أسئلة الصمت والقهر في الاستفاقة على أوجاع التاريخ ! 

وعي النهضة عند سلامة موسى

  يعتبر سلامة موسى الكاتب العربي، أحد القلائل الذين أثاروا الجدل الفكري على مدى القرن العشرين، بسبب جرأة أفكاره وثباته الفكري الطويل لغرس قيم الوعي بالنهضة، عبر الكتابة والدعوة المستمرة لعدة عقود.

  كان أبوه من الموظفين الكبار في الإدارة، فحصل على فرص كبيرة للقراءة والدراسة والسفر والتفرغ للفكر والإطلاع، ولكنه لم يفلح في الدراسة المنظمة سواء على مستوى الدراسة الابتدائية أو الثانوية أو الجامعية، وهو يقول: إن ذلك كان بسبب محدودية المناهج ورغبته في الخروج من قيودها، ولكن من الواضح أيضاً انه لم يكن ذا قدرة على التركيز الدراسي والبحثي العميق، فاتسمت كتاباته بالسهولة الشديدة والتنوع والتضارب في الأفكار والرؤى، رغم أنها كانت تدعو للنهوض بشكل عام.

  وقد سافر إلى باريس، بشكل مغاير لسفر الطهطاوي، حيث كانت السرعة في السفر والتوجه إلى اليسار الأوروبي تحديداً، وخاصة الاشتراكيين والتطوريين، والصداقة مع أعلام الفكر الغربي كـ برنارد شو. وقد ذهل من دفاع اليسار الأوروبي عن قضية الشعب المصري، ودور برنارد شو خاصة في فضح محاكمة دنشواي الشهيرة التي قتلت مجموعة من الفلاحين غير المذنبين.

  فوجئ في الغرب بكثافة الاهتمام بالحضارة المصرية القديمة، وغيابها شبه الكلي عن الثقافة المصرية المعاصرة وقتذاك، فكرس جزءاً كبيراً من وقته لزيارة المتاحف والاطلاع على الحضارة القديمة.

  كذلك سافر ودرس في لندن الحقوق من أجل جلب شهادة، ولكنه كعادته لم يستمر في ذلك؛ وساح في الثقافة والأدب والعلوم، وحين عاد ركز على النشر، وكان أول كتاب له هو (مقدمة السوبرمان) سنة 1912، ثم أصدر سلسلة من الكتب، ورأس تحرير مجلته الخاصة، التي كرسها لنشر فكر الحداثة كما يراه.

 يعبر كتيبه هذا، أي مقدمة السوبرمان، عن هذه العملية الفكرية التي بتضافر فيها العمق والسذاجة، وتتحد النوايا الطيبة بغياب الدرس العميق، ففكرة السوبرمان هي فكرة نيتشويه، دعا إليها مفكر الفاشية الألمانية: نيتشه، لخلق عرق متميز، يغدو بمثابة الإنسان الأعلى. الذي يتخلص من الإنسان الضعيف، وكانت هذه الفكرة تفتح فيما بعد الباب لعمليات التطهير والمذابح في العروق (الخسيسة) عند النازيين.

  وبطبيعة الحال فإن سلامة موسى أخذ الفكرة بحسن نية، دامجاً إياها في فكرة علمية أخرى، هي نظرية التطور لـ دارون. فهذه الفكرة الكبرى في القرن التاسع عشر والتي فجرها العالم البريطاني دارون بكتابه (أصل الانواع)، كشفت لأول مرة ان العالم الحيواني خضع لتطور كبير، بدأ من ظهوره في الحياة البحرية ثم ارتقائه سلم التطور حتى ظهور أنواع الثدييات التي منها الإنسان.

  وقد دمج سلامة موسى هاتين الفكرتين، ولكن عبر تطبيقهما على المستقبل، حيث سيظهر في اعتقاده إنسان متطور يختلف عن الجنس السائد حالياً. وهذه الفكرة هي التي عزفت عليها النازية. المتنامية منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى, وهي التي دمجت أيضاً بين الارتقاء المزعوم بالإنسان الحيوان وبين الاشتراكية.

  هذه الفكرة التي بدأ سلامة موسى حياته الفكرية بها، تعبر عن ذلك المزيج الفكري المضطرب، فقد مزج بين فكرة علمية هي نظرية التطور التي قدم حولها كذلك سلسلة من الاستعراضات الشائقة، وبين فكرة ايديولوجية خطرة ليست سوى واجهة للعنصرية، وهكذا فإن سلامة جمع بين فكرين متناقضين، الأول هو فكر التطور الموضوعي للأجناس وللمجتمعات، والفكر الآخر هو فكر الفاشية البيولوجية، لكنه لم ير الدلالات المتوارية وراءها. ولديه هنا ذلك الخلط الذي استمر طويلاً بين البيولوجيا والاجتماع، بين التطور العضوي ذي القوانين الخاصة، والتطور الاجتماعي،  مما يعبر هنا عن داروينية اجتماعية.

  في رؤيته للنهضة وكيفية تحقيقها فإن سلامة موسى يواصل موقفه المبسط لها، فهو ببساطة يدعو للالتحاق بالنهضة الأوروبية، وترك العروبة والإسلام والماضي، وركوب القطار المتوجه إلى الحداثة.

  يقول في أحد كتبه من سنوات أواخر العشرينيات من القرن الماضي وهو (اليوم وغداً).

  «فالرابطة الغربية هي الرابطة الطبيعية لنا، لأننا في حاجة إلى أن نزيد ثقافتنا وحضارتنا، وهي لن تزيد من ارتباطنا بالشرق بل من ارتباطنا بالغرب. اننا اذا ارتبطنا بالغرب تعلمنا فلسفة عالية وأدباً راقيًا ووقفنا على اختراعات عديدة واكتشافات لا حصر»، ومن عناوين هذا الكتاب:

لسنا شرقيين، الدم الشرقي فينا جلبه علينا العرب، الجامعة المصرية هي أداة للثقافة الحديثة، الأزهر هو أداة الثقافة «المظلمة»، ليس علينا للعرب أي ولاء، لغة المتنبي ليست لغتنا، الرابطة الشرقية سخافة، الرابطة الحقيقة هي رابطة الثقافة وهي رابطتنا بأوروبا.

  يعبر هذا الوعي عند سلامة موسى عن لغة التبسيط في تشكيل النهضة، فالنهضة هي استيراد كاستيراد البضائع، فهي علاقة كمية فتعبيره «أن نزيد» يعبر عن هذه الفكرة، فما علينا لكي نلتحق بأوروبا سوى أن نكثر من استيراد كافة الأشياء النهضوية كالاختراعات، وإذا كانت هذه الأشياء من الممكن استيرادها فعلاً وهي مفيدة جداً، فإن ذلك لا ينطبق على المؤسسات الفكرية، والعلاقات الاجتماعية التاريخية، فكيف يمكن أن ننقل عمليات التحول التي جرت أوروبياً في عدة قرون؟ هل نشحنها أم نقلدها؟

  إن الوعي الاستيرادي لتجار الجملة واضح هنا، ويتوجه سلامة موسى إلى الدعوة لنقل تلك المنتجات الغربية، ولهذا لا بد من الانفصال عن الرابطة العربية والإسلامية، وعن العلاقة مع الأمم الشرقية المتخلفة، بل عن التاريخ العربي والدم العربي، وهذا ما يمكن أن يحدث قطيعة مع التراث ومع الثقافة المتخلفة، وبالتالي تتحقق النهضة.

  هذه التبسيطية تتحقق في الواقع عبر انسلاخ مجموعات من الفئات الوسطى عن البنية الاجتماعية الإقطاعية، وهذا الانسلاخ لا يحدث الا عبر جلب مظاهر حضارية غربية مستوردة، لا يحدث لها أي جذر في تلك البنية، لأنها تتشكل كقشور ملونة فوقها.

  إن ارتباط مصر بالعرب أو بالشرق ليس ارتباطاً لغوياً أو ثقافياً، بل هو ارتباط منظومة اجتماعية متماثلة، متعددة مستويات التطور، هي المنظومة الإقطاعية – المذهبية العربية في طور أزمة العلاقة مع التطور الرأسمالي الحديث.

  وما يقوله سلامة موسى عن الانسلاخ من منظومة والالتحاق بأخرى، هو وهم طبقي، أي أنها أفكار وممارسات تتحقق عند مجموعات في الشرق تتوهم انها تتحضر عبر استيراد النهضة وليس إنتاجها، وهي هذه الفئات المستوردة للبضائع الغربية والافكار الغربية.

  هكذا يكّون سلامة موسى الأفكار النهضوية لشريحة من الفئات الوسطى الحديثة، ذات المستوى المعيشي الجيد، والتي لا تدخل في علاقة صراع عميقة وواسعة مع الغرب الإمبريالي، مثلما لا تدخل في عملية صراع مماثلة مع الشرق الاقطاعي، ولكنها في الوقت الذي تريد فيه المماثلة والذوبان في الغرب، فإنها تريد الانسلاخ من الشرق.

  إن هذه الطريقة الاستهلاكية والاستيرادية للمنتجات الفكرية والسلعية الغربية، لا تترافق مع عمليات إنتاج فكرية وسلعية وطنية، ولهذا فإن سلامة موسى لا يقيم مصنعاً لإنتاج الوعي الوطني، بقدر ما يفتتح دكاناً لجلب البضائع من المركز، وبطبيعة الحال فإنه يريد تطوير وتقدم البلد عبر ذلك، ولهذا يحرص على جلب أفكار النهضة والتطور وحرية المرأة والعلمانية وأهمية العلوم ونشر الأدب الشعبي والتخلي عن أدب الأبراج العاجية وضرورة تعلم الرقص الرفيع . . الخ.

  وكل هذه تقدم أحياناً كمقالات مطولة وقصيرة في أغلب الاحيان، وتتجه إلى عرض الفكرة والترويج لها، بدون تحليلات معمقة. وكثيراً ما تقوده هذه الافكار الشعارية إلى الاصطدام مع القوة الاجتماعية المهيمنة، أي الاقطاع بنوعيه السياسي والمذهبي.

  وإضافة إلى الطابع الاستفزازي فإن غياب التحليل العميق للشعار المراد جلبه ونشره في الشرق يؤدي إلى نتائج عكسية.

  لكن علينا أن نعتبر فكرته بضرورة تغييب الرابطة العربية والإسلامية من تطور مصر الحضاري المنتظر، هو خطأ فكري مزدوج، فهو خطأ في قراءة سيرورة مصر، المتكونة بشكل عربي وإسلامي في العصر الوسيط، حيث حدثت نهضة كبيرة بفضل هذه المرحلة، ولكن النظام الذي هيمن غيب تلك الإنجازات، فيبدو التطور العربي الإسلامي عند سلامة موسى كفعل سلبي فحسب، فهو يغفل العناصر الديمقراطية والنهضوية في هذا السياق، مركزاً على الأشكال التي سيطر بها الاقطاع المذهبي على المسلمين، معتبراً هذه الأشكال هي كل ما أنتجه العرب والمسلمون.

  ولا شك أن فرز هذه العناصر المتضادة يحتاج إلى دراسات معمقة، وتحليلات في البنية الاجتماعية ومستوياتها، وهي أمور لم يقم بها سلامة موسى، فيجد أمامه الثقافة العربية الإسلامية كثقافة تقليدية يجب الإطاحة بها، وحتى هذه الإطاحة تبقى غير مبلورة، بل هي شعارات موجهة ضد لغة عربية متكلسة، وهو أمر صحيح، وقد ساهم هو في زحزحة هذه اللغة المقعرة الجامدة، بلغته الرشيقة السهلة الواضحة. ولكن مسائل إزاحة الجمود والتخلف في ثقافة هي غير إلغائها، ويبقى وعي سلامة موسى غير قادر على كشف هذه اللوحة المعقدة والمركبة للثقافة العربية والإسلامية.

  ليس لأنه يأتي إليهما من الخارج، بل لأنه لم يدرسهما بشكل عميق، وأغلب قراءاته هي للنتاج الغربي عموماً، وهو يريد إدخال شعارات هذا الغربي المتطور إلى عالم يرفضه ويريده ان يتغير.

إن رغبته فى تشكيل مصر بالصورة التي يريدها، حيث لم يقم بالكتابة عن اي بلد عربي آخر، ودوره في هذه الكتابة الطويلة وخلق القراء، لا تؤدي إلى نتائج كبيرة في الواقع والمناخ الثقافي الفكري، وعلى العكس فإن المناخ يتجه إلى نقيض افكاره، وجهده في خلق تنوير يُستبدل برواج الاتجاهات السلبية والمحافظة.

  وهذا المصير الفكري والاجتماعي هو غير مسئول عنه، ولكن هذا المصير يحدد كيف تضيع سنوات من العمل الفكري وتتدمر بذور التنويريين، من دون أن يروا آفاق عملهم.

  كان التطور الاجتماعي والفكري في مصر يتجه بخلاف آراء سلامة موسى بضرورة اعتماد التدرج الاشتراكي في عمليات الإصلاح، فالمدينة الاقطاعية التي أسستها السلالة الملكية كانت تتجه إلى الانفجار، والتحولات الرأسمالية على مدى قرن كامل، لم تستطع تشكيل تحول رأسمالي جذري، على صعيد تشكيل سلطة ديمقراطية أو على أساس نمو تحديثي في كافة مستويات البنية، فبدأت المدن تتضخم سكانياً من جراء تطورات رأسمالية متضادة، وبدأ الريف يضغط، ونستطيع أن نعتير سيطرة الضباط الأحرار هو انتصار للفلاحين المتوسطين بثقافتهم الدينية والحديثة المتداخلة، بحيث حافظوا على التعايش بين النظام الإقطاعي والنظام الرأسمالي، وعبر سيطرتهم على رأسمالية الدولة، انتقلوا الى صفوف الأغنياء، وأدى هذا التطور العسكري، إلى استنفار القوى المحافظة وعودتها بعدئذ إلى الهيمنة بشكل أقوى من السابق.

   موسى ناضل من أجل نمو التحديث والليبرالية والإصلاحات الاجتماعية التي يسميها الاشتراكية، ولكن ما حدث هو نمو الاتجاهات الشمولية، ولم يسهم في رصد هذا الصعود بسبب أدوات تحليله المبسطة، أي عدم قراءة البنية الاجتماعية وبالتالي لم يشكل تياراً يقاوم هذا الاكتساح المستقبلي، رغم اهتمامه الشديد بالمستقبل، وذلك عبر عدم جمعه بين العروبة والإسلام والتحديث، بين العلمانية وتحليل الجذور التاريخية للأمة، بين الانتماء للشرق والانفتاح على ثمار الأمم النهضوية، بين الدفاع عن الديمقراطية وتقدم الأغلبية. . الخ.

  هذه التركيبة الجدلية كانت تستدعي دراسات على مستويات الماضي والحاضر، الشرق والغرب، وهذه الإمكانية التوليفية لم تكن ممكنة لجيل كامل من النهضويين، تقاطع وعيهم بين قطبين، قطب الشرق والتراث، وقطب الغرب والمعاصرة، وهو أمر يعكس هيمنة الفئات الوسطى غير الصناعية، والمستوردة، التي تستورد الموديلات الجاهزة من الماضي أو من الحاضر الغربي، وليست قادرة على التصنيع وإعادة تشكيل الواقع، وهو أمر يتطلب تغيير المواد الخام التراثية والراهنة، تبعاً لتطور مصالح الأغلبية من الشعب والأمة.

  إن الشعارات السهلة والتنويرية لا تقود إلى محصول كبير، فمن السهل المطالبة بزوال الأزهر كمؤسسة دينية ولكن من الصعب دراسة هذه المؤسسة وتيارات الوعي فيها، وطرح اجتهادات في الخطاب الديني نفسه، وهذا ما أخذت التيارات النهضوية العربية الجديدة تعيد النظر فيه، وبدأت دراسات علمية فى هذه الجوانب.

  والدراسة العميقة تودي إلى غياب الشعارية والتسييس الُمبسّط والخطر وتقترب من رصد الحالة الموضوعية للتطور، واحتمالاتها المختلفة، وبالتالي تغدو أكثر تبصراً على صعيد التأثير اليومي.

  بطبيعة الحال أسهم سلامة موسى في نشعر ثقافة تنويرية ونهضوية في حدود معينة، وهناك أجيال من الشباب تدين له بالفضل بسبب دعواته للعلم والثقافة والتمدن، وقد شرح العديد من النظريات ببساطة، ولكن يبقى أن يؤخذ تراثه بقراءة جديدة وبحذر علمي.

  وهناك دراسات كبيرة كتبت عنه، ولكنها إما أن تمدحه بإفراط أو ترفضه بتعصب شديد، ولهذا فإن دراسة موضوعية عنه، وتجميع كتبه في طبعات جديدة كاملة، هي أمور ضرورية لاكتشاف وعينا العربي المعاصر بشتى جوانبه.

  لقد كتب عنه الباحث المغربي عبدالله العروي في تقويم أقرب إلى الدقة حين وصفه بانه نموذج لـ سبنسر، وهو المؤلف البريطاني الذي مزج بين الداروينية البيولوجية والحياة الاجتماعية.

  وليس صحيحاً ما قاله المفكر محمود أمين العالم عن سلامة موسى ورفضاً لرؤية العروي: إن سلامة موسى له جذور بابن خلدون وغيره من المؤرخين والباحثين العرب.

عبــدالله خلـــــيفة : وعي النهضة عند سلامة موسى

 

وعي النهضة لدى الطهطاوي

  رفاعة رافع الطهطاوي عالم مصري من رواد النهضة العربية، ولد سنة ١٨٠١، فى طهطا من صعيد مصر، التحق بالأزهر، وعين رئيساً دينياً لبعثة من طلاب المصريين المتوجهين الى فرنسا للتخصص فى الدراسات الحديثة، ورغم ذلك فقد عاد هو ليصبح فاتح الطريق للعلوم الحديثة في الثقافة العربية. فقد تعلم الفرنسية وتعمق فى اكتشاف علومها وتخصص بالترجمة عنها، ولكنه لم يكتف بالترجمة بل قام بالتأليف والدعوة للتحديث، واستلم مهام رسمية وإعلامية متعددة.

  يعبر عصره عن مرحلة انتقال مناطقية وعالمية بين عصر الثورة الصناعية والاستعمار، حيث بدأت ثمار التقدم الغربي تشكل منظومات اقتصادية وسياسية رأسمالية غربية، لا تزال خاضعة لرأسمالية المنافسة والحريات الداخلية، والتوسع التجاري على الصعيد العالمي، وهذا ما أدى الى أن يكون خطاب الطهطاوي مرتبطاً بهذه العملية من العلاقات التجارية والتعاونية العالمية، وإن كانت صراعات الدول الرأسمالية الغربية أخذت بالبروز، وكانت الحملة الفرنسية على مصر فى طفولة الطهطاوي قد عبرت عن هذه الإرهاصات في التحول من مرحلة الرأسمال التجاري الى الاستعمار.

  ولهذا فإن وعي الطهطاوي لم يتشكل في مرحلة الصدام بين الشعوب والاستعمار، وكانت الدولة المصرية، عبر مشروع محمد علي قد راهنت على تطور تحديثي مستقل وناجز. وقد تشكل وعي الطهطاوي فى ظل هذا المشروع السلمي والحالم والمبذر كذلك.

  فقد واجه مشروع محمد علي الأشكال الفظة من النظام الإقطاعي القديم الرث، لكنه لم يقم بتغير شامل له، بل فتح المجال لتملك الأرض بشكل شخصي واسع، للأسر الأرستقراطية الألبانية والتركية، وقام بخلق قطاع عام لصناعات حربية فى الغالب، وشكل هذا التحديث المحدود للنظام الإقطاعي الديني. وقد أدت أعماله العسكرية الى استهداف مصر للاحتلال بشكل خاص.

  ولهذا كله فإن وعي الطهطاوي سيكون محكوماً بوعي هذه المرحلة التاريخية، وباستيراد التقنيات والعلوم المفيدة في هذا التطوير للنظام القروسطي العربي فى مرحلة جديدة.

  من هنا كان وعي الطهطاوي يردد باستمرار دور الحاكم المطلق فى تشكيل النهضة، يقول: «فإننا كنا في زمن الخلفاء العباسيين أكمل سائر البلاد تمدناً، ورفاهية، وتربية زاهرة، وسبب ذلك أن الخلفاء كانوا يعينون العلماء وأرباب الفنون وغيرهم»، تلخيص الإبريز، دار المدى، ص15.

  هذا الذكر لدور الحكم المطلق في إنتاج النهضة، التي تتم من خلال دعم الخلفاء للعلوم، هو إنتاج لوضع المرحلة التي يعيشها الطهطاوي في مصر حينئذٍ، عبر دور أسرة محمد علي في إنتاج نهضة، يفترض أن تكون مماثلة للنهضة العباسية. أو إعادة إنتاج لها، وهذه المرة لا تأتي العلوم من قبل الإغريق بل من خلال الفرنسيين.

  وكما تغيب شروط نهضة العباسيين عن وعي الطهطاوي، إلا من خلال الدور الفردي للمأمون، أو لغيره من الخلفاء، فكذلك تغيب شروط الاتصال مع اليونانيين، من حيث بنى المعرفة المنقولة ودور الوسطاء في عمليات النقل، وطبيعة هذه المواد المنقولة، وأثارها.

  ولا تظهر عملية النهضة هنا سوى فى أدوار الأفراد، والحالات المشتركة من الازدهار بين عصر المأمون وعصر محمد علي، أما طبيعة العصرين المختلفة بين نظام إقطاعي مركزي عربي إسلامي يبدأ رحلة التدهور، ونظام إقطاعي مصري وطني في طور دخول التبعية، فهي لا تظهر لمثل هذا الوعي، بأدوات معرفته التقنية، بل يظهر المشترك بينهما وهو نمو النظام الإقطاعي بشكل نهضوي عبر تشجيع العلماء وترجمة الفكر، وهي عوامل جزئية محدودة مفصولة عن البناء الاجتماعي العام.

  يدرك الطهطاوي تطور الحياة الاجتماعية التاريخية للبشر، عبر قوانين الصدف المحضة أوعبر التدخلات الإلهية، فهو يفسر اكتشاف النار في بدء التاريخ فيقول: «ثم حصل اتفاق أن بعضهم رأى شرارة نار من الصوان، بمصادمة حديدة أو نحوها ففعل مثل ذلك، وقدم وأخرج النار وعرف خاصيتها»، تلخيص ص ١٣.

  رؤيته للصدف كعامل دائم في تشكيل التاريخ لا يتضاد مع إعطائه للتدخلات الإلهية ذات الدور، ولكن الجانبين يعكسان غياب معرفة السببيات المتداخلة لنمو التاريخ، وهكذا فإنه ينتزع من المواد المعرفية الفرنسية والأوروبيه عموماً، ملاحظاتها الصغيرة والمعزولة عن تشكل الحضارة، والطهطاوي لا يكتفي بعرض تاريخ النار، بل يقوم بعرض تاريخ المدنيات عرضاً سريعاً يقتطف بعض الجوانب الجزئية من التاريخ البشري، كتقسيمه الصحيح للتاريخ باعتباره ثلاث مراحل أساسية هي: المرحلة الوحشيه، والبربرية، والمرحلة الحضارية. وهو تقسيم مهم نجده عند علماء الانثربولوجيا، ولكنه هو يأخذه كطرفة، ولا يقوم بدراسة للعرب والإفرنج من خلاله.

  ولهذا فإن كتاب تلخيص الإبريز لا يأخذ طابع الدرس المقارن بين الشرق والغرب، رغم تصنيفه، للعرب بأنهم بين البربرية والتحضر، حيث يُعطي الجزيرة العربية الوصف الأول، ويُعطي مصر والهلال الخصيب الطابع الثاني، مدركاً الفروق بين مستويات التطور العربي، وتقوم الرحلة بعرض الفروق بين تحضر مصر والعرب وتحضر أوروبا وقتذاك.

  وكما رأينا سابقاً، فبؤرة العرض السياحي تقع في مسألة النهضة من خلال شروطها الفردية غير الاجتماعية، أي أن النهضة مرتبطة بإرادة الحكام، ومن هنا يغيب تاريخ مصر السابق، أي كل تلك التطورات التي أدت إلى مجيء محمد علي وتغيب الازمة المحتدمة في الدولة العثمانية والمنطقة، وتغدو النهضة على طريقه قوله: «فمن هنا تفهم أن العلوم لا تنتشر في عصر إلا بإعانة صاحب الدولة لأهله، وفي الامثال الحكيمة: الناس على دين ملوكهم»، السابق، ص ١٦.

  ولهذا فإن الطهطاوي يضيف بأن المتولي على بلاد مصر أراد ان يُرجع «إليها شبابها القديم، ويُحيي رونقها الرميم»، فهذه الإرادة الفردية المطلقة هي التي تصنع النهضة، عبر إحضار «أرباب الفنون البارعة، والصنائع النافعة، من الإفرنج، ويغدق عليهم فائض نعمته».

  ولا يقيم الطهطاوي هنا قراءة لطبيعه هذه المهن والصناعات وعلاقاتها بالبناء الاجتماعي، حيث هي مرتبطة بالجوانب العسكرية وتقوية نفوذ الدولة وشرائحها المتنفذة، ولا علاقة هذه الجوانب النهضوية المفيدة حقا بالبنية الاقتصادية العامة، ولكنه يأخذها كأقوال عامة وجمل إنشائية، كقوله: «وبالجملة والتفصيل، فإن الوالي آماله دائماً متعلقة بالعمار، ومن الحكم المعروفة العمارة كالحياة، والخراب كالموت، وبناء كل إنسان على همته،»، السابق، ص١٧.

  لكنه بطبيعة الحال يلمح طابع النهضة الراهنة في مصر حينئذٍ فيرى «ترتيب العساكر الجهادية من (الايات) ومدارس حربية» وبالتأكيد فإن مشروع محمد علي كان ذا طابع عسكري، وكان من الضرورة نموالعلوم الطبيعية والصناعيه المختلفة، أي كل ما يسرع من نمو آله الدولة الحربية، لكن إلى أي حد كان هذا الطابع يسمح بنمو الصناعه المستقله وبالتالي يغيب أو يضعف من هيمنه الدولة الإقطاعية العسكرية، فإن ذلك يبدو غير مرئي في وعي الطهطاوي وهو يشارك في هذه العملية التاريخية.

  وتسمح هذه العملية التاريخية من جهه أخرى «بنشر العلوم والفنون الآتيه.. وبكثرة تداولها، وترجمة كتبها وطبعها في مطابع ولي النعم»، والمقصود بالفنون هنا هي العلوم الفنية، والتقنيات المختلفة، وكل ذلك يجري في أفق الوالي ومطابعه.

  تتوارى أسباب انهيار الحضارة العربية وأسباب تشكل الحضارة الغربية في وعي الطهطاوي، فهو يربط الحضارة العربية وتشكلها في إحدى طرائفه بالرحلات، فهو يعتقد إن النهضة وليدة نشاط الناس التنقلي ورحلاتهم فيقول: «ثم لما خمدت عندهم أنوار هذه المعارف وأهملوها، ازدارءً  لها، أو لسبب آخر، قلت سياحاتهم، وقامت مقامهم طوائف الإفرنج وبرعوا في ذلك، واستفادت الدولة والرعية الفوائد الجسيمة، بالأمور السياسية والتجارية».

  إن ملاحظته حول أهمية الرحلات في تحريك الحضارة قد استقاها من عصر الكشوف الجغرافية الغربي الذي لعب دوراً بارزاً في الانتقال من عصر النهضة الثقافي والتنويري إلى عصر الثورة الصناعية، وعبره تدفقت الموارد الذهبية والمعادن إلى أوروبا واتسعت الأسواق، ولكن الطهطاوي يأخذ ذلك الجانب الجغرافي مفصولاً عن البناء الاقتصادي والتاريخي والثقافي العام، ولعله يتخيل انه عبر رحلته إلى فرنسا التي يكتب عنها في كتابه هذا، سوف تحدث ذات العملية النهضوية العميقة التي حدثت في أوروبا، خاصة مع المظاهر التي لاحظها من ازدهار التجارة والعمارة في مصر، خاصة بعد تصدى الحاكم لإحياء المعارف..

  تعرقل عملية البحث هذه طريقة الكتابة لدى الطهطاوي التي تتسم بالتفكك والتجميع بين أساليب شتى متضادة، فهناك الدرس والملاحظات العلمية وادخال الطرائف و المُلح والأشعار، وهي عملية تعبر عن تغييب الحفر المعرفي في المادة، وبالتالي تغيب عمليات التحليل والمقارنات والاستنتاجات العميقة.

  يقول رضوان السيد في تعليقه حول طريقة النهصويين الاوائل: «إن هذا الأمر كان معروفاً بين المعاصرين للطهطاوي، أي الاستطراد، وإدخال الأخبار والأمثال والأشعار في المؤلفات أياً تكن موضوعاتها. . » لكن الطهطاوي مضى في ذلك إلى آفاق أبعد من هؤلاء جميعاً؛ بحيث تضيعُ أحياناً معالم الموضوعات التي يعقدُ عليها الكتاب في سيل لا ينقطع من الاستشهادات والاستطرادات التي تكاد لا تنتهي»، حضور التراث العربي في كتابات الطهطاوي، مجلة الاجتهاد، العدد الخامس والخمسون والسادس والخمسون.

  وفى الواقع فإن طريقة الازهريين فى البحث هي طريقة التراثيين التجمعيين، والذين تنقصهم أدوات التحليل المركبة، أي أدوات العلوم الحديثة المترابطة، وبالتالي يغدو الموضوع رحلة على مستويات مختلفة، رحلة إلى التراث والشعر وإلى فرنسا وعاداتها الطريفة وأوضاعها السياسية والحضارية المتقدمة.

