البرجوازي الصغير .. الصغير جداً

جاء وقتُ البرجوازيةِ الوطنية

مرت عقودٌ عديدة منذ أن إنسحبت البرجوازية من العمل السياسي الشوارعي، الذي إنحرف نحو الجمل الثورية المغامرة ومن ثم ركبَ فوق ظهوره الطائفيون السياسيون موجهينه نحو تمزيق صفوف الشعب وحرف مسيرته نحو الديمقراطية والعلمانية والوطنية والتقدم!

اللغات المغامرة الفوضوية السياسية لا تتوافق مع التجارة والاقتصاد، بل هي تتلألأ في البداية ملوحةً بشعاراتها البراقة الزائفة ثم تأتي نوازلُها ومصائبها مرئيةً لكل ذي عينين ولكن البعض لا يرى رغم كثرة الدخان والفواتير الثقيلة فوق ظهر الاقتصاد والناس!

وقد رأى التجارُ كيف دخلت هذه اللغات في معاشهم وقسمتْ صفوفَهم وبدلتْ من أرباحِهم خسائر وجعلت من المستهلكين أعداءً وخصوماً وأجبرتهم على أن تكون لهم أصوات جهيرة تضع حداً لذاك أو تفكر في الطريق القادم وإحتمالاته ودورهم فيه.

بعد عقود من الصمت السياسي فإن التعددية والاختلافات والبلبلة وعدم الوضوح هي ظاهراتٌ طبيعية ومرحلة مؤقتة حتى تتضح السبل، وتخفت قوى المغامرة والطائفية التي ملأت الأفقَ وكأنه لا يوجد سواها.

لا بد من رؤية طبيعة المرحلة وتحديد طابع البنية الاجتماعية الوطنية التي هي جزء من البنية الخليجية العربية، وبدون هذا التحديد لا إبحار آمناً في الأنواء المضطربة والمياه المتعكرة.

هي بنيةٌ رأسمالية وطنية ديمقرطية يتعاونُ فيها رأس المال الحكومي ورأس المال الخاص والعاملون، تضع مشكلاتها وصراعاتها داخل الهيئات التشريعية الوطنية وعبرها تتطور، ومشكلات الديمقراطية والبناء الاقتصادي تُحلُ من خلال المزيد من الديمقراطية.

وقد أثبتت قسماتُ الحداثةِ من وطنيةٍ وعلمانية وديمقراطية أنها الروافعُ الثقيلة للأجسام السياسية الاجتماعية في دول العالم قاطبة، وحين قام المغامرون والانتهازيون السياسيون بحرف هذه الشعارات وإدخالنا في أجواء الطائفية السياسية الملبدة بالغيوم رأينا من خلال تجربتنا الوطنية الثمنَ الباهظ الذي دُفع وما زال يُدفع ولا نعرف متى نتخلص من ثقله وبطشه!

الأصوات التجارية مقسمة ومتكتلة وتعبر عن مصالح ربما كانت صغيرة ومترددة ومضطربة لكنها لم ترتفع للسياسي العام، والوطني العميق، وتعزل الاقتصادي عن السياسي، والتجاري عن الشعبي، والتشريعي البرلماني عن القرار الاجتماعي للغرفة.

فبدون ترسيخ البناء الديقراطي التحديثي ورفده بالأصوات الوطنية التوحيدية وجعله البوصلة الأساسية للتطور لا دور كبيراً للجهات المتعددة الأخرى مهما كان الصراعُ صاخباً فيها.

ولهذا فإن الانفصال الكبير بين البرلمان والغرفة، بين إرادة الشعب المتنامية المتطورة داخل المؤسسة الديمقراطية الجنين، وبين القوى الاجتماعية المختلفة، بين تعاون مختلف الفرقاء، هو لصالح الفوضويين، وتعبيرهم الطائفي التمزيقي هو شكلُ التفتت.

الجر للصراعات الداخلية الهامشية وتفكيك التجار بين كبار وصغار، هو لتغييب البنية الديمقراطية الوطنية وتراكمها، وعدم خلق تعاون سياسي بينها، يركز على العقلانية وبحث المشكلات بعمق وحلها، وهو كله لتغييب صوت الرأسمالية الوطنية وقيامها بدورها بالتعاون مع الرأسمالية الحكومية وخلق الاقتصاد الموَّحد وهو عملٌ سياسي إقتصادي طويل الأمد، والذي فيه مشكلات عديدة تحتاج لحلول.

رؤى واسعة بعيدة النظر تجمع بين المشكلات الراهنة والعميقة وتقدم لها حلولاً عبر خبراء ومشرعين، وتجعل من التجار قوةً إجتماعية سياسية معمقة للديمقراطية والعلمانية الوطنية ولتعدد الرؤى ولجذور المجتمع الإسلامية الإنسانية.

تتحول الغرفة لمختبر إجتماعي سياسي ديمقراطي، يكون فيه التجارُ قادتَهم ومعارفهم وبرامجهم، وهي بفضل التعددية والوطنية تُصقل وتتطور وتنضج مع تعمق التجارب، ومن هنا يظهر قادةٌ للقوى التجارية والاقتصادية ثم للتوجهات السياسية.

البرجوازيةُ الصغيرة والمدارسُ الفكرية

يقوم أفرادٌ متميزون من الفئات البرجوازية الصغيرة بتبني طموحات الطبقات المنتجة، كما فعل التنويرون كروسو وفولتير بتبني آفاق تطور البرجوازية، لكن التشكيلةَ الرأسمالية كانت قد صعدتْ في بعضِ الأقطار الغربية الرئيسية، وانكشفتْ العديدُ من مشكلاتها، ولهذا فإن أفراداً متميزين آخرين تجاوزوها وعبروا عن الطبقات العاملة، لكن هذه الطبقات كانت بلا تراكم فكري مثل البرجوازية، ولهذا فإن هؤلاء الأفرادَ من البرجوازية الصغيرة يطرحون مناهجهم السابقة عبر المادية ويراكمون ثقافةً لهذه الطبقات البسيطة الوعي والتي لا تملكُ الفرصَ لانتاج ثقافة، وهي تترابطُ مع نتاجات هؤلاء عبر الطلائع فيها، أي من يمتلكون الوعي والحماس والوقت خارج العمل الشاق لربطِ نتاجات المتنورين المتحولين لثوريين إلى صفوف العمال، حينئذ يبدأ الأفرادُ المتنورون بالانفصال عن تراثِ فئاتهم ويغربلون ما كتبوه سابقاً وينقدوه.

لهذا سنجدُ كتابات ماركس الهيغلية تتخلى عن طابعها التجريدي المثالي، لتغدو ماديةً آلية في البدايات، ثم تنصهرُ أكثر في الجدل، ورومانسيةُ الثورةِ العمالية المطيحة بالاستغلال دفعةً واحدةً تتشكلُ واقعياً عبر نضال اشتراكي ديمقراطي طويل الأمد والبناءُ الديمقراطي والدراساتُ الموضوعية تعطي النظريةَ حياة برهانيةً ومعرفةً بقوانين البنيةِ الأولية في البلد الواحد، وهو الأمرُ الذي استغرق عقوداً، من دون أن تكتملَ حتى قراءة البلد الواحد لمصيرِ التشكيلة في سياق العالم، لكون القراءة تاريخية متقطعة، خاصةً مع رحيل الأفراد المؤسسين ذوي الخبرة الطويلة، الذين يسلمون أوليةَ النظرية لبرجوازيين صغار جدد كلاسال وقيادة عمالية أكثر وعياً وصلابة.

الانتقالُ من نشاطِ البرجوازية الصغيرة إلى أجيالٍ من الطبقة العاملة بسبب مستوى القواعد الاقتصادية والسياسية والثقافية لبلد متطور ديمقراطياً بصعوبات كبيرة مثل ألمانيا يختلفُ في سياقهِ التاريخي عن روسيا المتجمد في الدكتاتوريات، فهنا في روسيا احتاج انتقال النظرية من البرجوازية الصغيرة الى العمال الكثير من العقود ومازال مضطرباً!

إن الأفراد المناضلين المغيرين للنظام القيصري عاشوا في ظروف الشمولية ولم تحصل النظرية على الظروف الديمقراطية ونضال العمال المستقل، ولهذا فإن الرومانسية بسحق الطبقات كلفتْ كثيراً، فيما كانت الطبقات الاستغلالية تظهرُ من خلال الدعوات (الماركسية).

إن الأفكار الثورية المرتبطة بالانعطافات التاريخية معروفة على مر التاريخ، ولكن ما هو مميز في الماركسية أنها غدت انعطافةً كبرى مختلفة في التاريخ البشري، فقد كشفتْ أساليبَ الانتاج ولم يعد التاريخ مبهماً، ولكن مع هذا فإن الطبقات الاستغلالية تعقبُ المراحلَ الثورية، وتصبح النظريةُ في وجودها الحر عند أفراد متطورين فكرياً وسياسياً صعبة، فالنظريةُ تمتلكها الطبقاتُ الاستغلاليةُ وتمنعُ حراكَها الحر الحافر في الواقع، وإنتاج معرفة موضوعية، فهي تغدو إيديولوجيةً مشوهة، والارتباطُ بين النظرية واستقلال العمال ينتفي، حيث تتم السيطرة على العمال وتوجيههم الى مصالح البيروقراطية، وهم في عملهم الشاق يغدون غير قادرين على تحرير الماركسية من البيروقراطية، ووجود المثقفين الأحرار المميزين ينتفي، ولهذا كان إعدامُ المثقفين البارزين في المكتب السياسي البلشفي، لقطعِ العلاقة بين النظرية والعمال، وبين النظرية وتحليل الواقع. فيما استطاع الغرب المعادي أن يطور الماركسية عبر مفكرين أحرار مستقلين قدموا الثروة الفكرية المتطورة لهذه المدرسة، ولكن يظل إنتاجهم غير معروف ومحاصر.

في العالم الثالث تغدو العلاقات أصعب، وضخامة حجم البرجوازية الصغيرة أكبر، وهنا لا تتعرقل النظرية من فقدان الطبقات العاملة المترابطة فحسب بل ومن هيمنة الطوائف كذلك، ويمكن هنا أن ينقسم (الماركسيون) بحسب الطوائف، وتصبح هنا نقابية شيعية ونقابية سنية ونقابية مسيحية، فالعمال أنفسهم يعيشون بحسب وعيهم في زمنية الاقطاع، وتُطرح مهمات أكبر من مستوى وعيهم وظروفهم.

ولهذا فإن الأحزابَ الماركسية تصبح طوائف موالية لهذا المحور الطائفي القومي أو لذاك المحور الطائفي القومي، مع استمرار ضخ المادة الماركسية الصلبة من التاريخ السوفيتي!

إذا كانت الماركسية وجدت صعوبات هائلة في وجودها في الغرب الديمقراطي، وغدت أحزاباً أما تابعة للرأسماليات الشرقية الشمولية وأما انتهازيةً مؤيدة لرأسمالياتها الخاصة، وصعب عليها إنتاج معرفة موضوعية، وخلق سياسات شعبية تحولية، فكيف الأمر في التشكيلات السياسية الهشة في الشرق؟ وكيف كانت الأمور في هذا الشرق بأن تلتحق الجماعات السياسية المعارضة بدول شمولية كثيرة الكرم على الانتهازيين وبخيلة على شعوبها، وسرعان ما تمسح الطلاء الماركسي الوطني الزائف وتستبدله بالولاء الجديد ولا يحس العمال بالفروق وهم جماعات ريفية في أغلبهم لم يلتحقوا بنقابات إلا مؤخراً ولم يعرفوا الحياة السياسية الحديثة.

غدت الإصلاحات الوطنية وترابط الشعوب والطبقات وتطور الديمقراطية خارج البنى التقليدية مهمة لإعادة التطور الفكري المستقل ولتتطور المدارس الفكرية خارج هيمنات الدول.

صراعُ الإقطاعِ والبرجوازية العربي

يواجه العربُ كما حدث في أوروبا الغربية في زمن النهضة والثورة الصناعية الصراعَ بين الإقطاع والبرجوازية، بشكل أكثر تعقيداً وتأخراً.

صراع الإخوان والقوى الدينية ضد القوى التحديثية خاصة في تبلوره القوي في مصر وتونس، يعني صراعا جوهريا في تشكيلةٍ تقليدية محافظة لم يُحسم.

ورغم ان الإخوان من ضمن الفئات الوسطى، فإنهم جسدوا الإصرار على استمرار التشكيلة الإقطاعية المذهبية العربية.

الإقطاعُ في العالم العربي الإسلامي مختلفٌ عن الإقطاع الأوروبي، حيث تلعب الدولةُ الدورَ المركزي في التشكيلات المختلفة، فهي جهازُ السيطرة الذي يمثل الانتقال من الزمن العبودي العشائري الجاهلي إلى زمن الدولة الأموية وما بعدها، حيث لعبت الدولةُ الأموية شكلَ الانتقال الأولي إلى الإقطاع، وكانت ملكيةُ الأراضي الصوافي والخَراج والضرائب الأشكالَ الاقتصادية لهذه العلاقات الانتاجية التي تقوم الدولةُ فيها بدور مركزي حاسم.

ومهما كان شكلُ الدولِ واسعاً أو ضيقاً، مركزياً أم لا مركزياً، فإن علاقات الانتاج تظل هي نفسها.

وهذه العلاقات الاقتصادية تشكلُ علاقات اجتماعيةً دينية مرتبطة بها ارتباطاً قوياً، فالذكورية المسيطرة والقَبلية تكرس نفسها في الفقه الذي يقننُ تلك العلاقات الاقتصادية والاجتماعية المتداخلة. فهو إذا يقبلُ بخراج السلطة والهيمنة على الأراضي المختارة وعلاقات الزواج، فإنه يدعم تبعية القبائل والأسر والرجال للنظام السائد.

الذكورية المسيطرة واستغلال الفلاحين والنساء والحِرفيين تبقى هي العلاقات الاجتماعية المستمرة، فيما يتغير الحكامُ وتتبدل أشكالُ الدول، وتُحاصر الفئاتُ الوسطى وتغدو ذيليةً للدول مُجهضةَ للعلوم والآداب، لا تستطيعُ أن تؤسسَّ حداثةً ديمقراطية وتبقى في الأشكال الفكرية التقليدية، وتغدو الصراعاتُ الاجتماعية طائفيةً دينية، تحولُ تغييرَ العلاقات المتخلفة إلى صراعٍ ديني وطائفي، فتغرقُ أشكالُ الدولِ في التمزق والجمود.

وهكذا فإن برامجَ الإخوان اعتمدت على استمرارية الإقطاع الطائفي وملكية الأرض الكبيرة وسيادة الرجال الأغنياء عبر تكريس الخلافة أو بدائلها المحلية الراهنة، فأميرُ الجماعة هو الخليفة الذي يكرسُ تلك العلاقات المحافظة القديمة: الهيمنات المتعددة على النساء والفلاحين والعامة والثقافة الدينية النصوصية، إنها حجرُ الزاوية في التقليدية الطائفية، حيث توافق على تطور العلاقات الرأسمالية خارج هذه الحدود ولا تسمح لها باختراقها.

ولكن للحفاظ هذه السيطرة على البناء الاجتماعي التقليدي لا بد من السيطرة على جهاز الدولة، فتغدو رأسمالية الدولة من العهد السابق موجهةً للحفاظ على تلك البُنية الاجتماعية، ولأن رأسمالية الدولة هي مؤسسات اقتصادية كبرى فإنها تُوظفُ لما لا يغير البناء الاجتماعي التقليدي، وتغدو أدلجةَ الشريعة كما كانت في السابق هي الحفاظ على الأحكام الفقهية المؤيدة لصالح سيطرات الرجال التقليدية المطلقة في الأسرة ولا يحدث تحول جوهري عن الأنظمة السابقة المُدعِّية بأنها نهضوية وقومية لأن الطابع الإقطاعي المحافظ كان في عمقها، فأشكالُ الدول تتغير، ولكن يبقى جوهر طابع السيطرة الاستغلالية الأبوية والبيروقراطية والثقافة غير العقلانية هو نفسه.

ولهذا فإن صراع البرجوازية العربية ضد الإقطاع لم يتعمق، بسبب غياب المُلكيات الخاصة الواسعة الصناعية، حيث تتوجه المُلكيةُ الصناعية وعبر انتشارها الواسع لجلبِ النساء للصناعة والتجذر في الأرض والواقع وبتغير طابعِ المُلكية العقارية الزراعية نحو التصنيع وتتحول الثقافة مواكبةً لتفجر التصنيع والمعاهد العلمية التطبيقية ويتحول طابعُ العمال الحِرفيين وغير المتمركزين إلى المصانع الكبرى، وهذه التحولات لم تسمح بها الأنظمةُ الرأسماليةُ الحكومية السابقة، التي هي امتدادٌ جوهري لدولة الخلافة في بلد واحد.

إن طبيعة مُلكية الإخوان الصغيرة والحِرفية والعقارية والخدماتية والمصرفية تؤدي إلى عقليةٍ غير علمية وغير مطورةٍ للنص الإسلامي نحو التحديث والثورة الصناعية العلمية، مثلما كان وعي المعتزلةِ والفقهاء والفلاسفة التقليديين في عصر الخلافة.

تسلقُ البرجوازية الصغيرةِ الديني

في زمنيةِ الرأسماليات الحكومية القومية (الاشتراكية) كان تسلق البرجوازيات الصغيرة على أساس الشعارات اليسارية التوحيدية، حيث كانت الأنظمة بحاجةٍ لتوحد شعبي واسع من أجل بناء البُنى التحتية.

لكن التسلق على ظهور العمال والفلاحين عبر رفع شعاراتهم لم يؤدِ لتغييرٍ كبير في حياة هؤلاء العاملين. والبرجوازيات الصغيرة العسكرية من ضباط وموظفين ومثقفين اغتنى بعضُها وفرشتْ الأرض الاقتصادية السياسية لرأسمالياتٍ نصف ليبرالية وفوضوية في أغلب نماذجها، ولم تخلُ من القبضة الحديدية، ارتفعتْ فيها جماعات حكومية إلى مصاف النبلاء وتهدمت فيها شعارات الجمهورية والاشتراكية.

وحين أفلستْ شعاراتُ القومية والاشتراكية الحكومية الشمولية ظهرتْ البرجوازياتُ الصغيرة بديكوراتٍ جديدة هي الديكوراتُ الدينية.

لم تستطع أنظمةُ الرأسمالية الحكومية إزالةَ الإقطاع، وأدت فوائضُ النفط الوفيرةِ التي جرتْ في البلدان الصحراوية إلى إنعاش الإقطاع الديني مجدداً حيث سال لعابُهُ من التحول الجديد.

وهو إنعاشٌ غذى الشركات المالية والنصوصية الدينية وعودة الأساطير الخرافية للطائفيين السياسيين.

فجأة ظهرت دعاوى الإيمان وحجَّ اليساريون المتطرفون الذين كانوا يزعمون أن الإسلامَ دين وثني، وتحول آخرون لفتح المكتبات الدينية يستوردون الكتب والأشرطة الصفراء يعيدون الجمهور بها للعصور الوسطى.

وفيما كانت بعض المكتبات تزخر بالمؤلفات الإنسانية الأدبية والعلمية صارت على كل الواجهات الكتب الدينية المطبوعة في مطابع حكومية.

وفجأة اختفت الفروق بين التنظيمات الوطنية العلمانية والتنظيمات السياسية الطائفية.

وتبدل المروجون للسياحة والمشروبات الكحولية كذلك إلى مروجين للتدين وطاعة ولي الأمر والاقتداء بالسلف الصالح، مثلما يكتشف قادةُ بعض الفصائل أهمية اللحى لمنع انتشار الجراثيم في الذقون.

الترويج للجماعات الطائفية السياسية من قبل هذه المجموعات التي انهار وعيها النضالي الديمقراطي الحديث جاء في أعقابِ ظهور قطبي الصراع السني والشيعي في المنطقة حيث يزخلا كللا قطب ماكينته الطائفية بالمواد المطبوعة والمروجين المتنقلين بين الجمهور بشكل مكشوف أو مقنع ثم صارت الفضائيات والوسائط الحديثة تغذي بشكلٍ هائل نقل التخلف والعداوات بين المسلمين.

عودةُ الإقطاعِ أو استمراره في البلدان الصحراوية والقروية النفطية قبل البلدان العربية الحكومية العسكرية المتجهة للأزمة ، هو بسبب عدم تحولاتها مثل البلدان الأخرى العسكرية التي أجرت ضربات أكبر للحياة التقليدية، فجاء تأخرُها الفكري السياسي بسببِ عدم وجود فئات وسطى وعمالية تحديثية واسعة، فكانت أشكالُ الوعي والثقافة غيرُ منتشرة بتوسع بين الجماهير، فيسهلُ خداعها من خلال بعض الشعارات واستثمار تقاليدها وإرثها وجرها للنشاط السياسي العنفي الكامن أو الظاهر، كما أن جذورَ المنظمات الطائفية السياسية واعتبار هذه البلدان مركز الهروب للجماعات الدينية، كل هذا جرّ جماهير هذه البلدان للحراك السياسي الجماهيري الفوضوي.

ولهذا فإن الجماعات البرجوازية الصغيرة المتذبذبة بطبيعتها وعدم رسوخ الرؤى التقدمية والديمقراطية داخلها تنجرلا للسائد دائماً، ولكن قفزة هائلة من الاشتراكية والقومية والحداثة إلى الطائفية وثقافة الإقطاع كانت مفضوحة.

ضخ الأنظمة لجزء من ثروات البلدان لهذه الجماعات وتوسيعها وهي الواسعة أصلاً كجزء من بُنى الحرف ومعامل ومصانع المواد الأولية التي تغدق الفوائض على القوى المتنفذة نظراً لعدم وجود أسلوبِ إنتاج وطني متجذر يغذي مختلف الطبقات، يؤدي لتحولات الفوضى والانقلابات الخطرة على التطور.

وهكذا تنقلبُ تنظيمات كانت تتعيش على التسول من الأنظمة إلى أن تكون عدوة لها وتجد سببيات واهية للفوضى السياسية، وتتحالف مع تنظيمات يسارية كانت تعتبرها لوقت سابق قصير ملحدةً خطرةً على الإسلام!

اللاعقلانيةُ والذاتيةُ والمصالح العابرة وانتهاز الفرص والتلاعب بالمذاهبِ والأديان والقيمِ والركوب على ظهور الجماهير غير الواعية وعدم خلق التراكمات التحديثية بصبر وحكمة وبإقناع للشعب وكل هذا لكي تصبحُ هي في مركز الزعامة والسيطرة ويتفق معها أناسٌ لهم مثل هذا الطموح الذاتي وعدم التجذر في المصالح والمبادئ العامة.

إستخدم العلمانيون المرتدون نفس طرق الكهنوت في استغلال الدين وإفراغه من مضمونه النضالي وتأجيره للقوى الاستغلالية للهيمنة على الناس بدلاً من الانتاج العقلاني التحديثي.

بروليتاريا رثةٌ: برجوازيةٌ ضعيفة

تترابط طبقتا الانتاج الحديث البرجوازية والعمال في بناءٍ إقتصادي إجتماعي متداخل، ورغم أن الطبقة المالكة لوسائل الانتاج تعمل على تخفيض الأجور بشكل دائم، والأخرى على رفعها، إلا أن الصراع والتعاون يتطلب النمو المشترك في ظروف كل من الطبقتين ودون ذلك يعني بقاء أساليب ما قبل الرأسمالية متغلغلة مؤثرة معيدةً التاريخ للوراء.

لقد بينت التجارب الغربية الترابط الوثيق بين المكونين رغم التباين الكبير في مستويات المعيشة، وبقاء فرص المغامرات الاقتصادية لدى المالكين. لكنهم لا يستطيعون السيطرة الكلية على البناء الاقتصادي.

فعلى مسار تطورهما الذي يتحدد بمدى تقدم وسائل الانتاج والعلوم ومستوى الحياة الاجتماعية تتقدم عملياتُ تغيير التخلف وازدهار نمو الطبقات المختلفة.

ولم يستطع العالم العربي خلال القرن الماضي أن يتقدم في هذا الأسلوب عميقاً، لدور الفئات الصغيرة والعليا الارستقراطية كذلك في عرقلة تنامي هذا التطور وإتخاذها الدور الوسيط المتذبذب، وفتحها المجالات للأشكال ما قبل الرأسمالية وغير المنتجة في التنامي وعدم قراءاتها للواقع الموضوعي.

لهذا نلاحظ الطبيعة الاجتماعية الاقتصادية الضعيفة للطبقتين المنتجتين، فقد إنتشرت فئات العمال متدنية الأجور، وسادت مصانع العمالة غير الكثيفة في القطاعات الخاصة، ومصانع المواد الخام المُهيمَّن عليها حكومياً والمؤدية للرأسمالية الحكومية وهيمنة البيروقراطية وهروب الفوائض للخارج.

فقامت هذه القوى بإستقدام العمال الريفيين من الداخل والخارج، للحفاظ على أجور متدنية، وينعكس ذلك أيضاً في معيشة العمال حيث المساكن الصغيرة أو الجماعية الرثة، وإستمرار العائلة الممتدة، وعمل النساء المنزلي الواسع، وتصاعد ظاهرات الهجرة، وتوجه الفوائض الاقتصادية نحو الأشكال الرأسمالية غير الانتاجية للحصول على الأرباح السريعة، وهذه الأشكال لا تحتاج لعمال متطورين، وكذلك أستمرت هيمنة العمل اليدوي معبرة تخلف قوى الانتاج، مما يؤدي إلى إستمرار البنية الاقتصادية الاجتماعية المتدنية.

كما أن سيادة هذه الأشكال من الرأسمالية غير المنتجة يزعزعُ الأشكالَ المنتجة، فتتدهور المُلكية الزراعية الانتاجية، عبر تحويل الأراضي الزراعية للبناء، وتنهار الحِرف، وتتدهور أسعارُ المواد الزراعية عامة، مما يدهور حياة الأرياف ويُحدث هجرات إلى المدن، وخلق عروض واسعة من القوى العاملة الرخيصة، الأمر الذي يؤدي لمزيد من تدهور أسلوب إنتاج المواد الخام الراهن.

سيادةُ العمال الزراعيين والمهاجرين والعاطلين والاعتماد على المواد الخام المركزية، يضعفُ الرساميلَ الاقتصادية الصناعية والمنتجة، ويخلق فوضى إجتماعية فكرية سياسية في المجتمعات تتصاعدُ على مر السنين، بأشكالٍ غير ملاحظة بدقة عبر بقاء مستويات الأجور المحدودة والعيش الضيق وضعف التعليم والأمية وتدهور الثقافة العقلانية.

الجمهورُ العامل المتخلف المنهمر على المدن ينقل مستويات وعيه وعاداته مما يؤدي للارتداد التاريخي للوراء، وهو أمرٌ يتداخل مع تدهور الوعي الديني وتصاعد الخطابات النصوصية غير العقلانية والطائفية، عبر المؤسسات العبادية المتاحة والمتداخلة مع الكثافة البشرية المأزومة.

فيما تُحاصرُ البرجوازية الخاصة الصناعية، ويغدو الرأسمال الصناعي في المستويات الدنيا من أشكالِ رأس المال، حيث تتغلب الأشكال المالية والعقارية والتجارية، وهي أشكالٌ لا تتجذر في الأرض، وليس فيها نسبة المخاطرة والتعامل مع مواد الجغرافيا المحلية وكنوز الأرض والبحر وتصعيد الاكتشاف لها وتنمية عناصرها والارتباط الوثيق القوي بالعلوم الوطنية.

كذلك فإن الشكلَ الصناعي الخاص من رأس المال يغدو مُحاصَراً من القوى الرأسمالية العالمية الكبرى التي تدفقُ منتجاتِها المختلفة، المتطورة، وتقيمُ التحالفات مع الأشكال الأخرى من رأس المال، وتستوعب فوائضها لبلدانها.

لهذا تغدو الرأسماليات الحكومية المنتجة للمواد الخام هي الشكلُ التابعُ للرأسماليات العالمية غير المُنافس، وغير المؤدي لتحولات صناعية كبرى تقوم بإستيعاب العمال الكثيرين الضائعين في الأسواق، مما يعمق الأزمات الاقتصادية الاجتماعية مع تدفق المواليد الذين يتكاثرون خاصة في الأرياف والبوادي، وهي أمور تتواكب مع تدهور الوعي الجماهيري.

مع الغياب الواسع للبرجوازية الصناعية والعمال الصناعيين، وتدهور أشكال الوعي الاجتماعي، يتوسع حضور القوى السياسية غير المعتمدة على العلوم وقراءات الواقع ورؤية التطور الموضوعي المأزوم وتصويبه، فتظهر المشروعاتُ السياسية التجريبية ومشروعاتُ التبعية، ومشروعات الرأسماليات الحكومية البيروقراطية المتدهورة المؤدية لتفاقم الأزمات العامة.

البرجوازيةُ الصغيرة والمدارسُ الفكرية

يقوم أفرادٌ متميزون من الفئات البرجوازية الصغيرة بتبني طموحات الطبقات المنتجة، كما فعل التنويرون كروسو وفولتير بتبنى آفاق تطور البرجوازية، لكن التشكيلةَ الرأسمالية كانت قد صعدتْ في بعضِ الأقطار الغربية الرئيسية، وإنكشفتْ العديدُ من مشكلاتها، ولهذا فإن أفراداً متميزين آخرين تجاوزوها وعبروا عن الطبقات العاملة، لكن هذه الطبقات كانت بلا تراكم فكري مثل البرجوازية، ولهذا فإن هؤلاء الأفرادَ من البرجوازية الصغيرة يطرحون مناهجهم السابقة عبر المادية ويراكمون ثقافةً لهذه الطبقات البسيطة الوعي والتي لا تملكُ الفرصَ لانتاج ثقافة، وهي تترابطُ مع نتاجات هؤلاء عبر الطلائع فيها، أي من يمتلكون الوعي والحماس والوقت خارج العمل الشاق لربطِ نتاجات المتنورين المتحولين لثوريين إلى صفوف العمال، حينئذ يبدأ الأفرادُ المتنورون بالانفصال عن تراثِ فئاتهم ويغربلون ما كتبوه سابقاً وينقدوه.

لهذا سنجدُ كتابات ماركس الهيغلية تتخلى عن طابعها التجريدي المثالي، لتغدو ماديةً آلية في البدايات، ثم تنصهرُ أكثر في الجدل، ورومانسيةُ الثورةِ العمالية المطيحة بالاستغلال دفعةً واحدةً تتشكلُ واقعياً عبر نضال إشتراكي ديمقراطي طويل الأمد والبناءُ الديمقراطي والدراساتُ الموضوعية تعطي النظريةَ حياة برهانيةً ومعرفةً بقوانين البنيةِ الأولية في البلد الواحد، وهو الأمرُ الذي أستغرق عقوداً، دون أن تكتملَ حتى قراءة البلد الواحد لمصيرِ التشكيلة في سياق العالم، لكون القراءة تاريخية متقطعة، خاصةً مع رحيل الأفراد المؤسسين ذوي الخبرة الطويلة، الذين يسلمون أوليةَ النظرية لبرجوازيين صغار جدد كلاسال وقيادة عمالية أكثر وعياً وصلابة.

الانتقالُ من نشاطِ البرجوازية الصغيرة إلى أجيالٍ من الطبقة العاملة بسبب مستوى القواعد الاقتصادية والسياسية والثقافية لبلد متطور ديمقراطياً بصعوبات كبيرة مثل ألمانيا يختلفُ في سياقهِ التاريخي عن روسيا المتجمد في الدكتاتوريات، فهنا في روسيا إحتاج إنتقال النظرية من البرجوازية الصغيرة للعمال أ للكثير من العقود ولا زال مضطرباً!

إن الأفراد المناضلين المغيرين للنظام القيصري عاشوا في ظروف الشمولية ولم تحصل النظرية على الظروف الديمقراطية ونضال العمال المستقل، ولهذا فإن الرومانسية بسحق الطبقات كلفتْ كثيراً، فيما كانت الطبقات الاستغلالية تظهرُ من خلال الدعوات(الماركسية).

إن الأفكار الثورية المرتبطة بالانعطافات التاريخية معروفة على مر التاريخ، ولكن ما هو مميز في الماركسية أنها غدت إنعطافةً كبرى مختلفة في التاريخ البشري، فقد كشفتْ أساليبَ الانتاج ولم يعد التاريخ مبهماً، ولكن مع هذا فإن الطبقات الاستغلالية تعقبُ المراحلَ الثورية، وتصبح النظريةُ في وجودها الحر عند أفراد متطورين فكرياً وسياسياً صعبة، فالنظريةُ تمتلكها الطبقاتُ الاستغلاليةُ وتمنعُ حراكَها الحر الحافر في الواقع، وإنتاج معرفة موضوعية، فهي تغدو إيديولوجيةً مشوهة، والارتباطُ بين النظرية وإستقلال العمال ينتفي، حيث تتم السيطرة على العمال وتوجيههم لمصالح البيروقراطية، وهم في عملم الشاق يغدون غير قادرين على تحرير الماركسية من البيروقراطية، ووجود المثقفين الأحرار المميزين ينتفي، ولهذا كان إعدامُ المثقفين البارزين في المكتب السياسي البلشفي، لقطعِ العلاقة بين النظرية والعمال، وبين النظرية وتحليل الواقع. فيما إستطاع الغرب المعادي أن يطور الماركسية عبر مفكرين أحرار مستقلين قدموا الثروة الفكرية المتطورة لهذه المدرسة، ولكن يظل إنتاجهم غير معروف ومحاصر.

في العالم الثالث تغدو العلاقات أصعب، وضخامة حجم البرجوازية الصغيرة أكبر، وهنا لا تتعرقل النظرية من فقدان الطبقات العاملة المترابطة فحسب بل ومن هيمنة الطوائف كذلك، ويمكن هنا أن ينقسم (الماركسيون) حسب الطوائف، وتصبح هنا نقابية شيعية ونقابية سنية ونقابية مسيحية، فالعمال أنفسهم يعيشون حسب وعيهم في زمنية الاقطاع، وتُطرح مهمات أكبر من مستوى وعيهم وظروفهم.

ولهذا فإن الأحزابَ الماركسية تصبح طوائف موالية لهذا المحور الطائفي القومي أو لذاك المحور الطائفي القومي، مع إستمرار ضخ المادة الماركسية الصلبة من التاريخ السوفيتي!

إذا كانت الماركسية وجدت صعوبات هائلة في وجودها في الغرب الديمقراطي، وغدت أحزاباً أما تابعة للرأسماليات الشرقية الشمولية وأما إنتهازيةً مؤيدة لرأسمالياتها الخاصة، وصعب عليها إنتاج معرفة موضوعية، وخلق سياسات شعبية تحولية، فكيف الأمر في التشكيلات السياسية الهشة في الشرق؟ وكيف كانت الأمور في هذا الشرق بأن تلتحق الجماعات السياسية المعارضة بدول شمولية كثيرة الكرم على الانتهازيين وبخيلة على شعوبها، وسرعان ما تمسح الطلاء الماركسي الوطني الزائف وتستبدله بالولاء الجديد ولا يحس العمال بالفروق وهم جماعات ريفية في أغلبهم لم يلتحقوا بنقابات إلا مؤخراً ولم يعرفوا الحياة السياسية الحديثة.

غدت الاصلاحات الوطنية وترابط الشعوب والطبقات وتطور الديمقراطية خارج البنى التقليدية مهمة لإعادة التطور الفكري المستقل ولتتطور المدارس الفكرية خارج هيمنات الدول.

البرجوازية الصغيرة والتشيكلات والمراحل

يقوم أفراد متميزون من الفئات البرجوازية الصغيرة بتبني طموحات الطبقات المنتجة، كما فعل التنويرون كروسو وفولتير بتبنى آفاق تطور البرجوازية، لكن التشكيلة الرأسمالية كانت قد صعدت في بعض الأقطار الغربية الرئيسية، وإنكشفت العديد من مشكلاتها، ولهذا فإن أفراداً متميزين تجاوزوها وعبروا عن الطبقات العاملة، لكن هذه الطبقات كانت بلا تراكم فكري مثل البرجوازية، ولهذا فإن هؤلاء الأفراد من البرجوازية الصغيرة يطرحون مناهجهم السابقة على المادية ويراكمون ثقافة لهذه الطبقات البسيطة الوعي والتي لا تملك الفرص لانتاج ثقافة، وهي تترابط مع نتاجات هؤلاء عبر الطلائع فيها، من يمتلكون الوعي والحماس والوقت خارج العمل الشاق لربط نتاجات المتنورين المتحولين لثوريين إلى صفوف العمال، حينئذ يبدأ الأفراد المتنورون بالانفصال عن تراث فئاتهم ويغربلون ما كتبوه سابقاً وينقدوه.

لهذا سنجد كتابات ماركس الهيغلية تتخلى عن طابعها التجريدي المثالي، لتغدو مادية آلية في البدايات، ثم تنصهر أكثر في الجدل، ورومانسية الثورة العمالية المطيحة بالاستغلال دفعةً واحدةً تتشكل واقعياً عبر نضال إشتراكي ديمقراطي طويل الأمد والبناءُ الديمقراطي والدراساتُ الموضوعية تعطي النظريةَ حياة برهانيةً ومعرفةً بقوانين البنية الأولية في البلد الواحد، وهو الأمرُ الذي أستغرق عقوداً، دون أن تكتمل حتى قراءة البلد الواحد، لكون القراءة تاريخية متقطعة، خاصة مع رحيل الأفراد المؤسسين ذوي الخبرة الطويلة، الذين يسلمون أولية النظرية لبرجوازيين صغار جدد كالاسال وقيادة عمالية أكثر وعياً وصلابة.

الانتقال من نشاط البرجوازية الصغيرة إلى أجيال من الطبقة العاملة بسبب القواعد الاقتصادية والسياسية والثقافية لبلد متطور ديمقراطياً بصعوبات كبيرة مثل ألمانيا يختلف في سياقه التاريخي عن روسيا المتجمد في الدكتاتوريات، فهنا إنتقال النظرية من البرجوازية الصغيرة للعمال أحتاج للكثير من السنوات ولا زال مضطرباً!

إن الأفراد المناضلين المغيرين للنظام القيصري عاشوا في ظروف الشمولية ولم تحصل النظرية على الظروف الديمقراطية ونضال العمال المستقل، ولهذا فإن الرومانسية بسحق الطبقات كلفت كثيراً، فيما كانت الطبقات الاستغلالية تظهر من خلال الدعوات(الماركسية).

إن الأفكار الثورية المرتبطة بالانعطافات التاريخية معروفة على مر التاريخ، ولكن ما هو مميز في الماركسية أنها غدت إنعطافة مختلفة في التاريخ البشري، فقد كشفت أساليب الانتاج ولم يعد التاريخ مبهماً، ولكن مع هذا فإن الطبقات الاستغلالية تعقب المراحل الثورية، وتصبح النظريةُ في وجودها الحر عند أفراد متطورين فكرياً وسياسياً غير ممكنة، فالنظرية تمتلكها الطبقات الاستغلالية وتمنع حراكها الحر الحافر في الواقع، وإنتاج معرفة موضوعية، فهي تغدو إيديولوجية مشوهة، والارتباط بين النظرية وإستقلال العمال ينتفي، حيث تتم السيطرة على العمال وتوجيههم لمصالح البيروقراطية، وهم في عملم الشاق يغدون غير قادرين على تحرير الماركسية من البيروقراطية، ووجود المثقفين الأحرار المميزين ينتفي، ولهذا كان إعدام المثقفين البارزين في المكتب السياسي، لقطع العلاقة بين النظرية والعمال، وبين النظرية وتحليل الواقع.

في العالم الثالث تبدو العلاقات أصعب، وضخامة حجم البرجوازية الصغيرة أكبر، وهنا لا تتعرقل النظرية من فقدان الطبقات العاملة المترابطة فحسب بل ومن هيمنة الطوائف كذلك، ويمكن هنا أن ينقسم (الماركسيون) حسب الطوائف، وتصبح هنا نقابية شيعية ونقابية سنية ونقابية مسيحية، فالعمال أنفسهم يعيشون حسب وعيهم في زمنية الاقطاع، وتُطرح مهمات أكبر من ظروفهم.

ولهذا فإن الأحزاب الماركسية تصبح طوائف موالية لهذا المحور الطائفي القومي أو لذاك المحور الطائفي القومي، مع إستمرار ضخ المادة الماركسية الصلبة من التاريخ السوفيتي!

إذا كانت الماركسية وجدت صعوبات هائلة في وجودها في الغرب الديمقراطي، وغدت أحزاباً أما تابعة للرأسماليات الشرقية الشمولية وأما إنتهازية مؤيدة لرأسمالياتها الخاصة، وصعب عليها إنتاج معرفة موضوعية، فكيف الأمر في التشكيلات السياسية الهشة في الشرق؟ وكيف كانت الأمور في هذا الشرق بأن تلتحق بالجملة بدول شمولية كثيرة الكرم على الانتهازيين وبخيلة على شعوبها، وسرعان ما تمسح الطلاء الماركسي الزائف وتستبدله بالولاء الجديد ولا يحس العمال بالفروق وهم جماعات ريفية في أغلبهم لم يلتحقوا بنقابات إلا مؤخراً ولم يعرفوا الحياة السياسية الحديثة.

تسلقُ البرجوازية الصغيرةِ الديني

في زمنيةِ الرأسماليات الحكومية القومية(الاشتراكية) كان تسلق البرجوازيات الصغيرة على أساس الشعارات اليسارية التوحيدية، حيث كانت الأنظمة بحاجةٍ لتوحد شعبي واسع من أجل بناء البُنى التحتية.

لكن التسلق على ظهور العمال والفلاحين عبر رفع شعاراتهم لم يؤدِ لتغييرٍ كبير في حياة هؤلاء العاملين. والبرجوازيات الصغيرة العسكرية من ضباط وموظفين ومثقفين إغتنى بعضُها وفرشتْ الأرض الاقتصادية السياسية لرأسمالياتٍ نصف ليبرالية وفوضوية في أغلب نماذجها، ولم تخلُ من القبضة الحديدية، إرتفعتْ فيها جماعات حكومية إلى مصاف النبلاء وتهدمت فيها شعارات الجمهورية والاشتراكية.

وحين أفلستْ شعاراتُ القومية والاشتراكية الحكومية الشمولية ظهرتْ البرجوازياتُ الصغيرة بديكوراتٍ جديدة هي الديكوراتُ الدينية.

لم تستطع أنظمةُ الرأسمالية الحكومية إزالةَ الإقطاع، وأدت فوائضُ النفط الوفيرةِ التي جرتْ في البلدان الصحراوية إلى إنعاش الإقطاع الديني مجدداً حيث سال لعابُهُ من التحول الجديد.

وهو إنعاشٌ غذى الشركات المالية والنصوصية الدينية وعودة الأساطير الخرافية للطائفيين السياسيين.

فجأة ظهرت دعاوى الإيمان وحجَّ اليساريون المتطرفون الذين كانوا يزعمون أن الإسلامَ دين وثني، وتحول آخرون لفتح المكتبات الدينية يستوردون الكتب والأشرطة الصفراء يعيدون الجمهور بها الجمهور للعصور الوسطى.

وفيما كانت بعض المكتبات تزخر بالمؤلفات الإنسانية الأدبية والعلمية صارت على كل الواجهات الكتب الدينية المطبوعة في مطابع حكومية.

وفجأة إختفت الفروق بين التنظيمات الوطنية العلمانية والتنظيمات السياسية الطائفية.

وتبدل المروجون للسياحة والمشروابات الكحولية كذلك إلى مروجين للتدين وطاعة ولي الأمر والاقتداء بالسلف الصالح، مثلما يكتشف قادةُ بعض الفصائل أهمية اللحى لمنع إنتشار الجراثيم في الذقون.

الترويج للجماعات الطائفية السياسية من قبل هذه المجموعات التي إنهار وعيها النضالي الديمقراطي الحديث جاء في أعقابِ ظهور قطبي الصراع الحكوميين السني والشيعي في المنطقة حيث يزخُ كلُ قطب ماكينته الطائفية بالمواد المطبوعة والمروجين المتنقلين بين الجمهور بشكل مكشوف أو مقنع ثم صارت الفضائيات والوسائط الحديثة تغذي بشكلٍ هائل نقل التخلف والعداوات بين المسلمين.

عودةُ الإقطاعِ أو إستمراره في البلدان الصحراوية والقروية النفطية قبل البلدان العربية الحكومية العسكرية المتجهة للأزمة ثم الانهيار، هو بسبب عدم تحولاتها مثل البلدان الأخرى العسكرية التي أجرت ضربات أكبر للحياة التقليدية، فجاء تأخرُها الفكري السياسي بسببِ عدم وجود فئات وسطى وعمالية تحديثية واسعة، فكانت أشكالُ الوعي والثقافة غيرُ منتشرة بتوسع بين الجماهير، فيسهلُ خداعها من خلال بعض الشعارات وإستثمار تقاليدها وإرثها وجرها للنشاط السياسي العنفي الكامن أو الظاهر، كما أن جذورَ المنظمات الطائفية السياسية وأعتبار هذه البلدان مركز الهروب للجماعات الدينية، كل هذا جرّ جماهير هذه البلدان للحراك السياسي الجماهيري الفوضوي.

ولهذا فإن الجماعات البرجوازية الصغيرة المتذبذبة بطبيعتها وعدم رسوخ الرؤى التقدمية والديمقراطية داخلها تنجرُّ للسائد دائماً، ولكن قفزة هائلة من الاشتراكية والقومية والحداثة إلى الطائفية وثقافة الإقطاع كانت مفضوحة.

ضخ الأنظمة لجزء من ثروات البلدان لهذه الجماعات وتوسيعها وهي الواسعة أصلاً كجزء من بُنى الحرف ومعامل ومصانع المواد الأولية التي تغدق الفوائض على القوى المتنفذة نظراً لعدم وجود أسلوبِ إنتاج وطني متجذر يغذي مختلف الطبقات، يؤدي لتحولات الفوضى والانقلابات الخطرة على التطور.

وهكذا تنقلبُ تنظيمات كانت تتعيش على التسول من الأنظمة إلى أن تكون عدوة لها وتجد سببيات واهية للفوضى السياسية، وتتحالف مع تنظيمات يسارية كانت تعتبرها لوقت سابق قصير ملحدةً خطرةً على الإسلام!

اللاعقلانيةُ والذاتيةُ والمصالح العابرة وإنتهاز الفرص والتلاعب بالمذاهبِِ والأديان والقيمِ والركوب على ظهور الجماهير غير الواعية وعدم خلق التراكمات التحديثية بصبر وحكمة وبإقناع للشعب وكل هذا لكي تصبحُ هي في مركز الزعامة والسيطرة ويتفق معها أناسٌ لهم مثل هذا الطموح الذاتي وعدم التجذر في المصالح والمبادئ العامة.

إستخدم العلمانيون المرتدون نفس طرق الكهنوت في إستغلال الدين وإفراغه من مضمونه النضالي وتأجيره للقوى الاستغلالية للهيمنة على الناس بدلاً من الانتاج العقلاني التحديثي وتطوير الوعي.

البرجوازية الصغيرة والطوائف

يمثل جسم فئات البرجوازية الصغيرة أغلب الأجسام الاجتماعية المتذبذبة بين الطبقات والتيارات في كل مرحلة، وليست مرحلتنا هذه بمغايرة في هذا.

في المرحلة السابقة كان الصراع بين الوعي الاشتراكي الحكومي من جهة والرأسمالية الخاصة المنكفئة من جهة أخرى، كانت الفئات الصغيرة الصاخبة تزايد على الاشتراكية وإزالة الطبقات الاستغلالية أو تطرحها بعقلانية مثالية فاقدة لأسس المادية التاريخية.

كانت رأسمالية الدولة بأقصى أشكالها في سحق المُلكية الخاصة هي ذاتها قفزة متطرفة، وهي ستقوم بهدم التحالف العقلاني الصراعي المنتظر والذي ومض في بداية القرن العشرين العربي بين البرجوازية والعمال لتحويل الأنظمة التقليدية التابعة، في ديمقراطيات متنامية.

لكن تطرف هذه المجموعات قطع الطريق على التدرج والتنامي الإصلاحي، مما خلق ثنائية الحرب الباردة التي كانت تحطيماً نارياً على القوى الديمقراطية المناضلة الصغيرة في أحشاء المجتمعات التقليدية النامية، وعلى الطبقتين المنتجتين العمالية والبرجوازية في الدول (الاشتراكية) الحكومية الشمولية.

وبعد أن إنقشع السراب الاشتراكي المتطرف عادت المجتمعات لمستويات إيديولوجية سياسية محافظة متطرفة في الرجعة للوراء كما كان تطرفها في القفزات إلى الإمام!

المجتمعات التي تطورت إقتصادياً وإجتماعياً بعض الشيء تراجعت للوراء كثيراً في الفهم الإيديولوجي للحياة والصراعات.

فما تستخدمه ليس هو الإسلام أو الاشتراكية أو الليبرالية، بل هو مصطلحاتٌ معلبةٌ وشعاراتٌ غير متجذرة في تُربٍ موضوعية، بل مسلوقة ونيئة، ومقدمة بأعداد هائلة صاخبة للجماهير.

وطريقة السلق هي واحدة في هذه المجموعات رغم مواقعها الإيديولوجية المتنافرة. فهي ترفض النمو المتدرج في بنى رأسمالية متخلفة شرقية واضحة القسمات، وتقدم تصوراً إيديولوجيا من خيالها الواسع، فبداية هي لا تقرأ هذه البنى الشرقية، بسبب أن مشاعرها الحادة وجملها الصاخبة ترفض الواقعَ الموضوعي، فهي تريد القفز لنموذجها الذي يقف كالعصفور على يدها، فالاشتراكية والإسلام والغرب المتطور هي بمتناول اليد عبر تدفق الجمهور العاطفي الساحق نحو الهدف المنشود العزيز، والذي سوف يتحقق بوثبات.

لكن ما هو الواقع الموضوعي؟ هذا لا يهم.

وحين فشل مشروع القفزة الاشتراكية الذي تأسس على حزب طليعي منهصر في التعبير عن الطبقة العاملة، حيث البرجوازية الصغيرة لا تعترف عملياً بصراع الطبقات، بل تفرض ذاتها في الجماعة فتغدو معبرة عن العمال، ولاتقبل بصراع الاتجاهات والديمقراطية، لأن الهدف في متناول اليد عبر التضحيات ولكن البرجوازية الصغيرة ستجد نفسها بلا عمالل وأنهم ذهبوا لغيرها!

الديمقراطيةُ البرجوازيةُ العماليةُ

إذا كان المصنعُ هو أساس الحياة الاقتصادية للمجتمع، فإن المستثمرين والعمال هم أساس تطوره الاجتماعي السياسي على مدى العصر الحديث حتى ينطفئ هذا الأسلوب تدريجياً.

هذه الضرورة لا تتكشف من أول وهلة بل عبر مجرى الزمن الاجتماعي الصراعي الطويل.

في البدايات لا يكون للعمال وجود إجتماعي سياسي، فهم كم مهمل، لكن الضرورات الاقتصادية وتطور الصناعة وإنتشار التعليم والوعي النقابي والسياسي، يجعل لهذه المجموعات المفتتة كيان طبقة بعد عقود طويلة.

أما الوجود السياسي وكونها طبقة مؤثرة ليس في المصانع فحسب بل في البرلمان والمؤسسات السياسية فهي مسائل تتعلق بمدى تطور الديمقراطية الاجتماعية السياسية في المجتمع: تغير طبيعة العائلة الكبيرة، وإنتشار الثقافة الموسوعية وسط العمال، وظهور العائلة العمالية المكثفة المتطورة، وتحول العمال اليدويين المستمر لعمال تقنيين وخبراء وعلماء، وهذا يتعلق بمجرى تطور الثورة العلمية التقنية.

زمنيةُ العمالِ اليدويين الأكثر تخلفاً تحددُ زمنيةَ البرلمانات التي تملأها البرجوازية وفئاتها المتعددة، في هذا الزمن لا يستطيع العمالُ فهمَ السياسة وتنتشر الأمية بينهم، هذه الزمنية تؤجج الأحقاد وإستعمال العنف من قبل فئات من العمال، وفي هذا الزمن النقابات ضعيفة والأحزاب الاشتراكية ذات نهج شمولي.

تتطور البرجوازية والعمال في مجرى الصراع التعاوني، فالأولى تقودُ تطور وسائل الانتاج، وتربط المصانع بمعاهد البحوث، وتطور العلوم المرتبطة بالانتاج، وهو أمر يقود لتوسع فهم العالم، وتنشأ فئاتُ العلماء المنفصلة عن الانتاج في بادئ الأمر، ثم تتغلغل العلومُ في المصانع وفي فئات العمال، فتتضاءل الشمولية وسط الطبقات العمالية وتغدو منتجة في الوعي السياسي الديمقراطي.

تعتمد تطورية البلدان على تطور المصانع وعلاقاتها بالعلوم والتقنية، ووجود الأسواق والمواد الخام، وتضيق الأسواق بشكل دائم فتتوسع البلدانُ الرأسمالية المندمجة مع بعضها البعض، مثلما يصبح العمال قوة إجتماعية قارية. ولهذا فإن أوربا الغربية تغدو أكثر ديمقراطية فيما يلعب الحجم الاقتصادي الضخم في الولايات المتحدة دوره في التوسع والاستعمار وخسارة الفوائض الاقتصادية على التسلح والحروب، ويبقى العمال فيها قوة غير مؤثرة على التطور الاقتصادي السياسي. ولهذا فإن أزماتها الأكبر في الطريق. الاعترافُ المتأخرُ بالعمال كقوة سياسية يخلف قوى الانتاج ويؤزم التطور سواءً في الغرب أو الشرق.

في بعض البلدان النامية ترتفعُ راياتُ العمال الحمراء والمتعددة الألوان كقوةٍ سياسية مجردة فالمستوى الاجتماعي المتخلف لهم والهيمنة السياسية الإيديولوجية الزائفة عليهم يجعلان الفئات الوسطى الصغيرة أو الارستقراطية أو الإقطاع تزيح الطبقتين المنتجتين وتتحكم في الفوائض، ويختنق التطور الاجتماعي السياسي الديمقراطي لعقود حتى يظهر مجدداً ويغدو العمالُ أكثر الخاسرين وتتشوه البناءات الاقتصادية: ضخامةٌ في الرساميل غيرِ المنتجة وتقزمٌ في المنتجة منها؛ سواءً كان ذلك بسبب البذخ أو التسلح أو التوجهات للأرباح السريعة، لكن السبب الأهم هو غياب الجدلية الصراعية التعاونية بين المستثمرين والعمال، وعدم تحول الديمقراطية لترشيد إقتصاد السوق نحو تطوير قوى الانتاج البشرية والمادية.

في البلدان النامية ضخامة أعداد العمال الهامشيين والعاطلين وغير المؤثرين في الحياة الاجتماعية، تعبيرٌ عن ضعف الانتاج، وإنهيار الانتاج القديم وعدم التمركز في المصانع وضعف صلاتها بالعلوم والتقنية، ولا توجد برجوازية صناعية هنا، بل فئات وسطى صغيرة تفتقدُ القدرة على تكوين الرساميل الصناعية ولهذا تكون ذات وعي ديني، حيث لم يندغم الوعي هنا بالعلوم وقراءة الطبيعة وتطوير العمال والمصانع.

الضرورات تكسرُ الأشكالَ الحِرفية الصغيرة، مثلما تتضخم رؤوس الأموال، ويتمركز العمال، وتتصل المصانع بالتقنيات والمعارف الحديثة، فيكرر الشرقُ مسارَ الغرب بصور أسرع، وتصبح القاراتُ السكانيةُ قادرةً على تجاوزه حين تطور صراع المستثمرين والعمال التعاوني الديمقراطي، فيصبح القرن الواحد والعشرين بدايات العصر البرجوازي العمالي العالمي المشترك المديد في القرون القادمة.

ثورةٌ تقودُها البرجوازية الصغيرة

هذا عنوانٌ كتبهُ الكاتبُ المصري الراحل ميشيل كامل في أعقاب النتائج الكارثية لحرب يونيو 1967، وكانت دراسةٌ مفصلية في الوعي العربي الراقد على مخدة الأحلام السياسية المتحولة لكوابيس، ونحن نستعيرُهُ هنا لكون الطبقة التجريبية الانتهازية ما زالت تلعبُ دوراً رئيسياً خطيراً ولكن من خلال وعي إيديولوجي مختلف شكلاً هو الشكل المذهبي السياسي.

هيمنةُ القوى العسكرية في المرحلة السابقة التي رفضتْ التراكمات الديمقراطية والعقلانية والعلمانية في الأنظمة المَلكيةِ التي ثارتْ عليها وأعلتْ المراهقةَ والمغامرة فأدخلتْ تلك البلدان في تجريبياتٍ حارقة.

وبعد حراك الأنظمة العسكرية خلال عقود نجدُ أن الُبنى الاجتماعية في تلك الأنظمة العربية ما زالت على نفس تركيبتِها الأساسية دون تغييرات عميقة، وإن جماعات الإخوان المسلمين لا تقدم تحولاً نوعياً ديمقراطياً، مثلها مثل ولاية الفقيه الإيرانية التي هي النظام العسكري الدكتاتوري الأخير في المنطقة العربية الإسلامية ولم يسقط حتى الآن كأشباهه من الأنظمة العسكرية العربية والإسلامية بسبب خلطه الأوراق التاريخية والدينية.

تتضح من الدراسات العربية المختلفة بأن الأنظمة العسكرية التي ثارت عليها الشعوبُ العربية لم تغير البُنى الاجتماعية بعد تلك العقود.

(.. إذا انتقلنا إلى توزيع المنشآت في الاقتصاد المصري طبقاً لفئات عدد المشتغلين، يُلاحظ أن الأغلبية العظمى من المنشآت(92%)،(إثنان وتسعون بالمائة) هي منشآت صغيرة الحجم أو متناهية الصغر، تستخدم من واحد إلى أربعة عمال، بينما المنشآت التي تستخدم من خمسة عمال إلى تسعة لا تزيد عن 6.2%(ستة واثنين من عشرة بالمائة) من جملة المنشآت، مما يدل على غلبة الانتاج السلعي الصغير في الاقتصاد المصري)، رأسمالية المحاسيب، د. محمود عبد الفضيل، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

لقد قامت القوى العسكرية خلال العقود السابقة بالاستحواذ على مصادر الثروة وكونتْ الرأسماليةَ الكبيرةَ البيروقراطية ولم تُعدْ الفوائضَ الكبرى للانتاج، فبقيت البُنى الاجتماعيةُ الاقتصادية في نفس التكوين السابق. ومن هنا فإن المصانعَ الكبرى لم تتحول إلى الخلية الاقتصادية الأساسية فتغيرُ طابعَ الاقتصاد المتخلف.

إن نسبة المنشآت الصغيرة والمتناهية الصغر تصل إلى 92% (اثنين وتسعين بالمائة) فيما المنشآت الكبيرة لا تشكل سوى 4% (أربعة بالمائة)، وهذه الأرقام تبين حجم الفئات البرجوازية الصغيرة الواسعة سواءً عبر المُلكيات الصغيرة الحِرفية والصناعية والتجارية الصغيرة أم حسب الموظفين والمثقفين الذين ينتمون إليها في مواقعهم الاقتصادية وبإنتماءاتهم الفكرية.

فهناك زحامٌ كبير من الفئات الصغيرة كذلك فإن سكان الريف أكبر من المدن وكذلك تغلغل الريفُ في الأحياء، وغدت الصناعاتُ الكبرى المحدودة تتوجه لفائض كبير يُستخدم كثيرٌ منه في البذخ، وإنتاج رأس المال العكسي أي يعودُ بالمجتمع للوراء.

هذه الأسباب كلها جعلت من القوى المذهبية السياسية منتشرة ومؤثرة بقوة على الطبقتين المنتجتين العمال والرأسمالية الصناعية.

ولهذا نجد حسب الاحصائيات المصرية إن عددَ الفئات الوسطى يتجاوز إحدى عشر مليوناً وأغلبها من الفئات غير الصناعية أي موظفين متوسطين وحرفيين وباعة وغيرهم، وهي فئاتٌ معسرة رغم كل شيء وتسعى بقوة نحو السلع المعمرة الأحدث طرازاً والغالية ولهذا حدثت الهجرة للخارج وتضخمت أعدادُ السيارات الحديثة وتصاعدت الدورُ الخاصة والفلل ونأت البرجوازية الكبيرة عن المدن الداخلية وأقامت أحياءها الخاصة ومدنها الخارجية وعزلتْ نفسَها بالرفاهية الكبيرة ولم تتواجد أحزابٌ واسعة قوية لها، وهذا ينطبق على العمال ولكن بشكل آخر معكوس، حيث ازدهرت المناطق السكنية العشوائية وتغرب العمالُ بالهجرة وفي العمل بالمنشآت الصغيرة ذات الأجور المحدودة والتي لا تشكلُ فيها نضاليةُ العمال درجةً عالية من التطور
هذه الظروف كلها جعلت من حراك الفئات الصغيرة المالكة العاملة، المترجرجة بين الأغنياء والفقراء، وبين المادية والمثالية، بين الديمقراطية والدين، بين بلدانها وبين الخليج، بين الثورة والثورة المضادة، بين العلمانية والاستبداد الديني، بين العقلانية والفوضى، أن تكون هذه الفئات هي الأوسع إنتشاراً والأقوى صوتاً.

إن الأرقامَ المستفادة من البنية الاجتماعية المصرية السابقة الذكر هي الأنشط عربياً في تسجيل تحولاتها الرقمية، وهي لا تعطينا لوحةً لكل بلدٍ عربي آخر، فالبلدانُ العربية تختلف في درجاتِ تطورها ولكن الجوانب الاجتماعية الهيكلية تتقارب، فالصناعاتُ الكبرى لم تستطع أن تعيد تشكيل السكان تشكيلاً حديثاً، والفئات الوسطى الصغيرة هي الغالبة، وهي مأزومة بحدة وتريد أن تقفز للثراء والسلطان دون أن تمتلك الأسس الموضوعية للتغيير العميق!

وبعد أن كانت تكويناتها السابقة المتقلبة المتذبذبة تصرخ من أجل الاشتراكيةَ وحكم العسكر صارت تبغي الحكم الديني الذي يسوسُ الناسَ كأسنانِ المشط!

لكن المقاومةَ التحديثية الديمقراطية العلمانية ليست سهلة، فقد راحت قوى كثيرة ترفضُ التجريبيةَ وعدم تحول البُنى الاجتماعية تحولاً عقلانياً متدرجاً مدروساً.

وكثير من هذه المقاومة من فئات أخرى هي من نفس الطبقة، وتفيدنا الأرقامُ المصرية السابقة في رؤية عدم وجود الكم الواسع الراسخ من الطبقتين المنتجتين ثمرتي الصناعة وقواها السياسية ذات الحضور الواسع ولهذا فإن التقلبات الحادة بل والعواصف والحروب الخطيرة تنتظرها.

إن التطور السياسي العاصف قاد إلى صعود قوى البرجوازية الصغيرة الطائفية المغامرة.

إن جوهر الأنظمة العسكرية السابقة أعتمد على قفزة هذه الطبقة على التطور الديمقراطي العلماني والقيام بمغامراتٍ سياسية كان اللبُ فيها هو الوصول للكراسي ونهب الثروة العامة.

فمع عدم وجود مصانع لديها وثروات قوية كان غرضُها الوصول إلى المؤسسات الرأسمالية العامة والأثراء عبرها، وقد نجحتْ في ذلك لكن هذا لم يؤدِ إلى الصناعات المتقدمة بل إلى إستمرار البنية الاقتصادية الاجتماعية المتخلفة كما رأينا عبر الأرقام المصرية حتى أنكهت الأنظمة وتعرضت للهزائم ثم للثورات أخيراً.

وتتطلب الظروف من القوى السياسية في بلدان الثورات العربية توقيف المغامرات السياسية والفوضى وتصعيد القوى المنتجة سياسياً وصناعياً، إلا أن نفس الطبقة المشكلة من التيارات البرجوازية الصغيرة الطائفية راحت تكرر نفس السياق السابق من الهيمنة الشمولية وعدم تكون الجبهات الوطنية المتعاونة في الحكم وعدم التوجه للخطط الاقتصادية الكبرى للتغيير الصناعي العلمي فيما تعجز القوى السياسية الأخرى عن التصدي لهذا السيناريو وتغييره حالياً.

التجريب وغياب الرؤية الفكرية وقطع العلاقة مع التجربة الديمقراطية العلمانية الإنسانية والاعتماد على وعي ديني طائفي محافظ ومشوش والقفز نحو المنافع الخاصة هي سماتها، وقد تصدت بعضُ الأنظمة المَلكية لتغلغل هذه الحركات داخلها وأوقفتها عبر طرح بذور الاقتراب من السمات الديمقراطية الوطنية العلمانية العقلانية السائدة في التجارب البشرية الحديثة.

إن الأنظمة الجمهورية العربية هي مجردُ شكل خارجي فارغ، والمهم هو سمات الحداثة المجسدة فيها والتي تنعكسُ في صعود الجمهور الحديث من طبقةِ عمال وطبقة وسطى صناعيتين مشاركتين في صنع الديمقراطية الوطنية، فوجودُ تنظيمات قائدة للدول من فئات وسطى صغيرة لا تقود الانتاج وليست لديها رؤية حديثة للديمقراطية وهي متذبذبة وطائفية يعني وضع الدول تحت التجريب الحارق.

ولهذا فنأي دول مجلس التعاون عن هذا الأعصار مفيد ولكن المشكلات والأخطار قائمة، حيث حاول الشكلُ الجمهوري الفوضوي للبرجوازية الصغيرة المغامرة أن يطلَ برأسه ويحدث الزوابع، ولكن أغلبية الجمهور في الخليج يعيش في وضع مختلف موضوعياً عن دول الربيع. ولكن لا بد من مقاربة سمات الحداثة وتحول الشيوخ لطبقة وسطى خاصة حرة تنأى بنفسها عن البيروقراطية وقيام التجار بدورهم الديمقراطي التحديثي القيادي، وتوطين وتعريب العمال وتعميق الصناعات المتطورة، والتدرج بالمؤسسات الديمقراطية لمواكبة هذه المضامين.

تكوينُ برجوازيةٍ هجينة

الحالمون بالأخاء والحرية والمساواة، وهي شعاراتُ الثورةِ الفرنسية المنقولة للثورات العربية، يعيشون في الوهم الاجتماعي.

لم تحقق الثورةُ الفرنسية ذلك إلا في نظام رأسمالي يقدم مساواةً قانونية فقط.

في عالم تشكل منذ القرن السادس عشر الميلادي غربياً فعالمياً يجري تكوين الطبقات الرأسمالية الحاكمة حسب طبيعة النظم وتطوارتها.

الإدارةُ العليا: المؤسساتُ السياسيةُ والبرلمانية والاقتصادية والثقافية للطبقاتِ التي تملك.

العمل في المصانع والخدمات وإنتاج العلوم والثقافة هي للعاملين باليد والذهن.

ثنائيةٌ إستمرتْ لملايين السنين ولا تتغير بشعارات ودخان سياسي وديني مرحلي.

ولهذا فإنه يجري في كلِ ثورةٍ خلط الأوراق وصنع الأحلام بالمساواة المطلقة وإختفاء مواقع من يملكون ومن يعلمون.

ليست الثورةُ الفرنسية في هذا إستثناءً. والثورةُ الروسية بلغتْ من هذه المساواة والأحلام الخيالية حداً هائلاً لم يسبق إليه أحد.

لكن حقائقَ الحياة الاقتصادية والاجتماعية هي غير ذلك، وتطرح القوى الصاعدةُ هذه الأحلامَ لحاجتِها لمن يعملون ولتضحياتِهم في الميادين والشوارع وفي المعامل، ثم حين تستوي أوضاع السلطات يكون الكلامُ شيئاً آخر.

الطبقاتُ المالكة ونصفُ الغنية والفئاتُ الطموحة التي تأمل عبر التغييرات السياسية الوصول للسلطات ولمواقع متقدمة في صنع القرار وإعادة تشكيل المؤسسات الاقتصادية لصالحها تصلُ بالشعارات لمدى هائل وتجعل القوى العاملة تتصور أن العالم وصل للقيامة وتكوين الجنان على الأرض، وكلها من أجل أن تضحي هذه القوى العاملة، وتُدخلُ في رؤوسِها مفاهيمَ ضبابيةً مثل أن كل البشر متساويين، وأن الثروة للجميع، وأن الثورة الراهنة ستحل كافة المشكلات.

لكن النظر الموضوعي يقول بأن هذه أوهام، وأن كل ثورة هي صراع بين المالكين، وأن على الطبقات العاملة المنتجة أن تكون حذرة، وأن تجعل تضحياتها وأنشطتها لتطوير أحوالها، وأن ترى الواقع الحقيقي للصراعات السياسية.

فما يجري في الثورات العربية هو صراعٌ بين أشكال من الرأسماليات داخلية وخارجية.

الرأسمالياتُ الحاكمة العامة في مواجهةِ رأسمالياتٍ خاصة، وأجنحةٌ من الرأسماليات العامة تتصارع مع بعضها البعض ومع قوى رأسمالية ريفية محافظة تريدُ تغييرَ الخريطة الاقتصادية المدنية لصالحها بشكل كبير وربما كلي.

الصراعُ الوهمي يجري في دوائر الأفكار والإيديولوجيات، بالقول بأن هؤلاء إسلاميين وأولئك علمانيين، وأن المعركةَ هي من أجل الفضيلة والخير والحق، وأن العلمانيين يريدون تخريبَ الدين، وهؤلاء يردون بأن الإسلاميين متخلفين رجعيين يهدمون الدولةَ العصرية.

فعلينا بالفرز والتحليل، فهؤلاء الدينيون القرويون يهجمون من أجل توسيعِ أملاكِهم والسيطرة على الشركات العامة مستخدمين جمهورهم الريفي والمتدينين في المدن، وأولئك التحديثيون المدنيون يصدونهم سواء كانوا أكثر تطرفاً أي أعضاء الأحزاب(الاشتراكية)المنهارة البيروقراطية، أم المتعاونين معهم من موظفين وأرباب عملٍ دخلوا معهم في أعمال مشتركة، أو أناس مناضلين يدافعون عن القطاع العام والمبادئ التحديثية وعدم إستغلال الدين في الصراع على الثروة الوطنية.

القوى المالكة والقريبة من الغنى سوف تتقارب بعد ذلك، والشعاراتُ المتألقةُ عن الدين والمبادئ الخالدة سوف تتبدل، وأصحابُ المصالحِ من هذه الفئات المختلفة المتصادمة على الدرب السريع لتكوين الرأسمالية الوطنية الجديدة، ستبعدُ الضحايا والمشاركين من الطبقات العاملة، وستدخلُ في صفقاتِ الطبقة الجديدة التي ستغدو قدمٌ لها في القرية وقدمٌ لها في المدينة، قدمٌ في التراث وقدم في الحداثة، وقدمٌ في المُلكية العامة وقدم في المُلكية الخاصة، وقدم في الدستور وقدم في السيطرة الشمولية.

فيما الطبقاتُ العاملة التي حطمَ بعضُها الأملاكَ العامة وأدى توقفه عن العمل ومشاركته في المظاهرات المليونية لضعف الاقتصاد، ستدفعُ كلُها خسائرَ المرحلة الجديدة من إرتفاعِ الأسعار وهبوط قيمة النقد الوطني والقيمِ المادية لتكون فئتين مختلفتين للطبقة الجديدة هما الدينية والتحديثية، المشاركتين في الأجهزة والوزارات وإدارة المؤسسات الاقتصادية، سواءً في حكومة مشتركة أم في حكومات مختلفة متصارعةحسب الانتخابات والرؤى البرامجية.

لكن التاريخَ الاجتماعي هو نفسَهُ فرزٌ مستمرٌ بين من يملكون ومن يعلمون. بين من يصعدون ويتحدثون ومن يضحون ويدفعون الضرائب السياسية.

تفتت صفوف البرجوازية الصغيرة

تعبرُ حالات تفتت صفوفِ البرجوازياتِ الصغيرة بين الاقطاعين السياسي والديني عن الموروثِ الشمولي في الاتجاهات السياسية العربية وعدم قدرتها على إيجادِ ثقافةٍ تنويريةٍ ديمقراطية داخلها خلال العقود السابقة.

حين يتقارب التصويت لمرسي وشفيق وينقسم المصوتون هذا الانقسام الكبير، يعبرُ ذلك عن هيمنةِ النظام السياسي على الجمهور خلال عقود، والمعارضة الوحيدة الممكنة عبر النصِ الديني التقليدي.

الدولُ غدتْ قطائعَ لمن يحكم، وكأن ذلك حدث من خلال القَدر الديني، أو بإرادة سماوية، بل من خلال أسباب اجتماعية، وهو موروثُ القرون الوسطى لم يتبدل.

ولهذا فإن النصَ على أن دين الدولة الإسلام هو تأكيد على هذه القَدرية وأن الحكمَ هو استمرار سلفي، وتغدو المادةُ مجردةً ضبابية لا تخصُ أناساً محددين، وتشملُ الفقهَ والعادات والتقاليد والتفسير وغير هذا، مما يحيلُ الدولَ إلى كائناتٍ غيبية مخصصة للبعض، ولا يكون للدول المختلفة تأثير حول هذه المادة الدستورية، والتي يمكن أن تُفسر من خلال ليبراليين يُحجّمون من التدخلات الدينية في الأحكام أو من خلال المتشددين الذين يرفضون الفنون ويحطمون التماثيل.

هذه المادةُ غدتْ عامةً مجردةً مطاطية يمكن أن تكون في نظامٍ دكتاتوري دموي أو في نظام ليبرالي محدود، مما يعبرُ عن هلامية التطور الاجتماعي السياسي، وعدم التوجه للحداثة الديمقراطية، والمادةُ كذلك تعبيرٌ عن عدم قدرة الأنظمة والحركات السياسية المختلفة خلال اثني عشر قرناً عن تحديد ما هو النظام السياسي في ظل الإسلام؟

كما أنها تعبيرٌ عن عدم تكون الطبقات الحديثة وهيمنة الطوائف، واستمرار المسلمين في العصور الوسطى، وهو لا ينطبق على الدول بل على المنظمات المعارضة لهذه الدول فهي لم تخرجْ عن نسيج العصور الوسطى.

