هناك بعض أوجه التشابه بين التجربة الماركسية — اللينينية والتجارب العربية الفكرية والاجتماعية القومية والدينية، فهناك جوانب عميقة متقاربة، فالمنهجية الماركسية التقليدية لم تتشكل كحفرٍ علمي في العلوم عربياً وإسلامياً ، فهي جاءت كمقولاتٍ ناجزةٍ، فليس ثمة هنا أبحاث واسعة في العلوم، ولا تشكيل لطبقة فكرية موضوعية على سطح الوعي، وبالتالي فإن تطبيقها على ميدان التاريخ والبنى الاجتماعية كان يجري بالطريقة ذاتها، أي كعمليةِ نقلٍ من المصادر، بالسياق السياسي ـ الإيديولوجي ذاته، فكان على العرب القفز من الإقطاع إلى الاشتراكية.
إن السياق السياسي هذا سيطر على المنهج وأخضعه لغاياته بدلاً من أن يكون بحثاً في الواقع والتشكيلات في مسارها العربي، وقد تم نقل المخطط التاريخي الخماسي القائل بوجود خمسة تشكيلات هي المشاعية، والعبودية، والإقطاع، والرأسمالية، والاشتراكية، ثم تم خرقه بالقول بضرورة القفز على التشكيلة الرأسمالية.
فهنا تغدو مقولاتُ المادية التاريخية غيرَ قادرةٍ على النفاذِ إلى البُنى الاجتماعية العربية، حيث تدعو للقفز من الإقطاع إلى ( الاشتراكية ) وفي هذا القفز إنكار للمادية التاريخية، فهنا أيضاً لا توجد أمة عربية ذات سيرورة تاريخية خاصة، بل موديلات جاهزة، أي أن المادية الجدلية لم تتحول إلى مادية تاريخية، لأن كلا الماديتين لم تتشكل في مادةٍ بحثية عربية.
هنا يقومُ الوعي بإسقاط ذاته على الواقع الموضوعي، فيتم خرق القوانين الموضوعية باسم ذات القوانين، فموضوعيةُ التشكيلات التي تُلقى تتحدد أساساً بعملية الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، فهاتان البنيتان بحاجة إلى درسٍ عميق، وحين تضيع قوانين كلا التشكيلتين لا يتشكل وعيٌ موضوعي.
إن (الأنا) تسقطُ معايير النفعية والفائدة المباشرة هنا ويقودُ هذا إلى عدمِ رؤية القوانين الموضوعية للمادة، سواء كانت طبيعية عبر العجز عن قراءة العلوم الطبيعية معرفياً، أو اجتماعية بالعجز عن اكتشاف قوانين تطور المادة الاجتماعية بسبب الإسقاط السياسي، فتتآكل الفلسفةُ المادية على جانبيها الجدلي والتاريخي، ومن هنا لا تغدو لها حفرياتٌ مميزة في الحياة الاجتماعية.
إن الإسقاط السياسي يقودُ إلى عدمِ قراءة سيرورة التشكيلات الحقيقية ويكون لهذا نتائجه بعدمِ رؤيةِ خيطِ التطور الموضوعي، مما يفتحُ الطريقَ للعودة إلى المثاليات.
إن تحولَ النظرية الموضوعية إلى أفكارٍ تستهدفُ منفعةَ الذات الجماعية، وليس إلى وعي جماعي يكتشف القوانين الاجتماعيةَ ويسيطر عليها، تقود إلى تآكل النظرية وتحولها إلى مجموعات من الشعارات والأفكار النفعية المتقلبة، وهو أمر يفتحُ البابَ لمجموعةٍ من المناهج المتناقضة المضطربة، من المادية الميكانيكية والجدلية مع اشكالٍ من المثالية الذاتية في خليطٍ يتجهُ في خاتمة المطاف إلى عدم الصمود ونفي تناقضاته الداخلية إلى مركب جديد.
فتسيطر فكرة نقل الموديل ولكن هذا الموديل غير صالح للسكة التاريخية التي يفترض أن يمشي عليها، إن المادية الميكانيكية هنا تتفكك وتتحطم، ففكرة إزالة الدين كما جرت في الاتحاد السوفيتي أو الصين التي تنُقل ميكانيكاً هنا تتحول إلى رفض كلي للدين، أو تتحول إلى استغلاله سياسياً، أي دون دراسته وفهمه واتخاذ مواقف دقيقة من عمق هذه الدراسات.
وتقود عمليةُ القفز على التشكيلة إلى القفز على مفرداتها الموضوعية كالدين والملكية الخاصة والرأسمالية ، أي تقود إلى عدم تنمية تطوير العناصر الديمقراطية الجنينية وتحويلها إلى انعطاف سياسي في البنية.
إن كفة التيارات السياسية العربية ستقوم بإعادة إنتاج هذه الطريقة سواء أكانت قومية أم بعثية أم دينية أم وطنية إقليمية شمولية أم قوى مذهبية سياسية.
إن إسقاط أهمية الرموز الدينية التي خلقت البنى الاجتماعية الإسلامية، يقود إلى عدم القدرة على تفكيك علاقة الإقطاع بالدين والتحكم في السلطتين السياسية والدينية، وبالتالي يقود إلى عدم القدرة على تكوين جبهات سياسية عريضة للتحول الديمقراطي.
فهذه الرموز نتاج تطور طويل للبنى، بحيث تغلغلت في مستوياتها السياسية الفكرية — الاجتماعية والاقتصادية، فهي تقوم بإعادة إنتاجها، ومن هنا يتطلب التغيير إعادة بنائها.
تتكونُ في التجربة (الشيوعية العربية) كما هي في التجربة القومية – البعثية والمذهبيات السياسية المختلفة، (الذات) المتجوهرة حول الطبقة القائدة التاريخية أو(الأمة) العربية أو(الأمة) الإسلامية أو الطائفة، وإذا كانت الذاتُ الشيوعية مرتبطةٍ بالواقع وعمليات تحليله الطبقة والتاريخية فإن المفهوم الذاتي الجوهري لا يتغير نوعياً، فهذه الذاتُ ستخرقُ قانونَ تحليل الواقع الموضوعي وستطرح برنامجها القادم من الذات العالمية المتجوهرة، ذات الطبقة العاملة العالمية، كما ستتمظهرُ فى كيان رأسمالية الدولة الشمولية في الاتحاد السوفيتي أو الصين الخ.. أي كما تتصور الطبقة العمالية، أقسامٌ من الفئات الوسطى تُسقطُ أفكارَها ومصالحها على حركة هذه الطبقة، أي تقوم بأدلجتها.
وسيدورُ العالمُ حول هذه الذات، ولهذا فإن درسَ التاريخ يغدو إسقاطاً منها عليه، فهى لا تقرأهُ بموضوعيةٍ بل تُسقطُ عليه برنامَجَها السياسي، فتغدو هي مركزه؛ بدلاً من أن تقرأهٌ مستقلاً عنها.
ومن هنا سيغدو تغيير الواقع المعاصر كذلك مرتبطاً بهذه الذات، فسترى تطبيق برنامجها هو الحقيقة الاجتماعية الموضوعية، أي كل ما يجعل الطبقة العاملة تسود، وهذا ما يكرسُ نموذجَ رأسمالية الدولة الشمولية كما في مصر والعراق والجزائر وسوريا واليمن (الجنوبية) الخ.. وبدلاً من برنامج الحياة الموضوعية وهو برنامج هدم النظام الإقطاعي الديني، وتشكيلِ نضالٍ طويل متدرج لتغييره، بتصعيد مختلف العناصر الديمقراطية والتحديثية، سيجري القفز على ذلك، وسيجري تقوية أجهزة الدول المركزية، وثقافة الشمولية المختلفة، وبقاء النظام التقليدي في خاتمة المطاف.
إن الذاتَ هنا غير قادرةٍ على إنتاجِ مقولاتٍ فلسفيةٍ بسببِ هذه المثالية الذاتية، المثالية المتقوقعةُ حول (الأنا)، ولهذا لا تستطيع أن تحل معضلات فهم التشكيلات التاريخية رغم اقترابها من درس الواقع الموضوعي بشكل كبير، لكن هذه الدرس يهدمهُ تصور ذاتي عن الوجود، وهو تصور (طبقي) يعود لفئات وسطى شمولية.
وكل التصورات البحثية والقومية والمذهبية السياسية صادرة عن مفهوم طبقي، ولكن هذه التصورات سترفض مفهوم الأنا الطبقي، وتحل محله مفهوم الأنا القومي أو الديني أو المذهبي، ومن الناحية التاريخية الكبرى، أي عبر المصير المتوقع في مسار التشكيلة، سيكون الأمر متقارباً، أي لن يكون ثمة فروق كلية بل فروق جزئية.
فالأنا القومية هنا كذلك تقومُ بإسقاط ذاتها على الوجود كما رأينا في آراء المفكرين القوميين، فالأنا العربيةُ تقفزُ خارجَ الزمان والمكان، ولهذا تغدو مقولاتها شعرية لا فلسفية، خطابية لا مفاهيمية موضوعية، ولهذا فإن الفئات الوسطى المنتجة لهذه الدعوات، ستتقاربُ مع الفئات الوسطى المنتجة للشيوعية العربية عبر تصعيد دور الدولة كجهازٍ تقني لحل معضلات القفزة الحضارية، نحو الحداثة، وإذا كانت الأنا القومية ستعملُ للحفاظ على جوهر الأمة وبقائها الميتافيزيقي، الخارج عن التاريخ، فإن الذاتَ الشيوعية العربية سترى تصعيدَ دور الدولة وتضخيم الطبقة العاملة مؤشرات نحو تحقيق الذات بشكل آخر.
إن الذاتين الشيوعية والقومية تتصادمان أو تترافقان عبر تصعيد دور الدولة المركزية وهو أمر يقودُ إلى تصعيد دور المنظومات التقليدية السياسية القديمة، أي تصعيد الدولتين السنية أو الشيعية الرابضتين تحت القشرة السياسية الهشة للحداثة، وهنا يجري القيام بطلاءٍ تحديثي، مترافق كذلك مع إنجازات اقتصادية واجتماعية تدفع ملايين من السكان للالتحاق بالتجربة، والتظاهر معها، ولكن نظام رأسمالية الدولة شكل انتقالي بين التشكيلات، وهو في الدول الشرقية المتخلفة، يغدو شكلاً انتقالياً بين تجديد نظام الإقطاع وتشكيل رأسمالية بأدوات بيروقراطية.
وهذا الأمر يتعلق بتجربة كل دولة وتقاليدها السياسية والاجتماعية، فالعراق توجه عبر البعث نحو استعادة نظام الإقطاع المذهبي بصورة قمعية شديدة، في حين اقتربت تجارب أخرى من الرأسمالية المُكونَّةً بشكلٍ إداري شمولي كمصر دون أن تخرج من نظام الإقطاع المذهبي بعد.
إن الفارق يتحدد بمدى ظهور فئات وسطى صناعية حرة، تبدأ في الحفر لتشكيل نظام رأسمالي حديث. أي بمدى القدرة على إنتاج وعي وطني ديمقراطي يتجاوز الشموليات بأنواعها: الشيوعية، القومية التعصبية، المذهبية والدينية التقليدية الخ.
وبهذا فإن المذهبَ السائد وسيطرة الارستقراطية والذكور والشمولية السياسية والفكرية كلها يُعاد إنتاجها، وسيغدو المذهب الديني السياسي المهيمن الشكل الإيديولوجي للخروج من الأزمة الفكرية الناتجة عن فشل الطريق (الاشتراكي) المزعوم.
أي أن القوى المسيطرةَ على الجهاز السياسي والاقتصادي والعسكري الشمولي تواصل تاريخ الاستغلال السابق، لكنها في الدول العربية والإسلامية لم تستطع الخروج من التشكيلة الإقطاعية، فظلت أسئلةُ الحداثة حارقةٍ في جسمها السياسى والاجتماعى.
إن هذه أيضاً عدم قراءة موضوعية وتطبيقية لـ(القوانين)، فقوانين المادية الجدلية بقراءة الطبيعة تخرق على مستوى قراءة تطور المجتمع، فتنفك العلاقة بين جدل الطبيعة وجدل التاريخ، ويغدو المجتمع مرهوناً بمخطط ذاتي لدى القيادات، فتحل الإرادةُ الفرديةُ نفسها محل القوانين الموضوعية للصراع الاجتماعي، وتهيمنُ الأرادةُ الفوقية على الأحزاب؛ وتهيمنُ على الدول، وعلى الملكية العامة المُصادرة، فتتشكل فئاتٌ بيروقراطية استقلالية، تهدرُ الثروةَ العامة.
وبدلاً من تصعيد فئات وسطى وعاملة حديثة ديمقراطية، يقوم الهيكلُ البيروقراطي بنخر الحداثة الاجتماعية الضعيفة، وبدلاً من تصعيد فردية وتحررية اجتماعية وعقلانية، يتم القفز إلى هياكل إيديولوجية عامة فارغة، مثل (ضرورة هدم الطبقات) أو (هدم الأديان)، لكن في المحتوى الاجتماعي العميق تبقى الذكورية المتسيدة والقبلية والبيروقراطية المتحكمة في الثروة والأطر الإقطاعية المذهبية.
ويصل نظام رأسمالية الدولة الشمولية الشرقي إلى أزمته، فتتفكك المنظومة، وتوابعها داخل المعسكر (الاشتراكى) أو خارجه. مثلما تحدث أزمة الأنظمة الأخرى العربية المحافظة ذات الجوهر (الستاليني)؛ ملكية عامة بيروقراطية مسيطر؛ وهي فاسدة.
وقد لعبت التحولاتُ الاقتصادية النفطية دورها في تصعيد قوى الإقطاع المذهبية بشكل أكبر من السابق، وبدلاً من تصعيد دور الرأسمالية (الحرة) انتشرت القوى التقليدية والشمولية القديمة. فهذه التحولات جرت في البلدان الصحراوية والريفية متدنية التطور، فساهمت في تأخير المدن العربية السائرة سابقاً في طريق التطور الحديث. وهكذا فإن أنظمة الإقطاع المذهبية حصلت على دفعة قوية.
هذا أدى إلى صدمة لمركزية الذات الشيوعية والقومية، فالتصور السائد بحدوث القفزة، انقلب إلى حدوث الارتداد، وهو أمر قاد إلى تآكل الوعي والتنظيمات وأعطى دفعة للصعود المحافظ كذلك.
فإذا كان مثل هذا الوعي لم يستطع أن يصلَ إلى فهمِ أساسيات التاريخ، ووضع إرادته الذاتية بديلاً عنها، فإن الطوابقِ التحتية في ذاته مليئه بأشكال الغيبيات والمثالية، ولهذا فإنه حتى مفاهيم المثالية الموضوعية التي لم تتشكل هياكلها لم تستطع الحضور النقدي الاجتماعي، ولهذا فإن شتى أشكال المثاليات الذاتية تتفاقم وتتصاعد في مرحلة الانهيار والاضطراب.
فمع مرحلة انهيار أسلوب ملكية الدولة المركزية الشمولية، على الصعيد العربي بسقوط الأنظمة الوطنية ذات الملكية العامة السائدة، أو بأزمات الأنظمة العربية المحافظة، تصاعدت موجةُ المذاهب النصوصية، كتعبير عن غياب بحث وتجسيد القانون نظرياً واجتماعياً.
فتصاعدُ الغيبيات المتطرفة كانتشار خرافات القبور وتحضير الأرواح الخ.. كان إعلاناً عن هجمة المناطق الرعوية والريفية، وبلدان الجزيرة العربية الصحراوية على المدن، النهضوية المتآكلة، وظهور زمن الثروة اللاقانوني، المستند إلى الصدف المحضة، وهكذا فزمن النهضة الأول المستند إلى اكتشاف وتجسيد القانون والصناعة الشخصية، تم القفز عليه عبر الانقلابات العسكرية ثم المناطقية المحافظة، وبهذا فإن الحكام المطلقين ظلوا في السلطة الأرضية كما ظلت صور الإله المطلقة الخارقة للقانون، أي أن الثروات وتوزيعها ظلت لدى أهل السلطة المتحولين والناتجين من تبدلات سياسية خارج الوعي والإرادة البشرية، وبهذا فإن النصوصيات الدينية المعادية للعقل صعدت بقوة، بدلاً من تراكم الفكر الموضوعي والعلوم.
إن الأفكار الدينية النصوصية المحافظة تقوم على صور الإله المتدخلة في كل شيء، تعبيراً عن ضعف الإرادة البشرية الشعبية تجاه التسلط الديني والحكومي، فتتوارى سببيات الثروة والأمراض والحروب وتدهور المدن الخ. . ويغدو كل شيء بـ(بإذن الله+ وأنشاء الله) وليس بإرادة العصابات الحاكمة في الحكم والدين.
وهذا يوسع انتشار اللاعقلانيات والغيبيات المتطرفة والصوفيات، وينهض الموتى للتحكم في الأحياء، وتسيطر الأرواحُ على الأجساد المفرغة من العقول. ويدير اللصوص المسرحين السياسي والاجتماعي.
إذا أخذنا سلسلةَ التطورات التي حدثت خلال القرنين الأخيرين، فسنجد ثلاثة فترات كبرى :–
الأولى : تمثلت في استيعاب المنجزات الغربية .
الثانية : في تشكيل تجارب لرأسمالية دولة شمولية، توهمت إمكانية تجاوز العصر الرأسمالي.
الثالثة : عودة متدهورة للفترة الليبرالية الأولى مع عودة كذلك للإقطاعين السياسي والديني الشموليين.
كان النهضويون الأوائل في القرنين الــ 19 والــ 20 يتصورون أن التماثل مع الغرب هو كفيل بخلق النهضة، وحين تزعزع هذا الوهم راح الدينيون يتصورون وهماً آخر هو استرجاع الفترة الأولى من العصر الإسلامى.
أي أن دراسة العصرين العربيين السابقين ورؤية تضادهما والخروج بتركيب منهما، وفي ظل ثقافة الحداثة المسيطرة، كان يمكن أن يكشف للعقول قوانين التطور الاجتماعي، وبالتالي يؤدي إلى التحكم فيها.
إن عصرنا العربي الإسلامي الراهن هو عصر التركيب، للعصرين العربيين السابقين، تداخل معهما ونفي لهما معاً. إنه عصر نفي النفي. وهو لهذا عصر التمثل العميق للحداثة العربية على مر الزمن والصعود بها إلى لحظة نوعية جديدة مقاربة لمستوياتها العالمية.
فأخذ إنجازات الثورة المحمدية، والجوانب الإيجابية من نضال الفئات الوسطى التحديثية في العصر النهضوي الأموي – العباسي السابق، وتشكيل نضال نهضوي للفئات الوسطى المتحالفة مع العاملين بشروط الحداثة المعاصرة.