  أما عملية الربط بين الأوضاع العربية السابقة والراهنة والرحلة، فهي أمر غير ممكن بأدوات التعبير والتفسير المسيطرة وقتذاك، والتي تعكس طريقة فى التفكير والمواقف الاجتماعية، حيث الموظف، سواء كان مثقفاً على طريقة الطهطاوي أم رئيساً للرحلة، خادماً للسيد المتواري، وهو الدولة.

  ويقول رضوان السيد بان طريقة التأليف هذه هي: «للتاكيد على البقاء في السياق الثقافي الكلاسيكي العربي والإسلامي، واجتراح التقدم في الوقت نفسه»، ولكنها في الحقيقة ليست مثل كل كتابات المؤلفين العرب الكلاسيكيين، أي هي بخلاف كتابة ابن خلدون التحليلية العميقة في المقدمة، فهي أقرب لكتابات الجاحظ، فهي عودة لبواكير الكتابة العربية النثرية.

  إنها لغة المثقفين المرتبطين بسلطة نهضوية مستبدة، والتي لم تتكشف تناقضاتها الاجتماعية والسياسية بعد، والتي تمس رؤوس الموضوعات الكبيرة بشكل عابر، وهذه الطريقة تسمح لها بمدح الدكتاتور النهضوي وجلب الموديل الغربي في جوانبه غير المضادة للشريعة.

  إن الطهطاوي في رحلته التي استغرقت عدة شهور براً وبحراً إلي عاصمة فرنسا، باريس، كان يقطع مسافة زمانية تاريخية كبرى بين عصرين، وهو إذ يأخذ تبدل أوجه المكان، لا يأخذ سيرورة الزمان، وكأن الفروق بين القاهرة وباريس، هي فروق كمية، وبضعة ميزات سياسية واقتصادية من الممكن نقلها، وليس الأمر في وجود بنيتين اجتماعيتين مختلفتين.

  ومن هنا يقوم بعرض كل ما يصادفه من مظاهر الحياة في إيطاليا وفرنسا، من الأشجار والبراكين وطريقة الأكل والأدوية والتعليم والمدن والحياة السياسية، فتغدو الفصول مشاهدات، وليس مقارنات وتحليلات، ومن هنا يقوم بعرض الدستور والبرلمان والحكومة كما يعرض قضايا الصيدلة والنظافة.

  ومن الواضح ان هذا العرض بحد ذاته كان مثل عاصفة للوعي العربي، فهو يقدم لأول مرة خريطة التمدن الشاملة في أوروبا. ويتيح له هذا العرض المحايد البانوارمي عدم الدخول في صراع مع السلطتين المهيمنتين: الدولة ورجال الدين. ولا شك أن أي عرض تحليلي ومعمق للديمقراطية على مستوى السلطتين السياسية والروحية، ما كان بإمكانه الظهور.

  لكن كان الطهطاوي ينساب مع المهمات البسيطة والصغيرة للتمدن، ولا يحفر في اتجاه تحويلي عميق، ولهذا فإن عرضه للبرلمان والدستوروالديمقراطية والصراع السياسي يشكل أحد فصول الكتاب، لا أن يكون محور الرحلة وجوهرها.

  ويقيم الطهطاوي بإيجابية دور البرلمان المنتخب، والذي كان محاطاً بسلسلة من السلطات التي تفرغ دوره فهو يقول عنه: «ووظيفة ديوان رسل العمالات غير متوارثة، ووظيفته امتحان القوانين والسياسات والأوامر والتدبير والبحث عن إيراد الدولة ومدخولها الخ..»، وهذا التحجيم للبرلمان والذي مارسته الملكية العائدة بعد هزمة الثورة الفرنسية، لا يقوم الطهطاوي بتشيريحه، فهناك عشرات الدواوين الملكية والحكومية ومجلس الأعيان.. الخ، والتي حصرت دور البرلمان في مناقشة قضايا الصرف والمكوس على حد تعبير الرحالة العربي.

  ولكن الكاتب بعدئذ يذكر المواد الدستورية التي تُفرغ ذلك المجلس من سلطته التشريعية الحاسمة، فالملك هو الذي يستطيع أن «يبطل ديوان رسل العمالات»، أي البرلمان، ولا يسن شيئاً إلا إذا «رضي به الملك.»

  ويدرك الطهطاوي في خاتمة المطاف أن العدل «في قطر من الأقطار فهو نسبي إضافي لا عدل كلي حقيقي»، ص 101.

  لقد قامت الملكية العائدة في فرنسا بعد هزمة نابليون بإعادة النظر في الدور المحوري للبرلمان، والذي تعرض للتقلص في المرحلة الإمبراطورية كذلك، وفي فترة سفر الطهطاوي لم تحل بعد ثورة 1830 التي أعادت الحياة الديمقراطية بشكلها الاول.

  وبطبيعة الحال كان هذا المستوى من التطور الفرنسي مناسباً للدولة المصرية الملكية التي يغيب عنها البرلمان، وبهذا كان نموذجها الذي يسوقه الطهطاوي مفيداً لمرحلته وعصره. فهو قادم من ملكية دكتاتورية إلي ملكية دستورية محدودة.

  ولكن الأهم هو السياق الحضاري الحديث بمختلف جوانبه الذي يعرضه عرضاً يبدو محايداً.

  كان نموذج النهضة الذي يقدمه الطهطاوي في رحلته وفكره هو هذا النظام البرلماني المحدود والحديث، مقطوع الصلات بالتحليل التاريخي والسياسي، ومطروح كنموذج للنهضة والتقدم لأمة تبدأ في الوعي والتفتح.

عبــدالله خلـــــيفة : وعي النهضة لدى الطهطاوي

 

جذور الرأسمالية عند العرب

رأس المال الحكومي الشرقي

فصل من كتاب: رأس المـــال الحـكومــــي الشـــــــــــــرقي

  لا تسعفنا المصادرُ في الحديث عن وجود أو عدم وجود العمل المأجور ومدى حضوره في العصر الجاهلي والإسلامي الأول، رغم أنها مسهبة في تعداد الثروات الخاصة وظهور القطائع، وهي الشكلُ المبكرُ للإقطاع العربي، وتحدد العلاقات التجارية وطرقها والعلاقات الاجتماعية – السياسية المصاحبة لهذه التجارة، وكذلك تذكرُ الموادَ الأولية العربية والحرفَ المُقامة عليها،  ومن هنا من الصعوبة بمكان معرفة طبيعة رأس المال الجاهلي ــ الإسلامي.

  في البدء لا بد من معرفة المواد الأولية وهي السلع التي سوف تدخل السوق، وقيم هذه السلع، ومن أي عمل بشري أُنتجت، وماذا يحدث لهذه القيم في السوق، والأثمان التي يأخذها الوسطاء، ونوعية هذه السلع وأسباب نموها بهذا الشكل أو ذاك.

  ومن الواضح بأن جغرافيا الجزيرة العربية هائلة، وأن ثمة مناطق زراعية متنوعة متباعدة، كاليمن وعمان والبحرين ويثرب ـــ المدينة، والطائف الخ ، وهذه المناطق تفصلها عن بعضها البعض الصحارى الواسعة، وهي لا بد لها من إقامة علاقة تبادل بينها وبين بعضها البعض ومع العالم القريب كذلك.

  إن الوقائعَ تشيرُ إلى عمليات تبادل تجارية بين هذه المواقع المختلفة، ويعبرُ التبادلُ عن وجود فائض اقتصادي، تمكنت قوى العمل الشعبية القبائلية من إيجاده، فقام وسطاءٌ هم تجار بإرساله للمناطق الأخرى فاغتنوا واغنوا التجار في المدن، ثم كانت مكة هي الوسيطة الكبرى التي نهضت فوق قوى العمل هذه حتى قوة تجارية عالمية.

  كانت هناك مناطق ذات تاريخ قديم في الإنتاج كاليمن، ومن اليمن خرج اليهودُ إلى يثرب وأسسوا فيها الزراعةَ والحرف، كما خرجت قبائلٌ يمينة عديدة إلى يثرب وغيرها من المناطق خاصة شمال الجزيرة العربية، وتعبر قدرات اليهود في يثرب عن تعمق كبير في الجوانب الحرفية.

  كانت سلع اليمن هي مثل: النسيج الفاخر، والذهب، والفضة، والأحجار الكريمة، ومواد التجميل، والتوابل بأنواعه ، والأسلحة وغيرها.    

  إن هذه السلع تدل على تجذر قوى العمل ومهاراتها المتنوعة، وإذ تشير إلى صلات تجارية بالخارج كالهند وأفريقيا، إلا أنها بضائع ومواد خام مستوردة تقوم قوة العمل اليمنية بإعادة تشكيلها ومن ثم تصديرها.

  وتعبر مدينة يثرب عن هذا الطابع اليمني الحرفي المتأصل:

  «أسس اليهود يثرب وعملوا الزراعة والحرف وصناعة السلاح والحدادة والدباغة والنجارة والصرافة وكان العرب يملكون 13 أطماً واليهود خمسين، وكان في المدينة أكثر من 300 صائغ حلي وكلهم من اليهود العرب وثمة حي اسمه حي الصاغة،» المال والهلال ، شاكر النابلسي ،ص 132.

  وكانت المناطق الجزيرية الكبرى الأخرى كعمان والبحرين أقل من اليمن في التطور الحرفي بسبب التكون الحضري البعيد لليمن ومركزية حكمها، وعمان والبحرين تنتجان الموادَ الزراعية غالباً، مع ما يتبع هذه المواد من حرف.

  إن هذا التكون التبادلي بين مناطق الجزيرة العربية كان يتبع الطريق التجارية الدولية أساساً، فهو يضخُ ما يزيد عن حاجتهِ إلى الأسواق الخارجية، فأغلب السلع الاستهلاكية الضرورية كالمواد الغذائية تـُستهلك محلياً، وما يزيد عنها وما يُخصص للبيع والتجارة يتوجه للأسواق المحلية ومن ثم المناطقية، وهي أسواق ثلاث كبيرة هي «عكاظ ومجنة وذو المجاز».

  وتوضحُ طبيعة السلع اليمنية المُصَّدرة غلبة السلع الاستهلاكية البذخية، التي تباع لمركز التصدير ومن ثم تباع خارجياً، في حين يعيش أغلبية المنتجين على السلع الضرورية.

  وبحكم تحول مكة إلى المركزين التجاري والديني معاً، فقد اختلطت السلعُ بالقيم الدينية. كانت المناطق الجزيرية العربية التي تقيم التبادل بينها بحاجة إلى سوق موحد تجري فيه أكبر عمليات التبادل، فكانت مكة التي تحولت من قرية إلى مدينة بفعل الخط التجاري الدولي المار بها، ومن ثم غدت المركز التصديري الرئيسي، فكان المنتجون لكي يستمروا في عيشهم بحاجة إلى تصدير الفائض نحو قبلة مكة التجارية، التي راحت تصير قبلة دينية كذلك ، بحكم إن الشعائرَ الدينية تحمي السلع والنقود الناتجة منها والعمليتان متداخلتان.

  لكن المنتجين لم يفعلوا ذلك مباشرة، بل من خلال الوسطاء التجاريين، الذين كانوا يأخذون تلك السلع ويبيعونها، وفي البدء نيابةً عنهم بحكم النشؤ القبلي، ثم مع استمرار التمايز بين المنتجين والمالكين، انفصلوا وصاروا تجاراً مستقلين.

وتبينُ نشأةُ مدينة مكة هذا النموَ المتمايزَ للفئات التجارية من قلب العلاقات القبلية، ففي البداية نجد أن جد القبيلة «قصي بن كلاب» عنده أغلب وظائفها الدينية والتجارية  مما عبر عن وحدة قبلية كلية في القمة، ثم تنشأ البيوتاتُ التجارية العائلية؛ كأمية وبني مخزوم وبني هاشم الخ .. مثلما تظهر العائلات الغنية والعائلات الفقيرة.

  لكن الفارقَ بين مكة وبقية المناطق إنها غير منتجة لسلعٍ، بل هي تستقبلُ السلعَ وتصدرها، وتحتفظ بجزءٍ ضئيلٍ منها للاستهلاك، فهي بلا جذور حرفية وبلا زراعة، ومن هنا قامتْ بتحويل جزء من رؤوس أموالها لتملك الأراضي في المناطق المجاورة فكانت «الطائف» بستانها، و«جدة» ميناءها فغدت دويلة اقتصادية.

  تعبرُ مكة عن المدينة التجارية الخالصة، التي لم تتطور من داخلها لتكون مدينة تجارة، بل هي قد أسستها الضرورة التبادلية العالمية والمناطقية، ولهذا فإن المناطق الأخرى لم تستطع أن تتطور مثل مكة في نموها الاقتصادي وفي عقليتها التحديثية.

  لقد ساعدها غيابُ الجذور الزراعية والحرفية لكي تكونَ مدينةَ مالٍ وسلعٍ بالدرجة الأولى.

لكنها مع ذلك بحكم خلفيتها الدينية التي رُكبت وتصاعدت بفضل دورها التجاري التوحيدي، فكان هذا الدور يعضد المكانة التجارية ويضفي عليها قداسة، ولكن هي قداسة تجميعية للرموز الدينية مثلما هي تجميع للسلع التجارية.

  ومع ضخامة دور الوسيط بين المنتجين المتوارين، سواء كانوا عرباً أم أجانب، فإن الوسيطَ هو الذي أثرى أكثر من أولئك المنتجين، وتدلنا الأرقامُ التجارية للسلع ولأرباحها عن ضخامة الرأسمال البضائعي الذي يتدفق والذي يتحول من جديد للتجارة، أو يشتري الأرض العقارية، التي كانت محدودة بحكم ضخامة الصحراء.

  ومنذ البداية نلمح هذا التناقض الهام بين كمية النقد الكثيرة المتوفرة وغياب التوظيفات الفاعلة، فيذهب قسمٌ كبير من النقد نحو الاستهلاك البذخي، فيضيع من دورة رأس المال، ولكنه في هذه المرحلة لا يضيع بل يوظف لكن حين ستنشأ أسرٌ حاكمة ويتراكم الفائضُ لديها فسوف يتجه إلى البذخ الخالص.

  كان في جزيرة العرب طريقان للتجارة «أحدهما شرقي يصل عمان بالعراق وينقل بضائع اليمن والهند وفارس براً، ثم يجوز غرب العراق إلى البادية حتى ينتهي به المطاف في أسواق الشام» «والطريق الثاني هو الأهم وهو غربي يصل اليمن بالشام مجتازاً بلاد اليمن والشام ناقلاً أيضاً بضائع اليمن والحبشة والهند إلى الشام وبضائع الشام إلى اليمن حيث تصدر إلى الحبشة والهند عن طريق البحر»، كتاب أسواق العرب، ص9 .

  من المدن التجارية الهامة في العصر القديم «تيماء: المحطة الكبرى العامة شمالي الحجاز مروراً بسلع وبُصرى وتدمر ودمشق».

  «كان للعرب دراية بالملاحة منذ القرن العاشر قبل الميلاد»، «عن تاريخ العرب الأدبي نيكلسون» ويضيف: «وكانت صعوبة الملاحة في البحر الأحمر تجعلهم يفضلون الطريق البري».

  «كانت القوافل تقوم من شبوت في حضرموت وتذهب إلى مأرب عاصمة سبأ ثم تتجه شمالاً إلى مكربة «مكة» وتظل في طريقها من بترا حتى غزة».

  «كان الحميريون هم المسيطرون على التجارة جاعلين العرب الحجازيين عمالاً عندهم حتى قبيل البعثة» السابق ص 11.

  «منذ القرن السادس انتقلت التجارة تدريجياً من اليمنيين إلى قريش».

  قال الألوسي:

  «وأما أهل اليمن وعمان والبحرين وهجر فكانت تجاراتهم كثيرة ومعايشهم وافرة لما في بلادهم من الخصب والذخائر المتنوعة والمعادن الجيدة»، ص 11 «على أن لــ طيئ ومنازلها أواسط نجد شهرة في الاتجار شمالي جزيرة العرب».

  (وقدّر بعضُهم ما يشتريه العالمُ الروماني من طيوبِ بلاد العرب والفرس والصين بقيمة مائة مليون من الدراهم) ص 12.

  وتعبيراً عن التبادل المناطقي الواسع قالوا: (برود اليمن وريط الشام وأردية مصر). ومن أقوالهم: (الطائف مدينة جاهلية قديمة وهي بلد الدباغ يدبغ بها الأهب الطائفية المعروفة). أما (هجر والبحرين فهي متجر التمر الجيد).

  كان التجار يُسمون السماسرة فجاء الإسلامُ بكلمةِ معشر التجار. وهناك اسماء أعجمية وَرَدتْ للعرب تحملُ أسماءَ البضائع: (الصنج والصولجان والفيل والجاموس والمسك وخصوصاً أنواع النسائج كالديباج والاستبرق والابرسيم والطيلسان) السابق ص 18.

  وتعرفنا بعض الكلمات الأعجمية التي عربت وصارت جزءً من التسميات العربية على تغلغل العلاقات البضائعية في الحياة الجاهلية مثل:(ترف وجزية ودرهم وفندق وقارب ولص). سردَ هذه الكلمات بندلي جوزي في بحثه (بعض إصطلاحات يونانية في اللغة العربية) في مجلة مجمع اللغة العربية 3 / 330 نقلاً عن المصدر السابق، ص 19).

  قال معاوية لصوحان صف لي الناس فقال: خلق الناس أخيافاً، فطائفة للعبادة، وطائفة للتجارة، وطائفة خطباء، وطائفة للبأس والنجدة، ورجرجة بين ذلك يكدرون الماء ويغلون السعر ويضيقون الطريق.

  وقد عرف العربُ سندَ الملكية (طابو) والعقود.

  ومن كتاب المحاسن والأضداد نقرأ ( إن العديد من رؤوساء قريش كانوا باعة وحرفيين). وتعددت البيوع عندهم مثل: بيع الغرر، أي بيع ثمر النخل والشجر لمدة عام أو عامين وهو مرفوض دينياً.

  بيع التصرية وهو عدم حلب الناقة لفترة من أجل أن تمتلئ وهو شكل من التحايل.

  البيع الناجز وهو البيع الصحيح يداً بيد.

  (في البدء كانوا يتعاملون بالمقايضة ثم تعاملوا بنقود الروم والفرس، الدنانير والدراهم، ويقدر الدينار بعشرة دراهم، والدرهم يساوي عشرة قروش مصرية (حسب زمن المصدر 1960)

  ويدل هذا على ضعف تطور العلاقات البضاعية ــ النقدية، ثم نموها عبر تنامي إنتاج القبائل عبر مئات السنين، واستمرار سيطرة الفرس والروم السياسية، فكان فائضٌ ما ينتقل من الجزيرة للأمبراطوريتين، ثم غدت نقودهما نقودَ الأمبراطورية الإسلامية التي وورثت الهيكل الاقتصادي ــ السياسي العبودي ــ الإقطاعي دون أن يستطيعَ التراكمُ المالي أن يؤدي إلى المرحلة الرأسمالية.

  وجاء لدى المقريزي إن أول من ضرب السكة عمر بن الخطاب على نقود فارسية مع كلمات عربية إسلامية.

وكان لديهم (المكس) وهو أخذ العشر من بائعي السوق والمكس في اللغة النقص وفي البيع انتقاص الثمن. قال الشاعر:

أفي كل أسواق العراق أتاوة/وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم

وحول الاستغلال وتراكم الأموال، جاء في خزانة الأدب (كان أحيحة بن الجلاح كثير المال شحيحاً عليه يبيع بيع الربا في المدينة).

  عُرف بعض الصحابة باستخدام الربا كخالد بن الوليد وعثمان بن عفان وحين جاء الإسلام تركا الربا بطبيعة الحال، وكان الرهن يصل إلى رهن البشر مما يعبر عن كوابح تطور العلاقات البضائعية النقدية وانغمارها بعلاقات العبودية وقتذاك.

  وهناك ربا الأضعاف المذموم بشدة في القرآن ((لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة)) آل عمران 3، وهو أمرٌ يعبرُ عن هدف سياسي هو زعزعة سيطرة القبائل اليهودية على المدينة وعلى العرب وقد أخذ الفقهاءُ هذا الحكم كحكمٍ مطلق وليس نسبياً، ثم جاء فقهاءٌ حاولوا تجاوز هذه الإشكالية عبر ما ُسمي بفقه (الحيل). وهذا كله يبين استمرارية تنامي العلاقات البضائعية النقدية لدى العرب رغم الكوابح الطبيعية الهائلة والشظف والتحكم السياسي الجائر في عصور الدول الاستبدادية.

  لم تستطع العلاقات المالية والبضاعية كشكلٍ أولي من العلاقات الرأسمالية أن تحصل على مساحة أساسية في البناء الاجتماعي العربي الجاهلي، بسبب ضخامة العلاقات الأبوية التي تتمظهرُ في سيطرة شيوخ القبائل على أجسام القبائل في حركاتها الانتقالية المكانية وفي توجههاتها، عبر الحفاظ على البناء الاجتماعي التقليدي القائم على خضوع الفقراء للأغنياء والصغار للكبار والنساء للرجال والعبيد للسادة.

  وهذا كله يؤدي لعدم ظهور وتراكم الرأسمال.

  وتلك سيطرة اجتماعية موجودة في كل القبائل، لكن لم يكن لرؤساء القبائل مركز سياسي ما، فجاءتْ الدولةُ العربية الإسلامية لتضعَ الأسسَ لانتقال سيطرتهم الاجتماعية لتكون سيطرة سياسية بعد هزيمة دولة الجمهورية الشعبية زمن الخلفاء الراشدين.

  وتلك السيطرة الاجتماعية على كل قبيلة منفردة، توحدت بالنظام السياسي الأمبراطوري، الذي كرسَّ سيطرة زعماء القبائل، وأشركهم في المداخيل واستعان بهم في الجيوش والحروب الخ..

  وبهذا فإن العلاقات المالية البضاعية في زمن الجاهلية لم تحصل على بنية اجتماعية مُستوعِبة لها، بسبب ضخامة الصحارى وتشتت القبائل والمدن.

  فبقيت العلاقاتُ الرأسماليةُ الجنينية على ضفاف العلاقات الاجتماعية الأبوية وحين تكونت المدنُ الإسلامية الأولى خاصةً، كالبصرة والكوفة والفسطاط والقيروان وفاس فإنها كانت معسكراتٍ للجيوش، مما جعلها مراكزَ سياسية بدرجة أولى، ثم تحول بعضُها إلى مدنٍ تجارية كبيرة لأسباب خاصة بها كالبصرة التي غدت الميناء الكبير على ضفة الخليج.

أما السيطرة الاقتصادية الكبرى على الثروة والإنتاج فكانت من نصيب نفس تكوين الشيوخ القبليين في زمن الجزيرة الجاهلية، ولكن صارت سيطرتهم مركزةً في أسرة واحدة وفي شخص الخليفة، وغدت الأملاكُ الكبرى الزراعية هي الأساس الاقتصادي للدولة، ومن الخراج و مكوس التجارة تتشكل أغلبية الدخول.

  تغدو الملكية الزراعية الإقطاعية هي ملكية عقارية غير داخلة في التداول البضائعي بشكل عام، لأنها بعضها يُوهب أو يُباع، ولكونها هي مصدر أغلبية الثروة الأساسية فإن (المجتمع) يكون قد أعاق نمو العلاقات البضائعية بطريقة سياسية مخربة على المدى الطويل.

  إن الملكية العقارية الكبرى هي بضاعة في ذاتها لكنها مملوكة للإدارة السياسية فتتجمد وتعرقلُ تطورَ السلع ونموَ رأس المال، وهي كذلك وسيلة من وسائل إنتاج البضائع، عبر تحول مداخيلها عند الأسرة الحاكمة وأسر الكبار عموماً إلى وسيلة اكتناز وبذخ، فتغدو مصدراً لحراك اقتصادي يؤدي مع مرور السنين إلى الأفلاس، لأن المداخيل (أو الجزء الأكبر منها) لا تعود لبنية الإنتاج.

  إن الطبقات والفئات التي تستولي على النصيب الأكبر من الفائض الاقتصادي تدرجهُ في الاستهلاك الشخصي، فسواءٌ كان ذلك لدى الخلفاء وزوجاتهم وابنائهم أم لدى التجار الكبار والقواد وكبار رجال الدين الحكوميين، فإن الفائض لا يعود مرة أخرى لتطوير الإنتاج إلا بنسبة ضئيلة كترميم السدود.

  وسنجد بعض مظاهر تدهور رأس المال التجاري كالهجوم على أموال كبار التجار وقيام هؤلاء بإخفائها تحت الأرض، والسطو على أموال الخلفاء أنفسهم وسرقة مصاغ زوجاتهم، في حين إن الوضع الاقتصادي العام يشير إلى الخروج المستمر للذهب من الديار الإسلامية، وتدهور قيمة العملتين الذهبية والفضية، وتدني وتدهور الحاصلات الزراعية، وجمود الحرف بسبب عدم تغلغل الرأسمال المادي والعلمي بها، فتغدو الحرف عاجزة عن التحول للصناعة، بل تصيرُ مهناً تقليدية يسيطر عليها أسطوات ومعلمون يحولون طرق الإنتاج فيها إلى أسرار، ويحولون الشغيلة إلى تلاميذ. وهذا ما يكون مناسباً في مستوى الثقافة مع الثقافة الصوفية التي تغدو هنا طرق دراويش مخلوطة بسحر وخزعبلات.

هكذا فإن رأس المال يغدو على ضفاف المجتمع الإسلامي، سواء بتدميره على مستوى الطبقة الحاكمة بالبذخ، أو على مستوى الشغيلة بتحجر الإنتاج وتدهوره المستمر.

  ولكن بين التوسع الكبير للإنتاج الزراعي وضخه للموارد في المدن وبين انهياره ثمة قرون من التطور الاقتصادي الذي تظهر فيه إبداعات اجتماعية وثقافية كثيرة.

  ونستطيع أن نرى تبايناً في علاقات الإنتاج والتداول، فثمة علاقات عبودية جزئية وإقطاع سياسي متحكم بشكل عام، وعلاقات رأسمالية غير سائدة تتمركز في التجارة خاصة.

  وإذا حدث تناغمٌ بين الإقطاع السياسي والعلاقات الرأسمالية، بمعنى عدم قيام الإقطاع الحاكم بتضييع الثروة وساهم بفتح المجال لنمو التجارة والحرف، أي بتطوير مصادر الإنتاج، فإن العهدَ يشهد ازدهاراً، كما حدث في بعض فترات الحكم الأموي أيام معاوية وعبدالملك بن مروان، ثم في الدولة العباسية لدى المنصور وهارون الرشيد والمأمون، ولكن مع تفاقم نفقات الحكم والجيش فإن ذلك يؤدي لتدهور مصادر الإنتاج، وقيام فترة الاضطرابات و مجيء الحكام الضعاف وتدهور الثقافة الخ، كما نلحظ ذلك مع حكم المعتصم العسكري البذخي ثم تنامي التدهور في الخلفاء من بعده، وتؤدي الحروب دور المعجل للتفسخ والتجزؤ للأمبراطورية.

  وعلى الرغم من السيطرة العامة لنظام الإقطاع على النظام الاجتماعي الإسلامي إلا أن هذا النظام شهد نمواً كبيراً للرأسمال التجاري لا يصل بطبيعة الظروف السابق شرحها إلى تجاوز ذلك النظام.

وقد أوضحنا كيف إن هذه العلاقات التجارية والمالية ازدهرت بشكل واسع، وعرفت كل أشكال التبادل التجاري والمالي، بين المناطق العربية الإسلامية وبينها وبين العالم.

  وإذا كانت هذه العلاقات لم تصل إلى إزاحة البناء الاقطاعي، أي هيمنة الأسر على المال العام والإنتاج، فإنها نقلتْ جوانبَها المتقدمة إلى القارة التي سوف تتفتح فيها هذه العلاقات التجارية المالية على أوسع مدى وهي القارة الأوربية.

وبعكس الآراء الزاعمة بقيام العرب بخلق التخلف الأوربي فإن المعطيات التاريخية الموضوعية تشير إلى العكس أي قيامهم بخلق أسس النهضة على مستويي الاقتصاد والثقافة.

  وهكذا فإن درجات التطور الرأسمالي العالمي لها حلقات مشتركة من الأدنى إلى الأعلى وبالعكس، فبعد التدهور الاقتصادي الذي جرى في أوربا خلال القرنين السابع والثامن الميلاديين، ظهرت الدويلات الإقطاعية الصغيرة وصارت الكنيسة الكاثوليكية أكبر مالك للأرض الزراعية وتحكمت الجيوش والأنفاق الهائل عليها مما زاد من الضرائب التي أضعفت الإنتاج.

  ووقع الاحتكاك العربي الأوربي الاقتصادي الإيجابي في حوض البحر الأبيض المتوسط، ومن هنا نرى أن المناطق الداخلية والغربية الأوربية عرفت النهضة لاحقاً، وتركزت النهضة في المدن الإيطالية القريبة من الممالك العربية، ورغم إن الرأسمال التجاري الإيطالي تشابك بقوة مع الحملات الصليبية التي استثمرها إلا أنه تنامى أكثر بفضل نمو التجارة السلمية، فسك العملات النقدية الجديدة وأسس الشركات، وغيّر نظامَ الأرقام مدخلاً نظامَ الأرقام العربية وترجم ونقل الكثير من جوانب العلوم الطبيعية والرياضية والفلسفية العربية، وكل هذه الخميرة انتقلت إلى الدول الأوربية في الوسط ثم في الشمال والغرب، والأخيرة هي التي قامت بالثورة الصناعية والرأسمالية الشاملة بفضل ابتعادها عن مركز الإقطاع في روما وازدهارها بالتجارة والاكتشافات الجغرافية.

