الشبابُ والتراثُ

كيانان مختلفان متضادان من الشباب يمثلان قطعة معدنية صدئة واحدة.

كيانٌ أسرف في عبادة الماضي، فجثم في كهف افلاطون يرى أشباحاً ويتصورها تراثاً ورموزاً.

كيان آخر رفض الماضي جملة وتفصيلاً، ملابس عتيقة وأزهاراً قليلة.

بين الحوضين اليابسين عالم حديث معقد تغلغل فيهما وشوههما فرفعا السيوف الخشبية لحروب القبائل والطوائف الجديدة.

الجيل الرافض للماضي منبهر بالهايد بارك والمكتبات الكبرى التي لا تترك صغيرة وكبيرة بدون بحث، وتتسلط الكاميرات على أية نقطة معرفية قصية في العالم.

مبهور بالحضارة الحديثة حتى فقد ملابسه التراثية وخرج عارياً في الساحات!

أمطار المعرفة فوق رأسه سحب من لحيته في الصحراء وأُلقي في الجامعات الكبرى وبدلاً من الخيمة والعنز المحبوسة ترامت تحت قدميه أبسطة المعارف اللانهائية.

كيف يميز؟ كيف يقرأ؟ إذا حلل نصاً جلب العدة الغربية التي يحفظها وهرس بها النصوص، فترى الجداول تملأ الدراسات والدماء تشخب منها!

لا تكاد أن تعرف شيئاً من النصوص الأصلية وهو قد لبس آخر موضة ولم ير عامةً من بلده يسمعون هذا الهرج، والمحيطون به يحسبونه يتكلم لغة أخرى.

الآخر لا يزال في الخيمة، يمشي مع الإبل والبقر بين الدخول فحومل، يطلق النار على الأقمار الصناعية ويلقي بأجهزة التلفاز في البرية.

حين تتحول اللغتان إلى سياسة تصبحان جدولين آسنين طائفيين، كل منهما تمسك فتافيت من المواقف وتحركها حسب المصلحة وأشباح الكهف وثقوب الجيوب والرؤوس.

الوعي التحديثي له إمكانيات يمكن أن يستغلها في فهم العصر، لكنه يأخذ العصر بلا سيرورة تاريخية، ولا مراحل اجتماعية، ويربطها بحداثة غربية غير عميقة وغير متجذرة في التاريخ هي الأخرى، وهكذا تغدو الدراسات في الجامعات العربية نقلاً ميكانيكاً من الكراجات الغربية غير قادرة على السباحة في النصوص العربية.

النقل الميكانيكي مثل الكراجات القديمة قبل الحرب العالمية الأولى، ولا يستطيع النص السيار أن يمشي وينفجر من الحرارة أو البرودة.

هو كله شباب عتيق وكل يدعي بمعرفة بجهة من الواقع، جذور الواقع أو عصريته دون أن يمتلك أياً منهما.

الوعيُّ الطائفي والوعي الطبقي

 هل يشكلُ الفكرُ الطائفي وعياً؟ أليس هو ضد (الوعي)؟ إن المقصودَ هنا بـ(الوعي) هو أشكالُ المعرفةِ التي تظهرُ وتنمو في الذهنِ الإنساني بإختلافِ هذه الأشكال، فنقول الوعي الأسطوري، والوعي الديني، والوعي العلمي، والوعي القومي وغيرها من أشكالٍ تعبرُ عن بُنى فكريةٍ ذهنية تتشكلُ في حقبِ التاريخ المختلفة، وفي المجتمعات المتنوعة.

إن كلَ بُنيةٍ لها تاريخُها والعناصرُ التي تتألفُ منها، وقد تَعبرُ التاريخَ طويلاً بتلك العناصر، وقد تتفككُ وتظهرُ أشكالٌ جديدة تكونتْ في ظروفٍ مختلفةٍ وبعناصرَ معرفيةٍ جديدة.

وحين ظهر المسلمون لم يكن ثمة ما يُسمى بالوعي الطائفي، وكانت كلمةُ(طائفةٍ) تشيرُ إلى جماعةٍ من الناس ليس لها طابعٌ فكري مميزٌ عن غيرِها من الجماعات.

كما جاءَ في القرآن (وإن طائفتان من المؤمنين أقتتلُوا فأصلِحُوا بينهما، فإن بغتْ إحداهُما على الأخرى فقاتلوا التي تبغِي حتى تفيءَ إلى أمرِ اللهِ فإن فاءتْ فأصلِحوا بينهما بالعدلِ وأقسطوا إن اللهَ يحبُ المُقسِطين…))،سورةُ الحجرات، 9.

كان هناك إذن الوعي الديني بشكليه الوثني والإسلامي، ولم يكن بإمكان الوعي الإسلامي أن يتجلى بشكلٍ طبقي رغم كونه كذلك من حيث الجوهر الاجتماعي الذي يحمله، بإعتبارهِ وعي الجماعاتِ الشعبية الثائرة، بخلاف الوعي الوثني في مكة المعبر عن ملأ قريش الإرستقراطي، وبالتالي بقي الوعي الإسلامي مجرداً غيرَ محددٍ بخصائصهِ الطبقية، بإعتبارهِ وعي الجماعات الشعبية المتكونةِ من التجار من جهة والفقراء والعبيد من جهة أخرى، وهاتان الجماعتان اللتان تعاونتا معاً لتغيير الحال الطبقي السياسي حين شكلتا الدولة إنصهرتا سياسياً، رغم أنهما لم تنصهرا طبقياً.

صحيح أن بعضَ الفقراءِ أَثروا كثيراً بفضلِ التحولاتِ السياسية الاجتماعية، إلا أن التمايزَ الطبقي بقي بينهما، ثم تلاشى مع الفتوح الكبرى وتبدل الدولة.

هذه اللحظةُ التوحيديةُ بين أغنياءٍ وفقراء يسعون لنهضةٍ تحوليةٍ مشتركة ستكونُ لحظةً مفصليةً في التاريخ، ويندرُ تكرارُها، فإذا تكررتْ فسوف تُحدثُ نهضةً ما، حسب الجذور التي نشأتْ الجماعتان منها في كلِ مرحلة، فالجذورُ تتعددُ سواءً كانت في زمن إمبراطورية إسلامية أو في دولٍ دينية منفصلة، أو دولٍ حديثة مستقلة.

طابعُ المُلكية وقوى العمل، وطبيعة التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية التي تشيرُ لإمكانيات العصر، ومستويات الثقافة، كل هذه ستدخلُ عضوياً في أشكالِ الوعي التوحيدي المغيِّر.

ومن هنا كان الوعي الديني المؤسسُ للدولةِ الإسلامية ذا عناصر مقدسة غيبية يؤمنُ بها ويعتبرها صانعة التاريخ والأفكار، وموجهة لتدمير كيان وثني متفتت، وبالتالي فإن الجماعةَ المؤمنةَ توحيديةً مطلقة، فأسسَّ رؤيتَهُ على التضاد المطلق بين التوحيد والتفكيك، بين المؤمنين والكفار، وكان جوهرهُ الشعبي العام يراه مطابقاً للتوحيد والجذور الإلهية، خاصة مع إلغائه للارستقراطية والملأ والتعالي الطبقي. وبالتالي فإن موقفَهُ الطبقي الديمقراطي توارى وراء شعارية التوحيد، ولم يصنفهُ سياسياً إجتماعياً بحكم وعي المرحلة، لكن تبنيه للأغلبية الشعبية وتوزيعه للخيرات للعامة حسب سورة الحشر الختام التحليلي الاجتماعي للتاريخ الديني المدني، تصورهُ مطلقاً في بقائهِ التاريخي. فلن تستطيع قوى الأقلية أن تعودَ مجدداً للحكم، وأن قوى الأغلبية الممكسة بالدولة والواقع ستظل مستمرة، وهذا ما لم يحدثْ بحكم تفككِ الوحدة النضالية تلك، فحين تفككتْ القوى الشعبية وتصارعت، عادت الارستقراطيةُ من جديد للحكم بشكلٍ إسلامي.

وهو مالم يفسرُ إجتماعياً بل فُسر بالقدرِ مُجدداً حسب الوعي الديني الذي صار رسمياً، فيما راحت الأغلبيةُ تبحثُ عبرَ موادِ وعيها المختلفة، عن تفسيراتٍ جديدةٍ غيرِ رسميةٍ وتعكس مصالح الأغلبية.

كان الشكلُ الاقتصادي غيرُ السائدِ وهو الغزو قد حلَّ محل الأشكال الانتاجية ومحل التجارة، وفرضَ نفسَه كقوةٍ أساسية وأحدث الفتوحات وراكم الثروات في طبقة وجلب العبيد والجواري، فنشأت طبقتان متضادتان كلياً في الغنى أو الفقر، فيما تضاءلتْ الفئةُ الوسطى، وبرزتْ قليلاً في الدولة الأموية وأتسعتْ في المركز بعض الشيء في الدولة العباسية غير أنها لم تُقمْ تحالفاً متيناً على أساسٍ فكري عميق بسبب إرتباطها المصلحي بدولةِ الخلافة وما تعطيهِ لها من فتات. ولم تُعدْ تجربةَ الثورة التأسيسية الإسلامية لأنها لم تقرأ الجذور والبُنى الاجتماعية، وتاهتْ في الأشكال الفكرية المنفصلة عن الواقع التي غدتْ آراءً فكرية ومذاهب وفرقاً.

كان الوعي التوحيدي هو أساسُ النهضة وضمَّ القبائلَ وتجسدَّ دينياً في كل جماعة مذهبية منقسمة تصورتْ أنها هي كلُ المسلمين، فلم تتصورْ أيةُ جماعةٍ بأنها مُفكِّكةٍ للوحدة حين تعتبر نفسها كل المؤمنين، وأن تكونها ليس هو جوهرُ الأمة وأساسها، فيما الأخريات من المذاهب غير هذا.

وكان الأساسُ الفكري هو تصورُ العقيدةَ بأنها شيءٌ غيبي خالص، وليست فكرة إجتماعية كذلك، وأنها ضمت في فترة تاريخية إنقساماً إجتماعياً بين الأغنياء والفقراء لأسبابٍ سياسية إجتماعية مرحلية وكان توحيدياً مؤقتاً لا يلغي التمايز بين الأغنياء والفقراء، وأن الصراعَ على السلطة هو صراعٌ إجتماعي وليس دينياً، وأن المتصارعين على السلطة يجب أن يضعوهُ في ما هو إجتماعي وليس فيما هو ديني، فوقع الوعي الإسلامي في إشكالياتٍ راح يتلمسُ الخروجَ منها عبر قرون.

لم يستطعْ الوعي الديني الإسلامي التالي لمرحلةِ التأسيسِ إلا أن يكونَ طائفياً.

فقد تشكلتْ الطوائفُ عبر ظهورِ تفسيراتٍ متعددةٍ للقرآن والحديث والتاريخ عكستْ صراعاتٍ ومواقفَ سياسيةً تجاه المسألةِ المحوريةِ غيرِ المحلولةِ بشكلٍ ديمقراطي وهي (الصراعُ على السلطة).

وكلُ رؤيةٍ لهذه الصراعاتِ كانت تنسخُ الجوهريَّ المطلقَ غيرَ الاجتماعي من الرؤية العامة الدينية، أي لم تكن تأخذ الرؤيةَ النهضويةَ التي تشكلتْ في الثورة الإسلامية التأسيسية، بل تأخذُ هيكلَها المجردَ وتحيلهُ لجوهرٍ مطلقٍ خارج التحليلِ الاجتماعي السياسي، فلم تكن تر كيف كان التحالفُ الطبقي وكيف أسسَّ التكونَ الديمقراطي الاجتماعي والذي لم يحيلهُ إلى تحالف ديمقراطي سياسي، أي لم تنشأ تنظيماتٌ مختلفةٌ تعبرُ عن القسمين الاجتماعيين المختلفين طبقياً، المتحدين سياسياً، بل كانا في كيان واحد، رفض حتى الشكل السياسي المحدد.

ولهذا لم يكن الصحابةُ حزبيين، ولم يوجدْ تنظيمٌ حزبي، وكان هذا الرفضُ الباترُ لفكرةِ الحزبيةِ خوفاً على الكيانِ التوحيدي الهش في ذلك الزمان، والذي كانت خلفهُ كياناتٌ ضخمةٌ من الهياكل القبلية والآراء الوثنية المتجذرة والآراء الدينية المختلفة المناوئة.

وهكذا فإن البناءَ الشمولي تغلغلَّ في التجربة الديمقراطية الاجتماعية بشكلٍ تاريخي مستترٍ متصاعد، وحين عادتْ الارستقراطيةُ للحكم ناقضةً البناءَ الاجتماعي المُقننَّ دينياً محافظةً على شكلهِ السياسي الشمولي، حدث تصدعٌ هائلٌ في الذهنيةِ المشتركةِ والروحية الجماعية التعاضديةِ بين المسلمين فكأن زلزالاً إجتماعياً قد حدث، ولم تسمحْ أدواتُ الوعي المتوفرةِ لمثقفي المسلمين حينذاك أن يفهموا الانقلابَ الاجتماعي السياسي، والذي حاربوه ولكنه سيطر عليهم.

لقد صارعوه من خلال العناصر الفكرية المتاحة لزمنهم، كفكرةِ القدر ونقضها، لكن الانقلابَ الاجتماعي إنتصر وساد التاريخ.

إن قوة فكرة التوحيد، والأشكال العبادية والتنظيمات الدينية المصاحبة لها، وأدوات القسر الحكومية، قد جعلت هذه القبائل والأقوام والأمم تتحد وتعيش في كيان سياسي واحد هائل.

إن قوة التوحيد لم يدخل فيها التنوعُ الديمقراطي، وقوى القسر والإستغلال هيمنت بقوة على هذا التوحد السياسي، وعلينا أن نرى أن القرون الثلاثة الأولى من الإسلام ظهرت فيها قوى الصراع الطبقي بقوى هائلة، لكن لم تنعكس على الكيانات التوحيدية، فلم تظهر المذاهب – الطوائف إلا كعناصر فكرية مستقلة، ولم تتحول الأفكارُ إلى طوائفَ مغلقةٍ بعد، والسبب أن فكرة التوحيد كانت جبارة مسيطرة، وبدايات المذاهب كانت فيها تعددية وقبول بالآخر المخلتف، وأُعتبرتْ أقوال الأئمة الفقهاء كآراء غيرِ ملزمةٍ وإجتهادات قابلة للأخذ والرد، فكان الشكلُ السياسي الإمبراطوري صامداً للزمن.

كانت عواملُ التحلل تشتغل بقوة هي الأخرى، فالوعي الديني لم يزلْ متجوهراً على ذاته، والتراكمات تتجه لبلورة كيانات مغلقة شمولية داخلها، فالاجتهاد يقلُّ مع الزمن، وفصل الوعي الديني عن الفلسفة وعن التاريخ الاجتماعي يجري ويغدو الوعي الديني جوهراً لا تاريخياً إلا في نصوصه المغلقة،  والسلطات تحيلُ الأفكارَ الدينيةَ والمحاكمَ إلى قوى ملحقة بها.

ومن هنا مع الانهيارِ المتدرجِ للشكل السياسي الإمبراطوري وعبر النخر العميق فيه، أخذت المذاهبُ صيغها المغلقة، التي يعبرُ كلُ واحدٍ منها عن كونهِ الإسلام مطلقاً، فتكونتْ تدريجياً الطوائف.

كانت طائفة مثل الخوارج تتعبرُ نفسها كياناً أصيلاً معبراً عن جوهر الخلافة الأولى، لكنها تحللتْ منها عبر شموليتها الحادة ورفضها لأي تنوع أو مرونة سياسية، وغدت كيانات صحراوية باترةً للاختلاف والبشر.

وفعلت المذاهبُ ذاتَ الأمر في الكيانات المدنية بشكل أطول وأقل حدة لكن عكست النتيجة نفسها، ففقدتْ الإختلافَ الداخلي الديمقراطي، وفي نهاية المطاف غدت تلوكُ أفكارَها السطحيةَ المتيبسة بفعل فقدان مياه التفكير المتعدد ونسغ الحياة المختلف الذي يجري كل يوم.

إن مصالحَ القبائل والأقوامِ والأمم والطبقات في الشكل الإمبراطوري لم تُؤخذ بعين الإعتبار من قبل مراكز الحكم، وكانت الدوائر الفكرية الدينية قد تكلست وتقوقعت، ولم تعد قادرة على إنتاج الجديد، نظراً لأن المقومات المنهجية التي أعتمدت عليها هي منهجيات قطع عن الأبنية الاجتماعية وعن تحليلها ومتابعة تحولاتها، فامتنعت قدرتها على التغيير، وإنعكس ذلك على الأبنية السياسية فمن إمبراطورية واحدة ظهرت عشرات الممالك والأقاليم والمناطق المستقلة.

حدث التكلس الكلي، ولم يعد الجديد ممكناً من الداخل، لكن الجديد ظهر في مناطق بشرية أخرى، وجاء وضرب الكيانات العديدة المتجوهرة حول ذواتها، وقيل أنها صدمة الحضارة الجديدة، ولكن هل نفذت إلى الداخل؟

المسألة صعبة وطويلة.

شكلتْ صدمةُ الحضارةِ الحديثة دوائرَ تحولية صغيرة تجاه الأجسام الاجتماعية المحافظة المهيمنة.

فكانت التياراتُ الجديدةُ المستوحاةُ هي أبنيةٌ صغيرةٌ على ضفافِ تلك الأجسام، التي تكونتْ لقرون وكانت هي ذاتها من أثرِ قرونٍ سابقة.

إذن سادت أفكارُ الوعي الطائفي خلال القرن العشرين بأكمله، حيث المذهبيةُ كيان إجتماعي سياسي قائم على سيطرات إجتماعية تقليدية في الإنتاج ونظُم الحكم، وتغدو الأفكارُ الداعيةُ للتغييرِ القادمةُ من الغرب مجردَ ذراتٍ أمامَ بحرٍ مالح هائل، وحين تدخلُ فيه تتحولُ مثله.

الأفكارُ التحديثيةُ في الفترة النهضوية الأولى كالوفدية المصرية القائلة إنها ليبرالية، نجدُهَا تقولُ بالتعبير عن (الأمة) المصرية ولا تقولُ بأنها برجوازية تعبرُ عن طبقةٍ، فغدتْ بنيةً مغلقةً كلية كالمذهبيات، ونجدها أذ تعترفُ بالعمال تقومُ بإلحاق نقاباتهم بسيطرتها، فيما تقمع الحزب الاشتراكي المصري! وفي النهاية تغدو حزباً للملاكين الكبار من أصحاب الأملاك الزراعية وأصحاب الملايين.

