ظهور المادية الجدلية

لم يكن لدى الفلسفات الغربية وهي تخرج من العصر الوسيط الديني المسيحي سوى الاعتماد على فلسفة أرسطو مادةً ومنهجا وكانت التطورات الصناعية والتحولات المختلفة تدفع العلوم نحو استيعاب مختلف للحركة، وقد قام ديكارت ونيوتن بطرح مفهوم جديد للحركة هو الفلسفة الميكانيكية، وقد استعانت الفلسفة العربية الإسلامية السابقة بذات منهج أرسطو ورؤيته لفهم الحركة فكان أقصى جهد لها هو فهم حركة الأجسام في المكان.

ولكن الأدوات والمعلومات التي توافرت في العصر الأوروبي الجديد، التي قام بها غاليلو وكوبرنيكس وغيرهما من العلماء أتاحت فهم حركة الكواكب والشمس بطريقة مختلفة عن السائد في العصر القديم، مما جعل ميكانيكا فهم الأجسام الكبيرة تسيطرُ على الوعي العام بالحركة. وقد تمظهرت هذه لدى نيوتن بقوانين الجاذبية. وحددت هذه الفلسفة ميكانيكا الأجسام عموماً حيث الحركة في المكان – الزمان تقوم على قوانين مادية محضة، أي على قوانين من داخل المادة، ولكن الداخل هنا بمعنى حركة الأشياء، فظل التناقض المادي الجسمي الخارجي الآلي هو المسيطر على فهم هذه الحركة الأبدية العامة، لكن كان لابد من وجود مصدر لظهور هذه الحركة فكان الإله.

وهنا تتآلف الفلسفة الميكانيكية مع الدين بإعطائه إشارة إيجاد  الساعة الكونية، وتوقيتها، وربما إنهائها، لكنها كذلك تفصل الحركة عن عمليات خلق الكون الغيبية، وأدى طرحها بأن الشمس مركز المجموعة الشمسية وتكون المجموعة من سديم، إلى توجه العلوم نحو إعادة النظر في المعطيات الفكرية الأرسطية بشأن مصدر الحركة وبشأن الطبقات السفلى من تاريخ الكون والمادة، وبالتالي يفتح الآفاق لقراءة الظاهرات المادية الأصغر والمواد والكائنات المختلفة. وهكذا فإن الفلسفة الميكانيكية وهي تنشئُ العلومَ الحديثة كانت تتعرضُ هي نفسها للزوال. فهذه الفلسفة الميكانيكية بتطبيقها على مجالات الحركة في أجسام أصغر، وعلى ظاهرات ذات تحولات مركبة كعمر طبقات الأرض وكيفية احتراق المواد وكيفية ظهور أنواع الأحياء لم تستطع أن تصنع إجابات علمية بحسب مستوى منهجها. كان تطبيقها على هذه الظاهرات يقوم على إرجاع عنصر التحول إلى عوامل خارجيةٍ وإلى غازات غير محددة، لكن تطورَ الصناعة الكبير كان يخضع هذه المواد المجهولة إلى الكشف، فغدت عواملُ تحول المادة الفيزيائية والكيميائية تقوم على الذرات والجزئيات الداخلية، وبدأ يظهر ان المادةَ تتحولُ إلى طاقة والطاقة تتحول إلى مادة، وان قانون بقاء المادة قانون علمي أساسي.

أظهرت الجيولوجيا أن طبقات الأرض لها تحولات طويلة وأنها لا تتوقف عن الحركة. إن المواد كعناصر محددة تكشفت وظهر لتكوينها ولتمازجها قوانين محددة. تم اكتشاف تطور الخلية الحية، وأن أنواع الأحياء نتاج تطور تاريخي طويل. إن كل أنواع الحركة هذه مغاير للحركة الميكانيكية وقوانينها، وكان ذلك يستدعي قيام فلسفة جديدة، تكشفُ الطبيعةَ المعقدة المركبة للحركة وأنواعها في كل أقسام العلوم الطبيعية والاجتماعية كذلك، والأخيرة قد دخلها زلزال التحول أيضا، وكان ظهور فلسفة جديدة يستدعي تفكيك الارتباط بين الفلسفة الميكانيكية والدين، ولكن أخذت المعضلة هذه تتعقد مع ارتباطها بالصراعات الفكرية والسياسية، حيث يلعب الدين التقليدي دوراً محورياً.

إن كشف أنواع الحركة في الأجسام الطبيعية من داخلها، وهو أمر يتناقض مع الفكر الديني التقليدي حيث الحركات قادمة من الغيب، وقد ترافق هذا مع تفكيك السلطات الدكتاتورية الدينية والسياسية، فأخذ (الشعب) ينتزع السلطات وراح المنورون يجدون في البناء الاجتماعي قوانين تطوره الداخلية بمعزل عن المؤثرات الخارجية الغيبية. إن تركيز السلطة في البرلمان هو أشبه باكتشاف قوانين الحركة في المادة، والمادة هذه الكينونة المحتقرة من قبل الفلسفة الأرسطية والدينية السابقة غدت هي بؤرة الوجود. لكن رؤية أسباب التحولات داخل المادة الطبيعية والاجتماعية والبشرية، كان يعني صراعاً طبقياً بين المنتصرين على الإقطاع السياسي – الديني الحاكم، فقد ظهر جناحان للمنتصرين؛ الجناح البرجوازي الذي آلت السلطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إليه، والجمهور العمالي الذي كان عليه أن يعمل بشكل شاق وفي ظروف متدنية من أجل أن تنتصر وتحكم البرجوازية. لهذا فإن هذا الانقسام الطبقي انعكس على فهم الحركة وفهم الفلسفة، وأخذت القوى البرجوازية تتحالف مع الأقسام الثقافية الدينية والمثقفين التقنيين من أجل إعادة صياغة الفلسفة بحيث تتوارى لغتها الثورية السابقة، ويتم كشف الحركة في المادة، من أجل أن تستمر العلوم الطبيعية والمصانع، من دون أن يكون لهذا الكشف دلالات على الصراع الطبقي الدائر. بدأت هذه الحركة الارتدادية التقنية الفلسفية في البلد الذي انتصرت فيه البرجوازية أولاً وهو إنجلترا، فظهر جان لوك وديفيد هيوم وجون ستيوارت ميل وصاغ الأولان فلسفةً تعتمد على إنكار وجود قوانين موضوعية في المادة، المستقلة عن الوعي، بل قالوا انه لا يوجد سوى الحس البشري وهو الذي يُدرك، والعملية العلمية تدور في مجال هذا الحس فقط، وما هو خارجه ليس في بؤرة الوعي.

وعضدت ألمانيا هذه الفلسفة لأسباب تاريخية، فالبرجوازية كانت متخلفة عن قريناتها في البلدان الأوروبية الأخرى، وقد ساندت الإقطاع البروسي العسكري، فتأسست فيها فلسفاتٌ متضادة كثيرا، منها الكانتية ومؤسسها عمانويل كانت وهو نفسه العالم الذي اكتشف السديم في المجرة وطرح تصوراً لكيفية نمو المجموعة الشمسية، حيث ركز هو الآخر في كون المعرفة حسية بدرجة أولى، ولكنه أكد موضوعية المعرفة وطرق الوصول إليها، من دون الوصول الكلي للحقيقة لأنه ستبقى أجزاء من الظاهرات خارج الكشف. أما الفلسفات المادية والجدلية فقد تنامت هي الأخرى في ألمانيا، فظهر الجدل لدى هيجل، ولكن جدل هيجل مبنيٌ على كون الفكرة المطلقة أو الروح هي التي تقومُ بالحركة، فهي فكرة مطلقة غيبية لكنها في حركة تالية تتحد بالطبيعة وفي حركة ثالثة تتحد بالعقل، وهذه التحولات الثلاثة تشير إلى حركة الفئات الوسطى الألمانية عبر منظور هيجل المتواري، حيث تنفصل عن الفكر الديني والسلطة المطلقة وتتحد بالمادة الطبيعية والفكرية، ثم تتوجُ في العقل الذي هو أيضاً الدولة البروسية!

إن الفئات الوسطى بالمنظور الهيجلي استطاعت أن تنفصل عن الدولة – الدين ولكن ليس بشكل كلي، فتتمظهر في حركة (الروح). وهذا أسلوب فلسفي يوناني وشرقي قديم . ولكن ما يهم هنا هو طريقة الروح في التحول عبر موقف أول الذي يتم تجاوزه في حركة نفي مضادة، لأن الروح تعيش حالة صراع وتناقض، فتحل حالةُ تركيبٍ وتجاوز للنقيضين في موقف جديد، ولكن الموقف الجديد يستتبع وجود تناقض آخر يؤدي إلى حركة جديدة وهكذا.

هذا المنهج الجدلي كان اختراعاً ألمانيا، أي ظهر في حالة ألمانيا الإقطاعية المتخلفة عن برجوازيات التحول الكبرى، وفي وجود الفئات الوسطى التي لم تتشكلْ كطبقةٍ قيادية، ومن هنا فالجدل يظهرُ في شكلٍ ديني مثالي موضوعي، فهناك الفكرةُ المطلقة أو الروح وهي المعبرة عن الطبقات العليا المسيطرة، لكنها تلتحم بالطبيعة والمادة المعبرة عن الطبقات الشعبية، وفي هذا السديم الفكري الاجتماعي، المعبر عن حالة ألمانيا القلقة، تدور فلسفةُ هيجل، منهجها الجدلي ثوري، وغلافها الفكري محافظ، وبين الثلاثينيات والأربعينيات من تاريخ ألمانيا وأوروبا في القرن التاسع عشر، تنفجرُ ألمانيا وتنفجر فلسفة هيجل معاً !

لم تحصل ألمانيا على فرصة تاريخية مطولة كي تشكل تحولها الديمقراطي، والبرجوازية تمشي في حضانة عسكرية من قبل الدولة، وجاء هيجل بجدله التحولي ليطرح منهجاً مهماً في فهم وتفعيل الحركة على مختلف الأصعدة، فانتقلت قيادة الحركة الاجتماعية إلى الفئات البرجوازية الصغيرة، ومنها ظهر فورباخ بماديته النافية لمثالية هيجل، وظهر اليسار الهيجلي، وهي قوى حاولت دفع البرجوازية لكي تنقض على الإقطاع من دون فائدة.

وهذا هو ميلاد الماركسية. تشكلت في لحظتها الأولية تلك كنقيض للطبقتين الإقطاعية والبرجوازية معاً. أي اندفعت نحو العمال كملاذ أخير من الجمود السياسي الاجتماعي . وهنا كانت أشبه بصرخة سياسية أكثر منها علماً . ومن هذه الصرخات سوف يرى لينين الماركسية . وهذه القضية ستبقى مشكلة كونية للبلدان المتخلفة عن البلدان المتقدمة ولرغبتها القومية الحادة في اللحاق بالمتقدمين .

كانت عقلية (البيان الشيوعي) المكتوب من قبل ماركس وإنجلز تطرح تصوراً كونياً لقرون قادمة وليس لحل إشكاليات الصراع الطبقي الراهن في ألمانيا نفسها، فكانت ألمانيا بحاجة إلى تشكيل تحالف برجوازي -عمالي يبعد القوى الإقطاعية العسكرية المتطرفة عن السلطة وليس لإزاحة البرجوازية التي لم تكن تحكم!

إن لغة المثقفين المنتمين للبرجوازية الصغيرة يسقطون هنا وعيهم السياسي التحويلي على الواقع الموضوعي فيطرحون مهمات غير ممكنةٍ سياسيا، في إطار ايديولوجي مُسقط، وبطبيعة الحال يطرحون ذلك كصوتٍ للطبقة العاملة، وهذا على المدى التاريخي صحيح، لكنه في الواقع الراهن غير واقعي، وتداخل المدى التاريخي واللحظات السياسية الراهنة، بمهماتها العملية الكبيرة، لا يتطابق ويتداخل بصورة جدلية، فهيمنة الطبقة العاملة تتم بعد قرون من التراكم السياسي والاقتصادي والثقافي لكنها كمهمةٍ مرحلية غير ممكنة .

وترتبت على لغةِ أقصى اليسار بمظاهرها الاجتماعية وثورتها هذه توجه البرجوازية الألمانية نحو أقصى اليمين، كذلك فإن ذهاب ماركس – أنجلز للعيش في إنجلترا أضفى على لغتهما الثورية العاطفية الألمانية بعداً أكثر موضوعية، وبدأت عمليات الاكتشاف العلمي العميقة للرأسمالية والعلوم، التي كانت حصيلتها كتب موسوعية مثل (رأس المال) و(جدل الطبيعة) وغيرهما، لكن الاستنتاجات ظلت في الإطار التاريخي العام وليس داخل صراعات البنى الرأسمالية الوطنية بمختلف مستوياتها وليس البحث كذلك في كيفية التغلب على الدوائر المتطرفة سياسياً وفكرياً .

إن انتصارَ البرجوازيات الكبيرة في الأقطار الرأسمالية الرئيسية تحقق بفضل انتصار أسلوب الإنتاج الرأسمالي وتوسعه العالمي وتدفق فيوضه على الفئات المالكة والوسطى، وأعطت ألمانيا نموذجَ الجمع بين الفكر الإقطاعي السابق والفكر البرجوازي التابع فكان الجمع بين أشكال الفكر الدينية والصوفية واللاعقلانية وبين أشكال من العقل والليبرالية المحدودة والمهيمن عليها وهي الثقافة البرجوازية – الإقطاعية الهجينة التي ترتبت على قيام البروسية البسمركية في السيطرة على البرجوازية الخاضعة.

ومن هنا رأينا ألمانيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وهي تتخلى عن الجدل الهيجلي وتروجُ فيها الكانتية والكانتية الجديدة والوضعية المنطقية والتجريبية.

يقول جورج لوكاش:

(إن جدل هيجل حين يحاول السيطرة على هذه المسائل في منظور تاريخي، هو ذروة الفلسفة البرجوازية . إنه يمثل أقوى مشروع حاولته للتغلب على هذه المعضلات الجديدة : محاولة صهر طريقة قادرة على ضمان الفكر الإنساني كاقتراب لا محدود وانعكاس للواقع بالواقع نفسه).

إن مشروع هيجل يظل مشروع فئات برجوازية لم تتشكل كطبقة قائدة لعملية التحول، ولهذا فهو مفككٌ بين منهجٍ جديد وبناء تقليدي، وتخلي هذه الفئات عنه واتجاهها للعلموية الوضعية، لكشف المادة الجزئية المحدودة المنقطعة عن قوانين بنية المادة الطبيعية والاجتماعية، فهي هنا تمثلُ البرجوازية التي تدير المصانع المحتاجة إلى التقنية، في حين أن اتجاهها للاعقلانية والصوفية وفلسفات الحياة هي للسيطرة على الوعي العام وإدارة الدولة والمجتمع، وهذا الانقسام بين وضعية علموية تجريبية وكانتية وبين فلسفة الحياة المتجهة للفاشية، جانبان يتكاملان يعبران عن هذا التزاوج الإقطاعي – البرجوازي وقد تحول إلى طبقة سائدة ذات أصول بروسية عسكرية وبرجوازية نهمة للاستيلاء على المستعمرات .

الرواية الخليجية لم تتجذر في الأرض بعد

عبدالله خليفة رواية عنترة يعود الى الجزيرة

يقول الروائي البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة في ما يشبه الدفاع عن روايته الجديدة «عنترة يعود إلى الجزيرة»: «لم تكن تعنيني حكاية النفط على رغم أهمية تجربة منيف». إنه دفاع أمام المقولات التي تختصر الرواية في هذا المنحى، أي في تشابكها مع رواية عبدالرحمن منيف «مدن الملح». ويسلط خليفة الضوء على هواجسه الفنية والموضوعية فيها، وما مدى ما حققه فيها من اختراقات فنية مقارنة برواياته السابقة.

خليفة يرى في صنيع منيف تجربة سياسية «تسجل واقعاً تاريخياً حقيقياً معتمدة على الشواهد والسجلات، ولهذا تجد في الكثير من روايات منيف ملفاً كبيراً. سباق المسافات الطويلة: سجل الاستخبارات الأميركية في إيران، ومدن الملح: وثائق النفط والمكتشفين والساسة. هي طريقة تسجيل حقبة، ببعض شخوصها وأحداثها الجوهرية، وليس خلق شخصيات وحبكة جديدة».

في ما يخص عبـــــــدالله خلــــــــيفة وفي شكلٍ مغاير عما لدى صاحب «الأشجار واغتيال مرزوق»، يلعبُ الخيالُ الفني هنا دوراً محورياً للتوجه إلى كلية الواقع، وليس، كما يوضح، إلى عرض جانبه السياسي الاقتصادي المتشابك، «ولهذا فمسائل مثل التراث هنا جوهرية، أي قراءة طبيعة الشعب – الأمة والبطولة والأجيال وغيرها من المسائل المحورية التي تغدو هي صلب الرواية، بأي شكل جاءت الثروة المادية».

في رواية خليفة بروز لما يتجاوز القبيلة، «وهو الوعي التحديثي الذي يصعد من الأسرة، ينخلها ويصارعها وتنمو به وتغير نفسها وواقعها من خلاله».

يهتم الكاتب البحريني أكثر بالجوانب الروحية والنفسية والإشكاليات الكبرى، مبتعداً عن منيف، الذي كرّس، في رأيه، مجلدات عن أحوال اجتماعية ضرورية لبناء الرواية العربية، لهذا ترى المجلدات الكبيرة لم تصل للصراعات الفكرية الروحية وحين وصلت كانت إمكانات التعميم الروائي قليلة والتحليل الفلسفي محدودة، على رغم أهميتها.

بيد أن إعطاء البطولة للشعب، في تصور صاحب «رأس الحسين» هو غير إعطاء البطولة للنُخب والكائنات، التي تخرج من عفوية المسار الروائي المرحلي، «فهي لا تتنمذج في البناء الروائي. في حين أن مثل هذه الشخصيات المجهولة تصوغُ تاريخاً غائراً في حياة الناس، ملتحمة برمزية الأمة، في مسارات الواقع كافة بين الشخوص، ويجعلها ذلك تصنع تاريخها الفردي المختلف. بناءً على هذا، فإن كينونة كل شخصية ومساراتها تختلف نظراً إلى طبيعة النماذج، وإذا كانت البطولة تُغني فإن الوضاعةَ تفقر، والأسلوب يحصل على ثمار العلاقة بالواقع الملون».

إذاً، لا تتغنى رواية عبـــــــدالله خلــــــــيفة ، الذي يعد من رواد الرواية في الخليج وأحد أبرز كتابها، بزمن القبيلة ولا تحاول استعادته، إنما هي معنية بدرجة أساسية بزمن الحرية وزمن ازدهار القيم، «وهو على رغم كونه زمناً متخيّلاً، لكنه تاريخي واقعي كذلك، عبر هذه الإمكانات التي تتيحها تحولات تاريخية وعواصف اجتماعية، مثله مثل تاريخ الأمة، منقطع ومتصل، ولهذا فإن القيم المسحوقة هي ذاتها المتغنى بها».

يبدو هلال العبسي، الشخصية الرئيسة في الرواية، حتى في نظر ابنه المثقف والأكاديمي أشبه بأسطورة، كائن عجيب في أفعاله ومسلكه، فهو يقاوم السجن وينجح في الهروب منه، غير أن هذه الشخصية التي تقارب الأسطورة، تشعر بتآمر العالم كله عليها، يظهر هلال أحياناً وكأنه رمز لكل ما تم فقدانه وتلاشى، «كونه شخصية محورية لا يسلب الشخصيات الأخرى تكونها، هو في زمن صياغة الحرية. وقد ساهم في جذورها وقيمها»، يقول صاحب «التماثيل» ويضيف: «لهذا فنظرةُ ابنه إليه تعود لكون هذا الابن هو الذي يصوغ نظرته الخاصة بين ظرف استلابه وظرف صياغة حريته. المواد العلمية المؤدلجة عنده والبحث الموضوعي والمغامرة والشجاعة تؤثر في مساره المختلف. من هنا، تحمّل هلال العبسي ثمن شجاعته وثمن حرية نورة العائلة، وحتى في السجن راح يحفر لحرية الأجيال السابقة التي ضاعت أعمارها. أليس هو نتاج تلك القيم؟».

تحفل رواية «عنتر يعود إلى الجزيرة» بحضور لمظاهر التشدد الديني، من تكفير ومحاكمات، في المقابل تحضر أيضاً السلطة التي تستعمل كل ما يمكن استعماله، من قضاء ومؤسسات، لسحق من يقاوم، أي أننا إزاء قضايا راهنة يعانيها مجتمع الجزيرة، ولا تزال تلقي بظلالها على المشهد كله. ويرى عبـــــــدالله خلــــــــيفة أن الواقع الروائي لا يلتفت إلى هذا الجانب، فهنا قوى سكانية «خرقت المسار التاريخي، ولهذا فإن فاعليات الشخوص الجيدة أو السيئة، التضحوية أو الأنانية، هي التي تبرز، ربما يظهر الشكل الديني كحيلة. وما يبرز بقوة هو صراع البطولة والضعة. لدينا عنترة شعبي حلمي ولدينا فراغ بطولي رسمي». من هنا، ينظر خليفة إلى الأجيال الجديدة بصفتها ولّادة للبطولة، «لهذا، فالأشكال العتيقة من القهر لم تعد فاعلة».

إذا كان الكاتب صاحب رؤية فلا بد من أن يمر بتجارب مروِّعة لكي يؤسس رؤيته، يقول صاحب«الينابيع» ويؤكد أنها ضرائب باهظة لاكتشافاته، «إن الأعمال حصيلة لعمره، إذا لم تكن ذاتية متطرفة، والشخصيات والأحداث والأبنية الفنية هي كلها جزء منه ومن واقعه وتراكمات ما هو مضيء وتكون بعسر».

