاريخاً حقيقياً وليست تجسيدات حقيقية بل إشارات وعظات الخ..
وهو يحيلُ بعدئذٍ الأنبياءَ إلى «أولاد حارتنا» باعتبارهم قادة التحول في المنطقة، فيضفي عليهم هذا الدور ويصفهم بـ«الأمجاد»، أما مفهوم الإله الواحد فيشخصنه بـ«الجبلاوي».
وهذه الشخصنة للإله هي التي تحير العقول:
«عمّر فوق ما يطمع إنسان أو يتصور حتى ضرب المثل بطول عمره. وأعتزل في بيتهِ لكبرهِ منذ عهد بعيد.. وقصة اعتزاله وكبره مما يحير العقول، ولعل الخيال أو الأغراض قد اشتركت في إنشائها»،(2).
فشخصنة فكرة الإله تقودهُ إلى سلسلة من المتناقضات، إنه يحيلُ الشخص هنا إلى فكرة الإله الواحد، فيضفي إشكاليات أخرى فكرية واجتماعية على هذا المفهوم.
إن التناقض بين فكرة الإله وشخصنتها تضعُ الراوي – المؤلف في تناقضات بلا حل.
«هو صاحب أوقافها وكل قائم فوق أرضها والاحكار المحيطة بها في الخلاء».
إنه يحول فكرة الإله الواحد إلى شخصٍ يتسمُ بالضخامة والصلابة فهو يستخدمُ مصطلح الجبلاوي القادمة من جبل، مما يحيلهُ إلى مفاهيم الإلوهية القديمة، إي مفاهيم إله التجسد والمكان والمحسوس وبهذا يعودُ إلى مفاهيم ما قبل الفلسفة. وحين يتحول مفهومُ الإلهِ إلى المادةِ يعاني المفهومُ من إشكالاتها التحولية ومن حيزها الخ..
لقد عاد إلى مفاهيم ما قبل الفلسفة القديمة، فحولها إلى تجسيدات تماثل التشيؤ القديم وفهم المذاهب «الحشوية» في الفكر الإسلامي التي تضعُ الإلهَ في حيز وبإعتباره جزءً من المادة، ففكرة الإله تغدو شخصاً، والركائز الغيبية من عرش وكتاب محفوظ وجنة ونار تتحول إلى بيت الخلاء والحديقة والكتاب في الغرفة والنزول من السماوات يصيرُ طرداً من البيت الكبير الخ..
وهكذا بدلاً من أن يجردَّ ويكشف سببيات الأديان بمفاهيم راح يجسدها ويصورها كما كانت بالوعي الديني ما قبل الفلسفي وبلغة تمويهية، تحيلُ تاريخَ الأديان الغني إلى حركات في حارة تعودُ لزمنٍ مختلف. فيدخلُ قاموسَ الحارة المصرية بتواريخ الأديان المغاير، لكنه يحاولُ أن يطابقَ بين الأثنين، بين تاريخ الأديان ومسرح الحارة المصرية التاريخي الحديث.
وبطبيعة الحال هناك مشابهات وتداخلات، فجسمُ التطور الاجتماعي التقليدي كما كان يحتضرُ في القرن التاسع عشر، كانت به بعض السمات والمظاهر المشابهة للقديم، فأستل من هذه السمات جسوراً لربطها بتاريخ الأديان.
لكن تجسيده لفكرة الإله عبر شخصنته كـ«فتوة» يتضاد مع اتساعها وتاريخها الغني ومع تطور الحركة الفكرية الحديثة التحويلية، وهذا أيضاً ما يُطرح كذلك على شخوص أبطال الحارة هذه وهم رموز الأنبياء العظام.

يبدو إن مصادر نجيب محفوظ في التأريخ الفني للأديان تعتمدُ بشكلٍ كبير على العهدين القديم والجديد، فالتوراة حين تجسدُ تاريخَ الدين اليهودي تربطه بفهمها للإله كشخصٍ مجسد، وعالمُ الغيب تحليهُ إلى ما يشبه الحديقة السرمدية الكاملة بالجمال والسعادة، وتــُظهر خلق الإنسان كعملية صنع فخاري، وتــُحيل مفهوم الشيطان كذلك إلى كائنٍ ناري، يتمردُ على الإله الخ..
ولهذا حين يظهرُ الجبلاوي في أولِ مشهدٍ من جزءِ أدهم، يظهرُ بنفسِ التشكيل التوراتي القصصي التجسيدي لمفهوم الإله، فهو شخص داخل حيز:
«ضجت الحديقة بالحياة والغناء على حين ساد الصمت بالبهو. وخيل إلى الأخوة إن فتوة الخلاء قد نسيهم، وهو يبدو بطولهِ وعرضهِ خلقاً فوق الآدميين كأنما من كوكبٍ هبط»،(3).
إن التماثلات بين الجنة التوراتية كحديقةٍ غناء، يحافظُ عليها الساردُ وينقلُ حيثياتها، لكنه ينتقلُ فجأة إلى تعبير «فتوة الخلاء»، فيأخذُ من قاموس الحارة المصرية مفهوم الفتوة كترميزٍ للسلطة الكونية، ويضيفُ إليه تعبيرَ «الخلاء»، وهو تعبيرٌ يراوحُ بين الكونِ والبرية، فالخلاءُ يصلحُ أن يكونَ تعبيراً عن الفضاء، وعن الصحراء معاً، لكن تعبير الفتوة لم يُستخدم إلا لكي يتماشى مع كون الحارة المصرية هي المسرح الذي يجري عليه التمثيل الرمزي لتطور الأديان. وليس للتحقير والتقليل.
ويدعوه التجسيد الذي انساقَ إليه أن يُضخِّم من هذه السلطة الكونية وقد تمظهرتْ كائناً بشرياً:
«وما يقلقهم إلا أنه جبار في البيت كما هو جبارٌ في الخلاء وإنهم حياله لا شيء»، (4).
هكذا يبدأ التناوسُ والتراوحُ والتداخل بين المصدر التوراتي والمصدر الشعبي المصري، فالإلهُ في التوراة يقول للملائكة بأنه سوف يخلقُ كائناً خاصاً، لكن الرواية المصرية تجعلُ الجبلاوي يتحدثُ عن «الوقف».
«أرى من المستحسن أن يقوم غيري بإدارة الوقف»،(5).
والوقف هو تعبيرٌ وعلاقة اجتماعية إسلامية، أي أمر يعودُ إلى التاريخ المصري الإسلامي، فتم إدخالهُ في التاريخ الديني القديم كتعبيرٍ عن الأملاك العامة، وعن مصير الأرض والبشرية عموماً، وهو موتيفٌ قصدَ منه الراوي أن يتجنبَ مسألة الخلق الإلهي لآدم، فقفز إلى قضيةٍ اجتماعية ستكونُ هي القضية المركزية للرواية ككل، وهي مسألة المصالح العامة للجمهور، فأخرجَ الصراعَ من الغيبي إلى الصراع الاجتماعي، كفعله في الرواية عموماً.
ولهذا قفز إلى الصراع بين أدهم وأدريس، بين آدم وأبليس، حين جعل الجبلاوي يقررُ أن أدهم هو من سيقومُ بإدارة الوقف، وبهذا فقد أعطى الإنسان مسألة إدارة مصيره حسب الرواية المحفوظية، وليس الشيطان أدريس الذي سيغدو تجسيداً للشر داخل التاريخ البشري.
وهنا تغدو الأنسنة مغايرة للتاريخ الديني التقليدي، فأدريس الذي يغدو بشرياً متصَّوراً يغدو جزءً من التاريخ البشري وليس من التاريخ الغيبي، فهو يسكرُ ويتشاجرُ بذاته، مع قيامهِ بمهمات أبليس الأخرى مثل التفريق بين الناس وزرع الشر والشكوك وجر أدهم إلى طريق الغواية والضلال. لكن الراوي يتخلصُ منه لأن غيبيته ستكونُ مثقلة على مسار الرواية الاجتماعي، فيموت خالقاً سلالة بشرية شريرة، فكأن الشر يظهر من جهة أخرى ذا أصل غيبي كالخير، ولكن الشر يظهر بصورة نادرة كجانب غيبي، ففي صفحة 403 فقط يتذكر الراوي الأصل الأدريسي أو الأبليسي للشر: «يا سلالة الخيانة ويا لصوص البشر. منذ أطلق ادريس ضحكته الباردة وانتم تتوارثون الجريمة وتغرقون الحارة في بحر الظلمات».
إن اعتبار الخير أو الشر من مصدر غيبي يتبدى كذلك في هشاشة علاقة الوعي أو العواطف بالبناء الاجتماعي، الذي يتكون بلا قوانين أو سببات مستقلة.
ويخلق محفوظ تضادات بين أدهم وأدريس بتشكيلات بشرية اجتماعية بدلاً من التضادات العنصرية، كعنصري النار والطين، بذكر إن أدهم جاءَ من أم سوداء عادية، بخلاف أم أدريس البيضاء، وهو استغلال موتيفات اجتماعية حديثة بدلاً من موتيفات القدامى ذات المصدر التقني.
ثم تجري الرواية المحفوظية على غرار الرواية التوراتية، فأدهم يعيشُ حراً سعيداً في الجنة، فتظهرُ زوجته المقبلة ويحاولُ الراوي عقدَ صلة بين الرواية التوراتية وبين روايته حول هذه المرأة الزوجة:
«بدا الظل الجديد كأنما يخرجُ من موضع ضلوعه. والتفت فرأى فتاة سمراء.. »،(6).
أن بقية «الأخوة» يبقون بغير ذرية في حين أن أدهم هو الخالق للذرية مع أدريس، وذلك لأن الأخوة مصابون بالعقم!
هكذا يقومُ الراوي بمتابعة الرواية التوراتية حرفياً في مواضع عامة مجسداً إياها على ذلك المسرح، ويختلفُ معها حين تتقاطعُ مع روايته، لكنه لا يستطيع الضبط الكامل بين الرواية التوراتية وبين الرواية الترميزية الخاصة التي يخلقها.
فأدهم يقومُ بالعمل حتى وهو في الجنة مسئولاً عن الوقف وهو جانبٌ يعبرُ عن اختلاف كبير بينه وبين الرواية الأصلية، فآدم فيها لم يكن يعملُ فجاء العملُ بعد نفيه من الجنة، فهو ضريبة لعنة، جاءت بعد الأكل من الشجرة المحرمة، في حين أن العملَ في رواية محفوظ كان قبل وبعد الطرد، لأن البيت الكبير الذي زعم إنه يمثل السماء، لم يستطع أن يكون كذلك، فهو ذو علاقة بالأرض لأنه جزءٌ من الأرض وجزءٌ من العمل، فراح المؤلفُ يقطعُ علاقته الضرورية والحتمية بما حوله وبجذوره، لكي يلائم ذلك الرمز.
من هنا يغدو الخروج من البيت الكبير غير السقوط من الجنة حسب الرواية التوارتية، فالخروج من البيت الكبير هو خروج من عمل سهل وإداري إلى عمل يدوي، ومن منزل مرفه إلى الخلاء، فلا يغدو كالسقوط المصَّور دينياً.
كذلك فإن خروجَ أدهم ليس كسقوط آدم، حيث يخرج أدهم والوجود البشري كثيف حوله، فلا يغدو هو أبو البشر، كما أن الأرض المسكونة العامرة تجعلُ من وجوده المقطوع بلا دلالات المعاناة الابتدائية المصَّورة عبر التوراة. فكان بإمكانهِ أن يستعينَ بما هو موجودٌ من منازل وأشياء وسلعٍ، في حين كانت الأرضُ مجردة خالية أمام آدم. فلا تغدو معاناة أدهم التي يصورها محفوظ بعد ذلك مُبرَّرة فنياً، فهنا تعجزُ الرواية المحفوظية عن مجاراة الأصل، لكونها قامت بنسخٍ فوتغرافي للأصل، قاطعة بعض الجوانب، واضعة إياها على خلفية ليست من صلبها.
فأميمة تستخدمُ الداية أثناء الولادة، وأدهم يستخدم عربة لكي يعمل، ويتعامل مع سوق جاهزة عامرة بالسلع، وهو أمرٌ يعبر عن تاريخ بشري طويل ومثقل بالانجازات الحضارية، لكن الرواية الأصلية ترفضُ وجودَ إنجازات سابقة، وتجعل أدم وحواء يواجهان الطبيعة البكر، فليس ثمة حديد ولا عربات ولا أسواق، ومن هنا تغدو معاناتهما مبرَّرة، أما معاناة بطلي محفوظ فغير مبررة.
إن نقل محفوظ الحكاية من عصر إلى عصر، هو نقلٌ لا تاريخي، أي هو أدلجة فنية.
هذا ما يجري لقصة قدري وهمام «قابيل وهابيل» فهما يظهران بسرعةٍ بعد الخروج من البيت الكبير، ويظهران بتكوينين متضادين، دون وجود أي جذور لهما، سوى نفسيات متبلورة على الخير أو الشر، مع أدهم أو مع أبليس، وهذا تكوين غير جدلي سيكون من أساسيات منهجه.
لكنه باختزاله وسرده الممتع يدخل جوانب حسية مشهدية وحوارات درامية مصعدة للأحداث.
وكما قلنا فعدم تبلور وغنى قابيل وهابيل المحفوظيين، تعود إلى كونهما تخطيطات مجردة كصدى للأصل، في حين كانت شخصيتا قابيل وهابيل تعبران عن الصراع العميق والواسع بين الرعاة والمزارعين، فليسا هما مجرد شخصين.

إن نجيب محفوظ في تصويره للشخصيات والأحداث التاريخية يعتمد على ما يراه في الحارة المصرية، فيضفي هذا التصوير الذي يعيشه أجواءَ حية على القصة الدينية لكنه يسلبها أجواءها القديمة الحقيقية.
«وكان طابع حارتنا ــ كحالها اليوم ــ الزحام والضجيج. الأطفالُ الحفاة أشباه العرايا يلعبون في كل ركن، ويملأون الجو بصراخهم والأرض بقاذوراتهم. وتكتظ مداخل البيوت بالنساء، هذه تخرط الملوخية، وتلك تقشر البصل..».
إن هذه الحيوية المستمدة من المشاهد اليومية للحارة، تعقبها عملياتُ تغلغلٍ في الحدث ــ البؤرة، وإضفاء لغة سردية دقيقة وسريعة وجميلة داخل هذه التغلغلات في الحدث ــ البؤرة، مع جعل المشهديات محسوسة بربطها بالزمان والمكان.
«ولم تفلح زفرات الخريف الرطيبة في تلطيف هذا الجو المشحون بالنوايا الدموية فهتف زقلط…»،(7).
وإذا كان لم يوجدْ جسمٌ للحارة في زمن أدهم فإن هذا الجسمَ تواجد الآن مع القسم المعنون بـ«جبل»، وهكذا فقد كانت البشرية موجودة في خلفية مسرح أدهم، رغم أن أسرة أدهم هي البشرية الحقيقية حسب الرواية، والآن تصبح الحارة هي الممثلة للمنطقة العربية فعلاً وتغدو الحارة كذلك هي نسل أدهم وهو أمر متضاد.
وهذه العملية التخطيطية الترميزية تتوالى الآن بخطوط مقاربة للأصل التوراتي، وهو ما يمثل من جهة أخرى تضاداً مع تاريخ الحارة المصرية الموغلة في القدم والتي هي أعطت اليهودَ تاريخـَهم الديني بشكل أولي واساسي.
فقد صار «اليهود» هم أول من بدأ التاريخ الديني حسب رواية «أولاد حارتنا»،(8) ويتم ذلك في المسرح الديكوري للحارة، وقد صارت فيها قهوات وأحياء، معبرة عن شعوب وقبائل بشكل اختزالي وامض. فحي «آل حمدان» يرمز لليهود العائشين في مصر، ولكنهم يظهرون بشكلٍ مطلق، وكتاريخ للوعي المشخصن في الزعيم والنبي موسى الذي يظهر باسم «جبل». ولعل الاسم ناتج من علاقة النبي موسى بالجبل السيناوي الذي دار حوله سفر الخروج.
إن البشرية أصبح لها تاريخ سابق، والحارة هي هذا التاريخ وهي كذلك تاريخ المنطقة العربية عامة والمصرية خاصة، ولكن الطابع الاختزالي يحيلُ التاريخَ إلى وقف وفتوات وعامة وتقلب للزمن والأحوال.
فكيف ظهرت الانقسامات الاجتماعية وغدا هناك صراع؟
«ولما اغلق الأب بابه واعتزل الدنيا احتذى الناظر مثاله الطيب حيناً، ثم لعب الطمع بقلبه فنزع إلى الأستئثار بالريع. بدأ بالمغالطة في الحساب والتقتير في الأرزاق ثم قبض يده قبضاً مطمئناً إلى حماية فتوة الحارة الذي اشتراه»،(9).
عبر تعبير «الوقف» يغيبُ الإنتاجُ، فالوقفُ رمزٌ للأملاك الموقوفة لعمل الخير، لكنه لا يظهر مصدره وتاريخه، بل يبدو كثروةٍ مقطوعةٍ عن جذورها، وكشيء مُعطى مسبقاً. من هنا فهذا التعبير المتجوهر خارج عن صراعات التشكيلات الاقتصادية، وبالتالي لا تظهرُ قوى اجتماعية متصارعة حسب تطور الإنتاج، لكن يظهر التاريخُ كصراعٍ بين الكل الاجتماعي وبين «الناظر» و«الفتوات» وهم أجسام اجتماعية هشة وبلا جذور.
يغدو الناظر والفتوات الجسم الاجتماعي الأعلى، المستغل للوقف، وتظهر عملية النزاع حين تتغير رغبات الناظر، وهذا أمرٌ سنجدهُ يتكررُ ليس مع جبل بل مع رفاعة الذي يرمز لزمن المسيح عليه السلام، وقاسم الذي يرمز للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فالاسماءُ تتغير ويتبدل النظارُ ولكن علاقة استغلال الوقف هي الباقية، ويتبدل الفتوات ولكن الفتونة تبقى مستمرة، ومقطوعة حين يثور أهلُ الحي المظلوم، فيحصلون على شيءٍ من الوقف، لينهض بعد ذلك حيٌ آخر لم يعط شيئاً من الوقف.
وهذا يتفق مع شيءٍ موضوعي من تاريخ المشرق هو سيطرةُ الدولِ على الثروة، فتقطعُ سيطرتــَها الثورةُ، لكن الثورة تأتي بدولٍ أخرى توزعُ الأموالَ العامة بشكلٍ جيد حيناً ثم تظهرُ طبقة تسيطر على الدول أداة الإنتاج الرئيسية وتوزعها عليها.
لكن الحكي في الرواية يحيلُ الطبقة المسيطرة إلى مجموعة أفراد فوقية بدون جذور، ولهذا فهي سرعان ما يــُـقضى عليها، لأنها أقرب أن تكونَ إدارةً بلا انغراس في الحارة.
ولكن هذا التمثلَ للتاريخ هو تمثلٌ اختزالي تجريدي أكثر منه تمثلاً واقعياً موضوعياً، فعلائقُ القبائل اليهودية المهاجرة إلى مصر ثم ذهابها إلى فلسطين وطرد أهلها، عملية أكثر تعقيداً من حركة شخص اسمه جبل وهروبه بسبب قتله لأحد أفراد الفتوة وتعلمه فنون السحر وكيفية إخراج الثعابين ثم عودته إلى الحارة وصراعه مع ناظر الوقف وعصابته وانتصاره بهجوم الأهالي بالطوب والعصي.
إن هذا الاختزال يضفرهُ محفوظ بلوحات شيقة وتحولات درامية في الشخوص محاولاً التقارب مع الأصل، لكن القبائل اليهودية لم تكن ذات جذر في الحارة المصرية، وبقاؤها في الحارة نفسها، يشيرُ إلى أن الحارة لم تعد هي مصر كما قال لنا الراوي في البداية، بل هي ترميزٌ لتطور الوعي الديني.
إن هذه الاختزالات والتناقضات تشير إلى فقر المنهج الفني التجريدي الاختزالي في كشف الحالة الواقعية المركبة، ومن هنا كذلك حين يتحول المسيح عليه السلام إلى حاوٍ آخر يخرج العفاريت من الأجساد، بهدف ملء الأرواح بالقيم الإيجابية، فتصبح المسألة شبه كاريكاتيرية.
إن مستوى قراءة محفوظ للأديان في تلك الفترة الخمسينية أو الستينية تنعكسُ على كيفية نظرهِ إلى الأنبياء، فنجد إن رفاعة تنعكس عليه رؤية إسلامية ــ كاثولكية فهو بلا ولادة عجائبية بل نتاج طبيعي لأبيه النجار وله سيرة إنسانية طبيعية بلا خوارق، لكنه من جهة أخرى بعيد عن الممارسة الجنسية الطبيعية، فيظهر بشكل زهدي منقطع كلياً عن الطبيعة.
وحتى معجزاته تتحول إلى عمل اجتماعي معرفي فهو يقوم بإخراج العفاريت من الأرواح، لكن باعتبار العفاريت قوى عصبية مرضية وعادات اجتماعية متكلسة، فهنا يضفي محفوظ على رفاعة وكل الأنبياء في الحقيقة طابعاً فكرياً اجتماعياً موضوعياً، فهم بالحقيقة بدون خوارق، وحتى الجانب الخارق الرمزي المتمثل بالعلاقة بالبيت الكبير الرامز للسماء، يغدو اجتماعياً، لكون البيت جزء من الأرض كما يبدو من مسار الرواية والأحداث، فلم يستطع أن يخلق منه قيمة غيبية ماورائية، ولهذا حين يأتي عرفة بعد ذلك ممثلاً للعلم الذي يكتسحُ هذا البناء الغيبي المفترض، يغدو ذلك متناقضاً، لأن البناء الذي صوره محفوظ كان بناءاً غير غيبي، فمالداعي للثورة عليه من قبل عرفة ــ العلم؟
هنا نجد أنفسنا أمام البناء الاجتماعي المصَّور بشكل اجتماعي عادي بدون خوارق، فهي أحياء تطالب بالوقف المستولى عليه من قبل الناظر والفتوات، وتغدو الرواية فصولاً لشخصيات متعددة تطالب وتحقق هذه العملية، بصور إنسانية اجتماعية واضحة وغير غيبية، إلا من علاقات وامضة بالجبلاوي، فتغدو الرواية تقارير عن الاجتماعي السطحي والمحدود، وليس غوصاً في هذه البنى الدينية المعقدة والمركبة، فهي أرشيف حكائي مُبسّط للدوران حول الاجتماعي ذاك.
كما أن الاجتماعي السطحي هذا مكرر بشكل مستمر، فالشخصيات المحورية تتكرر عملياتها السياسية التحولية، مع تباين أدوات بسيطة، فجبل يعتمد على القوة ورفاعة يعتمد على الحب، وقاسم يعتمد على القوة، وداخل أجسام هذه القصص هناك لمسات شخصية متنوعة مستقاة من تاريخ الأنبياء، وهذه اللمسات جوهرية غالباً من حياتهم الشخصية الحقيقية.
لكن ضخامة هذه المادة وتكرارها وتوجهها نحو الاجتماعي المحدود والمغامرات العسكرية حيث معارك الفتوات، لم يجعل منها تاريخاً للأديان في المنطقة كما أراد المؤلف، فهي تغيب عن جوهر هذه العمليات الفكرية الكبرى، عن كونها ثورات روحية وفكرية، فتغدو تسطيحاً لها.
والتسطيح يبدو كذلك من جانب تصوير هذه الرموز المقدسة فوق مسرح ذي ديكورات مبتذلة للحارة المصرية، حيث غرز الحشاشين والأغاني والنكات الخ.. وهذه جوانب كلها غيبت الطابع الفكري العميق للرواية، وحولتها إلى ما يشبه الفيلم الميلودرامي المطول.
إن المؤلف يشير إلى تباين مستويات التطور بكلمات مبسطة كأن يصف العرب بما أطلق عليهم بأنهم حي «الجرابيع» وهو اصطلاح لتحديد البداوة، لكن هذا الاصطلاح لم يستطع أن ينفذ إلى الدين ويكشف دوره فيه.
وهكذا فإن هذه التبسيطية الروائية التجريدية سوف تعطينا لوحة كاريكاتيرية عن الأديان وليس الأديان نفسها.

يمثل عرفة حسب تلك التخطيطية الروائية مسألة العلم والمعرفة، وهو يأتي إلى الحارة متجهاً إلى حي رفاعة، الذي يعبر حسب رموز الرواية عن العالم المسيحي الغربي، رغم إنه في المشرق العربي!
«فاشارت المرأة إلى ربع في حي رفاعة وقالت ــ هناك بدروم، خلا مذ ماتت ساكنته حرقاً يرحمها الله! »، (10).
إن سكن عرفة في الحي المسيحي المرمز يدل على أن الراوي يدرك كون الثورة العلمية والصناعية تمت في أوربا، ثم يجسدُ عرفة وأخاه حنش بشكل تخطيطي كالسابق، فهو له علاقة بالتجريب والاكتشاف الصناعي ويسميه السحر، وبدأ يمارسُ أعماله هذه المركزة على صنعِ قنابل زجاجية، فتغدو بمثابةَ نفيٍّ للعصي التي يستخدمها الفتوات، فيتركز التحديث والانقلاب الصناعي في مسألة القوة العسكرية، وهكذا فإن العملية الاختزالية تتواصل في رمزية عرفة.
وهو يساير خطوات الأنبياء برفض الفقر وتحكم الناظر والفتوات ويريد الازدهار والغنى للناس، لكنه انتهازيٌ وتقنيٌ منسلخٌ عن الإرث الديني، فهو يقول عن أهالي الحارة الجبلاوية:
«كل واحد يفاخر برجله بغباء وعمى، يفاخرون برجال لم يبق منهم إلا أسماؤهم، ولا يحاولون قط أن يجاوزوا الفخر الكاذب بخطوة واحدة! أولاد كلب جبناء.»،(11).
إن وعي عرفة ولغته التعبيرية توضح إن هذا العلم التقني ليس هو طريقة وعي علمي، فتغدو الأديان كما صورها الراوي ــ المؤلف، تخطيطات اجتماعية غير ذات جذور عميقة في الوعي والسلوك والاقتصاد، فهي ليست بنية لديه، وهكذا عبر عدة زجاجات حارقة تستبدلُ النبوتَ، ويمكن إقامة تحول وأزدهار، وهي لغة تتماشى مع وعي سلامة موسى بإمكانية إزالة الأديان عبر العلم والتقنية.
بطبيعة هذا الوعي الفني لا يمكن تشكيل بنية معمقة، فـتــُستعاد البنية السابقة بطرقها الترميزية التجريدية وذلك بتشكيل المرأة كرمز للأرض، فعرفة يحب عواطف التي يقتلُ أحدُ الفتوات أباها، وهي تقبلُ بالزواج من عرفة ثم تعارضه حين يكون مجرد أداة في آلة الناظر الاستغلالي، وحين يخونها ويخون مثله.
كما تــُستعاد أيضاً صراعات الفتوات كرمز لصراع الأديان، وترتفع ممارسة عرفة التقنية بحيث يتمكن من صنع زجاجات كثيرة مدمرة، ولكن هذه التقنية تقع تحكم الناظر الذي يرمز هنا لتحكم الدول الغربية في العلم وتوظيفه لاستغلالها وهيمنتها، فتحول من رمز للإقطاع للرأسمالية!
ويتم انتقال عرفة للعيش قرب منزل الناظر، وتتم إبادة الفتوات ويتم أسر العلم، ويعيش عرفة التناقض بين انتمائه للناس وبين السيطرة عليه من قبل الناظر، فيخون الأخير ويعود للجمهور لكنه يــُـقتل ويذوبُ حنش أخوه في هذا الجمهور وعداً وأملاً بأن العلم سوف يتجاوز الأديان ويعود منتصراً ملغياً التخلف والظلم.
«المهم إن الناس عرفوا الرجل، وما كان ينشدهُ من وراء سحره للحارة من حياة عجيبة كالأحلام الساحرة. ووقعت الحقيقة من انفسهم موقع العجب فاكبروا ذكراه ورفعوا اسمه حتى فوق جبل ورفاعة وقاسم»،(12).
بطبيعة الحال إن هذا الرفع لم يتم بل أن الأديان استعادت نفوذها بشكل أكبر في المشرق خاصة، وهذا الحلم التفاؤلي مرتبط بالنزعة العلمية التقنية التي كانت مدرسة سلامة موسى ولويس عوض تعتقد بانتصارها الوشيك، لكن محفوظ حاول أن يخلق وحدة بين الأديان والمدرسة العلمية التقنية تلك، والتي كانت ضعيفة في دراسة الــُبنى الاجتاعية العربية الإسلامية.
لقد تجاوز محفوظ تلك المدرسة بمحاولةِ تغلغلهِ في الإرثِ الديني وإقامة صلة معه، لكن من خلال منهج عدم التغلغل في جذور الأديان، ومن خلال رؤية تضاد شبه مطلق بين الأديان والعلم، وليس بإقامة صلة بين الوعي الديني الديمقراطي والوعي العلمي الديمقراطي، فهما وجهان لعملة واحدة، بشكلٍ تاريخي نسبي.
أما الوعي الديني الدكتاتوري والوعي العلمي الدكتاتوري فكل منهما يمثل إجتثاثاً للآخر بدون إمكانية لتحقيق الاجتثاث، لكن في بداية النهضة العربية الحديثة كان الوعي النخبوي العلموي يعيشُ على تلك التناقضات المطلقة بدون وعي جدلي يتعمقُ البنى والتداخلات بينها.
ولهذا فرواية «أولاد حارتنا» تمثل هذه العلموية التي تشربت روحاً ديمقراطية شعبية، فكشفت طبيعة الأديان كثورات، بعملية تحليلية فنية اختزالية، كما قرأت ثورة العلوم بذات الطريقة، وكان إنتاج هذه الرؤية داخل مبنى الرواية يمثل إشكالية بتجسيد الرموز المقدسة في مثل هذا الأطار، لكن كانت تلك خطوة على طريق نجيب محفوظ الطويل في تحليل الواقع فنياً وعبر التجريب والبحث المشروعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش الفصل الخامس
(1): رواية أولاد حارتنا، دار الآداب ، ط 9، ص 5.
(2)المصدر السابق، 5.
(3) المصدر السابق ص 11.
(4): المصدر السابق، ص 11.
(5): المصدر السابق ص 12.
(6): المصدر السابق، ص 115.
(7) المصدر السابق، ص 144.
(8): (هذا التأريخ التوراتي عن الألوهية سوف يستبدله محفوظ بعرض آخر في رواية (العائش في الحقيقة) التي سوف تصدر بعد عقدين من السنوات.
(9) أولا حارتنا، ص 116 – 117.
(10): المصدر السابق، ص 451.
(11): المصدر السابق، ص 457.
(12): المصدر السابق، ص 552.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية

تحديث نجيب محفوظ

screenshot_٢٠١٦-٠٩-٢١-٠١-٢٥-٢٢-383581234..jpeg

يرى نجيب محفوظ التيارات الفكرية وتاريخ المنطقة الديني من خلال الحارة المصرية، فهي المستودع الذي تعيش فيه تمثلات الفلسفة العالمية وانعكاساتها وحكايات الأنبياء وأصداء صراعات العالم.
ولهذا فتاريخ العرب وحضارتهم لا تتشكل عبر أعمال خاصة، بل هى موجودة كأصداء فى شخوص الحارة حين تظهر نماذج الدينيين. وقد سبق لمحفوظ أن ساير السينما المصرية في تصور العرب باعتبارهم البدو الذين يعيشون في صحراء سيناء، كما فعل في الفيلم الشهير الذي أعده كسيناريو للسينما باسم (عنترة وعبلة) في أواخر الأربعينيات، وهكذا كانت قبائل الجاهلية تتكلم باللهجة البدوية لعرب سيناء!
ومن هنا كانت رموز التراث التي تظهر لأبطال الحارة أثناء صراعاتهم الداخلية والعامة كما جرى الأمر في رواية (ثرثرة فوق النيل)، فهي رموز من التراث الفرعوني، الذي هو باعث للهمة وللنهوض (القومي). وفي الوعي المصري الليبرالي كان التفريق بين الوطني والقومي غير واضح.
إن رواية (ثرثرة..) تواصل خط الرواية الفلسفية الذي اتبعه محفوظ، وبطلها الرئيسي هو إنسان مسطول (أنيس زكي)، ويعيش مع شلته فوق ظهر عوامة على النيل، وهي رموز واضحة لمصر أو للقاهرة على وجه الخصوص، ولكن اختيار بطل مسطول ولديه ماض وطني مقموع أو مغيب، هو شكل التجلي للرؤية الليبرالية المقموعة في العهد الناصري، والتي تبحث عن انثيالاتها وتداعياتها من خلال مونولوج البطل المسطول وجماعته من المدمنين السكارى
الغارقين في المتع والنشوات و(الأنس).
وفى حين كان الخارج يتحدث عن معارك ( الاشتراكية) والتأميم، وإزالة الطبقات وضرورة تطوير الوعي، كان الأمر في العوامة يجري على نقيض ذلك، حيث كان تغييب الوعي وسحقه، والانقطاع عن معارك الخارج كليةً.
بل إن الخارج نفسه كان متناقضاً ففي حين يتم الحديث عن فوارق الطبقات كانت الطرقات تكتظ بالسيارات الخاصة، ص72.
فلماذا كان هذا التباين الشديد بين الخارج والداخل، بين ما يجري في الدولة وما يجري في العوامة (مصر) ؟ ما الذي يوحد (الاشتراكية) بالحشيش ؟!
ان البطل المركزي الذي تجري الرواية حول تداعياته هو موظف عتيق، يشبه فى عمره ووظيفته الكاتب محفوظ نفسه، ولكنه لا يكاد يفيق من إدمانة سواء في العوامة أم خارجها، وتجري الانثيالات في أحيان عديدة حول الماضي وأمجاده، في حين ان الحاضر هو كابوس!
كابوسية الحاضر تتجلى في الشخوص التي تحضر العوامة وتمارس طقوس الغياب والفرح الفارغ، وهي شخصيات طفح بها واقع العوامة المصرية في ظل الدكتاتورية الوطنية العسكرية، فهي نماذج من الكتاب والصحفيين والفنانين والفنانات المتسلقين والانتهازيين، الذين خلوا من أي فكر أو فن عميق، حيث يمارسون ترديد الشعارات عن الاشتراكية والتقدم في الخارج، ويمارسون تذويب ما بقي من شخصياتهم في دخان الحشيش، وقد غدت العوامة غرزة من الغرز؛ وكأن مصر قد منع فيها التفكير وانطفأت جذوة الوعي والحوار.
إن النقد العميق للشمولية، والذي يجري من جهة السلب فقط؛ والذي يقارن بعهد الحريات الفكرية السابق الغائب في ومضات لا تكاد تُسمع في هذيان البطل، أو بعهد النهضة الفرعونية، ان هذا التقد يتخفى ويتوارى كثيراً، فهو الصوت الديمقراطي الروائي شبه الوحيد في علم الصحافة الرسمية الجماهيرية (حيث تُنشر الرواية على حلقات في جريدة الأهرام: المتحدث الرسمي بلسان الانقلابيين العسكريين).
إن عدم رؤية نجيب محفوظ أي جانب إيجابي في ثورة يوليو52؛ هو بطبيعة الحال عملية ناتجة من المنهج الفني التجريدي العام، الذي يقولب التجربة الإنسانية في قوالب رمزية متضادة، أي ليس هو منهج تحليلي فني يغوص في تضادات التجربة الملموسة، بل هو يسقط عليها آليات وعيه الليبرالية في تضاداتها المطلقة فهناك: اما حرية وإما استبداد، اما ديمقراطية وإما دكتاتورية، اما تقدم وإما تخلف الخ، أي لا يرى ان هذه التضادات ليست مطلقة، بل متداخلة، وان الإيجابي والسلبي في كيان واحد متصارع، وان مصر ليست عوامة فقط بل مصنع وسد ومعارك، تقدم وفساد… الخ.
ولهذا نرى البطل المحوري ذا الماضي الوطني، وهو صدى سوف يتكرر بشكل عام، ينسحب كلية من الصراع، ويتلاشى وعيه في سحابة كثيفة من المخدر.
لكن ليس هذا التصوير السلبي مطلقاً، فشخصية صحفية شابة ناقدة وواعية ( سمارة بهجت )، تتغلغل في هذه العوامة وتفضح رموزها، ولكن الفضح يتجه لكي يستعيدوا وعيهم ويناضلوا، ولكن بأي اتجاه؟
بالضد من هذه الشخصيات السلبية والفاقدة للوعي، هناك حارس العوامة (عم عبدة)، تلك الشخصية الشعبية المتوارية واللغز، التي تمسك بيديها حبال هذه العوامة وتستطيع أن تدعها تغرق في النيل، وهى رمز لشخصية الشعب، وجذوره المصرية القديمة، ولتنوع هذا الشعب وعمره المديد وتضاداته الأخلاقية وصبره ونضاله اليومي الصبور الدؤوب، بعكس فئات وسطى عديدة ثقافية غارقة في التفاهة.
وفي هذه الرواية الساخرة الناقدة هناك عشرات من الموتيفات التي ترجع لتاريخ مصر القديمة، وكلها تنثال من خلال لا وعي الحشاش الأكبر أنيس زكي، فيجمع محفوظ النقد المرير بالضحك
والفرجة، وهي تقنية شديدة المكر.
لهذا فإن شخصية الدكتاتور هي الحاضرة كثيراً في تداعيات أنيس زكي، وهو شخصية مثقفة مولعة بالتاريخ، ولهذا فلا تناقض بين عمليات استرجاعها لشخصيات وكلمات مثل نيرون والفاشية والفرعون الطاغية.
يقول فى أحد السطور: إنه لم يكن عجيباً أن يعبد المصريون فرعون ولكن العجيب أن فرعون آمن بأنه اله، ص23 .
ويواصل نقد التجربة:
(كل قلم يكتب عن الاشتراكية على حين تحلم أكثرية الكاتبين بالاقتناء والإثراء وليالي الأنس في المعمورة. .)،56.
ويبكي فرعون وهو في أسر قمبيز الفارسي الغازي قائلاً عن أحد جنوده: هذا الرجل! طالما شهدته وهو في أوج أبهته فعز عليّ أن أراه وهو يرسف في الأغلال!
وياتى البديل على شكل ساخر بأن يقوم هؤلاء الحشاشون بتنظيم أنفسهم وكيف يحققون الاشتراكية على أسس شعبية ديمقراطية لا زيف فيها ولا قهر..، ص 100.
ويوجه محفوظ خطاباً غير مباشر في الرواية إلى جمال عبدالناصر حيث يقول على لسان حكيم مصري قديم:
(ما هذا الذي حدث في مصر/ إن النيل لا يزال يأتي بفيضانه / إن من كان يملك أضحى الآن من الأثرياء) ثم تأتي الرسالة:
(لديك الحكمة والبصيرة والعدالة/ ولكنك تترك الفساد ينهش البلاد/ انظر كيف تمتهن أوامرك / وهل لك أن تأمر حتى يأتيك من يحدثك بالحقيقة ؟) ص 126.
ويتضح المنهج الترميزي التجريدي في تصويره للشعب من خلال نموذج بواب العوامة، فوضع الشعب داخل قالب شخصية متفردة، مهما كانت عملقتها، لا يستطيع أن يكشف دورها الحقيقي وتناقضاتها وتراكم الوعي والمواقف فيها.
ولكن هكذا كان الشعب لدى محفوظ خلفية لمواقف الفئات الوسطى، حيث تكمن القيادة لديها.
إن الرواية التي انعكس فيها تاريخ المنطقة الديني هي رواية (أولاد حارتنا)، وهي الرواية التي أثارت الضجة، وكما نرى فإن وجود كلمة حارتنا، يشير إلى أن هذا التمثُل المستمر للواقع أو للتاريخ الديني والفكري، عبر الحارة وموتيفاتها وأجوائها. وهو أمر سيكرره محفوظ أيضاً في روايته (الحرافيش).
وموتيفات الحارة الشعبية كمهنها وأوقافها ومقابرها… الخ، هي عملية تحليل طبقية أخذ محفوظ يشكلها بدءاً من رواية (زقاق المدق)، ونظراً لتركيزه على الفئات الوسطى، التي لها دور محوري قيادي يعكس الرؤية الليبرالية التى يؤمن بها، فقد جعل هذه الفئات فى مقدمة المشهد الروائي، وتمثل خياراتها الأخلاقية والفكرية جوهر الصراع الروائي.
لكن العملية الروائية بتوسعها المستمر لتحليل أزمة هذه الفئات الوسطى، وعجزها عن إعادة تشكيل المجتمع المتخلف باتجاه الحداثة والتقدم، كان لا بد للكاتب من البحث عن سر فشلها، وهنا لا بد من بحث علاقاتها مع الشعب العامل، مادة هذه الفئات الوسطى البشرية، في إعادة تشكيل الحارة المتخلفة، أو عوامة الغياب.
لكن محفوظ نفسه لا يمتلك تجربة في التعامل مع العمال والفلاحين، فى مصانعهم وحقولهم، ولهذا فقد راح يحللهم من خلال شخوصهم التي دخلت الحارة. ولهذا فإن المادة البشرية المتنامية عنهم تأخذ في التوسع والتبدل، لكنهم يظلون كجمهور خلفي، أو كرمز للشعب أو التاريخ القديم، فلا يتدخلون كقوة اجتماعية فاعلة مغيرة لنماذج الفئات الوسطى الحائرة والمتصارعة.
إن اتساع وجودهم نلحظه في الثلاثية بدلاً من الروايات التاريخية التي كان فيها الشعب أشبه بالعدم، ثم يتنامى هذا الحضور في الروايات الكبيرة (الملحمية): أولاد حارتنا، والحرافيش.
ولكن تظهر موتيفات الحارة هنا لكى تعوض غياب التحليل الاجتماعي والاقتصادي في الأعمال السابقة، فتركيز محفوظ على مسألة (الوقف) فى هاتين الروايتين الملحميتين، لا يشير فقط إلى الجذور الاقتصادية للصراع الطبقي، بل أيضاً إلى عملية التضفير بين نضال الفئات الوسطى والجمهور الشعبى، الذي سرقت منه هذه الأوقاف ووضعت في خدمة الأقليات المستمرة في إنتاج وجودها عبر التاريخ.
وتطرح هذه الرواية معضلات التطور في المنطقة بشكل رمزي، وهنا نرى خروج محفوظ من المادة المصرية المحضة، ولكنه جعل تطور الوعي الدينى يمر من خلال عدسة هذه الحارة المصرية، وهكذا فإن المثقفين الذين يظهرون تباعاً: أدهم، وجبل، ورفاعة، وقاسم، وعرفه، يشكلون علاقة نضالية مع سكان الحارة الفقراء، ويقيمون تصحيحاً لوضع (الوقف) الذي احتكرته القلة الظالمة.
ولكن العلاقة التي يقيمونها مع الجمهور هي التي تتيح لبعضهم أن ينتصر، ويسحق (الفتوات)، ولا نعرف أسباب هذه التكرارية في البعث، أي في تكرار ظهور الشخصيات الفاعلة، وفي غياب الإرادة والفعل لدى الجمهور الذي يظل مادةً للفعل التاريخي لشخصيات الفئات الوسطى.
نقول الفئات الوسطى، على الرغم من كون الرواية تقوم بإعادة إنتاج للتاريخ الديني من خلال التمثل المجازي، والقناعي، والرمزي، فهي لا تناقشن فقط التاريخ الديني، بل أيضاً وجود الأديان في الحارة المصرية كذلك.
إن وجود الشخصيات المثقفة الفاعلة يجري في مشهدية الحارة، وبالتالي من أجل تغيير السلطة والإنتاج، الذي يأخذ سمة مجردة هي (الوقف).
والوقف والأحباس هي الأملاك التي تُوضع من قبل السابقين للصرف على الفقراء والمحتاجين، وهي بالتالي لا ترقى كرمز إلى مسألة قوى الأنتاج، بل هي ذاتها ملكيات تشير إلى عالم الملكية الإقطاعية الدينية، الذي هو عقبة أمام تطور العلاقات الاقتصادية الحديثة.
ولكن الرمز هنا يشير إلى الملكية العامة، بشكل مجرد، أي بشكل مُنتزع منه الجذور التاريخية، ليوضع في دورات تاريخية مجردة هي الأخرى، وإن أُلصق بها بعض السمات التاريخية الملموسة، لتعطي الشخصية الفنية مماثلةً خارجية ترميزية للشخصية الحقيقية التاريخية.
وهذه المماثلة الخارجية الترميزية أفقرت الشخصية الفنية، كما قامت بتكرارها، عبر تكرار أنماطها ومعاركها من أجل الوقف نفسه.
إن الوسط وهو الحارة لا يتغير، كما أن أهل الحارة، أي الشعب الذي كان يُفترض فيه تراكم هذه التجربة التاريخية الثرة، لا يتغير ويظل في موقعه التحتي، كمادة طينية تنتظر المثقف الفاعل.
وهكذا فإن هذه الرواية القائمة على التخطيطات الترميزية فقدت المادة الحية، ولعلها أظهرت إشكالية المنهج الفني القائم على التجريدات المطلقة الُمعممّة.
لدينا مجموعة مركبة من الملاحظات حول رواية «أولاد حارتنا»، فهنا لأول مرة في سياق الوعي الليبرالي المصري، المتحدر من سلامة موسى ولويس عوض، نجد عمليات التحليل للتاريخ الديني في المنطقة؛ وتاريخ الإسلام بصفة خاصة، ولأول مرة يجري اعتبار الإسلام ثورة تمثل استمرارية للنضال الثوري الذي قام به الأنبياء، وبالتالي حدثت انعطافة عن التفكير الليبرالي السابق، الذي وضع الميراث النضالي الديني في سلة التخلف.
لا شك أن هذه الانعطافة المحفوظية تشير إلى الريادة والطليعية اللتين قامت بهما الرواية الواقعية عند محفوظ في الحفر تحت أساسيات الحارة المصرية، ورؤية أنها جزء من تاريخ المنطقة.
كذلك فإن هذه الرؤية استطاعت النفاذ إلى عملية الصراع الاجتماعي الذي خاضته الأديان في بواكيرها ضد الاستغلال، ثم تمكن القوى المستغلة من إعادة الأمور إلى سابق عهدها .
لكن الرواية تعجز عن الإجابة عن أسئلة جوهرية في رؤية مسار هذه الأديان، وتلاوينها وتياراتها وتعبيرها عن مناطق وقوى معقدة، فتقوم بنسخها في «موتيفات» عامة، تجعلها هياكل شاحبة أمام الأصل الحي والغني بالألوان.
وهنا تكشفت طريقة محفوظ الروائية الترميزية التي تضع الأفكار فوق هياكل عظمية من الشخوص، حيث يقوم وعي |لقارىء بالمقارنة المستمرة بين الأصل والنسخة المحفوظية لتاريخ الأديان.
من جهة أخرى، تبين هذه الرواية دور المرجعية الغربية التحديثية ودورها المركزي في وعي نجيب محفوظ، فسلسلة الأديان تنتهي بـ«عرفة» الذي يرمز لدور العلم وتغلبه على دور الأديان، واعتباره البديل الحديث عنها، ولكنه لا يقوم بتغيير الحارة عبر الكفاح السلمي بل عبر العنف والديناميت، وهو ما يشير كذلك إلى ارتباط عرفة بالماركسية، وقيامها بالتغيير عبر الصراع المسلح ضد الأنظمة القديمة، لكن عرفة يخلي السبيل إلى رمز علمي وثوري آخر يعقد التصالح مع الميراث الديني ويقوم بالنضال السلمي؛ وهو ما يشير إلى نزعة الديمقراطية الاشتراكية التي انتهى إليها نجيب محفوظ وتياره الفكري التنويري في مصر، أي تيار سلامة موسى ولويس عوض. وهو تيار بقي ثقافياً نادراً في وسط تيارات الشمولية الاستبدادية العنيفة المنتشرة.
ولكن محفوظا تجاوز التيار «الفرعوني» العازل لتاريخ مصر عن المنطقة، رابطاً الأخيرة بتطور الفكر في العالم، مما يشير إلى تجاوز الرواية الواقعية المحفوظية الدوائر المغلقة الوطنية والإقليمية الضيقة، وإذا كان ذلك قد جرى بتخطيطية روائية ترميزية، إلا أن أسلوب الرواية النوعي، القائم على العرض المشوق، ولغة البساطة، قد جعل من التجاوز المحفوظي الفكري حدثاً واسع النطاق، مما فتح للوعي التنويري والنهضوي إمكانيات تجاوز التناقضات الفكرية المطلقة القائمة بين الأديان والحداثة، بين الماضي والمستقبل.
وهكذا فإن هذا التجاوز الذي تم بادوات الرواية، سوف يتشكل فى دوائر الوعي الأخرى عبر أدواتها الخاصة، وسيقوم مفكرون آخرون بوضع الحارة ليس كجسم جغرافي فقط، بل ايضاً كجسم تاريخي مركب، متعدد الحارات عبر المناطق والمراحل والقوى الاجتماعية، وعبر التراكم والتقاطع الفكريين، أي سيتحول إلى بحث اجتماعي وثقافي ولغوي واسع الاجتهادات.
لكن تبقى الخلاصة المحفوظية، هذا الحدس الفني العميق، عملية رائدة في تاريخ الوعي في المنطقة، وقد حاول عبر «أولاد حارتنا» أن يستعيد بساطة وحيوية وعظمة الكتب الدينية؛ التي يتجلى فيها الأسلوب السهل والعميق وذو الآثار التاريخية الكبرى.
إن المثقف التنويري عبر نجيب محفوظ وصل إلى الخلاصات الكبرى، ونستطيع أن نعده أحد «أولاد حارتنا» الذي واصل فعل الرسالات العظيمة بنكرانها لذاتها وتضحيتها ودفاعها عن الوقف المسروق ونضالها لتطوير حياة العاملين.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: تحديث نجيب محفوظ

تنوير نجيب محفوظ

nagib

الكاتب والروائي العربي نجيب محفوظ من رواد التنوير القلائل الذين اتخذوا شكل الرواية وسيلة للتفكير العميق في شئون الحياة الاجتماعية المصرية والعربية، وإذا كان قد بدأ في الثلاثينيات كتاباته الفلسفية فسرعان ما تركها مركزاً على العمل الإبداعي؛ بادئاً هذه الحياة بمجموعة من القصص القصيرة (همس الجنون) ثم رواياته التاريخية الثلاث: عبث الأقدار – رادوبيس – كفاح طيبة.

اتخذت الروايات الثلاث تاريخ مصر القديم الفرعوني مادة لها، وكان هذا تعييراً عن المنحى الليبرالي المتجاوز للفترة العربية الإسلامية، باعتبارها فترة التخلف حسب رؤية المنحى الليبرالي التنويري الذي شكله سلامة موسى ولويس عوض، والذي كان نجيب محفوظ قريباً من نفسه الفكري، فيلاحظ في الثلاثية، الرواية الكبرى في عمل محفوظ، تخصيصه لسلامة موسى فصلاً، وذلك حين يلتقي كمال عبدالجواد، بطل الرواية المثقف والباحث عن الحقيقة، رئيس تحرير مجلة كانت تعني إحدى المطبوعات التي أصدرها سلامة موسى.

وكان صوت التنويرية العلمانية (المتغربة) قد تردد بشكل متقطع في العديد من الشخصيات الثانوية، على سبيل المثال في (خان الخليلي) حيث المثقف الذي يردد أسماء ماركس وفرويد ودارون..

كانت هذه التنويرية الليبرالية تنمو في أعمال نجيب محفوظ بصورة دائبة، وتعبر الروايات التاريخية الثلاث سابقة الذكر، عن المنحى الوطني المصري الذي تشكل في بدء القرن، حيث مصر هي شخصية تاريخية قائمة بذاتها، وليس جزءاً من المحيط العربي، وهي تطمح عبر فئاتها الوسطى النامية إلى الالتحاق بالضفاف الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، ومغادرة عالم التخلف بتاريخها الثر، وقد ربطت الفئات الوسطى هذه العملية الانتقالية بالتحرر من الاستعمار البريطاني والسراي الملكي التركي، والعائلات التركية والشركسية الإقطاعية.

لكن القوى الإقطاعية المختلفة: السلطة البريطانية والملكية والإقطاع الديني، قاومت الفئات الوسطى الليبرالية وحزب الوفد

وتجليات الحداثة المتنوعة. وروايات نجيب محفوظ هي لوحة واسعة لهذا الصراع الذي خاضته هذه الفئات من أجل التحديث والوصول للسلطة وبرجزة المجتمع المصري التقليدي.

ولهذا نستطيع أن نقسم أدب محفوظ إلى ثلاث مراحل، المرحلة الأولى هي مرحلة الثورة والصعود، والمرحلة الثانية هي مرحلة الهزيمة والانكفاء، التي ترافقت مع مجيء ثورة ٢٣ يوليو، والمرحلة الثالثة هي مرحلة العودة للحلم.

ومن هنا كانت الروايات التاريخية هي بداية هذا الصعود لصوت الفئات الوسطى المصرية لتشكيل عالمها، ولكن نجيب محفوظ باتخاذه مادة تاريخية من التاريخ القديم، كان يشكل تضاد؛ مع حلمه وتجسيداته، فهذا التاريخ الفرعوني يكاد يخلو من وجود فئات وسطى مستقلة عن الهيمنة الفرعونية الاستبدادية، ولهذا فإن محفوظ أضفى صفات وطنية وإنسانية على الحكام الفراعنة.

أن إضفاء نجيب محفوظ صفات الوحدة الوطنية الصلبة على جسم المجتمع المصري القديم, وجعل الحكام الفراعنة ملتحمين بالناس, وبتصويره عدم وجود تناقضات داخلية في جسم هذا المجتمع, كان يضفى طابعاً رومانسياً على التاريخ الوطنى, كصدى للعملية السياسية الجارية في وقته.

كذلك كان يقوم بعملية نقد للجسم الإقطاعى الذي تكدس فوق الجسد الوطنى المصري على مر التاريخ, سواء بتجاهله للتاريخ العربى, أم بنقده للسيطرة البريطانية التركية على مصر.

ولكن هذا النقد تم بلبس الملابس التاريخية, وهنا كانت الأدوات الفنية تنمو بالتداخل والصراع والتعاون مع الرؤية التي كانت في غبش الظهور والتشكل.

ولهذا جاءت مرحلة الرواية الاجتماعية المعاصرة، أي حين تم ترك الموضوعات التاريخية القديمة، وبدأ بتحليل المجتمع المعاصر. وهذه المرحلة هى التى استمرت طوال تاريخه الفنى إلا من عودة وامضة للتاريخ الفرعوني مرة أخرى.

وقد بدأت المرحلة الاجتماعية بشخصيات مركزية من الفئات الوسطى، وهى بؤرة الفاعلية الكفاحية لهذا المجتمع وللطبقة الوسطى التى هى في سيرورة الممكن، وليس التشكل الناجز, وإلا ما كان هذا الأدب.

ومن هنا كانت عمليات تحليل هذه الفئات ونقدها لتقوم مهمتها التاريخية في تشكيل مجتمع الحداثة, لتكون (طبقة) طليعية, فإذا تتبعنا روايات مثل: القاهرة الجديدة، وزقاق المدق، وبداية ونهاية، فسنجد عرض الشخوص السلبية والإيجابية بين هذه الفئات المضطربة في توجهاتها, التى تقع الشخصية السلبية في بؤرة العرض الفنى فيها , وهى التى يتوجه العرض لتحليلها وتبيان فشل طريقها, كما حدث لمحجوب عبدالدايم في القاهرة الجديدة الذي كان تجسيداً للانتهازية الفاقعة في بيع ذاته

للوصول إلى الثروة والمناصب, والذي أسس لنفسه مبادئ عدمية هى تعبير عن الالتحاق بالإقطاع الحاكم المخرب للذمم والنفوس, وعدم شق طريق نهضوي تترافق فيه الكرامة بالحرية والديمقراطية.

وإذ يُعطى نجيب محفوظ أطيافاً من شخصيات مرافقة للبطل المركزي, غالباً ما تعكس أطياف التيارات في الفئات الوسطى, فإنه لا يقوم بتحليلها, بل يجعلها كمرايا تبين الجوانب المضادة عند الشخصية الرئيسية.

فحميدة في زقاق المدق هي الانتهازية والذاتية المريضة التى تبيع جسمها هذه المرة للوصول إلى حياة مرفهة, حتى لو كانت بين أحضان الجنود الإنجليز وقواديهم.

لكن الطريق الكفاحى الشعبى يتجسد فى عباس الحلو, الحلاق البسيط الذي يريد ان يتزوج حميدة, ورغم سطحية الترميز هنا بين حميدة ومصر, وعباس والمستقبل, فإن محفوظا لا يقوم بالتحليلات المعمقة في الصراع الاجتماعى, أي لا يرينا كيف يمكن أن يتطور عباس هذه الشخصية الشعبية ليصبح رمزاً نضالياً, فيعتمد هنا على الخطوط الاجتماعية العامة المنمطة والشخوص.

وهذه العملية تعبر عن نظرة محفوظ المنبثقة من الفئات الوسطى التى ترى ذاتها مركز الفعل, في حين أن الشعب والقوى الفقيرة تظل مادة للفعل القادم من الخارج.

وهذا ما نراه أيضاً في (بداية ونهاية) حيث العائلة التى مثل الفئات الوسطى, واتجاهاتها الاجتماعية المحدودة هذه المرة, ولكن الفئات الوسطى هنا تدخل طور أزمة شديدة, حيث موت الأب يعنى شبه انهيار للعائلة, التي تجد نفسها أمام سبل الخيارات الاجتماعية, بين موقف انتهازي تسلقى يمثله الأخ الأصغر الذي يصبح ضابطا, وبين موقف الأخ الأوسط الذي يواصل سيرة عباس الحلو وسيرة الكدح الصابر المتواضع النبيل.