فهيمنتُها على السلطةِ المنتخبةِ نفسِها تحولُها إلى دكتاتورية، بدلاً من نشر الديمقراطية في البناء الاجتماعي، ومع هذا كان الوفدُ أفضلَ من غيره! وغدت النسخُ تكررُ ذاتها.

وبهذا قامت الأحزابُ الكليةُ من مواقع شتى، من موقعِ الشعب أو الأمة، حيث الحزب هو التعبير عن الأمة، أو معبر عن البروليتاريا وتؤسسهُ البرجوازيةُ الصغيرةُ لتقيمَ دكتاتوريةً كلية. والقوميةُ تعبيرٌ كلي آخر عن الأمة وتقيم ذات الدكتاتورية فلا تجعل الشعبَ يتطور ديمقراطياً، وبهذا كله فإن هذه الكليات المتأثرة بالغرب الديمقراطي، لم تستطع أن تكون لا من الغرب ولا من الشرق. هذه الهجانةُ مؤسسة ظلتْ على هامش التكوينات الدينية المحافظة المسيطرة على المجتمعات الإسلامية. وبعد أن إهترأت من القمع والسيطرة على الحكم ومن الحروب لم تعدْ قادرةً على فعلِ شيءٍ رغم سيول التحولات والأحداث.

وإستعادتْ الجماعاتُ الدينية الكلية في عالم ديمقراطي بعد هذا الإنكماش التحديثي والهزيمة لليسار والبرجوازية التحديثية غير المتعاونين واللذين خسرا مكانتيهما بسبب هذا الإلغاء المتبادل بينهما.

علينا هنا أن نتذكر هزيمة التحالف الطبقي بين الأغنياء المتوسطين والفقراء والعبيد بعد الثورة الإسلامية التأسيسية، وكيف خسر الجانبان، بسبب غياب التنظيمات الديمقراطية المتنوعة المتعاونة بينهما!

وكيف إستعاد البناءُ الاجتماعي العتيقُ المحافظ الموروث من الجاهلية وما قبلها سيادته على العرب والمسلمين باسم الإسلام.

علينا أن نقرأ التعاقب الدوري كذلك بعد هزيمة القرامطة والخوارج والإسماعيلية بعد الخطابات الحادة لهذه الفرق وعدم إنجازها أي تحول في حياة  العاملين والنساء والثقافة العلمية وعودة المحافظين مرةً أخرى ليبقوا قروناً طويلة ويسلموا المسلمين مادةَ نهب للاستعمار الحديث.

إنها تعاقبيةٌ مستمرةٌ بسبب عدم قيام القوى المحوّلة للواقع بإستخدام المفاهيم الديمقراطية والعقلانية، والخروج من عالم الطوائف إلى وعي الطبقات، وبقاء تحولاتها قشورية على السطح والسماح بعودة نفس المفاهيم العشائرية القبلية الطائفية وإلباسها لأجسادٍ ديكوريةٍ(تحديثية).

الآن لدينا القوى الطائفية تقول بأنها ديمقراطية وحديثة! تريد أن تخدعنا بعد أكثر من ألف سنة. وتريد المحافظة على ركائز الإقطاع الاجتماعي المذهبي: تخلف النساء وعدم مساواتهن بالرجال، وقمع العقول، وغياب المساواة أمام القانون، ورفض فصل الدين عن السياسة!

في هذا الزمان الراهن حدث تكرار لبعض مظاهر الماضي،  وصعدت شموليات عتيقة باطنية ورفضت الديمقراطية داخل البيوت ومع النساء والثقافة والأطفال والعقول والدين والسياسة، لكي تقتنص الحكم والمكاسب من خلال البرلمانات.

يحدث الآن الاختطاف السياسي المتسرع بدون تأثيث ديمقراطي عميق، بدون أن تكون قوى الطبقات والفئات كالعمال والنساء والمثقفين والبرجوازية الوطنية قد أسست نقاباتها ومصالحها ومعارفها وجذورها في الواقع، وتلعب قوى التطرف من اليسار أو اليمين كأدوات للإختطافات المتعددة، وعبر مصالح دول شمولية مهيمنة كذلك، ولهذا فإن البناء الديمقراطي الجديد ينبغي أن يرى كل لوحات التاريخ العربي الإسلامي السابقة، وأهمية تفكيك الشموليات الاجتماعية الراسخة من أجل أن تأتي البرلمانات ثماراً تتوج دور القواعد الشعبية العميق في مختلف الُبنى العربية والإسلامية، وأن لا تكرر الحقبةُ الراهنةُ دوراتَ التاريخ المغلقة.

 

 

عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏: روح بحرينية

في شخصية الكاتب البحريني الراحل عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏أكثر من عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏، فهو كاتب قصة، وروائي، وله اهتمام بالسينما والمسرح، والفكر، والنقد . . وبهذا التوصيف نكون قد خسرنا كاتباً هو صاحب رؤية ثقافية فكرية وأدبية على درجة كبيرة من الثراء المعرفي الذي تحتاجه الثقافة العربية خصوصاً في الوقت الحاضر .
عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏ينتمي إلى جيل من الكتاب عقدوا مع أنفسهم ميثاق الوفاء للكتابة والانتماء الكلي إليها، فهو كان يكتب في الصحافة اليومية، وما من دورية ثقافية عربية متخصصة إلا واغتنت بأفكاره وطروحاته الجريئة.
أرضية عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏أرضية سردية في الأصل، أنجز مجموعة من الروايات والمجاميع القصصية التي تحمل روحاً إنسانية شفافة، وفي هذه الأعمال (رواية وقصة) كان أميناً إلى بيئته (البحرين والخليج عموماً) ومحباً لإنسان بيئته ومنحازاً إلى أشواقه وتطلعاته وأحلامه، وربما من هذه الزاوية توجه خليفة إلى الفكر والنقد بجرأة ثقافية نادرة، فلم يكن يخاف من رأيه، كما لم يكن يخشى الرأي الآخر، بل، هو مساجل ومُحاور عنيد يدافع عن رأيه ويحترم الرأي الآخر، لكنه لم يكن ليسمح بأن يختطفه أحد من كينونته الفكرية الأمر الذي جرّ عليه غضب فئات متعصبة لا تعرف قوة فكرية سجالية، بل ديدنها التكفير والتخوين، غير أن كل ذلك لم يُجْهِدْ عزمه الثقافي والفكري، وبقي واضحاً كالشمس.
استفاد عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏من التاريخ بإسقاطات معاصرة في بعض أعماله الروائية، ومرة ثانية نحن أمام نموذج أدبي جريء يحضر في التاريخ وفي التراث. وفي الفكر.
وبهذا المعنى يعتبر عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏صاحب مشروع أدبي بحثي فكري واظب عليه بأمانة، ونشير هنا إلى النسيج السياسي المهم في شخصيته وعلى نحو مبكر. غير أن أمانته لمشروعه الأدبي والفكري أبعدت عنه الغرق في استحقاقات السياسة التي، عادة، ما تختطف الكاتب ومشروعه وجوهره، فقد بقي يكتب ويبحث ويسترسل في سياقه الثقافي بغزارة لافتة وفي نوع من الشغف اليومي بالكتابة.
رحيل عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏ليس خسارة للوسط الثقافي البحريني فقط، بل وخسارة للوسط الثقافي الإماراتي، فهو كان دائم التردد على الإمارات مشاركاً في تفاصيل النتاج الثقافي الإماراتي قراءة ومتابعة ومشاركة، وهكذا أتيح لكاتب هذه السطور أن يعرفه عن قرب، ومن الواجب الأخلاقي أن نشير إلى خلق الرجل ودماثته ورقته الإنسانية المحبوبة، وكما هو إنساني في قصصه ورواياته هو أيضاً إنساني في حياته، وتشرق روحه بالصداقة والألفة الحميمة التي يُعرف بها البحرينيون عموماً، وتتجلى هذه الحميمية في استقبالهم الإنساني العميق لأخوة الحياة والكتابة والجمال.
عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏رحل في قمة عطائه وتوهجه بعد أن أجبره جسده على العزلة، لكن إرثه الأدبي والفكري والإنساني لن يعرف العزلة أبداً. إنه حي في الشمس وفي الهواء الطلق، وفي الأرواح التي تعرف جيداً معنى المحبة والجمال.
يوسف أبولوز
شاعر من فلسطين