من هنا لا يغدو للمعارضة تراث تراكمي ديمقراطي، فهي لا تعبر عن طبقة وسطى تمتلك مصانع وتجذر الديمقراطية والحداثة، وما الدول سوى مزرعة، كانت زراعيةً يسودها الخراجُ، والآن هي حِرفيةٌ استخراجية لمواد، وتُعطي فائضَ القيمة الأكبر للطبقة السائدة.

وتحويل فائض القيمة للصناعات الخاصة والعامة والثورة التقنية هو البرنامج المفقود. ولهذا فإن الفئات السياسية البرجوازية الصغيرة تتذبذبُ بين قطبين، قطب الحاكم وقطب المعارض الحاكم.

الأولُ يحكمُ عبر أدوات الدولة، والثاني يحكمُ عبرَ أدوات النص الديني.

الأولُ يحولُ المادةَ الأولى في الدساتير إلى أحكام واسعة متناثرة، متعددة، رجراجةٍ بين الماضي والحاضر، بين التراث والعصر، يشير إلى أن حقيقة الإسلام متنوعة، سمحة على ما يذكرون دائماً.

فيما المعارضُ الديني يحكم من خلال النصوص فيشددُ على معانٍ محددة نصوصية برامجية في العادات والتقاليد ويشدد على موروث مذهبي محافظ بعينه، وهو من خلال ذلك يسبب مواجهةً مع الدول (المنحرفة)عن النص الذي يملك هو تفسيره فقط.

لقد اشتغلتْ الاتجاهاتُ السياسيةُ العربية (الثورية) الشمولية على وهم الخروج عن هذه الثنائية، فهي رفضتْ القرونَ الوسطى خيالاً، وهي جاثمةٌ فيها، وانطلقتْ مثل الصواريخ في الفضاء السياسي السحري، ثم تفتت، لكونها لم تشتغل على تغيير هذه الثنائية القطبية السابقة الذكر بل القفز عليها ووضع مهمات نضالية خيالية.

وهذه الثنائية الاستقطابية على المستوى الإسلامي العام وعلى مستوى الدول والمجتمعات الداخلية، لا تتغير إلا حين يتحول بئرُ الماء والمزرعة وحقل النفط ومنجم الفوسفات ليغدو رأسمالاً وطنياً وليس فقط رأس مال طبقة، حينئذٍ من خلال البرلمان والسوق وتداول السلطة يحققُ حداثةً ديمقراطية، لتغيير طابع القرون الوسطى.

إن الفئات السابقة المتوجهة للشعارات الكبيرة انقسمت بين فريقين، كل فريق يؤيد قطباً من القطبين.

لهذا تستعمل مفردات التشنج والحدة والانتقائية ويغيبُ المنهجُ التاريخي في تحليل القطبين وجذورهما وكيفية تغييرهما معاً نحو الحداثة. القطبان في انفصالهما لا يكوّنان ثروة وطنية متكاملة ولا حداثة، بل من خلال انصهارهما وتكوين دولة حديثة.

لكن القوى الاجتماعية السياسية الكبيرة جاءت من هذين القطبين: الإقطاع السياسي والإقطاع الديني، حيث تمكن القطبان من خلق الجماهيرية لهما عبر الموارد والنصوص المهيمنة معاً. ومن هنا هذه الحالات من تكرار التخلف المستمر، وغياب نشوء القوى الوسيطة المعتدلة التي تقرب وتلغي الاستقطاب سياسياً واجتماعيا.

ديمقراطيةٌ بدون برجوازية

يستمر العربُ في التجريبِ السياسي مهدرين السنوات والجهود.

وتعطينا الانتخابات التي جرت في عدد من الدول العربية هذه الذبذبات المتعددة بين العودة للوراء والقفز للإمام، بين المحافظة والديمقراطية، بين التقدم والرجعية.

التذبذب الكبير بين الإقطاع السياسي والديني يجد تجسيده في ثنائية أمير المؤمنين الحاكم السياسي ومستشاره الديني، وقد كرس المسلمون هذه الثنائية فجعلوا الحاكم هو القائد السياسي، لكنهم من جهة أخرى جعلوه كذلك متدخلاً في الشرع، ولكن نظراً لأنه غير متخصص في الفقه، أو نظراً لانشغالاته الاجتماعية والسياسية والخاصة، فقد صعدَ رجلُ الدين ليكون حاكماً في الأحوال الخاصة بدرجة أساسية رغم أنه كذلك له رؤيته السياسية في قضايا الخلافة وأحوال الناس وتاريخ الإسلام.

هذه الثنائية التي وافقت زمن الحضارة التحديثية الإسلامية التي لم تتجذرْ بسبب فقدان طبقة وسطى وصناعتها وعلومها الحديثة، إنشرختْ في زمنيةِ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي هزتْ أسلوبَ الإنتاج الإقطاعي، فتصورت الثقافةُ الدينيةُ الكلاسيكية أن الحلَ يكمنُّ في تبادل الأدوار بين الخليفة والمُلا، بين أمير المؤمنين وقادة الفرق المذهبية، فلأنَ طابعَ الثقافةِ ديني ويتصورُ بأن المشكلةَ تكمنُ في عدم وجود الأخلاق الحسنة لدى الخلفاء وولاة الأمور، فإنهم حين يتمسكون بالشرع تكون المسألةُ قد حُلت.

وهنا قد وقع الخطأُ المزدوج التاريخي بعدم فهم الإسلام وعدم فهم السياسة.

ولهذا فإن الفِرقَ وجماعات الطرقِ والتصوفِ والمغامرين راحتْ تقفزُ على السلطات بدون أن تقوم بأي دور تحويلي حقيقي، لأنها لم تفعل سوى أن كررت أفعالَ الخلفاء السابقين وزادتْ الطينُ بلةً.

هذه الثقافة الدينية المحافظة الخيالية إستمرت بعد أن ظهرت الثقافةُ الاشتراكية الخيالية العربية التي أعتمدتْ جوهرَ هذه الأسس، فهي كذلك ذاتُ ثقافةٍ دينية محافظة متوارية، ومن هنا رفضتْ الرأسماليةَ والطبقةَ الوسطى والحداثةَ العصرية الغربية، وجعلتْ الطبقةَ العاملة تختصرُ الوجودَ الاجتماعي بشكل متخيّل.

وأسستْ شرعاً هو غير الشرع، وإشتراكية تفضي لرأسمالية فاسدة، فكان لا بد أن يزدهرَ الشرعُ المحافظ التقليدي مرة أخرى، ويفقد العمالُ الثقةَ في الاشتراكية.

هذه التجريبُ السياسي من اليمين واليسار المتخِلفَين أدى للثورات العربية المترددة بين التقليد والحداثة، بين الإقطاع والرأسمالية الحديثة، بين التراث النصوصي وواقع الإنسانية المعاصرة.

فلا توجد طبقاتٌ وسطى قويةٌ ولا طبقات عمالية منظمة تحديثية، والحراك السياسي بين الفئات الوسطى الصغيرة، والحطام الاجتماعي البشري المقذوف من الأرياف والبوادي والأزمات الاقتصادية والحروب وصراع الطوائف.

لهذا فإن نتائجَ الانتخابات تعكس هذا التقلقل والتذبذب، فرأسماليةُ دولةٍ قوية في الجزائر يسندها نفطٌ وحزب منظم وبيروقراطية متجذرة تعطي إستمراراً لنظام رأسمالية الدولة الشمولية. وتغدو شرائحُ الدينيين غير قادرة على تحريك الفئات الوسطى الصغيرة التي سئمتْ الفساد وتخاف من مغامرات الدينيين.

فيما تونس ذات التراكم الليبرالي جمعتْ فئات وسطى صغيرة متعددة الرؤى الليبرالية والدينية وتعكس عدم قدرة البناء الاقتصادي على إنتاجِ برجوازية صناعية خاصة موّحدة خلال العقود السابقة، وما الأجنحةُ الإيديولوجية سوى تعبير عن هذه الشرائح الصغيرة غير المنصهرة إقتصادياً.

مصر نسخةٌ أخرى من تونس أكثر تعقيداً ولم تستطع أن تحسمَ الصراع بين الإقطاع السياسي الذي صار هو قيادة الجيش، والإقطاع الديني الذي تجسدَّ في الإخوان، فيما الفئاتُ الصغرة والوسطى ضائعة بين القطبين وتتحرك هنا وهناك في إضطراب وبلبلة، وكلٌ من الطرفين يحسن ويتشبث كذلك بأمتيازاته وموروثه.

ذهب زمنُ الخلفاء وصار رجالُ الدين وقادة الجيوش كذلك يتدخلون في إدارات الحكم، ويجري دفع الأمور نحو حكم البرلمانات، والعودة لسيطرة الإدارات كذلك، ويتحرك الناسُ لتصعيدِ هذا أو ذاك، وتندفع قوى القطاعات العامة الخربة للدفاع عن مصالحها، ويضيعُ رجالُ الأعمال بين الطوفان ويقبض الرجالُ على الصولجان وتحاول النساءُ الخروجَ من الخيام.

فيما ليبيا المثقلة بحكمٍ دكتاتوري فظيع لا تريد أن تكرره وتجري نحو ليبرالية غير واضحة المعالم.

إنها حالاتُ سيولةٍ تاريخية في أبنيةٍ مترددةٍ بين الحِرف والصناعة، بين الصناعاتِ الصغيرة والصناعات الكبيرة، بين الإنتاج الوطني والتبعية، بين الارستقراطيات والبرجوازية، بين الثقافة الدينية النصوصية والثقافات العقلانية الضعيفة.

البرجوازيةُ الصغيرةُ والعدالة المطلقة

إعتمدت الثوراتُ الإنسانيةُ على وحدةِ فئاتٍ متوسطة صغيرة مع العاملين، لكن أفكار هذه الفئات تخضع لمستوى العصر سواءً من حيث التطور الاقتصادي أم من حيث تطور البنية الثقافية.

في المسيحية والإسلام كان هناك ذلك الخيال الخصب بإنهاءِ عصور الظلام والاستغلال ومجيء الزمن الحر العادل المطلق، فالفئات الصغيرة المتواجدة بين كبار الأغنياء والفقراء، تصورت زوال الظلم والإستغلال، لكونها تعيش لحظات ثورية خصبة وإلتفاف الجمهور المتعطش للتغيير حولها.

لكن لماذا تغلبتْ الدولةُ الرومانيةُ ولماذا إنتصر بنو أمية؟ هذا يعود لطبيعة العصر الجوهرية العميقة، وربما ساهمتْ بعضُ الأخطاء والأحلام من جهة وقوة الدهاء والخبث من جهة أخرى، لكن الأسباب الموضوعية أبعد من هذه الحيثيات الظاهرة على السطوح، فكان العصر الإقطاعي قد سار فوق ضلوع القبائل والشعوب والدول، فتظهر دولة رومانية مسيحية وتظهر دولةٌ إسلاميةٌ أموية، مثلما يجري للبوذية في الصين.

تمكن ملاك الأراضي الخاصة في أوربا وملاك الأراضي العامة في ديار المسلمين من خلق شكلين من التطور المتقاربين في الجوهر المختلفين شكلاً.

أحلامُ المساواةِ والعدالة المطلقة ومملكةُ السماء التي يدخلها الأخيارُ هي أحلامٌ نضاليةٌ مؤقتة، ينزل بعدها الواقعُ المرير، لكن هذه الأحلام تبقى في أذهان البشر الذين يأتون لاحقاً، يريدون تحقيقها.

لحظة التوافق بين البرجوازية الصغيرة والعمال تحدث في أوربا حين نزل أسلوبُ الإنتاج الرأسمالي بحدة على القوى الفقيرة المعوزة، وظهر عبر الاشتراكية وظهر الحلمُ الذي قارب القراءة الموضوعية بصورة أحلام المساواة والعدالة التي يمكن تحقيقها لكن الظروف الموضوعية لم تتحقق، وربما في سبيلها للتحقق في هذه الدل الغربية المتطورة أكثر فأكثر.

في الثورات الاشتراكية والدينية والقومية الشرقية التي رددت أحلام العدالة المطلقة وقامت بها نفس الفئات، رأينا طبيعة الأنظمة وإنقلاب مثل العدالة المطلقة والجنان إلى كوابيس.

إن خلق المثالية والتصورات الخيالية بالعدالة الكلية لعبت دوراً في التطرف وأن كون المرحلة هي مرحلة رأسمالية لا يتيح مثل هذه العدالة الطوباوية، وأن الثورات بدءً من الثورة الروسية مروراً بالثورة الإيرانية إلى الثورات العربية الحالية تظل في المرحلة الرأسمالية من شمولية حتى مفتوحة غير معروفة التوجهات، والتي ليس فيها مثل هذه الخيالات المحلقة.

لكن هذا لا يعني عدم نضال الطبقات العاملة من أجل المساواة السياسية والديمقراطية والتطور الاقتصادي لها، بل هو تحديد لواقعها الموضوعي.

ومن هنا فإن مصادر الخيالات الطوباوية والأحلام السابقة تظل ميراثاً نضالياً مقرؤاً بأشكال نقدية، لكنها ليست برامج عملية، فالنسبي أفضل من المطلق، وتطور حياة القوى الشعبية الحقيقي أفضل من إرتكازها على أشكال من الخداع السياسي الطبقي.

حين تدور الصراعات على الأرباح والأجور وتنمية المناطق الشعبية وعلى تحجيم البطالة ومستوى تمثيل القوى الشعبية في البرلمانات ومقاومة الفساد أفضل من الكلام عن تطبيق الشريعة بمختلف أصنافها.

بطبيعة الحال تظل هناك جماهير تعيش في الماضي، ولا تزال تردد نفس الشعارات وتريد تحقق العدالة المطلقة.

برجوازياتٌ موسعةٌ بعد الثورات

الانتصاراتُ الكبيرةُ للقوى الدينية السنية المعتدلة والمحافظة في الفصل الأول من الثورات العربية المظفرة العظيمة يذكرنا بالتاريخ الطويل الذي قطعهُ الفقهُ والمذهبيات السياسية وتذبذبها بين الحكام الشموليين والتجار الواعدين بالنهضة. فهي لم تبلور مواقف ديمقراطية أو فلسفة عقلانية تورثها للأجيال القادمة.

لم تستطع هذه المذهبيات خلال قرون أن تتخذ مواقف مستقلة أو تدعو لأنظمة ديمقراطية لكن الحركات السياسية المتخذة صبغة المذاهب بدأت تشتغلُ بسياسةٍ مستقلة ولم تجعل الفقه والتشريعات أساس علمها، بل إنغمرت في السياسة وصراع الأحزاب والعمل مع أو ضد الحكومات عبر الشعارات الأخلاقية المثالية المحافظة المفصولة عن الحقائق والظروف.

صار لها قدمٌ في دورِ العبادة وقدمٌ في السياسة، ولم تنشىء فقهاءَ كباراً، بسبب أن الفقه يحتاج إلى سنوات طويلة من الدرس، وهو أمرٌ يفصلُ الباحثَ المتدينَ عن السياسة التي تتسم بأنها حراكٌ يومي، والفقيه عالمٌ بينما السياسي الديني مستغلٌ للشعارات والعبادات الدينية لصعود جماعته.

حين نقرأ سيرَ الفقهاء الكبار لعصر النهضة العربية القديمة مثل مالك بن أنس وأبي حنيفة النعمان وجعفر بن محمد وغيرهم سنجدُ الغرقَ في الفقه والبحث المتقصي فيه، والبعد عن السياسة والفلسفة رغم لمحات مؤسس الحنفية فيها والمُنتَقَدة من قبل المحافظين، وحين جاء التابعون لهم قلَّ البحثُ كثيراً وزادتْ السياسةُ وأصبحوا مُسيسين مؤدلجين للدول المسيطرة أو التي في طريقها للظهور القومي المختلف عن العرب.

فظهرتْ الحركاتُ المُسيِّسةُ الجديدةُ للإسلام وهي ترثُ وعي الأواخر وجمود عصر المحافظين والأتراك العثمانيين والحركات السلفية البدوية في الصحارى العربية.

وكعهدِها القديم لبدتْ بقرب الدولِ والطبقات الحاكمة شاعرةً بأن الحكامَ الجددَ بمختلفِ مذاهبهم الرسمية ينأون عن الدين الذي حفظتْ أحكامَهُ التقليدية ووظفته، وجعلتْ من نفسِها وصيةً عليه وعلى المؤمنين به، متصورةً أو متوهمةً أنهم يبتعدون عنه، وينزلقون لعوالم الغرب العدو التقليدي لديار الإسلام كما تتصور.

ومهما إختلفت مع نظام من الأنظمة الذي يكون قد إتخذ سياسة مغايرة، قومية أو يسارية، فإنها تجدُ في بلدان أخرى ملاذها، وتظلُ تمارسُ فيه عملها السياسي، وربما تأثرت بما فيه من تقليديةٍ أو بذخٍ أو تقشف أو مال أو مشروعات سياسية عابرة للدول، ولكنها طوال هذه العقود لم تعد النظر العميق في الأسس التي قامت عليها، ولم تنفصل عن الفقه المحافظ والتنفع به.

والذي حدث خاصة بعد تدفق الثروة النفطية أن العديد من نخبها قد تبرجز، ودخل في المشروع الغربي الرأسمالي التحديثي المرفوض كلياً سابقاً، فزمنية البدو الفقراء، والحارات الفقيرة، والبيوت الضيقة، هو غير زمن الشركات والمتاجر والبنوك، ولهذا نجدُ الرسملةَ الواسعة للمنظمات الدينية وقيام البنوك(الإسلامية) فحدث ظهورٌ واسع لفئات وسطى جديدة، فقدمٌ لها في الإرث المحافظ، وقدمٌ أخرى في المشروعات الاقتصادية الحديثة، تتحدث بنصوصية سلفية أمام البسطاء والأميين، وتتكلم بليبرالية دينية محافظة أمام رجال ونساء الأعمال.

وهي تشتغلُ أساساً بالسياسة مثلما كانت خلال قرون، أما مع الحكام أو كظلٍ لهم؛ أولئك يحكمون البلدَ وهي تحكمُ الشرعَ أو الدين، والحكام صاروا يتدخلون في الشرع، فراحت هي تتدخل في الحكم. ولكن الإقطاعَ السياسي والإقطاعَ الديني يقتربان من الرأسمالية، كلٌ من موقعهِ، ومن أحجام رأسماله، ومن صلاتهِ بالناس وتأثيره فيهم ومحاولاته سواءً بالتشبث بالسلطة أو بالقفز إليها!

إن دخول الدينيين كأجنحةٍ محافظة يمينية للطبقات الرأسمالية الجديدة الصاعدة محولين الشرعَ لرأسمال سياسي، هو توسع كبير للطبقات الرأسمالية الضيقة السابقة، وينشىء مسارات جديدة للأعمال، ويتسم بإدخال الاحتيال على نطاق واسع كذلك، والقمع الاجتماعي للمدنية الحديثة، لأن العامة المحافظين بطبيعتهم الاجتماعية لديهم ثقة في الدين وما يظهر فيه، فيختلط الاسثتمارُ السياسي بالاستثمار الديني، ويصعد الدينيون للشركات والبرلمانات فيتحكمون أو يؤثرون في التشريعين السياسي والديني.

جناحا الطبقات الرأسمالية المتكونة وهما المدني والريفي، الإنتاجي وغير الانتاجي، الجديد والقديم، الليبرالي والديني، المجدد والمحافظ، سيظلان لعقود وهما يتصارعان حسب البُنى الاجتماعية لكل بلد، وحسب ظروفه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومدى دوران رأس المال في كل بُنية، وكيف يقوم بالتجديد الموسع للبنية أو لا يقوم، ومدى تبادل السلطة بين الجناحين والعامة، ودور قوى الإنتاج في هذه السيطرات تغييراً وعملاً.

سيظل الدينيون يتحركون ببطء في الرأسمال العائلي، ولا يقبلون بسهولة بتحرر النساء وتحولهن لقوى إنتاج كبيرة، وعملية التجديد في الإنتاج المادي تتطلب تجديداً في الإنتاج الروحي، في تغيير نمط العائلة والوعي العقلي القديم، وتبديل مستوى المدارس والمناهج، وهي كلها ستفتح معارك فكرية وسياسية وإجتماعية طويلة في إطار خروج المسلمين من العصر الوسيط إلى العصر الحديث.

إذا تجذرت الديمقراطية عبر التداول وتم مقاومة الاحتيال بالمال والدين، فإن تحول شعوب عربية للحداثة والتقدم ورفعة الطبقات الشعبية مسألة وقت.

البرجوازية الصغيرة والقفز إلى الثروات

بعد سقوط الاتحاد السوفيتي أصبح من المتعذر إقامة أنظمة تسيطر عليها البرجوازيات الصغيرة لتقيم أنظمة رأسمالية حكومية، حيث كان آخرها الفاقع هو النظام الإيراني.

أعطى النموذج السوفيتي إمكانية لذلك حتى في اليمن والحبشة، لقدرة حراك هذه الفئات وتخلف الشرق، ولإقامة نهضات سريعة غالباً ما تنتهي بكوارث.

كان ذلك النظام رافعة لنهوض وتسريع التطور، ولكن الافتراق بين مصالح الفئات الحاكمة التي أستأثرت بالثروات، وحدوث الانفصال بين البرجوازية البيروقراطية والعمال، أدى إلى إنكسار أهم رؤية لعبت دوراً تحويلياً في القرن العشرين وهي الماركسية، التي تفتت بسبب هذه المصالح الذاتية للطبقات الحاكمة في هذه البلدان، بحيث غدتْ عاكسةً للمصالح القومية العليا في هذه البلدان وتغيبتْ قراءتُها للقوانين الاجتماعية الموضوعية والدفاع عن العاملين، وتنوعت حسب الخياطات الخاصة لكل دولة وجماعة وظروف بحيث فقدت في هذه التطبيقات قدرة إكتشاف القوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي.

لكن حدث في خلال ذلك كله صعود حركات التحرر الوطني وحطمت التبعية المباشرة، وأمكن لكثير من البلدان أن تتطور بأشكال مستقلة.

إن الضخ الإيديولوجي العاطفي وفرضها بأشكال دكتاتورية كل هذا جعل من الأفكار الموضوعية حطاماً، ومهد لصعود الأفكار الخيالية والقومية العتيقة، بل وحتى التصورات السحرية الخرافية لإدارة دول من العالم الثالث تمتلك أسلحة هائلة، بحيث إنتقلنا من التطبيقات الميكانيكية والانتهازية الفكرية إلى الدجل الطائفي نظراً لعدم وجود بُنى عقلية جماهيرية موضوعية تحديثية.

هذا الأمر ينعكس بقوة الآن على إستخدام الإسلام في التحولات العربية، فتحدت نفس الأدلجة، ويتم إستغلال المذاهب وتعبئتها بأشكالٍ عاطفيةٍ حادة من أجل الثروات، لكون الفاعل الأساسي لا يزال الفئات البرجوازية الصغيرة الفاقدة للرأسمال سوى رأس المال الكلام والتلاعب على حبال الطبقات والمذاهب.

قامت الثوراتُ العربية على تقدير الديمقراطية والشفافية والصحافة الحرة وهي جوانب أساسية لمنع ذلك المنزلق الذي سد وحجَّم الماركسية، لكن ثمة مخاطر لا تزال كبيرة فالجماهير العربية ليست ذات ثقافة ديمقراطية متأصلة، والمنظمات السياسية تشتغلُ على الأفكار المذهبية المحافظة غير الديمقراطية وتحولها إلى أدواتٍ للوثوبِ للسلطات والمنافع، وتستغلُ التخلفَ في الفئات الريفية والنساء والمهمشين والهياكل النقابية الجامدة أو النفعية البيروقراطية والأحزاب المتكلسة ونخب عبادات الأفراد.

إن التبلور الطبقي كما هو في الغرب ووجود المؤسسات العريقة وفصل الدين عن الدولة كل هذا أتاح تطور الديمقراطية الطويل في الغرب، أما في الشرق فإن حراك البرجوازيات الصغيرة للتلاعب بالأيديولوجيات والمذاهب، ثم التكالب على الثروات وسد منافذ التحول السياسي، مما عرقل التنمية وفجر صراعات دامية، حيث قامت حتى إعادات البناء في بعض الأنظمة كالعراق وإفغانستان بسرقة مليارات من الدولارات.

لم يعد نظام البرجوازية الصغيرة حتى إستنساخاته في مصر يوليو واليمن وموزمبيق وكوبا وغيرها قادراً على البقاء أو قادراً على ظهور نسخ جديدة، لكن المذهبيين السياسين في العالم العربي قادرين على إيجاده عبر مرتكزات إيديولوجية مختلفة، فيظهر الاستبداد وتراكم الثروة لدى الفئات الحاكمة عبر تخريجات فقهية، ويحتاج الأمر لمراقبة هذه التجربة ومدى قدرتها على تجاوز نسخ الشموليات الشرقية والاعتراف بديمقراطية حقيقية وتعددية سياسية وفكرية.

إن إنهيار الأشكال الشمولية للاشتراكية من جهةٍ، وتصاعد المذهبيات المحافظة من جهةٍ أخرى، هي قضيةٌ واحدة ذات وجهين، تعبرُ عن عن إنتقائية وإنتهازية البرجوازية الصغيرة، ولهذا فإن دخولنا إلى مرحلة إحتراق جديدة باسم الدين بعد أن كانت باسم الإشتراكية، يدعونا لرفض الشكلين معاً، فلا يخدعنا نزع القبعة ولبس العمامة، وإعادة إنتاج الدكتاتوريات بيافطات مختلفة شكلاً.

البرجوازية الصغيرة والفقراء

هو ذات السيناريو الجامد غير المتغير، لأن نوابضه الداخلية ليست ثقافية تحليلية وطنية مغيرة، بل فوضوية وخالية من المعرفة العميقة وقراءة الوقع والمنطقة.

وليس غريباً أن تتجمع مع قوى البرجوازية الصغيرة التي لم تتغير، لم تستفد من براكين التحولات في العالم، وتعتبر العمال والفقراء جسوراً تنط من فوق ظهورهم للثراء والسلطان.

أي أن ليس ثمة لدينا من يعبر بعمق وموضوعية وبعد نظر عن الفقراء.

فإذا كان سبيل التحول السياسي الكبير مسدوداً فهل نقف مكتوفي الأيدي وونناطح ونترك مشكلات الناس محلك سر، وتزداد تأزماً مع كثرة التحولات الاقتصادية السلبية، ولكن الجمهور الفقير هو ذاته مسطح الوعي لا يستطيع أن يستوعب قادته البرجوازيين الصغار المحتالين، ويطالبهم بخطط لتغيير أوضاعه ليس على المستوى البعيد فقط بل على المستوى القريب كذلك.

أن يدرسوا الأجور والأسعار والشركات والبنى الاقتصادية ويقدموا حلولاً على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

إنهم يستغلون هذا التوق الشعبي المفهوم للتغيير في الظروف المعيشية والإسكانية والصحية، ويجردونه ويغيبونه في شعارات سياسية لا برامج فيها عملية.

إنه مستواهم السياسي الفكري الاقتصادي المحدود، وتلقائيتهم وعفويتهم الحماسية غير الصالحة للقيادة، وعلينا في كل سنة أن نقدم وجبة من البشر ومن الخسائر الاقتصادية وأن لا نعارض هذا الساطور الماشي في لحمنا الوطني تمزيقاً وتعذيباً.

أمراضُ البرجوازيةِ الصغيرة

كلمةُ الأمراض تعودُ للبيولوجيا ولكن هنا رصدٌ إجتماعي، وقد قادتْ فئاتُ البرجوازية الصغيرة الحركةَ التحديثية منذ هزيمة الهيئة.

فتناقضاتُها في زمنيةِ الحداثةِ وصعود الرأسماليات الوطنية الحكومية الشرقية هو غيرُ زمنِها في لحظاتِ تحللِ وسقوط هذه الرأسماليات.

ولهذا كان شكلُ تجلي تناقضاتها في ذلك الزمن يختلفُ عن تجلي تناقضاتها في الزمنِ الطائفي الراهن، أي في زمنِ تحلل الرأسماليات العامة وغياب البدائل الديمقراطية العلمانية الجاهزة.

وخاصة في الخليج حيث نموذجي الطائفية على الشاطئين العربي والفارسي متضادان لدرجة الهوس السياسي.

في زمنِ الاشتراكيةِ الإيديولوجيةِ الزائفة تجري المبالغةُ على صحةِ النموذج الاستيرادي. فنموذجُ السوفييت أو نموذجُ الصين السائدان المتصارعان، يعبران محلياً عن إحتكار الحقيقة وعن الجماعة المسيجة بأسلاك إيديولوجية تمنع الخصم- الزميل من الاختراق وتحدث حفلاتٌ من الصخب والتمايزات والحروب في الجامعات في الخارج وفي أزقة الداخل السياسية الضيقة.

يقولون:(أما طريق النضال السلمي أو طريق حرب العصابات. بل يجب نقل نموذج ظفار إلى البحرين. لا النضال البرلماني المتدرج هو السبيل.

إنها إنتهازية السوفييت! لا بل هي مغامرات الماويين.)، هذه شعارات أساسية في تلك الفترة.

بعضُ بذور الحقيقة موجودة في العقلانية التي أسستها جبهةُ التحرير الوطني، لكن إلى حد ما، حيث لم تتطور هذه البذور، لأسبابٍ كثيرة.

إن جلبَ المستورد الإيديولوجي بغيابِ الدرس التحليلي الناقد لمصادر هذه الإيديولوجية يلغي تلك العقلانية، بسبب أن فئةَ البرجوازية الصغيرة هنا لا تعضد نمو البرجوازية الوطنية كمؤسسةٍ للنظام الرأسمالي الديمقراطي العلماني، بل هي تتنطع للقيادة لتشكل نظامَها الضبابي. فيما تنمو رأسمالية الدولة الشرقية في كل مكان.

الأسرُ الإيديولوجي للمركزين السوفيتي والصيني يروج لماركستين مختلفتين، وكلتاهما شموليتان غير ديمقراطيتين، تتآكلان عبر الانهيار الداخلي والتبدل نحو رأسماليةِ دولةٍ فاسدة. ولكن ذلك لا يتضح خاصة في التجارب الأولى، وكافة المواد التي تكشف التناقضات تختفي وتبرر، وتغدو البرجوازية الصغيرة هي الطبقةُ العاملة المتجهة لتحقيق الاشتراكية تبعاً لرأي السوفيت، فيما يقول الموديلُ الصيني هي الطبقة العاملة قائدة فعلاً ولكن من الضروري صعود كفاح الفلاحين الريفي المحاصر للمدن.

لكن الاشتراكية لم تكن هناك لا في موسكو ولا بكين، كانت الرأسمالية الحكومية تزحف وتصعدُ المخابرات والمافيا.

تناقضاتُ الرأسماليةِ الحكومية المحلية تقود إلى هيكلية مختلة لا تحللها القوى السياسية، فثمة ضخامة للهيكل الحكومي وضخامة للعمالة الأجنبية، وتنامي للرأسماليتين العامة والخاصة بدون تدقيق ومراقبة وعدم ضبط للريف في التطور الاجتماعي – الثقافي، وصعود كبير لفئات البرجوازية الصغيرة والعمال الريفيين وتدفق لمواد دينية مُفرقة للمواطنين المسلمين.

إنهار النموذجان الماركسيان الشموليان المستوردان في عمقهما لكنهما – أي المُستهلكين المحليين- لم يعترفا بذلك، فلا توجد عقلياتٌ نقديةٌ تحليلية مستقلة وقتذاك تكشف المسار الوطني المعقد، وهي لحظةٌ خصبةٌ لتيارات البرجوازية الصغيرة لتلعب فوق الحبال الفكرية والسياسية مجدداً بأشكال أخرى.

إن ظهور وزخم الحركات الطائفية الدينية إستبدلَ هدفَ إسقاط النظام إلى الإشتراكية بهدف إسقاط النظام بشكل طائفي مضمر، فثمة حالة من العداء العميق الذاتي للنظام، يكمنُ فيها الصراعُ الطائفي أساساً بين الشيعة والسنة، فالجذور الإيديولوجية المتآكلة عادت بالوعي إلى ما كان عليه قديماً، وعي عامي عادي، وأغلبية الأعضاء في التنظيمين من طائفة روجت لذاتها.

يحدث هنا الإندفاع الشديد عبر خصائص الفئة الاجتماعية المحددة هنا، ولكن ليس إلى الإشتراكية العلمية بل نحو القوى الطائفية، ويجري في وهج الحماس الذاتي تغيير المصطلحات والمفاهيم، فيقال أنها قوة ثورية شعبية في المضمون ولا بأس من تأييدها والوقوف معها. سابقاً كانت قوى رجعية يجب الإجهاز عليها نحو سيادة الوعي المادي.

ويمكن في ذات الوقت ومع التغييرات الحكومية تأييد ما في الحكومية كذلك والاستثمار الشخصي من هذه التحولات، خاصةً إذا كانت مادية ومناصبية.

إن اللعبَ على الحبال لاحظه الطائفيون في بدء التغييرات وأسموه إنتهازية، حين حصل بعض قادة اليسار على مكاسب مادية وروجوا لهذا كثيراً وبشكل فج، لكنهم سكتوا عنه حين راح هؤلاء يؤيدونهم ويعبدون الطرقَ لهم لكي يساعدونهم في السير للسيطرة على الجمهور.

وفي معركة المصالح والمناصب ولحظات المغامرة إنحشرتْ فئاتُ البرجوازية الصغيرة في إستغلالِ المواقف تبعاً للحظات السياسية المتغيرة، فحين تحدث إنتخاباتٌ يتصارعُ فيها بقايا اليسار مع الطائفيين يعلو صوتُ اليسار القديم عن الطائفية وأمراضها وتخلفها الاجتماعي الظلامي، وحين تلوح له ذاتُ الطائفيةِ بمناصب في حراك فبراير 2011 يتبدلُ موقفهُ منها وتصبحُ وطنيةً مناضلة تقود ثورةً شعبية!

لكن المرجعية الطائفية مؤسسة الإقطاع السياسي تظلُ محتفظةً بأهدافها في تصعيد الطائفة وسيطرتها المتصاعدة السياسية وبث الأشكال الاجتماعية والفكرية المحافظة، وليس في تشكيل مجتمع وطني يتغير عبر الصراع الاجتماعي والتعاون السلميين بين مختلف إتجاهات المواطنين.

أهمية أن تنهض البرجوازية البحرينية سياسياً

تدور الدوائرُ ونرجعُ لنقطةِ البداية.

نركضُ في زمنِ الخمسينيات ونحرقُ البناياتَ ونعود في التسعينيات لتكرر بعضُ القرى ما فعلته مدنٌ في زمان سابق فنحرق المستشفيات والبريد وندهس الوطن.

وعي لا يتطور وفكرٌ غائب!

يتم إختطاف مجموعات من طائفة في القرن الواحد والعشرين تحت مظلة إيديولوجية مذهبية متمددة بالمكر والقوة من قبل دولة مركزية كبيرة، دون قدرة من العناصر السياسية والفكرية على نقد هذه المذهبيات السياسية.

مثلما حدث من إختطاف لفئة مذهبية في زمن الخمسينيات وأوغلت في التطرف بعيداً!

ثم تظهر قوة سموها سياسية، وهي مذهبية أخرى تنزل بالمظلات على الناس لتخطف طائفة أخرى في القرن الحادي والعشرين.

وتقول وتقول دون أن يفهم أحدٌ شيئاً مما تقول، لأنه نفس الكلام المذهبي، ونفس الوعي المحافظ، ونفس العبارات العامة، ونفس الولوغ في المذهبية البغيضة، ولا تاريخ من نضال، ولا منظمة ديمقراطية يمكن لمس جسدها السياسي، ومعرفة كفاحها السابق، بل هي بالونٌ منتفخ بهواء سياسي.

لم تتشكل بنشاط نضالي شعبي مرصود ومحدد، ومن خلال برنامج تؤصله القوى في المدن والقرى. فنناقش من ونعرف من؟

وهي كلها دعاياتٌ وكلامٌ من منبر لا يُناقش ولا يُنتقد ولا يُحلل.

النشاط السياسي الحقيقي نشاط مرئي، يومي، يتشكل عبر سنوات، وينهض ويقوم، ويتكسر ويبنى، ويمكن رصده ومتابعة مستقبله، أما أن يظهر كاملاً تاماً دون أن يجسد فعلاً أو يقاوم أسعاراً مرتفعة، أو بطالة منتشرة، أو فساداً محدداً، فهو فعل مجرد، وجمل رنانة.

كما خفنا من إختطافِ جسم من طائفة فنحن نخافُ أيضاً من إختطافِ جسمٍ من طائفة أخرى، ثم يكون ما يكون، والمستقبل غامض، حافلٌ بالمتغيرات والانقلابات والمفاجآت والصدمات، فما ندري ما يكون وضع هذا الجسم السياسي المنفوخ بالهواء، وقد تخطفهُ دولةٌ سنيةٌ مغامرةٌ هذه المرة، ويدعو لجمهورية أخرى!

من كثرة ما ضُربنا تكسرتْ النصالُ على النصال.

كنا نريد من قوى الفئات الوسطى ومن رجال الأعمال ونساء المهن الكبيرة ومن المثقفين الليبراليين أن يكونوا هم قوة البديل، أن تظهر قوة سياسية مهمة للبرجوازية تعنى بمصالحها وتطور أحوال الشعب وبتطور الاقتصاد الحر بدلاً من الاقتصاد الشمولي الراهن، وأن تجمع الفاعليات السياسية الاقتصادية الموحدة الوطنية، وحتى لو تم ذلك عبر سنين، وتوحد الجسم الاجتماعي للبرجوازية البرحينية من أجل تقدم الاقتصاد والمجتمع وتوسع الحريات.

أما أن يطل علينا رجالُ الدين ثانية، ويسوقوا نفس المشروع المذهبي السياسي، فإن المؤمنَ يُلدغ أكثر من مرة في البحرين لكن كفاية عشر لدغات.

الحراك السياسي يتم في النور وعبر تحديد جسم المصالح التي سوف يتحرك عليها، والطبقة المحرومة للأسف من التنظيم السياسي وهي طبقة البرجوازية البحرينية، رغم قدمها، ورغم الدور الاقتصادي الكبير الذي قامت به خلال مائة سنة وهي القادرة مالياً!

ولكن جماعات البرجوازية الصغيرة السياسية الكثيرة والتي قالت أنها تعبر عن العمال والفلاحين والطوائف وكل شيء تقريباً، وأنها تسعى لتحرير الطبقات وتقدمها، كانت تتسلق على أجسام العمال لكي ترتقي إلى مصاف البرجوازية، ونجح العديد من أفرادها في ذلك.

ولهذا يخلطون في الكلام ولا أحد يعرف لهم موقفاً في أي قضية مفصلية وخاصة فصل المذاهب عن السياسة، وتشكيل سياسة ديمقراطية تحديثية وطنية.

البرجوازية والثقافة

لا يمكن تشكيل نظام إقتصادي حر إلا بعد إنتشار ثقافة ديمقراطية عميقة بين صفوف التجار والاقتصاديين المختلفي الأنواع، فبدون وجود طبقة برجوازية مثقفة لا يتحقق نمو حضاري كبير.

مساندة التجار لثقافة إنسانية مجردة شيء حسن، لكن الأساس في التطور هو دعم نمو ثقافة وطنية ديمقراطية حرة حديثة.

من أمسك الثقافة في كل بلد هي الأجسام الإدارية، وهي فروع التوجيه الثقافي، وكل قطاعات عامة عربية لها مشكلاتها وتفتقد للتعاون مع المثقفين والمجتمع وأهداف الدول في الديمقراطية، وغالباً ما تقف عند السطحي والرسمي من الحياة الفكرية.

وكما حدث السلف والتديُن من القطاعات الخاصة من قبل الحكومات قامت وزارات الثقافة بحملات للتبرع لها، وغيرها من أشكال التسول الاقتصادية الاجتماعية.

وحين تطلب وزاراتُ الثقافةِ المالَ من الفاعليات الاقتصادية فهو تعبيرٌ عن ذلك التسرب المالي من الحكومات، وعن عجزها المستمر، لكنها من جهة أخرى تتحكم في حركة الواقع وتحد من إمكانياته، وتبدو الفاعليات الاقتصادية من جهة أخرى بلا سياسة ثقافية وبلا علاقات ربما بالثقافة!

الفاعليات الاقتصادية لا تهتم بالثقافة، خاصة هذه الأنواع المعقدة من البحث والشعر والقصة وغيرها، وتكتفي بالمقالات السياسية الساخنة عادة والأخبار الاقتصادية والإعلانات وغيرها من المواد القريبة من الحياة المباشرة. وهو تعبيرٌ عن قهر عتيق مُضمرٍ وإبعاد عن السياسة وعن الثقافة المُسيّسة غالباً.

وتؤيد الفاعليات الاقتصادية حضور الفاعليات والمساهمات في الأنشطة الثقافة العامة التي ليس فيها دلالات سياسية مباشرة ناقدة، وتتبرع للفعاليات الحكومية الثقافية خاصة، وهي أمور تجسد التناقض بين مال بلا ثقافة وسياسة تشكلُ ثقافةً مشوهة.

في بعض الدول العربية كمصر وتونس والمغرب تكتسب الثقافة أهمية سياسية وطنية، فهي جزءٌ من فاعلية التحديث والديمقراطية، وتستطيع الدول هذه أن تتحرك في ظل قوى بشرية ثقافية واسعة، وفي ظل قيادات ثقافية مسؤلة ذات تاريخ وكتابات مشهود لها بتأصيل الأدب والفكر، لكن الثقافة في ظل أي توجهات رسمية(أبدية) تموت شيئاً فشيئاً بسبب عدم تفاعلها مع الشعب وقضاياه ولجؤها لمحاور تجريدية متعالية على الجمهور. والشعب ينأى عن الثقافة بسبب مشاكله غير المحلولة وغربته في عالمه وبلده وإستمرار أميته.

إن الحشود الاحتفالية والكرنفالات الثقافية تستنزفُ الميزانيات ثم تتعثر وتغدو مجردَ أشكال، في حين أن المجلات الفخمة تلفظُ أنفاسَها بعد حين، فهي تتكدسُ على أرففِ المكتبات ثم تموت في المخازن!

أما دول الخليج فليست عندها جذور وقواعد ثقافية كبيرة فلجأت للأنشطة المحدودة ولنخبوية ونجومية عالم الجوائز الأدبية، تعوض به عن نقص كادرها الوطني الثقافي المهمل الذي كان أن يمكن واسعاً مؤثراً لو تم الاهتمام به، ولتنفيع بعض الموظفين والمثقفين، فيما إرتبطت النتاجات المسرحية والفنية بالمواسم كالصوم والإجازات.

لقد ترنحت الفنون والآداب الشعبية من الثقافة خاصة في البلدان التي لم تصرف الأجهزة الرسمية على هذه الظاهرات والمؤسسات والأشكال الإبداعية الشعبية شيئاً يذكر.

عموماً أمسكت الدول برؤوس الثقافة وجعلتها في خدمتها، حسب سياساتها وظروفها، وأرادت من القطاعات الخاصة المساندة المالية بدون شروط، وبدون أن تدخلها في خططها أو أن تستشيرها أو توسع من حقوقها في البث الفضائي أو في النشر والتأثير في التلفزيون(الوطني) المجمد وغيرها من المشكلات.

من المهم أن تساند المؤسسات الخاصة الثقافة وتحمي الآثار وتساعد على تنامي طباعة المؤلفات الأدبية والفنية تدعم العروض ولكن في ظل أية شروط؟ هل يجري ذلك في ظل هيمنة الوزارات وتحكمها في كل شيء وغياب اللجان الوطنية المنتخبة؟

العملية الديمقراطية ينبغي أن تتغلغل في مسارات الحياة المختلفة، وأن تغدو أجناس الثقافة أدوات لتثقيف الجمهور وتقدم وعيه السياسي وأن تجذبه لكي يؤثر ويغير.

البرجوازية الصغيرة والعمال

تحالفُ البرجوازيةِ الصغيرة والعمالِ يشكلُ الثورات، لكن البرجوازيةَ الصغيرة تريدُ إستغلالَ العمال ونمو ثرواتها فتتخلى عن التغييرِ والنمو المشترك بين الحلفاء وتضعُ حداً لتاريخ الثورة.

في تاريخ الأديان تنظم للحكام وتتخلى عن الحفر النقدي، وفي تاريخ الثورات البرجوازية الغربية تنظمُ للرأسماليةِ الكبيرة ولا تطور فلسفات النهضة والنقد والعلوم، في البدان (الإشتراكية) الشرقية تُلغي قيادةَ العمال وتحيلُ الأنظمةَ لرأسماليةٍ شمولية وهي تصير برجوازية متعددة المتسويات، في بلدانِ التحررِ الوطني تنظم للانقلابات وللأحزاب الدينية الشمولية وتكرس الرأسماليات الحكومية المحافظة.

هي قادرةٌ عادةً على خداع العمال والفقراء مثلما هي قادرة على قياداتهم في ثورات تاريخية نادرة.

إذا كانت الأمورُ تجري في أنظمةٍ وتنظيماتٍ ديمقراطية فإن العمالَ يستطيعون الانفصالَ عن قياداتِ البرجوازية الصغيرة، ويتركونها تنمو لوحدها.

لكن في ضبابِ الأنظمةِ والتنظيمات الوطنية والثورية والدينية فإن مستوى العمال الفكري لا يسمحُ لهم بإكتشافِ ثوريةِ البرجوازية الزائفةِ أو الصادقة، فهم مع شعاراتِها النبيلة إلى حين، خاصةً أنها تشددُ على إنسانية العبيد وإنه لا فرق بين عربي أو أعجمي، أو على دكتاتورية العمال والنضال الذي يقود ليكونوا الطبقة الوحيدة في المجتمع ولهم السيطرة والثروة، وهي تشيعُ في الدين أجواءً من الغيبيات والأساطير والقراءات الحرفية المحدودة المستويات، وفي القوميات التعصب.

مثلما قالتْ البرجوازيةُ الفرنسية في ثورة يوليو في القرن الثامن عشر، نحن نعملُ من أجلِ الإخاء والمساواة والرخاء. لكنها ركزت على صعود طبقة واحدة هي المالكة للثروة.

ومثلما تعب المسلمون من الجهاد بعد عصري النبوة والصحابة ومن التضحيات التي بذلوها، وأراد بعضُهم أن يجنيَّ الثمارَ، وأن يواصلَ صعودَ تجارته، فصعدَ خلفاءٌ دون خلفاء، وتفتتْ التحالفُ بين البرجوازية الصغيرة وبين الفقراء والعبيد وجاء الحكمُ العضوضُ في العهد الإسلامي الأول.

هي سببياتٌ وظاهراتٌ في التاريخ موضوعيةٌ تتم لظروفٍ، مختلفة متناقضة، متمثلة في الجوهر العابر للعصور وهو حاجة العمال والفقراء لقوى المثقفين التي تتقلبُ بين ثورةٍ وثورة مضادة، بين تضحيةٍ وإنتهازية.

عظمةُ الثوراتِ تتجلى حين يتحدُ المثقفون والسياسيون المضحون والعمال، هذا يشكلُ عصوراً كفاحيةً لشتى الأمم، وفي مختلفِ المراحلِ، وعلى مرِ الأزمنة، صحيح أن أشكالَ المثقفين والتجار الصغار والعمالة تختلف حسب تطورات العصور وأساليب الإنتاج، وحسب أشكالِ ومحتوياتِ الثقافةِ وهي تعودُ لمستوى تطور الوعي الموضوعي التاريخي، إلا أن الكفاحَ لتطويرِ الأممِ والشعوب وخدمة النضال هو نفسهُ من حيث إحداثِ تحولٍ وقفزة في التطور، تجعل تواريخ الأمم والشعوب مختلفة بعد تلك التحالفات التاريخية التضحوية الكبرى.

في أزمنةِ ما بعد الثورات يقول الموظف دعوني أعيش من أجل تجارتي وعائلتي، ويقول الشاعر إنتهى زمان التضحيات، والكتابة عن البؤساء، ودعونا نرتقي بلغتنا ونحصلُ على معيشةٍ أفضل، وتتغير مصطلحاتُ الشعرِ والنثر، ويعيشُ الحجازُ فيما بعد الثورةِ الإسلامية مُرسِخاً شعرَ الغناء الجميل والحبَ العذري المستحيل ويَطردُ الصعاليكَ، ويَحدث التفككُ في العقلانية النضالية النسبية الشعارية في العصر الحديث، فالنقدُ يكفُ عن التحليلات العميقة للأدب والفن كنوعين يتنفسان في بُنى إجتماعية متناقضة تعلي الأغنياء وتفقرُ الفقراءَ، وبضرورة إعتبار كل جنس إبداعي خلية حية أو ميتة تبعاً لدورها في التغيير أو في التبرير، ويُقال الثقافة أكبر من الصراعات الاجتماعية والروحية، ودعونا نعيشُ ونكسب!

البرجوازية الصغيرة الشرقية العالمية

قامت البرجوازيات الصغيرة الشرقية بقيادة شتى التحولات في الشرق ثم انساحت في الغرب في قارة أمريكا الجنوبية خاصة.

كانت الطبقتان الكبريان البرجوازية الخاصة والعمال غير موجودتين بقوةٍ واتساعٍ في المجالات الفكرية والسياسية خاصة، فالأسلوبُ الرأسمالي لم يتغلغلْ صناعياً في شتى الحقول إلا بشكلٍ يسير.

وكان الحراك الفكري السياسي هو لهؤلاء المثقفين الطالعين من مختلف الطبقات خاصة من الفئات المالكة الصغيرة، التي لديها قدرة على العيش مع مختلف الطبقات، وعلى الحراك بينها وقيادتها.

تلعبُ عناصرُ الثقافة، والإمكانياتُ الاجتماعيةُ المتاحةُ من تعليم وأسرٍ صغيرة، ومن غيابٍ للأملاكِ الكبيرة، ومن غيابٍ للبؤس الساحق، بأن تقومَ هذه الفئاتُ البرجوازية الصغيرة بالنيابة عن القوى الاجتماعية الرئيسية في التوجه للقيادات الفكرية والسياسية والاجتماعية، وأن تطرحَ نفسها كبدائل عن الطبقات الكبرى الصانعة للتشكيلات الاجتماعية.

من لينين وماو وبومدين وعبدالناصر إلى حسن البنا وعفلق والخميني وغيرهم كثير من القادة الكبار صانعي التاريخ، طرح البرجوازيون الصغار أنفسهم كمنظرين وصانعين لأنظمةٍ كلية متجاوزةٍ للرأسمالية الغربية، وشكلوا أنظمةً وتنظيمات شمولية بهذه الدرجة أو تلك من الثورات الاقتصادية.

تصلُ هذه البرجوازيات أحياناً للسلطة وأحياناً لا تصل، وتشكل ايديولوجيات متناقضة، تحوي التناقض بين رأس المال وقوى العمل، وهي أي هذه الفئات تقول إنها قادرة على حلِ هذا التناقض، وتجاوزه والانطلاق بالبشرية خطوات مغايرة للرأسمالية الغربية.

وتتعددُ مستوياتُ الطرحِ فبعضُها يتوجه لحل التناقضات كافة وإلغائها المفترض، وبعضُها يتطور، وبعضها ينهار.

إن البرجوازي الصغير هو مالكٌ وعاملٌ في الوقت نفسه، في بنيتهِ الأساسية خاصةً عند صغار الفلاحين والحرفيين، وهذا يماثل في سمات معينة مع الموظف الصغير، والمثقف منتج ومالك المعرفة وبائعها: الكتاب، المعلمين وغيرهم.

وهو لهذا يقف وسطياً، ثم يصنعُ الأنظمة الخاصة الشرقية بقيادته، كما يصنع(الفلسفات) الهجينة كذلك، ويريد أن يلغي الرأسمالي والعامل في الوقت نفسه، ويحتفظ بالعالم الطبيعي الموضوعي والأفكار الروحية الغيبية، ويصيرُ هو المالك والقائد، فيتحول في مجرى التاريخ إلى مالكِ الرأسماليةِ الحكومية، ويصعدُ من الوظائف الدنيا والرتب العسكرية الصغيرة والمتوسطة إلى رئاسةِ الشركات والبنوك الحكومية ومؤسسات الثقافة والإعلام.

وعلى الايديولوجية التي صنعها في ضباب الشرق الاجتماعي ومن أي مواد: دينية وقومية واشتراكية يعتمدُ مسار التحول، وإلى أي مدى تمضي الإصلاحاتُ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يقوم بها. وكلما تعمقتْ التغييراتُ التي يقوم بها كان ثمنها باهظاً ودموياً، لكونها جاءتْ من كرسي البرجوازي الصغير وهو على قمة السلطة، وداخل الدبابة. فتقوم باختراقات كثيرة للحم البشري وللحم الاجتماعي، وتحتاج بعد ذلك إلى عمليات جراحية وتطبيبية كبيرة.

إن رأسماليات الشرق التي يقودها البرجوازي الصغير محفوفة بمخاطر رهيبة، وليست نتاج قرون من التراكم الاقتصادي والتراكم الاجتماعي.

إن التناقضَ بين رأس المال وقوى العمل لا يزول بعد كل هذه التجارب، بل يتعمق ويتسع، ويصير داخل أجهزة الدول، وفي ثنايا الأفكار، وفي أدمغة الثقافة العصابية، ويصيرُ أمراضاً باطنية، وهلوسات دينية، وانفجارات قومية أو عمالية.

يتحول البرجوازي الصغير إلى رأسمالي حكومي كبير، وتحدث هنا اختزالات للنظريات والعلوم وتجميع فوقي للثروات، وإفقار مستمر للقواعد العمالية، مثلما يحدث إفقار للثروة الثقافية. أي أن رأسَ المال وقوةَ العمل كليهما يتآكلان بسبب هذا الاحتكار بأشكال متعددة في أغلب الدول الشرقية.

إن الدولةَ تصيرُ رأسَ المال الكلي، وقوى العمل تتغربُ عنه وتفتقر به، والسلعُ تضعفُ وتفقد قدرتها على التطور، وأشكال الفساد تتسع، وأموال الدول تضيع، وفي حالات أخرى أشد ضعفاً من الممكن جلب عمالات أجنبية رخيصة تقوم بسد النقص في ضعف العمالة المحلية أو قصورها أو لرفضها لأجور متدنية مما يعقد هذه التجارب أكثر ويعرضها لأخطار أشد.

في أحاديث البرجوازي الصغير الأولى عن تجاوز التاريخ، يستندُ إلى الايديولوجيا السحرية المعمولة في المصانع الحزبية الشمولية أو لدى العامة، إنها ايديولوجيات لا تتعرض لديمقراطية فاحصة مضيئة طويلة، ويتم استقطاب الجمهور الفقير مادياً وثقافياً إليها، لتحويلها إلى أدوات للبرجوازي الصغير، ليغدو برجوازياً كبيراً، مع استمراره في قمع الفقراء والعمال! في حين تفقد الدولُ أراضيها وعمالها وثروتها العقلية، وتسيح!

كان هذا مساراً حتمياً، فلم تكن أغلبية شعوب الشرق قادرة على أداء أحسن من هذا، لكن الظروف الجديدة الراهنة التي أحدثت نمواً اقتصادياً كبيراً بإشكالياته تطرح تجاوز هذا النموذج السائد سابقاً، وبأن يظهر الرأسمالي (أوالعامل) نفسه الليبرالي والعلماني ليقود تجربةً ديمقراطية صناعية جديدة، بسبب الجمود المستمر لتحكم الدول، والتناقضات الحادة للبرجوازية الصغيرة، غيرِ القادرةِ على فهم وتنفيذ الحداثة المعاصرة.

لقد حسم التاريخُ المعاصرُ الأمرَ ولا يوجد سوى نموذج عالمي ديمقراطي واحد، والجميع يجب أن يتكيف معه، والذي لا يتكيف يخرجُ من التاريخ.

قياداتٌ برجوازية مخنوقة

أدت التحولاتُ الدراماتيكية في آسيا إلى إضعافِ مواقع القطاعات العامة المسيطرة خلال عقود، والتي نشأت معها الأنظمةُ الشموليةُ الحديثة، وأتاحتْ تلك التحولات صعود شخصيات لا ترتكز على الأفكار الشمولية بكل تجلياتها الدينية والعقائدية الجامدة، لكن في روافد صغيرة مخنوقة بسبب الميراث الديني الشمولي الطويل والميراث السياسي الاستبدادي(العريق)!

شخصيات مثل موسوي وكروبي وعلاوي وقيادات بعض الأحزاب المصرية والسودانية وغيرها، عبرت عن ظاهرات جديدة في المنطقة، أهمها إنها تسبحُ في ضباب فكري، وكأنها مجموعةٌ من الأشباحِ تتردد بين القديم والجديد، غير قادرة على الظهور بمظاهر سياسية وفكرية واضحة مبهرة!

وفي البلدان المُفتَّتة طائفيةً وقومياً والتي لا تمتلك أغلبية شعبية لمذهبٍ أو قومية، لا تُستثمر العناصرُ الديمقراطيةُ والليبرالية في إنتاجِ سياسةٍ نهضوية ديمقراطية، فتجد الزعماء الطائفيين يتقلبون من وجهةِ نظرٍ إلى وجهةِ نظرٍ مضادة، ويهرولون من معسكر إلى آخر، ليس لديهم من حراك سوى (حماية) الطوائف أو قلْ حماية مصالحهم داخل الطوائف الجامدة العائشة في تقاليدٍ غيرِ ديمقراطية وفي عوالمِ الجهل والتخلف الاجتماعي وإضطهاد النساء والركض وراء المصالح والغني مهما كانت الأسباب يبيعون الدينَ والمبادئ، ويقومون بإستغلالِ ألعاب الطوائف لبقاء كراسيهم وأحزابهم الديكورية وهذه الكهوف المعتمة من القرون الوسطى ويضحكون على هؤلاء البسطاء الجهلة!

الحراكُ السياسي هنا حراكُ فقاقيعٍ تطير حسب الرياح اليومية السياسية!

ودعك من الكلمات الضخمة عن الاشتراكية والقومية والإسلام والوطن العزيز فهي مجردُ يافطاتٍ تخفي الفقر السياسي المبدأي وراءها!

أما قوى الزعماء المرتبطة بالقوى الوسطى التي بدأت تطلُ برؤوسها داخل بلدان تجري فيها معارك إجتماعية وسياسية عميقة وحادة كإيران والعراق ومصر وغيرها، فقد دخلت في صراعات متباينة مع أنظمة دكتاتورية وجهت أهدافها لتحقيق تحولات ديمقراطية عميقة في حياة السلطات المهيمنة الرافضة للتغيير الحقيقي، والتي تواصل أبنية القرون الوسطى وإعتقال الشعوب والنساء والعقول تحت لافتاتٍ لم يُنزل بها من سلطان سوى سلطان الإستئثار والتحكم في الشعوب المتخلفة وإبقائها في هذه الزرائب التي صنعوها باسماء الاشتراكية والأوطان المبجلة والإسلام والقومية وقيادة الثورة المظفرة والدفاع عن الأمة ضد الكفر والتغريب، وما هنالك من مسميات إخترعوها لتضليل العوام السذج عقوداً طويلة!

دساتيرٌ خُيطتْ على مقاسات الأقزام، وظلمات صوروها كالأنوار، وما هي بأنوار بل حروب إجتماعية متخلفة تتفجر ذات يوم بأشكال دموية مدمرة!

لا يريدون الإلتحاق بالبشرية الديمقراطية ولا يرفعون أحكامَ الطوارئ عن النساء والعوام والدين، ولهذا فإن قيادات الطبقات الوسطى التي تقفُ أرجلُها على قواعدٍ إجتماعيةٍ هشة، هي نفسها لا تعلن الشعارات العظيمة من علمانية وديمقراطية وعقلانية، بصلابة وبتحليلات عميقة في كل شؤون المجتمع لتضرب الخرائبَ الآيلةَ للسقوط، فتختطفُ حدثاً سياسياً مهماً وتحوله لنهر سياسي يتلف حوله الناس، بلا ثقافة تنوير سياسية واسعة، وبلا مهمات إجتماعية كبرى، لضخامة الجور المحيط ولغياب أساطير العائلة الوطنية الواحدة، والمذهبية الشقيقة المتحدة!

موسوي يركز على تغيير مجرى الإنتخابات المزورة، وعلاوي يكاد يختنق بين القوى الطائفية العريقة في التحايل والتلاعب بالدين والأحزاب الديمقراطية المصرية تغرقُ في الفساد!

إن الخطابات السياسية التجديدية مخنوقة لأن المصانع الخاصة مخنوقة، والفضائيات الحرة ممنوعة، والوزارات الفاسدة أبدية، والميزانيات موجهة لكراسي العسكر، وللبذخ السلطوي، ومشروعات الحروب التي لا تتوقف لأن في توقفها زوالهم، وفي سلام الناس عمارٌ يخنقهم!

العملية الرأسمالية الكونية ذات الأشكال والمستويات المختلفة، لها مصائبها كذلك، ويواجه الشرقيون سلبيات البلدان الرأسمالية المتطورة وكوارث الرأسماليات الشرقية المتخلفة، وكلها تصبُ عليهم محولةً بلدانهم إلى مستنقعات للسلع البائرة، والغالية، وللجنس الأبيض والمخدرات ولتجارة المنظمات الإرهابية التي لا أحد يعرف أرباحها من الأموال ويعرفُ خسائرَها من البشرِ الجثثِ الملقاة في الطرق مثل الذبائح وللحكومات التي تغتني وتزداد الشعوب فقراً ومعاناةً!

هي الشعوبُ الجاهلةُ المُفكَّكة طائفياً ودينياً مسئولةٌ عن كل ذلك وتترك الجزارين يقطعون من لحومِها كالمقاصب وتقول هل من مزيد؟!

البرجوازية التجارية في النضال

لقد ناضلت فئاتٌ من البرجوازية التجارية في سبيل التغييرات الإيجابية في الوطن والمنطقة، وربما تكرس ذلك في عائلات محددة، بحكم التأثير الفكري والتحرر وتأصلهما في هذه النخب الصغيرة المحدودة عموماً في هذه الفئات.

ولكن هذا النضال تم بصيغ الاستيراد الحادة غالباً، وهو أمر يشمل كل الفئات المنتجة للوعي والنضال، وتتحول نماذج الاستيراد إلى صيغ جامدة، كلية، مثلما حدث في تأييد الثورة المسلحة في ظفار، وإعلانه خطاً وحيداً للتغيير، وهو أمر مسدود الأبواب تاريخياً وجغرافياً، فهو لا ينتج عقلية ديمقراطية مرنة تقرأ ظروف شعبها بشكل موضوعي بدلاً من أن تسقط أحلامها وأفكارها الخاصة على الواقع.

ولو تمت مراجعة موضوعية لمثل هذه الأحداث والأفكار، فإن مثل هذه الشخصيات الرومانسية الثورية يمكن أن تكتسب حالة أخرى، ويمكن أن تنتج مقاربات أدق، وتخلق ثقافة وطنية موضوعية تساعد شعوبنا في المنطقة على مقاومة التخلف.

لكن ثقافة نضال أقصى اليسار تقود إلى ثقافة أقصى اليمين، وإلى الالتحاق باليمين في الدول العربية الشمولية، التي تنتج ثقافة مضادة للماركسية اللينينية المتطرفة في الجنوب، بحيث أنها تذوب في أحضان الإقطاع الحكومي المسيطر خاصة في دول الشمال العربية حيث يتربع البعث المطلق على الحكم والثروة، فتنتج ثقافة الفقاعات الإصلاحية التي لا ترتكز على أي قوى شعبية مناضلة.

إن هذين الوجهين، وجه التطرف والرومانسية الثورية وتصعيد الفقراء والفلاحين المعوزين إلى الحداثة بضربة عسكرية لا تأتي، ووجه الذوبان في الحكومات الشمولية الإقطاعية لإنتاج حداثة خربة متعفنة كان العراق أبشع مثل لها، هما البديل عن الممكن الحقيقي وهو النضال الديمقراطي العقلاني الطويل الأمد مع الجمهور، بحسب درجات تطور كل بلد خليجي، وبمراعاة ظروفه السياسية والثقافية، وبدون التنازل عن الديمقراطية كحل أساسي يتشكل بحلقات نضالية موضوعية.

ولكن (الذاتية) كتورمٍ تقفزَ هنا على الظروف بمخططات خيالية تعكسُ عدم صبر هذه الذات، وعدم قراءتها للواقع وضمور ثقافتها، وهي هنا تضحي بسنوات من عمرها في الفراغ التاريخي، الذي ينتج عنه يأس وعزلة، ويقود ذلك إلى تدهور شكل الوعي سواء بهزيمة المقالة الثورية أم بغياب الدراسة أم بانكماش القصيدة النضالية أو بموت اللوحة وإلى غير ذلك من أشكال الهزيمة الثقافية التي تعقب مشروعات القفز والخيال السياسي!

وهذا يمكن أن نلحظه الآن في المثقفين التقنيين التابعين للإقطاع المذهبي في القرى الذين يتصورون أنفسهم يفيدون الشعب، فيما هم يتسلقون ويريدون التراكم المالي، ولكن ملالي القرى يريدون تكريس هيمنتهم على المجتمع، ولذلك يغدو لهؤلاء المثقفين التقنيين دور مرحلي، سواء كان ذلك في الحد أم في الدراز فسرعان ما يــُطردون نظراً لعدم تطابقهم مع المستوى الفقهي المحافظ المحدود لرجال الدين لدينا، والذي يقودنا بالتالي لمواجهة كارثية!

ولذلك حين يقوم مثقفو المدن التقنيون من نفس العائلات التجارية بنسيان دروس الثورة في ظفار وخيبة الأمل في الإقطاع السياسي والديني معاً، ويريدون الاستفادة من هذا الخصم الاجتماعي، لارتفاعهم الخاص، يؤكدون ضعف النظر لدى هذه النخب الطالعة من البرجوازية التجارية، الهشة فكرياً وسياسياً، وعدم قدرتها على الصبر السياسي وعلى الإنتاج الفكري العميق البعيد النظر وركونها للفرص السهلة!

البرجوازية والطائفية

استخدم الغرب بشكله الاستعماري القوى الدينية لعرقلة نمو حركة التحرر في العالم العربي والإسلامي، فكانت هذه القوى الدينية بطبيعة الحال قوى طائفية، استخدمت الإرث الديني القديم المُفرّغ من دلالاته النهضوية، وتابعت الفئات الوسطى العربية هذا الاستخدام عبر دعم وتكريس المؤسسات الطائفية المختلفة.

وإذ نشأت الفئات الوسطى نفسها في حضانة الأنظمة التقليدية العربية، فإنها واصلت تبعيتها للإقطاع السياسي والديني المهيمنين على الأمة المقطعة منذ ألف سنة.

إن طبيعة رأس المال السائد عربياً خلال هذه الألف سنة، تتوجه نحو التوظيفات التجارية والعقارية والمصرفية، والأخيرة إلى مستوى متدن لأسباب معروفة، وهذه التوظيفات كلها ترتبط بالتبعية للدولة، أي أن الفئات الوسطى تغدو تابعة ومعبرة عن النظام التقليدي نفسه.

إن النظام السياسي/ الطائفي هو الذي يشكل الفئات الوسطى، بشكل كبير، فعلى ضوء سيطرة القبيلة العسكرية، أو الحكام الغزاة، أو الضباط المتسلمين الأدارة من الاستعمار، فإن الفيض المالي المأخوذ من وسائل الإنتاج الزراعية أو من الضرائب، وفيما بعد من الملكية العامة لوسائل الإنتاج الصناعية والنفطية الخ..، الذي يؤخذ بشكل قسري وشمولي، هو الذي يتيح تكوين الفنات الوسطى وحجمها وتطورها.

وتأتى الفئات الوسطى المنبثقة من الإدارة والجيش على رأس الفئات الوسطى، حيث تكون هي الأقرب الى مركز الفيض المالي، أو مركز السرقة العامة، ثم تأتي بعدها الفئات الوسطى الخاصة، والتي لا تستطيع أن تنمو إلا تحت مظلة القوى السابقة الذكر.

وهكذا فإن هذا الأساس الاقتصادي هو الذي ينتج المظلة الإيديولوجية، التي عادة ما تكون مذهباً دينياً تم تفريغه من تطوره التحويلى والمعارض، وغدا مجردَ أشكال عبادية للسيطرة على الجمهور، وبالتالي فإن القوى المسيطرة المتعددة من حكام سياسيين وحكام دينيين، و(حكام) اقتصاديين وهم هذه الفئات الوسطى التي أثرت بفضل صلاتها وتبعيتها بالنظام السياسي / الديني، تقوم بإنتاج أشكال الطائفيات المستمرة على الفضاء الاجتماعي والسياسي.

يغدو التجار طائفيين بحكم النشأة الاقتصادية الفكرية الاجتماعية المتداخلة، فالمذهب مفروض عليهم من خلال الصلات الاقتصادية المسبقة، وهم يظلون متحجرين في هذه المذهبية إذا لم تطرأ عوامل للثورة الوطنية الديمقراطية، عبر توحد السوق الوطنية ووجود عقبات اقتصادية استعمارية وأجنبية، تحول دون نمو رساميلهم، وهكذا فإن عهود الثورات الوطنية الأولى هي التي شهدت تناميا للوعى الديمقراطي الليبرالي، بقصد تجميع الطاقات الوطنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهدم النفوذ الأجنبي.

وهذا التجميع لم يكن ممكناً بدون العلمانية والليبرالية، حيث يمكن تجميع المسلمين والمسيحيين، أو تجميع الطوائف الإسلامية، أو تجميع القوميات، وهكذا تغدو الطائفية معبرة عن السوق المجزأة، سواء عبر الطوائف المنقسمة، أو ثنائية الرجل المسيطر الموظف، والمرأة الجاثمة في البيت، أو بيروقراطية وفساد المدينة وإنتاجية الريف، أو نهضة المدينة وتفسخ الإقطاع الريفي، أو تقدم الثقافة النهضوية والتكنولوجية وأمية الجماهير

إن الطائفية هى المعبرة فكرياً واجتماعياً وسياسياً عن مرحلة الأقطاع السياسي/ الديني، أي إنها تعبير كذلك عن سيادة الفئات الوسطى الإدارية المتحكمة في الفائض المالي، وهذه لا تقوم سيطرتها إلا على تمزق السوق الداخلية، وتخلفها، وغياب حضور الجمهور عن الإدارة السياسية والاقتصادية.

وهذه تقود التوظيفات المالية نحو البذخ ونحو الاستثمارات العقارية والخدمية، أو نحو السوق الخارجية الغربية كأفضل ميدان للربح المضمون، وتأتي الصناعة الخاصة في آخر القائمة، في حين أن القطاع العام بمختلف أشكاله الرأسمالية يكون تابعاً للإقطاع السياسى/ الدينى، فلا يكون لهذا القطاع العام دور مختلف عن أراضي الخراج السلطانية في العصر المملوكي أو العثماني.

تابعت الفئات الوسطى العربية إنتاج الإقطاع للدين، مثلما تابعته في الملكية الاقتصادية.

فهي قد عاشت على الملكية العامة الزراعية المهيمنة عليها من قبل السلطات السياسية الدينية، ولهذا فان إنتاجها لمقولات الحرية والليبرالية والعلمانية ظل محدوداً، وقد جاءت هذه المقولات والمفاهيم عبر الاحتكاك بالغرب بوجهيه الاستعماري والديمقراطي، نفياً للأول واستثماراً فكرياً عربياً إسلامياً للثاني.

أي أن هذه المفاهيم لم تكن نتاج التطور الداخلي لبنية اقتصادية إنتاجية، فالفئات الوسطى أثناء ذلك لم تتحول توظيفاتها إلا بشكل محدود نحو المصانع، وكانت هذه المصانع ذاتها مرتبطة بالمواد الخام الزراعية، مثلما سيكون الحال في المواد الخام النفطية فيما بعد.

أي أن الفئات الوسطى وجدت نفسها تابعة دائماً للإقطاع وفضائه السياسي والفكري، حتى لو تم ذلك عبر الاستعمار، لأن الاستعمار ذاته اتخذ شكلاً إقطاعياً، عبر دعم البنية المتخلفة وأساسها الزراعي التصديري للمواد وعلى دعم البناء السياسي/ الطائفي.

فحتى المواد التنويرية التي تم استيرادها من الغرب الديمقراطى، كانت خاضعة لهذا الفضاء التابع المحدود، فجاءت الموجة التنويرية الليبرالية الأولى، دون أن تقدر على طرح العلمانية بشكل ثوري وواسع وجماهيري، أي دون أن تفهم الإسلام والمسيحية كدينين تم السيطرة عليهما من قبل القوى الإقطاعية على مر التاريخ السابق، ولهذا لم تستطع أن تعيد إنتاج البذور التنويرية الغربية داخل التربة العربية الإسلامية المسيحية.

إن الفئات الوسطى باستمرارها في الطائفية كان هذا تعبيراً عن استمرار استغلالها للجمهور العامل، بأساليب مختلفة، وعبر المحافظة على الأبنية الاجتماعية التقليدية، وعبر تخلف الريف وتدهوره.

وفيما بعد جاءت الانظمة الوطنية العسكرية دون أن تستطيع تجاوز المستوى الذي بلغته الفئات الوسطى الحرة السابقة، خاصة فيما يتعلق بالحرية والحداثة والعلمانية، وهكذا أخذ «اليسار» العربي ينزلق تدريجياً في بنية الإقطاع السياسي/ الديني، ثم أخذ بعضه يحتل مواقعه، ويعيد إنتاج هياكله السابقة، عبر جعل الملكية العامة (الخراجية بتعبير سمير أمين) تخضع للفئات الوسطى الإدارية وخاصة كبار الضباط والموظفين، فتدهورت قيم العقل والحرية والعلمانية والديمقراطية، واعادت البرجوازيات العسكرية استخدام الإسلام الذي تم إنتاجه من قبل القوى الطائفية عبر الألف سنة السابقة، وبهذا سارت نحو الكوارث الطائفية

وحروبها كالجزائر والسودان ومصر والعراق الخ..

وعلينا أن نرى تدهور العقل الوطني التحديثي عند الجماعات «اليسارية» وعودتها الحثيثة للأبنية الطائفية كأجزاء من ارتباطها بهذه الأنظمة التقليدية، وانهيار مفردات العقل والحرية والعلمانية والديمقراطية داخلها. أي لمشاركاتها في سرقة الجمهور العامل والمالك المنتج ، وبالتالي فإن هذا التدهور ليس غيبياً بل يتعلق بالجيوب.