لكن اتجاه الانتهازية والرخص والغرور المتمثل في الأخ الضابط وأخته نفيسة التى تبيع جسمها, يقوم بتدمير العائلة مجدداً.

أن هذه الروايات المتعددة التى استغرق نجيب محفوظ في كتابتها عشرين سنة تبين عملية التفكير الفنى المتواصل في مادة الحياة, الذي بدأ بنسج العلاقة بين فكر التنوير والناس, حيث لا يصبح الشعب مادة مجردة بل شخصيات حية, وصراعات اجتماعية, فكيف يحدث التقدم وكيف تنتصر إرادة التغيير لديه؟

يُلاحظ في هذه المادة الروائية الاجتماعية التصاقها بمادة ملموسة وبحيثيات حياتية اجتماعية, أكثر منها مادةً سياسية وفكرية, فالاتجاهات السياسية والفكرية لا تظهر, إلا كأصداء بعيدة خافتة.

لكنننا نستطيع أن نرى مادة الوعى المتنور في تصوير العلاقات المتضادة بين الشخوص, و في الانهيارات المستمرة في الوعى الانتهازي, وفي تصعيد نماذج الإنسان البسيط من هذه الفئات الوسطى كنموذج للعمل والتضحية والصمود.

أن محفوظا لا يحشر الأسئلة الكبرى الفكرية والفلسفية في هذه النماذج, ولكن هذه الأسئلة غائرة في عملها وموقفها المجسد, كذلك فإن التيارات تحصل على رموزها من الشخوص العرضية غالباً, فالرمزان الدينى والتقدمى باطيافهما, هما منتشران دون أن يكون لهما حضور حقيقى. فقط النموذج المركزي القادم من الفئات الوسطى وهو أمل تكون الحداثة, هو الذي يحاور الشعب سلباً أم إيجاباً, ويحاوره عبر الأمثولة التي يقدمها وليس بالعلاقة النضالية معه.

عبرت ثلاثية نجيب محفوظ وهي (بين القصرين؛ وقصر الشوق، والسكرية)، عن التطبيق الملحمي الواسع للعناصر الفنية والفكرية السابقة الذكر.

فمحفوظ يعرض الفئات الوسطى، بل يختار عائلة كاملة هي عائلة تاجر متوسط، ليعرض نماذجها وعلاقاتها الاجتماعية والسياسية والفكرية. وهناك التمثل الرمزي الذي غالباً ما يشكله الكاتب بين مادته الفنية، والتطورين الاجتماعي والسياسي، فهذه العائلة تعبر عن حالة البلد في خلال نصف قرن من التطور، وكما تتعرض السلطة الدكتاتورية للاهتزاز والضعف الشديد، كذلك فإن سلطة احمد عبدالجواد الأب في هذه العائلة، تتعرض هي الأخرى للضعف وبداية الهزيمة.

إن محفوظ هنا استطاع أن يجسد النظام الإقطاعي بمستوياته المتعددة، السياسية في النظام الملكي وفي الأرستقراطية، وفي الهيمنة الذكورية الاستبدادية المتجسدة في تسلط الأب، وتدهور أوضاع المرأة، وهيمنة المفاهيم الفكرية المتخلفة.

إذن فإن الإقطاع بمستوييه السياسي والاجتماعي في طريق الأفول.

يقيّم محفوظ الشخصيات والأحداث التاريخية ليس من خلال عرضها والدخول فيها، بل من خلال انعكاساتها على العائلة المحورية، فهكذا يظهر التاريخ دائماً خارج العائلة، لكنها تتأثر بأحداثه، وإذا كان فهمي الابن المسيس للأب، يغدو شهيداً

ورمزاً للكفاح الوطني، فإن العائلة لا تشارك في صنع التاريخ، وهنا فنحن أمام عائلة من الفئات الوسطى، يغمرها التاريخ شيئاً فشيئاً، حيث تتفكك علاقاتها الإقطاعية وتتسرب إليها المفاهيم والعلاقات الحديثة. لكن العلاقات القديمة لا تزول، والعلاقات الحديثة لا تنتصر كلياً. فالمسألة ماخوذة على أساس النضال الوطني الديمقراطي العام الذي نسمع به أو نراه أحياناً، ولكنه ليس سوى أحد روافد الرواية.

ومحفوظ في هذه الرواية متفائل بفاعلية العلاقات الحديثة المتوغلة بقوة في البناء الاجتماعي، ويتضح هذا من تغير ظروف المرأة ومواقفها، وبروز نموذج. تقدمي فيها، لكنه أيضاً لا يغفل صعود التيارات الدينية كذلك.

أما ما يمثل بؤرة الرواية فهو الشخصية المثقفة المتنورة المحورية: كمال عبدالجواد، هذه الشخصية التي هي ابن الدكتاتور العائلي، أحمد عبدالجواد، ولكنها هي النقيض الذي ينمو، وهي رمز الفئات الوسطى الحائرة المتذبذبة في تشكيل مجتمع الحداثة.

إننا نشهد في الرواية تتبع طفولة هذه الشخصية، وشبابها وبدء كهولتها، وكيف تتزعزع عملية اعتقادها بالأطر الدينية التقليدية، مشرئبة إلى الأفكار والنظريات الحديثة، ودون معالجة نقدية وجدلية بالإرث الإسلامي المسيحي، بل عبر الانقطاع عنهما، ولكن عبر حيرة طويلة.

ويتوجه كمال عبدالجواد لحب عايدة، النموذج الأرستقراطي، وهي العلاقة الرمزية المباشرة، للعلاقة بين الفئات الوسطى والأرستقراطية، والتطلع إلى الذوبان فيها، واعتبارها هي الحل بديلاً عن تكوين الفئات الوسطى شخصيتها المستقلة وتحولها إلى قوة اجتماعية مهيمنة، ولكن هذا التطلع يفشل لأن عايدة تتوجه لابن طبقتها.

وبعد سنوات يشارك كمال في جنازة دون أن يعرف الميت، فيتضح أن الميت هو عايدة نفسها. لقد ماتت الأرستقراطية كأفق

شخصي لكمال وللفئات الوسطى. وهي نبوءة متسرعة من نجيب محفوظ .

وتتحول أخت عايدة الصغيرة بعد أن تهاوت مكانة أسرة عايدة الاجتماعية، وصارت جزءاً من الفئات الوسطى، إلى مهوى جديد لعاطفة كمال ولكن فرق السن يحول دون ذلك.

ويتضح في كمال الجانب الفكري والرمزي لمخاض الطبقة الوسطى كحاملة للنظام الجديد، ولكن هذا المخاض لا يبدو داخلياً إلا على شكل فكري بعيد الصلة عن تحليل الواقع والإرث الفكري والاجتماعي الديني، حيث إن الكاتب نفسه لا تتمثل لديه الحداثة إلا عبر (التغرب) أي باستيراد الموديل الغربي الجاهز، وليس من خلال إنتاج الحداثة بالصراع في بنية اجتماعية مصرية، لها مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية والإيديولوجية.

كذلك يغدو مخاض كمال التأملي والنخبوي، وهو منهج نجيب محفوظ نفسه، نائياً عن تحليل الصراعات الاجتماعية والمشاركة بها، مما يقود على مستوى مصائر البنية الاجتماعية إلى التفاؤل بالتقدم الحثيث للفئات الوسطى لاستلام زمام

التاريخ المصري.

إن أسرة أحمد عبدالجواد التي تتسع بالمصاهرة تنتج شخصيات تنتمي إلى تيارات دينية (الإخوان) وتيارات تقدمية (الماركسيون)، ومن الملاحظ ان محفوظ يجعل هذين التيارين ينبثقان من العائلة، التي تشير رمزياً للمجتمع والناس

عموماً، ولكنها تشير كذلك إلى الطبقة الوسطى. والرؤية المحفوظية تطابق بينهما.

وقيام عائلة أحمد عبدالجواد بإفراز هذين التيارين الشموليين من داخلها الواعد بالديمقراطية والحداثة، بدلاً من أن يصبح كمال عبدالجواد هو النموذج، مما يعبر عن الأزمة الاجتماعية المتصاعدة، وعدم قدرة تيار الفئات الوسطى الليبرالى على تقديم المظلة الفكرية التي تستظل التيارات الأخرى تحتها، فلا يملك تصوراً ديمقراطياً عن الإسلام يسحب البساط من تحت أقدام التيار الديني الشمولي، ولا يستطيع تقديم الإصلاحات الواسعة لجذب الفلاحين والعمال إلى صفوفه.

وهذا يتبلور في نهج حزب الوفد وتأملية كمال عبدالجواد سواء بسواء.

تنويرية نجيب محفوظ الديمقراطية الحداثية تتحول على مستوى الفن إلى ترميز فكري – اجتماعي، وهذا الترميز يتحول في نهاية المرحلة إلى قالب. وبين حيوية الترميز وامتلائه بالمادة الحياتية، وبين تيبسه وتحوله إلى هيكل عظمي، يقع مشوار محفوظ الأكثر خصوبة .

ونحن إن نركز هنا على التنوير وجذوره ودلالاته السياسية، لا بد لنا من رؤية الترميز وخطوطه العريضة. فكما رأينا صاغ محفوظ بنيته الفنية على أساس تطوير فاعلية الفئات الوسطى للتحول إلى قوة تغيير للمجتمع التقليدي، وعبر شخوص تصارع قيماً متضادة، فهناك الوطن أوالاحتلال، الحداثة أو التخلف، العلم أو الدين، الحرية أو  الاستبداد.. الخ.

وقد شكل الوعي العربي التحديثي بناءه على شكل متضادات شبه مطلقة كالسابقة، أي عدم قدرته على التضفير العميق بينها، وهذا الوعي الذي استظلت به بنية محفوظ الفنية، ولكن هذه الرموز لم تنفصل عن البناء الاجتماعي، فكمال الذي يرمز للوطن الحديث المتشكل تقابله عايدة التي ترمز للأرستقراطية الآفلة، ولكن الترميز لا يخلو هنا من شحنات شخصية واجتماعية ملموسة تكاد تغيب الرمز.

وهكذا يؤسس محفوظ رؤيته للتيارات ونموها وصراعها على شكل شخوص متضادة، وكانت لديه مشروعات روائية قبل ثورة ٢٣ يوليو ٤١٩٥٢ لكنه توقف عنها وبدأ مسيرة فنية مختلفة.

إن انتكاسة مشروع محفوظ هنا يعود لأن التحليل الذي اعتمد عليه في رؤية تطور المجتمع المصري من خلال الثلاثية، والتي كانت آخر عمل في السلسلة السابقة، ثبت خطأه، وأن انتصار الطريق الليبرالي الديمقراطي، وصعود البرجوازية كطبقة تعيد تشكيل النظام التقليدي، لم يتحقق بل لقد وثبت التيارات الشمولية من الفئات الوسطى نفسها الى السلطة وشكلت مساراً شمولياً ووطنياً وأطاحت بالتراكم الليبرالي والديمقراطي السابق.

هذا ما يمكن أن يبعث على الحيرة و الاضطراب الفكري والفني عبر المسار التفاؤلى المحفوظي السابق ذكره. إن تناقضات الفئات الوسطى برزت على السطح التاريخي، وانفجرت التناقضات الداخلية في عائلة السيد أحمد عبدالجواد. وكانت أزمة مارس ١٩٥٤ هي ذروة الصراع, وحسم فريق العسكر الوطني الشمولي المعركة لصالحه.

فماذا يفعل الروائى الليبرالى النهضوي من الرعيل الأول، هل يتخلى عن مساره وينضم للطبالين الكثيرين أم يواصل الحفر لرؤيته بأدوات تعبيرية مختلفة؟

إن تطابق سنوات أزمة الخيار السياسي لمصر وتوقف محفوظ عن الكتابة يشير إلى البحث عن اًسلوب جديد لتجسيد المعاني القديمة، ولهذا فإن الأسلوب الملحمي النقدي الواسع للثلاثية، الذي يظفر بين التشخيص الكبير والترميز، والذي يحوي صراع الطبقات بشكل مكشوف، هذا الأسلوب لا بد أن يتبدل علي ضوء المرحلة العسكرية التي لم تكتف ببوليسها الواسع ورقابتها بل بجمهورها العاطفي الهائج.

فإذن كان الاختمار المحفوظي من أجل إذكاء الأدوات التعبيرية الديمقراطية في زمن دكتاتوري، ولهذا تبدل التحليل الواسع والنفس الملحمي، نحو ضمور الروح الملحمية والتحليلية الواسعة، إلي الكثافة التعبيرية واتساع الرمز، ومع تبدل الموضوعات وبقاء البنية الترمزية الاجتماعية السابقة، بنية التحديث والديمقراطية.

يواصل نجيب محفوظ نقد النظام الوطني الاستبدادي عبر طرق فنية طورت أسلوبه التعبيري.

في روايات مثل (اللص والكلاب) و(السمان والخريف) و(الطريق).. الخ. نجد هذه الكثافة والرموز المتغلغلة في بنية الحدث وفي الشخوص. ففي اللص والكلاب, نرى سعيد مهران اللص يهاجم معلمه المثقف السابق رؤوف علوان الذي صار قطباً في القوى الصاعدة, وكما رأينا فالبنية الرمزية الاجتماعية هنا تشير إلى كون الطبقات الفقيرة التي زعم رؤوف علوان النضال من أجلها, لا تزال مضطهدة ومسروقة, ولكنها الآن تُسرق من قبل رؤوف علوان, وبقية (الكلاب).

وكل الرواية الخادعة للبوليس الشمولي تتركز في الصراع بين سعيد مهران ورؤوف علوان في الحقيقة, والذي موهه محفوظ بأشكال عدة من الكلاب, ولكن الصراع بين اللص الشريف والحرامية الجدد غير الشرفاء هو لب الرواية.

ففي الوقت الذي تحاول الطبقات الفقيرة فيه الحصول على الثروة بنفس الأسلوب الذي اتبعته تلك القوى التي وثبت إلى السلطة, فإنها تُسجن وتقتل.

ولهذا فإن الذين وثبوا للسلطة بأساليب العنف والتضليل الإعلامي يقاومون سعيد مهران الذي يلجأ إلى أساليب العنف أيضاً ولكن من أجل الحق.

أن محفوط هنا في سبيل انتقاد السلطة الشمولية يلجأ إلى حيثية حقيقية متمثلة في قصة السفاح الشهيرة, ويقود منولوج البطل سعيد مهران في كشف تختلف أنواع الكلاب, الذين خانوا صيغة التعايش الزوجية السابقة, ( عليش ونبوية), والجدد.

وتعبر رواية (السمان والخريف) عن هذه الثيمة الرمزية بشكل أوضح وأكثر اتساقاً, فبطل الرواية تحيله حكومة الثورة العسكرية إلى التقاعد السياسي, مثلما تحل حزبه الوفد.

وتكشف فصول الرواية كيف ان الفئات الوسطى تتصارع على السلطة بشكل محموم, والتي يعبر عنها محفوظ عادة بالترميز فخطيبة عيسى البطل الوفدي, تتخلى عنه وترتبط بنافسه العائلي الذي يصعد في السلطة الجديدة.

ويتشرد عيسى ويحل زمن الخريف عليه ويذهب إلى الاسكندرية حيث يلتقي امرأة بسيطة ويعاشرها وحين تحمل منه يطردها. وفيما بعد يكتشف ان طفلتها تحمل ملامحه الجسدية بشكل مدهش.

وقـد عبر ت هـذه العلاقة عن العلاقة الترميزية بين قوى الليبرالية الديمقراطية والناس, حيث التخاطب غير قانوني والثمرة محرمة, والرمز الطليعى يعيش زمن الخريف بين التحلل والنضال.

تكشف هذه الرواية استمرار البنية الرمزية الاجتماعية وقد ضمر جانبها التحليلي الاجتماعي, وتمركُز الطليعية في نموذج وحيد مفصول عن الجماهير, ومتقوقع في ذاته, مما يؤثر في بنية السرد والشخوص, فتلجأ إلى الشعرية اللغوية والتأملات الداخلية المفصولة عن وهج الصراع الاجتماعي.

وهذا ما يمكن متابعته في (الشحاذ) ايضاً, حيث عمر الحمزاوي يكتشف أن استمراره في وظيفة المحاماة الناجحة التي أغنته مالياً, قد أفقرته روحياً, لغياب أي قضية عنده, ولا يوضح محفوظ الأسباب المباشرة لغياب الانتماء والخصوبة الداخلية, بل يدع بطله يهجر هذه الحياة البرجوازية غير المشكّلة للطبقة الطليعية لمجتمع الحداثة, و في غيابات وهجرات معاكسة لما ينبغي أن يكون, كالاتجاه نحو اللذائذ الجنسية المتنوعة والواسعة, والتي تتكشف عن خواء, وكذلك الاتجاه المعاكس أي الاتجاه نحو التصوف وترك اللذة والحس كلياً, مما يقوده إلى الغيبوبة والهذيان وشبه الجنون.

في حين ان زميله النضالي الذي خرج من سجن النظام العسكري يواصل الكفاح ويتزوج ابنة عمر, في تعبير تزاوجي آخر عن الخصوبة السياسية والفكرية, ولكن في النهاية يتم مهاجمة هذا المناضل الذي لجأ إلى قريبه عمر في عزلته, تعبيراً عن كون النظام الشمولي تتوحد مصائر الهاربين والمنتمين في قبضته.

في رواية (الطريق) يواصل نفس الرؤية بثيمات أخرى, ولكنه في رواية (ميرامار) التي تدور في بنسيون صغير, يواجه مباشرة النظام عبر تناقضات اجتماعية صارخة من شخوص تمثل عمليات التفسخ التي تنتهي إلى الجريمة.

ويُلاحظ أن محفوظ لم يصور النظام الوطني بأي إيجابية لافتة, فلم تعبر ريشته عمليات البناء الضخمة الجارية, مركزاً على غياب الحرية السياسية, وهذا يعود لمنهجه الفني الفكري ذي التضادات المطلقة والذي لا يظفر بينها بتكوين اجتماعي حقيقي.

تحتاج هذه الحلقات التي تدخل ربما في لب عمل نجيب محفوظ المتواري كثيراً عن النقاد الذين يسحبونه نحو ايديولوجياتهم أكثر مما يفسرون نصوصه, إلى وقفة أخرى.

ــــــــــــــــــــــ

عبـــــدالله خلــــــــيفة: تنوير نجيب محفوظ

انظر للكاتب عبـــــدالله خلــــــــيفة: نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية ، 2007.

 

عبـــــــدالله خلــــــــيفة في حوار أجراه الباحث المغربي: أحمد شراك

عبـــــــدالله خلــــــــيفة

حوار بين المغرب والبحرين

الكتابة الروائية والقصصية عند عبدالله خليفة

حوار أجراه الباحث المغربي: أحمد شراك

  •  على صعيد سوسيولوجيا الكتابة والنشر، يُلاحظ المتتبع لإصداراتك القصصية والروائية، بأنها صدرت خارج الوطن ـ البحرين ـ وبشكل خاص في لبنان وسورية والإمارات. فهل يعود الأمر إلى إستراتيجية خاصة في النشر؟ إلى الانتشار باعتبار دمشق وبيروت، عواصم النشر والثقافة؟ إلى انحسار دائرة النشر في المنامة؟

إن ذك يعود بكل بساطة إلى سيرة حياتي الكتابية. فأول كتاب صدر لي سنة 1975، وأنا قابع في السجن، فلم أحصل على نسخة واحدة منه، وحين خرجت في الثمانينيات من ذلك التنور، أم استطع أن أجد شيئاً منه.

وفي سنوات السجن قمتُ بكتابة قصصي ورواياتي الأولى، التي حاولت نشرها بعد خروجي.إن إمكانية العزلة تعطيك قدرة ً على  الإنشاء الشعري، ولكنها لا تملأ يديك بالمال أو الشهرة، فتحاول أن تسوق كتبك ودمك عند دكاكين لا تعبأ بروحك.

إن المنامة بخيلة على أبنائها دائماً، سواء بالنشر أم بالمال أم بالشهرة، ولهذا فإن المطابع تتخصص في الكتب التجارية وملصقات الراقصات ودفاتر البنوك، أما الكتاب الإبداعي فطباعته تعادل شراء سيارة [ جديدة]!

وهكذا فقد ذهبتُ كغيري من الكتاب البحرينيين إلى دور النشر العربية، ونحن البحرينيين ـ بروليتاريا الخليج العربي ـ بحثنا عمن ينشر لنا مجاناً، وقد وجدنا في اتحاد الكتاب العرب بدمشق، ورئيسه علي عقلة عرسان، الرجل القومي الحقيقي، ضالتنا. لقد أصدر لنا الاتحاد العديد من الكتب، وقد طبع لي مجموعة قصصية وروايتين، ورغم إن الاتحاد لا يشارك في المعارض، وتقبع الكتب في صالته  تنتظر بصبر طويل المشترين، فإنه قدم لنا الخدمة النبيلة الأولى الكبيرة.

وبعد ذلك كان علي الاعتماد على نفسي في النشر، بعد أن عملت في الصحافة.ومن المؤكد إن سوريا ولبنان يمثلان رئتين مهمتين للنشر العربي، فرخص الطباعة ودقتها وجمالها وانتشارها لا يمكن مقارنته بمكان آخر. رغم إن دكاكين الجزارة الثقافية هذه تستلم لحمك ودراهمك بكل برود وأنانية.

وهناك نقطة ضؤ في الخليج، فاتحاد كتاب وأدباء الإمارات يحاول أن يشكل جزيرة يسبح إليها المؤلفون هاربين من بحر التماسيح الطباعية، وتاركين أشلاءهم ودماءهم وراءهم.

  • إن المتتبع لتجربتك الروائية على الخصوص ، يلاحظ ـ على صعيد العناوين، بأن رواياتك تتكون، في الأغلب، على صعيد عناوينها من كلمة واحدة أو اثنتين، وهذه الكلمات / العناوين ، كلمات عادية تحمل شحنة لغوية مباشرة، إلا أن النصوص التي تحتويها تتسم بالتجريب من جهة وتعتمد على لغة رمزية شعرية مكثفة من جهة أخرى، وتأسيساً على هاته الإشارة، هل هناك وعي مسبق في اختيار هاته العناوين؟ أم أن الأمر يعود إلى الصدفة؟؟ بعبارة أخرى هل هناك استراتيجية ما، للعنونة بالنسبة لعبدالله خليفة؟

هذه ملاحظة دقيقة، فعناوين مثل [ لحن الشتاء ]، و[ اللآلئ] و[ الرمل والياسمين] و[ امرأة ] و[ الضباب] و[ سهرة] و[ الينابيع ]، هي ومضات ما من ذلك العالم القصصي والروائي، ومحاولة لتركيز اللوحة في بؤرة أساسية، ولكن العناوين في رأيي لا تشير إلى دلالة أيديولوجية محددة. إنها لا تهتفُ وتصطخبُ باتجاه معين.

فـ [ اللآلئ] كلمة تشير إلى جانب أساسي في البناء والحدث، فسفينة الغوص التي تاهت في البحر، قام الربان فيها بالاستحواذ على منتوج البحارة وهو اللؤلؤ، ولعل الذهن  الذي شرد نحو صيغة التأنيث [ اللآلئ ] هو تعبير عن انحباس ذكوري في البحر حيث لا نساء، وفي السجن أيضاً! وتدور الرواية في رحلة تيه البحارة وصراعات حول النجاة واخفاء المحصول الخ …

[ الضباب ] رواية تدور حول [ حشاش] راهن، ومنتمٍ سابق، والحدث هو رحلة الخروج الدامي من هذا التيه. لقد جاء العنوان من داخل عملية التشكيل. تركيزٌ له وبلورة. ليس شكلاً مسبقاً بل نتاجاً له.

[ الينابيع ] كذلك هو ومضة لاكتشاف الخطوط العريضة لمواقف الشخوص والأحداث والتطور، حيث يشير ليس إلى مناطق تدفق الماء التي حفلت بها البلد، بل أيضاً إلى مواقع تدفق الضؤ والألم والحب والمواقف.

هل الوضوح في العناوين يعاكس البُنى الفنية التجريبية والشعرية؟ أتصور إن البنى رغم تدفقها وتكثفها، تحمل سياقات واضحة بشكل ما.

  • لاحظ تواصلاً بين القصة والرواية في كتابتك الرواية، يكسوه نفسٌ شعري، وهذا أمر عادي باعتبار تداخل الأجناس وتواصلها، إلا أن الانطباع الذي قد يخرج به قارئ أول بالنسبة لرواياتك هو إنها مجموعة من القصص أو تراكم قصي قصصي يحكمه نفس طويل؟ ومهما كانت انطباعات التلقي، كيف يتصور عبدالله خليفة كتابة الرواية ككيمياء إبداعي؟

قد يكون هذا حكماً جزئياً، أو هو قراءة لعناصر معينة في التجربة. هناك بعض الملاحظات التي أقرأها: كقول أحدهم إن قصصي القصيرة روايات مكثفة ورواياتي قصص مطولة.في الواقع، إنني لا أرى الحدث القصصي إلا باعتباره كياناً واسعاً مترابطاً، يمتد إلى جزئيات الواقع والطبيعة، أي إنه يكون تجربة عميقة مثقلة بأشياء المكان وبملامح البشر الروحية وصراعاتهم الاجتماعية، وبشرائط الطبيعة المتغلغلة في المكان والإنسان.

في البدء، كانت القصة القصيرة بالنسبة إليّ ومض سريعة جداً، ثم راحت تمتلئ وتتشبع بضراوة البنى والأشياء. إن هذا يرتبط بتطور الرؤية والتجربة.

لهذا تأتي الرواية كتتويج لاكتشاف اللحظة الإنسانية في جذورها وسيرورتها، في تشابك الحدث بأغصان الظروف وسكاكينها، وبارتباط الداخل بانفجارات الصراع.

إن حدثاً [ عابراً] كما في رواية [ امرأة ] وهو دهس امرأة غنية لصبي امرأة فقيرة في إحدى القرى، يثير دوامة من الأحداث المرتدة إلى الماضي والنازفة في المستقبل، ويضع خرائط القرية المدهوسة بالتحولات الصراعية موضع الرصد الشعري.

منذ حادث الدهس ودفاع ريم الضاري عن أبنها حتى محاولة قتل جنينها لم استطع أن ألغي حدثاً جزئياً أو جملة.

إن البنائية المتآزرة، سواء على مستوى عناصر السرد أو تشكيل الشخوص والأحداث والدلالات، هي شيء لا يمكن التخلي عنه، إذا أردنا صياغة رواية معاصرة، أما إذا تحولت إلى هياكل عظمية متجاورة، فهي تتقهقر إلى القص الطويل القديم، وتلك بنية توافقت مع حياة مفككة، ونمط اجتماعي عتيق، سواء على صعيد التآزر البنائي أو على صعيد الدلالة.

  • هناك مسافة (لا تُعبر) بين عبدالله خليفة الصحافي وعبدالله خليفة المبدع، إن على صعيد اللغة وإن على صعيد الأسلوب.. فهل لم يكن ممكناً الاستفادة من الكتابة الصحفية في إضاءات كثير من النصوص التي تَّهْربُ إلى الرمزية وتكثيف اللغة بشكل واضح؟ وبعبارة أخرى ما علاقة الصحافة بالإبداع في نظرك؟

■ بالتأكيد على القاص أو الروائي أن يخاف من لغة الصحافة: لغة العرض المباشر والتقارير ومتابعة الأحداث السريعة، لأنه يحاول أن يمسك الأشياء الجوهرية العميقة في هذه المجريات اليومية النابضة كذلك بالألوان والمذاقات المختلفة والتلاشي.

ولقد أدخلت مثل هذه اللغة العرضية والملموسة إلى كتابتي، وبشكل ليس محدداً، ولكن من أجل أن تكون جزءً من مادة الحياة، وأن تُحور وتعدل لتتناسب ومجريات العرض الفني.

إن العديد من النصوص هي مضاءة بذلك، ويعتبرني بعضُ النقاد من الكتاب الواقعيين التقليديين، بعكس ما تشير إليه، وفي الواقع إن مثل هذه الإشكالية المزدوجة ناتجة عن رؤية جانب واحد من الكتابة.

فرصد الواقع بطريقة تسجيلية في مشاهد معينة هو أمر مطلوب لإحداث الإيهام ورصد العالم بشكل موضوعي، وقد كتبت بهذه الطريقة [ الصحفية] ـ وأسمح لي أن أقول إنه لا يوجد أسلوب بهذا الاسم ـ ولكن أن  يستولي الأسلوب الرصدي ” التقريري ” على الكتابة الفنية فهو يقطع أجنحتها ويطفئ بصيرتها، فليس الهدف من الكتابة القصصية عموماً التحليق عن الإنسان، بل اكتشاف الهيكل العظمي لتخلف الأمة وتعريته وعرضه للنور والنار.

