اليهودُ من التراث إلى الواقع

ظهر اليهودُ والعربُ وبعضُ الأقوام الأخرى في منطقة المشرق كقبائل نازحة بدوية باحثةٍ عن المناطق النهرية الخصبة، لكن ذلك لم يحدثْ في أول النزوح بل بعد مئات السنين.

في حراكِ اليهودِ المتوجهِ نحو البلدان الخصبةِ كانوا في البدءِ قبائل بلا هوية محددة، بل كانوا يشكلون هويتهم، عبر الاحتكاك بالحضارات والأقوام الراسخة في المنطقة، ولهذا كان عبورُهُم المستمرُ الذي أعطاهم فيما بعد اسم العبرانيين، مثلما أعطى العربَ تعبيرهم، يَتسمُ بالبحثِ عن المنافع والخصبِ لكنهم كانوا بداةً غلاظاً.

رؤوساءُ العشائر الكبار اتخذوا لهم أسماء تاريخية وهم: إبرام، وإسحاق ويعقوب.

عبّرَ حراكُ العشائرِ اليهوديةِ عن البحث عن المناطق الفارغةِ من السكان والشعوب الكبيرة مثلهم مثل شعوب كثيرة مترحلة وَجدت في منطقة الأنهار هذه قبلة إقتصادية، ولكنهم دائماً كانوا يجدون الأمكنةَ مليئةً، وأقل الأماكن من الشعوب الكبيرة كانت الصحارى فكانت شمالُ الجزيرة العربية هي الامتدادُ التاريخي لهم. وهي تمضي من جنوب العراق حتى سيناء والصحراء المصرية الشرقية. بل وحتى هذا المكان الكبير الوسع الشظف كان فيه العرب أقرانهم والمتداخلين المتصارعين معهم، والذين انحدورا للجنوب، وهناك العماليق كذلك، أما مناطق الخصب في العراق وفلسطين وسوريا ومصر فكان الدخول فيها عسيراً، وقد تم إقتحامها والصراع مع الكنعانيين في حران وأريحا لكن السيادة والعيش الرغد لم يأتيا.

القلة العددية لمؤسسي العبرانيين فيما بعد، والبداوة، والترحال، وهجمات الأقوام الأخرى، جعلتهم على هامش الحضارات التي قاربوها.

والجثومُ على الحدودِ المصريةِ من قبل هذه القبائل كانت البدايةُ الفعليةُ للتاريخِ اليهودي كما سيُعرفُ لاحقاً. لهذا كان التاريخُ السابقُ المليءُ بشذراتِ القصص هو مجردُ بدايةٍ غامضة، وإفتتاحية شبه مجهولة، وكان تاريخاً غائب الملامح رغم أن التأصيلَ اللاحقَ سوف يضخمه.

لهذا كان ظهورُ النبي موسى واقعياً في المسار التاريخي الحقيقي هنا، فهذه الأقوامُ من الرعاةِ والخدم وأصحاب المهن الدنيا الجاثمة على هامش الدولة المصرية، من الصعب أن يظهرَ فيها مثقفٌ بارزٌ بمستوى موسى، ولهذا كان موسى مصرياً بكلِ شخصه، كما يدلُ عليه اسمهُ وثقافته، أما التهويدُ الطفوليُّ له فقد جاءَ لاحقاً. فهو في اللغةِ المصريةِ القديمة بمعنى(وليد).

وثمة فترةٌ مهمةٌ بين ظهورهِ التاريخي وبين ظهوره الواقعي، حيث كان قد تزوج صفوره (صفية) ابنة الكاهن في أرض الميدانيين وهي في المنطقة القريبة من التجمع السكاني الكبير للعبريين، وانجب منها ولدين وكَبُرا وتداخلت حياتهما بالحدث التاريخي، مما يُعطي مساحة زمنية للتداخل العميق مع هذه الحشود المهمشة.

وهذا السردُ الذاتي تداخلَ مع التحولاتِ التاريخية على الجانبين المصري والعبري. حيث أن الحضارةَ المصريةَ كانت في حالةِ مخاضٍ متنقلة من الوثنيةِ التعددية الكثيفة إلى التوحيد، وكانت تلك هي لحظة إخناتون التوحيدية الفاشلة، وتوجه موسى للتوحيد ومفارقته أرض مصر وحمل هذه الأقوام لرسالة التوحيد. انهما جانبان وحدا الذاتي والموضوعي، لكن حشود المرويات وألغاز التاريخ والنظريات، كلها تشوشُ هذه اللحظة المركبة المعقدة.

لكن توحيد موسى ورسالته وتحميلها لشعب وثني من قبائل صغيرة فقيرة في خضم إمبراطوريات المشرق، يظل لغزاً كبيراً. لكن الجانبين المتضادين، موسى والعبريين، ظلا يتصارعان، فأن نقل الثقافة المصرية التوحيدية البازغة لقبائل بربرية كانت عملية غير ممكنة عملياً، لكنها غدت مهمة قرون، وقد بدت المرويات الموسوية الموجهة لتثقيف وتديين هذه القبائل غير محبوكة على الجسد القبلي المفتت البدائي الذي ظلتْ الأرضُ الموعودةُ التي تفيضُ لبناً وعسلاً هي الوجهة التي تشده دون سواها.

إن التاريخَ اليهودي يبدأ هنا بإستخدام اسم الإله (يهوه)، إن النبي موسى هو الذي صاغهُ على جسم هذه القبائل ورَكّبَ موادَهُ الشعائرية والعبادية وأنتج بعضَ مواده الفكرية الدينية، لكي تصهرَ الكيان المفَّتتَ في كلٍ موّحد، وجاء اسمُ الإلهِ مفارقاً لإرث القبائل، ولكن الاسم القديم التجسيدي الطالع من ثقافةِ الخصوبة الزراعية الوثنية لم يعد ملائماً، فجاء اسمُ الإلهِ الجديدِ المُجرد، غيرِ المرتبطِ بالموروثِ الزراعي الخصوبي وعاداته، ويحملُ طابعَ القوة والتحدي ويجلجلُ بتراثِ منطقة البراكين لشمال الجزيرة العربية، مما يُعطي شجاعةً لهذه القبائل المُداسة على الشارع العام للأمم، ويدفعها للأرض الموعودة. ومن المؤكد إن إعادة تكوين ديانة أمر يحتاج لوقت طويل. كما أن الأرض الموعودة مليئة بالسكان المدافعين عنها، ولهذا قيل أن ثمة تيهاً قد حدث لأربعين سنة، وهو ليس تهياً بل هو تكون للدين الجديد العام دون إنفصال كلي عن القديم، كما أن ذلك كان عجزاً عن الدخول إلى فلسطين وتراكماً للمواليد وإستعداداً صعباً للغزو!

أدت ظروفُ النشأةِ اليهودية وصغرِ حجمِ السكان وسيطرة رجال دين غرباء على العبرانيين، إلى حكمٍ سياسي مفكك، فاللاويون وهم رجالُ الدين المجلوبين من مصر شكلوا طبقةً مسيطرة شبه أجنبية، إستغلتْ السكانَ العاملين حتى إنتفضوا عليها وإستبدلوها بعصرِ الملوك الذي لم يكن أفضل.

مثّل طابعُ الدينِ اليهودي أولَ حكم ديني عميق الاستبداد، يمركزُ قوة سكانية صغيرة محدودة المعرفة والجذور في المنطقة في مواجهة شعوب واسعة وثنية، فكان لا بد أن يتوقع بقوة، وفي زمن إنكسار الدولة عبر الغزو العراقي، أتيح لرجال الدين الجدد في بابل أن يعيدوا صياغةَ اليهودية بحيث تتجذر في تراثِ المنطقة الخصوبية بدون أوثانها، فكانت إعادةُ نظرٍ شاملة مؤدلجة مسيسة إستلهمت التراث المناطقي الواسع الضارب في الجذور عبر مسحة تهويدية قُدمت فيما بعد للعالم المسيحي.

لكن بعد هذا كان زمنُ الشتات، الذي ترسختْ فيه القوقعةُ الدينيةُ لدرجة العصاب اليومي، وكل هذا العصاب يجري من أجل العودة لفلسطين الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً، أرض الأجداد والتاريخ (العظيم) الذي زُخرف وبُولغ في عظمته وبطولاته.

التقوقعُ خلقَ رغبةً عارمة في تشكيل وطن قومي ديني، مفارق للبشرية، أتاحته القدرة اليهودية في تكوين رأس المال، لكن حين ظهر الوطن ظهر كقوقعة محصنة معادية للمحيط، وبقاؤه كـ(جيتو) كان لا بد أن يهيمن عليه رجالُ الدين المتعصبين المنتجين لهذا المجتمع عبر عدة آلاف سنة، فكان لا يمكن أن يكون علمانياً، وأن يغدو ديمقراطياً يقبل بتنوع المواطنين الديني.

ونظراً لنشأته العسكرية فإنه إعادَ إنتاجَ نفس موديل الزمن القديم، حيث الهيمنة العسكرية – الدينية المتداخلة، وهذا هو ذات التركيب للمجتمعات المتعصبة والفاشية، حيث العرق أو المذهب هو المحدِّدُ لتكوين الدولة الإلهية أو الطائفة المنصورة.

لكن الإنشاء من قبل الرأسمال الكبير المتكون في ذروة الغرب كرّسَ من الخارج شكلاً حداثياً متطوراً، وهو بناءٌ إقتصادي متطورٌ لكن عبر شكلٍ سياسي إيديولوجي يعودُ لقرون غابرة ويفرضُ نفسَهُ بهذا التسلط التراثي المرعب، فالمضمونُ لم يغير الشكل والشكلُ يخربُ المضمون. وكأن الرأسمالَ الأمريكي عادَ لبيتِ أيل ويغتسلُ تحت مطر إلهِ البراكين.

الطابعُ العسكري الديني المحافظ العنيفُ المكرّسُ في الماضي والحاضر، وسببُ خرابِ الحكم القديم هو نفسه يزعزعُ إسرائيل المعاصرة، حيث قاد ويقود لتكاليف رهيبةٍ على كل جبهات النزاع فلم يؤدِ التطور الاقتصادي لرفاهية السكان المنتظرة، ولم تغدُ أرضُ الحلم التي تفيضُ عسلاً ولبناً، بل هي أرضُ الحروب والخصومات المستمرة، وإرتفاع تكاليف المعيشة بحيث أن ثمن شقة في يافا يصل إلى مائة وخمسين ألفاً من الدولارت.

التقوقع الداخلي الذي لم تهزمه الحداثة والديمقراطية، ما زال مصراً على الأنا المطلقة المتحدثة مع الإلهِ وحيدةً دون الأغيار، لكن الصراعات الاجتماعية ومطالب الأغلبية العاملة تكسرُ جزءً من هذا الإنكفاء التاريخي، وها هي تثور مثل العرب سكان العالم الثالث، تطالبُ بأقل بكثير من تلك الأرض الحلم، تطالب بالإسكان وتخفيض الأسعار.

ويتضح النهجُ اليميني المتطرف أكثر في عدم القبول بالعيش المشترك مع الفلسطينيين في دولةٍ علمانية واحدة أو في بلدين منفصلين، وتحميل الفلسطينيين تكاليف الأزمة الاجتماعية الناشئة من سلسلة طويلة من الحروب بتوسيع المستعمرات وحصار غزة.

ولم يستطع التكون الحداثي أن يفرض تحولاً في هذه الثقافة الدينية الرجعية المتكلسة بل هي التي تخترقُ التيارات الحداثية الظاهرية وتحيلها لأشكال أخرى من المقاربة الدينية.

فكلما كانت التربية المحافظة مسيطرة منذ الطفولة في أشكال حادة عصابية فإنها تحيلُ المواطنَ الحداثي إلى كائنٍ يعودُ يومياً لعصور الهامشية على حدود مصر ويمضي (التيه) في سيناء ويعيشُ الكراهيةَ الدائمة للأمم الأجنبية. ولهذا فإن اليسار الحكومي يشترك مع اليمين الديني المتطرف في حكومة واحدة تغتصبُ الأرضَ وتحيل الاقتصاد إلى إقتصاد عسكري يقع عبئهُ على السكان الذين لا يجدون قوة سياسية كبيرة ترفض إقتصاد الحرب ودولة الدين العسكرية.

 

اليهودية كدكتاتورية شرقية

لم تتشكل تجربة حضارية ديمقراطية كبرى راسخة عميقة متوارثة لدى قبائل اليهود المشتتة عبر خرائط الأرض. ثمة قدراتٌ فذةٌ تراكمتْ في مجال العلاقات التجارية والنقدية، فنجد القبائل اليهودية وهي تخرجُ من أحضانِ التجمعاتِ القرابية المتماسكة المنغلقة لا تندمجُ بالمجتمعاتِ الحضارية شبهِ الرأسمالية وشبهِ الديمقراطية في المدن والدول التي تنزحُ إليها.

وسواءً كان ذلك بنزوحِ القبائل من فلسطين إلى مصر أو إلى بابل، فإن التجمعَ التحديثي شبه الرأسمالي أو المُـقاربِ للحداثةِ في ذلك الزمن، يبقى منعزلاً عن الإندماج. إن القبليةَ الدموية السلالية تبقى مهيمنةً على العلاقاتِ الماليةِ البضائعية، وتعيدُ فوائضَها إلى أحضانِ الجماعة القبلية – الدينية المتماسكة.

هناك جوانبٌ عقيدية تتأس من البذور الأسرية والقبلية، برفضِ الإندماجِ مع (الأغيار). فهناك اليهودُ وهناك الأغيار. ولا مجالَ للخلطِ والأختلاط والتداخل والنمو المشترك. ومن هنا تغدو العقيدة مشبعة بالتفاصيل الخاصة المميزة؛ في رسم الوجود، في ذكر السلالة والأنبياء والحكايات الحقيقية والخيالية والمحرمات والطقوس، لكي تبقى القبيلة – الشعب، في وصاية الكهنة.

لعل بعض الاختراقات المحدودة أو الواسعة تمت لهذه العرقية الزرقاء، المتعالية فوق الشعوب، ولا يعقل أطلاقاً أن يحتفظ أي عرقٍ بنقائهِ الأبدي.

ونلاحظُ هذه العقيدةَ بعدمِ الإندماجِ مع الأغيارِ حتى في الرمزياتِ القصصيةِ المقدسة للأديان، فالقائدُ اليهودي يتاجر ويجمعُ ثروةً ويصلُ لمنصبٍ كبيرٍ في الدولة، لكنه لا يختلطُ بالخاصةِ أو العامة الأهلية في البلد الذي إرتفعَ فيه من الحضيض لذروة عالية، والعلاقة الأسرية تقومُ على إستدعاءِ أهله، وجلبهم للبلد الغريب، ويرفضُ العلاقةَ الجنسيةَ الانصهاريةَ مع هؤلاء الذين إحتضنوه!