  بطبيعة الحال فإن قانونَ النمو داخليُّ دائماً لكن المؤثرات الخارجية الإيجابية تسرعُ من الصراعات الداخلية باتجاه التقدم، ولم يستطع الرأسمال الصناعي الظهور في غرب أوربا إلا بتراكمات هائلة أوربية وعالمية، حيث عملت التدفقات النقدية والمعلومات العلمية وحرية بعض المدن على هدم الجدار الكبير بين الحرف والصناعة، أي عبر خلق نظام المحركات في إنتاج السلع: (المانيفكتورة ثم المعامل). وهو أمرٌ عجز عنه العرب للأسباب السابقة الذكر. وبهذا التحول تم ظهور نظام الرأسمالية العالمية ومنشأه أوربا الغربية.

  إن وجود مناطق حرة لظهور الرأسمال الصناعي، حرة من حيث عدم تسلط الحكومات ورجال الدين المحافظين، قد تشكل في المناطق البعيدة عن المركزيات المتشددة، وعبر خلق سوق قومية الخ..

  ولكن مع تحول الرأسمالي الأوربي القاري – العالمي، فإن السيطرة على المواد الخام والأسواق الخارجية صارت معرقلةً لنمو الرأسماليات في الدول المتخلفة، فقام الغربُ بالتحكم في أسواق الدول العربية والإسلامية، مانعاً إياها من العملية التي ساهمتْ هي فيها وأسست تقدمه، أي أنها كونت مرحلة الرأسمال التجاري التأسيسية، فوضع الغربُ الأمبريالي اثناء سيطرته الأولى القيودَ الكثيرة على بقاء الدول العربية والمختلفة عامة في مرحلة الرأسمال التجاري دون المساح لها بالصعود إلى مرحلة الرأسمال الصناعي. فعاش الشكل الأعلى وهو الرأسمال الصناعي (الحر) أكثر من قرن على التحجيم والقيود.

  فحين جاء الاستعمار الغربي لم يعمل على تغيير البناء الإقطاعي الموروث بل حافظ عليه ووطده. بأن جعل الحكام يحصلون على قسم كبير من الثروة من خلال التحكم في أجهزة الدول، وهو الأمر الذي حافظ على البناء الإقطاعي القديم، بكل بنيته الاجتماعية، وكان الحكام هم الغربيون ثم سلموا الحكم للقوى المحلية التي جُيرت لخدمة البناء الاقتصادي التابع.

وهذه العملية الاقتصادية العالمية المتضادة، أي دفع العرب أوربا للتقدم ثم دفعُ الغربِ العربَ للتخلف، تعكس طبيعة النظامين العالميين الإقطاع والرأسمالية، في مرحلة النشأة الأولى العالمية للنظام الحديث، وهي تعكس مستوى قوى الإنتاج على الجانبين، فالنظام الأول العربي يقومُ اقتصادياً على الخراج والمكوس والغزو (وهو شكل من الاستيلاء المباشر على السلع)، في حين يقوم النظام الثاني الغربي على تصدير رأس المال والسيطرة على الأسواق. فكان من الطبيعي أن يحدث تصادمٌ كبيرٌ ومأزقُ بين التشكيلات الاقتصادية البشرية الكبرى.

  وهذه المرحلةُ من العلاقة بين الإقطاع الشرقي والرأسمالية الغربية هي مرحلة أولى لأن مراحل أخرى ستتشكل تبعاً لتبدل قوى الإنتاج الغربية وتطور الدول الشرقية كذلك، فتغدو التشكيلة الرأسمالية عالمية تزيل التشكيلات التي كانت قبلها بشكلٍ تدريجي.

  لقد ابقت الرأسماليةُ الغربية الدولَ العربية في البناء الإقطاعي و(تطوراته) ويظهر ذلك في الحفاظ على طبيعة الحكم السياسي الذي يغدو مالكاً لقسم كبير من الثروة عبر الجهاز الحكومي، وهو الجاب الذي يمثل استمرارية للدول السابقة الأموية والعباسية والطوائف، فهنا لم يحدث قطع بنيوي، ولم تجعل الدول الغربية السيطرة الدول العربية على نموذجها بل أبقتها في الماضي، في ذات التشكيلة الإقطاعية، فصارت التطورات المالية والتجارية القديمة والمحدثة تجري في البناء القديم لأسباب سياسية واقتصادية عميقة.

  يتحدد تاريخ البشرية في القرن العشرين بصراع الرأسماليات الغربية الكبرى القوية برأسماليات الشرق النامية الضعيفة، وقد قُيض لرأسماليات الشرق أن تبرز روسيا كقوة طليعية عالمية لها، وبطبيعة الحال وبسبب مستوى الوعي، أُعتبر ذلك صراعاً بين الرأسمالية والاشتراكية، وأعطى الشكلُ الذي ظهرتْ بهِ الرأسماليةَ في روسيا كشكلٍ رأسمالي حكومي التباساً في فهم العملية التاريخية، لكن كان ذلك إبرازاً لسببية أقوى هو دور الدولة في الشرق الحاسم في عمليات التحول الاقتصادية.

  لقد كان بروز الدولة في هذه العملية التاريخية إستعادةً لهذا الدور القديم الراسخ، ولكن جرى هذه المرة في سبيل إحداث قفزة اقتصادية كبرى، أدت إلى خلق القواعد الرأسمالية الحقيقية للاقتصاد عبر التركيز على الصناعة الثقيلة المحورية في حدوث الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، مع يترافقها من عمليات تحديث اجتماعي وثورة ثقافية ومساواة قانونية للنساء بالرجال، وبالتالي قربت هذه العملية التاريخية الكبرى روسيا من مصاف الدول الرأسمالية الكبرى في غضون نصف قرن، إذا تغاضينا عن الحروب التي شُنت على روسيا والمقاطعة الاقتصادية والعلمية، وكان لذلك ثمن باهظ لكن العملية أُنجزت، كما قامت روسيا كذلك بجعل تجربتها عالمية عبر الصين وفيتنام وأوربا الشرقية الخ..

  ثم انضمت دولٌ عربيةٌ إلى هذه التجربة بدون ذلك الحسم السياسي، وهو قوة الدولة في تغيير الهياكل الإقطاعية وإحداث القفزة الكبرى بسحب الفائض الاقتصادي من مسام المجتمع كله وتوجيهه نحو الصناعات الكبيرة والعلوم.

  وإذ استطاعت دول روسيا والصين وشرق أوربا من تحقيق معدلات تنمية غير مسبوقة بشرياً، فإن دول العالم الثالث الأخرى ظلت تراوح في مشكلاتها وتخلفها وتجرجر أذيال الماضي كامعاء لا تـُدفن، لكن ذلك لا يعني عدم حدوث أخطاء كبيرة في التنمية.

  فقد عملت التجربة على تملك كل أشكال الملكية الخاصة دون تفريق ونظرة بعيدة المدى، فصادرت الأملاك الإقطاعية الأسرية والدينية أولاً، ثم الملكيات الصناعية والتجارية ثم توجهت لأملاك الأرض المتوسطين ومن ثم الصغار، مما حول الدولة إلى المالك الوحيد، باعتبار أنها ستكون جسراً نحو الملكية الشيوعية المفترضة، أي أن هذه الملكية العامة ستلغي نفسها، وهو عكس التصور الشيوعي الأصلي الذي يقول بأن الملكيات العامة الناتجة من تطور تقني هائل، لن تحتاج إلى دولة لتشكلها بل أن الدولة نفسها ستذوب وتغدو إدارة الاقتصاد ذاتية من قبل المنتجين وإداراتهم، فيغدو التصور (الإشتراكي) الروسي مطابقاً لرأسمالية قومية، تقوم بتضخيم الدولة وتسريع العملية الاقتصادية، وهو ما قلنا بأنه يتماشى مع الجذور الاستبدادية الشرقية في عملقة الدول وتحكمها، وهذا ما أدى إلى قدرة هائلة على السيطرة على الفوائض الاقتصادية وتوجيهها إلى الصناعة الثقيلة، وعبر تقشف وزهد ثوري خاصة في البداية، وتوسيع المشاركة الشعبية والحزبية إلى اقصى حد في التنمية ومراقبتها، وبدون هذا التلاحم الشعبي والحزبي والقتالية الثورية التي تشكلت خلال هذا الوهم الإيديولوجي بتشكيل الاشتراكية وإذابة الفروق إلى الأبد بين الأغنياء والفقراء، وعدم العودة للاستغلال، ما كان للتضحيات الشعبية أن تتشكل.

  ولكن حدثت المعجزة بشكل آخر وهو انضمام الدول الشرقية الكبرى إلى النادي الرأسمالي الغربي، في حين أن الدول العربية التي ماشت هذا الوهم الإيديولوجي ماشته بكثير من التردد والخوف، فقد عارضت مصادرة الملكية الإقطاعية السياسية والدينية، رغم أنها هي الأخرى كانت تعبيراً عن دكتاتورية شعبية لكن هذه الدكتاتورية لم تلبس ملابس الدكتاتورية الطبقية المفترضة، فهي خائفة من دهسها من قبل هذه الدكتاتورية، وهكذا كان قادة المعسكر (الاشتراكي) قادمين من صفوف العمل السري الطويل ومن الحروب الأهلية ومن بين العمال والفلاحين، لكن قادة (الاشتراكية) العربية كانوا عسكريين بيروقراطيين، فعجزوا عن الحسم مع الملكيات الإقطاعية والإرث الإقطاعي الاجتماعي والديني، فوجهوا ضرباتهم الاقتصادية إلى البرجوازية الصناعية أولاً، في حين تركوا الوسطاء من مقاولين ومن صيارفة ومن ملكيات زراعية كبيرة، وتركوا القوى العمالية الفائضة دون حشدها في قوة العمل الاجتماعية، فاستمرت قوى الهامشيين كالعاطلين واللصوص والشحاذين والمومسات بشكل واسع، وعجزوا عن دمج أكبر قوة مهمشة في الإنتاج الاجتماعي وهي النساء، وكان من ثمار هذه السياسة (الإشتراكية) عدم بناء الصناعة الثقيلة فاستمرت نفس الهياكل الاقتصادية المتخلفة مع بعض التطور في الصناعة المتمثل في بناء بعض مصانع الحديد والصلب وغيرها من المنشآت كمنشآت الري، هي الحدود التي بلغتها مثل هذه التنمية التي رفضت تشكيل الصناعة الثقيلة، بدعوى عدم التضحية بالجيل الراهن، وما لبثت أن تنامت سوسة البيروقراطية والفساد في هذه الملكية العامة نفسها، فقلصت إيجابياتها أو جعلتها في خدمة قوى الطفيلية المتصاعدة.

  وفي حين أن الدول الشرقية (الاشتراكية) قد عانت فيها الصناعة الخفيفة المهلة، وأدت البيروقراطية إلى شلل تقني وإلى العجز عن ملاحقة الثورة المعلوماتية والعلمية، بعكس ما كانت تنادي به الاشتراكية في أدبياتها الأولى، لكن الصناعة الثقيلة قد شكلت، وتغلبت في أحيان عديدة على مستويات بعض الدول الرأسمالية الغربية. أما الدول الاشتراكية العربية فهي ضيعت الصناعتين فلم تجذر صناعة ثقيلة ولا خفيفة، وكان من جراء ذلك ما سُمي بــ(الانفتاح) وهو القضاء على الصناعتين معاً وترك الاستيراد يستولي على السوق الوطنية.

ودليل ذلك يظهر في السلعة، حيث لا توجد سلعة مصنعة عربية هامة، في حين إن الدول الشرقية (الاشتراكية) تمكنت من تصنيع سلع كبيرة رغم أن المواصفات ليس بجودة السلع الغربية تماماً، لكنها في الطريق لكسب معركة الجودة والنوعية.

وهذا يعني أن الطبقة الإدارية التي لبست عباءة الاشتراكية في الشرق إعادت تشكيل قوة العمل البشرية لتلائم الاقتصاد الحديث، وحافظت على خلق سوق وطنية كبيرة محمية، ووجهت الفوائض الاقتصادية نحو معركة التغيير الاقتصادي الحاسم، وغيرت البنية الاجتماعية الشعبية المحافظة التقليدية لتلائم سوق العمل العصري في حين لم تفلح ذات الشريحة في العالم العربي القيام بذلك.

  يقوم المضمون الإقطاعي العربي الموغلُ في القدم بدمغ أية ظاهرة واردة من الخارج، فيحيلها إلى هيكليتهِ ويمتصُ حداثتَها في تخلفه، ورأسامليتها في إقطاعيته.

  فامتيازاتُ النفط وواردته تقسم بين الشركة الغربية والعائلة الحاكمة أو قيادة الحزب أو قيادة الدولة، فبدلاً من أن تكون ملكية النفط إنتاجية خاصة أو تابعة لدولة ديمقراطية، تصبحُ ملكاً لأطراف سياسية متنفذة، تعكس مصالح الطبقة المسيطرة في البلد المعني.

 وفي حين يخصص قسمٌ صغيرٌ للخدمات ومصالح الدولة العامة تقوم ذات القوى المحلية المهيمنة وحلفائها في الإدارة بشفط قسمٍ آخر منه ذلك التقسيم الثنائي؛ غربٌ مستكشفٌ مستورد، وشرقٌ منتجٌ مالك، وهي تسمياتٌ على غير مسمى.

هكذا يقوم الإقطاع بتحويل ملكيةٍ رأسمالية حديثة إلى ملكية إقطاعية أساسية، في موارد الإنتاج الكبرى، ثم تجري كل العمليات الاقتصادية الفوقية بطريقة رأسمالية من تحديد للرأسمال الثابت أو المتغير وأسعار المواد الخام وبيعها، ولكن المضمون الأساسي، وتحديد أساسيات الدخل، تتم من خلال عوامل سياسية مسيطرة على العلاقات الاقتصادية، وهو أمر لا يختلف عما حدث في العصرين الأموي والعباسي.

  وهذا يندرج على الاصطفافات التجارية وطبيعة العائلات التجارية التي تتشكل من خلال قرارات سياسية عليا، عبر تشكل علاقات سياسية معينة بين الطبقة المسيطرة وهذه العائلات  التجارية، فيجري السماح لعائلات معينة أو منع عائلات معينة من التجارة أو من الدخول إلى البلد، أو إعطاء جنسيات معينة حق مزاولة مهن مهمة، كما حدث للعائلات الأوربية المهاجرة في بعض الأقطار العربية ومنحها أمتيازات لا تـُمنح لمهاجرين آخرين.

   وتقوم العائلة المالكة للأرض والعباد أو المكتب السياسي للحزب الحاكم أو هيئة الضباط المتنفذة، بتقريب أو إبعاد الموظفين الكبار وتحديد بناء الوزارات والإدارات تبعاً لمصالحها ونفوذها ومداخيلها.

بل حتى الموظفين الصغار يتأثرون بالسيطرة الإقطاعية على أجهزة الدولة، فهي ترتبُ الدوائرَ لخلق صراعات مذهبية أو دينية أو قومية وتكون خالية من الأفكار المناوئة لها، وتخفض الرواتب هنا من أجل ضبط السيطرة وخلق الفئات الدنيا المحتاجة.

  وإذا كان المضمون الإقطاعي هو المشكل لجوهر الملكية العامة فالطلاء الغربي الخارجي يكون متحداً بذلك المضمون، عبر المظاهر الحديثة والأشكال المحاسبية الغربية، لأن السلعة الخام لن تبقى في البلد المعني، بل سوف تكون من نصيب البلد الغربي، فليس مكان الإنتاج سوى مكان عابر، في حين يكون البلد الغربي الرأسمالي هو المكيف للسلعة من أجل حاجته ومشروعاته وتطوره. فيغدو البلد (المستورد) هو المنتج، ويصير المشتري هو المتحكم في عملية البيع.

  يغدو مكانُ إنتاج السلعة ضمن النظام الإقطاعي المحلي مستهدِفاً لغاياتٍ سياسية بارزة، أهمها استمرار تدفق المادة الخام الثمينة، كمادةٍ خام أو كمادة محوَّلة بعض التحويل، في حين تبقى العمليات التقنية والاقتصادية العميقة من اختصاص البلد المستورد، وهذه التحولات العميقة هي التي تبقي البلدُ المتطور مسيطراً ورأسمالياً في حين تبقى البلدُ المصدرُ إقطاعيةً تابعة.

   وإذا حدثت تطوراتٌ رأسمالية في البلد المصدر فإنها تبقى رأسمالية فوقية أو سطحية لا تصل إلى تصنيع المادة الخام إلى اقصى مدى.

  وليست المادة الخام ثمينةً إلا لظروف اقتصادية تاريخية تتعلق بأهميتها في بلد الاستيراد المُسيطر، وليس في البلد المُصدر، فمن اكتشفها أو زرعها وخلق شبكة إنتاجها المحلية وشبكة توزيعها الدولية هو البلدُ المستورد، لظروف اقتصادية مرحلية تتعلق بتطور قواه المنتجة، ودور السلعة المستوردة البارز في هذا الإنتاج، وحين تُشاع مثل هذه السلعة أو تحل محلها بدائل كالقطن الذي نافسه الحرير والنايلون والقماش العادي، فإن نظام الاستيراد المسيطر يتغير.

  ولا تقتصر قوى نظام المستورد المحلي على الطبقة الإقطاعية المالكة أو المشاركة في الملكية، بل على قوى تقدم مساندة مالية وخدماتية وعملية للمشروع، كالمقاولين الذين يستأجرون عمالاً أو يبيعون مواداً مفيدة للمشروع، أو كالتجار الذين يشترون جزءً من المادة الخام أو المكررة ويوظفونها في السوق المحلية أو يصدرونها للسوق القريبة، ولا بد لهؤلاء أن يكونوا مرضيين عنهم من قبل الطبقة المسيطرة، حيث يمثلون جزءً من الحزام الاجتماعي الحامي للمشروع.

  أما العمال فهم يجلبون بسبب قوة عملهم، التي يخضع تطورها لتطور قوى الإنتاج في المشروع.

  إن السيطرةَ الإقطاعية تصيرُ دائماً هي مضمون الظاهرات الاقتصادية، في حين يغدو الشكلُ رأسمالياً، وهذا التناقضُ هو مشكلُ البضاعةَ الأساسية، التي هي المادة الخام الكبرى التي يقوم عليها الاقتصاد كالفوسفات أو البترول أو القطن، ومن ثم يتغلغلُ في كل ظاهرات الإنتاج والحياة.

  فكما رأينا كيف غدت سلعة البترول وهي البضاعة الأساسية التي  ستحركُ نظامَ الإنتاج برمتهِ متناقضةً بين سيطرة الإدارة السياسية الاستعمارية – المحلية، ذات التوجه السياسي المفروض من أعلى، وبين طبيعة السلعة ذات المعايير الاقتصادية الحديثة المجلوبة من الغرب والمعبرة عن عالم (حر)، فنرى في (البضاعة) صراع التشكيلتين وتباينهما.

فهنا إقطاع وهناك رأسمالية، هنا قديمٌ مهيمن، وهناك حديثٌ براني خارجي، وكما يبدو ذلك في السلعة التي تشكلُها قوةُ العمل فإن قوةَ العمل ذاتها تعيشُ نفس التناقض.

  فقوة العمل المنضمة لأحدث نظام اقتصادي عالمي وقتذاك تكون مُخرجةً من حقولٍ خربة أو كاسدةٍ أو من مغاصاتٍ انتهى زمانها، أو من اقتصاد رعوي ضاق بأهله، أو من ريف متخلف تكنولوجياً واجتماعياً.

  ومن هنا فالعاملُ وهو يبيعُ قوةَ عملهِ يبيعُها في وقتِ كساد أو أزمة أو انهيار أو ضعف، ولهذا فإن المعروضَ من قوة العمل يكون كبيراً، فتتدنى الأجورُ إلى أدنى حالاتها، في سلعةٍ هي ثمينة جداً على المستوى العالمي.

  فالمجتمع المتخلف التابع لا يعرضُ سلعتيهِ: البترولَ والعمالَ، وهو في حالةِ حرية، بل في حالة تبعية، فيعرضهما بأسعار متدنية، سواءً على المستوى السياسي الذي يظهرُ في امتيازات النفط الممنوحة بشكلٍ أسطوري للشركات الأجنبية، أو في حالة أجور العمال التافهة.

  ومن هنا فهو يقدمُ قوةَ العمل وهي في مجتمع تقليدي، مصنوعةً من موادِ عيشهِ البسيطة كالأرز والخبز والأسماك أو العدس والفول، أي كل المواد التي تصنعُ جسمَ العامل بأسعار متدنية جداً.

  مثلما أن أماكنَ سكنهِ هي الأكواخُ والبيوتُ الكبيرة المزدحمة بالأطفال، ذات الإيجارات البسيطة، مثلما أن معرفته معدومة وعقله مشحون بالخرافات، وهو يجلبُ للاقتصاد الحديث ما تعلمهُ من عادات في أعمالٍ سابقة أو من فنون تعايشت واقتصاد مختلف، كما يجلبُ خاصةً أميتَهُ التي تكون بعيدةً جداً عن قراءة اتفاقيات النفط أو كيفية تشغيل الآلات.

وهكذا فإن العاملَ القادمَ لاقتصاد عصري يكون قادماً من اقتصاد إقطاعي ينهار، يعرضُ قوةَ عملِهِ كبضاعةٍ تشكلتْ في اقتصاد تقليدي، ومن هنا يتحدثُ هذا العامل شكلانياً، أي يصيرُ جزءً من عالم الحداثة وهو يحملُ داخلَهُ علاقات المجتمع الإقطاعي وثقافته، فيقوم بتغيير الثوب البحري أو الريفي أو البدوي، ويلبس البنطلون، الذي هو زي موحد سواء في مصر أم بريطانيا، مثلما يلبسُ القميصَ أو يضع النظارة، أو يتعلم بعض جوانب المهنة الحديثة.

وحين يرتقى أكثر يعرف بعض أسرار هذه الآلات الجديدة بعض الشيء، من تشغيل وملحقاته.

  إن التناقض في البضاعة له مستوياتٌ متعددة، ففي البضاعة ذاتها كجسد مادي خالص، وهي هنا تتبدى كشكل سائل، فإنها تبقى في أرضها الذي ظهرت منه بجسدها نفسه أو بعض مشتقاته، في حين أنها تحصل لها تطورات هائلة حين ما تنتقل للعالم الآخر. ففي الإقطاع تظل مادة تشغيل لبعض المحركات أو مادة ثقيلة للشوارع، أما في الغرب المستورد فإنها تظهر بكل تركيباتها وتتشكل عليها مجموعة كبيرة من الصناعات.

  وعلى مستوى آخر فإن هذه المادة حين تتحول إلى رأسمال في البلد المستخرجة منه تتحول إلى مداخيل في اقتصاد إقطاعي، أي تتجه أساساً لخدمة الطبقة الإقطاعية الحاكمة، وإداراتها وجيشها وبوليسها، والجزء الباقي يتوزع بين التجارة وقوة العمل.

  أي أن المداخيل في البلد المصدر تتوجه أغلبها لعمليات اجتماعية وسياسية لا تضيفُ تراكماً نقدياً على البضاعة، بل تصبُ في جهة الاستهلاك الجماعي، خاصة مداخيل الطبقة الحاكمة، في حين إن التجارة توظف بعضه لعمليات استيرادية معاكسة لعملية التصدير، والجزء الأخير الأقل شأناً يظهر كأجور.

  وفي حين تتضاءلُ رأسماليةُ البضاعة المنتجة في البلد المصدر، وتستحيل إلى علاقات إقطاعية اجتماعية وسياسية وثقافية، فإن كل ينابيع رأسمالية البضاعة تظهر حين تصل البلد المستورد، فتظهر مكونات كثيرة لها، كما تتصاعد قيمها بتحولها إلى مواد مصنعة، فتطور السوق الرأسمالية بقوة.

  ويتعاكس التصدير والاستيراد حول البضاعة المركزية، وهي مركزية فقط في حياة البلد المصدر، لكونها مادة خام أولية أو شبه مصنعة تكون أقرب للمواد الزراعية منها للصناعة. 

  سلعة (البترول) سلعة حديثة رغم عفاريت الكيروسين والقار القديمة التي كانت تتراءى لبدو الصحراء ورغم الجمال المنبوذة التي تـُطلى بها.

  فهي سلعة غربية اكتشفها وانتجها الغرب عبر شركاته، فضخم من وجودها ودورها كما يفعل تجاه البضائع العصرية المركزية، كالفوسفات والذهب والفضة وباقي المعادن.

  لم يعرف العالمُ القديمُ السلعة المركزية التي تهيمن على البناء الاقتصادي هيمنةً كبيرةً بهذا الشكل، فهو يعيشُ على سلة كبيرة من البضائع، صحيح إن سلعة الذهب كانت تدوخه إلا أنها تبقى أداة نقد واكتناز.

  إن تشكيلَ البضاعة المركزية في العالم الشرقي هو في حدِ ذاتهِ عمليةٌ جراحية خطيرة تـُعمل لمريض بالجوع ومصاب بكل الأمراض القديمة، لكنها عملية إعاقة أكثر منها عملية علاج، فهي فقط تشفي الطبيب الغربي من نهمه للذهب.     فالبضاعة الرئيسية المركزيةُ تقودُ إلى تورم الجسم، فالمجتمع النفطي يغدو نفطياً، والمجتمع الفوسفاتي يبقى فوسفاتياً، ومجتمع الحرير يبقى حريرياً، ويسيطر الشاي على الهند وسيلان، وتبقى العديد من أقطار أمريكا اللاتينية مصابة باستفحال الموز كبضاعة، وتحاول بريطانيا أن تجعل المجتمع الصيني أفيونياً فلا تقدر وتستطيع أن تجعل المجتمع الأفغاني حشاشاً.

  إن الاستعمار يركز على إنتاجِ سلعةٍ واحدة كبرى في البلد المعني، مثلما يقوم في المصنع بتخصيصِ أصبع واحدة للعامل من أجل العمل تاركاً كل جسده الباقي معطلاً، وكما أنه يجعل العامل معاقاً في مصنعه فإنه يجعل شعوباً كثيرة معاقة عن المشي التاريخي الطبيعي.

  وفي حين إن بضاعة الشاي الهندية تظهر كجزء طبيعي من الزراعة الهندية، مثل الموز في أمريكا الوسطى، لأنها تظهر في شبكة من البضائع القديمة المختلفة، الناتجة من كيان زراعي ومدني له تاريخ هام، إلا أن بضاعة البترول مختلفة فهي تظهر فجأة من باطن الأرض المجدبة وحولها قفار وصحارى واسعة، ومن هنا كان ظهورها وتفجرها يُربط بشكل سحري وأنه جزء من نشاط الجن.

  لقد ظهرت عبر استكشاف غربي، علمي، فهي بضاعةٌ لها علاقة بتطور المحركات والطاقة، وبالبحث الغربي عن مصادرٍ لطاقةِ المصانع والآلات الضامئة أبداً للنار، وجاء هذا النشاط الاستكشافي ككل حركة علمية مرتبطاً بالحاجة الضرورية لقوى الإنتاج، وفي هذا الوقت كان التفسخ يتوالى على الأمبراطورية العثمانية آخر أمبراطورية جمعت المسلمين، فكان تفكيك هذه الأمبراطورية يتناغم مع انفتاح شهية الدول الغربية للاستعمار، ومع ظمأ المصانع لطاقة رخيصة كبيرة، فاشتغلت اليدان السياسية والعلمية على تقديم البلدان شبه الصحراوية و الصحراوية كبضاعة سياسية كبيرة على مائدة جوع العواصم الغربية وآلاتها.

  وهكذا أختلفت بضاعة البترول عن بضاعة الشاي الهندي، فهي بضاعة مرمية في الصحراء البعيدة، لا تربطها وشائج بالمدن، وهناك شيوخ القبائل يمرون ويتغوطون دون أن يعبأوا بهذه الرمال الخالية.

فليس ثمة شبكة تربطها بمدن أو بزراعة، وليس ثمة أحد يملكها، فهي (معجزة).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالله خليفة: رأس المال الحكومي الشرقي ، منشورات ضفاف , بيروت 2016 .

صراع اليسار واليمين في الإسلام

في كل حركة اجتماعية تاريخية تتشكل أجنحة متباينة الرؤية، وكل منها يعتقد بأنه المعبر عن هذه الحركة والقريب من جوهرها ومن مبادئها الأصيلة. وخطورة التباين في الحركات الاجتماعية الدينية أنها تقود إلى تكون المذاهب المتمايزة، وتقسيم المؤمنين على أساس عقيدي، غير قابل للتغيير أو التقريب، لأن كل منها يتمسك بأساسياته التي تكونت عبر عصور طويلة، راكم فيها المؤسسون أشكال الاختلاف، رغم أن هذه هي مجرد بنية عبادية أكثر منها مضامين اجتماعية أو رؤى طبقية أو سياسية متميزة. وفي البدايات فقط ظهرت عمليات التمايز الواضح بين الاتجاهات، ولكنها ظهرت كاتجاهات اجتماعية بارزة، فقد ظهر حزبان واضحان في مجرى تكون الحركة الإسلامية التأسيسية وفي تكون الدولة الإسلامية. فقد تشكلت الحركة الإسلامية برفد واسع من الفقراء ورعاة الصحراء الذين انضموا بشكل كثيف إلى الحركة، وقد جاء الفقراء والعبيد إلى الإسلام في مكة، وكان جزء من ذلك موجهاً إلى ساداتهم الذين أرهقوهم بالاستغلال. كانت القواعد الأساسية للحركة الإسلامية قد تكونت من الفقراء وهذا لم يختلف عن الحركة الدينية المسيحية في باكورة نشأتها، فكلا الحركتين ثورتان مميزتان في تاريخ المشرق.