كانت الطائفية هنا تعبيراً عن استمرار سرقة الجمهور بالوسائل الإدارية والقسرية والبيروقراطية القديمة، ولهذا فإن تغيير حياة الفلاحين والعمال والنساء، تغييراً حداثياً كبيراً، لم يحدث، إذا لم يكن قد عاد إلى سابقه.

اقتنع الغرب الديمقراطي والاستعماري على حد سواء، بأن استمرار العالم العربي الإسلامي في بناه الإقطاعية الطائفية، أمر محفوف بالمخاطر، وهذا الاقتناع لم يجيء إلا حين صار الغرب نفسه بكل أقسامه ضحية من ضحايا الإقطاع السياسي والديني للعالم الإسلامي بالمجاز.

ولا شك أن انتقال البرجوازيات العالمية لهذا الاقتناع يعود لجملة أسباب كثيرة ومعقدة، لكن ما يهمنا هنا إن تصدير العلمانية والديمقراطية الغربية بالقوة إلى هذا العالم التقليدي، لم يعد مسألة دعائية بل صار شيئاً قريباً من روح الإسلام نفسه، كما يقول الحديث الشريف بما معناه حين يقوم شخصٌ ما بثقب مكانه في السفينة فيعرض حياة الركاب جميعاً للفرق، فهل يُترك ليقتل الناس جميعاً ؟

البرجوازية الحديثة وضعف الليبرالية

إذا كنا في حلقات سابقة قد قرأنا أسباب ضعف الفئات الوسطى العربية في العصر الكلاسيكي! فإننا هنا لا بد أن نذكر الخصائص الموضوعية التى اتسمت بها، وأهمها ذيليتها وتبعيتها للأنظمة الإقطاعية. ولم تحدث في أثناء هذه التبعية أي مواقف جذرية شاملة نحو وعي ديمقراطي ليبرالي بطبيعة الحال.

وفي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين, أتيح للفئات الوسطى نمو كبير في التجارة والعمليات الاقتصادية الأخرى المختلفة بسبب نشوء نظام عالمي جديد هو النظام الرأسمالي الغربى، الذي أخذ من العقود الأولى من هذا الفرن بالتوسع الاستعماري منتقلاً من مرحلة تصدير البضائع إلى مرحلة تصدير رأس المال.

وإذا كانت هذه المرحلان قد ركزت غربياً على جلب المواد الخام المهمة، فإنها قد وضعت سقفاً لنمو الرأسمالية في العالم العربي، كذلك فإن الاحتلالات العسكرية الغربية لم تقوض الأنظمة الإقطاعية . المذهبية، بل جعلتها أساساً للنظام التابع الذي أنشاته فى كل بلد عربى، ولهذ ا فإن (الإصلاحات) الرأسمالية التي قامت بها كانت تسهيلاً لتدفق التجارة بين البلد التابع والمتروبول.

أي أن الدولة كمهيمنة على جانب رئيسي من الثروة لم يتم إزالتها، ولم يفعل الاستعمار سوى أن يجعل الدولة الإقطاعية – المذهبية المحلية كشريك في عمليات الاستغلال المشتركة للمنتجين.

أما الجوانب الأكثر تخلفاً كملكية العبيد والحجر الكلي على المرأة فلم يكن بالإمكان استمرارها في المناطق المدنية، وهي المراكز الاقتصادية الكبيرة التي هي بحاجة إلى استقرار لهذا النظام الملفق، فهو إقطاعي – مذهبي، تسود فيه الشريعة التي تم إنتاجها في قرون هيمنة الإقطاع المطلقة. ولا هي القوانين والنظم الليبرالية الغربية المستوردة.

فى مستوى هيمنة الإقطاع، بقيت الأسر الحاكمة التي تملك الخزينة الملكية شرعاً، ولكن الإصلاح الاستعماري جعل هيمنتها غير مطلقة، وهنا لأول مرة تطبق مسألان الميزانية العامة، ويتم الفصل قليلاً بين جيوب الحاكم وخزانة البلد، لكن هيمنة الأسر الإقطاعية الحاكمة تم في جوانب عديدة من الاقتصاد، ببقاء الأملاك الكبيرة والتحكم في جانب كبير من موارد الخزينة، والموارد التى ستأتي لاحقا، كالبترول.

لقد رفض الاستعمار الغربي نقل الثورة البرجوازية إلي العالم العربي. عبر جعل الدولة جسماً غير اقتصادي، فقد استمر في جعل الدولة الماكينة الاقتصادية الأساسية، فهي ضمناً تمثل المالك الأكبر، ويجب ألا يغيب عنا بعض الجوانب الرأسمالية التحديثية التي هي جوانب جزئية لا تلغي كون الدولة هي المالك الأكبر.

إن الملكية العامة التي كانت للأرض يتم التخلي عنها، فتصبح الأملاك الزراعية الكبيرة من ملكية طبقة الأعيان أو الشيوخ، حسب التسميات فى كل منطقة. وبهذا يحدث لأول مرة في التاريخ هذا الانفكاك الواسع بين ملكية الدولة والأرض الزراعية، مما يسمح بنمو للملكيات الخاصة الزراعية بشكل واسع في العصر الحديث. ولكن هذا لا يعني سقوط الإقطاع الزراعي، فهو يصبح الآن مباشراً، بدلاً من الشكل العام واللامباشر الذي اتخذه في الغالب الأعم من التاريخ القديم.

ولهذا فإن الأسر الحاكمة عبر تزعزع بعض جوانب سلطتها فى النظام السياسي، تقوم بالتعويض عنها من خلال ملكيات الريف والدخول في الحياة الاقتصادية، وبشكل يساعد فيه الموقع السياسى المتنفذ.

هنا نجد ذلك التآلف بين الإمبريالية والإقطاع، وهو الأمر الذي سيضع أساساً للتعاون السياسي والأيديولوجي بين الجانبين في فترات كثيرة من هذين القرئين 19، 20.

إن العمليات التحديثية التي يقوم فيها الاستعمار وشريكاه في السلطه، الإقطاع السياسي، والأقطاع الديني، عبر إدخال التعليم النظامي وخروج المرأة المحدود إلى الحياة العامه، والعمليات التحسينيه الأخرى، إنها تبقى من أجل وظائفيتها الاجتماعية والسياسية، فظهور الجيوش الوطنية المحدودة، والمهيمن عليها من أبناء الأسر الأشراف، على الأقل فى النصف الأول من القرن العشرين، لا يمكن أن يحدث دون تعليم وإنشاء أجهزة، وكذلك دون مجيء المصانع والأدوات التي تنقل المواد الخام، او تصنعها بعض التصنيع المحدود، والموانئ التي تنقلها الخ.. إنها سلسله وظائفيه لحمايه المواد الخام، ووصولها إلى البلد المسيطر، ولهذا فإن الإقطاعين السياسي والديني يلعبان دوراً في ركود البنيه السياسية الاجتماعية، واستمرار إعادة إنتاج المواد الخام، والسوق الوطنية كسوق تابعه.

إن التعليم والإدارات السياسية والدينية والسوق… الخ هي أنظمة حماية لتدفق السلعه الصَّدرة للمتروبول كسلعه رخيصة، ولمجيء السلع المصنعه، ودون هذا التشكيل المتضاد بين القديم والعصري، بين البلد التابع والبلد المسيطر، لا تنشأ علاقه مستمرة.

إن هذا التآلف بين الاستعمار والأقطاع قد اتخذ جوانب عدة. فالاستعمار الذي هو قمه تطور البرجوازية الأوروبية والأمريكية، يقاوم تشكل مثيلته في البلدان التابعه، أي يقاوم نشوء برجوازية صناعيه يمكن أن تستولى هى على السوق. وإذا قبل بنشوئها فعلى ضفاف النظام الكولونيالي الذي رتب أداوره الأساسية.

ومن هنا يغدوالتحالف بينه وبين الإقطاع بشكليه رئيسياً في نظامه الحديث شكلاً والمحافظ والقديم مضموناً . أي أنه يبقي علاقات الأنتاج الإقطاعية سائدة، ويحفر خلالها لقنوات نمو رأسمالية محدودة.

إن نشوء نظام إقطاعي ـ مذهبي تابع لبلدان الغرب المسيطرة الرئيسيه، سيكون هو الصيغة الملفقه السياسية والاجتماعية لظهور العالم العربي والإسلامي في العصر الحديث، وبمظهره هذا بدا كأنه غير الماضى، وانه بُنى اجتماعية رأسمالية، وهذا أمر شوش الرؤية السياسية طويلة لدى المثقفين بل الباحثين.

إن الاستعمار قد حافظ على البنى الإقطاعية ـ المذهبيه، في الأقطار التي تتنوع فيها المذاهب الإسلامية، وعلى البُنى الإقطاعية الدينية التي تتنوع فيها الأديان، كمصروالسودان والعراق ولبنان وسوريا، أو التي تتنوع فيها الأديان والمذاهب كذلك. ويلاحظ هنا ان المشرق العربي هو الذي مثل هذه الفسيفساء، للجذور القديمه التي تمتد إلى آلاف السنين.

إن حفاظ الاستعمار على البُنى القديمة، يؤدي إلى سيطرته على اجهزة الدوله، وبالتالي يلعب دور الإقطاع السياسي المسيطر، كما كان الأمر فى دولتى الأمويين والعباسيين وما تلاهما، لكن (الخراج) المعاصر لا يذهب إلى بذخ القصور كما كان الأمرسابقاً، بل إلى البنوك والشركات الغربية، عبر إتاحة الدولة الإقطاعية الاستعمارية لشركات بلدها استغلال المواد الأوليه والسوق.

إننا أمام صيغة اقتصادية وسياسية مركبه، ففي الوقت الذي يلعب فيه النظام الاستعماري دوره الرأسمالي في بلده، عبر ضخ الموارد من البلد التابع، فيطور رأسماله الداخلي، فإنه يلعب دور الإقطاع السياسي فى البلد المستعمَّر.

وهى صيفه كما تقوم بتطوير جزئي للبلد المستصمَّر، فإنها تبقي الهياكل، لإقطاعية الأساسية فيه. هنا يلعب الاستعمار دور الأشراف السابقين، فيتحالف مع الأشراف الحاليين، أو الذين يصنعهم كأشراف . وبُحدث ديمومة للعلاقات الإقطاعية ـ المذهبيه.

ونظراً لتحول السلطه الاستعمارية إلى إقطاع في البلد المستعمَّر؛ وإلى رأسمالية احتكارية في البلد المستعمّر، فإنها تقوم بالحفاظ على الإقطاع في مستوييه السياسي والديني. كما تحافظ على مستوى محدود من تطور القوى المنتجه.

إنها تغدو جزءاً من الإقطاع السياسي، ولهذا فإنها لا تغدو سلطة برجوازيه، بل هي في وجودها الاستعماري تعادي الميراث البرجوازي الغربى الثوري نفسه، أو هى حين تصدره تزيح الجوانب الديمقراطية والعلمانيه منه. لأنها غدت جزءاً من السلطة الإقطاعية.

إن السلطة الاستعمارية تحمي وتقوي المستوى الديني من البنية الاحتماعية.

إنها أيضاً تفعل كما يفعل الخلفاء الإقطاعيون السابقون بأشكال حديثة، فيذهب (الخراج) إلى البلد المتروبول المسيطر، فيزداد البلد المستعمَّر فقراً، لكون الفائض الاقتصادي لا يعود إلى تطور القوى المنتجة.

هناك جوانب أكثر تطوراً من النظام الإقطاعي العربي السابق، فالبنية الإقطاعية ـ المذهبية ـ التابعة، هي غير البنية الإقطاعية العربية المستقلة السابقة، فهى مربوطة بتطور القوى المنتجة الغربية.

إن الازدهار المستمر في تطور قوى الإنتاج الغربية ينعكس في البلدان المستعمرة، ولا ننسى هنا ان الحلقة الراهنة حينئذ، هي حلقة تطور الرأسمالية الاحتكارية؛ وهى من نهايات القرن التاسع عشر حتى نشوء نظام الشركات العابرة للجنسية فى العقود الأخيرة من القرن العشرين، الذي يمثل بُنية رأسمالية مختلفة.

ولكن انعكاس تطور القوى المنتجة الغربية في البلدان المستعمرة هو استيراد المنتوج والبضائع، في ذلك الزمن الغربي الخاص، أي أن استيراد وسائل الإنتاج التي تصنع وسائل إنتاج، وهو ما يُسمى بالتصنيع االثقيل، كان ممنوعاً فى تلك العلاقات الاقتصادية، ولهذا فإن تصدير البضائع الحديثة من أثاث المنازل والثلاجات وأدوات الاتصال الخ . . كان محتماً وضرورياً من قبل الاستعمار، ولكن هذا لا يعني كذلك انتقال الرأسمالية كنموذج وكبنية واستيراد الحداثة كنظام، لأن استيراد البضائع وتداولها في النظام التابع، سيخضع لقوانين النظام الإقطاعي – المذهبي التابع. فالراديوسيخضع للخطب والأخبار الاستعمارية وللارستقراطية ولكبار رجال الدين.. الخ.

ومن هنا فإن نشوء أو تطور الفئات البرجوازية في هذا النظام، لن يحولها إلى طبقة، إن شروط تحول الفئات البرجوازية إلى طبقة هو ظهور رأس المال الصناعى الوطنى وهيمنته على السوق. وكما رأينا في الفئات البرجوازية العربيه القديمة، كيف لم تستطع أن توجد العملية المحورية في تشكيل رأس المال الصناعي هذا.

لكن تطور الصناعة الحرفية فى كل بلد عربي يخضع لشروط التطور داخل كل بنية وطنية، بعد التجزؤ الإقطاعي المذهبي؛ ثم الاحتلال الاستعماري، ففى بلد ذي سوق ضخمة هو غيره في بلد صغير، لكن بعض الملامح الأساسية كانت متوافرة، عبر ظهور دلائل على انهيار الحرف القديمة وتدهور الزراعة، حيث لعبت عملية الاستيراد للبضائع الأجنبية دورها في هدم جوانب من قوى الإنتاج الوطنية.

فى القرنين ١٩ و٢٠ حدثت عمليات هدم واسعة للحرف والصناعات القديمة، وهذا ما أدى إلى تضخم المدن العربية بالمقتلعين من مهنهم السابقة، كما أن تضخم أجهزة الدول الحديثة وسع هذه المدن، وهذا يذكرنا ببناء الكوفة ثم بغداد والمدن العربية السابقة، وو التضخم المدني الذي ينشأ بقرار إقطاعي، أي أن هذه ليست مدنا برجوازية، بل هي إدارات إقطاعية، غدت الأن مزدوجة اقطاعة – تابعة.

إن هذا يجعل هذه المدن تنمو بطريقة مضادة للحداثة، حيث إن المدن الحقيقية تنمو على أساس نمو الصناعة وازدهار أشكال رأس المال المصاحبة لها، لكن هذه لا تنمو على أساس نمو الصناعة، بل على أساس منع نموها.

ولهذا فإن جميع أشكال الحداثة في العالم الإقطاعي التابع ستظهر مدى هشاشتها لاحقاً.

إنها تحافظ على الهيكل الإقطاعى السابق، وعلى عمليات الاستيراد الرأسماية، ولهذا فإن الفئات البرجوازية الناشئة في العهود الإقطاعية السابقة ستواصل النمو؛ وستظهر فئة كبار التجار مرة أخرى، وستُذيل لذات النظام الإقطاعي ـ المذهبي التابع هذه المرة، وبدلاً من الاتجار في مواد الحرفيين المسلمين، والاستيراد من البلدان الأخرى، سيكون الاستيراد من بلد المتروبول ثم من المنظومة الرأسمالية كوكالات، وسيغدو الوكيل, هـو وجه الرأسمال الأجنبى البضاعى. وستنشأ ثقافة الاستيراد البضاعي ووكلاؤها المعتمدون.

سيكون الوكيل جزءاً من الطبقة الإقطاعية التابعه بشرائحها المختلفة، وستجمع بين ثقافتين متداخلتين: ثقافة الرأسمالية القشورية التابعة، وثقافة الإقطاع المذهبي بألوانه في كل بلد.

وإذا كان التاجر الكبير في العصر العباسي يورد للأشراف، أي للدولة، (السوق العظمى) فإن الأمر يستمر الآن، ولكن معضلة السوق الإقطاعية تبقى مستمرة، حيث يتم تفقير المنتجين وتوسيع السوق، وهما أمران متضادان، وعلى الرغم من نشوء بعض الصناعات في هذه المرحلة فإنها تبقى في محيط المواد الأولية المصدرة، مما يبقى الأساس الاقتصادي للبنية.

وتؤدي مشكلة السوق الإقطاعية، على بذخ على الضفتين، فالأسر الارستقراطية تستمر فى البقاء والبذح، برعاية الاسعمار، والاستعمار نفسه يسوق فائضاً اقتصادياً كبيراً إلى بلده فيجعله مزدهراً ومطلوراً لقواه المنتجة، ولبذخ البرجوازية الغربية، في حين يدمر القوى المنتجة المحلية، ولهذا فإن المدينة الإقطاعية العربية في نهاية المطاف تنفجر من تناقضاتها.

فهناك توسع مستمر لهذه المدن من دون أساس إنتاجي راسخ، ومن دون تراكم إنتاجي ورأسمالي، وهي تفقد مواردها بشكل مستمر، وتجلب القوى الريفية والحرفية المُدمرة، وهي تواصل تقوية الهيكل الإقطاعي المذهبي لنظامها، فتدخل المدينة فى نفق أزمة طويل.

تحتاج القراءة هنا إلى توصيف اجتماعي وسياسي وثقافي ملموس، وهذا أيضا يحتاج لوقفة أخرى.

البرجوازية القديمة وغياب الليبرالية

رأينا بشكل مستمر الهياكل الاقتصادية والسياسية المترابطة للأنظمة الشرقية وأسباب الاستبداد في البنية الاجتماعية بمستواها السياسي الحاكم، وبمستواها الاجتماعي الديني الحاكم.

وقد امتلك التاريخ العربي الإسلامي أقوى شمولية شهدها التاريخ الإنساني، وايصاً أكثر المحاولات الكفاحية للخروج منها، وذلك بسبب طبيعة الحراك الاجتماعي الجغرافي الذي تشكلت فيه الحضارة فى المنطقة، عبر قدرة الصحارى وسكانها على إعادة عجلة التاريخ للوراء دائماً، واعتقال التطور المدني المحدود الذي يتشكل فى المدن.

في حين أن مناطق آسيا الأخرى كالصين مثلا، عرفت عبر تاريخها الزراعي ـ التجاري المتعاضد، إمكانية للتراكم الحضاري عبر عدة قرون، مما أتاح للعناصر الشعبية العلمانية تفكيك المنظومة الدينية الشمولية والتخفيف من حضورها في الحياة الاجتماعية؛ وهو المستوي الذي هيمن فيه الاقطاع الديني لدينا بصورة صارمة.

ويعد سور الصين العظيم عن هذا التصدي للعناصر الرعوية من فرض قوالبها المتخلفة دائما على الحياة الحضرية. في حين كان من الصعب للعراق أو مصر بناء سور مشابه لأنها هي ذاتها جزء من الصحراء.

ولكن الأمر لا يعود لقدرة الاقطاعين السياسي والديني على لجم التطور الحضاري فقط، بل هو يعود أيضا لضعف الفئات الوسطى في إنتاج الليبرالية. وحين ظهرت المدن العربية الكبرى لم تكن من نتاح بناء البرجوازية. وهذا الأصل العربي للبرجوازية، (مدن الأبراح) يوضح الطبيعة الصناعية والتجاريه للمدن التي أنشأتها الفئات المتوسطة الأوروبية لحماية املاكها، عبر الأبراج والأسوار، وكان هذا في تعبيره الجغرافي والرمزي، يمثل القطاعات الاقتصادية التي راحت تستقل عن المركز الاقطاعي الحاكم، والتي أخذت تنمو في وضع سياسي كان الاقطاعان السياسي والديني في صراع بينهما ولم يستطيعا ايجاد هيمنة اقتصادية شاملة. فأخذت مدن الأبراج تتقوى سياسياً وفكرياً عبر عدة قرون.

إن الفضاء الاجتماعي الأوروبي يختلف عن الفضاء الآسيوي عامة، فالفضاء الأوروبي لم يشهد التداخل الشديد بين الملكية العامة والحكم، الذي تمظهر دينياً بقدرة الحكم على إفراغ الثورات الاجتماعية التي تتشكل عبر عباءات الدين من مضامينها الكفاحية؛ فقد كانت هناك دائماً في أوروبا قوى الملكية الخاصة الواسعة، التي تنامت خاصة في بداية العصور الحديثة، والتي غدت مدن الأبراج جوهرتها، ولهذا كان ظهور البرجوازية الصناعية هو تتويج لمسار التراكم بين الملكية الخاصة والثقافة والأنتاج الحرفي.

إن زمن الحرف الذي استمر طوال العصور الوسطى، وهو النظام الاقتصادي المغلق المعادي للتطور التقني والاختراعات، أخذ يخلي المكان الأساسي للصناعة اليدوية، وهذا ما مثل عصر النهضة؛ ووضع الأسس لعلوم الطبيعة الميكانيكية الرؤية. فمنذ القرن الثالث عشر والتراكمان الصناعي والثقافي يتداخلان، وأدى توسع التجارتين الداخلية والخارجية إلى تبدل أهمية ووزن مدن الأبراج، وانتقال المال من القصر والأديرة إلى خزائن هذه المدن النامية. وهنا يتبدل جمع المال إلى تراكم رأسمالي. والفارق كبير بين الجمع والتراكم، فالجمع يؤدي في أحسن الأحوال إلى إعادة الإنتاج البسيط، وكثيراً ما يقود إلى البذخ والإفلاس، وهما الوجهان المتقابلان المترابطان للحضارات القديمة.

يقود التراكم الرأسمالي البسيط في عدة قرون من تكرار الصناعة اليدوية، إلى التراكم الموسع للإنتاج، وإعادة تغيير الهياكل الاقتصادية التقليدية، وقد لعب التقريب المستمر بين العلوم والإنتاج، دوره بدءاً من القرن السابع عشر في تفجير الثورة الصناعية، وهذا ازاح الهياكل التقليدية في الاقتصاد والثقافة والحياة الاجتماعية، لقد اصبحت مدن الصناعة والعلوم قادرة على إعادة تشكيل نسيج المجتمعات الأوروبية بعد ثمانية قرون من التراكم المدني العسير.

إن انفصال المدن الأوروبية الحديثة عن نسيج الاقطاع السياسي والدينى بصور شتى متقطعة ومتداخلة، عضدته المساحة القارية الأوروبية الصغيرة قياساً بآسيا، ولكن أيضاً التراكم الاقتصادي والاجتماعى السابق، وخاصة تجذر مؤسسات الحكم المطلق، في حين وجدت دول آسيا نفسها دائما في كيانات حكومية مُسبقة تسيطر على المدن، وتملك الأرض ووسائل الأنتاج وأحياناً أدواته، ثم تحاصر التجارة والحرف.

إن النمطين الأساسيين من التجارة والحرف في العالم العربي الاسلامي، هما نمط التوريد للاستهلاك الترفي الذي تقوم به الطبقة المسيطرة، أو نمط الاستهلاك الإنتاجي والذي تقوم به الطبقات الشعبية الملبي للحاجيات اليومية ذات الاثمان المحدودة. والنمط الأول وهو الاستهلاك الترفي هوعملية إهدار واسعة ومدمرة للثروة الاجتماعية، وهو الذي ترتبط به الفئات الوسطى، ويؤدي إلى إلحاقها وتوسعها أو انهيارها.. الخ. وبخلاف الأمكانية الفريدة لنشوء مدن الأبراج الأوروبية، فإن الفئات الوسطى الشرقية لم تجد إلا التكوين الإلحاقي والتابع للأشراف.

إننا نستطيع تخيل مقدار الثروات المهدرة عبر حساب الأهرامات وحدائق بابل والقبور وثرواتها والقصور والمتع الأسطورية وبذخ الأماكن الدينية وعالم الحريم والرقيق.. الخ.

ولهذا كان لدينا دائماً نمط التجار الكبار القلة، ونمط التجار المتوسطين والصغار الكثيرين. ولا يتشكل النمط الأول إلا من خلال الاتصال بالدولة، التي يقول عنها ابن خلدون: إنها (السوق الأعظم). في حين يعتمد الآخرون على الاتجار بالمواد الشعبية.

ولا يشكل التجار الكبار أي صلة عضوية بالعلماء الطبيعيين والرياضيين والاجتماعيين، لأن نظام الحرف المغلق يظل مجرد أداة للاستيراد، أو التصدير، مثل الأسواق التي تظل مكاناً جغرافياً للسلع فقط.

وليس ثمة صلة معرفية بين التجار والعلماء والحرفيين، ولهذا فإن أدوات الاتصال بين التجارة والحرف والتقنية تظل مقطوعة، فيظل التجار الكبار يتبعون خدمات الترف للقصور سواء كانت للملوك أم الوزراء أم كبار الموظفين أم رجال الدين، أي الأشراف عموماً. وهذا ما يجعل التجار الكبار يتابعون كذلك المناخ الديني والثقافي للقصور، أي لا يساهمون في تشكيل أي نوع من الوعي المتحرر. فالسلع والحرف والمال هنا لا تقود إلى التراكم الصناعي والعلمي، فهي جزء من كماليات الترف.

إن تبعية مصادر تمويل التجار الكبار للطبقة الاقطاعية يجعل الرأسمال التجاري محافظاً على الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التقليدية، وهي الهياكل التي تزداد تخلفاً عبر الهجمات البدوية المتكررة عبر القرون، بحيث تغدو المدن كيانات اجتماعية هشة فاقدة للقدرة على إنتاج التحديث.

إن التجار الكبار يتوافقون مع البنية الاقطاعية بمستوييها السياسي والدينى، فمسألة احتكار السلطة والنص الديني والإبقاء على تخلف وعبودية النساء والرق.. الخ تُلغى من أي خطاب لهم، عبر هذا الارتباط الاقتصادي المصيري، حيث كلمة واحدة كافية لاختفاء ثروة كاملة.

أما التجار المتوسطون والصغار والحرفيون المماثلون، فإنهم يعيشون أساساً على موارد الشعب؛ وهي السلع المعيشية الُمشتراة بشكل يومي، وهي التي تتيح للسوق البقاء، ولكنها تقوم على الفيض المالي من الطبقة المسيطرة، الذي يقوم أغلبه على منتجي القرى، ولهذا كلما ثار الفلاحون أو تقطعت أراضي الدولة، أو حدثت فيضانات، تدهورت فوائض الدولة وبالتالي تدهورت الحياة المعيشية للجمهور وللتجار الصغار، وحدثت أزمات الغلاء والمجاعات. وغالباً ما تتدهور المدن بعد اتساعها بسبب ان على الريف أن يقوم بإعالة هذه المدن المتضخمة باستمرار، فلا يتحمل ذلك وتبدأ الثورات. وحين تنجح الأرياف والمناطق في تفكيك الدول يتفاقم التدهور في المدن، ولهذا يمكن قراءة مصير تدهور مدينة مثل بغداد، والازدهار المعاكس لمدن الري أو القاهرة أو فاس. ويعد زمن النهضة هنا هو وقت تدفق الفوائض الريفية والتجارية والتوازن بينه وبين الاستهلاك البذخي.

وتقود هذه الظروف التجار الصغار والحرفيين والفئات الوسطى عموماً، إلى التمسك بقشور الدين التي كرستها الطبقة المسيطرة بفرعيها، السياسي والديني، ويغدو الزهد ثم التصوف هما البدائل لنظام اقتصادي مضطرب وشحيح وزراعي.

كما حددت الطبقة المسيطرة الطابع الاقتصادي والسياسي والثقافي العام للنظام العربي الوسيط, فإنها ستحدد التوجهات العامة للفئات الوسطى منتجة الوعي والثقافة. فإذا كانت سلع الترفيه: سلع البناء كالبلاط والزجاج والعطور والثياب الخ. . حصلت على المكانة الرئيسية بين السلع, وبالتالي تحددت فئات التجار على أساسها, وتحدد البناء السياسي ـ العسكري على أساس جلب الخراج والمكوس, فتمظهرت فئاته حسب ترتيب الجلب والمحافظة عليه وتنميته وهي: الولاة, والقواد, والجباة , وموظفو الدواوين.

إذا كان ذلك قد حدد ترتيب الفئات الوسطى العليا, فإن الفئات الأدنى منها, في المجال الفكري والاجتماعي, والمتعيشة من هذا النمط التوزيعى, سرتبط بشكل غير وظيفى مباشر, لكون المهمات الدينية والفكرية يجري ترتيبها في اثناء نمو النظام بآلية السيطرة الفوقية.

وهكذا كان تشكل هذا المستوى يجري بتنحية العناصر المضمونية النضالية, وتقوية العناصرالشكلانية الغيبية, أو اشكال الممارسات العبادية, وتضخيم أبنيتها, وكلما نقص المضمون النضالي زاد الشكل الزخرفي والعمراني, وتبقى الجوانب المفيدة من المعاملات التي توسع العلاقات البضاعية وتكرس تقسيم العمل والإنتاج كما تفرضه الطبقة المسيطرة.

ولهذا فان فئات رجال الدين تتشكل على أساس القرب والأهمية للقوة المسيطرة السياسية, أي القادرة على تسويق السياسة العامة للخلفاء, فيظهر كباررجال الدين الذين يصيرون جزءاً من طبقة الأشراف, بحصولهم على الأراضى الزراعية والقطائع. فى حين تبقى الغالبية منهم في المستويات المتوسطة والدنيا.

ولأن الدين هوالمظلة الفكرية التي يستظل بها النظام, تغدو مؤسساته وإرثه وفئاته, الجزء الآخر من النظام, هو مستواه الفكري الغالب, لأن ثمة اشكالا فكرية تزاحمه كالآداب والعلوم والفلسفة لها مساراتها النوعية في النمو, ولكن قانون الهيمنة الاجتماعية ينطبق عليها كذلك, فيتم تنحية العناصرالمعارضة والنقدية والتحليلية للحياة. وإذ تظهر جوانب موضوعية وعلمية ومضيئة في الإنتاج, فإنها تظهر كأشياء وظواهر جزئية, في منظومات غيبية, فتتم السيطرة على الجوانب الموضوعية والنقدية ولا تتحول الى منظومات فكرية تحليلية كاشفة, مثلما تتقطع فئات الطبقة الوسطى الى شرائح عاجزة عن تغيير المدينة الإقطاعية.

وتظهرجذورالمفكرين والكتاب المنتمين الى الشرائح الوسطى بدءاً من أسمائهم كالغزال واصل بن عطاء, والنظام المفكرالمعروف بهذا الاسم, والحلاج والاسكافي.. الخ.

كذلك فان نسبة الشرائح في فئات الإنتاج الفكري تعبر هي الأخرى عن أدوارها في الحياة, حيث رجال الدين المتوسطون والصغار يمثلون الشرائح ألاكبر, وهذا يعبر عن كون إنتاج الوعي الديني يمثل الإنتاج الأكبر.

ولهذا علاقة بالوعي ووظيفيته فالدين هنا يمثل أغتراباً عن الطبيعة والإنتاج والمادة, مثلما يمثل النظام الاقطاعي الزراعي والحرفي البسيط, غياباً عن الصناعة, وتعاملاً بسيطاً مع السلع, مما يجعل هذا الوعي يحافظ على الركود الإنتاجي, وإعادة تكرار العلاقات الاجتماعية التقليدية, وباستمرار تدفقها الرعوي والقروي المتخلفين.

وفي الوعي الفكري تتنحى عمليات الكشف والتحليل الاجتماعيين, فابن المقفع يُقتل حيث دفعته رغبته الإصلاحية وموالاته للإشراف الى مصرعه, والاعتزال يتحول الى أعتزال تابع للسلطة, أو زاهد منعزل, وتتوجه المذاهب الدينية الى المحافظة وتنحية الاجتهاد, والمعارضة, في حين تبدأ الإسماعيلية في النشاط والرويج لفكر الإمام المستور الموجود, وبالتالي عدم تحليل الواقع المرئى واللامرئى.. الخ.

إن الجوانب الليبرالية والديمقراطية في الوعى العربي القديم تغدو ضئيلة لضخامة المبنى التقليدي المهيمن على الحياة, وأساسه في النظام السياسي, فتعجز الفئات الوسطى عن إنتاج تلك الجوانب لأنها تغدو جزءاً ملتحماً بهذا النظام التقليدي بمستوييه السياسي والديني.

وهذا كله على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية سيضع بعض الأسس الرئيسية للبرجوازيات العربية المعاصرة , ولهذا حديث آخر.

العلماء والإيديولوجيون

يتخذ كل من العلماء والإيديولوجيين مواقف مختلفة في قضايا الحياة الاجتماعية، فغالبأ ما يريد أصحاب العمل السياسي نتائج سريعة ويريدون إنزال الناس إلى الشوارع وتحقيق الأصلاحات والثورات وتطبيق كل وصايا الأديان، إذا أخذنا هنا كافة أنواع الإيديولوجيين «المتلهفين» إلى النفوذ.

وفي المستويات الواسعة للناس وفي الأحزاب والجماعات المختلفة، ليس ثمة مجال للدرس والمختبرات واللجان، ولهذا فإنهم لا يحبذون أنشطة الباحثين والعلماء المتأنية و«الصبورة» في درس الظواهر، وغالباً ما يسيطر الإيديولوجيون على الأحزاب قائدينها عبر مستوياتهم الفكرية المعتمدة على القوالب والشعارات والتبسيط والعاطفة.

وغالباً ما تصدر القرارات بهذا الشكل المرتجل وتغدو الأحزاب والجماعات تبعاً لردود فعل متواصلة، ولميوعة فكرية، وذبذبة إيديولوجية مستمرة. ولهذا لا نجد تراكماً معرفياً، تقدمياً أو دينياً فى مثل هذه التجمعات.

والجماعات التي يغلب عليها هذا الاتجاه لا تحبذ غالباً وجود المثقفين والعلماء المناضلين المؤثرين في صفوفها، وهي تتجه إلى التعبير عن وعي العوام والأميين وردود فعلهم على الظواهر السياسية.

لكن جماعات أخرى تدرك خطورة الارتجال والعفوية المستمرين فى العمل السياسي، الذي غالياً ما يجعل الشارع مسيطراً عليها، بدلاً من أن تقوم هي بتوجيه الشارع. ومن هنا تضع الباحثين والعلماء في مواقع مؤثرة في الجماعة، وفي بعض الأحزاب العريقة تتحول هذه اللجان إلى محفل شبه مقدس، أو تصير عقل الجماعة الثمين، مما يعبر عن إدراك هذه الجماعات لدور الفكر والعلم في اكتشاف معالم التطورات السياسية المستمرة وقراءة الأحداث المستقبلية.

غياب العلماء عن الأحزاب وسيطرة الوعي العامي غالباً ما يشيران إلى ظواهر الدكتاتورية المتوارية، وغلبة المنحى الشخصى فى القيادة، وتحويل تقلبات القائد أو عواطف الزعيم ومصالحه إلى نهج سياسي مقدس، بحيث يستحيل أن ترى في هذه الجماعات آثاراً فكرية وسياسية متراكمة ونتاجات علمية معمقة تثري الوعي. فيغدو المنظم الجديد للجماعة مثل القائد القديم، كلاهما في مرتبة فكرية واحدة، لم يتطور فيها وعي القائد، ولم ينقص العضو الجديد شيئا من الوعي، ولهذا فرغم الجيشان والحركة والبيانات فإن هذه الجماعات تقف خارج التاريخ، والتراكم المعرفي والسياسي، فلا يحدث للعضو تطور يشار إليه بالبنان، ومن هنا لن يختلف هذا عن زمن المطوع، فهنا أيضاً تلعب عملية الحفظ دورها الأساسي في إنتاج وعي لا وعي فيه.

فدعك هنا من قدرة هذه الجماعات على إنتاج وعي في الظاهرات الفكرية والأبداعية النوعية: الشعر، القصة، النقد، العلوم الخ.. فعدم القدرة على خلق الوعي السياسي، ينعكس على عدم القدرة على خلق أشكال الوعي المترتبة عليه، والفائضة عن حرارته وغناه.

وليست هناك فروق حاسمة أو مهمة بين الجماعات الفكرية المختلفة، فالأحزاب والجماعات الدينية، لا تجد فيها فكرأ دينياً، أي نتاجات العلماء المجتهدين المعروفين، بل تقوم الثقافة العامية السياسية فيها بالاستعانة بالكتيبات والشرائط المسجلة، الممتلئة بالتعابير العاطفية الشديدة التهييج، مما يعبر عن طبيعة التثقيف المستخدم ورفضه إنتاج وعي عميق، أي تكوين بشر وجماعات في مستوى المسئولية.

ان هيمنة الإيديولوجيين على العلماء في وسطنا السياسي يمكن ان نراه بقوة في شعرائح البرجوازية الصغيرة، وهي الفئات التي تنتمي إلى قاعدة الطبقة الوسطى، من مثقفين ومحامين ورجال دين ومهندسين الخ..

من الموكد بداهةً ان هذه الشرائح هي اكثر الشرائح وعياً في المجتمع، فهنا تراكم الثقافة وحصيلتها وثمار العلوم، ولكن كيف تجمعت أكثرية الجمعيات السياسية في هذه الشرائح دون غيرها، ففي الوقت الذي لن تجد رجال الأعمال ينتمون إلى جمعيات سياسية متعددة، بل ربما كانوا يتمركزون في جمعية أواثنتين، مما يدل ليس على أن قوة المال لا تحب الثرثرة بل ايضاً على التركز السياسي أو تجنب السياسة.

ومثلهم فإن العمال لا يكاد صوتهم المستقل ان يظهر أو يتبلور، ومن المؤكد انهم ينتشرون في قواعد كبريات الجمعيات السياسية، ولكن كملاحق اجتماعية اكثر منهم صوتاً مميزاً.

أما شرائح فئات المثقفين المختلفة فهي التي تحتشد في الجمعيات، وتكاد قيادات الجمعيات أن تكون حكراً على هذه الشريحة. والسوال الذي يطرح نفسة لماذا استطاعت هذه الشريحة من الانتشار بهذا التوسع في الجمعيات، في حين لا تتواجد الطبقات المنتجة أو المالكة مثل هذا التسيح في قيادة الجمعيات؟

من الواضح ان شرائح البرجوازية الصغيرة أكثر الفئات طموحاً إلى الارتفاع في السلم الاجتماعي، وهي الشرائح التي تمتلك الإيديولوجيا ولغة الكلام السياسي والديني، وقد نشطت بكثافة مع الإصلاحات لتغير مواقعها الاجتماعية والوظيفية، وتستفيد من المرحلة. في حين جد ان نشاط الطبقتين العاملة والمالكة ليس بمثل هذه السرعة والانتشار، فهنا بطء في الحركة، وبالنسبة للعمال يعود إلى كونهم لم يفرزوا قيادات سياسية من بينهم، وهم حتى على المستوى النقابي فى حالة من المخاض الطويل، بحيث إننا لم نعرف قيادة عمالية ملتزمة بالدفاع العميق والمتواصل عن مصالح العمال.

في حين ان الطبقة المتوسطة تمتلك قياداتها ومؤسساتها العريقة، وهي منذ زمن بعيد عرفت كيف تتواشج مع النظامين السياسي والاقتصادي.

لهذا فإن القضية والحراك يكمن في شرائح البرجوازية الصغيرة، هذه الشرائح التي صار لها بين عشية وضحاها الكثير من الجمعيات السياسية وغير السياسية.

إحدى النقاط المثيرة للحيرة هي كثرة انتماءات هذه الشريحة إلى أقصى اليسار وأقصى اليمين في ذات الوقت، ولا يكاد الوسط الجامع لقسمات الحداثة العربية أن يحظى بقوة مهمة فيها، ولهذا فإن هذه الحالات القصوى من الأفكار هي بحد ذاتها دليل على المشكلة التي تعاني منها هذه الشريحة، بطموحاتها وارتباطاتها المختلفة.

وهنا تتجسد إحدى أهم مشكلاتنا الفكرية، فهذه الشريحة التي تحوي المثقفين والمهنيين، تغدوغير منتجة للفكر والعلوم والنظرات السياسية والدينية العميقة، في حين اننا نفترض أن نرى من هذه الشريحة بالذات النتاجات الفكرية والسياسية المهمة.

وإحدى العلامات الدالة على طبيعة هذه الشرائح الراهنة هي كثرة الانقسامات بينها، وهي انقسامات لا تتوقف للأسف، وحين تحدث الانقسامات بهذه الصورة السهلة والمحزنة، لن تجد لها أي تبرير فكري، معنى ان الصراع السياسي لم يقم على أي أسس فكرية يمكن للمرء أن يلمسها، بل هي صراع على المناصب والحصص السياسية والمقاعد!

ويمكن لهذه الانقسامات المتتالية والتوجهات الذاتية أن تضعف الجمعيات السياسية ككل، في حين يفترض التركيز على تعميق الوعي والإنتاج الفكري، ونرجو أن لا تلعب الطبيعة الاجتماعية لهذه الشرائح دورها فهي سريعة الانقضاض سريعة في الانفضاض!

◇ من مواليد القضيبية - البحرين. ◇ خريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى سنة 1974. ◇ اعتقل من سنة 1975 إلى 1981. ◇ عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعية والثقافية في الصحف البحرينية والخليجية، ونشر في العديد من الدوريات العربية. ◇ عضو اتحاد الكتاب العرب بسوريا. ◇ ساهم في مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب، وأول مؤتمر أشترك فيه كان سنة 1975 الذي عقد بالجمهورية الجزائرية وقدم فيه بحثاً عن تطور القصة القصيرة في البحرين، وشارك في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب بتونس سنة 2002، ببحث تحت عنوان «جذور العنف في الحياة العربية المعاصرة»، وشارك في مؤتمر بجمهورية مصر العربية سنة 2003، وببحث تحت عنوان «المثقف العربي بين الحرية والاستبداد» وذلك باتحاد الكتاب المصريين. والعديد من المؤتمرات الادبية العربية. ◇ منذ سنة 1966 مارس عبــدالله خلــيفة كتابة القصة القصيرة بشكل مكثف وواسع أكثر من بقية الأعمال الأدبية والفكرية التي كان يمازجها مع هذا الإنتاج، حيث ترابطت لديه الكتابة بشتى أنواعها: مقالة، ودراسة، وقصة، ونقد. ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي قام بطبع نتاجه القصصي والروائي والفكري في دور النشر العربية المختلفة.

الناقد ذو الرأسِ الفارغ!

أبتلى الخليج بالمتعلمين المتعالمين المجعجعين بالثرثرة اللغوية، ولم يرزقه الواقع الصحراوي بناقد من طراز طه حسين أو سلامة موسى حيث تظهر حركة خلاقة من إبداعاته ومؤلفاته، حيث يحفر في مؤلفات بلده وأمته ويكسر رؤوسها المتحجرة ويخلق روافد من الأشعة، بل لا يوجد سوى كتبة سطحيين متذاكين بترديد المعلبات الغربية، فيكتب أحدهم في شبابه بضعة مقالات يروح في منولوج يستمر طوال العمر حتى يصاب بزهايمر فكري فيتصور ريادته الفكرية للمنطقة ويحصل على بضعة أقلام تقدم له الجوائز المزورة.

آخر يعرض كتباً بشكل (نقدي) هو ترديد ما في هذه الكتب وتمطيط عباراتها فلا يقوم بتحليل ولا حفر، أو هو يطلب من الكتاب في مجالات الرواية أجوبةً ثم يكونُ الكتابُ كله هو هذه الأجوبة ومع ذلك يضع اسمه عليه!

أو يُزور تجربةً روائية نسائية مفككة ضعيفة ويجعلها في قمة العطاء في حين أن الكاتبة بحاجة إلى من يأخذ بيدها في فهم الرواية وذلك كله من أجل سفرة أو هدية!

وحين تكون الكتابة النقدية ليست عن أدب الخيام والمدن الخليجية وعن كافة الشقيات في عالم الأنوثة بل عن صراع الأنوثة والذكورة في تجريدات الثقافة الغربية تكون البطالة العقلية الفظة في حين تتواجد مئات الروايات والقصص الخليجية بانتظار القراءات الأولية فقط ورؤية البشر الحقيقيين.

حين تكون الكتابة النقدية حقداً شخصياً وتزكية للأصدقاء الشعراء والقصاصين وسحق الآخرين خصومهم غير الأصدقاء، لا يستطيع الناقد أن يشكل حركة فكرية خصبة بل يصبح كتلة من العقد والأحقاد والأمراض، لا عروضا نقدية حقيقية فيها ولا قدرة على تحليل الواقع ومواجهة الأبنية الاجتماعية.

ومن هنا يمرض حين يرى نقداً حقيقياً وتحليلات لا تستهدف التسلق لوزارة أو تحصل على عقود عمل وطباعات مجانية أو حضور مؤتمر ومهرجان.

إنه يحتفظ برأسه الإيديولوجية الضخمة رافضاً الدخول في الواقع الجاف.

لكنه في كبريائه الجريح يقدم كشفاً بالنقاد (الحقيقيين) الذين هم على شاكلته لا يكشفون ولا ينقدون فهو الوحيد الذي يستطيع أن يقدم كشفاً تاريخياً بذلك.

ابتلاء الخليج بالرؤوس الفارغة المثرثرة بالنقد رغم كثرة المجلات الفاخرة التي جعلتها حصالات نقدية لها وهو الفارق بين من يبني نهضة ومن يعيش على التسول الحضاري.

هل رآهم أحد يحللون روايةً محلية ويتغلغلون في فهم المجتمع وصراعاته؟

 هل حللوا قصة قصيرة بحرينية واحدة، واحدة فقط؟

 حين يحللون بغرض الكسب فيتم تزييف القصة وتغيير بناها خدمة لأغراض ذاتية.

ليس ثمة قامة كطه حسين، لماذا؟

 لأن طه حسين واجه واقعه بكل قوة ومطالعة وحلله بأدواته غير خائف أو منزو وخلق دوائر كبيرة من النقد والفكر والصحافة الحرة. ومن هنا توسع في نقد الأنواع الأدبية والفكرية والسياسية، لكن صاحب الكتابة الضحلة الممتلئ عظمة بشخصه يتصور بضعة مقالات هرماً من الثقافة وأعجوبة!

إنها أرض المجدبين لا تستطيع أن تصنع نقداً لأن النقد هو مفجر الفكر ومؤسس الحضارة.

أرضٌ بلا نقاد سفن بلا ربابنة.

المذهبيون وخيار الحكمة

 إن خيارات التطرف كثيرة أكثر من خيارات الإعتدال وبُعد النظر، لأنها تستند على سؤ المعيشة المنتشر بين العامة، وعلى مغامرات السياسيين الفرديين المتضخمين، لكن رجال الدين المعتدلين والسياسيين المحنكين يقدرون على خيارات أفضل مهما كانت الأمواج عاتية والبحار الاجتماعية مضطربة.

في العراق انضم الشيعة العرب لخيار الاعتدال ولعدم تحكم المركز الإيراني في مصيرهم، ولوضع حد لتحكم المركز الأمريكي في مستقبلهم، وهي خطوة تاريخية كبيرة، وإن لم تكن واضحة كلياً لكنها تؤكد حضور المرجعيات المذهبية والسياسية الحكيمة والبعيدة النظر هناك.

ولكن المرجعيات المذهبية المنفتحة والتقدمية والقومية تحتاج إلى نظرات أبعد في فهم ركائز الدول وهي الدين والحداثة والقومية.

فليست لديهم الفكرة العلمانية الوطنية الإسلامية. وهذا النقص تعبيرٌ عن عدم فهم مستويات العراق التاريخية؛ كونه وطناً واحداً، ذا مرجعيات دينية ومذهبية وقومية مختلفة، ويسودهُ الإسلام غيرُ المهيمن سياسة حاكمة. بل هو الإسلام الحضاري الديمقراطي الذي يتشكل من ديمقراطية الحياة ومن التعاون بين المذاهب والمرجعيات الحديثة.

ليست الإتفاقية الأمنية سوى شكل لهذه الصراعات، وإذا كانت القوى الوطنية التقدمية والقومية والدينية لها تحفظات على هذه الأتفاقية لكنها كانت الخيار الأفضل لكي يستقر المجتمع العراقي ويتوحد وتنمو مؤسساته السياسية الحديثة إلى حين زوال الاحتلال، ودون جيش مسيطر يحرقُ العراقُ نفسَهُ وجيرانه.

ومع حكم أوباما فإن العراقيين يجب أن ينظروا في مستقبل هذه الاتفاقية بتمعن كبير من هذه الحدة العاطفية الموجودة الآن.

وهذا يعود كذلك لحكمة المرجعية الشيعية والمرجعيات السياسية فيه، وهي بُعد نظر السيد السيستاني، فهنا نجد هذا الرجل الكبير لا يحرض على العنف ولا على الأقتتال والصراعات بين الأخوة المسلمين، بل على توحدهم، فهذا التوحد الوطني الذي يصر عليه هو المخرج لو كان السياسيون والمتطرفون الدينيون يعقلون.

وهو هنا يعود لدور رجال الدين الكبار في تاريخ الإسلام الذين رفضوا الانخراط في النزاعات الطائفية، ورفضوا هذا التوظيف الضيق في السياسة، وقد عُرضتْ الخلافة على الإمام جعفر بن محمد(الصادق) مؤسس الجعفرية، فرفضها، وتوجه لعلوم الفقه والكيمياء!

وقد بقيت هذه العلوم وذاب المتقاتلون على كراسي الحكم!

وكنا ننتظر من أهل السنة وهم أهل الاعتدال والعقلانية مقاربة لهذه النظرات بدلاً من تأجيج الصراعات وتفجير الحياة بالعنف.

لكن الاعتدال وبُعد الوحدة الوطنية العراقية ينمو بينهم، وهم يرفضون التوجيهات الإيرانية والسورية الحكوميتين الداعية لهم لتفجير العراق.

تتشكل التفجيرات الدموية الرهيبة الفاشية في أجساد المارة وأهل الأسواق الذين لا يحملون بندقية ويتاجرون في الطماطم والخبز، وترتعد القاعدة وأجهزة الاستخبارات المناطقية الجبانة عن مواجهة الجيش الأمريكي فتقوم بهذه الأعمال لسحق الوحدة الوطنية العراقية المتنامية.

لكن ليس ثمة قلوب في هذه المدرعات البشرية، ولا بد من هزيمتها السياسية والفكرية بين السنة والشيعة وهم أغلبية العراقيين.

وهؤلاء ليسوا متعطشين لسفك الدماء بل للمحاكمات والإجراءات القضائية النزيهة، وللعنف المدافع عن سلامة الوطن ووحدته كذلك، فلا أحد يريد عنفية أخرى مماثلة، عنفية أناس تدنوا عن مستوى البشرية، ولكن من رفع قوى المقاومة العراقية الوطنية للتصدي للمتدخلين والفاشيين!

ليس للمذهبيين سوى خيار الأنتماء الوطني في كل بلد والعودة لمرجعياته السياسية.

ومن هنا على رجال الشرطة والقضاء لدينا عدم الرد المماثل لجماعات الأرهاب والعنف والدم، فنحن نكسب المعركة ضد الأرهابيين والمتطرفين الدينيين بالحكمة والقانون وهي حبالها طويلة لكنها مثمرة، وإذا تمت ممارسة نفس أساليب الأرهابيين تكون القضية قد ضاعت!

ويدرك الكثيرُ من الشيعة بأن الخيارَ الإيراني المتشدد وتفجير المنطقة ليس في صالحهم، وكذلك فإن ظهور مركز عالمي قيادي للشيعة في العراق، يتوجه للاعتدال والعقلانية السياسية والديمقراطية والعروبة، هو عودة للجذور النضالية في هذا المذهب الإسلامي الكبير.

إن علامة التطور في أي مذهب إسلامي هو التوحد مع أخوته في العقيدة مع إحترام الاختلافات السياسية والاجتماعية التي تتشكل من خلال نظرات سياسية غير مؤدلجة طائفياً.

الوحدة بين المذاهب الإسلامية للنضال الوطني الديمقراطي المشترك هو خطوة باتجاه الحداثة والعلمانية والجذور الإسلامية الموحَّدة.

هو خطوة يتجسدُ فيها إن كل وطن عربي يعتمد على قواه الداخلية، ويرفض أي فورمة خارجية جاهزة لتوظيف المذاهب لصالحها إنطلاقاً من مركز يهمه الصراع ضد هذا البلد أو ذاك، لكن ما هي مصلحة البلد الذي يُجرب ويُحرق في ذلك؟!

ولماذا يخربون تجربة بلدهم؟

وقد ضحينا كفاية في معركتي السويس و النكسة وغيرهما فهل يجب أن نكون كبش الفداء دائماً؟

أبحثوا لكم عن شعوب أخرى تضحون بها!

ولماذا لا يحولون بلدانهم إلى محرقة للأمبريالية كما يقولون ويورطون شعوباً صغيرة مثل الشعب اللبناني والعراقي والفلسطيني والبحريني في ذلك؟؟!

إيران بلد شاسع وسوريا كبيرة فلتجري المعارك داخلهما لهزيمة وسحق أمريكا!

وكان الشعب العراقي كبيراً في وحدته وعدده ومركزية بلاده حتى فتتها الحكمُ الشمولي السابق فصارت المختبر الأكبر لحرق ذاته وليس للصراع المزعوم ضد الأمبريالية!

وكان الشعبُ الفلسطيني كبيراً موحَّداً حتى أخترقته حماس – إيران – سوريا!

عندهم شعوبٌ كبيرة يعجزون عن توريطها، فيندفعون للشعوب الصغيرة يجرون عليها تجاربهم الكيميائية السامة!

تشكيل وحدات وطنية غير مخترقة من الدول صاحبة شبكات العملاء و(المناضلين) أمر عسير.

بل هو أمرٌ بالغ الصعوبة وعودة للينابيع العربية الإسلامية الديمقراطية، وأمامه الكثير من السدود سواءً من مراكز قديمة لم تعد قادرة في اللحظة الحالية على التطور، ومن أنظمة مغايرة فيها الكثير من سؤ المعاملة ومن عدم المساواة بين المواطنين الشيعة والسنة والمسيحيين والإسماعليين وغيرهم، لكن إذا تكاثرت الإرادات الخيرة وتوحدت وتركت كسلها السياسي وطورت نشاطها العقلاني النقدي، فإنها تستطيع أن تصد قوى الطائفية والشرور الواسعة الحيلة والخبث، التي تعد للناس مذابح رهيبة كما في العراق.

الأحزابُ المذهبيةُ السياسية في العراق

تشكلتْ الأحزابُ المذهبيةُ العراقية في عالمٍ ديني سياسي شمولي، تؤثثهُ علاقاتٌ إجتماعيةٌ محافظةٌ يسودُها الإقطاعُ؛ هيمناتٌ مطلقةٌ للذكورِ وللحكوماتِ ولإقطاع الزراعة وللنصوصية الدينية الشكلانية.

ولم تستطعْ أحزابُ العلمانية أن تغادرَ هذا المناخ، فكانت هي ذاتُها أحزابٌ دينيةٌ شمولية، فالحزبان الشيوعي والبعثي هما حزبان دينيان شموليان كذلك، رغم المحاولات لتحويلهما لحزبين علمانيين وطنيين دون القدرة على ذلك، فهذا الأمرُ لا يتشكل بقراراتِ القيادات من دون أرضيةٍ موضوعيةٍ عميقة في حياةِ الشعب لهذا المسار. أي لا يحدث ذلك بقفزةٍ إلا أن تكون قفزةً في الهواء، ويحدثُ بعدها للقافز ما يحدثُ من سقوطٍ وتكسر.

ونجد في هذين الحزبين عدم تنمية العناصر الديمقراطية الجنينية في الواقعِ والتراث، بدءً من تصفية النظامِ الملكي الذي يحملُ أجنةً ديمقراطيةً واعدة، ونفياً للإسلامِ بشكلين؛ أولهما خلق عدمية دينية بيافطات شيوعية والثانية تكريسُ المحافظة الدينية مع شعاراتٍ فوقية علمانية زائفة.

إن تنميةَ العناصر الديمقراطيةِ عمليةٌ شاملةٌ على مستويي التراثِ والواقع معاً، برؤيةِ العناصر الديمقراطية في الإسلام، وفرزها عن المنظومةِ الشمولية المحافظة فيه، وبرؤيةِ العناصرِ الديمقراطية في الحياة السياسية المعاصرة وتطويرها معاً.

وفي عملياتِ سلقِ السياسة والبشر يغدو الواقعُ حطاماً، وفي العراق وصلَ الحطامُ لذروتهِ، وبهذا نزلَ هذا السلق على الطوائف والأديان تحطيماً لا بناءً، أي بمحاولات التجاوز الإداري العنفي والإلغاء الكلي لها.

لم تكن ثمة أحزاب مذهبية سياسية بارزة قبل هذا التاريخ التذويبي، وجثمَ رجالُ الدينِ الكبارِ في مساندةٍ للنمو الديمقراطي الوطني، يشعرون ببعضِ التهديدِ من هذا النمو الديمقراطي العلماني للسكان العراقيين في ظل النظام الملكي، لكن هذا التهديد لا يصل إلى الإلغاء ولمشروعاتِ الإجتثاث لهم، فكانت الأغلبيةُ متجهةً للقضية الوطنية عامة، وحين أنزلت الأحزابُ العلمانيةُ الدينيةُ الشمولية شعارات الاشتراكيةِ والشيوعيةِ والقوميةِ الكاسحة أحستْ القوى الدينية بالخطر.

لم تكن ثمة إشتراكية وشيوعية وقومية فهي مجردُ رأسمالياتٍ مركزية بيروقراطية، إستغلالية، ولكن الوعي الإيديولوجي للمجموعاتِ العائشة في البخور الغيبي الديني السياسي، يصورُ الأمرَ بغيرِ حقيقتهِ وهو مثلها يعيشُ على سطحِ الظاهرات.

في النصفِ الثاني من القرن العشرين بدأت الأحزابُ المذهبيةُ السياسيةُ بالظهور، لقد أحستْ بالخطرِ يتوجهُ لإزالةِ عالمِها المحافظِ وهيمنتِها على الناس، وتراثها المهدد.

حين تتشكلُ الأحزابُ المذهبيةُ يكون ذلك تعبيراً عن تخريبٍ جديدٍ للإسلام، فهذه الأحزابُ المذهبيةُ لا تمتلكُ سوى النسخ المحافظة الجامدة للسيطرةِ على المسلمين التي قامتْ بها الطبقاتُ الإقطاعيةُ في الماضي، والتي قسمتْ المسلمين حسب مواقع الطبقات المتنفذة في كلِ بلدٍ وكلِ إقليم، وجعلت قواها المنتجة العاملة في الحضيض، بعد نهضتين في زمن التأسيس الإسلامي، وزمن صعود القوى المتوسطة في الدولة العباسية، لكن قوى المحافظة جاءت بعد الفترتين النهضويتين لتطمسَ تلك العناصر الديمقراطية الجنينية وتؤبد زمنية التقليد والتخلف.

إن الجانبَ الحكومي العراقيَّ المستبدَ لم يطرحْ تنميةَ عناصر ديمقراطية لا في الإسلام ولا في الواقع، فلديه دبابةٌ سياسيةٌ تنزلُ على الرؤوس، وتتجه لضربِ المظاهر العبادية من طقوسٍ شعبية لها تاريخٌ مقدس، فالسلطةُ تتوقعُ أن تكون هذه العادات المذهبية والشعائر الدينية مركز لتجمع سياسي واعد يمثل خطراً عليها فلا بد من سحقهِ وهو في مهده!

إنها لا تريدُ جماعةً شعبيةً أخرى تتآلف مع بعضها عبر تقاليد دينية أو قومية، ولكن قمعها يولدُ ما تخشاه، ودكتاتوريةُ النظامِ تولدُ دكتاتوريةَ المذهب، أو بالأحرى تجري إستعادتها ولكن بشكلٍ سياسي بارزٍ وعام. وهنا يكونُ الخاسران هما الإسلام والوطن.

كلتا الدكتاتوريتين وجهان لميداليةِ القوى المحافظةِ الإقطاعية العائشة في العلاقات الاجتماعية التقليدية في تاريخ المسلمين، مرةً في قمةِ الدولة، ومرةً في قمةِ الطائفة، وتقوم الدولةُ بتمزيقِ المجتمع بالاستبداد وتقوم قيادةُ الطائفةِ بتمزيقِ المسلمين والمواطنين بالاستبداد.

والوعيان الاستبداديان متحدان، فهما ينفيان العناصرَ الديمقراطيةَ في تجربتي المسلمين السابقتين، ويكرسان المحافظة كلٌ من موقعه.

ما ينتجُ من ذلك هو مجتمعُ الفسيفساءِ الطائفيةِ والقومية المتخلفِ العاجز عن تشكيلِ قيادةٍ نهضوية وطنية توحيدية، بسبب طبيعة قياداته الطائفية التي تتشبث بأمتيازاتِها كل في عصابته.

هذا يتجسدُ في هيمنة المنتصرين من الأحزاب الدينية  على الميزانيات والهيمنة على الوزارات وتجيير الدخل الوطني لمصالح الأحزاب وأجهزتها الحاكمة.

تتشكل الأحزابُ المذهبية السياسية سواءً كانت فُرَقاً كما في الماضي، أم شللاً وكيانات إجتماعية كما في الحاضر على بعضِ الشعاراتِ الفقهيةِ المفصولةِ المُنتَّزعةِ من الكلِ الديني مع غيابِ الدراية الواسعة بالإسلام، فالأهدافُ السياسيةُ تقفزُ وتركبُ على المادةِ الدينيةِ غيرِ المُحلَّلةِ وغيرِ المدروسةِ، كما في لحظة الخوارج حيث يُـقطعُ شعارُ لا حكم سوى القرآن من سياقهِ الكلي ومن تجربةِ المسلمين العامة، ويُعلقُ في العملِ السياسي الذاتي التمزيقي؛(قضيةُ حقٍ أُريدَ بها باطل).

إن الأحكامَ المقطوعةَ والجزئيات المُنتزَّعةَ والشعارات المصنوعة هي كلها بهدفٍ سياسي غائي تكتيكي، أما جسم الدين فهو مادة خام مُغيَّبة.

وبهذا لم يكن الأئمةُ سياسيين بعد حرب صفين، وفصلوا الفقهَ عن السياسة، وتشكلَّ للسياسةِ أصحابها، لكن من خلالِ إمتطاءِ الفقهِ للمصالح السياسية والكراسي.

وقد وجد السياسيون الحديثون من المذاهب بعد جور رأسمالياتِ الدول المُسماة إشتراكيةً وقومية، في العراق خاصةً، إنهم مدعوون لتجنيدِ المذهبين الشيعي والسني، وكذلك المذاهب والأديان الأخرى المتعددة في العراق، لعدمِ الذوبان أمام هذا السحق الحكومي.

لكن جرى  ذلك من خلالِ القفزِ على ظهرِ الدين، وبإعتمادِ المادةِ المحافظة الإستغلالية التي تكرستْ خلال القرون السابقة، فهم كذلك مثل (الاشتراكيين والشيوعيين والقوميين) لم ينتجوا ثقافةً ديمقراطيةً ولم ينظروا للعامةِ كبشرٍ مستقلين ومنتجين، وكرسوا تخلفَهم في المظاهرِ العبادية المتعددة، وأججوا التعصبَ بينها، والانفصالَ عن بقيةِ المسلمين، ولهذا كان كفاحُهم ضد الدكتاتورية دكتاتورياً متخلفاً، كهاربٍ من الرمضاءِ إلى النار.

إن التمزقَ الوطني يقود للتمزق القومي، ودين التوحيد يتحول لديهم إلى دين التمزيق، وراحت الأجسامُ المذهبيةُ السياسية تتكاثرُ خاصة لدى الشيعة والأكراد، بسبب تحويل النظام لواجهته الإيديولوجية البعثية إلى واجهةٍ مذهبية زائفة هي الأخرى ومتعصب لها، وهيمنةُ مصالحِ الحكمِ تتحولُ إلى إفقارٍ للجماهير عامة، وخاصةً غير الملتحقة بمؤسساته السياسية.

إن غيابَ الأنتماء القومي هنا يتحولُ لولاءات خارجية، ونرى هنا كيف أن مظلة العصور الوسطى التمزيقية تجر هذه الكيانات السياسية لخرائطِها القديمة، بدلاً من مراكمة الوطنية الديمقراطية العراقية.

وليس في الكيانات المذهبية السياسية رؤىً فكريةً فهي تعجزُ عن صنعِ ذلك، بسببِ غيابِ أي مرجعيةٍ فكرية عميقة، فتلصيقُ جملٍ سياسيةٍ مقطوعةِ السياقِ بالإسلام لا يشكلُ رؤية خاصة أن هذه الجماعات تأخذ المبنى الديني المحافظَ وليس العناصر الديمقراطية في الإسلام. ومن زمن الخوارج حتى الآن يعتمدُ التنظيمُ المذهبي السياسي على الزعيمِ الفرد، والانقساماتُ فيها هي إنقساماتٌ فردية، مرتبطة بالقبائل والعائلات والمناطق وليس بالأفكار الخلاقة.

إن التنظيم المذهبي السياسي هو تنظيمٌ فردي، أي يتشكل من خلال شخص، فهو غير قادر على بث رؤية ديمقراطية لأنه مشكل بصورة شمولية، وبهذا تتوالدُ التنظيماتُ حسب صراعات الزعماء والعائلات، وتقود في الممارسة السياسية الحكومية إلى تصاعد هذه الجماعات الخاصة التي إنسلختْ عن المسلمين عامةً، ثم تروح تنسلخُ عن طوائفِها التي زعمتْ تمثيلها، وتصعد في عالم الفساد.

وجه للسيد نور المالكي رئيس وزراء العراق نقدٌ بارزٌ في أثناء الإنتخابات بكون وزارته حصلت على 300 مليار دولار أن يظهر أثرٌ لهذه الأموال على الأرض الاجتماعية؟!

سنقرأ لاحقاً مثل هذه الحيثيات، لكن لا بد من القول هنا بأن الأدلجة الشمولية سواءً كانت مذهباً أم فكرة عصرية هي واحدة، حيث أنه يجري غرس الديمقراطية في شعوب تعيش ثقافة الإستبداد الطويل، ويتم جرها من خلال هذه الأدلجة التعصبية عادة، لكنها ليست فاقدة للتبصر أو للتعلم، بل هي تراكم تلك العناصر الديمقراطية الصغيرة الضائعة في ثقافات الشمولية المختلفة، عبر جوعها وأجورها المتجمدة وعبر نظرتها للأحزاب غير المفتوحة للحوارات والتحليلات والصدق والموضوعية.

 وبطبيعةِ الحال كانت تجربة الشعب العراقي مريرة جداً وقاسية وإمكانيات تسلل النظر الموضوعي، وتصاعد موقف وطني، وتشكيل شيء من المقاربة بين أغلبية هذه الجماهير الممزقة من الشمال والجنوب والغارقة في التفجيرات والأفساد، تبدو مستحيلة، لكن حدث

هذا المستحيل، وأمكن لجماهير كبيرة أن تتحد وتتجاوز المذهبيات السياسية الكلية الهيمنة.

بعد هيمنة الأحزاب المذهبية السياسية السنية والشيعية بعد هدم النظام السابق، بدأ شيءٌ سياسي جديد ينمو في حياة العراقيين، هو رفض أولي لحالات التمزيق السائدة:

(اظهر استطلاع للرأي أجراه المركز الوطني للإعلام التابع لأمانة مجلس الوزراء في العراق ونشرت نتائجه الاثنين 19-1-2009 إن غالبيةَ الناخبين تؤيد القوى “العلمانية على القوى الدينية والقومية).

وقال علي هادي محمد المشرف العام على المركز في مؤتمر صحافي إن “الاستطلاعَ الذي شمل جميع القوميات والأديان يؤكد حصول التيار العلماني على 42% مقارنة بالتيار الديني 31%”، وذلك رداً على سؤال حول من يقدر على قيادة البلاد بشكلٍ أفضل. وشمل الاستطلاع 4500 شخص في جميع المحافظات وعددها 18).

 بدا إن مثل هذه الإستطلاعات هي مجردُ توجيهات لخلق إنطباعات متجذرة لدى الناخبين، ولكن كان هذا فرزاً مهماً بدا يتشكل في وعي الجمهور المبتعد قليلاً قليلاً عن هذا العالم الشمولي الذي ساد خلال حقبة طويلة، وكان هذا الجمهور قد حلم بأن تقوم القوى الدينية والقومية بتغيير حياته وأعطيت الفرصة الكبيرة لكنها لم تقم بذلك.

علينا أن نرى أن ثمة تغييرات كبيرة قد جرتْ فآلةُ الدولةِ المركزية الشمولية الكبرى قد تفتتْ لكنها وُرثتْ من قبل هذه الجماعات الجديدة، وقد وضحنا أسباب عدم قدرة القوى المذهبية السياسية والقومية الشمولية عن مقاربة تطلعات أغلبية الناخبين، بكونها قوى فوقية محافظة داخل أجسام المذاهب والأفكار القومية ولم تشكلْ علاقات ديمقراطية داخل أجهزتها وعبر العلاقة بالجمهور، ولا تكفي هنا البرامج الرنانة للحصول على تأييد الناس.

وجرى إنفصالٌ بين قياداتِ وجماعات هذه القوى والجمهور الأكثر وعياً والمنفصل عن التعصبِ والباحث عن تطورِ معاشه وحريته، فيما كانت الأحزابُ المذهبية والقومية تقدم شيئاً آخر.

جاءت نتائجُ الانتخابات بمفأجاةٍ هي تراجعُ القوى الدينية والقومية وقيام القائمة العراقية العلمانية بإختراق حتى بعض المناطق الدينية في الجنوب.

من هي القائمة العراقية؟

(ويضم ائتلاف «القائمة العراقية الوطنية» قوى علمانية شيعية وسنية، من أبرزها حركة الوفاق الوطني العراقي بزعامة رئيس الوزراء السابق إياد علاوي، وحركة التجديد التي يقودها نائب رئيس الجمهورية العراقي طارق الهاشمي، وجبهة الحوار الوطني بزعامة السياسي السني البارز صالح المطلك، وتجمع «عراقيون» بزعامة أسامة النجيفي.).

(وأعلنت مصادر اعلامية مشرفة على عمليات الفرز أن “القائمة العراقية” حلتْ في المرتبة الثانية في ثلاثِ محافظاتٍ جنوبية (بابل والمثنى والبصرة)، لكنها جاءتْ في المرتبة الثالثة في ست محافظات أخرى من جنوب العراق، بعد الائتلاف الوطني، الذي يضم الأحزاب الشيعية الرئيسية باستثناء حزب الدعوة تنظيم العراق). 

أي أن الإختراقَ ألغى تحجرات الطوائفِ التي حاولوا رسمها وحفرها في عظامِ الشعب، ولكن لماذا حدثَ ذلك بعد هيمنة دينية وقومية هائلة؟

لم تستطعْ هذه القوى أن تعطي صورةً مغايرة للطبقة الحاكمة عن النظام الشمولي السابق، أي إستخدام العنف والقوة والإستغلال وطرح قضايا هامشية وتدخل في خصوصيات المواطنين وطرح شكلنة الإسلام، أي الأصرار على محاربة ما يسمونه بالفجور والمتع والمشروبات و(الحداثة)، فتحولتْ إلى قوى متسلطةِ أكثر حدةٍ من السابق في شعبٍ تشّربَ العلمانيةَ منذ عقود، أما القضايا الرئيسية المُنتظر حلها كالبطالةِ الواسعة والفقر والفساد وغياب العدالة في توزيع الثروات بين الطبقات والأقاليم والمناطق فقد طُمست.

 وإضافةً للعجز عن محاربة القوى العنفية الإرهابية ونشر القمع الفكري للمعارضين، توجهتْ المجموعاتُ المذهبية لتصفية الجماعات الدينية من الأقليات.

 (يقول رئيس الحركة الايزيدية من أجل الإصلاح والتقدم أمين فرحان جيجو إن “هناك تراجعاً قوياً للحريات الدينية في العراق خلال السنوات القليلة الماضية ولعدة دوافع منها ما يتعلق بالتطرف الديني وأخرى تتعلق بالإرهاب”.

ويضيف جيجو في حديث لـ”السومرية نيوز”، أن “تراجع وانحسار الحريات الدينية في العراق يعودُ أيضاً إلى عدم تطبيق القوانين والقرارات الدستورية التي تتعلق بحرية المعتقد الديني وحقوق الإنسان في العراق”، معتبراً أن “هناك أحزاباً لديها توجهات دينية ليس لها علاقة بالدستور والقانون العراقي”، بحسب تعبيره.).

ويصف جيجو دور الحكومة بأنه “دور جامد وسلبي في حماية الأقليات الدينية”، مضيفاً أن “هذه الأقليات أصبحت بوابة للصفقات السياسية بين الأحزاب الكردية والأحزاب العربية الموجودة في السلطة”.

ويلفت المرشح الايزيدي الفائز في الانتخابات إلى أن “قرارات اتخذت في بعض المدن العراقية في الفترة الماضية تمنع تناول المشروبات الكحولية وهي تدلل على وجود توجهات دينية بحتة نابعة من أحزاب لا تؤمن بالدستور ولا بالقوانين العراقية”.

ويحتوي الدستور العراقي، الذي تم إقراره في أكتوبر 2005 بموجب استفتاء شعبي، عدة أحكام تكفل حقوق الأقليات. إذ ينص صراحة في مادته الثانية الفقرة ثانيا على ضمان كامل الحقوق الدينية  لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية، كالمسيحيين، والايزديين، والصابئة المندائيين، أما المادة الثالثة فتقر صراحة بأن العراق دولة متعددة القوميات والأديان والمذاهب.

وطبقاً للمادة 14 فإن جميع العراقيين “متساوون أمام القانون دون تمييزٍ بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي”.