إن تجميعَ المال بصورةٍ مقترة متراكمة، والعيش في القواقعِ الاجتماعية أو الزرائبِ السياسية، والتمدد المستمر نحو عروقِ الذهب والفضة، نحو الأمكنة التي تتفجر فيها الثروات هي خصائص البقاء والصعود الاجتماعيين.

وكذلك الحفاظ على القرائبية لكونها تحتفظُ بتراكمِ رأس المال، والأختلاطُ مع الأغيارِ يزيلُ ليس الدم النقي بل عروق الذهب التي تشتهي أن تصيرَ جبالاً!

في التبعثر الشرقي لليهود يُلاحظ هذا السكن القريب من الأسواق، والتواجد في المدن، لكن أبداً لا يحدث ذوبان، ولا تقومُ المدنُ بإعادةِ تفكيكِ القبيلة، ولا تتحول إلى فئات وسطى ضمن طبقة برجوازية حداثية، تقومُ بتغييرِ بلدٍ ما.

إن الفئات اليهودية المالية تنسحبُ من عملياتِ التوحدِ الديمقراطي سواءً كانت الوطنية التحررية أو الرأسمالية الديمقراطية الصاهرة لكلِ دينٍ وطائفةٍ في كل إجتماعي موحد.

وهناك عناصرٌ ديمقراطيةٌ وإنسانيةٌ يهوديةٌ عديدةٌ وهامةٌ وملفتة للنظر بتاريخِها النضالي أو العلمي أو الثقافي، لكنها تبقى مجردَ عناصرَ فرديةٍ غيرِ قادرةٍ على تحويلِ مجموع القبيلة – الدينية – المالية، فلا هي منتجةٌ لوعيٍّ يهودي ديمقراطي إنساني كلي، ولا هي قادرة على الصمود بفرديتِها المميزةِ داخل عالم القبيلة المالية المتقوقعة. فتُهزمُ أو تتبنى ديناً آخر أو فكرةً مغايرة، أو تعيشُ منعزلة.

بطبيعة الحال لعبَ الموقعُ الذي إنبثقَ منه اليهودُ وهو فلسطين في خلقِ ذاكرةِ التجمعِ الخيالية الأسطورية والواقعية عبر تاريخ الشتات، كرمزيةٍ للبقاء الموحد.

لقد كان الترحالُ الأوليُّ في التاريخِ المبكرِ للقبائل الشديدة المحافظة بحثاً عن موقعٍ خصبٍ بعيد عن سنابك الإمبراطوريات الداهسة لها، وكان حلمُ النهرِ الخصب والأرض الخضراء هو الجنة الأرضية التي تريدها.

لكنها في ذلك الموقع، في أرضِ فلسطين نفسها، الجنة الموعودة، حلم الأجداد والآباء، رأتْ الكوارثَ الساحقة لها!

مرة أخرى حافظتْ على مصارعةِ الأغيار، ورفضِ الإندماج بالشعوب، ورفض تقاليدها وميراثها، وفي العمقِ كان هناك توظيفٌ لذلك التراث وإستلالهِ من نسيجهِ المغاير، والتزواج الخفي والإختلاط غير المكتوب في سيرة القبيلة – الشعب الذهبية النقية.

هذا التاريخُ الإنفصالي الصراعي مع الشعوب ربما تضَخمَّ وتوسع كثيراً في مملكةِ الخزر، الواقعة قرب بحر قزوين، هذه التجربة اليهودية التي حاولتْ الإندماجَ في شعوب الشرق وتنامت في التاريخ بشكلٍ كبيرٍ ومتحضر، لكن الخلايا السرطانية كانت موجودة كذلك.

في هذه التجربةِ التاريخيةِ الكبيرة نجدُ إن القياداتِ اليهوديةَ لم تستطعْ أن تستثمرَ هذا الموقعَ ومواردَهُ الكبيرةَ والشعوبَ الخام التي كانت تقدم قوى عملٍ ضخمة، بسببِ عدم قدرتها على خلقِ نسيجٍ توحيدي عقائدي أو ثقافي منفتح، وفي حين حقق المسلمون ذلك بإنفتاحهم على الشعوب الوثنية ودمجها في حضارتهم، تهاوتْ تجربةُ مملكةِ الخزر، يقول باحثٌ عربي ملخصاً هذه التجربة الفريدة:

(ومن المؤكد أن الخزر لم يكونوا عِرقاً واحداً أو ينتمون إلى قبيلة معينة، ولكنهم تجمع سياسي وعسكري من الشعوب والقبائل، وكانت اليهودية التي تجمع دينياً بين قادتهم ونخبهم الحاكمة والمؤثرة، فكان اليهود الخزر ينتمون إلى أعراق وشعوب وقبائل متعددة، فقد كانوا هم أيضاً تجمعاً نخبوياً يشملُ قيادات ونخب الخزر أنفسهم)،(تاريخ يهود الخزر، عرض إبراهيم غرابية).

إن النخبَ اليهوديةَ لم تكن قادرةً على صهرِ الشعوب التي تحكمها، لغيابِ الفكرة المنفتحة الإنسانية، غير العَرقِية، وتقوم الشعوب الأخرى بصهرها فيها.

وهنا يظهرُ العصابُ الأسطوري، تتفجرُ صور فلسطين، الجنةُ الأرضية الصاهرة لما هو مشتت، وتظهرُ مشروعاتُ العودةِ التي تبقي القبيلة الذهبية الغيبية موحَّدةً تحكمُ نفسَها وتطردُ الأغيارَ من بينها!

لم يستطع اليهودُ بعد إنهيارِ مملكة الخزر أن يشكلوا دولةً أخرى، وقاد إنهيارُ المملكةِ إلى شمِّ روائحِ النقودِ الزكيةِ المنبعثة من خرافِ أوربا المُعَّدةِ للذبحِ الرأسمالي، فكانت الدولةُ العثمانية وغزوها وكان الإستيلاءُ الذي قامت به على أجزاءٍ من شرقِ أوربا، والقبائلُ اليهودية تسيحُ مع حملاتِ العثمانيين المحتاجين دوماً للصرافةِ اليهودية، وكان التغلغلُ والدخولُ في شرايينِ القارةِ – المستقبل، حيث ستصيرُ اليهوديةُ ديناً مالياً لكلِ الشعوب.

هذه القارةُ كان من مصيرِها أن تجعلَ من الرأسماليةِ ديانةً مقدسة، وأن تحولَ اليهودي إلى المواطنِ الأوحدِ النموذجي، وقد صبرَ اليهود في إستغلالِ عروقِ القارةِ الإقطاعية الأوربية المريضةِ مثل إستغلالهم إمبراطورية الرجل المريض العثمانية المفلسة تدريجياً، فكان الذهبُ ينتقلُ من الشرقِ للغرب، فتغلغلوا في عروقِ أوربا وأمتص رأسُ المال الربوي اليهودي عروقَ الناس والفلاحين المعدمين وحولها إلى مانيفاكتورات ومشاغلَ ومصانعَ وبنوك!

إن الدور التأسيسي للرأسمال الربوي اليهودي في تاريخ أوربا التحديثي كان مهماً بغضِ النظرِ عن الأساطير والوقائعِ الدموية الحقيقية، وسواءً كان ذلك في تاجر البندقية أم في كتاب كفاحي لهتلر، ولكن التجارَ اليهود وهم يشاركون في نهضة أوربا الرأسمالية الحديثة، رفضوا أن يندمجوا فيها، فما زالتْ القبيلةُ الربويةُ الموحَّدةُ ترفضُ أن تذوبَ في الأغيار، وما زالتْ الفوائضُ تعلي من شأنِ القبيلة، الذي صار(غيتو) الآن وهو الحي اليهودي المنعزل عن المدينة القروسطية الأوربية الرأسمالية المتحولة للحداثة والتي تقودُ العالمَ!

وإذا تفككت الأحياء الدينية والقبلية الأخرى فإن الغيتو لم يتفكك، وإذا تفكك إحتفظ سكانه بتقاربهم الديني. إن رؤوساء القبائل والعائلات يخلون المكان أكثر وأكثر للكهنة والسياسيين المؤدلجين للعقيدة.

وقد رفض بإصرار هذا الحي أن يذوبَ في الكل الأوربي الديمقراطي، لقد أعطتهُ الرأسماليةُ الغربيةُ كلَ إمكانيات أن يتفتحَ إستغلالياً وأن تزدهرَ ينابيعُ الفضةِ والذهب من حوله، رغم قيام الرأسمالية المسيحية بإدراكِ الفضائلِ اليهودية الإستغلالية فيما بعد، وأعترافها مؤخراً بأنها قامتْ على هذا الربا اليهودي العريق! لكنه من جانبه رفضَ أن يلغيَّ ذاتَهُ، أن يلغيَّ القبيلةَ – الماليةَ- الرأسمالية الكونيةَ الآن!

هذا التوحدُ تشكلَّ رمزياً تقديسياً منذ العصر الوسيط نفسه، بين المسيحية واليهودية. المسيحيةُ التي حاولتْ أن تجاملَ اليهودية وأن تقولَ أنها جزءٌ من العهدِ القديم(التوراة)، وأنها إمتدادٌ لتاريخِ اليهودِ النضالي المقدس، لم يعترفْ بها اليهود. ويَصعبُ لفئةٍ مجهولةٍ أن تصعدَ إلى مسرحِ الديانةِ المبجلِ بدون أن تكون لها سمعة مشرفة معروفة متجذرة. فالتصقتْ المسيحيةُ باليهودية، وتشكلَّ الكتابُ المقدسُ من جزأين، يهودي ومسيحي، التوارة والأنجيل، السِفر القديم والسِفر الجديد، وكأن القَدرَ المالي قد جمعَ الديانتين في رحلةٍ إستغلالية مشتركةٍ لشعوبِ الأرض، والمسيحيون إذ يشدون أنفسَهم للروابطِ القديمة، وللأساطير التي تم تشكيلها في المشرق العربي، فهم مرابون جددٌ يتحولون لرأسماليين يستغلون العمال والفقراء في أوربا وأمريكا ثم في العالم بأسره، وتشكلتْ مع اليهودية المالية روابطُ المصانع والبنوك، وهي الأساسُ الحديثُ لوحدةِ الكتاب المقدس بجزأيه القديم والجديد.

وفي حين كانت المسيحية تنتقل للعلمانية والدول الموحّدة وتذوبُ الأعراقَ والمذاهبَ في كلٍ موحدٍ وتبعدُ الأديانَ عن أن تكون سياسةً حكوميةً مهيمنةً وتغدو أهلية مهمة كذلك، فتحتفظ بوحدة الطبقة الحاكمة، ولا تبعد الأديانَ عن دورها الإيديولوجي لتخدير عامة الشعب حسب بفهمها، وسواءً كان ذلك على مستوى كل بلد أو على مستوى قارات الغرب الثلاث، لكن كانت اليهوديةُ السياسيةُ متشبثةً بذاتِها العليا ثم تظهرُ بأسم الصهيونية، رافضةً هذا الذوبان.

في التوحدِ الغيبي على مستوى النصوص الدينية ثمة إبقاء للجمهور العامل المسيحي أو اليهودي في ظلماتِ الماضي الجميلة، إبقاءً لما لا تستطيع الرأسماليةُ الحديثةُ أن تحققهُ من أحلامٍ عظيمةٍ في العيش السعيد، فتقدمُ له أساطيرَ عن بناءِ الكون وعن الآباء المؤسسين والأنبياء العظام الذين صنعوا هذه الحضارة المشتركة اليهودية – المسيحية، وتخلق ثقافة مشتركة، ذات ترميز لأهمية القوى العليا الإستغلالية ودورها الوحيد في التاريخ، والتي تغدو مؤسساتها موضع هيمنة وسؤدد وبخور عابق بروائح القداسة، والمرتبطة بالقوى الماروائية الأبدية.

وفيما تدورُ في الواقعِ الأرضي معاركٌ ماليةٌ نجسة، فإن اليهوديةَ لم تعترفْ بكلِ هذه الثقافةِ الأوربيةِ المسيحية، وبمحاولاتِ إلتصاق الأخيرة الملوث بها، خائفةً بشكلٍ متزايدٍ من إبتلاعِها من قبل الديمقراطية المسيحية، وتذويب اليهود في بخور المواطنة المجرد. وفيما كان المسيحيون يقولون إن اليهودَ قتلة المسيح كانوا في ذات الوقت يتمسحون بأذيالهم.

أخذت اليهوديةُ السياسيةُ تستغلُ كلَ أخطاء الديمقراطية الأوربية، خاصة المذابح التي كانت تجري هنا وهناك ضد اليهود. فتطورُ الرأسماليةِ الأوربية في الدول الإقطاعية – خاصة في شرق أوربا – كان يجري على عظامِ المرابين وكنوزِهم المخبأة، مثلما كان خلفاءُ الدولةِ العباسية يجددون الميزانيات المنهوبة من قبلهم، عبر المداهمات لليهود والتجار عموماً.

إن عدمَ إندماجِ اليهوديةِ في المسيحية السياسية المنتصرة لا يعني عدم تأثرها بالحداثة، فثمة مسحةٌ حداثيةٌ جرتْ لها، والكثيرُ من اليهود كانوا عمالاً ودخلوا الأحزاب الاشتراكية والنقابات، وشاركَ الرأسماليون اليهود في صنعِ الحضارة الغربية الرأسمالية في مرحلتها البنكية التوسعية، لكن قوى كبيرة ظلت في الجيتو، ظلت في عالمِ الطقوسِ الدينية وفي التماسكِ الاجتماعي اليهودي الصلد كسورٍ كبيرٍ لمنعِ هجمات القوى الأخرى.

وكانت هجماتُ القوى الأخرى مستمرةً بشراسةٍ ضد اليهود، لأتخاذِهم مبرراً لتفاقم الإستغلال، ولزيادةِ مشكلاتِ الاقتصاد والفقر، فكان البوليسُ القيصري الروسي يقومُ بمذابح لهم، وحولَّ هتلر ذلك العملَ البوليسي الدموي إلى فلسفةٍ مروعة له!

تنصلتْ اليهوديةُ الغربية – الأوربية – الأمريكية من ثمنِ الحداثة الذي لا بد من دفعه داخل صفوفها. فلا هي تستسيغُ بطبيعةِ الحال الأفكارَ الإشتراكية المتصاعدة بحكمِ إهتمامها الكبير بتنامي النقود، وترفضُ بقوةٍ كذلك سحبَ قواعدها العمالية والاجتماعية من وحدانية الشعب الديني المقدس.