وهكذا فإن إنجازات التحالف الشعبي الديمقراطي الإسلامي النهضوي الجريء في اقتحامه العالم، يضاف إلى تراكمية الثقافة الفكرية الموسوعية والانفتاح وعقلنة الفقه وعصرنته، وقد تم كل ذلك بوعي ديني مثالي مسيطر على أجهزة الحكم، تعبيراً عن القوى العليا مرة في تحالفها مع العاملين ومرة في انقطاعها عن التحالف مع العاملين.
وبهذا فإن طيفاً اجتماعياً واسعاً لابد أن يتشكل ليعيد إنتاج الحضارة العربية المستقلة الحديثة، وهذا التحالف الذي في جوهره تحالف الفئات الوسطى والعاملين، له مضمون اجتماعي هو إعادة تغيير طابع الدولة، في ملكيتها الاقتصادية الشاملة، وفي مذهبيتها السائدة المتحكمة، وفي تحرير كافة هذه الجموع من الدولة الإقطاعية – المذهبية، وفي خلق طبقات وسطى وطبقات عاملة حرة، تتداول السلطة حسب برامجها المقبولة للجمهور.
وعملية إجراء الإصلاحات في جسم الدولة – المجتمع الاقتصادي والديني والاجتماعي والسياسي، يعتمدُ على سلسلة من الإصلاحات في ظاهرات الوعي المختلفة.
إن جسم الدولة – المجتمع الذي يعيش النظام الإقطاعي المذهبي، يعيش المفردات الدينية الشمولية، كخلفية متحكمة فيه عبر القرون.
وإذا كانت صورة الإله الواحد المتدخلة في كل شيء التي زرعتها الأنظمة الاستغلالية فتلك صناعة الحاكم الواحد الذي يهيمن على السلطة – المجتمع زاعماً أنه شبه إله!
وقد قامت الفلسفات في العصر الوسيط الإسلامي بخلق وسائط غيبية متعددة في المشرق الإسلامي، ثم في المغرب أخذت نتخلصُ من هذه الوسائط بحيث غدت فلسفة ابن باجة — ابن رشد تشق الطريق نحو مثالية موضوعية.
لقد استغرقت العملية بين التكوين الديني الصوري القصصي الميثولوجي الحكمي، وبين تكون الفلسفة المثالية بمعمارها التعددي المفاهيمي عدة قرون، ثم إلى أن تكون مثالية موضوعية جنينية في الأندلس على بضعة قرون أخرى. وهذه المثالية الموضوعية الجنينية ترحلت إلى أوروبا لتبدأ رحلة جديدة في بُنى اجتماعية مختلفة مشكلة الرشدية المقاتلة المرفوضة من قبل الكنيسة ولكن التي وضعت الأساس لهدم هذه الكنيسة الشمولي.
فكأن الانتصار العربي الإسلامي في أوروبا!
وحين وصلت الفلسفةُ من أوروبا إلى العالم الإسلامي محملةٍ بكل هذا الزخم التحولي المتضافر الداخلي، فإنها لم تُفهم من قبل الجيل الأدبي، جيل التنوير الأول؛ فقد كان تاريخ أوروبا الوسيط والنهضوي والمعاصر معروضاً أمامه، بشكلٍ غامض، بحيثيات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية، فكانت الوقائع الاجتماعية المباشرة كمظاهر التقدم في مختلف جوانب الحياة هي الطافحة على سطح الوعي النخبوي، وهذا ما كان يمثل له صدمة على صعيد أنه كان عبر موروثه يعتبرُ نفسَه محورَ العالم والبقعةَ الأكثرَ حضارةٍ فيها، ودينه يمثل أرقى تكون فكري عرفه الإنسان.
ومن هنا كان وعيه ينقلُ وقائعَ الحياة والثقافة بعناصرها المشتتة متقبلاً المظاهر الحديثة الأكثر وظيفيةٍ ونفعيةٍ والتي تغدو عبر التجارة مستخدمةٍ في حياته، محتفظاً ببنائه التقليدي المحافظ، حيث يعبرُ هذا الاحتفاظ عن جانبي الاستخدام الوظيفي وبقاء أسس النظام التقليدي التي تسيطر عليه القوى العليا، ومهما كانت التغيرات السياسية التبدلية في هذه القمة فإنها لم تغير هذا البناء، إن لم تحافظ عليه بقوة أشد.
من هنا كان الوعي التنويري أدبياً ثقافياً تقنياً عاماً، لا يستطيع أن يطرح المنظور الفلسفي، وأن يشكل نظرات عامة إلى الوجود، حيث ان وجوده الاجتماعي هو ذاته مقلق وغير مفهوم.
فكان عليه أن يعي أساسيات وجوده الوطني أولاً، أي أن يقوم بخلقِ لحمةٍ في بنائه السياسي التابع والمتخلف، وهو أمرٌ يجعل البنى العربية والإسلامية المفتتة تقومُ ولهذا فإن الاحتكاك بأوروبا كان يتيحُ استخدام بعض الأسس السياسية الاجتماعية الأوروبية في العمل لتشكيل هذه البنى، وكل بنية عربية وإسلامية لها ظروفها وسيرورتها الخاصة، والمتداخلة مع السيرورات الأخرى كذلك.
إذن كان الوعى وهو يشكلُ البنية التقليدية – المحدثة، يمر بمرحلة التأثر الأوروبى – والعودة إلى الماضي، عبر استخدام مفهوم النهضة، وهو الذي كان يتيح استعارة الأشكال الأوروبية وتركيبها فوق الجسد القديم، مع الزعم بأنه يتحدث، فهو يغرف من الماضي المجيد، وكذلك يستفيد من الخبرة الأوروبية، التي كانت (وليدة التأثير العربي).
ولكن لم يكن يدرس هذا التداخل العربي – الغربي في سيرورته التاريخية المعقدة والمتوارية، أي أن يدرس رحلة المثالية الموضوعية وتبدلاتها العميقة في أوروبا، من الرشدية المُلاحقة إلى الديكارتية المنفصلة كثيراً عن تقاليد الفلسفة الدينية للعصر الوسيط.
إن ثمة عدة قرون أخرى بين الرشدية الملاحقة وبين الديكارتية، وهذه السيرورة لن تُدرس عبر هذا الوعي الأدبي – الفني وهو يقابل أمثاله في الإنتاجين الأوروبي والعربي القديم، لكن هذا الدرس المتعدد الأشكال سوف يضع مادة ثقافية كبيرة للمرحلة التالية وهي مرحلة الوعي الفلسفي.
وهناك عناصرٌ فلسفية مشتتة في داخل هذه المرحلة، فكان التأكيد على الخلق الإلهي للعالم، يتداخل مع الإيمان بالضرورات الموضوعية للوجود، وهو أمر يشير إلى هذه الثنائية بين الجذور المتواصلة الحضور، أي بين النظام المحافظ بألوهيته المطلقة، وبحكامه المطلقين، وببنائه الاجتماعي الذكوري – الأرستقراطي وثقافته السحرية – الدينية، وبين ضرورات التحديث التقنية.
فكان التقنيون فوق الجسد المحافظ يستوردون المنجزات البنائية والتقنية والأدبية والديكورية الخ.. إن فكرة الخلق الإلهي والسببية المحدودة، تتماثل وعملية التداخل العربي – الغربي في مرحلة الاستعمار والتجارة وإنتاج المواد الخام، فهما تتيحان الحفاظ على النظام التقليدي بأسسه الدينية، وأيضاً تطوير بعض الجوانب في الحياة الأكثر إلحاحاً كتغيير الحرف ونمط المدن والإدارة ونظم التعليم الخ.. لكن عمليات التغيير تتجه إلى جوانب أكثر عمقاً بطبيعة تطور الحياة، وسواء بسبب من اهتراء القديم، أم من هجوم الجديد، وهذا يمكن ملاحظته في تعمق الأشكال الأدبية كالقصة والرواية والمسرح، وتوجهها نحو عمليات تحليل الواقع بصورٍ متزايدة، وكذلك عمليات اتساع العلوم ونمو تخصصاتها، والتبدل المستمر بين حجم الزراعة وحجم الصناعة، واستعادة المدن العربيةِ دورها النهضوي، وبدء إلحاق الريف والبادية بتحولاتها.
ومن هنا فالسببية سوف تتزايد عملياتها في الوعي، وتصبح الظواهرُ المشتتة في الوعى التنويري الأولي أكثر ترابطاً؛ فلم تعد العملية استلال عنصر وحيد من التراث، أو من الغرب، بل أخذت عمليات النظرة التركيبية بين الثقافة والوجود الاجتماعي والتاريخي، تتشكل في العقل النهضوي الجديد، وأصبح العالم العربي الإسلامي بتطوراته الكبرى مرئياً في هذا العقل، ولكن في ظاهراته الفكرية الروحية المستقلة عن البنى الاجتماعية التي يتشكل فيها.
يمكن هنا أن تتشكل لمحاتٌ من العرض الاجتماعي، لكن الوعي يظل مستقلاً، وبه سبيياته الداخلية المترابطة الأعمق، والمنفصلة عن البنى الاجتماعية.
هنا علينا أن ندرس الصراع بين المثالية الموضوعية الدينية والمادية الجدلية، كتعبير عن طفولية الوعي الفلسفي في الجانبين. من جانب عجز المثالية الموضوعية عن النمو وكشف الواقع، وقفزة المادية الجدلية للريادة الكشفية، وإخفاقها في ذلك، عبر حدوث فجوة كبيرة بين المادية الجدلية والمادية التاريخية.
عبـــــــدالله خلــــــــيفة : التطور الفلسفي العربي الحديث المبكر
أضطر العرب المسلمون في نقلتهم الحضارية بين الجزيرة البدوية الصعبة ذات التاريخ المرير وإحتلالهم للشمال الزراعي الغني أن يختزلوا الكثير من المظاهر الحضرية ويشكلوا سمات حضرية خاصة بهم دون أن تكون هذه السمات متناسقة تمام التناسق.
من الجوانب البارزة في هذا الموقف الرسمي من الفنون، والموقف الرسمي هو الموقف المسجل في الوثائق الدينية المعتمدة للأنظمة السياسية التي تتالت بعد هذا.
كانت الشعوب القديمة الوثنية بطبيعة دياناتها تقدس الفنون، فهي مدار حياتها، فالإنتاج كالبذر والحصاد والصيد وبالتالي الأعراس والولادات والختان كلها تجري من خلال فنون الشعر والغناء والرسم والنحت، ولكن هذه الفنون تجري بتقديس الآلهة لهذه الشعوب، فهي جزءٌ من حياتها وإحتفالاتها.
وقد وجد العربُ المسلمون أنفسَهم مع قدومِهم لمسرح التاريخ في المنطقة بشكلٍ متأخر، أنهم يحاربون الوثنيات بقوة، وهي التي تمثل تعدديات الدول وتنوعها وسلطات المدن والقبائل والشعوب المتختلفة. ولم يكن مستواهم الثقافي في ذلك الوقت يتيح التمييز الدقيق والفصل بين ما هو وثني وما هو فني إنساني.
فلم يفصلوا بين محاربتهم للوثنية ومحاربتهم للفنون، التي كانت هي مندمجة فيها، بحكم التطور الطويل السابق، فظلت الأحكامُ الفقهية في الأجيال التالية دون معرفة العلل فيها، ثم تغيرت الظروفُ الوثنية المرتبطة بتلك الفنون، لكن الأحكامَ الفقيهة بقيتْ على حالها!
كان الساحرُ قديماً هو الفنان النحات والشاعر والراقص والصياد، ثم تخصصت صفاته في فنانين متنوعين، فالشاعر المغني أنفصل عن الساحر، ثم أن الشاعر كذلك أنفصل عن المغني وعن رجل الدين، لكنه انفصال غير تام وحاسم، فالثلاثة في علاقة متداخلة، كأشكال متقاربة من الثقافة، نظراً لأن الموسيقى والقداسة تجمعها.
فهذه هي كلها في عرف القدماء نتاج السماء أو وادي عبقر أو الروح أو الألهام، فرجل الدين يصنع الشعر ويغنيه ويؤثر من خلاله على الجمهور.
ومن هنا بقيت في الكنيسة المسيحية علاقة رجل الدين بالغناء، فهو إن لم يتحول إلى مغنٍ تماماً فهو ينشد، أو يقرأ بموسيقية ما، ويضعُ آلة موسيقية في الكنيسة، ويدعو المؤمنين للترتيل معه، أو الإنشاد أو الغناء.
المسيحيون كسكان مناطق زراعية متحضرة قديمة، لم ينشئوا دولة بسرعة العرب المسلمين، ولهذا احتفظوا بتقاليد فيها وثنية وتعددية إلهية وتراث موسيقي قديم، وأنتقلت تدريجياً إلى أوربا وبعد قرون ومع البعث النهضوي والترجمات الإغريقية تحولت إلى نهضة جديدة عالمية.
أما العرب فعلى العكس أرادوا أزالة المظاهر الوثنية بقوةٍ وسرعةٍ حتى لا تتفكك دولتهم الطرية، فعارضوا أي تذكير بالماضي حتى لو كان فنياً وإحتفالياً فرحاً، وكان يمكن لهذه الاحتفاليات والمظاهر الوثنية أن ترتبط كذلك بمعارضاتِ الشعوبِ ومؤامرات الإمبراطوريات الكبيرة المهزومة في ساحات القتال.
وفيما بعد حين زالت تلك المظاهر التاريخية السلبية المؤقتة، لم يكن بإمكان الفقه الحكومي المتصلب أن يقرأ ذلك على ضوء التحولات، وبقي في الموقف الرسمي وخاصة في الاتجاهات السنية، وكلما زاد في بدويته وشكلانيته قل تعليله للتاريخ الاجتماعي الديني.
لكن الشعوب الإسلامية لم تكن تعبأ بالموقف الرسمي الديني، فقد كانت شعوباً أدبية وفنية بحكم تقاليدها الطويلة وتجاربها الإنسانية، فانتشرت الفنون والآداب على نحو هائل فيها، فكانت أكثر الشعوب إنتاجاً وقتذاك في التراث الإنساني.
وقد حافظت كذلك على الوحدانية، لكن العلاقة بين رجل الدين والفنون ظلت متضادة، فحافظ رجلُ الدينِ المسلم على طبيعةِ الراهب المتشددة فيما يتعلق بالفنون في زمن الفتوح الإسلامية، أي ذلك الراهب المجافي للغناء والفنون عامة، خاصة الحركية منها والمرتبطة بالرقص فهذه أشد اقتراباً من الماضي الملغوم، الماضي المرتبط بالفنون المذمومة، والشهوات، وفقدان الوعي، من أجل أن لا ينزلق إليها المؤمن ولا يهوى في الوثنية، رغم أنها جميعاً غدت لا علاقة لها بذلك الماضي البعيد، وأن المسلمين انتصروا منذ زمن بعيد وأن تلك الروح الحربية لم تعد ابنة زمانها. لكن روح الأحكام العرفية مستمرة خاصة مع حكم المناطق العربية المحررة من هيمنة الدول السابقة، والتي كانت تزدهر بالفنون الوثنية لكن بعد إستقرار الفتح العربي تلاشت، وبحثت الفنونُ العربية الإسلامية عن الجمع بين التوحيد والفرح والرقص والتشكيل والمسرح والموسيقى.
لكن موقف الرجل الدين التقليدي أستمر وظلت معاداته للفنون قائمة حتى بعد زوال أسبابها. فهو يعارض كافة أنواع الفنون حتى لو كانت التجريدية منها وغير المرتبطة بالحراك الجسمي المبتذل، والمصعدة للنفس والروح في حالات إنسانية راقية. فيبدو له إن الفنون تخفي ورآها أوثاناً.
وهذا يعود لاستمرار الأحكام التقليدية الفقهية طوال قرون سيطرات الأسر الخاصة.
لكن ذلك يغدو مستحيلاً خاصة في العصر الحديث فالموسيقى تملأ الحياة والسياسة والعالم، والموسيقى لا بد أن تدخل في كل مكان، ومن هنا تنازل رجل الدين التقليدي للموسيقى الحربية أن تدخل عالمه، فهي تماثل روحه القتالية المستمرة، فاستعان بها للأناشيد والجنائز.
ولا شك أن قضية إدخال الموسيقى في الفرح والاحتفال ستظل هاجساً، وقضية خطيرة، بسبب انتشار الثقافة الغربية وأعتماد الموسيقى والفنون كمناخ إحتفالي اجتماعي جذاب، لكن هذه الثقافة تختلط فيها الجوانب العظيمة والجوانب المبتذلة، كما تغدو وسيلة إجتماعية لنشر المخدرات والجريمة في بعض الملتقيات. ومن هنا ضرورة الفصل بين هذه الأنواع وعدم التعميم.
الخيال والواقع في الأديان
تعتمدُ الأديانُ على الخيالِ غالباً، لأنها تشكلت منذ أكثر من أربعين ألف سنة على فكرتي الأرواح الخيرة والأرواح الشريرة، فهذا السديمُ من الصورِ والمعاني يشتبكُ غالباً بالواقعِ ومشكلاتهِ من حروبٍ وأمراضٍ وصيدٍ وزواج الخ.
بداياتُ الأديان هي بداياتُ الانتقالِ للحضارة، وهي لا تعدو أن تكون 1% من التاريخ البشري، وقبلها ملايينٌ من التاريخِ المجهول للإنسان، حسب ما يقول فراس السواح.
ولهذا فإن فرزَ الجمادِ من الروح كانت ثورةً فكرية كبرى! حيث انفصل عن الإنسان عن الحجر والنهر والغابة ولكن ليس بشكل كلي، فإلى مدى طويل ستظل الأشياءُ ذات قوى روحية أو أرواحية، وسيظلُ الإنسانُ هذا الكائنَ الهشَ المعلقَ في خشبةِ الوجودِ السائرة في الأنهار.
وتتوجه الإراداتُ البشرية لطلب المساعدة من هذه الأرواح، مرة بالخير ومرة بالشر، وتصيرُ الآلهةُ نمطين مثلهما، آلهة تحكمُ بالخير وللخير، وأخرى للشر وبالشر.
وهذه المعاني العامة سنجدُها لدى البوذيين أو الهنود الحمر. وكلما تطورتْ الحضارةُ تخضعُ الأفكارَ الدينيةَ للتقاليد والمواصفات الإجتماعية وللمؤسسات السياسية.
ونظراً لكونِ الأفكار الدينيةِ متصلةً بعالمِ الأرواح فهي تبقى غامضةً، متعددةَ الرؤى، مختلفةَ التفاسير، ويتيحُ لها ذلك النموَّ التاريخيَّ، العقلاني مرة، وغير العقلاني مرة أخرى. وأن تقع في قبضاتٍ مختلفة، وإرادات متناقضة، وتصيرُ مرة للبناء ومرة للهدم.