ولهذا فإن الكتابة لا بد أن تزاوج بين مسألتين متضادتين، الرصد الموضوعي للعالم، وعدم الانحباس بين ملابساته الجزئية وأحجاره الجانبية.

والكتابة العربية عموماً ضائعة بين التحليق بعيداً عن الواقع، أو الانحشار بين غيرانه، وليس لدينا ذلك التضفير بين الاكتشافات العميقة للواقع، وتكوين اللغة الإبداعية ذات الطبقات الترميزية، إلا فيما ندر.

إن عدم قدرتنا على كشف الهياكل المتعفنة للعلاقات الاجتماعية ـ الروحية، يكمنُ في الوقوف عند الظاهر والاكتفاء بالرصد الصحفي، أو على العكس الغياب في الترميز والتعميم.

إن تضفير هذين الجانبين يعتمد على مواصلة رقابة الواقع التي تتيحها مواد الصحافة وأساليبها، وعدم الاكتفاء بموادها، والأمر يتوقف على الممارسة الكفاحية في تصوري، وليس الموقف التأملي المنعزل.

إنك تستفيد من مواد الحياة وعروضها الكرنفالية البائسة أو العظيمة. وتصل إلى القوى الميتة التي تُمسك برقابنا وأنفاسنا منذ بدء النهضة، وتعرض الأمر في مشرحة الرواية.

ومن المؤكد إن ذلك سيثير تناقضات أسلوبية كالغموض والترميز والشعرية الواسعة، أو العودة للنثر اليومي، لكن تقوم رحلة الرواية على الجمع بين الماء والنار، بين التغلغل في الجوهري وعرض المباشر، بين الشعرية والنثرية، بين الجوهرية والفوتوغرافية، بين الغموض والوضوح الخ…

  •  في روايتك الأخيرة [ الينابيع] التي ظهر منها الجزء الأول الموسوم ب [ الصوت]، أريد أن أسألك هل هناك ضرورة / ضرورات تيمائية ( باعتبار الرواية تاريخية) تفرض جمالية خاصة ونوعاً خاصاً في الكتابة الروائي، وعلى رأسه هذا النفس الطويل والمتعدد (رواية في أجزاء)؟

الضرورة تعود إلى الكاتب ومشروعه.

 أن ( ينهي ) عملية التحليل الفنية الواسع لبلده، تطوراتها وتناقضاتها وبشرها.

أن يوهج ما يحاول التاريخ الزائف وحديد الواقع، أن ينفيانه.

أن يضيء كل تلك الكفاحات البسيطة، وذلك العذاب الطويل الغارق في النسيان والغياب.

أن يجعل أؤلئك البشر المجهولين في الأزقة وتحت عربات الزمن وفي آبار النفط المشتعلة، باقين، مضيئين عبر الزمن. أن يجسد أصابع الإنسان الباقية فوق البحر لتحل كل الألغاز المطروحة من قبل الضواري.

أن يعيد ترميم سيولة التاريخ والثمار، حيث شكلت أهرامات من الرؤوس المقطوعة والمنازل القميئة والأرواح المتقزمة، جهة العماليق المنقرضين، وأكداس النقد والأبنية الشاهقة والنفوس الزجاجية، جهة العماليق المسيطرين.

لكل شعب ملحمته، إعصاره الخاص، الذي اندفع فيه ليقاوم الأصنام والرؤوس المتوحدة ومصائد البشر. وهذا مشروع لملحمة، صورة كبيرة واسعة لرجال ونساء أعادوا صياغة التاريخ والإنسان.

الضرورة تعود إلى حلم الكاتب.

 أن يجعل من رمل التاريخ لغة شعرية ولوحة تشكيلية لتصادم الينابيع القصوى للخير والشر، لتصادم القوى الكبرى، أن يرتفع عن المادة الخام للتاريخ، وللصحافة، للواقع، ليرى الشلالات الدفينة لتكون الأفكار العظيمة والنفوس النبيلة.

  •  إذا كان عبدالله خليفة لا يصدر رواياته ومجاميعه القصصية في داخل البحرين، فإن البحرين مع ذلك تشكل هاجساً حقيقياً في كتابته خاصة على صعيد التفضية والفضاء، حيث يحرص ـ وبقوة ـ على هذا الانتماء.. ويحاول أن يكون صوتاً لهذا البلد الشقيق، الذي بدأ يشهد تململاً حقيقياً على صعيد الكتابة والإبداع، وعلى صعيد الفعل الثقافي والمبادرات الثقافية.. فأين يضع عبدالله خليفة نفسه داخل هذا المشهد: البحرين الروائية بشكل مخصوص؟؟

 ■البحرين تشكل إحدى المُسرعات الحضارية في منطقة الخليج والجزيرة العربية، وعلى الرغم من صغرها، وربما بفضله، فقد تكونت تجربة نهضوية منذ أواخر القرن الماضي، ولعبت طليعية البحرين في الاقتصاد، سواء باعتبارها بؤرة في إنتاج اللؤلؤ وتشكيل التجارة، ثم باعتبارها أول بلد تدفق النفط فيه، في تسارع الإنتاج الثقافي وتكوين التيارات الفكرية ـ الفنية.

وبدأت القصة القصيرة منذ الأربعينيات، وانهمرت بغزارة وبحداثة في السبعينيات، ثم تحولت إلى الرواية في الثمانينيات. والنتاج الروائي قليل ولي أكبر حصة فيه.

والواقع، إن البحرين ليس فيها تململ على صعيد الكتاب، بل يوجد فيها نشاطٌ غزير وطويل عبر نصف القرن التالي، فثمة عشرات المجموعات القصصية وعشرات الدواوين ومئات المسرحيات وكتب الأطفال والدراسات الفكرية، ولدينا رواد في الشعر والفكر السياسي وغير هذا كثير، وكل ذلك في شعب أقل من ربع مليون!

وساهمتُ في هذا الزخم منذ أواخر الستينيات بمئات القصص والمقالات والدراسات الفكرية والنقدية، وقد ظهرتْ في القصة القصيرة التي اشتغلتُ عليها عدة اتجاهات، أهمها الاتجاه الواقعي، والاتجاه التجريبي، اللذان تصارعا وتمازجا واختلفا، ومثلت الرواية امتداد هذا الصراع والتحول.

وقد عملتُ ضمن الاتجاه الواقعي، بتطوراته واخفاقاته وتحولاته المختلفة. الآن صعدنا فوق هذه التضاريس المحدودة مستثمرين دلالاتها الإيجابية.

  • فيما يخص علاقة الثقافي بالسياسي، كيف ينظر عبدالله خليفة إلى المشهد السياسي في البحرين أيضاً؟ هل هناك تغير في الرؤية؟ هل هناك مصالحة مشاكسة؟ خاصة وأن روايتك الأولى [ اللآلئ] عبرت بشكل رمزي عن مرحلة الخيمة المظلمة!؟

المشهد السياسي في البحرين معتم، فمنذ حل المجلس المنتخب سنة 1975، وكنا ضحايا لذلك العنف، ونحن في حالة طوارئ دائمة. ورغم إن البلد عرفت تطورات اقتصادية كبيرة مع ارتفاع أسعار النفط، وشهدت البنية الاجتماعية ازدهاراً واسعاً، إلا أن الاحتكار السياسي وغياب التعددية أدى إلى تضاؤل احتواء الدولة للمجتمع ودخول البلد في حالة عجز مالي وسياسي متفاقم.

في حالة الطوارئ الممتدة ثلاثة عقود ركزت الدولة على اجتثاث التيارات الحديثة العلمانية، مما وسع وانهض الحركات الأصولية، وهذا أدى إلى نزاع دامٍ على مدى الأربع سنوات الماضية وخسارة مئات الملايين من الدولارات وعشرات القتلى وآلاف الموقوفين الخ..

ولا يبدو أن في الأفق رؤية سياسية تصالحية ناضجة تستوعب هذه الخناجر الدامية وتُدخل المجتمع في مجرى ديمقراطي.

  • سؤال أخير في نص هذا الحوار يتعلق بالمغرب السياسي والثقافي في آن، فما علاقات عبدالله خليفة مع المغرب الثقافي خاصة الروائي منه إبداعاً ونقداً؟ وعلاقته مع المغرب السياسي، خاصة تجربة التناوب السياسي التي يشهدها المغرب بعد تشكيل حكومة التناوب من طرف المعارضة بزعامة اليوسفي الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي والوزير الأول في الحكومة المغربية الحالية؟

المغرب نموذج مبهر للعرب. شيء متألق مختلف يلمع أمام القافلة العربية الصحراوية الطويلة، يحدوها للتوغل في العالم المتمدن الحديث، وعبور محيط الظلمات والطائفيات والإقطاعيات.

وكان انتصار أصدقائنا التقدميين المغاربة في الانتخابات التشريعية وتشكيلهم وعملهم لتحويل المغرب لصالح القوى الشعبية، مبعث اعتزاز وفخر هائل في الجزيرة العربية، وقد كُتبت العديد من المقالات التي أطرت هذه التجربة العظيمة، ومثلت أول تجربة تداولية عربية.

ونحن نتمنى على الأخوة المغاربة  الديمقراطيين رص الصفوف، والتعاون العميق الموحد للمزيد من التأثير في الواقع.

أما الأدب المغربي والرواية المغربية فهما مدرستان لنا. نحن نتعلم من أدباء المغرب وروائييها الكبار. لقد العديد من الروايات المغربية الكلاسيكية والجديدة وتتبع بعض الكتب النقدية التي ترصد هذه التجربة ككتاب الناقد نجيب العوفي عن المقص المغربي، وكانت لنا لقاءات مع أدباء المغرب في مؤتمرات الأدباء العرب، ونحن فخورون بإنتاج أشقائنا المبدعين المغاربة، سواء على مستوى الأدب أم على مستوى السياسة والواقع.

 عبـــــــدالله خلــــــــيفة في حوار أجراه الباحث المغربي: أحمد شراك

 

 

الوعي الديني والبنية الاجتماعية

  عبـــــــدالله خلــــــــيفة

لقد نما الإسلام عبر التضاريس الطبيعية والاجتماعية المتداخلة المركبة، وقد رأينا كيف كان الطابع معقداً ومتضاداً عبر تأثير الرعاة والصحراء على المدن ونموها، ولأن هذه المدن تتشكل بقيادة الطبقة المسيطرة، وليست باعتبارها سوقاً، حيث يأتي السوق كمُلحق وليس كقوة قائدة، فقد قام الأشراف بتراثهم الرعوي والمحافظ  بتثبيت هذه الأسس الاجتماعية والفكرية للماضي، مع استلال مضمونه الكفاحي، أو جعله أشكالاً أو عادات مُفرغة من المضمون التقدمي.

فالقبيلة والأسرة الأبوية التي كانت نمطاً اجتماعياً مهيمناً في البداوة تم سحبها إلى فضاء المدينة الاجتماعي، وغدت أفخاذ هذه القبائل تغدو أحياءً، وبالتالي كان هناك قواعد مادية بشرية واقتصادية لإعادة إنتاج الموروث البدوي. ونجد ذلك من الكوفة في عصر عمر بن الخطاب حتى مدينة المحرق البحرينية في القرن العشرين.

إن الإقطاع السياسي الحاكم يتحول على مستوى الحياة الاجتماعية إلى إقطاع أسري أبوي، وكذلك إلى عبودية إذا كان ثمة علاقات رق، أو استخدام للخدم العبيد والجواري.

وبطبيعة الحال، فإن المدينة المقامة بإرادة سلطوية، تقوم بتنمية التجارة والصرافة الخ، وتتحدد العمليات المالية هنا بمدى موارد السلطة وكيفيات الصرف. وهذا من جانب معين يقوم بتفكيك الإقطاع الأسري، عبر تطور وعي هذه الأسر، لكنه لا يقضي على الإقطاع الُمرحّل من العصر البدوي الذكوري القبلي السابق، إلى المدن، ويتوقف الأمر هنا على الموارد التي تدخل السوق والحرف وما إذا كانت تتجه للتوسع الخ..

فالمدينة ليست مدينة برجوازية بل مدينة إقطاعية، تنشأ فيها قطاعات رأسمالية محدودة ومرتبطة بالسلطة أو بحاجات الناس البسيطة. ولهذا لا تستطيع أن تغدو مدينة برجوازية إلا عبر تغيير السلطة.

لكن القبائل أو الأفخاذ وقد غدت مؤسسة حاكمة، تتمركز فيها السلطة والثروة،   تقوم بتأبيد التراث الذي ارتكزت عليه في الحكم، وهنا يمكن أن نرى عدة مراحل لعلمية التثبيت تلك، فالزمن الراشدي الأموي العباسي يثبت الأسر القرشية بإرثها العربي، وهنا كانت عملية استعادة الإرث العربي الإسلامي ذات صياغة عربية بدوية تحديثية، دون أن تتخلى عن الأسس الاجتماعية القبلية والذكورية والأرستقراطية، أي أن المدن أصبحت مضارب جديدة عبر هيمنة شيخ القبيلة الذي صار خليفة، وهذا الجانب الأساسي لن يتم التخلي عنه في أية تطورات متنامية، أي أن الإقطاع السياسي الحاكم، يكرس مستوى اجتماعياً ملائماً لقيادته. وهذا المستوى الاجتماعي من البُنية هو الذي يقوم الدين بتشكيله.الدين الذي سُحبت منه المواقف الأساسية في الثورة التأسيسية: التوجه نحو التحديث، وتحالف التجار والقوى العاملة، وتغيير التاريخ بالارتكاز على تطور حياة الجمهور المعيشية.

ولكن لأن الصراعات السياسية والفكرية تجري في المستوى السياسي فإن المستوى الاجتماعي يتكرس من كل الفرقاء المتصارعين السياسيين.أي أن تعدد الزوجات وعقوبات العنف واستخدام العبيد والحجر على النساء وتبعية الوعي والثقافة للقصور الحاكمة الخ.. إن هذا المستوى الاجتماعي لن يكون محط خلاف بين الفرق الدينية، التي أخذت تتحول إلى مذاهب بدءً من القرن الثاني الهجري.

فالتحول إلى مذاهب لم يكن يصب في إعادة تشكيل هذه المستويات الاجتماعية المتحجرة، لأن المسيطرين على إنتاج المذاهب انفصلوا عن العاملين، وغدت لهم مصلحة مشتركة في الإبقاء على تخلف وتبعية المنتجين. ومن هنا نرى تضادهم مع مضمون الثورة الإسلامية التأسيسية، ولهذا يركزون على الشكل لدرجة التعصب والعنف.

 ولهذا فإن خلافات المذهبيين تغدو شكليةً أكثر فأكثر، مثل كيفية الوضؤ، أو الوقوف في الصلاة، وإذا كان المستوى الإيديولوجي يبدو متضاداً، عبر الاستناد على النص المستقل عن الأئمة أو الموروث عنهم، فإن هذا المستوى الفكري يتحول هو الآخر إلى أشكال مُفرغّة من بحث القضايا الجوهرية للتحول مثل الملكية العامة والخراج والاستغلال الخ..

وهكذا فإن الإقطاع السياسي وقد أسس الدولة المركزية، أو الذي انفصل عنها، فإنه يقوم لا بتكريس حكمه السياسي فحسب، بل بتكريس المستوى الاجتماعي، التقليدي، الذي تهدف ديمومته إلى إعادة إنتاج الطاعة لدى الجمهور المستلب الإرادة.

ويلعب الوعي دور الوساطة بين المستوى السياسي والمستوى الاجتماعي، فالمثقفون الذين ينتجون الوعي والمرتبطون بالأشراف وخدمتهم، يصوغون المبادئ الدينية ويحيلونها إلى أشكال، أي يقومون بنزع وظيفتها التحويلية الأولى، ومواقفها الموجهة ضد الملكية الاستغلالية، ويركزونها على العبادات والمعاملات والعقيدة، ومن ثم تزداد بُعداً حتى عن هذا المستوى، أي تتحول إلى محض عبادات وتستوعب أكثر فأكثر المراحل السابقة للدين كالسحر والخرافة القديمة. [ راجع هنا حديث أبن الماجشون عن قرار عمر بن الخطاب بجعل ملكية الأراضي الخراجية المفتوحة ملكاً لعامة المسلمين.]

وبطبيعة الحال فإن صياغات المثقفين لمستويات الوعي الدينية في كل مرحلة تختلف، لكونها مرتبطة بمدى قوة الدولة وطابعها وكيفية توزيعها لثمار العمل، ولكن إذا حللنا هذه الصياغات بدءً من نهاية القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث فنجد ما قلناه سابقاً من بروز التمذهب  الذي كرس البنية الإقطاعية بمستوييها السياسي والاجتماعي. وكان دور المثقفين المذهبيين المتعددين هو تكريس هذا الاختلاف عبر الأشكال الدينية التي تناسب بدلات القوى المسيطرة المتعددة الألوان..

ولهذا سيختلفون حول كيفية الصلوات وعدد الكواكب والنجوم والأرواح التي تهيمن على الفضاء الروحي، ولكن سيتفقون على استغلال العبيد والنساء.

وتغدو الاختلافات بين المجموعات الإقطاعية السياسية والدينية منصبة على الأشكال، وهي تحولها إلى أدوات للحكم أو لمعارضة الحكم ولكن ليس لتغيير أوضاع الجمهور.

إن هذا يستنزف البشر والنص الديني معاً، فالمدينة الإقطاعية الدينية وهي تدمر الريف والبادية بشكل مستمر، باستغلالهما وتفتيتهما، تقوم بتدمير نفسها أيضاً، بتوجه السلطات البذخية فيها، فلا تنهض الصناعة، ولا تلتحم بالعلوم، وتغدو قوة المدينة الاقتصادية مركزة على التجارة والإنشاء اللذين يصبان في البذخ، مما يجعل المدينة على مرور الوقت تنهار من الداخل وتفقد سيطرتها على الخارج.

فالتضخم المتواصل في عدد سكانها، والذي يكون من التوالد غير الطبيعي في العائلات الأرستقراطية، والذي يتكون بسبب الشهوات والفراغ، أو بسبب النزوح المستمر من الريف والبادية، أو بسبب تكوين فرق الارتزاق العسكري، أو بسبب التضخم السكاني المستمر في القرية والصحراء والذي يتشكل لأسباب إنتاجية ولمواجهة قسوة الطبيعة وتخلف الإنتاج وهيمنة الرجال كذلك.

إن النص الديني الموجه عبر هيمنة مثقفي الأشراف وخدمهم الفكريين، يضمرُ على مستوى المضمون، لفقدان الركائز الاجتماعية التي تغذيه بالحياة، فبدلاً من التحالف بين التجار المكيين والعبيد والفقراء، كما كان الإسلام في ثورته الأولى ، يتبدل إلى خضوع التجار للأرستقراطيات اللاهية، وبالتالي يغدو الهجوم على الملأ المكي القديم هجوماً شخصياً أو إيمانياً محضاً مقطوع الجذور بدلالاته الاجتماعية، أو أن التحالف الكفاحي بين التجار والعبيد والفقراء كما كان سابقاً والذين غدوا جميعاً صحابة ثورية، يصير الآن في العصر العباسي الأول وما يليه، تبعية تجار للقصور، أو استغلال نهم للفقراء.

وفي حين كان الإسلام الأول يعتمد على تغيير التاريخ من خلال مصلحة الجمهور ومشاركته، بغض النظر عن المستوى الذي تجلى فيه ذلك الاستخدام والتغيير، فإن المذاهب والفرق الدينية تقوم على تجميد التاريخ واستغلال الجمهور لمصالح شخصية ومن أجل الوثوب إلى الحكم الذي يعيد إنتاج التخلف.

إن هذا يؤدي إلى غربة النص عن مضمونه، أي عن الظاهرات التحويلية الشعبية التي تشكل في مجراها، فيزداد النص تركيزاً على أشكاله الخارجية، ويعادي أكثر فأكثر عمليات التحويل الحديث و(العدالة).

ومن هنا كانت مسيرة فرق المعارضة الدينية المتوجهة لقراءة النص كنص غيبي، تتدهور بشكل مستمر، فالقدرية تضمحل، والمعتزلة تُضرب فتتحول إلى شخوص تابعة للسلطة المستغلة، والزيدية تغدو نائية وموجهة لحكم  الأشراف في المناطق البعيدة كاليمن والمغرب وشمال إيران، والإماميات تتحول إلى معارضة ساكنة متوارية، عبر بدايات الإثنا عشرية، أو معارضة متنامية تصل للسلطة في القرن الثالث الهجري عبر الإسماعيلية، ولكن هذه القيادة والانتصارات فيما بعد تكون من خلال قيادة الأشراف وليس التجار، وكذلك يتم استغلال الفقراء ولا يقوم التحالف الثوري معهم، وتصير العمليات برمتها وثوباً للسلطة من أجل هذه العائلات وترفها.

وهذا ما يجعل النص الديني مستمراً في غربته عن مضمونه، فيتفكك، أي يتحول إلى مذاهب.أي إلى تفسيرات تائهة في أشكاله وحروفه المقطوعة الصلة بجذوره.

التحول إلى مذاهب تعني إن ثمة حقائق متعارضة في الدين، أي أن هناك حقيقة دينية، وهناك محاولة قوية أو محاولات للقضاء على هذه الحقيقة الدينية، التي تعنى لدى المثقفين أو الجمهور العدالة والسعادة في الدارين.

إن أساس الانقسام في الوعي الديني ناتج عن انقسام اجتماعي في صفوف المؤمنين، فهناك أقسام غدت مُلتحقة أو تابعة للسلطة، وهناك أقسام تجد نفسها مستغلة بشكل أساسي وبالتالي تصطف في المعارضة.إن القسم الأول ينطبق على الرعاة الذين شكلوا وهيمنوا على المدن وصاروا جنوداً وإدارات ثم عامة موالية أو ثائرة على السلطة، ثم رُفدوا بالعوام العسكر الترك والأكراد الخ، فغدوا هم التربة الاجتماعية للمذاهب السنية. والتكوين الرعوي الواسع وقوة المدن والسلطات المنبثقة عنها، هي ما جعلت لهذه المذاهب السيادة الكبيرة على المنطقة المشرقية من العالم الإسلامي، في حين كانت له السيادة المطلقة في الإقليم الغربي، نظراً لتجذر الطابع الرعوي فيه.

 إن القسم الزراعي الذي واجه هؤلاء الرعاة وادغم معهم أو صارعهم، تحمل عبء الاستغلال الأكبر، ونظراً لذلك أخذ هذا القسم بالمذاهب المعارضة، في مخاض معقد (قومي) واجتماعي وثقافي فداخله قوس من المذاهب الإمامية والمسيحية. وتداخل المذاهب الإمامية بالمذاهب المسيحية والإرث القديم أنتج العديد من الظواهر المشتركة.

وبطبيعة الحال يغدو القانون الاجتماعي هو هو، سواء على المستوى المركزي حين انتقل العرب إلى الإمبراطورية، أو في أزمنة التفكك، ففضاء مكة والجزيرة العربية الاجتماعي الذي لم يشكله الحكم الاستبدادي، هو غير المشرق الزراعي الشمالي المشكل على أساس العبودية العامة منذ فجر التاريخ.

إن كل قسم في الوعي الديني يقول إن الحقيقة الدينية معه، ولكن كما رأينا فإن النص الديني يُفرغ باستمرار من محتواه، وتنتقل هذه العملية التفريغية إلى المذاهب، فتغدو الاختلافات ليس من أجل الوصول إلى المضمون الثوري المُضيّع، بل إلى الاختلاف حول الأشكال المتباينة.

وبطبيعة الحال تمتلك الأديان آلية لمواجهة عدم تحقق الوعود الاجتماعية الدنيوية بالإحالة على الغيب، أو بروز عقبات شيطانية الخ..

وتزداد هذه العملية تعقيداً وشكلانية مع ازدياد الاختلافات، وتزداد عملياً الغربات الدينية المختلفة، وهذا ما يفتح مجالاً للمعرفة الحدسية، بعد أن فشلت أدوات النصوص الحرفية في اكتشاف مضمون العقيدة التحويلي.

وهنا تبدأ مرحلة مفارقة لمرحلة الاعتماد على النصوصية، التي أنتجت عقلاً دينياً تابعاً لها، بأشكال مختلفة، عبر كل المذاهب السابقة، أي تبدأ المرحلة الصوفية والفلسفية في الوعي الديني.وتقوم الصوفية على إنكار سياق النص، علىإنه ظاهر، وبالتالي فإن الحقيقة لا تكمن في الظاهر، بل في الباطن، ولكن هذا الباطن لا تجسده الصوفية نضالاً اجتماعياً، وتحالفاً أساسياً بين التجار والفقراء، بين الطبقة الوسطى والمنتجين، تجاوزاً للبنية الإقطاعية، بل تقيم دكتاتورية غيبية للقطب على المريدين، وتصبح هذه الدكتاتورية شديدة التنوع والتشظي بفعل الشطحات والمجاهدات الداخلية الغامضة للأقطاب، ويذكرنا هذا بتشظيات الخوارج، وإن كان بصورة مضادة.

أما المذاهب الفلسفية الدينية فأكثر تعقيداً، وقد أتاح القسم [ العقلاني] منها إمكانية قراءة الطبيعة والمجتمع قراءة موضوعية بأدوات الزمن، لكن غيبيته في القسم الميتافيزيقي، تتشارك مع المذاهب الدينية الأخرى وخاصة الإمامية منها.ولكن لأن الفلسفة الدينية غدت مقطوعة التحليل بالسياق الاجتماعي التاريخي، وارتبطت بالتبعية لشرائح من طبقات الأشراف المختلفة، فقد أصابها ما أصاب الحركات المعارضة التي تجمدت عند هذا الأفق نفسه، كالقرامطة والإسماعيلية والدروز والزيدية الخ..

وبطبيعة الحال، كان كل هذا يشتغل في فضاء نظام إقطاعي زراعي حرفي بسيط، كانت إمكانيات التجاوز التقني والصناعي والعلمي، معدومة فيه.

إن اعتماد قسم من النص الديني على امتداده النصوصي، باعتبار إن هذا الامتداد النصوصي يقوده إلى النص المنبع القادم من النور الغيبي، يغدو بالنسبة إليه شرط الحقيقة الدينية، بغض النظر عن ملاءمتها للعصر أو تناقضها مع العقل أو أهميتها للتطور.

إن النص في هذه الحالة يغدو رجوعياً باستمرار، ولكن ليس إلى جوهر العملية الثورية الإسلامية الأولى، وهنا تحدث غربتان على مستوى الماضي وعلى مستوى الحاضر.

فهو يغدو غريباً تجاه الماضي، فلا يفهم سببيات الثورة الإسلامية وشروطها، أي عمليات تفاعلها الاجتماعية والسياسية والعسكرية مع الجمهور، ليس لشيء سوى لموقفه المحافظ وتبعيته لقوى القهر والاستغلال في زمنه، ولهذا يقوم بإعادة النص المفرغ من دلالاته الثورية إلى زمنه، لكي يمنع اكتشاف هذا المضمون.

تتحول هذه العملية إلى حلقة مفرغة، فتزداد عمليات التدمير الذاتي والشكلانية النصوصية والشطحات والخرافات، أو النصوصية الحرفية الميتة الخ..

إن شروط التغيير وهي تحويل نظام الملكية العامة التابعة لأسر الأشراف، وتحرير الفلاحين والمرأة والعبيد، كانت هي أساس وجود هذه الأنظمة والتيارات، وبالتالي كانت إمكانية تشكل ثورة ديمقراطية معدومة، وكان وجود طبقة برجوازية حرة صناعية مستحيلاً، فراح العالم الإقطاعي الديني يعيد إنتاج نفسه على نحو تفتتي ومأساوي بشكل مستمر، حتى جاء الأتراك والصفويون وأقاموا نظامي الإقطاع المذهبيين الشاملين بنفس الأسس القديمة حتى العصر الحديث.

 عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الوعي الديني والبنية الاجتماعية 

عبــدالله خلـــــيفة تحليل عميق لثقافة التسطيح

 

عبــدالله خلـــــيفة تحليل عميق لثقافة التسطيح
http://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?t=2&aid=608116
http://www.alayam.com/alayam/Variety/745638/News.html

كتب: فهد المضحكي
تتميز رؤى عبدالله خليفة بالمنهجية العلمية وبالروح النقدية للظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية.
كانت تحليلاته ودراساته وابداعاته تتعامل مع الاشكاليات بوعي تفيض منه القدرة على النفوذ إلى جوهر التناقضات والصراع الاجتماعي والطبقي.
ورغم تنوع كتاباته الغزيرة فان اهم ما ينظمها نسق فكري منهجي قاعدته الفكر الماركسي.
ولهذا كان خليفة لا يقف عند حدود التسطيح؛ بل يتوغل في جوهر مشكلات الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي؛ دفاعاً عن العدالة والمساواة والحقوق والارتقاء بالابداع على صعيد القصة القصيرة والرواية والاعمال الفكرية كباحث متمكن من ادواته.
وهو صاحب قدرة لم تعرف اليأس وتضخم الذات والنفاق السياسي والاجتماعي والازدواجية.
الحديث عن خليفة هو الحديث عن البحر والبحارة والمهمشين، هو الحديث عن الحارات الشعبية والكادحين والمستقبل.
عبدالله خليفة كغيره من دعاة التغيير رفع صوته في وجه الظلم والظلام والتخلف والاستبداد والاستعمار والاستغلال، وسخّر حياته وقلمه وفكره في سبيل التحرر والتقدم والديمقراطية، وبالنهوض بالرؤية الابداعية في المشهد الثقافي المحلي والعربي.
بهذا الوعي كتب النصوص بوضوح فكري وبوعي يدعو الى التغيير وثقافة التنوير.. كتب عن العنف الذي ينتهجه الاسلام السياسي وفصل الدين عن السياسة وقمع الانظمة الطائفية.
وإذا ما أردنا رصد ذلك فانه يبدو واضحاً في مقالاته ودراساته وإبداعاته الأدبية.
يقول عن التسطيح السياسي ومخاطره (الحوار المتمدن 11-9-2014) ليس امتحان الحركات الدينية المحافظة وتغلغلها بين الجمهور الا دليل قوي على تدهور العقلانية العربية، وغياب الديمقراطية، وتلكؤ عملية التنمية، وفشل قوى الثقافة ان تنشر تنويراً أو تحديثاً بسيطاً.
ويقول في رؤيته هذه لقد عبّر صعود هذه الحركات عن وضعنا الحالي، فلا يجب ان ينسحب اي طرف من المسؤولية، ويقول لقد نبهتكم وقلت لكم وما إلى ذلك من تبريرات ليس فيها أي فعل ملموس عميق قام به هذا الطرف.
في حين يرى ان الثورات التي وقعت في بلدان الوحدة الوطنية ابعدت القوى المذهبية المفتتة للصفوف وبدأت تاريخاً آخر. ومنطقة المشرق العربي مؤسسة الفرق والمذهبيات السياسية لها شأن آخر تماماً، فبلدان الصرعات الدينية السياسية بحاجة إلى مسارات أخرى من التوحيد الوطني النهضوي المتدرج المتصاعد.
اما اليسار – عن تصوره – فهو كائن مسحوق لا نستطيع ان نلومه لكثرة الجراح التي اصيب بها، وبقاياه لم تقدر ان تشكل سياسة اجتماعية مؤثرة فسارات مع ما هو طافح.
وفي تحليله هذا راح يغوص وراء المسببات فيرى ان المذهبيين السياسيين الشموليين مفتوحة لهم كل الساحات، وعبر اعادة انتاج الكتب الدينية القديمة ونشر الخطوط العريضة الاسطورية القائمة على قصص وتواريخ قديمة وامثال شائعة واقوال مسطحة من خلال الجمهور البسيط، ثم رفد هذه الثقافة الشعبية بخطوط سياسية دكتاتورية مؤدلجة لكل فترة، فإن الجمهور الواسع صار تحت هيمنة محافظة خطيرة، تقوده إلى الوراء التاريخي، بحيث لا يستطيع إلا ان يتوجه نحو دولة دينية شمولية تعدهُ للمذابح، ويجافي الدول العلمانية المنقذة إياه من المصير الرهيب الذي ينتظره.
وهكذا فإن هذه الثقافة يراها مقطوعة الصلات بالحداثة والتحليل السياسي الموضوعي وهي ما تجعل الجمهور مخدرا مستعدا للانقلاب السياسي الخطر على معيشته وسلامته وتقدمه، بل انه حتى هؤلاء (المثقفين) يصبحون فقاعات سياسية مع الشحن والتأثير المسرحي الكبير!
وبغياب التنوير وسيادة ثقافة الجهل من جهة وثقافة التسطيح من جهة أخرى تتشكل ظاهرة الردة المضادة عن الوطن والعقلانية والتقدم.
ولم تكن ثقافة التسطيح عند خليفة سوى ثقافة مكملة لثقافة التخدير، ثقافة التسطيح هي الأقوى، عبر تصعيد قوى لا تدري بشيء مما يجري في الأعماق، مقطوعة الصلة بتاريخ المنطقة وصراعاتها الاجتماعية وآدابها وفنونها ومذاهبها، فهي لا تدري حتى بأعماق الاسلام التي تجري الصراعات السياسية والاجتماعية المعاصرة في حياضه في استخدامه للسياسة المضادة للعصر والديمقراطية، ثم يقوم السطحيون بقيادة الاعلام والثقافة والتوجيه المعنوي ويشكلون البناء الروحي للمنطقة غير قادرين على مقاومة الاختراقات الطائفية والعنفية أو قراءة مجمل هذه اللوحة المعقدة -السياسية- الثقافية.
كل ذلك يتداخل -في رأيه- مع توجهات فوضويين مغامرة، وانقطاع القراءة العميقة المنتجة من قبل بعض المتعلمين السياسيين وهو ما أدى إلى انفصالهم عن القدرة على تكوين عقلي تحديثي نقدي مستقل، فحين نطالع شخوص اليسار المراهق نجد عدم العودة إلى المراجع وغياب الدرس واستعمال الجملة السياسية المتفجرة المقطوعة السياق عن التحليلات العميقة للمجتمع والأمة العربية والأمة الفارسية (تحت قيادة الدينيين المحافظين) باعتبارهما مركز الصراع السياسي الراهن في منطقة الخليج. وينحازون إلى الثانية من دون دراية مع الانقطاع عن التاريخ القومي العربي ومنجزات الوعي القومي السابق، وفي تقديره ان هذه الاصوات تركز على نفخ الآلام الشعبية الجزئية وتحويلها إلى كل اللوحة الاجتماعية، ثم لا تجد سبيلاً إلى حلها سوى الانفجار أو يجري استعراض الآلام السياسية القديمة واجترارها، وتداخل عذابات المناضلين السابقين بالرموز الدينية فتجرى احتفالات متشابهة وتتداخل خطابات الطائفيين مع خطابات (التحديثيين) والمناخ العامي يسيطر على هذه الفرق، وترى كذلك عدم القدرة هنا على معايشة الواقع الراهن، وتحليله والبحث عن مسارات تطور ممكنة معقولة فيه، وكأن الأمل مقطوع بسبب هيمنة الماضي.
الأيام العدد 10716 السبت 11 أغسطس 2018 الموافق 29 ذو القعدة 1439

المثقف العربي بين الحرية والاستبداد

كي نعالج هذا الموضوع البالغ الاتساع والتركيب وعلى أسس موضوعية، أي بجعل قضية المثقف جسما فكريا في بنى اجتماعية محددة، فلا بد من رؤية هذه البنى الاجتماعية المتعاقبة في التطور التاريخي العربي، وما هي علاقاتها بالشرائح الوسطى التي تصير فئة المثقفين جزءا عضويا منها، ولنحدد ماهي الآفاق التي أتاحتها هذه البُنى الاجتماعية لهذه الشرائح الوسطى في الحرية وفي الصراع من أجل الديمقراطية، وماذا كانت مواقفها الأساسية.
عرفت المنطقة العربية أولى أشكال التحضر الإنساني ونشوء المدن والمدني ولكنها كانت باستمرار تعجز عن إنتاج نهضة شاملة، وحدثت عمليات تكرار لدورة النهوض المحدود، وعودة التخلف، وفي العصور القديمة كانت الأنظمة العبودية المُعمّمة، النظام المصري القديم والنظام الرافدي، وغيرهما في المنطقة، تحيل السكان الى رعايا عبيد، وتتشكل الفئات التجارية والادارية كتوابع للطبقة المهيمنة، وحدثت ذات الآلية المكررة في النظام الديني الإسلامي، ولآن تستعاد في العصر الحديث، فيما هي هذه الآليات؟ إن علينا بحثها بشكل ملموس، وعام، حتى نأتي على زمننا الراهن، ونبحث لماذا تعجز البرجوازيات العربية عن إنتاج الأنظمة الحديثة بموصفاتها: العلمانية والديمقراطية والمتحررة؟
تبدأ صياغة الثقافة العربية منذ ألإسلام التأسيسي حيث كان نبي الإسلام هو المثقف الثوري الطليعي الأول الذي قاد العرب من مجتمع متخلف مفكك، الى عصر النهضة.
إن ثمة ظروفا موضوعية وذاتية كثيرة جعلت من هذه الثقافة قوة تغيير تاريخية كبرى، ولأول مرة نرى المثقف وهو فرد من فئة التجار المتوسطة، يقيم علاقة تحالفية عميقة مع العاملين، والذين كانوا فقراء وعبيدا، وعبر هذه العلاقة تتشكل المدينة النهضوية التي تزحف عسكريا وسياسيا وثقافيا لتغيير المحيط المتخلف ودمجه في العملية النهضوية التاريخية، عبر تضافر المصالح المادية والروحية لسكان المدينة بسكان البادية، من ثم لتحويل هؤلاء الى قوة تفكيك لهيمنة الدولتين الكبيرتين المسيطرتين على المسرح التاريخي.
إن العلاقة التحالفية بين المثقف النهضوي والعاملين، تتضمن خضوعهم الطوعي لقيادته، المنفتحة عليهم المحبة لهم ولتقدمهم، وهي القيادة التي تقودهم لتحول عميق في مكانتهم الاجتماعية الاسترقاقية والمتدنية، وهم الذين كانوا على هامش الحضارة، فأصبحوا في قلبها.
الثقافة هنا تأتي مستوعبة لمسار التطور القديم الضارب بجذوره في الأرض والنفوس، والتي تبدأ أولا في الثقافة الدينية المناطقية برموزها ودلالاتها، التي تجعل سكان هذه المنطقة متميزين روحيا، أي ثقافيا، عن بقية المناطق الاجتماعية والسياسية العالمية، وليس هذا التميز سوى فعل نضالي متراكم عبر العصور، لإنتاج الاستقلال عن تحكم الغزاة.
كما أنه يمثل العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، حيث يقوم الحاكمون بعد سنوات ضارية من الصراع، بتحييد العناصر الثورية من الثقافة الدينية، وتكريس عناصر الخضوع والأشكال الخارجية وتحويل النضال من أجل جعل الملكية عامة والثروة للناس كافة، الى ظهور مجتمع الصدقات حيث الخزانة من احتكار القلة.
كذلك فإن الثقافة الإسلامية التأسيسية استوعبت ليس فقط بقية مناطق العالم، بل أيضا الثقافة العربية السابقة، بتطورها الروحي التعبيري والعبادي والعملي، وبدون ربط العام المناطقي الإنساني، بالعربي الخاص، لا يمكن أن تتشكل ثقافة عربية ــ إسلامية عريضة تستوعب أهل المنطقة.
إن الثقافة التي توجهت لإبعاد الملأ الجشع عن التفرد بالثروة والسلطة، أصبح عليها أن تكون ثقافة دولة وثقافة شعوب، أي أن تعبر عن الحاكمين والمحكومين، المستغلين والمستغلّين، وإذا كانت العلاقة بين الطرفين في هذه الجمهورية لا تتشكل عبر الاستغلال بل عبر التعاون والتوزيع العادل للثروة على عرب الجزيرة والفتوح، فإن عهد الأقليات الحاكمة الملكية المستغلة التي حولت الثروة العامة إلى بستان لقريش، كان عهدُ تفكيك لهذه الثقافة العامة الموحدة الى ثقافات طوائف ومذاهب، تعبيرا عن صراعات سياسية واجتماعية ومستويات متباينة في فهم النص الديني وقد وجدت نفسها تبحث عن مشروعيتها في الدين الواحد.
وقد راح أبرز المثقفين، هؤلاء الذين راكموا فعل الكفاح، منذ ذلك الحين يبحثون عن العناصر البارزة من الثقافة التحويلية الدينية للدفاع عن القضايا الجوهرية التي تأسست في مناخها.
أي راحوا يبحثون عن العناصر الثورية في الثقافة الدينية من أجل استمرار التغيير، ورفض احتكار القلة للثروة، وإذا كانت هذه العناصر قد بدأت برفض القدر كقانون طبقي تفرضه القوة الحاكمة على الناس، فإن هذا الفعل الإرادي غدا هو جوهر الحرية الباحثة عن إزالة الاستغلال والعبودية السياسية.
لكن الحاكمين من جانبهم، وقد تملكوا الثروة والرقاب ، حولوهما، كما كان ديدن اسلافهم الطغاة السابقين، إلى أدوات لغييب تلك العناصر النقدية والمعارضة والتحويلية، فاستخدموا أدوات القهر وشراء الذمم في تغيير المثقفين والثقافة، فإذا كان الأمويون قد ركزوا على تشجيع الشعر البدوي ونزاعاته القبيلة، ولإذكاء نيران العداوة بين القبائل، فإن العباسيين قمعوا بقسوة المثقفين المتمردين: كابن المقفع وصاحب النفس الزكية وبشار وأبي حنيفة وغيرهم على تنوع أسباب القمع وأشكاله.(1 ـ 5)
وإذا كانت عناصر الثقافة العربية الجاهلية بتعبيرها عن حرية القبائل ورفضها للخضوع وضراوة حياتها البدائية، قد مثلت أشكال الاحتجاج الأولى والتمرد، فإن الثقافة المسيطرة للقلة الحاكمة قد كرست عناصر اللغة البدوية المغرقة في خصوصيتها، وذات الإرث الرعوي الضيق، والمستعلي على الأمم الأخرى، وفرضت قاموس الإبل والخيام على المدن، وألغت تواريخ الأمم الأخرى وجذورها الحضارية وجعلتها بدوية . . مما أدى الى تكسر اللغة العربية بين فصحى نخبوية رفيعة ورعوية وعاميات شعبية متدنية.

الوعي والطبقات

أتيح للفئة التجارية في العصر الجاهلي أن تقوم بدورها التاريخي بسبب غياب وجود دولة استبدادية مهيمنة في الجزيرة العربية، فقد ظهرت في فضاء سياسي واجتماعي وجغرافي مشبع فقط بسلطات محلية وقبلية، تم إدماجها في بنية الدولة الصاعدة. كذلك كانت لديها قوة عسكرية جاهزة قوية متمثلة في القبائل الحرة على مدى التاريخ والمكان.
وقد أدت عمليات الفتوح الواسعة الى تبدل الخريطة الاقتصادية والاجتماعية، فالفئة التجارية القائدة والمتحالفة مع الفقراء، والتي تمظهرت ببرامج اجتماعية محددة في عهد الخلفاء الراشدين، أخذت تقل أهميتها الاقتصادية مع اتساع ثروات الأرستقراطية التي عادت الى جسم الحركة السياسية الدينية، ونظرا لكفاءات أبنائها في السياسة والقيادة العسكرية فقد تبوءوا مناصب حكام العديد من الولايات، خاصة الشام ومصر. إن التحالف بين الفئة التجارية الوسطى والعاملين بدأ يتقلقل مع صعود أسر الأشراف الحجازيين، وكان عهد الخليفة عثمان بن عفان هو مرحلة الانتقال الى عودة حكم الأشراف، عبر أغنى فرع لهم وهو بني أمية.
أما التحالف بين التجار المتوسطين والعاملين والذي تمظهر لدى فريق الإمام علي بن أبي طالب، فأعوزته شبكات التنظيم والمهارة السياسية للقائد المؤسس.
ويمثل حكم بني أمية عودة لنظم الاستبداد العريقة في المنطقة، ومع هذا فإن قيام الثورة الإسلامية ودخول الجسم الرعوي الشعبي كقوة مغيرة أدت الى إزاحة النظام العبودي المُعمّم الذي خيم على المنطقة منذ الحضارات القديمة.
وقد اتصف حكم الأمويين والعباسيين ومن تلاهم من العائلات الأرستقراطية الإقطاعية بالارتكاز على أداة الدولة العسكرية والأمنية والثقافية للسيطرة على النظام وجلب الخراج والموارد الاقتصادية لبيت مال الأسرة الحاكمة.
لقد تشكل هنا إقطاعان هما الإقطاع السياسي الحاكم، حيث يهيمن على البنية الاجتماعية بمستوياتها المختلفة، والإقطاع الديني الذي يهيمن البنية الاجتماعية بمستواها الاجتماعي والفكري. وقد بدأ الإقطاع العام منذ عهد عمر بن الخطاب الذي وضع أراضي الخراج الممتازة (الأراضي الصوافي) في ملكية الدولة، من أجل أن تكون ملكا عاما مفيدا للمسلمين، ولكن هذا الإقطاع العام تحول الى ملكية الأسر الحاكمة. وبتحول الإقطاع العام الاقتصادي الى هيمنة الأسر الحاكمة بدأ الصراع الاجتماعي على الثروة العامة، ومن خلالها تمكن الإقطاع الحاكم من السيطرة على البينة الاجتماعية ككل، وتغيير عناصرها المعارضة، عبر التعاون مع الإقطاع الديني الذي صار مذهبيا.
إن تشكل الإقطاع الديني في حضن الإقطاع السياسي العام، عبر القبول التدريجي بالخطوط العامة السياسية التي فرضها على الحياة، واستعادة الإسلام السابق كنظام وليس كثورة اجتماعية. أي بتنحية البحث في مسائل الملكية العامة المسروقة وانتخاب الحكام، في حين تم الأمر على عكس ذلك في عادات وفي الظروف الرعوية المحافظة، التي كانت جسرا مرحليا لإدخال الرعاة لجسم الثورة، أي بتحويلها الى سمات اجتماعية مُطلقة الـخ. .
إن تحويل الإسلام من ثورة الى نظام إقطاعي عبر هذه التنحية وعبر هذا التثبيت، الذي اشتغلت عليه قوى النظام السياسي والديني، يحول النظام الإقطاعي العام، الى نظام إقطاعي ــ مذهبي، حيث تبدأ الصراعات الاجتماعية بالتفاقم، آخذة أشكالا دينية، تتحول الى فرق، ثم الى مذاهب. فالقوة المسيطرة تشكل مذهبها على قياس سيطرتها وانفتاحها وانغلاقها، وعلى حسب أقاليمها ولحظات الصراع المتعددة الـخ. .
وهنا بدأت تتشكل برجوازية مختلفة عن برجوازية العهد الإسلامي الأول المتحالفة مع الفقراء والتي تقود النهضة.

الفئات الوسطى الرحم الاجتماعي للمثقفين

لقد كان النمطان الأساسيان من التجارة والحرف في الإمبراطورية الإقطاعية التي اتخذت من الإسلام عباءة دينية، هما نمط التوريد للاستهلاك الترفي الذي تقوم به الطبقة المسيطرة، أو نمط الاستهلاك الإنتاجي والذي تقوم به الطبقات الشعبية الملبي للحاجيات اليومية ذات الأثمان المحدودة. والنمط الأول وهو الاستهلاك الترفي هو عملية إهدار واسعة ومدمرة للثروة الاجتماعية، وهو الذي ترتبط به الفئات الوسطى، خدمة للأشراف، ويؤدي الى إلحاقها وتوسعها أو انهيارها الـخ. .
ولهذا كان لدينا دائما نمط التجار الكبار القلة، ونمط التجار المتوسطين والصغار الكثيرين. ولا يتشكل النمط الأول إلا من خلال الاتصال بالدولة، التي يقول عنها ابن خلدون بأنها (السوق الأعظم). في حين يعتمد الآخرون على الاتجار بالمواد الشعبية.
ولا يشكل التجار الكبار صلة عضوية بالعلماء الطبيعيين والرياضيين والاجتماعيين، لأن نظام الحرف المغُلق يظل مجرد أداة للاستيراد، أو التصدير، مثل الأسواق التي تظل مكانا جغرافيا للسلع فقط. وليس ثمة صلة معرفية بين التجار والعلماء والحرفيين، ولهذا فإن أدوات الاتصال بين التجارة والحرف والتقنية تظل مقطوعة، فيظل التجار الكبار يتبعون خدمات الترف للقصور سواء كانت للملوك أم الوزراء أم كبار الموظفين أم رجال الدين، أي الأشراف عموما. وهذا ما يجعل التجار الكبار يتابعون كذلك المناخ الديني والثقافي للقصور، أي لا يساهمون في تشكيل أي نوع من الوعي المتحرر. فالسلع والحرف والمال هنا لا تقود إلى التراكم الصناعي والعلمي، فهي جزء من كماليات الترف .(6)*.
إن تبعية مصادر تمويل التجار الكبار للطبقة الإقطاعية يجعل الرأسمال التجاري والنقدي محافظا على الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التقليدية، وهي الهياكل التي تخلفا عبر الهجمات البدوية المتكررة عبر القرون، بحيث تغدو المدن كيانات اجتماعية هشة فاقدة للقدرة على إنتاج التحديث.
إن التجار الكبار يتوافقون مع البنية الإقطاعية بمستوييها السياسي والديني، فمسألة احتكار السلطة والنص الديني والإبقاء على تخلف وعبودية النساء والرق الـخ . . تلُغى من أي خطاب لهم، عبر هذا الارتباط الاقتصادي المصيري، حيث كلمة واحدة كافية لاختفاء ثروة كاملة.
أما التجار المتوسطون والصغار والحرفيون المماثلون، فإنهم يعيشون أساسا على موارد الشعب، وهي السلع المعيشية المشتراة بشكل يومي، وهي التي تتيح للسوق البقاء، ولكنها تقوم على الفيض المالي من الطبقة المسيطرة، الذي يقوم أغلبه على منتجي القرى، ولهذا كلما ثار الفلاحون أو تقطعت أراضي الدولة، أو حدثت فيضانات، تدهورت فوائض الدولة وبالتالي تدهورت الحياة المعيشية للجمهور وللتجار الصغار، وحدثت أزمات الغلاء والمجاعات. وغالبا ما تتدهور المدن بعد اتساعها بسبب إن على الريف أن يقوم بإعالة هذه المدن المتضخمة باستمرار، فلا يتحمل ذلك وتبدأ الثورات. وحين تنجح الأرياف والمناطق في تفكيك الدول يتفاقم التدهور في المدن، ولهذا يمكن قراءة مصير تدهور مدينة مثل بغداد، والازدهار المعاكس لمدن الري أو القاهرة أو فاس. ويعتبر زمن النهضة هنا هو وقت تدفق الفوائض الريفية والتجارية والتوازن بينه وبين الاستهلاك البذخي. وتقود هذه الظروف التجار الصغار والحرفيين والفئات الوسطى عموما، الى التمسك بقشور الدين التي كرستها الطبقة المسيطرة بفرعيها، السياسي والديني، ويغدو الزهد ثم التصوف هي البدائل لنظام اقتصادي مضطرب وشحيح وزراعي.
كما حددت الطبقة المسيطرة الطابع الاقتصادي والسياسي والثقافي العام للنظام العربي الوسيط، فإنها ستحدد التوجهات العامة للفئات الوسطى منتجة الوعي والثقافة. فإذا كانت سلع الترفية: سلع البناء كالبلاط والزجاج والعطور والثياب الـخ، حصلت على المكانة الرئيسية بين السلع، وبالتالي تحددت فئات التجار على أساسها، وتحدد البناء السياسي ــ العسكري على أساس جلب الخراج والمكوس، فتمظهرت فئاته حسب ترتيب الصلب والمحافظة عليه وتنميته وهي: الولاة، والقواد، والجباة، وموظفو الدواوين . .
إذا كان ذلك قد حدد ترتيب الفئات الوسطى العليا، فإن الفئات الأدنى منها، في المجال الفكري والاجتماعي، والمتعيشة من هذا النمط التوزيعي، سترتبط بشكل غير وظيفي مباشر، لكون المهمات الدينية والفكرية يجري ترتيبها في أثناء نمو النظام بآلية السيطرة الفوقية.
وهكذا كان تشكل هذا المستوى يجري بتنحية العناصر المضمونية النضالية، وتقوية العناصر الشكلانية الغيبية، أو أشكال الممارسات العبادية، وتضخيم أبنيتها، وكلما نقص المضمون النضالي زاد الشكل الزخرفي والعمراني، وتبقى الجوانب المفيدة من المعاملات التي توسع العلاقات البضاعية وتكرس تقسيم العمل والإنتاج كما تفرضه الطبقة المسيطرة.
ولهذا فإن فئات رجال الدين تتشكل على أساس القرب والأهمية للقوة المسيطرة السياسية، أي القادرة على تسويق السياسة العامة للخلفاء، فيظهر كبار رجال الدين الذين يصيرون جزء من طبقة الأشراف، بحصولهم على الأراضي الزراعية والقطائع. في حين تبقى الغالبية منهم في المستويات المتوسطة والدنيا.
ولأن الدين هو المظلة الفكرية التي يستظل بها النظام، تغدو مؤسساته وإرثه وفئاته، الجزء الآخر من النظام، هو مستواه الفكري الغالب، لأن ثمة أشكالا فكرية تزاحمه كالآداب والعلوم والفلسفة لها مساراتها النوعية في النمو، ولكن قانون الهيمنة الاجتماعية ينطبق عليها كذلك، فيتم تنحية العناصر المعارضة والنقدية والتحليلية للحياة. وإذ تظهر جوانب موضوعية وعلمية ومضيئة في الإنتاج، فإنها تظهر كأشياء وظواهر جزئية، في منظمات غيبية، فتتم السيطرة على الجوانب الموضوعية والنقدية ولا تتحول الى منظومات فكرية تحليلية كاشفة للحياة، مثلما تتقطع فئات الطبقة الوسطى الى شرائح عاجزة عن تغيير المدينة الإقطاعية.
وتظهر جذور المفكرين والكتاب المنتمين الى الشرائح الوسطى بدء من أسمائهم كالغزال واصل بن عطاء، والنظام المفكر المعروف بهذا الاسم، والحلاج والإسكافي الـخ.
كذلك فإن نسبة الشرائح الأكبر، وهذا يعبر عن كون إنتاج الوعي الديني يمثل الإنتاج الأكبر.
ولهذا علاقة بالوعي ووظيفته فالدين التقليدي هنا يمثل اغترابا عن الطبيعة والإنتاج والمادة، مثلما يمثل النظام الإقطاعي الزراعي والحرفي البسيط، غيابا عن الصناعة، وتعاملا بسيطا مع السلع، مما يجعل هذا الوعي يحافظ على الركود الإنتاجي، وإعادة تكرار العلاقات الاجتماعية التقليدية، وباستمرار تدفقها الرعوي والقروي المتخلفين.
وفي الوعي الفكري تتنحى عمليات الكشف والتحليل الاجتماعيين، فإبن المقفع يقُتل حيث دفعته رغبته الإصلاحية وموالاته للأشراف الى مصرعه، والاعتزال يتحول الى اعتزال تابع للسلطة، أو زاهد منعزل، وتتوجه المذاهب الدينية الى المحافظة وتنحية الاجتهاد، والمعارضة، في حين تبدأ الإسماعيلية في النشاط والترويج لفكر الإمام المستور الموجود، وبالتالي عدم تحليل الواقع المرئي واللامرئي الـخ . .
إن الجوانب الليبرالية والديمقراطية في الوعي العربي القديم تغدو ضئيلة المبنى التقليدي المهيمن على الحياة، وأساسه في النظام السياسي، فتعجز الفئات الوسطى عن إنتاج تلك الجوانب لأنها تغدو جزء ملتحما بهذا النظام التقليدي بمستوييه السياسي والديني.