قناةُ الجزيرةِ وتزييفُ الوعي العربي

دولةُ قطر لم يكن فيها شيء هام في تاريخها سوى هجرة قبائل وهابية إليها قبل عقود طويلة من إكتشاف النفط، فقامت الأسرةُ الحاكمةُ بتجميد حياة الأهالي ومنعهم من شتى أنواع الحريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فغدت قطر حتى الخمسينيات من أكثر دول الخليج تخلفاً.
تدفق النفطُ وإرتفع مستوى المعيشة ولكن أميرُ قطر السابق إستمر في الهيمنةِ المحافظة على البلد ولم تقدم القبائل أية إمكانية للتطور الاجتماعي الداخلي، بعد تلك العقود الطويلة من غياب المدن والفئات الوسطى والثقافة بأبسط أشكالها.
ووجود البحرين الأصغر منها قربها كان يشكلُ حالةً غريبة من التباين الواسع، فالبحرين ازدهرت إقتصادياً وإجتماعياً وسياسياً وثقافياً مما شكلَّ غيرةً عميقة لدى الجارة وكذلك لعبتْ النزاعاتُ القديمة دوراً في تأجيج تلك الغيرة، ومما يُروى بأنه بعد تدفق النفط وخاصة الغاز المفجر للثروة والطموحات القطرية حاولت الإدارة القطرية تحريك الجو الثقافي الميت فبحثت عن كُتاب فلم تجد سوى واحد لكن أتضح إنه بحريني يعيش في قطر!
تدفق الثروة مع سكان قليلين محافظين لم تُترك لهم فرص في الانفتاح والتطور، وكانت الحياة التقليدية السابقة قد فرضتْ أجواءَ المحافظة الشديدة فلم يُقبل التغيير ولم توجد قوى إحتجاج أو تساؤل من فئات وسطى أو مثقفين أو متمردين!
ولهذا فإن الانقلاب على الأمير الأب وعزله ونفيه كان بمثابة مغامرة سياسية كبيرة، وكان بمثابة صدمة موجعة للتقاليد القبلية والحالة السياسية الأبوية في دول مجلس التعاون الخليجي!
هذا الزلزال الأسري لم يعبرْ عن ثورةٍ إجتماعية، ولم يكن على طريقة السلطان قابوس في التغيير التدريجي، فكان بمثابة مغامرة فردية لم تملك أية أسس حضارية وتقاليد تغيير وديمقراطية، فكانت لعبة وإستعراضاً فردياً ورغبة جامحة في الظهور ولو على حساب الأب شبه المفجوع المُطارد!
فحتى تشكيل أنساق ديمقراطية جنينية أسرية تبررُ هذا التغيير لم تحدث، وحتى الصبر على النمو الحضاري الحذر لم تحدث وجرى أول إنقلاب في الخليج من قبل الابن على الأب!
المغامرةُ التي حدثتْ وتغيرتْ فيها السلطةُ القطرية لم تأت بتحولٍ نوعي في الدولة التي تفتقدُ إلى الإمكانيات الفكرية والثقافية المهمة إلا من بعض الإبداعات الشخصية لنفر حفر بنفسه في الصخور والرمال غير الغازية بدون مساعدة من أحد!
إن الإمكانيات المادية الهائلة التي نتجت من إنتاج الغاز الذي تفجر بوفرة جعلت من الطاقم السياسي الحاكم يبحث عن طريقة للبروز في عالم الشهرة السياسية الساطعة في المنطقة!
وقد كان إنقلابه وعدم تجذره القبلي المتعقل يجعله فريسة للمغامرات وحب العروض والشهرة والسطوع في المنطقة خاصة إنه أمتلك الثروة النفطية الغازية، لكن كيف يحققُ حلمه وحالةَ الاستعراض الكبرى العربية وربما حتى الكونية وهو في صحراء مجدبة من المواهب؟ ولم يكن هناك سوى التزمت الديني السني المتشدد، ولم يوجد سوى تدخين الحشيش والمخدرات تسلية للشباب، حتى غدت حتى الدوائر الحكومية مخدرة!
وكانت جماعة الأخوان المسلمين هي الوحيدة المسموح لها بالتنفس في ذلك الجو الاجتماعي الخانق التي تزيدُ السيطرةَ عليه وتبررُ بلادته ومحرماته الكثيرة.
القبائل الوهابية من جهة والإنقلابيون الحكام المبهورون بذواتهم المتضخمة المنفوخة بغازات نفطية ملأت بشوتهم التي كانت قبل فترة وجيزة مليئة بأتربة الصحراء، إلى درجة البالونات والمناطيد الهائلة التي إرتفعت فوق شبه الجزيرة القطرية ثم فوق المنطقة!
جسمان متعارضان كل منهما لا يتماشى مع الآخر فظلا يعيشان كل منهما في عالم!
فكان لا بد من إستمرار تخدير القبائل بالمنح المالية والبيوت الواسعة والسيارات التي كلها زادتها جدباً في الإنتاج الثقافي!
لكن لا بد من الظهور للإدارة ذات العروض، فلم تقبل تتحول من مثل بعض الدول الخليج التي ركزت على التطوير الثقافي أو التركيز على السياسة والثقافة وتقدم الشعب التدريجي،
فغدت الحالة القطرية حالة فصام بين إدارة تعيش في فضاء، وشعب يعيش في فضاء آخر.
عنصرا الـــ(show) والأخوان المسلمين كيف يلتحمان مع بعض؟
كيف تلتحم لحيةٌ كثةٌ ونصوصيةٌ تقليدية محنطةٌ في عروض تلفزيونية حديثة ومع نسوة متبرجات مغريات لزوم الأغراء في العروض المشوقة؟!
كان عنصر التركيب؛ عنصر لحم هذين المركبين المختلفين، هو في عنصرٍ ثالث هو عنصر الأمبريالية الثقافية البريطانية ذات التاريخ الطويل في العروض الإذاعية والتلفزيونية، (الموضوعية شكلاً المؤدلجة مضموناً) والتي لديها خبرة في كيفية صياغة الخداع والأكاذيب وأنصاف الحقائق، وإعداد المواد حسب سياسة المسيطر السياسي.
إذن كل شيء سوف يخضع لعنصر العرض المبهر المشوق وإستغلال المادة الخبرية حسب المنظور الإيديولوجي للمرحلة المحافظة الأخوانية وجذب الناس إليها عبر تطعيم بعض الحقائق بذلك العرض المؤدلج الخاص، الذي يبث الوعي المحافظ الديني اليميني ويحقق العلو لإدارة البلد ويدخلها في السياسة المناطقية والعربية والعالمية، بدون أن تحتاج لشعب متطور ومثقفين كبار، فالمذيعون والفنيون كثيرون يمكن جلبهم عبر نفس الشبكات الأخوانية والإعلامية الجاسوسية البريطانية والعربية.
قامت الأسرةُ الحاكمةُ في قطر بإنقلابها على الأبِ المؤسس بإلغاء أبسط العادات الإسلامية حيث ينصُ القرآنُ على توقير الأب والأم وعدم قول الأف لهما، وهذا يعني إعتماد الإصلاح المتدرج وتطوير الحياةِ الأسرية والأوطان بشكلٍ عقلاني.
فبعد طعن الأسرة يحلُ كلُ شيء، وتُستباح المحرمات، وتتحللُ الجماعةُ المغامرةُ من الأخلاق، وتبيحُ أي شيء من مغامرات سياسية ومن تلاعب بالأموال العامة وتُدخلُ دولَ الخليج في علاقاتٍ خطرة مع أنظمةٍ وجماعات شمولية إرهابية، وتصيرُ مصلحةُ هذه الجماعة فوق أي عرف وأخلاق وأسس عقلانية وديمقراطية!
وحين تعلمنا المحطةُ بأخلاقِ الإسلام كل يوم يجب أن تعلمَ نفسَها أولاً وتعلمَ الأسرةَ الحاكمة فيها التي إستباحتْ كلَ شيء! أما الساكتون من (علماء الإسلام) على ذلك فهؤلاء من نفس العينة فهم خدم السلاطين المراهقين هذه المرة.
إذن تأسست قناةُ الجزيرة على أسسٍ إيديولوجية إنتهازية مائعة مع غياب نظرة ديمقراطية نابعة من القوى المحلية الوطنية، مثل طبيعة السلطة التي تكونت في قطر حيث الفردية، غير المتجذرة في نمو حضاري ديمقراطي نابع من فئات عليا وسطى تنامت في المجتمع وفرضت مقاييسها التحديثية.
أي أن ظهورها كنخبة فردية متحللة من قوى تقليدية مؤثرة أو شعبية أتاح لها أن تتحرك وسط خيارات دينية محافظة وقومية مضمرة بشكل إنتهازي مغامر قوي، فغدا صعودها بأي طريقة متحللة من الأخلاق والمبادئ ومدعية بها كذلك!
هي ثوريةٌ كاذبةٌ لكن تحاول لصق نفسها بالثورية دون أن تنجح في ذلك للأسباب الموضوعية المذكورة سابقاً، نظراً للمنحى الديني المحافظ القائم على سلطة قبلية سيطرت على موارد دولة غنية بالنفط والغاز، وتحكمت في كيفية توزيع هذه الثروة، دون أن تدخل نفسها في تحويل بلدان الخليج العربية بشكل تنموي نهضوي وديمقراطي مشترك.
من هنا تتشكل سياسة العروض والرغبة في الإبهار ومتابعة الأحداث الساخنة دون موقف نضالي حقيقي، مثل إستخدام الأسماء الكبيرة في الفقه والصحافة القومية، فالنجومية ضرورية وهي تعني القدرة البترولية الغازية على شراءِ الذممِ والأسماء وأدلجتها لصالحِ سياسة العروض.
إن الارتكاز على شخصيتين مثل الشيخ يوسف القرضاوي والأستاذ محمد حسنين هيكل، هو شكلٌ لتلك العروضية المؤدلجة الإبهارية دون مضمون كفاحي حقيقي.
فهو إستخدام لشخصياتٍ توقفتْ عن الحفر الديمقراطي الحديث سواءً في الإسلام أو في القومية العربية، فالشيخ القرضاوي يقدمُ آراءً فقيهةً جزئيةً مطلية ببعض الحداثة، لا تجعله مجدداً وذا حَفرٍ عميق في الفقه والتراث الإسلاميين، فهو يكرسُ المذهبيةَ السنية المحافظة، مرتداً حتى عن مؤسسي التنوير الإسلامي كالأفغاني ومحمد عبده، وليست له علاقة بالتجديدات الجارية بقوة في عمليات التجديد في الوعي الإسلامي، يشتغل مثل المحطة لتصعيد قوى الأخوان والشركات المالية الدينية للهيمنة على العالم العربي.
لقد تخثرَ فقيهاً ونظرياً، وهو ما يؤسسهُ عيشهُ في بلدٍ محافظ كقطر، مؤسس لوعي أخواني تقليدي يتحرك للسيطرة على العالم العربي، فلم يعارك حتى التحولات الفكرية والاجتماعية في مصر منبع هذا الشكل الوسطى المتذبذب من الوعي المذهبي المرتبط بفقهِ الإقطاع، وليس بفقهِ الثورةِ الإسلامية المؤسِّسة.
وهذا بسبب العمل مع دولة إقطاعية المضمون مشكلةً لرأسماليةِ دولةٍ شمولية مستغلةٍ لثروة ضخمة بشكل إستبدادي وربطت نفسها بسياسة المغامرات للدول الشمولية والجماعات الأرهابية .
فهنا تتحول التجديدات الثانوية الفقهية للشيخ إلى عرقلة لتطور المسلمين المحتاجين لثورة فكرية ديمقراطية تنأى بالاستخدام المذهبي الذكوري المتسلط للدين، وتخلق مقاربة بينهم وبين الرأسمالية الديمقراطية العالمية في أقل إحتمالاتها الممكنة في المنطقة الخليجية العربية وتعمل على توجيه الثروة والثورة للتغيير العربي الإسلامي التوحيدي. وهذا ما يفعله راهناً بدعوة الناخبين في مصر(يوم21 نوفمبر 2011) بعدم إنتخاب من يشرب الخمرة لأنه فاسق حسب رأيه وهو حكمٌ خطيرٌ يتناقضُ مع قوله بضرورة إنتخاب الأكفأ، وهل يؤدي شرب البيرة إلى تعطيل العقل والفساد السياسي كما تفعل أنت في عاصمة المغامرة؟ ألا يعطل عقلك الديني ما تأخذهُ من أسرةٍ حاكمةٍ لها هذا التاريخ غير المشرف المغامر الخطير على نضال المسلمين ووحدتهم؟!
هذا نموذجٌ لرفعِ الحكم الفقهي الشكلي إلى مصافِ القانون المقدس، وترك التوجيه المقدس في القرآن عن العائلة!
إن تغييبَ الشيخ للمنحى الثوري التأسيسي في الإسلام هو مواكبةٌ إيديولوجيةٌ للإقطاع الحاكم في قطر، مثله مثل تغييب هيكل لمنحى التجديدات الديمقراطية في القومية، فهو قد قام بتحويل عمل المناضل الرئيس جمال عبدالناصر إلى أسطورة أخرى مثلما عمل القرضاوي بتحويلِ الثورة المحمدية إلى أسطورةٍ وهي حراكٌ تاريخي محددٌ له جوانبه الايجابية والسلبية، بدلاً من أن يقوما بدرسِ أسبابِ الثورتين الاجتماعية وصراع الطبقات فيهما، بتجمدِ الديمقراطية في الثورة الأولى وتحولها إلى إقطاع سياسي، وعجز الناصرية عن التحولِ إلى الديمقراطية نظراً لهيمنة رأسمالية الدولة الشمولية مثل الحالة في قطر التي تخلقُ ثورةً زائفةً باسم الثورة الحقيقية التي ترفض الولوج في أولياتها وتترك مراقبة الثروة للشعب عبر برلمانٍ منتخبٍ بل تقوم بتوزع الثروة على الإعلاميين المُضِّللين وفئات النفاق والاستغلال المختلفة.
إن خطابات الضيفين الدائمين على الجزيرة الفضائية السَابقي الذكر نموذجين لتجميد الأفكار الثرة للإسلام والقومية وتحنيطها في أشكالٍ متيبسة، لا تقتحمُ الواقعَ، أو الأوضاع العربية المتفجرة، فتضيئها، وترشد خطواتها وتخلق عقلانية في نضالها، بل تقدم فقهاً ووعياً لما يشتيه السلطانُ الشمولي العابثُ بالأموال العامة ومصير العرب والمسلمين!
ومن هنا فتاريخ القرضاوي الأخواني المضاد للناصرية، وتاريخ هيكل المضاد للأخوان، يمكن أن يتلقيا في برامج منفصلة، وكل منهما يبثُ خطابَه بدون إغتناء مشترك، وبدون تجاوز لخطابات شمولية غدت متحجرةً متصحرةً، في عالمٍ يغلي بالتحولات، لأنهما تيبسا عن المضامين الحية للواقع المضاد للعالم الإقطاعي المحافظ المؤسَّس في الإسلام والمؤسَّس في القومية العسكرية الشمولية معاً!
نحن نأخذُ الشيخَ والأستاذَ في التلفزةِ المؤدلجةِ الجزيرية، كجزءٍ من عروضٍ واسعة، يُقصد بها جذب المشاهد والتعكز على الأسماء ثم تسريب مضامين سياسية عبر موادٍ أخرى مضللةٍ هادفةٍ لترسيخ وعي معين، ونشر سياسات خطيرة مضادة لتطور الأمة العربية والمسلمين، علينا متابعة ظهوره وتشكله.
نظراً للخطِ السطحي المذهبي السياسي اليميني الذي نشأتْ به فضائيةُ الجزيرة فإن الموادَ الطافحةَ المثيرة التي ظهرتْ في السنوات الأولى لعمرِها كانت القاعدة وبن لادن وصدام حسين وغزو العراق وغيرها من المواد التي هي بذاتها عروض.
زمنية بن لادن تحدد المنحى الأولي للجزيرة وطاقمها ومستواهم الإعلامي وقدرتهم الفكرية.
إن زمنيةَ صعود بن لادن تتماشى مع الوهابية العريقة في السعودية وقطر، فهي الشكل الجامد الإقطاعي البدوي للاختلاف مع البشر ومع المسلمين أو ضدهم.
هي المعاندة الطفولية للاستعمار، الناتجة من تغلغل الحنبلية في الجزيرة العربية وزيادة جمودها وتصحرها، وتحولها لعصابات ذبح وسرقة وإعتقال للمسلمين في أزمنةٍ سابقة، ثم تدفقت الثروةُ على بعضِ أصحابِها فحولوا الثروة لثورة إرهاب أو عروض إعلامية مبهرة زائفة تشترك في ذبح البشر أو السكوت على إيديولوجية الذبح!
إلتقاء الشكلين من العروض السياسية والإعلامية والإرهابية هو نتاجٌ لذاتِ المذهبية الشكلانية إسلامياً، التي تتحولُ في يد شيوخِ سلطةٍ وشيوخِ دينٍ إلى دكتاتورية سياسية سلمية أو عنيفة، كلٌ في موقعه!
الجانبان هنا يأخذان المذهبَ المحافظ وقد تحول إلى هيمنة طبقية إستغلالية غير ديمقراطية وينتقيان ما شاء لهما الهوى السياسي، أحدهم يحولهُ إلى هجوم بالطائرات على البرجين والثاني يعرض ويبهرُ بهذا الأجرام وينشرهُ في كل مكان!
لم يقم الطاقمُ الإعلامي بدرسٍ مسبقٍ طويل للظاهرات الاجتماعية والسياسية في الإسلام المعاصر، خاصة تاريخ الحنبلية وعلاقاتها بالوهابية، وكيف جاءت وكيف حدث التجميد لتطور الإسلام في العصر الوسيط ولتطور القبائل في الجزيرة العربية وأين ذهبت مداخيل النفط عن تغيير الحياة التقليدية العنفية لهؤلاء!
ولهذا يعمم هذه الصورة الإرهابية الدموية للإسلام كصورة بطولية!
إن الوعي الأخواني المشكل بتسطحٍ لرؤيةِ الإسلام بعينٍ يمينية إستغلالية إنتهازية كليلة النظر سوف يفصل بين ظاهرة بن لادن والواقع المحافظ للجزيرة العربية وأنظمتها الاقطاعية المسيطرة على الثروة النفطية وبين المغامرات الإرهابية لبن لادن.
وسيكون لقاء بن لادن المقاول الاقتصادي النفطي والظواهري المتعلم المصري غير مدروس كلقاء فئات إستغلالية ثرية في الجزيرة العربية للمثقفين والمتعلمين الدينيين والسياسيين العرب وإستخدامهم للأدلجة العصابية المذهبية والقومية، في مرحلةِ التأسيس للخطاب الأخواني بشكله الدموي حينذاك وللخطاب القومي المتجمد بشكله المستمر.
إن المقدم المنبهر بعروضه والقادم من الأخوانية الفلسطينية أو المصرية هو نفسه يدخلُ حمامَ الدم كجزء من نضال قوي، نافخاً في شخصية بن لادن محولاً إياه لبطل خارق، ورمز إسلامي، ويستحيل عليه تقديم قراءات عقلانية لمثل هذه الظواهر، ويتابع كمؤلفِ أرسين لوبين الأحداثَ البوليسية السياسية مفصولة عن المذابح وحمامات الدم التي تجري للبشر، ومن هنا تغدو هروبية بن لادن وإختفائه في إفغانستان واللجؤ إلى الكهوف لا تثير فيه أي شيء من تاريخ الفرق الدينية الإرهابية كالخوارج التي نبذت المدنيةَ والسلم والديمقراطية والحضارة، فلا يستطيع أن يفهم هذا كتحللٍ لجماعات دينية خرجت من الحياة المدنية الحديثة، ومن الطبيعة البشرية، لعالم الحيوان، بل يعرض ذلك كبطولاتٍ ويتابعها في جبال قندهار ورسائل بن لادن المفخخة للبشرية، مشدوهاً مذهولاً(لعظمة هذه البطولات)!
إن الأخواني وقد أُلتقط من حارات مصر الفقيرة أو من غزة يتم ذلك بمستويات عدة لابناء الفئات الوسطى المتجمدة فكرياً وسياسياً، فيتم إغراقه في غاز قطر، وسواء كان ذلك على مستوى شيخ هام كالقرضاوي أو على مستوى كاتب كبير كهيكل أو كمذيع مثل أحمد منصور، أو مثل الظواهري الذي يُحال على الخدمة الحربية في إفغانستان، هم أفراد من فئات وسطى تاهت عن طبقتها البرجوازية، التي لم تستطع أن تقوم بمهمتها النضالية الديمقراطية في بلدها وتؤسس الحداثة، تحليلاً للإسلام بتوجيهه نحو الديمقراطية، أو بتعرية القومية كدكتاتورية، أو كنقدٍ ضد ذروة التدهور عبر الظواهري الذي يصير إرهابياً وخارجاً كلياً من المدنية.
إن الجزيرةَ تغرقُهم بالغازِ الإعلامي المالي، لإنتاجٍ خطابات متطرفة حماسية تجذبُ وتخدعُ الجمهور، ويخطفُ الأضواءَ بطلُ المرحلة بن لادن، الممثل لعجز تلك الفئات عن النضال الديمقراطي الحاسم في بلدانهم، فيتحول على العكس إلى ضرباتٍ كارثية في بلدان العرب والمسلمين، وسلخ لشعوبهم وسرقات لثرواتهم البترولية!
ولكن مقدم (الشو) منبهرٌ ويحولُ هذه الكوارثَ إلى عروضٍ جديدة!
إن المضمون المفقود هو جزءٌ من وعي المسئولين القطريين العاجز عن فهم الديمقراطية وعن تصعيد فئات وسطى متحضرة في بلدهم، فلا يستطيع أن يعرض بالنقد الإعلامي وبالشرح الفكري هذه الظواهر المتداخلة وأسبابها العميقة، ولهذا يظهر بن لادن في الجزيرة كبطلٍ عالمي وليس كظاهرةٍ تدميرية!
تزدادُ العروض الأمريكية في منطقة العالم العربي الإسلامي المتداخلة، وهو ما يؤسسُ مواسمَ طافحةً بالنشاط الدموي أو بالإعلام الجزيري المخضب كذلك من هذه النافورات المتدفقة بالجثثِ والمدنِ المحترقة والسياراتِ المفخخة ونشر رياح الأشلاء ومن ثم الشعوب المهاجرة ومن ثم أخيراً الشعوب الثائرة!
البطل الصحراوي المطرود للكهوف يخلي المكان للبطل المدني الذي لم يتأثر بالمدنية وظل مجرماً.
صدام حسين والجزيرة الفضائية لحظة أخرى من غياب الدرس والبحث والتنوير وتسييد اللوثة القومية هذه المرة بدلاً من اللوثة الدينية، وفي اللوثتين منحى الجزيرة التسطيحي الغائر، حيث لم يقدر ضيفاهما المستمران من تحليل الإسلام أو تحليل القومية العربية وإنتاج مادة معرفية تنويرية إنسانية، فتكون مادةُ العرضِ هي ذاتها خاوية رغم الإبهار، ولكنها تجسد كذلك الإفلاس الفكري المتواري.
صدام وأمريكا، ثنائي معروض بإطلاق، مثل ثنائيات الوعي الديني القومي الشمولي، فهنا الحق وهناك الباطل، هنا النور وهناك الظلام، هنا العرب والإسلام والأخيار وهناك أمريكا والغرب والأشرار!
ورغم سحق صدام للعراق وشعبه، فهو يظل بطلاً في هذا الوعي الشمولي المسطح، ومن هنا فإن البطولات العربية الإسلامية غالباً ما تُؤخذ منتقاة من ظروفها الحقيقية وتداخلات التقدم والتخلف، ويُلغى الشريط الذي يحدد منابت رموز الدين الطبقية كقوى إستغلالية تطورية في فترة ما، ثم تتحول إلى أيقونات مقدسة تغدو أدوات للقوى الاستغلالية المتخلفة المفككة الممزقة لبلدان المسلمين والمواطنين عموماً، لكن الوعي الطائفي يُؤخذ كرأس الحربة في هذه العمليات.
إن صدام يُلحق بهذه الرمزية الدينية، فهو سوف يبني دولة عربية نهضوية كبرى ويحقق الانجازات كما فعل الأسلاف العظام! وتُستغل هنا كلمات الفتوح والعروبة والإسلام بتشنج عاطفي من أجل بلع شفرات الحلاقة المسمومة التي سوف تُدس في حناجر الناس.
في وعي محمد حسنين هيكل الشمولي يغدو الزعيمُ بؤرةً مركزيةً تقوم بلعب دور التحويل ولهذا فإن صدام العراق في تلك اللحظة المأساوية الكارثية في مسلسل الحقيقة يغدو قائد التصدي لأمريكا قائدة سحق العرب وتقزيم تطورهم القومي التوحدي، ولهذا فهو رغم مذابحه رجل المرحلة الذي لا يوجد رجل آخر مكانه يقوم بهذه المهام الجسام!
هنا تظهر وتتوالى العروضُ الفنيةُ المؤدلجةُ المتممة لهذا الهراء الفكري، فالزعيم يسبحُ في النهر بطلاً وينشرُ جيوشه ويطلق الصواريخ ويجتمع بالساسة وعلماء الدين والأدباء والمثقفين وكلهم يثني على دوره الخلاق التاريخي!
اللحظتان المؤدلجتان الفارغتان من أي وعي عربي إنساني ديمقراطي، وهما لحظة تأييد الدكتاتور، ولحظة التخلي عنه، تظهران تجاه القاعدة وبن لادن، وتجاه صدام حسين معاً.
الوجهان يعبران عن عدم الحفر الموضوعي في المادة السياسية، ففي اللحظة الأولى يتم التهويل للرمز الفردي، وربطه بمقدسات وعظمة الأمة التي هي بلا مراحل ولا طبقات، مجردة معممة متجوهرة حسب إيديولوجية الفئة الطائفية اليمينية صاحبة الرأسمال العولمي الطفيلي أي غير الصناعي والمنتج، فهنا الزعيم الطائفي الذي قاد بعض جماعاتها للكهوف والتخلف والهجمات الأجرامية الاستفزازية، أو الزعيم (القومي) الذي ذبح شعبه وتلاعب بتاريخه وسلمه جثة محروقة للغرب، يغدو رمزاً للأمة وإرادتها، وهي عملية نفخ سياسية دعائية لتحريك الجماعات المؤمنة بهذا الخط وغرزه في الجمهور وإستغلال عواطفه وربطه بهذه الجماعات لعملياتٍ سياسية راهنة وقادمة.
تصير العمليات التي تخرج من فضائية الجزيرة والعمليات التي تخرج من القاعدة الأمريكية الكبرى قرب الجزيرة في قطر نفسها، شكلين لفعلٍ واحد هو تزييف وعي الشعوب العربية والسيطرة عليها وتفتيتها طائفياً.
الغزو للعراق الذي تم بأدوات وعي أمبريالية أمريكية والذي كرسه النظام الدكتاتوري السابق المحبوب للجزيرة في اللحظة الأولى المدحية، تم هذا الغزو لتفكيك العراق وتصعيد القوى المحافظة الطائفية، ولم يشتغل على تكوين برجوازية نهضوية وطنية قائدة في أقل الخيارات المعقولة، وهذا الاشتغال الأمريكي حرباً تلاقى مع إشتغال الجزيرة دعاية وتضليلاً للعراقيين وبقية العرب.
مثلما لعب ذات الفعل على شخصية بن لادن وإفغانستان تضليلاً ثم تفكيكاً للمجتمع الإفغاني وتحطيم بنيته عبر خلق الصدامات بين القومية المذهبية البشتون وبقية القوميات، بين طالبان والحكومة (المركزية).
ومن هنا فإن الإيديولوجية السائدة تحريضاً في الجزيرة وهي الإدعاءات الثورية، هي مجرد لحظة أولى، تُعمم وترمز وتُجرد بدون تحليلات ملموسة معمقة للبُنى الاجتماعية المرصودة، وبدون إحداث مناقشات ديمقراطية حولها من أجل رؤية الطرق بتحولها الديمقراطي، وبتجميع كافة القوى الاجتماعية والتيارات على حلول توحيدية تطويرية.
وكان السودان نموذجاً آخر لهذا التصعيد الثوري الديني الزائف ثم تم عبره هدم السودان التدريجي عبر الانفصالات والحروب الأهلية.
ولهذا فإن لغة الطبول والاستعراض والمصادمات والتعريض والإدعاءات تستهدف تفجير العواطف وخلق حالات من الإثارة وعدم إعمال العقول وعدم تقارب القوى السياسية العربية الديمقراطية والتقدمية والدينية، ومن أجل نشر التنوير والديمقراطية الوطنية وبقاء الاستقلال.
وكذلك فإن صرف الأموال الهائلة على هذه العمليات الدعائية والسياسية يستهدف تصعيد هذه القوى الطائفية والرأسماليات الطفيلية وقوى الإقطاع الديني، وتوسيع نفوذ المؤسسات المالية القطرية والغربية وهدم القطاعات العامة المنتجة.
بين تأييد وشحن الجمهور العربي والمسلم بفظائع بن لادن وصدام حسين، وبين الترويجِ للثوراتِ العربية خيوطٌ مشركةٌ ولغةٌ إيديولوجية يمينية إنتهازية واحدة.
من يروج لذبح العرب والمسلمين وجرهم لمغامراتٍ خطيرة إجرامية وأنظمة إستبدادية وظلامية لا يمكن أن ينقلبُ بين برنامج وآخر إلى ديمقراطي وثوري!
إن اللغةَ السطحيةَ الراكبةَ فوق الموجات السياسية الطافحة وإستغلال عواطف الجماهير العفوية وتوجيه الأحداث لأغراضٍ ليست من جوهرها النضالي الديمقراطي وحرفها لغاياتٍ أخرى هي غايات القوى الطائفية اليمينية وإقتصاد الشركات المالية القطرية وعملائها، وسائلٌ هي ذات جوهر لم يتغير ولكن تغيرت المنطقة والمرحلة والظروف.
إن من روّجَ للقتلة في الجزيرة وللدكتاتوريين السفاحين هو ذاته من يروج للمناضلين من أجل الديمقراطية!
فلم تحدث أية مراكمات في الوعي ولم تطرح الجزيرة نقداً لظلاميتها ومواكباتها للفاشيتين الدينية والقومية، وبقى منهج الاستغلال النفعي، وركوب الموجات، وفصل الظواهر عن بعضها وعدم درس جذورِها وإستغلال المشاهدين والمشاركين في الأحداث، لتوجيه الأمور لغايات التنظيمات الطائفية.
لا علاقة للجزيرة والرأسمال الإقطاعي الغازي القطري بصراعات البُنى العربية والإسلامية حيث غرقت الرأسمالياتُ الحكومية بمصر وتونس وليبيا وسوريا والعراق والجزائر واليمن والبحرين وإيران وغيرها من البلدان العربية والإسلامية في أزمات إجتماعية عميقة، وغدا صعود الرأسماليات الخاصة التحديثية الديمقراطية وقوى العمال مسألة ملحة لإعادة تجديد البنى المسدودة الآفاق.
هي أزماتٌ بنيويةٌ تطالُ أشكالَ الرأسماليات الحكومية والرأسماليات الخاصة كذلك، لكنها تتمركز وتتعقد في هذا الشكل المتخلف من الرأسمالية في العالم الثالث نظراً لاحتكار السلطات وتجميد هياكل الإنتاج وإبقاء قطاعات سكانية كبيرة كالنساء والفلاحين والفئات الهامشية خارج الإنتاج الحديث.
ومثلما يحدث في إيران عبر تصدير أزمتها إلى الخارج تقوم قطر بذات الأمر، عبر تصدير أزمتها للخارج، وهي أزمة مختلفة عن إيران وبقية الدول، فهنا أزمة قيادة تبحث عن دور نجومي لا تقوم به في بلدها، ولديها تراكمات من فوائض نفطية تريد تحريكها في المنطقة والعالم، وشراء شركات حكومية وخاصة في الدول العربية والأوربية.
إنها أزمة المراهقة السياسية وهي تتجلى في الأسرة الحاكمة أولاً بالقفز على الشرعية، والقفز على دول الخليج المحافظة التي تتطور بشكل بطيء ومتدرج وهي لا تختلف عن نموذج الرأسماليات الحكومية الجامدة والفاسدة نفسه، ومن هنا تنفتح علاقات المغامرة لبعض أفراد الأسرة الحاكمة القطرية على كافة الصعد، بقيام علاقات مع دولٍ مغامرة وإحتلالٍ كإسرائيل وإيران.
فهي سياسةٌ لا ترتكزُ على قوى تحديثية وطنية، بل تهمش حتى الشخصيات الثقافية النادرة في قطر، ومن هنا فإنها لم تستطع أن تقدم نموذجاً ديمقراطياً داخلياً بالسماح بنمو فئات حرة لكون هذه القوى سوف تحد من التفرد المطلق للشخوص القليلة المتفردة في الأسرة الحاكمة.
ولهذا فإن النموذج المغامر يعرض الشعب القطري نفسه للعزلة عن محيطه والتضاد معه، كخفوت المشروعات المشتركة، ولا تختلف ظروف القطريين عن الليبييين في نظام المقبور القذافي، ولا تمتاز البنية الاقتصادية والسكانية والخدماتية بمميزات متفوقة بأي شكل من الأشكال، في دولة خصصت نفسها للعروض السياسية الرياضية، كإحتضان كأس العالم مع دفع الرشاوي الطائلة في ذلك.
ومن هنا تتجاهل القناةُ بشكلٍ فظٍ مشكلات الشعب القطري وكأنها تبثُ من مكانٍ آخر، كما ترفض الاستعانة بالمثقفين القطريين الشباب الواعدين في هذه الفترة، فتعيش قطر حالة ليبية مشابهة لزمنية العقيد المغرور، وثلته هي نفسها هنا، لكن بدون دم ومجازر هنا إلى حين.
ولهذا فإن الطبيعة المغامرة لسياسة القناة تنتقلُ للمناخ المحلي وتسممهُ، وتحرضُ القطريين بشكلٍ غيرِ مباشر على القيام بمغامرات ضد دولتهم وإستقرارها عبر نشرها مثل هذه الثقافة الخطيرة من جهة وإحتقار الشعب من جهة أخرى!
لهذا نجد عدم الاستعانة بمقدمين محليين، وجلبهم من الخارج من دول عدة، وغالباً ما يتم ذلك بوسائل سياسية خاصة.
ولهذا فالمحطة تخلق إضطرابات كامنة على الصعيد الوطني، كما تنقل مغامراتها للخارج بقصد الصعود في أية أحداث كبرى في المنطقة العربية.
فإذا كانت الدولة التي تنبثق منها هي كذلك رأسمالية حكومية شمولية، ميزتها إمتلاك وفرة من الفائض النقدي، فإنها لا يمكن أن تكون نموذجاً جديداً لدولٍ مأزومةٍ بنفس الموديل!
ولهذا فإنها تنقلُ نموذجَها المحافظَ الطائفي الانتهازي للخارج، وتبحثُ عن نسخٍ سياسيةٍ معجونةٍ بنفسِ الأمراض الطائفية المحافظة مثلها، فتُعّضد هذه النسخ، وتستغلها في خلق مشروعات سياسية وإقصادية مشتركة، فيتوسع الموديل الطائفي اليميني الانتهازي.
ولهذا فإن الأحاديث عن الدعم المالي للأحزاب الدينية إضافة للدعم الإعلامي ليست بعيدة عن الواقع.
فنلاحظ القناة كيف ركبت ظهور الشباب الثوري المنفتح، وعضدت حركاته بشكل واسع، ومدغدغ للمشاعر النضالية وشعارات الحرية، وإستغلتهُ في عالمٍ من البراءة والسذاجة السياسية والتضحية، ثم ساهمت في دعم جماعات الطائفية المتخلفة وعياً سياسياً وإسلاماً، من أجل تصعيد النسخ البدوية الإقطاعية الجزيرية في دولٍ كمصر وتونس وسوريا واليمن والجزائر والمغرب، وقد حدثَ تغلغلٌ كثيفٌ سابق أوتى ثماره المرة على هذه الشعوب.
ومن هنا فإن الرأسماليات الموعودة بها هذه الدول لا تبتعد عن النموذج الأصلي الطفيلي، أي الذي يركز على العمليات المالية والعقارية وشراء حطام القطاعات العامة التي ناضلت من أجل قيامها ووجودها الطبقات العاملة العربية، ولهذا يجب التحذير والنضال ضد خراب هذه الدول العربية التي سُرقتْ ثوراتُها بسبب الأحزاب الطائفية والدعاية الفضائية وخاصة من لدن الجزيرة، لتحطم صناعاتها وزراعاتها وتحقق هجرات عمالها عبر تصعيد مثل هذه الموديلات التي خربتْ بلدانَها أولاً وأضاعت ثرواتها الهائلة على سباق الهجن والسيارات وناطحات السحاب وأزالت الحرفَ والزراعة وجلبت عمالة هائلة بأجور متدنية وأستغلتها في الأعمال غير الإنتاجية بشكل أساسي ولتقزم شعوبها وتبقيها على البداوة وكره العمل اليدوي ولم تنشىء الصناعات المتقدمة ولم تدخل هذه البلدان الثورةَ العلمية التقنية رغم هذه الوفرة.
إنها رسملةٌ جارية مع وعيٍّ محافظ معادٍ للحريات النسائية وتحرر الفلاحين وحريات الثقافة والعقول وللانتاج المتطور ولإبقاء البداوة وعالم الإقطاع، ويريدُ خداعنا بألفاظ ثورية زائفة.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: قناةُ الجزيرةِ وتزييفُ الوعي العربي ⇦ http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=290773&r=0