ليس في عالم الأرواح تجريب وبرهان، ويقول صانعو الأديان إنهم يسمعون أصواتاً، وأن نداءات تأتيهم، وإن رسائلَ بُعثتْ لهم، وآخرون يقولون إنهم شاهدوا أحلاماً، وكل هذا يجري في السديم الغامض، في عالم الأرواح، حتى تبدأ الكتابة الملموسة للدين من خلال الكلمات، والقوانين، سواءً كانت في ورقٍ أو حجر، ويتحولُ الغموضُ الخارجيُّ الفوقي السماوي أو الأرضي، إلى جماعةٍ أو إلى نصوصٍ أو عبادات أو أوامر ونواهٍ إجتماعية.
عالمُ الأرواح الذي يتم التراسلُ معهُ أرضياً وبشرياً والمتسم بالغموضِ واللاتحدد من المتسحيل أن يعطي رسالةً واحدةً، وكما أن الأرضَ ذاتَ خرائطٍ وأصواتٍ مختلفة، فكذلك فإن الرسائلَ تتباين، وتتعددُ الأديان.
يعزلُ عالمَ الأرواح مع تصاعد المؤسسات الدينية والسياسية، إن عالم الأرواح الغامض لا بد من السيطرة عليه إجتماعياً، وأن يكون الدين مؤسسةً ثم مؤسسات، حسب تنازع القوى والمؤمنين أو تآلفهم، إن الأرواحَ الخيرةَ هي التي تتجسدُ في المؤسسة الدينية، لأن الدينَ في غاياتهِ الأولى كان بهدف خير، فقد كانت الرسائل الدينية تظهر لدى قادة روحيين مضحين، يشقون طرقاً لتطور البشر. فالرسالةُ في حدِ ذاتها تضحية، وبطولة، ولكنها تصيرُ مؤسسةً، وتنحازُ لهذا الطرف الاجتماعي أو ذاك، فينقسم الدينُ ويصير مذاهب وحركات سياسية وإختلافات.
الركائز الأولى للدين من ألوهية وإنقسام للأرض والسماء والدنيا والآخرة وغيرها من ركائز تصورية كبرى، هي ركائزٌ عرفتها البشريةُ كلها، حتى دون أن تتشكلَ علاقاتٌ مباشرةٌ بين بعضِها البعض، وهي تقومُ على أساسِ التضاداتِ الكبرى في الحياةِ البشريةِ غيرِ الممكنِ ردمها أو إزالتها. التناقضُ بين الحياة والموت، وهو أكثر التناقضاتِ رهبةً وبقاءً للجنس البشري والحيواني عامة. التناقضُ بين الوجودِ والعدمِ هو من أكثرِ المناطقِ خصوبةً لإنتاجِ الوعي الديني، والأفكار عامة، وهو الذي بدأَ تحريكَ الوعي باتجاه أن يكون الكائنُ النسبي مطلقاً، والعابرُ أبدياً.
وكذلك هناك التناقضُ بين الأرضِ والسماءِ، وهو شكلٌ آخر للتناقضِ بين الإنسانِ والوجود، ثم التناقضُ بين الحاكم والمحكوم وهو التناقضُ المولدُ للحركةِ الاجتماعية، ويتداخلُ مع التناقضين السابقين في توليدِ التصوراتِ وفي نسجِها بين الخالد والعابر، بين الفقير والغني، بين اللاموجود والموجود.
تنقشع ضبابيةُ الأرواح لدى المؤسسات، التي تحيلُ الدينَ لنصوصية قانونية وراءها العقوبات والسجون، والتقاليد، والحلال والحرام، وعلى مدى وجود العناصر العقلانية القارئة للآلام البشرية وحاجات العاملين أو عدم وجودها، تتحدد تطورات الأديان، بين ازدياد للعقلانية أو هجوم للجنون، فالحياة الاجتماعية تولد سلاسلَ من التطورات الدينية واللادينية، من الفرق المتبصرة أو ( من الهلوسات)، ومن التخصصات الدينية المدققة العاكفة على التطور التدريجي، ومن النصوصية الجامدة المريضة، ومن هجوم الفرق السياسية على الدين وإختطافه من حياته العبادية العادية، إلى حماية الدين بإبعاده عن التجارة والحروب السياسية.
♦ما الوقت المناسب الذي تختارونه للكتابة ، وكم ساعة تكتبون يوميا ؟
■كنتُ أكتب منذ كنتُ طالباً ثم مدرساً، في أواخر الستينيات من القرن العشرين، وحينئذ لم تكن للكتابة وقت وطقوس، لأن الوقت الأصلي للكتابة كما تكرس لدي لم يكن موجوداً، فأن تكونَ مدرساً فإن الصباحَ يتمُ إختطافه منك، وتلعب ضجة الطلبة دورها في القضاء على أي مناخ إبداعي تال.
لكنني مع هذا كنت أكتبُ قصصاً قصيرة وبعض المقالات في الليل، في أجواء مشتتة ، التعليم ، العمل السياسي ، القراءة ، مسارات تشدني في إتجاهات متعددة.
كانت سنوات السبعينيات تجري بهذا المناخ، وقد دخلت الأعتقال السياسي منذ 1975 أغسطس، وخرجت في بداية الثمانينيات، وبالتأكيد فإن طقوسَ الكتابةِ في السجن صعبة، لكنها كرستْ كتابةً صباحية، حيث الفراغ الطويل والمزاج المفتوح، لكن الأمرَ يعتمدُ على وجودِ القراطيس من ورقِ السجائر ومن قلمٍ رصاص قصير صعب المنال، ولم يوجد الشاي وكان هذا عاملاً مُحبِطاً للكتابة.
كتبتُ في هذا المناخ مجموعةً قصصية واحدة «الرمل والياسمين»، وعدة روايات قصيرة: اللآلئ، الهيرات، القرصان والمدينة، والعديد من المقالات والتعليقات على ما يُكتب في السجن والعالم الخارجي، إضافة لمشروعات روائية وقصصية كثيرة ذهبتْ في ظروف حملات التفتتيش وعدم القبول من المؤلف نفسه!
لا بد لك في هذه الأحوال من قدرةٍ على الاحتفاظ بما تكتب، ولهذا فإن أمكنةً سريةً لا بد أن تكون موجودةً جاهزةً بعد إنجاز المسودة كقعرِ حقيبةٍ، أو داخل معاجين الحلاقة!
بعد الخروج من السجن لم يكن ثمة عمل، وعدتُ لبيتِ أبي القديم، ولم يكن ثمة مكان هادئ، وتغير الجو كثيراً، لكن تحولت غرفتي القديمة إلى ساحة قتال لإخراج المسودات الغائرة في المعاجين، لتبدأ عمليات التنقيح والتبييض.
أخذ الصباحُ مكانتَهُ مجدداً، وتوفر الشاي والورق والأقلام لكن لم يتوفر الهدوء، فلا بد من البحث عن عمل، وتغير البيت، وتغير الحي، لكنني تمكنتُ من نشرِ ما كتبتهُ في مرحلة السجن بمساعدة أصدقاء سواءً في التنظيم السياسي أم من قبل إتحاد الكتاب العرب بدمشق.
وقد تعودت أن أحول ساعات الصباح الأولى إلى ساعات كتابة للأدب أو الفكر عامة، وبشكل مستمر ومنضبط على مر السنوات، ولكن هذا يتوقف على الفكرة الموجودة والمزاج، وبضرورة الوحدة والعزلة في المكان الذي يوفر الهدوء والتركيز، ولكنني لا أكتب كثيراً كل يوم، فربما فصلاً أو صفحة، أو حتى فقرة صغيرة، لكن الكم المتابي يتراكم على مدى الأيام، وهذا يجعل الذات في جدل يومي مع المادة ومعالجتها.
♦ما المكان الملائم لكم والذي تفضلونه أثناء الكتابة ، وهل تغير المكان يؤثر على الرغبة في الكتابة ؟
■كما قلت لك سابقاً بأن ثمة علاقة مفروضة على المكان، أحياناً تكون لديك زنزانة في سجون متعددة، بعضها شرح وبعضها مقبض جداً، لكن المكان الذي تواجد عبر الأختيار هو جو الغرفة المغلقة، أو الصالة حين تكون في شقة زواج، ونفس الصباح حيث تذهب الزوجة للعمل، وتبقى وحدك، لكن مع تواجد الآخرين والضجيج تتسحيل الكتابة، إلا في حالة السجن حين يصمت رفاق الزنزانة نهاراً وينشغلون بأعمالهم من تشكيل حرف أو كتابة أو قراءة، لكنك لا تنتج بنفس مستوى العزلة الحرة.
♦هل تكتبون بالحاسب أم بالقلم ؟
■علمتني الظروفُ أن أكتبَ بكلِ شيء، بأي مادةٍ تنهمرُ على الورق الأبيض أو على الشاشة، كان الجنون يتملكني وأنا أبحثُ عن قلم لدى المسجونين بأحكامٍ الذين أعلمهم القراءة فيهدونني قلماً طويلاً أشبه بمعجزة. ثم كتبتُ كثيراً بالأقلام المتعددة بعد ذلك، وكنت قبل السجن قد أشتريتُ آلةَ طباعة كتبتُ عليها، فأشتريتُ أخرى بعد أن تم إلقاء تلك الآلة في البحر خوفاً!
الآلة الكاتبة الجديدة أخذت معي سنوات، تنقلتُ بها من الشقةِ الصغيرة حتى غرفة فوق السطوح على بناية، وقد تحملتْ عدةَ مجلداتٍ من الرواياتِ وعدةَ مجلاتٍ من الأبحاث فتصدعتْ، وكانت نهايتها هناك، أصبحت رثة، ضعيفة الطبع، وهنا بدأت العلاقة مع الكمبيوتر، كانت هذه الآلة تحفة وثراءاً وحفظاً جباراً، لكن البدايات كانت مروعة!
أخطاءٌ في الحفظ فضاعتْ فصولٌ وقصصٌ، وأخذت سنوات عدة وأنا أتعلم وأتغلغل في السيطرة على هذه الآلة، وعشتُ مع عدة أجهزة ثابتة أصيبتْ بالأجهاد وتغلغلتْ فيها الفيروساتُ بسببِ جمعي للكثير من المعلومات من مختلف المواقع، فأنا كاتب عمود يومي كذلك في جريدة أخبار الخليج وعبر عدة سنوات ولا بد لي من الإطلاع المستمر ونقل المعلومات والدخول في مختلف المواقع، حتى أصبح المحمول رفيق الدرب!
♦إذا كنتم تكتبون بالقلم ، فهل هناك أقلام أو أوراق معينة تساعدكم على الإلهام الكتابي؟
■لا أعترفُ بالإلهامِ الكتابي أو بأشياء مميزة سحرية للكتابة، والكتابةُ هي متعةٌ وجمالٌ ومعاناة وتضحية وحرفة لها قوانين إبداعية وعدة شغل، والآن أصبح المحمول أفضل صفحة بيضاء أخطُ عليها، وأصبحتْ العودةُ للقلم الناشف والحبر أو حتى قلم الرصاص الصديق الوفي لسنواتِ غيرَ ممكنةٍ بسبب هذه الآلة الجميلة الفذة!
♦هل هناك مشروب معين أو موسيقى معينة أو عادة ما تساعدكم على تدفق الكتابة ؟
■أهم ظرف وطقس للكتابة هو المزاج الهادئ ووجود تراكم روحي من الأيام السابقة وشحنات متصاعدة من الصور والمشاعر والأفكار، ومن حالة الخلق الساخنة المحبة للناس والتغيير ، والرغبة في الإضافة شيء للحياة ، ونقد أشياء معتمة ، والأمل بصعود أشياء جميلة ، وهي كلها تتمظهرُ في حالاتٍ ، وشخوص ، وثيمات معينة تنمو في هذا الاشتباك الخلاق ، تظهر على الشاشة العقلية ، وتقوم الكتابة بإستخراجها من تلك الحالة الضبابية ، من ذلك الكمون الداخلي.
الشاي يتلون أثناء العمر ، يغدو الأحمرُ صعباً ، يصير الأبيض أفضل ، القهوة تأتي في أحيانٍ نادرة ، الأمر يتطلب التركيز وإقتناص تلك اللحظات من التجلي والهدوء والتركيز ومدى سلاسة المادة وإنفتاحها على حياةٍ متوهجة ومقاربتها للصراع الحميم المتوتر وقدرتها أن تكون مقنعة معقولة.
♦رواية «عمر بن الخطاب شهيداً» كم من الوقت استغرق كتابتها ، وهل صَاحَبها طقوس معينة ؟
■روايةُ «عمر بن الخطاب شهيداً» جاءتْ في خضمِ قراءات وكتاباتي عن التاريخ العربي الإسلامي ، فنحن نلاحظُ غربةَ الروايةِ عن الواقعِ والقراء ، فقبلها إنفجرتْ في نفسي صورةُ الحسين الشهيد وكنت قرأتُ عنه سابقاً من موادٍ شتى، فخطرتْ لي بعد ذلك وبزمنٍ طويل من تلك القراءات فكرةُ الكتابةِ عن الرأسِ لوحده، الرأس كشخصيةٍ فنيةٍ مستقلة، كفنتازيا إجتماعية تجمع المواد التاريخية والخيال والصراعات غير المعقولة في التاريخ العربي الإسلامي.
وهكذا جاءتْ روايةُ «رأس الحسين» وصدرتْ عن الدار العربية للعلوم ببيروت.
حققتْ الروايةُ شيئاً من الاهتمام والإثارة على المستوى العربي الواسع.
جاءتْ روايةُ عمرُ بن الخطاب شهيداً في مسارٍ آخر، متجاورٍ مع الرواية السابقة، عبر ثيمتي الشهادة والبطولة، وبأداة الكتابةِ عن البطولةِ ببساطةٍ وعقلانيةٍ وبدون غيبيات، وبتحويلِ الشخصياتِ التاريخية الكبيرة إلى شخصياتٍ بشرية تقومُ بالفعلُ المثير المضحي من خلال العادي، وبالتجربة، ومن مواد الأرض الواقعية.
ولا تستمر الرواية عادة لدي فترة طويلة، فالمعدل هو أربعة شهور، إلا الروايات الطويلة، الممتدة في أجيال، والزمنية فيها بسبب العادة السابقة الذكر وهي الكتابة الصباحية اليومية، التي تخلق تراكمات. القراءاتُ الطويلةُ السابقة في التاريخ والتراث تهيءُ لك الجو، وربما ترجعُ لحيثياتٍ يومية كثيرة، لكن الكتابة الفنية تنمو بنفسها وبالاعتماد على أدواتها.
♦هل حدث أن أعدتم كتابة عمل ما لمجرد أنه لم يعجبكم ؟
■كما قلت لك بأنني تخليت عن روايات عدة كتبتها في السجن، مثل «الدرويش والذئاب» بعد الإفراج لم تعجبني الغرائبية الشديدة فيها، التي شكلتْ في ذهني بُعداً عن المعقولية الفنية، فأحببت أن أكتبَ بشكل قريب للحياة، وللصدق، وأن تتنفس هذه المخلوقات الخيالية في العالم، وتصيرُ جزءً منه، وتشاركُ في أحداثهِ وتضيفُ لفهمه لآخرين قادمين.
هناك الكثيرُ من القصصِ القصيرة التي نُشرتْ في الجرائد ولم تظهرْ في مجموعة قصصية ولدي مجموعات قصصية لم تنشر حتى الآن في كتب وروايات جديدة كذلك رهن الأدراج، وعملية حذف النتاج هذا أشبه بالنقد والنقد الذاتي، فالكتب تمثل درجة أعلى من الكتابة، خطوة نحو تبلور الرؤية، نحو تشكيل الموقف من الحياة، وتصيرُ الكتاباتُ التي نُشرت في الجرائد ولم تجمع كأنها مسودات، أو حوار مع الناس.
«القرصان والمدينة» روايةٌ كتبتُها في السجن ومضتْ عبرَ معجونِ الحلاقة وبُيضتْ أثناء الخروج من المعتقل، ووقعتْ في إشكاليةِ الصياغة المضطربة، أثناء نشرها لدى دار الفارابي في أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، ولكن في طبعة الأعمال الروائية لدى المؤسسة العربية للدراسات والنشر (2004) – راجع Google Book Result – أدخلتُ عليها بعضَ التغييراتِ الهامةِ لإلغاءِ ذلك التشوش الذي حدثَ من تداخل الفصول والشخصيات، فهي روايةٌ غرائبيةٌ، ذاتُ سردٍ غنائي، وفيها شخصياتٌ متعددةٌ راوية.
♦هل تتصارع أكثر من فكرة في ذهنكم أثناء كتابة عمل ما ؟
■بطبيعةِ الحالِ الكتابةُ مثلَ الحياة تقومُ على الصراع، فحين كنا في البداياتِ وأنت تعرفُ طبيعةَ المجتمعاتِ العربيةِ في الخليج وبساطتَها الشديدةَ، كان الصراعُ مبسَّطاً، بين الخير والشر، بين الوطنِ والقوى الخارجية، بين الذات والواقع، بين الفكرة والعالم، وتقود خبرةُ الحياة ورؤيةُ الشخوصِ والتقلب بين النيران والجليد، إلى أن تظهرَ أفكارٌ متضادة، وشخصياتٌٌ متناقضة، وكنا نرى بأن القوى المناضلة لها الإنتصار التاريخي، ثم رأينا تناقضاتها، وسذاجة تصوراتها، وتقلباتها الشديدة، ونحن جزء منها سلباً وإيجاباً، لكن مسافة المعرفة، والغوص في تحليلات الواقع وإنجازات حركة التغيير في العالم، تجعلك تنفصلُ عن هذه المادة، والأبطالُ الخارقون يتحولون بعد ذلك إلى موادٍ إنسانية، إلى تناقضاتٍ ملموسة، والفكرُ التقدمي يمتزجُ بالواقع العربي الإسلامي، والبداوةُ المنفيةُ من الكتابةِ تغدو بؤرتها، والجزيرةُ العربيةُ تحل محل الغرائبيات الغربية، وتتشبعُ المادةُ أكثر فأكثر بالحياة، التي لا تنفي الغرابة واللامعقول كذلك، وتصبحُ حياةُ الروائي مثلي شخصيةَ الذي يحملُ الغربَ في الشرق، والذي يُشّرحُ الواقعَ لا الذي يحملُ الإيديولوجية، وبالتالي فإن مساحات من الصراعات تتشكلُ في إثناء هذه السيرورة الكتابة.
♦ ماذا تشعرون أثناء الكتابة ؟ صراع ؟ أزمة ؟ دوامة ؟ أم يبدو الأمر طبيعيا لكم ؟
■أشعر أثناء الكتابة بالفرح والسعادة، لا يوجد هناك ألم أو تعذيب ذات ، حينما تكون هذه اللحظة أتدفق في العمل، وحينما لا تتكون لا أجبرُ نفسي على الكتابةِ أو على الإستمرارِ فيها، فشيءٌ قليل وبضعُ صفحاتٍ أو بضعةُ أسطرٍ أفضل من كتابة كثيرة مليئة بالجبر والأسى.