أما التجار الصغار والمتوسطون فقد جاءوا بشكل أقل، ولكن تم الإخاء بين هذين الرافدين الاجتماعيين، ليكونا عماد الدولة السياسي فيما بعد. كان توجه الإسلام للفقراء قد رافقة هجوم قرآني عنيف على كانزي الذهب، ومستغلي الحاجات الاقتصادية عبر الربا، أكثر الأشكال فظاظة للاستغلال الاقتصادي، وكذلك الغش في البيع، إضافة إلى نقد العادات الاجتماعية المرافقة لهذا الاستغلال كغرور السادة وتعاليهم، واضطهاد النساء وقتل الأطفال وعدم مساعدة الفقراء والعبيد، وجاء تعبير «فك رقبة» ليجعل ملاك العبيد يرتعشون خوفاً على مصالحهم، حيث تقوم أفريقيا بشحن المعذبين إليهم. وكان من شأن ذلك كلة نفورٌ من أصحاب النفوذ والجاه تجاه الدعوة الجديدة، التي كانت بشير ثورة سوف تطيح بعالم كامل من التخلف. ومع هذه المعارضة من أصحاب المصالح الكبرى، الذين أججوا السادة في القبائل الأخرى، حيث قالوا لهم بأن الإسلام يهدف إلى الإطاحة بتجارة مكة ومكانتها كعاصمة للعبادة الدينية وبالتالي التجارية، مما جعل الحركة الإسلامية محصورة في مكة وغير قادرة على فك الحصار حولها مدة ثلاث عشرة سنة.

كانت المرحلة المدنية هي تقويض هذا الحصار والتوجه إلى القبائل العربية، وتحول التحالف بين التجار النهضويين المكيين والفقراء، إلى تحالف متنام مع القبائل العربية الكثيفة، وقد أدى تشكيل الدولة إلى سياسة دقيقة واقعية، لا تنقض مكانة مكة التاريخية والاقتصادية والدينية، بل تعطي ذلك الشكل الوثني المتفرق، مضموناً إسلامياً توحيدياً.

كما أن توسع المدينة ونمو ثروات الصحابة أثبت للملأ أن الحركة الإسلامية لا تتوجه لمصادرة ثرواتهم، وإن كان الاكتناز والاستغلال
الربوي مرفوضين، كما أن بقية العلاقات الاقتصادية غير محرمة في الدين الجديد.

وهكذا أخذت مواقف «اليمين المتطرف» وهي المعبرة عن الغلاة من الملأ والذين هم على عداوة شخصية، أو الذين لهم طموحات فردية، بالانحصار والانعزال، في حين تدفق المعتدلون إلي الإسلام مما جعل الموقف السياسي والاجتماعي ينقلب ضد الملأ الدكتاتوري الرافض للإصلاح والتغيير. ولهذا وجدنا قمة الملأ المتمثلة بأبي سفيان بن حرب، وابنة معاوية، حين رأت تجارتها وأرباحها ومكانة مكة الاقتصادية المحورية لا تمس من قبل الدين الجديد، تهاوت معارضتها، وإن كانت رغبتها في السيادة وببقائها على قمة السلطة المكية، ظلت قوية وغدت مكبوتة، ولكنها واصلت المقاومة بأساليب جديدة. إن فتح مكة قد عبر عن انهيار منظومة سياسية واجتماعية، كما عبر من جهة أخرى عن تشكل منظومة سياسية واجتماعية جديدة، كانت لاتزال في طور المخاض التاريخي.

لقد استطاع التحالف الاجتماعي النهضوي أن يشكل السلطة الإسلامية ويعيد تشكيل ملامح الجزيرة العربية، عبر إزالة السلطات القبلية والمناطقية الكثيرة، وراحت السلطة تتركز في المدينة، وغدا لها جيش ينمو بشكل مستمر.

ويُلاحظ على هذا الجيش وهو أداة السلطة الرئيسية، بأن دور القبائل أخذ ينمو ويشكل العامل الأساسي لقوته الضاربة. وهو ينمو حسب مدى قدرة المركز السياسي في تطوير حياته المادية والمعيشية، وهذه لا تأتى إلا عبر الغزوات، حيث أن مسائل الرواتب والاجور، لم تُعرف بعد.

وفيما بعد حين الفتوحات ظهر ديوان العطاء، وقيدت أسماء الجند وظهر سجل بأعطياتهم.

ومن هنا فإن معارك الحركة الإسلامية التي شكلت قوة بشرية عسكرية متنامية قد استدعت قبائل الجزيرة الواسعة، فتشكل رفد بشري هائل على المدن المحدودة، وغاصت كوادر الحركة المثقفة بين جمهور عادي وأمي واسع.

وبهذا فإن ملامح دولة أخذ بالتشكل، وما لبثت الدولة في بضع سنين أن أصبحت دولة أكثر اتساعاً عبر ضم دول مجاورة غنية، فتدفقت الخيرات المادية على الدولة بفضل الجيش وانتصاراته، الأمر الذي جعله يتحول إلى الأداة الأولى الحاسمة للصراع السياسي والاجتماعي.

لكن الفقراء وأبناءهم لم يكونوا بقادة عسكريين، مثل قادة قريش وخاصة الكوادر التي امتلكت تجربة سياسية وعسكرية، الأمر الذي جعلهم يشكلون الضباط والقادة العسكريين المهيمنين على ساحات المعارك، فلمعت أسماؤهم.

وقد أدت إجراءات عمر بن الخطاب العسكرية السريعة إلى اعتماد هؤلاء القادة، وتحولهم إلى أمراء البلدان المفتوحة كيزيد بن أبي سفيان ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وغيرهم، فاستطاعوا أن يشكلوا لهم شعبية بين هؤلاء الجنود العاميين القبليين، وبهذا أخذت الصراعات الجاهلية الاجتماعية بين بطون قريش تتشكل بصورة جديدة إسلامية هذه المرة.

كذلك فإن الإجراءات السياسية لتولي شؤون الحكم ومنصب الخليفة كانت تتشكل بالصدف وبالصراعات العفوية بين المهاجرين والأنصار.

وبطبيعة الحال كان هناك خوف من تولي بني هاشم مقاليد السلطة السياسية إضافة لتوليها مقاليد السلطة الروحية، ولهذا اتفقت بطون قريش المختلفة أو تحالفت ضمنياً لإبعاد بني هاشم عن منصب الخلافة، خوفاً من ذلك التركز للسلطة.

لكن تركز السلطة كان يجري في الواقع عبر تشكل منصب الخليفة الوحيد، مع غياب المجلس التشريعي أو مندوبي القبائل والمناطق، وقد تشكل ذلك بصفة تشاورية عفوية، دون أن يتحول إلى مؤسسة، وكان الجميع يدرك بأن هناك برنامجاً للثورة، هو في التوزيع شبه المتساوي للغنائم الناتجة من الحروب، ومن هنا فلم يكن ثمة إنتاج سائد يحدد طابع هذه المساواة والتوزيع العادل للثروة، ولهذا حين صودرت الأرض الزراعية الكبرى المفتوحة بالقوة صارت ملكاً عاماً للدولة.

لكن هذا البرنامج للثورة لم يكن على هيئة سياسية مكتوبة، يسجل طبيعة السلطة والمجتمع الخ.. لكن هذا البرنامج غير المكتوب ظل معترفاً به لقرون عديدة.

فارتبط كل شيء في الواقع بمنصب الخليفة، مما جعل السلطة الفردية بكل مغرياتها وانحيازاتها للقبلية أو للأرستقراطية، هي البوابة الأساسية لأية تحولات جذرية قد تحدث.

وكان لا بد لهذه التحولات الجذرية أن تحدث بغض النظر عن الشخوص والعائلات والبطون، فهناك قانون موضوعي ينمو في جسد المجتمع العربي المنظم النامي، وهو قانون تفاوت الثروات بين الأشخاص والقبائل والمناطق، وهذا القانون الذي يحدد هذه الكتل المتصارعة اجتماعياً والذي سيتمظهر سياسياً، حين يلغي جهاز الدولة الوليد بثقله مع إحدى الفروع القبلية والقوى الاجتماعية.

وقد كان تجار قريش الكبار وحتى أثناء المعارك الحربية والتحولات التاريخية، ولدى الوثنيين القرشيين أم المسلمين، يواصلون عمليات البيع والشراء بلا توقف، فيكدسون الأرباح الوفيرة، والتي ازدادت تدفقاً بعد توحد الجزيرة العربية ثم انهالت انهيالاً بعد الفتوحات الواسعة.

كانت أغلبية فترات الخلفاء الراشدين تمثل عملية التوزيع العادل للفيء الناتج من الغزوات وحروب الفتح، لنظراً للرفد الشعبي الواسع للدولة في تشكلها وحروبها وانطلاقها خارج حدود الجزيرة العربية.

فلم يزل الأساس النبوي لتوزيع الفيء مستمراً، أي تحويل الغنائم إلى خمسة أخماس، لكن هذا الأساس تغير جزئياً مع ظهور الملكية العامة للأرض، ورفض عمر بن الخطاب توزيعها على الأساس السابق.

فلم يحصل المقاتلون وهم الجمهور الأساسي للدولة والمجتمع العربي الوليد، إلا على الفيء المباشر للحروب.

وحين تولى عثمان بن عفان وولى أقاربه على الأمصار وقربهم من بيت المال، أخذ هذا التوزيع العام للفيء يختل وازداد مع تملك أقربائه حكم الولايات الغنية.

لقد كان انقسام المجتمع بين كبار أصحاب الثروات والفقراء يسير بقوة، وحتى لو تولى شخصٌ آخر غير عثمان فإن التاريخ سوف يكرر سيناريوهاته وربما مع تغيير الشخوص والمواعيد. ولكن عثمان حدد الشريحة الاجتماعية التي كانت أكثر من غيرها نمواً ودهاءً في تولي المناصب، وقد رأينا كيف كان أكثر هؤلاء ممن عرفوا بدهاة العرب، وكوادرها العسكرية والسياسية.

وكان توجس عمر بن الخطاب من بني هاشم وخوفه من استئثارهم بكل السلطات، قد جعل بني أمية يتسربون إلى داخل قنوات السلطة. وكان عمر يعتقد بأن من الصعوبة نزع بني هاشم من السلطة إذا تولوها، ويسهل ذلك مع فروع قريش الأخرى. وفي هذا التصور جانب من الصحة، فحتى بني أمية تم القضاء عليهم بسهولة بعكس الحكم الديني الطويل لبني العباس.

ومع ذلك فان عدم وجود مؤسسات سياسية للعامة جعل منصب الخليفة المطلق هو المشكلة الاساسية في الصراع الاجتماعي.

فقانون تدفق الثروات على قسم صغير، وارتفاع مكانة اقليم واحد هو الحجاز، كان سيجعل القوى الأخرى والأقاليم في صراع مع هذا المركز الطالع بقوة.

وقد أوضحت أحداث «الفتنة الكبرى» كل هذه الإشكاليات من غياب للمؤسسة السياسية المشاركة مع الخليفة، إلى اختلال توزيع الثروات، إلى بدء تحكم الرجال في الحياة الاجتماعية وحرمان النساء من المشاركة السياسية على عكس الفترة السابقة الخ..

وهكذا راح الفاتحون المجاهدون يحصلون على الفتات، بينما تكدست الأموال والثروات في جيوب بني أمية والأشراف في الحجاز.

ونستطيع أن نقول هنا إن الأشراف بدأوا صياغة التاريخ الإسلامي حسب مصالحهم منذ هذه الفترة، ولكن عبر مصالح منقسمة وتضادات لم يفهموها حينئذٍ.

لقد انفجرت في أحداث الفتنة كل هذه التناقضات، وهي لم تكن بشكل ثورة سلمية أو على هيئة احتجاج حضاري، بل تحولت من حصار للخليفة الكهل إلى تحد لسلطته، ثم إلى هجوم عليه وقتله بطريقة بشعة.

وأدى هذا القتل المنفر والاحتقار حتى لجثة الخليفة السابق ورميها بطريقة غير إنسانية، إلى انفجار العواطف من القريبين منه، سواء كانوا أهله أم أصدقاءه، كما أن المقاتلين الثائرين القادمين من الأمصار، الذين حاصروا الخليفة طويلاً، لم يُعرف منهم المدسوسون المغرضون، أو النزيهون، فقد أخذتهم الحمية الحادة، والتشنج، فغدت العامة الهائجة تحكم العاصمة!

هذه العواطف الحادة فجرت الموقفين الاجتماعي والسياسي، اللذين كانت تتراكم فيهما الثروات عند أناس، والذين لم يعودوا بقابلين الرجوع إلى صرامة عمر بن الخطاب، خاصة من قبل فروع الأشراف المختلفة، ورجال الدين الذين منعهم عمر من تحويل علمهم بالإسلام إلى تجارة بالدين فانفلتوا إلى الأمصار يجمعون النقود، أو يقدمون المعرفة غير المغرضة، وكل أولئك الولاة الذين جعلوا الولاية خزانة للسلب والنهب، وكل هذه الشرائح عّدت عهد عثمان بن عفان عهد الانفتاح واللين.

ولهذا فإن كل هؤلاء ارتعبوا من المحاسبة القادمة من الخليفة الذي عينه هؤلاء العامة الثائرون وهو الذي حاولوا إبعاده عن السلطة فاستطاعوا إلى هذه اللحظة الثورية التي انفلتت فيها الأمور من ساستهم، وهو الآن على رأس الدولة، وهو الإمام علي بن أبي طالب.

وقد كانت المهام ثقيلة جداً على الخليفة الجديد، وهي تتمثل كلها في إعادة الأمور إلى ما كانت عليه من توزيع عادل للفيء وعودة الثروات المسروقة، وفصل الفاسدين من الولاة، وهي كلها تمثل انقلاباً سياسياً واجتماعياً، كان من الصعب القبول به من قبل الأطراف المتضررة منه أو من تطبيقه.

كان انفجار الموقف السياسي في عهد علي بن أبي طالب، يعكس صراعاً اجتماعياً حاداً بين الكتل الاجتماعية المتباينة وبين الأمصار، فالثائرون الذين عبروا عن بعض العامة عبروا كذلك عن كراهية مبطنة عميقة ضد قريش وضد الدولة، واختلطت الأحقاد الاجتماعية بالأحقاد القبلية والمناطقية، وكذلك بالضغائن الشخصية، وكل هذه لم تُعرف في حينها بل تكشفت عبر مسار الصراع.

وكان لا بد أن يترك هذا الموقف الانفعالي الحاد أثره في أشراف الحجاز الذين تخوفوا من انفلات الأمن، وبطش «الرعاع» ، وكون منصب الخليفة غدا مُهاناً من قبل معتدين لم يتم عقابهم.

كذلك فقد وضع هؤلاء الثائرون مفاتيح السلطة بيد الإمام علي الذي كان من المدافعين عن الخليفة السابق، ومن الرافضين للفوضى، والتصفية الدموية الشخصية. فتولى الإمام مقاليد الدولة في أسوأ الظروف، وكان من الممكن أن يتولى قضية قتل عثمان بطريقة عادلة لو كانت الأمور غير ما هي عليه الآن من فوضى ومن تمردات كثيرة وخطيرة على جسم الدولة الموحد..

ولكن المعارضين لحكمه، لم يكونوا يقبلون أن يتولى السلطة أساساً، فكل ما فعلوه خلال سنوات عثمان سيكون عرضة للمحاسبة الدقيقة، وسوف يُنتزعَّون من ولاياتهم وترجع أموالٌ وتصادر ثروات أخذوها بغير حق شرعي، ولم يكن الإمام مستعداً لأي نوع من المساومات السياسية والاجتماعية.

ويعني كل ذلك بأن سلطة جديدة تتشكل تريد تغيير الخريطة الاقتصادية والسياسية للسنوات السابقة، ولو لجأت للقوة في تنفيذ قراراتها.

ومن هنا ركز المعارضون للسلطة على مقتل الخليفة السابق، لكي يجعلوا حركتهم السياسية الهادفة للدفاع عن مصالحهم شرعية، وذات سند قانوني. فإذا كان قتلة الخليفة لم تطبق الحدود عليهم فأي دولة ستكون هذه ?!

ومع ذلك فلم يكونوا يقبلون مناقشة أية قضية أخرى قبل هذه! ولسان حالهم يقول أما أن تطبق الحدود على «جماعتك» وإلا هي الحرب!

ومن الملاحظ بأن أغلبية فروع قريش أحست بالخطر السياسي والاجتماعي، فها هي مكانة الأشراف تتزعزع، ومكانة الحجاز السياسية الكبيرة تتدنى، لينتقل الخليفة إلى جنوب العراق.

لكن عقاب قتله الخليفة عثمان كان متعذراً لأسباب قانونية وسياسية، فالقتلة كانوا ضمن جمهور غفير كله مشارك في عملية الحصار والمداهمة، ومعاقبة كل هذا الجمهور أمر غير ممكن.

لكن السبب السياسي كان وراء هذا الإغفال للبحث عن القتلة في تلك اللحظة. فلم يكن بإمكان الخليفة الجديد وهو يريد إدارة الدولة وإحقاق الحق الشرعي الذي يؤمن به، وليس معه جنود أو جيش غير هؤلاء العامة الثائرين أنفسهم، أن يقوم باعتقال هؤلاء الجنود أنفسهم. فكيف و بأي جهاز؟!

لقد كان مطلب أشراف قريش إذن هو تجريده من القوة العسكرية التي تلتف حوله، وليس أحقاق الحق إذن. أما قولهم بأن جيش معاوية أو غيره مستعد لمساعدة الخليفة الجديد على الاقتصاص من قتلة عثمان، فهو لإيقاع الفتنة بينه وبين أنصاره، ثم لتجريده من السلطة.

إذن لقد كانت الأنانية الاجتماعية والرغبة في الحفاظ على الامتيازات هي وراء التمردات المختلفة، وكذلك كان الطمع في السلطة كما فعل الزبير بن العوام وطلحة اللذان قادا تمرداً اولياً ضد الخليفة المنتخب، بعد أن عجزا بشكل شرعي عن الوصول إلى الحكم!

وهكذا كان هناك تطرف إلى اليمين وتطرف إلى اليسار، أي أن قوى استغلالية صعّدت الموقف السياسي المشحون، ودفعته للمواجهات العنيفة، أملاً في هدم السلطة الجديدة، وكذلك فإن الملتفين حول الإمام كانوا جماعات متعددة المشارب، يستهدف البعض منها مصالحه الشخصية والفئوية، والبعض منها يستهدف التمرد على عاصمة الدولة، ورفض إمامة قريش.

لقد عبرت أحداث «الفتنة الكبرى» إذن عن طيف من المواقف الاجتماعية والسياسية المتصارعة الذي يعبر عن مواقف عائلات الأشراف المتنفذة، وجماعات المناطق والأمصار المختلفة. وكل هؤلاء لبسوا لبوس الإسلام والدفاع عن الحق.

وهناك أناس اعتزلوا الصراع تماماً، رافضين الانضمام إلى أي جهة من الجهات المتصارعة بالكلام والسيوف.

ومن الواضح بأن قضايا الصراع الاجتماعي والسياسي لم تكن لها قنوات شرعية، وكان منصب الخليفة الوحيد مع غياب هيئات شورى منتخبة من القبائل والمناطق، من أهم الأسباب في وصول الصراع السياسي إلى الصراع العسكري الواسع.

فالمتخاصمون لم يجلسوا على مائدة واحدة ليتحاوروا، ولم تكن ثمة هيئات سياسية وقضائية، ولا حتى شرطة متخصصة في حماية المسئولين، ومع ذلك فإن هذا الصراع السريع الحاد العاطفي، قرر مصير المسلمين لمئات السنين الأخرى.

كانت هناك قوتان تدفعان بقوة للمواجهة: عامة متوترة تريد ثروات، وأشراف متوجسون خائفون مندفعون للمواجهة.

لكن جيش الدولة الذي مثل الشرعية وأغلبية الناس لم ينتصر مع ذلك، وليس الأمر يعود إلى خدعة التحكيم بل الأمور تعود لكثيرين من هؤلاء العامة الذين التحقوا بالجيش وبالفتوح، والذين تناوشتهم نزعتان متضادتان؛ نزعة الرغبة في الحصول على الأموال وتغيير المعيشة بأسرع الطرق، وهم من عامة الجيش والبدو الذين جعلوا التمرد وسيلة للحصول على أموال الفيء والأغنياء.

وهناك النزعة الأخرى نزعة التقشف والزهد، وهي التي برزت لدى الخوارج بشكل واضح فيما بعد، ولدى طائفة القراء، وهذه النزعة غريبة على المسلمين، ولكنها ظهرت لدى هؤلاء الفقراء ليزايدوا في مسألة الإيمان، ويبرروا تطلعهم للسلطة، لأنهم أتقياء وأنقياء.

ولم يتوجه الامام علي لتوزيع الأسلاب والغنائم، أو يحاول توجيه جيشه نحو المكاسب المادية، التي غالباً ما تكون لدى العامة هي الوسيلة الأساسية لانخراطهم في العمليات العسكرية، ولعدم تقاعسهم، كما حدث بشكل مستمر في جيشه، المكون من الكثير من هؤلاء، والذين لم تدفعهم المسائل المثالية المجردة للوقوف معه.

ولهذا فإن جيشه الذي كان منتصراً دوماً، نظراً لروحه المعنوية الكبيرة، ودفاعه عن الجانب المضيء من الصراع، راح يتحلل. ولم تكن القضايا الفكرية المثارة بين الإمام وبين هؤلاء المتسائلين والمتمردين، تعود فقط لقلة الانضباط والطاعة، بل كانت تخفي وراءها عدم توجه جيش الإمام علي للغنائم وغياب ذلك التوزيع
للهبات والمكاسب الذي كان شيئاً مشروعاً في معارك المسلمين ضد أعدائهم.

ولم يكن القائد الأخلاقي المثالي ليقبل بأن تكون قضيته ضد الأشرار والمنافقين موضع مساومة أو من أجل منافع عابرة.

ولهذا راح جيشه يتفكك، ثم وقعت فيه تمردات، وليس خافياً دور بعض عملاء الأمويين ووجود طابور خامس، وعملهم من توسيع شقة الخلاف وتحويل الحوارات المطولة إلى فتنة دموية.

كان جيش الدولة الثورية بلا انضباط وكان ما يوحده هو الفكرة، فإذا تفككت الفكرة انهار الجيش.

وكان قائد الأشراف معاوية ماهراً في تدبير المناورات السياسية، واستخدام المنافع المادية باتساع، وتكوين الخيوط السرية التآمرية، ومع هذا لم يستطع أن يهزم ذلك الجيش الشعبي الثائر الذي هزمه مراراً ولجأ إلى الخداع من أجل أن يتجنب هزمة نهائية.

صراع الطوائف أم صراع الطبقات؟

ليس للعصر الحديث الا منطق واحد في الحياة السياسية الاجتماعية هو منطق الصراع الطبقي.