ابن خلدون: العصبيةُ والعمرانُ

ابن_خلدون_كما_رسمه_جبران_خليل_جبران

(ذلك لأن الدولة هي السوق الأعظم للعالم ومنه مادة العمران فإذا أحتجز السلطانُ الأموالَ والجبايات أو فُقدت فلم يصرفها قلّ حينئذٍ ما بأيدي الحاشية وانقطع أيضاً ما كان يصل منهم لحاشيتهم وذويهم وقلت نفاقاتهم جملة وهم معظم السواد ونفقاتهم أكثر مادة للأسواق من سواهم فيقع الكساد حينئذٍ في الأسواق وضعف الأرباح في المتاجر لقلة الأموال فيقل الخراجُ لذلك)، مقدمة ابن خلدون، جزء 2، ص 92.

يصور ابنُ خلدون هنا حركةً داخلية للسوق المركزية حيث تتحكم الأموالُ الحكومية في الاقتصاد العام، وهي حركة داخلية جزئية وكأنها هي السبب الرئيسي لبناء الاقتصاد في حين أنها هي التي تعتمدُ على مدخول الخراج، الذي عن طريق جلبه من الأرياف والبوادي والأمصار تتشكل الماليةُ العامة.

لكن تلك الحركة الجزئية وهي سيطرةُ السلطانِ على السوق والمال العام تغدو حركة مؤثرة هامة على مجمل الوضع الاقتصادي.

فعلى حسب إنفاق الدولة تتشكل الفئات الاجتماعية وتتحرك الأرزاق، ويزدهر السوق.

وهو ازدهار مؤقت قائم على مدى جلب الخراج الذي تسيطر عليه العُصبةُ القبلية، ويحدد تاريخ العُصبة وتماسكها مدى إستمرار هذه الطريقة الانتاجية التوزيعية.

فهذه العصبة القبلية أو الدينية تمكنت لقدرتها العسكرية وتماسكها العشائري من التغلغل في الأمصار وفرض سيطرتها، وتجعل من جماعتها المتوحِّدة قوى عسكرية وسياسية وإدارية وإعلامية وتضم قوى أخرى للمهمات الثانوية وهي كلها تتغذى على التماسك القَبلي وتوزيع الأموال والجبايات، وكلا الأمرين يشكلان أساسا الوجود السياسي الاقتصادي، ولكن توزيع الأموال يتم عبر خروجه من المصب السلطاني، فهو الذي يتحكم في تدفقه، كما يتحكم في تشكيل الفئات الاجتماعية المستفيدة والمتضررة.

هذا الرسم للخريطة الاجتماعيية السياسية يتشكل في فضاء العصر الإقطاعي، ويحدث تناقضاً بين التملك السلطاني والتجارة الحرة، فتغدو مؤسسات التجارة والحِرف والنقود مشكلة سياسياً، فهي ملجومة باللجام السلطاني الأعلى مُطلقةٌ حسب شده ومده، وتغدو البنية الاقتصادية مسيطر عليها غير حرة، متماسكة حسب قدرة العُصبة القبلية أو الدينية على التماسك الداخلي، وهي متماسكة حسب فيض النقد الذهبي المتدفق من الأعلى، ولهذا فإن تماسكها يؤدي لقوة السوق وازدهاره، ولهذا فإنه ثمة علاقة إجابية بين العصبة والعمران، فالحراك العربي التحولي النهضوي يعتمد على مجيء عصبة ذات مشروع إقتصادي، وتتسطيع قوتها القتالتية أن تؤسس مدنية وأسواقاً، وحين تنهار العصبة لخلافات داخلية أو لضربات خارجية فإن السوق ينهار. لكن المدينة لا تنهار حسب تاريخها، فثمة مدنٌ تاريخية لا يضعفها زوالُ حكم ما، فيما أخرى مرتبطة بذلك نظراً لضعفها العمراني وهامشيتها.

التناقض بين السياسة والاقتصاد، بين هيمنة مجموعة سياسية إدارية على السلع والحرف، يجعل التطور الاقتصادي رهن للصرف البذخي من قبل فئات الحكم وأنصارهم والمستفيدين من السوق، فالسلع المعمرة الثمينة هي التي تشترى من قبل العضبة وفئاتها، فيما يعيش الناس على المواد الاستهلاكية ولكن حسب التطور ومدى نمو الاقتصاد وزوال المركزية السياسية العليا وظهور مراكز إنتاج متعددة تغذي الأسواق.

لكن نمط العُصبة لا بد أن يخلق إقتصاداً مركزياً إدارياً ملجوماً، لا يتيح تعدد المراكز الانتاجية، وتنوع القوى الاجتماعية السياسية. بل وهو يخلق مركزية إدارية حادة في الخريطة الاجتماعية، بحيث يغدو الجيش هو الأداة الأساسية لها.

هذا لا يجعل كل التجار مشاركين في منافع السوق، فهناك تجار يعيشون على حركة السوق العادية، وآخرون على حركة السوق السياسية. فالعلاقات مع العصبة تؤدي لازدهار أعمالهم، فيما آخرون يخسرون نظراً لفقدانها.

وتحدد العلاقات الاجتماعية التاريخية هذه التحولات، فالسببيات الميكانيكية غير موجودة فثمة مدن لها تاريخ إنتاجي حر جزئي قوي، كما في تونس والقاهرة واليمن، وتمكنت رغم تغير الدول من البقاء، لكنها تظل على هامش الاقتصاد الاقطاعي، لا تستطيع تغييره ولا تنهار من تحولاته.

وإذ يتمكن النظامُ التقليدي من لجم حركة الرساميل وعدم جعلها تخترق بنيته وتحويله لاقتصاد حر، فهو يجمدها تاريخياً، وإنتاجياً وعلمياً، فكافة الظاهرات المصاحبة من علوم وفلسفات وتطورات إنتاجية وإقتصادية ترتبط بكيس الانفاق الحكومي.

وإذا كان ذلك يرتبط في الاقتصاد الزراعي القديم على الأرض وإنتاجها وأحجام القوى العاملة ومدى الخراج المُنتزع من حاجاتها، فإنه يعيش حالات تذبذب حسب ظروف المناخ وهروب القوى العاملة وأسعار المحاصيل، ويعيش حالات إنهيار مع تفاقم القوى السكانية وإشتداد الفقر وتكدس المال العام في جهات معينة، وهذه الظروف القديمة قد تنقل للعالم الحديث مع عدم تغير الأساس الاقتصادي الاجتماعي للدول، وإستمرارها في إقتصاد العصبة والعمران.

 يؤدي حكمُ العُصبة القبلية أو الدينية إلى إنهيار واسع في العلاقات البضاعية، فبدلاً من أن تتصاعد العلاقات السلعية نحو تكون الرساميل وتبدل قوى الانتاج يحدث العكس وتتدهور العلاقات الاقتصادية الاجتماعية بشكل شامل.

(فهو يقول- أي ابن خلدون- إن الناس ذوي المكان الاجتماعي الرفيع(الجاه) هم الأغنياء ويصبحون أغنى لأنهم قادرون على أن يحصلوا على خدمات الآخرين دون مقابل)، ابن خلدون وتاريخيته، عزيز العظمة، دار الطليعة، ص 147.

يتحول مركزُ السلطنةِ إلى أداةِ تحللٍ للعلاقات البضاعية، فرغم أنه يقومُ بنشرِ المعاملات التجارية والمالية وإفادة فئات عدةٍ لكن ذلك يتم حسب تبعيتها السياسية له، وهدرها للأموال العامة التي لا تتوجه للمشروعات كإصلاح  السدود التي تغدو حيوية لمجمل البناء الاقتصادي وقتذاك، بل تتوجه الأموال للبذخ ومظهريات السلطان وتنحرفُ تدريجياً حتى عن الأسواق العامة وفائدتها.

التناقض بين العلاقات السياسية السائدة والعلاقات البضاعية الرأسمالية لا يُلحظُ إلا بشكلٍ تاريخي مديد، وحين تتضاءل الأموالُ العامة الموجهة لقوى الانتاج الزراعية لا يعد بالامكان ظهور السلع الكمالية، ثم تتأثر السلع الاستهلاكية الشعبية.

عدم تحول أشكال الوعي إلى سلع كالكتاب والشعر والقصة والفلسفة يصيبها بالعطب كذلك، رغم مكانتها الأدبية الرفيعة. إن التكسب بالثقافة يدمرها في حين إن تنامي السوق يغذيها.

(ترتفع الأسعارُ بفضل ما يفرضه الحكامُ من ضرائب، لأن الصناع والمنتجين الزراعيين يضيفون هذه الضرائب على حساب المستهلك)، المقدمة.

مع تدهور العلاقات البضاعية التاريخي تتدهور قوى الانتاج، وهذا يحدث في العصرين الوسيط الماضي والعربي الراهن، فالانتاجُ الزراعي يُصاب بأزمات مستمرة، وتتصحر الحقول، وترتفع أسعار المواد الأولية الغذائية، فيما تكون البدائلُ الانتاجية مصانع مواد أولية تابعة للعُصبة القبلية أو الدينية أو العسكرية أو الحزبية حسب التطور التاريخي، فتغدو مستبدلةً عن قوى الانتاج الزراعية والحِرفية المتدهورة، ويصيبها ما أصاب العلاقات البضاعية في الزمن العربي الوسيط.

ينعكس التدهور التاريخي على العلاقات السياسية المهيمنة التي تتعرض للتدهور هي الأخرى، فتتشكل جماعاتٌ تخرقُ خرائطَ البلدان، والأمثلة في عصر ابن خلدون هي المدن- الدول القصيرة العمر، فيما تعبر الحركات الدينية والأنظمة الشمولية عن ذات النموذج في العصر الراهن.

التحلل السياسي يقود كذلك إلى تدهور الخدمات وإنتشار الأوبئة وتصاعد الفقر وغير هذا من الظاهرات المختلفة.

إضمحلالُ الدول لا يتم بمعارك حاسمة بل عبر تدهور تدريجي تستغله القوى الصاعدة الهامشية بتثبيت أقدامها في المناطق الضعيفة التطور فتتحلل الدول.