لأنني حينما أنهي الكتابة الأدبية أشتغل في الكتابة الصحفية أو الفكرية، أو لا أعمل.
لا توجد أزمة أو إضطراب لأن الكتاب يبحث عن الأزمات والإضطرابات ويفحصها ويعقلنها ويجسدها.
لم يطوى أثر عبدلله خليفة برحيله، بل ظل راسخا في الوجدان الثقافي البحريني، كعراب للرواية البحرينية، وأحد أبرز الكتاب اللامعين الذين خلفوا نتاجا إبداعيا نوعيا ضخما تراوح بين الأدب من قصة قصيرة ورواية، ومجالات النقد والتحليل والبحث السياسي والتاريخي. تحل الذكرى الرابعة لرحيله ولا يزال أديبنا الوفي للهم الإنساني والاجتماعي في طرحه، حاضرا بإرثه الفكري في الأذهان الثقافية. وفي هذا الإطار أجمع عدد من الكتاب والنقاد البحرينيين على أن رحيل «خليفة» أحدث فراغا كبيرا في المشهد الثقافي والأدبي البحريني ليس من السهل شغله. يقول الناقد الدكتور حسن مدن أن رحيل عبدلله خليفة أفقد الحركة الثقافية والأدبية في البحرين ومنطقة الخليج العربي، واحدًا من أبرز وجوهها «فهو أحد أبرز رواد الرواية في بلاده وفي المنطقة. كما كان قبل ذلك، أحد أبرز كتاب القصة القصيرة وأغزرهم إنتاجًا». ويشير مدن إلى أنه بالإضافة لعطاء عبدلله خليفة الإبداعي، فإن له انشغالات نقدية على النصوص السردية، سواء كان في المنطقة أو حتى على الصعيد العربي. وقد شارك في الملتقيات الأدبية التي أقيمت في البحرين ودولة الإمارات والكويت والقاهرة وغيرها بدراسات مهمة حول المشهد الروائي في منطقة الخليج. ويلفت إلى أن عبدلله خليفة انهمك في مرحلة لاحقة من نضجه الفكري، في دراسات معمقة في التراث العربي الإسلامي، كان من حصيلتها بحثه الموسوعي عن النزعات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية. كما استوحى أعمالاً روائية من سيرة شخصيات بارزة في التاريخ الإسلامي.
ويؤكد أن عبدالله خليفة يشكّل نموذجًا نادرًا بين أقرانه من حيث انصرافه الكلي إلى البحث والقراءة. وقد تجلى ذلك في غزارة إنتاجه في حقول الإبداع والبحث، وعلى الرغم من العدد الكبير لرواياته ومجموعاته القصصية وأبحاثه المنشورة في كتب، إلاّ أن هناك الكثير من المخطوطات التي أنجزها ولا تزال تنتظر أن تنشر. ومع دأبه وجهده ومثابرته في الإنتاج، فإنه حبذ أن يكون بعيدًا عن الأضواء، وجنح إلى العزلة.
أما الناقدة أنيسة السعدون فتشير إلى أن الأثر الذي خلّفه غياب الراحل الكبير عبدالله خليفة على الساحة الثقافيّة والأدبيّة يمكن تلمسه من خلال الوقوف على ما تنطوي عليه تجربته الثقافيّة والأدبيّة من جدل إشكاليّ بين الذات وما ينحاز إليه من تصوّر آيديولوجي وطرح معرفيّ نقديّ يتبنّاه الكاتب في إطار مشروعه الثقافيّ ورؤيته الفكريّة ورسالته الفنّيّة.
وتوضح أن جميع هذه الأطر تبنّاها بقوّة الفعل «فهو مثقّف تنويريّ، وأديب ملتزم، وناقد فذّ، ومشارك فاعل في كثير من التحوّلات السياسيّة والثقافيّة والفكريّة والاجتماعيّة والأدبيّة، ومنخرط باليوميّ وما ينضح به من أسئلة وموضوعات، ومتحرّر من حدود ذاته الضيّقة، ومقترب من الجماهير، وواقف على همومها وتطلّعاتها، ومؤمن بضرورة التغيير نحو الأفضل. وكلّ ذلك يؤهّل مشروعه الثقافيّ لأن يكتسب مكانة مؤثّرة في المجتمع، ويكفل لتجربته الأدبيّة جاذبيّة ضافية تكتسب من ورائها مقروئيّة واسعة، وتستفزّ القرّاء إلى تبنّي رؤية أكثر اتّساعًا تنشط معها قوى الوعي والفعل».
وتؤكد السعدون أنه قلّما نجد من الكتّاب البحرينيّين من يحذق ذلك بالشكل الذي انعكس في وعي خليفة ثمّ انتقل إلى كتاباته في صورة مواقف فكريّة ورؤى فنّيّة قريبة من ذاته، وقريبة من مجتمعه ووطنه، وقريبة من جوهره الممتدّ في بعده الإنسانيّ «وكأنّ الراحل سخّر فكره ورؤاه وموهبته لخدمة تلك القضايا التي تشكّل الرأسمال الرمزيّ للإنسان. وبالانطلاق من موقفه المسؤول والملتزم كان يعي تمامًا أنّ أيَّ أثر تحيد رسالته عن هذا المغزى سيكون مصيرُه الذبول؛ لأن الإنسان هو المقياس لكلّ شيء، وهو الغاية من كلّ شيء، وهو الصانع لمصيره، وهو المسؤول عنه».
وتتابع «لعلّ من أبرز ما كان يميّز التجربة الكتابيّة عند خليفة تراكمها وانتظام صدروها؛ ممّا أهَّلَهُ لأن يكون أغزر كتّاب البحرين إنتاجًا، وأكثرهم حرصًا على فعل الكتابة؛ وهو ما فرض قيمة تجربته ورواجها، وعمق صداها، وجدارتها بالمتابعة النقديّة خارج النطاق المحلّيّ، كونها تمتلك وعيًا نقديًا بفعل الكتابة وشروطها وأدواتها ومقاصدها».
من جهته، يشير الشاعر علي عبدلله خليفة إلى أن الروائي الراحل عبدلله خليفة صوت مميز في الحركة البحرينية الأدبية كان الأبرز على مدى سنوات في الساحة الروائية الخليجية، إلى جانب تميز مقالاته الأدبية والفكرية، وإشراقه بنشاط على الصفحة الثقافية بجريدة أخبار الخليج.
ويؤكد إن غياب هذا الصوت الأدبي عن ساحتنا الثقافية ترك أثرا بليغا، إذ لم تشهد الساحة مثيلا أو رديفا لما مثله من فكر وإبداع «غياب مبدع بحجم الراحل ونشاطاته المتواصلة في مجال النشر يترك فراغا ذا أثر، فالروائي عبدلله امتاز بالتزامه خطا فكريا وسياسيا دمغ كل نتاجاته، وكان جليا في مواقفه الحياتية وحواراته الصحفية، وكان مدافعا شرسا عن الطبقة العاملة، وتجلى ذلك في اختيار شخوص رواياته ومواضيعها وكان طموحا في العمل على استجلاء تاريخ الأمة العربية محاولا إعادة كتابة التاريخ من زاوية اعتقاده».
ويرى الناقد جعفر حسن أن عبدالله خليفة علامة بارزة في السرد البحريني علاوة على منجزه الفكري الذي نشر تباعا، ومساهماته في النقد بكتاباته المتعددة على صفحات الجرائد المحلية والعربية وما نشره من كتب، ودوره في الحراك الاجتماعي والسياسي.
ويلفت حسن إلى أن عبدلله خليفة أسهم في توطيد المسار السردي من الواقعية الاجتماعية فيما كتب من روايات وقصص قصيرة، شكل عبدالله خليفة بها ذخيرة روائية وقصصية عاصرت التحولات الاجتماعية في البحرين من الاقتصاد التقليدي إلى اقتصاد النفط، وعبر عن ذلك فيما كتب متلمسا عذابات الإنسان في الماضي والحاضر.
ويوضح «لعله يشكل أحد أعمدة ما يمكن الرجوع إليه للتعرف على أنماط كتابة الرواية والقصة القصيرة بالنسبة للكتاب الجدد الذين يظهر لديهم نزوع نحو العاقبة الأخلاقية التي كانت من سمات بدايات كتابة السرد الأدبي في البحرين وسيادة النفس الرومانسي والذي تجاوزه عبدالله خليفة في واقعيته الأدبية بتقنياته المتعددة في كل من الرواية والقصة القصيرة».
أما الروائي محمد عبدالملك فيصف الراحل عبدلله خليفة بمنجم الرواية البحرينية الحديثة بالقول «منح عبدلله خليفة الرواية البحرينية الكثير من جهده ووقته، وحقق فيها إنجازات مهمة، وكان الأكثر غزارة وتنوعا بين كتاب الرواية في البحرين وربما في الخليج العربي، وفي هذه الروايات غطى عبدالله أزمنة متعددة من تاريخنا القديم والحديث، بدأ من فترة الغوص في رواية (الهيرات)، حتى الفترة النفطية التي زخرت بالتناقضات الحادة التي غذت الرواية في عموم الخليج العربي».
ويذكر أن عبدلله خليفة متعدد العطاء، وتنقل بين الرواية والقصة القصيرة والنقد الأدبي، والكتابة الفكرية، وأثرى هذه الحقول بالعطاء المتواصل على مدار نصف قرن، وكانت له مشاركات في الكتابة الصحفية التي عالج فيها الشأن العام، فالكتابة عنده بالإضافة إلى أنها غاية فهي وسيلة للتقدم والبناء والتنوير، وهو بذلك يشارك المجتمع بعلمه وثقافته وخبرته. وكان في كل الوقت منفعلا وفاعلا في المحيط الأدبي والثقافي.
ويشير عبدالملك إلى أن هاجس عبدلله خليفة كان كتابة روايات وقصص المهمشين والمناضلين والمعدمين فقد عاش عبدالله في حي عمالي، قريبا من حي العدامة المبني من سعف النخيل، فاختبر الحياة في القاع السفلي، وكان في كتاباته متألما وحالما كبيرا «وهو صرح كبير لا يتهاوى أو يعجز أو يهادن، وقدوة في الولاء والوفاء للكتابة. كان عبدالله قارئا نهما متعدد العطاء، فأبلى بلاء حسنا في كل الميادين. وقد ترك لنا ذخيرة حية من النتاج الأدبي والفكري».
بدوره، يعتبر الكاتب والقاص حسن بوحسن الأديب الراحل عبدلله خليفة قامة أدبية عالية ورمزا شامخا، ورقما صعبا في الحسابات الروائية البحرينية العربية، مشيرًا إلى استمرارية طيلة حياته مع القلم عبر إصدارات متنوعة حاول فيها كشف عوالم عديدة منها ثقافية وأخرى اجتماعية وسياسية ودينية «ولكن جلها تذهب في الكشف عن مكامن الألم والمعاناة والتحولات التي تعيشها الطبقات المجتمعية، ليدور بها في البلدان العربية والعالمية حاملا على كاهله مسؤولية إنسانية بحتة».
ويوضح بوحسن أن قلم عبدلله خليفة تصدى للنقد المحلي بتناوله خامات عديدة من المنجزات الأدبية البحرينية في القصة القصيرة «إذ يكاد يكون عبدالله خليفة الناقد الأبرز أو الأوحد الذي يعطي النتاج الأدبي الجديد حقه من المتابعة وعلى العكس ممن يدّعون النقد وهم بعيدون عنه، ومن هنا نتلمس الأثر والفراغ الذي خلّفه غياب الأديب والمفكر والناقد والأديب والقاص عبدالله خليفة على الرغم من استقبالنا يوميا بالعديد ومن إنجازاته الجديدة، التي ظهرت بعد رحيله».
وينظر الكاتب أحمد المؤذن إلى نتاجات عبدلله خليفة بأنها متشعبة الاتجاهات المختلفة من فكر وفلسفة ونقد، بالإضافة إلى النتاج الأدبي، معتبرا «خليفة» بما أنجزه من عالمه السردي، قد ترك علامة إبداعية فارقة في الكثير من المجاميع القصصية والأعمال الروائية التي صور فيها مجتمع البحرين متوغلا بعوالم مبهرة من حرفية الكتابة.
وعن الأثر الذي خلفه غيابه يقول «قامة كبيرة بحجم الراحل عبدالله خليفة بلا أدنى شك، تركت فراغـًا ليس من السهل أن يسده أديب آخر في الساحة البحرينية، إن مقدار عطاء هذا الكاتب يفرض اليوم المزيد من التحدي على الكتاب والمثقفين، لكون كتب» خليفة «تتابع صدورها بوتيرة طبيعية لا تصدق وكأنما روحـه بيننا تحوم ولم تغادر الدنيا!».
ويضيف المؤذن «حتى هذه اللحظـة فإن غياب «خليفة» والذي كان بنشاطه عبر المهرجانات والأعراس الثقافية العربية، متحدثا ومحللا ومحاضرا ناقدا للحراك الأدبي في البحرين، أنصف المشهد السردي البحريني ولم يترك أيما قلم جاد سجل بصمته في عالم السرد إلا وتعرض لتجربته بالنقد البناء، من المفارقات أننا إزاء كاتب اهتم بالجميع وقلما أوليناه الاهتمام أو حتى احتفلنا به».
ويلفت الكاتب والقاص مهدي عبدلله إلى أن رحيل عبدلله خليفة أفقد الساحة الثقافية البحرينية أديبا مفكرا لا يمكن تعويضه، معتبرا إياه قامة عالية في مجال الثقافة والفكر والأدب، وأحد أبرز رواد القصة القصيرة الاجتماعية في البحرين.
ويشير إلى أن عبدلله خليفة تميز بنتاجه الغزير المتنوع بين الرواية والقصة والتراث والفكر «وكان رجلا وطنيا وكاتب عمود صحفي سياسي يومي يتناول فيه القضايا المحلية والعربية والعالمية، إضافة إلى تحريره الصفحة الثقافية في أخبار الخليج والأضواء لسنوات طويلة كما رأس تحرير مجلة كلمات التي تصدرها أسرة الأدباء والكتاب لأكثر من عشر سنوات، وكان متفرغا للكتابة يرضى بالقليل من المردود المادي من اجل إنجاز مشروعه الكتابي فأنجز الكثير من الكتب التي لم تسعفه ظروف المرض ان يراها وهو على قيد الحياة لكن الأمل أن تواصل عائلته اصدار كتبه ورواياته المخطوطة».
عبــدالله خلـــــيفة كاتب وروائي من البحرين
Abdulla Khalifa author of stories and novels of Bahrain
1/3/1948 ـــ 21/10/2014
○ من مواليد القضيبية ــ البحرين .
○ خريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى فصله سنة 1975.
○ اعتقل من سنة 1975 إلى 1981.
○ عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعية والثـقافية في الصحف البحرينية والخليجية ، ونشر في العديد من الدوريات العربية .
○ تم طرده من أسرة الأدباء في البحرين سنة 1989.
○ عضو اتحاد الكتاب العرب بسوريا .
○ ساهم في مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب ، وأول مؤتمر أشترك فيه كان سنة 1975 الذي عقد بالجمهورية الجزائرية وقدم فيه بحثاً عن تطور القصة القصيرة في البحرين ، وشارك في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب بتونس سنة 2002 ، ببحث تحت عنوان (التضامن الكفاحي بين المسلمين ) ، وشارك في مؤتمر بجمهورية مصر العربية سنة 2003 ، وببحث تحت عنوان (المثقف العربي بين الحرية والاستبداد ) وذلك باتحاد الكتاب المصريين . والعديد من المؤتمرات الادبية العربية .
○ كتب منذ نهاية الستينيات في عدة أنواع أدبية وفكرية ، خاصة في إنتاج القصة القصيرة والرواية والدراسة الفكرية.
○ منذ سنة 1966 مارس عبدالله خليفة كتابة القصة القصيرة بشكل مكثف وواسع أكثر من بقية الأعمال الأدبية والفكرية التي كان يمازجها مع هذا الإنتاج ، حيث ترابطت لديه الكتابة بشتى أنواعها : مقالة ، ودراسة ، وقصة ، ونقد .
○ لكن في السنوات الأولى حظيت القصة القصيرة بشكل خاص بهذا النتاج ، وقد نشر عشرات القصص القصيرة في سنوات (1966 – 1975 ) في المجلات والصحف البحرينية خاصة ، ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي قام بطبع نتاجه القصصي والروائي والفكري في دور النشر العربية المختلفة .
ونتاجه الأدبي والفكري يتنوع على النحو التالي : ✨ القصص القصيرة :ــ 1 ــ لحن الشتاء (قصص)، دار الغد، المنامة/ البحرين، 1975. ° (القصص: الغرباء ـــ الملك ـــ هكذا تكلم عبدالمولي ـــ الكلاب ـــ اغتيال ـــ حامل البرق ـــ الملاذ ـــ السندباد ـــ لحن الشتاء ـــ الوحل ـــ نجمة الخليج ـــ الطائر ـــ القبر الكبير ـــ الصدى ـــ العين).
2 ــ الرمل والياسمين (قصص)، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1982. ° (القصص: الفتاة والأمير ـــ علي بابا واللصوص ـــ شجرة الياسمين ـــ العوسج – الوجه ـــ الأرض والسماء ـــ المصباح ـــ نزهة ـــ الصورة ـــ اللقاء ـــ لعبة الرمل ـــ الأحجار ـــ العرائس ـــ الماء والدخان).
3 ــ يوم قائظ (قصص)، دار الفارابي، بيروت، 1984. ° (القصص: الدرب ــ أماه … أين أنت ــ الخروج ــ الجد ــ الجزيرة).
4 ــ سهرة (قصص)، المركز الثقافي العربي ، بيروت، 1994. ° (القصص: السفر ــ سهرة ــ قبضة تراب ــ الطوفان ــالأضواء ــ ليلة رأس السنة ــ خميس ــ هذا الجسد لك ــ هذا الجسد لي ــ أنا وأمي ــ الرمل والحجر).
5 ــ دهشة الساحر (قصص)، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، 1997. ° (القصص: طريق النبع ـــ الأصنام ـــ الليل والنهار ـــ الأميرة والصعلوك ـــ الترانيم ـــ دهشة الساحر ـــ الصحراء ـــ الجبل البعيد ـــ الأحفاد ـــ نجمة الصباح).
6 ــ جنون النخيل (قصص)، دار شرقيات، القاهرة 1998. ° (القصص: بعد الانفجار ــ الموت لأكثر من مرة واحدة! ــ الأخوان ــ شهوة الدم ــ ياقوت ــ جنون النخيل ــ النوارس تغادر المدينة ــ رجب وأمينة ــ عند التلال ــ الأم والموت ــ النفق ــ ميلاد) .