 قام النظام السابق بدءً من عام 1994 بتدخلات عميقة في حريات المواطنين الاجتماعية بعد أن سلبهم حرياتهم السياسية، وكان هذا جزءً مما يُعرفُ باسم “الحملة الإيمانية” التي أطلقها، ونص على أن للمحافظين صلاحية إغلاقِ الملاهي وصالات الرقص والنوادي الليلية ومنح ‏إجازات بيع الكحول لطوائف غير مسلمة حصراً. وكانت القوات الأمنية العراقية في عهد الطوائف الراهن قد أغلقت خلال الأيام الماضية، عدداً كبيراً من محالِ بيع المشروبات الكحولية والنوادي الليلية في عموم مناطق بغداد الأمر الذي أثار استغراب أصحاب تلك المحال.).

مثلتْ الجماعاتُ المذهبيةُ والقومية المتشددة إستمراراً للنظام السابق الذي حين عجز عن نشر المساواة والتقدم تعكزَّ على الشرع! ودائماً يتصورون الشرعَ مطيةً سهلةً يستغلونها لمآربهم.

لا بد أن تكون الأحزابُ المذهبيةُ السياسية تفكيكيةً تفتيتة لكيانِ المسلمين، لكونها يمينية من قوى إستغلالٍ ليست تحديثية ديمقراطية، فتكون أنماطُ إداراتِها ذرائعية إنتهازية مرتكزة على ذاتِ الأبنية الاجتماعية المتخلفة، ونظراً لعملياتِ التفكيك التي تقومُ بها للُبنى السياسية للبلدان العربية والإسلامية فهي تعيدُها للوراء، للصراعاتِ الداخلية الجانبية، غير قادرةٍ على تلمسِ عناصر الديمقراطيةِ في التراثِ العربي الإسلامي وفي الواقعِ المعاصر، لكون تلك العناصر تعتمدُ على التوحيدِ لا التفتيت، وعلى العقلانية وليس على اللاعقلانية، مما يقودُها وهي تستغلُ الجهلَ الجماهيري وغيابَ قواعدِ المحاسبةِ الشعبية، إلى تكسيرِ بُنى الاستقلال والتقدم القائمة على التوحيد في كلِ بلدٍ عربي إسلامي.

لكن الأطر الحديثة من الديمقراطية الواهنة ليست محايدة كلياً، وفيها فرص لتطور الجمهور أيضاً.

إن الهجمةَ السريعة من الأحزاب المذهبية نحو التنظيمات الديمقراطية الجنينية هذه عبر إستخدامها قصور التجرية الجماهيرية التحديثية، هو جزءٌ من خلطٍ يقوم به المشروعون لهذه العمليةِ الديمقراطية، ووجود نوايا سياسية مصلحية تكتيكية مؤقتة لديهم، لا تغوصُ في تكريسِ الديمقراطيةٍ بشكلٍ عميق، فهم يسعون لأغراضٍ أخرى، كحدوثِ إستقرارٍ مؤقت أو لأبقاءِ التركيبات المذهبية وإستخدامها في الصراعين الوطني والإقليمي.

لكن هذه التركيبة المذهبية السياسية الطافحة فوق الجهل الجماهيري تؤدي إلى فساد كبير، وتنامي ثروات هذه النخب المذهبية السياسية وعضها بالأسنان على فتاتِ السلطة التي هرولتْ إليها، مما يؤدي إلى عكس ما كان يريده وتحفز له الجمهور!

التركيزُ على شكلنةِ الإسلام وشكلنةِ الديمقراطية يتجسدُ بهذه السيطرة من خلال تلك الأشكالِ العبادية خاصة، وهي أشكالٌ مختلفةٌ مغايرة بين المسلمين، مما يصعدُ التقسيمَ والنزاع وتغييبَ الوعي والتوجه نحو مسائل الصدام بين المسلمين وتهميش وعيهم العصري الحقيقي وإصطدامهم مع أخوتِهم المواطنين من أديانٍ أخرى كما رأينا حول أوضاع مذاهب الأقليات الإسلامية والمسيحية في العراق.

في العراق تمظهر ذلك أيضاً بصفقاتِ الفسادِ السياسية المتعددة، فالأحزابُ المذهبية والقومية تركز على التشبث بالسلطة وتعقد صفقات فيما بينها، وتجعلُ الديمقراطيةَ توافقية(؟)، أي تمثل دكتاتورية هذه النخب، يقول أحدُ الكُتاب العراقيين:

(ولا بد أن نتذكر هنا صفقة 2007 بين طرفي الحكم (التحالف الكردستاني) و(الإئتلاف العراقي الموحد) التي أدتْ إلى إطلاقِ مئاتِ السجناء المدانين بقضايا فسادٍ مالي تُقدر بمليارات الدولارات، مقابل رفع حصّة إقليم كردستان في الموازنة السنوية من 13 بالمائة وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة لحاجاتِ الإقليم إلى 17 بالمائة والتي يتم إنفاقها دون رقابة عادة فهي لا تذهب لمصلحة المواطنين الأكراد بالضرورة !!)، كريم عبد.

ويجوهرُ الكاتبُ وضعَ العراق عبرَ هذه الإدارات بقوله:

(بدا الاضطرابُ واضحاً في السياسةِ المالية والاقتصادية إذ تخلّفت الصناعةُ والزراعةُ وتحولَ العراقُ إلى بلدٍ استهلاكي قلَّ نظيرهُ في بلدان العالم، ذلك أن 80 بالمائة من الموازنات السنوية تُخصصُ للشؤون التشغيلية، أي لرواتب الموظفين ونفقات الوزارات، بينما أقل من 10 بالمائة للتنمية!!).

إن مسائلَ المذهب هنا جعلتْ الناخبين في البدايةِ يطمنئون لهذه الذممِ السياسيةِ المتعكزة على المقدس، لكن الأخطر من عملياتِ الخداع هنا هو تفكيك الإرادة الشعبية، بجعلِ المواطنين ضعفاء ممزقين أمام هذه النخب الصغيرة، التي تفتتُ صفوفَهم عبر تلك الأدوات (الدينية)، وبالتالي تبعدُ وعيَهم عن تتبعِها وكشفِ ممارساتِها، ومتابعة مصالح البلد الموضوعية، وتؤجج صراعاتِ المذاهب والأقاليم والقوميات لكي تستمرَ في الاستحواذ على غنائم الحكم.

 لكن هذه العملية لا يمكن أن تستمر ولا يمكن أن تكون سائدة على مختلف القطاعات، ولهذا تغدو العلمانية السياسية إبعاداً لتلك المتاهات التي يريدون خلقها وإحداث النزاعات وتقسيم الصفوف، فيحدث التركيز على المصالح العامة والظروف الموضوعية، وجعل الميزانية وطنية تابعة لحاجات الشعب.

هذا يؤدي إلى إبتعاد البلد عن المحاور الإقليمية والنزاعات الكارثية وتوحد المواطنين والهيئات السياسية، وهو أمرٌ راحتْ جماهير عراقية عديدة تستوعبهُ بسببِ الضرائب الدموية الباهظة التي دفعتها لحرامية الأوطان والأديان.

ومع تشكل القائمة العراقية من فاعلياتٍ سياسيةٍ مذهبية مختلفة، تم إبعاد التسييس للمذاهب، وطرح برنامج وطني محض، يتسمُ بالتركيز على القضايا الاقتصادية والاجتماعية والتنمية خاصة، وسحب البساط من هذا التعكز على المقدس، ولم يكن بإمكان مثل هذه العملية أن تحظى بتأثيرٍ عميقٍ مع سيطرةِ الأحزاب المذهبية والقومية على أجهزة الإعلام وأدوات السلطة، وكان حزب رئيس الوزراء الحالي قدم إستخدم التلفزيون بشكلٍ يومي لبثِ دعاياته المختلفة، ومع هذا فإن الفشلَ كان حليفهم، وقسم كبير من الجمهور وصلت له حقائق الموقف السياسي بمعاناته الخاصة، وبفشل الأحزاب المذهبية في تطوير العراق، لكنهم كذلك مستمرون في إبقاء نفس المظلة السياسية التي راحت تتمزق.

صراعُ الطوائفِ والطبقاتِ في العراق

كان النظامُ العراقي السابقُ يمثل مركزيةً قوية شديدة ضد مكونات المجتمع العراقي، وحين انهار عادت هذه المكونات إلى سابق عهدها فيما قبل الدولة المركزية. لقد عاد المجتمعُ الإقطاعيُّ المتحركُ صوب الرأسمالية بفوضوية وبغيرعقلانية إلى تجمعاته الدينية والعشائرية والمناطقية المختلفة، بكل إرثها المحافظ المتخلف، فظهرت كياناتُ الجنوبِ والوسط والشمال. وإذا كان الشمالُ الكردي تسيطر عليه القوميةُ الكردية، وهي الممنوعةُ من  تشكيلِ وطنٍ قومي لها، فتظلُ مترجرجةً بين الكيان الوطني العراقي وكيانٍ قومي مُفترض ومرفوض إقليمياً وعالمياً، فإن الكيانين العربيين الجنوبي والوسطي اللذين كانت توحدهما القوميةُ العربية صارا كيانين مذهبيين سياسيين منفصلين يفرقهما ما يُزعم إنه إسلام عبر ارتكاز النظام السابق على منطقة وطائفة دون منطقة وطائفة أخريين.

لقد كونت الدولةَ العراقية خلال نصف قرن الماضي الفئةُ البيروقراطية العسكرية والمدنية المتحالفة مع كبار التجار والمستثمرين وملاك الأرض ورؤوساء العشائر، وتمثل ذلك في جهاز الدولة العسكري خاصةً وحزب البعث، ولم تكن لهذه الفئات استقلاليةً عن الجهازين العسكري والسياسي، أو قدرةً على إنتاج ثقافة وطنية تصهرُ الشعبَ في كلٍ موحد، بل على العكس فارق الشعبُ الثقافةَ الشعارية السياسية المنتجة من قبل النظام، بسبب إدخالها إياه في حروب كارثية وقمع وتشرد ثم حصار، فكانت الهزيمة العسكرية إعلاناً بتمزقِ كلِ شيء، وكل رابطة توحيدية.

وخلال الضربة العسكرية وتصفية الوجود المادي للنظام السابق، تشكلت قوى سياسية جديدة متنفذة من سرقة أموال الدولة السابقة ومن خلال النهب السريع الواسع للثروة الوطنية، فتشكلت مجموعاتٌ استولت(على الأراضي ووزعتها على المؤيدين لها)، (من كتاب الاحتلال الأمريكي وانهيار الدولة العراقية، للباحث د. لطفي حاتم). وفي تحليل للحزب الشيوعي العراقي اعتبر عمليات النهب تلك صادرةً عن قوى إجرامية غير محددة الهوية الاجتماعية.

ظهرت مرجعيتان كبريان هما المرجعية العشائرية والمرجعية الدينية احتلت الإقالمي الثلاثة، فقد سبق للإقليم الكردي أن جعلهما مسيطرتين لكن من خلال الحزبين الكرديين المهيمنين. وبناءً على تحولهما إلى أساس سياسي للدولة العراقية الجديدة، فقد انتفت المرجعيةُ الديمقراطيةُ المُفترضة من تكوين يُقام على أساس مذهبي مناطقي، فمن يعينُ النوابَ حقيقةً هي المرجعيات الطائفية، وليس الانتخاب الحر في بلد يمتلك فيه المواطنون الحرية السياسية والعيش المستقر.

وبهذا فقد تم وضع الأساس لانقسام العراق إلى دول ثلاث، فظهرت كياناتٌ إدارية لهذه الدويلات، وظهر كذلك كيانٌ حكومي موحد، هو تجميعٌ للكيانات الثلاثة على صعيد العاصمة، فهي تشكيلات سياسية فوقية إذا امتدت للجمهور تمتد كجذور مذهبية وإقطاعية متعددة المشارب.

واعتبرت القوى المؤثرةُ ذلك الانقسام بكونه فيدرالية، أي أنه ثلاث أقاليم مستقلة في بعض الخدمات ولكن تبقى هناك دولة مركزية وأساسها الجيش والبرلمان الموحد وغير ذلك من المؤسسات الاتحادية، لكن ذلك يبقى نصوصاً مكتوبة وليس واقعاً إلا إذا استطاعت المؤسسات التوحيدية أن تشكل جيشاً وطنياً حقيقياً.

لم يظهر عراقُ الطائفية والعشائرية الراهن كجسمٍ سوداوي سحري ظهر من باطن الأرض فجأة، بل تشكل خلال العقود الأخيرة ببطء، وكان موجوداً في كل المكونات الاجتماعية والثقافية.

لقد كان حزبُ البعث المفترض كجسمٍ سياسي علماني قومي ينزلقُ نحو هذا اليمين المحافظ بصورة مستمرة، فكان عداؤه التاريخي للحزب الشيوعي العراقي، هو وليدُ الرغبة في المنافسة لتيار يساري جماهيري، عبر تصفيته وإزالة القضايا التي يطرحُها وبركوبِ ظهر العسكر والعشائر، ومن هنا كان احتضانه لقيادة عفلق التي خرجت من سوريا المتجهة لليسار وقتذاك، ورسخ الحزبُ البعثي نفسه بين العسكر والقبائل والطوائف، أي كلما هو محافظ، وكانت المذابح التي كرسها، وأجهزة القمع الواسعة والأفساد للثقافة للوطنية والقومية، كانت هي كلها تضعه ملكاً لقيادةٍ مغامرة.(كان صراع الاشتراكية والرأسمالية المزعوم يجري بشكل مميت في العراق).

وقد ظهرت القيادة المغامرة حين عاد صدامُ الذي قيل إنه ارتبط في القاهرة بالمخابرات الأمريكية، وحين صعد تم الهجوم حتى على بذور الحداثة التي شكلها الحزبُ في تاريخه الطويل. لقد توجه لضرب تحرك العراق نحو الحداثة و(الاشتراكية) لكي ينضم إلى اليمين العربي الإقطاعي وكانت أغلبُ خطواته إستدعاءً مستمراً للاستعمار الأمريكي في منطقة الخليج خاصة.

وكان التعجيل المستمر الذي يطالب به الحزب الشيوعي قد أسهم في المنافسة الضارية بين الجماعتين التحديثيتين، التي كان يُفترض أن يمثل البرجوازية فيها البعثُ ويمثل العمالُ الحزب الشيوعي، ولكن الميراث الدكتاتوري العنيف منع مقاربتيهما المختلفتين طبقةً، المتحدتين حداثة.

إن البعثَ في توجههِ نحو اليمين ارتبط بالموروثِ السني المحافظ، العسكري، كما كونهُ الإقطاعُ المذهبي خلال القرون السابقة، فغدتْ القوميةُ العربية بدويةً عشائرية، وارستقراطية، وأعادتْ تاريخَ الغزو والأسلاب، المتحد مع تكنولوجيا النابالم والأسلحة الكيمائية. ومن جهة اليسار فقد راح يذوب في الطوائف والأقليات المقموعة، دون أن تتيح له الشروط الموضوعية أو وعيه، أن يجمع بين اليسار واليمين، بين السنة والشيعة، بين الشمال والجنوب، في تيار نضالي مشترك، فصار في ذيل الأحداث والقوى المذهبية السياسية الطافحة.

إن القوةَ الكبرى المستفيدةَ خلال ذلك كله هي حكومات الولايات المتحدة المتتابعة، فكان صدامُ وتاريخُ الحماقة الوطنية والنزاعات المذهبية والمراهقة اليسارية، هي كلها الجذور الدموية التي انتجت تفاحة العراق الناضجة دماً ونفطه ومنطقته الاستراتيجية والقواعد الكثيرة وحاملات الطائرات.

لقد حدث التآكلُ السياسي في حزبي العمال والبرجوازية الوطنيين، الشيوعي والبعث، وهو نتيجةٌ للتآكل وعدم معرفة الجذور في الجنوب الشيعي والوسط السني، أي في عجز المذهبية المحافظة والقوموية المتعصبة، والاستيراد الفكري من الخارج عن إنتاج مؤسسات وطنية عقلانية ديمقراطية، بمعنى إن العربَ المسلمين عجزوا عن تشكيل سلطة ديمقراطية توزعُ فوائضَ النفط بين الأقاليم الثلاثة، وأن تشكلَ نهضةً، وغدت رأسماليةُ الدولة التي تحولت إلى تنينٍ بعد التأميم، قوةً كبيرة تلتهمُ البشرَ أكثر مما تحُدِّث الزراعة وتساعد البدو على الانتقال للحداثة، وتعطي مزارعي الجنوبِ الأراضيَّ والمساعدات. لقد توهم كلُ طرفٍ من المسلمين إن الطرف الآخر هو المسؤول عن الكارثة الوطنية، ومع إزالة القوى التحديثية المعارضة، بقيت المجالسُ العشائرية والكيانات المذهبية هي المغناطيس الذي يجذب برادة الحديد الذائب التائهة.

لقد بدأ النظامُ العراقي الجديد طائفياً مهمَّشاً كقدرةٍ عسكرية وطنية عبر حل الجيش العراقي وتسريح ضباطه وجنوده وعدم إعطائهم حقوقهم المعاشية وضرب الإدارة الوطنية، فكان ذلك سبباً في انضمامِ عددٍ كبير منهم للجماعات الخارجة على القانون، وبتغييب قوة سياسية إدارية مركزية وجعلهما بيد الأمريكيين. وكانت محاكماتُ النظام شكلاً آخر لطبيعة النظام الطائفية فتوجهتْ المحاكماتُ رأساً إلى قضية الدجيل بدلاً من المسار الطبيعي لقضايا النظام الأجرامية وأولها إعدام مجموعة من الكوادر البعثيين الكبار ثم ابعاد الرئيس البكر ثم تأتي القضايا الأخرى. بطبيعة الحال إن مثل هذه المحاكمات لو جرت سوف تظهر بأن في البعث قوى مختلفة، ولكن الحاكمين ليسوا في حالةٍ عقلية وطنية تسمحُ لهم بمثل هذه القراءة الرحبة الحكيمة.

كان الثأر من حزب البعث والجيش يحملُ رغبةً إجرامية في تصفية الحداثة العراقية الوطنية، أكثر من كونه يمثل عقاباً سياسياً مشروعاً، وهذه العملية بالتالي ابتعدت عن المحاكمة العقلانية لنتاج النظام السابق، فخلطت بين جرائم مجموعات عسكرية وأمنية وسياسية بعثية وبين مشروع حداثة وطنية فيه أخطاء كبيرة، لكنه صاحب إنجازات وأفضل من الارتداد للوراء، والعودة للطائفية والتبعية، وبهذا قام أصحابُها بمحاكمةِ فرد وجماعةٍ أكثر مما حللوا تجربة سياسية كبيرة.

كان جسمُ البعث والليبراليين والجيش والتجار فيه أكبر قوى الفئات الوسطى، وهو الذي راكم منجزات الحداثة على مدى عقود، ولكن المشروع الأمريكي لتغيير العراق لم يبدأ من إصلاح الجيش والبعث والإدارة، بل توحد مع القوى المذهبية السياسية المحافظة، فيغدو نظام الدويلات الثلاث تتويجاً لذلك بحيث تتحول إلى دول صغيرة تسيطر عليها قوى المحافظين الاجتماعيين من إقطاع ورؤساء عشائر وتجار كبار متحالفين معهم يغدون وكلاء الشركات المتعددة القومية.

إن عدم تطبيق قوانين الدولة الحديثة؛ قوانين العلمانية والديمقراطية والوطنية، أي رفض تشكيل أحزاب دينية ومناطقية، يعني التقسيم الواسع المتدرج والانهيار لحلم  (الفدرالية)، فهما يؤديان إلى الانفصال.

إن هذا كان يتطابق مع رؤى المحافظين الجدد في البيت الأبيض الذين راحوا يدخلون المسائل الدينية في السياسة، ويؤكدون على سوق مفتوحة مطلقة تقع في قبضة شركاتهم،  وتلغي القطاعات العامة في الدول، وهي ركائز الدول الوطنية المستقلة حديثاً في العالم الثالث، وتعيدها لتكويناتها التقليدية، وهو المشروع الذي سنرى تجسيداته المختلفة في العراق.

لقد صارت القوى المذهبية السياسية والليبرالية والشيوعية الرسمية الموجهة من قبل الإدارة الأمريكية هي القوى المؤثرة على الساحة العراقية، ولم يكن بإمكان الإدارة الأمريكية تنفيذ البرنامج العلماني الديمقراطي، فهي ذاتها تراجعت عنه في بلدها، وكان تنفيذ ذلك يعني الصراع مع التوجهات المذهبية الكردية والشيعية الغالبة على ساحة قوى(التغيير)، ولكن التحالف مع هذه القوى يعني تشكيل نظام الدويلات الثلاث، وحل المؤسسات الوطنية خاصة الجيش. وتصعيد قواها السياسية وقدراتها العسكرية. (وهذا من جهةٍ أخرى في تلك اللحظة من السيناريو المتشكل يتوافق مع رغباتِ كل دول المنطقة في إضعاف العراق عسكرياً. وفيما بعد ستعارض الدولُ المذهبيةُ السنية هذا السيناريو فيظهر الجيشُ العراقي الجديد المحدود وقوات الصحوة لأحداثِ شيءٍ من التوازن وتصعيد الدويلة السنية الطائفية).

ولهذا سنرى إن اقصى هذه التوجهات يتوجه نحو الإعلان عن مشروعه الطائفي أو القومي اللاوطني، وعبر الاستعانة بالمنظمات المسلحة. في حين إن اقصى اليسار سيرفض هذه المساومات ويطالب بدولة عراقية بدون فدرالية أوكونفدرالية، أي بدون سيطرات الإقطاعيات المذهبية المحلية في الأقاليم الثلاثة.

تقول إحدى تنظيمات اقصى اليسار:

(وبموجب تلك الأدلة التي وردت فيما تقدم فإن الفدرالية هي أطروحةٌ رجعية وضد الحرية من منظار الحرية والمساواة ومن منظار الحزب الشيوعي العمالي ويتناقض مع المصالح الإنسانية لجماهير العراق بمجمله. نحن لا نرفضها فقط بل ونشجبها وندينها أيضاً. ونصر ونؤكد مقابل الفدرالية على دولة واحدة. ومن الضروري في هذا السبيل توحيد الصف النضالي للجماهير التحررية والُمضطهَّدة في كل مناطق العراق ومن ضمنها كردستان من أجل إقامة حكومية غير قومية وغير دينية علمانية تتضمن المساواة في الحقوق لكل المواطنين)، (الحزب الشيوعي العراقي العمالي).

إن القوى الاجتماعية العشائرية والمذهبية المحافظة تقوم بتنمية سيطرتها على أقليم جنوب العراق بشكل متدرج، فقد سيطرت هذه القوى على الشمال، أقليم كردستان، فيما لم يستطع السنة العشائريون فعل شيء من هذا القبيل بسبب تأخرهم في استثمار العملية السياسية، وبهذا فإن وضع اليد السياسية على هذه الأقاليم يتضمن السيطرة على الموارد المالية فيه أو على النصيب الكبير من الموارد الوطنية، ثم توسيع السيطرة السياسية وطرد المنافسين وتكوين المليشيا وتكريس خطابها الطائفي في التعليم وأجهزة الثقافة المختلفة، وبالتالي تظهرُ ملامحُ الدولةِ الطائفية المكتملة، وإذا كانت كردستان قد اكتملتْ في هذه السيطرة وكرستْ دولتَها ولم يبق سوى أن تستولي على مدينة (كركوك) المتنازع عليها فجأة بين الأقاليم الثلاثة، لشهيتها الكبيرة في التهام النفط، فإن الإقليمين الآخرين هما في الطريق إلى ذلك، فلا توجد دولةٌ وطنيةٌ تتنازعُ على مدينة داخلها.

لا يمنع كردستان من الانفصال سوى الدولة التركية في الشمال التي ترفض مشروعات الدول الطائفية.

يحدد الحزب السابق الذكر الطبيعة الاجتماعية لهذا المشروع:

(من النتائج الأخرى للفدرالية إنها تصبح سبباً في جر جماهير كل منطقة تحت جناح وقوة جماعة رجعية وستدار كل منطقة حسب قانون معين حسب ماهية القوة السائدة بحجة الثقافة والدين والمذهب)، (ستصبح سبباً لإضفاء الهوية القومية والطائفية والعشائرية على كل منطقة)، (الحزب الشيوعي العمالي).

كان انهيار العراق السياسي التحديثي نتيجة الصراع بين حزب البعث العربي الاشتراكي وبين الحزب الشيوعي العراقي، فهاتان القوتان التحديثيتان واجهتا بعضهما البعض كما قلنا في صراعات دامية، ثم توصلتا لما يُعرف بالجبهة الوطنية القومية التقدمية، وكان مشروعاً وطنياً مهماً، لولا توجه صدام حسين للقضاء عليه والقضاء على التوجهات الوطنية الديمقراطية داخل حزب البعث نفسه.

كانت القوى الاستعمارية والمحافظة في المنطقة تسعى لهدم الجبهة، التي كانت لو استمرتْ لكانت أساساً للاستقرار في العراق والمنطقة، فهي على الأقل سوف تخففُ من وطأةِ القيادة الفردية المطلقة ومغامراتها. ولكن صدام اتخذ الجبهةَ فخاً لاصطياد كوادر الحزب الشيوعي والانقضاض عليه كعادة تكتيكاته.

هذا الأساسُ المضطربُ تشكلَّ على صراعاتٍ ضارية ومنافسات منذ انقلاب تموز سنة 1958، وقبل هذا كان العراق مسرحاً لأعمال عنف لم تتوقف.

كذلك كان التحالف التحديثي يحتاج إلى قوى اجتماعية من الطبقات الحديثة وإلى ازدهار صناعي وكان هذا كله مفتقداً. وكان يحتاج إلى قواعد حزبية عميقة الثقافة سواء بفهم الماركسية أو القومية، يقول أحد الباحثين العراقيين المعروفين:

 (وبطبيعة الحال يتحملُ الشيوعي حصة غير قليلة من وزر الأحداث المؤلمة التي انزلق فيها بغرور الكثرة الهابطة النوع بعد عام 1958. فلو سألنا أعضاء بارزين في الحزب، من الذين قضوا صامدين خلال التعذيب، كم منهم أدركَ نظريةَ رأس المال؟)،(واتذكر إني اطلعتُ في ارشيف جريدة (اتحاد الشعب)، (25 آذار 1959)، على برقية ابرقتها منظمة الحزب في منطقة من مناطق الأهوار إلى الزعيم عبدالكريم قاسم تطالبه ببناء مستوصف، وإقامة طريق بري، وتطهير الجهاز الإداري من الفاسدين والخونة وخاصة البلدية والخروج من حلف بغداد!)، (مقالة لرشيد خيون في الشرق الأوسط، 16 مايو 2007).

 كان غمرُ الأحزابِ بجموعٍ شعبيةٍ محدودة المعرفة والزج بها في الصراعات السياسية من أكثر المخاطر التي خربت الحزبين البعثي والشيوعي، وحين يتم تسليح هذه الجموع فإن الكوارث تتعاظم بشكل مأساوي، (وهو شكلٌ من الممارسة السياسية تستعيدها الآن التنظيماتُ السياسية المذهبية).

وبطبيعة قسوة وقوة النظام السابق الأمنية لم يستطع الحزب الشيوعي أن يفعل شيئاً ورغم التحالفات المتعددة، فأنها لم تغير شيئاً، ودفعت المجازر والهجرة أعضاء المعارضة إلى التعاون مع الولايات المتحدة وبريطانيا لإزالة النظام، وهم في حالةِ تعبٍ سياسي وانهاك وعوز مادي.

(ولم تنجح القوى السياسية العراقية في إقامة التحالف المنشود القادر على اسقاط النظام. . دفعها الأحباطُ والشعور بالعجز إلى إقامة التحالف مع الولايات المتحدة وبريطانيا لاسقاط النظام. واتخذ الحزب الشيوعي موقفاً واضحاً وصحيحاً من الحرب إذ رفضها، رغم إنه كان يريد الإطاحة بالنظام بقوى الشعب الخاصة)، (كاظم حبيب باحث اقتصادي عراقي، الحزب الشيوعي العراقي والأحداث الجارية في العراق، من موقع الناس الإلكتروني).

كان العملُ مع القوى المذهبية السياسية والقومية المحافظة في اثناء تأسيس النظام الجديد قد جعلَ الحزبَ الشيوعي غير قادرٍ على الدفاع عن نظام علماني ديمقراطي وعن عراق موحد، وهي الأهداف التي لم يسعَ لها بقوة حتى في العهود السابقة، فالعلمانية والفصل بين الدين والسياسة لم تكن من أولوياته، لعمله بين الجمهور المسيس الديني، الإمامي غالباً، وبهذا انساق مع المناخ السياسي الجديد يحاول أن يوجهه صوب الحداثة والديمقراطية، فصعدت القوى الدينيةُ المذهبيةُ وراحت تفرضُ مشروعَ التقسيم ومناطقها التابعة للقوى الإقطاعية المذهبية والعشائرية.

يضيف الدكتور كاظم حبيب في نقده لسياسة الحزب:

(وخلال فترة التحالف مع القوى السياسية العراقية كان الحزب الشيوعي يكف في الغالب الأعم عن تقديم النقد العلني والمجاهرة بملاحظاته إزاء القوى المتحالفة معه، خاصةً إذا كانت تلك القوى في السلطة، وكان يعمد إلى ممارسة النقد الذاتي وعبر مذكرات خاصة).

لكن القوى الدينية المحافظة تزداد شهيتها كلما وجدت هذا التراخي من قبل القوى التقدمية، فتوسعُ مشروعَ الارتداد إلى الماضي، وكان نموذجاً لهذا ما فعله أحدُ المسؤولين الكبار في الحكم تجاه القوانين المتعلقة بالأسرة والمرأة.

(قرر مجلس الحكم بجلسته المنعقدة بتاريخ 29/12/2003 ما يلي:

1 – تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فيما يخص الزواج والخطبة وعقد الزواج والأهلية واثبات الزواج والمحرمات وزواج الكتابيات والحقوق والرضاعة ونفقة الفروع والأصول والأقارب والوصية والإيصاء والوقف والميراث وكافة المحاكم الشرعية (الأحوال الشخصية) وطبقاً لفرائض مذهبه).

2 – إلغاء كل القوانين والقرارات والتعليمات والبيانات وأحكام المواد التي تخالف الفقرة(1) من هذا القرار.

3 – يعمل به من تاريخ صدوره)، رئيس مجلس الحكم عبدالعزيز الحكيم).

ويقول كاظم حبيب إن هذا القرار لم يُعَّرف به ولم يشكلْ الحزبُ الشيوعي حملةً ضده، أو حتى يذكره، رغم معارضة نائبه في مجلس الحكم هذا القرار، ولم يتم إلغائه إلا من قبل الحاكم الأمريكي وقتذاك وهو كريمر!

لم يحتج سوى 80 منظمة نسائية وهي المتضررات من قرارات رجال الدين المحافظين الذين راحوا يوسعون سطوتهم الفئوية على الأقاليم والعامة.

هذا الانزلاق اليساري باتجاه السيطرة المحافظة اليمينية يقود إلى تجذر القوى المذهبية المحافظة، التي تتوجه إلى استثمار العبادات الإسلامية وتحريكها بشكل جماهيري واسع، مما يرفد هذه الأحزاب بقوى الناس العادية الجاهلة التي لعبت نفس الأدوار السلبية في صراع الحزبين البعثي والشيوعي سابقاً، وعبر هذا تقوم بعرقلة نشؤ عراق تحديثي ديمقراطي. واستغلال الشعائر والمقولات الإسلامية هي عمليات تمويه موسعة لهذه القوى الجديدة في حراكها من أجل المال والنفوذ، ولو كان ذلك صحيحاً لالتزموا بدعوة الإسلام الكبرى من أجل الوحدة وترك المذهبيات السياسية الممزقة للشعوب.

في حين كان انزلاقُ البعث بعد خروجه من السلطة إلى العشائر العربية السنية وإلى التعاون مع القاعدة يعبر عن خراب آخر. وهكذا وجد حزبا التحديث نفسيهما بصراعهما الطويل الضاري أنهما يمشيان وراء القوى الطائفية والعشائرية المتخلفة الممزقة لخريطة العراق الوطنية.

وحين تم التخفيف من الهجوم على المؤسسات الوطنية خاصة الجيش وإعادة بعض الضباط والجنود وغير هذا من إجراءات بدأت بعض أنسجة الوحدة الوطنية تتراءى وحدثت تطورات على صعيدي التطور الاقتصادي والأمن، ولكن كل هذا لا يكفي دون الانعطاف عن سياسة المحاصصة الطائفية والعودة إلى النهج الوطني العراقي العلماني.

صار العراق بدلاً من دولةٍ وطنية حديثة موحَّدةٍ كياناتٍ تتوجهُ لتكون دولاً مستقلة متصارعة، وكما عبرت عن ذلك ظاهراتٌ تم رصدها سابقاً، فإن الصراعَ الأكبر جرى حول موارد البلد وكيفية رؤية تطوره الاقتصادي.

لقد كانت لسلطة الاحتلال خطة خاصة في هذا الشأن، فالاقتصاد في خاتمة المطاف هو بيت القصيد.

في يناير 2007 صدر إعلان النوايا بين الرئيس جورج بوش والسيد نور المالكي وتضمن الالتزام بمبادئ الليبرالية الجديدة، وهي النمط الاقتصادي الذي قلنا بأنه يمثل سياسة المحافظين الجدد الأمريكيين وصارت له نتائج كارثية على الاقتصاد الأمريكي والعالمي في الفترة الأخيرة كما ظهر ذلك في الأزمة المالية، وقد تضمن إعلان الرئيسين الأمريكي ورئيس وزراء العراق، قيام سياسة اقتصادية حرة وتقليص القطاع العام والتركيز على بيع النفط الخام، ويقول الباحث الاقتصادي العراق كاظم حبيب إن ذلك يعني(التخلي عن دور الدولة الكامل في النشاط الاقتصادي وترك المجال كاملاً للقطاع الخاص المحلي والأجنبي، (ونظراً لضعف القطاع الخاص المحلي سيكون الباب مفتوحاً للقطاع الخاص الأجنبي)، وكذلك (التخلي عن التصنيع التحويلي للزراعة)، و(الاعتماد الكامل على الاستيراد وسياسة الباب المفتوح).

ومن شأن هذا كله تحويل السوق إلى مؤسسات تمتص النقدَ السائل وتحوله إلى الخارج، ارباحاً وشراءً للبضائع والأجهزة وكافة السلع، وعلى حد تعبير الباحث الاقتصادي السابق الذكر؛ (إن هذا يعني بأن الاقتصاد العراقي يبقى تابعاً ومرتبطاً عضوياً بالنفط الخام والاستيراد الذي يستنزف كامل الدخل القومي).

وقد تم التخطيط لهذا كله على ضوء قوة العراق البترولية. قال محسن خان مدير قسم الشرق الأوسط بصندوق النقد الدولي بأنه(يتوقع أن ينمو الناتج العراقي خلال سنة 2008 بنسبة 7% وأن يستمر النمو بنسبة 7% أو 8% في عام 2009).

وحسب تقديرات صندوق النقد الدولى  فإن متوسط إنتاج النفط العراقي الذي يمثل 70% من الدخل الوطني، أو 80% في تقديرات أخرى، بلغ مليوني برميل يومياً خلال الفترة من عامي 2006 و2007. فبلغت إيرادات العراق سنة 2007 نحو 27 مليار دولار في مقابل 20 مليار دولار سنة 2006.

وقال مهدي الحافظ وهو وزير سابق وباحث بأن الاقتصاد العراقي مشوه وتعتمد موازنته العامة على فوائض النفط فتبلغ 85% من مجموع مصادر التمويل، ولكن هذه الموازنة تتعرض لجهاز دولة بيروقراطي يعاني من قلة الموارد الضريبية، كما تم (رصد موارد غير قليلة لأغراض معينة كفقرة المنافع الاجتماعية لتخصيصات مفتوحة لرئاسة الجمهورية ومجلس الورزاء ومجلس النواب وجهات رسمية أخرى والتي تفتقر لتعريف وضاوبط واضحة مما يثقل لوحة الأنفاق العام)، (مهدي الحافظ، دراسة في مجلة الغد الأردنية).

إن المحاصصة السياسية المذهبية على مستوى الدولة تتحول إلى محاصصات مالية وتشكيل قوى بيروقراطية استغلالية تدعم تلك الدويلات الجنينية، مما يحول الصراع السياسي هنا إلى صراع على المصالح الاقتصادية وعلى الميزانية العامة فكل أقليم يطالب بحصة أعلى، وقد حدثت الصراعات على هذه الحصص، فيظهر أقليمٌ مميز وآخر غير مميز.

ويعرض برنامج الحزب الشيوعي العراقي ذلك دون أن يتطرق إلى الأسماء والجهات وحالات الصراع المريرة فيدعو إلى تنفيذ الأهداف التالية:(تصفية مظاهر التمييز والنزعات الشوفينية والتعصب القومي والديني والمذهبي، التي أفرزتها الدكتاتورية المقبورة وحروبها، وفاقمتها سياسةُ الاحتلال وقوى الأرهاب والسياسات الخاطئة في إعادة بناء مؤسسات الدولة)، (نبذ نهج المحاصصات، وانهاء مظاهر الاستقطاب الطائفي، وتكريس نهج الوحدة الوطنية)، (4و5 من فقرة بناء الدولة، برنامج الحزب الشيوعي العراقي).

وهذه تبقى أمنيات في وقت تتوجه سياسة رئيس الحكومة إلى تقزيم القطاع العام الصناعي وعدم تحويل كمية كبيرة من الفوائض للصناعات المعدنية والبتروكيمائية، وعدم انقاذ الزراعة العراقية المنهارة التي راحت تستورد حتى الخضروات، وكل هذا يتساوق مع السوق المفتوحة الحرة وتغلغل الشركات الأجنبية ومنافع البيروقراطيات السياسية الجديدة التي تموه تبعيتها واستغلالها بالمذاهب الإسلامية والأفكار القومية.

وعبر هذه التوجهات ستبقي سياسة الحكومة العراقية سياسة توزيع مالي وليست دولة مالكة لقطاعات عامة تصنيعية، تقود بها اقتصاداً وطنياً مستقلاً قوياً، وتتحول القوى البيروقراطية الحاكمة إلى قوى متنفذة في السوق، وتنشئ علاقات سياسية فوق مؤسسات الدولة العراقية، فكل أقليم يقيم تحالفاته مع الدول الغربية المسيطرة أو مع الدول المجاورة التي تسعى لتفكيك العراق والسيطرة على أقاليمه.

ومن هنا أهمية نشوء تحالفات ديمقراطية تحديثية تقدمية تشمل العراق كله، وتنشر ثقافة موحدة وتصنع إرادة موحدة جديدة لعراق ديمقراطي علماني بدلاً من الانزلاق في التخلف والتقسيم.

الدين والعلمانية

حراكُ الأديانِ: خريطةٌ عامة

بدتْ الساحةُ الدوليةُ في القرن العشرين متجهةً للصراع بين الليبرالية المسيحية والإشتراكية الماركسية، وكان صراعاً ضارياً، يؤكدُ فيه الطرفُ الليبراليُّ الغربي على نشرِ العلاقاتِ الرأسمالية والتحالفات العسكرية المسيِّجة لجسدِ المعسكر الإشتراكي المُحَّاصر، النازفِ في بقعٍ كبيرةٍ تُضربُ بالطائرات وتُمنع عنها البضائعُ المتطورةُ والإختراعات، وتقطعُ خطوطَ إمداداتِها عن الشعوب المستعمَّرة المتطلعةِ للحرية.

كان العالمُ الغربي يستنزفُ العالمَ الفقير المقطع، وتتضخمُ ثرواته، وتنأى طبقاتهُ الوسطى عن الإحتجاجِ وعن إنتاج ثقافة الحفر الاجتماعي ضد الإستغلال القاري والإستغلال العالمي، وتتوزعُ ثقافتهُ بين ليبرالية رأسمالية علمانية ذات تشجيع للأديان، التي هي أداةُ تخديرٍ كما ترى للجمهور العامل الذي لم تتوصلْ قطاعاتهُ التحتية للماركسية، التي غدتْ هي الخطرُ العالمي، المؤججُ لنضالاتِ شعوبِ المستعمرات، وفي ذاتِ الوقت كانت ثقافةُ هذه الطبقاتِ الوسطى المتعددة التراكيب تنتجُ نزعاتٍ جديدةً من النقدِ للرأسمالية، ولهذا النظامِ المالي المهيمنِ المُستَّلِب، لكن عبر مدارس مناسبة لهذه الجماعات المالكة – العاملة. ولكن غدا الألحادُ ومفارقةُ الأديانِ سمةً ظاهرةً واسعةً في الثقافة الغربية العليا، غير الثقافة السوداء، ثقافة الجنس وأفلام الرعب وثقافة المخدرات وغناء الحشيش والإبر، أو ثقافة الكنائس الواسعة الإنتشار خاصةً في الطبقاتِ الفقيرةِ والمناطقِ والقارات التي لم تنهضْ بعدُ بشكلٍ صناعيٍّ واسعٍ كأمريكا اللاتينية.

 وكانت الأديانُ عامة لدى الشعوب خارج العالم الغربي هاجعةً، مولودةً في العالم الحديث الاستعماري بطفوليةِ النصوص القديمة الشعائرية، فالتعليمُ محدودٌ فيها، وأغلبهُ نصوصي تحفيظي، والتجارةُ ضئيلةٌ، والصناعةُ معدومةٌ، وكانت الليبراليةُ بحاجةٍ لطبقاتٍ وسطى تحملُها، فهي لا تمشي على الأرضِ بدون الدكاكين الواسعة والوكالات العامرة بالبضائعِ المستوردة، وبدون الورشِ والمصانع الخاصة، وبدون الصناعيين والتجار والمسارح والسينما، ومن هنا فنفخُ الغربِ الاستعماري وقتذاك لليبراليةِ كان يجري في رمادٍ بارد.

كان المطلوب في العالم الشرقي وغير الغربي عامة، أدوات فكرية سياسية تعبئُ الجمهورَ الواسع، وتدفعهُ للنضال، وتكسير سيطرة الغرب، وتجرُ الملايينَ للصناعة، وتنشرُ الخطوطَ العريضة للعلوم، وتحطمُ نومَ الأرياف فلم يكن أفضلَ من الإيديولوجية الماركسية، فالعمالُ موجودون وإن لم يكونوا عمال صناعة، والفقراء يملأون الآفاق الريفية خاصة وحارات المدن.

 إندفعتْ هذه الشعاراتُ تكتسحُ القاراتَ الفقيرةَ، أعطتها مفاتيح سهلةً للتصدي للغرب، منعتْ أفكارَها الليبراليةَ والدينيةَ من التوغلِ في الشعوب، أدعتْ تجاوزَ الغرب وحضارته العريقة، رغم إنها إحدى نتاجاتهِ، وفي كلِ مرحلةٍ كانت الأفكارُ الغربيةُ المُجدِّدة عموماً هي أدواتُ إشعال المصانع الشرقية الخربة، لكن الماركسيةَ المستوردة تمت شرقنتها، وغدتْ إستبداديةً غيرَ ديمقراطية، ومسطحةً، فعاملتْ الأديانَ بطريقةٍ فظة، وتوافقَ نشر أفكارها مع منعِ التعددياتِ والقراءاتِ المختلفةِ وبفرضِ الملكية العامة البيروقراطية وصعود القيادات المُبَّسطةِ للأفكار، وغير العميقة، والمتقلقلة فلسفياً.

هذا الواقعُ الشرقي وغير الغربي عموماً تغير في بضعةِ عقود، نشأتْ كتلٌ سياسيةٌ ضخمةٌ متحررة؛ عدةُ ملياراتٍ من البشر إنتزعتْ أثمنَّ ما لدى الغرب من مستعمرات، كان نضالاً أسطوريا وضعَ تاريخاً جديداً للبشريةً.

المدنُ في الشرقِ إتسعتْ وتضخمتْ بالسكان، إنتشرتْ المدارسُ والمتاجر والمصانع، الفئات الوسطى شبه المعدومة إتسعتْ بشكلٍ هائل، لم تعد الدول ذات الملكيات العامة الشاملة مقبولة، قدراتها على تطوير قوى الإنتاج تحجمت، لم تستطع تطوير المصالح الخاصة في الإنتاج، عجزتْ عن خلقِ المبادراتِ الذاتية، بدأتْ الإشتراكيةُ الحكوميةُ التي حولتْ نفسَها لإلهٍ قادرٍ على كلِ شيء تتأزم، والرأمسالية القومية المستبدة هي الأخرى لم تغدُ ناجحة كلياً، والفئاتُ الوسطى الظاهرة في كلِ مكان من العالم الشرقي توجهتْ نحو تعزيزِ مصالحها والاهتمام بالحريات الخاصة، ونحتْ لتصعيدِ تقاليدها الخاصة وتاريخها الماضي، إنبعثتْ عملياتُ واسعةٌ لتجديد الإرث بشكلٍ لم يسبق له مثيل.

إن الأجيالَ المبكرةَ الأولى التي ذهبتْ للغرب من أجل الدراسة والتي صار منها الوزراء والمسئولون في عهود الإستعمار وأوائل الإستقلال، توقفتْ عن ذلك الرحيل الواسع، فنشأتْ جامعاتٌ وطنيةٌ في كل مكان، وذلك التبتل للغربِ والصلاة في محرابهِ بشكلٍ رومانسي توقف، أصبحتْ الرحلاتُ تتصاعد للواقع المحلي، أُضيتْ الشموع للرموز الوطنية والدينية.

كان عالماً مختلفاً عن ذلك العالم الذي تشكل في بداية القرن العشرين، الأمم الشرقية تكونت بشكل جديد، ذلك الفقر السحيق وأمية الملايين تغيرت، فلم يعدْ التسطيحُ مقبولاً، ولم يعدْ الإستيرادُ مُهيمناً كما في السنواتِ البكرِ للعقولِ الخاليةِ، التي كانت فيها الأديانُ الشرقيةُ مغيبةً أو أشكالاً مسطحةً من العبادات، دخلتْ الملايينُ الجديدةُ وهي تحلقُ بتراثِها الخاص، والقوى المالكةُ الخاصةُ الواسعة الإنتشار رأت في الماركسية عدواً لدوداً بدلاً من الصديق الحميم السابق.

بدأ عهدٌ دينيٌّ واسعٌ مختلف.

غدت الأممُ الشرقيةُ والعالمُ غيرُ الغربي المتطورِ عموماً أمام واقع جديد، واقع تطورتْ فيه الرأسمالياتُ الخاصةُ التي راحتْ تزيحُ الرأسمالياتِ الحكوميةَ كليةَ السيطرة، والفئاتُ الوسطى إنتجتْ أجيالاً شابةً في ثقافةٍ دينيةٍ موروثة، والاشتراكيةُ لم تعدْ نموذجاً، إن الاشتراكيةَ ذات النمط الشرقي البيروقراطي غدتْ متخلفةً، والماركسيةُ تنمطتْ وتجمدت عبر قراءاتِها المدرسية وبمستوياتِ العمال اليدويين، وعملياتُ بعثِ ماضي الشعوب والأمم القديمة ذات الحضارات المزدهرة السابقة توسعتْ كثيراً، وتفككَ النموذجُ الإشتراكي إلى قومياتهِ الأولى، وإن دولاً مجهولة بلا خرائط ظهرتْ في أفريقيا وقارات أخرى، وحدث إزدهارٌ لم يسبقْ له مثيل للصناعاتِ والتجارة والتقنيات، اليابان قادتْ إلى تشكيلِ رأسمالياتٍ مزدهرةٍ في شرق وجنوب آسيا، والنموذجُ الرأسمالي المتطورُ إندمجَ مع رأسمالياتٍ حكومية خففتْ من مركزيتِها ومن هيمنتِها، فتضخمتْ التجاربُ الرأسماليةُ الحرةُ بشكلٍ واسع في الشرق الأقصى، وراحتْ تقارب الرأسمالية الغربية العريقة بسرعة غير معروفة في التاريخ، فبدأت التجاربُ الإقتصاديةُ الشرقية تتخطى المعدلات العالمية في النمو.

نموذجا الصين والهند صعدا بشكلٍ خرافي وأحاطا نفسيهما بدوائر من الجزرِ القاريةِ المتسارعةِ النمو كماليزيا وكوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وغيرها.

العالمُ الإسلامي الشرق أوسطي الأفريقي ظلَّ في ركودهِ التاريخي، من خلالِ حكوماتٍ مركزيةٍ مهيمنة على الاقتصاد والثقافة والأنفاس، وفي الدول الغنية منها توجيهٌ للثروات نحو الخارج، والفقيرة نحو الفساد والتحنط السياسي.

إختلفتْ لوحاتُ الأديانِ عن العقودِ السابقة عبر هذا الحراك الاجتماعي الهائل، فإذا كانت الماركسية تراجعت بشكل كبير وضعفت مواقع الطبقات العاملة، فإن المذاهبَ المحافظةَ صعدتْ بقوة بسبب صعود هذه الفئات الوسطى الريفية والتي جاءت من القرى أو تنامت ثرواتها في المدن، وقادها تعليمها الديني إلى تطويعِ المذاهب للسياسة، خاصة وأن الطبقات المسيطرة كانت تستند إلى الأفكار الغربية أو الشرقية (الإشتراكية)، فمضت نحو حراك الشعوب الديني المتصاعد، تستثمره في نمو سيطرتها وملئها الأجهزة الحكومية والمؤسسات السياسية المختلفة.

تحرك العالم عن صراع الماركسية والليبرالية الغربية وهو نموذج الحرب الباردة، إلى صراع الأديان المحافظة والليبرالية والماركسية، وهو ثالوث هائل متداخل معقد ومركب.

في الغرب المتطور(أوربا الغربية وأمريكا الشمالية) لم يعد للأديان من تأثير كبير، فإن النخبَ السياسية والفكرية تعتمد الأفكار العلمانية المختلفة، وحصلت الأفكارُ اليسارية على بعض التقدم بسببِ زوال الحرب الباردة، وظلت الأفكارُ الديمقراطية الليبرالية المعبرة عن الطبقات الحاكمة مهيمنة كالقرون السابقة.

في بقية العالم الشرقي وغير الغربي كان حراكُ الثالوث الفكري هو المنتشر، وكان إنبعاث الأديان الأكبر يعبرُ عن ظاهراتٍ معقدة، تبدو شديدة التناقض مع طبيعة العصر العلمية المتصاعدة، لكنها غير غريبة في الواقع فملايين من الجماهير الريفية زحفت إلى المدن، وتوسعت هذه المدن وازداد عدد سكانها بشكل هائل، وكانت إزاحة النفوذ الغربي يعني لهذه الجماهير العودة لتقاليدها الدينية، كما أن تآكل التجارب الاشتراكية فاقم هذه الظاهرات، وغدت الأديان والأفكار القومية هي أدوات الحراك الاجتماعي لجماهير العالم الشرقي، وأحياناً تندمج هذه الأفكار والأديان وأحياناً تنفصل، ففي حالات ضعف الأفكار القومية فإن المذاهب الدينية هي التي تلعب الدور الأساسي والعكس صحيح.

غدا أصحاب المؤسسات الاقتصادية الخاصة والعامة هم الذين يهيمنون على المسرح السياسي، وهؤلاء أقرب للأفكار الدينية والقومية.

هيمنة الأديان المحافظة يعني هيمنة للإقطاعين الديني والسياسي، وبروز الليبرالية بأشكالها المتعددة يعني تصاعد نفوذ الفئات الوسطى التجارية والصناعية، والتداخلات بين الدين والليبرالية يعني تداخل الإقطاع والبرجوازية بأشكالٍ ونسبٍ معبرةٍ عن أحجامِها المتباينة في الاقتصادِ والحكم وعن تعاونهما أو صراعهما، والأنتصار الساحق للعلمانية والليبرالية يعني هيمنة نفوذ البرجوازية السياسي وإنتشار العلاقات الرأسمالية بشكل كبير في الحياة الاجتماعية، ونفوذ الماركسية كجنوب الهند والصين أو جنوب أفريقيا يعني تصاعد دور الطبقات الشعبية والأفكار الاشتراكية. لكن الألحادَ الواسع نجده فقط في الغرب بينما ينتشر الإيمانُ المتعددُ الأشكال بالأديان السماوية والأرواحية وعبادات الأسلاف وبالرموز المقدسة والكائنات المجسدة في العالم الشرقي. ويتقارب الصينيون والهندوس والمسلمون في أعدادهم المليارية ويختلفون في توجهاتِهم الدينية كثيراً.

هذه الخطوطُ العريضةُ العامة جداً لها تلويناتٌ في القارات والبلدان بأشكالٍ ملموسةٍ متلونة، فلكلِ بلد خريطته الخاصة وتجربته، وثمة مجموعة بلدان تمثل أمة لها خطوطٌ متقاربة، وثمة قارة تشترك في خصائص دينية وفكرية وثمة بلدان تنفرد بتجاربها المميزة تماماً عن البلدان الأخرى.

فالأديان ليست حراكاً إجتماعياً محضاً بل هي قرارات فردية روحية وأنشطة سياسية معينة وعمليات ترويج ودعاية، وهي هيمنات حكومية شديدة أو مرتخية، أو هي تجري في حريات كبيرة، وهي تعبيرٌ عن آلاف السنين من التفكير والحياة الاجتماعية.

رؤيتان للدين

خلال القرون الأخيرة تشكلتْ رؤيتان للأديان في العالم؛ رؤيةٌ جامدةٌ غيرُ منفتحة، نصوصية، وقراءة متفهمة لتغييرات الأوضاع، مجددة.

في بلدان مثل الهند والصين وجنوب شرق آسيا لم تُطلْ الشعوبُ الهائلة الأعداد لإنتاجِ نسخةٍ تجديديةٍ للأديان الكثيرة فيها، الغارقة في تفاصيلِ الوجودِ والأرض بأشكالٍ إحيائية تجسيدية خرافية، أسطورية، لأن هذه الأديانَ دأبتْ على التسامح والغفران للبشر كذلك، وعدم خلقِ أشكالٍ سلطويةٍ قامعةٍ متدخلةٍ في كلِ تفاصيلِ حياة الناس.

إنها تنشرُ أفكارَها وتصوراتها وهيمنتَها لكن بأرواحٍ شفافة، وقدمتْ رجلَ الدينِ البسيطِ الرحال الفقير، مقدمِ الحكمةِ، اللائذِ في الغابات، المتوجه للتصوف والنيرفانا أي الصعود للسماء والذوبان في المطلق الإلهي وترك المادة الخسيسة والتعالي عن صغائرها.

رغم الطابع المثالي الأرواحي لهذه التصورات الدينية وهو أساسٌ مشتركٌ لكلِ الأديان، وعبر تغلغل تصوراتها في ثقافة العوام كذلك، إلا أنها تركتْ مساحاتٍ كبيرةً للسياسةِ والإختلاف وحين جاءت الأفكارُ الحديثةُ الغربية لم تجد معاناة شديدة وهي تعطي الصينيين والهنود وغيرهم من شعوبِ الشرق أدوات التغيير عبر الأفكار الإشتراكية والرأسمالية الديمقراطية.

 كما أن توحد هذه القارات وضخامة مشكلاتها والدور الكبير للفلاحين المسالمين الإحيائيين للزراعةِ والثقافةِ والوجودِ عامة وهو ما يتجسدُ في تقديرِ الأمِ المرأةِ المنتجة الولادة، بحيث إن هوات كبيرة لم تتشكلْ بين الأفكارِ القديمةِ والأفكارِ الجديدة فقفزوا في عقودٍ قليلة لمستويات الغرب المتطور.

فيما كانت الأديانُ السماوية هي نتاجُ عوالمِ البداوة والدول الشمولية القديمة المهيمنة بشكل كلي على البشر، وقد أعطتْ أهلَ المنطقة مفاتيح التغيير والنهضة، ليتجاوزوا عوالمهم هذه، لكن الأنظمة التي سادتْ أنتجت ثقافات أخرى تقومُ على التفتيت والتعصب والعنف.

حين غادرت المسيحيةُ البلادَ العربيةَ أخذتْ قروناً لكي تحولَ البذورَ الإنسانية فيها لديانةٍ أخرى هي البروتستانتية المعارضة للشمولية ولهيمنةِ الكنيسةِ متلاقيةً في بعض روافدها مع الحريات الاقتصادية والفكرية والسياسية والتي أنتجتْ العالمَ الحديثَ الديمقراطي المتنوع الحضارات والأفكار.

لكن الشرق العربي الإسلامي ثم اليهودي الغازي فيه، إستمرا على صيغةِ الجمود والتفتيت والصراعات الدامية، وتلك القرون الطويلة من عصورِ النهضة والثورة الصناعية والديمقراطية لم تمسْ سوى السطوح الخارجية من وجودهما.

ما زال (الباباوات) في غرفِهم المغلقةِ يختصرون مشكلات الملايين في كلماتٍ موجزةٍ لا تقبلُ الردَ والرفض، وما تزال الأنظمةُ المتوجسةُ من التغيير التي تهيمن عليها الأوامرُ العسكرية توجه القارات وتدب الفوضى التي تسمح للقتلةِ السياسيين بتوجيه الرسائل المغلومة للناس المسالمين، ويتم رفض التعدديات المنزلية والاجتماعية والسياسية وإعلاء الحروب والعداوات.

عالمُ التسامحِ وتقبلُ التعدديات والسلام والعقلانية السياسية عالمٌ مترابط، مثلما عالمُ الحروبِ الدينية والكراهية والشموليات وخنق الأسواق والأفكار الجديدة مترابطٌ هو الآخر.

سيادةُ نسخٍ صفراء من الأديان السابقة، وتشغيلُ مكائن الصحارى الحارقةِ الكارهة لكلِ جديد وآخر، والمتاجرات الواسعة بميراث الشعوب وثرواتهم، أنتجَ قتلةً لم يعرف التاريخُ مثالاً لهم إلا في قادة الأفران الغازية.

رؤيتان للدين إحداهما ديمقراطية والأخرى عنفية شمولية، الأولى إنسانية والأخرى غير إنسانية، وليس ثمة رؤية أخرى بينهما.

فلا مجال للتوسط والحل الثالث، والأولى تجددُ الحضارات والأفكارَ والأخرى تسدُ ينابيعَ التغيير والتعاون والإنسانية وتخلقُ هذا الإرهابَ الدموي الذي يستبيحُ دماءَ الناسِ في كنائسهم ومساجدهم وبيوتهم وطائراتهم وأسرتهم وينشرُ الموتَ في كل مكان.

الدين والمطلق

تـُثار في حياة الأمم الإسلامية مسائل (المطلق) بقوة شديدة في تحولاتها التاريخية الراهنة، وهي تحاولُ أن تجمعَ بين تقاليدها العريقة وأسباب الحداثة الضرورية، أي أن تكون لها جذور كي لا تذوب في الآخرين، وأن تكون باقية بتطورٍ مستمرٍ حتى لا تزول بتخلفها كذلك.

جانبان معقدان يشدانها في اتجاهين متناقضين، وفي خضم ذلك تـُطرح مسائل شديدة الصعوبة والحرارة معاً.

ويتمثلان اجتماعياً بقوى تصر على الماضي وحيثياته ورفض التحول وركوب قطار التغيير، وأخرى تسحب الناس والأشياء نحو التغيير الضروري والسريع والمخيف.

وفي هذا المجرد هناك الكثير من تجسيداته، فماذا نقول في ما هو موجودٌ في الكتبِ الدينية المقدسة من حديثٍ وتجسيدات للأرواح والشياطين وقوى الغيب المتحكمة في الوجود العياني، أي في حياة الناس الظاهرة والخفية؟

ماذا نقول في بعض أحكام دينية أخذت تتناقض بشكلٍ صريح مع تطورات الحياة الحديثة وما يُنتج من تقدم أصبح كاسحاً مطيحاً بالكثير من ثوابت الأمم؟

الرأي السهل لقوى التحديث السريعة والحادة هو أن نطيحَ بمجردات وغيبيات الأديان، فهذه كلها لا تحتاج سوى أن نقول إنها خرافاتٌ وتخلف وعادات اجتماعية بالية.

إزالة البيت القديم بجرافة وبناء بيت جديد، والأحكام والأفكار التي ظهرت في عصور قديمة وأخذت تناقض المساواة والعدالة الاجتماعية وعلوم الفيزياء والكيمياء تـُلقى من الحياة وتـُباد من عالم الثقافة!

ماذا نفعل في أفكار موجودة في الكتب المقدسة أخذت تـُعتبر أساطير مناقضة لأبجديات العلوم؟ كيف نعلمُ برموز دينية كآدم وحواء ونظريات التطور والأحياء ذات الأدلة الوثيقة والحيثيات الكثيرة تنكرها أو تقدمُ قصصاً مناقضة كلياً عنها؟!

بل ماذا نقولُ في سير الأنبياء والكتب المنزلة بما فيها من عجائبية ونسبية؟!

قوى التحديث الحادة والسريعة تقدم لنا ذلك الحل السهل، كما تقدم لنا قوى المحافظة الحلَ السهلَ الآخر وهو الإيمان بكل ما جاء به القدماء والسير على منوالهم وحذو أعمالهم!

المسألة صعبة وخطرة ولا شك، وحلها ليس آنياً، وردم الهوة بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس كلامياً، بل هو فعل صناعي، لا يتأتى بسهولة لمن ليس في يده أدواتها ولا وسائل إنتاجها، هو فعلُ أجيالٍ كثيرة ومواقف مترابطة بين أناس كثيرين يعيشون في عصور مختلفة ومناطق متباعدة وتحكمهم مناهج متعددة.

إن ردمَ الهوة بين الثقافة الدينية والثقافة العصرية فعلٌ نضالي جماعي قبل أن يكون إنشاءات فكرية مجردة.

لكن لابد من هذه الإنشاءات الفكرية التي تقود لذلك الفعل النضالي وتشاركهُ البناء.

الثقافة التقدمية السريعة الحادة ترفضُ الحفرَ المطولَ في أعمدة الأديان، مثل الإله والروح والنبي.

إن هذه المجردات والملموسات والعلاقات بينها، ضرورية عبر آلاف السنين. لم يقل بوذا إنه إله لكن الناسَ التي جاءتْ بعدهُ صيرتهُ إلهاً وهو إنسانٌ بسيط وعرّف نفسه بذلك.

ولو أن العكس قد حدث وقال أنبياء المشرق عن أنفسهم إنهم حكماء لصيروهم فيما بعد أنبياء وآلهة!

وقد ادعى الملوكُ القدماء بأنهم آلهة من دون أن يحتاجوا إلى ذلك وقد تملكوا الكثير من القوة والسلطان والخيرات.

الألوهية والارتباط بها كانتا ضروريتين لآلاف السنين، فلماذا؟

في البداية كانت المادة الأولية الطينية التي تشكلتْ بها هذه العمارات الشامخة في التاريخ، وهي (الروح)!

ومادة الروح اللغوية تستند إلى راح ويروح وما هو مطلق في الحركة، وما هو خفي فيها كذلك!

الروحُ سادتْ في أفكارِ ما قبل الأديان آلافِ السنين الأخرى أيضاً، فانظرْ لبساطة الإنسان، وقد عبدَ المصريون القدماء (الجعران+الخنفساء) هذا الكائنَ المتواضعَ عقوداً، على ضخامة ما بنوه من عمارة وما شيدوه من حضارة!

فاحترمْ حتى جهالات الإنسان لأن فيها تاريخاً من العلم والمقاومة والبحث!

بينت الروحُ ضعف الإنسان ونسبيته، جعلته يرى كم هو زائلٌ وهشٌ في الوجود، فطالعَ دمَهُ وأمراضَه والماضين الكثيرين الذين رحلوا من دون أن يتركوا أثراً في الوجود على كثرة أعدادهم وضخامة أخبارهم، ورأى كم تضربُ كينونتـَهُ الصغيرة هذه الدولُ العملاقة وتسحقهُ كنملة وكم تفقرهُ وتستغله ولا تعطيه سوى كسرة من خبز وهو العابر المحتقر! فأصيبَ بالرعب من الكون، ومن وجودهِ البسيط المتقزم، فتمسك بالروح التي لا تروح، تمسك بكيانات تجعلهُ مطلقاً سعيداً باقياً، وليس عابراً محتقراً.

أين يذهب أطفاله الذين ماتوا من دون أن يسعدوا؟ أين فرحه في هذا الكون وهو شقي بائسٌ في هذه الأنظمة؟ هشاشة الوجود الإنساني في أنظمة البؤس هذه أعطت الثوابت البشرية في الأحلام الدينية.

 الدين بين المطلق والنسبي

في مجراه التاريخي الطويل يتوحدُ الدينُ بين المطلق والنسبي، يتضافرُ ما هو أبدي فيه بالمتحول والعابر.

المطلقُ أهم وأكبر وباقٍ دائماً، فالإنسانُ الضعيفُ الهامشي في الكون، ذو الجذور الحيوانية والذي يتكونُ جسمهُ من موادِ الكون المتغيرة، يتوحدُ بالأبدي، يتمسكُ بخشبِ السفينة المبحرة في رحلةِ الوجود الصعبة، يتوحدُ بها ويكونُ جزءً من خلودِها، ويكونُ في عالم المطلق، عالم الأبدية، حتى لا يزول.

وتغدو هذه الصعوبة المخيفة لدى الكادحين بدرجة أساسية، هم صناعُ العالم المادي الاجتماعي، ومع هذا هم المغيَّبون، المنفيون فيه، والذين لا يتمتعون في داخله الجهنمي.

تظهرُ العوالمُ الدينية الكبرى حين يتغرب الكادحون. هم صناعُ العالم المادي، خالقو الطين والمدن وأبراج بابل، وفي البدءِ تظهرُ أديانُ الوثنية، حين يقوم رؤوساء القبائل بالتحكم في ثمارها، ويسيطرون على منتجاتها، ويقيمون الممالك والأمبراطوريات.

الوثن، والروح المقدسة، والإله القبلي، كلها قوى تجري داخل القبيلة، لتوحدها وتعالج الأفراد من الأمراض  وتتبصر مستقبلها. هي ضمانتها في السلامة والصحة والبقاء والأنتصار على الأعداء، وحماية أفرادها في عالم الموت.

كلُ هذه الكائنات الطيفية تحركُ القبائلَ والشعوب لتتقدم ولتتاجر ولتبني مجد الأسياد، لصنع عوالم الرفاه لهم، وتعجز عن تشكيل الرفاه للعاملين، بل تقودهم للحروب، تجعلُ وجودَهم الأرضي أسىً وضياعاً وعذاباً، ولهم بعض الملذات الصغيرة العابرة، وإعادة إنتاجِ العذاب والإستغلال في ذريتهم.

ينفصل عالم الأرواح والألوهة الروحية والوثنية الفكرية لتغدو رموز القبائل والشعوب، ومستقر تاريخها وثقافتها، وتغدو هي السلطات السياسية والفكرية المسيطرة على العاملين الذين يتخصصون في المهن اليدوية.

ولكلِ أمة تاريخها في هذا السياق، والتفاصيلُ مهمة في سياقِ بعض القرون، لكنها تفقد أهميتها مع التوحدِ العام للشعوب، عالمُ السماءِ الغيبي يتقارب، يتجوهرُ في المطلقات الكبرى، يغدو آلهة كبرى متحكمة في المصير البشري، أو أرواحاً أو مجردات، وعالم الأرض والبشر يتقارب، لكنه لا يتحد ويذوب في بعضه، فالمصالحُ على الأرض تتضاربُ باستمرار مولدة حركات في الغيب وتعدديات في المذاهب والتفسيرات لها ونزاعات لا تتوقف.

الإنسان الباقي رافع أعمدة الأشياء فوق كاهله المتعب، تفرُ منه كائنات الأرض: الذهب والفضة والآلهة، وتكون بيد الأقوياء، فيصير كل شيء غريباً عنه، يستعبده تارة، ويقدم له الذبائح والصلوات والطقوس تارة، ويدافع عنه تارة، ويكون علمه في عالم الصراع من أجله، وحاميه في الملمات والأمراض، يجد فيه الأنتماء الذي فقده من أشياء المجتمع؛ النقود والقيود والسلطات.

هو كونُ الأنتماءِ الذي صنعهُ لنفسه، كهفهُ النيرُ الذي يلوذ به في  الملمات والكوارث، هو روابطهُ الاجتماعية التي يشعرُ فيها بأخوةِ البشر من حوله، وفي رعبِ المدن الاستعمارية والاغترابية والشيئية التي تسحقهُ وتحيله إلى برغي في آلاتها، وفقاعة في سمائها، وحشيشة في دخانها، يزدادُ اقترابهُ من الرموز، وكلما تبخرَّ الوطنُ الفعلي تعملقَّ الوطنُ الوهمي.

على ضخامةِ الرموز التي تقذفها في وجهه؛ أبطالُ الصورِ السينمائية وزعماءُ العالم الكبار المتنفذون الذين بيدهم الحياة والموت، المتلاعبون بمصيرهِ ورزقه، يجدُ في رموزَ الأديان كهفـَهُ الباقي على الزمن، في عالمِ التغيرِ المتبخر: الحكومات التي تقومُ وتسقط في فضائح مدوية، ساحبة ثمار العمل إلى المجهول، يجد حكومته الحبيبية التي لا تتبدل، يجدُ رموزَهُ تعطيه العزاء. الأرضُ لا تصنع رموزاً منتجة للخير أبداً وعلى نحو دائم، فيبقى الماضي والأساطير والذكريات العظيمة للرموز في قتالهم من أجل الخير المستمر، وتتحول حيناً لسيول من الدماء، وتتحول حيناً آخر لبنوك إستنزافية أخرى، وأحياناً لحكمة نضالية.

لا يمكن لأي شعب أن يكون بلا دين ذي قوى غيبية مهيمنة، لكون الإنسان هو نسبي، وكلما كبرت قوتهُ الأرضية وصار إنساناً، صغرت أحجام غيبياته.

كلما فرح وأزدهرت حياته بالغني الفني والاقتصادي قل اهتمامه بالأرواح والشياطين، والعكس صحيح، تتوحد عوالم الأديان مع توحد عالم الأرض الواسع، تزول الاختلافات الصغيرة والقصص الغائصة في تقاليد محلية تفقد خصوصياتها يوماً بعد يوم، وتتفجر الاختلافات مع الصراعات بين الأمم، فتزداد أحياناً أخرى تمسكاً بالخصوصية والتفرد، وتعلي ميراثها علواً رهيباً.

رحلة الإنسان لا تتوقف، السحرية تظل ملاصقة له، العلوم تظل جانبية في مسيرته، إنسان الأغلبية البشرية، إنسان العالم الثالث خاصة، والعوالم الثالثة في المجتمعات المتقدمة، الجنان الآخروية الدينية والشيوعية، على أسس خيالية أو على أسس (علمية)، تظلُ لصيقة به، فدائماً لديه الدائم الباقي الأخضر أبداً، السعيد المطلق، وهو منهوك بالعوز والبطالة والغربة والصراعات والنسبية، غربة الإنتاج المادي تصنع إنتماءَ الإنتاج الروحي، ذا الحلول والحلولية والأبدية، يزداد على الزمن تغييره لواقعه، تغدو مواريثه رحلات كهوف ولوحات صيد للمعاني، وهو يعلو صاعداً لاحتلال الفضاء الواسع.

الأديان السماوية والتطور

تربت أغلبية البشرية على ما أُنتج في المنطقة العربية من مثل وأفكار، وقد تطورت تلك المناطق تطوراً كبيراً وظلت المنطقة العربية في تخلفها المريع!

الحضارات الأولى، عشرات الآلاف من السنين، وتجارب هائلة وعمت الإنسانية ثورات هائلة من ما أُنتج في هذه المنطقة، وظلت المنطقة العربية في ماضيها.

اليهودية والمسيحية والإسلام، الأديان الشقيقة، التي تكملُ بعضها بعضاً، ميراث الإنتاج الروحي الطويل، هي نفسها تعيش في عداء مستحكم!

لماذا؟ لماذا؟

لماذا الأشقاء تعادوا، ونبات السماء صار خناجر وسيوفاً؟

هل كان هذا من أفكار الأديان أم أن السلطات وقوى الإستغلال فرقت بين الأخوة؟!

يقولون إن مصادر الأديان هي نبع زلازل وخير، فلماذا تكدرت؟ هل لأنها خالطت الأرض العكرة وتطورات الشعوب في دولها وصراعاتها السياسية ومناحي حياتها في التجارة والسلطان والغزو؟

اليهودية أول الأديان السماوية وأقلها حضوراً من حيث الكم، وأقواها حضوراً من حيث الكيف!؟

اليهودية بدأت رعاةً وصارت فلاحين قليلين وتجاراً كثيرين وصيارفة وأصحاب بنوك مناطقية فعالمية!

نظراً لإنحباسها الشعوبي لم تصبحْ كماً هائلاً، كانت تهتمُ بالكيف المتطور، استعلتْ على الشعوب الوثنية البدائية لغايةٍ كبيرة هي أن تكون فوق الشعوب.

الكثيرُ من طقوسِها الدينيةِ هي بغرضِ أن تكونَ أقلية متطورة وسط حشود متخلفة لكي تستثمرَها ولكي تتطور هي فوقها!

علمتها تجاربُ الألمِ والمعاناةِ والأسر أن تركز على عناصر التفوق وهي التجارة المتطورة والثقافة.

ورغم مئات السنين من الاضطهاد لم تتخل عن بنائها الاجتماعي القائم على الأسرة الصغيرة والعمل بالمال ودراسة كتبها وتنقيحها باستمرار، والإضافة إليها.

ومن هنا توسعتْ خارج المنطقة العربية البدوية ذات الأسرة الكبيرة تبحث عن شرايين التجارة العالمية واتجاهاتها، فتلاقت مع المسيحية بشكل كبير، رغم قيام المسيحية باضطهادها.

والمسيحية التي نشأت متجاورة مع اليهودية تركزت على الفلاحين، أصحاب الأرض، ذوي التقاليد القديمة، الذين كانت أقدامهم في الزراعة أكثر من الاقتصاد المالي والفائدة، وتقاربوا مع اليهودية في الأسرة الصغيرة، وابتعدوا عن عالم القبيلة، وكان الثالوث الإلهي هو جزء من عالم الفلاحين التعددي، الذين كانوا طوال قرون الشرق مختلفين عن البدو ذوي الإله الواحد الصارم.

ثم كان الإسلام هو الملائم لجمهور الشرق البدوي الواسع، الممتد من الصين حتى أفريقيا، حيث الصحارى الكبرى، وحيث العائلة الواسعة، والرجل المسيطر متعدد الزوجات، والمعارض للفائدة المالية التي تمزق العائلة الواحدة.