موضوع الرواية في الخليج موضوع كبير، في رأي عبـــــــدالله خلــــــــيفة، الذي سبق أن نشر دراستين عن هذه الرواية: الرواية بين الكويت والإمارات، والرواية الخليجية بين التبلور والتفكك. في هاتين الدراستين يمسح التجارب خلال العقود الأولى منذ الستينات. ويطرح أسباباً عدة «تجعل الرواية نوعاً لم يتجذر في الأرض بعدُ». ومن هذه الأسباب: ضعف الفئات الوسطى والبيئة الحاضنة للحداثة، وضعف حضور المنتجين، وبدائية الوعي، والهزال الأدبي للصحافة وغيرها. لهذا، فإن اتصال الرواية الخليجية بالجذور العميقة للواقع لا تزال في تصوره، في حاجة إلى وقت موضوعي. ويشير إلى أن تحديات الرواية في الخليج تكمن «في تحليل الواقع بجرأة وتعرية التناقضات الاجتماعية العميقة، ومنع العربة الخليجية من الانزلاق نحو الهاوية».

يلفت الروائي والباحث البحريني، الذي أصدر عدداً من الروايات ونشر عشرات المقالات في مواضيع وشؤون فكرية وثقافية وسياسية، إلى أن جيل الكتابة الروائية في الخليج لم يظهر سوى بعد إنجاز الثورات الوطنية في النصف الثاني من القرن العشرين، «من هنا، فإن معظم نتاجاته الروائية متجهة لقضايا اجتماعية تنموية، وقضايا التعسف الحكومي الوطني وجسد اختلاف الرؤى في طرق التنمية والتعبير عن معاناة النماذج الشعبية المسحوقة غالباً».

ويوضح صاحب«ذهب مع النفط» أن الرؤية الكلية لقضية الثورة الوطنية، تغدو مسألة صعبة في رواية متأخرة في النشأة، «ولأجيال إبداعية جثمت طويلاً في جنس القصة القصيرة، وهي غير قادرة إلا في شكل نادر بالقيام بعمليات التعميمات الفنية الروائية، من حيث عمق المجاز، والقدرة على نمذجة الشخوص والأحداث، ورؤية المراحل التاريخية بشفافية ترميزية. لهذا، فإنها تجثم في الاجتماعي الآني، العابر، وتتوجه في معالجاتها النادرة لمسائل الثورة الوطنية إلى الرومانسية الوطنية، أو التسجيلية الفوتوغرافية للتاريخ».

إن الآني العابر يُنظر له، كما يقول خليفة، كحلقةٍ منقطعة عن السيرورة التاريخية،«لهذا، يُقحم الأيديولوجي التبشيري أو الانعكاسي، فإما تغدو الرواية هتافاً وطنياً حماسياً مجلجلاً بالوطن والعروبة والإسلام والقادة، وإما أن تغدو تسجيلاً نقدياً فضائحياً… أو تسجيلاً لقادة النهضة العربية وتدخلات القوى الاستعمارية».

يعتقد عبـــــــدالله خلــــــــيفة بوجود نمو حلزوني يخرق الواقع والقوى المضادة،«وهذا ما يصل إليه عادة الدارسون الموضوعيون». ويعزو اختصار بعض الكتاب الكبار في مؤلف واحد، إلى أن هذا الكتاب،«ربما كان يمثل أهم خصائصه وقوة تجاربه. أو أن الكاتب لا يمثل علاقة عميقة بمجتمعه وعصره».

يختلف عبـــــــدالله خلــــــــيفة مع الآراء التي تؤكد أن البلدان، التي اعتبرت «هوامش» في الماضي، أصبحت اليوم «مراكز»، في إشارة إلى بعض دول الخليج التي تتبنى مشاريع ثقافية كبرى، وتلفت الأنظار إليها في هذا الخصوص، ويقول إن هذه الدول تهتم بالترويج، «ولكن من دون إنتاج مهم». وفي رأيه لا تتطور المجتمعات من دون إنتاج ضارب في الأرض، وبالتالي تتحول هذه إلى عروض، «بدلاً من تحريك الرواية في المناهج والصحافة وشبكات الإعلام الجماهيرية. ولهذا فمن الصعب أن يتمكن كاتب واحد، من نشر رواية مسلسلة في صحيفة خليجية ويحصل على أي مقابل».

كتب: أحمد زين

http://www.alhayat.com/article/1613469

الرهان على القلم

                                         الرهان على القلم   

عبــــــدالله خلــــــــيفة عرضٌ ونـقـدعن أعماله

لم تفد الكتاب المراهنة على الحكومات والدينيين، فالكلُ يتاجر بالأوطان والأديان لمصلحة موقوتة، والكل يبيع والبعض مستفيد، والأغلبية خاسرة!

 الكل يدعي ولا أثر على الأرض!

  ليس للكتاب سوى أقلامهم تنمو قصة ورواية وشعراً ونقداً وثروة للوطن بلا مقابل أو بمقابل ضئيل وغير شفاف!

أعطوا الوطن لكل من يدعي ويبيع، وكل من يزحف على بطنه، ويقبل الأحذية، ويأكل التراب ويلعن الإنسان.

ليس لكم سوى هذا القلم مهما توهمتم التحليق في سماء مجردة، ومهما تباعدتم، وأختلفتم، ليس لكم سوى قطرات من حبر أو من دم

 راهنوا على القلم فهو وحده الباقي

تتحولون إلى عظام وذكريات متعددة التفاسير ولا يبقى سوى قلمكم يقول ما آمنتم به وما ناضلتم لكي يتكرس في الأرض.

ليس لكم سوى أوراق فلا يخلدكم ولدٌ ولا تلد، هذه الحروف التي عانيتم في إنتاجها وتعذبتم في إصدارها هي التي تشرفكم أمام الأجيال المقبلة التي لا تحد ولا تحصى

فثقوا بالحروف وبالإنسانية المناضلة نحو زمن جديد هو زمنكم، الذي تصيرون فيه ملوكاً متوجين، وحكاماً غير مطلقين، ومربين كباراً للأجيال.

ماذا تفعلون الآن وكيف تمتشقون سلاح الكلمة وتوجهونه للحرامية والمفسدين وتعرون شركات الأستغلال وبنوك النهب العام، ترتفعون في سماء الوطن، وتخلدون في سجلات الأبرار.

القلم ليس له شريك سوى الحقيقة، وليس  لطريقه واسطة أو سلطة محابية أو كهنة مطلقين، هو الحربة الموجهة للشر لا تعرف الحلول الوسط أو الشيكات الثمينة.

  سلطة القلم سلطة عالمية، تتوحدون مع القلم الأسود والأبيض والأصفر، وكل ألوان الإنسانية المتوحدة في معركة واحدة ضد الحكومات المطلقة وبيع الإنسان كما لو أنه حذاء وضد هذا العداء بين الأمم والأديان والأعراق.

أنتم رموز الإنسانية فلا تنحدروا ولا تساوموا واكتبوا بسلطة الحقيقة وليس بسلطة المال.

توحدوا في هذه المعركة الكونية، وتضامنوا مع اشقائكم المظلومين والمضطهدين في كل قارات الأرض، وضد هذه القوى التي تدهس القصة والقصيدة ولا تحب سوى الإعلان، وأخبار القتل واليأس، ولا تبجل سوى البشاعة.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : الرهان على القلم

محمي: ‏‏عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أفــق ـ مقالات 2008

هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور في الأدنى:

محمي: عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏ أفـــق مقالات 2009

هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور في الأدنى:

قلق التجنيس للنصوص الأدبية

كتب : الدكتور عمر عبدالعزيز

الاستنتاج المركزي الذي يمكن الوصول إليه من خلال تصفُّح النصوص الإبداعية السردية للراحل الكبير عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏، أنه فتح سؤالاً هاماً حول قلق التجنيس للنصوص السردية، فجسَّر المسافة بين التفارقات السردية الناجمة عن خصوصيات الرواية وأدب السيرة الذاتية والقصة، صولاً إلى النص المفتوح، بهذا المعنى اختار السارد العليم أن يكون شاهداً على تراسل الأنواع الأدبية، توطئة لتراسل أشمل ضمن المنظومة المفاهيمية الكلية النابعة من ثقافة عالمية، وذائقة فنية أُفقية.
هذا النوع من التصالح المفاهيمي مع الأنواع الأدبية اقترن بتصالح ضمني مع التاريخ، ولعل الشهادة الأكثر بروزاً في هذا الجانب تتمثَّل في الثلاثية الروائية عن الشهداء الكبار: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ذلك أن تلك العناوين استوعبت المعنى الدنيوي لممارسة المسؤولية، وكيف أنها تتقاطع جبراً مع الخلافات والاختلافات، ولكن دون أن تنقص من مثابة شهداء الأُمة التاريخيين.
ما أسميناه بتجسير العلاقة بين الأنواع السردية أفضى بالروائي الكاتب عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏إلى استمزاج الدراما الجديدة المغايرة للدراما الدائرية التقليدية . . الباحثة عن العقدة المركزية في المصفوفة السردية، وبدلاً من ذلك انتهج خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏منهجاً مونتاجياً كتابياً يرى في الدائرة المركزية للأعمال السردية حالة من التوليدات الدائرية الأفقية . . تلك التي تذكرنا بما ذهب إليه السينمائي الإيطالي فيسكونتي في تجربته الدرامية المثيرة بعنوان «روكّو وإخوانه».
هذا التعامل الأُفقي مع الدراما اتصل ضمناً بالأسطرة، والواقعية السحرية المخصوصة بالطبيعة «العربســـلامية»، والتناغم الطردي مع التجارب الروائية الإنسانية.
د. عمر عبدالعزيز
مدير تحرير مجلة (الرافد) الثقافية .

https://vimeo.com/abdullakhalifa

عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏. . قلق التجنيس للنصوص الأدبية

محمي: ‏‏عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أفـــق ـ مقالات 2010

هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور في الأدنى:

محمي: ‏‏عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أفـــق 2014

هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور في الأدنى:

بلزاك: الروايةُ والثورةُ

 بلزاك

  أونوريه دي بلزاك (Honoré de Balzac)    

20 مايو 1799 – 18 أغسطس 1850. روائي فرنسي، يُعتبر مع فلوبير، مؤسِّسَي الواقعية في الأدب الأوروبي. إنتاجهُ الغزير من الروايات والقصص، يُسمى في مجموعه الكوميديا الإنسانية La Comédie humaine  كان بمثابة بانوراما للمجتمع الفرنسي في فترة عودةِ المَلكية (1815-1830) ومَلكية يوليو (1830-1848).

وكان أونوريه دي بلزاك من رواد الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر في الفترة التي اعقبت سقوط نابليون وكان روائياً وكاتباً مسرحياً وناقداً أدبياً وناقداً فنياً أيضاً كما اشتهر بكونه كاتباً صحفياً وطابعةً وقد ترك بصمةً كبيرة في الأدب الفرنسي برواياته التي تتعدى الـ 91 رواية وقصص قصيرة (137 قصة) نُشرت ما بين 1829 إلى 1852 وقد وُلد في 20 مايو 1799، وتُوفي في باريس 18 أغسطس 1850.

وقَيل إنه كان من مدمني العمل الأدبي مما أثر على وضعه الصحي (توفي في سن مبكرة عن عمر ناهز الـ51 عاماً)، (وكان في حياته يعاني من الديون التي أثقلت كاهله بسبب الاستثمارات المحفوفة بالمخاطر التي غامر بالقيام بها، وقضى عمره فاراً من دائنيه مختفياً ومتقمصاً أسماء وهمية وفي منازل مختلفة، وعاش بلزاك مع العديد من النساء قبل أن يتزوج في 1850 الكونتيسة «هانسكا» التي ظل يتودد إليها أكثر من سبعة عشر عاماً)، موسوعة لوكيبيديا.

لقد حظي بلزاك بتقدير المفكرين التقدميين ولهذا كان كارل ماركس يتصور أن بلزاك قدم تحليلاً واسعاً نقدياً عن النظام الرأسمالي في فرنسا، ولكنه كان مرتبكاً من الناحية الفكرية حيث اعتبر أن النموذج الملكي الرأسمالي البريطاني هو الأفضل لفرنسا لو طُبق، واعتبر ذلك رؤيةً خيالية من جانبه لكون النماذج الاجتماعية تظهر من خلال نضال الشعب ولا تُستورد.

ويقول جورج لوكاش عن بلزاك: (لقد بيَّن أنجلس أن بلزاك، رغم أنه مَلكي سياسيا، توصل في أعماله تحديداً إلى فضح فرنسا الإقطاعية، والملَكية، وإلى توضيح بطريقة قوية وممتازة، كيف أن النظامَ الإقطاعي كان محكوماً بالموت)، بلزاك والواقعية الفرنسية، دار الناشرين المتحدين، ص18 .

 (لا أحدَ مثل بلزاك أحسَّ بعمق الآلام اللاحقة بكل طبقات الشعب من جراء الانتقال إلى الانتاج الرأسمالي والانهيار الروحي والأخلاقي العميق الذي كان ضرورياً في تطور كل طبقات الشعب..)، السابق، ص22 .

لم يكن بلزاك متناقضاً مع نفسه، لأنه هو ذاته تجسيدٌ للتناقض. المحللون التقدميون لم يكتشفوا شخصية بلزاك ذاته كبرجوازي صغير، فهذا الكائنُ الاجتماعي الإنساني عبّر عن التناقضات الاجتماعية من داخل رؤيته المتناقضة كعضو في فئةٍ مترجرجة.

فهو كاتبُ يبيعُ بضاعتَه الورقية ويطمحُ إلى الغنى، وهو تاجرٌ صغير ومساهم ومضاربٌ يسعى للارتفاع إلى طبقة البرجوازية بسرعة شديدة، لكنه مَدين ومفلس ويخاف السقوط في طبقة العمال والمعدمين، وهو عاشق موله يحب ارستقراطية ثرية ترثُ الكثيرَ ولكنه يموت دون أن يطال شيئاً من ثروتها.

بين هذا وذاك عاش، وذبذبتُهُ الاجتماعيةُ السياسية تؤرجحُهُ هنا وهناك، تغدو تأييداً لنضال الجمهوريين الشجعان وبقاءً على الولاء للملَكية، تصيرُ رغبةً شديدة في الثراء والوصول إلى الرأسمالية وتكتب كذلك تصويراً لاذعاً للرأسمالية. هو كاثوليكي مَلكي ويعري الكاثوليكيين المَلكيين. هو خيالي شديد الخيالية حيناً وهو دارسٌ مختبري مدقق حيناً آخر. هو واقعي وهو رومانسي.

هذه الكتلةُ الحساسة المبدعة التي ظهرتْ من بين فئات البرجوازية الصغيرة رأت الثورةَ التي قادتها فئات البرجوازية الصغيرة، بخلاف المتصور أنها الطبقةُ البرجوازية، فقد مهدتْ لها وعبّدت الطريق أمامها بعد عقود تلك الفئاتُ المترجرجة، وخلقتْ من زمن الثورة اضطرابات واسعة وتحولات شاسعة، فعبرَ بلزاك عن الاضطراب وعن لحظات التقدم المتوارية في الأشياء والعلاقات، وطمحَ إلى الاستقرار السياسي ورفضَ حكمَ الثورة ولكنه أحسَّ بالثورة التي ستتفجر لاحقاً. كره الثورةَ وعبدَ نموذجها العسكري الذي صعدَ على أكتافها وغيرَها وسحقَها: نابليون بونابرت.

علينا أن نقرأ بشكلٍ واسع كيفيةَ تجسد هذا التناقض روايةً، وسياسةً، وخاصة عبر التكوينات الإبداعية التي تعكس هذه الرؤية المتضادة ونرى أن نموذجَها الشخصي المستمر والواسع هو البرجوازي الصغير، هو نموذجها الخلاق المأزوم.

تتحكمُ فيه البُنى الاجتماعيةُ المتحولة، ويضع قدماً في اليسار ويضع قدماً في اليمين، يضعُ قدماً في العمال والفلاحين وأخرى في الأغنياء والمترفين!

يضعُ يداً في العلم ويتناول أدوات الباحثين ويضعُ يداً أخرى في الفن والتحليق في الخيال.

بلزاك يعطينا مفاتيح ليس لفهم الثورة الفرنسية بل كذلك الثورات التالية في القرن العشرين التي صنعتها نفسُ الفئاتِ الصغيرة المتناقضة، وبالتالي يحتاجُ الأمرُ إلى تحليل مطول وهنا بعضٌ منه.

في الروايةِ الأولى التي نشرَها باسمه سنة 1827 والمسماة الناعقون أو الثوار الملَكيون في ترجمات مختلفة، يقدمُ بلزاك بنيةً حدثية شخوصية متسارعة متداخلة، يغلبُ عليها السردُ الخارجي التصويري المتصاعد، في دراما حدثية قتالية عاطفية متواشجة.

ليست فيها عتبةٌ تصويرية تمهيدية بل تتوجه مباشرة نحو البؤرة الروائية، حيث هي منذ البداية في قلب الحدث الروائي المركزي.

 المنطقة الريفية من بريتانيا المقاطعة الفرنسية القريبة من بريطانيا التي تغدو بؤرة الثورة المضادة ضد الجمهورية، تُصورُ عبر طبيعتها الجبلية الزراعية الخلابة، وعبر الصراعات المشوقة العنيفة.

البؤرة الشخوصية تتمحور حول قصة عاطفية في نسيج المعركة بين المَلكيين والجمهوريين، أثناء الفترة الأولى المبكرة لحكم نابليون، وتغدو الفتاة الارستقراطية (دو فرنوي) هي هذه البؤرة.

السرد الظاهري الحدثي المتتابع يسجل صدامات المَلكيين الريفيين المنتشرين بإتساع في منطقتهم الريفية المُهّاجمة من قبل الجمهوريين، وتلك الفتاة البؤرة الشخوصية تظهر وتمسك خيوط الحدث وإمتداداته المختلفة.

الفتاة هي رمزية الثورة، والمرحلة، وعقدة التناقضات المركبة، فهي وُجهتْ لاختطاف أو قتل قائد الثوار المَلكيين، وهي ابنة غير شرعية لأحد الدوقات الذي لم يعترف بها سوى أخيراً وهو يحتضر، وحصلت على ثروة وتعهد بها محتالٌ غني كبير، وخاصمها الأخ في المحاكم ليلغي الاعتراف بها.

وأقامت علاقة مع الشخصية الثورية الكبيرة دانتون الذي قُتل في صراعات الثوار الجمهوريين، وظلت بعض عواطفها ملكية، ووجهت من قبل السلطة الخفية للثورة لكي تقتل زعيم (الناعقين)، المتمردين المَلكيين، لكنها تقعُ في غرامه.

الأحداث الدرامية الميلودرامية ذات الخيوط المتشعبة لمختلف الشخصيات من شخصيات الناعقين المؤثرين ممثلي الريفيين المتدينين الرجعيين الدمويين اللصوص، إلى زعيمهم الشاب الارستقراطي الشجاع الرومانسي الواقع في الحب، الذي يخلط الهجمات العسكرية الضارية بالجري وراء فتاته، إلى الضابط الجمهوري العجوز الشجاع الشهم الذي يقود المعركة، ومعه ضباط شباب مفعمين بالشجاعة والتضحية والرومانسية والأعجاب بالجميلة (دو فرنوي).

هناك الخلفية الريفية، جسدُ المكان، مركزُ الفعل والحدث، المكانُ الذي يعبرُ عن شخصية الريفيين، حيث الأراضي المسيجة الأشبه بالقلاع، التي حازها الفلاحون في الزمان غير المروي، والتي تعجز القوةُ الجمهورية العسكرية من السيطرة عليها.

عملية التداخل بين القوتين المتحاربتين تنعكس على مختلف جوانب الرواية، خاصة في بؤرتها الشخوصية، حيث الفتاة المزودجة الأنتماء، الجمهورية القادمة من باريس لكن عمقها الداخلي عاطفي شفاف لا يتغلغل بمُثُل الثورة، بل بمهمة عملية، بوليسية، مخفقة، بسبب عدم تغلغلها في الذات، غير الثورية.

ومُثُل الثورة غير مصوَّرة، وغير مجسَّدة في علاقات بل في شظايا من شخوص الضباط الجمهوريين، مُثُلُ الثورة تغدو هي حماية الوطن الفرنسي من الأجانب الأنكليز وغيرهم.

المُثُلُ القوميةُ تتغلغل ذائبةً في خلفيات الشخوص والأحداث، فلدى الفتاة هي إنتماء للجميع، وهي إضطرابٌ بين المَلكيين والجمهوريين، بين الارستقراطية والبرجوازية، بين الشعب والأعداء.

المعسكران الجمهوري والمَلكي مرسومان بموضوعية، السارد المسيطر على رسم الخطوط الخارجية والداخلية، هو نفسه المؤلف المطلع على كل شيء الذي درس المنطقة وجغرافيتها وأحداثها، وقطعَ منها بنيةً روائية مغامراتية ذات مشاهد حيوية، ليس فيها غوص عميق في ذوات الشخوص، وجذورهم الروحية والنفسية والاجتماعية، لكن فيها تحديدات عامة للمعسكرين، بل وصف للمرئي الحدثي، الراكض، المتداخل، المتوجه للمستقبل، الراجع مرة واحدة للماضي الموسع في حياة الفتاة (دو فرنوي)، ولهذا فإن المرئي المتناقض بين المعسكرين يظل في الحدث، لا في المنولوج، في الديالوج السريع، وفي الوصف للمشاهد، ولمواقع النزاع بين أشكال الطبيعة، فيحدث التداخلُ بين المعارك والجغرافيا الريفية، فتبرزُ الإيديولوجيا الجمهورية في السخرية من شعارات المسيحية وعباداتها، وتبرز بإتساع الإيديولوجيا الدينية حيث الكاثوليكية المتداخلة بالصراع السياسي العسكري الدموي والمدافعة عن الكهنوت المنهار.

ولهذا فإن التصوير المباشر يسلط الأضواء على مشهدية الخندقين الاجتماعيين المتصارعين كما هما مرئيان في اللحظة اليومية.

لهذا فإن الراوي لصيق المؤرخ هنا، ويبدأ بالقول:

(لكن لا بد للمؤرخ إن شاء أن يكون واقعياً تصويرياً أن يذكر أن المنطقة عادت ذات يوم ضاحكة الأسارير لينة الملامح بعد أن أعلن الجنرال (هوش) الصلح ووقع ميثاقه).