7 ــ سيد الضريح (قصص)، وكالة الصحافة العربية، القاهرة، 2003. ° (القصص: طائران فوق عرش النار ـــ وراء الجبال ـــ ثنائية القتل المتخفي ـــ البركان ـــ سيد الضريح ـــ وتر في الليل المقطوع ـــ أطياف ـــ رؤيا ـــ محاكمة على بابا ـــ الحارس).
8 ــ الكسـيحُ ينهض (قصص) دار نينوى للدراسات والنشر 2017 . ° (القصص: الشاهدُ . . على اليمين ــ الكسـيحُ ينهض ــ جزيـرة الموتـى ــ مكي الجني ــ عـرضٌ في الظـلام ــ حفار القبور ــ شراء روح ــ كابــوس ــ ليلة صوفيـة ــ الخنفساء ــ بائع الموسيقى ــ الجنة ــ الطائـر الأصفـر ــ موت سعــاد ــ زينب والعصافير ــ شريفة والأشباح ــ موزة والزيت ــ حمامات فوق سطح قلبي ــ سقوط اللـون ــ الطريق إلى الحج ــ حادثة تحت المطر ــ قمرٌ ولصوص وشحاذون ــ مقامة التلفزيون ــ موتٌ في سوق مزدحمٍ ــ نهايــاتُ أغسطس ــ المغني والأميرة).
9 ــ أنطولــــــــــوجيا الحميــــــــر (قصص) دار نينوى للدراسات والنشر 2017 . ° (القصص: أنطولوجيا الحميـر ــ عمــران ــ علـى أجنحة الـرماد ــ خيمةٌ في الجـوار ــ ناشــرٌ ومنشــورٌ ــ شهوة الأرض ــ إغلاقُ المتحفِ لدواعي الإصلاح ــ طائرٌ في الدخان ــ الحـيُّ والميـــت ــ الأعـزلُ في الشركِ ــ الـرادود ــ تحقيقٌ ــ المطرُ يمـوتُ متسولاً ــ بدون ساقيــــن ــ عودة الشيخ لرباه ــ بيــت الرمـاد ــ صـلاةُ الجــــائع ــ في غابـات الـريف ــ القائدُ مجنونٌ ــ الحيــة ــ العــَلـَم ــ دمـوعُ البقــرة ــ في الثلاجــة ــ مقامات الشيخ معيوف).
10 ــ إنهم يهزون الأرض ! (قصص) دار نينوى للدراسات والنشر 2017 .
° (القصص: رسالةٌ من بـينِ الأظافرــ الأسـود ــ عاليـةٌ ــ جلـسةٌ سـادسةٌ للألمِ ــ غيـابٌ ــ عودةٌ للمهاجرِ ــ دائرةُ السعفِ ــ الضميرــ المحارب الذي لم يحـارب ــ الموتُ حُبــَأً ــ إنهم يهزون الأرض! ــ حـُلمٌ في الـغـسـق ــ رحلة الـرماد ــ أعلامٌ على المـاء ـــ قبقب الخليج الأخير ــ المنتمي إلى جبريل ــ البــق ــ رغيفُ العسلِ والجمر ــ عوليس أو إدريس ــ المفــازة ــ قضايا هاشـم المختار ــ أنشودة الصقر ــ غليانُ المياه).
11ــ ضوء المعتزلة (قصص) دار نينوى للدراسات والنشر 2017 .
12 ــــ باب البحر (قصص) دار نينوى للدراسات والنشر 2019 .
° (القصص: وراء البحر..ــ الربان ــ الحب هو الحب ــ امرأة ــ شجرة في بيت الجيران ــ المذبحة ــ ماذا تبغين ايتها الكآبة؟ ــ كل شيء ليس على ما يرام ــ حادث ــ اللوحة الأخيرة ــ إجازة نصف يوم ــ قمرٌ فوق دمشق ــ إذا أردتَ أن تكونَ حماراً ــ أطـــــــــــروحـــــةٌ ــ الغولة ــ شاعرُ الصراف الآلي ــ حوتِ ــ وسواسٌ ــ ملكة الشـاشــة ــ مقامة المسرح ــ يقظة غريبة ــ إعدام مؤلف . الثأر)
✨ الأعمال الروائية :ــ 13 ــ اللآلئ ، 1981. 14 ــ القرصان والمدينة 1982. 15 ــ الهيرات ، 1983. 16 ــ أغنية الماء والنار ، 1989. 17 ــ مريم لا تعرف الحداد(امرأة) ،1991 . 18 ــ الضباب ، 1994. 19 ــ نشيد البحر ، 1994. 20ــ الأقـلف ، 2002 . 21 ــ ساعة ظهور الأرواح ، 2004 . 22 ــ الأعمال الروائية الكاملة ، المجلد الأول: الآلئ, القرصان والمدينة , الهيرات, أغنية الماء والنار , 2004 23 ــ رأس الحسين ، 2006 ــــ رأس الحسين ، طبعة ثانية ، 2012 . 24 ــ عمر بن الخطاب شهيداً ، 2007 . 25 ــ التماثيل , 2007. 26 ــ عثمان بن عفان شهيداً ، 2008 . 27 ــ علي بن أبي طالب شهيداً ، 2008 . 28 ــ محمد ثائراً ، 2010 . 29 ــ ذهب مع النفط ، 2010 . 30 ــ عنترة يعود الى الجزيرة ، 2011. 31 ــ الينابيع ، الطبعة الكاملة ، 2012 . 32 ــ عقاب قاتل ، 2014. 33 ــ اغتصاب كوكب ، 2014 . 34 ــ رسائل جمال عبدالناصر السرية ، 2015 . 35 ــ ثمن الروح ، 2016 . 36 ــ ألماس والأبنوس ، 2016 . 37 ــ ابنُ السيد ، 2016 .
✨ الدراسات النقدية والفكرية :ـــ 46 ــ الراوي في عالم محمد عبد الملك القصصي، 2004 . 47 ــ الاتجاهات المثالية في الفلسفية العربية الإسلامية ، صدر الجزء الأول والثاني معاً بمجلد واحد ، في ستمائة صفحة، ويعرضُ فيه المقدمات الفكرية والاجتماعية لظهور الإسلام والفلسفة العربية 2005 . 48 ــ الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية ، الجزء الثالث ، وهو يتناول تشكل الفلسفة العربية عند أبرز ممثليها من الفارابي حتى ابن رشد 2005. 49 ــ الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية ، الجزء الرابع ، تطور الفكر العربي الحديث ، وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة ، 2015 . 50 ــ نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية ، 2007. 51 ــ نماذج روائية من الخليج والجزيرة العربية ،2008 . 52 ــ صراع الطوائف والطبقات في المشرق العربي وإيران ، 2016 . 53 ــ الملعون سيرة وحوارات وما كتب عنه ، 2016 . 54 ــ تطور الأنواع الأدبية العربية , 2016 . 55 ــ رأس المال الحكومي الشرقي : الكتاب الأول (لينين ومغامرة الاشتراكية : الكتاب الثاني) ، 2016.
56 ــ عالم قاســــــــــم حــــــــــداد الشـــــــــــــعري ، 2019 .
57 ــ عبـــــــدالله خلــــــــيفة : عرضٌ ونـقـدٌ عن أعماله، 2019.
بمناسبة مرور أربع سنوات على رحيل الكاتب والروائي عبـــــــدالله خلــــــــيفة ، دفعت دار نينوى بدمشق ثلاث اصدارات جديدة للنشر :
دراسة نقدية بعنوان : عالم قاسم حداد الشـعري : وجاء في الغلاف الاخير : يمثل الشاعرُ البحريني قاسم حداد الصوت الشعري البحريني الأكثر حضوراً على امتداد النصف قرن الماضي، منذ سبعينيات القرن العشرين حتى العقود الأولى من القرن الواحد والعشرين، وقد اعطى الشعر البحريني منذ ديوانه الأول (البشارة) الصادر سنة 1970 الكثير من الإنجازات والتجارب والعديد من المشكلات كذلك، وهو في إنجازاته وأسئلته وإثارته الإبداعية والفكرية ساهم في دفع الحركة الأدبية والثقافية إلى الإمام.
وقد عبر قاسم بقوة عن تطور الجيل الأدبي الذي تشكل منذ خمسينيات القرن العشرين وبدأ البروفات التجريبية الكتابية طوال الستينيات التي شكلتهُ كصوتٍ وطني – معارض، ثم جاءت السبعينيات من القرن الماضي كذلك ليبدأ إنتاجه الحقيقي، وفي هذه العقود الثلاثة كانت البلد تنتقل من فقر مدقع إلى نمو اقتصادي بسيط، فأكتوى الجيل الإبداعي الأساسي في تاريخ البحرين بالفقر من جهة وبزخم التدفق الثقافي العربي والعالمي من جهة أخرى.
فصل من الكتاب
⁘12
يمشي مخفوراً بالوعول
تزدادُ في هذا الديوان النثري مسافة الانفصال عن الواقع، فتتمحور الذات حول نفسها بشكل صدفة عملاقة تضم الأرض والسماء، تغدو مقاربة للإله، ولنوح في سفينته وهو يدخلُ الكائنات أزواجاً في تكوينه الخشبي:
(يحاورُ مخلوقات الله ، يعارضُها . يكسر مرآة الخلق الأولى ، ويحفرُ تكويناً بهياً لأفق تلجهُ المخلوقات مطهرة ، مطهمة بالنقاوة ، لا جذر لأصابعها ، لا أسلاف ولا أسماء . يدجج وجناتها بالقرنفل . يدعوها ، أدخلي أزواجاً أو أفواجاً هنا باب لا يوصد فيلج الهيكلُ والروح والخلية. كطفل، كطين النطفة. يمحو وجه الأرض ، يرسمُ وجهَ الأرض …..)، (1).
والذات وهي تقوم بعملية الخلق الإبداعية هذه، تتأنسن كافة الكائنات وهي تدخل تلك السفينة الروحية التكوينية ، فتعارضها وتحاورها الذات في صيغة فنية مختلفة عن صيغة(مرآة الخلق الأولى)، لكن نجدها في تكوينها المتعدد الطبيعي – البشري مفتقدة للصراع ، فرب التكوينات الإبداعية المخلوقة (يهئُ هودجه ويقايض الجند بأسرار الجنة والنار )، هكذا تتعالى الذات حتى تصبح سيدة مطلقة في كونها المخلوق لها، فهي تتطابق والسيطرة الكاملة، ومن هنا تواصل الانسحاب من الأرض، ومن صراعاتها فتعيش في تلك الحرية العليا:
(يطمسُ غربة صاريةٍ واقفةٍ في اللج . يشدُ سعفة نخل ساهمةٍ كالسيف . يرسل نورسهُ في الغمر . ويزينُ تاجَ يديه ليمحو لغة ويرسم لغة يعلمها سر الله والفتح)، (2).
في تشكيله الشعري يتقارب هنا مع افتتاحية التوراة ، ولكن بخلاف ذلك الكتاب فإن كائناته تظل تدور حول ذاتها، في حين تكبر قصة الرب في التوراة بعد الخلق متجهة لظهور موسى والرسل وصياغة الصراع اليهودي – المصري.
ولكن الرب الشعري هنا يظل مع تكويناتهِ الضبابية هذه ، يعيد إنتاجها في ذلك الفضاء النوراني البعيد عن تضاريس الرمل والوحل.
فبعد أن عبر عن عملية الخلق في تلك الفقرة الطويلة يختمها بذات الحديث عن عملية الخلق لكن بكلمات مختلفة:
كيف تلجلجت الكلماتُ وهو كائن مطلق ؟ كيف تاهت عيناه؟ إن هذه التفاصيل لا تدخل مجرى صراع ما، ولا تكشف كيفية تشكل الشكل لأنها تجريدية ذاتية جوانية، لا تستعينُ بأداةٍ فنية تجسدُ نظرتها، ولا تكمل أسطورة الخلق الأولى في تكوينات خاصة، فتواصل عملية التجريد العام للتجربة ( وكان البابُ إلهاً يذكرُ غفلة أهل الدار ويغفرها)، فمن هم أهل الدار؟ كيف نسجوا في هذا الكساء الرباني؟ إن (المخلوقات) تـُخلق بشكلٍ ذاتي، لا تتولدُ من خلال عملية خلق موضوعية، فهي قابلة للاستمرار وقابلة للتوقف.
ويستمر هذا التجريدُ في العديد من النصوص ، وتغدو متابعة عملية النسج هذه متعبة، حين تتواصل تكرارية الكلام عن الذات:
(جاء مأخوذاً/ تقمصه الرماد ُ، وغادرت عيناهُ في هلعٍ / سيسألُ: لماذا مرت العرباتُ في بطءٍ على رئتيه)، فهذه التفاصيل القصصية الصغيرة تتكررُ وتعيدُ نفسَها بألفاظٍ أخرى، ولكن لا تتطور، فهذه العرباتُ التي لم تعدْ في طرق البحر الثلجي، ولا في سماء الخلق الأولى، وأخذت تضاريس الأرض تظهر، لا تنفتحُ على شيءٍ جديد يُدخل الذاتَ في تكوينٍ متصاعد، ويذكرنا تعبير (تقمصهُ الرمادُ) بالفترة الواقعية الأولى حيث لا مسافة وسطى بين النار والرماد، وأن الخلق التجريدي غير الملامس لغصون الحريق في الناس والأشياء، يتحول إلى مادة أولى تبحثُ عن تكوين.
وبعكسِ هذه القطع الناسجة حول التكوينات المُجردة، هناك منحى آخر يتوجه نحو تكويناتٍ غير مجردة، ويتداخل والتاريخ والصراع الإسلاميين.
ففي قطعة (تراث الليل) يبدأ صوتُ الإمام علي بن أبي طالب في الظهور، فتكوينُ الإلهِ التجريدي لا يؤدي إلى إشعالِ الحطبِ الشعري البارد بل لا بد من سخونة ما تجدها الذاتُ الشعرية في التماهي مع صوت الإمام:
(أنا الحطبُ الذي للنار/ كل سقيفة وشمٌ على جسدي/ يدي في زعفران الليل/ يا وجعاً تراثياً/ أنا الحطبُ الذي مثلُ الرمادِ الكامن المرصود/ كل سقيفةٍ تــُعطي ضياع الخيمة الأوتادَ والرقع)، (3) ص 22.
ومع إدخالهِ مثل هذه الشخصية النارية في المادة الشعرية فإن قاموسه التجريدي الطبيعي ظل مستمراً، متمظهراً في(زعفران الليل) وما يماثلها من مواد، وهاجس الشعر أن يبتعد عن القص، ويظل في بؤرة التجريد حتى لا ينزل لمادة الأرض الصلبة. لكن في عباراتٍ واسعة نادرة يفجرُ هذا الحطب بسخونة غير متوقعة، وقد أعطته رمزية السقيفة مثل هذا الأشعال:
(أذكرُ / . . من فجوة البحر ، وطرحوا السيف والذهب. السيف من هناك . والذهب من هنا . جيوشٌ مهزومة تتناسل في خوذة الريح والخديعة الخ )، (4).
إن الشخصية/ القناع التي تتكونُ مع الذات تعطي الأخيرة وهجاً فتنمو قطعٌ أخرى بحرارة، فلقد تناسجتْ الشخصيتان في صراع اجتماعي حار، على ضفتي التاريخ الماضية والمعاصرة، وإذا كان الإمام يقاومُ قبائلَ الذهب والخديعة، فإن الذات الشعرية المعاصرة تقاومها وقد أضيفَ الغزاة إليها، وتتشكلُ هذه بومضاتٍ صُورية سريعة، كتصويره لهجومها؛ (تلهث في الهزيمة مثل ذئبةٍ محاصرة).
في القطع التالية التي تعيش على امتدادات هذا الترميز تتوحد الشخصيتان في كيانٍ مشترك، صارخٍ بالصوت، مثل قطعتي(نبؤة النخل) و(الحوذي)، كقولهِ:
(يا أرضُ/ يا أرض لا تفتحي شرفة للبكاء/ افتحي نار عينيك نحو الغزاة/ افتحي للطريدة النجاة)، (5).
وبهذه الصراعية على مستوى الشخصيتين وعلى مستويي التاريخ والحاضر، تنمو دراما شعرية لا تكتمل لكونها تظل في القطعة الصغيرة، وفي عالم التجريد المسيطر لكنها ذات وهج فريد.
(والعرباتُ في هجوم الوعول كأنها ريحٌ محاربة كأن الليل منتصفُ الخليقة ، فانتظرْ يا سيد العرباتِ أحلامي مشعشعة باشلاء الضحايا وانتظر صوتي / دروعاً للنباتات البخيلة)، (6).
وتؤدي عملية التوهج على صعيد الماضي للذات أن تستعيدَ تجربتـَها المعاصرة، فخيبة الإمام وعدم انتصاره على أهل السقيفة وذوبان جيشه، تتضافر مع هزيمة الذات الشعرية في الراهن، مما يطلق مسارها الخاص المحتدم بالفجيعة.
(أغفى على وجعٍ قديم يحتفي/ حقواه مكسورانِ / مخذولٌ، وقافية تضيقُ به/ يطأوون تذكاراتهِ فيميلُ في جزعٍ / فأغفى . . وانتهى/ طحنتهُ في بطءٍ يدُ العربات عند الساحل الصخري أغفى . . وانتهى)، (7).
إن التجربة الماضوية الصراعية مستمرة كذكريات في الذات، وهي إعادة نظر ليست عميقة التأمل ووسيعتها، بل خاطفة، تستعيدُ شرارات عبر رسم تشكيلي هذه المرة للشخصية، لكون المحارب القديم يتجسد كائن مكسور في بعض العظام، وليس لأنه محارب قديم تركه جيشه.
ولو أن التضافر بين الماضي والحاضر، بين الإمام والذات الشعرية، نسج في معمعان صراعي ومشهديات مختلفة، مع هذه الأصوات الفردية القوية، لأمكن للديوان النثري أن يثري لوحاته.
فمن جانب رمزية الإمام تبدو شاحبة، غير مدغمة بلوحات تعمق خذلان اللحظة التاريخية المليئة بالدراما، والشاعر سبق أن مر على هذا الموقف بذات التجريد في (النهروان)، فنراه هنا يواصل نفس المشهدية التجريدية غير المنغرزة في التفاصيل النارية:
(هل أضاعوك على جسر السقيفة/ لاهجاً مستوحشاً)، (ماذا أضاعوا عند مفترق السقيفة:/ سيد الكلمات؟ محتما النبؤة؟ شاهداً يغوي القضاة؟ مقاتلاً هزمته نارُ الله في شكٍ؟)، (9).