وإذا كانت الرأسمالياتُ الغربيةُ مقبولةً بعض الشيء إلا أنها تقوم بتذويب اليهود في هذه العلمانية الاجتماعية المتصاعدة التي تطفئُ الأديانَ والمذاهبَ المتحجرةَ إجتماعياً تدريجياً في ثقافةٍ بشريةٍ ديمقراطيةٍ موضوعية موحدة.

كما أن المجازرَ الرهيبةَ التي حدثتْ في العصر الحديث الأوربي لليهود، خاصةً حمامات الدم في ألمانيا، أعطتها مبرراً لذلك البقاء الموحَّد، وفلسطينُ الأسطورةِ تظهرُ بقوةٍ في زمنِ المجازر وسياساتِ الفشلِ والعجز عن التوحد السياسي في كيان، وهي المتوحدة مع العهدِ القديم الرافض للتاريخ الحديث.

كما أن الصهيونيةَ كحركةٍ سياسية اعتمدت بقوةٍ سياسةَ رفضِ الأغيارِ الدينيةِ العتيقة الأسطورية، كإنقطاعٍ كلي عن البشرية، وعن تدفقِ الديمقراطيةِ الحضارية الكونية التي أخذتْ توحدُ العالم.

وبهذا فإن الهجرةَ إلى فلسطين باتتْ هي الخيارُ من مجملِ التناقضات التي يحياها اليهودُ كقوى منغلقةٍ، عجزتْ في عصرِ الديمقراطيةِ عن الديمقراطية، وحلقتْ بطائرةِ القبيلة الذهبية في أرضِ ما قبل الرأسمالية التحديثية، ما قبل العلمانية، وحطتْ على أجسادِ الفلسطينيين التي إحترقتْ وتفتتْ وتشردتْ من هذا الهبوطِ الأسطوري التحديثي الدموي.

إن روؤساءَ العشائر تراجعوا في خضمِ تحولاتِ اليهود، وتصاعدَ بشكلٍ واسعٍ جداً دورُ رجالِ الدين والسياسيين(الوطنيين)، ثم ظهر على الأرض المقدسة، أرض السلام، الدور الأبرز للجنرالات المهيمنين سفاكي الدماء.

إن العقيدةَ الوطنيةَ الإسرائيلية يكمنُ في قلبِها هذا الإنغلاقُ الجنسي، ذلك الغيتو الذي حَملَ من أزقةِ أوربا إلى المشرق العربي، (الاشتراكيةَ) و(الرأسماليةَ) اللتين هما يهوديتان، فهنا لهما معنيان مغايران، فهنا هما ترضعان كلتاهما من حليب رفض الأغيار والعنصرية، بشكلين متفاوتين كماً.

في التأسيس الأولي الذي أُقيم على إستلهامِ ثقافةِ العدو الهتلري، ظهرتْ المستعمراتُ لتُصَّعد قوةَ العمل عند اليهودي الربوي، فتحولتْ أرضُ المعيادِ لنهضةِ الرأسمالية، والشركات الخاصة.

وصعدتْ إسرائيلُ بقوةٍ خلال عقود ضد حركات التحرر العربية و(الإشتراكية) العالمية لتغدو عملاقاً رأسمالياً صغيراً خارج الغرب، ولتؤدي دور المرابي المناطقي اليهودي البخيل الدموي التابع للرأسمال المسيحي الذي صار أمبرياليةً، وهي تقفُ على علاقاتٍ دكتاتوريةٍ متأرحجةٍ بين رفضِ الأغيارِ وطردِهم وسحقِهم وعزلهم ثم نفيهم، وبين علاقات تعاون بشرية مترددة متقلبة.

إن الشعب – القبيلة المالية التي أوجدتْ لها مكاناً مشتركاً تخافُ باستمرار من التمزقِ، من الذوبانِ في الأغيار، ويصبحُ الفلسطينيون حتى بوجودهم الجسماني المتكاثر مشكلةً كبيرة. إن تجربةَ مملكةِ الخزر تم تجاوزها عبر هذا المشروع، لكن ما زال الأغيارُ يحيطون بالمملكة، ويتغلغلون فيها.

لم تتغلغلْ العلاقاتُ الديمقراطيةُ الإنسانية في الوجودِ الاجتماعي اليهودي العميق ويمثل تحالفُ الحاخامات والجنرالات والشركات البُنى الإستغلالية التي تراكمتْ رساميلُها الماديةُ والثقافية وعلاقاتُها الدولية هيمنةً على العمال اليهود والشعب الفلسطيني، وخوفاً من تفكك هذه السيطرة وتفكك اليهودية الجوهرية المنغلقة في قوقعتها الأبدية.

يقول إسرائيل شاحاك العالمُ الإسرائيلي المناضلُ الديمقراطي في كتابهِ التاريخ اليهودي:(في سنة 1985، اعتمد الكنيست بأغلبية ساحقة، قانوناً دستورياً، يعذرُ المشاركةَ في الانتخابات البرلمانية على كلِ حزبٍ يعارضُ صراحةً في برنامجهِ مبدأ “يهودية الدولة”، أو يقترحُ تعديله بطرقٍ ديمقراطية. فإسرائيل لليهود؛ ولهم فقط، حيثما وجدوا).

مضت قرونٌ طويلة وهذه القبائل مُنغلقة ومضطَّهدة ومكروهة وهي تعتمدُ الإستغلالَ الأقصى في حياتها الاجتماعية، تحملُ في عروقها بذور الرأسمالية بدون إنفتاحها وعلمانيتها، تجثمُ دائماً على ضفاف الحضارات، وتزدهر في الأمبريالية بدون أن تتخلى عن قوقعتها، وتريد في أقصى يمينها أن تطرد بقايا الفلسطنيين من أرضهم فهم يلوثون نقاءَ الدم اليهودي، لكنها في الواقع تؤجل المعركة الاجتماعية بينها وبين العمال اليهود أنفسهم، بينها وبين الوعي الديمقراطي العلماني الإنساني، حيث يُسحب تداول الأديان من السياسة، وحيث البشر متساوون أمام القانون العالمي.

أعطت مجموعاتٌ من المنظمات الفلسطينية والعربية لمشروع الغيتو اليهودي بعضَ دفقِ الحياة والمساعدة وهي تقول أنها تناضل ضده،  لكن عبر توحيد (العنصرية) اليهودية، فلم يفرقوا بين مكوناتها الاجتماعية ويشتغلوا على أنسنتها، وجعلوها تلتحم، لكونهم هم أيضاً غير ديمقراطيين وعنصريين كذلك، لكن تبقى العنصريةُ اليهودية متفوقةً بسببِ التقنيات والرأسمال الكبير المتجذر في الأرض الذي شكلَّ شعباً صغيراً متقدماً، ومن أسرٍ صغيرةٍ غيرِ باذخةٍ، ومن قدراتٍ علمية وصناعية كبيرة.

الدين والحداثة

كانت التحديات المختلفة التي تحيط بالإمبراطورية العثمانية قد دفعت الخلافة إلى اختيار الاتجاه الإصلاحي بين التيارات الدينية السائدة ، فقد كان هناك الاتجاه الصوفي والاتجاه الوهابي.

لقد كانت الاتجاهات الصوفية هي السائدة طوال حقبة الانحطاط، وهي تماثل الاتجاهات العبادية الشكلية التي كانت تجاورها، حيث عبرتا معاً عن الركود الاجتماعي وإعطاء تميز ديني ما للمسلمين.

كانت هذه الاتجاهات الصوفية في كل مكان مجسدة في [الطـُرق] المختلفة تقوم بالمقاومة الوطنية والثورات في وجه الغزاة. وفي عاصمة الخلافة العثمانية كانت هذه الطرق تحظى بمكانة هامة.

فقد عمل السلطان عبدالحميد على تشجيع اتجاه الوحدة السياسية بين الولايات العثمانية، حيث غدت المركزية هي الأداة السياسية المطلوبة لتجميع أجزاء الإمبراطورية المفتتة والمُهدّدة من قبل الدول الغربية الصاعدة على المسرح العالمي.

[وعلى هذا اعتمدت الدعوة (إلى الوحدة الإسلامية) اللغة العربية واستعانت، لتحقيق فكرتها، برعايا من أصل عربي. فكان أحمد فارس الشدياق أول من أُستخدموا لهذه الغاية، وذلك في عهد عبدالعزيز. ثم جمع عبدالحميد عدداً من نظراء الشدياق، وعدداً من المشايخ العرب، معظمهم من اتباع الطرق الصوفية ، تنافسوا في تمجيد دعوته].

إن الطابع الصوفي الطرائقي بأشكاله المعرفية والاجتماعية يعبر عن التفتت السياسي، وعن الجمع بين الأشكال العبادية وأنواع الخرافة والعمليات السحرية، وهو ما كان متطابقاً مع الوعي الجماهيري السائد لما قبل النهضة.

ومن هنا كانت حنبلية العصر السابق والتي تنامت عبر ابن تيمية تهجر المدنَ الخاضعة للسلطة العثمانية وللطرق الصوفية متجهة نحو الصحارى العربية، وقد وجدت في الوهابية شكلاً مناطقياً أخذت تنمو من خلاله، لرفض هذه الطرقَ الصوفية المهيمنة وطرق العبادات الإسلامية المتوحدة بعبادة القبور والأولياء، ومن أجل أهداف شيوخ القبائل والدينيين التي تطابقت أهدافهم السياسية التوحيدية التوسعية في الجزيرة العربية وطموح رجال الدين هؤلاء الذين يسعون لهيمنة خطابهم التوحيدي القسري الحنبلي.

وكانت فارس تقدم نموذجاً إسلامياً مغايراً، حيث تمكنت الإثنا عشرية من تشكيل وحدة قومية فارسية عبر هذا المذهب التعددي الإلهي غير المركزي وبتحويل الطرائق الصوفية الشيعية إلى تيار جماهيري وطني محرر لإيران من هيمنة المغول والأتراك.

وفي توظيف السلطنة العثمانية للصوفية فقد كانت تتوجه للسائد وهو أمر كان يضاد توجهاتها السياسية الجديدة المستهدفة للتحديث والمركزية السياسية. ومن هنا فقد كانت بحاجة إلى شكل ديني مختلف يجمعُ بين المذاهب السنية التي تم تحنيطها عبر الإقطاع المركزي السابق، وبين أشكالٍ من التحديث تقوي الهيكل السياسي العثماني المسيطر.

وكان الصدام غير المباشر والمباشر الذي أخذ يتصاعدُ بين العالم الإسلامي وأوربا قد ولدَّ المشاعرَ والأفكار بالتصدي لهذا التفاوت الحضاري الكبير بين المسلمين والأوربيين، فظهر أكثر من داعيةٍ للتغيير الداخلي في الدول الإسلامية ، وقد تعددت الرؤى.

كان من أبرز هؤلاء الدعاة جمال الدين الأفغاني وهو الذي تبلورت فيه هذه اللحظة التجديدية المقاومة فهو قد عبر عن:

[(فكرة الوحدة الإسلامية)الثورية هذه . وذلك الخليط من الشعور الديني والوطني والراديكالية الأوربية].

لقد كان الإقطاع الديني المهيمن خلال القرون السابقة، قد استند إلى شبكاته المذهبية في كل بلدٍ ومنطقة، فكان الإقطاع المذهبي المتحالف مع شتى السلطات السياسية في هذه البلدان والمناطق، يرتكزُ على تلك القشور من العبادات المنسلخة من صيرورة الإسلام كحركةِ تغييرٍ نهضوية سابقة، فقام رجال الدين بالتحالف مع الحكام والسلاطين والشيوخ في بقع العالم الإسلامي بتجميد التطور.

ولهذا كان صعود جمال الدين الأفغاني ثم محمد عبده معه، يتشكلُ من خارج هذه الشبكات السياسية – المذهبية، ومن هنا حين كانت مذهبية جمال الدين الأفغاني متواريةً ومغيّبة ، فإذا قيل إنه كان شيعياً فإنه لم يظهر بذلك ، وراح يطرح [الإسلام العام]، أي هذا الإسلام اللامذهبي. فغدا ذا أصل شيعي وفكر سني.

هنا تعبيرٌ غامضٌ وحالةٌ فردية استثنائية للصعود فوق شبكات المذاهب السياسية، وتكوين رؤية إصلاحية نهضوية خارجها وترتكز على عمومياتها ، لأن بؤرة هذا الخطاب هو[التوحيد].

كما تقوم على رؤية فردية تخترق الموضوعي على صعيد تكون المذاهب، وعلى صعيد الفعل السياسي، ولهذا تتسم أفعالها بالمغامرة على الصعيدين . ومن هنا لن يكون لها نبتٌ محدد في أي بنية إقطاعية – مذهبية . في حين أن التلامذة سيبدؤون من الشعارات العامة فقط، لتتكشف الإشكالية التاريخية لها.

إن العودة إلى فترة الإسلام الأولى تعتمدُ على الخطاب العام ، وهذا الدمج بين عمومية الإسلام والإصلاح السياسي والاجتماعي هو ما كان تريدهُ الإمبراطورية العثمانية والباب العالي، ولم يكن جمال الدين كفردٍ مفتقدٍ لأي جماعة دينية وسياسية قادراً على العمل المناطقي الطويل، نظراً لاصطدامه الدائم مع السلطات الشمولية المتخلفة.

وبهذا فإن الاثنين جمال الدين والباب العالي وجدا إن ثمة مصلحة من تعاونهما، جمال الدين يقوم باستثمار حاجة الإمبراطورية للإصلاح عبر خلق أشكال تحديثية مختلفة، تحدُ من هيمنة الخلافة الشمولية وتتيحُ للمسلمين في شتى بقاعهم ظروفاً جديدة تطور من حياتهم وتقاوم الغزاة .

والباب العالي وجد في جمال الدين أداةً لاستقطاب رجال الدين والمصلحين والمثقفين إلى قيادته وتوظيفها لمزيدٍ من الهيمنة على الأقطار شبه المفككة .

ولهذا فإن الجانبين كانا لا يتفقان إلا وقتاً قليلاً، فالباب العالي يخضعُ بشكلٍ دائم للغزو الغربي المتصاعد ولشروطه ولتغلغل تجاره وشركاته ، في حين كان جمال الدين يدعو لمقاومة ذلك ، ولنشر المجالس المنتخبة والمدارس والمصانع والعلوم.