وقد حاولت الأنظمة والتيارات التقليدية لزمن طويل أن ترفض مقولة الصراع الطبقي، وقد استخدمت كل أسلحتها العنيفة والدعائية من أجل الغاء هذه المقولة، التي هي حقيقة راسخة في علم الاجتماع والتاريخ الحديثين، وليس مقولة إيديولوجية كما تزعم المناهج الجامعية العربية المعادية للعلوم.
لقد حاولت الحكومات العربية ومن ورائها الإمبريالية الغربية ومن ثم الجماعات الطائفية أن تلغي جميعها فكرة الصراع الطبقي، وكل هذه الوحدة الفكرية بين هذه الأطياف المختلفة ترينا المدى الاجتماعي الواسع لضرب فكرة معينة، حيث تشعر هذه القوى كلها بأن هذه الفكرة تشكلُ لها هاجساً كبيراً لا تتحمل تداعياته الحضارية والأخلاقية!
هكذا ناور الاستعمار الثقافي في العالم العربي طويلاً من أجل نفي فكرة الصراع الطبقي، وهو أمر يشير إلى تخلي الاستعمار عن جذوره الثقافية الحضارية في الغرب، واعتماده على لصوصية الشركات والحكومات والموظفين الاستعماريين التي تقطع جميعها العلاقات بالإرث الديمقراطي والإنساني في الغرب، إرث جان جاك روسو وفولتير وماركس وهيجل وكتاب التاريخ الفرنسي الموضوعيين، وإنها مجردُ محصلةِ إتاواتٍ وجامعة خراج جديدة.
وهكذا فحين قامت هذه القوى الطفيلية بسرقة العالم المسَّتعمر رفضت استخدام قوانين الصراع السياسي والاجتماعي التي تجري في الغرب الذي جاءت منه، فظهر لديها نموذجان للإنسان؛ نموذج الإنسان المتقدم الذي يُعامل بقوانين الصراع الاجتماعي في أطر سياسية وبرلمانية وهو الإنسان المتحضر المثقف المتميز.
أما النموذج الثاني وهو نموذج العالم المستعمَر فهو النموذج المتخلف الحيواني الذي لا يجب ان تنطبق عليه قوانين الصراع الاجتماعي المتحضر!
ولكن الإنسان المتحضر نفسه دخل في أتون حروب عالمية ومناطقية كثيرة لسرقة المستعمرات وتقسيم أعداد الخدم والمواد الأولية ومن يسرق النفط ومن يسرق القمح ومن يسرق البشر، بحيث إن كتل اللحم المطحونة من هذه الحروب تكفي لدفن بحار
كاملة، مما أغرق لعقود الميراث الديمقراطي في الغرب نفسه!
لم تقنع كلُ هذه الكوارث صناع الفقر والاستغلال والمجازر في الغرب واليابان أن الإنسانية واحدة تنطبق عليها قوانين اجتماعية وسياسية متماثلة، حتى استمر الصراع الاجتماعي على نطاق عالمي في حقبة الحرب الباردة، والتي اخذت فيها كتلة الفقراء والعمال طابع المجابهة العسكرية مع كتلة الرأسماليين الكبار، وكانت كتلة العمال هي الأخرى تعتقد بانتهاء الصراع الطبقي، في حين كان الصراع مستمراً ومدمراً فيها نتيجة لعدم الاعتراف به!
وقد انتهى الصراع بين الكتلتين باعتراف الجميع في الكتلة الغربية والشرقية السوفيتية على السواء، بأهمية وجود الصراع الطبقي ولكن على ان يجري بشكل سلمي سواء على المستوى الوطني أو العالمي.
وبطبيعة الحال اتخذ الصراع الاجتماعي أشكالاً جديدة متدهورة مفككة لهذه الكيانات السياسية الدولتية القومية المركبة، نظراً لعدم الاعتراف الطويل به فى الكتلة الشرقية والتي زعمت أنها حلت إلى الأبد مشكلة الصراع الطبقي، سواء على المستوى الوطني أوعلى المستوى القومي، ونتيجة في الطرف الآخر، لاحتكار السلطة في الغرب للقوى المالية الكبرى!
والآن يجري الصراع الطبقي على النطاق الإقليمي أو العالمي بأشكال تضمن سيطرة القوى المتنفذة الكبيرة بحيث أن لا يؤدي مثل هذا الصراع إلى تغييرات كبيرة في الموازين السياسية العالمية، وأن لا يحل التناقضات الكبرى العنيفة للإنسانية، وان يجعل القوى القومية الكبيرة المتمثلة في الدول الصناعية السبع وروسيا والصين والهند والبرازيل مهيمنة على مناطقها ومستعمراتها ومناطق نفوذها بشكل لا يخل بالتوازن بين الرأسماليات القومية الكبرى!
قام الاستعمار الثقافي للعالم الإسلامي على إنكار مقولات الحداثة، ومن ضمنها مقولة الصراع الطبقي، مثلما شجع السقف الفكري للمرحلة الإقطاعية الطائفية التفكيكية المتخلفة الممتدة من انهيار الحضارة العربية حتى تقطيع أوصال الإمبراطورية العثمانية ونشوء حركة النهضة العربية الأولى.
ان تشجيع الاستعمار للمنظمات الثقافية/الاجتماعية، الأبوية والعشائرية والطائفية، هو من أجل أن يبقى مضمون الفكر العربي عاجزاً عن النقد والتحليل الاجتماعيين، ومرتبطاً بتكوينات ما قبل رأسمالية، بكل ما فيها من سحرية غيبية، ورغم حدوث تطورات اقتصادية وسياسية رأسمالية إلا أن هذه التطورات لم تتبور فكرياً تحديثياً على صعيد الوعي الشعبي خاصةً، في حين ان بعض الأفكار تسربت إلى النخب التي ظلت عاجزة عن توسيع أفق الحداثة الفكري داخل الجمهور.
كذلك فان المؤسسات السياسية التي أقامها الاستعمار أثناء وبعد رحيله اعتمدت على مظلة الأفكار الأبوية والطائفية، فقد عمل الاستعمار وورثته على الإبقاء على البنية التقليدية بكل هياكلها الأساسية، ولاستمرار الثقافة الخرافية السحرية، والطائفية والأمية والذكورية سائدة بين الشعوب.
وحتى حين نشأت الحركات القومية والدينية المختلفة، فإن هذه الحركات واصلت إعادة إنتاج ثقافة الطوائف والتخلف، حيث أضفت على (العرب) طابعاً سحرياً كأمة غير مقسمة طبقياً، ومتحدة في جوهر غيبي خارج تحليل التاريخ.
وهكذا تأسس القوميون والبعثيون والجماعات المذهبية المختلفة على أساس إنكار الصراع الطبقي داخل الأمة، وداخل الطوائف المختلفة، وداخل الأوطان، وداخل القبائل، وكان هذا الإنكار يعبر عن الطابع الدكتاتوري العميق داخل هذه الحركات، والذي تجسد عملياً في قمع عنيف ومتنوع لكل من يطرح تقسيم الأمة والطائفة والوطن والقبيلة والمذهب!
وترافق هذا القمع مع تأجيج مشاعر حادة ضد كل من يطرح الانقسام الاجتماعي، وحتى فى دراسة التاريخ اعتبرت الإشارات إلى انقسام الأمة العربية و(الامة) الإسلامية كارثة فكرية وخطراً يهدد سلامة الفكر العربي!
وأخذت تسميات تاريخية قديمة تسعتيد نفسها كتسمية (الشعوبية) وأُعتبر الباحثون الاجتماعيون المدققون والأحزاب اليسارية كشعوبيين جدد، وهراطقة وملحدين وشيوعيين خونة!
ولم تستطع هذه الأفكار أن تتصدى للمد الفكري التقدمي العالمي الجارف، وتحولات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإذا كان الوعي الطائفي لم ضعف بسبب هذا المد فذلك يعود إلى أن التغيرات التي جرت فى الخمسينيات كانت مداً وطنياً هادراً أسكت القوى الطائفية مؤقتاً بحكم هديره الانفعالي، وليس بقدرته على التحليل والنقد والتجاوز.
كذلك فإن التسييس التحديثي العلماني اقتصر على النخب المضحية، وبقيت الجماهير في أشكال سياسية هلامية وفي شعارات حماسية، وليس في تنظيمات وحقول إنتاج تعيد تشكيل مهن ووعي هذه القوى العاملة، فقد ظل الهيكل الاقتصادي العتيق مع بعض التطورات الحديثة الصغيرة التي لا تقوم بإعادة تشكيل البناء الاقتصادي عامة، ولا على التثوير التقني والعلمي لهذه القوى.
كذلك فإن تحديث القوى العلمانية والديمقراطية كان شكلياً نخبوياً فهو لم يقم على حرث الأرض الاجتماعية بالتحليل العميق، وبقراءة المذهبية السياسية كتدهور في حركة الإسلام الديمقراطية والثورية، وبعجز النظام الإقطاعي/الطائفي الذي شكلته القوى الحاكمة المتعددة، عن إنتاج الحداثة وفهم الإسلام معاً.
وهذا قد جعل الحركات العلمانية واليسارية العربية نفسها لا تخلو من جذور غائرة للطائفية، وهكذا تم فهم الصراع الطبقي في التاريخ الإسلامي بأنه صراع الأماميات المذهبية المتعددة ضد السنة، وإن الأماميات هي التي تحمل النضال الثوري للكادحين في حين كان السنة ممثلين للقوى الاستغلالية.
وهكذا حدث التباس عميق فى الوعي، مما عبرعن إسقاط صراعات معاصرة على فهم التاريخ، وعن قصور في أدوات التحليل، وعجز عن فهم أسلوب الإنتاج الماضوي/الراهن وتناقضاته العميقة.
ولكن كان لهذا القصور انعكاساته على تطور الصراع السياسي الحديث!
إن عجز اليسار العربي عن فهم مسار الصراع الطبقي في الماضي والحاضر، كان أكبر ثغرة فكرية في فهمه وفي قدرته على اتخاذ مواقف سياسية مؤثرة ومتنامية.
إن عدم القراءة الموضوعية العميقة للصراع الطبقي قد أدى إلى تداخله والصراع الطائفي، واتخاذ الأخير بديلا عن الأول، لقصور في الرؤية والفعل السياسي معاً.
لقد تمت قراءة الصراع الطبقي فى التاريخ الإسلامي بوصفه صراعاً بين الطوائف، فثمة طائفة ثورية وطائفة محافظة، وهذا التعميم حدث الالتباسُ فيه لكون الطوائف الكبيرة التي حازت على السلطة وثروات الفتوح وحكمت الأمم الأخرى، شكلت وعياً إيديولوجياً معبراً عن سيطرتها، في مجموعة من المذاهب التي عرفت مذاهب السنة الأربعة الرئيسية، والتي أخذت تتمظهُر فقهياً وفكرياً وسياسياً على مدى قرون فيما عرف باسم أهل السنة، ولكن هذا التمظهر شكلته الدولُ المسيطرةُ وأجهزتها، فهي تقوم بإزاحة العناصر المعارضة والنقدية فى فقه المذاهب الأربعة، وتشكلنها، أي تجعلها شكلية ومُسيسّة لسيطرتها، والأمر لم يجر فى المذاهب الفقهية فقط بل فى المذاهب الفلسفية والتيارات الاجتماعية، كتيار الاعتزال الذي قُمع وأُفرغ من نضاله الدمقراطي!
والامر لا ينطبق على مذاهب السنة بل أيضاً ينطبق علي المذاهب الإمامية المتعددة، بدءاً بالزيدية التي تحولت من حركة معارضة إلى جماعة إقطاعية عبر بني بويه وفي اليمن، وكانت منفتحة في المغرب، والإسماعيلية التي كانت حركة اغتيالات وتمرد فصارت عبر الحكم والهيمنة على الجمهور جماعة قصور ونحلة
سرية وهيمن عليها الإقطاع كذلك، وأصبح آغا خان زعيمها الروحي يوزن بالذهب في الزمن المعاصر! ولا تشذ الإثناعشرية من هذا التاريخ حيث كانت معارضة أسرية منذ البداية، أي تريد الحكم لآل البيت العلوي ثم انتقلت إلى هيمنة رجال الدين الكبار الذين تداخلوا مع السلطات في إيران وبعض المناطق، أما الجمهور الشعبي المستقل فعجز عن تشكيل صوته الخاص!
وهكذا فإن المعارضات المذهبية اكتسبت طابعاً تقليدياً غير قادر أن يصوغ وعي الحداثة والديمقراطية، بعد أن تشبعت بالهيمنة الطبقية العليا.
ومن هنا قامت هذه الهيمنة الطبقية المذهبية العليا، وفي مختلف المذاهب، بمعارضة كافة أشكال الوحدة بين المسلمين وهذه الوحدة تفترض مبدأ الصراع الطبقي بداهةً وضرورةً، حيث لا توجد وحدة قوية دون صراع!
ولم تعارض أي سياسة استعمارية أو وطنية إلا حين تتعرض لسيطرتها الخاصة، وحين تقوم بالتحديث الذي تعتبرهُ قضاءً على تلك السيطرة المطلقة على الطوائف. لكن الجتمع الإسلامي الحديث لا يمكن أن يتقدم إلا على ضوء الحداثة، وعلى تفكيك الطوائف وتحويلها إلى شعب موحد منصهر في بوتقة وطنية، وبوتقة الوطنية تفترض انقسامه الحديث إلى طبقات لا إلى طوائف، حيث تتصارع الطبقات على توزيع الثروة وتطوير البنية الاجتماعية المتخلفة، وصراع الطبقات إذا تم بشكل حضاري سلمي يقوي الأوطان أما الصراع الطائفي فهو يقوضها، ولا بديل عن أحدهما، فإما تطوير وأما هلاك!
إن الصراع الطبقي يتماشى مع آليات الحداثة، ولا يتعارض مع الانتماءات المذهبية والعقائد الدينية، ولكن الصراع الطبقي يفكك الهيمنة التقليدية للقبيلة والطائفة والأمة، فلا يصبح لزعماء الطوائف سيطرة على الجمهور، بل يتوجه الجمهور لمصالحه الطبقية في النقابات والأحزاب.
وإذا كان أعضاء الطائفة ينقسمون إلى عمال ورأسماليين وتجار ومزارعين، فمن المستحيل تشكل وحدة سياسية واقتصادية بينهم، بسبب تعارض المصالح، فهذا في نقابة عمالية وذاك في منظمة لأرباب العمل، ويقوم زعيم الطائفة بتشكيل وحدة خيالية للطائفة المنقسمة المتصارعة، والتي تجد أقسام وحدتها النضالية ليس في كتل من طائفتها بل في كتل من طوائف أخرى أقرب إلى شقائها أو أرباحها او مصاحها!
وهكذا يصبحُ الشكل الطائفي السياسي عائقاً امام تطور الوعي الطبقي للقوى الشعبية المختلفة، والتي هي بحاجة إلى مثل هذا الوعي لوحدتها ودفاعها عن مصاحها وتصعيد رموز سياسية إلى النقابات والبرلمان يعبرون عن هذا الوعي ويجسدون تلك المصالح!
ويحتاج الفقراء والعمال أكثر من غيرهم إلى مثل ذلك لأن القوى الأخرى تجد السبيل لتحقيق مصاحها عبر ثروتها وصوتها المسموع.
وكما قلنا فإن قوى اليسار التي وهنت قواها في بعض المناطق العربية فقدت القدرة على تصعيد مثل هذا الوعي الطبقي، نظراً لانقطاعها عن الجمهور لشتى الأسباب، وحيث وجدت ان الطوائف ذات الظروف الصعبة تطرح مسائل العدالة الاجتماعية فقد اعتقدت بأن هذا هو الوعي الطبقي ولكنه تشكل عبر الشعار الطائفي!
هنا يتضافر الوعي الانتهازي والفرصة السياسية، فمع انقطاع أدوات التحليل الموضوعية، يقوم بعض ممثلي الفئات الوسطى الذين وهنت قواهم الفكرية والسياسية المدافعة عن العاملين، باقتناص الفرصة واستغلال الحركات الطائفية من أجل مصاحهم الشخصبة وليس من أجل مصالح الحركتين السياسية والاجتماعية.
وهنا تأتي مفاهيم السنة والشيعة والمسيحيين وتحويلها إلى مفاهيم كاريكاتيرية، (حيث يوجد الفقراء المسلمون تكون القضية والكفاح والتضحية، وحيث يوجد الأغنياء المسيحيون أو السنة توجد الكوارث!).
هكذا تم التعامل مع القضايا المعقدة للتركيبة الطبقية والثقافية اللبنانية مثلاً !
ولكنها لا تقتصر على الانتهازية السياسية بل تجمعها مع الانتهازية الفكرية فتقوم بالتنظير لمثل هذا السقوط، لأنها هنا تخدع فقراء وعمال الطوائف المختلفة، وتسلم قيادتهم لقوى استغلالية متخلفة، وتجعل العاملين يتذابحون، فيتم منع تطور وعي العمال الطبقي المستقل ويتحولون إلى أدوات في يد قوى توظفهم من أجل مصاحها وارتفاعها السياسي الخاص.
وهكذا راينا بعض الحركات القومية والدينية واليسارية تصعد رموزاً وقيادات سياسية شمولية طائفية تقوم بذبحها واستغلال الثروات وتخريب التطور عامة.
علينا أن نقول: إن الطوائف يعاد تشكيلها مع النظام الاقتصادي الحديث، فهي تصطف فى طبقات مختلفة، ولكن ذلك يتعلق مدى تطور النظام الرأسمالي في البلد المعني، أي مدى تحوله من نظام إقطاعي مذهبي تشكل على مدى القرون السابقة، إلى نظام غير طائفي وحديث، أي ألا تكون لافتة الطبقة المسيطرة على النظام السياسي لافتة مذهب ديني معين، بل أن تكون خارج المذاهب، وأن تتشكل بفكر الحداثة، أي لا تنتمي لطائفة معينة، بل تنتمي لكل الطوائف، لأنها تعبر عن طبقة ولا تعبر عن طائفة أو عن عائلة أو قبيلة أو عن وطن أو عن أمة!
هكذا ينزاح الفكر القبلي والطائفي والوطني والقومي بمعنى أن الطبقة الحاكمة لا تزعم أنها معبرة عن الشعب كله أو الأمة كلها أوعن الطائفة كلها، فهذه تعميمات خادعة، وغير ممكنة سياسياً واجتماعياً، فهي تعبر عن شريحة من طبقة أو عن طبقة كلها أو عن مجموعة من الطبقات، بحسب تحديدها لأهدافها السياسية والاقتصادية الانتخابية وتصويت الجمهور لها، الذي من الممكن أن ينحسر في انتخابات أخرى، وتجد أن تعبيرها الطبقي تقلص أو زال!
ومن هنا تبدأ القوى السياسية بإدراك تمثلها الاجتماعي الطبقي الحقيقي، وليس الموهوم الذي افترضته مسبقاً، بحسب وعيها الذات بأيديولوجيتها غير الموضوعية وغير الدقيقة!
إن للتعبير الطبقي هو تمُثل انتخابي، لأنه لا يوجد حزب يستطيع أن يعبرعن طبقة بشكل كلي، وأبدي، بل قدرته تتمثل في دمج أهدافها الاقتصادية والاجتماعية فى برنامجه، ولهذا فإن الجماعات الطائفية ليس لديها برنامج طبقي، فلا تستطيع أن تعبر عن طبقة، ولهذا تعيش الجماعات الطائفية في مخاض سياسي لا تعرف كيف تخرج منه، وفي بلبلة فكرية واجتماعية، وهي لا تستطيع ذلك سوى عبر الخروج من تشكيلتها الطائفية، أي عبر اتحادها الفكري مع جماعات من خارج طائفتها والخروج من تسييس المذهب.
ومن هنا يغدو تفكيك الإقطاع الديني والإقطاع السياسي، وتكوين الطبقات والوعي الطبقي الحديث عمليات متداخلة، لأن الوعي الطائفي يعجز بشكل مستمر عن تمثل تطور العملية الاجتماعية الديمقراطية، كما أن آليات السيطرة الحكومية الشاملة تفتقد مبرراتها وتتشكل حالات استقطاب بين المجموعات المتحدة المصالح.
ومن هنا ضرورة أن تلعب العناصر الديمقراطية داخل الطوائف حراكاً سياسياً لتكوين حركات سياسياً مؤثرة تنسلخ من التكوينات الطائفية/السياسية، نحو التكوينات السياسية الوطنية.
ومن هنا ضرورة ألا يرتبط ممثلو القوى الدينية أنفسهم بجماعة طائفية معينة وأن يطرحوا الخيارات السياسية المتعددة أمام المنتمين إلى الطائفة الواحدة حسب مواقعهم الاجتماعية وخياراتهم الفكرية، كذلك أن تتحول الدولة من آلة فكرية دينية إلى دولة خدمات متداولة بين القوى السياسية الفائزة في العملية الانتخابية، لا شأن لها بتمثيل مذهب معين.
عبر هذا يمكن الحديث عن تجاوز مسأة الطائفة الحاكمة والطائفة المحكومة، وهذا سوف يطرح قضايا عديدة متعلقة بالتعليم والثقافة وتطور الفقه المشترك وبقاء خصوصيات الطوائف العبادية.
وفي هذه العملية المخاضية الديمقراطية ستواجه التجارب بطبيعة الحال المتطرفين والمتعصبين من كل الطوائف الذين سيرفضون التزحزح عن الأشكال الطائفية السياسية، باعتبارها الممثلة للطائفة، وسيكون هؤلاء متعاونين مع القوى القومية
والحكومية الرافضة وفي تباين في جسم الأمة والشعب والطائفة!
وهذا يعبر عن احتكار سلطوي داخل الطوائف والدول، وزعامات تقيم سيطرتها على سلطة اصبحت متجاوزة من قبل التطور السياسي.
وهذا الاحتكار السلطوي الاقتصادي هو العقبة الأساسية أمام الديمقراطية الحقيقية، وأمام أن تكون الدولة والمجتمع في صراع اجتماعي وليس في صراع طائفي.
ومن هنا تترافق الإصلاحات السياسية مع الإصلاحات الاقتصادية : تفكيك القطاع العام من سيطرة الدولة، ومراقبة ثروة البلد من قبل المجالس والقوى السياسية، وتطوير أوضاع الفقراء والنساء من التخلف والأمية والفقر .. الخ.

 

أسئلة الصمت والقهر في الاستفاقة على أوجاع التاريخ ! 

العقل والديمقراطية في وعي جورج طرابيشي

العقل والديمقراطية في وعي جورج طرابيشي

 (1939- 2016)

في رفضه لأطروحات عابد الجابري، يتفق جورج طرابيشي مع محمد عابد الجابري في القبول بمصطلح العقل، هذا التعبير العام المجرد، وهو لا ينقض الجابري في استخدام هذه المفردة بل لأن الجابري يقصر(العقل) على اليونانيين في حضارتهم.

 ولهذا يقول في ملاحظة جانبية عن المسالة العقلية:

 «فإننا سنلاحظ، ودوماً من منظور اعتقادنا بوحدة البنية العقلية عند البشر كما بوحدة العقل الحضاري في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط..)، راجع كتابه نقد نقد العقل».

 وهو يؤكد طابع هذا العقل المجرد في مواقع أخرى، كقوله عن عصر التدوين في العصر العباسي:

 «بهذا نرى فاعلية منقطعة النظير قام بها العقل العربي الإسلامي فى طور تكوين نفسه بنفسه». ويضيف «عرفت الثقافة العربية فالقرون الرابع والخامس والسادس، أي بما فيه ‹لحظة الغزالي› حتى إلى ما بعدها، عصراً ذهبياً ترسخت فيه جذور العقل العربي الإسلامي المكوَّن وامتدت رقعته دون أن يتوقف قرينه العقل المكوِّن عن ممارسة فاعليته»، نقد نقد العقل العربي، ص٢٢.

 يتحول العقل هنا إلى تكوين له عناصر خالدة، وهذه العناصر موزعة بأشكال مختلفة بين العقول اليونانية أو الشرقية، فكل عقل به عنصر الخرافة والعلم، وليس ثمة عقل يخلو من هذين العنصرين، فاليونانيون لديهم كمية كبيرة من الخرافات، مثلما أن الشرقيين لديهم نصيب من العلم، ولكن الجانب الشرقي من حوض البحر الأبيض المتوسط عرف العقل المشترك، بمعنى انه امتلك نصيباً متقارباً من الخرافة والعلم.

 يشكل طرابيشي مفردة العقل بشكل تاريخي أفضل قليلاً من الجابري، لأنه ينزل إلى الظروف التاريخية ولكنه يأخذها كحيثيات مادية وثقافية صغيرة، ينقض بها لا تاريخية الجابري، ولكنه عبر هذه الخلفيات التاريخية الموسوعية، لا يمنهج وضع هذا العقل، أي هذا المصطلح التجريدي.

 في مناقشته مثلاً للسحر والعلم والعلاقة يبنهما يصور علاقتهما كمية وليس نوعية، فالسحر ليس جزءاً محايداً في العلاقة المشتركة بالعلم، بل في علاقة صراع، إنه يغدو شكلاً معرقلاً أكثر وأكثر لنمو مضمون معرفى موضوعي بالأشياء، مثلما يحدث هذا مع الدين الذي يغدو شكلاً معرلاً لنمو تلك المعرفة، وهما يصبحان إطااً ميتافيزيقياً بشكل متواصل، فى حين تغتني معرفة الحياة بشكل موضوعي.

 فالقدرات عن الإمكانيات الخارقة للساحر واستدعائه لقوى الطبيعة من أجل الصيد تتراجع لصالح معرفة طرق الصيد وطرق عيش الحيوان وطرق تكاثرها، وهذه العملية تنبثق منها سلسلة من العلوم. وتظل قدرات الساحر موجودة بقوة إذا لم تحدث تطورات موضوعية لعالم الصيادين الخ..

 وإذا كان فى أشد لحظات السحر تطرفاً يوجد مضمون واقعي ضئيل فإن هذا المضمون لا يمكن أن يتطور إذا لم يصارع المضمون السحري الانفصالي عن معرفة الوجود، وإذا تطور المضمون الواقعي فإن الشكل السحري يتضاءل.

 ولهذا فإن الأديان البدائية كانت متخلفة عن الأديان السماوية، لأن الأخيرة تراجعت عن التحكم الكلي فى مواد المعرفة وفى نموها، أي تركت للوعى معرفة الظاهرات الطبيعية والاجتماعية وأسرارها، وإن كانت قد جعلت الوجود مصنوعاً لقوى غيبية. لكن هذه القوى الغيبية لم تعد متكاثرة ومتداخلة بشكل واسع كآلهة الإغريق، فأخذت تنسحب تدريجياً من الوجود المرئي والطبيعي والاجتماعي، لكن ظلت مراسلاتها وقيادتها لهذا الوجود سعتمرة.

 إن سيطرتها تكمن في النظام العام للمجتمع: شرائعه والعلاقات الأساسية فيه، وعلاقته بالعالم الغيبي. فهي تتحكم في التشكيل العام للمجتمع، بمعنى خلق سلطة دينية ممثلة للغيب، تنظم البناء السياسي والروحي للمجتمع. وهذا البناء يمتد من حياة الفرد العادية حتى بعد الموت، وكيفية العلاقات بين الجماعات، وبين المجتمع الممثل للمنظومة الدينية والمجتمعات الأخرى الخ..

 إن التغير بين الأديان البدائية والسماوية ليس جذرياً في الواقع، بل هو في اتساع الجتمع الموحد، ونمو الحاجة إلى تشكيل مجتمعات واسعة وإمبراطوريات. أي أن المسالة تعود إلى تطور أوضاع الجماعات وتبدل أنظمتها وأفكارها، وبالتالي حاجتها الماسة إلى المعرفة الموضوعية عن المواد والطبيعة والجسم الإنساني والأخلاق الخ… وهذا ما يؤدي إلى تضاؤل دور القوى الماورائية الشامل، وهي أمور تعبر عنها العلاقات بين السحروالدين والعلم. وهذا التضاؤل يبقى جزئياً ويترك للمناطق الروحية والنفسية وتاريخ الماضي الكلي، والمستقبل، لذات القوى الغيبية، فالعلم ينمو فى إطار أيديولوجي مسبق، في المناطق التي يُسمح له بالتطور فيها، أو تسمح له المواد المعرفية المتوافرة. وإذا حاول اختراق هذه المناطق المحظورة فلا بد له من الحرية والإمكانية المعيشية والمهنية للوجود والاستمرارية. وهذا ما أتاحه مناخ المدن الإيونية الصناعية، الذي تطلب تطور المعرفة بالأشياء والطبيعة ووفر الحرية للصناع والعلماء، وايضاً إمكانية العيش، بدلاً من انه في الوقت الذي تتطور فيه المجتمعات تقوم فيه بإعادة النظر في موروثها حسب تطورها الموضوعي، إنتاجها، جغرافيتها، علاقاتها بالأمم المجاورة الخ…

ولهذا فحين يقرر طرابيشي أن ثمة وحدة عقلية بين الناس في القسم الشرقي من البحر الابيض المتوسط، وأن هناك استمرارية فكرية بين الحضارات المصرية والرافدية واليونانية، لا يضع هذه الاستمرارية داخل سيرورتها الموضوعية، بل يقوم بتجريدها، فالحضارات المشرقية كانت أنظمة عبودية معممة، أو دولاً اسعتبدادية شاملة، في حين كانت اليونان تشكل تجربة مدن متميزة تتراوح ما بين الحرية والاستبداد، ولهذا فان عناصر السحر والدين كان يُعاد إنتاجها بشكل مستمر في الدول المشرقية، ويتم إلحاق العلم بخدمة القصور ومعابد الكهنة، في حين أن مناخ المدن الحرة والحرفية والصناعية اليونانية كان يتيح المجال لتفكك السحر والدين ونمو العلم، بالتالي فإن تراكم المعلومات العلمية في الشرق كان يفيد اليونانيين بلا شك ولكن في بُنى اجتماعية مختلفة.

 فالقضية ليست وجود عناصرالسحر والدين والعلم لدى الشرقيين واليونانيين بنسب متفاوتة متقاربة، ولا أن عقائد السحر كانت منتشرة عند العامة بشكل واسع في كل هذه الدول، بل في صعود العلم بشكل نوعي في اليونان، وفي إغنائه للفلسفة، وفي كسره لهيمنة رجال السلطة والدين على انتاج الوعي، هذه الهيمنة التي ظلت مستمرة في مصروالشام والعراق، في حين أنها كُسرت فى تطور المدن اليونانية، أي في شروط اجتماعية مختلفة، وليس لعناصر فى العرق. فالمسالة ليست وحدة عقلية بين هذه الحضارات، بل في تمايز شروط انتاج الوعي في هذه الحضارات، فالمسالة ليست عناصر فكرية جزئية متناثرة هنا وهناك، بل في كيفية نمو الكل الاجتماعي ومستوياته الاقتصادية والاجتماعية والفكرية.

 ولهذا فحين نقرأ وضع اليونانيين القدماء تجاه ذلك الثالوث السابق الذكر «السحر والدين والعلم»، علينا أن نقرأه على ضوء هذا التركيب المتداخل والمتصارع، في بنية اجتماعية مختلفة عن دول المشرق ومعقدة كذلك بين مختلف المدن اليونانية نفسها التي لم تصهرها تجربة واحدة.

 فما يشير إليه طرابيشي حول تصاعد الدجل والسحر في أثينا في نهاية الحرب البولونيزية هو أمر صحيح، لأن عناصر البنية ومستوياتها ليست ثابتة، فالوعي الموضوعي مرتبط لدى السكان بمستوى السيطرة على الطبيعة وتنامي الصناعة والتجارة، ولا يأتي من الفراغ، وحين تتعرض هذه العناصر للتدهور فمن المؤكد أن العناصر الغيبية والخرافية الموجودة فى الوعي العام ستعاود النهوض والانتشار بقوة أكبر.

 وطرابيشي يفسر تقدم الوعي الموضوعي، ويسميه العقل، بسبب تلك المواد الفنية وهي الطباعة والورق، فيقول: أن سر النهضة فى شرق المتوسط يعود إلى أسباب من أهمها:

 «وإلى ثورة الابجدية ينبغي أن نضيف ثورة (تصنيع) ورق البردى كحامل للمادة المكتوبة»، نقد نقد العقل ص ٧٣.

 ولأن الفينيقيين هم الذين قاموا بهذين الإنجازين الحضاريين فقد سبقوا اليونانيين إلى إنتاج الفلسفة.

أو يعيد العملية أحياناً إلى البحر: «وإنما الطبيعة البحرية لحضارة الشعبين هي التي حتمت لقاءهما» نفسه ص ٨٨.

 وهذه العناصر صحيحة، ولكنها كانت موجودة لدى الصينيين والمصريين، فالعناصرالمادية الجزئية هذه وجدت في المدن الإيونية جنباً إلى جنب مع التجارة الحرة، وظهور طبقة متوسطة مستقلة، وهذه الشروط الموضوعية المتمايزة عن الطبقة الوسطى المصرية التابعة للفرعون، حيث إن أدوات قمعه كافية لا لأن تخفف العقلانية بل لأن تزيل الرؤوس نفسها.

 ولهذا كانت المدن المصرية والعراقية مدناً سياسية يقيمها القصر أو الكهنة، ولا تظهر من شروط التجارة الحرة، وهذا هو الأمر نفسه الذي جعل مكة تؤسس النهضة العربية.

 كذلك فان العناصر العلمية التي يقول طرابيشي: إنها موجودة بتماثل لدى هذه الحضارات، أمر صحيح في جانب وخاطئ في جانب آخر، فالأمرلا يعود لوجود العناصر بل لفاعليتها، بمعنى ماذا يمكن أن تقوم به في بنية عبودية مُعممة كمصر وبنية عبودية خاصة في اليونان? أي في بنية عبودية تهيمن عليها الدولة هيمنة مطلقة، وبنية عبودية لا تهيمن عليها الدولة، وتتشكل فى مدن تجارية وصناعية? ومن هنا فالعناصر العلمية تنمو بشكل مختلف في. كل النظامين، حيث تتبع في النظام الأول حاجات القصر والمعابد الدينية، في حين تتبع في النظام الثاني حاجات الصناعة والتجارة، وبالتأكيد هناك جوانب مشتركة كصحة الإنسان.

 وبالتالي فإن أقسام العلم وتطوراته تكون مختلفة في كلا النظامين، ففي حين تتطور علوم التحنيط والتنجيم في مصر فإن علوم الرياضيات والفلسفة تتطور فى اليونان، فالأمر يعود هنا لقوانين البنية الاجتماعية، وليس للألوان والأعراق.

 إن الأحكام العامة المثالية التي يطلقها جورج طرابيشي كصنوه الذي يعارضه محمد عابد الجابري، كلها أحكام مثالية تجريدية فلسفياً، تبدو تضاداتها حين تُقارن وتحلل عبر التاريخ.

 فهو يقول في إحدى أفكاره:

 فالإشكالية المركزية التي تحرك العقل العربي الإسلامي في افقها هي إشكالية النقل والعقل، نظراً إلى أن هذا العقل اشتغل في ظل هيمنة وعي دين شمولى، ونظراً إلى الحضارة العربية الإسلامية، هي نموذج مكتمل) حضارة كتاب، قامت من الأصل على (أصل متقدم مسلم بأطلاق) على حد تعبر الشاطبي السابق ص ٩٧.

 هذه من الأفكار التي ظل يرددها الوعي اللاتاريخي عن تاريخ العرب، ولديهم هذه فكرة لا تقبل النقض، فالتناقض بين النقل، ويقصدون به القرآن تحديداً وبين أفكارهم (الحديثة) أو العقل كما يسمونه، فهل المسالة قائمة حقاً على التضاد بين النقل والعقل، وأنه لو حل هذا الاشكال انسابت الحضارة العربية في ركاب التقدم سواء في العصر الوسيط أم الآن؟

 ومنذ البداية نلاحظ هذا المنهج اللاتاريخي، عبر تجريد القضية ووضعها في فراغ تاريخي. فاللحظة التاسيسية الإسلامية لم تكن في تناقض مع اللاحق، بقدر أن اللاحق لم يستطع أن يطور فاعليته الكفاحية. فقد كانت ثورة، وجعلت قوى بشرية واسعة تتجاوز التخلف، ولكن القوى الثورية داخل هذا المسار لم تستطع التغلب على القوى المحافظة، التي فرّغت الثورة من محتواها، بخاصة في توزيع الملكية والملكية العامة، وحينئذ بدأ تاريخ مختلف. إن المدينة الحرة في تاريخ العرب مكة أُستبدلت بعدئذٍ بعاصمة الملوك والأشراف المطلقين. والثورة الإسلامية التي بدأت بتحالف بين التجار والعاملين، لم تستطع الفئات الوسطى في مدينة الحكم المطلق ذاك، أن تشكل إعادة إنتاج لها. وهنا لم تستطع بغداد أن تكون كأثينا فيها طبقة متوسطة حرة. وتشكلت الفرق الدينية لتنشئ حكماً اقطاعياً مختلفاً، أوظهرت داخل المدينة لتكون تابعة للاقطاع المسيطر.