لم تقم الدولُ والجماعات العربية والدول الاستعمارية الحاكمة في زمن ما قبل الاستقلال بتغيير علاقات الانتاج الإقطاعية الموروثة بل غيرت بعض الجوانب في قوى الانتاج والأشكال الحادة من تلك العلاقات الانتاجية كبقايا الرق والسخرة.

إستمرار العلاقات الاقطاعية أعاد البناءات القديمة فغدت العصبةُ القرابية أو السياسية أو الدينية أو العسكرية هي التي توزع الدخول، على الفئات المقربة منها، وتتم تبعية السوق لآليات عملها، الأمر الذي يعيدُ هيمنةَ السياسي البيروقراطي المضاد لتطور التسليع ويؤدي لتوقف تطور العلاقات الرأسمالية التحولية.

رغم أن العصر الحديث عرف توسعاً كبيراً للعلاقات البضاعية، وتغلغلت أشكالها المتجددة في البُنى العربية حسب تطورها التاريخي إلا أن العلاقات ما قبل الرأسمالية حدتْ ومنعتْ تطورها نحو الاكتمال البنيوي. أي أن تقوم بالقطع مع بُنى الاقطاع الموروثة.

هذا يُرى على مدى القرن العشرين حيث ضُربت العلاقات المالية الصناعية الواعدة ثم تفاقمت الأنظمة العسكرية والدينية في عمليات تآكل ضارية للتطورات الاقتصادية الحرة، ثم توسعت الأزمة في القرن الواحد والعشرين وظهر الوقوف على مفترق الطرق العالمية وتدهور الأوضاع وعجز الحلول عن فهم البُنى وسيرورات التاريخ.

العُصبة السياسية القرابية العسكرية وغيرها تجعل الانتاج تابع للقرابة أو الهيمنة الحزبية بشكل مضاد لقوانين التطور السلعي، مما يؤدي إلى تدهور مصادر الانتاج كما لاحظنا في خراج الزراعة في العصر الوسيط وخَراج المؤسسات الصناعية والمعملية في العصر الراهن، وهذا يصيب كافة العلاقات الاقتصادية بالتدهور والأزمات والشلل.

حين بدأت الدول العربية تتململ من سيطرات القوى التقليدية الكبرى خاصة السلطنة العثمانية جاءت القوى الغربية مدعيةً الحداثة وإنتاج عصر جديد.

لم تكن لبريطانيا عَصبية أو هيمنة تقليدية في المركز لكنها في سيطرتها على بعض الدول العربية كرست تلك الهيمنة عبر التعاون معها وتصعيدها.

إنها تستنهض وتعمم القوى التقليدية، لهذا فإن علاقات الانتاج الإقطاعية سيُعاد تشكيلها مع تصعيد العلاقات البضاعية الرأسمالية في جوانب معينة.

إن التكوينين التقليدي والحديث المزيف سيُربطان في بنية إجتماعية واحدة، تخضع لتطورها التاريخي، وصراعات القوى الاجتماعية داخلها وحولها.

في العراق الذي هو مثال واضح قوي على هذه العملية المركبة المتناقضة تحول المندوب السامي لسلطة مطلقة يهيمن على ما يصدر من تشريعات ويكون المَلكية التابعة، والوزارة والمؤسسة البرلمانية الذيلية له.

لقد قيل بأن العهد الجديد يهدف للخروج من هيمنة عثمانية(إقطاعية شديدة الاستبداد والتخلف والتعصب القومي والديني والطائفي، وفي مجتمع ما يزال يرزح تحت سيادة العلاقات البدوية الأبوية والإقطاعية البالية)،(فهد والحركة الوطنية العراقية: كاظم حبيب وزهدي الداوودااي، ص26، دار الكنوز).

ليست العلاقات الإقطاعية بقايا بل هي نمط إنتاج، هي علاقات مسيسة مشكلة للبنية الاجتماعية، ولهذا حين يغدو المندوب السامي مكان الخليفة العثماني أو الوالي، فإنه يواصل إنتاج البنية في ظل ظروف مختلفة.

تباين النمط مع العلاقات البضاعية الرأسمالية هو تباين غير تناحري، فالنمطُ يهيمن على تلك العلاقات بأشكالها الجديدة ويخضعها لقوانين تطوره.

ولهذا تحدث ظاهرات متناسقة، فالجيش البريطاني يهيمن ويضعف التطور العسكري الوطني، وتغدو له إمتيازات مثل القرون الوسطى، ولهذا تغدو مفردات مثل(البرلمان) والصحافة الحديثة والأحزاب على غير مسمياتها الحقيقية، ويصير النفط كثروة حديثة مثل الخراج، فهيمنة الشركات البريطانية تزحزحُ الشركات الألمانية مثلما توقف سكة الحديد وتندفع الحكومة الأمريكية هجوماً على سيطرة الأنكليز على النفط حتى تُستبدل بالشركات الألمانية.

الفوائض النقدية النفطية تتجه للغرب وتُوسع السوق العراقية الداخلية للمنتجات البريطانية، وتُرفع فئاتُ التجار المستوردة لها، وتغدو هذه الفئات هي المالكة للصحافة والممثلة في البرلمان.

فيما تُحارب المحاولات الصناعية الحرة إلا في أثناء الحرب العالمية الثانية حين تدعو الحاجة لها، وحين يتصاعد النضال من أجل التصنيع والتحرر الوطني.

كما أن الارتباط بالمركز البريطاني والمركز الأمريكي يؤدي لجلب ظاهرات مشكلات الرأسمالية وهي في بلدانها، حيث تؤدي أزمة 1929 إلى مشكلات إقتصادية وطنية كبيرة.

وفيما تنهب شركات النفط جسم الثروة الوطنية الرئيسية وتمنع حدوث التراكم الرأسمالي الوطني الانتاجي، توسع الاستهلاك البذخي، وتصعد فئات زعماء القبائل ورجال الدين، نظراً لقيامها بهدم البنية التحديثية في مجالات العلاقات الاجتماعية وأنماط الوعي، وإضعاف أشكال الفكر والفلسفة العقلانية.

تقوم السلطة المسيطرة بإعادة العلاقات الانتاجية العامة السياسية، فتخلق الكابحَ الكلي الذي يؤدي على مدى عقود التاريخ القادمة لتحجيم حتى العلاقات الرأسمالية التي تشكلت.

وهذا الكابح يتجسد في بروز قوى العشائر والقوى الدينية وصعودها في ظل سيطرة دولة حداثية كبرى، فهذه القوى التقليدية المُعطى لها فرص الانتشار وإعادة تجديد خلاياها القديمة تتوسع في المدن وتتغلغل في المؤسسات السياسية والفكرية والاجتماعية، ثم تصعد قياداتها بعد عقود كما تتوج الأمر في السيطرة الأمريكية التالية.

إن الأشكال الوطنية والنهضوية تقاوم، فتظهر برامج حكومية لتطور الصناعات ودعمها، رغم هشاشة ما يُخصص لها من أموال على مدى عقود، وأغلبها في الصناعات الخفيفة، كما أن الحكومات التالية والجمهورية تتوسع في الصناعات لكنها لا تحدث هدماً لعلاقات الانتاج البنيوية.

هكذا عمدت العصبية البريطانية وقد لبست لبوس الشرق التقليدي في إنتاج عمران ملتبس متناقض، يزدهر أغلبه في بلدها، عبر إستنزاف المواد الخام النفطية والزراعية، بينما يموج بالتناقض والحصار في البنية الوطنية المحلية، وهي بنية مماثلة للدول العربية الأخرى حسب مستويات تطورها، ولن يحدث فيها تبدل كياني ساحق.

لهذا كله تزداد العودة للوراء لأن العلاقات البضاعية لا تصل لذروتها عبر سيادة رأس المال الصناعي مع كل نتائجها التحديثية، فتغدو المراوحة التاريخية، حتى يضعف الجسم الوطني من الضربات ويتدرج في الانهيار.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: العصبيةُ والعمرانُ

الوعي التاريخي عند ابن خلدون

2019-08-11

 في التمهيد الأولى لكتابه «كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، يدعو ابن خلدون لتجاوز النظرة السردية للتاريخ العربي الإسلامي نحو نظرة تحليلية تعليلية له، فيقول: إن التاريخ: «إن هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمّى فيها الأقوال، وتُضرب الأمثال، وتطرف الأندية إذا غصها الاحتفال.. الخ».

 ولكن هذا الظاهر السردي وراءه شيءٌ آخر:

 «وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع، وأسبابها عميق»، إن هاتين الطريقتين تعمران عن نمو النظر التاريخي في الكتابة العربية، ولهما تاريخهما الخاص المرتبط بسيرورة الوعي والتطور الاجتماعي، ولكن ابن خلدون لا يقرأ تاريخ هذه الكتابة التاريخية على نحو تاريخي، بل على نحو ذاتى فهناك الفحول الذين كتبوا تاريخ العرب والإسلام وهناك المندسون:

 «وأن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها، وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها، وخلطها المتطفلون بدسائس من الماطل وهموا فيها أو ابتدعوها، وزخارف من الروايات المضعفة لفقوها ووضعوها»..

 يظهر الصنف الأول من الكتابة التاريخية أنه كتابة سردية خبرية بلا تحقيق وتتقيح، ثم ظهرت كتابة أخرى كتبها نفرٌ محدود مثل ابن إسحاق والطبري وابن الكلبي ومحمد بن عمر الواقدي وسيف بن عمر الأسدى والمسعودي وغيرهم كما يقول، ثم لا يقوم ابن خلدون بتتبع الكتابتين وسببيتيهما بل يتطرق إلى حكم عام تجاه أولئك المؤرخين:

 «إلا أن الكافة اختصتهم بقبول أخبارهم، واقتفاء سننهم في التصنيف وإتباع آثارهم» وبهذا فإن ابن خلدون لم يقم بغربلة هاتين المدرستين، وتحولت المدرسة الأخيرة إلى كل عام، لم يُدرس للوصول إلى كيفية كتابة التاريخي بشكلٍ موضوعي.

 وعبر هذه القفزات بين شكلين من الوعي التاريخي ومن ثم عبر تعمعم الشكل الأخير الذي يقول عنه إنه الخلاصة، يتناول بلمحات خاطفة الشكل الأخير من السرد التاريخي محدداً مداه، بأنه قام بتناول عموم الدولتين في صدر الإسلام، أو قام بتجاوز ذلك وتناول ما قبل وما بعد الإسلام، فيأخذ السرد التأريخي المذكور هنا المدى الزمني وليس بنيته الداخلية التحليلية والتفسيرية المفترضة. ثم هناك المثال الثالث وهو حين يقوم مؤرخون بالكتابة عن تواريخ بلدانهم، وكل هذه التواريخ في الكم الزمني والجغرافي، وليس في الوعي السردي التحليلي للتاريخ الذي كان يفترض من ابن خلدون كشفه وتحديد هياكله.

 ثم يطرح ابن خلدون في ومضات متقطعة أسباب ضعف ذلك الوعي بالتاريخ، أى حين يدخل فى النسيج الفكري المنهجي المطلوب فيصف عمل المؤرخين بأنهم:

 «يجلبون الأخبار عن الدول، وحكايات الوقائع في العصور الأول، صوراً تجردت عن موادها، وصفحات انتضيت من أغمادها.. إنما هي حوادث لم تعلم أصولها، وأنواعٌ لم تعبر أجناسها ولا تحققت فصولها»، فيتركز نقد ابن خلدون هنا حول الوقائع التي سردها بمترادفات عدة، فهذه الوقائع المسرودة لم تكن تمتاز بالدقة من قبل الساردين.

إن السرد التقليدي غير العميق للتاريخ يتركز حول الدول وقيامها واضمحلالها الخ..، وهو مرفوض لدى ابن خلدون فيغدو التاريخ عنده هو بحث في تاريخية الدول، ويُظهر أن الطريقتين السابقتين قبله في التأريخ هما طريقة واحدة، دون أن نرى أنها بنية منهجية مختلفة عن السابقة، فهي طريقةُ سردٍ غير دقيق للدول، حيث أن السابقين عموماً لم يجمعوا بين السرد السياسي وجانب آخر عظيم الأهمية حيث اكتشفه هو ورعاه وهو:

 «وأبديت فيه لأولية الدول والعمران عللاً وأسباباً»، «وشرحت فيه من أحوال العمران والتمدن وما يعرض في الاجتماع الإنساني من العوارض الذاتية ما يمتعك بعلل الكوائن وأسبابها، ويعرفك كيف دخل أهل الدول من أبوابها».

 إن ابن خلدون يقوم بالسرد السياسي والاجتماعي مترابطين متداخلين، حيث كانت الطريقة فيما قبله هى فك الاتصال بينهما، حيث تبدو الدول لديه هى المظهر التاريخى الأولي، فهي أساس الحركة التاريخية، وهي لها أسباب اجتماعية، أما السرد التاريخي قبله فلم يكن كذلك حسب رأيه.

 تترافق وخيوط المنهجية الوامضة الأولى تحديد لفصول الكتاب واختصاصه بتاريخ المغرب الذي تتواشج فيه تواريخ أمم أخرى ولهذا فإنه يختص بقراءة تاريخ الشعبين اللذين شكلا هذا التاريخ، «وهم العرب والبربر إذ هما الجيلان اللذان عُرف بالمغرب ماواهما، وطال عنى الأحقاب مثواهما»، وإذا كان مشتملاً على أخبار العرب والبربر، فإن الكتاب كُتب والعرب أهل حكم سابق لا راهن:

 «لفناء العرب ودولتهم بها وخروجهم عن ملكة أهل العصبيات».

 لا نستطيع أن نفهم التقلبات لابن خلدون دون أن نعرف جذور الهوية الفكرية له، فهو حين يتحدث عن الفضاء الاسلامي العام ستكون مواقفه متقاربة مع السلطة المركزية الإسلامية، ولكن حين تظهر الانقسامات في العالم الاسلامي، ويتشكل الجناح المستقل الذي شكلته القبائلُ البربرية (الأمازيغية) في شمال أفريقيا والأندلس فإن ابن خلدون سيعود إلى جذوره، وإلى انتمائه الثقافى.

 وللتدليل على الموقف المناطقي الأمازيغي هناك متن الكتاب الأساسي الذي يعالج تاريخ المغرب من خلال وجهة نظر تقليدية تراجع فيها المؤلفُ عن منهجيته، والأهم هنا أن نلاحظ الكثير من المقاطع في المقدمة نفسها. فكل الظاهرات التاريخية السياسية التي شكلها البربر وساهموا فيها بشكل هام ، هي ظواهر إيجابية عظيمة في نظر ابن خلدون ، والأمر يبدأ من أهمية الدولة الفاطمية حتى إلى الأكلات المغاربية.

 ويتصاعد الوعى بدور البربر وأهميته التاريخية حين يناقش في الوقائع التالية مسألة مؤسس الدولة الإدريسية ومؤسس الدولة الموحدية والدون الفاطمية وغيرهما.

 يقيمُ ابن خلدون تراتبية خاص للحدث التاريخي ويتجلى ذلك أولاً في قيام العصبيات بدور المحرك التاريخي الأساسي، وثانياً يقوم هذا المحركُ بإنتاج مختلف أنواع السلطات، وثالثاً يتشكلُ من هذه السلطات البناء الاجتماعي العام والثقافة.

 إننا هنا أمام نظرة لفهم التاريخ البدوي، أي كيف يقوم الرعاةُ بصناعة التاريخ. أي أن التاريخ هنا لا يغدو تاريخ الإنسانية، بل هو تاريخ العرب والبربر أو غيرهم من القبائل التي انضمت للعملية التاريخية ، كجماعاتٍ رعويةٍ أنشأتْ تاريخها عبر التكوين العشائري.

 إن النظرة الخلدونية هنا هي تسجيلُ ما حدث ويحدث حينئذٍ من حراك اجتماعي مرئي للمؤرخ، فيغدو حراكُ القبائل في تصوره هو التاريخ والعمران ومشكل الدول والمعاش.

 ومن هنا فهي تتطابق مع الفعل السياسي الرعوي السائد، أي أنها تقرأ ما فعله الرعاةُ، وكيف كونوا الأبنية الاجتماعية والثقافية، أي أنها تقرأ ما شكله المسيطرون، وليس ما شكله المسيطر عليهم، أي أن نقرأ تاريخ القبائل السائدة واضمحلالها، لا تاريخ الفلاحين الباقين عبر العصور، وكيف تمت السيطرة عليهم واستغلالهم ولكنهم لم يذوبوا.

 فهي ترى العالم التاريخي من جانب المُشكلين والقاهرين للبُنى لا من جانب المقهورين. ومن هنا فهي ستعممُ قالبَ العصبيةِ ولا تقوم بتحليل عناصره الداخلية المتضادة.

 فالعصبية القبلية كمحركٍ تاريخي أولي مطلق، سيكونٌ متجوهراً، أي خارج التناقض، والقبيلةُ حين تقوم بتشكيل التاريخ عبر السيطرة على المدن، لا يكون فيها تناقض داخلى، أي لا توجد بها مستويات اجتماعية متناقضة؛ فهي تتحركُ وتحكلمُ وكأنها جوهر مطلق، ثم يأتي التغيير والتفسخ ليس من داخلها بل من خارجها، عبر قيامها بالسيطرة على الدولة فتتآكلُ تلك العصبية بالغنى والبذخ والترهل فتأتي قبيلة أخرى وهكذا، يغدو التاريخ العربي والإسلامي وكأنه إعادة إنتاج مستمرة لهذه القبلية بمراحلها.

 ومن هنا يغدو تاريخ القبائل حسب رؤية ابن خلدون، رغم أنه يمرُ بالتاريخ، كأنه خارج التاريخ كذلك.

 أي أن تشكيل قبيلة قريش وعصبيتها هي نفسها عصبية قبيلة أخرى، لا أن يكون تاريخ قبيلة قريش مرتبط ببنية اجتماعية معينة، هي بنية عشائرية ما قبل العبودية – والإقطاع، هي غير قبيلة أخرى كونت سلطتها في زمن تشكل أسلوب الإنتاج الإقطاعي، أي أن المدى النهضوي الاجتماعي لقبيلة كهذه هو غير المدى النهضوي لقبيلة في ظرف موضوعي آخر، ولكن هذا لا يغدو مهماً في هذه الرؤية فالمهم هو طابع هذه العصبية المتجددة بغض النظر عن المراحل والتشكيلات التاريخية.