يغدو السارد مؤرخاً واقعياً مصوراً، محايداً بين الفريقين. لكنه حيادٌ مصّورٌ من قبل الطبقة السائدة المنقسمة هنا، جمهورياً وملكياً، الطبقة المنقسمة بين الارستقراطيين والبرجوازيين، في لحظتهم المرئية المسجلة هنا، لحظة الجمهوريين، الذين يحطمون الأغلال الكبيرة للإقطاع.

السارد الراوي الذي يستعيد اللحظة الصراعية التاريخية يسجلُ دقائقها، يعرض شخوصاً متعددة متضادة، في بياناتها الخارجية والسلوكية.

المعسكران، والطبقتان الارستقراطية و(البرجوازية)، تضادهما مباشر، إيديولوجي سطحي، يتمظهر عبر الانقسام الحاد بين الدين التقليدي، حيث المنطقة التي تقسمُ كلَ لحظة بـ(قديسة أوراي) وبين نفي الدين وإلغائه عبر الشعارات العسكرية. هو صراعٌ يمتظهر ضد ما هو فج ورجعي من الإقطاع، وعبرَ ما هو سطحي وفج من البرجوازية الصغيرة.

الواقعية الرومانسية تتداخل عبر الالتزام بمشهدية الصراع الاجتماعي المباشر وحركات لقطاته الموضوعية، وبوجودِ قصة الحب بين الآنسة دو فرنوي والمركيز دو مونتوران التي تنمو بالحيل المليودرامية عبر التلاقي في عربةٍ وبالحب من أول نظرة، والحب المتغلب على عقبات الصراع الاجتماعي والشهيد في خاتمة المطاف.

الواقعية تصفُ كل ما هو فظ وعنيف في الناعقين الريفيين الأجلاف، وحركة عربة النقل معبرة عن مستوى الأدوات المجسدة للتطور الاجتماعي كما يقول بلزاك نفسه كراو مباشر، ومشاهد الواقع اليومي من أدواتٍ وأبنية وملابس وصراع على الأشياء وتركات المقتولين.

وهي رومانسيةٌ في وصفها لنمو الحب والطبيعة الجميلة منشدة للرواية التسجيلية المشوقة.

مستوى الصراع الاجتماعي الافتتاحي المبكر الملحمي بين المَلكية والجمهورية، بين الارستقراطية والبرجوازية، ينعكس في البنية السردية المباشرة الدرامية الصراعية، الموضوعية، حيث الراوي الذي يصور الفريقين بكل ما يمتلك كل فريق من مزاياه الحقيقية، وهو في ذاته المعبر عن الكل، عن جموع الفرنسيين في مسيرتهم القومية، عن الارستقراطية وهي تتبرجز، وعن الثورة كأداةٍ للقومية، عن مزاياها الشجاعة والمضحية، عن نقد حثالة الإقطاع المتجسدة في الناعقين الدمويين لصوص الصراع السياسي.

الراوي بلزاك يقف محايداً فوق الصراعات الجزئية المتلاشية في دراما التاريخ، ممسكاً خيطَ الطبقة المسيطرة المتحولة، عارضاً تكونها التاريخي المعقد، حيث تقوم الثورةُ وإمتداداتُها التاريخية بإعادةِ نسج المجتمع، المرئي من قبل الطبقة السائدة، المتحولة، الذي يغدو بلزاك هو عينُها، المحدقةُ فيها، المبتعدة عن سلبياتها ومخلفاتها، والمبتعدة كذلك عن الطبقات العاملة، المرئية في الظلال والخلفية الاجتماعية التاريخية كأدوات لها، كضباط وجنود وفلاحين وتجار يمهدون التربة لنظامها.

لقد هُزمت الثورةُ الفرنسية بعد تقلبات حكم الجمهوريين المتصارعين وهم اليعاقبة والجيرونديين، أي فئتا البرجوازية الصغيرة اليسارية واليمينية، حيث لم تصعدْ بعدْ البرجوازية الكبيرة التي تحتاج لوقت من أجل التراكم الصناعي الواسع، فيأتي نابليون ويُجري تحولات ولكن حروبه تقود للهزيمة وعودة المَلكية. هنا يبدأ عهدٌ جديد للرأسمالية التي تتغلغلُ في المجتمع وهي مهزومةٌ سياسياً ومنتصرةٌ إقتصادياً، وبلزاك يعرضُ هذه التحولات في العمق.

أدواتُ تحليلِ بلزاك الروائية والفكرية متضافرة، فهو يصورُ مشهديات دقيقة، منسوجة مع الشخصيات والأحداث والأمكنة ذات الدور التوظيفي.

ومن مواد حياته الخاصة، ومن عذاب أخته مع زوجها وموتها الفاجع، ومن دخوله في السوق وفشله التجاري فيه، فيجسدُ اللغةَ الاقتصاديةَ البضاعية ودور رأس المال الجدلي، البنائي من جهة والاستغلالي من جهة أخرى، عبر جزئياتٍ وبُنى مشهدية صغيرة لا تتوجه للسيرورة الكلية للمجتمع الرأسمالي، بل لقطاعاتٍ فيه مقطوعة عن سياقه العام، فبلزاك لا يعمم بل يصف ويحلل جزئياً.

بلزاك ليس صاحب رؤية نقدية فكرية مدروسة بل لديه تحليلات ووجهة نظر حصل عليها عبر التجربة في أثناء تجارته الفاشلة. لقد خبر بقوة البضاعة والمال وكل الورق المجسد للعلاقات السلعية وأثمانها.

في البدء يغدو مشهده الروائي الافتتاحي لوحاتٍ للمكان، حيث يقوم بالدخول ووصف البيت الخاص منتزعاً سماته الأكثر وضوحاً وعمقاً، وهي التي تعكس حياة شخوصه. فالعتمة والتهالك والانغلاق كلها سمات تعكس صاحب هذا البيت الثري صاحب الكروم، البخيل، القروي.

في روايته (أوجيني غرانده) يجثمُّ عند موقع المنزل كمهندس أثري فنان: إلى جانب البيت المتداعي المرضوم الجدران حيث خلّدَ الحِرفيُّ زخارفَ أدواته، يرتفعُ قصرُ أحدِ النبلاء، حيث ما تزال تُرى على القوس الحجرية لبابهِ بعض معالم شعاراته التي حطمتها الثوراتُ المختلفةُ التي هزّت البلادَ من العام 1890) أوجيني غرانده،  وزارة الثقافة السورية، ص8.

وهو يقفُ مطولاً عند المنزلِ والريف وصاحبِ البيتِ البرجوازي منتجِ النبيذ، موضحاً علاقته بالثورة وكيف صعدَ معها وإستفاد منها، لكنه في زمنِ عودةِ المَلَكيةِ وهزيمةِ الثورة تجمدتْ مكانةُ صاحب الكروم السياسية فانطلق في جمع الثرواتِ بكل طريقة وعبر تقتيرٍ شديد على أهله، ويبدو ذلك في وصف المنزل التمهيدي.

يتتبع بلزاك هذا النمو السردي ويتدخلُ فيه على شكلِ راوٍ مهيمن عارفٍ بكل شيء عن شخوصه وعالمهم، وهو يصّعدُ بناءَهُ الفني عبر متابعة الشخوص التي تظهر تدريجياً على مسرح الحدث المتصاعد، فصانعُ البراميل النبيذيةِ السابق جزءٌ من مشهد الريف الفرنسي حيث يرتعدُ الكرّامون من مخاطر صباحات ممطرة، لكن (الصراع مستمر بين السماء والمصالح الأرضية).

وفيما كان الكّرامُ يخسرُ سياسياً كان يحصدُ مواريث كبيرة، وتعيش ابنته وزوجته في ضنك شديد، أما الخادمة (فحكمَ عليها من واقع خبرته كبراميلي على مدى قوتها الجسمية، وضمنَ الاستفادة المرجوة من مخلوقةٍ أنثى كأنها فُصلتْ على نموذج هرقل).

تنامتْ تفاصيلُ العلاقات التي تكشفُ هذا البرجوازي في مرحلة التراكم وكيف تكونُ الوجباتُ شحيحةً، والملابس قديمة، والأهل في مَعزلٍ عن الحفلات والصرف، فيما يتكدسُّ الذهبُ في الغرفة الخلفية السرية المعزولة عن الغرف الأخرى.

ويجري هجومُ العائلات الريفية على خطف الفتاة ابنته والرغبة في الزواج بها والاستيلاء على كل الثروة المخبأة، لكن البراميلي كرانده يبحثُ لها عن عريس صاحب ملايين، مستثمراً دوافع هذه العلائلات.

المؤلف الراوي بلزاك هو كاتب بحث كذلك، فالروايةُ لديه ليست قصةً عادية، بل هي بحثٌ تشريحي تجسيدي، ومن هنا يعنونُ الروايةَ بـ(دراسة طبائع)، و(مشاهد من حياة المقاطعات)، ومشاهد المقاطعات مخصصة للريف، أي للرأسمالية الريفية المتخلفة في وعيها وعاداتها ولكنها شديدة الحرص على الذهب، وبؤرةُ هذه الأبحاثِ السردية هي شخوصٌ تجاريةٌ في ميدان أعمالها وإنتاجها، فتأتي مشاهدٌ وصفية للمكان، تكّونُ الأرضَ الموضوعية الجغرافية، ثم تتصاعدُ عمليةُ التحليلِ نحو المهن الرأسمالية، وذلك عبرَ دقائق الحياة الاقتصادية، فيرينا الساردُ المباشرُ هنا كيف يكّونُ الكرامُ كرانده ثروتَه عبر حركة الأحداث، من حساباتٍ دقيقة لانتاجِ الكروم وتصريفه، وإستغلال كل مادة في الربح: (كما اتفق السيدُ غرانده مع السباخين من مستأجري أرضه أن يؤمنوا لبيته البقول، بينما يجني من بستانه كميات وافرة من الفاكهة تكفيه ويبيع قسماً كبيراً، وكان حطب تدفئته يقطع من أسيجته…)، ص17. وهكذا فإنه يستغلُ كلَ مادة حوله. لكن هذه جوانب صغيرة غير العمليات المالية الكبيرة.

هذا التحليلُ المادي للعيش لا ينفصلُ عن تطويرِ الحبكة الروائية، فهي ليست عروضاً تقريرية، بل دراسة سردية، فواقع البيت الثري في كنوزهِ المتوارية يصطدمُ بحركةِ الحياة العنيفة، فالابنةُ الجميلة التي تعيشُ العزلةَ وشظف الحياة، ترى فجأةً شارل ابنَ عمها الجميلَ القادمَ من باريس الأناقة والرهافة والمذهولَ الفزعَ من حياةِ الريف وخنِ عمهِ الكئيب العتيق، والمستغربَ من إرسال أبيه له إلى هذا المكان. لكن خيوطَ إنزالهِ التي تمت بمغزلِ الروائي أدت إلى صدماتٍ عنيفة فأبوه أرسله بعد أن أفلسَ وقررَ الانتحار ونفذَهُ ووقبل ذلك أعطاهُ رسالةً للعم من أجل أن يعتني بشارل في هذه المحنة!

 حبكةٌ مُصاغةٌ بحيل، لكن التناقضَ في بيتِ الكرام يتفجر، والابنةُ المعزولةُ عن الحياة تحبُ ابنَ عمها وتساعده وتصيبُ أباها بشلل نظراً لمطالبها المادية المروِّعة التي تضربُ الاكتنازَ الرأسمالي الطويل!

حبكةٌ ظلت هنا في النماذج الفردية المعزولة المتخلفة عن الحياة الاجتماعية الثورية في العاصمة باريس، ولكن الرومانسيةُ دخلت من النافذة الواقعية وقام المؤلف بخلق علاقة غرامية غريبة، ومع هذا فالدراسة والحبكة تقدمان خليةً من المجتمع الرأسمالي الفرنسي في حقبةِ المَلكيةِ العائدة التي ستكون في أكثر زمنه، مما يدعو الروائي للتدخل عامة وشرح رؤيته الناقدة للشح والتبذير وكل ما يعيق الفرح كذلك من أجل (رأسمالية أخلاقية).

وهذا التركيز على الشخصية المحورية وعلى صفات معينة فيها وربطها بتطور الاقتصاد سيكون هو طريقه الإبداعي الواسع الرئيسي الحافل بالنماذج والتجارب.

البرجوازي الصغير يصعد عبر تراكم رأس المال الذي يعضُّ عليه بأسنانه ولكنه يعود مرة أخرى لجحيمه بتحطم رأس المال!

كانت عودةُ المَلكية سنة 1815 وزوال عهد الجمهورية قد أرجعَ الارستقراطية الحاكمة السابقة، وأخذ هذا التناقضُ يشدُّ رؤيةَ بلزاك كأكثر التناقضات حدة. فزمنُ المُثُل الثورية والتضحيات زال، وغدا الناس يتهافتون على المال والبضائع.

هذه هي المرحلة الثانية التي تشكلت فيها ملحمتهُ (الكوميديا الانسانية) ذروة إنتاجه الروائي، والتي لم ينقطع فيها عن عرض النماذج البشرية وهي تُشوى بين حقبتين في نادر الأعمال، وتشوى في المرحلة المَلكية العائدة بشكلٍ رئيسي.

في قصته (مرقص سو)يتابعُ التضادَ الذي إنشغلَّ به بين المال والعواطف البشرية، ويكشفُ سيطرةَ مُثـُل النبالة المتهاوية في الواقع، فهذه المُثُل المتعارضة مع تصاعد الطبقة البرجوازية ما زالت تؤثر على بعض القطاعات الاجتماعية:

(فمرقص سو ليس فقط المكان الذي صادفت فيه أميلي دي فونتين لونغفيل لأول مرة، إنما هو خاصةً مكان لقاء رمز بين الماضي والمستقبل، بين الارستقراطية والشعب)مرقص سو، وزارة الثقافة السورية، دراسة حول القصة والمؤلف، ص71.

المرقصُ مكانٌ ريفي يسمحُ بإلتقاء طبقات عديدة، وأميلي دي فونتين هي فتاةٌ من العامة، من البرجوازية الصغيرة المتذبذبة جسم بلزاك الأدبي، حيث تتردد بين واقعها وطموحها، فهي تريد أن تقفز دفعة واحدة إلى الارستقراطية وتتزوج أحد النبلاء العائدين للحكم، وهي ترفض رفضاً قاطعاً أي شاب من عامة الشعب حتى لو أثرى وتحول لبائع كبير!

وكعادتهِ فإن بلزاك يُضّفر بين البنية الاجتماعية والحدث القصصي، فدائماً لديه زمن الثورة، وزمن عودة المَلكية، وقد تبدلت أحوالُ النماذج بسبب هاتين الفترتين، فزمنُ القصة هو زمن عودة المَلكية وزمن لويس الثامن عشر الذي رأى أهميةَ تجديد المَلكية وتحديثها، لكن والد الفتاة أميلي هو شخصيةٌ محافظةٌ عاشتْ في زمن المَلكية السابقة وتدهورتْ مع مجيءِ الثورة، وخسرَ الكثيرَ من ماله، وراح مع عودة المَلكية يستعيدُ شيئاً من المجد الماضي ولم يؤيد الملكُ على هذا التحديث في البدء، لكن مع المزايا التقاعدية المتدفقة عليه غيّرَ آراءه.

الابنةُ الارستقراطية المغرورة لم تُصور وهي تنشأ في هذا العالم، بل ظهرتْ أخلاقُها مكتملةً مضادة لتدهور أحوال العائلة، وكأنها إحتفظت في ذاتها بالنبالة وأرادت زوجاً يجمعُ كلَ خصائصها من الألقاب والشارات والأطيان.

لكن عالم المَلكية العائدةَ بدأ يتبرجز، والكثيرُ من المُلاك تدهورتْ أحوالُهم وتوجه بعضُهم للتجارة وإنشاء المصانع، لكن الثقافة الارستقراطية ومثُلَها لم تزل منتشرةً خاصة في الجماعات التي تحيطُ بالمَلكية، وتصيرُ الفتاةُ المحورية أميلي تجسيداً لهذا التضاد بين المثل المتدهورة وحقائق الحياة الجديدة.

فهي ترى شاباً وسيماً تنطبق عليه كل صفات (النبيل)، وتنشأ حركةٌ حدثيةٌ بينهما، تؤدي للتعارف المبهم وعدم إنكشاف الأصول الأسرية والطبقية. لكن الفتاة مصرة بأنه نبيل وأنه صاحبُ ثروةٍ قادمة من نبالة مؤكدة.

وتغيرت أحوالُ الفتاة تغيراً كبيراً وغدت متفائلة لا تسخر من الناس ولا تجرحهم كما تفعل عادة، ويحاول أبوها أن يخفف من طبعها المتعالي وأن يجعلها واقعية تتماشى مع إنتصار البرجوازية ومثُلِها، لا أن تحرنَ عند أطلال النبالة، لكنها ترفض ذلك وتؤكد أن حبيبها هو نبيل حقيقي.

وفي موقفٍ مفاجئ وهي في السوق ترى حبيبَها في متجرٍ ويمسكُ قماشاً ويبيعهُ فتُصاب بصدمة عاطفية شديدة!

فقامتْ بقطع علاقتها به بشكل نهائي، وارتمت في أحضان كهلٍ نبيل يملكُ ثروةً ولكنه بعمر أبيها وأكثر وعاشَ مجدَ المَلكية السابقة وكان يسخرُ منها!

كان هدف حياتها أن تلتصق بنبيل وترتعش بين جنبات شعاراته وخيوله وأملاكه، وتحقق هدفها والنبيل يلفظ أنفاسه.

في حين كان حبيبها الشاب هو من نبالة حقيقية مضحية، فقد ساعدَ أخاه وحصل على لقب النبل وتدفقت ثروته.

في وعي الكاتب بلزاك إهتمام رفيع بالأخلاق وكشف تناقضها مع التطرف المالي أو الطبقي، كشخصية من صغار البرجوازيين، المتحضرين، المواصلين تصعيد الرأسمالية التحديثية، وهو يرى أن قيم المالِ والبضاعة تنتشر وتكتسحُ المبادئَ (النبيلة)، وهو صاحبُ موقف نقدي إجتماعي مَلكي بونابرتي كما سنرى لاحقاً، فيمثل تشكيلة فكرية متناقضة، لكنه يقدمُ المشاهدَ ومواد الحياة التي تتفجر فيها تناقضات الطبقتين النبيلة والبرجوازية في هذه الحقبة. ومن هنا فهو يعرض الصراعات الاجتماعية المختلفة خاصة بين القطبين السائدين اللذين يمثلان الطبقة الحاكمة المشتركة في زمن عودة المَلكية بعد هزيمة نابليون، أما الطبقات الشعبية المكافحة فهي تأتي في الخلفية وكمواد خام مستغلة فلم تكن قد ترسخت في الحياة الاجتماعية في ذلك الحين. إن حضور الطبقة العاملة ومثلها المختلفة لم تظهر على المسرح البلزاكي.

وفي قصته الأخرى في نفس المجلد المسماة (المحفظة) هي عن نبيلين، أحدهما لا يزال بثروته، والآخر هو امرأةٌ كهلة إفتقرتْ وتعيشُ في شقةٍ بائسة مع ابنتها، ويأتي ذلك النبيلُ ليلعبَ معها الورق، ونظراً لعطفه عليها ورغبته في مساعدتها وعدم جرحها يفتعلُ الخسارةَ المستمرة في اللعب، ويُرى هذا المشهد من خلال عين فنان تشكيلي هو جار للمرأتين، فيظنُّ الفنانَ الحساسَ بأن المرأةَ وابنتَها تغشان ذلك العجوز الثري، خاصة وأنه إفتقدَ محفظته في المنزل وظنَّ أن المرأة الشابة التي أحبته سرقتها! ويسمعُ عن المرأتين كلاماً سيئاً فيصدقُ إتهامه الخاطئ، وحين يعود لهما يجد أن الفتاة جددت محفظته القديمة وما زالت نقودهُ فيها وما زال النبيل الشهم يخسر في اللعب!

هو عرضٌ هنا عن النبالة الإنسانية بغض النظر عن الموقع الطبقي، فالخصال الإنسانية تمتد بين شرائح متضادة.

النبالة المتعثرة والبرجوازية الصاعدة هي الملامح العريضة لمرحلة بلزاك الأولى ما قبل ثورة 1830 حيث ستؤكد البرجوازيةُ بعدها حضورَها الاقتصادي الكاسح ويختفي صراعُ النبالة والبرجوازية.

تعطي روايات بلزاك دروساً لفهم التحولات الاجتماعية بين الإقطاع والرأسمالية، ولهذا هي مفيدة لدرس العرب في الفترة الراهنة خاصة. فالثورة تتحطم والقوى(النبيلة) الإقطاعية تذوب، والرأسمالية تتوسع وتتجذر لكن كيف؟ هذا ما توضحه سلسلة الروايات الكثيرة.

ونتناولُ في هذا الجزء من التحليل رواية (الكولونيل شابير) هذه الرواية الآخاذة النموذجية من العمارة الكبيرة الإبداعية لبلزاك.

ليس ثمة رواية لبلزاك يبلغُ فيها التضادُ بين مرحلتي الثورة الفرنسية وما بعد الثورة، أي في زمن العودة إلى المَلكية، كما في هذه الرواية، إنه تضادٌ مكثف حادٌ عنيف مجسمٌ بحرقة.

الممهداتُ والعتبات الروائية التي طالما إتبعها الروائي للمضي نحو البؤرة الروائية هي هنا جسدُ المحاماةِ الأمامي الوضيع.

هنا المكتبُ الرثُ في أشيائهِ وموظفيه الستة، في وساختهِ وثرثرته السخيفة ونكاته الفجة، وبمنظرِ بقايا الأكل فيه، والملفات الظاهرة القبيحة، وفي الصِبية الذين يعملون في هذا المكتب والمستخدَمين لتوصيل الرسائل والتبليغات، هؤلاء الصبية الذين يضحكون على الزبون الفقير الرث الثياب.