 فإذن الأمر لا يعود لتناقض (العقل) المتكون حينذاك مع النص القرآني، بل لعجز هذا العقل عن قراءة الواقع والتاريخ. أي عجزه عن فهم القرآن. أو قل عجزه عن إنتاج ثورة أخرى تستكمل المسيرة النهضوية التي بدأت في مكة، وعجزه عن إقامة تحالف بين الطبقة الوسطى والعاملين لإنتاج ثورة تجديدية عميقة للمسلمين.

 إن النقل لو فهم في مضمونه الاجتماعي العميق، باعتباره مسيرة تقدمية في زمنه، عبر قراءة قوانينه، وإعادة إنتاجها فى عصر مختلف، لأمكن اكتشاف الفارق بين الثورة والثورة المضادة، بين النهضة وحكم الأشراف المطلقين.

 إذن كان التناقض حقاً بين وعي شكل الثورة، ووعي عاجز عن الثورة، بين نقل استطاع تغيير التاريخ بأدوات زمنه البشرية ومحدوديتها، ونقل عكف على تبرير الواقع وإفراغ الثورة من محتواها.

 إن فرق القدرية والمعتزلة والخوارج والعلوية الخ.. انتقلت للعمل في النظام الإقطاعي المطلق، الذي ورث آليات السحق عند الأنظمة العبودية المعممة السابقة، وبالتالي لم تظهر مدينة حرة واحدة، تحكمها الطبقة الوسطى أوالعاملون، بخلاف العرب الاوائل الذين جاءوا من صحراء لم تطبق فيها دول ذات جبروت مطلق عليهم، فاستطاعوا إحداث التغير التاريخي. ولهذا فإن الفرق المعارضة داخل النظام الإقطاعي المركزي اما تشكلت كفرق للنظام المسيطر، واما أسست أنظمة منفصلة.

 من هذا كله فإن الأفكار العامة التجريدية التي يقولها جورج طرابيشي حول تضاد النقل مع العقل، وهي أفكار شائعة في الوعي العربي، ينبغي أن تدرس في ضوء مناهج مختلفة، تصنل إلى التضادات العميقة للتاريخ والفكر، لا أن تكرر المعتاد والساذج من الآراء.

 وهي جزء وعينة من آرائه المثالية التجريدية التي يغرقها بالأمثلة التاريخية، التي فيها أحياناً الكثير من الفائدة والمتعة للقارئ، ولكن جوهرالأمور يُفلت بعيداً.

عبدالله خليفة كاتب وروائي من البحرين

عبدالله خليفة

تنوير يعقوب صروف

تنوير يعقوب صروف

(1852 – 1927)

 يعتبر يعقوب صروف من الرعيل الأول في النهضة العربية الحديثة، فقد تخرج من الكلية السورية الإنجيلية التي ستُعرف فيما بعد بالجامعة الامريكية سنة ١٨٧٠، وعمل في الكلية التي تخرج منها مدرسا في مواد الرياضيات والفيزياء والكيمياء.

 وقد توجه منذ وقت مبكرللربط بين الثقافة العلمية والحياة الاجتماعية، بمنهج معين، وشارك في تأسيس المجمع العلمي الشرقي، ولصروف كذلك تجربة ثقافية,عالمية، اذ أخذ الدكتوراه من جامعة أمريكية، وزار الغرب، وصادق المنور الآخر فارس نمر الذي كانت له أهميته في الثقافة العربية الحديثة المبكرة.

 إن نمو الاتجاهات الحديثة في لبنان وسوريا وبين المسيحيين خاصة، ليس بالأمر الغريب، فقد لعب المسيحيون في الحضارة العربية السابقة دوراً ثقافياً كبيراً، وأدت جذورهم الاجتماعية كفئات وسطى مدنية، دورها في تميزهم وسط الجمهور العادي، وإذا كانوا قد لعبوا دورهم كطليعة ثقافية، فإن الجمهور العربي المسلم سوف يلتحق بهم لاحقاً وبكثافة، كما حدث في العصر العباسي، وفي بدء العصر الحديث العربي كذلك، فهنا ظاهرات متشابهة لها قوانين معينة، تتمظهر في كل عصر حسب تطوره الاجتماعي والاقتصادي، ولا بد لنا من قراءة هذه الطليعية الراهنة عبر يعقوب صروف نموذجا .

 لقد كان ليعقوب صروف نشاطات اجتماعية وفكرية كثيرة، ولكن البؤرة المركزية فيها، هو إنشائه لمجلة المقتطف ونشره للعلوم المختلفة. لقد ظهر العدد الأول من المجلة سنة ١٨٧٦.

 ان إصدار المجلة وكتابة مقالاتها عمليتين ليستا بسيطتين في تلك الظروف، فكان هو الذي يكتب معظم مقالات المجلة، وفي السابق كان يساعده ويندغم في عمله فارس نمر، ولكنه بعد فترة تخصّص في المجلة، فكان هوالكاتب أيضاً لكل أبوابه كباب الصناعة وباب الزراعة وباب تدبير المنزل وباب التقاريظ وباب المسائل والاخبار، وقد يمضي عليه أسبوع كامل وهو يبحث عن المادة اللازمة لمقالة واحدة، بل قد يمضي عليه أيام وهو يبحث عن كلمة واحدة. ناصيف نصار، «الفلسفة في معركة الإيديولوجية»، دار الطليعة، ط١، ١٩٨٠، ص٤٤.

 والهدف الذي يبتغيه صروف من نشر هذه المعلومات هو علاقتها بالصناعة، دون أن يحدد لنا العلاقة التي يتصورها بين العلوم والصناعة، ولكنه يقول: «إن الصناعة مؤسسة على العلم… فالأحرى بنا أن نقصد العلوم من حيث تؤدي إلى الصناعة جادين في تلك، غير مهملين هذه» (السابق، ص٤٠)، فالعلاقة بين العلوم والصناعة هنا علاقة غير مرئية، بل هي عملية ربط تقريظية أكثر منها بحثا فيها، وهذا التقريظ للعلوم والصناعة سيكون بهذا المنوال الخطابي حيث يأمل من الطلاب «إحراز العلم وإتقان الصناعة وإحياء رسمها وترميم باليها لشدة افتقارنا إليهما كليهما» (السابق ص٤٠).

 ان صروف عبر هذه المجلة الرائدة سيقوم بالدعاية للعلم والصناعة والحداثة التقنية دون ربطها بأية جوانب اجتماعية وسياسية، ولهذا يقول: «العلم والصناعة والزراعة دعائم الحضارة، بل روح العمران، والاسباب اللازمة لارتقاء نوع الإنسان الخ.. » نفسه، ص٤٦.

فعمله التثقيفي يقوم على نشر المعلومات العلمية والتقنية التي تظهر في الغرب وترويجها في الشرق، لكن أي علم وأي زراعة وأية ظروف اقتصادية واجتماعية وفكرية تتشكل فيها هذه المعلومات، وهل من الممكن أن تتجذر وكيف؟

 إنه يقول إن مهمته هي بسط العلوم أمام أهل الشرق، وقد كانت هذه مهمة صعبة كذلك، فالمجلة حين دخلت العراق مثلاً واجهت معارضة حتى من المثقفين، الذي وجدوا فيها تبدلاً عما ألفوه من مطبوعات فرفضوها فترة حتى أصبحت مألوفة بعد جهد.

 اعتمد يعقوب صروف في نشره للعلوم على جوانبها التقنية، ويمكن القول إن هذا التركيز عنى هذه الجوانب يعكس عملية توظيف غير مودلجة بشكل مباشر، نظراً لصدور المجلة في سوريا ولبنان وهما حينذاك خاضعتان للسلطة العثمانية الإقطاعية المتخلفة، فكان في نشر العلوم بحد ذاتها عملية كفاحية.

 وهكذا كان صروف وهو ينشر مجلته يركز على هدفها التحديثي  فيقول: «التمدن الأوروبي كما لا يخفى عليكم أيها السادة والسيدات تمدن ليس منا ولا لنا، ولا ننتفع منه النفع الحقيقي إلا إذا نقلناه إلى بلادنا وغرسناه في ترابنا» .

 يغدو نقل المعلومات العلمية والتجارب الصناعية الحديثة هو هدف يعقوب صروف بدرجة كلية، ومنهج النقل هذا منهج ميكانيكي، فهو تناول مادة من منطقه ونقلها إلي منطقة أخرى، وحسب أسلوب صروف هنا، فنحن أمام نبتة تنتقل من جهة جغرافية إلى أخرى، في الأولى نجد الظروف جيدة، وفي الثانية نجد الظروف سيئة، ولكن

المنطقتين المتضادتين، ليس لهما تاريخ وجذور، فهو لا يقوم بدراسة بنية الإنشاء وأسباب نجاحها، ولا بنية الاستيراد وأسباب عدم ظهورها.

 فنحن أمام عقلية نقل معلومات علمية وليس أمام عقلية علمية، حيث يتطلب من العقل العلمي قراءة المشكلة وتحديد ظروفها وجذورها التاريخية والراهنة، أي يتطلب تحويلها إلي قضية سياسية واقتصادية وفكرية، وبالتالي تكوين رأي أوحركة لتغييرها.

 إن تعبير «لا مستقبل لسوريا ما لم تغزل خيوط تمدنها وتنسجها في نولها»، الذي يقوم على مفردات الصناعة اليدوية، هو تعبير إنشائي فضفاض، وهو يقود الوعى النهضوي التقني هنا إلي فضاء غير سياسي واجتماعي، فتغدو الحداثة التقنية أداة بيد قوى مالية واقتصادية عربية مجهولة الصلات والأهداف التاريخية. صحيحٌ ان

الخطاب هنا يعكس العداء للإقطاع الشرقي العثماني، ولكنه عداء مضمر، لم يتبلور في رؤية، فيمكننا أيضاً أن نعده عداءً دينياً للإسلام، لأنه كان عاماً مجرداً، ولهذا ربما يغدو عبر هذه الرؤية إن الإسلام المجرد هذا هو سبب تخلف المشرق، وليس التركيبة الإقطاعية المذهبية، كما تمظهرت في الإقطاع العثماني، بصفته آخر أشكال الإقطاع المذهبي المعروفة حينئذ، ولعله لو كان إقطاعاً دينياً يرتدي عباءة المسيحية، لربما كان ليعقوب صروف موقف آخر.

 ويمكن هنا أن نتصور كذلك، من جهة مقابلة، إن الحداثة التقنية هذه، وقد فقدت طابعها التاريخي والوطني والقومي، تغدو في حاملها الغرب الاستعماري شيئاً مهماً ومفيداً، حيث ان صروف قد جرد هذه الحداثة من طابعها الاجتماعى السابق ودلالاتها، لتغدو أداة تقنية، مجرد قوى إنتاج مفسرة على أوجه عديدة، بدلاً من أن يشكلها في رؤية وطنية واجتماعية، كعلاقات إنتاج تاريخية.

 وهو يشكلها عبر تضادات جغرافية، فهناك أوروبا التحديثية والنهضة، وهنا التخلف، وهذا يشير إلي طابع علماني كذلك، ولكنه علماني بلا جنور إسلامية مسيحية، حيث لم يقم كذلك بفحص العلوم. والنهضة من جوانب تاريخية مناطقية، ولهذا يغدو الوعي تقنياً تابعاً للغرب، مواكباً للفئات الوسطى الاستيرادية، التي بدأت النمو بشكل كبير في هذه الفترة، جالبة البضائع المادية والفكرية من الغرب وخاصة: فرنسا.

ولهذا فإن حديث صروف عن الصناعة والعلوم يغدو إنشائياً مجردأ، وليس بحثاً حقيقياً في كيفية تشكيل الصناعة. ولهذا فإن الفئات الوسطى المسيحية وهي تنمو بشكل حديث سوري، تقوم بإعادة إنتاج دورها التاريخي في العصر الوسيط الإسلامي، حيث كانت تابعة للاقطاع المذهبي الإسلامي بألوانه المختلفة، ولكن الإقطاع  الذي وصل بقيادته التركية إلي الحضيض وغدا لقمة سائفة للسيطرة

الاستعمارية، غدا مرفوضاً وبدأت الجسور تتشكل مع الغرب المتصاعد، ذي النفوذ المتعاظم في المشرق، وإذا كانت البقعة السورية قريبة من فم هذا الإقطاع المحتضر، فإن البقعة المصرية بعيدة عن سيطرته، وهناك من الممكن أن يتكّشف المضمون الحقيقي لهذا الوعي النهضوي ليعقوب صروف وجملة من النهضويين السوريين المهاجرين.

 في فضاء مصر السياسي والاجتماعي كان يمكن للفئات السورية اللبنانية أن تجد مساحة أكبر لإنتاج الحرية، ولكن لكونها فئات منتقلة ومهاجرة فخضوعها للفضاء السياسي الذي هاجرت اليه كان أقوى.

  كذلك فإن الفئات المتوسطة السورية اللبنانية هذه سوف تحمل علاقات الإنتاج الإقطاعية المذهبية في أي مكان تذهب إليه، على الرغم من الاشتغال الكثيف في عمليات رأس المال، لكون تلك العلاقات هي التي تحكم بلد المنشأ وجذور الوعي.

 فيعقوب صروف وهو يشتغل على رسملة الحياة «أي جعلها رأسمالية» يجعلها بلا أهداف سياسية موجهة لتشكيل مجتمع رأسمالي حر، مما يجعل عملياته التحديثية تابعة لعلاقات الإنتاج الإقطاعية السائدة.

 ومن هنا فان خطاب مجلة المقتطف في مصر التي تم الهجرة إليها يتضاءل فيه الجانب التحرري الوطني الذي كان أقوى في بلاد الشام، نظراً لاصطدامه بالأتراك المسلمين، ولكن في مصر التي تنامت فيها السيطرة البريطانية، فإن هذا الجانب سيخفت، نظراً لنموها حسب تصورها تحت مظلة حداثة غربية مسيحية مهيمنة، وستبدوهذه الحداثة في وعي المجلة وأصحابها بمثابة إنقاذ للشرق، وليس باعتبارها حداثة محدودة تحافظ على علاقات الإنتاج الإقطاعية الدينية هنا، التي ستقاوم بضراوة هذه الحداثة الشكلية.

 أي أن يعقوب صروف سوف يركز على تطور العلوم وانتشارها في مصر، كتقنيات، وليس كمنهج علمي، ومن هنا فإن التجريبية لديه محدودة، سواء على مستوى التجربة العملية أم على مستوى الوعي النظري، فهو يقول:

«الاعتقاد والمشاهدة، بين ثلاثة أنواع من الحوادث: نوع يؤيده الاختبار. ونوع لا يؤيده الاختبار ويناقض الحقائق العلمية، ونوع لا يؤيده الاختبار ولكنه لا يناقض العلم» (السابق 54،55)، فكيف لا يؤيده الاختبار ولكنه لا يناقض العلم؟ وهكذا يقوم بفتح النوافذ للوعي غير العلمي، بدلاً من أن يجعل التجريبية شاملة.

 وهذا التردد والتناقض في المستوى المنهجي النظري، يتشكل كذلك عبر نضاله من أجل نشر العلوم والوعي النظري بالصناعة دون أن يدرك الآفاق التاريخية الوطنية المشرقية لهما. فهو يظن انه لا يوجد حاجز يمنع الأقطار العربية من المشاركة مجدداً في الحركة العلمية الصناعية العالمية.

ويرى مؤلف الكتاب السابق ان الحديث عن نشر العلوم والصناعة دون التطرق إلى نظام الحكم غير ممكن، فالنظام ذو علاقة وثيقة بذلك، ولكن طرح مثل هذه الموضوعات لدى صروف «كانت عملاً ثورياً، قليل الحظ من النجاح، وبعد، فهو لم يكن بطبعه وفلسفته والتزامه ميالاً إلى الأعمال الثورية» (نفسه ص5٧).

 ومع ذلك فإن العلاقات وثيقة بين العلوم والصناعة وعلاقات الإنتاج، فالنظام الإقطاعي الذي تهيمن عليه بريطانيا في مصر، أو فرنسا في سوريا، كانت مساحة التطور الصناعي فيه محدودة، وبالتالي فإن أي تحول جذري فيه يتطلب تجاوز هذه العلاقات الإقطاعية المهيمن عليها استعمارياً، التي اخترقها بعض العلاقات الرأسمالية دون أن تزيح البنية القديمة.

 ولهذا فدون نقد جذري لهذه البنية يجعل الوعي النهضوي مُلحقاً بها، وخاضعا ً لمستواها الإيديولوجي، وغير قادر على الخروج من مدارها، فالمسالة هنا هي أحجام المنشات الصناعية وأنواعها وأعدادها، ومستوى تطور العمل المأجور، وطبقة الفلاحين وحجمها وتطورها ونسبة تحولها إلى الصناعة وإلى العمل المأجور والتصنيع، ومسالة السوق الوطنية وتطورين البرجوازية الصناعية الوطنية، وعلاقة التعليم والثقافة بالتطور التقني الصناعي، ونسبة تحرر المرأة ودخولها إلى السوق والصناعة الخ..

 أي أن المسألة ليست شعارات عن النهضة والصناعة والعلم، بل دراسات وتغلغلٌ للمنهج العلمي في قراءة الظاهرات الطبيعية والاجتماعية والفكرية، وتقود القراءة الأولى الشعارية إلى الضمور والشكلانية والالتحاق بعمليات التحديث الأجنبية، وهوالمسار الذي أخذت مجلة المقتطف تتوجه اليه.

 في حين ان القراءة الثانية لن تستطيع رؤية المقتطف أن تحققها، لفصلها عمليات التحرر الوطني والاجتماعي عن العلوم، وهذه القراءة الثانية سوف يحققها اليسار المصري الذي استفاد ولا شك من المنورين  السوريين ودورهم الفكري، ولكنه سوف يتجاوزهم نظراً لتوحيده عمليات التنوير الثقافي بالكفاح السياسي.

عبدالله خليفة كاتب وروائي من البحرين

عبدالله خليفة

التنوير الرومانتيكي عند جبران خليل جبران

إن قدرة المسيحيين العرب على خلق التنوير المبكر في القرن التاسع عشر في المشرق العربي تحديداً، حيث لا نشهد مثل هذا التنوير في المغرب، تعود إلى كون الفئات الوسطى المسيحية التي تشكلت في الشام، ذات ظروف اجتماعية وثقافية أفضل من المسلمين الذين كان الإقطاع الديني مطبقاًعليهم بصورة أشد من إطباقه على المسيحيين.

 فنظراً لصغر العائلات المسيحية وارتباطها بالمهن الحرة وبداية نمو المدن السورية «سوريا ولبدنان حينذاك» والتاثيرات الغربية الثقافية والسياسية المتدفقة بقوة في هذا الوقت، أمكن لأفراد ورموز من هذه العائلات أن يتحرروا نسبيا من النفوذ الديني الإقطاعي، وبدأت عملية تحرير الوعي العربي الحديث من الوعي الطائفي والتقليدي. وهو أمر كما قلنا مراراً يماثل دور هذه الجماعات المسيحية في العصر الوسيط حينما قامت بذات الوظيفة في نمو النهضة الفكرية العربية، ولكن الآن تتشكل الظواهر في بُنى مختلفة وظرف عالمي جديد.

 ولدينا هنا الآن نموذج الشاعر جبران خليل جبران وخطواته ومساهماته في عملية النهضة العربية الجديدة، التي سنحاول منها اكتشاف مساهمته في هذه العملية.

 وبطبيعة الحال سوف تتسع عمليات التحرر للفئات الوسطى العربية اجتماعياً وسياسياً، على مدى التاريخ القادم فيما بعد جبران عبر القرن العشرين كله، وسوف يتعقد الوعي ويغدو ذا مستويات عدة، بدءاً من جبران مرورا بطه حسين وانتهاء بعابد الجابري وأدونيس وغيرهما، لكن وعي الفئات الوسطى وحركيتها التاريخية لن يخرج عن التشكيلة الإقطاعية، ولن يقطع للخروج إلى التشكيلة الرأسمالية الحداثية المكتملة.

 وجبران خليل جبران شاعر وفنان عربي سوري ولد سنة 1883، من أب فقير كان يعمل راعياً، في أسرة مسيحية، وقد دمر الأب هذه الأسرة بسبب سكره وعدم مراعاته لها، لولا قوة شخصية الأم التي أنقذت هذه الأسرة وهاجرت بها إلى أمريكا ببوسطن، وهناك عاشت بين المهاجرين العرب، وتربى جبران فى الوسط العربي الأمريكي، عاجزاً عن تعلم اللغتين العربية والإنكليزية، لولا عودته لوطنه وهناك بدأ يتعلم بشكل مدهش.

 هذا التعليم المحدود، والمآسي المستمرة على هذه الأسرة الصغيرة، التي مات معظم أفرادها بشكل متتال في أمريكا، وخيبات الحب المستمرة التي عانى منها جبران سواء من معلمته الأمريكية أم من مراسلته عبر البحار والتي لم يرها وهي مي زيادة، قد أطلقت في جبران نزعات الشطح الديني والصوفي والشعرية القائمة عليهما، وتغييب التصوير البنائي التحليلي للحياة.

 ومن خلال هذا التصوف الديني الشعري حاول أن يعبر عن معارضته الشديدة للنظام الاجتماعي الإقطاعي الثقيل ومحدود الانفتاح في ذلك الحين.

 يقيم جبران تناقضات كلية بين الطبيعة «النقية» والمجتمع الفاسد، بين عوالم الأرواح الحرة وبين المواد والأشياء الوضيعة.

 ويذكرنا هذا بموتيفات الفلسفة العربية الدينية القروسطية لدى الفارابي وابن سينا وغيرهما، وهما اللذان شكلا تضاداً عميقاً بين عالم الأرواح النقي والمادة الوضيعة، معبرين عن الرؤية الدينية للفئات الوسطى العربية في العصر السابق، في علاقتها بالنظام الأرستقراطي الحاكم، حيث اتفقت معه في هيمنة الدين والقوى الفوقية على الناس، الذين هم مثابة المادة الدنيا غير القادرة على الفعل التاريخي المستقل.

 واعتماد جبران خليل جبران على هذه الموضوعة الأساسية للفلسفة المثالية السابقة، هو امتداد لتاريخ طويل من هيمنة الأرواح والبنى الفوقية الروحية على الجمهوروعلى تحليل الواقع.

 وتساهم غربتا جبران: الغربة الاجتماعية والغربة الجغرافية في تذكية تلك المادة الصوفية الدينية وجعلها بديلا عن الغربتين والتحليل.

 يجسد جيران كثيراً التضاد العميق بين عالم الأرواح والطبيعة من جهة وعالم الكون والفساد الأرضي من جهة أخرى، وفي الفصل الثاني من «الآجنحة المتكسرة» يقول صورأ نفسه المتنازعة بين قوتين: (قوة تحلق به السحاب وتريه محاسن الكائنات من وراء ضباب الأحلام، وقوة ظاهرة تقيده بالأرض وتغمر بصيرته بالغبار وتتركه ضائعاً خائفاً في ظلمة حالكة)، (ص ١٢، من نسخة دار المدى، سنة ٢٠٠٣).

 ثم تتمظهر وتتجسد هذه الكائنات اجتماعياً في الفصل التالي حين يتغنى بإله الربيع، وهي احتفالية غائرة منذ تموز وأدونيس، المعبرين عن قوى الطبقة العليا الزراعية في إعادة إنتاجها وتملكها للطبيعة والمجتمع، في ميثولوجيا الخصوبة والفداء في العصر القديم، وستتجلي لاحقاً احتفالية الفداء في المسيحية، أو في تضحية الحسين، ي العصر الوسيط المسيحي – الإسلامي، يقول:

(الربيع روح إله غير معروف تتطوف في الأرض مسرعة، وعندما تبلغ

سوريا تسير ببطء متلفتة إلى الوراء مستأنسة بأرواح الملوك والأنبياء الحائمة في الفضاء)، السابق ص ١٤.

 هذه الهيمنة للأرواح على الفضاء الروحي المشرقي، هي هيمنة اجتماعية وسياسية للقوى الأرستقراطية والدينية المتنوعة والتي جسدت عمليات سيطرتها التاريخية الطويلة بهذا الوعي الديني والسياسي الروحي المُفارق، والموجود وراء الأشياء والطبيعة.

 يتجسد التضاد العميق الذي لا يُحل بين ما وراء الطبيعة والواقع، بين عالم الأرواح النقي وعالم الفساد الأرضي، في الكثير من سرد جبران الذي عادة يقتحم البناء القصصي:

(الشبيبة أجنحة.. ترتفع بالفتيان إلى ما وراء الغيوم فيرون الكيان مغموراً بأشعة ملونة.. ولكن تلك الأجنحة الشعرية لا تلبث أن تمزقها عواصف اختبار فيهبطون إلى عالم الحقيقة – وعالم الحقيقة مرآة غريبة يرى فيها المرء نفسه مصغرة مشوهة)، ص ١٩.

 ولا يقوم جران بتصوير عالم الحقيقة المشوهة هذا، حيث هو مربوط بعالم مغاير هو العالم الروحي النوراني، وكل شيء صادق في العالم الأرضي(الدنس) هو من إنتاج الروح، ولهذا فإن الحب لا ينبثق من علاقات حياتية متنامية بل هو يتدفق من الأعلى، من عالم الأرواح، فحين يرى حبيبته سلمى لأول جلسة يهتف:

 (إن للجمال لغة سماوية تترفع عن الأصوات والمقاطع، وهكذا شاءت السماء وعتقتني على حين غفلة من عبودية الحيرة والحداثة لأسير. حراً في موكب المحبة).

 وتغدوهذه الحبة الرومانتيكية المتدفقة من الأعاني النوارتية متضادة مع شرائع البشر وتقاليدهم.

 غن التضاد بين المنطقة البيضاء النوارتية، والتي هي هنا الحب، وبين المنطقة السوداء ، التي هي هنا شرائع البشر وتقاليدهم، سيقوم الشاعر بالتعبير عنها، في كتابه عن المحبة، وستغدوالأنوار والنبوة والمثل وغيرها هي الطاقة الروحية المغيرة لعالم الدنس والفقر الروحي.

 إن التضاد بين الروح والمادة من القضايا التي لم تحل تناقضاتها الفلسفة المثالية الدينية في المنطقة، وجبران يواصل إنتاج هذا التضاد غير المحلول بشكل تصويري شعري، فيقول عن جمال سلمى حبيبة الراوي:

(بل كان غريباً كالحلم أو كالرؤيا أو كفكر علوي لا يُقاس ولا يُحد ولا يتسخ بريشة المصور)، فالدخول إلى تجسيد الحياة وتحليلها يغدو اتساخاً.

 ولهذا فإن جبران يحول الظاهرات التاريخية العميقة والواسعة إلى عمليات نوارنية شخصية فيقطرها في شعاع وحيد:

 (كل ما نراه اليوم من أعمال الأجيال الغابرة كان قبل ظهوره فكراً خفياً في عاقلة رجل أوعاطفة لطيفة في صدر امرأة.. الثورات التي أجرت الدماء كالسواقي وجعلت الحرية تُعبد كالآلهة كانت فكواً خيالياً مرتعشاً بين تلافيف دماغ رجل فرد عاش بين ألوف من الرجال… التعاليم السامية التي غيرت مسيرة الحياة البشرية كانت ميلاً شعرياً في نفس رجل واحد منفصل بنبوغه عن محيطه) السابق ص ٢٩، ٣٠.

 إن التحولات الاجتماعية الكبرى في التاريخ لا تغدوعبر هذا الوعي عمليات تراكم فكرية واجتماعية وسياسية لمجموعات بشرية، بل هي وليدة لإنتاج وعي فردي مفصول عن هذه السيرورة، وهنا يقطع جبران حتى مع عملية تراكم الوعي التاريخي العربي، فذلك عودة لوعى ما قبل ابن خلدون وغيره، الذي يقرأ التحولات على ضوء التراكم والصراع الاجتماعي.

 إن تصور جبران للثورات أنها نتاج فعل فردي، وبالتالي فظهور الأديان هى عملية فردية محضة، لبشر مفصولين عن المجتمعات التي يعيشون فيها، وتتشكل لديهم الأفكار عبر الرؤيا والغيب، هي عملية ستجعله لا يدرس الأديان باعتبارها ثورات اجتماعية تاريخية، تداخلت فيها الصراعات الاجتماعية والقيادات الفكرية الطليعية، وبالتالي قامت بردم الهوة بين الفكرة والواقع، بين السماء والأرض، بين النور والمادة، بل سوف يُسقط عليها أفكاره المختزلة الصوفية، لعدم قدرته على خلق فعل ثوري على المستوى المعاصر، أوعلى مستوى القراءة، فعل يجمع المثالي والواقعي في تكوين مشترك.

 إن عدم استطاعة جبران التضفير بين النور السماوي والفعل الكفاحي، لا تعود فقط لمثاليته الغيبية، بل لغربته الاجتماعية والجغرافية كذلك.

 إن جبران يقف أمام الواقع المتخلف كفارس قادم من الغيب، ويقوم باستثمار مفردات ديانته المسيحية، وقد انفصلت عن تاريخها الكفاحي الاجتماعي الطويل، وتحولت إلى لغة صوفية، وبالتالي فقد القدرة على تحليل هذه الديانة كثورة شعبية، ولهذا فهو يأخذ بعض المفردات كالمحبة ويشغلها فى فضاء رومانتيكي، يقول كلماته الجميلة في كتاب النبي:

 (المحبة تضمكم غلى قلبها كأغمار حنطة / المحبة على بيادرها تدرسكم لتظهر عريكم / المحبة تغربلكم لتحرركم من قشوركم / المحبة تطحنكم فتجعلكم كالثلج أنقياء / ثم تعدكم لنارها المقدسة، لكي تصيروا خبزاً مقدساً يُقرب على مائدة الرب المقدسة).