كلُ دينٍ مثلَّ مجموعات بشرية معينة، وتقاليد وظروف، الاقتصاد الرعوي الواسع في هذه المنطقة الصحراوية الهائلة أهلَّ الإسلام ليكون دين المنطقة التي وعى تقاليد أهلها ومثل حياتهم وطور عناصرها التجارية والثقافية العقلانية لكن دون أن تتمكن المنطقة من خلق القفزة الحضارية الحديثة، والمسيحية تركزت في المناطق الزراعية والمدنية ثم رحلت بأكبر قواها البشرية والثقافية إلى أوربا، واليهودية تنامت في عالم المدن التجارية حتى وجدت من الغرب السوق التي ازدهرت فيها كل خصالها المالية.

وبعد الغزوات والحروب المشتركة بين هذه الأديان الشقيقة، وهي فترة من العداء والكراهية والخسائر المشتركة، والتلاقح الثقافي كذلك، حلت فترة مختلفة، تكشف أسباب الأطماع والإستغلال وبدأ التفكير في السلام والتآخي!

الحضارة المسيحية – اليهودية غدت هي الحضارة الرأسمالية المسيطرة، والتي صار نموذجها هو المحتذى في كل الدنيا، العناصر المتضافرة من الملكية الفردية والإنتاج الحديث والأسرة والثقافة الإنسانية والديمقراطية هي تتويج تاريخ المشرق، وقد تشكل خارجه.

ولكن المكان الذي نتجت فيه وتطورت منه جاءتْ لتسيطر عليه ودخلت في حروب ضارية معه!

وهو بفقره وتخلفه عاجز عن اللحاق بها.

وفيما يتكاثر المسلمون وتضيق بهم المدن يهاجر مسيحيون ويضيق بهم التعصب الديني، فيما ينحصر اليهودية في دولة مسلحة متوسعة!

كل الزمن السابق، تاريخ قرون العداء اللامجدي، يتجسد بأشكال سياسية مضرة، ولهذا فإن التعايش السلمي وإغلاق صفحات الحروب والعداوة صار ضرورة، خاصة للأغلبية الشعبية من مسلمين ومسيحيين ويهود التي هي ضحايا تجار المعارك والإستغلال والعداوات الدينية والقومية!

حقبتانِ من الدين

  إختلفتْ حقبةُ الإسلامِ المؤسس التوحيدي عن حقبةِ الإسلام المذهبي.

ورغم الوميضِ السريع الباهر للحقبةِ الأولى التي لم تتعدَّ خمسين سنة إلا أنها بقيتْ في ذاكرات الأجيال قروناً.

الإسلام التوحيدي والإسلام المذهبي إختلفا زمناً وظاهرات سياسيةً وإجتماعية وثقافية، فبدا كأن الثاني يناقضُ الأول.

ثمة سماتٌ مختلفة، فكان الأول جمهورياً وكان الثاني مَلكياً أسروياً، وكان الأول شعبياً ديمقراطياً وكان الثاني إستبدادياً ارستقراطياً.

سنجدُ سمات العصر الأول في التوحيد بين القوى الاجتماعية الظاهرة الغالبة، التي غدتْ مُشترِكةً في خيرات الاقتصاد العامة، سواءً كانت بسيطة في أرض الجزيرة العربية الفقيرة أم في أراضي الفتوح حيث المُلكيات الزراعية الصوافي ملكاً للعموم.

فيما تمّ في الزمن المذهبي التفكيكي إلتهام هذه المُلكيات العامة من قبل الأسر الحاكمة، وكان الخراجُ بسيطاً رمزياً في العهد الأول ثم صار هو هدف الخزائن التي تمتلئُ وتفرغُ بسرعة، وكانت ضريبة الرؤوس قليلة على غير المسلمين ثم غدت هي هدف من أهداف السياسة الاقتصادية حتى لو تحول أهالي البلدان المفتوحة للإسلام.

ألم تسمع المنادي يقولُ مرتعباً للخليفة: إلحقْ يا أميرَ المؤمنين دخلَ الناسُ الإسلامَ فسقطتْ ضريبةُ الرؤوس عن أهل الذمة!؟

ترابطُ الناسِ في الحقبةِ الأولى وتآزرُ الأغنياءِ مع الفقراءِ أسسَّ التوحيدَ في المركز العربي الجزيري وهكذا غدتْ السياسةُ الداخلية منعكسةً على أهالي الأمصار، الذين غدوا متساويين مع الفاتحين، ويشاركونهم في نشاطهم الاجتماعي والعسكري.

ولهذا والناسُ يتأسلمون في الأمصار وتتعربُ البلدانُ الغريبة عن العرب لم يعرفوا المذهبيات، ولم يحصلوا على ألقاب أخرى غير لفظ المسلم والمسلمة.

مع تغييرِ الأساسِ الاقتصادي الاجتماعي للسلطاتِ وإنتقالها من الجمهور لأسرِ الأشراف تغلغل التفككُ في صفوفهم، وتفجرتْ ثوراتٌ كثيرة، وقامت فرقٌ وتنامى زمنٌ جديدٌ مختلف، بدا متضاداً عن التأسيس والتطور اللاحق.

في زمنيةِ التوحيدِ كانت الديانة بسيطة، عميقة، لكنها بعد ذلك تفاقمت تفاصيلها وكثرت هيمنتها على الناس وأتسعت شبكاتُها، وتغلغلتْ في كل تفاصيل حياتهم، ولكنهم لم يكونوا يشعرون بالحرية التي أعطتها لهم ديانةُ البساطة والتي لم تحطها أدواتُ العسف والخراج والتفتيش في الصدور وملاحقات فلتات اللسان.

في زمن التوحيد بيتُ المالِ مفتوحٌ وفي الزمن الآخر بيتُ المال مغلق.

نشأت الفِرقُ والشعوب والأمم الإسلامية على الخراج المعدوم في الحقبة الثانية، كلُ طبقةٍ تعادي غيرها، وكلُ شعب ينظر للآخر بريبة، والأمم الإسلامية متعادية وتنأى عن بعضها البعض.

ثمة تداخلٌ في الفتراتِ النهضوية فمع وجودِ حرية في المركز كانت لحظاتٌ وامضةٌ من العودة للنموذج تحدث بشكل فردي ونخبوي.

الإسلامُ المعاصر حائرٌ بين الزمنين، روحُهُ الرمزية في النموذج وجسدُهُ الحقيقي في حقبةِ المذهبيات السياسية الارستقراطية التفكيكية.

زمنُ الديمقراطية الواعدة الراهنة ربما يكونُ هو زمنُ التركيب، هو يختلفُ عن الحقبتين ولعله يتمثلُ أفضلَ ما فيهما، فزمنُ التأسيسِ لم يعرفْ الوحدةَ الصراعية بين الطبقات، فكان ثمة تذويبٌ ووحدة بدون تباين، وكانت الديمقراطيةُ بلا مؤسسات راسخة، والمراكز الديمقراطية المعاصرة الجديدة حين تشكل الإختلاف ضمن الوحدة، وحماية مصالح كافة الطبقات، وحقها في الحكم والمشاركة والاختلاف، وتتحول الدولُ لأجهزةٍ لحماية الأرض والثروة العامة والحدود، حينئذٍ تستثمرُ كلَ قوى الثقافة المُنتجة في العصر المذهبي النهضوي وتعيدُ قراءتها في ضوء العصر والمصالح العامة المستقلة للأمم الإسلامية الإنسانية الراهنة.

يعتمد هذا على مدى قدرة التيارات السياسية المعاصرة على فهم التاريخ والواقع، وتجاوزها تقوقع المذاهب لديمقراطية التحول المعاصر التوحيدي الجديد الذي يقوم بمهمات التغيير الاقتصادي الواسع للمالكين والعاملين معاً. أي أن ترتفع عن مصالحها الفئوية والوطنية الضيقة لمصالح الشعوب وتتحول الرمزية المؤسسِّة لواقع سياسي إجتماعي ديمقراطي حديث يصهرُ هؤلاء الناس المفككين المتنازعين.

الحقبة الثالثة يكتبها الناسُ الآن بوعيهم ونضالهم ومدى فهمهم لجدليةِ التاريخ ومزجهم بين خصائصه وسماته الايجابية وذروة تطور الإنسانية المعاصرة وتجاوزهم لزنزانات التفكيك والانقسام.

تسييسُ الدينِ عند المسلمين الأوائل

للدين ثلاثٌ جوانب كبرى؛ هي الطابعُ الغيبي المستند على التصورات والصور الماورائية، كالصورِ عن الإلهِ واليوم الآخر والملائكة وغير ذلك، وهو المرتكزُ المعبرُ عن المطلقِ في الحياة البشرية وهو ما يكرسُ وحدتَها العامة المستندة على إرتكاز البشري المحدود بهيمنة الطبيعة الجبارة، ثم هناك جانبُ الشعائرية وهي الشعائرُ والأعمالُ والتصوراتُ العباديةُ الملموسة كالصلواتِ وكيفيتها ودور العبادة المختلفة، ثم هناك المضمونُ الاجتماعي للدين، وهو الأمرُ الحاسمُ في ظهورِ ونمو الأديان والمذاهب.

يعبرُ كلُ دينٍ مؤسسٍ عن المضمونِ الطبقي المتفجرِ في تلك العقود من السنين، التي تجعل شعباً ما يتوجهُ في طوفانٍ تحولي باتجاهٍ معين دون غيره. وهذا الطوفانُ التاريخي هو نتاجُ ظروف هذا الشعب التي تدفعهُ في طريق تاريخي دون آخر، وحسب المجموعات الاجتماعية السائدة وظروفها من أعمالٍ ومعيشةٍ وتصوراتٍ فكريةٍ تنتجُها وتحركها بالتالي، أي تغدو قوانينَ، أو شريعةً مقدسةً تسيرُ على ضوئِها، وهي قابلةٌ للتغييرِ كذلك مع تغيرِ هذه المجموعاتِ وتبدل مصالحها ومواقفها.

وكان رفضُ العربِ المسلمين لليهوديةِ والمسيحيةِ تعبيراً نموذجياً عن تلك الحالة الثورية الاجتماعية التي وجدوا أنفسهم فيها، فهم شعبٌ بدويٌّ حرٌ، (ديمقراطي) يأبى أن يذلهُ قومٌ آخرون، وحتى الصلاة والسجود فيها لم يتقبلوها ببساطة.

هذا الشعبُ في إنتاجهِ لتصوراتهِ، أو في مجيءِ تصوراتٍ تعكسُ حالته، رفضَ الديانتين الشقيقتين الجارتين، لأنهما تُعليان في ذلك الحين، في زمانِ نهوضهِ، حكمَ السادةِ الأغنياء، الذين شكلوا أمبراطوريات العبيدِ والذل، وترفضان تلك الديمقراطية الشعبية البسيطة (اللقاحية) العربية على حد تعبير الباحث العراقي هادي العلوي، فكانَ الخلافُ طبقياً، لكنه ظهرَ بشكلٍ ديني.

ومن هنا كان الغيبُ يتشكلُ في الحراكِ الاجتماعي، وكان الوحي على علاقةِ تماسٍ مع المعارك ضد أغنياء مكة، ومن أجلِ حشدِ الجمهور الشعبي العامل، ومع أغنياء الحداثة الديمقراطيين، الذين انضموا إلى جمهور الأرقاء والفقراء.

إنها ديمقراطيةٌ على مستوى القاعدة، وهي تجلبُ القبليين وأبناء البادية، وعلى مستوى تشكيلِ قيادةٍ سياسية – فقهيةٍ مرتبطة بملأ جديد، بكادرٍ سياسي إجتماعي يعملُ لدولةٍ مختلفة، وفي يدهِ السلطةِ الجنينية، والتي ستنمو وستكون فيها الخلافاتُ والصراعات، وعلى وحدتهِ ستعلو دولةُ العاملين تلك، ومع نشوبِ الصراعات والاتجاهات المتضادة، وعودة الكثيرين لخط الملأ الارستقراطي ولكن بصياغةٍ إسلاميةٍ، سوف تتبدلُ المعاني الفكريةُ والسياسية، نظراً لأن حقبةَ الديمقراطية البدوية اللقاحية العامة المؤسِّسة قد وصلتْ لتناقضاتٍ لا تستطيعُ تجاوزَها لدولةٍ شعبيةٍ ديمقراطية تُخضعُ الملأَ أو الارستقراطية لحكمِ العامةِ ثانية.

كان تاريخُ البشرية حينئذٍ هو تاريخ الإقطاع، وتماشى الإسلام مع هذا التاريخ الأجباري في مسارِ البشرية، لكنه جعلَ العامةَ هم الحكام، ثم جاءتْ الأسرُ فجعلتهُ الإقطاعَ الخاص حتى يومنا هذا.

كلُ تغييرٍ في المضمون الاجتماعي يقودُ إلى تغييراتٍ على مستوى الأفكارِ المطلقةِ، والشعائر، وهما الجزآن الآخران الكبيران من الديانة.

إن فراقَ الإسلام عن الديانتين الأخريين وقوله إنه خاتمة الأديان هو فراقُ الشعبِ العامل البدوي عن الخضوعِ لقوى الإستغلالِ الخارجية خاصة والداخلية كذلك، وبالتالي فهو يقدمُ برنامجَ الكادحين للبشر عامة وسلطتهم بدون تسلط الأغنياء، ومن خلال برنامج البساطة التعبيرية والكتل السياسية المباشرة، القبلية، لأن هذا هو المستوى الاجتماعي لصانعي التاريخ في هذا الوقت.

لو كانت الديانتان الأخيران واصلتا النضال، أو كان مضمون المسيحية النضالي المعبر عن الفقراء مستمراً، لما كان الإسلامُ بحاجةٍ لهذا الطرح، المتجِّاوز الذي يجعلُ من نفسهِ نهايةَ التاريخ، ولكنه حسمَ القهر الطبقي، وعراهُ ومنعهُ من أن يبلعه، ولكن التاريخ بلا نهاية، وما أصاب الديانتين من هيمنة الأغنياء حدثَ للإسلام نفسه. والتشكيلة أقوى من النخب المناضلة.

فعملياتُ التنحية، وإخفاء المضمون الاجتماعي الأول وتمييعه، وتنحيتهُ، وشكلنتهُ، سوف تتنامى عبر التاريخ، وستظهرُ مضامينٌ إجتماعيةٌ معبرةٌ عن قوى الارستقراطية العربية البدوية أولاً، وهي القوى التي سوف تشكلُ المذاهبَ السنية، بقوسٍ يمتدُ من فعلِ الخلافةِ الأمويةِ الشديدةِ البدويةِ إلى الخلافةِ العباسيةِ الأكثر مدنيةً لكنها لن تخرجَ إلى الحداثةِ الشاملة، لظروفٍ موضوعية كبرى.

كان البحثُ في التصوراتِ الغيبية الإلهية وتبدلُ العباداتِ أو إضفاءُ إشاراتٍ صغيرةٍ جديدة عليها، والتقنينُ الشديدُ للفقه، مع خلفيةٍ أسطوريةٍ مشدودةٍ للتراثِ البدوي المتخلفِ وليس الديمقراطي اللقاحي العربي الأصيل، عبر إستمرارِ أسرِ النساءِ والرقيقِ والعقول، يقومُ بإجهاضِ موقفِ الإسلام وتنحية ثوريته، وإدماجه في الأنظمة الإستغلالية سواءً العربية أم الفارسية.

ولعدمِ قدرةِ التوجهاتِ الشعبية على الصمود في هذا الحكم الارستقراطي الطويل، وبتفككِ وذوبانِ عناصر القدرية، المتوجهة على العكس من أسمها في إعلاء إرادة الإنسان الحر والعقلانية، ولخفوت الانفتاح الفقهي والاجتهاد المستمر لدى المالكية والحنفية، ولحصار الأئمة المناضلين وإدماج تلامذتهم وتوابعهم في أنظمة الاستغلال، غدا المذهبان الرئيسيان السني والشيعي، أداتين في يد الارستقراطيات العربية البدوية، وكذلك القوى الفارسية الجديدة المنبعثة من نمو القومية في إيران.

ثم ترافق ذلك مع القوى الأخرى المماثلة التركية والبربرية والإفغانية وغيرها على مستوى خريطة الأمم الإسلامية.

إن إنبعاثَ التفاسيرِ الديمقراطيةِ والعصرية في الإسلام كانت مسألةً صعبة، عبر وعي النخب الصغيرة من الفئات الوسطى التي نشأت من التلاقح مع الديمقراطية الغربية الصاعدة، خاصة وهي خارج تلك اللقاحية القديمة البدوية الحرة، وخارج تحريك العامة نحو مصالحها وحقوقها، وهي أمورٌ ظهرتْ في الثورات الحديثة في معظم الدول العربية والإسلامية كعناصر صغيرة، لكن الوعي الديمقراطي العالمي الجديد يحتاج لعقود طويلة كي يتداخل مع العناصر الشعبية القديمة، وكي تنتشرَ قيم التنوير، وتكتشف العامةُ المُغيَّبة خلال قرون أديانَها على ضوءٍ جديد، وتلتحمُ بقوى الديمقراطية العصرية كذلك، وتبعث الإسلام بشكلٍ ديمقراطي حداثي عظيم كما نرجو.

الدينُ والثقافةُ

بدأتْ العلاقاتُ بين الإسلامِ التوحيدي والدولةِ العربية المركزية البدوية في التفكك.

كان مضمونُ الإسلام التوحيدي الشعبي العالمي وجدَ قبولاً لدى الأمم الأخرى عبرَ سهولةِ إعتناقه وبتكوينه أممية للشعوب الشرقية المستندة على الملكية العامة المدارة شعبياً والتي تعيشُ في المناطق الصحراوية الكبرى، لكن هذه التوحيدية المرتكزةَ على دورِ المال العام  أُخترقتْ من قبل أُسر الأشرافِ الحاكمة وكبار التجار والتي قربتْ الثروةَ العامة من مصالحها وإداراتها.

كان هذا التحولُ الشمولي لا بد أن يؤدي إلى إنقلابٍ في الحياةِ الثقافية والفكرية والعلاقاتِ الاجتماعية والروابط بين الشعوب مستنداً على نواقصٍ إجتماعيةٍ وفكرية وسياسية في البناءِ السابق والذي لم يستطعْ من جعلِ القوى التجارية والشعبية ذات خلافةٍ ديمقراطية.

بدأ ذلك في عزلِ النصوص الدينية والفقهية عن المنطق والفلسفة والتاريخ الاجتماعي التي كانت تنمو عبر الترجمة والتطور الفكري العربي، فقد رُئي أن العلومَ (الدخيلة) كما يتصورونها تُفسدُ الدينَ، وأنه لا بد أن تكونَ المعرفةُ دينيةً محلية خالصة، وأن تكون مصادرَها موثّقةً في الروي، لتغدو هذه المرويات هي كلُ الثقافة العربية الخالصة اللافظة لما عداها.

كان هذا قطعاً لعلاقةِ أدبياتِ الإسلام بالتكون الإنساني، وإنها عصارةٌ لعناصر ديمقراطية نضاليةٍ تكونتْ في بيئاتٍ أُخر عبر نضال الشعوب في المنطقة والعالم، والمرتكزة على السلطةِ المحددة في تلك العناصر الفكرية الاجتماعية، والمعبرة عن مضمون شعبي توحيدي.

لهذا خرجَ اليمينُ الاستغلالي الجديد مُركزاً على الشكل، وعلى الممنوعات في النصوص الدينية، كرفض الفنون التجسيمية والرقص وهي الظاهراتُ الطقوسيةُ السابقة المرتبطة بعبادةِ الأوثان لا لكونها فنون بحدِ ذاتها والمرتبطة بالأشكال التعبيرية.

والتنحيةُ كانت سهلةً تجاه العرب القادمين من البداوة، حيث لا أرثَ فنياً تعبيرياً تجسيدياً عميقاً لديهم، وهم يعتمدون على فنونِ الكلامِ المختلفة، التي لا يمكن منعها. فيما شعوبُ البلدان المفتوحة يرتكز الكثير من تراثها على الفنون التجسيدية المختلفة. وهي ظاهراتٌ إستمرت وأغتنتْ لديهم عبر تطور الآداب والفنون المتشابكة مع تراثِها الديني والتاريخي ثم تشابكتْ مع المذاهب الإسلاميةِ التي إنشقتْ عن المركز وصعّدتْ هذه الفنونَ والأساطيرَ في تراثِها المذهبي الإسلامي، ولهذا فإن الانعزالَ عن الفنون تكرّسَ في المذهبيةِ الإسلامية النصوصية خاصةً المتطرفة منها.

وهذا ما حدثَ في الوعي الفكري بأشكالٍ تناسبُ أدواته وتحولاته، فالمنطقُ والفلسفة وعلم التاريخ وغيرها من العلوم الجديدة واصلت الحضورَ والتأثير، ولم تستطع التوجهاتُ الفِرقية الفكرية غير المرتبطة بالجمهور وكفاحه أن تواصل زرعَ الأشكالَ والأدوات الفكرية المستفادة من التراث الأغريقي بشكلٍ نقدي متطور، فقد عاشتْ على مساعدات الخلفاء والأمراء، فراحت تُنحي العناصرَ الديمقراطية المرتبطة بالكفاح الشعبي.

وهذا يتماثلُ مع رجالِ الفقهِ التاليين للمؤسسين الموجهين المذاهبَ نحو خدمةِ السلطاتِ المختلفة، فعُزلَ الفقهُ عن الناس، وتوجه للجوانب الصغيرة والعبادية والمعملاتية المعزولة عن المشكلات الاجتماعية والسياسية العميقة.

فتجمعتْ في تلك الثقافة الرسمية ونُقلت بعد ذلك إلى العصر الحديث، عناصرُ رفض الفنون والآداب الحياتية والأدوات الفلسفية الحرة.

لقد كانت تمثلُ جانباً صغيراً من الثقافة في عصر النهضتين العربيتين العباسية والحديثة، لكنها توسعت بعد ذلك بخلاف تطور العصر الحديث خاصة، بسبب أن الهياكلَ الاجتماعية والسياسية العربية التي ظهرت فيها لم تتغير، وأن التغييرات قاربت بعض الجوانب والسطوح في أغلب الأحيان. فالثوراتُ العربيةُ كانت فوقيةً مظهرية عسكرية ولم تكن تحولات عميقة في علاقات النساء بالرجال، وعلاقات الحرية بين الحكام والمحكومين، في حين تربض الأريافُ في العصور القديمة.

ولهذا فإنه حتى الفنون والآداب والفلسفة المصنوعة أو المجلوبة من الخارج تسايرُ الموروثَ من الأبنية العتيقة، وما يَخترقُ الموروثَ ويحوله يُنحى، ويُضافُ العصري الرديء على القديم الرديء، إلا ما يقاوم.

 من هنا يبدو الارتدادُ طبيعياً، والعودةُ للوراء الكارثية جزءٌ من أبنيةٍ لم تُعالجْ ديمقراطياً، وهي في تراجعِها تهدمُ علاقاتٍ داخل الشعوب العربية والإسلامية وعناصرَ من العقلانية التي ضُحي من أجلها طويلاً، بسبب أن الأممَ العربية والإسلامية يَطرح عليها التاريخُ لأول مرة بعد قرون أن تصنعَ نفسَها بنفسها، وهي غدتْ حرةً، لكنها مستعبدة لعلاقاتٍ وأبنية وسلطات وعناصر ثقافية عتيقة فيها، ولم تكتمل أدواتُها بعد لتغييرها. وأدواتُها هي الشعوب وتوحدها وتنامي إراداتها الديمقراطية وعقلانيتها.

الدينُ والاشتراكية

 الدينُ هو سياسة عليا مقدسة، فرموزهُ تعبرُ عن وجود سياسة مطلقة لشعب من الشعوب تتجسد عبر تلك الرموز، المشحونة بالدلالة والآمال وتكوين عالم سعيد غير منظور ومنظور عبر نضال إجتماعي.

ونظراً لأن السياسة دنيوية، ملوثة غالباً بالمؤامرات وسفك الدماء فقد ظهرت عبر التاريخ سياسة مقدسة، تحاول جعل البشر يجسدون أهدافهم عبر ما هو مقدس لتكون السياسة أخلاقية طاهرة لكن ذلك كان عسيراً، وكما تحدث الانشقاقات والخلافات بين السياسيين والدول  تتفجرُ الخلافات في الأديان وتظهر المذاهب والانشقاقات الفكرية المختلفة معبرة عن إختلافات سياسية وإجتماعية وروحية.

وتظهرُ رموزٌ في كل ديانة معبرة عن البعد العادل وعن العلاقات الإنسانية وغالباً ما تمثل الفترة المؤسِّسة حيث الفقر والتعاون المشترك ضده، وحيث العلاقات الطيبة بين البشر المتعاضدين ضد وضعٍ سيء، والتي تغدو رمزاً للمؤمنين فيما بعد، يحاولون العثور عليه وتطبيقه.

في عصر النهضة التحديثية الديمقراطية الغربية كانت الدول ما تزال إقطاعية دينية، وصعدت أنجلترا وهولندا في سلم التطور قبل غيرها، فأنحازتا للمذهب البروتستنتي، فكان ذلك تغييراً سياسياً، وتعبيراً عن رفضهما لهيمنة كنسية روما العالمية المتشددة، وتفكيكاً للكاثوليكية وذلك عبر رفض رموزها العبادية كالاعتراف والرهبنة المجسدة لسيطرة مباشرة لرجال الدين، وتصعيداً للعلاقات الرأسمالية المفككة للمحافظة الاجتماعية ولإعطاء البشر حريات أكبر.

لكن الحريات الرأسمالية من جهة أخرى تقوي النزاعات وتصّعد الاهتمام بالأرباح والاستغلال على حساب الأغلبية الشعبية، وتتدهور وحدةُ المؤمنين ويُضرب النموذج الخالد.

ولهذا فإن الاشتراكية التي ظهرت خاصة في فرنسا وألمانيا اللتين تعيشان في مجتمعات كاثوليكية غالبة وبروتستانتية غير مهيمنة، ترددتْ بين الإلحاد وبين الموقف الديمقراطي.

كان الدينُ يلعب دوراً سياسياً مباشرا متدخلاً، مؤثراً على تصعيد الديمقراطية في كلِ من المجتمعين، حيث ما تزال الشمولية وتدخلات الدين تعرقلان صعود القوى السياسية الجديدة من برجوازية وعمال.

كانت الحكومات الفرنسية علمانية في فترة، وبعد ثورات العمال وجدت أهمية كبيرة لحكم الكنيسة وتدخلها في السياسة والمناهج التعليمية.

الاضطراباتُ في التحولات الألمانية والفرنسية بخلاف التدرج الديمقراطي الهادئ في أنجلترا، جعلت الاشتراكيةَ تتذبذبُ بين هجوم كاسح على الدين وبين الرومانسية تجاهه، كما نلاحظ في رؤية ماركس في(نقد فلسفة الحق عند هيجل). يقول في عبارة شهيرة:

(إن التعاسةَ الدينية هي، في شطرٍ منها، تعبيرٌ عن التعاسة الواقعية، وهي من جهة أخرى إحتجاج على التعاسة الواقعية. الدين زفرة الإنسان المسحوق، روح عالم لا قلب له، كما انه روحُ الظروف الاجتماعية التي طُرد منها الروح. انه أفيون الشعب.)، نقد فلسفة الحق عند هيجل.

إنها رؤية مثالية للدين لا تراه كسياسةٍ مقدسة إجتماعية، ذات ظروف بشرية تاريخية طويلة، حيث تؤسس الثوراتُ أدياناً وتجمدُ الأديانُ الثورات ويجد البشرُ في الدين أداةَ تغيير وأملاً وعزاءً من الواقع المعتم، كما يُحبسون داخله عبر الأفكار المحافظة.

إنها رؤيةٌ تجريدية للدين، وحكمٌ تعميمي عام، تتشكلُ في شبابية ماركس الهيجلي، حيث غابت الدراساتُ التحليلية عن الأديان، ولكن سوف تظل عبارة الدين أفيون الشعب مستنسخةً واسعةَ الانتشار دون وضعها في سياقها.

لقد تصاعدت الديمقراطية والعلمانية في فرنسا وألمانيا عبر عقود وتم عبرها تحييد المذهبين الدينيين المسيحيين عن الصراع السياسي المباشر، فالاجراءاتُ لخلق دولة ديمقراطية، بدأت من الجمهور العمالي بدرجة خاصة من أجل تغييرِ ظروفه وتصعيد ممثلين عنه للبرلمانات، وهذا تطلب جبهةً كفاحيةً ديمقراطية بين الاشتراكيين الديمقراطيين والعامة، تركزُ على نقد الظروف الاقتصادية البشعة وإتساع يوم العمل وضحالة الأجور ونقد القوانين اللاديمقراطية وغيرها من الظروف المعيشية الأرضية، فلم يعد نقد السماء في المركز بل توجه النقد للأرض.

ولكن هذا لم يمنع ظهور الدراسات حول الدين من جوانب متعددة، فظهرت كتاباتٌ مختلفة عن الأديان لدى رواد الفكر الاشتراكي وتلاميذهم بعد ذلك، مع تحليل الظروف الأرضية وتصاعد التحولات وإشتراك قوى سكانية كبيرة من مختلف الأديان والمذاهب في النضال لتغيير وضع البشر.

مع تطور الاشتراكية من نزعةٍ شمولية إلى توجهات ديمقراطية متعددة، ظهرت دراساتٌ وإتجاهات مختلفة فيها، لقراءة الظاهرة الدينية المعقدة.

تم تجاوز النظرة الهيجلية الشبابية في الاشتراكية الأولى وتوجه الوعي لدراستها حسب مستوى تطور العلوم الانسانية، إنطلاقاً من الجانبين المتضادين للدين باعتباره نضالاً أو بإعتباره دفاعاً عن الاستغلال.

لدى أنجلز يبقى الدين كشكلٍ مباشرٍ للصراعات الاجتماعية، فهو أما إحتجاج وأما مهادنة وتضليل، في حين أن الدين كذلك هو حياة روحية عميقة.

القراءة السياسية المباشرة للدين تنطلق من تصور الاشتراكية بأنها قاب قوسين أو أدنى من النصر ومن إكتساح العالم الرأسمالي وتغييره، وإلقاء كل (المخلفات) القديمة.

ستكون هذه الرؤية المباشرة الآلية سطحية، وسوف تُواجه بأشكال أكبر في عالم الغرب الثقافي، حيث تتصاعد العلوم والقراءات المختلفة للظاهرات الروحية، خاصة أن الاشتراكية ذاتها تغدو ديمقراطية، بعيدة المدى، تراكمية، والأحزاب الاشتراكية تضم مؤمنين وملحدين، يعملون من أجل أهداف مشتركة في تحجيم الاستغلال وتوسيع الخدمات للمواطنين.

على المستوى الفلسفي تأخذ الدراسات آفاقها في طبيعة ومجتمع ذي قوانين، وتنفصل عن ممارسات سياسية متعددة الألوان في الجماعات الاشتراكية.

روزا لكسبمورج الزعيمةُ الاشتراكية الألمانية ركزتْ على نقد الطابع الرجعي للكنسية وعادت لرموز المسيحية الأولى التعاونية الموحّدة للفقراء، فقامت بقراءة موضوعية وسياسة تعاون مع العمال المؤمنين.

وليس ذلك بغرض التكتيك السياسي بل بغرض الفهم الموضوعي للدين بإبراز جانبيه المختلفين، وهذا بحاجة دائماً لقراءات تاريخية ونقدية للأديان والمذاهب خاصة عبر المفاصل الكبرى لها.

ولينين شجب الدين كضباب صوفي ولكن مال لرأي الاشتراكيين الأوربيين في مرحلته الأولى بعدم جعل الإلحاد شرطاً لدخول الحزب. ومع تصاعد الدكتاتورية لديه فإن الأمر سيختلف كثيراً في التجربة(الإشتراكية) الآسيوية.

وفيما ستتطور العلاقات بين الاشتراكية الديمقراطية الغربية مع الأديان فهماً فلسفياً وممارسات تعاونية نضالية مشتركة، فإن الأمور سوف تتجه في الشرق إلى غير ذلك.

فمع تحول الاشتراكية إلى رأسمالية دولة تلغي إدارياً المُلكية الخاصة ومؤسسات الانتاج الفردية، والأحزاب والمؤسسات الديمقراطية، فإن إلغاء الأديان يكون جزءً من هذه العملية.

فلم تكن هناك في روسيا وبعدها دول أخرى عديدة ثقافة ديمقراطية تنويرية واسعة، ولهذا كانت الأشكال الإقطاعية لوجود الأديان هي المهيمنة، وهي تتجسد في سيطرة المؤسسات الدينية ورجال الدين والذكور والمظاهر العبادية الحرفية، فإذا قضت روسيا على الإقطاع لكن ثقافته ظلت مستمرة حية.

لم تجرِ قراءاتٌ عميقة في فهم الأديان، ورؤية العناصر الإنسانية والديمقراطية فيها وهي خاصة التي ظهرت في المراحل التأسيسية، وتناثرت بعد ذلك في عناصر شخصية وفكرية.

ونظراً لوجود الاستبداد على مستوى الحاضر فإنه يتحول لشمولية تجاه الماضي الديني وعدم رؤية تبايناته، ومراحل تطوره، وعدم السماح بالحريات السياسية ينعكس في عدم السماح بالحريات الدينية، وتظهر علمنة ساحقة فاشلة.

وقد كانت المرحلة البنائية النهضوية في رأسماليات الدول الشرقية(الاشتراكية)حيث شُيدت آلاف المصانع وظهرت البنى التحتية الحديثة وإنتشر التعليم، وشارك الملايين من العامة في العمل والدفاع عن الأوطان، في مرحلة المشاركة التعاونية المماثلة لبدايات الأديان، لكن بعد ذلك تغلغل الفسادُ في تلك الرأسماليات وتكشف طابعها الاجتماعي المتناقض، ولهذا فإن الإيديولوجية الاشتراكية الحكومية عكست مصالح السادة وليس العمال، ومن هنا حدثت الردة ولكن بإتجاه الدين التقليدي، لأنه لم يحدث تنوير وديمقراطية خلال هذه العقود يتم فيها تطوير أوضاع الجماهير المادية والثقافية وفهم الماضي بشكل ديمقراطي إنساني.

وهو ما قامت به السياسات الاستعمارية الغربية كذلك عبر تصعيد التوجهات الرجعية والمحافظة في الأديان في العالم الثالث التابع، وهو ما أدى إلى إنفجارات دينية خاصة في المناطق الفقيرة والتي لم تشهد حريات ثقافية وسياسية.

الرأسمال الديني

مصطلحات الدين عامة يمكن تفسيرها باتجاهات لا تـُعد ولا تحصى، لأنها تعبرُ عن رموز، وقد تكون قنطرة لإنتاج مفيد وقد تكون قنطرة لإستغلال ذاتي.

والدينُ يتحولُ إلى رأس مال، لكنه لا يقوم بإنتاج، بل هو يعتمدُ على أموال المنتجين، وتحددُ توجهاتُ القياداتِ الدينية مصيرَ هذه الأموال سواء كانت فوائد للناس وتغييرات كبيرة في الحياة، أم فوائد ذاتية واستهلاك شخصي بذخي.

في الماضي كان وسيلة لتملك الأراضي الزراعية الشاسعة من قبل الخلفاء والأمراء والمتنفذين، ووسيلة لإعادة إنتاج الفكر الديني ولتجديد الفكر الديني معاً.

والقلة فقط هي التي كانت بصدد تطوير إنتاج الدين، فلم تتراكم رؤوس الأموال معها، بل ذهبت الأموال للمتحكمين المحافظين في هذا الإنتاج ومن يخضعون الفقراء المؤمنين لسيطرتهم فكان صعود الإسلام بصمود المجتهدين المناضلين الفقراء، ونزوله بسبب غيابهم.

وفي العصر الحديث لم تتغير الخريطة كثيراً إلا بدخول بعض الحقول الحديثة، والأشكال الخارجية المزوقة، لكن المضمون القديم بقي كما هو.

يغدو الدين وسيلة لظهور وتراكم رأس المال، عبر إنشاء الخطب في الجوامع، أو عبر الحكم الشرعي، أو تأليف الأحزاب، أو الدخول في الحكومات، أو إنشاء الشركات في العقود الأخيرة، وهو ما يعبرُ عن تراكم كبير في النقد، حيث أخذ التراكم يتوجهُ نحو جوانب رأس المال المسيطرة على السوق العربية الإسلامية المتخلفة.

إن مسائل الاجتهاد والتأليف والبحث في الفقه والتاريخ والتفسير لم تأخذ مكانها كما كان يعملُ الاسلافُ في زمن النهضة أو التخلف، بل غدت المسائلُ المالية والمنفعية هي بؤرة هذا الاهتمام الديني.

لأن مسائل الحفر في العقيدة تقود إلى الرهبانية والزهدية، والتعمق في الأصول، بينما المسائل السياسية والمالية الطافحة تقود للمنفعية التي ربما تتحول إلى انتهازية.

أصبح الدخول في الحكومات والاستفادة من الأموال العامة هو هدف الرأسمال الديني، للمزيد من التراكم.

ونظراً لأن الخطابات الدينية غامضة، سريعة التحول، كثيرة التوجهات ومختلفة المسارات، فإن الاستثماري الديني يركزُ على الوجود في شعاريتها العامة المتقلبة، فيهمه إنتاج النقود لا إنتاج المعنى الديني الجديد المفيد لأغلبية المسلمين، ولهذا وجدنا البنوك والشركات (الإسلامية) تجمع الكثير من رؤوس الأموال وتستثمرها في بلاد(الكفار) حسب نصوصها وألفاظها التي تقولها حين يتحول كتبتها إلى صحفيين في الجرائد أو إلى وعاظ في المنابر.

والاستثمار هو أمرٌ عظيم لكن لم لا يكون في البلدان التي تـُجبى في هذه الأموال؟ ويتحول إلى إنتاج عربي إسلامي، يقوي قواعد الصناعة والاقتصاد والعمالة الوطنية والعربية، أما أن توضع مليارات الدولارات في اقتصاديات دول أخرى فهو يوضح بأن المال حين يتحول إلى رأسمال يغدو بلا دين.

من يهيمن على الرأسمال الديني هم أناسٌ بعقيدة محافظة في بلدانهم، لأنهم يشجعون التعصب فهو مصدر تراكم رأس المال، وهم كذلك بلا عقيدة حين يجري رأس المال هذا في دواليب الاقتصاد فيبحثون أنى وُجد الربح الأقصى ولا يهم في أي أرض يكون!

إن ظهور رأسمالية إسلامية منتجة يعتمد على مدى إنتاج الفكر الإسلامي، بمعنى أن تظهر اجتهادات عميقة توظف الرساميل لتغيير البنى المتخلفة لدينا، بدلاً من حرق الحقل الذي تــُنتج فيه هذه الرساميل، والتركيز على الربح السريع والطيران للخارج والاستثمار في مجتمعات أخرى.

الوعي الديني والرأسمالية الحكومية

تعجز الرأسمالية الحكومية الشرقية في تحديثها للـبُنى المتخلفة القديمة القادمة من العصور الوسطى عن أن تعيدَ تشكيل الوعي الديني بشكلٍ ديمقراطي.

عبر كل تلوينات أنظمة هذه الرأسمالية من الاشتراكية السوفيتية والماوية الصينية واشتراكية حزب المؤتمر الهندي والرأسماليات الحكومية العربية، تجد نفسها في حالاتِ اضطرابٍ بين عملياتِ التنمية الاقتصادية السريعة والضخمة التي تقومُ بها، وبين جمودِ وثباتِ المستوى الديني.

إن الوعي الديني لا يستجيبُ لمعدلاتِ النهضة، ولا يقبلُ أن يُربط بعمليات التخطيط، وبالبرامج الحكومية والأوامر الصادرة عن العواصم، ولا يقبل التوجيهات وإعادة البناء!

وتجابهنا حالتان متضادتان كبريان هنا: الحالة السوفيتية في الإلغاءِ القسري للأديان، والحالة الهندية في الإبقاءِ الكلي للأديان وترك تطورها للمؤمنين، حتى لو كان ذلك انفصالاً جغرافياً في جسدِ القارةِ الهندية وتمزيقها بين هندٍ وباكستان وبنجلاديش، أو إبقاءً للتكويناتِ الاجتماعية – العبادية في ركودها وانفصالها وتطورها المستقل لحد التفتيت الهائل لجسم المجتمع الهندي.

وفيما تحافظ الهندُ على جسدِها الهائلِ السحري الميثولوجي، يتفككُ الجسدُ السوفيتي (العلمي)! فلماذا؟!

إن تجربة الاتحاد السوفيتي في إلغاء الأديان ارتبطت بتنمية ضخمة فعالة، لكنها من جهةٍ أخرى اعتمدت ثنائية الاشتراكية – والرأسمالية الحكومية.

في الجانب الأول قدمتْ الماركسية بدائلَ فكرية وأخلاقية وتضحوية للمجتمع كي يعوضَ عن غياب الدينِ المسيحي خاصة في الأقسام الأوروبية، والإسلام في الأقسام الآسيوية، وأعطتهُ نماذجَ بطولية ومعارفَ هائلة فسدتْ فراغ غيابِ الدين إلى حين انتهاء فترة البناء البطولية؛ 1917 – 1950، وشكلتْ فترةُ التحولِ إلى الرأسمالية الحكومية المتعالية على الجمهور، وصعودُ الهياكلِ البيروقراطية والاستغلال، الغربةِ نفسها التي شعرتْ بها الجماهير خلال قرون تجاه تعالي الأرثوذكسية، فعادتْ للديانةِ الشخصية ذات القوالب المنزلية، ولم تعدْ الكنيسةُ لها ذات المكانة حتى بعد تفكك الرأسمالية الحكومية السوفيتية الكلية، وانقسامها إلى رأسماليتين عامةٍ وخاصة. ويمكن هنا أن تتضافرَ وتتداخلَ وتتقاطعَ الماركسيةُ الروسية البيروقراطية في انتمائها إلى كادحي القطاع العام خاصة، مع المسيحية الشعبية، اللتان غدتا ديانتين، معبرتين عن التداخل والصراع بين الرأسماليتين الحكومية والخاصة ومدى قدرتهما على التنمية وتحسين وضع الشعب!

يمكن أن نعثرَ على التوليفة نفسها في الصين وفيتنام، بتجاور الماركسية مع البوذية. إنه التجاورُ بين القطاعاتِ الاقتصادية الكبرى وأشكالِ الوعي الكبرى كذلك، لقدرةِ هذه الأنظمة على إيجاد الانسجام الاقتصادي النسبي بين الرأسماليتين السابقتي الذكر، كما أن البوذية تمتلكُ خاصيةَ عدم التدخل في الصراعات متجهةً للصوفية المتعالية على الواقع المحدود والدنس.

في العالم الإسلامي يلعبُ الصراعُ بين المذهبياتِ مرآةً لإخفاقِ الرأسماليات الحكومية أو نجاحها، وقدرتها على الجمعِ بين التطوراتِ الاقتصاديةِ والاجتماعية والفكرية أو عجزها عن ذلك. تصاعد هذه الصراعات يشير إلى المدى السلبي الذي بلغته الرأسمالية الحكومية، وغربتها عن الأقاليم والجمهور، وهو غالباً ما يؤدي إلى مرحلة تفكك أكبر أو إعادة تغيير، لكن أجسام المذاهب لا تتغير، بل تـُقحم في شعارات سياسية ساخنة.

إن مدى التحام وتوافق الرأسماليتين الحكومية والخاصة، يتجلى في الصراعات التي تجرى في الأديان. إن مدى مرونة الرأسمالية الحكومية وجذبها لعناصر السكان المختلفة، وقيامها بتغييرات اقتصادية واجتماعية ملائمة للسكان، ومدى سماحها لنمو قوى الرساميل الخاصة وإحداث تنمية شعبية حقيقية، يترتب عليه هدوء الجبهتين الدينية والمذهبية، ويجرى الصراع الخافت بين القومية أو الاشتراكية الوطنية أو الملكية الدستورية وغير الدستورية، وبين الليبرالية.

هنا تتجلى إشكالية عجز إيجاد بُنية رأسمالية موحدة، لغياب الديمقراطية والتخطيط وتوجيه الفوائض الاقتصادية نحو إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية نحو التغيير الشامل.

ويستمر قلق البنية الاقتصادية ومشكلاتها بين التطور المتدرج أو التفكك الصراعي.

ولكن غالباً لا تتسم الرأسمالية الحكومية بمثل هذه (العدالة)، والمخاطر تكبر حين تلتحم بعصبية مناطقية وطبقية وعسكرية، وتغدو المنافع مركزة متضخمة فتنفجر على شكل اضطرابات مناطقية تستخدم الوعي الديني، نظراً لتدهور الوعي الحديث الديمقراطي.

لا توجد عناصر فكرية مختلفة كثيراً بين المذهبيات والأديان في الشرق، لكن الفروق البسيطة تـُضخم ويُنفخ فيها مع تنامي الفروق الاجتماعية بين الطبقات والمناطق.

وغالباً ما تجرى الصراعات المذهبية الدينية في العالم الإسلامي بين الرأسمالية الحكومية المركزية والأشكال الجنينية للرأسمالية الخاصة والمتداخلة مع الاقتصاد ما قبل الرأسمالي كذلك، المتركزة في المناطق البعيدة والمهمشة، ولهذا جابهت روسيا الاتحادية صراعات اقتصادية (متحضرة) مع البلدان التي تطورت رأسمالياً ككازخستان وأوكرانيا عبر تنمية واسعة، لكنها واجهت صراعات دموية مع أقاليم داخلية لم تتطور في هذا السياق مثل الشيشان.

تباينات مستوى تطور الوعي الديني في الشرق ترتبط بضعف القوى الإنتاجية وخاصة قوى الكادحين، التي لم تدخل في التطورات الاقتصادية والمعيشية والثقافية، ولتفاوتات التطور بين المناطق والهجرة الأجنبية ومزاحماتها، وغير ذلك من العوامل التي توجد صراعات ومستويات معيشية شديدة التباين.

الأديان والمذاهب لا تتغير كثيراً خلال قرون ولكن الحراك الاجتماعي دائب التغير، وهذا يشكل عامل تناقض كبير بين مستويين في الحياة الاجتماعية، والحراك السياسي يستغلها لأهداف تكون غالباً متخلفة في التطور عامة.

لا يمكن للوعي الديني الإسلامي المحافظ أن يتم تغييره كليا ودمجه في الخطط الرأسمالية الحكومية أو الخاصة أو الاشتراكية. هو وعي تكونَ خلالَ عشرة قرون وشكلتهُ قوى اجتماعية مغايرة لفترة الثورة المحمدية.

حاولتْ القدريةُ والزيديةُ والمعتزلةُ والإسماعيليةُ وغيرُها ذلك في تمرداتٍ معينة، خلال تلك الفترة الزمنية الطويلة ولم تنجح، وهذا يعود لبُنى اجتماعية موضوعية وليس لإرادة الأفراد والجماعات، وقد رأينا الماركسية الروسية تحاولُ تغييرَ الأرثوذكسية بالإزالة من دون جدوى.

ولم يحدثْ تغييرٌ للمذاهب السنية والشيعية رغم جهود الرموز المخلتفة، فلماذا ذهبت جهود الأفغاني ومحمد عبده سدى؟ وليس فعلُ الخميني تغييراً للمذهب الشيعي، بل هو طرحُ شعاراتٍ سياسية فوقية فقط، فشعار ولاية الفقيه لا يمثل تطويراً أو هدماً للمذهب، بل هو شعارُ قوى سياسية رُكب فوق جسم المذهب، وربما يبقى أو يزول لكن المذهب لا يتغير.

إن تركيبَ شعار ولاية الفقيه فوق الجسد المذهبي أملتهُ صراعاتٌ سياسيةٌ وخيارٌ سياسي هو صعودُ الدولةِ الفارسيةِ القوميةِ المهيمنة فوق القوميات الأخرى والطبقات الكادحة المختلفة. أما أن يكون الشعارُ متغلغلاً في جوانب الفقه ومحولاً له باتجاه مزيد من الماضي أو للقفز في المستقبل، فهولا علاقة له بذلك. وتحول إلى حكم للمحافظين الدينيين، ولماذا لم تؤثر الثورةُ وتضحياتهُا المذهلةُ في أحكامهِ وتمت معاملة القضايا كما عُوملت قبل قرون مديدة؟ إن هذا يعود إلى كون الجسم الديني المحافظ لا يتأثر بتضحيات المسلمين وتحولاتهم.

هو شعارٌ سياسي فوقي، ومن هنا نجد أن الشيعة في العراق لم يطرحوا ذلك، حيث لا توجد الأمة الكبيرة الموحدة التي تريد أن تنشىء حكما قويا قومياً مركزيا بهيمنة معينة، بل هنا نجد الشعب المتعدد القوميات والمذاهب المفكك المحتاج إلى عالم تعددي ديمقراطي، أي هنا حالةٌ سياسيةٌ مغايرةٌ فغابَ الشعار. لكن هل يستطيع الدينيون في العراق أن يسايروا التحولات الديمقراطية في فقههم ونظراتهم؟ هذا لا يحدث.

إن الفقه يحتاج لتطوره إلى قرون، والناس لا تنتظر. الفقه يعبر عن علاقات اجتماعية تقليدية متجذرة تشكلت في ذلك الماضي، والعلاقات الاجتماعية لا تتغير الآن بسهولة وسرعة.

إن المذاهب تبقى بأجسامِها الاجتماعية الفكرية خارج العصر الحديث، ويمكن إحداث مرونة في الأحكام الجزئية، لكن المحتوى الجوهري يبقى مُصوغاً في عصر آخر.

سنجد مظاهر متوحدة بين الصين وإيران، بين هذين البلدين المختلفين المتباعدين في التجربة السياسية خاصة.

في الصين تتلكأ الماركسية الماوية (البنغية) عن التطور، إنها تفقدُ علاقاتها بالكادحين، وتتغربُ عنهم، لكنها لا تقبلُ بالبوذية، لا تقبل بهذا المستوى الفكري العتيق، وهو مستوى لم تستطع تطويره ككلِ دينٍ صِيغَ خلال عدة القرون، بعد أن صاهرتْ الرأسمالياتُ العالميةُ على مستويات البضائع والمصانع واقتصاد السوق. فماذا تفعل؟ لا تستطيع أن تعود للماركسية ولا للبوذية معاً، فتقومُ بتقويةِ الأفكار الليبرالية الغربية ومظاهرِها المختلفة، مثل اللباس (وخاصة ربطة العنق “الكرفتة”) ونشر الفنون الغربية حتى الاحتفالات بالأعياد الغربية كرأس السنة على نطاق واسع وهائل! ولكن على مستوى الكادحين الصينيين ذوي الظروف السيئة والمعارضين فإنهم يتمسكون إما بالماركسية التقليدية وإما يتعصبون للبوذية، دفاعاً عن مصالحهم الضائعة في اقتصاد السوق المندفع لمصلحة الدولة الرأسمالية العامة والرأسماليين الأفراد.

إن ذلك تمهيد لمجتمع رأسمالي على الطراز الغربي، وهذا ما يجري في إيران، حيث أصبحت ولاية الفقيه عقبات سياسية وبيروقراطية لتطوير الاقتصاد، فهي تجعلُ مجموعةً صغيرةً تتحكمُ في الخططِ الاقتصادية باتجاه معين، والقوى العسكرية والاستخباراتية تريدُ بقاءَ مستويات معيشتها المميزة، ممانعةً من توجيه التوظيفات نحو التصنيع السلمي المتطور تقنيا. ومن الممكن أن يحدثَ تضفيرٌ بين دولةٍ عسكرية وبين الابتعاد عن ولاية الفقيه، مستقبلاً، مع تنامي سيطرة العسكر، وتـُحلُ مسائلُ تغييرِ التقاليد واختلالاتِ الاقتصاد البنيوية، عبر هذه القوة، فمسألة الجمع بين الديمقراطية والحداثة الدينية مسألة صعبة.

الاقتصاد الإيراني الراهن المأزوم الذي يريد إعادة تكوين الأمة المأزومة، يتطلب إعادة تشكيل المجتمع وعودة الملايين من الإيرانيين المبعدين في الخارج، وتقوية المدن بقيادات حداثية ووضع حد لسيطرة الريف الإيراني بقياداته الدينية المحدودة الادراك. ومن هنا نرى النماذج الليبرالية والغربية تنتشر في الثقافة الشعبية والحراك السياسي، بعكسِ فترةٍ سابقة. لكن هذا لن يزيلَ المذهبَ الشيعي، ولن يغيرَ فيه شيئاً، فهذه الشعاراتُ السياسيةُ الليبرالية تظلُ فوقية، لا تغوصُ في الأعماق، مثل شعار ولاية الفقيه، لم يغصْ في أعماق المذهب ولم يطوره. إن الشعب يتطلع لإعادة تشكيل النظام نحو آفاق حداثية ذات توحد وطني أوسع، وحياة سلمية مع الشعوب لكي يضعَ ثمارَ اقتصاده في تطوره.

تبقى المذاهب كتلاً متماسكة في تكويناتها تعود لعصر تقليدي سابق، كما تبقى آراء الفقهاء المعاصرين مجرد مناوشات عصرية فوق جسم تقليدي انتهى بناؤه، ولن تنفع فيه هذه المناوشاتُ إلا إذا كانت حداثية ديمقراطية ومرتبطة ببناء وطني طويل الأمد يمتد إلى عشرات السنين ويوزعُ الخيراتَ بشكلٍ عقلاني على الجماهير الفقيرة، ومن هنا تغدو العلمانية عملية إبعاد سياسية فقط عن استغلاله في صراعاتٍ سياسية تقليدية وطائفية وقومية هي مضيعةٌ لوقتِ المسلمين الثمين ولقواهم وقدراتهم.

من هنا نرى كيف أن الفلسفات العصرية والمذاهب السياسية الساحقة للأديان والآراء السياسية المصعدة لهذه الأديان إلى الذرى، كلها لم تغيرْ شيئاً في بُنى الأديان هذه، وحين ذهبت العواصفُ السياسيةُ عادتْ إلى أجسامِها “الماضوية” نفسها.

سنجدُ هنا ان عدمَ نشاط غاندي في سحق الأديان أو الدعاية لها، أفيد من الجهد الذي بُذل في قاراتٍ عديدة في أنشطة السحق والترفيع. لقد اختصر الرجلُ الموقفَ وتركَ الأديانَ تنمو أو تزول كما هي طبائعها الداخلية، وجعل للسياسة ممرا وطنيا موحدا يجتمعُ كل الهنود فيه، ويفرض نفسه كذلك على كل الأديان. وكرس الموقف السياسي في التوحيد والنهضة وتعددية الأصوات فكسب التطورَ وأرواحَ الناس معاً.

الرأسماليةُ الحكوميةُ استبدادٌ ديني

ظهرتْ الأديانُ نتيجةٌ لعجزِ الإنسان عن السيطرة على الوجود، ومهما تطورت قواهُ الإنتاجيةُ فهو يظلُ في هذا الأفق التاريخي المنظور، تابعاً للطبيعة الخارجية والداخلية البشرية.

هذا العجزُ قادهُ إلى إعتمادِ القوى الغيبية كحافظةٍ لهذا الوجود الناقص، الضعيف في المحيط الهائل الكوني، وقد جعلَ من قواه القرابية، وهي الشكلَ الأسريَّ مرآةً منعكسةً على السماء، فغدتْ القبيلةُ قبيلةً إلهيةً متعددةَ القوى، وفي فترةٍ كانت ثمة أوليةٌ للأم المقدسة ثم ظهرتْ وحدةٌ بين الأبِ والأم، ثم هيمنَ الأبُ في الأسرة البشرية، فظهر الأبُ الإلهي، بين الرحمةِ والقسوةِ، بين العدل والظلم، بين الخير والشر، فأنقسمَ بين الإلهِ والشيطان!

وإذا كان الغربيون التحديثيون في ثورتِهم الرأسمالية الطويلة قد حصلوا على فرصةٍ تاريخية لتكييفِ الدين مع هذه الثورات التحويلية الاقتصادية، فإن الشرقيين لم يحصلوا على مثل هذه الفرصة، فتدرج الغربيون من تكوينِ مذاهبِ الإصلاح إلى التنوير ومن ثم العلمانية السياسية الديمقراطية، مكيفين المسيحية خاصةً على أثواب النمو الرأسمالي المتعدد المستويات الإنتاجية والثقافات القومية الغربية.

الشرقيون غدتْ لديهم لمحةٌ من لمحاتِ الفكر النهضوي التنويري في القرن التاسع عشر، حيث بدأ ظهورُ فئاتٍ وسطى حرة، لكن عاصفةَ الإستعمارِ من جهةٍ وعاصفةَ التحررِ القومي من جهةٍ أخرى، لعبتا دورَ التعجيل السياسي الفكري، الإجهاضي للتطور الغربي المتدرج ذاك، فتوجهت بعضُ الأممِ الكبرى الشرقية نحو الألحاد ونحو الإشتراكية، وكان هذا مظهرُ التجلي لرأسماليةِ دولٍ سريعة النمو الإقتصادي وشمولية التحكم.

كان التصورُ بأنهُ يمكنُ القضاءَ على الملكيةِ الخاصة لوسائل الإنتاج وتصفية التناقضات الاجتماعية البشرية وبالتالي القضاءَ كذلك على الأديان. لكن تشكيل الرأسماليات الحكومية الشرقية كان إستمراراً للإستغلال، كما أن مناكفتَهُ للتطورِ الغربي جعلهُ لا يشكل فتراتِ نهضةٍ ديمقراطية وتنوير وعلمانية، فكان الألحادُ مظهراً لدكتاتورية الدولة، وتحولها إلى إلهٍ، فظهرتْ رموزُ القادةِ على هيئاتِ آلهةٍ وأنبياء ومرسلين معبودين، إستمراراً للتطور الشرقي الشمولي السائدِ عبر العصور، من أجل التحكم في هذه العامة المغتربةِ عن نتاجِ عملها وعن التحكم في سلطاتها التي تقول إنها تعبر عنها، لكنها أقصتْ أدوات الديمقراطية الفاضحة لها.

وكما أن رأسماليات الدول الشرقية أخذتْ تعودُ للأشكالِ الإستغلالية القديمة، كذلك فإن الآباءَ الإشتراكيين تلاشوا، وعادَ الآباءُ القدامى للمؤمنين. ولأن عمليات الإستغلال الجديدة يمكن تمويهها عبر الأشكالِ التقليدية من الأديان بشكلٍ أكبر، كذلك فإن حشودَ المؤمنين الكثيرة يمكن أن تشكلَ قوى إدخارية مفيدة لرأسمالٍ إجتماعي متكلس.

في الصين التي نحتْ الأديانَ من الحياة الاجتماعية بشكلٍ واسع، لم تحتاج إلى تحولاتٍ دراماتيكية في العبادات، مثلَ الهند التي كانت التعددياتُ الهنديةُ تاريخيةً لديها، وواصلتْ اليابان تنحيةَ البوذية التي كانت علمانية تاريخية قديمة، وفي حياة المسلمين فإنهم واصلوا مأزقَهم التاريخي في عدم القدرة على تطوير رأسماليات الدول تطويراً تثويرياً صناعياً ديمقراطياً.

هذا على المستوى الديني أدى إلى تفاقم ظاهرة المذهبيات المتصارعة، وهي تعبيرٌ عن عجزِ الأدواتِ الحكومية التنموية عن تسريع قوى الإنتاج البشرية والمادية، وعن توحيد الأقسام البشرية الجغرافية وتوحيد نهوض الرجال والنساء معاً. إن غيابَ التوحيد الديمقراطي على المستوى الإقتصادي هو غيابُ التوحيد على المستوى الديني.

إعتمدت أغلبيةُ الدولِ الإسلامية على رأسماليةِ الدولة كنظامٍ مهيمن، وهذا ماثل عبر الشكل الفكري، بسيادةِ المذاهبِ السنية المحافظة، ونظراً لفسادِ هذه الرأسماليات وغياب الرقابة الشعبية والديمقراطية، فقد برزتْ المذهبياتُ المضادة، بشكلِ الإماميات المتعددة، وعبر السنية المتطرفة كنموذج القاعدة، تعبيراً عن تمردِ الأريافِ والبوادي، التي بعثتْ الأشكالَ الفكرية المحافظة والمناطقية، إحتجاجاً على غياب التخطيط والمركزية غير العادلة في توزيع الثروات.

بتطوير هذه الرأسماليات الحكومية بالديمقراطية وبالنمو الواسع للقطاعات الخاصة الحرة، وبخلقِ أشكالٍ من التعاون الوطني بينها، وبتنمية لأحوال الأغلبيات الشعبية وقوى الإنتاج العربية الإسلامية المستقلة، يمكن أن يحدث نمو مشترك للمذهبية السائدة وللمذاهب المختلفة باتجاه التحديث، وعبر العلمانية المتدرجة خاصة، للخروج من الدائرة  المغلقة الراهنة.

التعددية الدينية والعقلانية

نظراً للصراعات الدائمة بين البشر، قوى إجتماعية أهلية أو إقتحامات أجنبية وسيطرات من قبائل وشعوبٍ على قبائل وشعوب أخرى، عاشَ الناسُ بين التعدديةِ وبين الهيمنة الطبقية والفردية الكاسحة.

إن التعدديةَ عموماً جزءٌ من إختلافِ المعاشِ والمواقع الاقتصادية والاجتماعية، ومن تعددِ الأجناسِ والأقوام، والشموليةُ الحاكمةُ فيها جزءٌ من التسلطِ المستمر.

إن هذه الثنائيةَ الصراعية إنعكستْ في الأديان، فالأديانُ تبدأ عادةً بالوحدانية، وبصورةِ الإله الواحدة، ثم تغدو غيرَ وحدانيةٍ، وتظهرُ مذاهبٌ متعددةٌ في كلِ دين، تواصلُ عمليات الصراع الاجتماعية والسياسية التي لا تتوقف، لأن الناس لا يصلون لخلاصةٍ أخيرة في تاريخهم أو إلى نظامٍ متكامل أخير!

وليس الأمرُ راجعاً للنزقِ أو للبدعِ بل للصراع الذي لا يتوقف.

وهذا يجري دائماً في الأفكار الدينية وغير الدينية التي تلتصقُ بأجهزة الحكم خاصة، لأن الأفكارَ والأديانَ التي لا تلتصقُ بصراعات الحكم وتقسيم الثروات والتكالب عليها لا تُصاب بمثل ذلك.

في البدءِ نجدُ صورَ الألوهيةِ الواحدية أو الفكرة (المستقيمة) والفكرة النهائية، ثم تظهرُ التعدديات، وغالباً ما ينعكسُ الصراعُ الاجتماعي السلمي في أشكالٍ سلمية، والصراع الاجتماعي الدموي في أفكار تمزيقية ومذاهب عنفية تتصاحب مع الانتفاضات والحروب.

تتطابق السلطاتُ الدكتاتوريةُ والدين تطابقاً شديداً كلما كانت المجموعاتُ الحاكمةُ لا تتيحُ للآخرين فرصةَ التنفس.

حين يغدو الحاكم فرعوناً يعبر ذلك عن تحول شخصيته إلى فرد مهيمن على الملايين، التي تعملُ من أجلِ شخصه. وهذا ما يجعله إلهاً.

حين تخف شخصية الحاكم ويغدو رسولاً شعبياً تغدو صورُ الإلوهية مشاركةً للناس، وتخترقُ الغيبَ وتتحدث مع البشر، وتتشكل ديمقراطية صغيرة في ظلِ غيابِ سلطاتٍ قمعية شاملة وفي ظلِ ديمقراطيةِ الرسولِ مع جمهوره.

ومع إنفصالِ السلطات الدينية السماوية(فيما يُعرف بالأديان السماوية) عن الجمهور الشعبي، تتعدد الصورُ عن الألوهية تعدداً مساوياً لحركاتِ الصراع والقوى الاجتماعية وطموحات القيادات المختلفة المضادة للرمزِ الإلهي الرسمي المُعتَّمدِ في النظام الاجتماعي العام، وبسبب التخاذل كذلك عن الدول الشعبية العادلة المفترضة ونموذج المساواة المتخيل.

تقوم الحركاتُ المعارضةُ بإختراقِ الصورِ الرسمية للإلوهيةِ المعتمدةِ وتطرح صوراً أخرى.

إن الصورَ الألوهيةَ المنفصلةَ عن الجمهورِ والنائيةِ عن محنِهم وعذابِهم ومطالبهم في العدالة، تجابهُ بصورٍ أخرى مضادة، وهي تدخلُ في الفراغ التاريخي بسبب عدم وجود مضمون ثوري يغذي تلك الصور بالحراك الشعبي العقلاني بعد الحقب الأولى.

كمثل الصوفية في الإسلام التي خلقتْ صوراً تجمعُ بين أقصى الديمقراطية وأقصى الدكتاتورية. فالقطبُ يندمجُ مع صورةِ الإله، في تحدٍ للديانةِ الرسمية، وهو لا يتحدى الديانةَ حقيقةً بل يقومُ بعمليةٍ ديمقراطيةٍ فيها وبتحدي السلطة ونموذج أمر المؤمنين المتعالي على المؤمنين، ويجعلُ صورةَ الإلهِ شعبيةً وتندمجُ مع الناس العاديين فيتوحد معها!

لكن ذلك يعبرُ عن هرطقةٍ بالنسبة للديانة الرسمية، كما أنه يحول نفسه إلى دكتاتور مهيمن على البشر بقوله الغامض ذاك! وكلما زاد الغموضُ في الصور الدينية كلما كان حجمُ الدكتاتورية أكبر، فبرنامج تغيير الحياة وخدمة الشعب يتوارى عبر المصطلحات الدينية الغامضة.

وبالصوفية وصلتْ الأديانُ في القرون الوسطى إلى مرحلةٍ خانقة، لولا ظهور الرأسمالي الحديث في أوربا. ولثالثِ مرةٍ بعد اليونان والعرب تظهر ظروفٌ مطورةٌ للتجارةِ بشكل واسع، وهنا تعانقتْ مع الصناعة والعلوم، ووصلَ الرأسمالي الغربي إلى مرحلةٍ يبعدُ فيها الدينَ عن السياسةِ لأولِ مرةٍ في التاريخ البشري.

وأسبابُ ذلك تعودُ إلى ظهورِ المصنع والعمال. والمصنعُ مثّلَ ذروةَ تطورِ الإنتاج وتداخله مع العلوم. كما أوجد الرأسماليُّ طبقةً جديدةً مرتبطة بإنتاجه وأجوره. صحيح إنه إستغلها ببشاعة ولكنه أوجد طبقةً قادرةً على التصويتِ من أجله في الإنتخابات، وأن تنفصل عن هيمنة رجال الدين. لم يعد الرأسمالي هنا بحاجةٍ لحكم الدين السياسي، نظراً لأهمية توحيد الناس في البلد الواحد بعيداً عن الطوائف، ولضرورة تصعيد العلوم الطبيعية ومنع القيود حولها لأنها تغذي إنتاجه وتكيف عماله معه، وتخلق إزدهاراً إقتصادياً مفيداً لتطوره وتطور المجتمع وتحوله إلى هيمنةٍ عالمية!

لكنه من جهة أخرى بحاجة للدين كمانعة صواعق إجتماعية ضرورية، فهو كذلك بحاجةٍ لسلطةٍ غيبية بشرط أن لا تتدخل في عمله.

إحتاجتْ الرأسماليةُ الغربيةُ للعقلانية العلمية الطبيعية الواسعة والاجمتاعية المحدودة، بسببِ تحولِها لسيادةٍ عالميةٍ تحتكرُ الموادَ الطبيعيةَ التي هي بحاجةٍ لدرس عميق متواصل، ولعلومٍ إجتماعية محدودة وللدينِ من أجل إستمرارِ الشعوب المستعمِّرة والمستعمَّرة في ثقافتها القديمة الدينية، مع بعض التطور في ظل هذا الإقتصاد المزودج. ويتم تغيير هذه الثقافة كلما إحتاج الإنتاجُ في هذه البلدان إلى تقنيات وقوى عاملة أكثر تطوراً.

إرتبطت العقلانية ثم العلمانية بعمليات تطور هائلة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، عبر إنتاج أوسع وأسواق أكبر، ولتطور في مختلف جوانب الحياة.

العلمانية كتجديد إسلامي

 حين نأخذ العلمانية باعتبارها تشكيلاً لدولة لا دينية، ينطبق ذلك على كل المجتمعات البشرية المعاصرة، وهذا الاتفاق يشير فقط الى سمة كونية، تتمثل في إبعاد الدين عن الصراعات السياسية، كما كان الأمر يجري في كل العصور السابقة، واختيار البشرية لهذا الأمر هو تعبير عن توحد كونى، كما هو تعبير عن توحد قومي أو وطني.

لكن العلمانية تأخذ سمات التطور من التواريخ القومية الخاصة بكل شعب، فالعلمانية الفرنسية تغلب عليها عمليات الصراع الحادة والعلمية ضد الكهنوت القروسطي الشديد التحجر في فرنسا، في حين انها في الولايات المتحدة تتسم هذه العلمانية بعدم وجود جذور للصراع مع الكهنوت ومع الإقطاع وبميراث بروتستانتي تبشيري قوي, جعل العلمانية الأمريكية قوية التعصب الديني خارج السياسة.

وفى الصين فإن العلمانية لها جذور قوية في طابع البوذية، التي تتسم بالانعزال عن الحياة السياسية وترك الحياة المدنية للمدنيين، مما جعل البوذية تتعايش بسهولة مع الماركسية.

في حين ان التعددية البوذية والهندوسية في الهند جعلت العلمانية ضرورة وطنية هندية شبه مقدسة.  وتودي عمليات التعصب الهندوسية ذات المنحى اليميني المعادي إلى إعادة تشكيل الهند بشكل عصري والمعالج مئات الملايين من المحرومين والمنبوذين, إلى نحر ذلك الإرث التعددي الإنساني.

وفي افريقيا فإن الديانات الإحيائية المتسمة بعبادة الأسلاف أو قوى الطبيعة, لم تواجه النزعات الحديثة بعداء شديد, إلا في المناطق التي استغلها زعماء القبائل لمواجهة الإصلاح الزراعي والمدني الحديث.

وفى تاريخ العالم الإسلامي كانت ثمة محاولات كبرى لإنتاج علمانية تخفف من وطأة  الصراعات الدينية من أجل اتخاذ مواقف سياسية موحدة تجاه قضايا الاستغلال والفقر والنضال المشترك.

وقد كانت هذه المواقف الإسلامية قد خرجت من عصر التعصب الكلى للمذاهب، الذي انفجر بعد تفكك الإمبراطورية الإسلامية، حيث كانت سيطرة المذهب الواحد الذي تحميه حراب الدولة الباطشة، حينئذٍ لم يكن المذهب سوى اجتهاد إمام ما في طائفة، فيغدو هذا الاجتهاد والرأي قوة شبه منزلة، ولهذا اعتبر الأندلسيون والشمال افريقيون العرب والبربر عموماً اجتهاد مالك بن أنس مقدساً، وتعصبوا له تعصباً شديداً حتى أن الإمام أبا حامد الغزالي أُعتبر خارجاً عن الملة والدين، وهكذا صدرت فتاوى مختلفة بتحريم كتاب [إحياء علوم الدين] الذي ألفه الغزالي، من قبل فقهاء أندلسيين ومغاربة، ثم انتشرت حملة كبيرة ضده انتهت بحرق الكتاب ومطاردة ناسخيه وقرائيه!

لم تعبر هذه الحملة المغاربية عن موقف جامد متصلب في الدفاع عن اجتهاد مذهبي معين فقط، بل أيضاً لما يتضمنه الكتاب من هجوم عنيف على رجال التكسب بالدين الذين اتهمهم بالاشتغال بالفتوى من أجل تولى الأوقاف والوصايا وحيازة مال الأيتام وتقلد مناصب القضاء والحكم، وإنهم كما يقول الغزالي [اقتصروا على علم الفتاوى في الحكومات والخصومات ولم يخرسوا اللسان عن الغيبة ولا البطن عن الحرام ولا الرِّجل عن المشي الى السلاطين]، [نقلاً عن إضاءات حول تراث الغرب الإسلامي, إبراهيم القادري, الطليعة, بيروت, ص 135].

بطبيعة الحال فإن رجال الدين والسلاطين تحالفوا معاً ضد كتاب الغزالي وحدثت تلك الهجمة العنيفة ضد أحد المثقفين الكبار في تاريخ الإسلام. وبطرح الغزالي فقهاً قريباً للصوفية والتنسك فإنه غدا عدواً للتصلب الفقهي المرفه. وهو لم يعدم المدافعين عنه ولا الانتصار في خاتمة المطاف على المناوئين له في الشمال الأفريقي.

كانت انتصارات الآراء المتصلبة الفقهية المذهبية في طور تفسخ الإمبراطورية الإسلامية تجري في البلدان الصحراوية والمتسمة بغلبة البداوة، كالجزيرة العربية وشمال افريقيا، فالقبائل كالمرابطين كانت تهاجم المدن الإسلامية الأكثر تطوراً منها وتفرض عليها أحكاماً شرعية نصوصية باترة، وتقضى على التنوع والاجتهاد والتعددية المذهبية الإسلامية ذاتها.

في حين كانت المناطق الحضارية الأكثر تمدنا تعرف سياقاً مختلفاً في البداية، هو ذلك التعايش بين المذاهب بل والأديان المختلفة، ولهذا كانت المدارس الفكرية الكبرى في هذا العصر تتجه إلى احتضان كافة الاجتهادات المذهبية والدينية.

كانت مدرسة مثل الإسماعيلية تحاول أن تستوعب علوم العصر وكافة الاجتهادات العقلية لمجمل المذاهب من أجل أيجاد شبكة مواقف مترابطة، كما فعل إخوان الصفا في موسوعتهم الفكرية.

لكن هل استطاع الإسماعيليون والمعتزلة وغيرهم أيجاد موقف موحد للمسلمين؟

كانت المشكلة تكمن في محاولة السيطرة من خلال مذهب ديني أو اجتهاد فقهى وحيد، فكل تلك الموسوعية وكل تلك الاجتهادات تغلف في النهاية مذهباً معيناً يُراد فرضه على بقية المذاهب، وعبر هذا الفرض يتم تجاهل مستويات التطور ودرجات التباين والتنوع والاجتهاد لدى الآخرين، وإذا تمت هذه العملية من خلال أدوات الحوار كالكتب، فإن الأمر يغدو حضارياً، أما إذا تم ذلك من خلال العمل السياسي فالحربي، فإن الآخرين يردون بذات الأدوات.