هنا الآلية الحِرفية ما قبل التحول النوعي للمهنة، كجزءٍ من تضاريس رأسماليةٍ حِرفية وأجسام إجتماعية ما قبل رأسمالية تحيطُ بالعاصمة الفرنسية، كما سيظهرُ من تنامي السرد.

مثلما أن السردَ غير متبلور مركزياً، وله زوائد كهذه العتبة.

هذه الكتيبةُ من الموظفين وكلامُهم ونكاتهم لا دخلَ عميقاً لها في بؤرةِ الرواية، لكنها تقدمُ الشخصيةَ المحورية لتتوغل وتسودَ في العرض الروائي.

هذه الشخصيةُ الرثةُ الفقيرة الداخلة في هذا المكتب،  هي بؤرةُ الروايةِ القصيرة هذه، وهنا تبدو الرواية على مفترق طريقين فأما أن تمضي مع شخوص المقدمة ويتحولون لبؤرة مركزية، وأما أن يتحول هذا المجهول للبؤرة، وقلقُ البؤرة هذا هو قلقٌ بنيوي لمرحلة بلزاك الروائية.

بعد هذه المشهدية التمهيدية التي يعرضها بلزاك نظراً لكونها جزء من ذكريات عمله كشاب في مكتب المحاماة، يأخذ الرجلُ الفقيرُ الشبح المسرحَ بكليته: (ذلك المشهد يمثل واحدة من آلاف المتع التي تجعل المرء يقول وهو يتذكرُ شبابَه الماضي ما كان أحلى ذلك العهد)، الكولونيل شابير، ص 17، وزارة الثقافة السورية، 1990.

يطلب الرجلُ الرثُ مقابلةَ المحامي ويُعطى من قبل الموظف موعدٌ في منتصف الليل حتى لا يجيء، لكنه يحضر ويتأكد أن الموعد هو من تصميم المحامي نفسه الذي رتبه لكي يدرس قضايا الزبائن في هدأة الليل وليس لكي يقابل المدعين.

تتبدل اللوحةُ فجأةً ويغدو دخول المحامي صاحب الخلفية الثقافية عوناً سردياً للسارد الأولي وهو المؤلف، حيث تقترب قامتا الساردين.

يصبح هذا الرجل الكولونيل السابق هو الراوي حين يطلب منه المحامي سرد قصته، وتحول الساردين وتتابعهم هو كذلك جزء من طبيعة الروي البلزاكي.

شارك الكولونيل في معركة يقودها نابليون ضد الروس في ألمانيا، فيذكر اللحظات الأخيرة في سقوطه ونتائج هذا السقوط:

(وسقط الحصانُ وفارسُهُ إذن واحدٌ فوق الآخر. وكان أن غُطيت بجثةِ جوادي التي حالتْ دون أن تدوسني الخيول أو أن تصيبني القذائف)، ص23.

أصابت ضربةٌ نارية رأسَهُ وحفرته بعمق، وحالت الجثثُ المختلفة دون موته، وصعدَ من خلالها بعد فترة، فاقداً الذاكرة لبعض الوقت وفاقداً أوراقه وعالمه العسكري السياسي كله.

تحول القائد العسكري إلى قتيل في الأوراق الرسمية، وظل يهيمُّ كمتشردٍ وساعده زوجان على تحديد حالته وتنظيم محضر بحالته، ولكن حالت الحربُ والظروف دون عودته لبلده ووضعه، في حين توجهت زوجته للزواج من رجلٍ نبيل وأنجبت من الزوج الجديد ولدين، فغدت عودته لوضعه السابق مستحيلة.

دخل النموذج في حالة ترميز فالضابط الكبير الذي سار مع جيش نابليون عبر العالم، لم يجد هذا الجيش الغازي، بل وجد أعداءه في باريس، والثورة التي طردتْ الإقطاعيين ورجال الدين هُزمتْ، وعاد هؤلاء لمركزِ السلطة، فغدا بمثابةِ شبحٍ لها، فهو جزءٌ مهزومٌ مشوه عاد إلى فرديته المسحوقة وسقطت إشاراتُها ومركزها، فالزوجة التي مثلت رمزاً مضاداً صعدت للنبالة وغدا زوجها الجديد النبيل يحذر من ماضيها، وأي هزة تأتي من صوب الماضي كفيلة بهدم الزواج.

الترميز يغدو فردياً، وحالة الكولونيل شابير تغدو مقطوعة الروابط مع حالةِ البرجوازية الثورية السابقة حيث أن وجوده العسكري في خدمة نابليون الذي عسّكر الثورة ثم حطمَ مثُلَها بغزوه للبلدان الأخرى، تعبير عن إنهيار المُثُل الثورية الديمقراطية وتحولها لغزو وصناعة إستبداد في الدول المغزوة.

ولهذا فإن شابير لا يستعيد تلك المُثُل أو يحدث مقارنات على مستويات عدة بين الحالة الجمهورية والحالة المَلكية العائدة، فهو فردي نمطي، لهذا فهو لا يقيم أية علاقات مع النماذج المتضررة من عودة المَلكية، وهو لا يصطدم بجوانب موضوعية من الزمن الجديد تكشف جوانب من شخصية ذات عمق كذلك.

فمطلبه الرئيس هو العودة لمركز العسكري ووضعه العائلي، وحين لا يجدهما يتحلل، ويصير قمامةً من العهد النابليوني البائد.

لهذا فإن شخصية المحامي المتعاطف والمهني المستفيد تلعب دور كشف الحالة في حقيقة حيثياتها، ومدى إنطبلق أقواله على شخصه.

وهو أمرٌ يوسعُ دائرةَ البؤرة، ينقلُها لمكانِ عيشِ الكولونيل في الضواحي الرثة ذات الظروف الحِرفية العتيقة، وإلى ظروف الزوجة المرفهة التي غدت ارستقراطية، وهذا مظهران يعكسان تنامي التناقضات الطبقية في المجتمع الرأسمالي الوليد المتسع.

تدخل الرواية دائرة الحِيل والمناورات القانونية، وتنتقل لمكان عيش الزوجة وعلاقاتها الجديدة، وتذبذبها بين الماضي والحاضر الزوجيين، مدركة أين تكمن مصالحها وأتجاهها، محيلةً مناورات المحامي التي تحصرُها في زاويةٍ ضيقة مهددةً وضعَها الطبقي الجديد بالانهيار، إلى مناوراتٍ وخدع للزوج الأول السابق، بحيث تجعله يخسر قضيته الرابحة بنفسه.

تحلل الشخصية العسكرية وتدهورها نحو الجنون يبقى شأناً ضيقاً فردياً، بحيث أن الوضع المختل القائم ذاتياً وموضوعياً، لم يتغير بل يعود الوضع للوراء.

لهذا تغدو الرواية قصيرة، ذات روابط قليلة، فزخم الشخصية المحورية كانت لحظة خروجه من تحت الجثث ومن تحت الأنقاض الاجتماعية، وإعادة شخصه، ولكنه حين يهمل هذا التطور تذبل الروابط الفنية والاجتماعية.

فلا نجد فرقاً كبيراً بين دفنه بين الجثث الميتة وبين وجوده في مركز الطب النفسي، والتشوه النفسي السياسي بدأ منذ إرتباطه بالجيش، لكنه لم يحاكم هذا الوضع، بل ظل له مفخرة، ولهذا فإن مرئيات الزمن العسكري وتحدياته البطولية تظل معدومة.

في روايته (الثأر) نقرأُ نفس الارتكاز على بؤرة الانقلاب الاجتماعي السياسي، فعودةُ المَلكية فوق جثة الجمهورية تُعطي لوعي بلزاك القومي هزةً نقدية تحليلية لواقع فرنسا.

العتبةُ السرديةُ الروائية ليست منفصلةً عن بؤرة الرواية، فالرجلُ الكورسيكي القادمُ من تلك الجزيرة إلى العاصمة باريس، يحملُ ابنةً صَبيةً منقذة من مجزرة في قريته في تلك الجزيرة حيث الثارات العائلية الريفية تمثل البقايا الاجتماعية لما قبل الرأسمالية، وهو هنا يدخل في قصر الحُكم حيث بونابرت وأخوه ومكتبه القيادي، يقودان مرحلةً مختلفة من الثورة الفرنسية المُجهَّضة.

تمثل النابليونية الإمبراطوريةُ هزيمةً لمُثُل الثورة الديمقراطية حيث كانت تلك المثل في غبش الولادة للنظام الرأسمالي، وكان الصراع بين الشمولية والديمقراطية مُتلبساً، والصراع بين اليعاقبة والجيرونديين مُستقطباً غيرَ منتج لتيار تحولي ثوري ديمقراطي، والذي سوف يتكون عبر عقود القرن التاسع عشر والقرن العشرين.

إن تحديات الثورة الفرنسية جمعتْ القوى المحافظة في القارة الأوربية، وتوجهتْ للقضاء عليها، ولم يكن سوى جيش نابليون ينهي هذه التناقضات الداخلية والخارجية، لكن عبر إقامة دكتاتورية شخصية فئوية، وكان بطلُها القادم من جزيرة كورسيكا تعبيراً عن القوى العسكرية ذات الجذور الريفية التي ترسملتْ ولكنها ما تزالُ تحتفظُ بأجزاء من بناءٍ فوقي إقطاعي مضادٍ للبناء التحتي الرأسمالي المتغلغل عبر العقود.

يغدو النظامُ الإمبراطوري النابليوني معبراً عن القومية الفرنسية في صعودِها وغزوها للبلدان الأوربية وفي حفاظها على إستقلال فرنسا المُنتهك من قبل الغزاة الذين تمكنوا من كسر الإرادة الفرنسية الحرة.

فليس تكرار البؤرة هو عمل عفوي، إنها وطنية بلزاك الأبية وقد وجدتْ في نابليون رمزاً، وهنا يقوم الرجلُ الكورسيكي ذو الشيم الريفية المتعصبة بالدخول في عالم الطبقة المسيطرة المترجرجة عبر هذا التاريخ المضطرب.

إنه يطلبُ الحمايةَ من صديقه نابليون حيث كانا من منطقة واحدة، ومطالبه الانتقامية تُرفض من قبل بونابرت زعيم الدولة، لكنه لا يمانع من التستر على جريمته في قتل خصومه في عملية الثأر الفظيعة التي جرت، والتي لم ينجُ منها من العائلة الأخرى سوى ولد سيكون له شأن في هذه الرواية المُقامة على الصراع القَبلي والصدف الاستثنائية.

بقرارت ذاتية تمكن من نقل (بارتولوميو) العامي إلى طبقة النبلاء، وعاش هو وعائلته في أصيصٍّ زجاجي خارجَ التاريخ السياسي لحين دخوله في التاريخ العائلي المتصادم مرة أخرى.

فلم تؤد الإطاحة بنابليون في تغيير موقع هذا النبيل، ولم يشارك في عمل تاريخي أو سياسي، ليكون تحت خدمة بلزاك في حفرياته الروائية.

العتبة السردية في الرواية كانت تُدخلُ إلى البؤرة المأساةَ العائلية الثأرية المستمرة عبر الأنماط الفردية.

عتبةٌ أخرى تنشأُ في المرسم حيث مجموعات من البنات يشتغلنَّ في لوحاتٍ وتدريبات فنية على يد أستاذ هو الآخر نابليوني الهوى.

بدت هذه العتبةُ منقطعةً عن العتبة السابقة لكنهما إتصلتا عبر تنبيهات الراوي وتنامي الحلقات التي يشيدها، فالصراعُ بين الفتيات الارستقراطيات والبرجوازيات يشيرُ إلى مناخ فرنسا المتقلب، حيث المَلكية العائدة والنابليونية المهزومة، وتظهر ابنة الكورسيكي صاحب القضية الثأرية النبيل حالياً، ذات حضور آخاذ في المرسم، وحيث مهارة الراوي تندغم بالتشكيل.

لكن هذه الحلقة تتضاءل مع ظهور بؤرة الرواية وهي العلاقة العاطفية بين هذه الابنة وضابط شاب من جيش نابليون المهزوم يعاني جراحه، ويقعُ تحت عيني هذه الفتاة!

وسرعان ما تشتعلُ هذه العلاقة وتتعملق فوق جزئيات الرواية الأخرى.

حبكةٌ بدأت من جزيرة في البحر الأبيض المتوسط وتناسجت مع صراعات سياسية تاريخية وإنفصلت عن الشبكة هذه كلها، لتتعقد داخلياً وتتفجر مأساة.

وطنيةُ بلزاك الرومانسية تجمع هنا شخصيات الحلم القومي البونابرتي في بنيةٍ تتشكل عبرَ الصدف، ولكن الحلم القومي الثوري مات في الواقع، وقد أنجبَ أسرةَ حب في مرسم فن، بين ضابط جريح شجاع، وفتاة عاطفية وطنية، وتتمكن بقايا عالم الإقطاع وعادات الثار وعدم التطور الديمقراطي في الريف عامة، من هزيمة الحب وعدم نجاح الشابين في البقاء زوجين ثم حيين وقد إنقطع الأهلُ عنهما وعاشا في ضنك عنيف.

تمكن زمن ما قبل الرأسمالية من هزيمة الوطنية، ويشير هذا إلى ضعف الُبنية الرأسمالية الوليدة وضعف تطور القوى الفلاحية المؤيدة للدكتاتورية البونابرتية، وهذه الشموليةُ مُصعّدةٌ في وعي بلزاك الروائي على شكلِ مأساةٍ في عائلة فردية.

ما هي علاقةُ مأساة العوائل المتقاتلة في الجزيرة بنابليون والصراع مع المَلكية العائدة؟

إن التطور الجمهوري الديمقراطي الذي أطلقته الثورة لم يستمر لضعف الطبقة المنتجة له، وكان نابليون الذي قفزَ عن هذا التطور وغمر الفلاحين العسكريين بخيرات البلدان المغزوة، وطورَ من البنية الرأسمالية عبر هذه الهيمنة الشمولية فهو أعادَ المَلكية بشكل متطور، فكان لا بد أن يغدو رمزاً لها، وهكذا غدتْ العوائلُ الريفية تعيشُ مأساةَ ما قبل الرأسمالية وعجز الرأسمالية عن التطور الشامل معاً.

وبطبيعة الحال كان لا بد أن يكون (الأبطال) البارزون هم من (الوطنيين)، وهنا فإن بلزاك يتعاطف مع هذه القوى الفلاحية والوطنية، لكنه يرفض عدم تطورها الاجتماعي لكنه لا يغوص لمجمل تناقضات البُنية التي خلقتها بهذا المستوى.

غياب التحليل على المستوى الروائي بعدم تطور الشخصيات وعدم قيام علاقات واسعة في الرواية، يواكبه تحول البؤرة الروائية إلى قصة عائلية، فالأبطال الوطنيون لم يتطوراً نضالياً، ولم يتخلصوا من تخلفهم الاجتماعي، ولم يجعلوا الحب مزيلاً لعادات الثأر.

وأمام الحيثيثات الواقعية الجزئية المرصودة والمتنامية روائياً، والمأخوذة من عيناتٍ حقيقية جرت في التاريخ الحقيقي، فجثمتْ الشخوصُ والحبكة في مستوى الانعكاس الجزئي، ولم تقرأ التحولات الراهنةَ والمنتظرة في بنية رأسمالية جنينية.

لهذا فإن الفلاحين هم أكثر حضوراً هنا وفي أعمال أخرى، لكنها كطبقةٍ تتعرض للانهيار والتحول، ولا تستطيع سوى أن تكون ضحيةً وليس قوة تغيير وطنية في النمط الرأسمالي الوليد، الأمر الذي يؤهل العمال لذلك، عبر تحولات متصاعدة تاريخياً.

في روايته (سرفيتا) ينعطف بلزاك نحو جنس روائي يسميه (قصة من الدراسات الفلسفية) وهو جزءٌ من الملهاة الانسانية، وتمثل طبيعة مختلفة عن الأجزاء الأخرى من الملهاة، فالمكانُ الذي يغدو مكاناً للسرد ليس من تلك الأمكنة التي إختبرها بلزاك الممثلة لتطور البنية الاجتماعية الحديثة، فهنا ليس ثمة مدينة ولا ريف، بل صقيع، وجزءٌ ناء من شمال أوربا حيث النرويج لا تزال في ضباب التطور الحديث.

فهو كما ينعطف نحو جنس روائي مختلف ينعطف نحو بُنية مختلفة، بُنية ما قبل الرأسمالية الحديثة.

الافتتاحيةُ وعتبةُ الروايةِ المتوجهة نحو البؤرة تصورُ بشكلٍ آخاذ طبيعة النرويج:

(فالبحر يتغلغل في كل مكان، لكن الصخور تتشقق فيها بشكل مغاير وجروفها الصاخبة تتحدى التعابير الغريبة للهندسة، هنا صخر قد تسنن لمنشار، وهناك موائدٌ كثيرةُ الاستقامة لم تعان من إقامة الثلوج فوقها ولا من ذوائب شجرات التنوب الشمالية المهيبة)، ص 6، سرفيتا، وزارة الثقافة السورية 2001.

هذا الوصفُ المطول لمشهد الطبيعة ينزلُ إلى السكان:

(في أسفل جبال جرافيس تقبعُ القريةُ المؤلفة من نحو مئتي بيت من الخشب، حيث يعيش سكان ضائعون، كما تضيعُ قفائرُ نحل في غابة، وهم يواصلون العيش دون أن يتزايدوا أو يتناقصوا ساعين وراء تحصيل معيشتهم من قلب تلك الطبيعة المتوحشة)، السابق ص9.

هو إختيار لمشهد مجّمد عن حراك التاريخ الاجتماعي، كعتبةٍ نحو البؤرة الروائية، التي تظهر فجأة على قمة هذا الجبل الذي لم يصل أحدٌ إليها!

التكوين الطبيعي الساحر يقود للتكوين البشري السحري، والساردُ المؤلفُ الدائمُ الحضور سابقاً في العروض الاجتماعية يتحولُ لعرضٍ فكري:

(إن كل مبدأ متطرف يحملُ في ذاته مظهرَ النفي وعلائم الموت: أليست الحياة صراعاً بين قوتين: فليس هناك ما يغدر بالحياة. قدرة واحدة تسود دون معارضة هي قوة الجليد غير المنتجة)، ص 14.

هذا التحليلُ غيرُ التاريخي المجردِ سيحوله المؤلفُ لطبيعةٍ إجتماعية مجردةٍ غيرِ قابلةٍ لنفاذِ التناقضات الاجتماعية.

شخصيتان تظهران فجأة في تلك القمة الجبلية الصقيعية، وهو ظهورٌ غير موضوعي فنياً، بل من قبلِ الإرادةِ الحرةِ للسارد، المتداخلة مع الإرادة الحرة المُتخليَّة للإله:

(في صبيحة يوم كانت الشمس تلتمع فيه.. مر شخصان على الخليج وعبراه وطارا.. فارتفعا نحو القمة وقفزا من إفريز إلى إفريز).

نرى المنزلقين الاثنين اللذين يصعدان الجبال: سرافيتوس وسرفيتا. كائنان كما أنهما يخرقان نواميسَ الطبيعة الجبلية كذلك يخترقان نواميسَ الجنس والعيش العادي.

(قالت وقد بدرت منها حركةٌ ميكانيكية لترمي بنفسها: إنني أموت يا حبيبي سرافيتوس.. فنفخَ سرافيتوس برفق على جبينها وعينها؛ فبدت فجأة كمسافر تمتعَ بحمامٍ منعش). ص 17 .

سرافيتوس حين نفخَ فجأةً غيّرَ شعور سرفيتا. (تقول من أنت لتكون لك هذه القوة فوق قوة البشر وأنت في هذا العمر؟) ص 19.

كأن القوة الخارقة له هي من خرق ناموس العمر وليس خرق ناموس الطبيعة عامة.

الصوفيةُ تتدفقُ في كلام سرفيتوس:

(إن أردتِ أن تكوني نقيةً فضعي دائماً فكرة العلي القدير في عواطف الأرض) ص24 .

 يُبنى السردُ على تجريدٍ غرائبي يعطي لشخصياتِ السماويين إمكانيات عجائبية: عبور الجبال، والقيام بمعجزات، والعيش بين الأرض بتضاريسها القاسية والسماء بغموضها السرمدي المكتمل غيباً.

ويعتمدُ تصوير المعجزة السردية على تغلغل السماويين في البشر العاديين وجلبهم للخوارق التي يصنعونها.

لهذ فإن ولفرد الرجل المتغرب العائش في النرويج سيكون هو محطة التجريب العجائبي هذه.

فمينا التي بدأت بالالتحاق بالمعجزة الربانية المتجسدة في شخصية سرفيتوس عبر التأثير الخارق غير المرئي لنا، 

(إنت مثل الكمال المثبط للهمة). (لماذا تبعدني عنك، أريد أن تكون ثرواتي الأرضية لك، كما أن لك ثروة قلبي، ولا أرى النور إلا من خلال عينيك، كما يشتق فكري من فكرك)، ص 24.

لكن سرفيتوس لا يمكنه العيش على الأرض حيث الوضع متقلقل، فيريدُ السماء، ويعد مينا للالتقاء بها هناك!

يقول: (لا يمكننا أن نقيس المدى الواسع للفكر الإلهي فلسنا فيه سوى قسمة صغيرة بقدر ما الله كبير)، ص 25.

ويضيف (إن الإنسان ذاته ليس خلقاً نهائياً، وإلا ما كان الله موجوداً).

يقوم سرفيتوس بتنظيرِ صوفيةٍ تقيم تضادات كلية بين الإنسان والإله، بين العالم الموضوعي والعالم المتخيّل الغيبي. الإنسان يغدو عابراً، والمجردات أبدية. في حين إن الإنسان من نمط سرفيتوس يصنعونها في شروط مجردة، في عالم الثلج النرويجي، حيث الرأسمالية نائمة.

تسأله مينا: كيف وجدتَ الوقت لتتعلم كل هذه الأشياء؟ يقول إنه لا يتعلم بل يتذكر، يعيدُ إتصالَه بالغيب، بالفيضِ الإلهي فينزلُ في رأسه، في تضاريسِ المادة الخشنة.