إن الذات التاريخية تخاطب نفسها في مكانية محددة بالجسر والمفترق أو في مجردات كـ(ويداك في طين الخليقة).
إن العلاقة بين الشخصيتين التاريخية والشاعرية علاقة محدودة، وتركيز الشاعر على (السقيفة) يماثل النظرة الشيعية لتاريخ الإمام، والشاعر عاش في بيئة هذا الإرث، ولكنه لم يتعمق درس (ثقافة السقيفة) فغدت مسألة صراع الإمام مسألة إرث مـُنتزع، لا صراعاً اجتماعياً، وهذا يلائم التجريد من جهة ويلائم النظرات فوق العقلية (السريالية) من جهةٍ أخرى ونجد هذا الجانب يتطابق مع رؤية أدونيس في الثابت والمتحول (10).
وإذا كانت الذات الكبرى منسوجة بين الشخصيتين التاريخية والشعرية، إلا أن الأنا المعاصرة غير مهتمة بتحليل الدراما الاجتماعية للإمام علي في صراعه ضد الأرستقراطية القرشية العائدة للحكم، فتتحول هنا إلى تلك التجريدات التي لا تنغرس في الواقع الملتهب للزمن، أو أنها لا تجد مشتركات بين اللحظتين.
لكن الذات الشعرية في تعبيرها عن نفسها تفلح في خلق هذه النار المتوهجة:
إنها لحظة من الحفر الداخلي الوامض المضيء لتجربة زمنية وعملية طويلة، يقوم فيها التجريد الأكبر، حوار الشاعر/ النخل، بدور المغزل في نسج الماضي القتالي السريع المليء بالأخطاء، والمشرف كذلك، واستخدام الحوار التجريدي هذا هو الذي يبقي اللحظة الصراعية المتوهجة في زمنية وامضة، لا تتجه في الحفر في قنوات ما، مما يجعل اللحظة الدرامية ومضة خاطفة.
لقد أدى الموقف الاجتماعي للأنا الشعرية بانتقالها من موقع الرفض المطلق إلى العمل في كنف النظام، إلى استراتيجية رمزية غائرة، لا تتجه للحفر في الصراعات الاجتماعية والسياسية، مما يكثف الصور حتى تقترب من الاعتام:
(طاردَ البحر فرائسهُ وحاصرها في مضيقٍ تحرسه الوعول، فجاءت الريحُ والرماحُ وانشقت الأرض عن بلادٍ مكسورة تدورُ في المآذن فيها كقلاعٍ في ريبة وفي تمائم. حيث القناديل في غرف محفورة في صخرة الماءِ والماء مشكاة)، (11).
تلعب الرموز الطبيعية دورها الكبير في تشكيل اللوحات، والشاعر هنا يصور بلده المحاصرة خلال زمنية القمع وعالمها ينتقل من الوعي الحديث مرتداً إلى الدين، بشكله الخرافي، في حين أن القوى التحديثية في غرف محصورة، لكن الأنتماء باق، وهذا كله يتشكل على هيئة حوار بين الأنا في لحظتها المعاصرة المأسورة، وبين لحظتها حين كانت في وجودها الطفولي الأول المستمر:
(طفلٌ مقيدٌ يسمعُ النصلَ فيُرخي يديه ورجليه، جزرٌ مغدورة بلا قيادٍ ولا قاربٍ والجوعُ ختمٌ. صخرة الماء في كهفٍ والكهفُ في غور عميق، عمقٌ مجهولٌ مرصودٌ مقدسٌ والماء مشكاة).
إنها أكثر الصور تعبيراً عن زمنية البلد المخنوقة في القيود والرعب، فأي تعبير في هذا (صخرة الماء في كهف والكهف في غور عميق)، وهذا الطفل رغم كل هذا يتحرك عبر صوت الأنا الشعرية التي تحاوره، وترسم له زمنية طويلة مجحفة في قطرات من الضوء:
(كـُنتَ في البحر؟ كنتُ / زرعتُ نخلة . يكفيكَ مجد الزراعة والغوص . لا لؤلؤةٌ ولا نواة / سريركَ القبرُ، طأطئْ : ذلك البحرُ يهجوك، يهجو ويهجمُ أنت الطريدة. هل كنتَ؟ كنتُ. لك القيدُ والقبر والقرائن مبذولة).
إن الطفل هو الإنسان، ابن البحر والزراعة، الذي شكل هذا التاريخ وبقى طفلاً، معدماً، فصنع كل شيء وبقى سريره القبر. والشاعر هنا يشكل علاقة صراعية بين الطفل والبحر والتاريخ، دراما صغيرة تغوصُ الرموز في عالمها التجريدي الملموس، وهي حفرية دقيقة مرهفة مريرة، كثفها في لقطة مخيفة.
إن الطفلَ هو كلُ شيء وهو لا شيء، صانع الحياة ميت، ومشكل الثمار فارغ اليدين مطارد من عدو شرس مُغيّب الملامح، تبدو آثار شراسته في هذا العرش المخصص لإنتاج النعوش.
(10): (الثابت والمتحول، أدونيس يغدو التاريخ الإسلامي تاريخاً طائفياً منذ البدء لدى أدونيس ويتجلى ذلك في استشهاده رقم (112) في صفحة 332 من ثبت المصادر من الجزء الأول، حيث يستعين بكتاب الكامل لأبن الأثير الذي يروي وصية الإمام علي بن أبي طالب لولديه الحسن والحسين اللذين يطالبهما بضرورة نصرة الحق وبخصومة الظالم، ثم يروي وصية معاوية لأبنه يزيد الذي كرس فيه السيطرة والتعالي. وكلا الوصيتين تعبران عن منحى كلٍّ من الإمام والطاغية معاوية، لكن أدونيس يأخذ النصين الوصيتين ليستنتج منهما منحيين تاريخيين مجردين مُعممَّين فيقول: (وتكشف هذه الأقوال على منحيين أساسيين في النظر والعمل: الأول هو الذي ارتبطت به، تاريخياً، وانبثقت عنه مختلف التحركات التي تسير في أفق التحول. والمنحى الثاني هو الذي ارتبطت به مختلف التحركات التي تسير في أفق الثبات) .
(11): (نفسه ، قصيدة البحر ص 56).
(12): (ليس هذا الشكل ولا بشكلٍ آخر)، دار قرطاس، الكويت، ط1، 1997، ص 18 – 19).
ليس فينا من هو كامل وتام، الذي لم يخطئ، وليس فينا من هو من معدن البطولة الخارقة، ولكن فينا من ناضل وجمع الحطب القليل للتنور الوطني، ومن كتب المنشورات في الليل المعتم وفي الغرف المرهفة بكل آذانِ جدرانها لخطى الأحذية، ومن خط أول شعار على الجدار العالي على المحكمة القديمة بكلمة [يسقط الاستعمار]، ولم يكن البحارة الأميون وباعة المفرق المتناثرون يفهمون حتى هذه الخطوط السوداء الكبيرة التي كـُتبت على الجدار، وفي عمق سوق المنامة، وحتى التجار المتعلمون نظروا بدهشة إلى هذا الشعار الغريب !
ولم يفهم المارة والشرطة الذين غسلوا الشعار إنهم أمام حقبة جديدة من التاريخ !
لكن أن يتجرأ أحدٌ على الكتابة العالية، ويضع أمام العيون يافطة مكتوبة بالدم والوعي، ثم يزاحم الأكتاف القاسية ويكتب ورقاً ويقود تجمعات ويقفز على المتاريس ويتلقى الرصاص ويموت، فإن هذا هو الشيء المذهل..
أربعون سنة وهذا التاريخ الوطني غائبٌ، فورقةٌ منه تكفي لإرسال صاحبها وراء الأسوار، وحين تقرأ كتيباً عليك بعدها أن تحرقه أو تعطيه لآخر وآخر حتى يكون مصيره الأخير في النار ! فامحت الذاكرة أو كادت .
كانت كلُ المجلات التي تتكلمُ عن نضالِ الشعوب متوفرةً في المكتبة الوطنية في الشارع الذي هو امتداد لما كان يـُسمى شارع الظلام، ثم سُمي الشارع المسقوف، وهو الشارع الذي تصطفُ فيه المحلات الكبرى وقتذاك، وفي خلفياته تقع المقاهي التي يتجمع فيها الهامسون، وهم المناضلون الذين يتواعدون، ويتبادلون قصاصات الصحف والمجلات والكتب والأخبار، وكانت المجلات والصحف القومية الناصرية هي التي تعلو الرفوف ويتخاطفها القراءُ بسرعةٍ شديدة !
كان من يريد أن يصبح مشهوراً وقائداً يلتحقُ بالهيئة وبالقوى القومية الناصرية، وأذكرُ أحدَ معارفي وكان طموحاً وشبه أمي، ولكنه أصر أن يكون ناصرياً بارزاً، فكان يكثرُ الإغارة على ذلك الشارع ويشتري المجلات المصرية، [آخر ساعة، والمصور] ويملأ بها بيته ومن ذلك الشارع، ثم يمشي في كشافة الهيئة، والكثيرون يفعلون مثلما يفعل والنضالُ حماسٌ وصخب حاد وشعارات متوهجة !
كان يبدو لك من هياج الناس أن كلَ فرد هو إنسان مناضل، تحفُ به الأرواحُ المقدسة، وأنه طاهر نبيل، وأن الوطن سوف يتحرر في غمضة عين، وأن العاصفة القومية ستكنسُ كل شيء في لمح البصر، وأن هدير المذيعين وصخب الإذاعات قادرٌ أن يحّول الوطن العربي الممزق إلى دولة جبارة تتفجرُ طاقاتها الصاروخية بلمح البصر وتستولي على المريخ قبل الروس والأمريكيين !
لكن هذا الرجل من معارفي بعد سنوات تحول إلى مقاول لا يعرف شيئاً عن السياسة، ويعرف الكثير عن فنون النصب والاحتيال، ويهتم كثيراً كيف ينتزعُ بيتاً من قريب متأزم مالياً، وكيف يبهرجُ الكلام ويصبح وجههُ كثيرَ الابتسام بشوشاً للمصالح والمكاسب متوارياً في الخسائر والمطالب !
كان هؤلاء الصاخبون المنفعلون أوقات الأزمات والثورات يظهرون وكأن لا أحد شريف وثوري غيرهم، وكانوا يملأون باصات طلبة المدارس بالصخب، ويعتدون على الناس لأقل شبهة، ثم يمضي الزمن وتراهم موظفين قساةً على مرؤسيهم، يقومون بأي شيء من أجل أن ترتفع درجاتهم ونسوا النضال الوطني، وكأنهم ليسوا هم الذين اتهموا الكثيرين بالخيانة للروس والفرس والإنكليز، ثم بلطوا على خط المال والوشاية والتفاهة !
ليس في النضال الوطني أهم من الاجتماعات والشخصيات البارزة والكتب والنزول إلى الشارع إذا حمى الوطيس !
ولعل الكتب قد لعبت في حياتي دوراً لا يقل عن ذلك الشريط من البشر المكافحين والسجون الممتلئة، والشوارع النازفة !
لقد كان بيتنا الواقع في حي العمال بمنطقة القضيبية لا يكادُ يعرفُ شيئاً أسمه الكتاب . وكنت أتحرق شوقاً إلى الكتب، إلى درجة كبيرة، لأن بعض أبناء الميسورين في المدرسة من أقراني كانوا يتحدثون عن كتب دارون وفرويد ونجيب محفوظ والعقاد، وأقصى ما حصلت عليه في طفولتي كتاب مغامرات عنترة بن شداد، الذي لا يزال حتى الآن ترتعش سطوره بين عيني وكأنه مفتوحٌ أمامي !
وحاولت أن أقرأ في المكتبة العامة بالمنامة، حيث كانت مدرسة الثانوية أشبه بقلعة من قلاع المعرفة، تحيطها الساحاتُ، ويبدو شبكها المعدني الطويل، مصيدة لأوراق الشتاء المتطايرة وللطباشير، وقلعة للنضال الوطني ولتخريج الكوادر في سبيل الحرية ! وتجثم المكتبة العامة في جانبها الشمالي، ويبدو الحصول على كتاب فيها لطالب أشبه بمغامرة محفوفة بالمخاطر، وللأسئلة والكثير منها كتب أدبية تقليدية.
فغدت المكتبة الرئيسية التي تعلمتُ منها هي مكتبة التنظيم، ففي [ الجبهة ] ليس ثمة كتاب خاص، وأهم الأشياء التي تبقى معك بعد الاجتماعات السريعة هي الكتب، والكتب ليست بالقطاعي وليس ثمة وقت محدد للترجيع والاستعارة، وللسؤال عن ميولك وعنوانك وولي أمرك !
هنا نهرٌ من الكتب يتدفق بلا ثمن، و[ كوارتين ] مليئة تــُعطى لك لتقرأ، هنا أكبر الباحثين؛ مجلدات رأس المال، وكتب سلامة موسى وجورج حنا، وأدب المقاومة، والأعمال الكاملة للينين وروايات مكسيم غوركي والفولاذ سقيناه، وجورج آمادو، وأسس الفلسفة وكتب ماوتسي تونغ وغيرها كثير..
وفي الأسواق يكمنُ الباعةُ الشعبيون للكتب والمجلات التقدمية. في المخارقة يجلس الكهلُ من عائلة زليخ يبيعُ البضائع البسيطة العادية، ولكن يأتي إليه مثقفون وعمال، ويستغرب بعض الناس كيف يستقبل هذا العجوز هؤلاء، ثم يخرجون ولم يشتروا شيئاً.
كان المثقفون يأخذون المجلات الفكرية والسياسية الموضوعة تحت علب وصناديق البضائع، والتي تأتي من بيروت، وخاصة مجلة [ الوقت ]، التي كانت هي مجلة قضايا السلم والحرية والاشتراكية التي تصدر في براغ بالمعسكر الاشتراكي وقتذاك !
وفي تلك الأوراق القليلة كنتَ تقرأ تحولاتَ العالم والموائد المستديرة التي تعرض خبرات الأحزاب وصراعات الفكر والسياسة !
وفي مكتبة البحرين كانت الكتب الأدبية التقليدية تملأ الرفوف وكانت العتمة والغبار ولكن تحت الطاولة توجد كتب هزت العالم وغيرت التاريخ ! وإذا كان صاحب المكتبة يعرفك جيداً فسوف يفتح لك الدهاليز السرية !
وفي الانفتاح الأول ظهرت مكتبة النجمة، وانهمرت الكتب الفكرية والتقدمية، حتى غدت هذه الكتب موضة المكتبات الأخرى، ثم جاءت سنواتٌ كان أكثر من يقرأُ فيها هو النار !
وبعد سنوات حين أخذتنا الصناديق في الصحراء وعزت أوراق الكتب، وأدمنا قراءة الروشتات الطبية رحنا نتذكر بحسرة ذلك العالم الساحر المليء بكتب بلا ثمن، والتي حين خرجنا كانت قد ضاعت أو احترقت أو صودرت أو نـُسيت في ممرات الزمن المغبر .
كانت أحياء القضيبية والحورة والعوضية في شرق المنامة تتجاور وتكاد تتلاصق بشدة، ولكنها تبدو نائية عن بعضها، وكأنها قرى منفصلة!
كانت القضيبية أشبه بفضاء متسع، فيها مناطق سكنية صغيرة متناثرة؛ يجثمُ فيها قصران، قديم وجديد، وفيها قسمٌ من الأكواخ وعرائشُ السعف ومناطق الفرق الموسيقية الشعبية القادمة من جذور أفريقيا السوداء، وهي المساكن التي عصفت بها الحرائقُ ولم يبق منها سوى هذه الأطلالُ النازفةُ والصادحة!
أما الحورة فكانت منطقة سكنية مزدحمة، تكدس فيها فقراء، أحاطها البحر من جهتين، واتخذت الحكومة المنطقة الشمالية كمستودع عائم وأرضي للقمامة، وبدت الحورة أكثر بؤساً من بقية المناطق.
أما فريق العوضية، فهو بيوت أكثر التصاقاً وحداثة ونعمة. كانت أجواء الانفكاك تخيم على هذه الأحياء رغم أن حركة هيئة الاتحاد الوطنى قد جمعت الشعب في كيان واحد، لكن هزيمتها وعودة اليأس والحزن، أعادت الناس؛ الى أجواء العداء والتفكك والريبة.
فكانت المعارك تشتعل بين الأحياء، ثم أخذت أنفاس الحركات السياسية الجديدة تتوغل إلى هذه الحارات بصور متفاوتة.
فإذا كانت الحورة قد استقبلت المد القومي بصورة حماسية، وانعكس ذلك على تشكل خلايا قومية فيها، فإن العوضية كانت قد أخذت تتشرب الماركسية منذ أوائل الخمسينيات، فتدفق المهاجرين المطرودين من إيران، والأحداث الوطنية العاصفة هناك، ومناخ حركة الهيئة التي قذفت بالجمهور في النشاط السياسي، وتضخم أعداد العمال البحرينيين بصورة واسعة سريعة، كل هذه جعلت من الوعي التقدمي عملية ضرورية، تستدعيها مهمات الحركة السياسية الوطنية التي قذفتها الهيئة من الانتشار الهائل إلى الغياب الكامل!
كانت الحركات القومية المختلفة تقوم بذات أخطاء حركة الهيئة، من حيث البنية التنظيمية، فهي تقوم بحشد الشباب المتحمس، وتعتبره منظماً بصورة آلية، دون أي عملية انتقاء وتثقيف، وكذلك من حيث غياب الوعي المبرمج والمدروس والممنهج. ولذا كانت مسألة البرامج مسألة في غاية الأهمية حينذاك بسبب أن حركة الهيئة كانت حركة مبلبلة، مشتتة، لم تطرح أهدافاً استراتيجية ممكنة التحقيق، فهي تطرح مطالب ديمقراطية جزئية كانتخابات أعضاء إدارة ثم تتراجع عنها، أو تعتبر نفسها جزءاً عضوياً من حركة الوحدة العربية والإسلامية. دون أن تظهر مسألة الحرية الوطنية والاستقلال الناجز كهدف رئيسي محوري.
ولهذا فإن المجموعات القومية التي راحت تكرر أخطاء الهيئة في الحورة أو المحرق، أخذت تتحس لظاهرة جديدة بدأت تظهر في العوضية! فجبهة التحرير التي ظهرت كنواة صغيرة في خضم حركة الهيئة، راحت تعمل بأسلوب سياسي وفكري مغاير في هذه المنطقة المحصورة بين الأحياء «العربية والدينية المذهبية المختلفة»، فانضم عاملٌ جديد إلى نزاعات الأحياء، وغذته أطرافٌ مختلفة ليتحول إلى صدام شخصي واجتماعي . فتشكيل خلايا صغيرة، وقراءة المجتمع بصورة جديدة، وتثقيف الأعضاء والأصدقاء بصورة منظمة يومية، وطرح شعارات سياسية مناسبة، كان هذا شيئاً مغايراً مخيفا، فلا شك أن وراءه قوة خارجية خطيرة!