 ومن الواضح هنا تدفق قاموس الريف المهبط الاجتماعي للمسيحية، وتتشكل عملية البعث الروحية عبر التسامي عن التضادات الاجتماعية والسياسية، وبتشكيل وحدة رومانتيكية بين البشر بعد إزالة جذور التناقض بينهم، التي لا تزول بل تُقصى، فيُعجن المجموعُ الاجتماعيُ فى خبزٍ ديني بدلا من أن يَكتشف تضاداته ويحلها. فالاختلافات والمسئويات المعيشية المتباينة والفكرية المختلفة، تصبح قشوراً، وتتكفل المحبة باستخراج الجوهر الروحي الداخلي، لأن التكوينات الاجتماعية والتاريخية، وهي المُشكلة على الأرض هي مجرد قشور وأنسجة خارجية.

 إن تصوره بأن التعاليم السامية كانت ميلاً شعرياً عند فرد واحد، منفصل عن عصره، وبالتالي عن واقعه وتراثه، تجعل التعاليم السامية ليست نتاج الجدل بين القائد والواقع، وبالتالي فإن الانفصال الذي يعيشه جبران عن الواقع وقواه، ليس مهماً، بل هو قادر على ردمه كما فعل الطليعيون الآخرون السابقون، النين كانوا منفصلين وشكلوا ثوراتهم بفكرهم المفارق، أي الذي جاء من اللاواقع، من المنطقة النورانية، مصدر الخير والجمال… الخ.

 نستطيع أن نقول إن هذه هي قراءة جبرانية للتحول فى المنطقة، ومحاولة لتكرارها في أوائل القرن العشرين وقتذاك. وقد أعطى فقدان القوى الاجتماعية الفاعلة، وعدم بروز التناقضات فى صفوفها، إمكانية فكرية لجبران لخلق عملية تاريخية من هذا الانسجام الاجتماعي البكر، الذي لم تفجرهُ الصراعات الطبقية الضارية بعد، أو التي لم تظهر في مشاهد وعى جبران، لأن التاريخ السوري اللبناني السابق حافل بها.

 لكن هذه القراءة تُلغي ما هو أرضي وتربط كل شيء بالسماء. يقول الراوي لسلمى حين نشأ حبهما من أول ومضة شعاعية روحية:

(إن حياة الإنسان يا سلمى لا تبتدئ فى الرحم كما أنها لا تنتهي أمام القبر، وهذا الفضاء الوسيع المملوء بأشعة القمر والكواكب لا يخلو من الأرواح المتعانقة بالمحبة والنفوس المتضامنة بالتفاهم،)، الأجنحة المتكسرة، ص ٣٣.

 إن وجود الأرواح الحائمة في الفضاء وتداخل الكواكب بها، يشير إلى مفردات مغمورة في الفلسفة العربية الدينية للعصر الوسيط، حيث الكواكب أرواح. وهي التي تهيمن على الحركة الأرضية.

 يصور جبران خليل جبران الإقطاع المهيمن على الحياة الاجتماعية والروحية كقوى فردية وكاختلال روحي، وليس كبنية اجتماعية موضوعية، استمراراً لنهجه الفاصل بين الروحي والاجتماعي، بين الراهن وجذوره، فالمطران المهيمن على بلدة سلمى “فارس كرامة” يطمع في ثروة ابيها الكهل، ويقوم بفرض إرادته على الكهل وابنته فيزوجها من ابن أخيه الفاسد. ويقول الراوي عن المطران:

(هذا الرجل هو مطران تسير قبائحه بظل الإنجيل فتظهره للناس كالفضائل)، (جامعاً في قبضة الشريعة الفاسدة روحاً سماوية بذات ترابية).

 وكما يفعل جبران في فصل الفكرة عن جذورها الموضوعية وتطوراتها، فهويفصل كذلك الفرد عن الجماعة التي ينتمي لها، فالمطران يبدو ممثلاً للشريعة الفاسدة، وبالتالي فهو يشيرإلى تاريخ جماعي واجتماعي، وإلى وجود شريعتين: فاسدة ونقية، لكن لا نعرف لماذا هيمنت الشريعة الفاسدة، حيث بدت في تكون فرداي مستقل عن الوجود الجماعي والإرث التاريخي وتحولاته.

 مثلما أن سلمى وأباها والراوي، الذي هو المولف جبران نفسه، حيث لا مسافة موضوعية فنية بين الكاتب وأثره، يكونون الشريعة النقية، ولكنها ليست في موقع السلطة، بل ليست في موقع التاثير والمقاومة. إنها مُضمرة متوارية في الذوات الفردية المُحاصرة بالكهنوت، الذي يهيمن على الثروة الروحية، فهو الذي يُنتج مفاهيم هذه الثروة ويجعلها متداولة لمصلحته المادية، أي عبرها يقوم بالاستيلاء على الثروة المادية، ليوسع كذلك من سيطرته الروحية.

 وبخلاف المطران فإن الشخصيات الخيرة المُستلبة تَذوبُ في الصراع ولا تقوم بإنتاج شريعتها النقية، أي لا تقوم بفهم المسيحية كثورة اجتماعية قام الكهنوتث بالسيطرة فيها على المعنى والمضمون، وتنحيته، وحولها إلى عبادات مُفرّغة من دلالاتها الثورية السابقة.

 ولهذا فإن هذه الشخصيات الخيرة تتلاشى عبر الموت أوالصمت، فسلمى تتزوج من الشخصية الفاسدة، وأبوها يموت، وهي تلد طفلاً يموت فتموتُ معه، والراوي يقف على القبر راثياً، دون أن ينقد عجزه.

 ولا تختلف بقية آثار جبران عن هذا المنحى، ففي مسرحيته «لعازر وحبيبته» المنشورة حديثاً في صحيفة النهار البيروتية بتاريخ كانون الأول ٢٠٠٢، نرى لعازر الذي أحياه السيد المسيح حسب الرواية الإنجيلية، وهو مستغرق في الطبيعة، متصلاً بحبيبته في السماء، قاضياً معها زمناً خارج الزمن الأرضي، وهذه اللحظة الدهرية بالنسبة اليه كانت لأسرته أمه وشقيقته عدة ساعات من النهار، ولكن الزمن الميتافيزيقي والزمن البشري الموضوعي متباينان، مثلما أن لعازر يرى الوجود المادي وضيعاً فلا يحب أن يمتد جذراً في الأرض المظلمة (مثلما يأبى أن أتلقى الزبدية من أيد ذابلة وأستمدث الحياة من كؤوس الطين).

 وهو لهذا يرى بعثه حرماناً لاتصاله بحبيبته، ذلك الاتصال السرمدي النوراني، ويقول لعازرلمريم أخته:

(أنت وأنا وهذه الحديقة مجرد وهم، بل ظل للحقيقة). إن هذه العبارة لابد أن تذكرنا بمُثُل أفلاطون، لكنها هنا تندمج بصوفية عريقة في المشرق، في حين ان أسرته الصغيرة البشرية الأرضية تواصل حيثيات الوجود العادي. ولكن لماذا لم يكن بعثاً لعازر الجبرانى اندماجاً في هذه الحياة الأسرية وتطويراً لها وبحثاً عن حبيبة أرضية حقيقية، وتغييراً داخل الحياة؟

 إن هذا السؤال يعبر عن التضادات العميقة في الأدب الجبراني، وعن غياب الفعل الثوري الجبراني على مستوى الواقع والموروث، فيتشكل النقد لظاهرات من الواقع، ويغدو الحل الاتجاه غيباً، ولهذا فإن لعازر حين سمع أن السيد المسيح قام، اتجه إليه، مندمجاً في مسيرته، مستعداً للفداء.

 إن هذا الموقف هو بشكل فلسفي عام، لأن لجبران نظرات إصلاحية اجتماعية جزئية، يؤكد مشاركته في أحداث الأرض الواقعية، وهو ليس الداعية للانقطاع الكلي.

ولا يتسع المجال هنا لعرض نلك.

عبدالله خليفة كاتب وروائي من البحرين

كلُ شيءٍ يتغير إن التناقضَ هو أساسُ حياة البشر، وبدون تناقض يزول البشر.

التنوير الاجتماعي عند فرح أنطون

كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة

فرح أنطون  هو من المثقفين الشوام الذين هاجروا إلى مصر هروباً من القمع العثماني، وكسربه المهاجر اشترك في الجهود الثقافية المتنامية في مصر وهي تحت الاحتلال البريطاني، وقد أصدر جريدته [الجامعة] بالإسكندرية، منذ أوائل القرن العشرين، ونشر فيها مقالاته ورواياته، وقد أدت بعض كتاباته إلى معارك شهيرة مع الإمام محمد عبده والتيار الديني عامة.
ليس تحت أيدينا ثمرة هذه المعركة وهو كتاب [في أبن رشد وفلسفته]، ولكن روايته المعروفة والمنشورة مجدداً وهي [الدين والعلم والمال]، والتي كتب مقدمتها جابر عصفور موضحاً إن كتابة فرح أنطون للرواية الفكرية يأتي في سياق دور المثقفين النهضويين في ذلك الوقت لنشر المعرفة: كما فعل جورجي زيدان في رواياته التاريخية، التي اهتمت بعرض التاريخ الإسلامي بشكل قصصي.
وبطبيعة الحال، فإن اختيار فرح أنطون وجورجي زيدان للرواية كأداة عرض للأفكار، يعبر عن هذه العملية في تثقيف القراء، وبالتالي هذا أدى إلى تغيير طابع اللغة العربية المثقلة بزخارف العصر الوسيط، وجعل هذا النوع [ الرواية] ذا طابع شعبي.
ولهذا فإن فرح أنطون وهو يعرض مسألة التيارات الفكرية المعاصرة في ذلك الوقت، لم يطرحها كبحث فكري يتغلغل في هذه التيارات فحصاً وتحليلاً، بل جعل عملية البحث أشبه بقصة، فهناك راوٍ، وهناك شخصيات يقابلها، وموضوع يكشفه وهو موضوع ثلاث مدن متضادة، هي مدن الدين والعلم والمال.
لقد جعل التيارات الفكرية: التيار الديني، والتيار العلمي، والتيار المالي، أجساماً جغرافية وتاريخية مُجسدة في تكوينات. فلم تعد هذه التيارات متداخلة وأجزاء من تكوين تاريخي في مجتمع واحد، بل جعلها مدناً.
وهو يقيم تاريخاً خاصاً لتكون وانفصال هذه المدن، يقول الشيخ شارحاً ذلك للراوي البطل وهو الفنان المتجول:
[وقد حدث هذا الانقسام على ما نرى منذ زمن بعيد، فإن أولئك الفتيان والفتيات الذي أسسوا هذه الجمهورية الصغيرة بعد اشتغالهم بزراعة الأرض وإتقان المصنوعات أصابوا من نصيباً من الثروة والسعة، فلما تزاوجوا وتكاثروا جاء أبناؤهم أرقى منهم وأكثر ميلاً إلى الشئون النفسية، فعكف بعضهم على التجارة وبعضهم على العلم وبعضهم على الأدب وبعضهم على الدين]، [الدين والعلم والمال، دار المدى، ص27].
يقيم فرح أنطون تاريخاً خيالياً لهذه المدن، فهناك مجموعة من الشباب تقوم بإنشاء جمهورية تعاونية تتوسع وتتنوع في الإنتاج المادي والروحي. وبغض النظر عن الإمكانية الاجتماعية لمثل ذلك، إلا أن فرح سرعان ما يقفز على سياق التجربة، وهو لم يعلمنا بجذور هذا التعاون وطبيعة الملكية والإنتاج، وكيف يمكن لأساس اجتماعي تعاوني أن يتفكك، وهل المسألة تعود لتطور الأجيال؟
إن هذا يعطينا فكرة عن عدم درس فرح أنطون للتجربة المشاعية في المشرق، وإنه أخذ فكرة الجمهورية المشتركة هذه من أفكار الاشتراكيين الخياليين أمثال روبرت أوين وسان سيمون وشارل فورييه، الذي قام بعضهم بالفعل بتجارب فاشلة لمثل ذلك.
ولكن فرح أنطون ينقلها إلى مدار آخر. فهي ليست تجربة اشتراكية بالفعل، وهي ليست عودة لاكتشاف الجذور التاريخية للشرق، بل هي فكرة قصصية لأمر آخر. إنها تبرير لوجود مثل هذه المدن الخيالية على هيئة تيارات فكرية.
ولهذا فإنه يتقدم لتمرير هذه الفكرة وتجسيدها:
[فلم يمر زمنٌ طويل حتى قام النزاع بينهم على ساق وقدم].لا يقدم المؤلف أي حيثيات معقولة في تفسير هذا النزاع، فكيف يتشكل نظامٌ اجتماعي دون تداخل بين رجال المال والعلم والدين؟ وهل مسألة تغير الأجيال دون تبدل في الملكية وعلاقات الإنتاج يمكن أن يؤدي إلى هدم تجربة تعاونية؟!إننا نرى هنا مفهوماً مثالياً للتاريخ متوارياً. ويضيف:
[ فارتأى بعض منهم زيادة في توسيع المعيشة على السكان أن ينشئوا بلدتين أخريين قريبتين من البلدة الأصلية. ثم رغبة في حصر النزاع في مكان واحد أو منعاً للنزاع قرروا أن تسكن كل طبقة في بلدة، فطبقة المال تسكن في البلدة الشرقية، وطبقة العلم في البلدة الغربية، وطبقة الدين في البلدة الجنوبية]، [نفسه ،ص27].
هنا جملة من الإشكاليات، فمحاولة فرح تصوير التيارات الفكرية الأساسية في المجتمع الحديث الغربي، في الواقع، على شكل مدن، تبدو غير متنامية بشكل منطقي اجتماعي وفني في آن، ولكن فرزه كذلك للمدن هو فرز يأتي على أسس متناقضة، فمدينة المال، وهي مدينة أصحاب الثروة والرأسماليين، هي مدينة طبقية، حقيقية، أما مدينة أهل العلم، فهؤلاء فئة مستخدمة ذات اتجاهات متعددة، في حين كان ينبغي أن تكون مدينة العمال أو الفعلة، كما سيذكر لاحقاً. لأن مدينة العمال يمكن أن تكون جسماً اجتماعياً متبلوراً، حتى في مساكن وأحياء، لكن فرح أنطون لم يفعل ذلك، وجعل فئة العلماء ومن ثم فئة رجال الدين تكوّنان مدينتين مختلفتين.
وهو فيما بعد سوف يحتار في فئة العلماء لأنه يجعلهم عمالاً تارة، ومدافعين عن العمال تارةً أخرى. فهل كان يريد عرض طبقات المدينة الحديثة وصراعها أم عرض الصراعات الفكرية؟ هذه العملية ستكون متداخلة.
إن هذا التأثيث المتردد لطبقات المجتمع وتياراتها ستكون له نتائجه في سيرورة المدن، وتصوره للحضارة الحديثة.
لكن علينا قبل ذلك أن نعرف لماذا قام باختيار المدن كنموذج لعرض التيارات.
لقد ظهر أسم الفيلسوف الفارابي في هذا الكتاب [ص 42]، وهي إشارة بكون المؤلف فرح أنطون يعرف الفارابي وتجربة كتاباته، فالفارابي الذي أسس في الفلسفة العربية عملية التداخل بين التيارات الفكرية والاجتماعية وبين المدن، حيث كانت لديه تعبيرات: المدن الجاهلة، المدن الفاسقة، المدن الضالة، المدن الفاضلة..
وقد مرّكز الفارابي في مدنه سمات اجتماعية فكرية متداخلة، فالمدينة الجاهلة على سبيل المثال هي التي عرفت الحقيقة ولكنها لم تطبقها وانهمكت في شئون حياتها اليومية من أكل وتوالد الخ.. والمدينة عرفت الحقيقة وتوجهت لضدها من أنانية وفجور الخ..
هذه الفكرة الفارابية استلهما فرح مزاوجاً بينها وبين فكرة الاشتراكيين الخياليين عن الجمهورية الصغيرة ذات المشروعات الإصلاحية في مزاوجة مركبة ضعيفة عموماً في بنائها.
والفارق بين فكرة الفارابي عن المدينة المثالية من جهة، وفكرة فرح أنطون وفكرة الاشتراكيين الخياليين من جهة أخرى، إن الأول اتخذها نقداً للحياة الأرضية وطلب العيش فيها، رافضاً إياها مقدماً حياة الغيب والذوبان في المطلق والفيض، معتبراً الزهد شكلاً من هذا الرفض للحياة الدنيا (الوضيعة)، وهو أمر كان يعبر عن رفضه للبذخ الأرستقراطي الهائل في عصره، متساوقاً مع الإيديولوجية الدينية الزهدية المتصاعدة في الحياة.
وإذا كان الفارابي يدعو للغياب عن تطوير المدن والتوجه للعزلة والزهد، فإن فرح أنطون والاشتراكيين الطوباويون يصورون المدن أو يناضلون من أجل إنشائها بهدف تطوير الحياة الدنيوية ورفع مستوى معاش الإنسان وثقافته، وهو هدف مغاير للفارابي الذي انسدت أمامه آفاق التغيير الاجتماعي الخلاق.
ولهذا فإن الأبيات التي أستشهد بها فرح أنطون في كتابه وهي كما نوه لها من نظم الفارابي، إذا صحت الرواية، أقول إن هذه الأبيات في تضاد مع ما يريده أنطون، تقول الأبيات المنسوبة للفارابي:
أخي خل ذي باطـــــــــــــل        وكن للحقائـــــــق في حيز
فما الدار دارُ مقامٍ لنـــــــــــا       وما المرءُ في الأرض بالمعجز
ينافس هذا لهذا علــــــــــــى      أقلِّ من الــكلم الموجــــــــز
وهل نحن إلا خطوط وقعــــــ        ن على نقطة وقع مســـتوفز
محيط الــسماوات أولــــى بنا         فماذا التنافس في مركــــــز
نرى هنا التضاد واضحاً بين رؤية الفارابي لضرورة عدم التنافس الأرضي، واعتبار الدار دار عبور، وكون الإنسان مجرد نقطة، في حين ينتظره محيط السماوات. إن هذه الفلسفة الغيبية المفارقة، المهمّشة لدور الإنسان وعالمه، يستشهد بها فرح أنطون وهو في سبيل بناء فلسفة دنيوية تحويلية للإنسان، تركز على تغيير واقعه؟! ولهذا فإن قول الشيخ التالي للمتخاصمين قبل ترديده للأبيات يعبر أفدح تعبير عن هذا التناقض:
[هل إن حطام الدنيا وخيراتها الزائلة ومسراتها الفانية تستحق هذا الاقتتال الشديد عليها.].
لكن هذا لا يمنع من وجود خط سري ديني زهدي لدى فرح أنطون كما سيظهر لاحقاً.
وفي الواقع إن مهمة كتاب فرح أنطون هي النضال من أجل هذه الخيرات وهذه المسرات، المسروقة من الأغلبية العاملة، ولقد كان ومازال الاقتتال عليها هو مضمون التاريخ الاجتماعي، وهو القتال الذي رفض أن ينخرط فيه الفارابي مفضلاً العزلة وتقديم مشروع مؤجل ومغيّب، ودخله فرح أنطون نفسه، ولكنه هنا لم يستطع سبر غور مدن الفارابي، ولم يكتشف تضادها مع مشروعه، ولم يأت لذكرها إلا من أجل سند شرعي من التراث العربي الإسلامي يسوغ به مشروعه عن مدن مختلفة.
ينطلق فرح أنطون لتشكيل كتابه وعرض تجربة اجتماعية من فكرة [ اليتوبيا]، وهي تعني كما يقول إنه لمح في أثناء الدراسة [ عصراً يسميه مؤرخو اليونان العصر الذهبي ويسميه كتاب المسيحية عصر الفردوس الأرضي فبقى منه في فكره أثر كان يحضر فيه كلما رأى زحام الحياة وجهادها بين أفرادها]، ص28.
يبدو هنا إن فكرة المؤلف تشوبها كذلك نوازع دينية، خاصة في تعبيره عن الفردوس الأرضي وهي فكرة خالجت الأديان أو بعض تياراتها، من أجل خلق مجتمع العدالة الأرضية، المفقود دائماً، والذي يُراد أن يكون أرضياً وليس مؤجلاً ليوم الدينونة، ولهذا برزت لدى المسيحيين فكرة الفردوس الأرضي، ولدى المسلمين فكرة ظهور المهدي وتحقيق العدالة الشاملة الخ..
ويتضح الطابع الديني في تصوره من اعتقاده بوجود مدن فاضلة نقية، أي فراديس انتقلت من السماء إلى الأرض، ومن ظهور الشيخ المعتدل في القصة الذي يبدو كأنبياء الشرق.
لكنه فيما بعد يقوم بعرض وجهات نظر المتخاصمين الاجتماعيين، فرجال المال يقولون:[ شكوانا من بعض الطامعين الذين يثيرون خواطرهم( أي خواطر العمال)علينا ويحرضون طبقتهم على طبقتنا].ويطالبون الحكومة بإبعاد هؤلاء المحرضين ليستتب السلام.
أما أهل العلم فيهاجمون أهل الدين قائلين:
[تراهم يكثرون التزلف للأغنياء، وأرباب الأموال ويجارونهم.. ويلهون الشعب بالتدجيل عليه ليشغلوه بالأوهام والأحلام عن مصالحه الحقيقية].
أما شكوى رجال الدين فهي من:[أولئك الجاحدين الكفرة الذين يبثون روح ضلالهم وكفرهم في النفوس].
ولعل البرنامج العلمي العمالي الاشتراكي هو الذي يتردد في كتاب فرح أنطون الصغير هذا بوفرة، وهو ينقل أوضاع العمال الفرنسيين المحسوبة بالفرنك، أكثر من تصويره لأوضاع العمال المصريين أو العرب، وهو يبدأ ببرنامج اشتراكي فيقول زعيم العمال:
[فعلى الأمة إذاً أن تتولى إدارتها بنفسها وتوزع أرباحها بين أبنائها، أي أن الحكومة تجعل من نفسها التاجر الكبير الوحيد الذي تنحصر في يده المتاجر والمصانع والمزارع وتستخدم أفراد الأمة وتعطيهم أجرتهم..]، ص45. أما دعوة رجال المال فهي على النقيض ترك السوق الحرة تعمل بقوانينها.
ويقف رجال العلم والدين على طرفي نقيض، فرجال العلم مع العمال، ورجال الدين مع أرباب الأعمال، وهكذا ينقل فرح أنطون الصراع الاجتماعي الفرنسي بحذافيره إلى أجواء مصرية لم يحدث فيها مثل هذا الاستقطاب.
ولكنه هو يؤيد خطاً وسطاً معتدلاً ويتمثل ذلك في آراء شيخ العلم، وهو صورة لرجل الدين الشرقي وقد لبس مسوح الاشتراكيين، وهو يحاول أن يوفق بين الدين والعلم، وبين الرأسمالية والاشتراكية، ليس من خلال برنامج اجتماعي واقتصادي مرحلي معقول، بل أيضاً من خلال عبارات إنشائية أيديولوجية ليس فيها تشخيص دقيق للدين وللعلم.
لكن هذه الوسطية لا تنجح في تهدئة رؤساء العمال الغاضبين، ولا توجد في مدن فرح أنطون أي داع للاضطرابات، لكن هؤلاء الرؤساء يفجرون الأوضاع ويرد عليهم الآخرون والجيش فتحترق المد الثلاث!
وهذه أيضاً من الأجواء الأوربية والفرنسية تحديداً، ومناخ كومونة باريس يظلل المشهد الناري قبل الأخير. ومن المدهش إن نصيحة فرح أنطون للاعتدال سبقت محاولة العمال المصريين التي استولوا فيها على بعض المصانع في حركة اشتراكية متسرعة وأثناء الحكم الوطني الأول لسعد زغلول الذي قمع الانتفاضة العمالية بقسوة. ويبدو إن هؤلاء العمال والاشتراكيين المصريين لم يقرأوا تحذير فرح أنطون في كتابه الذي صدر قبل عشرين عاماً من عملهم.

تنوير لويس عوض

 مثل الناقد والباحث لويس عوض شخصية ليبرالية متماسكة ونضالية على مدى عقود القرن العشرين المهمة عربياً 1914 – 1990.

 كان مولده من أسرة مصرية مسيحية ريفية من الشرائح الوسطى، حيث كان الأب موظفا وذا انتماء سياسي عاطفي لحزب الوفد، وجه ابنه نحو الثقافة الإنجليزية. وقد استكمل الابن هذا المشوار عبر دخوله الجامعة واختياره الأدب الإنجليزي ميداناً لتخصصه، وكان معلموه هم أساتذة التنوير والليبرالية الفكرية كطه حسين والعقاد وسلامة موسى.

 يعبر لويس عوض بشكل نموذجي عن المثقف الليبرالي الذي كرس نفسه لاستلهام الثورة البرجوازية الأوروبية ونقل تأثيراتها إلى الشرق، وهو بهذا يشارك الرعيل الأول الذي خاض النضال الديمقراطي والوطني منذ بداية القرن العشرين، وأسس تجربة الوفد وتجلياتها السياسية والفكرية المختلفة.

 لقد عمل لويس على نقل تأثيرات الثورة الديمقراطية في الوعي والثقافة بشكل خاص، حيث كان معظم إنتاجه أدبياً، ثم توسع في ستينيات القرن 20 لقضايا تطور الفكر المصري ومسائل الاشتراكية وغيرها.

 تظللت ليبراليته وخطه الفكري السياسي بنشأته في الطائفة القبطية، وأسرته المنتمية إلى الفئات الوسطى، والمحاطة بمجتمع إسلامي ريفي، تهيمن عليه العلاقات الإقطاعية الدينية، والتي غدت في وعي لويس عوض بأنها (الإسلام).

 وبهذا غدت العائلة المسيحية، ومن ورائها العالم الغربي المسيحي، التحديثي، الرأسمالي، هو البديل لمجتمع شرقي ديني إقطاعي، متخلف.

 إن البدائل هي الحداثة والعلمانية والديمقراطية، و لا بد في سبيل ذلك من إزاحة هذا المجتمع الديني المتخلف الإسلامي واستبداله مجتمع النهضة والحداثة.

 تتكون هذه التناقضات المطلقة بين التكوين الشرقي الإسلامي المتخلف غير العلماني وغير الديمقراطي، وبين التكوين الحديث الغربي المسيحي، من قضايا الاضطهاد التي واجهها المسيحيون في الريف المصري خاصة، يقول في مذكراته: «كنت أسمع هذا الكلام نحو 1923 وأنا في الثامنة من عمري فحفر في وجداني وعقلي آثاراً عميقة وعمق وعيي السياسي للمسالة الطائفية في مصر وخارج مصر.» ويقول لويس عوض: «إن أسماء أسرته مشتقة من التوراة والإنجيل»، ويسيطر عليه على الرغم من عقلانيته وعلمانيته: «إن بعض أفراد العوضية يحسون إحساساً عميقاً ليس فقط بفرعونيتهم ولكن أيضاً بأنهم من نسل ملوك مصر القديمة، وأنا شخصياً ورغم عقلانيتي الشديدة استسلم أحياناً لهذا الوهم..»، (اعترافات لويس عوض، أحمد محمد عطية، أخبار الخليج، 24/7/1990).

 إن هذا الصراع الذي يعبر عنه لويس عوض هو نتاج الصراع الاجتماعي الذي جرى في مصر، وخاصة في الريف، من توغل العرب وخاصة القبائل الرعوية، محمية من الأنظمة الاستبدادية للاستيلاء على أراضي الفلاحين الأقباط، وهو الصراع الذي اتخذ طابعاً دينياً، عبر الهجوم على الأقباط ومظاهر عبادتهم، ولجوء الأقباط إلى التمترس في دينهم، دفاعاً عن أرضهم ومصاحهم وتطورهم الروحي المستقل.

 واذا كانت المدن المصرية التي ينشأ ويختلط فيها المسلمون والأقباط، فإنها لا تغدو مدينة برجوازية حرة، تبعد الدين عن السلطة، فهي مدن إدارية للإقطاع المذهبي ولهذا فإن لويس عوض يحمل رفضاً لهذا المضمون العميق من الصراع، ولكنه يأخذ في وعيه الصراع بين الإسلام اعتباره ديناً للرعاة وكمنظور متخلف وبين الحداثة القادمة من الغرب المسيحي، كصراع مطلق. إن العرب والبدو والإسلام يأخذون في وعيهم طابعاً واحداً مطلقاً، كما يأخذ الغرب والعلمانية والحداثة طابعاً مطلقاً آخر، وليس بالإمكان لقاء الجانبين.

 إن لويس عوض يعد من هذه الفئات من الشرائح الوسطى المسيحية التي بدأت برفض الاقطاع الديني، القادم من بلاد العرب، وقد أخذت هذه الشرائح في بداية القرن العشرين تكون مزيجاً مصرياً مشتركاً في علمانية غامضة الملامح الفكرية والاجتماعية، ولهذا فإن التكوينين الديني والقومي يبقيان غامضين في برنامج حزب الوفد، الذي لا يتغلغل في جذور هذه العلمانية، طارحاً فكرة القومية المصرية، أو الشخصية الفرعونية، وهي كلها محولات أيديولوجية لتشكيل تحالف من شرائح «الطبقة الوسطى» مبهمة الملامح الفكرية.

 إن الرعيل النهضوي المصري يتكون في هذا المناخ، وخاصة الجيل الذي أعقب ثورة 1919 والذي كان لويس عوض ونجيب محفوظ وغيرهما منه، وليست روايات محفوظ وأعمال لويس عوض بعيدة عن أصدائه.