الصوفيةُ التقليديةُ خاصة في العالم الشرقي هائلة ويعيدها بلزاك إلينا:

(إننا أحد أكبر منجزات الله. ألم يمنحنا القدرة على أن نعكس الطبيعة وأن نركزها فينا بالفكر، وأن نجعل منها مرقاة نحوه؟ إننا نتحاب بقدر ما تحويه أرواحنا من السماء قليلاً أو كثيراً.).

أنعطف بلزاك من كونه روائي قريب للمادية والواقعية وتحليل الصراعات الاجتماعية إلى كونه متصوفاً، يصورُ كائناتٍ خارقةً، وهذا التذبذبُ من الماديةِ بدون التوغل العميق فيها ثم القفز للمثالية غيرِ الموضوعية، وتلك العروض الفاحصة للكائنات الاجتماعية المخبرية ثم هذه القفزة للمطلق في زمنيةِ ما قبل الرأسمالية، تعبرُ عن أدوات وعي البرجوازي الصغير في جمعهِ بين المثالية والمادية، بين اللاواقعية والواقعية، بين الإقطاع والرأسمالية.

في رواية (سرفيتا) السابقة الذكر تعودُ عملياتِ التحول والنشؤ الأرضية لمصدرٍ سماوي، وحتى عمليات الفعل الإرادي من حبٍ وكره وأعمال أخرى تكون صدىً للسماء. وهي مثاليةٌ ذاتية، لا موضوعية، تعودُ بالفكر لما قبل التنوير وهيجل.

يدعو سرفيتوس (مينا) لتحبَ (ولفرد) القوي الإنساني، وحتى هذه الرغبة فهي جزءٌ من جدول السماء المُنزل (وُجدَ لكِ).

يقول: أطيعي الحواسَ وأشحبي مع الرجال الشاحبين.

تغدو القيثاراتُ وكلماتُ الشعراء والوجوه والأزهار كلها صدى للسماء. ويتحول سرفيتوس لضبابٍ إلهي. وهو يستطيع أن يخضع المادةَ ويسيطر عليها ويتجاوزها كما يفعل في قمة الجبل العالية الثلجية!

ينزلان إلى الأرض، فيصير سرفيتوس سرفيتا، وتبقى مينا فتاة، وتدخلان بيت الكاهن بيكر، حيث النص الديني المتوارث، الذي يحاول بيكر إنتصاره في هذه البيئة الصوفية الغامرة بدون نجاح.

يتحول سرفيتوس إلى سرفيتا وتعبر الأرض وتجثم في مرقدها قرب خادمها ديفيد العجوز.

هو سرفيتوس والخادم يراه فتاةً اسمها سرفيتا، حيث الروح العليا تحول الكائنات برهافةٍ شعرية.

حين تظهر سرفيتا بشكل مكتمل، وتستعيدُ طابعَها الأنثوي، يظهر ولفريد الرجل السائح المتغرب، والذي لا يريد أن يكّونَ علاقةً مع مينا بل مع سرفيتا، التي تروي له كيف ذهبتا للقمة الجبلية وقد كانت بشخص سرافيتوس. هذه التناسخية الفنية البلزاكية تجعل الشخوص من عجينةٍ مطاوعةٍ بيد السارد.

يلخص ولفرد الطريقة البلزاكية الخالقة هنا المتداخلة مع الخلق الميتافيزيقي:

(أنت لا تقبلين شيئاً من العالم، وتحطمين التسميات فيه، وتفجرين القوانين، والتقاليد، والعواطف والعلوم)، وكان يمكن أن يوجز: أنكِ تدمرين الواقعَ الموضوعي عبر الوهم.

وترد: (إنني لستُ امرأة، فأنت على خطأ بحبي).

وهي تتكلم بقدرة إلهية ثم تعود لتتكلم بصيغ أنثوية ممزقة تابعة للرجال، فتقيم تضاداً كلياً كذلك بين الرجال والنساء:

(يا للنساء المسكينات! إنني أرثي لهن) ولكن القدرات السحرية لا تفعل هنا شيئاً في تغيير الواقع.

 عبر هذا السرد الحدثي الشخوصي التجريدي يتوجه بلزاك للصوفية ويقيم تشكيلةً بشريةً وجودية من ثنائيات:

(فلسفتُهُ: ثنائيةُ الروحِ والجسم تصيرُ واحدةً مشتقة من فعل الصاعقة غير المرئي، بينما تتقاسمُ الأخرى مع الطبيعة الحساسة تلك الطبيعةَ الرخوة التي تتحدى الفناءَ مؤقتاً..). والتكويناتُ الميتافيزيقية تلجأُ للتعبير من خلال المادة الشعرية هنا.

يدخل بلزاك في نشوةٍ صوفية سردية محولاً النماذج إلى طيوف، والأرض الصلبة إلى بخار، فيذكر أن الأعراض:

(تشبه غالباً الحلم الذي يشغف به الترياقيون  حيث تغدو كل حليمة مركز نشوة مشعة). ص 44.

إنتقال بلزاك لهذا الجو الصوفي المضاد لواقعيته إستقاه من قراءته لأعمال سويدنبرغ الصوفية:

يعيش سويدنبرغ عالماً سماوياً وأرضياً، حيث يتكلم مع الملائكة ويعيش مع الناس في حياته اليومية!

الإعجاز ناتج حسب التفسير الرائج الديني عنه من ضخامةِ مؤلفاته وأعدادها الكثيرة وهو أمر يبرر طابعها السماوي المساعد!

وقد قام بلزاك بإدغام تصورات سويدنبرغ وعمل تحويرات في تصوراته مكيفاً إياها لرؤيته ولطبيعة النص الروائي، راجع الهامش في ص 67.

 (والاتحاد الذي يتم بين روح الحب وروح الحكمة يضعُ المخلوقَ في الحالة الإلهية حيث تكون روحُهُ امرأة وجسمُهُ رجلاً).

هذه خلاصةٌ لفلسفته التي سوف يجسدها بلزاك روائياً.

القدرات الخارقة لهفليتوس وسرفيتا الكائنين المختلفين المتوحدين العائدين للسماء، يدفعان المادي ولفرد للاقتناع العاطفي المتحمس للصوفية والاتحاد مع مينا.

يتكون هذا العمل من أثر المناطق التي تعيش ما قبل الرأسمالية، ما قبل الحداثة، حيث تلعب الأرياف الفرنسية كذلك دوراً مؤثراً في هذا، كذلك يظهر أثر التباين بين وعي الناس المختلف، حيث يعود الوعي الديني بعد فورة التنوير الملحدة الفرنسية، ولهذا يعود السارد لمرحلة الديانات الأولى وكيف هي باقية حتى الآن، وللمعجزات الخرافية وحادثة السِن الذهبية التي طلعت لصبي بشكل إعجازي، تبين بعد ذلك كما يقول الشارح في الهامش أنها سِنٌ ذهبية مُركبة، ويذكر الشارح إهتمامات بلزاك المبكرة بالتنجيم،(ص 83).

لكن المسألة تعود للوعي الديني المحافظ لبلزاك، الذي يساير الكاثوليكية وبالتالي الوعي الشائع، ويردد عبارات المدح للكتاب المحافظين في فترة الردة عن زمنية التنوير. (كما في رواية: آمال خائبة). 

إن بقاء الأفكار الدينية ومُثـُلها الأخلاقية يؤسسُّ أوضاعاً مستقرة للبشر لم تنجح الأفكارُ الثورية في تشكيل بناء إجتماعي علماني وعلمي قوي وثابت، ويغدو الكاتبُ البرجوازي الصغير في حالاتِ تذبذبٍ دائمة بين اليسار واليمين، بين مُثُل الثورة ومثل الثورة المضادة، بين الجمهورية والمَلكية، بين المادية والمثالية.

إن النصَ الروائي يخضع لهذا التذبذب الذي تحددُهُ لحظة الموقف والبنية الاجتماعية الثقافية المتأسسة في حينه، فهنا تحدد اللحظةُ والبُنية الاجتماعية ما قبل الرأسمالية وجود وحراك الشخصيات والأحداث، فالبناءُ التقليدي الديني والوعي الصوفي المستثمر من خلال سويدنبرغ الذي عبرَ عن ذلك المجتمع وكل التاريخ القروسطي والقديم تعاونا في خلق الموقف والشخوص، فبلزاك قارب سويدنبرغ، وهنا الحداثي البرجوازي الصغير يمضي لأقصى اليمين الروحي، وإستعانَ بأدواتِ فكرهِ الملغية للموضوعية والمادية المخترقة لها عبر الروح، ولهذا تم تكييف الأحداث والشخوص بمنهجها.

كما بقيت الأدواتُ المنهجيةُ التعبيرية بمستوى المادة الاجتماعية اليومية الفرنسية التحديثية بصراعها الليبرالي والمَلكي، أو الثوري والتقليدي، المترددة في بناء إجتماعي سياسي قلق لبرجوازية حديثة في طور التكون ما تزال، تعودُ هنا في النرويج لما قبل الحداثة، وتلغي تناقضات المرحلة الفرنسية البرجوازية الملكية، لتحيا على مفردات الإقطاع الثقافي الدينية.

الروايةُ تغدو ملحمةً برجوازية (شعبية) بقدرِ ما هي سردٌ يعبر عن صراع وتعاون الطبقتين الرئيسيتين في التاريخ الرأسمالي وهما البرجوازية والعمال.

إنها لا تغدو (ملحمةً) إذا كانت برجوازية صرفةً بخلاف ما يقول المنظر جورج لوكاش، فملحميتها تتطلب نقيضها الاجتماعي، تتطلب حضور الطبقة العاملة، وحين لا تحضر ولا يتوسع الرصد الفني للكل الاجتماعي تخفت الملحميةُ كما هو شأن روايات بلزاك الأخيرة حيث أن رصده للفئات البرجوازية والارستقراطية يغدو هو الشامل، ولم يقم برصدها في فترة ثورتها الشعبية، بشكل موسع سوى عبر رواية وحيدة تم رصدها في هذا التحليل وهي عن صراعات المَلكيين والجمهوريين على الحدود، أو برصدها عبر الصراع مع العمال.

إن عناوينه الجانبية للروايات مثل (دراسات فسلفية) و(مشاهد من حياة الريف) ومشاهد من الحياة الخاصة ودراسات طبائع ، تعطي جانبين متضادين، الأول هو قصص ذات رؤى مثالية مسبقة، ليس هي دراسات فلسفية، أما رواياتُ المشاهد فهي تصويرٌ واسع أو ضيق لشخوص وأحداث في ظرفٍ إقتصادي مدروس ومحلل ومسرود معاً.

هذه الثنائية الفكرية التعبيرية تجسد غياب رؤية البنية الاجتماعية بشكل مادي تاريخي، وإعتمادها على الملاحظات الاجتماعية والاقتصادية الشخصية، وهي التي تصلً حينا لسببياتٍ عميقة في البنية الاجتماعية في لحظة تاريخية محددة، وحيناً تسقطُ عليها رؤاها المثالية، فلا تصلُ لشيء من ذلك.

وهذا التباين يتواصل مع تطور كتابة المؤلف حيث لا ينتهي برؤية تحليلية تاريخية نموذجية، بفضل إعتماده على النماذج الجزئية المنسوخة من الواقع، فلا تغدو ثمة عملياتٌ فنية تعميمية، فيما الروايات المثالية تعتمد على البناء المثالي التجريدي أو الرومانسي الفردي.

وهذه الثنائيةُ ودلالاتها تعكس غياب الرؤية الفلسفية التحليلية لظاهرات المجتمع، وكما أن إلتصاق بلزاك بالقوى الإقطاعية البرجوازية المتداخلة، يبعده عن رؤية دور الطبقة العاملة فهو كذلك لا يقترب من المادية التاريخية التي كانت بعد مثل العمال في الممكن القادم بإنتظار التراكمات الفكرية الاجتماعية.

إن الرؤية التي يكونها وينتمي لها الروائي تتشكل في خلال تطوره الكتابي الشخصي، وفي البنية الاجتماعية في لحظتها التاريخية، وملحميتها وغناها يعتمد على ذلك.

 إن الروائي لا يستمر في تلحليل المجتمع مثل عودته للاسطورة، وهنا في الرواية التالية نجد عودته للرومانسية.

في رواية (الولد الملعون) التي تدور في الزمن الإقطاعي الصرف هيمنة النبيل المطلقة وهو النبيل المتوحش الذي لا ينتجُ حركةً حية إلا بشكل مرضي بولادة الابن المشوه والذي هام في الطبيعة، فيما لا تظهر الفئة المتوسطة جنين البرجوازية في إلا في الطبيب الفرد ذي الوعي الشامل.

 في هذه الرواية والتي تُرجمتْ عَربياً عبر وزارة الثقافة السورية، (دمشق 1992)، نقرأ هذه اللغةَ التفصيليةَ النحتيةَ في تكوينِ وحفر المشاهد، المقدمات التعبيرية التي تؤهلُ بلزاك للتغلغلِ في الُبنى الاجتماعية. إن لقطات الأم المقبلة على ولادة متعسرة مضنية والعائشة مع زوج إقطاعي متوحش، لتتواصل ببطءٍ شديدٍ عنيف، والمؤلفُ يرسمُ بدقةٍ بالغةٍ جسدَ الأم وصراخَها العنيف المكتوم داخلها، وتقلبها الهادئ الرزين في السرير، حيث يجثمُ الزوجُ الوحش، وكيف يستمر الطلقُ رهيباً، وكيف تكونُ الولادةُ في الشهر السابعِ جريمةً بالنسبة للزوج، حيث لن يجدَ سوى طفلٍ خديج.

الولادةُ المتعسرةُ توقظُ الأبَ، وشكلهُ البشعُ يقوم برسمه المؤلفُ بشكلٍ دقيق تفصيلي، ولكن الأبَ يطلبُ مجيء طبيب في المنطقة ليسرع بالتوليد في تحولٍ مفاجئ.

اللقطات تحفر تاريخ الشخصيتين الزوجة والزوج بشكل منفصل عن العالم، مثلما نسمعُ البحرَ وهو يدقُ جدران هذا القصر والصخور التي تحمله، ونتابعُ قصةَ المرأة التي تكاثرت أملاكُها الوراثية بسبب موتِ أقربائها في الحرب الدينية المشتعلة بين الكاثوليك والكلفانية البروتستانتية، مثلما نتابعَ إهتمامَ الزوج بهذه المرأة والسيطرة عليها وإبعاد صديقها والقضاء عليه، وحصر هذه المرأة في عالمه، وإنتظار خليفته وهو ابنه الوريث، لكن خليفته يظهر بهذا الشكل المشوه، وكأن الأمَ تريدُ القضاءَ على الصلة بالزوج.

هنا ثنائية تناقضية تصادمية في الجنس، فليس ثمة علاقة أخرى تجمع هذين الكائنين المتباعدين روحاً.

زمن الحياة هو زمن ما قبل الثورة الفرنسية، هو زمن الإقطاع، وهوهنا في هذه الرواية هو مجردُ إمتيازاتٍ إقطاعية، فالثروةُ لا تأتي للمرأة سوى عبر الحروب وبموتِ أهلِها، وبقيام الزوج بالاستيلاء عليها، لكن الروائي لا يقوم بتحليل المجتمع بل يركز على هذه الكائنات النادرة المفصولة.

وحتى تلك الحرب التي تحضرُ كخلفيةٍ تاريخيةٍ سلبية لا صلةَ إجتماعية لها في تلافيفِ العلاقاتِ الشخوصية والحدثيةِ الروائية، فهي حربٌ دينية، لكن فرنسا الكاثوليكية تحسمُ خيارها الديني وتلقي عملية الإصلاح الديني جانباً فيما قبل الثورة بسنوات طويلة.

إن عدمَ حضور السيرورة الطبقية التاريخية لفرنسا هنا في الرواية هو نتاجُ أسلوبِ المؤلفِ بلزاك، فهو يعرضُ الشخوصَ والأحداثَ في وحدةٍ تركيبيةٍ مشهدية دقيقة متصاعدة، إنه يحفرُ في الشخصيتين الأب والأم بشكل عابر نحو ولادة الابن الأول فالثاني، ويقومُ الطبيبُ الخبير في كل شيء بذلك الزمان بدور الخيط الرابط والسببية الخالقة، بإعتبار أن الثقافةَ هي الخلاقةُ الفعليةُ للنمو النبيل، وقد كان الطبيب في زمنية إنهيار العصور الوسطى ما يزال مجموعةً من العلوم والمهن، حيث  أن الطب هو موسوعة الثقافة كابن سينا في عصره، وفيه نجدُ الرياضياتَ والسحرَ والفلك، فيقومُ الطبيبُ بدور التوليد للأجساد وللعالم الرومانسي معاً، من حيث ولادة الابنين ومن حيث العلاج للأمراض الجسدية بل وحتى الاجتماعية حين يجعل الابن الأول المريض يتزوج من فتاةً أعدها له، وبهذا فهو ينقذُ العائلةَ من غياب وريثها ومن موت الابن الثاني القوي والذي وُلد طبيعياً في تسعة أشهر.

وفي حين إن العلاقات الإقطاعية من حروب تقضي على الابن الأصغر، تقوم الثقافة والحب بمعالجة أخطاءها، في رومانسية بلزاكية لإستمرارية الإقطاع العتيق غير المحلل.

إنها بنية فنية منغلقة في العائلة المعزولة عن الصراع الاجتماعي.

فنحن نرى الابنَ الأول المريض الهزيل يعيش طويلاً خارج القصر وقرب الطبيعة، ويغرق في الثقافة والموسيقى وحب الكائنات، مما يشكلُ وجهاً رومانسياً، مضاداً للعلاقات الاجتماعية الشريرة القبيحة في تهافت الأب على الأملاك والحروب، في حين يقع القبح في العلاقات الاجتماعية السائدة، في القصر والحروب وحكم الكنسية والملك هنري الرابع، وهي تعميمات لا نراها مجسدة إلا في سلوك الأب الإقطاعي القبيح الشرس، والذي يتفتقُ عن شراراتٍ إنسانية في ختام حياته.

تتوسع رواياتُ بلزاك في الفترة الأخيرة من حياته كرواية (النسيبة بت)، لكن هل غادر المنطلقات العامة التي تشبثَّ فيها؟

إن بؤرةَ الصدام بين مرحلةِ الثورةِ الفرنسية وعودةِ المَلكية لم تعد قادرةً على تغذيةِ التناقض الصراعي المتوتر، فالماضي الثوري غدا متجَّاوزاً، وبين بدايةِ العشرينيات ومنتصف الثلاثينيات من القرن التاسع عشر حدثت تطوراتٌ كبيرةٌ في البُنيةِ الاجتماعية الفرنسية، فلم تثمرْ عودةُ المَلكية في تصعيدِ الارستقراطية التي ذُبلتْ مواردُها وتحول بعضُها للرأسمالية وأنهارَ بعضُها الآخرُ للحضيض الاجتماعي كما رأينا في نماذج عدة، وراحت رواياتُ بلزاك تعرضُ هذه الأحداثَ والتطورات في مشهدياتٍ كثيرة راصدةٍ وجودَها الراهن، مبتعدةً عن الجذور والتوسع في طبقات أخرى.

لهذا فإن بؤرةَ التناقض زالت، والطبقتان المتعاديتان تداخلتا في بعض، فبعضُ قوى الماضي بقي في الإداراتِ الجديدة، وبعض قوى الحاضر الرأسمالي صعدَ للقمة، فالتناقضُ بين الطبقتين لم يعد قادراً على إشعال موقد التوتر الصراعي السردي، فالنماذجُ القديمة المضادةُ للارستقراطية ذابتْ وترسملت، وهي تلك النماذج الاستثنائية كالوكونيل شابير التي لم تعدْ تطفح على سطح الواقع لتثيرَ نيران التناقض. أن الطبقتين المتصارعتين طويلاً غدتا طبقة واحدة.

ولم يجد بلزاك تناقضاً إجتماعياً كبيراً في الحقل الاجتماعي يشتغل عليه بإتساع كما هو حال التناقض السابق، ولهذا نقرأُ روايةَ (النسيبة بت) في هذا الضوء.

إن ثمة شخصيات محورية من الزمن النابليوني لا تزالُ تتنفس ولكن في عالم مختلف.

أهمها البارون هيلو والسيد كروفيل، اللذان مثلا تلك الجماعة البونابراتية التي تغيرت سبلُها في العيش، ففيما صعد هيلو في الإدارة إلى مرتبة الوزارة وصار (نبيلاً) أعتمد كروفيل على التجارة الشعبية المذمومة في عرف الارستقراطيين لكنه حقق نجاحاً كبيراً.

لقد إصطدم نموذجا عهد الثورة الآفلة هيلو وكروفيل لكنهما إصطدما حول الاستئثار بعشيقات، وطوال أحداثِ روايةٍ كبيرة بحجم (سبعمائة صفحة من القطع الصغير في الترجمة العربية، عن دار عويدات ببيروت) وهو أمرٌ يعبر عن تحلل هذه الفئة، وتقوقعها حول ذواتها وبدون أن تخوض معارك تحولية جديدة في المجتمع، فيما تبقت نماذج نادرةٌ من العهد السابق منقذةً ومُحتفظةً بشرفها الجمهوري.

إن العتبات الأولى في الرواية البلزاكية المعتادة الموجهة نحو بؤرة الرواية تختفي في رواية (النسيبة بت)، فالبؤرةُ الروائية تظهرُ منذ البداية حيث نرى زيارة كروفيل لبيت البارون هيلو ولقائه بزوجته البارونة (أدلين) حيث يراودها عن نفسها عارضاً بوقاحة مزايا مادية كبيرة، إنتقاماً من زوجها الذي خطفَ عشيقته المغنية!

أدلين المرأة المتقدمة في السن والمحتفظة بجمالها ترفض ذلك إيماناً منها بالمُثُل المسيحية وحباً في زوجها رغم معرفتها بخيانته.