 هذا من جانب المسيطرين أما المسيطرُ عليهم، فإنهم يبدون خارج هذا التاريخ، لكون الفلاحين انصهروا قبلياً وفقدوا العصبية القبلية ، ولكنهم كانوا قبائل لهم عصبية سابقة، وهم ينتجون حراكاً اجتماعياً مختلفاً، وهكذا فإن التاريخ يغدو أكثر تعقيداً وتركيباً ؛ من كونه نتاج العصبية القبلية السائدة فقط.

إن الحراكَ التاريخي لدى ابن خلدون سيكونُ بفعل العصبيات الرعوية السائدة، ولكن حين تكونُ في فترة نهضةٍ ومدٍ حضاري، وعندما ستتفسخُ، وتتحلل من الداخل، فستكونَ خارجَ رؤيته، التي راح فيها الحماسُ للسلطة ولاستمرار والعمران يتداخلان فيها بصورةٍ مركبة، فتغدو العصبيةُ الفاعلةَ هي الأثيرةُ عنده، ولكن حين تضمحلُ فإنه سيخرجها من عالمه.

 وهذا يتطابقُ مع تطور القبائل البربرية في القبول بالإسلام ثم في صناعة شكلها الحضاري الخاص منه. فالإسلامُ العامُ يغدو قائماً على هذه العصبية، والموجاتُ التالية التي فيها قومهُ موجةٌ مهمةٌ من موجاتها، تغدو هي المرئية التاريخية في تسجيله وبصره.

 أما الموجات غير العصبية، غير الرعوية، الغائرة و|لموثرة، فإنها تصير غير مُسجلةٍ وغير مفحوصةٍ تاريخياً.

 تغدو الحضارةُ اذاً هي حضارةُ الرعاة في زمن عصبيتهم، أي في زمن تماسكهم القبلي، ولكن بعد ذلك حين يتحللون اجتماعياً فهم يدخلون دور الانطفاء والذل، ولهذا كذلك فإنه لا توجد حضارة في وعي ابن خلدون خارج التوهج البدوي هذا، فبعده انطفاء وموات.

 ومن هنا كذلك فلا وجود لديه لأمم تسود فيها الزراعة وتقوم عصبيتها على المحراث، أي لن يستطيع أن يرى فعل الأقوام غير الرعوية، أي أن يرى فعل الأقوام الحضرية في مقاومة الرعاة، وفي إنتاج حضارتها.

 هكذا يغدو التاريخُ الناهض هو من صنع العصبية القبلية وانطفاء التاريخ من انطفائها، ومن هنا لا يرى ابن خلدون الحراك التاريخي بأنه من صنع الجماعات الاجتماعية المتعددة التي تتضمن القبائل وكذلك الطبقات والأمم.

 وبالتالي كان يصعب عليه أن يرى اللوحات المتداخلة بين الرعاة والفلاحين، بين العصبيات القبلية والقوى المنتجة، وكيف أن الفرس كانت عصبيتهم «القومية»، أو كفاحهم القومي، يتراءى داخل الثقافة العربية الإسلاميه؛ حيث راحوا يشقون لأنفسهم طريقاً خاصاً مغايراً داخلها ، مثلما أن البربر راحوا يشقون طريقاً خاصاً، ولكن من خلال السائد فيها، في حين شكل الفرس تلك «القومية» ضد السائد المهيمن داخلها.

 وهكذا فإنه لن يرى التعقيدات في اللوحات المشكلة والإنتاج الثقافي المتكون في تلك المقاومة وموجاته المتعددة وكيف أنه راح يعيدُ تشكيلَ تلك الأمة بطريقة مختلفة.

 إذن تعودُ جذورُ الرؤيةِ الخلدونية غير الدقيقة إلى فهمه لمسألة «العصبية»، فهو كما قلنا لن يرى القبيلة ذات تكوين اجتماعي متناقض، في مستوياتها الاجتماعية خاصةً، وكيف تنقسم إلى شيوخ وفقراء يشكلون قطبي القبيلة، ويقوم الشيوخ بالمحافظة على هياكل القبيلة التراتبية وثقافتها البدوية حين الانتقال إلى حكم المدينة، وهذه العملية تخضع للهياكل الاجتماعية العامة ومستوى التطور وجذور الأقوام المتصارعة الخ..

 إن وحدة القبيلة تتشكل في ظروف الصحراء ولكن هذه الوحدة تتفكك مع تبدل ظروف الحياة، فتتصاعد الانقساماتُ الاجتماعية داخل القبيلة، والتطورُ يتعلق هنا بكيفية نمو العملية السياسية والاجتماعية، فالعصبية القبلية تشكل قوة مسيطرة مستبدة على السلطة، وإذا كانت تقوم بإنجازات نهضوية في البداية فإن التحكم في السلطة والثروة يقودان إلى كوارث ومشكلات تالية..

 إن ما يراه ابن خلدون كسبب للتقدم هو أيضا سبب للتخلف والتفكك، وقيام حركات تاريخية مختلفة حسب طابع الأقوام والشعوب والصراع الاجتماعي الدائر فى قلبها.

 وهو صراع قد يبدأ داخل رحم القبيلة ذات العصبية، ورؤية ابن خلدون لا تتبع هذه الصراعات الداخلية والانقسامات المتوارية داخل القبيلة، لكونه يرى القبيلة كجوهر مطلق، ورغم أنه يمشي في التاريخ، وتتم عملية رصد ظواهر عديدة منه بشكل موضوعي، إلا أن رؤيته كجوهر مفلق تمنع رؤية الاحتمالات المتعددة والطبقات المختلفة للتاريخ المتكونة من خلال ذلك.

 وهذا ما حدث لقبيلة قريش حيث كان الصراع بين بني هاشم وبني أمية مبكراً فيها، وهو ما جعل التاريخ ينمو عبر الصراع بين هذين الفرعي القبليين، والاجتماعيين السياسيين المختلفين، لكن شجرة الصراع القبلي المتنامية ارتفعت عبر تغيرات اجتماعية كبرى.

 إن الوحدة القبلية لا تنفي الصراع فيها، ولهذا فإن الصراع القبلي كشكل للصراع الاجتماعي، وكتعبير عن مستوياته داخل أسلوب الإنتاج، لن يظهر كحزئيةٍ من قوانين أعم، أي كتعبير عن قوانين الصراع الاجتماعي في ظل بنية اجتماعية معينة.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏: الوعي التاريخي عند ابن خلدون

http://archive.alsharekh.org/newPreview.aspx?PID=3089237&ISSUEID=18630&AID=421562

 

أفكار سياسية دينية

عبــداللـه خلــــــــيفة

المؤمن والملحد يتحدد إيمانهما أو إلحادهما بدور هذا الإيمان والإلحاد في تقدم جماعة المسلمين، في مقدرتهما على جعل الرموز فاعلة في التقدم، فحين يكون المؤمنُ مفرقاً ممزقاً للجماعة، لا قيمة لإيمانه.

وأهم رموزُ الجماعةِ هي الإيمانُ بالألوهية الواحدة، وهو ليس رمزاً مجرداً، بل واقعاً حياً، فالدولة العريضة التي نشأت في ظلاله، هي جسده الحي على الأرض وبين الناس، وفي حراك التاريخ المتجه للتقدم والمساواة والحرية، ولهذا فإن الحاكم على هذا الجسد السياسي الهائل يغدو غير موحد وهو يمزقُ هذا الجسدَ بخراجه المتعسف، وبأناينته التي جعلت الدولة حكراً على إستغلاله وشهواته.

توحيدُهُ يغدو شكلياً مجرداً وأن لبس مظاهر العبادات المختلفة، ونطقَ بالإرثِ المعتمد لدى لجماعة، فهو ممزقٌ لوحدة ذلك الجسم العريض للدولة؛ موحدٌ شكلاً مفرقٌ عملاً، وهو يجردُ ثقافةَ الجماعة ويجعلها شكليةً عاطلةً عن العمل والوجود الحي.

المؤمن أو الملحد الذي يعارض تفكيك جماعة المسلمين ويعمل على بقائها وإستمرارها في أشكال التوحد والتقدم إنما يقوم بمناقضة فعل حاكم الدولة الواسعة التي تتفكك بفعل سياسة الأنانية الاجتماعية والإدارة البيروقراطية المنفصلة عن حاجات الناس.

هو يفهم الرموز الإسلامية في حراكها بين الناس، في مضمونها الحي، في تطور الأكواخ إلى بيوت، والخراج المتجة للمتع والاستغلال إلى خراج متجه لمصالح الجماعة.

هو يعقلن المجرد، وذاك يفكك المجرد، الأول يحافظ على وحدة الدولة، ووحدة الشعب فيها، والآخر يفكك الدولة ويقسم الناس فئات متعادية تؤدي للدمار.

شكلنة الرموز الدينية ربما تغدو بصراخ هائل، ودعاية ضخمة، وتصرف عليها الأموال، لكن العقول الموحدة لا تأبه بها، وتحلل المضمون، وتبقي الأثر، وتحمي ثقافة التوحيد الحقيقية لا أعلامها الزاهية، وشعاراتها الجوفاء.

لكن العقول غير الموحدة، الممزقة لجماعة المسلمين تستفيد منها وتعيش عليها، بمناقضتها الظاهرية، والسير مع مضمونها الممزقِ لوحدةِ دولة المسلمين الكبيرة، التي تغدو بفضل مثل هذه الثقافات الشكلية المفرِّغة من المضامين، والمؤيدة للتمزق، والتي تركب موجات الانفصالات وتكوين الدويلات، لا لتبقي الأثرَ وتحمي الرموز وتبقي على مضامينها بل لتقوم بما قام به الكبيرُ في مركزِ الدولةِ من إفراغٍ للوحدة من حقيقتها، والوحدانيةِ من مضمونِها المعبر عن حقِ كل مسلم ومواطن في العيش الكريم.

والمفرقُ الممزقُ لوحدة الجماعة يعومُ على اللاعقل، ويجدفُ بموادِ المستنقعات القديمة ليبحرَ في بحور الدماء وعرقِ الجمهور من أجله هو ومصالح جماعته الضيقة، فيخرجُ الأوشابَ العتيقة والعادات الجاهلية والأسطورية من تواريخ جماعاته المفككةِ ليحركها في ثقافة التوحيد، وليجعل العقلَ التوحيدي عقولاً ممزقة، وإرادت مشلولة، وعاطفيات مجنونة.

ولهذا فإن المؤمن والملحد يرى نتاجهما التوحيدي معياراً للإيمان، ولمدى قدرتهما على فهم رموز الأثر في العالم الحديث تعبيراً عن وحدة جماعة المواطنين، ليغدو توحيدهما للدولة والشعب المعيار مجسداً في العصر، أي أن شكلية الكلمات والشعائر وغربة الثقافة تقوض التوحيد، حيث يغدو جسم الدولة والشعب رمز الوحدة لكل شعب، وبين جماعات المسلمين المعاصرة، مدار التعاون والاختلاف، مدار الصراع ضمن الوحدة، والتباين ضمن الدفاع عن الأرض والوطن والإنسان.

وتغدو دول الأمم الإسلامية مجسدة عبر هذه الثقافة التوحيدية، لا التمزيقية والشكلية والاستغلالية، فلا دولة هي مركز مهيمن فتمثل المراكز القديمة التي أضعفت وحدة المسلمين ومزقتهم، فهي وحدة قائمة على المصالح المشتركة وإحداث التقدم، وعودة الخراج الزراعي كما في القديم أو الخراج النفطي الصناعي للبيوت والسكان والمصالح العامة كما في عالم اليوم.

وإذ نأخذ ثقافة الماضين بعقلنا الحديث، نؤيد التعدد في النظر الموجه لخدمة الناس في عالمهم السياسي التوحيدي، فأي ثقافة يغدو  عملها تفكيك وتمزيق لإطارات الدولة والشعب تغدو خارجة عن العقلانية.

وعلى مستوى السياسة والنظر الفكري، وإنتاج العلوم.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: أفكار سياسية دينية

وردة الشهيد

سعيد العويناتي

أذكره ذلك الفتى القادم من بغداد ، الذي جاء بأحلام الشعر والغد الجميل وكلمات الحب والحمام.

أذكره بطلعته الوسيمة ، وشعره الأسود الفاحم الكث ، ووجهه الأسمر المشرق ، كطفل دخل إلى غابة متوحشة ، وقبل ذلك كنت أراه مع فتيات القرى والمدن في لوريات دائرة الأشغال يحمل الحصى والتراب والحطب ، ويشتغل بين حشود العمال الكهول ، أولئك الذين بقوا من طوفان الغوص والبحر كأشلاء ممزقة ، كقدر شعبنا البسيط أن يسبح في دائرة العوز والبقاء ..

لماذا حمل الفتى أحلامه الكبيرة ، وسافر وتغرب ليجيء بحلم الشعر والوطن ، ليغدو شاعرا لم يكتمل ، كجميع مشاريعنا في النضال التي تتأرجح بين الممكن والمستحيل ..

[سعيد العويناتي] هذا الفتى القروي ، المدني ، العالمي ، الشاعر ، الناثر ، الصحفي ، الشهيد ، جاءنا مثل غيمة ورحل ، مثل عصفور ذو زغب وقتل ، مثل كل شهدائنا الذين تركوا روائحهم وذكرياتهم وأحلامهم في عظامنا ، وذابوا في السفن والمدن.

أذكره وهو بكل صدره المفتوح للغد والأمل ، لم يشيخ ، ولم يكتمل ، باق هناك في روحي ، لم ينزع قمصانه ولا ألقى أوراقه ، بسنه المكسور الأمامية ، بابتسامته الغريبة ، ولكنته وهو يلقي الشعر في ناد بـ[البلاد القديم] ، ولايزال الضؤ يترجرج بالظلام ، ودروب القرية مفتوحة لإجتماعات الفرح والدم ، وهو سعيد بأنه يمتلك كل المشاريع للغد.

أذكره في مثل هذه الأوقات المختلجة برعشة الشتاء ، بين النخيل وعند البحر ، ووجهه كأنه يتحد بالسواحل والتراب ، عبر مشروعاته الكثيرة للتغيير ، والتحديث ، والنضال مع الناس من رفع الأجور حتى إدخال الشعر في كل بيت.

كان طازجا ورقيقا وجلده الغض لايحتمل حتى الكلمات الجارحة ، وقد كيرنا وشخنا ، وامتلأت أجسادنا بالنصال والندوب ، وهو لايزال شابا فتيا متحدا بالصواري والحقول.

شاعرا أبديا في جسد الوطن ، خارج الجروح والسيوف ، معطيا ذاته وكلماته لكل بيت ، ونحن تعبنا وهو لم يتعب ، صامد في دائرته الشفافة ، الخالدة ، فأعجب كيف يتحول الشهيد ويكبر ، وكل مرحلة تعطيه عطرا ولونا ، فتغدو الشهادة مراقبة لنا ولضعفنا ولتخاذلنا وهزائمنا ، محرضة إيانا على الصمود والنضال والإزدهار مادة ومعنى.

كل الشهداء الذين مروا بنا ، ملأوا حديقة الوطن والأرض بالأزهار ، كل منهم وردة ناضجة بالرواء والماء ، كل منهم مشروع لم يكتمل في الحياة وأكتمل في الخلود ، كل منهم عطر أتحد بالشمس والهواء وتغلغل في الروح والدماء.

ليتهم كانوا معنا الآن ، ليروا كيف أن تضحياتهم لم تذهب هباء ، وأن كل شعرة من جسد ، وبيت من شعر ، وكل منشور فسفوري ألقي في زقاق ، وكل عظم تحطم ، وكل كلمة إنفجرت بها الحناجر على الجسر ، وكل صرخة أم ثكلى ، وكل نبض إنتفض ، كلها ، كلها ساهمت في بزوغ فجر الوطن وتحولاته ، في ميلاد مؤسساته الشعبية الديمقراطية ، في قدسية أسم البحرين ،وتحوله إلى حمامة فوق خريطة العالم ..

أراه الآن سعيدا بقافلتنا التي كانت منهكة ، ممزقة ، تائهة في الرمال والرمضاء ، والتي وصلت إلى نبع صاف ، إلى ماء عذب وفرح ومهرجان ..

لازلنا نحبك ياسعيد. لازلتم أيها الشهداء في مآقينا ، تشربون الحرية معنا ، وتسقون أجسادنا ماء التضحية والفداء ، وتناضلون بغيابكم العظيم وحضوركم الأبدي.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة 

                                            الصــــــــــورة ـــ قصةٌ قصـــــــــيرةٌ

                                              على الرابط ادناه

https://iakalbuflasa.wordpress.com/2019/08/10/%d8%b9%d8%a8%d9%80%d9%80%d9%80%d9%80%d9%80%d9%80%d9%80%d8%af%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d8%ae%d9%84%d9%80%d9%80%d9%80%d9%80%d9%80%d9%80%d9%80%d9%80%d9%8a%d9%81%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%80%d9%80/

Gamal Abdel Nasser’s secret messages

Of the novel

He is the living legend, with a vast family of silt, history and symbols, still watching the Counter-revolution, walking among the public, sending his messages through time

 Here he goes, on the throne of the immortal Nile, the hearts of the masses.

 He sees the beauty of his fingers splitting the mountain, and the flow of water, the narrow alley and the small vendors, he flies in the space near the clouds, grabs the roots of the river and turns it away from the algae rocks, closer to the homes of fishermen, servants and migrant workers , He breaks the stones of the mountains and hits the giants from the graves and the caves. The magicians run around him and hold his huge legs clinging to the crown of Pharaoh, He drives them like tree leaves toward dungeons and deserts, He looks forward to the crowded and suffocating alleys and he finds them never changed, The beans are the same small small?  even if they are invisible, But perpetually steadfast in the streets with smoke, steam And the flies, Gamal attacks on the clouds, dust and money, and the chimneys rise, distributing the loaves to the hungry, He fills his lungs with ashes and turns them into cigarettes and then a pipe and penetrating into the map of his back.