كان جمال الدين يعتمد على الوسائل النخبوية والأعمال الفردية والمغامرة وحتى الوسائل الإرهابية لتخويف وردع الحكام ، ثم أخذ يتوجه إلى الأشكال التثقيفية السياسية المباشرة عبر الصحافة .

كانت شعاراته الرئيسية هي :

 مواجهة [خطر التدخل الأوربي والحاجة إلى الوحدة الوطنية لمقاومته، والسعي إلى وحدة أوسع للشعوب الإسلامية، والمطالبة بدستور يحدُ من سلطة الحاكم].

والفكرة الرئيسية التي سيطرت على وعيه هي فكرة فهم الإسلام بشكل صحيح من قبل المسلمين، وتأتي في أولوياتها بعث خلافة العصور الأولى الموحدة، ولكن إذا لم تتحقق مثل هذه الوحدة السياسية فعبر التطور الإسلامي النهضوي لكل بلد ، والحاكم في هذا البلد لا بد أن يعترف بسيادة الشريعة، وأنه لا بد من الثورة على كل حاكم يحيد عن هذه الشريعة ، ولا يتصور الأفغاني وجود تناقض بين العقل البشري والشريعة الإسلامية، وتكمن شعلة الإسلام لديه في النبوة والفلاسفة:

[فهو يقر بأنه من الممكن قيام دولة فاضلة على أساس العقل البشري كما يمكن قيامها على أساس الشريعة الإلهية. وقد أعرب عن هذا، بتعابير تذكر بالفلاسفة، في تلك المحاضرة التي أدت إلى مغادرته اسطنبول. إذ قال إن الجسم الاجتماعي لا يحيا بدون روح ، وأن روح هذا الجسم هي الملكة النبوية أو الملكة الفلسفية . . أما الأولى فهي هبة من الله . . بينما الثانية تنال بالتفكير والدرس].

إن هذه الفكرة المستوحاة من الفارابي وابن سينا، تومئ إلى منظومة التفكير الدينية النهضوية القديمة لدى الفلاسفة العرب والمسلمين، والتي جعلت فكر النبوة فكراً تصويرياً وفكر الفلاسفة فكراً مفاهيمياً، وكلاهما معبران عن الرسالة الإسلامية العامة الإلهية، ولهذا فإن جمال الدين يشكلُ عقليةً اجتهادية عامة مسيسة للوقائع العصرية الجديدة، دون أن يصل إلى الوعي الديمقراطي الحديث بفصل الدين عن السياسة، أي أن مفاهيمه هي تصعيد للإقطاع السياسي الديني السابق في خطوطه العريضة، وهذا ما سيؤدي أن تكون نتائج الحركة الكبرى خاضعةً لإعادة تشكيل هذا الإقطاع القديم بصورةٍ يستفيدُ بها من التحديث الأوربي، دون أن يماثله في جوهريته.

بعضُ نقاط رؤيته تظهرُ في هذا المقطع :

[أن ما وحد الأمةُ في الماضي إنما هو مؤسسةُ الخلافة السياسية وجماعة  العلماء المحافظين على العقيدة الصحيحة . لكن الخلافةَ انفصلتْ عن العلماء في عهد العباسيين ، ثم زالت عملياً من الوجود فيما بعد، وقام مقامها دولٌ مستقلة، وبقي العلماءُ عنصر الوحدة الوحيد، وغدوا روح الأمة وقلب الشعب المحمدي. ولكنهم ، مع مرور الزمن، انقسموا هم أيضاً على أنفسهم حول المعتقدات وانحرفوا جميعاً، ما عدا القليل منهم، عن الحقيقة إلى الضلال ).

إن هذه الأفكار التعميمية عن [أمة واحدة] ، تحيل المسلمين بأممهم المتعددة المتصارعة، وشعوبهم المختلفة ، إلى كيان تجريدي عام واحد، وقد مثلته سابقاً عملية التوحيد القسرية الراشدية – الأموية – العباسية من خلال المركز الشمولي في العواصم المسيطرة، وبهذا يتطابق وعي الأفغاني مع الوعي السني الشكلي ، ويعيد وعيه إلى الوعي السائد لدى بعض الفقهاء في العصر الأموي أو العباسي، وبهذا فهو كفردٍ من الفئات الوسطى التي ظهرت في بداية العصر الحديث يعيدُ وعيه إلى هيكل النظام الإقطاعي المركزي السابق، فيحقق تبعية فئة وسطى لذلك الإقطاع الذي يغدو هدفاً للحاضر، ومن هنا فهو حين يردد فكرةً من أفكار فلاسفة المسلمين السابقين، الذين ماثلوا الفلسفة بالنبوة فهو يفكر من داخل ذلك المناخ، وبالتالي فهو غير قادر أن يتماثل مع نهضة البرجوازية الغربية المعاصرة التي أزاحت الإقطاع، رغم إنه يطالب بالاستفادة من إنجازاتها.

 أي أنه يعيد إنتاج مواقف الفئات الوسطى التحديثية التابعة للإقطاع في العصر السابق، والتي لم تستطع أن تقود الجماهير المسلمة في عمليات تحول جذرية. وهو إذ يصطدم بالأفكار الأوربية العلمانية الفاصلة بين الدين والسياسة، لا يستطيع أن يتفهمها، ليس بسبب غياب تجديده الفكري بل لأن هذا التجديد الفكري خاضعٍ لعصر سابق.

إن هذا الإصلاح يمثل تطوراً للمنظومة الإقطاعية المركزية النهضوية السابقة التي ضعفت ثم انهارت، والتي تكونُ عودةُ العالم الإسلامي إليها إنجازاً ، ولكنها عودة مستحيلة ، ليس فقط لزوالها، بل لأن العالم دخل تشكيلةٍ جديدة هي الرأسمالية الحديثة .

في المناقشة مع رينان تتضحُ جوانبٌ أخرى من وعيه، فرينان يعتقدُ بأن الفكر العربي السابق [من عمل مفكرين غير مسلمين عانوا ثورة نفسية داخلية على دينهم. وإذ قاومهم اللاهوتيون والحكامُ معاً، لم يتمكنوا من التأثير في المؤسسات الإسلامية. وقد بقيت هذه المقاومةُ محدودةً طالما كانت السلطة في أيدي العرب والفرس، لكنها انتصرت انتصاراً تاماً عندما تسلم البرابرة، أي الأتراك في الشرق والبربر في الغرب ، قيادة الأمة].

يتضمن رأي رينان تعميمات خاطئة عديدة عبر تحويل الفلاسفة العرب إلى كيان واحد متجوهر، ثم في رؤيتهم كغير مسلمين وهو زعم يتطابق مع تكفير المحافظين المتطرفين المسلمين. ولكن إسلام الفلاسفة كان مختلفاً عن ما هو سائد. كان تحديثياً. وهو أمر لا يعتقد رينان إنه ممكن [للعقل الشرقي].

يعتبر عبد الرحمن الكواكبي من مشاهير المثقفين العرب في القرن التاسع عشر المناضلين من أجل الديمقراطية والحرية، وقد ولد سنة 1854 بمدينة حلب، وعمل في الصحافة والمحاماة والتجارة، وتعرض للاضطهاد والسجن مراراً وصودرت أمواله وممتلكاته ، فهاجر من سوريا وطاف بالبلدان العربية، وألف كتابيه الشهيرين : [ طبائع الاستبداد وأم القرى]، وكتباً أخرى ضاعت.

وقد قُتل بدس السم له سنة 1902، بمصر في القاهرة، وهو لا زال في عز عطائه. وقد أثرت آرائه في التطور الفكري والسياسي للأمة العربية، التي اعتبرته أحد رموز التنوير والنهضة باختلاف تياراتها، لما قام به من جمع بين جذور الأمة والدفاع عن قضايا الحرية والإسلام والتحديث.

وقد توصل الكواكبي في ذروة تفكيره، وهو يجاهد لإعادة تكوين وعي العرب، بأن الاستبداد السياسي هو سبب الانحطاط التاريخي للمسلمين، لهذا نراه يقول بأن [أصل الداء هو الاستبداد السياسي]، وذلك في مقدمة كتابه طبائع الاستبداد، وهو يقصد بالطبائع ما نفهمه الآن بالظاهرات والأسباب العامة للحالة المُشخصة، أو لقوانينها كذروة للغوص في تحليلها . يقول:

 وأنا لا اقصد في مباحثي ظالماً بعينه ولا حكومة أو أمة مخصصة، إنما أردت بيان طبائع الاستبداد وما يفعل وتشخيص مصارع الاستعباد. 

إن بحثه عن هذه [الطبائع] وقد اكتوى بنارها، جعلته يشتغل على درسها في المصادر العربية القديمة والحديثة والغربية المعاصرة، بحيث يتمكن من الغوص إلى مختلف تجليات هذه الظاهرة، وطبائعها أي ظاهراتها المختلفة، وتشير كلمة [طبائع] إلى التعبير العربي القديم بكون الأشياء ذات خصائص ثابتة شبه طبيعية.

ويقوم خطاب الكواكبي على جانبين متداخلين ومتضادين، الأول يعتمد على فحص وتحليل الظاهرة، عبر الغوص في مختلف تجلياتها، سواء في المجال السياسي أو الديني أو العلمي أو الأخلاقي أو المالي أو التربوي، أم في العودة إلى جذورها في التاريخ الإسلامي أو المسيحي أو اليهودي أو البوذي الخ، بل أحياناً العودة إلى التاريخ المشرقي القديم، لدى الفراعنة والرافديين، وأيضاً تحليلها من خلال التاريخ المعاصر لدى العرب والغربيين، بحيث نجد الكواكبي يتنقل في فصل واحد، أو حتى في فقرة واحدة بين أزمنة شتى، ومراحل تاريخية متباينة، وهذا الانتقال يستهدف مناقشة الظاهرة سالفة الذكر، وتتبع أصولها ومظاهرها لدى الأمم.

والجانب الثاني من خطابه هو جانب غير تحليلي ، جانب وعظي وخطابي، يندد فيه ويدعو ويتحسر، وهو جانب يعبر عن انقطاع التحليل واستبداله بالخطب، وهو يعبر عن طريقه منبرية تلاقي فيها المحامي بالواعظ، مثلما يقول في فصل الاستبداد والدين من كتابه :

 (ولكن واأسفاه على هذا الدين الحر، الحكيم، السهل، السمح، الظاهر فيه آثار الرقي على غيره  الخ.)، وهذا الجانب لا يقوم بتطوير قضايا التحليل المطروحة، بل هو يقفز إلى النتائج، ويعبر عن موقف المؤلف بشكل تقريري .

وبالتأكيد فأن أبرز جانب عقلي هو في القسم الأول، الذي بهر الناس على مدى القرن العشرين لما فيه من جرأة ونفاذ بصيرة.

ومنذ البدء يدخل الكواكبي إلى موضوعه معرفاً الاستبداد السياسي بقوله: [إن الاستبداد هو صفة للحكومة المطلقة العنان فعلاً أو حكماً التي تصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققين]، وهذه الحكومات على نوعين أما حكومة مطلقة بشكل ظاهر، وأما حكومة مقيدة [بنوع من ذلك ولكنها تملك بنفوذها إبطال قوة القيد بما تهوى، وهذه حالة الحكومات التي تسمى نفسها بالمقيدة أو بالجمهورية]. 

إن الكواكبي هنا يدمج بين شتى أنواع الحكومات الدكتاتورية، سواء كانت الشرقية المستبدة بشكل كلي وكامل، أو الغربية التي تنفذ من الشكل الديمقراطي بآلية دكتاتورية عميقة.

ويستطيع الكواكبي أن يغوص في المظاهر الاستبدادية لحكومات عصره الشرقية والغربية برؤية شجاعة ، فهو يكتب إنه ليس بالضرورة أن تكون الحكومة الدستورية حكومة ديمقراطية، فالحكومة التي تعمل بالدستور ولكنها تقوم بالتفريق بين الجوانب الثلاثة الأساسية لعملية الديمقراطية المتكاملة وهي [قوة التشريع] و  [قوة التنفيذ] و [قوة المراقبة]، فما لم تكن هذه القوى، أو السلطات ، منفصلة فإن الدستور لا معنى له.

ويقول في عبارة دقيقة حاسمة [أن الاستبداد لا يرتفع ما لم يكن هناك ارتباط في المسؤولية فيكون المنفذون مسؤولين لدى المشرعين، وهؤلاء مسؤولين لدى الأمة ، تلك الأمة التي تعرف أنها صاحبة الشأن كله وتعرف أن تراقب وأن تتقاضى).  

ولديه أن صمام الأمان في الحياة الديمقراطية هو وجود قوة اجتماعية واسعة تفرض [المراقبة الشديدة والاحتساب الذي لا تسامح فيه] وهو يضرب مثلاً من قوة الصحابة والناس في أيام الخلفاء الراشدين وقدرتهم القوية على تبليغ صوتهم، وسماع الخلفاء لهذا الصوت بل دعوتهم لاستمراره وتأثيره . .

وبهذا الصدد يعتبر إن التجنيد الإجباري وجهالة الأمة هما من الظواهر الكبيرة المكرسة للاستبداد، ولا شك إن وضعه هذين السببين في مقدمة المظاهر المكرسة للاستبداد، يعود إلى رؤيته لدورهما في تجهيل وعسكرة الجمهور البسيط، خاصة الريفي والمدني الفقير الذي يستخدم لضرب الأقسام المدنية المتحررة، لأنه يمضي بعد ذلك في تحليل هذه الأقسام الشعبية وخطورة جهلها وعسكرتها على الديمقراطية. فهو يقول [وأما الجندية فتفسد أخلاق الأمة حيث تعلمها الشراسة والطاعة العمياء]. إن الكواكبي يقوم بتتبع مظاهر لا تبدو بينها خيوط ارتباط دقيقة في الظاهر، لكن سنرى العلائق بينها، فبعد قليل يعود إلى بحثه مؤكداً النموذج الإنكليزي في النظام السياسي، حيث الشعب لا يكف عن مراقبة ملوكه، وإن الوزارة المنتخبة هي التي تدير كل النظام السياسي بما فيها الملك وحاشيته وعلاقاته.

وفجأة من هذا النظام السياسي المتقدم يعود إلى الحكومات البدوية، فيقرر إن المجتمعات البدوية قلما عرفت الاستبداد [وأقرب مثال لذلك أهل جزيرة العرب فإنهم لا يكادون يعرفون الاستبداد من قبل عهد ملوك تبع وحمير وغسان إلى الآن إلا فترات قليلة]، وهذا التعميم في الواقع بين ملوك تبع، والقبائل البدوية، فيه جانب محدود من الموضوعية، فالقبائل الرعوية لم تتجذر فيها السلطات الدكتاتورية، ولكنها أيضاً تحمل بذور الدكتاتورية عبر الخضوع المطلق لشيخ القبيلة، وعبر [وحدة الدم] فيها ، التي تشكلها الحياة القاسية للصحراء وهيمنة الشيوخ. وعبر هذه الدكتاتورية أمكن لهؤلاء أن يشيدوا الإمارات والدول الاستبدادية المنبثقة من التطور القبلي.