هذه اللحظة الافتتاحية الواسعة المتحركة بين البيت ذي الأثاث القديم الرثِ والحديقة، تتضافرُ مع حركةِ النسيبة بِت ومراقبتها الفضولية وهي التي تجلسُ مع الابنة أورتنس، ومن هنا تبدأ الخيوطُ في الظهور والانسياح في كافة الاتجاهات الحدثية.

النسيبةُ بِت التي تتخذُ الرواية من اسمها عنواناً، قادمة هي الأخرى من الريف كذات عائلة النبيل فيلو التي لم تكن نبيلة لكن خدماتها للثورة ونابليون صعدتها، لكن بِت لا تزال فقيرةً وهي منمطمةٌ ومعقدةٌ ومليئة بالحقد والتظاهرِ كذلك بفعلِ الخير وخدمة العائلة في الوقت التي تقوم بنخرها، أنها نموذج البرجوازي الصغير المدمر، وهي تعقدُ علاقةً مع مهاجر فنان بولندي هارب من بلده أثر ثورة فاشلة، وهو يقدمُ على الانتحار لكنها تنقذه وتتملكهُ كعبد وتدعي تطويره، وهو يرضخ لارادتها ويتغير، فتسيطرُ عليه مؤقتاً، ريثما يحب بشكل حقيقي ابنة فيلو البارون (اورتنس)، ويفلت من شبكة بِت، ليقعَ في شبكة أخطر هي شبكة الجميلة البغي التي يقع معظم رجال الرواية في حبها، وتصطادهم وتعطيهم مواعيد مختلفة، وتستفيد من أمكنة متعددة، فيما بيتها هو مكان الحفلات والعلاقات.

 محور الرواية شخصية فيلو البارون تترابط خيوطُها مع زوجته وابنته وعشيقته الجديدة التي يجمع الأموال من أية جهة وخاصة من مورد عائلته، ومن جهاز الدولة، ومن مساعدة قريب له هو (خاله) الذي يسافر للجزائر التي خضعت للاستعمار الفرنسي حينئذٍ ويضاربُ في قمح الدولة ويتعرض للسجن فينتحر، ينتزع هيلو البارون أي مال لكي يلقيه في حريق شهواته الذي لا ينطفئ حتى آخر سطر من الرواية.

فيما منافسه كروفيل يلاحقه ويكتشف علاقته بـ(السيدة مارنيف) فُيغيرُ على المكان ويلقي شباكه على تلك المرأة الفاتنة التي تصطاده وتسحب جزءً كبيراً من ثروته.

فيما تقوم النسيبة بت بحبك المؤامرات لمن تستفيد منه، وهي تشعر بالغبن حين يتخلى عنها الفنان البولندي ويتزوج أورتنس فتتزعزع العلاقات داخل الأسرة، التي لا تنتبه لهذا وينحدر الأب فيها لمهاوى الأفلاس ويتبرأُ منه أخوه المحتفظ بالمُثُل القديمة ويطرده من الوظيفة، ويعيش متخفياً في أمكنة حقيرة، ويظل يطارد البنات الصغيرات ويموت على هذا.

شبكةٌ كبيرةٌ من الشخصيات والعلاقات وهي كلها تدور في الحاضر، وبالسرد المباشر، المتصاعد، وتغدو الالتفاتات للماضي محدودةً وتجري من قبل الراوي المسيطر المهيمن على السرد، حيث يقدم خلفيات للشخوص والأحداث ويهتم إهتماماً شديداً بكمِ النقود التي يحصلون عليها بدقة شديدة، ووظائف تحصيل هذه الدخول، والبيوت التي يسكنون فيها، والتغييرات المعمارية التي تستجد وفواتيرها، ومن يربح في هذه الدخول ومن يخسر، وكيف تتسبب الميزانيات في الصعود أو الانهيار للشخصيات المختلفة.

يقدم بلزاك الشخصيات والأحداث بإنسيابية عفوية، فليس ثمة عقدة كبيرة، بقدر ما هي شهوات بعض الرجال الحادة التي تعبرُ عن فراغ روحي فكري، وهي كلها ضمن الطبقة السائدة التي بدا أنها تراكمُ الثروةَ من قبل الفرع البرجوازي وتخسر الثروة في الفرع الارستقراطي، الذي لم يستطع إنتاج مهن جديدة.

فيما كانت الشخصيات التي تبيع قوة عملها، كِبت التي تعملُ خادمةً ثم تستغل موهبتها في الخداع والدس في جمع ثروة، فهي أشبه بحشرة سامة متسلقة، فيما الفنان  (لونسيسلاس) يبيعُ مادةَ موهبته المحدودة التي لا يثريها بالتواضع والدرس فتذبل.

فيما الغواني يعشنَّ على الجمال الذي يزول بكوارث، فستفيد الشخصيات الحشرات العالقة من هذه الكائنات كزوج ( السيدة مارنيف).

هذا العرض الواسع المتشابك للشخوص وتطورات الأحداث ينمو بصدامات غير جوهرية في البناء الاجتماعي، فالعاشقان الغنيان المتصارعان عبر البيوت والشقق والحفلات والهدايا ونسج العلاقات الجزئية الأخرى لنفس البؤرة يخثران السرد في هذه التطورات غير الدرامية، ولا تضيف الشخصيات الثانوية حطباً لهذه النار الخافتة، والجميع يتحلل ويذوب وتتحول الأمكنة من البيوت والفلل الكبيرة إلى الشقق الصغيرة والحارات الشعبية.

تناقض الطبقتين الارستقراطية والبرجوازية الذي تغذى به روي بلزاك في رواياته الاجتماعية القصيرة المكثفة يُفتقدُ بشكل متواصلٍ مع غيابِ أساسه الاجتماعي، وإندماج الطبقتين اللتين غدتا طبقةً واحدة من أصول مختلفة، ويظل الصراع على طبيعة المَلكية حيث تعبر عن بقايا الارستقراطية التي لم تعد مطلوبة ولكن بلزاك لا يتعرض الصراعات التاريخية بل يدرس مشاهد إجتماعية قاطعاً إياها عن سيرورتها وتطوراتها اللاحقة وهو منهج يحيل الحبكة إلى درس موضعي، ومن هنا يقوم بتهّميش أفرادَ الطبقة العاملة فتظهر على هيئة أفراد تابعين وممسوخين، ولهذا تغدو هي المفقود الاجتماعي في هذا العرض البلزاكي الواسع والتي هي القادرة في حضورها على تأجيج التناقض فنياً كما تفعل ذلك إجتماعياً وسياسياً، ولهذا تغدو رواية بلزاك رواية برجوازية عائلية تفتقد الصدامات الاجتماعية الواسعة.

http://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?aid=345249

http://www.alraafed.com/2017/05/19/8751/

http://www.akhbar-alkhaleej.com/12744/article/7250.html

‏‏عبـــــــدالله خلــــــــيفة: بلزاك: الروايةُ والثورةُ

دوستويفسكي: الروايةُ والاضطهادُ

  فيدور ميخايلوفيتش دوستويفسكي (1821-1881) من مشاهير الكتاب الروس العالميين، ابنُ فئةٍ متوسطة، تمكنَّ من التحصيل العلمي الجيد، (كانت المنطقة التي يعمل فيها والده الطبيب شديدة الفقر والتأثير على وعيه كصبي: كانت المستشفى مقامة في أحد أسوأ أحياء موسكو. حيث كان يحتوي هذا الحي على مقبرة للمجرمين، ومحمية للمجانين، ودار ايتام للأطفال المتخلى عنهم من قبل أهاليهم)، موسوعة ويكيبيديا.

كان ارتباطهُ بحركةٍ اشتراكية خيالية قفزةً كبيرة في حياته مثلّت أقصى اليسار الذي وصل إليه، وفي هذه الفترة كانت ثوراتُ العمال في أوروبا (1848)، فقامت الشرطةُ القيصرية بإلقاء القبض على المجموعة، وجاءت معاناةُ دوستويفسكي المريرة في السجن والتي تركت بصماتها الساحقة على رؤيته.

لقد تدلى حبلُ المشنقةِ حول رأسه وحُوصر في السجن ومنطقة سيبيريا، وسُمح له بعد سنوات بالاستقرار في المدن. هذه الحياةُ في الزنزانةُ تركت آثارَها العميقةَ على كتاباته وكوت روحَهُ بمطلب الحرية لشعبه.

في بداياتهِ التأليفية توجه إلى الأعمال التاريخية الكبيرة، مقتدياً بشكسبير وشيلر وفيكتور هوجو، واتخذت هذه الأعمالُ غيرُ المنشورةِ طابعاً رومانسياً، معبرةً عن توجهه نحو قضايا كبرى تعيشها شخصياتُ الملوك ورجالُ الدين وغيرهم، متحدثاً في رسائله لأخيه عن أعمال مليئة بالشخصيات العملاقة والتصادمات الكونية، لكن هذه الأعمال تناقضتْ ورؤيته المدفونة تحت اللا وعي، فتحدث عن أهميةِ قراءة الصحف ودورها في إشعال الكتابة، وأهمية التفاصيل والأحداث اليومية، ولهذا حين ظهرت روايةُ غوغول (المعطف) قال كلنا خرجنا من تحت معطف غوغول.

الاتجاه نحو الحياة الواقعية بحسب هذه الرؤية المتشكلة خلال سنوات التجريب التاريخي المسرحي ومعاناة السجن وذكريات الأسرة والحي والوعي الإيديولوجي توجهتْ به نحو كائناتٍ بشرية معينة، فمعطفُ غوغول يشيرُ إلى المسكين العاجز عن شراء المعطف وهو يتخيلُهُ حتى يتقصمه ويلبسه ويحلق به، إن المسكنةَ والفقر والانسحاق هي علاماتُ الشعب الروسي في الحكم القيصري القاسي، وهي المسيحيةُ التقليدية، وإذ يحاول دوستويفسكي الطيرانَ بالفكر الاشتراكي الخيالي ويتحطم تحت صخرة النظام في شتاءات سيبيريا وعزلتها وشظفها وحرمانها من الفرح، وينتزعُ فكرةَ الثورة من نفسه ويعيش ذل الفقراء ويتعمدُ روحياً بالمسيحية تتالى رواياتُهُ في كلِ حياته عن هذه الثيمة المريرة: ذكرياتٌ من بيت الموتى، ومذكراتٌ من أعماق الأرض (الإنسان الصرصار)، ومذلون مهانون، والزوج الأبدي الخ.

العلاقاتُ الرومانسية بينه وبين شكسبير وشيلر وفيكتور هوجو التي تحددُ أفقَهُ العامَ المثالي الواقعي، الجامع بين المحبة المسيحية والاشتراكية العاطفية، ستغدو منحى متوارياً يكشف صراعات عميقة روحية غير محلولة في عالم بلا صراع طبقي، لكن ما هي القسمات الفنية الفكرية الداخلية لعالمه؟

إن روسيا الإقطاعيةَ التي تجرجرُ علاقاتٍ عبوديةً ما تزالُ مثقلةً بالتخلف ولم تزلْ العلاقاتُ الرأسمالية المتغلغلةُ حديثاً لا تمثللا نقيضاً ذا أهمية.

في هذا المحتوى الاجتماعي التاريخي الأساسي حيث التخلف وشكل الانتاجِ الفظ الرثِ ليس ثمة قوة تغيير نضالية مؤثرة، وبين الاشتراكيةِ الخيالية والإرهاب الشعبي صلاتٌ خفية يربطها غيابُ طبقاتٍ مدنية مهمة مؤثرة، فتغدو الأحلامُ وأشكال الإرهاب الفردية أساس المعارضة.

هذا المحتوى الاجتماعي التاريخي تعكسه رواياتُ دوستويفسكي بشكل عام، ففي تحوله عن الجماعاتِ المعارضة العنفية تغدو الثورةُ وتحليلُ الصراع الطبقي فنياً مَنفيين من عالمه، ونقد وتعرية الرأسمالية غير ممكنين، وقد كان عالمه الفلاحي مغيّباً، فانقطع عن صراعاتِ البنية الاجتماعية الأساسية.

لكنه فنانٌ مهتم بنمو الرأسمالية بشكل خاص، فقد كانت علاقته ببلزاك ناقد الرأسمالية الأكبر بذلك المستوى التحليلي الجزئي، وطيدةً، فقد ترجم روايةً له، وغدت أعماله متأثرة بقوة ببلزاك حيث اقتبس العديد من الموتيفات الفنية منه.

 (لقد تم أكثر من مرة، الكشف عن كل الأعمال الأدبية التي استطاع أن يأخذ منها دوستييفسكي خطة عمله. إن بإمكاننا أن نعثر في كتب لـ.كروسمان على تحليل مفصل لهذه المنابع. لقد اعتقد لـ. كروسمان إن رواية بلزاك تستطيع أن تشكل هذا النبع!)، نظرية الأدب، تأليف عدد من الباحثين السوفييت المختصين بنظرية الأدب والأدب العالمي، وزارة الثقافة العراقية، 1980، ص 360.

إن بلزاك المفعم بتحليلِ الرأسمالية لن يعطي دوستويفسكي هنا شيئاً، فالرأسماليةُ الروسيةُ ضئيلة، و الأشكالِ المالية الواسعة كافةُ في فرنسا ليست بذات الحضور في روسيا الإقطاعية- العبودية التي تتحرك حينئذ ببطء في الرأسمالية، ولهذا كانت استفادة دوستويفسكي من بلزاك استفادة اجتماعية شخوصية، ولكن الرأسمالية المبكرة هذه، الصقر الذي يحوم على جثة روسيا الإقطاعية، ستتجلى في أعماله كذلك بحجمها المقّزم، ولهذا سنجد العناوين ذات دلالة أولى: في رواية (الجريمة والعقاب): تدور الحبكةُ حول قتل مرابية، حيث يعني ذلك الاعتداء على رأس المال المُضمَّر، المهاجَّم، وحيث البطل يبحثُ عن رأس المال ليقوم بتغيير اجتماعي ضيق كما يدعي. وفي رواية (المراهق) يحلمُ البطلُ أن يكون روتشيلد المليونير، هذه هي (فكرته) المحورية كما يعيش ويفكر. وفي رواية (المقامر) يبحث البطل عن الثروة من خلال القمار. هذه روايات القمة حيث أخذت العلاقات المالية تلح بقوة على الوعي الفني للمؤلف.

لكن أغلبية الجمهور لا تعيش في علاقات رأسمالية، إنه جمهور ينهار في القمة الارستقراطية وسيكون حشدُ الشخصيات من هذا التحلل العلوي، فيما الطبقاتُ الشعبية تخرج من القنانة، ولم تعش بعد أعماق الرأسمالية، ويصطدم هذان المستويان بأشكال شتى.

ولغياب هذا الصراع الطبقي الحديث، فإن الصراعات تبرز في المستوى الاجتماعي، وخاصةً في بؤرته بؤرة العائلة.

في بؤرة العائلة تتكشف صراعاتُ المجتمع وتحلله، وعجزه عن التقدم المتطور، وهي صراعاتٌ تعبر عن رؤية المؤلف المنسحب من تحليل الطبقات وصراعها، حيث تغدو له هذه المواد العائلية المضطربة في أوار التحول الهائل لروسيا مادةً تحتية لأبنيةٍ فنيةٍ تحليلية روحية ونفسية وفكرية ذات ظلال متوارية بعيدة. ولهذا فإن هذه التحليلات تغدو معلقةً في فضاءٍ مجرد، لا تُرى في سيرورة النظام الإقطاعي المتحلل، ولا تتغلغلُ فيه لرؤية العلاقات الرأسمالية الجديدة النافية له، ولهذا فإن آراء الكاتب الإيديولوجية المضطربة لا تسيطر على التحليلات الاجتماعية الروحية، حيث يتم التغلغل في الشخوص والعلاقات والاضطرابات في مستواها الفردي الجماعي.

إن الماضي والمستقبل لا يظهران، والواقع لا سيرورة تاريخية له، وهناك التحليل المَوضعي للحدث، وللشخصية، والذي يقود إلى شبكةٍ واسعة من الأحداث والشخصيات، تبين ذلك التحلل الإقطاعي، في غياب الأفق المستقبلي، وفي غياب منظومة اجتماعية أخرى صاعدة.

يعيشُ دوستويفسكي في زنزانةٍ بعد أن سُجنَ وتنحى عن الوعي الاشتراكي. إن سردَهُ يتجنبُ التحليلَ الاجتماعي السياسي والتحليل التاريخي، فيغدو خالياً من الجذور الروائية لكنه عوّض عن قراءةِ الجذور الصراعية الطبقية والتاريخية التي تخرجُهُ من الزنزانة التي يعيشُ فيها، أو تدخلهُ إليها مرة أخرى، بأدواتٍ غيرِ مسبوقةٍ في العروض الروائية لأجلِ كشفِ السجن الروسي الكبير.

إن خلق الشخصيات الدرامية المتوترة النارية هي بدايةُ الشكل، وبأن تُوضع هذه الشخصيات في حبكةٍ اصطدامية واسعة، فتتتفجرُ الحواراتُ والشرارات منها، فتتعرى، وتفضحُ نفسَها وتفضحُ الشخصيات الأخرى، في مساراتِ عذابٍ مشتركة، لكي يتجلى ما هو إنساني فيها، في ظلِ أيديولوجيا مسيحية قومية روسية، غارفةٍ من كل ما في التراث الغربي المسيحي الإنساني عبر ومضاتٍ مشعة مسلطة على تلك الصراعات الراهنة.

إن صراعات الشخصيات تُوضعُ في مشهدياتٍ مكانية محددة لأجل تفجر تلك الومضات النفسية الفكرية، ولهذا فمشاهدُ الطرق العامةِ والساحاتِ مشاهدٌ تمهيدية موصلةٌ للداخل، حيث الغرف المنزلية والممرات وشقق الفنادق والصالات البيتية مواقع الصراعات تلك. إن تناقضَ الشخصياتِ الرئيسية التي تشكلُ محور الرواية تتجلى في دهاليز تلك الأمكنة، فهي تقربُها وجهاً لوجه وتتكشف تناقضاتها المشتركة، وتُحدثُ نتائجَ وموجات تأثير متعددة راهنة وتالية.

إن غيابَ الجذورِ الطبقية والتاريخية التحليلية التي يؤدي حضورها للتحليل المواجهِ للنظام القيصري، يُستعاضلا عنها بتلك الفنيةِ التي تكشفُ القشرةَ الشخوصية السائدة الأيديولوجية سواءً لزيفها أم لقصورها، بإعتبارها هي بؤرة التغيير المنتظر.

ولهذا فإن تلك القشرة الشخوصية تُؤخذ من الأنماطِ السائدة، وهي تلك الحاضرة بقوةٍ في الزمن الأيديولوجي الاجتماعي، عبر كشفِ تناقضاتها، وحيث يظهر الممكن النضالي المتراكم القادر على تجاوز البنية الاجتماعية السياسية القيصرية والبشرية السيئة عامة.

الشخصياتُ الأيديولوجية المركزيةُ هي أجنةُ ظرفها التاريخي، فهي عند لحظةٍ معينة من سيرورةِ روسيا والبشرية، تُؤخذ بشكلٍ تجريدي تاريخي عام، فالمؤلفُ يجردُ التاريخَ من تشكيلاته، ومن الصراعات الطبقية الموضوعية، ويجعلها في صراعٍ مجرد عام بين المستغلِّين والناس العاملين، ويُجري الصدامات بينها لكشف المحتوى الأيديولوجي السلبي السيء، المعرقل للتطور.

وهذا الكشف يجري في خطةٍ واسعة، مليئة بالتداخلات، والمفاجآت الميلودرامية والدرامية، وتُستخدم فيها أشكالُ الاعتراف والرسائل والمنولوجات والأحلام والحوارات المباشرة والخطب الدينية والفكرية.

إن دور الهيكل الحدثي الشخوصي هو عَصرُ ما في لحمِ وعظم هذه الشخصيات من مشاعر ووعي مباشر، وتقطيره عبر الفصول.

وهو هيكلٌ ليس مكثفاً مختزلاً إلا في الأعمال الأولى حيث الفكرة لم تتوسع وتتعمقْ بعد، بل هو هيكلٌ يحوطُهُ الكثير من القصص الجانبية وتخترقه مشهدياتٌ كثيرة عابرة.

إن «جرجرة» هذه الشخصيات لمعامل التحليل النفسية الفكرية، تجري داخل تلك الزنزانة الكبرى حيث يجري التعذيبُ العام المتعدد الأشكال والدرجات، من الإلقاءِ الطويل في الزنزانات الحقيقية كما في (ذكريات من بيت الموتى)، إلى المطاردة والتجسس وضرب الأطفال بقسوة وجرائم القتل المُعدّة بتخطيط ماهر في ظل كوابيس، والانتحارات الرهيبة التي تجري كفواصل بين مشاهد العذاب، إلى الاعترافات المذهلة المُعرِّية، التي تنقلُ الأحداثَ والشخصيات لمستوى جديد، إلى الحواراتِ العادية المبتذلة لبعض العامة المعبرة عن مستوى مضاد مستنقعي راكد للوعي أو رمزي، ويظهر ذلك في تضاد مع حرقةِ النخبة وصراعاتها المريرة، إلى انفجارات بعض الشخصيات العامية واحتراقها السريع، إلى هذيانات وأحلام المشوشين والسكارى والمومسات والمرضى الخ..

إن هذه وغيرها من الوسائل التعبيرية لا تُعوضُ عن التحليلات الفنية الطبقية والتاريخية العميقة التي تأتي لدى مؤلفين كبار آخرين مغنية للشخوص والمشاهد عبر تقارير مكثفة وافتتاحيات، لكن دوستويفسكي يعوضُ ذلك أيضاً بحواراتٍ مقتضبة في السياسة والأيديولوجيا تتخللُ تلك المشاهد وعروض الشخوص المسيطرة فيقومُ بربطٍ محدود وامض متروك للقارئ.

إن الشكل يترابط والمضمون، والبنيةُ التعبيريةُ تتطورُ مع الرؤية التي تتعمق لديه، ولهذا فإن حجمَ الروايات يتبدل من الحجم الصغير والمتوسط إلى الحجم الكبير، مثل الانتقال من حجم (الإنسان الصرصار) و(الزوج الأبدي) إلى (الجريمة والعقاب) و(الأخوة كرامازوف).