 ونلاحظ هنا ان العودة إلى التاريخ الفرعوني أو الاقتباس واستلهام الغرب الديمقراطي، لدى هؤلاء في هذه المرحلة، يستبعدان التاريخ العربي الاسلامي، فتمثل تلك الحقب القديمة أو الحديثة، مقصاً لإزالة الحقبة العربية الإسلامية، باعتبارها علة مصر وأساس تخلفها.

 إن هذا الوعي لا يشير إلى وجود نهضات عربية ما، وبالتالي لا يرى مراحل واتجاهات وطبقات في التاريخ والوعي العربي الإسلامي، ويحيل هذه التلاوين إلى وجود واحد هو الاقطاع الديني. إن اتجاه نجيب محفوظ ولويس عوض وسلامة موسى إلى التغييب الكلي للزمن العربي الإسلامي، سوف يقابله مستقبلا الحضور الكلي للزمن العربي الإسلامي ممثلا في العقاد وطه حسين وغيرهما.

 إن الشرائح الوسطى المصرية في وصولها ومشاركتها في السلطة منذ العشرينيات، أخذت تفقد طابعها العلماني والتحديثي، وليس ذلك لأسباب فكرية محضة، بل لعوامل اقتصادية واجتماعية متنامية في صفوفها، حيث أخذ حزب الوفد يضم أكثر فأكثر شرائح من الطبقة الاقطاعية، وغدت طبقة الأعيان مؤثرة في قراراته وتراجعت فئات «الأفندية».

 إن هذا انعكس على توجهات الوفد. التي تراجعت شعاراته العلمانية، وراح النفوذ الديني يتغلغل إلى صفوفه.

 لقد أصبحت المعركة لكسب أصوات المسلمين وهم الأكثرية مسألة حيوية للأحزاب والقوى الحاكمة. وقد توجه الاستعمار والسراي الملكي (الاقطاع الحاكم السياسي بجناحيه!) إلى استغلال الاسلام ضد الوفد والحداثة والعلمانية، أي بتحريك الاقطاع الديني الاجتماعي لوقف تصاعد نمو الفئات الوسطى. لكن الوفد دخل المعركة بلا مفكرين يغوصون بعمق في تضادات الموقف وتركيبه.

 ومن الممكن أن نرى في آراء لويس عوض نفسه، لوحة تكشف هذه القضية وتلاوينها.

 لقد وقف ضد توجهات طه حسين والعقاد ومحمد حسين هيكل لقراءة الإسلام. وقف ضد قراءاتهم جميعاً، ليس لأن هذه القراءات جميعها تمثل موقفاً معادياً للحداثة، بل لأنها تقرأ الاسلام.

 إن قراءة الإسلام حسب هذا الطرح ،«العلماني» تمثل نكوصاً نحو التخلف، وهنا نرى مثالاً عن التضادات المطلقة لوعي لويس عوض. ولكن هذه القراءات عن الاسلام متباينة في اجتهاداتها، ففي حين مثلت قراءتا العقاد ومحمد حسين هيكل وعياً يمينياً لتوظيف الإسلام لمصالح القوى الأرستقراطية في المجتمع، مثلت قراءة طه حسين رؤية تقدمية عبر كشفها الصراع الاجتماعي بين العرب وانحيازها إلى القوى المضطهدة والتقدم خاصة في كتابه «الفتنة الكبرى». وبهذا فإن لويس عوض قد وضع الإسلام كما تضعه القوى المحافظة كوعي لمصلحة المستبدين، أي فقد القراءة الموضوعية لرؤية الإسلام في مساره الحقيقي المركب، أي أن العداءين الديني والشخصي تغلبا على العقل في شخص لويس عوض. وهذا المسار الذي كرسه سلامة موسى، لم يستطع لويس عوض رؤيته أيضاً في إبداع نجيب محفوظ، الذي غادر مرحلته التاريخية الروائية، وغادر مرحلته الفرعونية كذلك، حين كتب «الثلاثية». لقد مثلت الروايات التاريخية عند نجيب محفوظ بطولة الفرعون، في حين مثلت الثلاثية بطولة الشعب.

 نستطيع ان نقول عن انقلاب لويس عوض على العقاد إنه يمثل مسيرة طبيعية في مسيرة وعيه الديمقراطي، فالعقاد في بدء حياته الفكرية كان هو صوت الدستور والحرية، ولكن منذ سنة 1935 دخل «فأصبح حرباً عواناً على الدستور وحكم الشعب والمدافع الأول عن حكم الصفوة، وتوقف عدائه للإنجليز… وتقارب مع الملك فاروق حتى قال فيه شعراً ونثراً… وأعلنها حرباً عواناً على مجانية التعليم وعلى مطالب العمال والفلاحين..» (أوراق العمر، المصدر السابق، الحلقة الثالثة).

 إذاً فإن تضاده مع العقاد يبقى واضحاً، حيث استمر لويس عوض في خطه الوطني والديمقراطي، لكن تضاده مع طه حسين الذي اتخذ مسيرة مضادة للعقاد، والذي بدأ حياته الفكرية السياسية بالهجوم على سعد زغلول: زعيم الرعاع كما وصفه، ثم تحول إلى مناضل ووزير وفدي، هو الذي يكشف طبيعة تنوير لويس عوض الغربي المستورد وغير المتجذر في الإرث الوطني المسيحي الإسلامي.

 فعلى عكس لويس عوض قام طه حسين بكشف بعض تناقضات التاريخ العربي الإسلامي، منحازاً إلى جانب التقدم والمضطهدين فيه، في بعض أعماله الأساسية، أي أنه دخل في صميم تغيير جوانب من البنية الاقطاعية الموروثة. أي أن طه حسين من جهته، لم يطرح في الثقافة أو السياسة، ضرورة تغيير جذري للمنظومة الاقطاعية.

 إن اتخاذ لويس عوض موقفاً معادياً بشكل جوهري للبنية التاريخية التي شكلها العرب في المنطقة، يجعل تحليلاته واستنتاجاته لنتائج وتطورات هذا التاريخ، غير موضوعية.

 ففي رفضه للشعر العربي الكلاسيكي يرفضه بشكل مطلق، معلناً وفاته بعد وفاة أحمد شوقي. وهذه العملية ليست بحثاً مشروعاً عن تطور في الشكل الشعري العربي، ولكنها تتجاوزها إلى محاولة إلغاء النوع الشعري العربي، عبر العودة إلى العامية ونقل أشكال شعرية غربية متعالية على سيرورة تطور الشعر العربي، تجد بعض حيثياتها في قصيدة إليوت. يقول أحد الباحثين عن عمله الشعري والنقدي: «محاولته التنظير وأثر ثقافته الغربية وطغيانها عليه، بحيث جرفه ذلك إلى كثير من التطرف والتعصب اللذين ــ بالإضافة إلى أنه لم يكن شاعراً ــ  أديا به إلى إخفاق دعوته وإلى محدودية أثر ديوانه، بسبب ركاكة ورداءة النماذج الشعرية التي نظمها من ناحية، ومن ناحية أخرى بسبب نظم كثير من هذه النماذج بالعامية، كذلك بسبب تكلف كثير من النماذج واثقالها بالإشارات والألفاظ الأجنبية من ناحية ثالثة»، (بحث حسني محمود في مؤتمر المشروع الثقافي للويس عوض، القاهرة، بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيله).

 تتوارى هنا كذلك فكرة رفض الجسم العربي الثقافي بكليته. ولكن حتى هذه الفكرة تحتاج إلى غوص في النوع الشعري وفى الواقع، إنتاجاً وتحليلاً، وهذا ما لم يفعله، ولهذا فان النوع الشعري البديل لكل النوع الشعري العربي لم يتجذر، لأنه مغامرة في الهواء.

 إن لويس عوض وهو يعيد إنتاج علمانية سلامة موسى المغربة، أي التي لا تتغلغل في الإرث العربي الإسلامي المسيحي، لكي تحصل على مواقع متجذرة في الانواع الفنية، لا يستطيع أن يكونها، لأن ذلك يفترض عكس ما يريد وهو دخوله إلى الجسم العربي الإسلامي المرفوض لديه. أي ايجاد ديالكتيك داخل هذا الواقع والتراث، ومن دون وجود سمات متضادة، يستحيل حدوث صراع ونمو وتجاوز.

 إذا أخذنا رأياً سياسياً مباشراً منه هنا، سنأخذ رأيه في أحمد شوقي، بعد أن نضج وكتب ذلك في كتابه السابق ذكره، فيقول عنه: «وقد بلغ من سخافة أحمد شوقي انه أنشد في تمجيد انتصار مصطفى كمال في معركة جاليبولي: الله أكبر في الفتح من عجبِ يا خالد الترك جدد خالد العربِ

 فحاول إحياء رموز الفتوحات الإسلامية في وصف قائد معركة وطنية بحت، اشتهر بعلمانيته المتطرفة وبأنه صاحب الدعوة الطوارنية الذي صفى فكرة الجامعة الإسلامية عندما صفى الامبراطورية العثمانية والخلافة العثمانية وادار ظهره للعرب الذين قاتلوا تركيا تحت لواء الإنجليز في الجزيرة العربية، ص 227.

 إن أحمد شوقي ينطلق في قصيدته من موقف تقليدي في رؤيته للإسلام وتاريخه، ولكنه يراه كشكل تحرري من الغزاة الغربيين وغيرهم، ولهذا يمدح كمال اتاتورك كقائد وطني تحرري مسلم، وكان يُفترض في علمانية اتاتورك أن لا تناقض إسلاميته، ولكنها كانت علمانية (مغربة) أي على نمط غربي شكلاني، أي أنها تأخذ العلمانية كأشكال في جوانب رئيسية منها، ولا تتجذر في الواقع الإسلامي، أي أنها لا تفصل بين الدين كسيطرة اقطاعية وسلاطينية، والدين ككفاح شعبي.

 ولهذا فإن ذهاب أتاتورك الجيد إلى أوروبا لم يكن يناقض فكرة الجامعة الإسلامية، وحتى من الناحية الاقتصادية العملية كان التوجه بشكل كلي غرباً مضراً على المدى البعيد.                  

                                                                لويس عوض

 ولكن العلمنة التي يصفها لويس عوض بأنها (بحتة) هي استمرار لنهج الإدارة العسكرية الاقطاعية التركية في التوجه الشكلي للحداثة دون رفدها بثورة ديمقراطية اجتماعية توزع الأرض على الفلاحين وتشكل تعددية الخ…

 ويقول لويس عوض: إنه كان متحمساً لقصيدة شوقي في شبابه، ولكنه الآن يحكم عليها بالحكم السابق، وهذا يوضح إن أحكامه الفكرية لم تتجذر تجاه شوقي وتجاه العلمانية.

 ومن هنا نقرأ نقده لثلاثية نجيب محفوظ السابق الحديث عنها، وهي  التي تمثل خطاً مضاداً للويس عوض، فمحفوظ انعطف بأدواته التحليلية إلى الرواية، وإذا كان الزمن الفرعوني ظل لديه كقبس متوارٍ، إلا أن الشعب أخذ يحتل ساحة وعيه الفكرية، وقد راحت الفئات الوسطى، والوفد وسعد زغلول، تحتل مكانة القيادة لهذه الساحة، وبهذا فان الواقع الحي راح يفرض هيبته على الوعي المسبق. وفى موضوع الثلاثية، فإنها نقد واسع للنظام الإقطاعي بسلطته المتعددة: الإنجليز، والقصر، والاقطاع المنزلي الذي مثله السيد أحمد عبدالجواد، ويغدو التفكك السياسي على مستوى البلد، متوازياً مع التفكك الإقطاعي داخل منزل السيد أحمد. ويترافق ذلك مع صعود الفئات الوسطى، بشرائحها الايديولوجية. السياسية المختلفة: الوفد، الاخوان، الماركسيون.

 لكن لويس عوض استغرب من عدم ظهور ثورة 23 بصورة حرفية في الثلاثية، وكأنه يريد صورة فتوغرافية وليس تجسيداً عميقاً لتحولات جوهرية. وبهذا فإن الوعي التحديثي العلماني لدى محفوظ يتغلغل في مادة الواقع، أخذاً في مشرطه المسلمين والمسيحيين والطبقات والوعي المختلف في نسيج وطني متباين. وبهذا مثل ذلك شكلا مغايراً لعلمانية لويس عوض المتغربة.

 نكتشف عبر الجوانب الإيجابية التي طرحها لويس عوض عبر العلمانية والديمقراطية والتحديث التي أصر عليها، جوانب أخرى تمثل نقصاً هي بمثابة الإشكاليات التي عاشتها هذه المفاهيم.

 وتعود مختلف هذه الإشكاليات إلى موقف لويس عوض الوطني المتشدد، الذي يرى مصر في نسيج تاريخي وثقافي ولغوي مختلف عن العرب، ومنفصل كلياً عنهم.

 ففي كتابه «مقدمة في فقه اللغة العربية»، والصادر عن دار سينا للنشر، 1980، ط 2، يوضح آراءه، فيقول: إن العرب ليسوا من الجزيرة العربية بل هم مهاجرون من منطقة القوقاز، وبالتالي هم آريون، وجذور لغتهم من اللغات الهندو- أوروبية، وإن مصر وشعبها قبلهم، وإنهم هم الذي اثروا عليهم وطوروهم. وإن الكثير من كلمات اللغة المصرية دخلت العربية.

 والواقع ان الآراء مختلفة في أصل العرب، فهناك نظرية تقول بمثل ما يقول لويس عوض، وهناك نظريات أخرى تقول بسكنهم الجزيرة وإن الشعوب السامية كالبابليين والكنعانيين هم من الجزيرة العربية، وهي أمور أكدتها الآثار والأبحاث المختلفة، أما الأصل البعيد الذي يستغرق آلاف السنين فهو أمر جائز لكنه غير مبرهن عليه. لكن من الغريب أن نجعل هذا الأصل البعيد جذراً لاختلافات اجتماعية وسياسية ودينية راهنة.

 أما الأمر المؤكد والعياني والذي ينكره لويس عوض فهو ان العرب المسلمين لعبوا دوراً تحويلياً نهضوياً كبيراً أعادوا به تشكيل المنطقة، وجعلوا المسيحية الشرقية جزءاً من التشكيلة الاجتماعية الإسلامية العامة، أي من البناء الحضاري التعددي والمتنوع في المنطقة، كالعديد من المكونات الأخرى: اليهودية، والزنجية والهندية، التي تم ضمها واستيعابها في قوانين حضارة العصر الوسيط، التي عرفت الإدغام والضم، أكثر من التداخل الديمقراطي، والتلاقح العضوي.

 ولم يتحول كتاب «فقه اللغة العربية» إلى قراءة لهذه الحضارة العربية الإسلامية المسيحية الخ.. بل هو يعيد إنتاج الصراعات الدينية بشكل (علمي) حديث، ويتجلى هنا ذلك التضاد المطلق الذي أشرنا اليه منذ البدء، وهو التضاد بين العرب والإسلام من جهة وبين الحضارة والحداثة من جهة أخرى، وهو يدخل في القطب الأخير مصر، حيث هي أيضاً في تضاد مع العرب، ولكنه لا يدخل زمنها العربي الإسلامي الوسيط ليحلله ويكشف عناصره المتضادة، بل هو ينفيه كلياً.

 أما التحليلات الموسعة فهي لحضارة الغرب التي نثمن اهتمامه بها ونقله لآثارها الإنسانية العظيمة، وخاصة للعصر التنويري الذي انشغل به لويس عوض وقدم عنه كتاباً هاماً، لكنه لم يأخذ كذلك الفكر الغربي كتكوينات متضادة، فهو يقف عند فكر عصر النهضة، ولا يقوم بتحليل العصر الامبريالي الغربي.

 وهو اذ ينتمي لتيار الاشتراكية الديمقراطية الغربية، فهو يغدو رائداً لمسيرته الديمقراطية الاجتماعية، والتي تتجلى بتاريخه السابق في العهد الملكي، كذلك باستمرار نضاله من أجل الديمقراطية في العهد الجمهوري العسكري، والتي يدفع فيها من عمره سجناً وحصاراً معيشياً وغربة، ولكنه لم يتنازل عن آرائه فضرب مثالاً عظيماً للأجيال.

 وتمثل عملية اعتناقه للفكر الاشتراكي الديمقراطي كذلك استباقاً لتحولات العالم والمنطقة، وهذه تحتاج إلى دراسة متفحصة في الواقع، لأنه في سنواته الأخيرة قدم مجموعة من الأعمال الفكرية التي تتناول تيارات العصر الحديث وجوانبه الأدبية.

 ولهذا فإنها بحاجة إلى وقفة أخرى.

 وعموماً فإن القراءة للجوانب الإيجابية والسلبية تستهدف الوصول إلى صورة موضوعية عن رائد كبير للوعي (العربي) الحديث.

 

لويس عوض التوحيدي

ساهم الباحث والناقد لويس عوض في تغيير الثقافة العربية التقليدية خلال القرن العشرين إلى الحداثة والعقلانية، وكان قادماً من الريف المسيحي المصري يحملُ هواجس ومطامح الشعب للتغيير، وكتب الكثير من أجل التحديث.

شدته الثقافة الغربية الديمقراطية وقارب اليسار الديمقراطي وراح يصطدم مع المكونات المحافظة والشموليات المتعددة في كل مكان.

وقد عمل على التوحيد الوطني، ولهذا يقول في مقدمة كتابه العنقاء وهو المواطنُ المصري المسيحي (وما قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه «إني قد وليتُ عليكم وليستُ بخيركم، فإن رأيتموني على حقٍ فأعينوني وأن رأيتموني على باطلٍ فسددوني، وأطيعوني ما أطعتُ اللهَ فيكم، فإن عصيتَهُ فلا طاعةَ لي عليكم» إلا تقنيناً لثورةِ المحكوم على الحاكم)، العنقاء، ص 42، 43.

في كتاباتهِ الكثيرة يعمدُ لويس عوض لتقديم الثقافة الغربية التنويرية وتسويقها في الحياة العربية، وهو قد درسَ تاريخ اللغة العربية في كتابه فقه اللغة، الذي هو محاولةٌ لفهم موضوعي لنشأتها، ونقدٌ للفهم الأسطوري لظهورها.

في الأربعينيات من القرن العشرين حدثت الأزمة العميقة في العالم، وخاصة في مصر، بتفجر الحرب العالمية الثانية وحركة التحرر الوطني بعدها، وفي هذه الأزمة المتصاعدة كتبَ لويس عوض روايته (العنقاء أو تاريخ حسن مفتاح) التي لم تُنشر حتى سنة 1966، وقد قدم فيها تصوراً كابوسياً للتحول في مصر، فيما كانت الوقائعُ الحقيقية تجري بإتجاه آخر، فاليمينُ الملكي والبرجوازية الكبيرة كانا عاجزين عن تغييرِ البنيةِ الاجتماعية المتأزمة في البلد، وبدت الأشكالُ السياسية الجديدةُ كتنظيماتِ الإخوان والشيوعيين والطليعة الوفدية الأقرب للقوى الشعبية عاجزةً عن فعل شيء، وقد تفاقم في نشاطها العنفُ، وتفجرتْ الاغتيالاتُ وإنتشر السلاح، مما عبرَّ عن أزمةٍ بنيوية لا تزال مستمرة.

أطرافُ الاستعمار البريطاني والقصر الملكي والبرجوازية الكبيرة كانت في صراعاتٍ غيرِ قادرةٍ على طرح حل، أي لم تكن مستعدةً للتنازلات عن الملايين من الجنيهات في سبيلِ إصلاح الريف المدقع الفقر، وتطوير المدن باتجاهِ الصناعة والديمقراطية، وقد إنفجر مجلسُ النواب المصري غاضباً لطرح إقتراح بتحديد المُلكيةِ الزراعية بمائتي فدان فقط، وهي مساحةٌ كبيرة، ثم أن هذه القوى خسرتْ كلَ شيء، فيما لم تستطع القوى الجديدة حل المشكلات.

هذا التعنتُ من القوى العليا وصراعاتُها فتح المجال للقوى العسكرية في إختراق جميع الطبقات والقوى السياسية الاجتماعية والسيطرة على البلد وإدخاله في عالم الدكتاتورية، التي هي قادرةٌ على القيام بإنجازاتٍ مبهرةٍ في بداية الأمر ولكنها لا تستطيع الاستمرار في ذلك لعدم قدرتها على التحويل الديمقراطي العميق.

وقد مدح لويس عوض الانقلابَ العسكري في كتابه (العنقاء) في سنة الإصدار أي سنة 1966 عبرَ جملٍ وامضة، ليُسمح لهذا الكتاب بالطبع، رغم تعرضه للسجن والطرد من وظائفه خلال السنوات السابقة!

هذا التنازلُ اليسير كان وراءه جملةٌ من الإشكاليات، فالكتابُ الروائي كان هجوماً واضحاً واسعاً ضد الحركة الشيوعية المصرية، التي كانت حينذاك تقبعُ في السجونِ الناصرية وفي زمن إصدار الكتاب لأول مرة، فيما كانت أوضاعُ الناس قد تغيرت وإن لم تتحول تحولاً كلياً، وهو كتابٌ كان يمكن أن يصدر في طبعات أخرى مترجمة وعربية وفي أوضاع لا يستثمرها النظام العسكري، ولكن المؤلفَ لم يختر سوى هذه اللحظة القاتمة المزدوجة.

فيما كان لويس عوض يعمل في لهفة على صدور هذه الرواية بعد عقدين من كتابتها، فهي تنتقدُ الدكتاتوريةَ العنيفة، وبأشكالٍ غرائبية فنتازية، ولكنها لا تقصد بالنقدِ والتعريض الجماعات الماركسية المصرية المسالمة في عمق الكتاب، وتنقد الحلولَ العنيفة للمشكلات وأنها هي الكارثة على المجتمعات، وهو ما يؤكد أن الرواية ليست في دلالاتها المباشرة السطحية بل في عمقها وفي لغتها الوطنية وتصويرها الرائع للنماذج المطحونةِ من الناس ولتغلغلها في الريف وكشف أمراضه وتعرية الأحزاب والسلطات النائمة فوق بحرٍ جماهيري متلاطم العذاب!

هذا ما جعل الرواية تُهاجمُ من أطرافٍ كثيرة، ويُعربُ عن طليعيتها وقوتها نقادٌ وكتابٌ قليلون قرأوها وهي مخطوطة تنتقلُ من يد إلى يد ومن ناشر إلى ناشر خلال عشرين عاماً.

وكما تكمن في الرواية تناقضات المجتمع المصري البشري عامة، فهي تحوي كذلك تناقضات لويس عوض الفكرية وقصور أدواته الفكرية والفنية في فهم الظاهرة الشمولية التحولية وفي تحويل موقفه الديمقراطي إلى جسد إبداعي متكامل.

تبنى لويس عوض الباحثُ والمبدعُ الوطني الاشتراكيةَ الديمقراطية، وهي الفهمُ الماركسي الذي كان متذبذباً بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، فهي لم تستطع أن تقاومَ الشموليتين الكبريين في تلك المرحلة وهما الشيوعية والرأسمالية الاستعمارية، أي لم تستطع أن تكونَ يساراً ديمقراطياً عميقاً صلباً، على مستويي العالم وعلى مستوى البلدان النامية خاصة.

على المستوى الوطني لم يكن ثمة حضورٌ لمثل هذا الوعي، وقد تكسرتْ البذورُ التنويرية لأقطابهِ مثل سلامة موسى عاجزةً عن التبلور النظري والتغلغل التنظيمي الشعبي.

وقد كان لويس عوض أوسعَ ثقافةً من سلامة موسى، وأكثر نشاطاً وأعمقَ رؤية، ولكن الفهم الديمقراطي الاجتماعي التقدمي لم يكن ليلاقي أصداءً قوية لدى المثقفين الطالعين من تُربٍ شمولية محافظة، على مستوى اليسار فما بالك باليمين. وإذا كان الوفدُ عبرَ الطليعةِ الوفدية وعبرَ محمد مندور قد قارب ذلك، لكن اليمينَ المحافظ إكتسح الوفدَ والإخوان المسلمين.

لهذا كانت مؤلفاتُ لويس عوض الحلقةَ الجديدة المحوريةَ للوعي الاشتراكي الديمقراطي في هذه المرحلة، وقد أتجهتْ للعروضِ والدراسات الأدبية والسياسية العامة للنماذج الإبداعيةِ الغربية وللمدارس الفكرية، لكن كانت تخلو من دراساتٍ إجتماعية عميقةٍ لمصر والعالم العربي.

روايته (العنقاء أو تاريخ حسن مفتاح) تعكسُ هذه العروض الإبداعية الغربية ومستوى قراءتهِ المحدود للبنيةِ الاجتماعيةِ الوطنية وإحتمالات تطورها.

وهي كُتبتْ بعد أن عانى لويس عوض من محنةِ إنتحارٍ صديقٍ له كان يشاركُهُ غرفتَهُ في الفندق، وقد حوّلَ لويس عوض الحدثَ لكابوس وحولَ شخصيته الذاتيةَ إلى نموذجٍ روائي هو (حسن مفتاح)، فالصديقُ الذي إنتحرَ لأسبابٍ شخصية عاطفية تجلى لحسن مفتاح طالباً منه أن يقتلَ شخصاً مشابهاً له من أجل أن تحلَّ روحَهُ الضائعةُ الحائرة في جسدِ ذلك الشخص الشبيه خلال الأربعين يوماً المقررة روحياً من تحويمها في الأرض قبل أن تصعدَ للسماء!

وحسن مفتاح ليس مثالياً روحانياً فهو عضو قيادي في اللجنةِ المركزية للحزب الشيوعي المصري، وقيام المؤلف لويس عوض بدفعه في هذا المسار المتاقض، هو دفع للأشخاص والحدث متجاوِّزاً الموضوعيةَ الفنية المفترضة، ومنتقلاً من الواقعية إلى الغرائبية الفنتازية، وبالتالي فإن الدلالات السياسية المباشرة تنتفي هنا، فهذا خيالٌ تركيبي متناقض.

حسن مفتاح الشخصيةُ المركزية يصادفُ جملةً من الشخوص يعرضُ معاناتها ووجودها عبر صفحات مطولةٍ ثرة بالنقد والخيال واللغة الشعرية، والبؤرةُ هي ذاته المتقلقة بين نموذجِ الثورة العنيفة وبين التسامح والسلام، وبين اللذة والحب، وبين الديمقراطية والدكتاتورية.

وكصديقه يتعرضُ للموت فتحومُ روحُهُ باحثة عن جسدٍ تسكنهُ في الحياة، وتذهب لشبيههِ وهو رجلٌ قروي اسمه قنديل، فيقتلُ حسن مفتاح قنديلاً ويتلبسُ جسده، ولا يجد سوى أشياء قليلة بيولوجية مختلفة عنه يقوم بتغييرها حسب صورته الفتوغرافية!

ورغم هذه الشعوذة الروحانية الفنية لحسن مفتاح فإنه يستمر كرئيسٍ للجنة المركزية للحزب الشيوعي، وربما زادتُهُ هذه الأجواءُ طيراناً خيالياً فيصممُ خطةً عسكرية للانقلاب في مصر للإطاحة بالنظام الملكي وقتذاك، وتوافق اللجنة المركزية على المشروع، وحسن مفتاح صوتُ المؤلفِ يعرضُ أعضاءَها بشكلٍ مختزل فاقدٍ لأعصابِ الحياة وجذور الشخوص، مثلما ألبسَّ فكرته الروحانية الجسدين البشريين وألبسَّ مثاليتَهُ الفنية الواقعَ الموضوعي.

ويأتيه عزرائيل قبيل تنفيذهِ لخطةِ الانقلاب الدموي طالباً وقف المجزرة وإلا إستعاد جثة قنديل الميت أي يقوم بسحبه للآخرة، ويشارك عزرائيل كذلك في هزيمة الانقلاب المغامر عبر الوشاية لدى الأمن!

يعبرُ المبنى الروائي عن مخاوف الاشتراكي الديمقراطي لويس عوض من صعودِ قوى العنف، وقد وجدَ النموذج الستاليني في ذلك الحين ضارياً أقرب للتجسد مصرياً من غيره فجعله مجسّداً بشكلٍ متضخم، ولم تكن لدى لويس عوض تجارب التعبير الإبداعي الروائي المستمر في حرث الواقع الوطني وتحليله، وأعمالُهُ الإبداعية النادرة مسرحياتٌ في أجواء الأساطير والتاريخ الديني.

كما أن خبرته الحياتية تتصلُ بنماذج اليساريين الوطنيين دون غيرهم، فقطعَ مشهدياتٍ من حياتِهم وألصقها في العمل الروائي (العنقاء)، مثلما لم يدرسها في تحولاتِ الواقع وآفاقه، فكان العملُ خيالياً فانتازياً من جهة، وواقعياً فوتوغرافياً من جهة أخرى، فأفتقدَ التحليلَ الفني العميق الشامل لكنه كان رائعاً.

ولهذا فإن بؤرةَ العمل الشخصية حسن مفتاح هو لويس عوض في جزئيةٍ من شخصيته، وهو كذلك تضخمُهُ الخيالي يساراً ويمينياً وعدم قدرته على التحول لاشتراكي ديمقراطي يقومُ بتحليل المجتمع ونقده وتكوين تيار يجسدُ رؤاه وفعله، وتلعبُ التوسعاتُ المبالغ الفنيةُ والأسلوبُ الشعري الدرامي دورَ ملءِ الفراغات وسترَ نواقصِ المؤلف في التحليل الموضوعي الإبداعي للمجتمع وإنتاج  النماذج المتماسكة.

وقد فعل لويس عوض كلَ ذلك والكثير من إبداعاته من أجل أن تقوم فكرته بتوحيد الشعب وتحديثه وتحرره.

http://www.civicegypt.org/?p=76789http://www.civicegypt.org/?p=76789