وهذا المثال يعطينا كيف أن وعي الكواكبي يستقي بعض المظاهر الحقيقية لكنه يقوم بحالات من التعميم ، وبتغييب الدراسة التاريخية للظاهرة الجزئية المدروسة. والمثال السابق يدعوه لدراسة تطور الإنسان عبر التاريخ، فانتقل من تحليل البدو إلى تحليل تاريخ الإنسانية ، وكيفية الاجتماع ، فهو يعتبر إن الجماعات والشعوب المتلاصقة هي التي تعيش حياة الاستبداد كالأمم الشرقية، أما الشعوب المتفرقة في السكن كالبدو والإنكليز والأمريكيين فإنهم يعيشون حياة أقرب للحرية. إن الكواكبي هنا يعطي سبباً جغرافياً مطلقاً مفصولاً عن التطور الاجتماعي المركب، لكن الأمم الرعوية أقرب للحرية بسبب عدم تجذر السلطة الاستبدادية داخلها، أي عبر غياب مؤسسات القمع الراسخة، وحضور الجمهور المسلح وعدم رسوخ الطبقات، فالأمر يعود لبنية اجتماعية معينة، وليس لمسألة التفرق والبعثرة السكانية ، فالإنكليز والأمريكيين لا يعيشون هذه البعثرة بل التركز السكاني كالهنود والعرب ولكن مسألة الحرية تعود للتطور الاجتماعي والسياسي، حيث تمكن الناس في هذين البلدين من إخضاع الحكام للمؤسسات الدستورية   

وهكذا فإن الكواكبي عبر تحليل ظاهرات معينة، تغيب عنه قراءة التشابك بين الاجتماعي والسياسي .

إن الطابع الخطابي لدى الكواكبي يتضح في هذه العبارة البليغة النارية:

[المستبد عدو الحق، عدو الحرية وقاتلهما، والحق أبو البشر، والحرية أمهم، والعوام صبية أيتام نيام لا يعلمون شيئاً، والعلماء هم أخوتهم الراشدون . إن أيقظوهم هبوا وإن دعوهم لبوا وإلا فيتصل نومهم بالموت] .   .

في مثل هذا الخطاب الحماسي الموجه لإيقاظ الشعب واستثارته، تتشكل المفاهيم من كلمات مجردة بلا خلفية اجتماعية وتاريخية، كتعابير: المستبد، والحق، والحرية، والعوام، والعلماء، فكل هذه الكلمات تتشكل في غياب الفضاء التاريخي، فالحق هنا مقصود به ولا شك حقوق الناس الديمقراطية التي أوضحها الكواكبي في أماكن أخرى، ولكن الكلمة تتجرد من دلالتها، مثلما تتجرد كلمة العوام، فهم نائمون بشكل مطلق وليس لأسباب موضوعية في ظرف تاريخي معين ، كذلك فالعلماء هم أصحاب الإيقاظ المطلق.

هنا يعبر الكواكبي عن العرب في بداية القرن حيث يستفز العامة للثورة، كما يستفز العلماء، علماء الدين، لكن لا يقوم بالتحليل لهذه التعبيرات العامة، ولكننا ندرك إن مسائل الوعي والثقافة والناس والمثقفون والأوضاع الموضوعية لا تترابط وتتداخل في فهمه، فليس ثمة شروط وقوانين موضوعية للتطور الاجتماعي، فالأمور خاضعة لديه لإرادة ذاتية يقوم بها العلماء ، وإلى جسم عامي مرتبط بهذه الإرادة، وليس لجسم شعبي مرتبط بظروف معقدة يتداخل فيها الذاتي والموضوعي.

ولهذا فإن هذه التعميمات تتحول إلى رؤية كونية عامة مجردة مضطربة فيقول: [إن الله جلت نعمه خلق الإنسان حراً قائده العقل ، ففكر وأبى إلا أن يكون عبداً قائده الجهل]، فهو هنا لا يضع مسافة موضوعية بين الله والإنسان، عبر التاريخ الذي تشكل فيه الناسُ، فتأتي كلماتُ: الإنسان، الحر، العقل، العبد ، الجهل، بلا ركائزها في التاريخ الملموس، أي يغيب التاريخُ الحقيقي في المواضع المختلفة من تطور الحضارات وكيفية نشؤ الدولة وانتقال الإنسان من المجتمع المشاعي إلى مجتمع العبودية المعممة في المشرق العربي، فمثل هذه السيرورة تغيب عن الكواكبي، ولهذا ينهال على رأس هذا الإنسان المجرد بأقذع الهجوم: [فكفر وأبى شكره وخلط في دين الفطرة الصحيح بالباطل ليغالط نفسه وغيره]، [فكفر الإنسان نعمة الله وأبى أن يعتمد كفالة رزقه فوكله ربه إلى نفسه وابتلاه بظلم نفسه وجنسه وهكذا كان الإنسان ظلوماً كفوراً] .

هذا الخطاب جزء من خطبة العالم الديني، الذي يمثله الكواكبي هنا، وهو  يقوم بالتعميمات المجردة اللاتاريخية، ويسكب الخط الديني الغيبي: فهنا الله وجنته ودينه الصحيح، وهناك الشيطان والنار والدين الباطل، وثمة الإنسان المجرد الكافر الذي يتوجه للمعصية، ولكننا لا نعرف لماذا يتوجه هذا الإنسان العام اللاتاريخي إلى الشر؟ ما هي ظروفه؟ وكيف تسهل قيادته من قبل الشيطان؟

في هذا الخطاب يعود الكواكبي للغيبية، ويبتعد عن دوره كمحلل تاريخي، لكنه يعود لهذا الدور بعد أن ينهي فصل الاستبداد السياسي، منتقلاً إلى الاستبداد الديني، اللذين يعتبرهما صنوين، ووجهين لعملة واحدة: [هما صنوان قويان بينهما رابطة الحاجة على التعاون لتذليل الإنسان، والمشاكلة بينهما أنهما حاكمان أحدهما في مملكة الأجسام والآخر في عالم القلوب].

يقوم الكواكبي بالحكم المُعمّم على الإنجيل والتوراة فيقول إن الحكم السابق حقيقي على [مغزى أساطير الأولين والقسم التاريخي من التوراة والرسائل المُضافة إلى الإنجيل، ومخطئون في حق الأقسام التعليمية الأخلاقية فيهما]، لكنه لا يقوم بعرض وجهة نظره هذه، وكيف استطاع أن يفصل الأقسام التاريخية عن الأقسام التعليمية والأخلاقية؟ وهل الرسائل، ولعله يقصد رسائل بولس الرسول، تنفصل عن الأناجيل الأربعة، لأنه لا يوجد إنجيل واحد؟! إن الكواكبي لا يدخل معمعمة البحث هنا، وينتقل إلى الظواهر الاجتماعية البسيطة والمنتشرة عبر العصور، وهي استخدام رجال الدين للأديان من أجل المصلحة، ويقول إن أساس وضعهم يعتمد على ما في الأديان من تهديد بالعقوبات الكبرى أو بالثواب العظيم، وإن الأمر يعود لسيطرة رجال الدين على هذا الطريق بين الإنسان وربه، فهم يقيمون الحصالات المالية و يأخذون المكوس على أرواح البشر الحرة: [ولكن على تلك الأبواب حجاب من البراهمة والكهنة والقسوس وأمثالهم الذين لا يأذنون للناس بالدخول ما لم يعظموهم مع التذلل والصغار ويرزقوهم باسم نذر أو ثمن غفران]،) .

لكن هذه العملية في رأيه ناتجة من المماثلة في وعي العوام بين الخالق والحاكم: [وبعبارة أخرى يجد العوام معبودهم وجبارهم مشتركين في كثير من الحالات والأسماء والصفات، وهم هم، ليس من شأنهم أن يفرقوا مثلاً بين ( الفعال المطلق) والحاكم بأمره]. وهذا ما يؤدي في رأيه إلى انتحال بعض الحكام القدماء صفات الألوهية.

في رؤية العلاقة بين الأديان والاستبداد يعطي الكواكبي للعوامل الشخصية الدور الكبير في صياغة الاستبداد، فرجال الدين والحكام، كلٌ على حدة، أو مجتمعين، يقومون بالدور الاستبدادي كلٌ في مجال اختصاصه، وهم يشكلون عالماً استبدادياً مشتركاً، وهم يفرقون الشعوب إلى شيع وطوائف [فيخلو الجو للاستبداد ليبيض ويفرخ]، أو مثل قيام [السلاطين الأعاجم في الإسلام بالانتصار لغلاة الصوفية]، إن هذه الظواهر التي يقدمها الكواكبي تركز على الشخوص ولا تقوم بالتحليل الذي يربط بين هذه النماذج الشمولية والأفكار، فلماذا  استطاعت هذه النماذج دوماً من احتكار صياغة معاني الأديان واستغلتها للسيطرة، وما هو التداخل بين الفكري والسياسي والاجتماعي هنا؟ أي كيف حدثت هذه الديمومة ولماذا؟ ولماذا لم تظهر شخصيات تركز على معاني الأديان الإيجابية وتستمر في الدعوة إليها؟

لقد استطاع الكواكبي بعد هذه الفقرات أن يكشف معانيَّ دقيقةً، لا تزال حتى وقتنا الراهن غير معروفة لكثير من المثقفين، هي تلك الرؤية الدقيقة لتطور المذاهب الدينية في أوربا، حيث يتمكن من تمييز التحرر في البروتستنتية والتقليد في الكاثوليكية، فهو يفسر تحرر القسم الأول على ما يستقيه من الرواية التي يستشهد بها، بأنه راجع إلى أن التحرير الديني ساهم في تطور تلك الشعوب السياسي ، في حين إن الحرية السياسية في الدول الكاثوليكية لم تؤدِ إلى التحرر الديني، ورغم إن هذه ملاحظة دقيقة منه، إلا أن الكواكبي عبر منهجه المثالي (فلسفياً) يقوم بفصل تطور الوعي في شكليه الديني والسياسي عن التطور الاجتماعي ، فهو هنا لا يقرأ تطور الرأسمالية الأوربية ودرجاتها، حيث سارعت الأقطار الأكثر والأسبق في النمو الرأسمالي في إنتاج البروتستنتية، في حين كانت الأقطار الجنوبية الأقل تطوراً قد أنتجت المذاهب المتشددة، أي أن نمو الحريات الاقتصادية قام بتفكيك شبكة الإقطاع في المستويات المختلفة للبنية الاجتماعية، بدءً من حرب الفلاحين مروراً بنشؤ عمليات الإصلاح الديني حتى الثورة الصناعية الخ . .

ولكن كان طرح الكواكبي هنا يتصف بطابع متقدم، وسنجد في مقاطع تالية، أفكاراً مدهشة متقدمة أخرى حتى على وقتنا الراهن. ولكنا  وجدنا هنا مشكلة وعي الكواكبي المحورية حيث التحليل النقدي للاستبداد الديني والسياسي تنقصه عمليات تشريح اقتصادية واجتماعية وفكرية متضافرة، وفي الفقرات الكبيرة التالية المتعلقة بتفسير نشؤ ظواهر الألوهية في بلاد الإغريق يرجعها الكواكبي إلى عمليات الخداع التي قام بها حكماء بلاد الإغريق، كوسيلة للإصلاح الديني الذي هو البوابة للإصلاح السياسي كما يرى. وهو تفسير لا علاقة له بالتاريخ، وإذا كان هو هنا يواصل عدم معرفة التاريخ الموضوعي وأهمها نشؤ المدن الحرة والصناعة والطبقات الوسطى القوية التي أنتجت الديمقراطية الأثينية، إلا أن استنتاجه بشأن أسبقية الإصلاح الديني هو غير دقيق، لكون الإصلاح السياسي والديني كانا متداخلين، بل أن المحافظة الدينية ظلت قوية في بلاد اليونان رغم التقدم السياسي ، ثم لعبت دوراً كبيراً في الارتداد عن النهضة.

بطبيعة الحال كان دخول الكواكبي لتحليل الظواهر التاريخية في بلاد اليونان هو بحد ذاته إنجازاً، كما يشير إلى محاولاته الموسوعية لتفسير الظواهر الإنسانية، رغم نقص المواد المعرفية والمنهجية في زمنه.

ويأتي تحليله للإسلام معبراً عن هذا الترابط في وعيه بين الإسلام والديمقراطية والحداثة بل والاشتراكية، وإلى استبصاره المدهش لكون الإسلام ثورة اجتماعية وضعت العرب والمسلمين على طريق التطور والتحديث، وهو يقول إنها وضعت [أصول حكومتها: الشورى الأرستوقراطية أي شورى أهل الحل والعقد في الأمة بعقولهم لا بسيوفهم. وجعل أصول إدارة الأمة: التشريع الديمقراطي أي الاشتراكي حسبما يأتي فيما بعد ]،).

إن شورى الأشراف التي أقيم عليها الحكم الإسلامي لم تنفصل عن رغبات ومصالح الرعاة العرب، أي الجمهور الأوسع. ونستشف هذا الفهم من تعبيره الاجتماعي الدقيق هنا: [الأرستقراطية] فالفئات الوسطى القرشية التي تسلمت زمام الدولة الوليدة، ظلت أشرافية، واعتمدت شورى أهل الحل والعقد، وليس النظام الديمقراطي الانتخابي ، أي لم تعتمد التصويت الواسع للجمهور، ولهذا فإن تقييم الكواكبي للحدث الإسلامي رغم نواته الموضوعية، يظل مضطرباً، ولهذا فإن جمعه للديمقراطية والاشتراكية هنا يشير إلى رؤيته لعملية الديمقراطية الاجتماعية العميقة: توزيع الأراضي على الجنود العرب، وتأميم أراضي الفتوح لصالح الناس، ووجود السلطة في متناول نقد وتصحيح الجمهور، وعدم وجود هياكل بيروقراطية ومؤسسة أمن وقمع الخ . .

لعل هذه الرؤية الاجتماعية التي عبر عنها الكواكبي بشكل مشوش، هي التي فصلت رؤيته الدينية عن الشمولية، وجعلتها رؤية دينية ديمقراطية، خاصة مع التحامها بالوعي الحديث. .