فظهرت حملةٌ عنيفة على « العجم » و« المتسللين »! و« الشيوعيين المخربين »؛ وكان هذا يترافق مع المد القومي، حيث تتفجر الإذاعات بالجمل الملتهبة، عن الخطر الإيراني، وكان البعض يعتدي على الخبازين البسطاء باعتبارهم جواسيس!
ثم ظهر الخطر الروسي والسوفيتي وتغلغل روسيا الشيطاني إلى منابع النفط! وكان وراء كل هذه الحملة والصراخ اتجاهات شتى، تداخلت فيها الأهداف الغربية الاستعمارية مع حركة القوميين العرب والبعثيين والناصريين بضرورة مقاومة القوة السياسية الجديدة: قوى المعسكر الاشتراكي حينذاك وتجسده التقدمي العربي.
كانت طبيعة الحركات القومية المختلفة، عبر انتفاخاتها التنظيمية التي تكبر بصورة واسعة في بضعة أشهر ثم تختفي في السنوات التالية وكأنها لم تكن، تصيب بأضرار بالغة الحركة الوطنية الناشئة في ظروف مخالفة جنينية، بعد عملية يأس حادة بعد أن أخفقت حركه الهيئة بصورة مروعة والتي كانت أشبه بدولة فى عزها!
ولم يكن الأمر يعود فقط لعملية النمو المترهلة فحسب بل أيضاً في طبيعة الحركة التى تأخذ في نموها السريع الحشائش الضارة والأزهار الصغيرة إلى دوامة الفعل السياسي الفوضوي، والقيام بأعمال سياسية لم يحن أوانها، وتتحول إلى مغامرات تضر العود الهش للحركة الوطنية بعد كبواتها المختلفة والتي يكون حصادها مفقودين وشهداء ومنفيين وحرائق!
وقد تجسد ذلك في ربط البحرين بالأحداث في البلدان العربية بشكل عاطفى وحماسى صاخب، فكأن الشعب البحريني مهمته هي فقط في التضامن مع أشقائه، دون اعتبار للفروق بين عمليات التضامن القومي وعمليات الصدام الوطني، فكل عملية تضامن تتحول إلى معركة محلية حادة، فراح جدول الحركة الوطنية البحرينية يرتبط بمناسبات الثورة المصرية وخطب قائدها وانقلابات سوريا الكثيرة وصراعات العراق التي لا تنتهي! ولهذا كان أحمد سعيد يقود شوارعنا المحلية أكثر من الزعماء الطالعين تواً من الطفولة!
ومن هنا كانت احتفالات الوحدة والصدامات بين القوميين والبعثيين والشيوعيين تنعكس بشدة على الشوارع، والدكاكين وجلسات المقاهي، وانقسم الناس فجاة بين عبدالكريم قاسم وجمال عبدالناصر وأخذت المعارك تنتشر!
من هنا كان تفكير جبهة التحرير بفك الارتباط الآلي بين القومي والوطني مدعاة لاستنكار الاتجاهات القومية التي لم تكن تملك برامج وطنية داخلية، ولم يكن لديها خطط عمل سياسية واضحة، وتعيش على الانفعال. وقد تم اعتبار فك الارتباط الآلي هذا بمثابة خيانة قومية، وارتباط مباشر بموسكو عدوة العرب، ويصل ذلك حتى إلى مستوى الفرق الرياضية وأسماء الأندية، فهناك « العربي » وهناك « الوطني »، وهناك العروبة والشعلة والفجر والوحدة، فأخذت التيارات السياسية تنقل خصوماتها وشعاراتها إلى الجمهور والحياة اليومية!
لكن خط جبهة التحرير الصغير والمحدود جماهيرياً راح يؤكد نفسه وينمو بصورة مطردة، فالضربات المستمرة ضد التنظيمات المتضخمة كانت تؤدي إلى انفلاشها وعدم تركها أي أثر سوى الحسرة والمعتقلين المعترفين، الذين يتحولون من التطرف إلى السلبية الكلية، أو الارتداد.
وهو ما كان يحدث بصورة مستمرة في جنين الحركة الوطنية على مدى عقود القرن العشرين الأولى خاصةً، من حيث غياب التراكم الفكري والتأسيس النظري السياسي، وتعرض الحركة للعفوية والانفعالية الشديدة وأخطارهما. وهي جوانبٌ ستورثها الحركةُ السياسية « العلمانية » لشقيقتها وخصيمتها الحركة الدينية.
بطبيعة الحال لا يعنى هذا أن حركات التحرير كانت منقطعة عن هذه التقاليد، أو أنها لا تحوي أخطاء من نوع آخر، وكذلك فإن هذه الحركات الوطنية المنتفخة كانت تشكل حماية للتنظيمات الأكثر بعد نظر، وكان تقلص الحركة الوطنية وهزائمها أمراً مضراً للتنظيمات اليسارية الوليدة، التي انضمت إليها الشعبية عبر التحول في حركة القوميين العرب.
ولهذا كانت الانتقادات الموجهة لها من باب الحرص على تماسكها وقوتها الداخلية، لكن تلك التنظيمات رأتها كمعاول هدم لها!
لابد من التأمل العميق في تاريخنا الوطني لمزيد من العبر، لذاكرة قليلاً ما تتعلم، بسبب تاريخها البدوي – القروي القريب والمتجذر.
ولهذا فإن أخذ احدث الموضات الفكرية لا يعني الانتقال للحداثة!
كان صعود جبهة التحرير والجبهة الشعبية في فضاء أواخر الستينيات وفي عقد السبعينات برمته، هو تعبير عن تحول البحرين إلى بلد تهيمن فيه المجموعات العمالية والطلابية وانهارت فيه الزراعة وانعدمت فيه طبقة الفلاحين، وأخذت الأزمتان الاجتماعية والوطنية المتداخلتان يتم التعبير عنهما بالشعارات اليسارية المتصاعدة.
كان صعود التنظيمين يؤكد أن زمن التنظيمات الفضفاضة قد رحل، وأن الخلايا الصغيرة والأفراد المنظمين بشكل دقيق، هو العمل الحزبي الذي يستطيع أن يتجذر في الواقع ويصمد.
وكان واضحاً منذ البدء أن تكوين التنظيمين الاجتماعيين مختلف ومتداخل كذلك، فالتحرير التي نمت على جذور عمالية أكبر احتوت العديد من المثقفين والطلبة، كما أن الشعبية التي أسسها المثقفون وأفراد من الفئات الوسطى والصغيرة، تضم كذلك عمالاً.
ومن هنا كانت قواعد التحرير في المصانع والحياة العمالية، فنمت على أكتاف الإضرابات وتغلغلت في القرى حيث تصاعد وجود العمال. ولهذه النشأة حيوية في البدايات، حيث ظهر نمط من العمال المسيسين والمعلمين والمثقفين كذلك، الذين كرسوا فكرة (الماركسية — اللينينية)، حيث هناك خطوط عريضة صارمة للحركة، تعود لتأسيسات الأممية الثالثة وأدبياتها، وغدت هذه الخطوط الفكرية مهمة في الإجابة عن أسئلة الواقع والتطور، أي كيف يجري النضال ضد الاستعمار وكيف يمكن خلق جبهة وطنية عريضة تجمع الناس لتجاوز النظام الاستعماري؟ وكيف تتشكل التكتيكات ومن هى الطبقة التى تكون طليعية في هذا النضال؟
كان وجود العمال البحرينيين الكثيف وانتشار مثل هذه الأفكار يعودان لعوامل متداخلة، فكأن الظروف الموضوعية بحد ذاتها تجذب هذه الأفكار وتنشرها بين الفئات المثقفة من العمال والطلبة، فتحصل هذه الأفكار على انتشار وتأثير وتصمد بقوة في امتحان الواقع، أكثر من التنظيمات القومية الواسعة والفضفاضة، كذلك فإن طبيعة الفكر الملتحم بنظريات في الاقتصاد وعلم الاجتماع، كان ذا جاذبية خاصة.
لكن على أي مستوى فكري ونظري استطاع فكر التحرير أن يشكل أدبياته الدقيقة فتلك مسألة بحاجة إلى دراسات . وأذكر هنا دراسة كانت منتشرة بعنوان « المد والجزر في الحركة السياسية »، وكانت هذه الكراسة المكتوبة بخط الأيدي الكثيرة التي تتداولها وتنسخها، وتحرقها، تعالج أسباب الخفوت والاندفاع في الحركة السياسية الوطنية، ولماذا لا تنمو تتجذر؟ الأفكار بسيطة وساذجة ولكنها حينذاك في أواخر الستينيات تبدو كشعلة من الضوء الباهر! وكانت تبحث بشكل صحيح لماذا لا يشارك الناس في السياسة وكيف يقوم المناضل بجذبهم؟
وأول مقالة شبه علمية تعالج التطور الاجتماعي البحريني ظهرت في مجلة الطليعة المصرية التي كان يرأسها لطفي الخولي، والتي أخذت تثري الساحة العربية بنفس تقدمي جديد، هذه المقالة كتبها سيف بن علي (أحمد الذوادي) في بداية صدور تلك المجلة، وراح يعالج فيها اقتصاد الغوص والنفط وتشكيله المجموعات السكانية، وكانت اللمحات الأولى عن الطبقات والاستعمار، وفيما بعد تزايدت المقالات والكتيبات التي تعالج قضايا السياسة الملحة، كالموقف من اتحاد الخليج العربي المقترح في ذلك الوقت، الذي كان فيه التحليل متواضعاً حيث يقوم هذا التحليل على فكرة أن الاتحاد التساعي وقتذاك سوف يقام وما الأحاديث عن الاختلافات سوى فبركة وخداع! ولكن تلك الاختلافات غير المدروسة كانت حقيقية فعلاً، ولكن هذا كان تعبيراً عن ردود سريعة وعدم تعمق في قراءة الواقع!
أخذت الجبهتان: التحرير والشعبية تثبتان دورهما السياسي المؤثر، وكان اعتماد الشعبية على المثقفين والطلبة قد جعل صوتها أكثر انتشاراً ونشاطاً، ولهذا برزت بقوة في الاتحادات الطلابية وجسم المثقفين المحدود وقتذاك.
ومع انعطاف حركة القوميين العرب إلى الماركسية صار اليسار مهيمناً على الشارع البحريني‘ وبدأت عملية تجذير للوعي السياسي، وللأدبيات السياسية الوطنية، واختلفت المنشورات بشكل واسع، فغدت مركزة على التحليلات الاقتصادية والاجتماعية، وأخبار الناس العاديين وقضايا الفساد، وراحت تسرد بالأرقام والوثائق، ولم يخلُ ذلك بطبيعة الحال من الشعارات العامة والعاطفية الزاعقة!
وفيما كانت التحرير تتمركز على الشأن الوطني كانت الشعبية تجمع بين الشأن الوطني وقضية تحرير الخليج والجزيرة العربية كلها. كان النهج القومي قد تبلور هنا في حركة قيل: إنها واسعة وتمتد من الكويت إلى عمان، وان التركيز على الشأن الوطني البحريني المحدود فيه ضرر على طبيعة الحركة وتطورها. فيما كانت التحرير ترفض هذا التوسع، وتركز على قضايا الواقع الحقيقية، أكثر من فرض قوالب من الخارج، لكن عدم الاهتمام بالشأن القومي والمناطقي كان ليس تعبيراً عن عدم وجود حركات شبيهة بالتحرير فى مناطق الخليج الأخرى، ولكن أيضاً في عدم الاهتمام والدرس لواقع المنطقة الخليجية المترابطة عضوياً ، وعدم درس لجذور النضال في المنطقة الممتدة في الحركات الشعبية القديمة.
ولكن الصلة بالحركات السياسية خارج البحرين لم تأت بجوانب إيجابية مفيدة وقتذاك، بل أدت إلى أضرار، عبر تخوف البريطانيين من هذه الامتدادات، وتحول جبهة طفار إلى جبهة ساخنة فعلية‘ فكانت ردودهم حادة عبر التدخل الإيراني القمعي، والحملات الخ..
انعكست هذه الأضرار على مسار الحركة الوطنية البحرينية، فكان سلق الأشكال السياسية الفوقية وعدم تجذرها في الترب الموضوعية، والقفز إلى أشكال ومهمات سياسية عليا، قد جعل الحركة السياسية تضعف، وتدخل في صراعات داخلية وتمزقات كانت لها نتائجها المستقبلية في ضعف حركة اليسار.
حينذاك أخذ الخطان السوفيتي والصيني يبرزان ويتصارعان عالمياً وعربياً وبحرينياً، وركز الخط الأول على النضال السلمي والديمقراطي البعيد المدى، في حين توجه الثاني نحو الدعوة لحرب التحرير الشعبية باعتبارها الوسيلة الوحيدة للتغيير، وكان تطبيق هذا في ظروف البحرين والخليج كارثة!
كان هذا التنافس المضر يبعثر الطاقات ولكنه كان يتوسع، وهناك من يغذيه ويحوله إلى خنادق، لكن الحوار المسئول كان يجري كذلك، والعمل المشترك المحدود يثبت أن النضال الجماهيري هو أفضل وسيلة للتغيير، وحينذاك كانت هذه الوسيلة مجسدة ومتنامية في نضال العمال والناس والطلبة في كل مكان، وكانت أحداث السبعينيات كافية لإثبات أن النضال النقابي يمكن أن يتحول إلى نضال وطني واسع في الشوارع، وينتقل من جوانب بسيطة إلى نضال من أجل الديمقراطية والحرية والبرلمان والدستور.
وبطبيعة الحال كانت اليسارية الطفولية تظهر هنا كذلك عير تسييس كل قضية عمالية، وجعلها صداماً سياسياً وأزمة عامة، وهذا ما يتم استغلاله لضرب الحركتين العمالية والسياسية كذلك.
فتحولت صراعات عمالية بحتة في طيران الخليج وألبا إلى أزمات سياسية ومن ثم بدأت عمليات استيراد العمالة الأجنبية وتقليص العمال البحرينيين إلى ثلث العمالة العامة.
يعود « زخم » التيارات الوطنية والدينية كذلك على حماس الجمهور البسيط للعملية السياسية المشحونة التي ينبغي أن تغير أوضاعه الصعبة، لكن هذه العملية تصّعد عموماً أفراداً من الفئات الوسطى خاصةً إلى المراكز القيادية في التنظيمات السياسية، التي تستطيع أن تنتج أفكارها، فبدون هؤلاء الأفراد المثقفين يستحيل أن تتم كتابة البيانات .
وينمو العمل السياسي مادامت هذه الرابطة قوية ومتوهجة بين أولئك العمال والموظفين والعامة عموماً وهؤلاء المثقفين الذين يصعدون تدريجياً إلى القيادة الكلية للتنظيمات.
ولهذا نجد الفروق كبيرة بين بدايات جبهة التحرير والجبهة الشعبية وبين ما آلتا إليه، ففي البدء كان « زخم » العناصر العمالية والطلابية والفقراء عموماً مهيمناً على القواعد والقيادات، لكن في النهاية اكتسحت العناصر « المثقفة » المستويات العليا بصورة شبه كاملة.
لقد نقل هذا التصعيد الثقافي الحركات الوطنية من المستوى العامي البسيط، ومن الارتباط بشعارات الخارج، إلى الحفر الوطني الداخلي، وبهذا غدت الحركات أكثر اقتراباً من عمليات التحليل الاجتماعي والاقتصادي للبنية الاجتماعية، فتطورت النظرية الوطنية تطوراً كبيراً قياساً إلى أفكار الخمسينيات حيث كانت تتركز الأفكار على المطالب الجماهيرية المباشرة، أو على نقل شعارات العالم العربي والإسلامي.
لقد عكست العلاقة بين المثقفين والعمال التي تشكلت داخل التنظيمات الوطنية البحرينية، رؤية اليسار العالمي في ذلك الوقت، حيث ينبغى تجاوز المرحلة الرأسمالية وطرح البديل الاشتراكي، ورغم أن ذلك لم يُطرح في الأدبيات بصورة مباشرة، فإن ممارسات الحركات كانت تُقصى البرجوازية المحلية، وكانت أغلب البيوتات التجارية قد تركت المعارضة، وبهذا تحمل العمال الجهد الأكبر من التضحيات.
وسيكون لاتجاهات المثقفين نحو الارتباط الشديد والحماسي بالعمال، ثم الانفصال عنهم، أسباب عميقة فقد وجدوا مادةً بشرية تبذل التضحية والمساندة المالية، ثم كانت هي الطبقة « الموعودة » بصناعة الجنة الأرضية، ومن هنا طرح « الماركسية – اللينينية » الشعارية حيث الانفصال عن الإرث الديني، وهو أمر لا يتحقق حقيقةً، فتغدو الشعارات مجرد طبقة لغوية خارجية، فيأتي التسييس لجوانب إيجابية من الدين، فتعجز الحركات الوطنية عن إدراك ضرورة العلمانية وفهم الدين.
وتزداد الهوة بين مثقفي الحركات الوطنية والعمال، مع تبدل البناء الاجتماعي وتبدل طبقة العمال ومجيء العمال الأجانب، واتساع الفئات الوسطى بشكل كبير، وهي الفئات التي لم يُحسب لها حساب في منظور الاكتساح المنتظر للعمال الاجتماعي والسياسي.
ومثلما كان يحدث في رأسمالية الدولة الشرقية من انفصال إدارات المثقفين السياسيين الحكوميين عن العمال والملكية العامة، يحدث التشقق بين المثقفين والواقع، بين النظرية المتكلسة وحقائق الحياة، مثلما تقوم فئات المثقفين باستغلال مواقعها السائدة في فوائدها الشخصية، وهو أمر كان يزيد الافتراق بين قوى التضحية وقوى الاستفادة، مثلما أن القواعد الاجتماعية للتنظيمات الوطنية تتآكل، والضربات العنيفة المتواصلة عليها تهدم نسيجها المترابط وعلاقاتها بالناس، فتتفاعل عواملٌ كثيرة على هدم مرحلة.
وهذا يظهر في تصدع الأفكار وعدم تطورها، والاستمرار في « الكليشيهات » القديمة المحفوظة، وكاريكاتيرية التحالفات غير المبدئية، وغياب التعاون المثمر والبعيد المدى بين التيارات الوطنية، ويتم التسرب من داخل اليسار نحو اليمين غير الصناعي المنتج، بل الطفيلي!
إن كثرة الحشود ومواجهات الشوارع وقراءة كتب التيار فقط، تؤدي إلى العيش في وهم إيديولوجي، الذي يخلقه حماسُ الشباب والأفكار المتوهجة وقلة التجربة وعدم وجود إرث وطني ثقافي عريق مكتوب ومتداول .