هكذا كانت الصراعات [القومية] والمناطقية والاجتماعية المختلفة، ومصالح الحكام في الأقاليم والمراكز، ومستويات تطور الشعوب الإسلامية، كلها تتوارى وراء اختلافات المذاهب وصراعاتها. وبدأ عصر من دكتاتورية المذاهب والانغلاق.

قامت هذه الصراعات الاجتماعية ذات الأشكال المذهبية بتفتيت الإمبراطورية والدول، وفى النهاية توجهت العملية الى حصيلة المرحلة وتتويجها العقلي وهو العلم والبحث والوحدة والانفتاح.

لقد قادت عملية الصراع السياسي الديني المتداخلة إلى تهديم الدولة كأساس موحد للحضارة، ثم تمزيق الدين نفسه. أي أن التحطيم كان على المستويين السياسي والديني.

كان يُفترض أن تتوجه الاجتهادات الكبيرة للأئمة إلى المزيد من الجهود العقلية لتحرير الدين من سيطرة السياسة والدول، لكن المسار كان معاكساً تماماً، فظهرت الدولة الإسلامية ثم الدول المذهبية الكبرى: السنية العباسية والإمامية الفاطمية والشيعية الحمدانية والفارسية المختلفة ثم أخذت المذاهب الفروعية فى تأسيس دولها، الإباضية في عُمان، والزيدية في اليمن والمغرب الخ . .

 والواقع أن القوى الاجتماعية المهيمنة في كل بلد، ثم في كل منطقة، قامت بتلبيس مصالحها بمذهب ما، وفى ظل انعدام مركز عربي كبير، وتخلف وسائل المواصلات وتدهور الإنتاج الفكري وأدوات التعليم، غدت هذه المتحجرات دولاً وأنظمة ذات صولجان وهيلمان.

ان تخلف السلاطين السياسيين والدينيين والشعوب تمظهر في هذه النصوصية الحرفية وكتب الفتاوى التي تستأصل أي جهد واجتهاد، وتحول المذاهب الى زنازين كبيرة للعقل، وتتحول الى منظومة كبرى تطحن الحياة اليومية في أحكامها الشديدة البطش، بحيث إنه ليس ثمة للعقل أن يفكر خارجها، مثلما يتحول الفرد المسلم إلى أداة صماء للتلقي والضبط، ويظل دائراً في الأسئلة عن الأكل والجلوس والقيام والوضوء واللبس والنكاح، مثل أي بهيمة تُربط في الحقل، لا تسأل عن النجوم والكيمياء وفلسفة الرازي وطب ابن سينا والعلوم، والقصد ألا تتجاوز شيخ القبيلة الأمي، والملا والمطوع، الذين يغدو سقفهم الفكري متدنياً فاتحاً الأبواب لهبوب أعاصير الخرافات.

وفى هذا المستوى لن نستبعد تحريم الكتب والسفور والحريات والفنون الخ… إن التدهور على مستوى إنتاج النص الديني، يتبعه التدهور على مستويات علاقة العقل بالحياة، أو أن كلا المظهرين جزء من عملية متداخلة مدمرة.

يقول أحد القراء الذي يراسلني مقتطعاً إحدى العبارات ربما من مصدر خاص: [هدف العلمانية في العالم الإسلامي: هدف العلمانية الأكبر هو جعل الأمة الإسلامية تابعة للغرب سياسياً وثقافياً وأخلاقياً واقتصادياً، وعزل دين الإسلام عن توجيه حياة المسلمين].

هذا الرأي هو رأي شائع، فيتم تصوير العلمانية كمؤامرة غربية، تستهدف خلق التبعية للغرب، وهذا الكلام غريب، لأن العلمانية ليست أيديولوجية وليست بضاعة فكرية، بل هي نظام سياسي يتم فيه فصل المذاهب والأديان عن النزاعات السياسية.

ويظن بعض السياسيين الدينيين ان العلمانية اتجاه فكري فيقول: [هذا علماني وهؤلاء علمانيون]، فيجمع اتجاهات مختلفة متضادة، فقط لأنها لا تقوم بتسييس الدين.

أما نظام التبعية فتشكله المؤسسات التجارية والمالية الاستغلالية التي تربط بلداً ما بإنتاجها، أما كيف قام القارئ بنقل سمات النظام العلماني إلى النظام الاستعماري، فهو أمر يعود إلى عدم الدقة الفكرية.

فمثلاً نجد النظام العلماني لا يقتصر على الغرب بل هو مطبق في الهند وبعض دول أفريقيا وروسيا، فهو نظام ليس لإشاعة الاستعمار الأوربي، بل للحيلولة دون تفاقم النزاعات الدينية والمذهبية. إذن لا توجد صلة منطقية وسببية بين العلمانية والتبعية، وبالتالي فإن العلمانية ليست نتاجاً استعمارياً، بل هي نظام سياسي جرى تطبيقه في أوروبا الغربية أولاً، بسبب خروجها من القرون الوسطى التي كان الدين فيها يحتل نظاماً كلياً في الحياة، فتجري المعارف والعلوم والمشكلات والتطورات تحت عباءته، ولكن العصر الحديث قام بتفكيك هذه العلاقة، وهذه العملية استفاد منها بشر آخرون في أنحاء الأرض، حيث أدت التطورات الاجتماعية والسياسية إلى مستوى مماثل.

ولهذا فإن العلمانية ليست اتجاهاً سياسياً ما، بل هي نظام سياسي، يتم فيه تقدم الأحزاب على أساس هويتها الاجتماعية، بمعنى ماذا تمثل من فئات وطبقات، وعلى أساس فكرها السياسي وبرامجها، وليس على أساس دينها ومذهبها.

وبالتالي فإن الصراع السياسي يدور حول البرامج والأهداف السياسية والاجتماعية، وتتم عملية التراكم السياسي والمعرفي والمكاسب، حسب قدرة كل حزب على تمثيل أكبر مجموعة من الفئات والشرائح، التي تتجسد في الأصوات.

وهكذا أعطى النظام السياسي الحديث الأديان والمذاهب أكبر فرصة للوحدة والتعاون، مبعداً إياها عن الصراع.

ولهذا فإن التبعية للغرب لا يسببها النظام العلماني بل النظام السياسي التابع حين يربط مؤسساته الاقتصادية ومصادر تمويله وتوزيعه، بالمؤسسات الأجنبية المهيمنة، بحيث تتراكم الفوائض هناك، ولا تنمو هنا في بلاد المسلمين مقدمة الأعمال وعدالة التوزيع الخ..

هكذا يمكن أن نجد [مؤسسات إسلامية] وهى تخدم الاستعمار، لأنها تقوم بسحب الأموال والفوائض ودم المسلمين مرسلة إياه إلى الاحتكارات والشركات والمصارف الغربية بدلاً من أن تحوله إلى حقول ومصانع وسفن للناس هنا.

فالعلمانية لا علاقة لها بالتبعية وقد تكون كنظام سياسي مفيدة أو مضرة للتبعية، فالنظام العلماني الهندي في عهد حزب المؤتمر كان يخدم سياسة وطنية تحررية، في حين أن ذات النظام يخدم حزباً مواليا للغرب ومتعصباً دينياً هندوسياً، فمسألة التبعية تعود إلى سياسة الحزب أو الدولة ولا علاقة لها بالنظام العلماني.

لكن كيف جعل القارئ النظام العلماني ذا علاقة بالتوجهات الفكرية والمضامين السياسية؟ إن ذلك يعود إلى الخلط الفكري واضطراب  المصطلحات وعدم الدقة في التشخيص.

فالنظام العلماني نظام سياسي محايد، يستطيع أن يخدم كافة الاتجاهات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فيخدم حزب ديغول وحزب ميتران، وما يشترطه فقط على الحزبين هو عدم الخلط بين السياسة والدين، أي عدم استخدام الدين في أغراض حزبية.

أما مسألة أن العلمانية تهدف إلى إبعاد تأثير الإسلام عن الحياة الاجتماعية، فهو قول لا يستند إلى أدلة أو تاريخ، فنجد ان الغرب العلماني يسمح بشكل واسع للجماعات الدينية والمذهبية المختلفة المتعادية إسلامياً بالتواجد على أراضيه ونشر ما تشاء من دعاية دينية بين اتباعها أو بين الآخرين. في حين ان العكس هو الذي يجري في العديد من بقاع العالم الإسلامي.

هنا يقوم بعض الدينيين بالإخفاء المتعمد لجوهر العلمانية كنظام سياسي يرفض استخدام الأديان في الدعاية والتنظيم السياسي، محولينه بصورة فجة إلى نظام لهدم الأديان.

ومما يقوله القارئ المحاور هذه الفقرة عن أخطار ومصائب العلمانية:

1ـ إقصاء الشريعة الإسلامية ليزول عن المسلمين الشعور بالتميز والاستقلالية، وتتحقق التبعية للغرب.

2 – تفريق العالم الإسلامي ليتسنى للغرب الهيمنة السياسية عليه وذلك بربطه مؤسساته السياسية وأحلافه  العسكرية.

3 – زرع العالم الإسلامي بصناع القرار ورجال الإعلام والثقافة من العلمانيين، ليسمحوا بالغزو الثقافي والأخلاقي أن يصل إلى الأمة الإسلامي برجال من بني جلدتها، ويتكلمون بلسانها.

تبدو هنا العلمانية مرة أخرى كاتجاه فكري غربي استعماري وليس نظاماً سياسياً يفصل الدين عن السياسة، وهذا هو الجوهر الذي يتم التهرب منه دوماً، والهدف من العلمانية هنا هو تقسيم العالم الإسلامي [المتوحد جدا]، ويبدو ان القارئ لا يعيش في ديار الإسلام ولا يسمع بالمجازر التي تجري في باكستان والهند والجزائر والسودان الخ.. بسبب الصراعات المذهبية، في حين أن العلمانية كنظام سياسي سوف تتجنب هذه العملية المدمرة، وتتيح للمؤمنين من شتى المذاهب فرصة اللقاء السياسي والكفاح المشترك الذي فقدوه بسبب نمو الاتجاهات المذهبية المسيسة.

ولا نعرف كيف تقوم العلمانية بتفريق صفوف الدول الإسلامي، فمتى اتحدت هذه وناضلت بشكل مشترك؟

وقد قامت العديد من الدول والحركات الإسلامية بالارتباط بالأحلاف العسكرية الأجنبية، ويكفي الحلف العسكري الذي أقامته المخابرات الأمريكية بين هذه الجماعات الدينية والدول الإسلامية لضرب النظام الأفغاني الذي حاول الخروج عن السيادة الغربية فدمرته تدميرا وشردت شعبه المسلم.

أما رجال ونساء الثقافة والأعلام الموالون للغرب ففيهم الدينيون والليبراليون وغيرهم، ولكن ما علاقة [العلمانية] بهذا؟

فحين يكون الليبرالي علمانياً، يعني أن يؤيد فصل الدين عن السياسة، ولكن يوجد ليبراليون لا يؤيدون هذا الفصل. وقد يكون هؤلاء الليبراليون جميعاً وطنيين معادين لهيمنة الدول الأجنبية.

مرة أخرى يتم عدم معرفة مصطلح العلمانية.

ولعل المقصود هنا من جملة القارئ هي الاتجاهات الحديثة المتحررة التي تشيع قيم الفصل بين الدين والسياسة، ولكنه يقوم بعد أن خلط هذه المفاهيم وهذه الأوراق بجعل هؤلاء عملاء، فأفقدهم الوطنية وحولهم إلى جواسيس.. وجعلهم أدوات للغزو والاحتلال بتمهيدهم السبل الفكرية والثقافية للغزو العسكري. فقط لأنهم طالبوا بفصل الدين عن السياسة!

هكذا تتضخم العلمانية في الخطاب الشعبوي إلى ركيزة من ركائز الاستعمار والهدم والتخريب، دون أن ينظر إلى طابعها الحقيقي باعتبارها نظاماً لتوحيد المسلمين والمسيحيين العرب وغيرهم، باعتبارها أداة للانتقال من مجتمع الطوائف المسيس بالألغام، إلى مجتمع السياسة العقلاني والبرامج والصراع الفكري الاجتماعي وليس الصراع الفكري المذهبي.

أما النشر والدعوة له فذلك ميدان لا يغلق!

وبطبيعة الحال فإن العلمانية كتجديد إسلامي لا تنقطع عن الموروث والحياة الإسلامية، عبر الجسور التي تتشكل للتقريب بين المذاهب، وتطوير التشريع بما يتفق مع المساواة والعدالة، والحفاظ على المصالح القومية للشعوب العربية والإسلامية وتطويرها وتحديثها بشكل مستمر.

أن الجمع بين الجذور العربية والإسلامية وعمليات التحديث الراهنة، هو الأفق المفتوح للأنظمة العلمانية المتوقعة في المنطقة، والتي لن تجري من دون الصراعات مع الاتجاهات المضادة والمتطرفة على الجانبين، جانب الارتداد والتعصب الماضوي المذهبي، وجانب الاغتراب والتغرب وفقدان الجذور وغياب الدفاع عن المصالح القومية.

إن توحيد المسلمين في المرحلة الشائكة الراهنة يتطلب رؤى تراثية عميقة وحداثية تحررية، يتطلب الارتكاز على الماضي والمستقبل معاً، وفي هذه العمليات المركبة يتوه ذوو النظرات الوحيدة والجانبية وينحشرون في غيران الماضي غير مبصرين الفجر الطالع.

سلبياتُ التحديثيين والدينيين

لماذا يختلفُ ويتصارعُ أغلب الدينيين والتحديثيين العرب؟

ثمة منهجياتٌ شكلانيةٌ لدى الطرفين، فرغم تأسيس الإسلام للتحالف الاجتماعي بين التجار والعبيد كتوليفةٍ للتحديث في ذلك الزمن وخليةٍ كبرى للإنسانيةِ الجديدة، إلا أن قوى الأشراف المسلمين التي جاءتْ بعد ذلك لم تواصل التحالف، والأسبابُ تعودُ إلى أن الصاعدين السلم السياسي الاجتماعي غالباً ما يزيحون الفقراءَ، ولهذا يصبحُ هؤلاء بعد ذلك مادةً خاماً للسيطرة والعمل، وقوى متخلفة تزدادُ تدهوراً، فرأينا تفاقمَ العبيد ثم تدهورَ الفلاحين والبدو العاملين فأنهارت الحضارةُ العربيةُ الإسلامية. وفرقٌ كبيرٌ بين أن يكون عبدالله بن مسعود مثقفاً كبيراً وبين سلالةِ العبيد المنتجةِ في سبخ البصرة.

تنحيةُ التحالفِ وإسقاطُ الطبقاتِ العاملة الفقيرة عن ميدانِ الحكم الذي دخلته، هو جزءٌ من حراكِ الأشراف المتصاعد الذي حدث وقتذاك.

ولهذا فإن الثقافات التي ورثها الكثيرون من الدينيين هي من ثمارِ هذه الإزاحة، وغالباً ما يَنظرُ هؤلاء لحدثِ التحالف كأحداثٍ فردية، أو كأشياء عجيبة شخصية لا دلالةَ شرعية وتاريخية لها.

والتنحيةُ الاجتماعيةُ تعقبها تنحياتٌ فكرية وسياسية وفقهية حتى تغيّبَ رمالُ الزمنِ ما هو أساس للتطور الديمقراطي الحقيقي.

لهذا لن يكونَ إصطدامُ الدينيين بالتحديثيين عجيباً.

وغالبُ التحديثيين جاءتْ أفكارُهم من ثمارِ الغرب فهم يجهلون تاريخَ المسلمين، وقد تصورُوهُ كما أبرزه ونشره المحافظون، فهو تاريخُ التخلفِ وإنكار مساهمة الطبقات الشعبية أساس الحكم الديمقراطي الحديث.

هؤلاء التحديثيون قامو بتنحية الديمقراطية كما فعلَ المحافظون المسلمون في إرثهم الديمقراطي، فقد شاركوا في التيارات الشمولية التي ضربتْ التطورَ الديمقراطي الجنيني العربي؛ قلةَ صبرٍ ولجذورٍ دكتاتورية في حياتهم الاجتماعية وثقافتهم.

قيامهم بمعاضدةِ أنظمةِ حكمٍ شمولية، وعدم قدراتهم على تحليلها ونقدها وتجاوزها خلال العقود السابقة، يجعل معارضتهم للدينيين معارضة تنافس على مقاعد وسيطرات لا على تبديل شروط قهر العاملين.

والدينيون الذين عارضوا الأنظمة التحديثية الشمولية عارضوها لكونها(إشتراكية) و(قومية علمانية) كما رفعتْ لافتاتَها الزائفة.

ولماذا لم يتوصلوا لقراءة زيفها؟

لكون قراءاتهم شكلانية جزئية، أخذوا تلك الشعارات الرنانة وصدقوها، فيما كانوا يتعاونون مع أنظمةٍ محافظة مغايرة ويستفيدون من إستغلالها للناس.

على المستويين: تصديقهم للشعارات الزائفة وسيرهم مع أنظمةٍ محافظة ناتجة من ذلك الإخلال بالتحالف بين التجار والعبيد الذي أسسّهُ الإسلام، يعبر عن تطابق وإتحاد بالمضمون بين الفريقين الديني والتحديثي.

فكلا الفريقين الدينيين والتحديثيين الانتهازيين ليسا نتاجَ نضالٍ مع العمال والفقراء بشكل حقيقي.

هم يستثمرون العمالَ ويجعلونهم أدوات للسياسة وركوباً للموجات وقواعد في التنظيمات لا تصل للقمة أبداً.

وهي قراءاتٌ محدودة سطحية يمينية للتاريخ، فالدينيون عزلوا التاريخَ الإسلامي بحلقاتهِ المختلفة، وغيّبوا مضامينه، وركزوا على التبعيةِ لطبقاته العليا.

جوهرتهم للتاريخ الإسلامي وجعله خارج تاريخ الإنسانية وبلا قوانين موضوعية، جعلهم ذاتيين يكرسون مصالحَهم الفئوية، ولا يساهمون بتضحيات من أجل الشعوب والأمم الإسلامية.

والتحديثيون غيّبوا تاريخَ المسلمين بإعتبارهِ تاريخ التخلف، ولم يدرسوه خاصة هؤلاء المُسيسين السطحيين الذين ملأوا الحركات السياسية المعاصرة وليس رواد الحداثة العرب الكبار الأعلام الذين أضاءوا تاريخ العرب.

فيحدث التصادم بين الفريقين لكون الوعي الديمقراطي لم يتكّون في الجهتين، وهو الوعي الذين كان يحتاجُ نضالاً طويلاً في عوالمِ الشموليات المتعددة، ولو قد حدث، ولم ينضم القادةُ والقواعدُ لمصالحِهم الذاتية في أزمنةٍ مختلفة، لكان تقاربهم قد حدثَ في زمنياتِ الشموليات السابقة، ولما تفجرتْ العلاقاتُ بينهم الآن. 

الفريقان لم يتابعا تطور الوعي العربي الديمقراطي في العقود السابقة، ولم يقرأا حتى أمهات الكتب التي درستْ التاريخَ وتطور الأمم الإسلامية والبشرية والتي قام بها روادُ التنوير العربي.

لم يقدما لجماهيرهما ثقافةً ديمقراطية تتأصلُ في التراث والعصر، وأعتمدا على السطوح والجوانب الجزئية وعفوية التاريخ ولحظات السياسية اليومية وعفويتها وإضطرابها، فيصطدمان مع بعضهما وتصطدم جماهير الفئات الوسطى والعمال بتداخل حاد فوضوي بدون أن تعرفَ مصالحَها المشتركة وبدون أن تتوحدَ لتأسيس مجتمعاتٍ ديمقراطية جذوروها في أرض التحالف العربي الإسلامي المؤسّس، وثقافتها الحديثة في برلمانات الغرب المتطورة.

فعمدت هذه الشرائحُ من الفئات الوسطى على جعل مصالحها الذاتية في المقدمة، حيث تجري شكلنة الدين والحداثة، وتضخيمهما لمصالح الأحزاب لا لمصالح الناس.

تاريخُ الإصطدامِ هو تاريخُ الانتقائية والذاتية والتعلق بالقوى العليا العابرة وترك العشوب.

المشترك بين التقدميين والدينيين

يقول أحد النقاد عن العلاقات بين الدينيين والتقدميين في مصر في حقبة الخمسينيات (فلم يكن الفرق بينهما، على المستوى الفكري، بعيداً. ففي الوقت الذي كان كان مندور ينشر مقالاته السياسية والاجتماعية التي تنحو نحو الإصلاح الجذري كان سيد قطب يكتب (العدالة الاجتماعية في الإسلام) وعبدالحميد جودة السحار يكتب عن أبي الغفاري، وكانت هناك أشياء كثيرة مشتركة بين الفريقين)، شكري عياد، المذاهب الأدبية، ص 31.

لا يحلل الكتاب العرب عادة كون منتجي الأفكار السياسية والثقافية هم من الفئات الوسطى، الصغيرة غالباً، والتي عادة ما تطرحُ أفكاراً وسط تيارات شمولية استبدادية، وهي تتقصد تكوين نموذج سياسي مسيطر حاكم.

لم تعرف التيارات حقيقة ولن تعرف على الأقل في المدى القريب مسألة الديمقراطية، ومضمون أي تيار يتضح في نموه السياسي عبر تنامي سيطرته، فحين تتصاعد هذه السيطرة، عبر الانتشار بين الجمهور، عندئذٍ يتكشف مضمونه الاجتماعي المتواري.

ولهذا كانت (ثورة يوليو) في أول عهدها تبشر بقيم ديمقراطية واعدة، لكن حين اشتدت قبضة الضباط الكبار على الحكم، تبخرت هذه الديمقراطية التي كان من الممكن لو تشكلت عبر جبهة وطنية ديمقراطية عريضة أن تقود النظام لتحولات إيجابية تصمد بشكل أكبر وأغنى.

لكن التكتلات السياسية كانت دكتاتورية كلها، فهي جميعاً تشكلت عبر أفكار شمولية سواء لدى الأخوان المسلمين أم الشيوعيين أم الضباط الأحرار، ولهذا فإن ما يلاحظه شكري عياد في الاقتباس المذكور اعلاه، هو أمرٌ يتعلق بالفكر الأدبي، الذي بعدُ لم يصل إلى أن يكتشف مضمونه السياسي، خاصة إن ثيمات الإصلاح، والعدالة في الإسلام، وسيرة الصحابي الجليل أبي ذر، كلها تقع في التجريد الفكري أو في التاريخ، دون أن تـُربط باللحظة السياسية الصراعية وقتذاك، ولهذا كان نضال أبي ذر ضد الدكتاتورية المتصاعدة عند بني سفيان لا تــُربط بتنامي الدكتاتورية عند مجلس قيادة الثورة، ولحظتي المقاومة لدى أبي ذر والسياسيين المصريين المعارضين الذين ستبلعهم آلة الدولة العسكرية الوطنية حينئذٍ، كل منها تنتمي لعصر وظروف، ولكل منهما له سياقه الخاص ولهما المشترك العام كذلك.

وهكذا فإن قوى الفئات الوسطى المبعثرة بين أقصى اليسار كما لدى الشيوعيين وأقصى اليمين كما لدى الأخوان المسلمين، تتفتت من خلال  الانحصار في المقولات (الإيديولوجية) فأولئك الشيوعيون يتجمدون في النقل الستاليني، حيث (يجب الإجهاز على الرجعيين والرأسماليين)، وهو جانبٌ مفيدٌ لدكتاتورية مجلس قيادة الثورة، لكنه مضر للشيوعيين أنفسهم، كما أنه مضر لتطور النضال الديمقراطي، من حيث إن ما يقوم به الضباط الأحرار هو إقامة رأسمالية حكومية بيروقراطية، وليس الاشتراكية كما يتوهمون، وهو شكل دكتاتوري من أشكال الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، فتحتفظ بجوانب تقليدية كثيرة، ليس خدمة للإسلام كما يظن الأخوان بل لعدم تغيير جذور النظام الاستبدادي، وولعدم إقامة تحديث متغرب شامل وكاسح على الطريقة الروسية..

وتتيح هذه العملية المزودجة تقوية جهاز الدولة اقتصادياً ومالياً، وهو أمر يتيح له شراء الذمم ونشر الأفكار (المائعة) بديلاً عن التطور الديمقراطي الحقيقي الذي ينبغي السير فيه، وهكذا تنتشر هنا مصطلحات غائمة بهدف تمييع المسار، كشعارات (الاشتراكية) و(لا شرقية ولا غربية) و(منع الصراع الطبقي)..وهي شعارات تلغي الوعي لدى الشيوعيين، ويتحولون إلى ملاحق بالنظام، وهو أمر أوهم حتى الأخوان إن ما يتحقق مصرياً هو اشتراكية تقود إلى القضاء على الإسلام، فيتوجهون لأقصى اليمين ، إلى استعاد السلفية المحافظة وتجد لهذا جسماً مادياً عبر الرجوع أجساداً وجيوباً للجزيرة العربية ونفطها، واستيراد لحظتها الفكرية المحافظة وإعادتها لمصر في زمنٍ تالٍ.

ولهذا نجد انتهازية على الجانبين؛ الشيوعي بتسلقه النظام العسكري وتسلق الأخوان للنظام النفطي، فيحدث ذوبان مشترك لإمكانية التحليل الموضوعي، وكان نضالهما الديمقراطي المشترك وتطوير لحظة محمد نجيب وتشكيل تحالف ديمقراطي واستمراره، هي من المهمات التي تخلى عنها الطرفان في لحظة مصيرية، وكان من الممكن أن تكتب شيئاً تاريخياً مختلفاً.

معايير التقدم عند المسلمين

تستندُ الأديانُ عموماً على مسائلِ الحلال والحرام، وهي جوانبٌ مرتبطةٌ بالقدسية، والقدسيةُ نتاجُ مئاتِ الآلالف من تاريخِ الإنسان، وهي المعارجُ بالنسبةِ للأقدمين للطهر والسعادة الأبدية.

لم يكن بإمكان الإنسان وقد تشكلَّ في بيئةِ المقدس، أن يرى شيئاً آخر، والمقدسُ  قادمٌ من عالمِ الأرواحِ والغيب والسماوات، كانت الروحُ الخارجةُ عن الإنسان الموجودةُ في الإعالي هي التي تصيغُ وجودَهُ العرضيَّ المحدودَ في عالمِ المادة الزائل العابر، وهي بالتالي تحميهِ من الأرواحِ الشريرة والأمراض والفناء.

وكانت الأوامرُ والقراراتُ الدينيةُ تستندُ إلى هذه القدسياتِ المتنوعة لدى الأمم، وهي في وضوحِها وغموضِها كانت (تحاولُ) تقديم حالاتٍ من التطورِ والصحةِ والسلامة للبشر، لكنها تتعالى فوق تجاربِهم التي تتطور بإستمرار، كما أن تلك القرارات تُلقى بصفاتِ الإطلاق وعدم النسبية، وتلتصقُ بتاريخ المؤمنين الروحي المطلق ذاك.

تتأسسُ الأفكارُ والقراراتُ الدينية على ضوءِ مصالح الشعب المعني، ثم تغدو فقهاً أو مذهباً أو شعائرَ أبدية. وتتكرسُ عبر الدولِ ووظائفِها السياسيةِ والدينية والاجتماعية، وتغدو لها إعادات إنتاج، وغالباً ما يحدثُ إنفصامٌ نسبي في العلاقة بين السياسي والديني، لأن الأوضاعَ السياسيةَ تتطلبُ مرونةً، وهي علاقاتٌ مع الدولِ والأممِ الخارجية، وهي حروبٌ وسلامٌ وتجارةٌ، هي حراكٌ يومي ومصائرٌ للناس ساخنة، في حين إن الديني هو قرارات وقراءات فكرية منفصلة عن كل هذا الجيشان السياسي، وهو تأملٌ وقراءةٌ وعلاقة (روحية)، حيث تظل العلاقة بالغيبِ أكبر من العلاقة بالأرض.

وكلما تسارعتْ تطوراتُ أي شعبٍ يحاولُ أن يجدَ العلاقةَ المرنة الباقيةَ الديناميكة بين السياسي والديني، أي أن يفصلَ بينهما في لحظاتِ المخاضِ والتبدلات الكبرى، ولهذا كانت اللوحةُ التاريخيةُ الأوربيةُ مليئةً بالشواهدِ على الانفصال والاتصال، حيث برز الإنفصالُ عنيفاً حين عرقلَ الدينيُّ نموَّ الاقتصادي النهضوي وجمدَّ السياسي التحديثي، وأرادَ أن يحوزَ على المطلق في الأرض بشكلٍ مستمر، في حين أن الأرضَ الأوربية كانت تتشكلُ بصورٍ أخرى، وتنفكُ عن الديني التقليدي.

برزتْ هنا معاييرُ التقدمِ والتخلفِ بصورٍ حادةٍ قاطعة، ودخلت أوربا في حربٍ مع نفسها، أي أن الطبقات دخلتْ في صراعٍ مصيري متضاد كلي، وظهر شعارُ أما الحداثة والتقدم وأما الدين، وفي الثورة الفرنسية عُبدَ (العقلُ)، وأُغلقتْ الكنائسُ، وحُروبتْ الأديانُ وأُعدِم القساوسة.

كان الجانبان في حالةِ تضادٍ عصبية، وتشكلت قبلها حروب دينية خطيرة كارثية، وكانت الكنيسةُ تسيطرُ على الأرض الاقتصادية، والسوقُ بحاجةٍ للأرض، ولقوى عمل الفلاحين الرخيصة.

وفي تاريخ المسلمين لا يحتاج الأمر لكل ذلك، ولإعادةِ التاريخِ الأوربي، فقد ظهرَ الإسلامُ وقادتهُ من التجار، وكان هدف تكوين دولة واسعة تجارية نهضوية متحررة في المضمون الغائر للدين.

وتبدو بعض التحريمات كأنها مطلقات رغم أنها تعبير عن صعوبات ومشكلات مؤقتة، فتحريم الربا كان بهدفِ سحب البساط من اليهود العرب الذين كانوا يهددون الدولة من الناحية السياسية، فهم أقوى ومماثلين للعرب في عاداتِهم وقوتهم، ولم يكونوا من اليهود الشماليين المتحضرين ولهذا كان الصراع شديداً معهم ولكن مسألة الربا تجاوزت زمنيتها لتلتصقَ بالموروثِ الديني الدائم، كما أنها من جهةٍ أخرى تعبير عن معارضة الإستغلال الشديد.

لكن من جهة التطور الزمني هي عرقلةٌ لتنامي علاقات التجارة الحرة التي قادها الإسلام، فيما كان تحريم الخمرة متعلقاً بالانضباط العسكري المفقود لدى البدو المنضمين للدولة الإسلامية في ذلك الحين بأعدادٍ واسعة والذين لم يفد التحريم التدريجي في تحضرهم.

ومسائل مثل توسيع حريات الرجال الجنسية وتضييق ووضع المرأة، كانت ذات جذور إجتماعية طويلة محافظة شديدة، ولكن التشريع حاول أن يقدم الحرية عبر التركيز على نموذج العدالة لدى الرجل الزوج العادل.

هذه المشكلات صارت ثغرات في تطور المسلمين التالي، حيث صاروا القوة النهضوية الكبرى على المسرح البشري لثلاثة قرون، لكن القادة والمفكرين لم يعالجوا تلك الصعوبات التي لم تُحل أثناء التطور السياسي الفكري فكان لها أن تكون إشكالية كبرى في القرون التالية وخاصة على مصير المسلمين الراهن.

 توجه الإسلامُ المؤسسُ إلى تحجيمِ الركائز الكبيرة للهيمنة التقليدية، برز ذلك في وثيقة الثورة (القرآن)، فكلُ العوائق التي ضربتْ الأديانَ السماويةَ السابقةَ كحركاتٍ نضالية وأجهضتها، قام بالتركيز على مواجهتها.

يأتي في عمق ذلك منع تشكل الهيمنة السياسية الحاكمة، وخلق علاقات سياسية مباشرة وديمقراطية شعبية، ثم منع تشكل الهيمنة الدينية فيما عُرف لدى المسيحيين بالأكليروس، عبر خلق فقه بسيط وعدم تعقيد العبادات والمعاملات وبالتالي ضرب المؤسات الوسيطة السياسية والدينية التي تحولُ دون الديمقراطية المباشرة بين المواطن والحاكم، وبين المؤمن والخالق.

مؤسسةٌ أخرى هائلة ضربها القرآنُ وهي مؤسسة الهيمنة الاقتصادية المتمثلة في السيطرة على الأراضي الشاسعة وأموال الفتوح لدى الطبقة الحاكمة بل توزيعها على الجنود والعامة.

كانت أموالُ الفتوحاتِ هي الثروةُ الكبرى في ذلك الحين وهي التي تشكلُ القوى الاجتماعية والتأييد للسلطة، ومن هنا جاءت الدعوةُ للتقاسم الواسع لها بشكلٍ خماسي وبشكلٍ يؤدي لعدم تركز الثروة في أيدٍ مركزية تعيد تحويل الحياة لصالحها.

لكن فيما بعد جاء تفسير جديد للآيةِ وبشكل آخر ليحفظ الخير للأجيال ويجعل ملكيات الفتوح للدولة، ولكن التقسيم القرآني كان يمكن أن يخلقَ تلك السوق الواسعة الحرة عبر وجود الملاك الصغار الكثيرين والذين لن يؤيدوا وجود سلطة مركزية قامعة مهيمنة على الأموال، وربما عبرت ذلك كان يمكن أن تستمر النهضة أبعد من ذلك.

خلافة شفافة، وأملاك صغيرة حرة، وسوق هائلة، ثم تنبيه للذكور المسيطرين على العائلات أن يعدلوا، لكنهم لم يعدلوا.

تخفيف الذكورية المتعالية والسلطة المتجبرة والدعوة للبحث ضمن الفضاء العام للديانات وثوابتها في إعلاءِ الغيب، وتشكيل المنظور القدسي، ولا يأتي التقدم هنا إلا من خلال العباءة الفكرية للماضي بطبيعة الحال.

 لماذا هذا التركيز على الثروةِ وطبيعةِ الحكم وضرورة عدم التمركز في الثروات والعائلات التي تصبح قبائل مسيطرة على النظام الاجتماعي؟

هي قراءةٌ عميقةٌ لأخطاءِ السابقين، وإعطاء هؤلاء العرب البسطاء غير المعقدين بزنزاناتِ الأنظمةِ إمكانية أن يشكلوا نظاماً ديمقراطياً مفتوحاً.

وهم كبدو أحرار كانوا متخلفين ثقافياً وإجتماعياً خاصة تجاه النساء، وتسيطر عليهم علاقاتٌ قبليةٌ ذكورية، ومن هنا فتنامي علاقاتِ الإستغلالِ والأنانية والهيمنة تقودُ لإزالةِ تلك المفاتيح للتقدم الكبيرة التي قُدمت لهم في مرحلتهم التأسيسية.

حافظوا على بعض مرتكزاتها وقادتهم إلى إنجازاتٍ حضارية كبيرة، لكن الوعي السائد يمضي للغيبِ وللقداسة، ولحكمِ الكواكب والنجوم والأقدار، أو للتمركز في النصوص الصغيرة وأحكامها الجزئية، ولا يتم الإلتفات كثيراً لأوضاع الأرض والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية.

الآن تجري عملياتُ إستعادةٍ كثيرة للإرث، ولا توجد كنائس كلية السيطرة، إلا في الأوهام الإيديولوجية السياسية التي تكونها القوى السياسية النافذة داخل الدين، التي حولتْ التراجعات عن المفاتيح الكبرى للنهضة إلى سياسات محافظة.

ولهذا نجدُ رجالَ دينٍ كبار يتقدمون بإجتهادات فقهية مقاربة للنهضة، كما يمتنع آيات عظمى في الفقه الشيعي عن التدخل في العمليات السياسية للأحزاب الدينية، كما يظهرُ فقهاءُ متنورون وكتابات كثيرة لتطور الدين والحياة.

وهي أمورٌ تكشف عن أن أفق المسلمين مغاير لأفق المسيحية في القرون الوسطى والتي إحتاجت في تطورها لحروب وخيمة، فالعرب والمسلمون لا ينسخون تجربة الغرب الرائدة في الديمقراطية السياسية والاجتماعية، بل يكونون تجربتهم الخاصة، لأن آفاقهم الدينية مختلفة.

فلماذا إذن نشهد الحروب في العالم الإسلامية والتمزقات الرهيبة وإنفصال البلدان والإقاليم؟

هذا بسبب أن الحركات الدينية لم تأخذ بمفاتيح التقدم في القرآن والتجربة النضالية التأسيسية للمسلمين، وكرستْ جوانب الضعف والتخلف في العصور الوسطى والهيمنات الأنانية المختلفة التي نتجت عن عدم توسيع المنجزات.

وفي إمكان الجمهور والحركات الحديثة والقوى الدينية المستنيرة أن تتلافى ذلك، وتركز على ما هو إيجابي، وتستعيد الإنفتاح وتكون (الإمبراطورية) المفتوحة التجارية الحرة وتزيل الحواجز بين المذاهب والقوميات والطبقات.

وهذا يستند على تطور التجارب الديمقراطية في كل بلد، وهو أمر عسير يحتاج إلى عقود.

لكن رجال الدين ليسوا على غرار رجال الكنيسة ذات الأملاك ويأتي الجانب السلبي من التركيز على عدم تطور العائلة وعدم تغيير علاقات الأرض وعدم إعادة فهم النصوص بشكل واسعة والخوف من إطلاق الحريات العقلية، وهي جوانب يمكن تغييرها بما يتجاوز التجربة الغربية.

التقدميون والأديان

كل الشعوب لها مبادئ مرتبطة بجذور تعود لمائة ألف سنة من التاريخ المنظور، وأبعد بكثير من ذلك.

 هي تمثل أوضاع الإنسان الضعيف الحائر والمتنامي القوة كذلك في مجابهة قوى الطبيعة والحرمان والموت وهي تشكيلات من الأفكار والمبادئ موزعة في كل القارات وأقطار الإنسان، وقد صعدت في حمى السياسة العالمية الراهنة وعولمة الأمم وتداخلها، أكثر بكثير مما جرى في العصور السابقة.

هي مبادئٌ لو قورنت فإنها متباينة شديدة التباين مختلفة كثيرة الأختلاف، وهي مع هذا مقدسة لدى كل من يؤمنُ بها، وتقوم الحروب على شعرة تـُفسر على أنحاء مختلفة منها.

وجماعات التحديثيين المنتشرة بين كل أقطار الأرض والأمم لا تؤمن بهذا التنوعَ الغيبي، بطقوسه الحرفية، ولكن بدلالاته التاريخية، ومراميه الإنسانية الخالدة، وتؤمن بأن هذه هي جذور البشر في تاريخهم المديد الصعب والطويل.

وهذا الوعي النضالي التحديثي يكن الأحترام كذلك لهذا التنوع والفرادة في كل تراث، ويعمل لعدم تحوله إلى أدوات للحروب والأستغلال والشر، بل للخير والتعاون ولإحترام تقاليد كل شعب.

ورغم عدم الإيمان الغيبي الحرفي فإن الأحترام والدفاع عن هذه المقدسات وتقاليد المؤمنين، هي ضرورة، لأنها ميراثٌ يعبرُ عن ضرورات تاريخية وكيانات شعوب وجذور أمم وتجارب نضالية كبرى، وهذه الأمم التي مرت بكل هذه المسارات الدينية المختلفة لا بد أن تصل للتعاون الخلاق بينها، وتشكل اقتصاديات مفيدة للجميع، بدلاً من مواصلة مواريث الماضي من التخاصم والنزاعات.

كل دين ومذهب وفلكور شعبي وتقاليد تبدو مرفوضة ومدعاة للاحتقار في نظر شعوب أخرى، لكنها لجماعاتِها تظلُ مقدسة.

فلا يوجد هناك نظرٌ ديني أو عصري واعتقادٌ هو فوق الجميع ويجب أن يفرض عليهم، وعلى الناس الخضوع له، ولا توجد فكرة يجب أن تسود على الجميع، فكل الأفكار والأديان موقرة وذات أهمية ومكانة سامية، لكن بين أهلها وجماعاتها، كما أن الشعوب الأخرى تتأثر بما هو طيب وخلاق فيها.

لقد تقدمت القوى المحافظة على مدى التاريخ لكي تجعلَ الأديانَ أقنعة فوق وجوهها لكل تستغل الناس، وتجلبَ ثمارَ العمل لحياتها، وسواء كان ذلك طبقاً لرجلِ دين بوذي فقير مسالم أم خزائن لرجل دين سماوي كدس الملايين، ومن هنا إستماتتها لكي لا يجري فصل الدين عن الحكم والذهب والخيرات.

الروحانيون حين توحدوا مع السلطات فقدوا روحانيتهم، وكلما ازدادت هذه المادية لديهم فقدتْ (شعوبهم) تطورها وسموها ودخلت في معارك المادة، تتعاركُ على من يسيطر على المصانع والمتاجر والأراضي، ومن هو الأقرب لقرارات الأرباح، ومن يقمع العمال إذا طالبوا بحقوقهم، ومن هو له الأنصبة الكبيرة من الرواتب الحكومية والمعاشات التقاعدية.

أن الخطرَ يحدقُ بالأديان، وفيما كانت هي مصدرُ سمو وتقدم تغدو مصدرَ تقسيمٍ وصراعاتٍ دنيويةٍ مبتذلة، ويوجه البعضُ انتقاداته للأديان باعتبارها كوارث على الإنسانية، من خلال أفكار غير تاريخية وغير موضوعية، ويقدم الكثيرُ من الدينيين مادة وفيرة لذلك، ولقد انتموا للأديان ولكن كم من منهم  واصل نضال الأنبياء وتضحياتهم؟!

إن نضالات الأنبياء تستمر بضعة عقود ولا تستطيع المراحل التاريخية والنخب السياسية والجماهير البسيطة أن تواصل تلك التضحيات، وتلك المآثر، إنهم طلائعٌ وإشارات للبشر في تطورهم المعقد، ولكل مرحلة وتاريخ إمكانية الاستفادة والتأثر والتوظيف حسب الطاقات والإمكانيات والقراءات المختلفة.

تأتي دولٌ وقوى وتنسخ تلك الوصايا والنضالات، وفيما هم يعيشون في بحبوحةٍ من العيش على حساب الغير يتكلمون عن القداسة والنبوات وعدم التفريط بشعرةٍ من الدين؟!

لماذا؟ لأن الدينَ صارَ من الغموض وتعدد الوجوه في مناخهم السياسي بحيث لا يعري ما يملكونه من مليارات لم تأتِ من عرقهم!

ولهذا فإن المناضلين المعاصرين لا يريدون توظيف الأديان في العمل السياسي، ولا المتاجرة بنصوصها، ولا يريدون تركيب قصصها وتضحياتها ومُثـُلها فوق مادتهم المتواضعة الراهنة ذات الظروف المختلفة، ولا أن يستخدموا جملها المقطوعة من سياقاتها في تكتيكاتهم السياسية، وأن يفبركوا دعاية إنتخابية من نصوص الكتب المقدسة.

وحين يفشلون ويخدعون ويزورون، يستندون إلى نصوص أخرى، فيبررون فشلهم في التخلي عن أهداف الجماهير التي رفعوها بقوة بحجج أخرى!

إن التحديثيين والتقدميين ليسوا متنصلين من ذلك التاريخ الديني ولكنهم ليسوا مخادعين به، ومتاجرين بقيمه، وكل منهم يُحاكم من خلال برنامجه السياسي، ومدى قدرته على تطبيقه ومدى فشله فيه، إنهم يعملون لاسترداد الغنم الضائعة والموارد العامة المُستغلة المتوارية داخل العالم الضبابي في سيطرات الدول والجيوش، أما البيت فله رب يحيمه!

التقدميون ومهمات إسلامية كبيرة

لقد القى التاريخ على التقدميين مهمات توحيد كل شعب ومهمات توحيد الأمة.

وهو ليس إلقاءً قدرياً بل هو اختيار أهلته أفكارهم المشعة النافذة إلى غور المشكلات وعقد الطبقات، فإذا توانوا ضاعت مصائر الشعوب!

فإن البوصلة التي تشكلت لديهم خلال العقود الكثيرة الدموية السابقة، الملأى بالتضحيات الجسام، لا يجب أن تصدأ وأن يغمرها غبارُ الكسل والخوف وحب الأنا الضيق المحدود، فالأنا لا تتجلى إلا في مصهر الشعوب   وعظم التضحيات!

إن هذه البوصلة الثمينة التي شكلوها من الصخور القائمة على النظر الموضوعي ومعرفة مفاصل المشكلات بلا أنانية لطائفة أو عبودية لحكومة، هي التي تحدد جهات تطور أي شعب، ونمو إرادات الأمة العربية.

ولهذا فإن دورهم في تطوير وعي المسلمين هو حجر الزاوية في هذا الزمن، أي تطوير وعي المسلمين المذهبيين بكون الإسلام ثورة في زمنه الأول، وأنهم يعيشون بإعلامهم الديني الراهن ثقافة الثورة المضادة. ثقافة تمزيق المسلمين.

ولا تتأى الوحدة دون خلق المشترك الذي يقوم على نقد الفكر المحافظ الذكوري الاستبدادي، والحكومي المتعالي، وثقافة الخرافة.

إن المساواة بين الرجال والنساء، وديمقراطية الحكم، وعقلانية الثقافة، هي التحديات الثلاثة الكبرى التي تواجهكم لتشكلوا ثقافة سياسية بديلة، تتوجه لهذه الروافد الثلاثة وتحفر في داخلها حفراً علمياً موضوعياً، وسياسياً عملياً كذلك.

أنها المعيار الصارم الذي لا بد أن يتحول إلى سيوف باترة لأي تردد أو جبن، وأن يتحول إلى أدوات تحليل تضع الحلول لتلك المعضلات الثلاث.

أي أن قراءة وتطوير للأحكام الشرعية تجاه مساواة النساء بالرجال يتطلب ثورة تفكيرية لديكم على أصعدة مختلفة، عبر الغوص في الفقه ورؤية نضالات الأئمة واجتهادات المصلحين في التقارب بين الجنسين، والذي لم يتم بشكل كامل لظروف موضوعية لا يزال العديد منها جارياً اليوم كذلك.

في البناء الاجتماعي الأسري خاصة تكمن عقدة المحافظين الكبرى، وهو بناء متوارث استمر لآلاف السنين، فلا بد أن يجري تطويره برفق وبما يحافظ على بناء الأسرة وعدم الانحلال وكذلك على تحديثها وديمقراطيتها، وهي اهداف صعبة ولكن لا بد من الحلول العملية المركبة لها.

وفيما يتعلق بديمقراطية الحكم فلا يجب الارتهان للمشروعات السياسية المؤقتة للطبقات الحاكمة، بل رؤية البرنامج الأساسي للعصر، وهو النظام الرأسمالي الديمقراطي السائد، حيث أن الحديث عن نظام اشتراكي هو من قبيل الأحلام، على الأقل في زمننا العربي الراهن.

هناك توجهان سوف ينبثقان من التقدميين أنفسهم؛ توجهٌ للسير مع البرجوازية التي سوف تتشكل في مخاض معقد، وتوجه مع الطبقة العاملة. وهذان التوجهان لا يخصان فقط التقدميين بل يخصان كافة الطبقات القريبة من العمال.

فنحن مع تحول الفئات الوسطى لطبقة وسطى، حيث هي لا تزال طبقة مشتتة على صعيد وسائل الإنتاج وعلى صعيد الثقافة. وهذا الحراك يدفع الكثيرين للدخول في مشروعات الرأسمالية، وهذا جانبٌ إيجابي، لكن بحيث لا تقوم هذه الطموحات الفردية بتغييب دور القوة التقدمية في دفع الفئات الوسطى للتجمع والتحول لطبقة برجوازية قائدة لعملية الانتقال من المجتمع الإقطاعي إلى المجتمع الرأسمالي الديمقراطي، ولا بتغييب استقلالية العمال الفكرية والتنظيمية.

وتظل علاقة التقدميين بالعمال محورية وباقية بطبيعة الحال، لأنها هي التي تمثل هيكلية وجودهم السياسي.

البرامج الإسلامية للحركات التقدمية

فيما تكرست الحركات الدينية لتكون هي صراعاتُ الأغنياء على السلطة والمال العام، ظهرت الحركاتُ التقدمية لتعيد السلطة والمال  للأغلبيات الشعبية.

وأظهرت الأولى نفسها كالحارسة الأمينة على التراث، وأُظهرت الثانية كعدوة تجاهه ومزيلة له!

وقد توجت الحركة الإسلامية التأسيسية نشاطها السياسي  بهدف محوري بأن لا تكون ثمة دولة للإغنياء بين المسلمين، لما يترتب عليها من جبروت، ومن نظام يزيل الإيجابيات المحققة من حرية وكرامة وتوزيع عام للخيرات المادية.

وكان التخوف من نشؤ دولة (فرعونية) مبثوثاً بقوة في ذلك الإرث، فهي تؤدي رغم الإنجازات العابرة إلى عبودية دائمة وإنهيار شامل للاستقلال العقلي والحرية الفردية والقانون.

وضعٌ مثل ذلك كان سوف يعلي قيم الحداثة من عقلانية وديمقراطية، لكن ذلك لم يتحقق لأن دولَ الأغنياء نشأتْ واستمرت ليومنا هذا.

ولهذا يجد التقدميون أنهم يعملون لتلك الغايات المطموسة خلال ألف سنة، ولم تستطع الاستعادات للخلفاء الوامضين في تاريخ دول الأغنياء المتسلطة كعمر بن عبدالعزيز ويزيد الناقص وغيرهما أن تستعيد ذلك الإرث، لكون الزمن رسخ دولة الأغنياء الأموية، ثم ازدادت رسوخاً بظهور دول أخرى كثيرة، وكانت تلك الاستعادات تبدو بشكلٍ مثالي، بالعودة إلى (زهد) الخلافة، والعدالة القانونية، ومساعدة الضعفاء وغيرها من وسائل مفصولة عن قواعد الإنتاج، والتي تغلغلت في الحركات الدينية المعارضة لهذا النظام بأشكال سلبية عبر اللجؤ للعزلة والتصوف، وإقامة دويلات خارج النظام العام، زادت الوضع سؤاً.

لم يقرأ المعارضون والمماثلون الطائفيون إن القضية هي في تغيير قوى الأغلبية التي صارت محبوسة بالفقر والعبودية والقهر الثقافي، والعزلة عن الأجهزة الحاكمة ومسؤليات النظام العام.

إن المال العام الذي أُخذ منها جعلها تفتقد تلك الميزات من عقلانية وديمقراطية، في الحياة العامة وداخل حياتها الخاصة، فخلق المالُ العامُ (المسروق) ظلمَ الأغلبية النسائية والفلاحين وجير العقول لمصالح الدول.

وقد وعى بعضُ رواد النهضة الإسلامية في العصر الحديث جوانب من تلك المفارقات في التاريخين الإسلاميين المؤسس والوسيط، فأيدوا ظهور الحريات الفردية وبعض جوانب الحداثة والديمقراطية، وقد تدفقت بعضُ هذه الحريات بقوة في العصر الحديث في ظل نمو ليبرالية تجارية عربية، وتوجهات غربية للاستيلاء على الأسواق الداخلية.

وكان من شأن ذلك حدوث حريات ثقافية وسياسية بدون جذور كبيرة في الاقتصاد، فاستمرت الأغلبية من نساء ومزارعين في سطوات الإقطاع المختلفة، بل حدث تدهور هائل في نظام حرفي ونظام زراعي قديمين، وجاءتْ دولُ العسكر والحركات الوطنية لتحدث بعض التحول في الملكية العامة، لكن قوى العسكر العليا إعادت مضامين دول الأسر القديمة، وتحول الضباط إلى خلفاء!

وكما تستورد الأممُ الإسلامية الأشكالَ المفرَّغة من المضامين من الغرب، تستعيدُ الأشكالَ المفرغة من المحتوى من الشرق التراثي، في أنظمة متجهة لفوضوية ليبرالية، وطائفيات محمومة، والمال العام غدا ملكيات عامة منخورة، رغم إنه صار وسائل إنتاج عصرية للنفط والغاز والطيران الخ، وأراض واسعة ضمن مخططات البيع والهدايا والتصحر.

ولهذا فإن نمو الحريات عامل إيجابي، وتصاعد الملكيات الفردية الإنتاجية عامل هام آخر، ولكن لابد من القطع بينهما وبين المال العام، وجعل الثروة تتوجه نحو الأغلبية.

أغلب التوجهات السياسية تتوجه لتكريس دول الأغنياء، على حطام المال العام، أو عبر الاستيرادات والتصديرات لرأس المال الأجنبي، ولهذا فهي ترى التراث الديني بشكل شكلاني، وعبر مصالحها الراهنة المكرسة لذات الأنماط من الدول القديمة.

إن الاشتراكية الديمقراطية الراهنة العالمية تتركز في حماية المال العام، وتطوير القوى الإنتاجية المشتركة في كل بلد، ومنع فرض أي دين أو أيديولوجية، وعدم الوقوف ضد التملك الفردي المنتج، وإستيعابه ضمن خطط الاستقلال الاقتصادي والنهضة القومية.

إن خيار منع دول الأغنياء غير ممكن في هذه العقود، ولكن كبح تطرفها للمصالح الخاصة فقط، وعدم رؤيتها لمصالح الأغلبية، أمور غدت تفرض نفسها بقوة على كل دول العالم خاصة في الدول الرأسمالية الغربية الكبرى، قائدة الحداثة في هذا العصر، وغدت تحالفات الأحزاب التقدمية والنقابات وقوى أرباب العمل الديمقراطيين، تفرض نفسها وتشكل حكومات تضع نصب أعينها تلك المصالح للأغلبية المهدورة في عالم من التكالب على أجور العمال وشطف الأرباح بشكل هائل، ونخر المصالح العامة.

إن سيطرات طويلة لدول الأغنياء على مسرح المسلمين التاريخي لا يمكن أن تزول بسهولة، وقد جذرت ثقافة إغتراب عن مضمون ذلك التاريخ، وكرست طوائفية ورؤى غير عقلانية، وأرهابيات كثيرة، تعبيرات عن مصالح خاصة مرضية، وتشبثات حادة بالكراسي، ومقاومة ذلك على مستوى الإرث ومستوى الصراعات السياسية الراهنة، عمليات معقدة ولكنها غدت ممكنة.

العقلانية الدينية والديمقراطية

مثلما يناضل الاشتراكيون الديمقراطيون من أجل برجوازية ديقراطية في الشرق والعالم الإسلامي خاصة، فإنهم يناضلون من أجل الايمان العقلاني.

إن أشكال السحر والغيبيات غير العقلانية والاعتماد على الحظ والعيش في أشكال الشعوذة والخوارق المعيقة للتطور الديمقراطي هي كذلك مضرة بالايمان الديني الخلاق مثلما هي مضرة بالوعي الاشتراكي الديمقراطي.

لم يستطع الفلاسفة المسلمون إيجاد أرضية ديمقراطية على المستويين الاجتماعي والفكري، فلم يستطيعوا إنشاء تصورات عقلانية عن الإلوهية في ظل كون ومجتمعات سائرة عبر القوانين والسببيات.

كان هذا بحاجة للسيطرة على التاريخ المنفلت من بين الأيدي، وبحاجة لسلطات عقلانية عادلة توجه الموارد للتطور العام.

وجود سلطاتٍ ديمقراطية متنامية حالياً في العالم الإسلامي يتطلب نشوء ثقافات عقلانية توسع مدارك الجماهير وتدخلها في العالم الصناعي المتطور، فكلٌ يسيرُ بالأسباب والقوانين، من السيطرة على الأمراض والتخلف وبور الزراعة وحتى مقاومة بؤس الثقافة العربية الجماهيرية وكل هذا يستلزم معرفة أسبابها وطرق تغييرها.

إن إنهيار الزراعة ليس قدراً بل هو ظاهرة ذات أسباب إقتصادية وإجتماعية، وهي جزء من ظاهرة أكبر في تخلف الأرياف وتخلف العوالم العربية وتصاعد العلوم والصناعة والهيمنة في الغرب.

إن إنهيار الزراعة وضعف الأرياف العربية وتدهور حالات المنتجين وهجرتهم للمدن والخارج، وضعف الصناعة البديل الغائب لها، هي أسبابٌ ونتائجٌ في هيمنةِ وعي الحظوظ والقدرية والثقافة الجماهيرية التابعة، فهي تلقي الأسباب على الخارج والأوهام وأحياناً تبرر عجزها وكسلها بما هو مقدس، فيما أن الأوضاع لها سببيات تم تجاهلها وعدم العمل من أجل تغييرها، حتى غدا الجمهور العربي وليد الحظوظ والغربة والهجرات والتكدس في المدن وإنتظار المخلصين.

 يقول مرشح للرئاسة في مصر بأنه الله إستجاب لدعائه بسقوط الرئيس السابق، وهذا وعي سياسي مضلل، لأن سقوط الرئيس السابق هو نتاج تدهور البناء الاجتماعي، وسيطرة الأجهزة والبيروقراطية الحكومية على الأموال العامة وعلى حركة الاقتصاد، وثورة الشعب جاءت لتغير ذلك، ولكن المرشح لرئاسة الجمهورية من قبل الأخوان المسلمين يجعل سقوط النظام السابق أسطورياً، ولكن دون معرفة سببيات السقوط وتجنبها سوف تتكرر المشكلات.

إن ربط الواقع وقضاياه بأسباب خارجية هو شكل من رفض العقلانية الدينية وكون العالم له سببياته وقوانينه، وسببيات تغيير الواقع مرصودة بشكل عقلاني قرآني، وتطورُ قراءتَها العقلانيةُ الحديثة، وتضع الخطط لتغيير البناء الاجتماعي الذي أدى إلى ما أدى إليه.

ربط الدينين المحافظين التحولات بسببيات خيالية هو جزءٌ من التراث الفقهي القديم الذي رفض الفلسفة وفهم السببيات العميقة للوجود والأنظمة، فالدولُ التي أهدرتْ الأملاكَ العامة وأنتجت ضياعاً هي ذاتها التي شجعت فقهاً يرتبط بالقدر والحظوظ والصدف، وأفكارُ مرشح رئاسة الجمهورية المصرية جزءٌ من هذا الإرث، وتغييباً للتحالفات السياسية والاجتماعية القادرة على إنتشال البلدان العربية من أزماتها، وهي دعوة كذلك لقيام فصيل واحد بالهيمنة على النفوذ السياسي العام.

إن تدهور أحوال الفلاحين لم تكن صدفاً بل كانت نتاج سياسات زراعية لمصلحة القوى العليا والسلطات غاب عنها الإصلاحُ الزراعي مثلما دهورت الخلافةُ العباسيةُ الزراعةَ وحشدتْ المغولَ والسلاجقة والخوارج والأقوام الرعوية لدك المدنِ الإسلامية وسلبها ونشرت وعي الحظوظ والبركة والاعتماد على النجوم، وهي نفسها التي تجعل وعي الجماعات الدينية مشوشاً ميراثاً ووجوداً حاضراً لا يقرأ الريف.

بدون تحالف سياسي بين القوى السياسية اليسارية واليمينية لبرامج مشتركة في تغيير المجتمعات، وبدون وعي عقلاني مادي يقرأ الخرائط الاقتصادية والاجتماعية للتدهور وللبناء، وتتحالف معه القوى الدينية تاركة الخطابات السطحية متجهة للاستفادة من الوعي العصري، بدون ذلك سوف تكرر القوى الحاكمة الدينية الجديدة مآسي القوى المتفردة السابقة بمناهجها الحادة الباترة للآخر، وهيمنتها على الحكم والاقتصاد، ونظرتها الوحيدة التي لم تقبل بالتعددية.

ما تشير إليه القدرية وندرة الدينيين العقلانيين القيادين في المؤسسات والأحزاب الكبرى إن منهج القوى اليمينية المتفردة بالحكم والمصالح العامة سيكون هو كذلك تضييع للسببيات الحقيقية للتدهور الاقتصادي وبدلاً من بيروقراطية القطاعات العامة التي تحكمت خلال العقود السابقة وسببت هذه الأزمات العامة، سنجدُ تحكم قطاعات خاصة متفردة تقود لأسواق مضطربة وأزمات إقتصادية وسياسية عاصفة، ولن تكون في بلد واحد بل سوف تتغلغل في المنظومة العربية كلها. ونرى أن المنظومة العربية تتكون لكن من خلال القوى المالية الحكومية والخاصة من بلدان الخليج حتى مصر في تشكيلات تتسمُ بإقتصاد السوق غير المخطط له، وغير الداعم للقوى الاقتصادية المتوسطة والصغيرة الصناعية والزراعية الحرة والعمالية والمتسم بمناخ ديني محافظ والمعرقل للثورة الصناعية التقنية في العائلة العربية والمركز على الأشكال الربحية السريعة والطفيلية.

ويتجسد هذا في قوى دينية تريد دساتير على مستوى قاماتها السياسية وفي مناخ تفرض فيه حركتها المتفردة في القرار العام في كل بلد، بغض النظر عما تؤدي له هذه التصورات من فوضى سياسية وإجتماعية وتصادم بين البلدان.

تحدياتُ الحداثة في الوعي الديني

تواجه الأمة العربية وهي تعود لإرثها وبناها الاجتماعية مرة إشكالية الحداثة من خلال الوعي الديني المسيس، فهل يتخلى هذا الوعي عن الشمولية التي مشت بها كل التيارات السابقة وقادتنا لكوارث وموقف متجمد أم تكون له نقلته ويقبل بالحداثة الديمقراطية؟

قمة الصراع السياسي في العالم هو الصراع بين الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية وهو الصراع الجدلي الخلاق، أم غيره فهو إرتدادٌ للوراء.

فليس ممكناً التطور دون المصانع، وأي مصنع يلزمه ملاكٌ وعمال، وقد أضر بنا ذلك التداخل بين الدولِ المالكة والمصانع، وضاعت الأرباحُ والأملاكُ العامة.

الصراع بين ملاك المصانع والعمال هو الصراع التعاوني الذي أنتج الفكرتين السياسيتين الكبيرتين، فيما كان أختفاؤهما سبب للشموليات المختلفة وللكوارث التي تتالى في الأمة العربية منذ تحرك تونس وتتويج ذلك في سوريا حين صار البعث هو مالك المصانع والثروة فيما العمال يعيشون تحت خط الفقر، وغياب الحريات الديمقراطية والصراع الجدلي بين أرباب العمل والعمال، وكان الصراع بين الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية هو كان الضامن لتطور الانجازات الديمقراطية والثروة الوطنية.

فصار البعثُ يصارعُ الشعبَ كله فخسرَ الناسُ أرواحَهم وثروتهم معاً.

ولهذا فإن نموذج البعث الديني وصراعه ضد الحداثة والعلمانية وغياب صيغة الصراع بين الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية يغدو تكراراً رهيباً آخر.

أمامنا النموذجان الهندي والصيني في كيفية التعامل مع الحداثة والديمقراطية، ففيما قبلت الصين النموذج الشمولي ومنعت التنوع والصراع الجدلي بين الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية، فتعيش الآن ضمن ألغام كبرى سياسية غير قادرة على نزعها، قامت التجربة الهندية على التعاون الصراعي بين الجانبين الفكرين السياسيين للعصر، وأكدت ثورتها الصناعية والعلمية من خلال هذا التنافس، وتباينت الحكوماتُ الإقليمية والمركزية في أشكالِ وجودِها بين حكوماتٍ ليبرالية وحكوماتٍ إشتراكية تعمل في إطار وطني متعدد ومتطور، ولا توجد الملكية العامة المنخورة سياسياً وغير المراقبة كما هو حال الصين.

لكن الصين أمام ضخامة مشكلات الفقر والعمالة العاطلة وإنجاراته الكبيرة كذلك في النمو الاقتصادي كانت تتخلص بصعوبات جمة من الفهم الإيديولوجي الضيق لماركسية غير ديمقراطية غدت متحجرة فيها، وتتوجه لإعطاء هونغ كونغ حرية إختيار نظامها الخاص، فيما الرأسمالية البيروقراطية تشل الأجهزة الحكومية فيها عن التطور الديمقراطي في الصين الأكبر.

تسمح الأشكال الحديثة لمختلف القوى الاجتماعية بالتعبير عن نفسها وتطور مختلف أشكال الاقتصاد، وتسمح لمختلف أنواع الأديان والمذاهب بالتعايش معاً، وأثراء أبحاثها وتقاليدها بحرية كاملة.

فتعدد أشكال الملكية ووجود سلطات منتخبة متوجهة للقضايا الاقتصادية التحولية هو المهمة الرئيسية للحكومات العربية، فيما القضايا الفكرية والدينية من إختصاص القوى المدنية.

إثارة الصراعات المذهبية والفكرية في شعوب صغيرة ذات أسواق متواضعة تعيشُ أزماتِ التحولِ المختلفة، تؤدي لمزيد من تسول هذه الأنظمة للمساعدات، فيما تمثل الهند والصين عملاقة كبيرة من حيث السكان وضخامة الأسواق ومع هذا تبحث عن مصالحها وطرق تطورها الاقتصادية بدرجة أساسية خاصة الصين التي تحاول الخروج من مأزق الشمولية ولا تدري كيف وهو مأزق قد يفجرُ أزمةً شعبية في الصين أخطر بكثير من أزمة سوريا تحت حكم البعث، فهناك أكثر من 600 مليون عاطل وقضايا خطيرة كالفقر وصراع القوميات والأديان والمناطق.

وقد عانت روسيا ولا تزال تعاني حتى الآن من رفض نموذج الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية التعاوني الصراعي، فأوجدت إشتراكية متصلبة ثم تخلت عنها نحو نظام غامض لا هو إشتراكي ولا هو ليبرالي حر. وهي ذاتها تعيش المأزق السوري نفسه، في دولة هائلة والانفجار خرابٌ كبير فيها.

فيفترض في الأنظمة العربية الجديدة والقديمة كذلك الانتقال لهذا النموذج بدلاً تحويل النموذج الديني لشمولية كما فعلت روسيا والصين وسوريا، لكن لا يوجد ما يبرهن بأن هذه التجربة يمكن أن تزدهر عربياً في السنوات القادمة.

فروق عجيبة

ثمة فرقٌ كبيرٌ بين رجل الدين البوذي ورجل الدين المدعي بالإسلام، ذاك يعيش في غابة أو عزلة، وهذا يعيش في العاصمة بين الحكام والعبيد!

هذا البوذي يكتفي بطبقِ أرزٍ صغيرٍ أو بمعوناتٍ محدودة من المؤمنين، وهذا يعيش في فيلا أو منزل كبير، بين الخدم والحشم!

ذاك البوذي عاش بين جمهوريات كبرى يدعو للحكمة والتخلي عن الأموال والجواري والضياع وعدم قتل الحيوانات والبعد عن السياسة، وهذا مؤيد لسفك الدماء والتدخل في كل ساعة في شؤون السياسة ويطمح أخيراً في جعل إتباعه حكاماً وسلاطين وقتلة في الشوارع ومتدخلين في الضمائر ومتسائلين عن الإيمان والكفر!

 وفي حين ترك البوذي الديني السياسيين يشكلون  نهضات كبرى هائلة في الشرق، حقق هذا المتاجرُ بالإسلام الكوارثَ والتمزقات لبلدان المسلمين وحروبَ العصابات وتخريب المدن وتضييع الميزانيات وحروب البلدان ويحرق الإطارات في الشوراع لينشر السرطان والأوبئة بين المسلمين والسكان؟!

انظروا لحال الصين التي يعيش فيها مليار وثلاث مائة إنسان وحققت نهضة كبرى وصناعات وتغزو الغرب ببضائع القماش والدمى والسيارات، وهذا الذي يغزو الغرب بالطائرات التي تضربُ الأبراجَ الإقتصادية ويفخخ نفسه ويقتل الأبرياء ويضع المتفجرات في المطارات والطائرات ويصنع القنابل الذرية لكي يدمر بلدانه ويسحب الدم الأخير من فقرائه!

جاء هؤلاء بجراثيهم ينشرونها في الجو ويبشرون المساكين بالحلول النهائية لمشكلات الفقر والبطالة والفساد والكفر وجنوح النساء للرذيلة ولمشكلات الرقص والغناء واللعب على السواحل وشرب البيرة والغناء وغياب الحجاب وكثرة الإختلاط وغير هذا من مشكلات يبتكرونها نظراً لرعبهم من الحداثة وعجزهم عن التطور الإنساني، وخوفهم الأسطوري من النساء.

رجلُ الدين البوذي لا يخاف من النساء ولا من الجوع ولا من البطالة ولا من الحكومات، ويمشي بسيطاً في شوراع المدن، ليرفع طبقه من أجل كمية بسيطة من الأرز، ومستعد أن يحرق نفسه إذا أعتدت الحكومات الأجنبية على شعبه المسالم، وهي تضحية رهيبة  لا تصيب الآخرين بسؤ!

وهي أعمالٌ نادرةٌ قاسية رهيبة أتخذها الرهبانُ البوذيون في حربِ فيتنام وقنابل الأمريكان تنهمرُ على المدن! وأي إحتجاج كبير كان بالنفس؟!

 أنظرْ إلى رجل الدين البوذي هذا لا يَصعقُ الناسَ بأصواتهِ الحادة المزعجة، ولا يستخدم الآلات للبطش بالبشر وفرض كلامه، ولا يتصور أن الناس سوف تنحرف عن الدين في كل لحظة ولا يضربهم بسوطه، في حين أنظرْ إلى هذا المتاجر بدينك العظيم السمح كيف حولهُ إلى زنزانةٍ يسجنُ فيها العبادَ والبلاد؟!

ذلك لا يتاجرُ بالدين فأزدهرتْ بلادهُ، وتعاظمتْ خيراتهُ، وتعملقتْ شعوبهُ، وهو لا يملكُ لا نفطاً ولا ذهباً، حررَ النساءَ والشبابَ من سلاسله، وشعوبهُ بمئات الملايين، وهذا لديهِ النفطُ والذهبُ وقلة من السكان في بلدان واسعة ملآى بالأنهار والغابات والبحار، ولكنه عاشَ في خراب دائم، وحروب لا تتوقف، وكوارث كلما أنقضتْ قال هل من مزيد؟

                                   🌴

                                         🌻

                                         🍁

البنية والوعي

اختلف مع العديد من المفكرين حول رؤيتهم لمسار المجتمعات العربية الإسلامية الراهنة، ولاسيما مع المفكر اللبناني الراحل مهدي عامل في مفهومه عن [أسلوب الإنتاج الكولونيالي]، الذي أراد أن يجعله توصيفاً لمجتمعات العالم الثالث التي منها مجتمعاتنا.

وقد استفاد مهدي عامل من تطورات الفكر الماركسي في فرنسا، وخاصة تطورات البنيوية الوظيفية على يد غولدمان وآلتوسير، اللذين ركزا على مفهوم [البنية]، باعتبار كل مجتمع بنية خاصة لها قوانين تشكلها، غير المنفصلة عن قوانين تطور التشكيلة الاجتماعية ـ الاقتصادية التي تضم مجموعة من المجتمعات، والبنية ذات مستويات ثلاثة: اقتصادية وأيديولوجية وسياسية، وهي مستويات متداخلة، كل منها له أهميته التكوينية في مسار البنية، وبهذا ينتهي ذلك الفصل التعسفي بين الاقتصادي والفكري والسياسي.

وقد طبق مهدي عامل هذا المفهوم على مجتمعات العالم الثالث، رافضاً إنها مجتمعات إقطاعية أو رأسمالية، أو فقط مجتمعات تابعة، مقترحاً أسلوباً جديداً للإنتاج هو الأسلوب الكولونيالي، فهي مجتمعات تابعة، غير قادرة على إنتاج بورجوازية وطنية قادرة على تشكيل مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية.

وبطبيعة الحال هذه المقولة تكمل الوعي اللينيني باستباق قيادة البرجوازية وقيام العمال بتشكيل هذه الثورة.ويواصل مهدي عامل ذلك قائلاً بأنها تابعة للرأسمالية الأقوى، وبالتالي لا يمكن أن تقوم بعملية القطع في بنية التبعية.

وفي رأيي فإن مهدي عامل لم ينطلق من درس تطور المجتمعات العربية الإسلامية، أي ما هي أساليب الإنتاج في دول المشرق الذي صار عربياً، وكيف ظهر الإسلام وفي أي بنية وما هي تطورات هذه البنية.

إذا أخذنا مثالاً بسيطاً على مفهوم البنية، فنقول عن سلطة الاحتلال الإنكليزية في الدول العربية في بدايات القرن العشرين، هل كانت سلطة رأسمالية أم إقطاعية؟

إن قانون البنية هنا يقول بأن البنية الاجتماعية لها قوانينها الداخلية، وهي التي تستقبل المؤثرات الخارجية وتعيد تشكيلها داخلياً، فنحن قد نأخذ أداة غربية متقدمة ولكن شروط وجودها في بنيتنا الوطنية تعيد تشكيلها حسب قوانينها، فالتلفزيون المنتج يغدو عندنا أداة ترفيه، وكذلك فإن قائد الاحتلال البريطاني الذي يسجن من يقوم بتعدد الزوجات في إنكلترا حين تدوس أقدامه أرضاً عربية يقبل بهذا التعدد.

وكذلك فإن كافة المنتجات الثقافية والاقتصادية تخضع لإعادة التشكيل داخل البنية، فيغدو المستعمر البريطاني رئيساً لسلطة إقطاعية.وتغدو عمليات التحديث الرأسمالي المحدودة غالباً في بنية إقطاعية مهيمنة.لكن هذا الإقطاع عرف سيرورة خاصة تمثل تطور المجتمعات العربية الإسلامية، التي تغدو فيها المذهبية شكلاً دينياً محافظاً للصراع الاجتماعي.

ولهذا فإن تكون الفئات المتوسطة في مجتمعاتنا هو تكون تابع أولاً للإقطاع، فتبعيتها للإقطاع هو الذي يجعلها تابعةً للإمبريالية.إن عدم تجذر الخطاب الفكري والسياسي للفئات المتوسطة، يعود لهذه التبعية المركبة.