إن الكواكبي بتقييمه للإسلام كثورة اجتماعية لعب أشرافُ مكة دوراً طليعياً فيها، لا يقوم بمتابعة التحليل لمسار هذه الثورة، فهو يجد بعدئذٍ إن تلك الفترة المضيئة قد زالت لأسباب ليست عبر قراءة تحليلية لتطورها، فهو يعيدها إلى: [.. هذا الإهمال للمراقبة ، وهو إهمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد أوسع لأمراء الإسلام مجال الاستبداد وتجاوز الحدود.]. .

فهو يعيد ظهور الاستبداد إلى مجال ضعف المراقبة الجماهيرية للحكام، وغياب جماعة الأمر بالمعروف، والحقيقة إن المسلمين لم يقصروا في هذا المجال، ونحن نجد مختلف الجماعات السياسية والفكرية طوال العهد الأموي تناضل وتتصدى بالسيف والكلمة للحكام الجائرين، وامتد ذلك إلى العصر العباسي، كما حدث في انتفاضة النفس الزكية والمعتزلة ضد جور بني العباس الخ . . ونستغرب من الكواكبي كيف لم يقم بدراسة هذه الظاهرات الواضحة في التاريخ الإسلامي، ثم كيف يقفز إلى جانب جديد اعتبره هو المسئول عن انهيار الحكم الإسلامي العادل، إلا وهو [والخلاصة أن البدع التي شوشت الإيمان وشوهت الأديان تكاد كلها تتسلسل بعضها من بعض وتتولد جميعها من غرض واحد هو المراد ، ألا وهو الاستعباد] .).

فما هو شكل هذا الانحراف، أي كيف تمكنت مظاهر دينية أخرى غير إسلامية من التغلغل في الإسلام، وما هي الأسباب؟

لا بد أن نرى الشق الأول من السؤال، ويبدأه بأن المسلمين اقتبسوا من المسيحيين مقام البابوية وحاكوا مظاهر القديسين وعجائبهم وقلدوا الكهنوت في مراتبهم والوثنيين في الرقص وتطبيب الموتى والاحتفال الزائد في الجنائز وشاكلوا الكنائس في مراسمها وجاءوا من المجوسية باستطلاع الغيب وتعظيم الكواكب الخ. . .

تغيب هنا عن منهجية الكواكبي مثلما غابت في السابق، القراءة المتابعة لتغير المراحل التاريخية، فهو لا يقوم بدراسة الإسلام التأسيسي وظروفه وتطوره، واعتماده على رعاة الجزيرة لتغيير المنطقة، وتأثير ذلك في توحيديته وبساطته، ثم ظهور مرحلة جديدة بانتقال العرب إلى البلدان المفتوحة، وتأثير ثقافاتها ومقاومتها وصراعها على تطور الإسلام، وبالتالي تغلغل تقاليد جديدة تعكس التداخل والصراع بين مستويين من الوعي والتطور، وهو ينتبه إلى دور الاستبداد في تبديل هذه الثقافة المشتركة وتوظيفها لخدمة سيطرتها، لكنه لا يرى كذلك إن هذه الثقافة لعبت دوراً في مقاومة السلطة الشاملة وتفكيكها . .

هذا الجانب التركيبي المعقد لا تستطيع أدوات الكواكبي فرزه وإعادة تحليله، فهو ينطلق من رؤية تبسيطية للدين وللإسلام، وهذه العمليات المركبة من التطور الاجتماعي الروحي تصعب على أدواته أن تدرسها. 

لكنه ينجح في تحليل ظاهرة عصره التي خبرها بمرِ تجاربه، وهي التي تعبر عن مضمون رؤيته، ألا وهي ظاهرة النبالة، أي الإقطاع، ففي فصل الاستبداد والمجد ، يقوم بكشف أصحاب الأمجاد هؤلاء الذين يتجه المستبد للإكثار [منهم ليتمكن بواسطتهم من أن يغرر الأمة على أضرار نفسها تحت أسم منفعتها]، [والخلاصة إن المستبد يتخذ المتمجدين سماسرة لتغرير الأمة باسم خدمة الدين، أو حب الوطن أو توسيع المملكة أو تحصيل منافع عامة.. ]، [ولهذا لا يستقر عند المستبد إلا الجاهل العاجز).] .

ثم يقوم الكواكبي بتعريةٍ واسعة لقيم المجد الزائف متغلغلاً في ظاهراته بلغة نارية ساخرة كاشفاً سمات التنبلة الاجتماعية حيث يرث ابن العائلة [الترف المصغر للعقول] و[الوقار المضحك للباطل السائد] ولا [يستخدم الثروة في غير الملاذ الدنيئة البهيمية ويرتبط [باقران السوء المتملقين المنافقين ] …

هذه المظاهر الاجتماعية للإقطاع يتبعها الكواكبي بتحليل اجتماعي سياسي مترابط ودقيق  [فالأصلاء في عشيرة أو أمة إذا كانوا متقاربي القوات استبدوا على باقي الناس وأسسوا حكومة الأشراف]  فقدرة الأسر الإقطاعية العربية على تأسيس الحكم يعتمد على قدراتهم العشائرية العسكرية، وهو أمر سبق لأبن خلدون تشخيصه باتساع، لكن الكواكبي يتتبع مختلف المظاهر المترتبة على فكرة الأصالة الأرستقراطية ، فتظهر النبالةُ العربية بشكلها القبلي المترفع، وبحياتها الاجتماعية الخاوية، ويظهرُ الاستبدادُ العربي مرتكزاً عليها، ثم على رؤساء العشائر الأخرى وعلى الإدارة الفاسدة، بحيث يستطيع المستبد أن يستمر في حكمه المتفرد . .

بطبيعة الحال لا يقوم الكواكبي بربط هذه الجوانب الدقيقة من تحليله الاجتماعي المعاصر بالقوى الاجتماعية المختلفة، وبالمسار التاريخي للأمة العربية، فتحليلاته تحليلات موضعية جزئية لا تتسع في تعميمات وتكتشف قوانين، ولهذا يغلب على ملاحظاته التجزؤ والتفتت وغياب الترابطات المختلفة ، فهو هنا  يكشف جذور الاستبداد الإقطاعي في المنطقة، لكن لا يربطه بما  فحصه سابقاً عن المذاهب الأوربية، أو عن التاريخ العربي، فتتحول ملاحظاته الدقيقة إلى وعي جزئي بالتطور العام . .

 المستبد هنا يتحول إلى فرد وليس إلى بناء سياسي واقتصادي وثقافي تاريخي، ولهذا تغيب الهياكل الاقتصادية والاجتماعية العامة التي أسست الاستبداد وأعطت الأفراد والفئات إمكانيات توظيفها للتفرد بالحكم. 

 استطاع الكواكبي أن يجمع بين نقد الماضي والحاضر الإقطاعي الديني العربي الإسلامي ونقد الرأسمالية الغربية الحديثة، وأن يقترب من جذور التطور في كلا المنظومتين، لكن هذا الدرس لم يرتبط برؤية التشكيلات التاريخية ومسارها، وبالتالي أن يحلل واقع العرب الراهن بينها ومسار تطورهم، ومن هنا فتظل ملاحظاته الهامة في طور القراءة الاجتماعية لم تتطور إلى أفق فلسفي. 

الدين بين المطلق والنسبي

أفــــــــــــق

في مجراه التاريخي الطويل يتوحدُ الدينُ بين المطلق والنسبي، يتضافرُ ما هو أبدي فيه بالمتحول والعابر.

المطلقُ أهم وأكبر وباقٍ دائماً، فالإنسانُ الضعيفُ الهامشي في الكون، ذو الجذور الحيوانية والذي يتكونُ جسمهُ من موادِ الكون المتغيرة، يتوحدُ بالأبدي، يتمسكُ بخشبِ السفينة المبحرة في رحلةِ الوجود الصعبة، يتوحدُ بها ويكونُ جزءً من خلودِها، ويكونُ في عالم المطلق، عالم الأبدية، حتى لا يزول.

وتغدو هذه الصعوبة المخيفة لدى الكادحين بدرجة أساسية، هم صناعُ العالم المادي الاجتماعي، ومع هذا هم المغيَّبون، المنفيون فيه، والذين لا يتمتعون في داخله الجهنمي.

تظهرُ العوالمُ الدينية الكبرى حين يتغرب الكادحون. هم صناعُ العالم المادي، خالقو الطين والمدن وأبراج بابل، وفي البدءِ تظهرُ أديانُ الوثنية، حين يقوم رؤوساء القبائل بالتحكم في ثمارها، ويسيطرون على منتجاتها، ويقيمون الممالك والأمبراطوريات.

الوثن، والروح المقدسة، والإله القبلي، كلها قوى تجري داخل القبيلة، لتوحدها وتعالج الأفراد من الأمراض  وتتبصر مستقبلها. هي ضمانتها في السلامة والصحة والبقاء والأنتصار على الأعداء، وحماية أفرادها في عالم الموت.

كلُ هذه الكائنات الطيفية تحركُ القبائلَ والشعوب لتتقدم ولتتاجر ولتبني مجد الأسياد، لصنع عوالم الرفاه لهم، وتعجز عن تشكيل الرفاه للعاملين، بل تقودهم للحروب، تجعلُ وجودَهم الأرضي أسىً وضياعاً وعذاباً، ولهم بعض الملذات الصغيرة العابرة، وإعادة إنتاجِ العذاب والإستغلال في ذريتهم.

ينفصل عالم الأرواح والألوهة الروحية والوثنية الفكرية لتغدو رموز القبائل والشعوب، ومستقر تاريخها وثقافتها، وتغدو هي السلطات السياسية والفكرية المسيطرة على العاملين الذين يتخصصون في المهن اليدوية.

ولكلِ أمة تاريخها في هذا السياق، والتفاصيلُ مهمة في سياقِ بعض القرون، لكنها تفقد أهميتها مع التوحدِ العام للشعوب، عالمُ السماءِ الغيبي يتقارب، يتجوهرُ في المطلقات الكبرى، يغدو آلهة كبرى متحكمة في المصير البشري، أو أرواحاً أو مجردات، وعالم الأرض والبشر يتقارب، لكنه لا يتحد ويذوب في بعضه، فالمصالحُ على الأرض تتضاربُ باستمرار مولدة حركات في الغيب وتعدديات في المذاهب والتفسيرات لها ونزاعات لا تتوقف.

الإنسان الباقي رافع أعمدة الأشياء فوق كاهله المتعب، تفرُ منه كائنات الأرض: الذهب والفضة والآلهة، وتكون بيد الأقوياء، فيصير كل شيء غريباً عنه، يستعبده تارة، ويقدم له الذبائح والصلوات والطقوس تارة، ويدافع عنه تارة، ويكون علمه في عالم الصراع من أجله، وحاميه في الملمات والأمراض، يجد فيه الأنتماء الذي فقده من أشياء المجتمع؛ النقود والقيود والسلطات.

هو كونُ الأنتماءِ الذي صنعهُ لنفسه، كهفهُ النيرُ الذي يلوذ به في  الملمات والكوارث، هو روابطهُ الاجتماعية التي يشعرُ فيها بأخوةِ البشر من حوله، وفي رعبِ المدن الاستعمارية والاغترابية والشيئية التي تسحقهُ وتحيله إلى برغي في آلاتها، وفقاعة في سمائها، وحشيشة في دخانها، يزدادُ اقترابهُ من الرموز، وكلما تبخرَّ الوطنُ الفعلي تعملقَّ الوطنُ الوهمي.

على ضخامةِ الرموز التي تقذفها في وجهه؛ أبطالُ الصورِ السينمائية وزعماءُ العالم الكبار المتنفذون الذين بيدهم الحياة والموت، المتلاعبون بمصيرهِ ورزقه، يجدُ في رموزَ الأديان كهفـَهُ الباقي على الزمن، في عالمِ التغيرِ المتبخر: الحكومات التي تقومُ وتسقط في فضائح مدوية، ساحبة ثمار العمل إلى المجهول، يجد حكومته الحبيبية التي لا تتبدل، يجدُ رموزَهُ تعطيه العزاء. الأرضُ لا تصنع رموزاً منتجة للخير أبداً وعلى نحو دائم، فيبقى الماضي والأساطير والذكريات العظيمة للرموز في قتالهم من أجل الخير المستمر، وتتحول حيناً لسيول من الدماء، وتتحول حيناً آخر لبنوك إستنزافية أخرى، وأحياناً لحكمة نضالية.

لا يمكن لأي شعب أن يكون بلا دين ذي قوى غيبية مهيمنة، لكون الإنسان هو نسبي، وكلما كبرت قوتهُ الأرضية وصار إنساناً، صغرت أحجام غيبياته.

كلما فرح وأزدهرت حياته بالغني الفني والاقتصادي قل اهتمامه بالأرواح والشياطين، والعكس صحيح، تتوحد عوالم الأديان مع توحد عالم الأرض الواسع، تزول الاختلافات الصغيرة والقصص الغائصة في تقاليد محلية تفقد خصوصياتها يوماً بعد يوم، وتتفجر الاختلافات مع الصراعات بين الأمم، فتزداد أحياناً أخرى تمسكاً بالخصوصية والتفرد، وتعلي ميراثها علواً رهيباً.

رحلة الإنسان لا تتوقف، السحرية تظل ملاصقة له، العلوم تظل جانبية في مسيرته، إنسان الأغلبية البشرية، إنسان العالم الثالث خاصة، والعوالم الثالثة في المجتمعات المتقدمة، الجنان الآخروية الدينية والشيوعية، على أسس خيالية أو على أسس (علمية)، تظلُ لصيقة به، فدائماً لديه الدائم الباقي الأخضر أبداً، السعيد المطلق، وهو منهوك بالعوز والبطالة والغربة والصراعات والنسبية، غربة الإنتاج المادي تصنع إنتماءَ الإنتاج الروحي، ذا الحلول والحلولية والأبدية، يزداد على الزمن تغييره لواقعه، تغدو مواريثه رحلات كهوف ولوحات صيد للمعاني، وهو يعلو صاعداً لاحتلال الفضاء الواسع.

الدين والمطلق

أفـــــــــــــــق

تـُثار في حياة الأمم الإسلامية مسائل (المطلق) بقوة شديدة في تحولاتها التاريخية الراهنة، وهي تحاولُ أن تجمعَ بين تقاليدها العريقة وأسباب الحداثة الضرورية، أي أن تكون لها جذور كي لا تذوب في الآخرين، وأن تكون باقية بتطورٍ مستمرٍ حتى لا تزول بتخلفها كذلك!