Abdulla Khalifa author of stories and novels of Bahrain

Versions Modern

Print Length: 178 pages

وكالة الصحافة العربية (ناشرون) :Publisher

Publication Date: October 1, 2015

 https://store.almanhal.com/86007.html

Translated by Google

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : وقضية المرأة

أعمال عبـــــــدالله خلــــــــيفة وقضية المرأة:

   على الرغم من أن عبـــــــدالله خلــــــــيفة هو نتاج مجتمع بطريركي بامتياز، الرجل فيه كل شيء، إلا أنه يدرك منذ روايته الأولى «اللآلئ» التي صدرت عام 1981، مدى فداحة الظلم والقهر الذي تعيشه المرأة في مجتمع أرادها أن تكون مجرد تابع عليه الطاعة والخضوع فقط، كائن لا يملك من مصيره شيئاً، فالآخرون هم السادة وهم الذين يقررون كل ما يتعلق بشأنه وما عليه هو إلا أن يسمع ويطيع. . أليس الرجال قوامين على النساء؟ أليسوا هم الأدري بمصلحتهن وخيرهن؟

1ـ المرأة، كائناً تابعاً يقرر مصيره الآخرون:

   يعلم عبـــــــدالله خلــــــــيفة وضع المرأة جيداً في مجتمعه المغلق الخانق للمرأة كما يعلم جيداً وضعها اليائس فيقول في روايته «الينابيع»: أحس محمد أن جمعة يتحدث عنه ويرى أمه وهي مضطربة، مستباحة في المخزن في ليلة طاش بها صواب سيدها ص 56. بينما يقول في مكان آخر: … حتى اهترأ ومات ولحقته أمي… كانت تقذف حمماً من قطع الدم الكبيرة وتضرب أختي بهستيريا جنون وشعرها منثور وملابسها ممزقةّ ماذا عرفت أنت عن العذاب والألم والقهر؟ أرأيت أحداً من أهلك يهان ويغتصب؟ وأمك تموت بأسياخ المطوع الساحر وماء البرك الملوث المقدس؟.

   إن عبـــــــدالله خلــــــــيفة يتماهى مع الراوي هنا في إحساسه بالوجع والظلم الواقع على المرأة التي تقذف حمماً من الدم وتموت بأسياخ المطوع وبماء البرك الملوث غير المقدس كما يقصد على ما أعتقد… إنه يشفق على المرأة، هذا الكائن الذي لا يستطيع اختيار شريك حياته بل لا أحد يأخذ رأيه في ذلك… فيفرض عليه الأمر أمراً واقعاً عليه هو أن يستسلم لـه ويخضع.

   فها هو يقول في «الينابيع» ذاتها، وقد جاءت ميّ إلى محمد ترمي آخر سهم في كنانتها:

 ـ محمد، لم لا تتكلم؟

 الآن نزلت صخرة فوق ضلعه، طحنت لحناً وحلماً وأعطته لهب الأرض

ـ أنت ترين فقري وحالي، أيمكن أن نكون معاً؟

ـ أفديك بروحي … ولكن

ـ الحال صعب

ـ أهلي سوف يزوجونني لرجل كبير… ما بك ترتجف؟

ـ كل هذه السكاكين ولا تريدينني أن أتألم؟

ـ الذي يهواه القلب عجز البخت أن يجيبه… ص 58.

   إذن هي اختارت من قبل وأحبت لكن أهلها يريدون شيئاً آخر.. اختاروا لها مصيرها وقرروا عنها حياتها، ولسوف يزوجونها شيخاً كبيراً وهي لا تستطيع إلا أن تسمع وتطيع..

   ها هي ذي تقول في مكان آخر:

   ـ شيخ هو الذي يريدني. أتعرف أنك سقطت من شجرة وارفة ورحت تنمو في الماء المالح. أتعرف كم قصراً لديه وأراض وجزر؟ وليس كريهاً ولا جاهلاً. هو في ذروة المجد والأدب!! هو الكامل على هذه الجزيرة!! أيمكن لفتاة مثلي أن ترفس مثل هذه النعمة؟ ص 59.

   طبعاً، الجواب لا.. ليس باستطاعة أية فتاة أن ترفض ما اختاره لها الأهل كيف لا وهي لا تملك من مصيرها شيئاً.. ـ هي الضلع القاصر، ناقصة الحظ والعقل والدين، أيحق لها أن تختار؟ أتعطى حرية الرأي وتقرير المصير؟ في روايته «الضباب» نجد ما هو أنكى، إذ يقول على لسان المرأة التي جاءت إلى بيت البطل العجوز:

   “قالت:

   ـ أخذتني خالتي إلى ذلك البيت الحجري الكبير… رحت أساعد المرأة المتجهمة الغريبة المسيطرة على ذلك البناء المدهش. كنت أرتجف وأنا أجري وراءها من مكان إلى آخر. كان لديها بضعة أولاد أشقياء وزوج هادئ منعزل وفي الصباح تخرج طويلاً ثم تعود لتجد الأكل جاهزاً فتتذوقه وتلسعني بلسانها الملتهب المليء بالشتائم القذرة.. «الضباب» ص 68 إلى أن يقول:

   “كان كل أولئك الأولاد يأخذونني إلى غرفهم ويتناوبون على جسدي.. كنت أعي ولا أعي، أتلذذ وأقرف، حسبت ذلك جزءاً من عملي وخفت كثيراً أن أفاتح الأم… ص 68 وهكذا تتطور الأمور إلى أن تقول:

   “صرت آتي إلى ذلك الكوخ مع الأم ليدخل علينا الرجال، واشتهرت في الحي كله.. ص 68. وهكذا تتحول الفتاة التي لا تملك إلا أن تستسلم لمشيئة الآخرين وإرادتهم إلى مومس تبيع جسدها لكل من يريده…

   إنها تعيش المأساة بكل أبعادها، تحترق روحاً وجسداً، مع ذلك لا تستطيع أن تفعل شيئاً، فمصيرها قرره الآخرون، وقدرها ليس ملك يدها… إنها التابع الخانع الخاضع الذي لا إرادة لـه والذي يتحرك أشبه بريشة في مهب ريح.

   هذه «فيّ» تحب محمداً لكن أباها يقرر زواجها من رجل آخر:

ألا تسمعين يا فيّ؟

التفتت إليه وينبوع من الماء يقترب من صدرها. ستغطس الآن في الماء الساخن.

ـ ماذا تريد يا أبي؟ لقد جهزت لك الغداء

ـ إنني أتحدث عن عرسك، عن زفافك، يوم أن نلقاك ملفوفة في سجادة في غرفة عريسك

ـ أوه.. يا أبي!!

ـ وجهك يتضرج من الخجل! لكن اسمعي.. أتعرفين جارنا سعيد المناعي؟ هذا الرجل الشهم، لؤلؤة البحر.. إنه يريدك!! «الينابيع» ص 62.

   ولأنه يريدها ويوافق أبوها على إرادته سيتعين عليها أن تدفن أحلامها في الحب الذي لا تجرؤ على البوح به… تتخلى عن كل شيء وتذهب رغماً عن أنفها إلى سعيد المناعي.

وها هي فتاة أخرى تدعى زهرة تلقى المصير ذاته، فلا أحد يستشيرها في أمر مصيري يخصها هي وحدها إذ:

قال أهلها:

ـ مهدي أولى بك، سيعتني بطفل أخيه

دفنت وجها في رمال الوقت وارتعبت من أسنانه وانكفأت بعيداً عن النخيل والحكايات… «الينابيع» ص 115. إنها مقهورة مرغمة كما كانت عند ما زوجوها أول مرة، راسمين قدرها بالشكل الذي يشاؤون:

   “عندما دخل عليها كانت ترتجف رعباً. ماذا سيفعل؟ هل سيأكل من جسدها؟ أهو الذي يضع فيه جنيناً وكيف «الينابيع»، ص 114. إنها لا تملك شيئاً من مصيرها وحسب بل تجهل كل شيء عن ذلك المصير وعن نفسها وجسدها والآخر، إلى درجة ترتعب معها عندما تراه وتساورها ظنون شتى: هل سينهش لحمها؟ هل سيأكل قطعة من جسدها؟ إنه الجهل المطبق بحيث لا تعرف الفتاة شيئاً عن أخص خصوصيات الحياة: العلاقة بالرجل.

2 ـ المرأة، هدفاً للأطماع والنزوات:

   يتناول عبـــــــدالله خلــــــــيفة في أعماله المرأة كقضية باعتبارها هدفاً للأطماع والنزوات فهي الأضعف جسداً من الرجل والأقل حرية وقدرة على الحركة، تظل نهبة للرجل وأطماعه ونزواته. ها هو أكبر مرتضى في رواية «الينابيع» يتأمل زوجته زينب وهو يخطط لابتزازها ونهب أموالها، هي التي لم يتزوجها إلا طمعاً في ذلك.

   “تطلع أكبر إلى زوجته وتساءل: من كان يستطيع الزواج بك، وأنت ذات الوجه البشع واللسان السليط… ألا تدخلين القفص يا لبؤة؟

اقترب منها بحذر وأمسكها بود فجفلت وصاحت:

ـ ماذا تريد؟

أخذها برفق إلى حافة السطح فذعرت:

ـ ماذا تفعل؟ هل تريد أن تقتلني؟ ابتعد!

ـ يا حبيبتي، كيف أقتلك وأنت قطعة من قلبي، بل كل روحي.. بل أود أن تنظري إلى الأرض العظيمة التي حدثتك عنها. طالعي هذه المسافات الخالية وبيوت السعف الكثيرة المحتشدة حتى الشاطئ البعيد. أليست ساحرة وجميلة؟

ـ ماذا بك؟ هل خرفت؟ أي جمال في هذه العرشان القبيحة…؟

ـ بل الجمال كله ـ يا حبيبة عمري ـ في امتلاك هذه الأرض، هذه المساحات التي تنطلق فيها الخيل!!

ـ وما دخلي أنا بامتلاكك الأرض؟ اذهب واشترها!!

ـ ومن أين المال؟

هنا زعقت وصاحت وأزبدت… إلخ «الينابيع»، ص 158.

   لكنها مع ذلك ظلت هدفاً لأطماعه ونزواته، إذ إن لديه هدفاً وعليها هي أن تقدم لـه العون لبلوغ ذلك الهدف…

على أن المشكلة الأخطر، حين تتحول المرأة إلى فريسة يفترسها الرجل بكل وحشية وقسوة. إنه الاغتصاب الذي تعاني منه الكثيرات والكثيرات، فالرجل يمارس هنا قوته الجسدية وتفوقه العضلي على المرأة، فيقهرها ويذلها ويزرع فيها جروحاً قد لا تشفى منها أبداً. كثير من الروايات عالجت مسألة الاغتصاب وما تخلفه من آثار في نفسية المرأة، لكن عبـــــــدالله خلــــــــيفة يعالج هذه المسألة على نحو معكوس تماماً ليبين آثار حالة اغتصاب على رجل وجد امرأة مغتصبة وملقاة في الطريق فقدم لها العون لكن ليجر عليه ذلك الويلات. الحادثة تحدث في الواقع لكن ما يهمنا ليس ما جرت على الرجل من ويلات بل الوضع الذي وجد فيه هذا الرجل المرأة والذي دفعه لمساعدتها فيقول:

   “امرأة تتلوى على التراب وتنهش الحجر. تعض يديها وتبحث عن قطع فستانها الممزق وعباءتها المتوحدة بالظلام. اقترب منها، انتفض جسمها الممزق «الضباب» ص 6.

إنها حالة بائسة إلى أقصى حدود البؤس يجد الرجل المرأة المغتصبة فيها إلى حد أنه حين يحاول مساعدتها ورفعها بين يديه:

   “تضربه، تصرخ، تبكي، تخدش وجهه بأظافرها، اتركني.. اتركني «الضباب»، ص 7. تصرخ مرتعبة هلعة، هي التي اغتصبها الذكر مستغلاً ضعفها ورقتها. كذلك حين: تفتح عينيها تستعيد الألم المنتفض والذكرى الحادة. تتكلم، تهذي، تندس في صدره كابنة ضائعة، وفجأة تصرخ كأنها لمست الجلد الذكوري ذاته.. «الضباب»، ص 7. إنه الخوف الذي يتملك الفريسة من المفترس والذي يجعلها تبتعد عنه، لأنها جربت معه نهشه للحمها ولا تريد تكرار التجربة. هنا يفلح عبـــــــدالله خلــــــــيفة في تصوير هذا الشعور لدى الفريسة تصويراً بارعاً، كما يتناول في أعماله أكثر من فريسة من هذا النوع: امرأة كانت مطمعاً للرجل ومحطاً لنزواته فإذا ما انتهى منها تركها لأخرى، ها هو في «الضباب» يتكلم عن امرأة تزوجها رجل فقط لكي يستغلها ويبتزها، فيقول في حوار بين الرجل والمرأة:

ـ ماذا بك؟ لماذا تشمئز مني؟

ـ مللتك، اغربي عن وجهي!!

ـ أشم في ملابسك عطر نساء؟

ـ وماذا في ذلك؟

ـ أتعترف بهذه البساطة وأنا التي ضحيت من أجلك…

ـ ومن أجبرك؟

ـ أعرف أن لك علاقة بامرأة غنية الآن. تريد أن تستنزفها كما عصرتني ولكني سأقتلك قبل أن تلقيني في الشارع «الضباب» ص 46 ـ 47.

مع ذلك لا ينفعها تهديدها لـه، فهو يلقيها في الشارع وقد استنزفها تماماً ليذهب إلى أخرى يستنزفها وهكذا دواليك…

3 ـ المرأة، ضحية للظلم والعسف:

   في كثير من المواضع يتناول عبـــــــدالله خلــــــــيفة المرأة في وضعها الاجتماعي الصعب كضحية للظلم والعسف. ولا غرو، فهي الطرف الأضعف في المعادلة دائماً، جسداً ومالاً وعلماً لهذا يمكن لأي رجل أن يمارس عليها عقده ويفرغ فيها حقده ومفرزات دونيته ونقصه، بل لأنه هو نفسه عرضة للظلم والعسف الاجتماعي، إما على يد المستعمر، أو الحاكم أو الملاك أو رب العمل… إلخ، فإن من الطبيعي أن يبحث عن التعويض لكي يحقق التوازن النفسي الذي يمكّنه من الاستمرار والعيش، هذا التعويض يكون على حساب المرأة التي تتلقى في حياتها كل أشكال الظلم والعسف بدءاً من أبيها وأخيها مروراً بزوجها وأهل زوجها وانتهاء حتى بأبنائها. عبـــــــدالله خلــــــــيفة يرى هذا ويسلط الضوء عليه في كل عمل من أعماله. ها هو في الينابيع يتكلم عن «فيّ» الفتاة التي تموت أمها ويتزوج والدها بهدف أن تكون هذه الزوجة أماً لها لكن ماذا يجري؟

   “وجاءت امرأة ساكنة هادئة احتلت المكان. وفجأة تمزقت ملابس فيّ وتقطعت ضفائرها وتكسرت نجمات بحرها وراحت تهذي وتجري في الليل تصرخ الزوجة فيه:

ـ هذه ابنتك مدللة، لا تريد أن تغسل صحناً ولا أن تنظف أرزاً.

وهو يصرخ فيها بدوره:

ـ أتريدين وضع هذه الطفلة بين النيران والقدور منذ الآن؟

ـ ليست طفلة، إنها امرأة..

   حين التهب جسدها وتناثرت أهرامات صغيرة من الجلد المتغضن المنتفخ وهربت من البيت مراراً وتاهت بين كتل السفن الجاثمة على الشطآن… إلخ «الينابيع» ص 61 حينذاك فقط يتنبه الأب لضرورة إنقاذها، فعلى يد زوجته حل بالفتاة ظلم لا نظير لـه، فضُرِبت وعذبت وحبست ومزق جلدها ونتف شعرها… لا لشيء إلا لكي تنفس الزوجة عما في داخلها من عقد نتيجة الظلم الذي مورس عليها هي ذاتها من قبل ولتفريغ الشحنة العدوانية التي تحتل أعماق لا شعورها، رغم أن الأب يحاول الدفاع عن ابنته التي يحبها إلا أنه لا يستطيع ذلك إلا بالتخلص من الزوجة وإخراجها من بيته.

   بل إن المرأة، كما يرى عبدالله خليفة، تقع ضحية للظلم والعسف حتى في علاقة الحب التي يمكن أن تقوم بينها وبين الرجل، ذلك أن أي عواقب وخيمة أو نتائج غير شرعية تنجم عن تلك العلاقة غالباً ما تنعكس على المرأة وحدها، إذ يفر الرجل بجلده لتبقى المرأة وجهاً لوجه أمام مصيرها المحتوم: ذبحاً أو رجماً أو عاراً أبدياً يجثم صخرة على صدرها وصدر أهلها، جاراً عليها سلاسل من العذابات والمآسي التي لا تنتهي.

هذه فيّ في الينابيع وقد شعرت ببذرة محمد تنمو في أحشائها تجيء إليه مستنجدة مستغيثة.

“قالت فجأة:

ـ استرني… يا محمد

ارتعب، لم يعد يشتهي شيئاً، سمكة الشعري المقلية بالزيت والمترامية فوق الأرز الأبيض المعذب، مصيدة لسجن العمر الكئيب، لهذا الحجر الذي سينطفئ فيه الأغنيات والكلمات. أتريد أن تصطاده بهذا الثمن البخس؟

صرخ فجأة:

ـ هيا، اذهبي من هنا.

ـ لا أستطيع. نطفتك تتكون داخلي.

ـ أأنت مجنونة؟ هل تتصورين أنني، أنا الرجل الحر، أحبس نفسي في هذه الخرابة لأصنع أطفالاً وأناغي زوجة وأشتري الأدام كل صباح… إلخ

ـ وأبي وأحجار الرجال التي ستنهال على جسمي، وعصا سالم الرفاعي التي ستحطم رأسي.

ـ اذهبي من هنا، وخذي أرزك وفضائحك ودموعك معك!! اتركيني…

   كانت تتقطع دموعاً ويداً وثدياً. كل ينابيعها المحبوسة بأقفال الأمل ضخت فجأة كل الوجع والرعب وصارت المدينة والسماء كلها حصا. سمعت عن جارتها التي انتفخ بطنها حراماً وأحضروا عجوزاً شمطاء قتلت الطفل وأذابته في الحمام، ثم هربت العائلة كلها فيما وراء البحر. وأمينة صديقتها التي قتلوها ودفنوها… إلخ” «الينابيع» ص 92.

   وهكذا ترى الفتاة قدرها بأم عينها، ذاك القدر الذي عليها أن تواجهه وحيدة مفردة، تخلى عنها شريكها في الحب، وتنصّل من الذنب لتلقى هي وحدها العقاب الذي كان عليهما كليهما أن يتشاركا فيه..

   ها هو بطل الضباب الذي تتزوج أمه رجلاً آخر بعد أبيه يرى كم يمارس عليها هذا الزوج من ظلم وعسف إلى درجة يصرخ معها ذات مرة: ذئب!! ذئب: ويود لو يخنقه بيديه لكنه مجرد طفل وزوج الأم رجل كبير يظل يضطهد أمه ويعذبها إلى أن تقضي نحبها فيقول مخاطباً نفسه:

   “كل وجهك، حطم الجدران والمزهريات، فلا فائدة وأمك تحمل على نعش بعد أن عذبها اللص حتى الموت وحوّل أولادها إلى خدم… «الضباب» ص 72. على هذا النحو يصور عبـــــــدالله خلــــــــيفة هذا المخلوق الضعيف الذي هو عرضة دائماً لاضطهاد الرجل واستبداده، ظلمه وعسفه إلى درجة تستسلم معها لكل ممارسة يريد الرجل ممارستها عليها، بانتظار، ربما معجزة سماوية تنقذها لكنها أكثر الأحيان لا تجيئ.