نماذج المثقفين

عندما تنامت أدوات الدولة العباسية العسكرية والأمنية والاقتصادية أجهضت الفكر المعارض، خاصة تحالف المعتزلة والزيدية، ثم ركزت على تصفية الاعتزال الثوري، فظهر الاعتزال التابع للدولة، أي الاعتزال الذي فقد مهماته الثورية التحويلية، فأصبح التوحيد مجردا، والعدل غيبيا، رغم إن مثقفي الاعتزال البارزين كالنظام والجاحظ وأبي هذيل العلاف، ساهموا في إنتاج ثقافة كانت مهمة لتطور التنوير والفلسفة، ولكن استمرار تبعية هذا القسم من من المعتزلة للدولة الاستبدادية أدى الى الانشقاق في صفوف المعتزلة ثم تبرير إجراءات الدولة القمعية والانفصال عن الحركة الاجتماعية المعارضة، فجاءت معركة خلق القرآن لتكون مثالا على انهيار وعيهم المعارض وانفصاله عن المجرى العميق للكفاح.
أما فلاسفة الإسلام كالكندي والفارابي وابن سينا وغيرهم، فقد جاءوا في زمن تفكك الإمبراطورية، وتبدل الإقطاع العام المركزي الى إقطاع لا مركزي، ونشوء الدول المستقلة، وهي لا تختلف في قوانينها الاقتصادية وبنيتها عن المرحلة السابقة، حيث الأشراف يهيمنون على الملكية العامة، والتجارة والفيض المالي تابعان لهم، والفلاحون والحرفيون مصدر إنتاج الفائض الاقتصادي، ولكن الأمر هنا هي أن هذا الفائض الذي كان مركزيا صار يوزع في أكثر من دولة، وينشئ أكثر من فئات وسطى مستفيدة.
ولهذا صار هناك أساسا أوسع للنهضة من العصر السابق، ولكن التناقض الرئيسي الذي كان يحفر في تصدّع النموذج المركزي هو ذاته الذي يعمل في النموذج اللامركزي، وهو هيمنة الأشراف المطلقة في المال الذي يأتي من المنتجين والتجار، فيبعثرونه في البذخ.
وإذا كان أساس المناضلين السابقين من قدرية ومعتزلة وفقه إصلاحي هو التوحيد المطلق، تعبيرا عن دولة مركزية أو عن إقطاع الوجود، مما كان يعني نظام الدولة الإسلامية بدل الإمبراطورية الموحدة، أي نظام الإقطاع اللامركزي. وهو التصوير المشرقي الأوسع، أما التصور المغربي الفلسفي عند ابن رشد فاعتمد رؤية أرسطو وهي أكثر قربا من القراءة الموضوعية للعالم في العصر القديم والوسيط.
وتم تجاوز أدوات الصورة في الفكر، الى المقولة، والى النظام النظري التجريدي المفاهيمي، وتم إعطاء الاستقلالية المشروعة لوعي الطبيعة والمجتمع والفكر عبر سببياتها الخاصة المستقلة، وبالتالي إيجاد منطقة واسعة لتشكل العلوم الرياضية والطبيعية والاجتماعية. وفي هذا المجال تم إنتاج ثروة معرفية هائلة. ولكن التناقض الأساسي بين المالكين المطلقين للثروة والمنتجين، كان يؤدي الى تدهور الدول والدويلات كذلك، ولم تستطع الفئات الوسطى ومثقفوها أن تتوجه الى تجاوز الأنظمة الإقطاعية المستبدة، وعجزت عن انتاج ثورة برجوازية ديمقراطية، نظرا لهيمنة أسلوب إنتاج إقطاعي، وتبعية التجارة والحرف الكبيرة للقصور، وتبعية فئات وسطى عديدة للاقطاعيين.
ولهذا نرى الفلسفة وهي تضع الأساس النظري لديمومة هذا العالم، فالعالم العلوي السرمدي الغيبي، وهدف العالم الأرضي الروحي هو الصعود الى ذلك العالم الغيبي المطلق، تنطبق عليه قوانين المادة أما الروح فخارجة عليها. وقد لعبت فلسفة أرسطو دورا معرقلا في بعض جوانبها للتطور الفكري، فـ(بمقتضى تلك النظرة توجه البحث إلى الوقوف على العلل الصورية التي تشكل المادة بصورها المختلفة، فكانت غايتها تقديم بناء ميتافيزيقي ضخم قوامه المبادئ الأولية والجواهر الثابتة والعلل البعيدة التي تتمثل في المحرك الأول للطبيعة)،(7)*.
وبدلا من الحنفية المترافقة مع إمبراطورية ذات تدفقات مالية وفيرة وفئات وسطى واسعة، حل الانكماش الاقتصادي وجرت الثورات كالثورة البابكية والقبطية وغيرهما التي وضعت حدا لجسد الإمبراطورية المترهل، ولهذا جاءت الحنبلية في عمق العاصمة بغداد وابعدت المعتزلة، وكل هذا تعبير عن صراع مركب، فقد هُزمت الفئات الوسطى التحديثية، لعدم ربطها العدل والتوحيد بتقليص بذخ الارستقراطية، كما أن تدفق الأقوام الرعوية من أتراك وعرب وأكراد الـخ . . على العاصمة، قد قوى المذهب النصوصي الشديد الضيق.
هذه عينات مركزة فقط لرؤية كيفية التطور المعقد للثقافة والمثقفين، ولكن إذا جئنا للحركات والمذاهب المعارضة، فسنجد بأنها تقيم إقطاعا مذهبيا مضادا، بدلا من أن تزيل الإقطاع عامة.
إذا كنا قد قرأنا أسباب ضعف الفئات الوسطى العربية في العصر الكلاسيكي، فإننا هنا لا بد أن نذكر الخصائص الموضوعية التي اتسمت بها، وأهمها ذيليتها وتبعيتها للأنظمة الإقطاعية. ولم تحدث في أثناء هذه التبعية أي مواقف جذرية شاملة نحو وعي ديمقراطي ليبرالي بطبيعة الحال. وتشكلت مواقف مضادة للإقطاع المذهبي الحاكم باتجاه إقطاع مذهبي آخر.
وفي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، أتيح للفئات الوسطى نمو كبير في التجارة والعمليات الاقتصادية الأخرى المختلفة بسبب نشوء نظام عالمي جديد هو النظام الرأسمالي الغربي، الذي أخذ من العقود الأولى من هذا القرن بالتوسع الاستعماري متنقلا من مرحلة تصدير البضائع الى مرحلة تصدير رأس المال.
وإذا كانت هذه المرحلة قد ركزت غربيا على جلب المواد الخام المهمة، فإنها قد وضعت سقفا لنمو الرأسمالية في العالم العربي، كذلك فإن الاحتلالات العسكرية الغربية لم تقوض الأنظمة الإقطاعية ــ المذهبية، بل جعلتها أساسا للنظام التابع الذي أنشأته في كل بلد عربي، ولهذا فإن (الإصلاحات) الرأسمالية التي قامت بها كانت تسهيلا لتدفق التجارة بين البلد التابع والمتروبول.
أي أن الدولة الإقطاعية كهيمنة على جانب رئيسي من الثروة لم يتم إزالتها، ولم يفعل الاستعمار سوى أن يجعل الدولة الإقطاعية/المذهبية المحلية كشريك في عمليات الاستغلال المشتركة للمنتجين. أما الجوانب الأكثر تخلفا كملكية العبيد والحجر الكلي على المرأة فلم يكن بالإمكان استمرارها في المناطق المدنية، وهي المراكز الاقتصادية الكبيرة التي هي بحاجة الى استقرار لهذا النظام الملفق، فهو إقطاعي ــ مذهبي، تسود فيه الشريعة التي تم إنتاجها في قرون هيمنة الإقطاع المطلقة، ولا هي القوانين والنظم الليبرالية الغربية المستوردة.
في مستوى هيمنة الإقطاع، بقيت الأسر الحاكمة التي تملك الخزينة الملكية شرعا، ولكن الإصلاح الاستعماري جعل هيمنتها غير مطلقة، وهنا لأول مرة تطبق مسألة الميزانية العامة، ويتم الفصل قليلا بين جيوب الحاكم وخزانة البلد، لكن هيمنة الأسر الإقطاعية الحاكمة تم في جوانب عديدة من الاقتصاد، ببقاء الأملاك الكبيرة والتحكم في جانب كبير من موارد الخزينة، والموارد التي ستأتي لاحقا، كالبترول.
لقد رفض الاستعمار الغربي نقل الثورة البرجوازية الى العالم العربي، عبر جعل الدولة جسما غير اقتصادي، فقد استمر في جعل الدولة الماكينة الاقتصادية الأساسية، فهي ضمنا تمثل المالك الأكبر، ولا يجب أن يغيب عنا بعض الجوانب الرأسمالية التحديثية التي هي جوانب جزئية لا تلغي كون الدولة هي المالك الأكبر.
إن الملكية العامة التي كانت للأرض يتم التخلي عنها، فتصح الأملاك الزراعية الكبيرة من ملكية طبقة الأعيان أو الشيوخ، حسب التسميات في كل منطقة، وبهذا يحدث لأول مرة التاريخ هذا الانفكاك الواسع بين ملكية الدولة والأرض الزراعية، مما يسمح بنمو للملكيات الخاصة الزراعية بشكل واسع في العصر الحديث. ولكن هذا لا يعني سقوط الإقطاع الزراعي، فهو يصبح الآن مباشرا، بدلا من الشكل العام واللامباشر الذي اتخذه في الغالب الأعم من التاريخ القديم.
ولهذا فإن الأسر الحاكمة عبر تزعزع بعض جوانب سلطتها في النظام السياسي، تقوم بالتعويض عنها من خلال ملكيات الريف والدخول في الحياة الاقتصادية، وبشكل يساعد فيه الموقع السياسي المتنفذ.
هنا نجد ذلك التآلف بين الإمبريالية والإقطاع، وهو الأمر الذي سيضع أساسا للتعاون السياسي والأيديولوجي بين الجانبين في فترات كثيرة من هذين القرنين، 19 ، 20 .

إعادة إنتاج راهنة للإقطاع المذهبي

إن العمليات التحديثية التي يقوم فيها الاستعمار وشريكاه في السلطة، الإقطاع السياسي، والإقطاع الديني، عبر إدخال التعليم النظامي وخروج المرأة المحدود الى الحياة العامة، والعمليات التحسينية الأخرى، فهي تبقى من أجل وظائفيتها الاجتماعية والسياسية، فظهور الجيوش الوطنية المحدودة، والمهيمن عليها من أبناء الأسر الأشراف أو الفئات الوسطى والعليا فيما بعد، لا يمكن أن يحدث دون تعليم وإنشاء أجهزة، وكذلك مجيء المصانع والأدوات التي تنقل المواد الخام، أو تصنعها بعض التصنيع المحدود، والموانئ التي تنقلها الـخ . .
إنها سلسلة وظائفية لحماية المواد الخام، ووصولها الى البلد المسيطر، ولهذا فإن الاقطاعين السياسي والديني يلعبان دورا في ركود البنية السياسية الاجتماعية، واستمرار إعادة إنتاج المواد الخام، والسوق الوطنية كسوق تابعة.
إن التعليم والإدارات السياسية والدينية والسوق الـخ. . هي أنظمة حماية لتدفق السلعة المصدّرة للمتربول كسلعة رخيصة، ولمجيء السلع المُصنعة، وبدون هذا التشكيل المتضاد بين القديم والعصري، بين البلد التابع والبلد المسيطر، لا تنشأ علاقة مستمرة.
إن هذا التآلف بين الاستعمار والإقطاع قد اتخذ جوانب عدة، فالاستعمار الذي هو قمة تطور البرجوازية الأوربية والأمريكية، يقاوم تشكل مثيلته في البلدان التابعة، أي يقاوم نشوء برجوازية صناعية يمكن أن تستولي هي على السوق. وإذا قبل بنشوئها فعلى ضفاف النظام التابع الذي رتب أدواره الأساسية. ولهذا فإن الفئات المتوسطة تغدو ملحقة بإدارة الدولة وبالقطاع العام، أو تغدو ملُحقة بالرأسمال الأجنبي، فهي موزعة بين الإقطاع المحلي، وبين الاستيراد، وفي كلا الجانبين لا تغدو طبقة برجوازية حرة، ولهذا لم تقم بتشكيل وعي نهضوي تحرري شامل. أي بالجمع بين تجاوز الإقطاع والاستعمار معا نتيجة لكونها ليست برجوازية صناعية بدرجة أولى وواسعة.

نماذج حديثة من المثقفين

إن المفكرين الدينيين في القرن التاسع عشر كالأفغاني ومحمد عبده والكواكبي كانوا يختلفون عمن جاء بعدهم من التيارات الدينية، بسبب نضالهم السياسي الفردي، فهم شخصيات مستقلة عن الهياكل المذهبية، ولهذا وجدوا في الحداثة الأوربية معينا لهم في التصدي للتخلف الشرقي، فهم يمثلون مرحلة العالم الإسلامي وهو بعد لم يصر تابعا للاستعمار، وهو يحاول القيام بنهضة وحرية، دون أن يتنبهوا للدلالات الاقتصادية والسياسية للتحديث الرأسمالي الأوربي.
وقد تركز عملهم على التنوير واستعادة الموروث الإسلامي من وجهة نظر نهضوية وعلى توحيد المسلمين، لكن نضالهم لم يتحول الى تيار واسع.
لم يتحول رأي جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي الى تيار ديمقراطي ديني واسع وجماهيري للإسلام اللامذهبي، ولمحاولتهم توحيد الأمم قفزا فوق الطائفية.
لقد كان هؤلاء المصلحون يقفون خارج الشبكات المذهبية، والعديد من السلطات الاستبدادية السياسية والدينية، وأحيانا بشكل مجرد، ولهذا كان الهجوم على هذه القوى سببا في ذيوعهم وفشلهم في آن، يقول الكواكبي: (جعلوا زكاة الأمة ووصاياها رزقا لهم)، (وجعلوا مداخيل أوقاف الملوك والأمراء عطايا لاتباعهم)،(8)*. ويتضح محاولة تجاوز الطائفية في دعوته الإسلامية الديمقراطية الهامة، كما يقول احد الباحثين حيث: (أدرك الكواكبي بأن فئة العلماء المنورين كانت في حاجة إلى أداة . . لا تكون تابعة أو مرتبطة بحكومة مخصوصة . . ولا تنسب الى مذهب أو شيعة مخصوصة من مذاهب وشيع الإسلام مطلقا)،(9)*.
إن هذه الفكرة هي مضادة لشبكات الإقطاع الديني، وكذلك مضادة للدول وللاستعمار كما سيتضح لاحقا. وقد جاءت في تلك الفترة التي لم يهجم فيها الاستعمار ويبلع الدول الإسلامية، وحيث لا تزال القوى السياسية والدينية المتخلفة متحكمة في المصير العام.
لكن دور المنورين الدينيين الأفراد أصحاب الصوت المدوي كان لا بد أن يتوقف بسبب التدخل الاستعماري الذي قام بتقطيع أجزاء الوطن العربي، وتمسك بالشبكات الطائفية المختلفة وضخ الحياة في خلاياها، واعتبرها الركيزة الإيديولوجية لنظامه.
إن بعث الإقطاع لم ينقطع عن التحديث المحدود الموظف في نهب خيرات الوطن العربي، وهكذا عمل الاستعمار على تقسيم أي شعب عربي، والحفاظ على بنيته الموروثة، ومن هنا هزمت أفكار المنورين الدينيين المستندة الى الإسلام العام وليس الى المذاهب، لكون التوحيد السياسي والديني هُزم لمصلحة التبعية والتقسيم، ولهذا غدت الطائفية هي رديفة العالم العربي التابع والخاضع للغرب.
وبسبب إنهم أفراد يعبرون عن شرائح وسطى وعن مثقفين مستقلين، في زمن لم تتحول المجتمعات العربية بعد الى هياكل ملحقة بالحكومات والشركات الغربية، فإنهم طرحوا خطابا دينيا متنورا، يحتفي بالعلوم والديمقراطية والعلمانية والتحديث وحرية النساء، ولكن حين أطبقت حراب الإنكليز والفرنسيين على العرب، فإن هذا الخطاب لم يتطور، فلم يجد دعاة وجمد التعليم الديني، وسنرى هنا الإمام محمد عبده وهو يتراجع عن الثورة نحو تبني فكرة القبول بالإصلاح التدريجي في ظل التبعية.
إن رؤية الكواكبي على سبيل المثال تركز النقد على الظاهرات الجزئية فهو لم يعي بأن (العلماء المدلسين) و(الجهلة المتعممين) هم جزء من بنية اجتماعية وسياسية واقتصادية، وهم ليسوا جماعات منقطعة عن نظام وعن تشكيلة اقتصادية ــ اجتماعية تنتمي للعصور الوسطى، وإن أداة تجديد الإسلام تتطلب الانتقال الى تشكيلة أخرى، بما تتضمنه من تحرر قومي ومساواة اجتماعية وتحديث شامل، أي مواصلة الثورة المحمدية في أساسياتها وفي ظروف العصر الجديدة أي: تكوين تحالف طبقي بين الفئات الوسطى والعاملين لإنتاج ثورة ديمقراطية وصناعية وعلمانية تتجاوز الطائفيات وتوحد المسلمين في ثقافة نهضوية مشتركة.
ولكن حتى الهياكل الطائفية والسياسية لم تستطع حماية الاستعمار الغربي وأنظمته، فتلك البذور التي نشرها ذلك الرعيل الديني النهضوي حركت الفئات الوسطى الحديثة والجمهور في تشكيلات وطنية حققت الحرية الوطنية، دون أن تستطيع تجاوز هياكل القرون الوسطى.
يقول الأستاذ محمد جابر الأنصاري حول الرحلة التي أسسها محمد عبده: (مثلت توفيقية محمد عبده، انطلاقا من جهود رفاعة الطهطاوي (1801 ـ 1873) فكر النهضة الجديدة الأولى منذ عهد محمد علي (1805 ـ 1840) وبلغت أوجها في عصر إسماعيل (الذي أفل عام 1879). ففي تلك الفترة نشأت أول طبقة متوسطة مصرية عانت عمق الصدام بين الإسلام والحضارة الحديثة، وشعرت بضرورة التوفيق لحماية المجتمع الإسلامي من الانفصام الذي بدأ يتسرب إليه)، (10)*.
ويبدأ عبر الأنظمة التابعة تقوية الشبكات الطائفية والدينية المفرقة للمسلمين، وهذه الشبكات الضخمة الواسعة هي التي ستقوم بعدئذ بضخ المتدينين وإعادة إنتاج الوعي المذهبي العتيق، لعرقلة تطور النسيج الوطني في كل قطر عربي على حدة، وعرقلة خطوط الاتصال والتضامن بين الأمم الإسلامية.
وستكون المفردات مضادة لزمن الأفغاني، فبدلا من الحداثة والحرية السياسية والاجتماعية والوحدة الإسلامية والإنسانية، ستتكرس مسائل الفقه والحلال والحرام والعبادات، مفصولة عن سياق تطور العرب وقضايا الصراع الاجتماعي والسياسي، مما يعني توسع نفوذ القوى المحافظة والاستغلالية وحماية الأنظمة التابعة للاستعمار.
ومن هنا لن يكون النتاج العقلي لهذه الشرائح منفصلا عن التبعية المزدوجة للإقطاع والاستعمار. ولهذا سيتشكل البعث (الإسلامي) كبعث للأبنية الإقطاعية لعصر الأمويين والعباسيين، أي سيكون بعثا طائفيا، وسيعجز هؤلاء عن استلهام الثورة المحمدية، كتوليفة توحيدية ثورية للمسلمين، أي سيعجزون عن رؤية سمات الحداثة والتحالف الاجتماعي النهضوي العربي المبكر.
أي أن الوعي الطائفي وهو يُبعث، سيظهرُ الأشكال المحنطة للدين التي تمكنت القوى الإقطاعية في العصرين الأموي والعباسي، من ترويضها و إفراغها من بعدها الثوري التوحيدي لجماعة المسلمين.
لكن في القسم الآخر من الوعي اللاطائفي، أي في القسم الإسلامي التوحيدي، والذي اندلعت شراراته على يد الأفغاني والكواكبي، والذي راح يلتحم بالفئات المتوسطة والمثقفين الأحرار، سيواصل شعاراته التحديثية مرتكزا على الإرث الديني: الإسلامي ــ المسيحي كتعبير عن الوحدة الوطنية وضرورتها.