تطورُ الحجم يعبرُ عن توسع المشاهد وإغناء الشخصيات، ورؤية التعدد في الرؤى والاختلافات في تبصر الواقع والتاريخ.

إن الروايات القصيرة تنتقلُ من العروض الجانبية للواقع الأيديولوجي المركزي، إلى قلبِ هذا الواقع المتخيّل المؤدلج من قبل المؤلف.

إن حشودَ المشهديات والشخوص المتكاثرة تتم السيطرة عليها بتخطيطات مدهشة، تعبرُ عن رؤيةٍ قومية دينية تسامحية، عبر تصعيدِ نموذج البرجوازية الضبابي، الجامع بين رب العمل والكادح في أخوةٍ غير متبلورة في وعي المؤلف فكرياً، وسياسياً، وتتشكلُ من خلال روسنة المسيحية، وعدمِ تكرارِ علمنة الغرب في تلك اللحظة التاريخية من القرن التاسع عشر، عبر هذا الصليب الروائي الكبير الذي يصنعهُ دوستويفسكي. إن هذه الروايات عبارةٌ عن صُلبان إبداعيةٍ تطهيرية يَتملا فيها الجَلدُ والامتاع، الفهمُ والتعذيب، الحفرُ في الجلْدِ والسمو في الروح.

 مع تغييبِ دوستويفسكي للصراع الطبقي كمحركٍ موضوعي للمجتمع ما هو البديل الذي يتشكل من خلال وعيه الإيديولوجي المثالي المسيحي؟

 إن التماثلَ الجوهري بين أقانيم المسيحية؛ الأب والابن والروح القدس في السماء، يستحيلُ صراعاً بين قوى الحياة الجوهرية اللاتاريخية، وهي قوى العائلة على الأرض.

 إن الإيمان بالأب، بالإله، هو شرطُ هذا الوجود من خلال عدسة دوستويفسكي، فبدونه تنفصم عراه، وتنهد أركانه.

 إن هذا يتحول لديه إلى رؤية مثالية غيبية قومية، مؤسسِّةً للطبيعة ووجود الإنسان، وهذا الإسقاطُ غيرُ فلسفي سببي، ولهذا تنقطعُ العلاقاتُ بين الإله والطبيعة من خلال العلوم، وتنقطع حسب وعي دوستويفسكي العلاقةُ بين الطبيعة والمجتمع والإنسان حسب قوانين الصراع الطبقي، وسيطرح داخل هذه الرواية ضرورة الإيمان بالله بشكل فلسفي وهو أمرٌ متطور عن الرؤية التقليدية للدين غير أنه غير كاف، (المراهق الجزء الثاني، ص 349، طبعة دار رادوغا، موسكو).

 سيرورةُ المجتمع الروسي منتفيةٌ، غيرُ مدروسةٍ وغيرُ معروضةٍ في سياقِ جذورِ الشخوص والبُنى الفنية، وتنحصر السيرورةُ في العائلة، حيث الأب من جهة، وكائناته المخلوقة منه من جهة أخرى.

 إن العائلة بشكلها الأبوي السائد روسياً ترتكزُ إيديولوجياً على وعي ديني محافظ، وعلى مذهبية دينية متزمتة معبرة عن قسم من المسيحية لا يزالُ إقطاعياً، ولهذا تظهر السطوةُ بشكليها العلوي والأبوي الأرضي، وهذا الإيمان الذي يكرسُهُ المؤلفُ ينقدهُ ويحلله على مستوى الحياة الأرضية الواقعية عبر وعي تجريبي مثالي، ولا يكشف جذروه في الأرض.

 إن سطوة الآباء تتجسد في الأبناء، وإن مسلسل التعذيب والاضطهاد الاجتماعي العام يتأسسُ في هذه العلاقة الأساسية، بخلاف المصدر العلوي حيث الحب، كما يُفهم ذلك بحسب هذا الوعي المثالي.

 إن عالمَ الزنزانة هو عالمُ الاضطهاد والمضطَهدين، وهو عالم الشعب الروسي في الراهن الروائي، ولهذا فإن كل كائن محكوم منه بثنائية أن يُعذِّب أو يُعذَّب. إن أسواط العذاب تُسمعُ في كل مكان. وأساسُ تكونِها هو في العائلة.

 في الروايات الأولى القصيرة والمتوسطة يظهر موتيف الأب والابن بسيطاً وربما لا يوجد وربما غير شامل ومهيمن كلياً، لكنه يتصاعد في الظهور والسيطرة على البنية الفنية الفكرية.

 ففي رواية (الزوج الأبدي) يجيء البطل (فالتشانينوف) إلى مدينة بطرسبرج من أجل قضيةِ ورثٍ في المحكمة ويتعب في دهاليز المحاكم، ولكن فجأة تنمو أعراضُ مرض نفسي غريب به، بدأ بالارهاق والتعب ثم صار استعادة لذكريات مقبضةٍ مريرة في حياته حتى سيطرت عليه سوداوية حادة!

 تنمو الحبكةُ وهو في هذا المزاج القاتم ثم تتكرسلا من وجود شخص ما يلاحقهُ ويلبس قبعةً سوداء دليل حزنه على ميتٍ ما. وهذا الشخص الذي يدور حوله يظهر بقوة ويقتحم حياته بفظاظة، ويسببلا له قلقا وعذاباً مضنياً، ثم يتسرب إلى منزله ثقيلاً متعباً، ويتعرف فيه على صديق قديم كان التقى معه في سنوات خلت.

 إن تعذيبه الأولي لنفسه عبر الاسترجاع لأعماله السلبية لم يصل الى المحطة الرئيسية فيها حين كان يغوي الزوجات ويهدم البيوت! وهذا الشبح الذي يطاردُهُ ذو القبعة ذات الشريط الأسود هو رجلٌ ليس حزيناً على زوجته المتوفية قبل فترة قصيرة بل هو رجلٌ يريد استثمار هذه الوفاة من أحد عشاق زوجته المتوفاة! وخاصة أنه يحمل ثمرةً آدمية من جراء تلك العلاقة الآثمة!

 إن (فالتشانينوف) لا يعرف ما جرى للزوجة بعد أن هجرها وخاصة ولادة الطفلة، وحين يقتحم الزوجُ الأبدي حياتَهُ لا يذكره بكل ذلك الماضي المشين لهما معاً، فهو يطمع في ابتزازه بدهاء!

 إن هذا التعذيب المتبادل ليس شاملاً، عاصفاً، فأبوةُ (فالتشانينوف) لم تكن موجودة، فهي أبوةٌ مضمرة، والبطل رجل ذاتي أناني كرس نفسه للملذات، وإذا عاش لحظة سوداوية الآن لم تصل للكوابيس المروعة، إلا في جزء ضئيل حين قام الزوج الأبدي بتعذيب الطفلة ومحاولة استغلالها تجاه أبيها المفترض، لكن الأب لم يكن أباً، ولهذا فإن العلاقةَ بين الأب والابن لم تتشكل هنا بقوة وعمق.

 تتبدى هذه السيرورةُ الروائيةُ على هيئةِ مفاجآت، وهي تتحول لرحلات عذاب متعددة، للزوج الأبدي المتذكر علاقته بزوجته الميتة، ورحلة عذاب للابنة الصغيرة المريضة المضطَهدة، وللسارد المركزي الذي يُطارد وتُقتحمُ حياته ويَكتشف ان له ابنة متأخراً لكنها تُعذب وتموت!

 مجموعة من المفاجآت الميلودرامية تتغلغلُ في السرد تتبادل فيها الشخصيتان الذكوريتان استغلالَ النساء واضطهادهن، وتنهيان القصة عند نفس الموقعين البرجوازيين الصغيرين، أحدهما يبحثُ عن نساء ليكون زوجاً أبدياً لهن، والآخر يعيش حياته الخاصة المرفهة.

 فبعد أن حصل البطلُ الساردُ على تركته التي كان قد جاء من أجلها في المدينة والتقى فيها ببافل الزوج الأبدي هدأت أعصابه واستقر: فيقول «لا مانع أن ينهار نظامهم الاجتماعي، ولا مانع أن ينفخوا في آذاننا مايشاءون» «أما أنا فسأظل واثقاً من هذا الطعام اللذيذ» ص 155، طبعة دار الهلال، مصر.

 الشخصية الذليلة تقوم بإذلال غيرها، والعقد النفسية المتراكمة تتحول إلى اضطهاد آخرين ضعفاء، والشخصيات المأزومة تعجز عن تغيير الواقع، فتعيش في شبكة من العقد، أو تنسحب إلى قوقعتها المرفهة.

 إضافة إلى محدودية رمزية الأب هنا فإن الابنةَ لا تقيمُ علاقةً عميقة معه، فهي لا تتطور نفسياً وروائياً، كما يظل الأب في عيش جسدي تلذذي محدود سطحي، ولا تؤدي به هذه الفاجعة المستجدة بموت الطفلة على هذا الشكل إلى أي انتفاضةٍ في نفسه، ولهذا تتجمدُ الروايةُ ولا تستطيع أن تتمدد في الروحية الأبوية والعلاقة الأرضية الصراعية العميقة.

حين يكونُ الأبُ موجوداً تتشكلُ علاقةٌ خيرة أو شريرة مع العائلة والواقع، فالأبُ انعكاسٌ للإلهِ على الأرض، وأولاده هم (الرعية)، وكثيراً ما يكون الراعي غائباً، والولد الحساس مُلقى في ميتم أو مشرد!

هذا هو حالُ الابنِ في رواية (المراهق)، فالأب الغني يمخر الريفَ الفقير ويقتطفُ امرأةَ فلاح جميلة، ويدخل عليها، ويحوزها دون الزوج الحقيقي، ويدفعُ له بدلاً مالياً، ولا يستطيع الفلاح الفقير الكهل أن يصمد للغني المتحكم، وهو رجلٌ عملي وجد أن الفتاة قبلت بالمالك فيتركها له، ويأخذُ تعويضاً يصمد به في الحياة ويقوي عائلته الباقية، وهو رجلٌ جواب آفاق يترحل ويكتسب خبرةً وثقافةً شعبيةً متنورة دينية مبهرة، كما سوف يظهرُ مرة أخرى في الجزء الثاني من الرواية، وهو في حالةِ مرض وشيخوخة ويستقبله نفسُ النبيل و(زوجته) السابقة، مع الأولاد الذين ظهروا من هذه العلاقة الزوجية غير الشرعية، لكنهم بعد المشكلات والأعاصير يقتربون من بعض، وحين يموت الفلاحُ تظهر إمكانية الزواج وانصهار العائلة.

ذلك الاضطهادُ المزدوج نتاجُ غيابِ الريف عن الإصلاح، وعن المجتمع ويغدو البطل (المراهق) الذي وُلد في هذه الفوضى، يسمعُ عن أبيه وأمه المسَافرين عبر الأخبار، وحين يبدأ البطل الشاب بروي قصته يبدأها بالتعريف بنفسه باعتباره (ابن زنا)! فهو مزودوجُ الوجود بين أب حقيقي ينكره، وأب زائف تخلى عنه لكنه يحملُ اسمَه، وبينما اسم الأب الحقيقي نبيل، اسم الآخر وضيع فلاح! ولهذا كان دائم التعريف بنفسه بهذا الشكل المخزي المضحك، طريقةً لنفسيةٍ عصبية مراهقة.

هذا التكوين المشكل من خلال رواية الابن العدو اللدود للأب يصورُ الأبَ شريراً، منتقلاً في أنحاء أوروبا متابعاً لملذاته، وإذا جاء إلى روسيا لم يسأل عنه وواصل غزواته الغرامية!

هذه الفوضى العائلية الاجتماعية حيث الابن منفي في الوجود والأب مشبع في غواياته ولهوه، تصورُ ما هو عام سلبي، حيث القوى العليا السياسية والاجتماعية لاهية والأبناءُ سوادُ الناس في ضنكٍ وعذاب.

لكن هذه الصورة العامة ليست صحيحةً تجاه هذه الحالة الخاصة، فالعائلة أجتمع شملها أخيراً وهي مفتتة، بعد أن كبر الابنُ وصار مراهقاً جاوز الثانوية، وامتلأ بنثار العلوم، فأصطخب، وهاجم الأب الشرير الأناني، الذي تركه في عهدة الغرباء، واستغل أمه وحولها لجارية تجري وراءه من بلد إلى آخر، وهذه الهجماتُ العاصفةُ التي يقوم بها الابنُ ضد أبيه، كثيرة تفصيلية مقامة على حجج قطعية لديه، لكن الأب يتكشف بشكل آخر مناقض تماماً!

تحوي ثيمةُ الأبِ هنا فكرةَ التنوير والتقدمية، فالرجل كان من دعاة التجديد، وإذ بدا من خلال خطاباتِ الابن ملعوناً، لكنه حين يتقدم للمسرح ويتكلم يظهر كشخص ذي عقلانيةٍ ودماثة ويقوم بتضحيات في حين تُصور هذه كمؤامراتٍ خسيسة من قبل الابن! لكنه لا يعني ذلك إنه اكتمل فهو يعجُ بالتناقضات لا يزال!

وحين يكتشف المراهق طبيعةَ أبيه، نقرأ فكرةً قومية روسية تحديثية فيه يحاول أن يزرعها حوله، ورؤية تجريدية لتقدم روسيا المنتظر، تعكسُ فهماً معيناً عند المؤلف لعمليات التحول التاريخية لروسيا.

إن الأب المتنور يصف نفسه بأنه جزء من ثلة صغيرة تقوم بقيادة روسيا روحياً، يقول في نهاية الجزء الثاني، بعد المعاناة والتجارب مقارناً بين مصير روسيا وأوروبا، حين تتقدم أوروبا الغربية على خريطة الصراع الطبقي الدامي، ويُحرق قصرٌ في باريس أبان كومونة باريس، فإن روسيا لها طريق آخر، طريق مسيحي خلاصي! يقول: (إن روسيا منذ قرابة قرن لا تحيا من أجل نفسها بل من أجل أوروبا فقط! أما هم، فقد قُدرت لهم آلام رهيبة قبل أن يصلوا إلى ملكوت الرب)، ج 2، ص  345 .

ورغم أن الأب يتصور أن الدين سوف يتغير وأن فكرة الإله القديمة سوف تزول فإنه يتنبأ بمستقبل رومانسي تجريدي: (سوف يستيقظون فيسارع بعضهم إلى بعض وسيُعطي كلٌ منهم كل شيء لكل الناس)، السابق، ص 348 .

إن تغلغل الرأسمالية في روسيا بهذا الشكل التجريدي الرومانسي يتضمن عدم حدوث الصراعات الطبقية الرهيبة، وإن المسيح سيظهر (إنني لم أستطع إلا أن أراه أخيراً بين البشر الذين أصبحوا يتامى، يجيء إليهم، ويمد ذراعيه ويقول (كيف نسيتموني؟)، ص 349 .

لعدم التغلغل التحليلي في ظاهرات الصراع الاجتماعي، وبروز ذلك عبر العائلة، فإن العائلةَ تأخذُ طابعاً رمزياً قومياً، فالعائلة التي عاشت متغربة مفككة، كالمجتمع، ونخرتها الأنانية والصراعات المادية الوضيعة، تعود للم الشمل، وهذه التجريدية تتيح للمؤلف أن يعطي التطور القومي طابع التآلف والوحدة رغم وجود الأشرار، فلعدم رؤيته للسكان كقوى اجتماعية طبقية متصارعة بحدة، وبدون إمكانية تلاق رومانسية، فإنه يُضفي عليها إمكانية القبول بالمشروع المسيحي الإنساني الذي سوف يتغلب على الصراع الاجتماعي (العابر).

هذا يؤدي فنياً إلى صراع الأخيار الطيبين المرضى المعقدين المتحولين للخير مع الأشرار المعبرين عن قوى الأرض الوضيعة عبرَ حملِ الصلبان، فيما التحالف بين الفلاح الشعبي المتنور والنبيل سينمو ويصل للذروة، كما جرى لشخصية الفلاح المتغرب المترحل، وزوجته، ومثلما جرى للنبيل الذي رأى مصيرَ أوروبا المخيف، وراح يتغير ويكشطُ الجوانبَ غير الإنسانية من شخصيته بالسكين، وهذه العلاقاتُ الإيديولوجية الفنية المترابطة والمتناقضة ستظل معبرة عن رؤية دوستويفسكي بظروفِ وعيه وشخصيته وحدود أسلوبه!

ثمة علاقاتٌ متداخلة خفية بين مستوى التطور الاجتماعي والرواية، تلعبُ فيها إيديولوجيةُ الكاتبِ دوراً محورياً، فهي الفكرةُ المعتنقة في عملية الانصهار الاجتماعي الشخصي في زمن التحول الموضوعي. إن دوستويفسكي في فقرات من رواياته يستشهد بشكسبير وغوته وشيلر وبوشكين حيث قارب هؤلاء المبدعون الواقع بأشكال عامة، فظهرتْ له قضايا الانسانية في تجريد تاريخي، له أسسٌ مشتركة، من المعاناة العائلية والعواطف البشرية (الخالدة) التي رصدها الكتاب السابقون.

روايته عامة، ورواية (المراهق) خاصة تعيش في زمنية بدء ظهور البرجوازية الصناعية وهيمنة النبلاء، والرواية تعطينا حيثيات ملموسة عن تلك البرجوازية، ومساحات كبيرة جداً عن النبلاء. عن بذخ هذه الطبقة الأخيرة والديون التي تتراكم على بعض أفرادها وكيف أن رأس المال الاجتماعي يضيع، فيما أن نموذج الرأسمالي الصناعي هو شخصٌ أبله إن لم يكن مجنوناً!

إن الأب الاسمي لبطل رواية (المراهق) ذلك الذي سلم زوجته للنبيل يظل محتفظاً بشهامة وثقافة بحث تجعل الراوي المراهق يستمع إليه ويسمع أحاديثه، فيروي بشكل شعبي عن تاجر تحول لصاحب مصنع ولكن كان سكيراً ذا تصرفات عدوانية وبخل شديد، أدت تصرفاته لموت صبي بريء ثم موت أبناء الأم الأربعة، فيتحول الصبي إلى ملاك ضائع في السماء لا يصل لسكينة، ويأتي للأم وللصناعي في أحلامهما، فيقوم الصناعي بأعمال عديدة من أجل أن تسكن هذه الروح! فيتغير ويقوم بأعمال طيبة مما يهدئ الملاك، ولكن الصناعي يعود لسكره وتبذيره وتضييعه للمال!

أمثولة الرأسمالي الفاشل مثل أمثولة الراوي المراهق الذي حدثنا في بدء الرواية عن فكرته بأن يصبح مثل روتشيلد، فيما ظل في الرواية في صدامات عصبية لا تتوقف، يحاول أن يغير النبلاء المتذبذبين بين البخل والإسراف، بين الصراعات الزوجية والعاطفية والبحث عن أفق أخلاقي، بين قضايا الفساد والجريمة وبين احترام القانون إلخ.

إن الطبقة الوسطى غير المتشكلة، المتناثرة في فئات مرتبطة بمستوى متخلف من تطور أسلوب الانتاج، ليس لديها مشروع فكري سياسي، وعلى مستوى الرواية هي تطرحُ حلمَ هذه الفئات الوسطى في تكوين مجتمع الحداثة الديمقراطي غير الموجود.

على مستوى تشكيل رأس المال تبدو في الرواية صور البرجوازية كفتاتٍ ضائع، وليس ثمة بالتالي حتى فئات وسطى قوية صاعدة. ولهذا على مستوى الرواية لن نقرأ (الرواية كملحمةٍ برجوازية). بل كحرقة شخصية معذبة متناثرة بين الإقطاعيين الديني والسياسي، وفيما يتوارى الإقطاع السياسي غير المُحلل، يتعالى الإقطاع الديني بصفة إنسانية مجردة مثالية.

لهذا فإن رواية دوستويفسكي هنا في (المراهق) تظلُ على مستوى الأحداث الشخصية الصراعية المتوترة عبر الحيل الفنية: ابنٌ يبحثُ عن أبيه كارهاً إياه وهو يعبدُهُ، ومجموعةٌ من الشخصيات النبيلة المتصارعة على الثروة وتلجأ لأساليب شريرة، مثلما تفعل (كاترينا نيقولايفنا) تجاه أبيها المبذر فتكتبُ رسالةً تدعو أحداً من أقربائها إلى الحجر على أبيها ووضعه في مستشفى المجانين، وتقع هذه الرسالة العجيبة المتنقلة أخيراً في يد الراوي المراهق، الذي يخيطها في جيبه، وتلعب (الرسالة) دوراً فنياً إشكالياً مليودرامياً في تنامي الصراعات وتحولها لمغامرات تنتهي بضرب وإطلاق نار!

الصداماتُ وتحولاتُ الأبوة والأبناء، واصطدام السادة والبرجوازيين الصغار بالحثالة الصاعدة بقوة بسبب هذا التفسخ الاجتماعي من خلال شروخ الصراع بين النبلاء والفئات الصغيرة تلك، تعبرُ عن مجتمع إقطاعي في حالةِ انهيار ولم يظهر جنينُهُ البرجوازي البديل بعد.

إن هذا كله يجعلُ الصراعَ الاجتماعي في مستوى التجريد، وتغيبُ عنه الارتباطاتُ والوشائج بصراعات القوى الحقيقية على الأرض، نظراً لأن الصراع بين النبلاء والبرجوازية كان خافتاً مضمراً، مع رفض المؤلف للاستعانة بالمستوى العالمي الذي وصل إليه هذا الصراع في الغرب بل هو يرفضه، ولهذا فإن المؤلف في زمنية عصره يدعو إلى العمل الصبور الشاق لأنه أفضل (إن التعطش إلى «المأثرة السريع ) والمعادي للكد الطويل من أجل الاستعداد لهو محفوف بالمخاطر.. بل بمخاطر ارتكاب الجرائم)، فقرةٌ منقولةٌ من المراهق، ص .513 وعلى المستوى الفكري الأخلاقي يدعو للمسيحية والتسامح.