4 ـ المرأة، رهينة للكبت والحرمان:

   يعلم عبـــــــدالله خلــــــــيفة ، هو الذي يعيش ظروف مجتمعة وشروط الحياة فيه بخيرها وشرها، أن الإنسان العربي يعاني أكثر ما يعاني من الكبت والحرمان، فالتقاليد والعادات والأعراف الاجتماعية كلها تفرض عليه إطاراً معيناً للعيش يتعذر عليه الخروج خارجه، ليظل في معظم الحالات رهن الكبت والحرمان الذي يمسك بقبضته عنق الإنسان إلى درجة يكاد يخنقه فيها، ذلك ينطبق على الرجل والمرأة على حد سواء، لكن لما سبق وذكرناه من ظروف مخففة لدى الرجل تكون وطأة الكبت والحرمان أخف عادة مما هي على المرأة، التي تعاني في أغلب الأحيان من حرمان شديد وكبت قاهر يكاد يدمر حياتها، بل هو نفسه ما يدفعها في أحيان كثيرة للانزلاق في منزلقات الخطيئة، وبالتالي للانحراف والضياع، فالمرأة التي يفرض عليها، خاصة في المجتمعات المغلقة شديدة المحافظة، أن تظل حبيسة المنزل، تنتظر العريس إن كانت في بيت أبيها، أو تنتظر دورها، إن كانت في بيت زوج متعدد الزوجات، تجد نفسها تتآكل من الداخل وفي جسدها حاجات لم تشبع وغرائز لم ترو… فلا تملك إلا أن تسعى لإروائها.. لنر عبـــــــدالله خلــــــــيفة كيف يسلط الضوء على هذا الجانب من المرأة، كقضية ومشكلة، فها هي الفتاة التي كان يحبها جابر تركته وتزوجت رجلاً ثرياً متعدد الزوجات لكنها لا تجد معه ما يروي ظمأها القاتل ويعوضها كبتها وحرمانها الطويل فتعود خلسة إلى حبيبها السابق:

   “سمع خطوات مضطربة عند الباب ثم دقات عصبية سريعة. فتح وإذا هي متدثرة بعباءتها تلتفت إلى الوراء خوفاً، ثم ترنحت بين يديه عصفورة مضطربة القلب مذعورة… «أغنية الماء والنار» ص 134، وهي لكي تراه تلجأ إلى حيل وأساليب عجيبة وغريبة، إذ عليها أن تكتم وتخفي أو كانت الفضيحة وبالتالي العقاب الشديد الذي قد يكون الموت نفسه، إذ إنها تراه مصادفة في السوق وحينذاك:

تطلعت في وجهه. ارتبكت وشعت بالابتسام. تركت البائع، اندفعت في الزحام. تبعها، تركت الدكاكين والسوق ودخلت الأزقة. كان أحدها خالياً، توقفت أرادت أن تتكلم، لكن الألفاظ تعثرت في شفتيها.

ـ كأن الفراق كان سنوات طويلة.

تتلفت ثم تطالع وجهه بارتياح. كأنها كانت تبحث عنه طويلاً. تريد أن تلقي برأسها على صدره لكنها تظل بعيدة، متوجسة من المارة والأصوات.

ـ لقد تعبت من هذا الرجل الفظ القاسي الذي لا يعرف سوى رغباته. لقد اشتقت إليك كما لم أشتق من قبل. يا ربي!! كيف تسرعت وأخطأت!!

ـ هل كان بريق الثروة رائعاً؟

ـ لا تحقد علي الآن. كنت طوال هذه المدة أذكرك وأتعذب… «أغنية الماء والنار» ص 93.

إنه الحرمان الذي يجعلها تذكره وتتعذب وهو الحرمان الذي يدفعها لأن تتبع الأساليب الملتوية لتلبية حاجاتها الجسدية، فتقترح عليه هي نفسها أن يستأجر غرفة كي يلتقيا معاً بل وتعطيه نقوداً.

   “ـ أريد أن أقول لك كلاماً كثيراً. لماذا لا تستأجر غرفة هنا؟

   قبل أن يفتح فمه أعطته رزمة من النقود.

   ـ غداً سألقاك هنا وفي هذا الوقت لرؤية المكان «أغنية الماء والنار» ص 94.

وإذا كانت حبيبة جابر تهرب بعيداً عن بيت زوجها فإن حبيبة محمد في رواية الينابيع تأتي به إلى بيتها للعناية به وقد مرض وتقيم معه علاقة وهي تحت سقف بيت أبيها وذلك لشدة الدافع والرغبة التي صنعها الكبت والحرمان.

   يحتضن فيّ بقوة، وكان المطر الناعم يتغلغل في التراب منتشياً صارخاً ويرى أن جسده كله يشتعل، وهذه ليست رقصة في بحر والتفاف جسدين بين كتل الماء والأعشاب، بل استحمام في برد ونار، والغرفة تركت لـه، والليل، والأب ينام في وحدته، غافلته ابنته واندفعت للهوى والجمر… «الينابيع» ص 86 .

كيف لا، والكبت والحرمان يصنعان ما هو أفظع من هذا وأشد هولاً، خاصة لدى المرأة التي تقاسي أشد أشكال الكبت والحرمان حتى تتشوه نفساً وجسداً كما تتشوه قدم الفتاة الصينية وقد وضعت في قالب يمنعها من كل نمو أو تطور.

5 ـ المرأة، كائناً هشاً سريع التأثر:

   يتابع عبـــــــدالله خلــــــــيفة في أعماله كلها رصد قضية المرأة باعتبارها كائناً هشاً ضعيفاً سريع التحول والتأثر، تنعكس ظروف الحياة الصعبة عليها مباشرة لتجعل منها الكائن الذي ينكسر ويعطب بسرعة كبيرة، كما يتأثر ويتغير بسرعة كبيرة أيضاً:

   “الفتاة تطلعت إليه بخجل، بخجل شديد، وتوارت نظراتها وانكسرت وبدا أن دمعة ساخنة تحرق خدها..  «الضباب» ص 17. وهل لهذا الكائن الهش حين يخجل أو يخاف أو يقلق سوى الدموع والبكاء؟

   ها هي في أغنية الماء والنار تصف نفسها بنفسها وقد تأثرت وتحولت تحولاً كبيراً حتى غدت كائناً آخر:

كانت عيناها قاسيتين، الوجه الجميل استحال إلى شكل مرعب. خاف، تراجع.

ـ أين ستذهب؟

ـ هل أحببت أحداً ما؟

ـ عشت في قسوة طويلة. حين اغتصبني الشيخ الثري وأنا صبية كرهت كل شيء كرهت الناس، كرهت أبي الذي كنت أحبه كثيراً. بدا لي عاجزاً ضعيفاً وكنت أتصور أنه عملاق يصل إلى السماء. لم أشعر بأي لذة. لم أفكر بعدها إلا أن أملك وأملك.. «أغنية الماء والنار» ص 125ـ 126. لقد تغيرت إلى درجة تحولت معها إلى وحش حقيقي ليس لديه مانع من أن يلتهم حتى لحم أخيه الإنسان… فتخطط لإيقاع راشد بحبائلها لكي ينفذ لها مأرباً بعيداً يلبي نهمها الشديد للتملك: ألا وهو حرق أعشاش الفقراء وبيوتهم حتى ولو التهمت النيران نصف ساكنيها، وهو ما تفلح فيه مورطة بذلك راشداً الذي يدفع فيما بعد الثمن غالياً.

   وها هي مي التي كانت تذوب حباً بمحمد وذهبت إلى منزلـه لكي تقنعه بأن يعمل لإنقاذها من براثن الشيخ العجوز الذي سيشتريها بماله، ها هي ليلة عرسها من هذا الشيخ العجوز، وقد تغيرت تماماً واندمجت في جو العرس اندماجاً تاماً..

   “تتطلع مي من غرفة العرس إلى المدينة وهي تشتعل بفرحها، تتجمد ذائبة من النشوة ولأنها كائن هش سريع التأثر تبدو على أتم الاستعداد للغرق في ذلك العالم الآخر.

6 ـ المرأة، فريسة للخوف والقلق:

   من الطبيعي، والمرأة في مثل هذه الشروط الاجتماعية والإنسانية، أن تكون دائماً نهبة للقلق والخوف، و عبـــــــدالله خلــــــــيفة يعرف هذا ويسجله بكثير من الإشفاق والرثاء. فالمرأة غالباً ما تعيش حياتها سلسلة متصلة من الخوف والقلق. إنه الخوف من مفاجآت الحياة، من المخفيات التي لا تعلم متى تظهر لها فتدمر حياتها أو حياة أطفالها وزوجها..

   “كانت زهرة تحدق من وراء الخوص، في السفينة الكبيرة الوحيدة التي جرفت بعيداً عن ساحل قرية العين.. كانت النسوة يرفعن أيديهن ومناديلهن للبحارة المتوغلين في اليم… ولم تصدق أن زوجها سيغرق فجأة وإلى الأبد، كومضة، كفراشة. تبحث عن ملامحه في النهار والليل فلا تجده. إن حشد الأهل يطفئ آهاتها الساخنة ويملأ بماء العين قنواتها النابضة «الينابيع» ص 113.

   أما حبيبة جابر التي تزوجت من الرجل الثري فتعيش أشد حالات العذاب والخوف والقلق في بيت زوجها، هي التي تجد نفسها محاصرة بالأعداء من كل جانب والتي يهددها الخطر في كل لحظة:

   “لا تقل هذا. إنني أموت كل يوم. منذ أن جئت إلى بيته والمعارك لا تهدأ مع زوجته الأولى ومعه. ليس هذا بيتاً بل مستشفى. زوجته تغير مني وترغب ألا أحمل أبداً، تحرق البخور وتغرز المسامير في الخشب المحترق. وهو ينتظر كل يوم أن أكون قد حملت” «أغنية الماء والنار» ص 94.

   إنه الخوف والقلق الذي يترصد المرأة في كل طور من أطوار حياتها وحالة من حالاتها فهي إن أحبت انقضت عليها وحوش الخوف والقلق، تنشب فيها مخالبها وأنيابها، خشية أن يكتشف أمرها فتفتضح…

   “ينهض فجأة ويلقي العود. ترتعب الفتاة، يغلق الباب فتذكره بالفانوس الذي تركه مشتعلاً…«الينابيع» ص 49.

   كذلك الأمر مع حبيبة جابر التي تجد نفسها مشطورة شطرين: أحدهما يجري وراء الحب الذي ضيعته وثانيهما يعمل كل ما في وسعه للحفاظ على الرجل الذي رضيت به زوجاً وذلك فقط لأنه قادر أن يؤمن لها مستوى حسناً من العيش.

   “يا لهذا الحب!! كنا نجري في الظلام حين أكلت (الحوتة) القمر.

   أتذكر؟ كنا نلتقي في القلق والخوف كأن حبنا قد دمغ ولعن بالمطاردة والظلام. وحتى هنا، في فسحة الوقت، أخاف أن يفتح الباب فجأة ويدخل زوجي «أغنية الماء والنار» ص 136.

بل هي تشعر بالمرارة والغصة وهي تعلم علم اليقين ما يهدد حبها لـه وعلاقتها به من مخاطر وأهوال.

   “لقد تحملت كثيراً وجئت إليك، سرت في الأزقة متغطية عن العيون، ومشيت طويلاً حتى وصلت هنا… فتقابلني بهذا البرود!

   الكلمات المرتجفة بالبكاء هزته. دهش لأن المرأة تحولت هذا التحول كله. أيكون مخطئاً في كل شيء؟ أيكون أبله بحيث لا يميز بين الجمود والتعب؟” «أغنية الماء والنار» ص 127.

   هذا التحمل الشديد. هذا السير في الأزقة، هذا المشي الطويل إنما يتم كله على نصال الخوف وأسنة القلق، فأي عابر قد يسبب لها مشكلة، وأي حدث طارئ قد يثير لها فضيحة، مع ذلك هي تغامر، تتحدى القلق والخوف لا لشيء إلا لأن دافع الحب أقوى بكثير من دافع الخوف وغريزة الحياة أقوى بكثير من غريزة الجمود والموت.

   “في المرة الأخيرة قالت (أخاف من الحضور. أتتذكر ماذا حدث ليلة الخسوف؟ الجميع كانوا يلاحقوننا)

ـ لا تخافي سنتزوج قريباً.

ـ سنتزوج؟ كيف وأين؟

ـ هنا، ستعيشين معنا في البيت..

ـ بين إخوتك وأمك وأبيك، هذا خان وليس عش حب.. «أغنية الماء والنار» ص 59.

   إنه القلق والخوف الدائم من مصير أسود ينتظر المرأة، هذا الكائن الرقيق الذي لا يريد سوى حياة كريمة توفر لـه ما يحتاجه دون أن يعرض نفسه للإهانة والذل. إنها تخاف أيضاً أن تخسر حبيبها وهي تراه متعلقاً بفتاة أخرى فلا تملك إلا أن تقلق إلى حد الارتعاش.

   “كانت فيّ ترتجف عند شجرة الرمان في الحوش. رأت المرأة الفاتنة عند محمد وأبصرته يعبدها فصارت عموداً من ملح يذوب… «الينابيع» ص 60.

   بل إن المرأة حتى إن تزوجت يظل الخوف يساورها والقلق يسكن أعماقها، ماذا لو تزوج الزوج من جديد والشرع يسمح لـه باثنين وثلاث ورباع؟ ماذا إن لم تنجب لـه أولاداً وهو يريد العزوة والأولاد؟

   “وتذكر أمه وهي تنتظر أباه في الحوش قلقة متسائلة عن تأخره، تهتز كما لو كانت تقرأ القرآن ثم تنظر من الباب إلى الدرب الفارغ فلا ترى صياداً تسأله عنه. سنوات كثيرة عاش بلا أطفال. ذهبت إلى (الخضر) وفلقت عدة بيضات على حجريه الصلدين وأعطت البيض الباقي لخادم المزار. غير أن الأطفال لم يزرعوا في بطنها. كانت ترتعش وتبكي في الليل وتقابل السماء المرصعة بالنجوم وهي تقول (سيتزوج غيري وينجب منها أطفالاً، أترضى بهذا يا رب؟) «أغنية الماء والنار».

   هذه هي حال المرأة، قدرها أن تظل دائماً فريسة للقلق والخوف، لم لا وهي الكائن الضعيف الذي لا يملك من أمره شيئاً بل عليه أن يكون تابعاً خاضعاً مصيره مرتبط بإصبع الرجل، السيد المهيمن الذي يملك كل شيء.

7 ـ المرأة، كائناً مغيّباً:

   عبـــــــدالله خلــــــــيفة يعرف هذا جيداً، وهو يرى المرأة في مجتمعه في إحدى حالتين: إما رهينة جدران أربعة لا تخرج منها إلا بإذن ولا تدخل إلا بإذن وإما غائبة خلف حجب سوداء لا يراها أحد ولا تكاد هي أن ترى أحداً. لقد فرضت عليها العادات والتقاليد الاجتماعية أن تكون هكذا، وهي لا تستطيع اختراق تلك العادات والتقاليد بل ولا حتى مواجهتها، فتستسلم لمصيرها امرأة حرمت من أبسط حقوقها في الحرية والتعبير عن الذات، المساواة مع الرجل والمشاركة في الحياة الاجتماعية. رغم ذلك ترضى المرأة بقدرها، هي التي لا تستطيع تغييره، فقديماً     قالت عائشة التيمورية:

وما احتجابي عن عيب أتيت به

وإنما الصون من شأني وعاداتي

   إذن هي ترضى بالاحتجاب لأن العادات والتقاليد هي التي تفرضه، وهي ترضخ لتلك العادات والتقاليد، فذلك أسلم وأقل وجع رأس. وعائشة التيمورية هي التي تقول أيضاً:

بيد العفاف أصون عز حجابي

وبعصمتي أسمو على أترابي…

   رغم أن هذا الحجاب بكل ما لـه من عز ومنعة هو الذي يغيّبها عن الحياة ويبعدها عن المشاركة الاجتماعية ويحرمها في معظم الأحيان من حقها في العمل والتعلم. إنها الأسيرة التي ترضى بأسرها، فلا تشكو ولا تتذمر، بل كثيراً ما تكون أكثر تشبثاً بأسرتها: الأعراف وبقيودها: التقاليد، من الرجل نفسه، حريصة على أن تبقى المغيبة، راضية بغيابها ذاك.

   عبـــــــدالله خلــــــــيفة يرصد ذلك الغياب بنظر ثاقب ويحزن، يريد من المرأة أن تشق أكفانها وتخرج إلى الحياة، إذ غالباً ما يتكلم عن العباءة والحجاب، ونادراً ما يغيب صورة المرأة المعزولة المبعدة عن الحياة الاجتماعية الفاعلة عن أعماله. بل هو يرى ذلك الغياب والحجاب ماثلاً حتى في ليلة زفاف مي.

   “وتسدل الحجاب الحريري على وجهها وتحكم طي العباءة على جسمها، وتسمع هذه الطبول تقترب وأقدام الحشد الرجالي تصعد السلم وتقلقل البيت وتبدأ الأنفاس الذكورية في التسلل إلى مخدعها الناعم وتتذكر وصية أمها المليئة بأقانيم الطاعة والصمت والعمل، وممانعة الزوج في ليلة الدخلة وعدم تركه يأخذها بسهولة، وعليها أن تلتف جيداً في عباءتها حتى ينتزعها انتزاعاً… «الينابيع» ص 88 .

   ترى هل هناك تغييب أكثر وضوحاً من هذا التغييب؟ وهل هناك أسر أشد مرارة وشراسة من أسر التقاليد والأعراف هذا؟ فلا تستطيع المرأة معه أن تعيش حياتها كما ينبغي ولا تتمكن من التعبير عن ذاتها وممارسة حريتها كإنسان كامل الحقوق الإنسانية. إنها المأساة التي يسلط الضوء عليها عبـــــــدالله خلــــــــيفة ببراعة وحذق، وكأنما يحث بذلك مجتمعه كله على أن ينهي هذه المأساة وأن يحل قضية المرأة ككل، مخلصاً إياها من كل ما يحول بينها وبين الحياة الحرة الكريمة، ويحررها من كل قيودها لتنطلق في فضاء الحياة صنواً للرجل تعمل معه يداً بيد وتبني الحياة والمستقبل معه جنباً إلى جنب دون تفرقة أو تمييز، بل بكل ما لها، كإنسان، من حق في الحرية والمساواة.

عبدالكريم ناصيف

كاتب وأديب سوري