نموذجان للمثقف العربي الثوري المعاصر

لقد انقسم المثقفون الثوريون العرب أثناء الاستعمار وفي الكفاح ضده وبعد رحيله الى نموذجين أساسيين: نموذج الليبرالي النهضوي، ونموذج اليساري بتنويعاته المختلفة. لقد قاد النموذج الليبرالي النهضوي حركة الوعي العربي في النصف الأول من القرن العشرين، فيما قاده الوعي الآخر في النصف التالي. ثم وصل كلاهما الى الهزيمة أو على الأقل إلى الانحسار، فلماذا؟
لقد استطاع المثقفون النهضويون الليبراليون تدشين أشكال الوعي الحديثة، في بحث التراث وتشكيل الأنواع الأدبية والفنية، وطرح الحداثة في البناء السياسي الديمقراطي. وكان النموذج الغربي الليبرالي هو القدوة. في التوجه الليبرالي كان النموذج الغربي هو الموديل المستورد، ولم يحاول هذا التوجه غرس هذا النموذج من خلال التطور العربي الإسلامي المسيحي، أي لم يبحثوا الهياكل الإقطاعية الدينية المتوارثة في المنطقة، ويحللوها ويطرحوا البديل الديمقراطي من داخلها ولتجاوزها.
ولدينا كمثال على ذلك التيار الليبرالي النهضوي عند لطفي السيد ومحمد حسين هيكل وسلامة موسى ولويس عوض ونجيب محفوظ. وتتركز خصائص هذا التيار على رؤية النموذج النهضوي الغربي ونقله إلى مصر، ولدى الأخيرين خاصة، أي لدى التيار الليبرالي الذي واصل المعركة ضد الإقطاع الديني ومنه: سلامة موسى ولويس عوض ونجيب محفوظ، وتم طرح النموذج الحضاري المصري القديم، ودون تحليل النموذج العربي الإسلامي المهيمن المتواصل، أي ليس ثمة قراءة لسيطرة العلاقات الإقطاعية المذهبية والدينية، حيث رأوها بأنها هي كل الإسلام، وإنه ليس ثمة بديلا ممكنا، حضاريا وديمقراطيا من داخلها.
في حين نجد طه حسين يقوم بالجمع بين النموذج الحضاري الغربي وتحليل التاريخ العربي الإسلامي ونقده والبحث عن نماذج شخصية متنورة من داخله.
لكن الوعي الليبرالي النهضوي لم يتوصل الى رؤية هيمنة العلاقات الإقطاعية الدينية بعد الثورة المحمدية التأسيسية، وأسباب ضعف الفئات الوسطى، وعجزها عن تشكيل ثورة ديمقراطية برجوازية، وبالتالي لم يقوموا بنقدها وتجاوزها والاستفادة من الميراث الغربي الديمقراطي في ذلك.
إن هذا كان يعتمد على دقة تشخيص الإسلام وتطوراته ورؤية الهياكل الاقتصادية ــ الاجتماعية التي كان ينمو عليها، وبالتالي الدخول الى صميم القضايا الفقهية والاقتصادية والروحية التي هيمن عبرها الإقطاع المذهبي على الجمهور العربي الإسلامي.
أما النموذج اليساري الذي طرح تحديدا تجاوز النموذج الرأسمالي الليبرالي، فيتفق على تشكيل دكتاتورية تتجاوز التخلف العربي، وتشكل القفزة الى التحديث، بدءا من الاتجاهات القومية والبعثية إلى التيار الماركسي.
وقد ساهم في تقوية هذه الاتجاهات تخبط الاتجاهات الليبرالية وعدم قيامها بإنتاج ثورة ديمقراطية تزيل الملكيات الإقطاعية في الأرض وتفصل الدولة عن الدين وتشكل المساواة بين الأجناس الـخ . .
كذلك ساهم في صعود الاتجاهات الشمولية ظهور المعسكر الاشتراكي، وكان تعبيرا عن رأسماليات دولة تقوم بتجاوز الإقطاع بأساليب تعجيلية وعبر الملكية العامة الواسعة.
ولكن رأسماليات الدولة العربية لم تصل إلى هذا المستوى أي لم تقم بتصفية الإقطاع في مختلف مستوياته الاجتماعية، فتعثرت التجربة حتى للانتقال الى الرأسمالية. ولكن المعسكر (الاشتراكي) نجح في الانتقال الى الرأسمالية، لكن غياب الديمقراطية أدى إلى ظهور رأسماليات تابعة للغرب وأزمات عنيفة.
أما رأسماليات الدولة الوطنية الشمولية في الوطن العربي فإنها عجزت عن خلق رأسمالية، وبقيت في المرحلة الإقطاعية حتى الآن. وهي إقطاعية/ مذهبية، لكون المذهب الديني هو شكل التجلي الفكري لهيمنة الدولة.
وقد واصل العديد من المثقفين العرب رفض المرحلة الرأسمالية، طارحين القفز على المسار الموضوعي للتطور، ورفض مسألة النمو الطبيعي للتشكيلات الاقتصادية ــ الاجتماعية. وإذا كان هذا استجابة للمنهج السائد في المعسكر (الاشتراكي) تعبيرا عن رأسمالية دولة لا ديمقراطية، فإن تيارات قومية وبعثية غيبت هذه المسائل من أجل تشكيل دكتاتوريات وطنية.
ولهذا فإن العديد من المفكرين والمثقفين المنتمين لهذه التيارات المختلفة المتوافقة على رفض الرأسمالية، أي على رفض النهضة بالوسائل الديمقراطية، وجدوا أنفسهم يطرحون القفز على الرأسمالية من مواقع شتى، وكان هذا في النهاية انتصارا للعلاقات الإقطاعية ــ المذهبية، التي تدعمت عبر الدعم الغربي، ثم عبر صعود محور الخليج/إيران الذي تركزت فيه وبينه الثروة النفطية، التي تقاسمها الغرب والإقطاع، والتي جددت الحركات المذهبية الإقطاعية القديمة في التاريخ العربي الإسلامي.
ان رفض هادي العلوي وحسين مروة ومهدي عامل وغيرهم المرحلة الرأسمالية من التطور، يقود مثلما كان الأمر لدى لويس عوض وسلامة موسى، الى عدم تحليل التاريخ العربي الإسلامي بصورة دقيقة، أي رؤيته كانتصار للعلاقات الإقطاعية المستمرة حتى الآن، وبالتالي يغدو لديهم ضرورة الانتقال الى الاشتراكية، التي تعني في الحقيقة رأسمالية دولة تسريعية للنهضة.
ويمكننا أن نكون مرنين في هذا الجانب عبر طرح نموذج رأسمالية الدولة الوطنية الديمقراطية، أي عبر نظام يقوده القطاع العام المراقب من قبل برلمان، وبالتالي تبقى مسألة التجديدات الاجتماعية خاضعة للحوار الديمقراطي الطويل، سواء على الصعيد الوطني، أم على الصعيد القومي. ولكن رأسمالية الدولة الوطنية الديمقراطية لا تعني الاشتراكية.
لا شك أن المفكر اللبناني الراحل مهدي عامل من المساهمين البارزين في تحليل الواقع العربي المعاصر من منطلقات نقدية عميقة وخاصة من رافد الماركسية البنيوية، التي قام بتطبيقها على الواقع العربي بصورة حرفية، دون رؤية الاختلافات بين مستوى التطور الغربي، وتطور البُنى الاجتماعية العربية.
ونحاول في هذه الموضوعات قراءة آرائه وتحليلاته لندوة جرت في الكويت في السبعينيات من القرن الماضي، اتخذت لها عنوانا هو (أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي)، وقد ناقشها في كتابه (أزمة الحضارة العربية أم أزمات البرجوازيات العربية؟)،(12)*.
يفترض مهدي عامل مسبقا، ودون دراسات، بأن المجتمعات العربية هي مجتمعات رأسمالية. فهو يصر على أن (نمط الإنتاج الرأسمالي المسيطر في البنيات الاجتماعية العربية)،(13)*.
إن هذا يبدو لوعيه شيئا بديهيا، صحيح إنه يقول أن ثمة علاقات ما قبل رأسمالية في الإنتاج غير أنها ليست سوى بقايا.
فيقول بوضوح: (إن فهم تطور بنية علاقات الإنتاج الرأسمالية مثلا في البلدان العربية في الوقت الحاضر، وفهم أزمات هذا التطور يستلزم بالضرورة الانطلاق بالتحليل من هذه البنية بالذات في شكل وجودها القائم في كل من البلدان العربية.)،(14)*.
وليس ثمة من الضرورة بحث جذور هذه البُنى (مع ظهور الإسلام مثلا، أو مع الجاهلية، أو مع بدء العصر العباسي أو الأموي أو الأندلسي أو عصر الانحطاط الـخ . . ، بل هو يبدأ مع بدء التغلغل الإمبريالي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.)،(15)*.
وهو يعترف بأن ثمة (أشكالا من الإنتاج سابقة على الإنتاج الرأسمالي لا تزال حاضرة في البنيات الاجتماعية العربية)، غير أنها ليست سائدة فيه، بل الإنتاج الرأسمالي هو السائد.
ونحن نحاول أن نفهم كيف استطاع الاستعمار أن يجعل من هذه العلاقات سائدة؟ أي كيف استطاع أن يجعل العلاقات ما قبل الرأسمالية لا تسود بل أن تسود العلاقات الرأسمالية؟
لا يقوم مهدي عامل ببحث هذه المسألة تاريخيا، بأن يعطينا أمثلة عن بلد عربي ومنذ القرن التاسع عشر تحول الى الرأسمالية؟ فلا نجد.
ولا أن يقوم بتحديد متى استطاعت البرجوازيات العربية أن تستولي على الحكم وتنشر النظام الرأسمالي الشامل؟ ومن جهة أخرى فهو يؤكد بأن (كثيرا من علاقات الإنتاج الاجتماعية، سواء في الحقل الاقتصادي أم السياسي أم الإيديولوجي، التي تنتمي الى أنماط من الإنتاج بالية، أي بالتحديد، سابقة على الرأسمالية، لا تزال قائمة في البنيات الاجتماعية المعاصرة)،(16)*.
ينطلق مهدي عامل لتحديد هيمنة الرأسمالية على العالم العربي منذ القرن التاسع عشر بشكل مضاد للقراءة الموضوعية، وهو يفترض رأسمالية سحرية تتشكل منذ أن تطأ بوارج بريطانيا وفرنسا الشواطئ العربية، في حين إن الرأسمالية تتعلق بمدى تشكل الرأسمال الخاص في القطاعات الاقتصادية المختلفة، ومدى انتشار العمل المأجور على بقية أنواع العمل في النظام الاجتماعي.
وتتحدد سيطرة البنية الرأسمالية بوصول منتجي البضائع الى سدة الحكم، وإزاحة ملاك الأرض وإقطاعيي السلطة السياسية، وسيادة العمل بالأجرة، وهي كلها أمور لم تتحقق في نهاية القرن التاسع عشر ولا في نهاية القرن العشرين العربيين!
ولكن مهدي عامل يُصادر ببساطة، قبل أن يبحث، فهو منذ البدء يقول: (أزمة البرجوازيات العربية . . ) فأفترض أن هذه البرجوازيات قد حكمت وتعفنت في الحكم وهي مأزومة الآن؟! في حين إن البناء الاقتصادي والسياسي لم تتحقق فيه شروط انتصار الرأسمالية!
ولكن ذلك لا يتعلق فقط بالبحث الفكري بل والأخطر بالمهمات السياسية المباشرة، فيقول بأن:
(المهمة الأساسية لحركة تاريخنا المعاصر بهذا الشكل، لاتضح لنا أن تحققها يمر بالضرورة عبر عملية معقدة من الصراع الطبقي ضد البرجوازيات العربية المسيطرة . .)،(17)*.
ولكن كيف يمكن إسقاط أسلوب إنتاج لم يسُد وطبقات لا تحكم؟
علينا أن نناقش مسالة أسلوب الإنتاج الكولونيالي التي طرحها مهدي عامل، كي نقوم بتفكيك تفكير هذا المفكر، وهي التي اعتبرها حجر الزاوية في نظريته حول تطور العالم العربي.
كما رأينا سابقا، (راجع الفقرة حول التاريخ العربي) إن مهدي عامل يرفض تحليل البنية الاجتماعية العربية الحالية من خلال جذورها، وهو ينتقد المفكرين العرب المجتمعين في الكويت لمناقشة (أزمة تطور الحضارة العربية) بسبب قيامهم بالعودة الى جذور التاريخ العربي، طالبا الوقوف عند العصر الراهن والنظر الى الماضي من خلال البنية الاجتماعية الراهنة.
إن مهدي عامل ينظر للبنُى الاجتماعية العربية الراهنة وكأنها صياغة أوربية غربية، فقد قام الاستعمار الغربي برسملتها، أي بتحويلها إلى رأسمالية ناجزة، وهذه الرأسمالية الناجزة يُطلق عليها اسم «أسلوب الإنتاج الكولونيالي»، وبهذا قام مهدي عامل بخطئين كبيرين مزدوجين، فهو قد قطع السيرورة التاريخية للبنُى العربية الاجتماعية، أي قام بإزالة طابعها الطبقي التاريخي، وهي عملية يقوم فيها بالتمرد على القوانين الموضوعية لرؤية المادية التاريخية عن التشكيلات الخمس: المشاعية، والعبودية، والإقطاع، والرأسمالية، والاشتراكية.
فهو عبر هذه المقولة قد ألغى كون البنُى الاجتماعية العربية بنُى إقطاعية، فحين لا نبحث ألف سنة من التطور الاقتصادي والاجتماعي السابق، ونعتقد أن أسلوبا جديدا للإنتاج قد تشكل، وأسمه الأسلوب الكولونيالي، في خلال بضع سنين، وأن علينا أن ننظر للتاريخ من خلال هذا الأسلوب غير المحدد والغامض، فتتشكل لدينا هنا رؤية سياسية دكتاتورية تحاول أن تفرض نفسها على جسد التاريخ الموضوعي، بمعطيات غير مدروسة.
إن رفض تحليل الماضي، أي بحث التاريخ الإقطاعي للعرب، يتضافر لدى مهدي عامل، ورفض تحليل الحاضر، أي قراءة عمليات التداخل بين الإقطاع والرأسمالية، كأسلوبين للإنتاج موضوعيين في التاريخ العربي الراهن، ويطلب بمناقشة أسلوب إنتاج من اصطلاحاته هو أسلوب الإنتاج الكولونيالي.
ومع هذا فعلينا أن نناقش تسمية أسلوب الإنتاج المقترح، فمهدي عامل لا ينُكر وجود بقايا نظام تقليدي في هذا الأسلوب الذي انتصرت فيه العلاقات الرأسمالية، ودون أن يطرح أية ارقام أو معطيات على انتصار العلاقات الرأسمالية الموهومة، لكنه يعتبر إن العلاقات الرأسمالية المنتصرة في العالم العربي تشكل علاقة تبعية مع العالم الغربي حيث العلاقات الرأسمالية الأقوى، وهذه الأخيرة الغربية هي التي تقوم داخلها بتقويض أساليب الإنتاج الأخرى، في حين تعجز الرأسمالية العربية في علاقتها التابعة من تقويض أساليب الإنتاج السابقة داخلها، وبهذا فإن أسلوب الإنتاج الكولونيالي الذي سادت فيه البرجوازيات العربية يحتاج إلى ثورات عمالية لتقويضه والانتقال إلى الاشتراكية.
تتشكل هذه العموميات الفكرية من منهج مجرد يفرض قوالبه على الواقع الحي غير المدروس، فتلغي مسألة التشكيلة الإقطاعية بجرة قلم، ويتم تحويلها الى تشكيلة أخرى متطورة بقفزة خيالية أخرى هي التشكيلة الرأسمالية الكولونيالية، ثم تحدث القفزة الأكبر الى الاشتراكية . . ولا يزال الباحث لم يحلل الإقطاع العربي وسيرورته السابقة والراهنة.
والغريب إنه في كتابه هذا (أزمة الحضارة العربية . . ) يناقش جملة من المفكرين العرب الذين يقدمون له مادة تحليلية ممتازة، ولو أنه أبعد فرضياته الإيديولوجية المسبقة، أو استفاد بعمق من الماركسية البنيوية التي نقل تطبيقاتها لفهم البنية الاجتماعية، لأمكنه أن يدخل إلى دائرة التاريخ العربي وتشكيلته التي تضطرب أسماؤها لديه. ولكنه حدد منذ البدء هؤلاء الباحثين كمنظرين للبرجوازيات العربية المستولية على الحكم والتي وصلت الى الأزمة وبالتالي يجب نقد وعي هذه الطبقات المسيطرة عبر وعي الطبقات الثورية الـخ . .
حين يناقش مهدي عامل الباحث العربي الكبير شاكر مصطفى يتجاهل مهدي المادة الفكرية الثمينة التي يقدمها شاكر لتوصيف تطور المجتمعات العربية بقوله: (إن الاستمرار الاجتماعي الذي تعيشه الشعوب العربية إنما تحكمه عناصر عديدة في مجموعها التركيب العربي القائم . . وأن لامتدادات التاريخ في هذه العناصر المكان الواسع إن لم يكن الأول . . ) وهذه (العناصر الأساسية الباقية عند أربعة جوانب: أ ـ طرق الإنتاج المادي ب ـ تكوين نظام السلطة ج ـ طبيعة العلاقات الاجتماعية د ـ قيم الفكر التراثية . .)،(18)*.
هكذا نرى لدى شاكر مصطفى نظرة تاريخية موضوعية واقترابا دقيقا من فهم أسلوب الإنتاج الإقطاعي العربي الإسلامي المستمر عبر ألف سنة، الذي يتأسس في نظام السطلة والإنتاج معا، ثم يتمظهر في العلاقات الاجتماعية: الأبوية، هيمنة الذكور، اللامساوة الجنسية، الطائفية الـخ . . ثم يصل النظام الإقطاع إلى المستوى الثقافي: الأمية، الخرافة الـخ . .
إن شاكر مصطفى يمثل مقاربة علمية (ماركسية) من فهم التاريخ، ولكن ماذا يفعل مهدي عامل بمثل هذه المقاربة؟ بدلا من أن يقوم بفهمها ودرس التاريخ العربي يقوم بالمصادرة السريعة، فيقول: (أما أن يكون هذا التاريخ الذي تكونت فيه البنية الاجتماعية للواقع العربي الحاضر، تاريخا يرجع الى ما قبل عشرة قرون خلت، أي الى العصر العباسي أو أواخر العصر الأموي، فهذا ما نختلف فيه جذريا مع الدكتور مصطفى)، ص 45.
فهو يحتار كيف أن هذه البنية المزدهرة يوما ما تصبح هي نفسها سبب التخلف؟ فيقول بلغته المعقدة الغامضة: (فالبنية هذه ليست في حاضرها، من حيث هي بنية، أي كل معقد متماسك، سوى البذرة التي كانتها في الماضي، تنامت، فتنافت وتواصلت في حركة من تماثل الذات بالذات، وما الذات هذه إلا الذات العربية نفسها.)،(19)*.
إن مهدي عامل الذي ينتقد شاكر مصطفى على أنه صار يفكر بمنهج هيجل الجدلي المثالي، يعجز عن اكتشاف رؤية الوعي الموضوعي لدى شاكر مصطفى في فهمه للتاريخ العربي، ويصبح هو هيجليا مثاليا.
فالبنية العربية الإقطاعية زمن الإمبراطورية العباسية كانت نظاما مركزيا، والإقطاع المتحكم في الخراج الهائل يصرفه على البناء الترفي والثقافة المقربة المفيدة للنظام، ثم يتحلل هذا الإقطاع المركزي بسبب ثورات الشعوب، ليجيء نظام الإقطاع اللامركزي، وتظهر الدول والدويلات الإقطاعية، وتكرر بشكل أوسع إنجازات ومشكلات النظام السابق، ثم يهترئ هذا النظام الإقطاعي الديني العام بتشكيلاته المتعددة، ليغدو أنظمة و إمارات إقطاعية صغيرة مذهبية الـخ . .
إن هذه السيرورة التاريخية تحافظ على قسمات عامة أشار لبعضها شاكر مصطفى في المقطع السابق ذكره، حيث يغدو الحكام هم المستولون على القسم الأكبر من الثروة العامة، وتتواشج السلطة والثروة، ويشركون رجال الدين في السيطرة على العلاقات الاجتماعية، أي ينقلون العلاقات الإقطاعية الى البيوت والأحوال الشخصية الـخ . .
واذا لم نقم كما يريد مهدي عامل بقراءة هذه السيرورة التاريخية الاجتماعية التي امتدت خلال ألف سنة، والتي تتغلغل في أبنيتنا الاجتماعية وقوانيننا الوراثية وفي سلطاتنا المطلقة، وفي شعرنا ونثرنا وعاداتنا ولا وعينا، فكيف نقوم بتغيير هذه البنية التقليدية وتشكيل النهضة؟!
إن مهدي عامل يخرق قوانين الوعي على مستوى قراءة الماضي، وعلى مستوى قراءة الماركسية، فعبر قراءة الماضي يتجاهل البنية الإقطاعية وسيرورتها الراهنة، وعلى مستوى الماركسية يقوم باختراع مغامرات سياسية محفوفة بالكوارث، عبر اختراعه مقولة أسلوب الإنتاج الكولونيالي وتصفية البرجوازيات العربية.
فهو بدلا من قراءة الماضي ورؤية أسباب عجز البرجوازيات العربية القديمة عن تشكيل النهضة، والقيام بثورة رأسمالية، وقراءة أسباب ضعف البرجوازيات العربية الراهنة وعدم قدرتها على تغيير أسلوب الإنتاج الإقطاعي وتشكيل تحالف معها لتغيير التركيبة التقليدية يقوم بوضعها في خانة العدو والقفز ضدها الى مهمات غير حقيقية ومكلفة كما دلت تجربة الشعب اللبناني.
يمثل المفكرون الذين تواجدوا في الكويت لمناقشة مسائل النهضة العربية وكيفية إيجادها، نخبة اشتغلت في حقول الدراسات لزمن طويل، وبغض النظر عن اجتهاداتها ومدارسها فإنها تعبر عن عقول مهمة تعارض المجتمعات العربية التقليدية من منطلقات مختلفة، لكن المفكر اللبناني مهدي عامل نظر اليها كخصوم وليس كقوى مساندة للطبقات العاملة العربية في تغيير مجتمعات التخلف، وبهذا كان يرفض العديد من الآراء المهمة التي تقدمها كما فعل مع شاكر مصطفى .
ويعترض مهدي عامل كذلك على زكي نجيب محمود الذي يمثل المدرسة الوضعية أو التجريبية المنطقية في دعوته لأحكام العقل في النظر الى الأشياء، وخاصة في جملته التي قالها بضرورة (الاحتكام الى العقل في قبول ما يقبله الناس وفي رفض ما يرفضونه)، ودعا الدكتور زكي العرب الى التوجه لتمثل الحضارة المتقدمة، واعتبر إن الاحتكام الى العقل ميز الحضارات العقلانية، معطيا نماذج أربعة على حضارات احتكمت الى العقل وهي:
أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد، وبغداد في عصر المأمون، وفلورنسا في القرن الخامس عشر، وباريس في عصر التنوير في القرن الثامن عشر.
أي إن زكي نجيب محمود يقدم درجات من صعود البرجوازية عبر العصور، أعطى إنتاجها المادي قدرة على الفهم الموضوعي للطبيعة المجتمع، على درجات متفاوتة.
ويعترض مهدي عامل على هذه التصنيفات ويقول: (وهنا تظهر الدلالة الطبقية لهذا المنطق من التفكير: فانتفاء الطابع التاريخي، أي النسبي، من شكل العقلانية الخاص بالبنية الاجتماعية الرأسمالية يجعل من هذا الشكل الخاص مطلقا، فيظهر ما هو تاريخي ـ أي ما يحمل فيه ضرورة تخطيه ونفيه ـ بمظهر ما هو طبيعي ـ أي يحلم فيه ضرورة تأبده ـ ويظهر الشكل الطبقي البرجوازي للعقلانية بمظهر العقلانية الإنسانية، أي بما هو طبيعي ملازم للحضارة كحضارة . .)،(20)*.
يتحول تقديم زكي نجيب محمود لصور من العقلانية عبر التاريخ في وعي مهدي عامل الى وجهة نظر لـ(البرجوازية المسيطرة)، هكذا بشكل مطلق وكأن زكي نجيب محمود يمثل برجوازية مسيطرة تقوم بإخفاء التناقضات الاجتماعية المحتدمة تحت سيطرتها مثلما تفعل البرجوازية الفرنسية التي درس في عالمها مهدي عامل ونقل لغة النقد الموضوعي ضدها، وليس باعتبار زكي مفكرا يعبر عن فئات برجوازية عربية تعاني من هيمنة تقليدية متخلفة، وحين يقوم باستعادة لحظات من فعل الفئات المتوسطة عبر التاريخ الماضي إنما يريد شحذ عقلها وإرادتها من أجل تشكيل عالم نهضوي عقلاني عربي، يمكن حتى للقوى الشعبية فيه أن تناضل بصورة حديثة.
إن المحطات التي اختارها زكي نجيب محمود للحظات التاريخية التي بدأ فيها أسلوب الإنتاج الرأسمالي بالصعود هي محطات تُظهر هذا الأسلوب الجديد في تشكيلات متنوعة، بدء من التشكيلة العبودية لدى الإغريق، أو التشكيلة الإقطاعية عند العرب، أو بداية انحسار الإقطاع لدى التجار الإيطاليين في فلورنسا، ثم انتصار الأسلوب في الثورة الفرنسية.
وفي هذه المحطات حاول العقل الممثل للفئات الوسطى أن يحرر النظام الاجتماعي من هيمنة الخرافة وتدخلها ومنعها لاكتشاف السببيات العميقة للتقدم ونمو العلوم والتجارة الـخ . . ولكن في الثورة الفرنسية لم تعد ثمة فئات وسطى بل طبقة برجوازية صناعية قائدة منتصرة تعيد تشكيل البنية الإقطاعية.
وبطبيعة الحال فحين يُقال هذا الكلام للجمهور العامل الفرنسي الآن، يغدو هذا مجرد كلام تاريخي، فالبرجوازية الفرنسية الراهنة هي غير برجوازية الثورة، ولكن حين يقول هذا الكلام زكي نجيب محمود في العالم العربي الإقطاعي الطائفي المتخلف، يغدو الأمر ثوريا.
ويجري العكس لدى مهدي عامل الذي ينقل الوعي معارض الفرنسي في الرأسمالية الكلاسيكية، أي في الرأسمالية التي غدت عائقا للإنتاج، الى البلدان الجائعة للتطور الرأسمالي الصناعي خاصة، وبدلا من أن يبحث كيفية نموها وتغييرها للإقطاع، مثمنا البذور النقدية الوضعية والتجريبية، لزكي نجيب محمود ومعاضدا إياه لتوسيع الجبهة المعادية للتخلف والإقطاع، يطالب بإسقاط مثل هذه البذور والمقدمات للتحول الحديث، قافزا الى مهمات غير ممكنة.
وهكذا فحين يظُهر زكي نجيب محمود العقلانية البرجوازية كما يقول مهدي عامل كعقلانية مطلقة، كعقلانية تمثل البشر جميعا، كعقلانية وحيدة، فهذا نتاج لوعي مثالي يغُيب شروط الثورة الديمقراطية في البلدان المتخلفة، معتبرا العقل شيئا تجريديا، وليس مصانع يجب أن تتوسع، ومختبرات علمية يجب أن تنتشر، وعمالة جاهلة يجب أن تتعلم وتتحسن معيشتها، وريف إقطاعي يجب أن يتحدث، ونساء ينبغي أن يدخلن مجال الآلة الصناعية الـخ . .
رأينا في بعض الأمثلة التي سقناها من حوار المفكر اللبناني الراحل مهدي عامل مع شخصيتين ثقافيتين عربيتين كبيرتين، المستوى العام السياسي، الذي يتصدى فيه المفكر اللبناني لوجهات نظر من الفئات الوسطى العربية، وهي تحاول أن تطرح وجهات نظر لتجاوز عالم التخلف والإقطاع العربي.
والمقصود بالمستوى العام السياسي، إن مناقشة كتابه (أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية؟) من قبلنا في هذه الموضوعات، تعلقت بعرفة رأيه في مسالة التشكيلة الاقتصادية/الاجتماعية السائدة عربيا، وهي مسالة قام مهدي عامل بتضبيبها بشكل شديد، من جهة تمييع حدودها بما يتعلق بالماضي، فيتم قطع العلاقة بتحليل الماضي من حيث إنه سيرورة تاريخية مستمرة الى عصرنا العربي الراهن، أي بسبب استمرار التشكيلية الإقطاعية الدينية الى وقتنا الراهن، وهي تحاول إفراغ التشكيلة الرأسمالية الجديدة التي لم تنتظر انتشارا واسعا، من مضمونها، ولعدم انتصارها.
ومن هنا لا يقوم مهدي عامل بدراسة هذه التشكيلة الماضوية الحاضرة في تطورها وفي اعتقالها للتطور العربي، ويغدو الاقتراح النظري باسم (أسلوب الإنتاج الكولونيالي) شكلا من التموية الفكري والسياسي لعدم حل مشكلات البنية الإقطاعية السياسية الدينية، باعتبارها العائق الأكبر في سيرورة التطور العربي الراهنة، قافزا الى مهمات تعود الى بُنى الرأسمالية المعاصرة الغربية، وهذا في التطبيق العملي السياسي يقود الى انتصار الإقطاع السياسي والديني، عبر توجيه العداء والضربات الى حليف سياسي واجتماعي وفكري للقوى الشعبية، هو قسم من الفئات الوسطى الحديثة ومثقفيها، خاصة للتيارات البرجوازية العلمانية والديمقراطية.
إن مهدي عامل في رفضه لاستمرارية التشكيلة الإقطاعية، وإحلاله التشكيلة الرأسمالية، حتى مسمى علاقات الإنتاج الكولونيالية، رفض الأساس الموضوعي لفهم التطور العربي، ومن هنا يغدو المفكرون الذين فند آراءهم في الكتاب المذكور، أكثر اقترابا من الحقيقة الموضوعية، ومن المهمات السياسية والاجتماعية والثقافية، من مهمات التغيير العربية الحقيقية، رغم مناهجهم التي تعود لاختيارات أيديولوجية للفئات الوسطى، أكثر من قراءته التي يقوم فيها باستيراد أدوات فكرية منهجية غربية ماركسية مهمة، لكنه لا يطبقها التطبيق الصحيح.
ليس ذلك كذلك إلا بسبب مقاربتهما (والمثالان هما شاكر مصطفى وزكي نجيب محمود) للتشكيلة الاقتصادية/ الاجتماعية الإقطاعية الدينية، بمستويات معينة من القرب والتحليل، وهو بدلا من مقاربتهما وتطوير أدواتهما ووعيهما، قام برفض كلي لتلك المقاربة النقدية التشكيلة المحافظة.
إن المشكلة المزدوجة هنا هي في وجود أداة فكرية تحليلية صحيحة لدى مهدي عامل رُكبت في منظومة سياسية خاطئة، بمعنى أنه قرأ البنيوية الماركسية لدى جولدمان وآلتوسير واستوعبها، غير أنه حينما جاء الى تشكيلته السياسية الحزبية العربية التي تطرح تجاوز البرجوازية وهدم سلطتها، ركب أداة نظرية حديثة دقيقة، في رؤية (ماركسية لينينية ستالينية) متخلفة.
وفي الموضوعات السابقة رأينا القضايا التي تقارب مسائل التشكيلة، وهي المسائل السياسية الامة، والتي هي العمود الفقري لمسائل الوعي والفكر والثقافة، وبدون الحل الصحيح لهذه المسألة المحورية فإن القراءة الفكرية كلها تكون محفوفة بالأخطاء.
إن النموذج الذي يختاره مهدي عامل في الفصل الرابع من الكتاب السابق الذكر كذلك، هو الشاعر والمفكر المعروف أدونيس، الذي صاغ دراسة حول الإمام أبي حامد الغزالي في ذلك المؤتمر مُستنتجا ـ أدونيس ـ بأن الفكر الديني: (بقواعده وغاياته، وهو الذي يسود المجتمع العربي، اليوم. ولذلك فإن الإيديولوجية السائدة، سواء في المدرسة والجامعة والبرامج التربوية، والصحافة والإذاعة والكتاب، إنما هي قوة ارتداد نحو الماضي، وقوة محافظة على الراهن الموروث . . فعلاقات الإنتاج الموروثة . . ما تزال هي السائدة . . والبنية الإيديولوجية التقليدية . . ما تزال كذلك هي السائدة)، (21)*.
هذا الكلام يقوله أدونيس في سنة 1974، وبالتالي استطاع أن يشخص الواقع العربي تشخيصا دقيقا بحيث أننا الآن (سنة 2003) ندرك الفجائع المترتبة على هذه السيادة الماضوية. ولكن اليسار حينذاك لم يكن ير مثل هذا التشخيص، كرفيقنا الراحل مهدي عامل، الذي يتصدى لهذه المقولة قائلا ردا وتحليلا للرأي السابق:
( 1 ــ الفكر العربي هو نموذجه، ونموذجه هو الغزالي، فالفكر العربي إذن هو فكر الغزالي.
2 ــ الفكر السائد في الماضي هو الفكر السائد في الحاضر.
3 ــ البنية الإيديولوجية السائدة في الماضي هي البنية الإيديولوجية السائدة في الحاضر.
4 ــ علاقة الإنتاج المتوارثة ــ أي السائدة في الماضي ــ هي علاقات الإنتاج القائمة في الحاضر.
إذن الماضي هو هو الحاضر، لا شيء تغير. (خلاصة)، (22)*.
من الواضح إن مهدي عامل يقوم بتبسيط نظرة أدونيس إلى التاريخ الفكري العربي، فالغزالي لدى أدونيس ليس كل الفكر العربي، بل فكره المذهبي المحافظ، ولكن أدونيس يقول إن هذا الفكر المحافظ المذهبي هو الذي ساد، واذا طورنا مقولة أدونيس كما توصلنا اليها، فنقول إن رؤية الغزالي كانت هي ثقافة الإقطاع السائد. ولكن ثقافة الإقطاع المذهبي متعددة، وحتى تسود قامت بالقضاء على التيارات الدينية المعارضة، وهذه لها حراك وصراع استمر الى وقتنا الراهن، فليس معنى ذلك سكون الخريطة الفكرية الاجتماعية، بل أن لها ألوانا وتضاريس مقعدة. ولكن من الناحية الجوهرية فإن المنظومة العربية الإسلامية لا تخرج عن التشكيلة الإقطاعية، ومعرفة وتحديد التشكيلة هذه هي الخطأ الجوهري لدى مهدي عامل كما بينا سابقا، في حين أنها الصواب لدى أدونيس وشاكر مصطفى، واستمرارية التشكيلة لا يعني الحكم بالثبات المطلق، كما سنعرض لاحقا.
يضع مهدي عامل بعض ممارسات الفلاسفة العرب كابن رشد في دائرة ما يسميه (بالممارسة الإيديولوجية لما يمكن تسميته بالطبقة الأرستقراطية العربية المسيطرة في المجتمع الاستبدادي في القرون الوسطى.)، وبغض النظر عن جملة من المفاهيم الخاطئة في هذه العبارة، فإن مهدي عامل يضع الممارسات النقدية للمفكرين العرب المسلمين السابقين في سياق (مجتمع استبدادي)، وليس في سياق التشكيلة الإقطاعية المعروفة بداهة للمادية التاريخية، ثم يقوم بوضع الحركات والفكر الديني الإسلامي المعاصر في سياق آخر فيقول: (أما في الحالة الثانية، «فالإسلام» موجود بالشكل الذي يتحدد فيه بحقل آخر من الممارسات الإيديولوجية الطبيقة، خاص ببنية اجتماعية مختلفة، يغلب عليها الطابع الكولونيالي، في انتمائها التاريخي الى نمط الإنتاج الرأسمالي.)،(23).
إن هذه البنية الحديثة التي يضع مهدي عامل الوعي الديني السابق فيها، هي بنية يغلب عليها (الطابع الكولونيالي تنتمي تاريخيا الى نمط الإنتاج الرأسمالي)، وهي توصيفات نرى كيف أنها بذاتها قلقة مضطربة، وهو يلجأ الى كلمة (كولونيالي)الأجنبية المنتفخة، لكي يشُعر القارئ بأنها مصطلح غني في حين يمكن القول بأن البنية العربية هي بنية تابعة، ووجود التبعية لا يخلق تشكيلة جديدة، أي أنه حين تقوم الرأسمالية المسيطرة غربيا بإلحاق البلدان الفقيرة الإقطاعية في العالم الثالث باقتصادها، فإن هذه البنية التابعة تظل في تشكيلتها الإقطاعية السابقة، لإن الاستعمار لا يقوم بثورة اجتماعية فيها بحيث يحولها الى نموذجه أو نموذج الرأسمالية، بل يبقيها في بنيتها السابقة ويجري تغييرات سياسية واقتصادية بحيث تقوم بضخ المواد الأولية اليه وتغدو سوقا لمنتجاته الـخ . . لكن عمليات الإلحاق والتغيير الرأسمالية المحدودة تكون في إطار التشكيلة الإقطاعية، أي أن التشكيلة السابقة لم تتبدل بثورة تبدل البناءين، التحتي بثورة اقتصادية، والبناء الفوقي بثورة ثقافية، بل جاءتها عناصر رأسمالية فقامت باستيعابها في قوانين التشكيلة الإقطاعية التقليدية.
إذن عدم فهم مهدي عامل للقضية المحورية وهي قضية التشكيلة يقوده الى سلسلة من الأخطاء اللاحقة، حيث ينفي كون الدين أيديولوجية فكرية مسيطرة في الحاضر، لأنه نفى كون التشكيلة المعاصرة تشكيلة إقطاعية، وبهذا لم يدُرك المهمات الفكرية والسياسية الأساسية الراهنة، وهي تغيير التشكيلة وبناءها الفكري التقليدي.
ولهذا يقوم بنقد أدونيس لأنه يقول بـ(الرأي الماركسي!) باستمرار التشكيلة الإقطاعية ووعيها الديني الأساسي، (ويجب أن نقول هنا وعيها: الطائفي السياسي)، منتقدا إياه بأنه ينقل: (مركز الثقل في الممارسة الإيديولوجية للصراع الطبقي ضد البرجوازية المسيطرة، من صراع ضد إيديولوجية هذه الطبقة، بمختلف تياراتها، الى صراع ضد الشكل الديني أو الطابع الديني من هذه الإيديولوجية . .)،(24)*.
وهنا يواصل مهدي عامل عدم فهمه وخلطه للأمور، فأدونيس في نقده للشمولية الدينية ينقدها في ظل نظامها التقليدي الإقطاعي، أي باعتبار الوعي الطائفي المحافظ تجليا فكريا واجتماعيا للممارسة الإقطاعية المهيمنة على المسلمين (والمسيحيين)، وليس باعتبارها نضالا ضد الشكل الديني، أي بأنها قضية فك علاقة الدين بالسيطرة السياسية والاجتماعية الإقطاعية الراهنة، وتشكيل منظومة سياسية حديثة علمانية.
أي أن مهدي عامل يريد تجيير النقد ضد الدين، ويجعله بإطلاق، وليس ضد الوعي السياسي الطائفي المستغل للإسلام في تأبيد البنية الإقطاعية المتخلفة، وبالتالي يريد توجيه الوعي الفكري ضد البرجوازية العربية الحديثة، باعتبارها سبب الأزمة والعائق، أي أنه في النهاية يقوم بالدفاع غير المباشر عن الإقطاع الديني، أو أنه بالهجوم على البرجوازية الحديثة يفتت الصفوف الموجهة ضد الإقطاع الديني والسياسي.
فلنحلل أكثر التباس المفاهيم والمراحل واستراتيجيات النضال لدى مهدي عامل.
يقول: (فالعلاقة هذه التي تمنع تطور الإنتاج الرأسمالي في شكله الكولونيالي، من أن يميل، في قانونه العام، الى القضاء على علاقات الإنتاج السابقة عليه، في سيطرته بالذات عليها، هي نفسها العلاقة التي تمنع البرجوازية الكولونيالية، في ممارسة سيطرتها الإيديولوجية/ من القضاء على مختلف الإيديولوجيات السابقة على الإيديولوجية البرجوازية، في سيطرتها بالذات . .).
يعتمد مهدي عامل على منطق ارسطي شكلاني يجرد التاريخ من سيرورته الحقيقية، ويضعه في قوالب لا تاريخية، أي لا توجد إلا في وعيه الذي يقع خارج التاريخ الحي.
فهو أولا قد أثبت انتصار الإنتاج الرأسمالي في العالم العربي، في القرن التاسع عشر كما سيقول لاحقا أيضا! لكن هذا الانتصار تم في إطار كولونيالي، ورغم إن البرجوازيات العربية التي انتصرت على أشكال الإنتاج ما قبل الرأسمالية قد انتصرت إلا أنها مع ذلك تحافظ على الأيديولوجيات ما قبل الرأسمالية وهو ذات السبب الذي يجعلها تحافظ على أساليب الإنتاج ما قبل الرأسمالية!
فأولا حين جاء الاستعمار الى العالم العربي في القرن التاسع عشر، كرس الإقطاع والطائفية والأمية، ولم تستطع الفئات الوسطى (البرجوازية) أن تنمو إلا بشق النفس، وخاصة الفئة الصناعية، وبقيت الأبنية الاجتماعية تسود فيها عبودية النساء وعدم خروجهن للعمل والإنتاج، وهيمنة الإقطاع الطائفي الـخ . .
وبهذا فإن نضالات الفئات الوسطى كانت تتحدد في كل بنية اجتماعية عربية، حسب تطورها الاقتصادي الاجتماعي، فإن تنمو فئة وسطى وتقود نضالا ديمقراطيا كان ذلك يحتاج الى عقود، وليس كما يظهر في وعي مهدي عامل اللاتاريخي، بشكل أزرار سحرية، وكأن تشكل علاقات الإنتاج الرأسمالية تتم في الذهن وليس في الواقع الحي. أي أن الرأسمالية تحتاج شروط موضوعية وهي انتشار الصناعة وانتشار العمل بالأجرة وتحرر النساء الـخ . .
ولو افترضنا جدلا بنشوء الرأسمالية الواسعة في نهاية القرن التاسع عشر، وهذا محض خيال، فإن أشكال الوعي الدينية المرافقة للتشكيلة الإقطاعية، لا تنهار بسهولة كبيت من ورق كما يتضمن ذلك وعي مهدي عامل.
إن الوعي الديني المترافق مع التشكيلة الإقطاعية العربية تأسس فوق بنية زراعية/ حرفية/ رعوية، وداخل صراعات اجتماعية (قومية) ومناطقية، وقادته الصراعات السياسية الاجتماعية الى الانقسام المذهبي الكبير في عصر الثورة والمعاضة، بين التيارات المحافظة والتيارات الإقطاعية الناجزة وتيارات الفئات الوسطى الفاشلة، ثم الى الانقسام المذهبي الكبير الثاني حين انتصرت التيارات والدول المحافظة، أي الانقسام بين السنة والشيعة.
إن هذه السيرورة الاجتماعية الإيديولوجية المتلونة بمراحلها وآثارها لا يمكن أن تزول آليا مع الانتصار الموهوم للرأسمالية كما يظن مهدي عامل، بل إن هذا البناء الفوقي يحتاج قرون لكي تتم زحزحة خطوطه المتكلسة، ولكن الأمر أعقد من ذلك لأن هذا البناء الفوقي يتأسس تحت بناء قاعدي لم يتغير كثيرا.
وكما أوضح شاكر مصطفى في عبارته الهامة التي اقتطعها مهدي عامل ورفضه بأن النظام الإقطاعي العربي الديني تتداخل فيه مسألتي السلطة والملكية، أي تتواشج فيه جوانب من البناءين التحتي والفوقي، فالمسيطرون على الثروة والملكية العامة والأوقاف الـخ . . هم الإقطاعيون السياسيون والدينيون، وهو أمر يتمظهر مذهبيا في البلدان ذات المذاهب المتنوعة، ودينيا في الأقطار الإسلامية ذات الاختلاط مع المسيحية، وهذه الهيمنة الإقطاعية تظهر على شكل ملكيات استبدادية وهو أمر استمر حتى منتصف القرن العشرين في بعض الدول العربية وليس في أغلبها، وعلى شكل جهوريات رئاسية أو ملكيات لم تستطيع أن تنُجز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية المكتملة، أي في جميع الأقطار العربية الإسلامية حتى الوقت الراهن.
يحكم مهدي عامل على البرجوازيات العربية منذ تشكلها وصراعها ضد الإقطاع والاستعمار، بحكم سياسي واحد، فبعد أن شكلها بشكل ناجز في ذهنه فحسب، وبعد أن شكل الأنظمة الرأسمالية العربية في وعيه فحسب، غدت متطابقة مع البرجوازية الاستعمارية المسيطرة وبالتالي غدت منذ البدء عدوا.
لهذا فإنه لا يقرأ سيرورتها الفكرية والاجتماعية وبالتالي مراحل تطورها ومن هنا لا يرى فرقا بين (ما نراه في ايديولوجيتها من مفاهيم «عصرية» ليبرالية، وما نراه أيضا في بدء «تاريخها الإيديولوجي» من مفاهيم أرادت أن تكون مثيلة مفاهيم الثورة الفرنسية البرجوازية، كما هو الأمر عند رفاعة الطهطاوي ولطفي السيد وغيرهما). (26)*.
ومهما كانت عدم الدقة في المطابقة بين آراء الثورة الفرنسية وآراء الطهطاوي ولطفي السيد، فإن عدم رؤية أهمية آراء المنورين العرب في ذلك الكهف الإقطاعي التي كانت ولا تزال الشعوب العربية تحاول الخروج منه، فذلك يدل على وعي الأرادوية الذاتية الثورية) في إلغائها للقوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي، مثلما تفعل في مسألة الوعي بالتشكيلة وبالوعي المهيمن فيها، حيث يلغي مهدي عامل أهمية أفكار البرجوازية النهضوية ويثبت آراء الإقطاع الديني، فيقول بأن الإيديولوجية الدينية: (ليست هي الإيديولوجية المسيطرة، أو التيار الإيديولوجي المسيطر في الإيديولوجية المسيطرة، أو أيديولوجية البرجوازية الكولونيالية المسيطرة)، (27)*.
إذن إنه في عدم وعيه بسيرورة الإقطاع السياسي الديني في الماضي: بقوانين تشكله وصراعاته وظهور الفئات الوسطى بين أشداقه وأسباب انهيارها وغلبته، فإن مهدي عامل لا يرى قوانين استمراريته وانهياره في العصر الحديث العربي، وأسباب ضعف الفئات الوسطى، وصراعها معه ومع الاستعمار.
إن عدم رؤية قوانين البنية الاجتماعية في الماضي، هي ذاتها تتجلى في عدم رؤية قوانينها في الحاضر، ويقود ذلك الى عدم رؤية قوانين التشكيلة الإقطاعية عامة، خاصة عملية تفكيكها وتغييرها المعاصرة، وإذا أحلنا آراء مهدي عامل الفكرية العامة إلى الميدان السياسي، فيعني ذلك تقوية الإقطاع.
فعدم تثمين مقامات الفئات الوسطى في الماضي والحاضر، وتشكيل جبهة سياسية تحديثية واسعة، تراكم الوعي النهضوي وتقود في الخاتمة الى الثورة أو القطع مع المنظومة الإقطاعية، واستبدالها بمنظومة حديثة، يعني تصفية القوى النهضوية وتفكيكها، وبالتالي تصعيد الإقطاع في مستويات البنية المختلفة.
علينا أن نرى إن ثمة عدم دقة تحليلية للإقطاع المذهبي وتطوره في التاريخ العربي ولدى أدونيس كذلك، أي أن أدونيس لا يرى الجذور الاجتماعية لتشكل الحداثة قديما وحديثا، التي تؤسسها الفئات الوسطى العربية، ولكنه يقترب من هذا التحديد بشكل أفضل من مهدي عامل، الذي يقول عن ذلك: (لكن المنطق الذي قاد أدونيس الى عدم رؤية هذا الطابع الطبقي المميز للصراع الإيديولوجي في واقعنا الراهن، هو تلك المعادلة الرابعة التي أقامها بين علاقات الإنتاج السائدة في الماضي وعلاقات الإنتاج القائمة في الحاضر . .)، ويضيف مهدي عامل: (أما أن تكون هذه العلاقات الموروثة نفسها هي هي العلاقات القائمة حاليا، فهذا ما لا يمكن للمنطق العلمي أن يقبل به، برغم وجود الانسجام الداخلي في منطق أدونيس . .)، (28)*.
ومن المؤكد إن الإقطاع العربي الكلاسيكي القائم على ملكية الأرض الزراعية والخراج، لم يعد شاملا، لكن مهدي عامل لم يقم بدرس العلاقات الاقتصادية العربية الحديثة، وكيف أن ملكية الدولة لوسائل الإنتاج تمثل شكلا إقطاعيا حين تغدو تابعة بالوراثة لأسرة أو جماعة سياسية، بدلا من أن تكون هذه الوسائل بضاعة متداولة، ولهذا ثمة استمرارية كبيرة بين حقول النفط وحقول الزراعة، وبين الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي تتركها في تقوية الإقطاع الأسري والحزبي الـخ . . ونعرض ذلك كمثال عابر فقط، من أجل أن نرى استمرارية الحياة التقليدية، وبالتالي فإن الحكم العام الذي يطلقه أدونيس باستمرار الوعي التقليدي وهيمنته لا يجانب الصواب.
إن أدونيس إذن عبر تلك الفقرة التحليلية يقربنا من رؤية البنية الحقيقية للحياة العربية، فيما يعمل مهدي عامل على إخراجنا من تلك البنية وإدخالنا في بنية موهومة من قراءته ومعايشته للحياة الغربية، فيريد نقل مهمات الصراع الطبقي فيها، الى بلدان متخلفة، تشكو من قلة البرجوازية والعمال والتصنيع، دون أن يحاول العودة الى مصادر أدونيس في قراءة المجتمعات العربية، في كتابه (الثابت والمتحول) خاصة.
في احدى الفقرات من كتابه (أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية؟)، يقر مهدي عامل ضمنا بسيادة العلاقات الإنتاجية والاجتماعية التقليدية وهو يرد على أدونيس فيقول: (إن وجود هذه العلاقات السابقة في البنية الاجتماعية الكولونيالية لا يعني أنها العلاقات السائدة في هذه البنية، حتى وإن كانت هي تنتشر على القسم الأعظم من السكان، كما هي الحال في الهند مثلا، أو في كثير من البلدان العربية . .)، (29)*.
إنه يعتبر الإنتاج التابع شكلا تاريخيا محددا من الإنتاج الرأسمالي، فمهما كانت أشكال ما قبل الرأسمالية منتشرة فإن ما يحدد توجه التطور هو النمط الرأسمالي.
وبطبيعة الحال لا يمكن أن نأخذ بهذه الجمل إلا عبر تحليل للأبنية الاقتصادية الاجتماعية المحددة في كل بلد، فرغم أن التطور الرأسمالي هو تطور عالمي عاصف، إلا أن كل منطقة وبلد لهما خصوصياتهما، أي أن الأمر يعود لتطور التشكيلات وتاريخها، وتناقضاتها الداخلية، فالتشكيلة الإقطاعية العربية الإسلامية، عبر سيطرة مختلف الدول الاستعمارية على أقطارها المتعددة، لم تقم هذه الدول الاستعمارية برسملتها بشكل شامل، وحتى بعد مختلف الثورات الوطنية فإن المسألة الديمقراطية لم تُحل، أي أن هذه الأنظمة ظلت على بنياتها الإقطاعية المذهبية، وظلت الدولة طائفية واللامساواة بين المواطنين سائدة، وظلت قوى ما قبل رأسمالية تتحكم في الثروة العامة الـخ . .
لكن مهدي عامل لا يرى ذلك، بل يرى إن هذه الأنظمة أنظمة رأسمالية فيجب أن: (يرفض الدولة البرجوازية، أي هذا الشكل التاريخي الطبقي المحدد من الدولة، ويرفض علاقات الإنتاج البرجوازية الـخ . .)، (30)*.
كما أن القوى العاملة مدعوة (لممارسة العنف الثوري، من حيث هو عنف طبقي، بأدواتها هي وبمنطقها هي وبنظامها هي، من أجل القضاء على سبب وجود العنف الذي هو المجتمع الطبقي)، (31)*.
إن مهدي عامل لا يقول ذلك في فرنسا والولايات المتحدة، بل في لبنان وسوريا والعراق والجزيرة العربية، فبدلا من معرفة ما يحدده شاكر مصطفى وأدونيس من دولة استبدادية طائفية إقطاعية متخلفة، يقوم مهدي بصناعة دولة موهومة هي الدولة البرجوازية، وقد اكتملت علاقات الإنتاج الرأسمالية فيها، وبين النموذج الواقعي الذي يرفض الدخول فيه وتحليله، يجر نموذجا آخر ويريد مجابهته، وهذا الجر يخلق مهمات سياسية وعسكرية مختلفة، فهو هنا يريد إزالة البرجوازية بالقوة، فتتحول هذه الكلمات في يد اليساري اللبناني الى سلاح، ويغدو كل الفلاحين المقتلعين من الجنوب والنازحين على المدن والفقراء، جيش الثورة البروليتارية في مواجهة البرجوازية.
إن مهدي عامل بعد أن حول المجتمع المتخلف الطائفي التابع الجائع الى المصانع والبرجوازية الى (مجتمع برجوازي مأزوم بسيطرة هذه البرجوازية)، لم تعد المهمة سوى اقتلاع هذه البرجوازية لكي تحل الأزمة، وهكذا يُفتح الطريق للحرب الأهلية اللبنانية من البوابة النظرية.
لا يعني ذلك بأن توصيفات أدونيس للمجتمع العربي التقليدي متكاملة ولا أن الحلول التي يطرحها لتجاوز أزمة المجتمعات العربية التقليدية، ولكن ما يطرحه من حلول أقل خطرا وأكثر فائدة مما يطرحه مهدي عامل.
فأدونيس يقول حسب رواية مهدي عامل بأن (شخصية العربي، شأن ثقافته، تتمحور حول الماضي/ القديم). وأنه في الحضارة العربية (لما انتفى الفرد في الموضوع وتغرب عن ذاته في الجماعة أو الدولة أو السلطة أو النظام . . كان الاتباع وكان التخلف، وكان حاضر الإنسان العربي أو ماضيه)،(32)*.
نستطيع أن نقول بأن مقاربة أدونيس للتشكيلة الإقطاعية هي أقرب للحقيقة الموضوعية من مهدي عامل، ولهذا فإن اقترابه من المخرج للأزمة الحياة العربية أكثر جدوى، وهو حين يقول بأزمة تلاشي الفرد المبدع أو هيمنة التقليد في الحضارة القديمة، فهو يشير إلى شيء موضوعي لم يتبينه تمام التبين، وهو سيطرة الهياكل الإقطاعية العامة الاقتصادية والاجتماعية والإيديولوجية، ولهذا فإن الفردية، وتوسع الفئات الوسطى الحرة، وبالتالي انتشار الإبداع لم يحدث بصورة جذرية، وقد تتبعنا ذلك في قراءات سابقة، وبينا جذور الفئات الوسطى وارتكاز قواها الأساسية على الدولة الإقطاعية. وبهذا فإن الفئات الوسطى العربية في الماضي والحاضر، لم تستطع أن تتحول الى طبقات برجوازية كلية، وهذا بخلاف رؤية مهدي عامل التي تقول بأنها ولُدت كبيرة ناجزة بفعل الأزرار السحرية الغربية، ولكنها بعد كما يقول أدونيس كذلك لم تستطع حتى الآن أن تزيح الاتباع وتنشر الحرية بشكل شامل!
تلخيصا وتطويرا لما سبق نشره، يقيّم مهدي عامل تقييما سلبيا المقاربة الموضوعية لأدونيس تجاه المجتمع العربي التقليدي، فهو يقوم بإزاحة التوصيفات (العلمية) لهذا المجتمع، ويضع بدلا منها توصيفات مستقاة من تطور أعلى، هو تطور البلدان الرأسمالية المتطورة، ويضع المهمات التي تواجه الطبقات العاملة فيها الى البلدان محدودة التطور، والتي تعالج مهمات تاريخية مختلفة، وبدلا من تشكيل جبهات موسعة للقوى الحديثة والديمقراطية لإزاحة التشكيلة الإقطاعية الطائفية العربية، فإن يوجه القوى ضد أحد الأجنحة المهمة في كلية التغيير الديمقراطية، ولهذا فهو يجعل ممثلي القوى الليبرالية والعقلانية الفكرية في الندوة المذكورة، كخصوم ألداء وليس كحلفاء في معركة واحدة ضد تشكيلة تجاوزها التاريخ.
وهذا يقوده لعدم تثمين الأحكام الموضوعية التي يطرحها هؤلاء المفكرون والباحثون، وعدم الاستعانة بهذه المواد الفكرية الثمينة لتطويرها عبر المنهج المادي الجدلي، ورؤيتها في سياق التشكيلة الحقيقية.
ولكن مهدي عامل دخل في قراءة التاريخ بذاتية ثورية تسقط رغباتها على التاريخ الحقيقي، بدلا من اكتشاف تطوره، فكان ابتكاره لمقولة (أسلوب الإنتاج الكولونيالي) بداية لخرقة أساسيات المادية التاريخية، حول أساليب الإنتاج المحددة والمكتشفة، وهذا الخطأ المحوري قاده الى سلسلة من الأخطاء النظرية في تحليل الجوانب المحددة في تطور التشكيلة الإنتاجية العربية، السابقة الذكر، فهو قد اعتبر علاقات الإنتاج الرأسمالية منُجزة في حياة المجتمعات العربية منذ نهاية القرن التاسع عشر، وهذا ما دعاه الى عدم تثمين حلقات التنوير المتعددة التي قامت بها الفئات المتوسطة العربية، في الماضي والحاضر، ثم الدعوة الى خلق اصطفاف حاد إلى معسكرين رأسمالي تجاوزه التاريخ، وعمالي يجب انتصاره.
وكان هذا خرقا للمهمات الحقيقية لقوى الثورة والتغيير العربية التي تواجه تشكيلة متخلفة، ولكن الخطوط الفكرية التي طرحها مهدي عامل كانت تتضافر ووضع دولي موات، مما جعلها في حيز التنفيذ، ولكن النتائج المترتبة على هذه الخطوط النظرية والسياسية كانت كارثية خاصة على البلدان التي طبقتها بشكل عنيف، وأهم هذه النتائج إن القوى السياسية ما قبل الرأسمالية، والمذهبية الاجتماعية، هي التي استفادت من تناحر القوى الحديثة، وهي التي برزت الى السطح والفاعلية، حيث ساعدتها عوامل أخرى، مما أوضح بشكل جلي بأن مهمات حركات التغيير العربية لا تزال مواجهة الأبنية التقليدية، وضرورة عدم التحالف مع هذه القوى التقليدية وإبرازها، رغم السهولة التي تبدو بها عمليات التحالف مع هذه القوى الماضوية، وضرورة تكريس تحالف الجبهة النهضوية التحديثية الديمقراطية، حتى لو كانت الصعوبات جمة في طريق تشكيلة وتعزيز عناصره الديمقراطية والعلمانية.
لكون التحالف مع القوى التقليدية وتعزيزها هو تقوية للتشكيلة الإقطاعية وسيرورتها الطويلة في الحياة العربية، لأنها تشكيلة متكاملة ومتجذرة ليس في الحياة السياسية ولكن أيضا في الحياة الاجتماعية والفكرية.
ونظن لو كان المناضل والمفكر مهدي عامل حيا، لكان قد راجع الكثير من أفكاره، التي كان يعززها حينذاك وضع عالمي مختلف . .