جانبان معقدان يشدانها في إتجاهين متناقضين، وفي خضم ذلك تـُطرح مسائلٌ شديدة الصعوبة والحرارة معاً.

ويتمثلان إجتماعياً بقوى تصر على الماضي وحيثياته ورفض التحول وركوب قطار التغيير، وأخرى تسحب الناس والأشياء نحو التغيير الضروري والسريع والمخيف؟

وفي هذا المجرد هناك الكثير من تجسيداته، فماذا نقول في ما هو موجودٌ في الكتبِ الدينية المقدسة من حديثٍ وتجسيدات للأرواح والشياطين وقوى الغيب المتحكمة في الوجود العياني، أي في حياة الناس الظاهرة والخفية؟

ماذا نقول في بعض أحكام دينية أخذت تتناقض بشكلٍ صريح مع تطورات الحياة الحديثة وما يُنتج من تقدم أصبح كاسحاً مطيحاً بالكثير من ثوابت الأمم؟

الرأي السهل لقوى التحديث السريعة والحادة هو أن نطيحَ بمجردات وغيبيات الأديان، فهذه كلها لا تحتاج سوى أن نقولَ بأنها خرافاتٌ وتخلف وعادات إجتماعية بالية.

إزالة البيت القديمة بجرافة وبناء بيت جديد. والأحكام والأفكار التي ظهرت في عصور قديمة وأخذت تناقض المساواة والعدالة الاجتماعية وعلوم الفيزياء والكيمياء تـُلقى من الحياة وتـُباد من عالم الثقافة!

ماذا نفعل في أفكار موجودة في الكتب المقدسة أخذت تـُعتبر أساطير مناقضة لأبجديات العلوم؟ كيف نعلمُ برموز دينية كآدم وحواء ونظريات التطور والأحياء ذات الأدلة الوثيقة والحيثيات الكثيرة تنكرها أو تقدمُ قصصاً مناقضة كلياً عنها؟!

بل ماذا نقولُ في سير الأنبياء والكتب المنزلة بما فيها من عجائبية ونسبية؟!

قوى التحديث الحادة والسريعة تقدم لنا ذلك الحل السهل، كما تقدم لنا قوى المحافظة الحلَ السهلَ الآخر وهو الإيمان بكل ما جاء به القدماء والسير على منوالهم وحذو أعمالهم!

المسألة صعبة وخطيرة ولا شك، وحلها ليس آنياً، وردم الهوة بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس كلامياً، بل هو فعل صناعي، لا يتأتى بسهولة لمن ليس في يده أدواتها ولا وسائل إنتاجها، هو فعلُ أجيالٍ كثيرة ومواقف مترابطة بين أناس كثيرين يعيشون في عصور مختلفة ومناطق متباعدة وتحكمهم مناهج متعددة.

إن ردمَ الهوة بين الثقافة الدينية والثقافة العصرية فعلٌ نضالي جماعي قبل أن يكون إنشاءات فكرية مجردة.

لكن لا بد من هذه الإنشاءات الفكرية التي تقود لذلك الفعل النضالي وتشاركهُ البناء.

الثقافة التقدمية السريعة الحادة ترفضُ الحفرَ المطولَ في أعمدة الأديان، مثل الإله والروح والنبي.

إن هذه المجردات والملموسات والعلاقات بينها، ضرورية عبر آلاف السنين. لم يقل بوذا إنه إله لكن الناسَ التي جاءتْ بعدهُ صيرتهُ إلهاً وهو إنسانٌ بسيط وعرّف نفسه بذلك ؟!

ولو أن العكس قد حدث وقال أنبياء المشرق عن أنفسهم إنهم حكماء لصيروهم فيما بعد أنبياء وآلهة!

وقد أدعى الملوكُ القدماء بأنهم آلهة دون أن يحتاجوا إلى ذلك وقد تملكوا الكثير من القوة والسلطان والخيرات؟

الألوهية والارتباط بها كانتا ضروريتين لآلاف السنين، فلماذا؟

في البداية كانت المادة الأولية الطينية التي تشكلتْ بها هذه العمارات الشامخة في التاريخ، وهي (الروح)!

ومادة الروح اللغوية تستند على راح ويروح وما هو مطلق في الحركة، وما هو خفي فيها كذلك!

الروحُ سادتْ في أفكارِ ما قبل الأديان لآلافِ السنين الأخرى أيضاً، فأنظرْ لبساطة الإنسان، وقد عبدَ المصريون القدماء (الخنفساء) هذا الكائنَ المتواضعَ عقوداً، على ضخامة ما بنوه من عمارة وما شيدوه من حضارة ؟!

فأحترمْ حتى جهالات الإنسان لأن فيها تاريخاً من العلم  والمقاومة والبحث!

بينت الروحُ ضعف الإنسان ونسبيته، جعلته يرى كم هو زائلٌ وهشٌ في الوجود، فطالعَ دمَهُ وأمراضَه والماضين الكثيرين الذين رحلوا دون أن يتركوا أثراً في الوجود على كثرة أعدادهم وضخامة أخبارهم، ورأى كم تضربُ كينونتـَهُ الصغيرة هذه الدولُ العملاقة وتسحقهُ كنملة وكم تفقرهُ وتستغله ولا تعطيه سوى كسرة من خبز وهو العابر المحتقر! فأصيبَ بالرعب من الكون، ومن وجودهِ البسيط المتقزم، فتمسك بالروح التي لا تروح، تمسك بكيانات تجعلهُ مطلقاً سعيداً باقياً، وليس عابراً محتقــَّراً.

أين يذهب أطفاله الذين ماتوا دون أن يسعدوا؟ أين فرحه في هذا الكون وهو شقي بائسٌ في هذه الأنظمة؟ هشاشة الوجود الإنساني في أنظمة البؤس هذه أعطت الثوابت البشرية في الأحلام الدينية.

الدينُ والثقافةُ

بدأتْ العلاقاتُ بين الإسلامِ التوحيدي والدولةِ العربية المركزية البدوية في التفكك.

كان مضمونُ الإسلام التوحيدي الشعبي العالمي وجدَ قبولاً لدى الأمم الأخرى عبرَ سهولةِ إعتناقه وبتكوينه أممية للشعوب الشرقية المستندة على الملكية العامة المدارة شعبياً والتي تعيشُ في المناطق الصحراوية الكبرى، لكن هذه التوحيدية المرتكزةَ على دورِ المال العام  أُخترقتْ من قبل أُسر الأشرافِ الحاكمة وكبار التجار والتي قربتْ الثروةَ العامة من مصالحها وإداراتها.

كان هذا التحولُ الشمولي لا بد أن يؤدي إلى إنقلابٍ في الحياةِ الثقافية والفكرية والعلاقاتِ الاجتماعية والروابط بين الشعوب مستنداً على نواقصٍ إجتماعيةٍ وفكرية وسياسية في البناءِ السابق والذي لم يستطعْ من جعلِ القوى التجارية والشعبية ذات خلافةٍ ديمقراطية.

بدأ ذلك في عزلِ النصوص الدينية والفقهية عن المنطق والفلسفة والتاريخ الاجتماعي التي كانت تنمو عبر الترجمة والتطور الفكري العربي، فقد رُئي أن العلومَ(الدخيلة) كما يتصورونها تُفسدُ الدينَ، وأنه لا بد أن تكونَ المعرفةُ دينيةً محلية خالصة، وأن تكون مصادرَها موثّقةً في الروي، لتغدو هذه المرويات هي كلُ الثقافة العربية الخالصة اللافظة لما عداها.

كان هذا قطعاً لعلاقةِ أدبياتِ الإسلام بالتكون الإنساني، وإنها عصارةٌ لعناصر ديمقراطية نضاليةٍ تكونتْ في بيئاتٍ أُخر عبر نضال الشعوب في المنطقة والعالم، والمرتكزة على السلطةِ المحددة في تلك العناصر الفكرية الاجتماعية، والمعبرة عن مضمون شعبي توحيدي.

لهذا خرجَ اليمينُ الاستغلالي الجديد مُركزاً على الشكل، وعلى الممنوعات في النصوص الدينية، كرفض الفنون التجسيمية والرقص وهي الظاهراتُ الطقوسيةُ السابقة المرتبطة بعبادةِ الأوثان لا لكونها فنون بحدِ ذاتها والمرتبطة بالأشكال التعبيرية.

والتنحيةُ كانت سهلةً تجاه العرب القادمين من البداوة، حيث لا أرثَ فنياً تعبيرياً تجسيدياً عميقاً لديهم، وهم يعتمدون على فنونِ الكلامِ المختلفة، التي لا يمكن منعها. فيما شعوبُ البلدان المفتوحة يرتكز الكثير من تراثها على الفنون التجسيدية المختلفة. وهي ظاهراتٌ إستمرت وأغتنتْ لديهم عبر تطور الآداب والفنون المتشابكة مع تراثِها الديني والتاريخي ثم تشابكتْ مع المذاهب الإسلاميةِ التي إنشقتْ عن المركز وصعّدتْ هذه الفنونَ والأساطيرَ في تراثِها المذهبي الإسلامي، ولهذا فإن الانعزالَ عن الفنون تكرّسَ في المذهبيةِ الإسلامية النصوصية خاصةً المتطرفة منها.

وهذا ما حدثَ في الوعي الفكري بأشكالٍ تناسبُ أدواته وتحولاته، فالمنطقُ والفلسفة وعلم التاريخ وغيرها من العلوم الجديدة واصلت الحضورَ والتأثير، ولم تستطع التوجهاتُ الفِرقية الفكرية غير المرتبطة بالجمهور وكفاحه أن تواصل زرعَ الأشكالَ والأدوات الفكرية المستفادة من التراث الأغريقي بشكلٍ نقدي متطور، فقد عاشتْ على مساعدات الخلفاء والأمراء، فراحت تُنحي العناصرَ الديمقراطية المرتبطة بالكفاح الشعبي.

وهذا يتماثلُ مع رجالِ الفقهِ التاليين للمؤسسين الموجهين المذاهبَ نحو خدمةِ السلطاتِ المختلفة، فعُزلَ الفقهُ عن الناس، وتوجه للجوانب الصغيرة والعبادية والمعملاتية المعزولة عن المشكلات الاجتماعية والسياسية العميقة.

فتجمعتْ في تلك الثقافة الرسمية ونُقلت بعد ذلك إلى العصر الحديث، عناصرُ رفض الفنون والآداب الحياتية والأدوات الفلسفية الحرة.

لقد كانت تمثلُ جانباً صغيراً من الثقافة في عصر النهضتين العربيتين العباسية والحديثة، لكنها توسعت بعد ذلك بخلاف تطور العصر الحديث خاصة، بسبب أن الهياكلَ الاجتماعية والسياسية العربية التي ظهرت فيها لم تتغير، وأن التغييرات قاربت بعض الجوانب والسطوح في أغلب الأحيان. فالثوراتُ العربيةُ كانت فوقيةً مظهرية عسكرية ولم تكن تحولات عميقة في علاقات النساء بالرجال، وعلاقات الحرية بين الحكام والمحكومين، في حين تربض الأريافُ في العصور القديمة.

ولهذا فإنه حتى الفنون والآداب والفلسفة المصنوعة أو المجلوبة من الخارج تسايرُ الموروثَ من الأبنية العتيقة، وما يَخترقُ الموروثَ ويحوله يُنحى، ويُضافُ العصري الرديء على القديم الرديء، إلا ما يقاوم.

 من هنا يبدو الارتدادُ طبيعياً، والعودةُ للوراء الكارثية جزءٌ من أبنيةٍ لم تُعالجْ ديمقراطياً، وهي في تراجعِها تهدمُ علاقاتٍ داخل الشعوب العربية والإسلامية وعناصرَ من العقلانية التي ضُحي من أجلها طويلاً، بسبب أن الأممَ العربية والإسلامية يَطرح عليها التاريخُ لأول مرة بعد قرون أن تصنعَ نفسَها بنفسها، وهي غدتْ حرةً، لكنها مستعبدة لعلاقاتٍ وأبنية وسلطات وعناصر ثقافية عتيقة فيها، ولم تكتمل أدواتُها بعد لتغييرها. وأدواتُها هي الشعوب وتوحدها وتنامي إراداتها الديمقراطية وعقلانيتها.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الدينُ والثقافةُ

 

الدين والسياسة

الدين هو سياسة عليا مقدسة، فرموزه تعبر عن وجود سياسة مطلقة لشعب من الشعوب تتجسد عبر تلك الرموز.

ونظراً لأن السياسة دنيوية، ملوثة غالباً بالمؤامرات وسفك الدماء فقد ظهرت عبر التاريخ سياسة مقدسة، تحاول جعل البشر يحولون قضاياهم وصراعاتهم ووحدتهم عبر ما هو مقدس من أجل أخلاقيتها وطهرها لكن ذلك كان عسيراً، وكما تحدث الانشقاقات والخلافات بين السياسيين والدول  تتفجر الخلافات في الأديان وتظهر المذاهب والانشقاقات الفكرية المختلفة.

ولهذا حين كات اليونان مليئة بالمدن الحاكمة كانت ثمة شبكة من الآلهة الحاكمة.

وفي عصر النهضة التحديثية الديمقراطية الغربية كانت الدول ما تزال إقطاعية دينية، وصعدت أنجلترا وهولندا في سلم التطور قبل غيرها، فأنحازتا للمذهب البروتستنتي، فكان ذلك تغييراً سياسياً، وتعبيراً عن رفضهما لهيمنة كنسية روما العالمية، وتفكيكاً للكاثوليكية وذلك عبر رفض رموزها العبادية كالاعتراف والرهبنة وتصعيداً للعلاقات الرأسمالية المفككة للمحافظة الاجتماعية.

ولهذا فإن الاشتراكية التي ظهرت خاصة في فرنسا وألمانيا اللتين تعيشان في مجتمعات كاثوليكية غالبة وبروتستيتة غير مهيمنة، ترددتْ بين الإلحاد وبين الموقف الديمقراطي.

كان الدينُ يلعب دوراً سياسياً مباشرا متدخلاً، مؤثراً على تصعيد الديمقراطية في كل من المجتمعين، حيث ما تزال الشمولية وتدخلات الدين تعرقلان صعود القوى السياسية الجديدة من برجوازية وعمال.

كانت الحكومات الفرنسية علمانية في فترة، وبعد ثورات العمال وجدت أهمية كبيرة لحكم الكنيسة وتدخلها في السياسة والمناهج التعليمية.