إن الراوي في (المراهق) لم يُوضع في تجربة المعمل والانتاج والسوق، هنا كنا سنعرفُ بعضَ آفاق التطور الاجتماعي، لكن طريقة المؤلف تضعُ الشخصيةَ في الصراعات المنزلية، وهذه تؤدي لأساليب معينة لا تغوص في صراع الطبقات. وهكذا فحين يظهر جوركي تكون هذه القضية قد وُضعت في عوالمها الاجتماعية التاريخية لكن دون خصب دوستويفسكي النفسي الفني، وقد بلغت روسيا حينئذٍ مرحلة مهمة من تطور الصراع بين النبالة والبرجوازية، كما أن سياقات الإيديولوجيات غدت مختلفة. إنه زمنُ الخروج من الزنزانةِ وتحول الرحالة الشعبي الأمي الاسطوري إلى مثقف إجتماعي، وتبدل ثقافة العذاب والصليب إلى ثقافة النقد الاجتماعي السياسي.

يغدو الأسلوب الروائي الفني لمرحلة (المراهق) عبر شخصية مؤلف ذي حساسية خاصة مثرياً لأدوات الحفر النفسي الداخلي، ولخلق التناقضات الشخصية الفكرية والاصطدامات الروحية في عالم المُثُل والتاريخ المجرد، متحسِّساً الآفاق البعيدة مُطلقاً شعارات عامة عن البناء الروحي الأخلاقي الداخلي الرصين، وتمجيد العمل الخلاق.

على المستويين الروائي والفكري تتداخل بنيةُ الرواية التجريدية الأخلاقية لدى دوستويفسكي بهيمنةِ الخطاب الديني بغياب البرجوازية الحديثة في روسيا وقتذاك.

حين يقتل راسكولينكوف المرابيةَ العجوز في الجريمة والعقاب، لا يأتي ذلك لغياب الأب، لغياب السلطة الأخلاقية الروحية فقط، بل لغيابِ الطبقة الوسطى القائدة للتحول الحديث، فيدهسُ البطلُ العجوزَ مثلما يدهسُ قملةً، مؤكداً علوّ إرادته الفردية المطلقة، خارج الدين الإنساني الذي هو المسيحية هنا، فتعيدُهُ الأحداثُ الروائية والانقلابات الروحيةُ إلى الكنيسة، إلى الأب الروحي الشخصي المفقود هنا، والذي يتجسدُ بالانجيل.

هكذا تغدو البرجوازيةُ والقوى الشعبية كائناتٍ هامشيةً، أو طفيلية، وخارج التاريخ الروائي، وهي كائناتُ المجتمع الضروري الحتمي الموضوعي. وخارج هذا المسار يغدو العالمُ الروائي أيديولوجياً وفضفاضاً متجهاً للتضخم الذاتي.

الإرادة الفردية في تشكلها الإجرامي تغدو غير منتجة، ولكونها إرادة مسيحية فإن ضميرَها ينمو روائياً، وهي عمليةٌ متعددة كثيرة لدى المؤلف، لنتذكر بشكل هنا مدونة التسامح الكبيرة عند الأب زوسيما في رواية (الأخوة كرامازوف)، وهي الرافعة الأساسية لديه للتجديد الروحي الاجتماعي، وهي في المطلق مهمةٌ لكن في التاريخ النسبي غير متحققة والعكس هو الذي يجري، لكن العكس غير المرصود فنياً، فالكراهيةُ بين الطبقات هي التي تسود.

إن التراكم المالي التحولي غير مرئي وغير معروض، فيصور المؤلفُ حدث القتل بلا سببيات مرتبطة بالصراع الاجتماعي، وفيما بعد سيطبقُ ستالين هذا التراكمَ المالي الرأسمالي الحكومي الموسّع، عبر الدهس لـ (القمل الريفي).

يعرض دوستويفسكي النماذج المتوازية، فالسكير (مارميلادوف) يقوم بسرقة خزانةَ سيدةٍ لكي يواصل سكره وعربدته، فيما عائلته تشقى، وتقوم ابنته (سونيا) ببيع نفسها لكي تُطعم الصغار.

هذه سونيا الساقطة تمثل الانبعاث الروحي، وهي تقيمُ علاقةً مع البطل راسكولنيكوف، وتجذبه للاعتراف بجريمته في قتل المرابية العجوز وبالتالي في تطهره.

مثلما تقوم أخت راسكولنيكوف بالقبول بالزواج من شخصية رديئة من أجل أن تُنقذ العائلة.

وقد استقطبت الروايةُ أبحاثاً واهتمامات بشرية كبيرة، وخاصة لهذا البطل القاتل الإشكالي.

لقد كتبَ دوستويفسكي نفسه عن البطل قائلاً:

 (إن القاتل يجد نفسه أمام مسائل لا يمكن حلها، وأن أحاسيس ومشاعر مفاجئة لا يمكن الشك بوجودها تعذب قلبه. إن الإحساس بالانفتاح على البشرية أو الانفصال عنها، هذا الاحساس الذي شعر به في الحال بمجرد اقتراف الجريمة، كان يعذبه)، نظرية الأدب تأليف عددٌ من الباحثين السوفييت، مرجع سابق، ص 332 .

إن المسائل التي لا يمكن حلها هي مسائل التطور الاجتماعي السياسي لروسيا، وإن هذه الجريمة الفردية لا علاقة لها مباشرة بهذه التحولات، فالطالبُ الفقير والمرابيةُ على السواء لم يرمزا لقوة اجتماعية ما، والطالب فرضية فكرية يشكلها المؤلفُ للابتعاد عن طريق العنف، وعن الأنانية وبضرورة سلوك سبيل التضحية، ولا تدعو الأفكار الحديثة المجلوبة من الغرب لهذا الطريق، خاصة النزعة العدمية المنتشرة حينذاك، التي تطرحُ نماذجَ الأبطال المفارقين والذين يدوسون عقائدَ الشعوب،

 وبهذا فإن فرضيةَ المؤلف لمواجهة العنف واعتماد المسيحية والتسامح تعبيرٌ عن نزعةٍ برجوازية دينية متداخلة، في هذا الزمن الذي تتحول فيه روسيا من الإقطاع للرأسمالية، فالبطلُ حين يضع قدميه في العدمية وسحق الآخرِ يعبرُ عن نزعةٍ فردية متطرفة لم تتشكل في مجتمع طبقة وسطى حضارية، ولم تقم علاقة ديمقراطية مع العاملين، ويتملا طرحُ مشروعاتِ التحول بالخيال الحاد والمغامرة، ولكن المؤلف من جهةٍ أخرى لا يقوم بالتحليل للعلاقات الطبقية الصراعية واكتشاف مساراتها من خلال الواقع، بل يعبرُ عن تجريديها وعموميتها وضبابيتها من خلال النماذج المفعمة بالحدة والتطرف: سكيرٌ ضد زوجة مجنونة، طالبٌ مثقف قاتل ضد مومس طيبة، ابنة مضحية ضد خطيب سافل، فهذه النماذج تقع على ضفاف الواقع، بين البياض الشديد والعتمة الحادة، وفي حالات تعذيب الذات والآخر، وانقلاب هذه الحالات النفسية المروعة، بين أساليب واقعية وميلودرامية فاقعة، بين شاعرية تحليلية عميقة وبين تجريد عام.

المسار الروسي والأيديولوجية الفنية لدستويفسكي يحددان هذه النماذج، والمسار نجده موجوداً كذلك لدى تولستوي فهو تعبيرٌ عن فئة، ولكن من خلال رؤية فنية مختلفة، فالفئاتُ المثقفةُ الإنسانية في ذلك الزمن الموضوعي حيث بعد لم تنتشر وتتعمق العلاقات الرأسمالية لم تجد حلولاً لأفق التطور التاريخي سوى بالابتعاد عن النموذج الغربي الرأسمالي الديمقراطي، عبر الروح القومية المتقوقعة في نفسها وتاريخها، والتي تريدُ تقديمَ الأصيل المختلف، وتجدُهُ عبر الدين، وهذا هو مسار العديد من الأمم الشرقية الأخرى التالية، ولهذا بدلاً من قراءة الواقع تأتي النماذج المستوحاة من التضادات المطلقة التي تتيح للوعي المثالي الديني أن يسرب أخلاقيته المبدئية عبر تناقضات من الواقع الحقيقي، وتبقى هذه النماذج رمزية قومية دينية لوعي أمة لم تتبلور في الصراع الاجتماعي.

المسيحيةُ حسب وعي دوستويفسكي هي الأبوة، أبوةُ الإلهِ الحاني للعالم، لكن الأبوةَ الأرضية الحسية الأنانية هي شكلٌ مضاد.

وليس في رواية أخرى كما في رواية (الأخوة كرامازوف) يتفجر التضاد بين هذين النمطين من الأبوة، إن أب أسرة كرامازوف (فيدور فيدروفتش) هو النقيض للأب الراهب زوسيما. ومن هذين الخطين تنبعُ التضاداتُ الشخصية الروحية في مجمل الرواية.

إن الأب فيدور فيدروفتش، رجلٌ فقدَ كل معاني الأبوة الإنسانية، فهو شبق وأناني وبخيل وثرثار ومهرج. كونَّ عائلته بخداعِ امرأتين سرق ثروتيهما، وأعتصرهما عصراً، حتى انهارت الزوجتان، ورحلتا واحدةً بعد الأخرى. وتشكل من هاتين الزوجتين أولادٌ نبتوا هنا وهناك بالصدفة والفوضى، في المرافق الدنيا الحقيرة للمنزل، وتربوا في حضانات مختلفة، أنقذتهم بمعجزة.

وفي غمرة تتويج حالاته الزوجية الحيوانية، فإنه يغتصب امرأةً معتوهةً، بسبب رهان مجنون جنسي بشع لاغتصاب تلك المرأة، وينتجُ منها الخاتمة النهائية لأبوته الشريرة (سمردياكوف)، (وإيحاءات الكلمة بالروسية تعني النتن، النتانة! مثلما تعني الفقرة الأولى من اسم العائلة كراما (مازوف): الأسود!).

إن حالاته الشبقية والتهريجية السابقة تقودُ إلى ذروة أعماله وهي عشق المرأة الجميلة (جروشنكا) والتي هو مستعدٌ لإعطائها كلَ ثروته، حسب ما زعم أبطالٌ آخرون، في نظير أن تقبل بالزواج منه، وهو العجوز الدميم الآن، وهي قمةُ الفتنة في المدينة.

إن الأب هو المحور، هو المرتكز الأساسي للحدث وللعائلة ولتكوين هذا العالم الاجتماعي المريض. حيث الأب هنا، خلافاً لفكرة العالم الأبوي المسيحي المثالي، هو أساسُ الخراب والعذاب في العائلة، أي في المجتمع، لا مؤسس الحب والعدل فيه.

ويعطي دوستويفسكي تمثلات تجسدية حادة، ملموسة، مطلقة، للأب الأرضي الدنس، فهو كريه في شكله، في وجهه الشهواني العنيف، وبغيض في لغته التهريجية التي يتصنعُ فيها ويغدو مهرجاً يحتقر ذاته، ويسخر من مشاعره وأفكاره، لينقلب إلى ساخر من الآخرين، كاره لهم، عدواني. ولا يكاد أن يوجد جانبٌ جميلٌ في هذا الإنسان.

فهو من الجهة الحسية-الجسدية-العاطفية، حيوانٌ كامل. إنه يجسدُ كل نظام الملكية الخاصة ؟ الإنانية، وذروته المعاصرة، ورمز السلطة الأبوية الاستغلالية: والصاعد بالتجارة عبر الربا والاحتيال، فهو ليس إلا الحيوان القديم، الشرس، الأناني، الذي يلبس لباساً حديثاً، وهو قد فصل حيوانيته هذه ببدلةٍ فكرية أيضاً، هي الأفكار الغربية العصرية (حينذاك) مثل إنكار الإله والخلود. فإلحادُ الأب هو الإيمان الكامل بعالم الغابة، حيث الذات هي الوحيدةُ في الكون، ولا يوجد أمامها سوى اللذة والمنفعة.

إن الإيمان بالإله والخلود حسب دوستويفسكي يعني عبر ثيمات الرواية – الرؤية، أن يتأنسن الحيوان في الأب، أن يتراجع عن إباحيته ولا أخلاقيته، أن يخاف من عقاب الإله، وأن يحب الناس.

إن الإيمان في اللغة الدوستويفسكية هو معادلٌ للأخلاقية، وللتضحية، وللنقاء. أما الفكر العدمي فهو على الضد، استباحة كل شيء، وعدم الخوف من الآخرة، وبالتالي إعطاء (الحيوان) فرصةَ البروز الكامل والمطلق. فالخيرُ قادم من المطلق الديني وليس متشكلاً حسب صراع القوى الاجتماعية.

إن الإله هو الذي يحملُ الأنسنةَ للإنسان، والنبل، والطهر، ولكنه حملها مرةً واحدة، وضحى بذاته، حسب الرؤية المسيحية الأرذوكسية، فإذن مطلوب من الإنسان، هنا الصعود نحو الإله والتماثل به، وصناعة هذه التضحية، وهذا الكف للحيوان الشرس الكامل.

لكن الأب فيدور فيدروفتش هو الممثل الكامل، الحي، البسيط، المتجوهر فردانياً، لإنكار الإلوهية، للعدمية الروحية، للإلحاد على الطريقة المشكلة دستوويفسكياً، أي لإطلاق الحيوان البهيمي الذي يبيح كلَ شيء لنفسه.

يُقال أن دوستويفسكي من الرجعيين المتزمتين استناداً إلى مشاعره لقتل أبيه. يقول فرويد:

(وإن هذه المشاعر قد قامت أيضاً بتحديد اتجاهه في مجالين آخرين كانت فيهما العلاقة بالوالد واضحة، هي سلطة الدولة وأيضاً اتجاهه نحو الاعتقاد في الله. وبالنسبة للاتجاه الأول فقد انتهى به الأمرُ إلى الخضوع التام لأبيه الصغير: القيصر..)، راجع مجلة (إبداع)، دستويفسكي وجريمة قتل الأب، سيجموند فرويد، ص 31 . 46.

لكن دوستويفسكي ليس خاضعاً لسلطة الدولة الرجعية بل هو يخاف التعبير عن نقده بعد سنوات السجن والنفي المريعة لمجردِ دعوته لبعض الأفكار النضالية، ولهذا تغدو المسيحية هي فكرته التي يشكل عبرها نقده، فيجسد قوى الأب الأرضي الشرير والأب السماوي الخير، فيدور فيدروتش من جهة والراهب زوسيما من جهة أخرى. الرواية تغدو ذروة أعماله حيث وصل الصراع بين الأب الفاسد والخلاق، المسيح والعدمي، أمثولةً لكل الحياة، وهذا ما يجعل قراءته الدينية تجريدية لم تتغلغل في الصراع الاجتماعي واحتمالاته.

لم يقم دوستويفسكي بربط اجتماعي ترميزي بين الأب الشهواني الأناني والنظام الاجتماعي، فالأب هنا لا يمثل القيصر، مثلما أن الأب زويما ليس هو المسيح، بل مؤمن به وتلميذه المخلص.

إن الأب الدكتاتور الشهواني المهمل فيدور، والذي بعثر أولاده وشتتهم، والذي هو في قرارة نفسه (ملحد)، أي أنه ألغى اليوم الآخر حيث الحساب. إن هذا الدكتاتور الشهواني الأناني، ألغى البشر: أولاده، وألغى حساب الله حسب رؤية المؤلف.

وهذا الحساب هو السلطة الأخيرة العادلة عند المؤمنين، حيث السلطات الدنيوية غير حاسمة في تحديد الثواب والعقاب.

وفي مقابل هذا الأب الشرير، يشكلُ دوستويفسكي، أباً آخر، هو زوسيما الراهب. حيث تقود زوسيما المعاناةُ إلى أن يكون معلماً مضحياً للبشر، إن كونه عسكرياً اعتاد على العنف يصطدم بحادثة تغير مجرى حياته، حيث ضرب بقسوة مرافقه العسكري فاشتعلت الحادثة في نفسه وقادته إلى أن يرفض المبارزة مع خصم له، تاركاً الخصم يطلقُ عليه النار وهو يتوقف عن إطلاق النار ملقياً المسدس على الأرض.

إن زوسيما إنسان بلا معجزات، سوى أعماله الإنسانية التي تحرك مشاعر الخير في قاصديه. إنه يشكل أبوته بالامتداد الروحي في ألكسي كرامازوف، أصغر الأبناء، والذي تقمص هذه الأبوة حناناً وحباً ومساعدةً للغير.

ولكن هذه الأبوة لا تخلو من المشكلات، فهي تعيشُ في عزلة عن الناس، فلا تقود عملياتهم الروحية والتغييرية. لهذا فإن زوسيما يدعو ألكسي للابتعاد عن الرهبنة والانطلاق نحو المجتمع والمشاركة في تغييره الأخلاقي. إن جثته تتعفن في الساعات الأولى من موته، وهو أمر معاكس لما كان ينتظره الناس من معجزات من وفاته! لكن أعمال زوسيما هي أعمال واقعية وحدس ذكي بالبشر وتوجيه لأعمال الخير، ورغم ضخامة الخلفية الغيبية التي يرتكز عليها فإنها تنقطع مع ملامستها الواقع.

إن ألكسي كرامازوف نبت هكذا فجأة في عالم أخلاقي باهر، رغم بيئته المضادة، وإحاطته بالشر من كل جانب، وهي عملية بدت ميتافزيقية، فيغدو هو الخيط الممتد من زوسيما إلى المجتمع، هي رسالةُ المؤلف المسيحية التي تنزل من الأب إلى الابن إلى البشر. هي قراءةٌ وتجسيد للروح القدس.

إن الأبوة الرهبانية تعطي مساحة كبيرة في الرواية حيث قصة حياة زوسيا وخطاباته تشكل تتويجاً مجسداً لرؤية المؤلف في تضاد المسيحية مع الشر وكونها البديل عن الآراء العصرية العنيفة، حيث يطرح التسامح كشكلٍ أخلاقي واسع لإنهاء تناقضات المجتمع.

ويحمل ألكسي مشعل هذه المحبة ويغمر الشخصيات الأخرى بها، فتتكشف جوانبُهم الخيرة. ويحس حتى الشرير كالأب فيدور بنسمة رقيقة تمر عليه.

وسنجد هذه الأبوة الإنسانية تتشكلُ في محورٍ آخر من محاور الرواية، هو قصة (النقيب سينجريف) وابنه الصغير. فقد جرّ ديمتري كرامازوف، أخو ألكسي هذا النقيبَ من لحيتهِ وأهانه في الخمارة، فما كان من ابنه الصغير سوى أن اندفع نحو ديمتري يرجوه أن (لا يهين أباه).

إن قصة هذا الصغير هي المعادل للقصة المحورية، قصة قتل الأب. إنها قصة التضحية بالنفس في سبيل الأب. فهذا الصغير يعضلا يدَ ألكسي أخي ديمتري ويدافع عن أبيه بالحصى والضرب إلى أن يمرض ويموت ويشكلُ له الصغارُ جنازةً هي من المراثي المؤلمة جداً في الرواية، ورغم المأساة تتحرك علاقاتٌ وعلامات روحية طيبة في هؤلاء الأولاد.

إنه معمارٌ كبيرٌ وخاص لمسألة الأب، يُــدمج فيها بين الفلسفي الديني، والسياسي والشخصي، وتتشكلُ ثنائياتٌ متضادةٌ، منسقة، تخلق أبنيتها التعبيرية الأخاذة.

التناقض الأبرز كما هو في رواية (الجريمة والعقاب)، هو التناقض بين المسيحي المضحي والمثقف العدمي، الذي يرتكز على مصلحته ويعتبر كل شيء مباحاً ما دام فيها منفعته بما في ذلك القتل.

هذا التناقض يعبر عن مُثُل العصور الوسطى الدينية كما تتجلى في المسيحية الخيرة، والعدمية التي هي بداية الأفكار الحديثة التي جاءت من الغرب لروسيا.

يخلق دوستويفسكي تناقضاً مطلقاً مجرداً بين الاتجاهين باعتباره يمثل وضع روسيا الثقافي ومستقبلها، فيما أن الاتجاهات التحديثية الغربية أعمق وأوسع من ذلك. لكن هذا التكوين للتناقض المطلق هو بسبب غياب مشرط التحليل الاجتماعي الفكري للصراع الطبقي لديه.

ولهذا فإن رمزَ العدمية في الرواية وهو إيفان ابن فيدور يحرضُ على قتل أبيه مع الخادم سفردياكوف. وهو لم يدعُ مباشرة للقتل، لكنه لمحّ لذلك عبر أفكاره الفلسفية، ومن هنا نجد تداخل شخصيته مع شخصية الشيطان الرمزية، الذي يزوره ويعيش داخله بشكل كابوسي.

وهو بأحاديثه مع سفردياكوف الأخ والخادم المُلقى في العدم الاجتماعي، والذي وصل للعدمية بتلك الحوارات، يرفضُ جريمةَ قتل الأب ويعتبر نفسه غير محرض عليها. إن العامةَ بتقلبهم الأفكار العدمية العُنفية من قبل المثقفين الأنانيين يغدون أكبر خطراً منهم! وفيما يقبع المثقفون في مصالحهم وقواقعهم يدفع العامةُ ثمناً فادحاً لهذا التأثير.

يلاحظُ هنا إرهاف دوستويفسكي التاريخي لمسألة العنف وتسويقه من قبل الإيديولوجيات الشمولية، معتبراً إياه الخطر الأكبر على مستقبل روسيا، ولم يكن مخطئاً في هذا. ولكن لم يكن بإمكانه حسب وعيه الديني المثالي وزمنيته أن يقرأ العنف كظاهرات متبادلة بين الطبقات في عالم مصالح ضيقة عنيفة.

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=355311&r=0

http://www.alraafed.com/2017/06/21/10003/

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: دوستويفسكي: الروايةُ والاضطهادُ