 

خاتمة

تناولنا في هذا البحث علاقة المثقف العربي بالتكوينات التاريخية الكبرى، حيث بدأت العملية التاريخية المستمرة حتى الآن بظهور الإسلام، كشكل من أشكال الثورة الاجتماعية التي تمت في مجتمع رعوي، وحيث لم تظهر تشكيلة اجتماعية حينئذ، أي لم تحدث سيادة لعلاقات إنتاج معينة، ولعب الدين كثقافة نهضوية دوره في تشكيل قفزة حضارية للقبائل الرعوية، ولكن هذه العملية التحويلية انتقلت الى بلدان المشرق الزراعية ذات التاريخ العبودي المعمّم، التي فلح الإسلام والعرب في تفكيك طابعها العبودي القديم، وانتقلت الى النظام الإقطاع المركزي في عهدي الدولتين الأموية والصدر الأول من عهد الدولة العباسية، ثم الإقطاع اللامركزي في العهود التالية.
وقد تشكلت ثقافة المعارضة على أساسيين:
الأول: عبر التغيير الداخلي والإصلاح والثورة وهذا ما عكسته حركة الاعتزال والزيدية والمذاهب السنية القياسية، ولكن هذه عبرت عن فئات وسطى تابعة للأشراف، أي للدولة المتحكمة في الموارد، والتي تمكنت من استخدام إمكانياتها في اعادة تشكيل الإسلام والقضاء على المعارضة الإصلاحية والثورية داخل النظام الاجتماعي، بسبب أسلوب الإنتاج المعتمد على ملكية الأشراف للأراضي الزراعية الكبرى والثروة العامة. وبهذا فإن قادة المثقفين الإصلاحيين داخل النظام الاجتماعي لم تستطع أن تطوره.
الثاني: عبر الثورات والتمردات من الخارج، وهي التي اعتمدت فكريا تكفير النظام أو خلق بديل إقطاعي أسري آخر، وتلاقت مع ثورات الشعوب الرافضة للحكم المركزي، مما أدى الى تفكيك النظام المركزي، وإعادة إنتاج علاقاته الإنتاجية والثقافية على مستوى الأقليم، وبالتالي تكرار نهضته على نحو أوسع، وتكرار أزماته على نحو أعمق وأحد.
فلم تستطع العناصر العقلانية والديمقراطية في إنتاج المثقفين العرب والمسلمين أن تتناسج وأسلوب إنتاج جديد، هو بطبيعة الحال الأسلوب الرأسمالي، حيث كانت الفئات الوسطى المقتدرة تابعة للإقطاع، فغدت أغلبية أشكال الثقافة العربية تابعة للإقطاع العام أولا، ثم للإقطاع المذهبي بعدئذ.
فهيمنت المذاهب المعارضة في مرحلة نمو الفئات الوسطى داخل الإمبراطورية الموحدة، كالقدرية والمعتزلة والزيدية، ثم في مرحلة إلحاق الفئات الوسطى بالإقطاع تم تشكيل المذاهب الدينية التابعة للسلطة والتي تتوجت بالانقسام السني الشيعي.
إن العناصر العلمية والديمقراطية والثورية في الاتجاهات المعارضة وأعمال العلماء والفلاسفة لم تستطع تأسيس نظام جديد، بسبب تقطع صلاتها ببعضها البعض، وعدم قدرتها على تشكيل منظومة نقدية للواقع، تتجسد في برنامج تحولي ديمقراطي يعيد تشكيل حياة الفلاحين والنساء ويغير السلطة الشمولية.
وفي العصر الحديث برزت العناصر العقلانية والديمقراطية في عملية الانبعاث مع إعادة هيمنة الأنظمة الإقطاعية التابعة كصفة ترافقت ونشوء المنظومة الإمبريالية، كوعي الأفغاني والكواكبي، وتنامت هذه العناصر الديمقراطية في الحركة الليبرالية والوطنية، ولكن الاستعمار كجزء من البنية الإقطاعية المذهبية أعاد تفعيل الشبكات الإقطاعية الطائفية للتصدي لعملية التحرر والتقدم العربية.
وتشكلت في القرن العشرين فكرة تجاوز الرأسمالية كتيار هائل في الشرق، ونخرطت التيارات العربية الوطنية في هذه العملية، وأخذت تتجه لتجاوز الرأسمالية، وقامت بفعل مشابه للتيارات العربية الدينية في العصر السابق، بعدم حل إشكالية المنظومة الإقطاعية وتصفيتها، وبالتالي الدخول في مرحلة رأسمالية تحديثية علمانية وديمقراطية، أي عبر إنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية بشكل شامل، وتصفية الإقطاع في مستويات البنية المختلفة، ففي المستوى السياسي، بإزالة الأنظمة المذهبية والمستبدة، وفي المستوى الاجتماعي الثقافي بتحرير النساء والإسلام من هيمنة الإقطاع الديني.
ولكن التيارات المعارضة العربية اتجهت للتصالح مع البنى الإقطاعية ومعارضة الليبرالية، وقد أخذنا نماذج من بعض المفكرين وقمنا بتفكيك منظوماتهم الفكرية، وخاصة المفكر اللبناني الراحل (مهدي عامل)، وراينا الى أين تقود عمليات القفز على المنظومة الحديثة. وكيف كان المثقفون الليبراليون والديمقراطيون العرب أقرب إلى المهام الحقيقية للتاريخ عبر إعادة تغيير المنظومات العربية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دراسة نشرت في المسار: مجلة اتحاد الكتاب التونسيين، العدد 63/64 ماي، جوان،جويلية 2003.
هوامش:
(1): (تتباين أشكال المثقفين الثوريين في هذه المرحلة فابن المقفع هو كاتب داخل طبقة الحكام الجدد، يمتلك حسا حضاريا مستنيرا، فاعتبر الثورة العباسية لحظة تاريخية في الإصلاح المنشود الذي تركزت عليها كتاباته، فدعا الخليفة لخطة إصلاحية اجتماعية وسياسية متكاملة، ونظرا لكتابته عهد أمان محكم لأميره المتمرد على الخليفة المنصور فقد وقع في صراعات الطبقة الحاكمة الدموية وراح ضحية لذلك.
● راجع بصدد دور ابن المقفع:
(1): (مقدمة الأدب الصغير والأدب الكبير، من كتابة إنعام فوال، دار الناشر العربي، ط 2، 1996، بيروت، ص 9.
(2): (ضحى الإسلام، ج 1، ص 195).
○ أما الإمام أبي حنيفة النعمان فهو الفقية المستقل الذي قام بتطوير عناصر القياس والرأي التحديثي في المدينة الإسلامية، وناصر القوى المعارضة، فعاقبه نفس الدكتاتور أبوجعفر المنصور حتى الموت في سجنه.
(3): (حول دور الإمام أبي حنيفة النعمان راجع: (حمد أبوزهرة، الإمام أبوحنيفة النعمان: حياته وعصره، دار الفكر العربي، ط2.)
○ ومحمد النفس الزكية هو الذي قاد تحالف المعتزلة ــ الزيدية لإسقاط الدولة الأموية وبعد ذلك ضد الدولة العباسية، ولكن موازين القوى العسكرية التي شكلتها الدولة الأخيرة عبر الخراج واستنفار بدو خراسان تمكنت من القضاء عليه.
(4): راجع بهذا الصدد: محمود إسماعيل: فرق الشيعة، فصل الزيدية: الدعوة . . الثورة . . الدولة، ص 31، سينا للنشر، ط 1، 1995.
○ أما بشار بن برد فهو الشاعر الذي انبثق من الحركة الاجتماعية للمولدين، التابعين للقبائل العربية المهيمنة، وظهرت فيه مشاعر وشعارات التململ على هذا الوضع الذي لا يتسم بالمساواة، وقاده الى التعصب للفرس كرد فعل، وقُتل بسبب سخريته من الخليفة المهدي.
(5): راجع: بشار بن برد، دراسة وشعر، دار الرائد …….
* : جميع الهوامش سقطت (مع الاسف) من عدد المسار مجلة اتحاد الكتاب التونسيين، العدد 63/64 ماي، جوان،جويلية 2003.

عبــدالله خلـــــيفة: المثقف العربي بين الحرية والاستبداد