الاضطرابات في التحولات الألمانية والفرنسية بخلاف التدرج الديمقراطي الهادئ في أنجلترا، جعلت الاشتراكيةَ الديمقراطية تتذبذبُ بين هجوم كاسح على الدين وبين الرومانسية تجاهه، كما نلاحظ في رؤية ماركس في(نقد فلسفة الحق عند هيجل).

(إن التعاسة الدينية هي، في شطر منها، تعبيرٌ عن التعاسة الواقعية، وهي من جهة أخرى إحتجاج على التعاسة الواقعية. الدين زفرة الإنسان المسحوق، روح عالم لا قلب له، كما انه روحُ الظروف الاجتماعية التي طُرد منها الروح. انه أفيون الشعب.)، نقد فلسفة الحق عند هيجل.

إنها رؤية مثالية للدين لا تراه كسياسة مقدسة إجتماعية، ذات ظروف بشرية تاريخية طويلة، حيث تؤسس الثورات أدياناً وتجمد الأديان الثورات.

إنها رؤيةٌ تجريدية للدين، وحكمٌ تعميمي عام، تتشكلُ في شبابية ماركس الهيجلي، حيث غابت الدراساتُ التحليلية عن الأديان، ولكن سوف تظل عبارة الدين أفيون الشعب مستنسخةً واسعة الانتشار دون وضعها في سياقها.

لقد تصاعدت الديمقراطية والعلمانية في فرنسا وألمانيا عبر عقود وتم عبرها تحييد المذهبين الدينيين المسيحيين عن الصراع السياسي المباشر، فالاجراءاتُ لخلق دولة ديمقراطية، بدأت من الجمهور العمالي بدرجة خاصة من أجل تغيير ظروفه وتصعيد ممثلين عنه للبرلمانات، وهذا تطلب جبهةً كفاحيةً ديمقراطية بين الاشتراكيين الديمقراطيين والعامة، تركزُ على نقد الظروف الاقتصادية البشعة وإتساع يوم العمل وضحالة الأجور ونقد القوانين اللاديمقراطية وغيرها من الظروف المعيشية الأرضية، فلم يعد نقد السماء في المركز بل توجه النقد للأرض.

ولم تظهر كتابات واسعة عن الأديان لدى رواد الفكر الاشتراكي بعد ذلك، بل كان تحليل الظروف الأرضية هو الأهم مع تصاعد التحولات وإشتراك قوى سكانية كبيرة من مختلف الأديان والمذاهب في التحولات.

سادت عداوة تاريخية مرحلية بين الدينين اليهودي والإسلامي وبين الفنون بسبب ظهور هذين الدينين بين شعبين بدويين، كانا لا يزالان في المرحلة البسيطة من التطور، ومحاولة هذين الشعبين تجاوز الوثنية، وقيام الوثنية على تلك الفنون.

 نقولُ (الفنون) خاصة بسبب أن الآدابَ أكثر تجريداً فهي فنون كذلك لكنها مرتبطة بصناعةِ الكلمة، وبالتالي لم تكن لها علاقة وثيقة بالوثنية، فالشعرُ ينشرُ فيه بعض الكلمات الوثنية، لكن من الممكن تحوير هذه الكلمات الدينية القديمة إلى الألفاظ المقدسة الجديدة، كما فعل العرب تجاه قصائد الشعراء (الوثنيين) كطرفة بن العبد وامرؤ القيس وعنترة وغيرهم، وهذا ما حدث لسجع الكهان كذلك.

 لكن الفنون كان من الصعب تحوير الكلمات فيها، وشطب بعض المفردات لتستوي ذات قوام ديني إسلامي، فهي تماثيل لآلهات وآلهة معبودة، كما أن الاغاني والرقصت تحتفي بتلك الألوهية المفرقة.

 كان القرار السياسي الأسهل هو شطب هذه الفنون كلية، لكن الشعر وهو حياة العرب من المستحيل شطبه، وقد ساعده بناؤه الفني اللفظي، الذي لا يُحطم، بل هو موجودٌ في العقلِ والذاكرة والروح، ومتصلٌ بمفاخر القبائل وأيامها، وهذه القبائل أكبر من الأوثان وأبقى في التاريخ!

 فلا عجب أن سلمَ الأدبُ من شعرٍ وقصةٍ وأمثال من الانقلاب الديني الذي حلَّ بالأمة العربية وهي في طور قبليتها البطولية تقتحمُ العالمَ وتشكله!

 وهذا الطور البطولي الشعري، حل محله طورٌ آخر، هو طور المدنية وطور النثر وطور الفنون، فلم تعد الأوثانُ سوى ذكرى غابرة، وقاد العربُ مجموعة كبيرة من الشعوب إلى عبادة الله، وابتعدت الفنون عن ماضيها، وغدت جزءاً من حياة الشعوب الإسلامية في تاريخها الحضاري الواسع المتنوع، وإذا كانت الفنون التجريدية المعتمدة على الخطوط قد غزت كتابة القرآن وعمارة المساجد وتشكيل الأبنية، فإن الفنون التصويرية قد انتشرت في الكتب والملابس والأقمشة والأواني الخ..

 فكتبُ الملاحم ككتابِ عنترة بن شداد وكتب القصص ككتاب كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة كلها مليئة باللوحات، أما الرقص فقد واصل الرقص الشعبي حضوره وتنوع بتعدد الشعوب الإسلامية. أما الرقص ذو الطابع الاستمتاعي الشخصى فقد كان منتشراً فقط بين علية القوم نظراً لتكاليفه الباهظة!

 أما الغناء فقد كان أكثر قدماً وحضوراً واتساعاً خاصة في مدن الحجاز من العصر الإسلامي الأول، ولهذا حين احتل الخوارجُ المدينة في إحدى غاراتهم منعوا الناسَ من الغناء فثاروا عليهم وطردوهم!

 في أوج عصر الحضارة العربية اندفعت الفنون في كل جوانب الحياة، فإضافة للفنون التزيينية والبصرية بدأت الفنون التشخيصية في الانتشار سواء في الاحتفالات الصوفية أو المذهبية المختلفة أو في الفنون المجردة (الدنيوية) المحضة كخيال الظل والقرقوز وغيرهما، وهي أشكالٌ راحت تجسدُ الإنسان من خلال تمثله للرموز أو من خلال الأدوات الوسيطة كاللعب والمصابيح والظلال.

 كان الفهم الديني التقليدي لا يزالُ عالقاً بهذه الظاهرات الفنية، وظل الخوف من تجسيد الإنسان حاضراً، وفيه جذور من المخاوف القديمة عن مسألة (الخلق)، لكن يتوارى وراءها خوف السلطات المختلفة من تمثل وتجسيد قضايا الإنسان.

 إلى أن جاءت النهضة الأوروبية وصعدت من هذه الظواهر إلى التجلي الإنساني الواضح، فظهرت المسارح وصعدت الفنون إلى مستوى كبير.

 ويلاحظ أن الفنون الراقية كانت دائماً أساس نشر التطور الأخلاقي الرفيع، وهي دائماً فنون محاصرة، في حين أن الفنون المتدنية القائمة على الحس الهابط ونشر الغرائز هي المروج لها، وهذا يتعاضد مع طابع التعليم والحياة الاجتماعية عامة، التي تجعل الناس في بؤس دائم لا يتحرك فيهم سوى الغرائز، بل يتصورون أن أي فن رفيع كالباليه بأنه فن غرائزي!

مؤلفات عبدالله خليفة في مكتبات بيروت.

الأستاذ إبراهيم بشمي في إطلالة له من إحدى مكتبات بيروت مؤخرا

الفنون في الأديان

 أضطر العرب المسلمون في نقلتهم الحضارية بين الجزيرة البدوية الصعبة ذات التاريخ المرير وإحتلالهم للشمال الزراعي الغني أن يختزلوا الكثير من المظاهر الحضرية ويشكلوا سمات حضرية خاصة بهم دون أن تكون هذه السمات متناسقة تمام التناسق.

من الجوانب البارزة في هذا الموقف الرسمي من الفنون، والموقف الرسمي هو الموقف المسجل في الوثائق الدينية المعتمدة للأنظمة السياسية التي تتالت بعد هذا.

كانت الشعوب القديمة الوثنية بطبيعة دياناتها تقدس الفنون، فهي مدار حياتها، فالإنتاج كالبذر والحصاد والصيد وبالتالي الأعراس والولادات والختان كلها تجري من خلال فنون الشعر والغناء والرسم والنحت، ولكن هذه الفنون تجري بتقديس الآلهة لهذه الشعوب، فهي جزءٌ من حياتها وإحتفالاتها.

وقد وجد العربُ المسلمون أنفسَهم مع قدومِهم لمسرح التاريخ في المنطقة بشكلٍ متأخر، أنهم يحاربون الوثنيات بقوة، وهي التي تمثل تعدديات الدول وتنوعها وسلطات المدن والقبائل والشعوب المتختلفة. ولم يكن مستواهم الثقافي في ذلك الوقت يتيح التمييز الدقيق والفصل بين ما هو وثني وما هو فني إنساني.

فلم يفصلوا بين محاربتهم للوثنية ومحاربتهم للفنون، التي كانت هي مندمجة فيها، بحكم التطور الطويل السابق، فظلت الأحكامُ الفقهية في الأجيال التالية دون معرفة العلل فيها، ثم تغيرت الظروفُ الوثنية المرتبطة بتلك الفنون، لكن الأحكامَ الفقيهة بقيتْ على حالها!

كان الساحرُ قديماً هو الفنان النحات والشاعر والراقص والصياد، ثم تخصصت صفاته في فنانين متنوعين، فالشاعر المغني أنفصل عن الساحر، ثم أن الشاعر كذلك أنفصل عن المغني وعن رجل الدين، لكنه انفصال غير تام وحاسم، فالثلاثة في علاقة متداخلة، كأشكال متقاربة من الثقافة، نظراً لأن الموسيقى والقداسة تجمعها.

فهذه هي كلها في عرف القدماء نتاج السماء أو وادي عبقر أو الروح أو الألهام، فرجل الدين يصنع الشعر ويغنيه ويؤثر من خلاله على الجمهور.

ومن هنا بقيت في الكنيسة المسيحية علاقة رجل الدين بالغناء، فهو إن لم يتحول إلى مغنٍ تماماً فهو ينشد، أو يقرأ بموسيقية ما، ويضعُ آلة موسيقية في الكنيسة، ويدعو المؤمنين للترتيل معه، أو الإنشاد أو الغناء.

المسيحيون كسكان مناطق زراعية متحضرة قديمة، لم ينشئوا دولة بسرعة العرب المسلمين، ولهذا احتفظوا بتقاليد فيها وثنية وتعددية إلهية وتراث موسيقي قديم، وأنتقلت تدريجياً إلى أوربا وبعد قرون ومع البعث النهضوي والترجمات الإغريقية تحولت إلى نهضة جديدة عالمية.

أما العرب فعلى العكس أرادوا أزالة المظاهر الوثنية بقوةٍ وسرعةٍ حتى لا تتفكك دولتهم الطرية، فعارضوا أي تذكير بالماضي حتى لو كان فنياً وإحتفالياً فرحاً، وكان يمكن لهذه الاحتفاليات والمظاهر الوثنية أن ترتبط كذلك بمعارضاتِ الشعوبِ ومؤامرات الأمبراطوريات الكبيرة المهزومة في ساحات القتال.

وفيما بعد حين زالت تلك المظاهر التاريخية السلبية المؤقتة، لم يكن بإمكان الفقه الحكومي المتصلب أن يقرأ ذلك على ضوء التحولات، وبقي في الموقف الرسمي وخاصة في الاتجاهات السنية، وكلما زاد في بدويته وشكلانيته قل تعليله للتاريخ الاجتماعي الديني.

لكن الشعوب الإسلامية لم تكن تعبأ بالموقف الرسمي الديني، فقد كانت شعوباً أدبية وفنية بحكم تقاليدها الطويلة وتجاربها الإنسانية، فانتشرت الفنون والآداب على نحو هائل فيها، فكانت أكثر الشعوب إنتاجاً وقتذاك في التراث الإنساني.

وقد حافظت كذلك على الوحدانية، لكن العلاقة بين رجل الدين والفنون ظلت متضادة، فحافظ رجلُ الدينِ المسلم على طبيعةِ الراهب المتشددة فيما يتعلق بالفنون في زمن الفتوح الإسلامية، أي ذلك الراهب المجافي للغناء والفنون عامة، خاصة الحركية منها والمرتبطة بالرقص فهذه أشد اقتراباً من الماضي الملغوم، الماضي المرتبط بالفنون المذمومة، والشهوات، وفقدان الوعي، من أجل أن لا ينزلق إليها المؤمن ولا يهوى في الوثنية، رغم أنها جميعاً غدت لا علاقة لها بذلك الماضي البعيد، وأن المسلمين انتصروا منذ زمن بعيد وأن تلك الروح الحربية لم تعد ابنة زمانها. لكن روح الأحكام العرفية مستمرة خاصة مع حكم المناطق العربية المحررة من هيمنة الدول السابقة، والتي كانت تزدهر بالفنون الوثنية لكن بعد إستقرار الفتح العربي تلاشت، وبحثت الفنونُ العربية الإسلامية عن الجمع بين التوحيد والفرح والرقص والتشكيل والمسرح والموسيقى.

لكن موقف الرجل الدين التقليدي أستمر وظلت معاداته للفنون قائمة حتى بعد زوال أسبابها. فهو يعارض كافة أنواع الفنون حتى لو كانت التجريدية منها وغير المرتبطة بالحراك الجسمي المبتذل، والمصعدة للنفس والروح في حالات إنسانية راقية. فيبدو له إن الفنون تخفي ورآها أوثاناً.

وهذا يعود لاستمرار الأحكام التقليدية الفقهية طوال قرون سيطرات الأسر الخاصة.

لكن ذلك يغدو مستحيلاً  خاصة في العصر الحديث فالموسيقى تملأ الحياة والسياسة والعالم، والموسيقى لا بد أن تدخل في كل مكان، ومن هنا تنازل رجل الدين التقليدي للموسيقى الحربية أن تدخل عالمه، فهي تماثل روحه القتالية المستمرة، فاستعان بها للأناشيد والجنائز.

ولا شك أن قضية إدخال  الموسيقى في الفرح والاحتفال ستظل هاجساً، وقضية خطيرة، بسبب انتشار الثقافة الغربية وأعتماد الموسيقى والفنون كمناخ إحتفالي اجتماعي جذاب، لكن هذه الثقافة تختلط فيها الجوانب العظيمة والجوانب المبتذلة، كما تغدو وسيلة إجتماعية لنشر المخدرات والجريمة في بعض الملتقيات. ومن هنا ضرورة الفصل بين هذه الأنواع وعدم التعميم.