لو أخذنا المجتمع اللبناني كمثال لقرأناه بوصفه مجتمعاً إقطاعياً مذهبياً نموذجياً.فكافة الشرائح التي تبدو قوى برجوازية هي قوى لإقطاعية مذهبية ودينية مختلفة.الحزب الاشتراكي التقدمي هو يافطة للإقطاع الدرزي والمهيمنين فيه، أي أن الشريحة المتوسطة في الطائفة الدرزية لم تستطع أن تغير الإقطاع المهيمن عليها، أي أن تغدو جزءً من طبقة برجوازية قائدة، وهذا يحتاج لشروط اقتصادية، عبر تعاضدها مع الشرائح الوسطى في الطوائف الأخرى، وفكرية عبر إزاحة الوعي الطائفي المهيمن في الفكر السياسي الدرزي وغير الدرزي، وبقراءة نقدية للوعي الدرزي باعتباره إحباطاً للنضال الثوري عند الفلاحين المسلمين في العصر الوسيط وهيمنة للإقطاعيين على إنتاج هذا الوعي والسيطرة على الفلاحين الذي تقسموا وفقدوا قدرتهم على الكفاح الطبقي العام، وهو أمر يُعاد إنتاجه في المجتمع الإقطاعي اللبناني الحديث، عبر مستوى آخر من تطور البنية وتداخلها مع الهيمنة الأجنبية.

ويمكننا أن نأخذ الوعي الفرنسي الملبنن كنموذج يواصل متابعة المسألة على صعيد الوعي، ونرى كيف إن وعي الثورة الفرنسية المستورد إلى لبنان تحول إلى كهنوت، أي أنه لم تستطع أفكار ديدرو وفولتير وجان جاك روسو أن تطيح بسيطرة الكنيسة والملالي على الوعي. فلماذا صار ميخيائيل نعيمة صوفياً؟ ولماذا ترنحت الثورة الرومانتيكية عند جبران خليل جبران؟ ولماذا صار الحزب الشيوعي اللبناني تابعاً لحركة القوى المذهبية عوضاً أن يقود معركة لتشكيل مجتمع حديث لا طائفي؟ أي كيف غدت الماركسية ديناً وعقيدة ؟ أي لماذا لم تستطع الفئات الوسطى والشعبية فيه أن تغدو علمانية؟ أي لماذا ابتعدت أدوات مهدي عامل من الحفر والهدم للمجتمع الإقطاعي اللبناني الطائفي كتشكيلة حقيقية وليس كمجتمع كولونيالي؟

تكمن الإجابات في الحفر المزدوج الماضوي والحديث، عبر دراسات ملموسة في تكوينات المجتمعات وتطوراتها الخاصة، أي تحولها من كيانات داخل الإمبراطورية الإسلامية إلى كيانات وطنية، وكيف تمت التطورات والصراعات القديمة والحديثة، وكيف ومتى حدثت التغيرات في البُنى الإقطاعية في كل بلد بلد، وفي المستويات الثلاثة السابقة الذكر، وهل وصلت هذه التغيرات إلى الخروج من التشكيلة؟

إننا في لحظة تاريخية فكرية كبيرة هي إعادة لصياغة المفاهيم وانقلابها، وتاريخنا كله موضوع للحوار، لأن كتلته الجامدة صارت تعيق أمة كبيرة عن المشي في الكوكب الأرضي.

البُنى والأزمات

حين تتفتق بنية اجتماعية ضيقة وتتداخل مع تحولات مناطقية كبرى يظهر ذلك في سير الشخصيات والجماعات وتحدث تحولات غير مفهومة.

في زمن الامبراطورية الرومانية وفي مدينة القدس بدأ مخاض لتغيير عالمي. يتمظهر ذلك في عجز النجارين عن مواصلة أعمالهم وتحولهم لعاطلين ومشردين. يمكن رؤية سيرة يوسف النجار هنا كمثال.

كانت أحوال الاستغلال متفاقمة والنزيف يتوجه لروما، وأهل المنطقة بحاجة لمقاومة سياسية تحررية ونظام جديد.

اليهودية هي الدين السائد غير الأممي الضيق، وتنشأ المسيحية في هذه الظروف، النشأة متداخلة مع اليهودية التي اعتبرت التكوين الجديد جزء منها، وحاولت تهويد الجماعة الجديدة الطالعة بغموض.

أصرت على عودتها للطقوس والأشكال القديمة فيما هذه تخرج منها.

النجارة حرفة تتداخل فيها هندسة ورياضيات ولكنها لا تصل لمستوى علم حينئذٍ، ويمكن أن ينفك النجار عن مهنته ويدخل في الوعي الديني السائد.

حاصرت اليهوديةُ المسيحيةَ الوليدة طلبت منها البقاء في طقوسها والأختتان وعدم أكل لحم الخنزير وعدم التداخل مع الشعوب الوثنية، لكن الأزمة السياسية الاجتماعية بحاجة لأيديولوجيا أممية، بطرس الرسول قاوم ذلك وركز جهوده على الانفصال عن اليهودية.

نزعتان سائدتان كانتا تتصارعان، نزعة صوفية ميتافيزيقية توجه فهم المشكلات نحو الغيب، فلا حاجة لتحليل ومعرفة قضايا الناس، ويكفي هذه المشاعر الدينية الفياضة الصاخبة ضد الامبراطورية والتي تتحول لمعارك دموية.

ولهذا فإن عمليات الغيب والتغييب تتكاثر، تشد الجمهور للدخول في مواجهات، وتدخل الجمهور الأممي من غير الملل المعروفة في بوتقتها.

النزعة المعرفية المتأثرة بالفلسفة الإغريقية تحاول القيام بقراءة مختلفة، لكنها نزعة مثقفين نخبويين.

المسيحية الوليدة تتمكن من الانشقاق، ينفتح الدين الجديد على الشعوب، تفك قيود عديدة، ويصبح المسيحيون أعداء يُحاربون.

تتغلب الصوفية والميتافيزيقيا على الفهم العقلاني البسيط، تغدو الشخصيات الطالعة في الخضم المضطرب تعبيراً عن اضطراب مشرقي واسع، فالشعوب فقدت قواها الانتاجية، بعد النزيف المستمر لروما وحملاتها العسكرية التي لا تتوقف، والاضطرابات تؤدي إلى انهيار الامبراطورية الرومانية في قسمها الشرقي وتحولها للمسيحية، والتي تغدو أشكالها الرسمية والكنائسية مختلفة عن الزمن النهضوي التحولي الأول.

يستولي الأمراء والإقطاعيين على السلطة ويقننوا المسيحية في مؤتمرات وعقود تاريخية.

الضباب الإيديولوجي أعقبه تغلغل الطبقات العليا في السيطرة على الطبقات السفلى، وتمت إعادة الاستغلال بأشكال دينية جديدة.

فيا بقيت اليهودية دين منحصر في جماعات مغلقة إنفتحت المسيحية على المشرقيين والعالم وغدت ذات توجهين مشرقي وتوجه شمالي غربي راحا يتصارعان كذلك!

البُنى العربيةُ والثورات

تدهورت عقلياتُ العديد من المراقبين لسطوح الأحداث بسبب تكويناتهم السياسية المضطربة والذائبة في الجمهور العفوي والتي لم تتطور عقلياً بسبب تردي الثقافة والإنقطاع عن التحليلات المعَّمقة والدرس.

فهناك التعميماتُ المسطحةُ التي تُقال عن الثورات دون رؤية تنوع البُنى الاجتماعية العربية وكون كل واحدة منها ذات تطور تاريخي مختلف ومشترك مع المنظومة العربية، وترى الأحداثَ من خلال الوعي البسيط للجمهور العامي(المعلم)، الذي إستطاع أن ينقل العالم العربي نقلة تاريخية رغم أسره، ويُنتظر أن يتطور هذا الوعي البسيط لاحقاً بعد عقود من إحتكار الحكم والتوجيه.

إن أهم قضية محورية مركزية هي تحديد قوانين التطور الاجتماعي في كل بنية عربية وأهم هذه القوانين هو قانون الصراع الطبقي الرئيسي، فأما أن يُطرح هذا بشكلٍ إيديولوجي مُسقط من قبل الوعي السياسي على الواقع، وأما أن يُدرس بشكل حقيقي.

لقد قامت الرأسمالياتُ الحكومية الشمولية بأدلجة هذا الصراع، وجعله سابقاً بين الاشتراكية والرأسمالية، وهذا ما نراه في البنية الاجتماعية السورية حيث يُقال أنها بنية مقاومة أو إشتراكية!

لكن التناقضَ الرئيسي في البُنى الاجتماعية العربية هو التناقضُ بين الرأسمالية الحكومية والرأسمالية الخاصة. وفي كل بلد يكتسب هذا الصراعُ درجةً من درجات التطور المختلفة في البنية، كذلك يرتبط بالعلاقات الاجتماعية والسياسية والعلاقات بالخارج، فعلاقات الرأسمالية الحكومية بالغرب وبالرأسمالية الغربية ودرجة إستقلالية الجيش والطابع الاجتماعي للسكان كسيطرة الأشكال القَبلية أو الوعي الديني المحافظ أو على العكس توسع الفئات الوسطى المتعلمة ومدى إزدهار الرأسمالية الحاصة وقوى العمال والنقابات، فكل هذا يساهمُ في تطورِ التناقض بإتجاه الحسم الديمقراطي، أو بقائه في العنف الحكومي!

حين يُقال بأن التناقض الرئيسي ليس هو ذاك بل هو التناقض بين العمال والرأسمالية، نكون قد قفزنا عن مستوى البُنى الاجتماعية ودرجات تطور قواها الإنتاجية المتخلفة عربياً، والتي هي بحاجةٍ لتطوير طويل ونكون قد طرحنا أهدافاً تتجاوزُ مستوى الناس والطابع الموضوعي للاقتصاد.

إن التناقضَ الرئيسي في تونس ومصر كان واضحاً بين رأسمالية حكومية في مواجهة رأسمالية خاصة متسعة، أتخذ فيها الجيشان وضعاً محايداً بين القوى الاجتماعية السياسية المتصارعة.

لكن هذا لا يعني إن القطاعات العمالية والفلاحية والحِرفية لا تدخل في التناقض العام، لكن السؤال من هو القطاع القائد والقادر على خلق قفزة في القوى المنتجة والأحوال الاقتصادية لمختلف الطبقات؟

إن هذا التناقض الرئيسي لا يظهر للناس بل ربما حتى للقوى السياسية، فهي تضعُ تصوراتَها وأحلامَها ورغباتها بدلاً من الواقع الموضوعي، كما أن التصورات الإيديولوجية الحادة تعكس رغبات مغامرة في لي التطور خدمةً لهذه القوى.

ومن هنا فبعض القوى اليسارية تبالغ في دفع التناقض لإزاحة الرأسمالية الخاصة وإعادة الرأسمالية الحكومية بشكلٍ موسع وقاهر، فيما تتوجه قوى أخرى لشراء الأملاك الحكومية أو بيع القطاع العام، لكن الانتخابات والصراع السياسي العقلاني لا بد أن يضع مصالح البنى الاجتماعية وتطورها الموضوعي المدروس قبل أن تتوجه كل قوة سياسية لفرض نفوذها.

إن حيادَ الجيشين التونسي والمصري في عملية الصراع قد ساهم في حل سريع وبخسائر محدودة، كذلك فإن جسمي الطبقة الوسطى في كل من البلدين قد طورَ ذلك، فيما أن اليمن لم تستطع إيجادَ طبقةٍ وسطى شبه واضحة وقطاع خاصٍ قوي، فبقيت البنيةُ الاجتماعيةُ قَبلية تائهةَ الملامح، كما أن إنقسامَ الجيش في اليمن وعدم وجود نخبة ديمقراطية موحَّدة من الضباط الكبار أدى لتحول الجيش بيد فريقين هما العائلة الحاكمة وعائلة الأحمر، وكلُ من جهتهِ يسحبُ الجيشَ لصالحهِ وتحدثُ معاركَ وعمليات إستنزاف حادة. إن غياب الحد الأدنى من الوعي النهضوي الوطني المشترك العقلاني في الطبقة الحاكمة اليمنية جعل البلدَ في مهبِ العواصف الفوضوية العاتية. إن هذا يعبرُ عن ميراثٍ لتاريخ  سابقٍ من النزاعات والحروب الأهلية والقَبلية التي غيبتْ تلك الحدودَ الدنيا من الوعي الوطني المسئول.

وإذا كانت سوريا قد صعّدتْ من القطاع الخاص وأوجدت طبقةً وسطى ذات جذور تاريخية حضارية، فإن سيطرة العسكر الحزبي الشمولي العنيف خلال أربعين سنة قد جعلها فُتاتاً سياسياً، وأدى لتحول القطاع العام فريسةً للحكم، وطُحنت الفئات الفلاحية والعمالية والانتاجية الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة، ولهذا فقد قام الجيشُ المؤدلجُ حامي اللصوص بذبح الشعب.

وهو الأمر الذي جرى نفسه في ليبيا ولكن من قبل عائلة صغيرة ورئيس مهووس، أمكن لتعاون القوى الشعبية والدولية من كسرهما.

إن تشكيل قوى واسعة لأجل قيادة القطاعات العامة للتطور الاجتماعي المخطط والناهض بقوى الإنتاج البشرية والمادية، وبالتعاون الديمقراطي مع القطاعات الخاصة، وتفجير قوى الثقافة والعلوم ومختلف قدرات السكان، هي المهمات التي ينتظر أن تُفعل خلال الحكومات البرلمانية القادمة العربية.

أشكال الوعي في البنية التقليدية العربية

إذا كانت البُنى العربية التقليدية بُنى إقطاع ديني، لكون الدين هو الشكل الوحيد المناسب لظهور وتجلي صراعات هذا التاريخ البشري الخاص، فإن هذا الإقطاع الديني يصير إقطاعاً مذهبياً، أي يقوم فيه العرب المسلمون بالصراع بينهم وبين أنفسهم كقوى ومستويات اجتماعية عبر المذاهب، وبينهم وبين الأديان الأخرى عبر الدين العام.

ولهذا فإن كافة مستويات البنية التقليدية تغدو مُسيسة، فلا توجد حركات دينية غير سياسية، ولا يغدو الدين الشعبي الجماهيري كذلك غير مسيس.

ومن هنا فإن هناك إقطاعاً دينياً سياسياً يهيمن على البنية التقليدية، وهو يشكل الأنظمة السياسية عبر التاريخ، ومن هنا كذلك فلا توجد مدينة عربية إسلامية حرة، أي ديمقراطية وحداثية، لأنها كلها خاضعة للإقطاع السياسي المتحكم عبر التاريخ، وهنا الفارق بين مدننا وبين المدينة الغربية البرجوازية التي نمت كمدينة حرة،  فهذه الأخيرة قد نشأت في عملية تاريخية لتغيير سلطة الإقطاع الديني والسياسي، أي لتحويل مجمل البنية التقليدية، عبر الفصل بين الدين والدولة، وجعل المدينة حرة من سلطة دينية سياسية مُسبّقة.

والأمر ليس تحرير المجتمع من الدين، ولكن تحرير الدين من الدكتاتورية السياسية. وتحرير السياسة من الدكتاتورية الدينية.

ولهذا فإن علينا أن لا نرى فترات ازدهار المدن العربية الإسلامية بالتجارة وببعض الحرية الفكرية والسياسية باعتبارها انقطاعاً عن الهيمنة الإقطاعية المستبدة، أو تحولاً نوعياً فيها وانتقالاً إلى كونها مدناً حرة، كما يوهمنا الكتاب السطحيون، حين يتحدثون عن فترات النهضة في الدولة العباسية أو في العصر الحديث، بل الأمر لا يعدو أن يكون وفرة مالية لدى الإقطاع السياسي تتيح له تحريك الحياة الثقافية والفكرية باتجاه مصالحه.

  إن الإقطاع السياسي المهيمن على أجهزة الدولة العليا يتيح للإقطاع الديني الهيمنة على المستويات الاجتماعية، خاصة على وضع القبيلة / الأسرة ومورثاتها الذكورية والثـقافة الجماهيرية، وغالباً ما يحدث الصراع بين الإقطاع السياسي الحاكم والإقطاع الاجتماعي، وكلاهما يحكمان مستويات البنية المتعددة، حين تنضب موارد الدولة أو تضيع في قنوات وشرايين الدول الفاسدة.

ولهذا فحين يستولي المأمون على السلطة من أخيه الأمين، أو حين يستولي الضباط الأحرار على الحكم في مصر، فإن البنية الإقطاعية / المذهبية لا تتغير، والمدينة الحرة لا تنشأ، فدور الدولة المركزي وهيمنتها على الأملاك العامة، وسلطتها المكرسة غيباً لا تتبدل.

وحين يقاوم الإقطاعُ الديني المأمونَ بسبب عمليات تحديثه فذلك لأن يصرف المال العام على بطانته، المجلوبة أغلبها من فارس، ولهذا فإن الإقطاع الديني المتحكم في البنية الاجتماعية وأغلبه عرب وجدوا أنفسهم بمنأى عن السلطة السياسية والمال العام، يصارع هذا التحكم ويتخذ من قضية خلق القرآن مظهراً للصراع على غنائم الحكم.وحين يقوم الواثق بانقلابه فإن شيئاً من الاستغلال والفساد لم يتغير، غير أنه قرب رجالات الإقطاع الديني وأجزل لهم العطاء.ولأن بطانة الإقطاع فارسية، إمامية، زيدية، اعتزالية، تزدهر لدى عامة بغداد المذاهب السنية.

ولهذا أيضاً حين يقوم الضباط الأحرار بانقلابهم ويحدثون إصلاحات مهمة فإنهم لا يخلقون مدينة حرة، لأن هيمنتهم على المال العام تتصاعد ويغدو جهاز الدولة تابعاً لفئة صغيرة تتحكم في كيفية توزيع الثروة، ونظراً لدور قيادتها الوطنية المناضلة فإن مشروعات شعبية كثيرة تتحقق، ووصول جانب من المال العام للشعب، لم يكن يعني أن يكون هذا المال تحت إدارته، فقنوات الدولة المهيمنة هي التي تظل تتحكم فيه، وبالتدريج ينتقل إلى جيوبها.

إن البنية الإقطاعية الدينية لم تتغير، وكان توغل الدولة وهيمنتها داخل المستويات الاجتماعية واتجاهها لدمقرطة وتحديث الأسرة، باعثاً لاصطدامها مع الإقطاع الديني المهيمن في هذه المستويات.

إن الشعب لا يستطيع أن يكون حراً مع دولة دكتاتورية، حتى لو فرشت الأرض ذهباً تحت أقدامه.

إن كافة العناصر الفكرية التي تولدت داخل البنية العربية التقليدية أو التي جاءت من خلال التأثيرات الأجنبية عبر اليونان أو الهند أو الفرس في القرون السابقة، أو الأفكار الحديثة التي جاءت من الغرب الرأسمالي أو الشرق ( الاشتراكي )، كلها خضعت لقوانين هذه البنية الإقطاعية، التي نحت عناصر وأبقت عناصر، تبعاً لوظيفيتها الخاصة.

بل وحتى الثورة المحمدية التي كانت سابقة قبل تشكل هذه البنية التقليدية تم إبعاد عناصر منها جوهرية، رغم إن تلك الثورة هي التي تمثـل مشروعية هذه البنية التقليدية حسب وعي هذه البنية نفسها .

 إن قوانين الثورة المحمدية الثلاثة تم تجاهلها، وهي التحالف بين التجار المتوسطين والعاملين، وربط تطور الثورة بتقدم الجمهور المادي والمعيشي والثقافي، ووجود برنامج نهضوي تحولي ل ( لأمة ).

والفارق بين لحظة الثورة المحمدية ووجود مدينة حرة في الجزيرة العربية، وبين زمن البنية التقليدية، هو فارق التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية، حيث أن العرب الرعاة الأحرار لم يهيمن عليهم نظام استغلالي سواء عبودياً كان أم إقطاعياً، ولكنهم حين انتقلوا إلى الشمال العربي، وحدثت تحولات اقتصادية وسياسية كبيرة، دخلوا في المنظومة الإقطاعية، متجاوزين العبودية كتشكيلة اقتصادية اجتماعية، لكن ظلت العبودية تتجرر أذيالها الثقيلة.

وحينئذٍ، أي في زمن الإقطاع، فإن كافة الأفكار الُمصنعة محلياً أم المستوردة مناطقياً وعالمياً، خضعت لقوانين البنية وتطورها.

إن كافة التيارات المعارضة والدول لم تستطع إعادة إنتاج الثورة المحمدية في الظروف الجديدة. فالأعمال البطولية للأئمة والمغامرات الفردية ثم الانتفاضات عجزت عن الوصول لمفاتيح تلك الثورة، فالقدريون والمعتزلة لم يفهموا أهمية التحالف بين التجار والعامة، ولم يعرفوا كيف يربطون بين ثورتهم النخبوية وجمهور الفلاحين عبر تغيير طابع ملكية الأرض أو الخراج ، وحتى عندما أخذ العوامُ دوراً كبيراً في أعمال القرامطة والزنج فإنهم كانوا عواماً لصوصاً ولم يطرحوا برنامجاً لإزالة اللصوصية من هيمنة الدولة الإقطاعية.

ونستطيع أن نعرف لماذا انتصر معاوية بن أبي سفيان سياسياً على جيش الدولة الشعبية لأن هذا الجيش لم يربط انتصاراته بتوزيع الغنائم والمكاسب على الجنود والجمهور، في حين كان معسكر معاوية يغدق العطايا عليهم. وكذلك لم يكن لجيش  السلطة الشعبية برنامج تحولي جديد، وبهذا تخلى جيش السلطة الشعبية عن قوانين الثورة المحمدية وبالتالي هُزم.

ولهذا حين كان الخلفاء ( المتنورون ) يطرحون سياسة  ثقافية جديدة نهضوية لم تكن تنجح هذه السياسة، بسبب أنها تقوم على استغلال بشع للجمهور المنتج، فإذا كان هذا الجمهور أمياً، وخرافياً في وعيه، فإنه سيتأثر بالسياط والدجل أكثر منه بالقراطيس ذات الثمن الغالي التي ينسخها النساخ بصعوبة وتنتشر بين نخبة محدودة،  فالتنوير لا بد أن يترابط وتحرر الجمهور من الأمية والفقر الشديد، وكيف يتحرر من ذلك دون تغيير جوهري في شروط الإنتاج ؟

ولهذا فإن تقارب الدينان المسيحية الشرقية والإسلام، وتقارب المذاهب المهيمنة سياسياً، وغربة الفلسفة وضياع المتصوفين، لا يعود للعناصر الثورية والديمقراطية الجنينية فيها، بل لقدرة البنية المحافظة على انتزاع تلك العناصر وإخفائها في ركام من الاغتراب والنصوصية الشكلانية، بدلاً من توظيفها في مرحلة جديدة. أي عدم القدرة على ربطها بنضال الجمهور  وتقدمه.

إن بقاء نموذج الثورة المحمدية ملهماً للعرب والمسلمين يعود لقدرتها على نقلهم من تشكيلة إلى أخرى، واتساع التحالف الاجتماعي المتحقق بين التجار النهضويين والكادحين، وطرح برنامج تحولي لأغلبية القطاعات.

 وفي العصر الحديث قامت الليبرالية المستوردة من الغرب ببعض الجوانب التطورية في هذا الجانب،حيث رأينا تحالف الفئات الوسطى والعاملين، وتم طرح برنامج نهضوي لكن الليبرالية عجزت عن هدم البنية الإقطاعية، ورأت في الإقطاع الديني بأنه هو الإسلام، فعجزت عن رؤية جذوره في الثورة المحمدية، أي عجزت عن رؤية جذورها كليبرالية في المرحلة الثورية الإسلامية التأسيسية.

وهذا يعود لغربتها الغربية، أي بسبب نقلها الميكانيكي لأدوات معرفية وسياسية مستوردة، فهي لا تنقل مناهج بل أشكالاً فوقية غير متجذرة في الأرض، أي تستورد أشكالاً برلمانية وأشكالاً حزبية الخ.. لكن هذه في وجودها غير المنقول ،ليست أشكالاً، هذه بنية متكاملة، فالأمر ليس في نقل قلب سليم إلى جسم مريض، بل في تغيير الجسم كله.

وطبيعة النقل الشكلية لدى الفئات المتوسطة يعود لطبيعتها الاقتصادية / الاجتماعية. أي على كونها فئات تجارية ، زراعية، عقارية وإلى صناعية بدرجة أساسية. وهي من هنا تقوم بتشكيل فلسفة انتقائية، نفعية، وليس فلسفة تحولية جذرية.

إن الوعي الليبرالي وأشكاله الفكرية المتعددة، من فلسفة سياسية وأدب وفن وعلوم، عجزت عن التنوير والتحويل الاجتماعي والثقافي للجمهور العربي، وبقيت الهياكل الإقطاعية الدينية متحكمة فيه، مما أدى إلى أزمة هذا الأشكال الفكرية النهضوية.

أي أن القضايا الاقتصادية والاجتماعية للثورة الديمقراطية لم تتحقق، مثل حرية الفلاحين والنساء والدين. وبقي الإقطاع الديني مهيمناً على الوعي.

إن الفارق بين الثورة المحمدية والثورة الليبرالية العربية الأولى الحديثة، رغم إن الطابع التجاري كان مشتركاً بين تكوينيهما الاجتماعيين القياديين، هو في قدرة الأولى  في الاستناد  إلى الجذور الفكرية للمنطقة، أي قيامها بإعادة إنتاج للفكر ( الوطني التحرري ) المحلي المناطقي، لكن الليبرالية المعاصرة لم تفعل سوى نقل المنتجات الغربية. أو العودة إلى حمى الإقطاع المذهبي، عبر قيام كل فئات وسطى عربية إسلامية، بالارتكاز إلى إرثها المحلي الضيق. فمرة تلجأ إلى سوق مسيطر عليها غرباً، ومرة تلجأ إلى إقطاع مهيمن عليها و(مقطع ) لسوقها الواسعة الُمفترضة.والشكلان لا يقودان إلى تراكم، تحتاجه إعادة تشكيل الهياكل التقليدية المعرقلة لنمو رأسمالي تحولي جذري.

وهكذا يغدو الإقطاع الديني حين يكون مسيحية شرقية، أو مذهبية إسلامية، مصمماً على تقطيع أوصال الأمة، أي أن شبكات المذاهب تعود إلى عرقلة نمو سوق موحدة وطنياً وعربياً، في حين إنها ترتكز على الإسلام، دون أن تعي إنها ترتكز على الإقطاع. أي أنها بعدُ لا تكتشف جذورها المتصلة بالثورة المحمدية.

حين عجزت أشكال الليبرالية العربية الحديثة الأولى عن حل مهام التحديث والتحرر، برزت رأسماليات الدولة العربية المختلفة، وفي الزمن الأول كانت متجهة إلى اليسار وأدبياته، والآن إلى اليمين وأدبياته.

قامت رأسماليات الدولة في المرحلة الأولى ( ناصريون، قوميون ، بعثيون، جبهويون جزائريون، استقلاليون تونسيون الخ..)، على وعي الهيمنة الحكومية، فجعلوا من ماكينة الدولة في كل قطر وسيلة لتشكيل الرأسمال الصناعي المفقود، معضلة العرب الأولى، وقد قادت هذه إلى سلسلة من نظريات التدخل الحكومي في الاقتصاد والحياة الاجتماعية والفكرية.

لقد أفرزت في المجال الفكري مجموعات من الأفكار المؤيدة للشمولية، وقادت في النهاية إلى هيمنة الأفراد المطلقين، ومن ثم العودة إلى وعي  الإقطاع السياسي / الديني. إن الوحدات الوطنية لم تتشكل، والتصنيع الشامل لم يتحقق وتحول إلى مديونيات كبيرة، وواصلت الثقافة الجماهيرية رحلة الخرافة والأمية وعادت الأشكال القديمة في الإبداع الخ..

لم تستطع رأسمالية الدولة اليسارية أن تـُنجز ما وعدت به، لأن وعيها رفض مجابهة الإقطاع السياسي / الديني، بل أنها ورثت أشغاله الاقتصادية والاجتماعية والإيديولوجية، فتملكت الموارد وحددت أهداف النصوص الدينية على هواها السياسي.

إن رفضها لتحويل التصنيع الثقيل إلى قوة أساسية في الاقتصاد الوطني، يعود لارتكازها على فئات وسطى استغلالية، هي الفئات البيروقراطية والعسكرية المتنفذة، التي ترفض التضحيات وإعادة تشكيل الاقتصاد والحياة الاجتماعية والثقافية بشكل جذري، مما قاد مع غياب الرقابة الشعبية إلى تدهور القواعد الصناعية التي شكلتها، وإلى بعث حركات الإقطاع المذهبية المختلفة، التي بنت نموها في هذه الأقطار ( اليسارية ) على العداء للحداثة والتقدم، ومرتكزة على الأخطاء والهزائم التي واكبت هذه الأنظمة في بعض معاركها ونظامها.

ولا يمكن أخذ هذه اللوحة بعين الاعتبار دون رؤية صعود رأسماليات الدولة ( (اليمينية) حيث أتاحت الثروة النفطية ومحاصرة وهزيمة رأسماليات الدولة في العالم الشرقي، صعود هذه الأنماط من رأسماليات الدولة اليمينية المكرسة لتقوية العلاقات ما قبل الرأسمالية أي للإقطاع، وكذلك للرأسمالية الغربية.

وخدمة رأسماليات الدولة هذه لهذين الجانبين المتناقضين، حدثت بسبب ضعف الهياكل الاقتصادية في هذه الدول، الصحراوية والريفية، مما قاد إلى كونها سوقاً للبضائع العسكرية، والاقتصادية الأخرى، ورأس مالاً مالياً لخدمة التصنيع الغربي، وأدت إلى ازدهار أشكال رأسمال غير الصناعي، وبالتالي عودة البذخ الأسطوري للخلفاء والنخب اللاهية والفاسدة سياسياً وذوقياً، مما أدى إلى إنهاك القطاعات العامة الحكومية وتحميل الشعوب فاتورة الحروب والفساد والاستغلال .

وقد قاد هذا إلى هيمنة أشكال وعي قديمة كان يبدو للوعي السطحي بأنها انتهت، وكذلك تم اسيراد أشكال الحداثة الغربية الفارغة من المضامين التحويلية. وقد انتصر عربياً نموذج رأسمالية الدولة اليمينية المكرسة لعودة الإقطاع المذهبي، فظهر أمير  المؤمنين في أفغانستان والكثير من أمراء المؤمنين، ليتحول البرنامج الطائفي إلى حقائق دموية.

إنه كلما تخلى الإقطاع الديني عن قوانين الثورة المحمدية كلما أو غل في التطرف ضد الحداثة وتقدم المسلمين، أي حين يزداد شكلانية وتعصباً. فكلما تنامى تخلفاً في مواقعه الصحراوية والريفية كلما أزداد تقوقعاً وعداءً، وحين يتحد أكثر بقوة الإقطاع السياسي الحاكم الذي حصل على موارد وفيرة، فإنه يزداد ضراوة في الدفاع عن امتيازاته واستغلاله للجمهور. بل أيضاً يتطلع إلى الوصول للحكم.

إن الانقطاع عن تقاليد الثورة المحمدية قادت إلى الأحكام الحرفية والنصوصية الجزئية المبتورة عن سياق العصرين، ولهذا فإن مذاهب اللاقياس التي هيمن الإقطاع فيها بقوة، تغدو مثل مذاهب القياس التي لم تنتصر فيها الثورة النهضوية. ومع تنامي قوة الإقطاع الديني فإنه يزحف على كل ظاهرات الوعي والثقافة ليعيد ربطها لأحكام سيطرته.

مهما حدثت من أعمال نهضوية وتنويرية واقتصاد مخطط واقتصاد دولة فإن بنية الإقطاع لم تتبدل.أي حين يعتمد الآن على رأسمالية دولة جديدة وتنوير آخر فإن الأمر لن يغير من أسس البنية. لا يمكن إلا الخروج  عن طريق تأسيس بنية اجتماعية جديدة  أسسها العلمانية والديمقراطية والحرية الاجتماعية كنظام متكامل.

 وقد تغلغلت بُنى النظام التقليدي في الأحزاب الليبرالية و(الاشتراكية) و(الشيوعية)، فرفض بعض هذه الجماعات التحول إلى النظام الحديث، ربطها بأنظمة الإقطاع المختلفة، وطرحها عملية القفز على الرأسمالية كانت دفاعاً عن وشائجها مع البنية التقليدية الطائفية، ولهذا أخذت مفرداتها الديمقراطية تتهاوى، فتصبح الأنظمة الجمهورية ملكية، والديمقراطية المركزية تصبح مركزية، والقادة السياسيون الوطنيون يصبحون أبوات وقادة طوائف، وتغدو القوالب الفكرية المستوردة غير قادرة إلى التحول إلى مناهج بحث تلتحم بالبنى العربية تحليلاً واكتشافاً .ويترنح الشعر الحديث، ويعود الشعر التقليدي وتغدو الأنواع الأدبية والفنية من أدب قصصي أو مسرحي أو فنون تشكيلية نخبوية منعزلة.

البنية الاجتماعية والتراث

يستمر التراث القديم لأن البنية الاجتماعية التي شكلته مستمرة حتى الآن. فالذين يريدون تغييرالتراث، اي جعل الموروث المتجدد والمعاد إنتاجه متغيراً وذا صياغة جديدة، عليهم تغيير البنية الاجتماعية.

لقد ورثنا سلطة متسلطة منذ أقدم العصور، وهي التي تتدخل في كل

شيء في حياة المواطن، ومع هذا فإنها لا تعطي إلا الذي يتبعها، وينساق وراء مشروعاتها، التي تكون نهضة أحياناً لأنها تمتلك بعض النقود التي تصرفها علي مشروعات البناء، والتي تكون أحياناً دماراً بانسياقها وراء الحروب.

لكن هذه السلطة هي التي تقرر صرف الثروات وتحديد الأخلاق والواجبات الخ.. السلطة هي التي تحدد تشكيل الجماعات الاجتماعية، من تجعله باذحاً ومن تجعله فقيراً. من تجعله فوق السحاب ومن تجعله تحت الثرى.

ومن هنا فهي سلطة أبوية، متحدة بالجهازالسياسي المطلق، ذكورية، تستند علي العضلات، لأنها تقوم علي التمتع بفوائض الطبيعة وانتاجها القريب، وليس على أساس تصنيعها.

ولهذا شكلت السلطات المتعاقبة علي مر التاريخ، وهي تقوم بنسخ ذواتها وتكرار أنماطها الأساسية، وعياً دينياً تقليدياً، هو هو في شتى المذاهب والديانات، يقوم علي جعل السلطة المطلقة ورمزها أو رموزها، متدخلة في كل شيء في حياة المواطن، فهو مراقب حتي في بيته، أو تحت فراشه، خاضع للثواب إذا تقرب منها، خاضع للعقاب إذا تمرد عليها، وهناك ناموس للتقرب وللتمرد.

الدول المهيمنة على الأرزاق، مهيمنة علي المقادير والأقدار، تحدد أحجام الحياة والموت، أي متى تكثر المواليد إذا استغلت بكثرة وأرادت أن تخوض حروباً، ومتى تتخلص من المواليد إذا دخلتها فعلاً، أو إذا تقلص بيت المال.

بيتُ المال له حاكمٌ مطلق، لا يُسال كم فيه وكم صرف منه، وكم بقي منه، فهو يهب من يشاء أملاكاً، أو يأخذها منه، أو يحدد أحجام الفئات المستفيدة والمتضررة، فكل شيء مرهون بإرادته..

الآداب والفنون والعلوم والفلسفات تدور حول هذا المركز المطلق، فالمستويات الفكرية والاجتماعية من البنية الاجتماعية، مُشكلة حسب تلك المعانى والدلالات، فهى ليست صدىً مباشراً ولكنها متشربة بعروقها الداخلية، يضخُ لها نفس الدم، فتموت العلوم والآداب إذا غضب وليُ النعم، وتزدهر إذا تكرم وأعطى، فُتقاس عهود النهضة بابتساماته، وكرمه، وتقاس عهود التخلف بغيابه وانتشار البخلاء والضعاف والقساة من الحكام.

والشعب ليس شعباً بل قطيعاً مربوطاً بحظيرة الحكم، يعيش طوال عصوره منتظراً طلوع المخلص، أي حاكماً عادلاً أبدياً مطلقاً من خياله الصافى، ولكن المُكّدر بنفس الطين التراثي، فهذا المنتظر العادل المخلص هو فرد ذكر أيضاً، لأنه فى الثقافة الاستبدادية الذكورية العريقة لا يمكن أن يكون المخلص امرأة، لأن الإنتاج لا يزال بالعضلات، ولهذا فإن الشعب

المربوط عند حظيرة النظام الاجتماعي التاريخي يحلم بفرد آخر، ينجز الانتقال من عصر الظلم إلى عصر العدالة. دون أن يطرأ على الإنتاج تغيرات ما، لأن البنية التقليدية تقوم على اقتصاد زراعي ورعوي وحرفي أو صناعي حكومي، فلا تقوم بتغيير ثوري في العلاقات الاجتماعية، والأبنية الفكرية.

في البنية الاجتماعية العربية الحالية يستمر الحاكم في السيطرة علي موارد الثروة، فيستمر التراث القديم، فرغم غياب الإبل والخيول وتراجع دور الزراعة، إلا ان ولي النعم لا يزال يتعامل بثروة باطن الأرض مثلما تعامل مع ثروة سطح الأرض، فتغير شكل الثروة وليس الإنتاج الذي يتداولها، تبدلت الفواكه والخضراوات، بالماس والفوسفات والزيت.

ومن هنا فإن أشكال الحياة الفكرية والاجتماعية العتيقة تواصل الحياة، ويستمرالموتى في تحديد طرق الحياة لأجيال الأجهزة الكومبيوترية، مثلما عاش قرناؤهم السابقون والعلماء والشعراء تابعين لبيت المال وتتشكل نظرياتهم وقصائدهم في ظلاله.

البنية الاجتماعية القديمة تستمر فتعيد إنتاج حياتها الأولي بتكييف قليل، ولهذا فان تغيير التراث يبدأ من تغيير البنية التي صنعته علي مدى آلاف السنين، وهذه عملية مغايرة وطويلة.

البنية العربية التقليدية تكونها وسيرورتها

على مدى قرن التنوير العربي الأول المتشكل من أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وحتى جهود التنوير الراهنة التي تشكل المحاولة العربية الثانية للخروج من الحياة المتخلفة التقليدية، لم يعرف الباحثون والمناضلون ما هو الوضع الأساسي الذي يريدون إخراج الأمم الإسلامية والشعوب العربية منه.

لقد وُضعت مصطلحات محددة عديدة لتحديد البنى الاجتماعية العربية فى الزمن الأخير للوعي العربي النهضوي، حيث إن زمن النهضة الأول لم يبلور مصطلحاً محدداً للماضي الحاضر الذي يريد تجاوزه، وفي هذا اللاتحديد ضباب نظري واجتماعي، يعكس رؤى طلائع الفئات الوسطى العربية حينذاك وهي تتصور إمكانية التطابق البسيط مع الغرب من جهة ومع التراث من جهة أخرى.

أي أن وعي هذه الطلائع كان يأخذ الأفكار التجديدية والنهضوية كتكوينات فكرية واجتماعية خارج التشكيلات الاقتصادية/ الاجتماعية؛ باعتبارها عناصر مستقلة محايدة يمكن استخراجها من الأنظمة الاجتماعية المعاصرة أو الماضية، وزرعها في التاريخ العربي الراهن وقتذاك. ولهذا كانت التعبيرات المتداولة في هذا الوعي كقولهم: نأخذ من الغرب ومن التراث ما هو مفيد، أو كعملهم لفكرة الأحياء، فكل تيار يركز على إحياء أو الدعوة والدعاية للفصيل أو للتيارات (القريبة) منه.

ولم تختلف ممارسات طلائع الفئات الوسطى في الزمن (القومي) و(الاشتراكى)، لكن مناطق الاستيراد الفكري والاجتماعي اتجهت إلى مناطق وبلدان أخرى، تشكلت فيها رأسماليات الدولة القومية بأشكال متعددة (تجربة الاتحاد السوفيتي والتجارب الفاشية)، ولهذا فإن هذه الممارسات لم تتجه إلى التوصيف الموضوعي للبُنى الاجتماعية العربية.

ولكن فى هذا الزمن بدأت مفردة البناء التقليدي الماضوي تُطرح بصورة أكبر من الفترة التنويرية الأولى، واقترب مثقفو الفئات الوسطى لليبرالية من توصيف ماهية البناء التقليدي الموروث، لكن اسرار هذه التقليدية لم تحل.

لقد طرح الدكتور شاكر مصطفى مسألة البناء (التقليدي) الذي بدا قريباً من نظام اجتماعي وسياسي متداخل، فهو يحيل المنظومة التقليدية إلى عناصر هي الباقية من سيرورة التراث وهذه العناصر الأساسية الباقية تتجسد فى أربعة جوانب:

أ – طرق الإنتاح المادي ب – تكوين نظام السلطة ج – طبيعة العلاقات الاجتماعية د – قيم الفكر التراثية.

لكن هذه العناصر تبقى عناصر وبقايا لتاريخ، كما أنها غير مترابطة فى تكوين، أي لا تمثل بُنى اجماعية يتم تتجاوزها عبر بُنى مختلفة مغايرة، أي أن المسألة ليست مسألة تشكيلة اقتصادية اجتماعية، فيمكن الانتقال منها إلى البناء الحديث دون عملية قطع بنيوي. أي دون الحاجة إلى ثورة. ونجد استخدام مفردة أو مصطلح (تقليدي) بوفرة في قاموس النهضويين والليبراليين العرب والإسلاميين المتأخرين، لكن هذا المصطلح يُوضع فى إطار مجرد, وبدون قراءة لسيرورته التاريخية والاجتماعية.

ولهذا صار الوعي الطليعى لمثقفي الفئات الوسطى العربية هو المجابهة بين الحديث والتقليدي، وهذا في حد ذاته يعبر عن محاولة هذه القوى وتوحدها فى رفض الكابوس المتزايد لسيطرة البُنى التقليدية.

لكن هذا الصراع احتد في العقود الأخيرة من القرن العشرين، ولم تعد البُنى التقليدية مجرد قراءة للماضي أو محاولة لتأبيده، بل غدت كتلاً بشرية ضخمة تهدر في الشوارع ومعارك دموية وانقلابات؛ وهنا أخذت المصطلحات تضطرب، فمصطلح (تقليدي) لم يعد كافياً لتوصيف مثل هذه الحركات السياسية الماضوية، فظهر تصطلح (الأصولية) المنقول من الصحافة الغربية غير الدقيقة، أي باعتبار هذه الحركات السياسية التقليدية تمثل الأصول الإسلامية، وباعتباره مصطلحاً تبخيسياً، في حين إنه يعتبر مدحاً من وجهة نظر التاريخ الديني.

وقام الوعى اليساري للفئات الوسطى العربية بطرح مصطلحات مختلفة، مثل (حركات الإسلام السياسي)؛ وهو اصطلاح يمكن أن يضم حركات الخوارج والقرامطة وإرهابيي الجزائر، والمتصوفة الذين قاتلوا الصليبين دفاعاً عن الأرض العربية، كما أنه يمثل نظرة قاصرة لمستويات البنية المتداخلة التقليدية حيث الحدود ذائبة بين السياسي والاجتماعي والإيديولوجى!

وتم طرح تسميات أخرى كالحركات الإرهابية الدينية وهذا المصطلح يمكن أن يضم السيخ والهندوس والبوذيين المتطرفين كذلك!

إذن كان عجز الوعي العربي بأشكاله المختلفة عن الوصول إلى توصيف للبناء التقليدي العربى، يتمظهر في اضطراب المصطلحات، وهى العملية التي راحت تغلي مع اشتداد الصراعات السياسية حين عبرت البُنى التقليدية بأنها ليست ماضية فحسب بل حاضرا مهاجما ومسلحا بأقوى الأسلحة.

لقد عبرت آراء الأحزاب الاشتراكية والشيوعية العربية وهي تعكس وعي الفئات الوسطى ذات التوجهات اليسارية، عن اقتراب من البنية التقليدية، عبر توصيفها بـ(الإقطاع)، ولكن الإقطاع لديها هو إقطاع اقتصادي يتمظهر في الملكية الزراعية الكبيرة خاصة، ولم تقم بقراءة الإقطاع كتشكيلة اقتصادية اجتماعية، ويكمن في هذا التحاقها الثقافي والسياسي بـ(رأسمالية الدولة القومية) الروسية أو الصينية اللتين خرقتا مسألة التشكيلات وتطورها الموضوعي، وبالتالي عجزت عن إنتاج وعي تقدمي عربي، أي أنها قامت باستعارة طرق قومية مختلفة عن ظروفها الحاصة. (راجع تحليلاتنا لمواقف هادي العلوي ومهدي عامل وغيرهما في مقالات سابقة).

وبطبيعة الحال فإن الأمر ليس رفض مصطلحاتٍ مجردة، بل هو رفض يتأسس من تكوينات سياسية اجتماعية شمولية تقليدية، لديها يافطات (تقدمية) غير أن البناء الفكري والاجتماعي شيء مختلف.

ولكن أيضاً حين نقول إن البنية العربية السابقة والراهنة بنية إقطاعية فهذا لا يكفى، أي أنه ينبغي علينا أن نرى السيرورة الخاصة لـ(إقطاعنا).

ولهذا عندما نقوم بتوصيف البنى الإقطاعية العربية، لن ننسى بأنها وريثة الأنظمة العبودية المعممة في المشرق (الرافدية، المصرية، الفينيقية الخ)، وهي نقطة عجز الوعي العربي التقدمي عن حلها، فهو لا يرى جذور هذه البُنى الإقطاعية العربية، في الزمن السابق البعيد كذلك، مثلما يجهل سيرورتها في الماضى القريب والحاضر، لأن تكون البُنى متداخلا ومركبا.

وإذا كانت جذور تكون البُنى الإقطاعية يتشكل مع الإسلام في الجزيرة العربية فهذا سيعطي لهذه البنى مستوى اجتماعياً وثقافياً معيناً، وبدون ظروف الجزيرة العربية الصحراوية المنعزلة عن أنظمة العبودية العامة في المشرق حينذاك، ما كان بإمكان هؤلاء الرعاة النمو والتحشد، وما كان بإمكانهم رفد المشرق العجوز بعلاقات إنتاج جديدة.

ولهذا كان نمو الإسلام مرتكزاً على إرث الرعاة، مع تشذيب المناطق المتطرفة منه؛ وإنهاضه، وفي مناخ التكون الاجتماعي التأسيسي ذاك كانت مسألة التشكيلة الاقتصادية / الاجتماعية مفتوحة، بين الماضي المشاعي المنهار، وعبودية خاصة، أي عبودية قائمة على استخدام العبيد الخاص، وليس العبودية الفرعونية القائمة على عبودية شعب باسره، لأن ظروف العرب الرحل رفضت ذلك.

وفي الإسلام الأول حدثت عمليات إقطاع، أي توزيع ملكيات أرض على المقاتلين المسلمين بعد انتصاراتهم على الوثنيين، ولكن هذا الإقطاع ليس هو الإقطاع المقصود لاحقاً، فهو إقطاع خاص، وهو أشبه بتبديل ملكيات خاصة.

ومن هنا تشكل التوزيع الإسلامي الأول للثروة، والذي يمكن أن نسميه التوزيع القرآني للثروة المُصادرة، حسب الآية من سورة الأنفال، ورغم ان الدولة الإسلامية الناشئة هي التي تقوم به، إلا أن الدولة ذاتها لا تملك ملكية عامة. كما أن أكبر أجهزة الدولة وهو الجيش قائم على التطوع، والأجرة ليست سوى الغنيمة التي تُؤخذ بعد الانتصار في المعارك، أما بقية أجهزة الدولة: السجون، والشرطة، المراكز الإقليمية للأجهزة فلم تر النور بعد.

لهذا فإن الدولة لم تتكون إلا بشكل جنيني، وأدت عمليات إعادة توزيع الثروات، وارتفاع مكانة الصحابة الفقراء والقبائل المسلمة المعدمة إلى مخاض اجتماعي مفتوح لعدة احتمالات تاريخية.

ومع عمليات الفتوح والانتقال إلى المناطق الزراعية الشمالية وانهيار الأنظمة العبودية الُمعمّمة، وصعود مكانة القبائل الرعوية العربية، أخذت قوى الأشراف الحجازية في الصعود الاجتماعي والسياسي مجدداً بعد سقوطها كملأ مهيمن فى نهاية المرحلة الوثنية.

ونستطيع أن نعتبر حروب الردة الحادة التي شُنت على القبائل المرتدة، وتدفق خيرات البلدان المغزوة، ونمو آلة دولة الخلافة، خاصة قوى الجيش، وتشكل الاستخبارات التي عملت في هذه المرحلة لمراقبة الولاة، وفيما بعد لمراقبة الناس، إن كل هذا قد جعل أفكار المساواة والكفاح الاجتماعي لدى نفر من الصحابة غير قادرة على التجذر في الحياة الاجتماعية التي انقلبت تمام الانقلاب بعد مرحلة الشظف والفقر السابقة.

بل إن هذا النفر لم يكن قادراً على تشكيل آليات سياسية لمجابهة صعود قوى الأشراف المتسلطة، والتي كانت ذات خبرات كبيرة في معرفة الأمم المجاورة وطرق التعامل معها، وقد كانت متمرسة في أساليب الحياة السياسية والعسكرية المسيطرة، في حين كان ذلك النفر من الصحابة يشكل طرقه (الشعبية) في التعامل مع شعوب البلدان المفتوحة.

وقد تشكلت أغلب المميزات السابقة المذكورة فى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، ولكن أهم ما تكون مع ذلك الصعود لقوى الأشراف في الحياة السياسية، هو ظهور الملكية العامة لوسائل الإنتاج تحت الإدارة الإسلامية العربية.

ومن المعروف كيف كانت سمات عدالة التوزيع للثروة المصادرة في عهد عمر بين العرب، وهو أمر بدا له غير متناقض مع تقريبه لمن يسمون بدهاة العرب، وأبناء الأشراف المحنكين، حيث كان يرى الاستفادة منهم فى حكم البلدان المفتوحة، ولكن ذلك ترافق وتشكل مع تكون الملكية العامة للدولة فى القطاع الزراعي، الذي وُضع الأساس للاقطاع.

ان هذه السمات المتضادة، بين عدالة توزيع ثروة للعرب وتشكيل دولة مركزية قوية، كانتا تكملان بعضهما في عهده، أي أن التوزيع على العرب فقط، يفترض مصادرتها من الاقوام الاخرى، وبالتالي كان لا بد من وجود دولة قوية، ولكن وجود الدولة القوية لا بد أن يرتد على العرب أنفسهم فيما بعد. في حين كان ذلك النفر من الصحابة يريد إضعاف الدولة لصالح الناس، وهما نهجان غامضان في هذه المرحلة وسيتبلوران لاحقاً.

إن عمر بن الخطاب وقف طويلاً أمام تشكل القطاع العام الإسلامي في الأرض الزراعية، وتحويل الأراضى الصوافي إلى ملكية عامة للمسلمين، فهذا يخالف التوزيع القرآني للثروة كما بينا سابقا. فالتوزيع القرآني يعتمد على نشر الملكيات الخاصة، ولا يُلحق هذه الأملاك بجهاز الدولة، كما سيفعل عمر فى هذه اللحظة التاريخية الفاصلة والخطيرة، وهذا الأمر يتضح في هذا ألماثور الإسلامى: (روى أبوعبيدة القاسم بن سلام بسنده إلى ابراهيم التيمي وابن الماجشون قال: لما أفتتح المسلمون السواد قالوا لعمر(بن الخطاب): أقسمه بيننا فإنا فتحناه عنوة! فأبى وقال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ وأخاف ان قسمته أن تفاسدوا بينكم فى المياه.. ولكنني أحبسه لله وللمسلمين. قال أبوعبيدة: أراه أراد أن تكون فيئاً للمسلمين ما تناسلوا يرثه قرن بعد قرن..).

ان هذه المخاطبة الجماهيرية من المقاتلين لعمر بضرورة توزيع الأرض العامة على المقاتلين، كانت تؤكد وجود تغيير جوهري فى طبيعة العلاقات الاقتصادية من قبل الخليفة، الذي أراد أن تكون الأرض الزراعية (الصوافى) ملكاً عاماً، وليس للمقاتلين فحسب، وهذا ما سيسمى لاحقاً بالفيء الإسلامى.

لقد تكون هنا المستوى الاقتصادي العام للاقطاع، أي تمت استعادة طريقة الدول المشرقية القدمة فى وضع الأملاك الزراعية الكبرى فى يد الدولة، التي هى ملكية خاصة للأسر الأرستقراطية، ولكن عمر أخضع التوزيع لحاجات الجمهور العربي. ومن جهة أخرى حين قرّب أفراد النخبة الحجازية التى كانت تدير الدول بكفاءة، خوفاً من عمر وتحسباً للمسقبل،

فقد تم وضع الأساس لتشكل الإقطاع الاقتصادي العام.

اذن ظهرت أملاكٌ كبرى عامة تخضع للدولة الإسلامية وإدارتها، ولنطالع هنا ما هو مضمروليس ظاهرا فحسب، أي أن الإقطاع الاقتصادي العام الموجه لصالح العرب المسلمين عامة، كان يشكل بداية لنقيضه، وهو الإقطاع الموجه لفائدة الأسر الخاصة. من حيث ان توزيع الفائض الاقتصادي الموضوع في يد الدولة وإدارتها، يظل توزيعاً، وليس إنتاجاً، أي أن الأرض الزراعية والعلاقات الإنتاجية فيها، ستبقى كما كانت سابقاً، من حيث وجود دولة متعالية مستغلة تجبي الخراج أو الفائض لمصلحة أسر عليا، وإذا كان التوزيع يجري الأن فى عهد عمر وعلي بن أبي طالب لاحقاً بشكل عادل للعرب، فهو يتعلق فقط بالفائض وتوزيعه وليس في اعادة تشكيل علاقات الإنتاج.

أي أن عمر لو قام بتوزيع الأرض على المقاتلين وتحولت إلى ملكيات خاصة، فسيكون التغيير قد وصل إلى علاقات الإنتاج، وبالتالي ستبقى الدولة إدارة سياسية وليس ادارة اقتصادية كذلك. أي سوف يتكسر طابعها الشمولي.

ان وضع الأساس الاقتصادي للدولة الإقطاعية الشمولية سيزداد درجة أخرى فى عهد عثمان بن عفان الخليفة الراشد الثالث، فالمضمون الاقتصادي العميق للدولة المسيطرة والذي بدأ سابقاً، أخذ يكتسب فى عهد هذا الخليفة مضموناً سياسياً كذلك، فإدارة الدولة انتقلت تدريجياً من إدارة عامة تشاورية، إلى إدارة أسرية، فآل مروان هيمنوا على بيت مال المسلمين، وبنى سفيان أصبحت لديهم أقوى الاقاليم الإسلامية المفتوحة.

لكن عامة العرب المسلمين لم تزل لديها بعدُ قوىً عسكرية وسياسية مؤثرة، وهو أمر تجلى فيما سُمى بـ(الفتنة الكبرى). حيث حاول العامةُ إعادة تشكيل الدولة الإسلامية الوليدة لصاحهم، لكن عوائل الأشراف الحجازيين انتفضت بأشكال مختلفة ضد هذه العملية السياسية والاجتماعية الخطيرة.

ولم تستطع الفئة التجارية الوسطى المتحالفة مع الفقراء الثائرين فى هذه المرحلة ان تستوعب البرنامج النبوي الذي تشكل فى المرحلة التأسيسية الأولى للإسلام، وتطوره، خاصة في مسألة التوزيع القرآني للثروة، وكان عدم الاستيعاب هذا والتردد، كفيلاً بتفكك أولاً جبهة الحكم ثم تفجر حروبها التي سهلت للأرستقراطية الأموية هذه المرة، العودة ثانية للسلطة وقد اكتملت دوائرها.

مع سيطرة الأمويين على مقاليد السلطة السياسية أمكنهم أن يضعوا أيديهم على الثروة الاقتصادية العامة، أي أن الإقطاع العام صار إقطاعاً أسرياً خاصاً . ولم يحدث ذلك دون مقاومة ضارية من عامة المسلمين، الذين صار ينضم إليهم الموالي والذميون، أي شعوب الإمم المحكومه من قبل العرب.

وتعتبر انتفاضات الخوارج والإمام الحسين بن علي والتوابين وأهل الكوفة جزءا من عمليات الاحتجاج الواسعة على تغيير طابع التوزيع للثروة واحتكار السلطة، لكن الطابع الإقطاعي للملكية العامة والسلطه قد ترسخ في هذا العصر.

وأدى رسوخ هذا الطابع في الميدان الاقتصادي والسياسي إلى انتقاله إلى الميدان الاجتماعي والثقافي.

فعبر سيطرة الأشراف على الثروة العامة، وهو ما كان يناقض الأحلام الشعبية بالمساواة، والإرث النبوي والراشدي، أخذ الأمويون يرتكزون على الإرث الرعوي الأرستقراطي وتكريسه, فاحيوا المظاهر القبلية المتعصبة بشكل شديد، وروجوا لشعر العداوات القبلية بين الفروع العربية المختلفة، وخاصة بين المضريين واليمانيين الخ..

كان الارتكاز على الإرث الرعوي وإفراغ الدورة الإسلامية التأسيسية من مضمونها النهضوي يجريان معاً، لتشكيل بنية اجتماعية ثقافية اقطاعية، ومن هنا كان استنادهم على النصوصية الدينية الُمفرغّة من تلك المضامين النهضوية التحولية.

ونظراً لتنامي الثروات لدى هذه القوى الأرستقراطية، من جلب هائل للرقيق والجواري وسرقة واسعة للأمم، فقد تم التركيز في الآلة الدينية المسيطرة على الأشكال، والعبادات، والوحدة الظاهرية المجردة للمؤمنين والإعلاء التعصبي للقبائل، وغُيبت أساسيات الثورة. لكن الوعي الديني المعارض استمر في الوجود وإبراز جوانب مضمونية جوهرية في الإسلام، ووضع بعض الأئمه أساسيات للاحتهاد والقياس لتطوير النصوص الدينية، وابعادها عن السيطرة الإيديولوجية المطلقة للأمويين.

أي أن الوعي الديني راح ينقسم في هذه المرحلة بشكل فرق وأسر متتفذة، إلا أن الوعي المعارض هذا قبل بالأساسيات العامة لنظام الإقطاع المتكون، حيث لم تقم الفرق المعارضة وهي القدرية والمعتزلة والزيدية في هذه الحقبة، حين وصلت إلى السلطة أو إلى التأثير الثوري الواسع، بتفكيك ملكية الدولة العامة ووقف العبودية الخاصة المتنامية باتساع هائل ووضع حد لعبودية النساء التي تنامت مع تدفق الثروات على الرجال العرب وأرستقراطيات الموالي.

فعلى الرغم من المعارضة الواسعة والضارية أحياناً إلا أن الفرق غدت جزءا من تكوين الإقطاع.

ولدينا هنا شكلان من المعارضة وهي معارضة أسر الأشراف وأهمها المعارضة الشيعية، وتنويعاتها والتي هي بداهة مع نظام إقطاعي بديل عن الراهن تكون هي على رأسه، وكذلك الخوارج الذين قادتهم نصوصيتهم الحرفية إلى إقطاع آخر، في المناطق الصحراوية التي خضعت لحكمهم.

وهناك المعارضة التى تشكلت من الفئات الوسطى المدنية التي قامت على القبول بالنظام الإقطاعي وسلطته، نظراً لالتحاقها بخدمته أو تشكلت بفيض تدفق ماله، وهذه هي المعارضة التي ستشكل الأنواع الأدبية والفكرية المتعددة، التي ستعيش في الفضاء السياسي والفكري للنظام الإقطاعي، وستمتد من المطابقة التامة مع النظام الاجتماعي إلى طرح أشكال الإصلاح المحدودة داخله. وسواء كان ذلك من المذاهب السنية القياسية الاجتهادية أو من المذاهب غير الاجتهادية، إلى التيارات الصوفية المضادة للعقل، إلى التيارات الفكرية (العقلية) الخ..

إن كل التشكيلات الفكرية والأدبية هي خاضعة للمدينة التي يحكمها الإقطاع السياسي العربي ثم اللاعربي.

إذا كان الإقطاع قد تمكن من المستوى السياسي للنظام الاجتماعي بعد أن سيطر على البناء الاقتصادي، فلا بد أن نعرف كيف سيطر في المستوى الاجتماعى. لقد قامت حركة العرب التاريخية على نشاط القبائل، والجانب المفيد أن هذه القبائل الحرة قد تمكنت من دك أنظمة العبودية العامة المتكلسة القديمة، إلا أن الجانب السلبي أنها نقلت تراثها الرعوي الاجتماعى والثقافى وقامت بجعله مطلقاً. وهذا قد بدأ بالأشكال الاجتماعية الأسرية؛ عبر جعل القبيلة هي أساس التكوين المدني، حيث تقسم الأحياء السكنية حسب أفخاذ القبائل، وتتشكل السلطة المدنية من زعماء الشيوخ القبليين، وهوالأمر الذي قاد إلى هيمنتهم على أجواء المدن الإسلامية المبكرة. ويقوم شيوخ القبائل المدنيين بنقل السلطة الإقطاعية من مستواها السياسي إلى مستواها الاجتماعي، عبر منع أي مظاهر للحرية الاجتماعية، وعبر الولاء للخلفاء، وإلحاق المدن بسلطتهم المطلقة، سواء كانت سياسية أو دينية أو إيديولوجية. هكذا تغدو المدن والأحياء جزءا من النسيج الإقطاعي، إلا أن المدن قابلة للتطور التحديثي النسبي، عبر انتشار التجارة والحرف والثقافة والاجتماع، ولهذا فإن القبيلة كتكوين اسري واسع لا تصمد للزمن، بل هي تتفكك، وتقترب من التحول إلى طبقات، حيث يحدث الفرز الاجتماعي بين الشيوخ المهيمنين على القبيلة والمرتبطين بالسلطة، وبين جمهورها الواسع. ولكن ذوبان القبيلة المطلق لا يتحقق لكون المدينة تعيش دائماً على السلطة الإقطاعية المهيمنة وعلى الرفد الصحراوي والرعوي المستمر عبر الزمن، إلا أن الجانب الأكبر من نفوذ الإقطاع القبلي الاجتماعي، يتحقق عبر الأسرة الأبوية، فهذه الخلية الدنيا من القبيلة تقوم بالاحتفاظ بموروثاتها القرابية والاجتماعية والفكرية، عبر هيمنة الأب الذي يغدو وجهاً للسلطة النكورية المطلقة، وعبر تنحية النساء من النشاط الاجتماعي والسياسي، وعبر إعادة ضخ الوعي الديني المشكل حسب هيمنة السلطة. تغدوالمدينة الإسلامية المشكلة بسيطرة القوة السياسية والعسكرية، تعيد إنتاج ذاتها عبر التاريخ، سواء عبر الرفد المستمر من القوى الرعوية: الأتراك، والأكراد، وعرب الجزيرة، والأمازيغ (البربر) والألبان الخ..، وفي العصر الحديث عبر الجيوش والقوى العسكرية البدوية والقروية، أي أن القوة العسكرية السياسية تتحكم في الإنتهاج العام الزراعي، الذي يغدو في العصر الراهن الملكية العامة للمعادن والبترول والفوسفات الخ..، وهكذا فإن الفرق المعارضة للعصرين الأموي والعباسي تقوم على معارضة الأسر والجماعات المتحكمة في النظام الإقطاعي لا معارضة النظام الإقطاعي نفسه، فهي جزء من نسيج هذا النظام وهي تقوم بإعادة إنتاج له، من مواقعها الجغرافية والسكانية والفقهية المختلفة، فتضخ الحياة المؤقتة في عظامه المتيبسان بشكل متلاحق، فالإسماعيليون والمعتزلة والإثناعشرية والقرامطة الخ..

يعيدون تشكيل الأنظمة الإقطاعية في عملهم ومناطقهم وإرثهم. إن القوى المعارضة تغدورقوى سياسية إقطاعية، لكونها لا تعمل لتغيير النظام الإقطاعي، بل على الوصول للسلطة فيه، وبالتالي تقوم باستثمار آلياته لمصالح لأسر المسيطرة. وحين كان الإقطاع العام مركزياً اي موجهاً من قبل عاصمة ما، المدينة، الكوفة، بغداد، قرطبة، كان الوعي الديني عاماً، ومع دخول الذميين في الإسلام وتحولهم إلى معارضات وطنية و(قومية) مضمرة، راح الوعي الديني الإقطاعي ينمو في اتجاهين، اتجاه مع السلطة العامة المسيطرة، واتجاه مع المعارضات الإقليمية المتعددة.

في الاتجاه الأول العروبى الُمضمر والقبلي وذي الإرث الصحراوي الأكبر، والذي أخذ يرتبط أكثر فأكثر مع الدولة المركزية أولاً ثم الدول الإقليمية، التي قمعت أشكاله القياسية المتحررة والناقدة، وحولته إلى أشكال دينية تابعة لها، وهو ما مثل المذاهب السنية المختلفة، وغدا مضمونه في الحفاظ على النصوصية على درجات دون إنجازات الثورات المتحققة. والاتجاه الثاني الأممي المضمر، والذي تداخل والإرث الديني القديم لشعوب المشرق الزراعي، ومثلته الإماميات المختلفة، والمسيحية العربية. ولكن كافة الاتجاهات لم تتجذر في البادية أو الزراعة، لأنها عكست القوى السياسية المسيطرة في هذه التكوينات الاجتماعية والبشرية، ولهذا ليس ثمة سوى خلافات نصوصية وحفريات قديمة، حيث إن كافة القوى السياسية المذهبية لم تنسلخ من النظام الإقطاعي.

لقد شكل الإقطاع العام المركزي لامذهبية، ولكن الإقطاع اللامركزي والمتفتت، شكل الإقطاع المذهبي الذي نعيشه حتى اليوم.

إن الأمر يعود لأسلوب الأنتاج الذي تحكم في حركة التاريخ العربية حين خرج العرب من صحرائهم ليس لديهم تشكيلة اقتصادية واجتماعية محددة، وكان التاريخ العالمي يتوجه نحو المنظومة الإقطاعية، كما فعل أقران العرب القبليين في جرمانيا والذين غزوا روما العبودية ونقلوا القسم الغربي من الإمبراطورية الرومانية إلى عصر الإقطاع. وتكفل العربُ بنقل القسم الشرقي منها إلى ذات المنظومة.

إن أساليب الإنتاج في العالم الشرقي عامة والوطن العربي خاصة تنمو بشكل خاص، ولم تنفع أساليب المطابقة التي حاول البعض إجراءها مع أوربا في الحصول على نتائج فكرية وسياسيه خصبة.

وهذا لا يتعلق بالتشكيلات الكبرى للبشرية فهي واحدة، ولكن أشكال التطبيق القارية والقومية هي أشكال خاصة، والخصوصية تتعلق بالسمات الأولى المترسخة والتي تتمظهر بعدئذٍ في الأشكال الإنتاجية البشرية المشتركة.

وأهم خصوصية هي تدخل الدولة وتناسجها مع أسلوب الإنتاج؛ سواء كان في العبودية أم الإقطاع. ويبدو إن الرأسمالية العربية لن تكون بعيدة عن ذلك.

إلا أن ملكية الدولة العامة غالباً ما شكلت ضباباً فكرياً للباحثين، ولهذا فإن ملكية الدولة في عهد الخلفاء الراشدين اعتبرها بعض الكتاب [ اشتراكية ] أو كما فعل آخرون تجاه الملكية العامة للقرامطة فاعتبروها (شيوعية!)، وهكذا فإن ملكية الدولة العامة الراهنة في الدول العربية اعتبرها البعض تحولاً إلى الرأسمالية.

ولكن أثبتت الملكية العامة للدول العربية بأنها لا تشكل رأسمالية، بل تعيد إنتاج العلاقات الإقطاعية، ورأسمالية الدولة كما جرت في الاتحاد السوفيتي وكما تجري في الصين حاليا ليست لتحقيق الاشتراكية بل لتجاوز الإقطاع، ولكن لأنها دول شرقية، والدولة المالكة للإنتاج هي إرث تاريخي فيها، فقد التبس المضمون التاريخي التحولي فيها، حتى على المشاركين في التجربة، لكن التغيرات العاصفة فيها بينت المضمون الحقيقي للتحول.

لكن رأسمالية الدولة القومية في الصين وروسيا تمكنتا من إنجازمهام التحول من الإقطاع، وهذا بخلاف العالم العربي. فرأسمالية الدولة الوطنية هنا لديمومة الإقطاع وليس لتجاوزه. وهذا هو الالتباس الفكري التاريخي لدى العرب كما حدث للالتباس الروسي بشان تحولهم إلى الاشتراكية، في حين كانوا يحققون انتقالاً للرأسمالية بشروط هيمنة الدولة البيروقراطية.

إذن نحن في سيرورة الإقطاع المذهبي كما تشكل تاريخياً، أي أن الأقاليم العربية التي تتفتت تحولت إلى دول إقطاعية مذهبية، وإقطاعية مذهبية بمعنى أنها عاجزة عن أن تكون إسلامية عامة، مما يولد الصراعات المذهبية وعنفها. وهي لن تتحول إلى إسلامية عامة إلا بالعلمانية وهذه شروطها الديمقراطية. أي يعني بأن تخرج من أسلوب الإنتاج الإقطاعي، وتفكك العلاقة بين الحكم والثروة، بين المذهب والسيطرة السياسية والاقتصادية.

أما رأسمالية الدولة فتحددها هنا كيفية إدارة الدولة، أي كيف يتوجه الخراج الجديد، لإعادة إنتاج بسيطة وتجديديه محدودة أم للخروج من أسلوب الإنتاج العتيق؟

ولكن الذي يحدث حاليا ان الخراج الجديد يتوجه لإعادة إنتاج النظام الإقطاعي المذهبي، مما يعني المزيد من النمو والصراع بين الحركات الإقطاعية المذهبية المختلفة، وهي التي لها بنية ايديولوجية لها مقاييسها المضادة للعصر والحداثة. فمسألة الاعتدال والتطرف هنا نسبية، فهي تنطلق من معايير ناتجة من القرون الوسطى، من عصر الإقطاع الديني التي لا تعرف مسائل القانون الدولي وحقوق الإنسان الحديثة، ولا الوطن والدولة الحديثة اللادينية، التي هي تابعة لمعايير العصر البرجوازي الحديث. ولهذا فإن الفروق بين الدول والحركات والتصورات الإقطاعية المذهبية هي كمية وليست نوعية.

أي أن الأمر يتطلب التحول إلى تشكيلة جديدة هي تشكيلة العصر الرأسمالي بكافة معاييرها، وهو أمر يتطلب نضالاً سياسياً و فكرياً قوياً تحديثياً شاملاً لفك الارتباط مع النظام الإقطاعي المذهبي وحركاته وتصوراته.

الوعي الديني والبنية الاجتماعية

 لقد نما الإسلام عبر التضاريس الطبيعية والاجتماعية المتداخلة المركبة، وقد رأينا كيف كان الطابع معقداً ومتضاداً عبر تأثير الرعاة والصحراء على المدن ونموها، ولأن هذه المدن تتشكل بقيادة الطبقة المسيطرة، وليست باعتبارها سوقاً، حيث يأتي السوق كمُلحق وليس كقوة قائدة، فقد قام الأشراف بتراثهم الرعوي والمحافظ  بتثبيت هذه الأسس الاجتماعية والفكرية للماضي، مع استلال مضمونه الكفاحي، أو جعله أشكالاً أو عادات مُفرغة من المضمون التقدمي.

فالقبيلة والأسرة الأبوية التي كانت نمطاً اجتماعياً مهيمناً في البداوة تم سحبها إلى فضاء المدينة الاجتماعي، وغدت أفخاذ هذه القبائل تغدو أحياءً، وبالتالي كان هناك قواعد مادية بشرية واقتصادية لإعادة إنتاج الموروث البدوي. ونجد ذلك من الكوفة في عصر عمر بن الخطاب حتى مدينة المحرق البحرينية في القرن العشرين.

إن الإقطاع السياسي الحاكم يتحول على مستوى الحياة الاجتماعية إلى إقطاع أسري أبوي، وكذلك إلى عبودية إذا كان ثمة علاقات رق، أو استخدام للخدم العبيد والجواري.

وبطبيعة الحال، فإن المدينة المقامة بإرادة سلطوية، تقوم بتنمية التجارة والصرافة الخ، وتتحدد العمليات المالية هنا بمدى موارد السلطة وكيفيات الصرف. وهذا من جانب معين يقوم بتفكيك الإقطاع الأسري، عبر تطور وعي هذه الأسر، لكنه لا يقضي على الإقطاع الُمرحّل من العصر البدوي الذكوري القبلي السابق، إلى المدن، ويتوقف الأمر هنا على الموارد التي تدخل السوق والحرف وما إذا كانت تتجه للتوسع الخ..

فالمدينة ليست مدينة برجوازية بل مدينة إقطاعية، تنشأ فيها قطاعات رأسمالية محدودة ومرتبطة بالسلطة أو بحاجات الناس البسيطة. ولهذا لا تستطيع أن تغدو مدينة برجوازية إلا عبر تغيير السلطة.

لكن القبائل أو الأفخاذ وقد غدت مؤسسة حاكمة، تتمركز فيها السلطة والثروة،   تقوم بتأبيد التراث الذي ارتكزت عليه في الحكم، وهنا يمكن أن نرى عدة مراحل لعلمية التثبيت تلك، فالزمن الراشدي الأموي العباسي يثبت الأسر القرشية بإرثها العربي، وهنا كانت عملية استعادة الإرث العربي الإسلامي ذات صياغة عربية بدوية تحديثية، دون أن تتخلى عن الأسس الاجتماعية القبلية والذكورية والأرستقراطية، أي أن المدن أصبحت مضارب جديدة عبر هيمنة شيخ القبيلة الذي صار خليفة، وهذا الجانب الأساسي لن يتم التخلي عنه في أية تطورات متنامية، أي أن الإقطاع السياسي الحاكم، يكرس مستوى اجتماعياً ملائماً لقيادته. وهذا المستوى الاجتماعي من البُنية هو الذي يقوم الدين بتشكيله.الدين الذي سُحبت منه المواقف الأساسية في الثورة التأسيسية: التوجه نحو التحديث، وتحالف التجار والقوى العاملة، وتغيير التاريخ بالارتكاز على تطور حياة الجمهور المعيشية.