ولأن اليسار البحريني نشأ وحيداً، بلا أحزاب للطبقة الوسطى، ولا أحزاب من أي نوع، فهو يحاور أفكاره الخاصة فقط، ولهذا نشأ فقيراً من الناحية الفكرية .
كان التجار الذين بقوا من حركة الهيئة يعيشون في عزلة ويأس سياسي، وتبدل فكري، وهم أنفسهم لم ينشئوا أفكاراً عميقة في الحياة الاجتماعية، ومن هنا كانت التربة الفكرية البحرينية وفي الخليج عموماً بلا مستويات أرضية متوارية .
لكن عموماً كانت نهضة الحركة الوطنية بطابعها التجاري أكثر غنى في مطبوعاتها وساهم تداول المطبوعات بين الجمهور في إحداث اليقظة الوطنية، وللأسف لم يتم الحفاظ على الحياة الصحفية كمركز مهم لتداول الأفكار الوطنية ولإنتاجها .
وحين أعلنت الحكومة البريطانية مشروع الانسحاب من شرق السويس، وهو المشروع الذي أسس الدول الحديثة الصغيرة في الخليج، خاف التجارُ الكبار في البحرين على مصالحهم وأسرعوا إلى المسئولين البريطانيين يرجونهم عدم الانسحاب !
وبغياب الصحافة وبغياب فاعليات الفئات الوسطى الغنية فإن البلد اعتمدت ثقافياً وفكرياً على المطبوعات الخارجية، المصرية واللبنانية والروسية، وهكذا صار حتى من الناحية الورقية، غياب ساحق للكلمة المنتجة محلياً .
ومن هنا لم يكن على الأرض السياسية سوى العمال واليسار، وعلى مدى أكثر من عقدين تحملت عائلات هذه القوى حملات القمع والمداهمات، وكان لذلك أثر بالغ القسوة على الحياة الفكرية، هو غياب أي تراكم فكري عميق، فلا كراس يبقى، ولا منشورات تحفظ في أرشيف، وتــُدرس وتحلل وتصوب .
ولا تبقى سوى الذاكرة اليومية، وإذا كانت الأسماء مستعارة، والمقرات معدومة، والمناضلون يصعدون إلى قطار العمل السري ثم ينزلون مختفين في محطات، ليصعد آخرون، ليعبر العمل السياسي عن مقارعات موسمية، وعن أشباح لا تراكم سوى مجموعات صغيرة باسلة، ثم يذوب كل شيء في حمى الصراع وتنور الأحداث الذي لا يشبع من الأجساد والسنين .
وهكذا صار الكفاح العمالي والتغيير الاشتراكي مانشيتات مستمرة في المنشورات والخلايا، لكن النظرية لم تتأصل لدى هؤلاء العمال الكثيرين الذين يأتون ويرحلون، وهم يفهمون جيداً الأجور والأسعار والنضال النقابي، أما ما بعد ذلك من تشكيلات وقوانين للتاريخ والوعي، فهي عبارات تومضُ في الأذهان ثم تختفي .
إن بعض المثقفين النادرين كانوا يطلبون من العمال أكثر من طاقتهم العقلية، فيقحمون فيهم أفكاراً كبرى من الصعب استيعابها وتطبيقها، وهذا جزءٌ ن الفقر الفكري أكثر من الغنى .
إن عدم وجود فئات وسطى متنورة، كان هذا يفقر المنطقة، ويجعل التنظيمات اليسارية تقف في الفراغ، ثم تعتبر ذلك شيئاً جيداً، خاصة عبر سيادة النمط التجاري من أولئك الراكضين للسلطة البريطانية لكي لا تنسحب، لكن ذلك هو الذي جعل اليسار عارياً اجتماعياً بدون غابة كثيفة من الأشجار، كما أنه لم يعمل على دعم هذه الفئات التجارية، بل أشعرها بالخوف .
إن الفقر الثقافي والنظري هو من فقر المنطقة مدنياً فلا صحافة مستمرة تراكم الفكر والتجارب، ولهذا كان الكتاب الوطني الُمنتّج غير موجود ، وحين ظهر بصورة أدبية أخذته كذلك التوجهات النخبوية .
ولهذا يمكن تأريخ الحركات السياسية بحركة الصحافة ، وخاصة الجانب الخبري فيها وجانب الأعمدة والمقالات المكثفة .
حين كان يتم الدخول إلى تنظيم مثل جبهة التحرير الوطني فقد كانت هناك شعارات تنظيمية داخلية كانت بمثابة الهيكل الفكري الذي لا يتغير، وهي شعارات تبين مدى الاختلاف عن الزمن الراهن .
وهذه الشعارات هي : السرية التامة، والاتجاه نحو الجماهير، والتثقيف الذاتي، ودفع الاشتراكات والتبرعات .
تتلاقى هذه الشعارات وتتكامل في منظومة سياسية واحدة، أساسها الاعتماد على النفس، وتطويرها على المدى الطويل وعدم الوقوع في مغامرات وبناء الذات والتنظيم .
التوجه نحو الجماهير، كان يعني شيئاً كبيراً لمجموعات سياسية ووطنية اعتادت على الحديث مع الأصدقاء والشلل، ووضع هذا كشعار كان يجعل الوطنيين يحدقون دائماً في المجالس والمقاهي وأمكنة العمل، والمدارس، ويقرؤون بماذا يفكر الناس، وكيف يعبرون، وما هي الأشياء والمطالب الملحة لهم .
ظلت الحركات السياسية البحرينية دائماً تفكر بما تفكر به هي، وبعمليات إسقاط شعاراتها ووعيها على الناس، وليس بما يفكر الناس حقيقة، وبظروفهم الحقيقية، وبقدراتهم على التغيير .
كانت هذه أول عملية إصغاء عميقة لأصوات البسطاء، وكانت هذه العملية صعبة ومكلفة في أزمنة لا جرائد فيها، وأن وجدت فنادرة، فهذه العملية تتطلب كتابة ما يقوله الأميون والعمال والفلاحون والمثقفون، وتدوينه ودراسته.
وكانت عملية دراسة هذه الأصوات الجماهيرية الغامضة، عملية شاقة، وكان لا بد من الاستعانة بالدراسات والمصادر . ولهذا كان وعي مراقب للجمهور يتطور ويغتني .
أما شعار التثقيف الذاتي فهو شعار خلاق، لأن السياسي يتحول عبره إلى إنسان متعلم ومثقف، عبر الإطلاع الدائم، وسبق أن رأينا كيفية تنظيم وحشد أمهات الكتب الوطنية والاشتراكية، وتوزيعها بشكل واسع .
ويغدو التنظيم مسئولاً عن عملية القراءة لدى العضو، الذي لا بد أن يكتب تقريراً أسبوعياً عن ما قرأه ويقوم بتلخيصه وتتم مناقشة هذا التلخيص لرؤية مدى استيعاب العضو للكتب التي قرأها !
إن كتابة التلخيصات والتعليقات والانتقادات هي الطريقة التي تتبعها الجامعات حالياً، لإثراء التفكير وتكوين شخصية مميزة للطالب، على أن تكون كتباً من مختلف المدارس الفكرية !
كان تآكل المبنى العلماني للحركات الوطنية بطيئاً. فلم تكن هذه التوجهات متجذرة ككل الحركات النهضوية العربية، التي لم تستطع أن تحول الفئات الوسطى إلى طبقة وسطى تعيد تغيير المجتمع التقليدي، فكان أن تصدت فئات وسطى صغيرة لهذا التغيير ولكن للانعطاف عن مهمات المجتمع الرأسمالي الحديث والقفز إلى الاشتراكية، وكان هذا وعياً عالمياً لم يستوعب النظرية.
والواقع إنه مع الرغبه في مثل هذا القفز التاريخي، فإن الكثير من الأفكار المتواريه كانت مدفونة تحت الشعارات الوطنية العامة، التي كانت صحيحة ومهمة تاريخياً.
فكان الوعي السائد يتصور بأن اليساريين والاشتراكيين هم ممثلون للطبقة العاملة، لكن هؤلاء الممثلين كانوا منقسمين إلى عمال ومثقفين، ومهما كان دور العمال في التنظيمات متقدماً فهم عبر مسار العمل السياسي لا بد أن يتراجعوا و يعودوا إلى الصفوف الخلفية والقواعد، بينما يصعد المثقفون، مثلما يحدث تاريخياً في دول المعسكر الاشتراكي حيث يضحي العمال في بدايات الثورات ثم تقوم الفئات الوسطى البيروقراطية بالسيطرة على مقاليد السلطات، وكذلك هذا يحدث في الأنظمة القومية والدينية، وهكذا فإن الحركات الوطنية البحرينية حدث لها مثل ذلك، فعبر الزمن صعد المثقفون ممثلو الفئات الوسطى إلى القيادات، والمثقفون بل والعمال كذلك غير قادرين موضوعياً على إنتاج نظام اشتراكي، ويبقى الأفق أمامهم هو مجتمع رأسمالي وله مهمات موضوعية تختلف عن المهمات الموضوعية لتكوين مجتمع اشتراكي، حيث أن الأخير يتطلب مجتمعاً ذا تطور صناعي وثقافي هائل.
ولكن حين توهم نفسك بالعمل لإنجاز مجتمع غير ممكن تاريخياً، وتضع مهمات سياسية تترافق مع هذا الوهم التاريخي، يعود ذلك بأضرارٍ كبيرة على الأجسام السياسية الصغيرة التي تتصدى لمهمات تضعف بناها المحدودة.
كانت المهمات الاشتراكية متوارية داخل البنى الفكرية والتنظيمية لهذه الجماعات، فكانت الشعارات العمالية وخلق الثورات التي تؤدي إلى إزالة الرأسمالية، وربما كانت جبهة التحرير الوطني أقل إيغالاً في مثل هذه الشطحات السياسية عبر التركيز على التحرر الوطني، وتجميع القوى السياسية الوطنية المختلفة في عمل سياسي كبير، وكانت تقدم حتى المساعدات الفكرية لبعض المجموعات القومية التي لا تعرف أسس العمل التنظيمي السري، وتندفع بشدة ثم تختفي بسرعة.
لكن هذا الواعي الاشتراكي كان موجوداً بقوة، عبر الأخطاء التي كرستها المرحلة السوفيتية والصينية بتجاهل قوانين التشكيلات الخمس، فلم تكن هناك قراءة للمجتمع التقليدي باعتباره هو المجتمع السائد الذي ينبغي تغييره، وبضرورة تنمية كافة القوى السياسية والفكرية لتغييره، عبر استثمار كافة الإمكانيات الاجتماعية وتطويرها ، لكن النظرة لــ« البرجوازية »، وهي طبقة رهن التشكيل، لا رهن الإنجاز، ضيّع مثل هذه التنمية والفرص. وهذا أمر خاطئ على مستوى القراءة التاريخية، أي ثمة عدم معرفة بالتاريخ العربي الإسلامي وطرق التطور فيه، والوعي يأخذ السهل هنا وهو جلب الكتب الخارجية وحفظها وتطبيقها .
ولهذا فإن الفئات الوسطى الصغيرة التي ملأت القيادات على مدى العقود السياسية، فرضت قوالب شعارية على الحركة الوطنية، هي التي سميتها قوالب الماركسية المستوردة، وراحت القواعد العمالية والشعبية عامةً هي التي تقدم التضحيات، لكن تلك الاشتراكية لم تكن سوى ملابس خارجية فضفاضة، في حين كانت تنمو الرأسمالية داخل قنوات التنظيمات، ولكن ليس من نوع الرأسمالية المنتجة، ولهذا فإن هذه الحركات الاشتراكية سرعان ما التحقت بالتنظيمات الدينية في أعمالها السياسية، مزيلةً آخر ما بقي من تماسك فكري وتنظيمي لها.
عند التفكير بالكتابة عن أدب السجون في البحرين، لا يستطيع أحد تجاوز الروائي والمناضل الراحل عبـــــــدالله خلــــــــيفة وآخرين كثيرين من شعراء وأدباء (أحمد الشملان، قاسم حداد، عبد الحميد القائد، علي الشرقاوي وآخرون). في الموسيقى مجيد مرهون، رسامون: (علي دويغر، خليفة اللحدان) وأيضاً نحاتون وضعوا بصماتهم على صخور معتقل جزيرة جدا الذاك .. ما هي ابتكاراتهم لتحقيق هذا المنجز الإبداعي أو ذاك، وكيف يواجهون الأخطار للحفاظ وتأمين ما أنجزوه حتى يخرج من الظلمات إلى النور … من السجن إلى خارجة بعيداً عن أعيّن الشرطة؟
عبدالله خليفة واحد من هؤلاء، كيف كان يكتب قصصه ورواياته ودراساته النقدية في الأدب والفكر خلف القضبان؟..
على أية ورق يكتب، في حين يمنعه السجان التزوّد بالورق وحتى بدفتر مذكرات، وبأي قلم يكتب والأقلام ممنوعة على المعتقلين وسجناء الرأي والضمير حتى لو كان قلم رصاص طوله أصبع لكتابة خواطره فترة التغييب القسري؟.. كيف كانت تُهرّب هذه الكتابات من داخل السجن إلى خارجه لتطبع على ورق مصقول وتتلاقفها الأيدي سراً خلسة عن الرقيب؟.
من الروايات والقصص التي تمّ تهريبها من السجن إلى خارجه طيلة فترة اعتقال عبدالله خليفة الذي استمرَّ ست سنوات منذ الهجمة على الوطنيين بعد حل المجلس الوطني في العام 1975 حتى أفرج عنه في العام 1981 والتي كُتِبَتْ على رقائق غلاف عُلب السجائر: روايات «اللآلئ» و«القرصان والمدينة» و «الدرويش والذئاب»، وهذه الأخيرة لم تنشر بعد، إضافة إلى قصص قصيرة حوتها فيما بعد مجموعة «الرمل والياسمين».
يروي أحد رفاقه الذين عايشوه حرارة الأوضاع في السجن، كيف كانت المعاناة لتوفير قلم وأوراق، كنا لا نرمي الأكياس ولا عُلب السجائر وننقل قلم «البنسل» – قلم الرصاص، والاسم الحركي المتعارف عليه بيننا: «حمبوص» من زنزانة لأخرى عبر مخابئ في حمامات السجن الذي نقضي فيه حاجاتنا، نلتقط الإشارات البعيدة عن أعين الرقيب والشرطة. وأحيانا بمساعدة شرطة متعاونين ومتعاطفين مع مظلوميتنا لتأمين الورق والأقلام للمبدعين ومن بينهم الراحل الرفيق عبدالله خليفة الذي كان غزير الإنتاج الإبداعي، نهم في القراءة، له عالمه الخاص، كتُوم، قليل الكلام كثير العمل والاجتهاد ويطلق النكات أحياناً، يلتقط العابر ليوظفه في رواية أو قصة.
ما أن يتم توفير بعض الأوراق وجمعها من زنزانة وأخرى حتى يقضي عبدالله عليها، وفي اليوم التالي يطلب المزيد وقلم رصاص آخر حتى أطلق عليه لقب أكبر مستهلك في السجن للورق والأقلام، وأي ورق وأي أقلام، الآن فهمنا، كيف استطاع هذا المبدع والمفكر أن ينتج أكثر من أربعين مؤلفاً، بين رواية وقصة قصيرة وكتب نقدية في الأدب وأربعة أجزاء من كتابه الضخم: «الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية» وخلال عام من مرضه العضال لم يتوقف عن الكتابة ولديه 15 رواية لم تطبع بعد إضافة إلى 13 رواية لم ينته من كتابة كامل فصولها و بأحجام مختلفة.
أثناء المقابلات في السجن مع عبدالله خليفة يتقصد شقيقة عيسى بوضع قلم في جيبه الأمامي بشكل لافت ويتربص فرصة مغافلة الرقيب لتهريبه له.
في إحدى المقابلات جلس عيسى في مقابله وجهاً لوجه، بينما والده وشقيقته جلسا على جانبيه، الأيسر والأيمن، كانت عيناه وهو يتحدث إلينا تمعن بحركات تمويهية على القلم وأكاد أرى لعابه يسيل مثل جائع يرى أمامه وجبة دسمة يريد التهامها، يقول عيسى، في ذلك اللقاء حدث شيئاً طريفاً، حيث كان يراقبنا الضابط راشد عبدالرحمن، خرج ثوانٍ لظرف ما لا نعرفه، أغلق الباب وراءه، فقام عبدالله بفتح جورابه ومدَّ رجله أمامي. في إشارة لوضع القلم في فتحة الجوراب، تداركت ببديهية لما كان يريد، فوضعت القلم وكان له ما أراد، أسند
ظهره إلى الكرسي وعاد للحديث معنا بارتياح شديد وكأن شيئاً لم يكن.
شقيقه عيسى، لا يزال يتذكر.. كان قلم حبر جاف، ماركة «باركر» من أجود أنواع الماركات آنذاك، وكان ذلك في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي.
كان عبدالله يكتب نصوصه الأدبية ورسائله التي تصلنا بقلم الرصاص، وفيما بعد يستخدم قلم الحبر الجاف، وأدركت من خلال نصوصه الأدبية الجديدة أن عملية تهريب «الباركر» في جورابه بالرجل اليسرى قد نجحت، فها هو يخط بذاك القلم الذي وضعته بيدي في جورابه..اجتاحتني فرحة كبيرة وتمنيت أن يسقط مطراً لأمشي تحته كي يُبللني.
«تفخيخ» برواية «اللآلئ»
علم رفاق (ع ج س) قرب الإفراج عنه خلال أيام ففكروا كيف يهربون معه رواية «اللآلئ» لعبدالله خليفة ونصوص للصحافي إبراهيم بشمي، قال له أحدهم في يوم الإفراج سنهدي لك بنطلوناً من بنطلوناتنا ذات الجودة بدل بنطلونك «الكحيان» هذا، لتقابل أهلك بهندام نظيف، تبادل معهم الابتسامات البريئة دون علمه بخططهم في تهريب «أوراق ممنوعة» من داخل السجن إلى خارجه.
قبل أيام من مقابلة إدارة السجن للإفراج عنه كانوا يخيطون الأوراق الصغيرة في البنطلون الهديّة، رزم من الأوراق، كل فصل من فصول الرواية بجانبه فصل آخر يخاط بإتقان يُبعد الشبهات.
تزامن موعد الإفراج عن (ع -ج) مع الانتهاء من «تفخيخ» بنطاله بالنصوص الأدبية، أعطوه رسائل شفوية للقاء شخص ما بالبنطال ذاته كشفرة متفق عليها، وعند وصوله المنزل اكتشف تلغيم بنطاله برواية «اللآلئ» لعبدالله خليفة ونصوص بشمي.. فسلم الأمانة إلى أصحابها وكان يضحك على نفسه لعلمه متأخراً عن هدية الإفراج من رفاقه الذين غادرهم إلى فضاء الحرية وهم لازالوا خلف القضبان.