ولكن لأن الصراعات السياسية والفكرية تجري في المستوى السياسي فإن المستوى الاجتماعي يتكرس من كل الفرقاء المتصارعين السياسيين.أي أن تعدد الزوجات وعقوبات العنف واستخدام العبيد والحجر على النساء وتبعية الوعي والثقافة للقصور الحاكمة الخ.. إن هذا المستوى الاجتماعي لن يكون محط خلاف بين الفرق الدينية، التي أخذت تتحول إلى مذاهب بدءً من القرن الثاني الهجري.

فالتحول إلى مذاهب لم يكن يصب في إعادة تشكيل هذه المستويات الاجتماعية المتحجرة، لأن المسيطرين على إنتاج المذاهب انفصلوا عن العاملين، وغدت لهم مصلحة مشتركة في الإبقاء على تخلف وتبعية المنتجين. ومن هنا نرى تضادهم مع مضمون الثورة الإسلامية التأسيسية، ولهذا يركزون على الشكل لدرجة التعصب والعنف.

ولهذا فإن خلافات المذهبيين تغدو شكليةً أكثر فأكثر، مثل كيفية الوضؤ، أو الوقوف في الصلاة، وإذا كان المستوى الإيديولوجي يبدو متضاداً، عبر الاستناد على النص المستقل عن الأئمة أو الموروث عنهم، فإن هذا المستوى الفكري يتحول هو الآخر إلى أشكال مُفرغّة من بحث القضايا الجوهرية للتحول مثل الملكية العامة والخراج والاستغلال الخ..

وهكذا فإن الإقطاع السياسي وقد أسس الدولة المركزية، أو الذي انفصل عنها، فإنه يقوم لا بتكريس حكمه السياسي فحسب، بل بتكريس المستوى الاجتماعي، التقليدي، الذي تهدف ديمومته إلى إعادة إنتاج الطاعة لدى الجمهور المستلب الإرادة.

ويلعب الوعي دور الوساطة بين المستوى السياسي والمستوى الاجتماعي، فالمثقفون الذين ينتجون الوعي والمرتبطون بالأشراف وخدمتهم، يصوغون المبادئ الدينية ويحيلونها إلى أشكال، أي يقومون بنزع وظيفتها التحويلية الأولى، ومواقفها الموجهة ضد الملكية الاستغلالية، ويركزونها على العبادات والمعاملات والعقيدة، ومن ثم تزداد بُعداً حتى عن هذا المستوى، أي تتحول إلى محض عبادات وتستوعب أكثر فأكثر المراحل السابقة للدين كالسحر والخرافة القديمة. [راجع هنا حديث أبن الماجشون عن قرار عمر بن الخطاب بجعل ملكية الأراضي الخراجية المفتوحة ملكاً لعامة المسلمين.]

وبطبيعة الحال فإن صياغات المثقفين لمستويات الوعي الدينية في كل مرحلة تختلف، لكونها مرتبطة بمدى قوة الدولة وطابعها وكيفية توزيعها لثمار العمل، ولكن إذا حللنا هذه الصياغات بدءً من نهاية القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث فنجد ما قلناه سابقاً من بروز التمذهب  الذي كرس البنية الإقطاعية بمستوييها السياسي والاجتماعي. وكان دور المثقفين المذهبيين المتعددين هو تكريس هذا الاختلاف عبر الأشكال الدينية التي تناسب بدلات القوى المسيطرة المتعددة الألوان..

ولهذا سيختلفون حول كيفية الصلوات وعدد الكواكب والنجوم والأرواح التي تهيمن على الفضاء الروحي، ولكن سيتفقون على استغلال العبيد والنساء.

وتغدو الاختلافات بين المجموعات الإقطاعية السياسية والدينية منصبة على الأشكال، وهي تحولها إلى أدوات للحكم أو لمعارضة الحكم ولكن ليس لتغيير أوضاع الجمهور.

إن هذا يستنزف البشر والنص الديني معاً، فالمدينة الإقطاعية الدينية وهي تدمر الريف والبادية بشكل مستمر، باستغلالهما وتفتيتهما، تقوم بتدمير نفسها أيضاً، بتوجه السلطات البذخية فيها، فلا تنهض الصناعة، ولا تلتحم بالعلوم، وتغدو قوة المدينة الاقتصادية مركزة على التجارة والإنشاء اللذين يصبان في البذخ، مما يجعل المدينة على مرور الوقت تنهار من الداخل وتفقد سيطرتها على الخارج.

فالتضخم المتواصل في عدد سكانها، والذي يكون من التوالد غير الطبيعي في العائلات الأرستقراطية، والذي يتكون بسبب الشهوات والفراغ، أو بسبب النزوح المستمر من الريف والبادية، أو بسبب تكوين فرق الارتزاق العسكري، أو بسبب التضخم السكاني المستمر في القرية والصحراء والذي يتشكل لأسباب إنتاجية ولمواجهة قسوة الطبيعة وتخلف الإنتاج وهيمنة الرجال كذلك.

إن النص الديني الموجه عبر هيمنة مثقفي الأشراف وخدمهم الفكريين، يضمرُ على مستوى المضمون، لفقدان الركائز الاجتماعية التي تغذيه بالحياة، فبدلاً من التحالف بين التجار المكيين والعبيد والفقراء، كما كان الإسلام في ثورته الأولى ، يتبدل إلى خضوع التجار للأرستقراطيات اللاهية، وبالتالي يغدو الهجوم على الملأ المكي القديم هجوماً شخصياً أو إيمانياً محضاً مقطوع الجذور بدلالاته الاجتماعية، أو أن التحالف الكفاحي بين التجار والعبيد والفقراء كما كان سابقاً والذين غدوا جميعاً صحابة ثورية، يصير الآن في العصر العباسي الأول وما يليه، تبعية تجار للقصور، أو استغلال نهم للفقراء.

وفي حين كان الإسلام الأول يعتمد على تغيير التاريخ من خلال مصلحة الجمهور ومشاركته، بغض النظر عن المستوى الذي تجلى فيه ذلك الاستخدام والتغيير، فإن المذاهب والفرق الدينية تقوم على تجميد التاريخ واستغلال الجمهور لمصالح شخصية ومن أجل الوثوب إلى الحكم الذي يعيد إنتاج التخلف.

إن هذا يؤدي إلى غربة النص عن مضمونه، أي عن الظاهرات التحويلية الشعبية التي تشكل في مجراها، فيزداد النص تركيزاً على أشكاله الخارجية، ويعادي أكثر فأكثر عمليات التحويل الحديث و(العدالة).

ومن هنا كانت مسيرة فرق المعارضة الدينية المتوجهة لقراءة النص كنص غيبي، تتدهور بشكل مستمر، فالقدرية تضمحل، والمعتزلة تُضرب فتتحول إلى شخوص تابعة للسلطة المستغلة، والزيدية تغدو نائية وموجهة لحكم  الأشراف في المناطق البعيدة كاليمن والمغرب وشمال إيران، والإماميات تتحول إلى معارضة ساكنة متوارية، عبر بدايات الإثنا عشرية، أو معارضة متنامية تصل للسلطة في القرن الثالث الهجري عبر الإسماعيلية، ولكن هذه القيادة والانتصارات فيما بعد تكون من خلال قيادة الأشراف وليس التجار، وكذلك يتم استغلال الفقراء ولا يقوم التحالف الثوري معهم، وتصير العمليات برمتها وثوباً للسلطة من أجل هذه العائلات وترفها.

وهذا ما يجعل النص الديني مستمراً في غربته عن مضمونه، فيتفكك، أي يتحول إلى مذاهب.أي إلى تفسيرات تائهة في أشكاله وحروفه المقطوعة الصلة بجذوره.

التحول إلى مذاهب تعني إن ثمة حقائق متعارضة في الدين، أي أن هناك حقيقة دينية، وهناك محاولة قوية أو محاولات للقضاء على هذه الحقيقة الدينية، التي تعنى لدى المثقفين أو الجمهور العدالة والسعادة في الدارين.

إن أساس الانقسام في الوعي الديني ناتج عن انقسام اجتماعي في صفوف المؤمنين، فهناك أقسام غدت مُلتحقة أو تابعة للسلطة، وهناك أقسام تجد نفسها مستغلة بشكل أساسي وبالتالي تصطف في المعارضة.إن القسم الأول ينطبق على الرعاة الذين شكلوا وهيمنوا على المدن وصاروا جنوداً وإدارات ثم عامة موالية أو ثائرة على السلطة، ثم رُفدوا بالعوام العسكر الترك والأكراد الخ، فغدوا هم التربة الاجتماعية للمذاهب السنية. والتكوين الرعوي الواسع وقوة المدن والسلطات المنبثقة عنها، هي ما جعلت لهذه المذاهب السيادة الكبيرة على المنطقة المشرقية من العالم الإسلامي، في حين كانت له السيادة المطلقة في الإقليم الغربي، نظراً لتجذر الطابع الرعوي فيه.

 إن القسم الزراعي الذي واجه هؤلاء الرعاة وادغم معهم أو صارعهم، تحمل عبء الاستغلال الأكبر، ونظراً لذلك أخذ هذا القسم بالمذاهب المعارضة، في مخاض معقد (قومي) واجتماعي وثقافي فداخله قوس من المذاهب الإمامية والمسيحية. وتداخل المذاهب الإمامية بالمذاهب المسيحية والإرث القديم أنتج العديد من الظواهر المشتركة.

وبطبيعة الحال يغدو القانون الاجتماعي هو هو، سواء على المستوى المركزي حين انتقل العرب إلى الإمبراطورية، أو في أزمنة التفكك، ففضاء مكة والجزيرة العربية الاجتماعي الذي لم يشكله الحكم الاستبدادي، هو غير المشرق الزراعي الشمالي المشكل على أساس العبودية العامة منذ فجر التاريخ.

إن كل قسم في الوعي الديني يقول إن الحقيقة الدينية معه، ولكن كما رأينا فإن النص الديني يُفرغ باستمرار من محتواه، وتنتقل هذه العملية التفريغية إلى المذاهب، فتغدو الاختلافات ليس من أجل الوصول إلى المضمون الثوري المُضيّع، بل إلى الاختلاف حول الأشكال المتباينة.

وبطبيعة الحال تمتلك الأديان آلية لمواجهة عدم تحقق الوعود الاجتماعية الدنيوية بالإحالة على الغيب، أو بروز عقبات شيطانية الخ..

وتزداد هذه العملية تعقيداً وشكلانية مع ازدياد الاختلافات، وتزداد عملياً الغربات الدينية المختلفة، وهذا ما يفتح مجالاً للمعرفة الحدسية، بعد أن فشلت أدوات النصوص الحرفية في اكتشاف مضمون العقيدة التحويلي.

وهنا تبدأ مرحلة مفارقة لمرحلة الاعتماد على النصوصية، التي أنتجت عقلاً دينياً تابعاً لها، بأشكال مختلفة، عبر كل المذاهب السابقة، أي تبدأ المرحلة الصوفية والفلسفية في الوعي الديني.وتقوم الصوفية على إنكار سياق النص، علىإنه ظاهر، وبالتالي فإن الحقيقة لا تكمن في الظاهر، بل في الباطن، ولكن هذا الباطن لا تجسده الصوفية نضالاً اجتماعياً، وتحالفاً أساسياً بين التجار والفقراء، بين الطبقة الوسطى والمنتجين، تجاوزاً للبنية الإقطاعية، بل تقيم دكتاتورية غيبية للقطب على المريدين، وتصبح هذه الدكتاتورية شديدة التنوع والتشظي بفعل الشطحات والمجاهدات الداخلية الغامضة للأقطاب، ويذكرنا هذا بتشظيات الخوارج، وإن كان بصورة مضادة.

أما المذاهب الفلسفية الدينية فأكثر تعقيداً، وقد أتاح القسم [العقلاني] منها إمكانية قراءة الطبيعة والمجتمع قراءة موضوعية بأدوات الزمن، لكن غيبيته في القسم الميتافيزيقي، تتشارك مع المذاهب الدينية الأخرى وخاصة الإمامية منها.ولكن لأن الفلسفة الدينية غدت مقطوعة التحليل بالسياق الاجتماعي التاريخي، وارتبطت بالتبعية لشرائح من طبقات الأشراف المختلفة، فقد أصابها ما أصاب الحركات المعارضة التي تجمدت عند هذا الأفق نفسه، كالقرامطة والإسماعيلية والدروز والزيدية الخ..

وبطبيعة الحال، كان كل هذا يشتغل في فضاء نظام إقطاعي زراعي حرفي بسيط، كانت إمكانيات التجاوز التقني والصناعي والعلمي، معدومة فيه.

إن اعتماد قسم من النص الديني على امتداده النصوصي، باعتبار إن هذا الامتداد النصوصي يقوده إلى النص المنبع القادم من النور الغيبي، يغدو بالنسبة إليه شرط الحقيقة الدينية، بغض النظر عن ملاءمتها للعصر أو تناقضها مع العقل أو أهميتها للتطور.

إن النص في هذه الحالة يغدو رجوعياً باستمرار، ولكن ليس إلى جوهر العملية الثورية الإسلامية الأولى، وهنا تحدث غربتان على مستوى الماضي وعلى مستوى الحاضر.

فهو يغدو غريباً تجاه الماضي، فلا يفهم سببيات الثورة الإسلامية وشروطها، أي عمليات تفاعلها الاجتماعية والسياسية والعسكرية مع الجمهور، ليس لشيء سوى لموقفه المحافظ وتبعيته لقوى القهر والاستغلال في زمنه، ولهذا يقوم بإعادة النص المفرغ من دلالاته الثورية إلى زمنه، لكي يمنع اكتشاف هذا المضمون.

تتحول هذه العملية إلى حلقة مفرغة، فتزداد عمليات التدمير الذاتي والشكلانية النصوصية والشطحات والخرافات، أو النصوصية الحرفية الميتة الخ..

إن شروط التغيير وهي تحويل نظام الملكية العامة التابعة لأسر الأشراف، وتحرير الفلاحين والمرأة والعبيد، كانت هي أساس وجود هذه الأنظمة والتيارات، وبالتالي كانت إمكانية تشكل ثورة ديمقراطية معدومة، وكان وجود طبقة برجوازية حرة صناعية مستحيلاً، فراح العالم الإقطاعي الديني يعيد إنتاج نفسه على نحو تفتتي ومأساوي بشكل مستمر، حتى جاء الأتراك والصفويون وأقاموا نظامي الإقطاع المذهبيين الشاملين بنفس الأسس القديمة حتى العصر الحديث.

علامات في الوعي الحديث

للعقل العربي الحديث قصةُ تكونٍ، ونسميه عقلاً، بهذا التجريد، لأنه أراد أن يكون بهذه الصفة، وصفة العقل تعني بأنه يستخدم السببية في قراءة الظواهر، فالعقل هنا منهج في فحص الأشياء واكتشاف قوانينها.

وهذا الاستيرادُ من الغرب لكلمة العقل، وطرق استخدامها، هو جزء من مناهج الفئات الوسطى العربية وهي تستعير من قاموس قريناتها الغربية، أدوات لمماثلة تجربتها وتحقيق سياق نهضوي مشابه.

وقد عبر ديكارت في بدء العصر الحديث عن منهجية العقل هذه قائلاً :

[أنا أفكر إذن أنا موجود].

وإذا قمنا بقراءة لهذه الأنا، فهي ليست أنا فردية محضة، بل أنا المثقف الفرنسي في بدء الحداثة، وهو يحاول أن يجد سياقاً مبرراً لتطور الوعي خارج الدين، فالوعي البرجوازي هنا يتشكل بين عالم العصر الوسيط الغارب، والعصر الحديث الذي لم يتشكل كلياً بعدُ. ونحن سنأخذ وعي ديكارت في هذا الفصل كوعي اجتماعي عام مؤجلين رؤية تفاصيل هذا الوعي عبر تداخله لاحقاً مع تطور الوعي العربي وهو يخرج من مرحلته الأدبية إلى مرحلته الفلسفية، حيث ذاك تكون المقارنات داخلية معبرة عن أبنية فلسفية عبر العصور ولكن هنا لا نزال في الأفق العربي الثقافي الأدبي عموماً. فهنا ديكارت مجرد أداة معرفية هي الشك.

وعيُ ديكارت يقول أنا أفكر معرفياً خارج الدين، إذن أنا كفكر حديث موجود، ولكن تفكيري يخرج من [الأنا]، من هذه الطبقة الحديثة الفردية، التي لم تعلن بعد العلمانية الكلية، ولا تزال بعدُ بين الدين والحداثة، بين وعي العصور الوسطى العقلي، ووعي الحداثة العقلي الجديد، .

إنه عقلٌ حديث لا يرفض كلياً العقل الديني القديم، ومن هنا يكون دليل ظهور تفكيره وجود الله، ولهذا يقول لو لم يكن الله موجوداً لم أستطع أن أفكر، فلأنني أفكر فمعنى هذا إن الله موجود.

إن عقل الحداثة البرجوازي وهو يسوق فرديته، لا ينسلخ هنا من البنية الاجتماعية الإقطاعية التي لا تزال مهيمنة، في النظام الملكي وفي سلطة الكنيسة الكبيرة، ولكون عقل الحداثة البرجوازي الفرنسي هذا لم يصبح بعد عملاقاً، كما سيجري الحال في القرون التالية بعد القرن السابع عشر هذا، بعد تراكم مشروعاته، فإنه يستمد شرعيته من الماضي، فأنا ديكارت هي تعبير عن الفئات الوسطى التي لم تصبح بعد طبقةً قائدةً لمشروع الحداثة، أي أن شرائح هذه الطبقة لم تزل بعدُ مبعثرةً، في تكوينات تجارية، وعقارية، وصناعية، ولم تصبح الثورة الصناعية والعلمية قوة لإنتاج الرأسمال الصناعي العملاق.

ولهذا فإن صيغة [أنا أفكر..] تعبر عن العقل النظري، عن عدم تلاقح العقل بالمعمل، عن ضعف التحام الفئات البرجوازية الفرنسية، ومثقفيها، بالإنتاج الصناعي.

أنا أفكر وليس أنا أعمل، أو أصنع، فأنا موجود، أي أنني جنين الطبقة البرجوازية أتشكل عبر هذا الوعي العقلي، معطياً الكنيسة والملكية حصتيهما من المصداقية العقلية، فلهما مشروعية العقل الديني السياسي القديم، ولكنني أنا جنين الطبقة القادمة، لي مشروعية وعيي، واعترف لهما بأساس الوجود الاجتماعي الإيديولوجي.

يعبر العقلُ البرجوازي الفرنسي في ميلادهِ الديكارتي، عن مستواه التقني المحدود، حيث لا تتناسجُ هنا أدواتُ العقل والمعمل، وبينهما هوةٌ سببها مستوى تطور الصناعة الفرنسي المحدود قياساً بجارتها القائدة إنجلترا وزميلتها التابعة هولندا، حيث بدأ المشروع الصناعي الواسع، حيث انتجت إنجلترا [فرنسيس بيكون] لا ديكارت.

بين منهجي الفيلسوفين مستوى التطور الصناعي العلمي المتداخل، فعندما يقول ديكارت أنا أفكر، يقصد تفكيره المستقل في المكتب، ورؤيته الفردية، الباحثة عن الأسباب في ظواهر طبيعية واجتماعية مدروسة بشكل نظري عقلي، معزول عن شبكة الطبيعة والمجتمع.

يواصل ديكارت منهجية العقل الباحث السابق في القرون السابقة، ولكنه يفصله عن العقل الديني، وهو لا يفصله ليربطه ب [التجريب] بل بالتحليل والبحث النظري، فتعبر جملة أنا أفكر، أي أنا فكرٌ عقليٌ مستقل عن الدين الذي له منهج مختلف في قراءة الطبيعة، فمنهجي، يقول ديكارت، منهجٌ عقلي مستقل، يبحث في الظواهر بموضوعية، وبلا سببيات مُسبقة، وهو يكتشفها داخلها عبر البحث والتأمل، الذي هو المصداقية الأساسية في العقل.

لكن العقل العربي ( البرجوازي ) لم يبدأ ديكارتياً، بل كانت جملته :

[أنا أستورد.. إذن أنا موجود!].

لم يكن نصيب فرنسيس بيكون المفكر البريطاني وهو يؤسس منهجية علمية في الحضارة الغربية، كنصيب ديكارت، في عمليات الاستيراد العقلي العربي، فقد حظي الأخير باهتمام كبير في هذا الوعي وهو يحاول أن يردد صرخة ديكارت :

[أنا أفكر إذن أنا موجود!].

لا يعود ذلك إن العقلَ المصري الحديث، وهو بؤرةُ العقل العربي في وقت تشكله، لم يعرف بيكون، أو أن العلاقات الثقافية الفرنسية – المصرية وهي العلاقة التي تشكل بها الوعيُ الحديث المصري وهو يرى العالم كانت كبيرة، بل أن الأمور تعود إلى جوانب أكثر تعقيداً.

لقد كانت اللغة الإنكليزية أكثر حضوراً في الترجمة والبحث، وكانت الهيمنة البريطانية قوية على العقل المصري والعربي عموماً.

 ونقصد بالعقل هنا، طريقة تفكير الشرائح الوسطى العربية التي استعارت لفظة العقل، لتجعلها بديلاً عن لفظة الوعي، ولتجعلها بهذا لغة تجريدية، تــُصادرُ بها عملياتَ البحثِ الملموسة والموضوعية في البُـنـى الاجتماعية.

لكن مع هذه السيطرة البريطانية السياسية، فإن الوعي البرجوازي المصري وهو يتشكلُ في مخاضهِ الفكري، كان يتوجه إلى النموذج الفرنسي لا النموذج البريطاني في تشييد منهجية البحث. ومن هنا قال عميد الأدب العربي، طه حسين يقول : أنا أفكر إذن أنا موجود، وأعلن تبنيه لمنهجية الشك.

لكننا قبل أن نقرأ طه حسين في مقولته الديكارتية الإيجادية، علينا أن نعرف لماذا رفضوا فرنسيس بيكون؟

إن فرنسيس بيكون هو أبن الحداثة البريطانية، ومنذ سنة 1600 بدأ ظهور منهج فكري جديد في تاريخ العالم وهو [المنهج التجريبي].

[وكان العصر الحديث هو الذي ظهرت فيه أعظم المذاهب التجريبية، أعني مذاهب فرانسيس بيكن، وجون لوك، وديفد هيوم]، ( 30 ).  

ويقوم هذا المذهب التجريبي على اعتبار الإدراك الحسي هو مصدر المعرفة ومعيارها النهائي، فجان لوك يعتبر ذهن الإنسان صفحة بيضاء حين يُولد. ولكن بيكون لم يقصر المعرفة على التجارب بل اعتبر العقلَ أداةَ تحليلٍ وجمع تالية للتجربة، وبهذا وضع الوعي الحديث على أساس متين.

لقد عد بيكون الفلسفات السابقة بأنها أشبه ببيوت العناكب، فهي تصنعُ بيوتها من داخل نسيجها، في حين إن الفلسفةَ العلمية الحديثة هي مثل النحل، تصنع بيوتها من خلال رحيق الطبيعة وعبر التجربة.

إن فلاسفةَ التجريب الإنكليز هم ظواهر إنسانية عقلية هي حصيلة للتطور الصناعي والعلمي البريطاني، وقد بدأت عملياتُ التصنيع في بريطانيا مبكراً، ولم تظهر هنا صرخة ديكارت أنا أفكر إذن أنا موجود، بل صرخة مختلفة، هي أنا أصنع فأنا موجود.

وبدلاً من مثقفي فرنسا العقليين الذين يفكرون من خلال مكاتبهم، ويتابعون الفلسفات العقلية القديمة، كفلسفة أرسطو، التي كانت نادرة التجريب، وقائمة على التأمل، فإن المفكرين البريطانيين اندفعوا للمعامل يحّكمونها في دراسة المواد.

إذن فإن فرنسيس بيكون وجان لوك بدأا في تشريح أفكار البشر الفلسفية العقلية النظرية، فبدأت منظومات التأمل الميتافيزيقية والسحرية في الانهيار.

ولا بد هنا من أخذ دور العالم الإيطالي الكبير جاليلو جاليلي الذي سدد الضربات الهامة للمنظومة الفلكية العتيقة التي جعلت الأرض محور الكون، وحددت السماء عبر منظور خرافي، لكن بلد جاليلو ( إيطاليا ) لم تستمر في عملية الثورة العلمية، حيث أخذت بؤرة الثورة تنتقل إلى غرب أوربا.

إن انتقال الوعي العلمي التجريبي إلى بريطانيا التي كانت المعمل الأول للثورة الصناعية هو الذي فجر عصر الحداثة. ولهذا كان فرنسيس بيكون مؤسس المنهج التجريبي، وهو المنهج التي أثبتت القرون التالية إنه الأهم في إنتاج ( عقل ) حديث.

لقد وضعت المدرسةُ البريطانية ما يسمى بالعقل الحديث لدراسة المادة عبر المعامل، وحينئذٍ لم يكن المجتمع قد أُدخل في هذه الدراسة، فتركزت العملية العلمية على فحص المواد الطبيعية.

وبدلاً من فلسفة العصور الوسطى الدينية التي ربطت قوانين المادة من خارجها، بدأ الوعي الحديث باكتشاف قوانين المادة من داخلها. وهنا أخذت فروعُ العلوم الطبيعية : الكيمياء والفيزياء والرياضيات، في التحول إلى قيادة للوعي المعاصر. لقد اتسعت الاكتشافاتُ والاختراعات في هذه الفترة، وخاصة اكتشاف إسحاق نيوتن لقانون الجاذبية، الذي تداخلت فيه الفيزياء والقوانين الرياضية، فبدأ الاحتلال البشري العلمي للسماء، أي للمجموعة الشمسية، أي في المساحات الكبرى التي يمكن تطبيق قوانين حركية ميكانيكية واسعة عليها، وكان في هذا الاحتلال إعادة لجعل قوانين الطبيعة داخلها.

لقد سدد نيوتن ضربات حاسمة إلى منظومات العصر الوسيط الفلكية، وللآراء أرسطو عن هيمنة فلك ما تحت القمر، وأرواح الكواكب وهيمنة النجوم الخ..

لقد أعطى القرنان السابع عشر والثامن عشر مادة علمية ضخمة في كشف المادة والمكان، الأمر الذي أدى إلى تطور هائل للصناعة المترافقة مع الكشوف الجغرافية واتساع العالم الغربي جغرافياً واجتماعياً، ولكن في القرن التاسع عشر بدأ الفكر التاريخي بالنمو والتبلور عبر دارون وماركس والعديد من العلماء الآخرين، فلم تعد المادة الطبيعية فقط هي المدروسة بل المادة الاجتماعية، التي بدأ تطبيق قوانين مختلفة على دراستها.

وإذا كان المنهجان العقلي والتجريبي هما السائدان في الوعي البرجوازي، الذي رفض القراءة التاريخية والاجتماعية لتطور الوعي والتاريخ، فإن هذا كان يعبر عن تحييد العلوم وابعادها عن الصراع الاجتماعي الدائر في المجتمع الغربي، وبين المجتمعات الغربية والعالم المستعمر.

إن ديكارت وبيكون يظلان يمثلان الخطين الأولين للمنهج العقلي والتجريبي والميكانيكي في هذا الوعي، ولكنهما سيمتزجان في توليفات تالية، وسنجد تداخلاتهما في مناهج مختلفة، كمنهج ماركس الذي جمع بينهما وعبر قراءة التطور التاريخي للمادة المدروسة، فالبضاعة لديه تتحول إلى الجرثومة الأولية لتضادات الأسلوب الرأسمالي للإنتاج، والذي يقومُ بدراسة قوانين ظهورها ونموها، مستعيناً بالإحصاءات الدقيقة عن هذا التطور الاقتصادي التاريخي المركب وذلك في كتابه [رأس المال]. وهنا نجد إنجازات العلوم التجريبية البريطانية المتمثلة في الاقتصاد السياسي البريطاني، الذي يقوم بفحص وتشريح الاشتراكية الخيالية الفرنسية بالأخص، ويدمرها عبر التحليل الموضوعي للحياة الاقتصادية. هذا لا يعني إن ماركس لم تكن لديه استنتاجات سياسية مُسبّقة فرضها على البحث العلمي كذلك إضافة لتباين مراحل تطور فكره : مرحلة الشباب، فمرحلة أقصى اليسار، ثم مرحلة النضج الأخيرة.

لكن العلومَ، حسب رؤى البرجوازيات الأوربية، أخذت تدخلُ في أزمةٍ عميقة. فالمناهجُ الاستقرائية تركز على المادة المفصولة عن شبكتها الطبيعية، وتعجز القوانين الميكانيكية عن قراءة الحركة الدقيقة للجزئيات، وأخذت الاحتمالية الكلية واللادرية، وخاصة شكوكية الفيلسوف البريطاني ديفيد هيوم، عن الاعتراف بقانونية وموضوعية قراءة المادة، في تشكيل أزمة ثقة بالعلوم.

إن فلسفة أنا أفكر إذن أنا موجود، دخلت فى ازمة اجتماعية

وتاريخية، فالبرجوازية الأوروبية غدت تصارع الطبقات العاملة في

بلدانها، التي تحفزت لتسلم السلطة، والحروب بين هذه

البرجوازيات دمرت «العقل» وخاصة في المذبحة الإنسانية الكبرى: الحرب العالمية الأولى.

إذن حين قال طه حسين : أنا أشك إذن أنا موجود، كانت صيغةً أقل قوة من صيغة ديكارت : أنا أفكر إذن أنا موجود!

وطه حسين لم يعلنها صراحة بأنه موجود كأنا طبقية برجوازية تؤسس عصر النهضة العربي الحديث، وشكوكيته هنا القادمة من عصر ديكارت والمتأثرة بخطاه، سارت إذن في المنهج العقلي، المتصف بضعف التجريب، والمعتمد على التحليل العقلي الصرف، بما يسود فيه من فضاء فكري مهيمن، ومتوجهاً إلى الأدب وهو ليس ميداناً حاسماً في المواجهة مع التراث المحافظ، حيث توجه ديكارت إلى الفلسفة، وهي الميدانُ الحاسم في الصراع الفكري، ولهذا فإن طه حسين كان ذا عدة أدبية بدرجة أولى، لكن التأثيرات الفلسفية المضمرة كانت موجودة في هذا الأدب عبر تسرب الاتجاه الميكانيكي والوضعي والجدلي الواقعي لكن ليس فيها منهج حاسم.

أنا أشك إذن أنا موجود، اعتبرها طه حسين طريقة لإعادة إنتاج عقل عربي حديث، يقومُ في البدايةِ باستعمال الشك وتوسيعه في كافة ظاهرات البحث والدرس، وقد اعتقد إن استخدام هذا المنهج وتطبيقه على ظاهرات الثقافة كفيل بتوسيع استخدامه في كافة القراءات للمجتمع العربي المتخلف.

لكن زمان ديكارت كان قد انقضى عليه أكثر من قرنين، انطلقت فيه مناهج أخرى، وفي العقل البرجوازي نفسه، كان المنهج التجريبي قد انتزع مكان الصدارة.كذلك كان المنهج الدارويني الاجتماعي والمنهج المادي التاريخي والجدلي الماركسي، قد اثبتا حضورهما في الوعي الحديث.

إن عودة طه حسين إلى ديكارت، يؤكدهُ المسارُ العربي التقليدي الراكد، الذي لم تهزهُ الثورةُ الصناعية، وحين بدأت مصرُ الدخول فيه، عبرته من خلال الصناعات الاستهلاكية : السكر، والنسيج الخ.

ولم يكن لطه حسين علاقة بالمناهج التجريبية أو بالمادية التاريخية، وقد صارع بقوة المناهج الأزهرية المتخلفة في درس التراث، وكان هذا الصراع الفكري المنهجي هو الذي يؤسس نظرته إلى العالم، فهذه [التجربة] الشخصية كانت المعمل لإنتاج وعيه.

كان [الشيخ] التقليدي ماثل في وعيه، وهو الذي يراه كعائق أمام تحديث العلوم، لكنه أخذ الشيخ الديني كطرائق في البحث، وكأساليب في درس التراث، وليس كبُنية اجتماعية عتيقة، أي كجزء من منظومة سياسية تقليدية هيمنت على المسلمين، ولهذا فقد شهر سيفه أي قلمه في وجه هذا الشيخ المفصول عن النسيج الاجتماعي، وعن منظومةِ الإقطاع الغارزة حرابها في الجسد الاجتماعي، وحين كان يكتبُ عن أبي العلاء المعري، فقد اتخذ صنوه من العصر العربي القديم، ليس للاشتراك في العاهة الجسدية والتغلب عليها فقط، بل لمستوى الوعي المتقارب بين الرجلين، المعري في عصره العربي الإقطاعي المتفتت، وطه حسين في عصره العربي الإقطاعي المتفتت والمتُكون مجدداً.

وإذا كانت الشكوكية والسخرية والنقد المرير اليائس قد ظللت فيلسوف معرة النعمان، فإن الشكوكية البناءة المتفائلة ستكون النسيج الروحي لعميد الأدب، وهو يحاول أن يُخرج الأمة من الظلام إلى النور، مثلما هو يشكل خطاه على الأرض الدامسة، جامعاً بين فرنسا الحرة وإعادة تشكيل مصر الحرة.

وقد بينت معركة كتاب [في الشعر الجاهلي] طابع منهجية أنا أفكر المصرية التي أنتجها طه حسين. فالشك قاده إلى التشكيك المعقول بصحة الشعر العربي الجاهلي، لكن هذا الشك لم تسنده قراءات اجتماعية واقتصادية في بنية العرب الجاهلية قبل الإسلام، فقد أخذ الظواهر التعبيرية وإشكالياتها الحقيقية في معزل عن اللوحة الاجتماعية التاريخية المتكاملة. فأصدر حكمه بعدم حقيقية هذا الشعر الجاهلي. وقد عبر المنهج الشكوكي هنا عن قراءة عقلية فنية وفكرية غير غائصة في الجذور الاجتماعية للشعر والنثر الجاهليين، فجاءت أحكامهُ غير دقيقة علمياً. فكان للمنهج العقلي الشكوكي هنا نتائج مضادة للجوانب التي يبتغيها من نشر المنهج العقلي الباحث. لكن أسئلة طه حسين المهمة والكبيرة أدت إلى بداية البحوث في تاريخ العرب، والتي سينجزها باحثون آخرون. في حين ظل هو على عناده من مسألة الشعر الجاهلي المنحول، فأضاع فرصة في قراءة جذور التكون الإسلامي.

وفي وقت صدور الدراسة اتخذت القوى السياسية المصرية المتصارعة الكتاب القنبلة – والذي لم يهتم الرأي العام فيه إلا بجمل صغيرة تشكك في بعض النبوات، والتي حُذفت في الطبعات التالية للكتاب – اتخذت من الكتاب أداة لتسوية حساباتها السياسية.

فخطة القصر الملكي والاستعمار بتقوية الجماعات المذهبية واضعاف حزب الوفد، اصطادت الكتاب وحرضت الجماعات المتعصبة فما كان من حزب الوفد إلا أن هاجم المؤلف (الموتور)، وبهذا دخل حزب البورجوازية المصرية في سلسلة الدفاع عن النظام الإقطاعي الديني، بدلاً من أن يقود معركة العلمانية والديمقراطية بعمق.

بينت معركةُ كتاب (الشعر الجاهلي) المعسكرات الاجتماعية والسياسية والتي ستدخل معركة التحديث العربية بتردداتها وإنجازاتها وهزائمها، وهو هيكلٌ عامٌ اجتماعي واقتصادي لم يتغير نوعياً خلال القرن العشرين بل وربما أزداد ميلاً صوب المحافظين، بسب اكتشاف الثروة النفطية في المناطق الأقل تطوراً من العالم العربي.

ولكن يهمنا هنا استلال الخيط الفكري العقلي التحديثي وهو يتكون في المواد الاجتماعية البسيطة.

فطه حسين بتقديمه هذه اللوحة التشكيكية في التراث العربي الجاهلي، انطلق من أسئلة موضوعية بدون قراءة مادية تاريخية للعصر المدروس، بل من جانب رؤية مُسبّقة في اعتماد منهج الشك، ورفض المادة الوفيرة التي تؤكد صحة نسبة كبيرة من هذا الشعر إلى عصره. لكن الأهم في كل ذلك هو اعتماد الدراسة على جوانب فكرية مفصولة عن سياقها التاريخي في الماضي والحاضر، وبالتالي عدم تلاقح مذهب الشك مع أدوات البحث التاريخي الموضوعية، واكتشاف سياق التطور العربي، وأهمية الإسلام كثورة تجديدية في حينها، وأهمية رؤية دور مكة التجاري البرجوازي كمدينة تحاول أن تشكل عالماً نهضوياً، تم إدخاله بعد هذا مع تكون الإقطاع وتطوراته في عمليات الفتوح وبسبب آثارها الاقتصادية. أي أن الأدب الجاهلي كان يعكس جذور دور طبقة برجوازية (حرة) كانت تعيد تشكيل مجتمع أبوي، يدخل تواً العصر الطبقي.

أي أن الفئات البرجوازية المصرية التي دخلت العصر الحديث كمثيلتها القرشية المكية، دخلته وهي تابعة للبرجوازية البريطانية، ومتداخلة مع الإقطاع السياسي الملكي الحاكم والديني، فلم تستطع أن تطلق صرخة ديكارت : أنا أفكر إذن أنا موجود!

بل كانت كلمة طه حسين أنا أشك، فأنا حائر، تائهٌ بين الطرق الاجتماعية.

إن الفئات الوسطى المصرية كانت كلمتها في الواقع : أنا استورد واصدر، وليس أنا أصنع فأنا موجود، فكانت معامل التجريب نادرة، وكان الفكر العقلي الذي تنتجه طالعاً تواً من الأزهر، فلم يستطع أن يقرأ حاجاتها الموضوعية، وأن يقود معركتها التحديثية.

 لنلقي نظرةً تشخيصيةً حول فكرته عن العقل.

إن اقتراب طه حسين من الفكر الفلسفي نجده في الصفحات الأولى من كتابه : ( مستقبل الثقافة في مصر ) الذي يقدمُ فيه خطةً عامة لتغييرِ نظام التعليم في مصر، والجمعُ بين هذا الفكرِ النظري العام وقضيةِ التعليم تحديداً، هو قمةُ عمل النهضويين (العلمانيين)، الذين اقتصروا على البثِ الثقافي وليس العمل السياسي والاجتماعي المباشر، حيث صعّد طه حسين تدريجياً التنويرَ الأدبي ليغدو نضالاً سياسياً تبلور عند التعليم، وذلك بسبب تصور التنويريين المثالي عموماً بكونِ الثقافةِ هي أداةُ تغيير التخلف، لكن هذه الثقافة مصاغةٌ داخل آليات بنية الإقطاع المذهبي وليس لاجتثاث هذه البــُنية مما يؤدي بهذه الثقافة نفسها أن تكرس تلك البنية لا أن تهدمها كما كانوا يتصورون.

ولهذا فإن منطلقات عميدِ الأدب طه حسين شبهِ الفلسفية في مقدمة هذا الكتاب تتطابقُ وخطته لتغيير التعليم في مصر التي أعلنها في هذا الكتاب سنة 1938 ثم طبق أساسياتها حين صار وزيراً للتعليم في حكومة الوفد بعد ذلك.

وفي هذه المنطلقات فإن مسألة ( العقل ) تغدو بؤرةً مركزيةً في عمليةِ إنتاجِ المفاهيم وتطبيقها، ولهذا يقول :

( فهل العقل المصري شرقي التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء، أم هل هو غربي التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء؟ وبعبارة موجزةٍ جلية أيهما أيسر على العقل المصري : أن يفهمَ الرجلَ الصيني أو الياباني، أو أن يفهم الرجلَ الفرنسي أو الإنجليزي؟)، (31).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انظر كل ذلك عبــدالله خلـــــيفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث، وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة ، 2015.

صراع الطوائف والطبقات في لبنان

فصل من كتاب صراع الطوائف والطبقات في المشرق العربي وإيران

أقيم البناءُ السياسيُّ اللبناني الحديث على طوابقٍ قديمة من الطوائفِ الكثيرة ذات الارتباطات المختلفة، فهناك أكثر من عشرين طائفة، فهو مجتمعٌ من فسيفساءٍ سكانية لم يَعرفْ الدولة المركزية، ولعبت فيه بعضُ الطوائف دوراً مركزياً في فترات معينة دون أن تستطيع إقامة دولة محورية وطنية، حين قامت هذه الطوائفُ بدورٍ مركزي في الحياة السياسية المناطقية، أو حين هيأتها ظروفٌ عالمية مستجدة للتحرك بما يغاير من الخريطة السائدة حولها، وتلعبُ هنا الكثافة السكانية دوراً مهماً، فبدونها يستحيلُ تشكيلَ قوى عسكرية – سياسية في هذه الفسيفساء السكانية.

فجرجرتْ الطوائفُ الممزقة المتصارعة ذاتَها إلى العصر الحديث بدون تغيير جوهري في بناها المختلفة.

كان للطوائف جذور قديمة، ولكن تاريخها الحديث وتوظيفها في عصر تنامي الرأسمالية الغربية بدأ مع تضعضع الأمبراطورية العثمانية، وبين سنتي 1840 – 1860 نشأت الثورة الفلاحية ضد الإقطاع، ثورة طانيوس شاهين، وتم توظيف التحركات الشعبية لهندسة نظام الطوائف وتفجير الصراع الطائفي بينها، فجرى العملُ لصنع منطقتين سياسيتين، الأولى يسيطرُ عليها الدروز، والثانية يسيطرُ عليها المسيحيون.

ومن أواخر القرن التاسع عشر حتى الثلث الأول من القرن العشرين تشكل نظامُ المتصرفية، الذي نصَّ على قيامِ كلِ دولةٍ أوربية بحماية جماعتها الطائفية، (فرعت) فرنسا الطائفة المارونية، وانجلترا الدروز، وروسيا الأرذوكس ورعت المسلمين سنة وشيعة الدولة العلية أو العليلة الدولة العثمانية.

مع الاستعمار الفرنسي نشأ لبنانُ الكبير، الذي بدأ ينسلخُ عن سوريا الطبيعية والسياسية، وقد ثبت الفرنسيون نظامَ الطوائف وكرسوه، وصنعوا رئيساً للجمهورية من المسيحيين.

وقد قامت القوى الوطنية اللبنانية في صراعها ضد الاستعمار على أزواجية فكرية تتضمن وحدة سياسية تقوم على التقاسم الطائفي، فتمَّ توزيعُ المناصب بعد الاستقلال، بعد سنة 1943، على أساسين ديني ومذهبي، لكن بأن يكون ذلك مؤقتاً، وليس دائماً، وأن يتشكلَّ لبنانُ الوطني، لكن فكرة رياض الصلح هذه تم دفنها مع تنامي حضور الطوائف. وقد نصت المادة 95 من الدستور على أن الطائفية مؤقتة.

وكان هناك صراعٌ كبيرٌ منذ بداية تشكل لبنان بين ولائين، ولاءٌ لفرنسا أساسه الموارنة، وولاءٌ لسوريا أساسه المسلمون، وبين هذا وذاك، تشكل حلٌ وسط هو لبنان الراهن المتذبذب بين سوريا – البعث، وبين الغرب – فرنسا والليبرالية.

أقر اتفاقُ الطائفِ المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في المجلس النيابي والحكومة، وبين موظفي الفئة الأولى، رغم أن اتفاق الطائف طرحَ انتخابَ النواب دون قيد طائفي مع استحداث مجلس شيوح للطوائف، فكرس اتفاقُ الطائفِ التقاسمَ الطائفيَّ بدلاً من إلغائه.

(من مواد الحزب الشيوعي اللبناني، دائرة التثقيف، تاريخ الطائفية في لبنان).

ويُقدر عدد المسلمين ككل في لبنان بــ(59،7%) من أجمالي عدد السكان، والسنة تقدر نسبتهم ب(27%) من السكان، في حين تقدر نسبة الشيعة بــ(41%)، والدروز(7%)، أما الطوائف المسيحية فتشكلُ ما نسبته (39%)، أكبرها طائفة الموارنة (16%) من السكان، وتعبر الأثرى في المجتمع اللبناني، وهناك طوائف مسيحية أخرى أصغر حجماً، كالكاثوليك اليونانيين، والرومانيين(1%) والأرثوذكس (5%) واليعاقبة والنسطوريين.

من أهم أحزاب المسيحيين حزب (الكتائب) الذي تأسس سنة 1936 بقيادة بيير الجميل، تأثراً في زيارة له لأسبانيا بكتائب فرانكو الدكتاتور الأسباني.

شكل حزبا الكتائب والحزب الشيوعي اللبناني أساس الوطنية اللبنانية النهضوية، من موقفين متضادين شكلاً متوحدين في الجوهر.

فكانت الدكتاتورية الهتلرية أوالستالينية أساس وعيهما، وهو ما ينطبقُ على أحزاب وقوى يمينية ويسارية عديدة في الوطن العربي، ولكن للبنان ظروفه الخاصة، فهو أكثر حيوية وحرية، وهو أسرع توجهاً للمغامرة وأخطارها كذلك، مرة لأنه لا يمتلك دولة استبدادية مركزية، ومرة لأن إحدى الطوائف تحول نفسها إلى ذلك.

كانت (الكتائبُ) بتوجهها إلى نماذج الفاشية تريد حلاً سريعاً لمسائل التشتت الوطني، وقفزاً على جذور التخلف والإقطاع، وباستخدام العنف الشعبي الموظف لقوى اليمين، وكان العدد السكاني يسمح لها بالقيام بهذه المغامرة، وعبر تعضيد فرنسا، التي ما لبثت هي نفسها أن واجهت كارثة الهتلرية.

إن العصبوية السكانية اتاحت للكتائب ذلك؛ فثمة تكتل ماروني، وتراث من التمردات المسلحة، وغياب التراكم الديمقراطي الثقافي العميق.

وحتى بعد هزيمة الفاشية في الحرب العالمية الثانية لم تتحول (الكتائب) إلى تنظيم ديمقراطي، وهذا بسبب جديد كذلك وهو نشؤ المعارضة القومية المتشددة، ونمو الحزب الشيوعي الذي أوغل في دكتاتورية مختلفة، يسارية هذه المرة.

وتقوم عملياتُ التحول السياسي هنا على استيراد فكري مقولب من مخازن الدكتاتوريات العالمية، الصاعدة بقوة، والمؤثرة على الكيانات السياسية الطفولية الناشئة وقتذاك.

إن طرح خطابين دكتاتوريين حادين متنافسين، ومن طبقتين متضادتين لكنهما تمثلان قطبي الحداثة، هو بسبب عملية الاستيراد الفوقية تلك، ولعدم النشؤ الطبيعي للطبقتين الحداثيتين المتصارعتين؛ البرجوازية والعمال، فيغدو خطاباهما السياسيان خطابي مراهقة.

كانت المطابقة مع فرنسا هو هدف المسيحية السياسية ولكن هذه المطابقة مبنية على الديانة، وعلى إرث ثقافي في اللغة والآداب، أما في استيعاب الحداثة الفرنسية وتطوراتها فلم يتشكل ذلك، خاصة في بُنى الأحزاب، فظهرت الكتائبُ ومتوالداتها السياسية كجماعاتٍ أبوية أشبه بالمافيا، نظراً لأن البناء الاقتصادي لم يقم على انتشار المصانع كما في فرنسا، فغدت البنية الفرنسية اللبنانية محض استيراد شكلاني.

كما أن القوى العاملة اللبنانية من جهة أخرى، هي عمال زراعيون وحرفيون وعمال مصانع صغيرة ووزارات، ذوو علاقات قوية بالوسط التقليدي وبالأمية.

وبهذا كانت الشعارات السياسية المستوردة وفرض القوالب تنمو أكثر من عمليات التحليل والتأصل العلمي الوطني، وتقود إلى مواجهة محورية كما حدث في العراق بين البعث والشيوعي، في مسلسل متشابه لتصادم قوى الحداثة بدلاً من صراعها الطبقي وتعاونها الوطني، مع اختلافات التجربة وتراكمها في كل من البلدين.

 يصور مندوبُ الحزبِ الشيوعي اللبناني تاريخَ الصراع الاجتماعي بصورةٍ مختزلةٍ في ندوةِ توحيد اليسار اللبناني السيد أيمن ضاهر، فيقول؛ (ساهم الاحتلالُ الفرنسي باختلال بنية المجتمع اللبناني وهو الذي ساهم بتكوين البرجوازية المارونية، حيث تكدست الأموال في هذه الطائفة دون سواها مما ساهم في تشويه الصراع، مروراً بالحرب اللبنانية التي بدأت بصراع طبقي ما لبث أن تحول إلى صراع طائفي، وصولاً إلى وقتنا الحالي، حيث تقوم القيادات السياسية بتشويه الصراع وأخذ شكله الطبقي بهدف تحويله إلى صراع طائفي من خلال التهويل بقدوم حرب طائفية جديدة)،(المؤتمر المذكور وقد عُقد في 19 يونيو 2007).

تعطينا هذه الفقرة اختزالاً زائفاً أيديولوجياً لتاريخ الصراع الاجتماعي في لبنان، حيث يجري تصوير طائفة واحدة هي الطائفة المسيحية بأنها هي الطائفة الغنية الوحيدة، وأنها شكل البرجوازية، وهو تصورٌ عامٌ مجرد يلغي التاريخَ الاجتماعي الملموس ويدخل تصوراته السياسية المسبقة في أحشاء السرد التاريخي.

وإذا كانت الطوائفُ الدينية والمذهبية الإسلامية قد تكونتْ في بعض مناطق سوريا وجبل لبنان كتكويناتٍ مقموعةٍ هاربة أو محتمية بالتضاريس من عسفِ الدول التي سُميت إسلامية، وهي دولُ طوائفٍ يهيمنُ عليها الإقطاع، فإن التكوينات الحديثة لها تراوحت بين البقاء في النظام التقليدي والنزوح نحو الحداثة، والتجارة، والغرب.

وقد لعبت الطائفةُ المارونية دور القيادة لعملية التحديث هذه، وخاصة الفئات الوسطى منها، وفي ظل التبعية لفرنسا، وقد ساعدها في ذلك بدايةً أفولُ دور الدولة العثمانية التقليدية الشائخة، وصعودُ العلاقات التجارية والفكرية الحديثة التي روج لها الغرب، لتفكيك الدولة العثمانية وإيجاد وكلاء تجاريين وثقافيين له.

ومن هنا وجدنا إن بدايةَ النهضةِ العربية تتشكلُ في سوريا ولبنان عبر هذه الفئات، ومعروف جيداً دور بعض العائلات المثقفة في تأسيس مختلف صنوف الأدب والفن العربيين الحديثين، ثم بعد قامت بنقل ثمار هذه الثروة المعرفية لمصر، نظراً لاستمرار القمع في الشام، وبدء الانفتاح المصري القيادي لعملية تغيير المنطقة.

ولكن ظهور الفئات الوسطى لم يقتصر على الطائفة المارونية بل سارعت طوائف أخرى لاحتضان بذور هذه الحداثة، كالطائفة الدرزية والسنية والشيعية، وافرزتْ قوىً برجوازية لم تخرج من كيانات الطوائف، ويمكن اعتبار الحركة الوطنية اللبنانية هي نتاجُ التفاعل بين هذه القوى الوسطى – التقليدية، وقضايا لبنان المحورية.

إنها برجوازياتٌ طالعةٌ من كياناتٍ مذهبية محافظة، وتحملُ دمغات نشأتِها في إبقائها على تكويناتها السياسية الطائفية، مثلما هي تقومُ على ملكية الأرض الزراعية والحرف والتجارة والمعامل الصغيرة.

وتتشكلُ تناقضاتٌ حادةٌ في هذا التكوين اللبناني، فكلُ طائفةٍ تغدو دولةً، وكلُ دولةٍ تحتاجُ إلى جهازٍ سياسي مسيطر بشكل أبدي، ولا يظهر التغيير من تراكم العناصر التجارية والديمقراطية داخل كيان الطائفة، بل من خلال انشقاقها، عبر ظهور دولة طائفية مختلفة أو مضادة، يؤسسها زعيمٌ تحديثي – تقليدي آخر.

إن التطورات تجري في لبنان بشكلٍ تفتتي وانقسامي، مما يضعفُ ويخربُ هذه التطورات ويعيدُها لسابق عهدها.

إن الفئات الوسطى الصغيرة الذابلة في كل طائفة لا تقيمُ تحالفاً، بسبب أنها لا تصل في عملها السياسي إلى سمات الحداثة وهي العلمانية والوطنية والديمقراطية، مثلما أنها تعجزُ على الانتقال إلى الصناعة الكبيرة وانتشار العمل بالأجرة وحرية النساء الواسعة.

وإذا كانت تستطيع بشطارتها أن تقفز على بعض الحواجز الاقتصادية، وتتفن في طرق التجارة، وتهاجر إلى اقصى بلدان الأرض، لكنها لا تستطيع أن تقفز حدود الطوائف القريبة.

وإذا كانت بعض الدول العربية تجاوزت هذه الفسيفساء الطائفية نظراً لوجود دولة مركزية موحدة، أتاحت تشكل سوق وطنية واحدة، إلا أنها تظل طائفيةً لغياب نفس السمات السابقة الذكر، وهي لحظةٌ تاريخيةٌ تعبرُ عن عجز قوى إنتاج الصناعة الصغيرة أو الاستخراجية والتحويلية في عموم البلدان العربية عن نقل البلدان إلى بنى جديدة.

لكن في لبنان تتضاعفُ الخسائرُ المفردةُ المحسوبة في كل دولة عربية، ففي لبنان عدةُ دولٍ مضمرةٍ فيه، يقومُ شيوخُها وإقطاعيوها وبشواتها، كلٌ في مركزه الصغير بتمثيل دور صاحب العظمة والفخامة.

والزعيمُ من جهةٍ يحافظُ على ألقاب الباشا الموروثة طائفياً، وهي ألقابٌ تتحولُ مع تبدل دور الطائفة وتحالفاتها، الوطنية والمناطقية والعالمية، كما لا ينسى دورَ التاجر البارع في التقاط أي ثمرة مالية تتيحها التجارةُ والسياسة والدين.

ولكن ليس دائماً تؤدي الشطارة إلى أرباح، فكثيراً ما كانت التحالفات مدمرة وضارة، فتحالفات الباشوات اللبنانيين تـُؤسَّسُ سياسياً وليس على التراكم العقلاني العلماني الوطني، يقومُ بها الباشواتُ في حكمِهم المطلق على الملأ، فيختار الساسةُ الموارنة التحالفَ مع الغرب الاستعماري ضد تيار القومية العربية الكاسح حينئذٍ، وإذا كان ذلك فيه شطارة التاجر اللبناني المرهف الحس للرأسمالية الغربية ودورها التاريخي وأرباحها الجزيلة، إلا أنه وقوف ضد سوقه القومية وما يُنتظر لهذه السوق من تطورات عظيمة.

وإذا كان ذلك قد حدث حين أثبتت الصحراءُ العربية النفطية كرمَها الباذخ، وأخذ بعضُ هؤلاء الساسة يتنسمون نسائم نجد العليلة، فيغيرون من ولاءاتهم بلمح البصر، إلا أن ذلك يظل في عقل الباشا، وليس في عقل البرجوازي الحديث.

 وعلى عكس ما يقوله مندوبُ الحزب الشيوعي اللنباني في الندوة السالفة الذكر بكون الطائفة المارونية هي حجرُ العثرة في تطور لبنان لأنها حازت على كل الثروة، فقد كانت هي بعضُ الانقاذ المأمول، لو أن أمثاله وتياره واليسار اللبناني عامة أمتلكَ شيئاً من بُعد النظر. فتيار تصعيد العداء لم يؤد إلا إلى إنهيار بذور الحداثة.

تمظهر العداءُ الطبقي (الشيوعي)، (البروليتاري) للبرجوازية كما يتمظهر ذلك في جملة أيمن ضاهر بالعداء للموارنة، وهو أمرٌ كان يخفي عداوة الفقراء المحدودة للأغنياء، كما يتماشى ذلك مع توجيهات الحركة الشيوعية وقتذاك بتصفية البرجوازية وإقامة النظام الاشتراكي.

لقد تملكت الحزبَ الشيوعي واليسارَ رغبةٌ تسريعيةٌ وهدفٌ مباشر هو القضاء على البرجوازية، فالبرجوازيات لا تستطيعُ أن تقيمَ دولةً ديمقراطية، كما أنها عميلةٌ خائنة، ومظاهرُ ذلك لدي هذا الوعي كثيرة، فهي تعادي المعسكرَ الاشتراكي وهي تقيمُ علاقات مع الغرب، وهي تشغلُ العمال بأجور متدنية، وهي ترفض التصنيع الواسع، وهي أساس النظام الطائفي، ثم هي تعادي الوجود الفلسطيني المسلح ذروة حركة التحرر العربية الخ..

إن الدخولَ في هذا السياق السياسي علامةٌ واضحة على المراهقة، لكن تنفيذه على صعيد الحياة كان انتحاراً. وإذا كان ذلك لا يستندُ لفهمٍ حقيقيٍّ عن الاشتراكية ومدى وجودها في المعسكر (الاشتراكي)، لكن هذا يشيرُ كذلك إلى وجود دكتاتورية قوية في اليسار اللبناني، وإلى اعتمادهِ على نقل النسخ المستوردة من الشرق، ولهذا كانت الأدبيات السياسية وقتذاك تصدح بمنجزات الشقيق الأكبر وعظمة البلدان الاشتراكية وتندفع الوفود السياسية والشبابية للاندماج بهذه التجربة العالمية ويجري تحضير القوى السياسية لهذه المعركة الفاصلة مع البرجوازية المارونية.

وكان ذلك مفيداً ومهماً في العديد من الجوانب وبنشر ثقافة جديدة في المنطقة لعب فيها لبنان الجديد هذا دوراً كبيراً، لكن صيغة تلك الإيديولوجية لم تخضع لتحليل عميق وأدت إلى مشكلات كبيرة للحركة السياسية العربية التقدمية، وكان دورها في لبنان أخطر وأفدح.

لكن ذلك لا يعني أيضاً عدم رعونة حزب الكتائب والتيارات اليمينية المتطرفة الأخرى، فكان العداء للمسلمين وارداً على جدول الأعمال منذ نضال الاستقلال، وظهور التيارين الأساسيين تيار الوحدة مع سوريا وتيار الوحدة مع فرنسا.

وبطبيعة الحال كان هذا ميراثاً لقمع المسيحيين في الأمبراطوريات المذهبية السابقة، ولكن عوضاً عن إنتاج فكر وطني علماني تكرست التيارات المسيحية في الهياكل الطائفية، والأخطر ذهابها للفاشية، مما كان يقود إلى تطاحن هائل.

ولم يكن لعداء التيارات (الإسلامية) ضد المسيحيين جذور طبقية في فقراء غير مثقفين وفي مثقفين فقراء في الفكر فحسب، بل تربضُ تحته العداءاتُ الدينية بين المذاهب الإسلامية والمذاهب المسيحية. ويجري تصويره كصراعٍ طبقي بين البروليتاريا الثورية والبرجوازية الطائفية المتعفنة!

كانت عمليةُ إنتاجِ فكرٍ ديمقراطي وطني علماني متعثرة في تاريخ لبنان كما في الدول العربية. كان الحزبُ الشيوعي اللبناني قد تأسسَّ بفاعليةِ بعض المثقفين المسيحيين! ثم قام يسرعُ دورَهُ في مجتمع اكثر إنفتاحاً من بقية الدول المجاورة، فتراجعت القياداتُ (المسيحية) داخل الحزب، وأخذت القياداتُ(الإسلامية) في الصعود وخاصة القيادات الشيعية، وبهذا توجه الحزب أكثر فأكثر نحو قوى الشرق التقليدية، فأخذ طابعهُ الدينيُّ الشرقيُّ المتماثل مع ديانات الشرق المحافظة عموماً في البروز. فقد كانت تجاربُ الأحزاب الشيوعية العربية واعدةً في توجهاتها الوطنية الديمقراطية حتى إذا تجاوزت هذا الدور أخفقت، لأنها تكون حينئذٍ ناسخة لدور عالمي لا يجد إمكانية حقيقية في واقعها وفي أعضائها.

وكان الانتحار هو في الدخول إلى سياق الحرب الأهلية، الذي ترتب على تشكيل مواجهة داخلية يسارية – يمينية، رفدها الحضور المسلح الفلسطيني والتآمر الإسرائيلي الغربي.

لقد لعبت تلك الجذور الفكرية السياسية دورها في دفع اليسار اللبناني للمواجهة، ولم يشتغل على المهمات الديمقراطية والتحديثية بشكل استراتيجي مطول، فأدى هذا إلى نضوب طاقاته حتى الجسدية منها، وتراجعه عن بؤرة الحياة السياسية، وصارت أجنحةً منه تعود للوراء، إلى المعسكرات المذهبية السياسية، بشكل اصطفافات بدلاً من نقد ذلك الماضي وتجاوزه.

ويمكن أن نرى في اصطفاف الحزب الشيوعي اللبناني مع المحور السوري _ الإيراني تتويجاً لهذا المسار المتعثر، فتظهر جملٌ مماثلة للزمن القديم تحت مضمون مغاير، فهذه الجمل تؤكد على أهمية التصدي للأمبريالية ولدعم القوى التي تواجهها في المنطقة، لكنها لا تنتقد غياب الديمقراطية في هذه الدول، وهو الغياب الذي أدى إلى الانهيار في مواجهة الاستعمار.

بل أن هذا الغياب شديد الخطورة على دول المنطقة، وفي تصعيد التسلح والحروب، وهي الأمور التي تقود إلى أوضاع مضادة لتلك النوايا.

وكما رأينا في تراجع الحزب الشيوعي العراقي نحو مواقع مذهبية معينة يحدث هذا أيضاً في الحزب اللبناني، فقد صارت القوى المذهبية ذات طابع مؤثر بدلاً من أن يقود التقدميون هذه القوى إلى آفاق النضال الحقيقية..

إن غياب النضال الوطني العلماني قاد هذه الأحزاب تدريجياً إلى التماهي مع المحور الإيراني – السوري، يقول بيان من الحزب الشيوعي اللنباني:

(إننا نستطيع أن نؤكد إن نضالنا وتضحياتنا وفق النهج الذي سرنا عليه بتوجيهات مؤتمري الحزب الثاني والثالث قد أعطت حزبنا رصيداً نضالياً، استمر خلال السنوات اللاحقة للحرب الأهلية، ومن شأنه أن يزيد من دورنا اللاحق في معركة البديل الجذري لنهج التراجع والاستسلام في قيادة حركة التحرر الوطني لشعبنا ليس فقط في لبنان بل في العالم العربي عامة. إننا نؤكد من رحم هذا الوعي الثوري، بأن الشيوعيين ربطوا مصيرهم بمصير حركة التاريخ، بمصير انتصار إرادة الشعوب العربية، وربطنا مصير القوى المنحرفة قومياً مصيرها بمصير المد الأمبريالي في منطقتنا الذي هو اليوم في أوجه. بمصير الصهيونية والرجعية العربية).

هل تصنع العبارات الحماسية شيئاً إيجابياً؟ لقد تدهور اليسار بعمليات المغامرة، ودون أن يعني ذلك عدم تجميع القوى الممكنة والعمل على حشد كافة الفرقاء لتغيير ديمقراطي علماني ووطني.

 ليست المصالحات اللبنانية تقوم على أرض صلبة، بل هي مصالحات تكتيكية، نتيجة لتغير ظروف خارجية، خاصة لتوجه سوريا للمفاوضات مع إسرائيل بشكل سري، مما جعل القوى المتصلبة تدرك بأن لا شيء ثابت وقوي في الدول العربية الشمولية.

تغدو المصالحات توافقات تكتيكية ولا تدخل إلى عظم الهيكل النخر للنظام الطائفي، فلم تصل حتى وثيقة الطائف إلا إلى محاصصات طائفية، وواصلت القوى السياسية العيش والعمل في نظام القرن التاسع عشر دون تغيير جوهري.

فالقوى التقليدية تظل هي السقف المسيطر ولا أحد قادر على تشكيل ثوابت الحداثة في النظام، لتستمر صراعات القوى المذهبية التقليدية، بشكل ثم تتصارع بشكل آخر، دون إحداث تراكم ديمقراطي وطني.

بعض قوى اليسار اتخذت مطالب العمال والكادحين لتأييد جهة طائفية ضد أخرى، وليس لتغيير حياة هؤلاء باتجاه وطني شامل.

إن المحاصصة الطائفية وتوزيع الكراسي والوزارات ثم توزيعها بشكل آخر ثم إجراء مواجهات دامية وغير هذا من ألعاب السياسة، تجعل فريقي السلطة والمعارضة، أو فريقي السلطة الآن، يواصلان تمزيق لبنان، وإعداده لمذبحة أخرى.

هل يمكن لبعض الفرقاء اللبنانيين كتحالف تيارات المستقبل والكتائب واليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي التقدمي أن يؤسسوا تياراً ديمقراطياً لبنانياً توحيدياً؟

ليس ذلك ممكناً وهم قد اعتمدوا على نفس الأسس الطائفية في بناء تنظيماتهم السياسية، باستثناء اليسار الديمقراطي، ولم يفصلوا بين السياسة والدين، ولم يشكلوا فريقاً فكرياً واحداً يعتمد عناصر الوطنية والعلمانية والخطوات الوطنية المتفق عليها لتغيير حياة أغلبية الشعب، فذلك لوحدث يتطلب إعادة قراءة تاريخ لبنان، وطرح فهم مغاير للأديان عن الرؤية التقليدية الإقطاعية السائدة، وتشكيل علاقة تعاون معينة واستراتيجية بين الفئات المتوسطة والعمال.

وليس ذلك بسبب إن إيران دولة دينية شمولية تريد فرض نموذج الدولة الدينية هذه فقط، بل لأن كل دول المنطقة غير قادرة على تصعيد مثل هذه الدولة الوطنية العلمانية، فتغدو الصراعات ثم الحروب هي المعجلة لمثل هذا الحل، وهي كوارث بامتياز.

وتغدو هذه أشد وأقسى في لبنان بسبب التاريخ والتكوينات الطائفية الكثيرة التي تم استعراضها سابقاً، وبسبب كون الفلاحين والعمال لا يحصلون على حياة تليق بهم.

وإذا رأينا الكتل السكانية المذهبية فسنجد إن كتل الفقراء الواسعة الكثيفة هي التي تدعم السياسات المذهبية المعارضة، وسنجد إن الطوائف التي تحوزُ على نسبة كبيرة من الثروة الوطنية هي التي تدعم الطائفية المحافظة، والتبعية.

ولكن مختلف الطبقات والقوى السياسية لا تعترف بأن الصراع على الثروة والحكم هو سبب المشكلات لا الأديان والمذاهب.

وبسبب هذا الصراع على الثروة المتشابك مع الحكم تـُقام علاقات غير وطنية وتحالفات فوق رؤوس المواطنين وتعدهم لمشروعات رهيبة. ويخف الصراع ويشتد بسبب هذا التداخل، وفي بلد بمثل هذه الفسيفساء يغدو عسكرياً عنيفاً في قممه الحمقاء.

أخذت قوى عديدة تريد فض الاشتباك بين المذاهب والسلطة، بين الثروة والحكم.

يقول أحد الكتاب (ثمة خياران: إما أن تغرق المنطقة في سلسلة حروب طائفية تفضي في النهاية لاستهلاك طاقة الطائفة ذاتها، وهذا ما تفعله الصراعات العنيفة دائماً أقصد استهلاك الطاقة الكامنة في عواملها، أو ينتصر الوعيُّ والعقلانية، وتنتفض شعوب المنطقة لتمسك يدها بمصيرها، وتختصر مساراً طويلاً من الألم والدم والخراب)، (معقل زهور عدي، الصراع الاجتماعي والانقسام الطائفي).

نرجو أن لا تنتفض الشعوب بل أن تراكم الثقافة الديمقراطية الحديثة وتتشبع بها أحزابها المناضلة، وتغير من القوانين العتيقة والتشكيلات السياسية المذهبية واحتكار السلطة والثروة، لأن الانتفاضات عادة دامية حادة، ولا تتصف بعقلانية سياسية ولكنها غير مستبعدة.

وقد توصل أغلبية المجتمعين في ندوة توحيد اليسار اللبناني إلى أفكار مهمة مثل هذه:

(وجدوا أن اليسار يفتقد إلى تنظيم قادر على بلورة شكل الصراع، من خلال تكوين الوعي الطبقي لدى الطبقة العاملة، وأن جزءً من اليسار اتخذ قراره بدعم دولة المؤسسات بحجة أن النظام اللبناني ليس رأسمالياً، وأن اليسار لم يعرف كيفية التعاطي مع تشوه الصراع وإصلاح هذا التشوه، ورأوا أن دور اليسار يكمن في تسليط الضوء على الصراع الطبقي بمواجهة الأقطاب التي تعطي هذا الصراع طابعاً طائفياً، وفي رفض الصراعات الفئوية والطائفية، بالإضافة إلى إعادة صياغة شكل الوعي والعمل على تحقيق مكاسب أكبر للطبقة العاملة)، (ملتقى اليسار اللبناني، 2007).

إن تكوين مصالح وثقافة لليسار الموحد لا تنفصل كذلك عن توسيع بذور العناصر الديمقراطية والعلمانية والوطنية في كل الاتجاهات الأخرى، ففي النهاية سوف تظل القوى الوسطى هي المسيطرة على السلطة، لكن باتجاه تلك الثوابت التحديثية.

والنظام اللبناني ليس رأسمالياً حديثاً على المقاس الغربي، ككل الأنظمة العربية، فهو نظامٌ انتقاليٌّ بين الإقطاع والرأسمالية، ودرجات الانتقال تحددها تطوراتُ القوى المنتجة والوعي والتشكيلات السياسية، ونمو السياسة التحديثية يتشكل باستبصار هذه العوامل الموضوعية والذاتية المتداخلة وتوظيفها لمصلحة الأغلبية من السكان بغض النظر عن مذاهبهم وأديانهم.

جذور الصراع الطائفي اللبناني

فصل من كتاب صراع الطوائف والطبقات في المشرق العربي وإيران

جغرافية لبنان الجبلية العالية وتشكل مدنه وراء هذه الجبال الحارسة الصادة لطغيان ملوك الشرق وأباطرته الباذخين الناهبين السرمديين، هي التي أعطتْ مدنَهُ وأريافه إمكانيات أن تكون لها رؤوسٌ عالية، وأرادةٌ نضالية، حين جمعت هذه المدن بين الأسوار وروح النضال وعقلية البحث والتجارة.

ولكن الحرية غير مكتملة لأن المدن على مرمى حجر من طغاة الشرق، كما أن هؤلاء قادرين على التسلل بين الجبال وحرق المدن أو الإستيلاء عليها.

ولهذا كان لبنان وما يقاربه من سوريا هو أرضُ المنفيين، والمهاجرين المعذبين، والتجار المغامرين، ولم تفلح ثورتهُ الفكريةُ الديمقراطية داخله وإنتقلتْ لبلاد الأغريق حيث الإتساع الكبير والحماية الجغرافية المنيعة.

فاضتْ عليه الدياناتُ والأمبراطورياتُ المسيحية والإسلامية، وجاءه المعذبون والمناضلون الذين فشلوا في نضالاتهم، والموظفون الحاكمون مندوبو الدول، فتكونت فيه فسيفساءٌ دينيةٌ مذهبية إجتماعية، من موظفي الخلفاء الراشدين إلى حكام الخلافات الإستغلالية التالية. من قادة يرسلهم عمر بن الخطاب إلى القبيلة العربية المهزومة بعد حرب صفين، وزُرعت فيه كلماتُ المنفي المناضل أبوذر الغفاري وقوى الحلم الإسلامي بالعدل وأصطفت إلى جانب المعذبين المسيحيين الهاربين من الاضطهاد.

لم تعد المدن التجارية الموانئ المزدهرة هي فقط ما ينتجه العربُ المسيحيون والمسلمون بل الأرياف المزدهرة والمحمية بالأحراش وغابات الأرز التي صارت عنواناً للحماية وشموخاً وإختباءً.

زرعتْ فيه الدولُ الاستغلالية الأحقادَ الدينية والشكوك، فكلما جاءت قوةٌ مهيمنة قتلتْ أصحابَ العقائد الأخرى، ونفختْ في عقيدتها بالأجهزة وموظفي الخراج مصاصي الدماء.

في القرون الحديثة غدت هذه الفسيفساء الدينية الطائفية ساحات للشطرنج السياسي، فالإقطاع الزراعي ومادته الخام المستغلة الفلاحون، هو الرقعةُ الكبرى التي تجري فوقها خيولُ المصالح، وكل إمبراطورية تتقدم بمجموعة من البيادق الاجتماعية السياسية، الأمبراطورية العثمانية ختام القيح الإقطاعي أخذت تواجه تمرد الفلاحين المُحرَّضين من قبل الغزو الغربي الإستعماري، وشكلَّ هذا التغلغل الغربي أدواته من خلال الثقافة الدينية السياسية فحافظ على الإقطاع الديني السياسي كواجهةٍ زائفة للحضارة الأوربية المسيطرة، وجعل الدين الإسلامي بمذاهبه أكسسورات مكملة للسيطرة العليا المارونية.

السنة في نموهم المدني، والشيعة بكدحهم الفلاحي، يقدمون البضائعَ للتاجر الماروني، كوكيل للاستعمار الفرنسي، لكن المسلمين من خلال توالدهم الكثيف، وحراك منطقتهم التي يسيطرون عليها، وصراعهم المتشنج مع اليهودية، راحوا يغيرون الثالوث اللبناني أو يسقطونه فوق رؤوسهم.

هذا الظرف المنوع المتصارع مكن الاستعمار الفرنسي من تشكيل دولة طائفية يرأسها الموارنة، وتتدرج في سلمها الاجتماعي السياسي المتصارع الملتبس بين الطوائف الإسلامية والطوائف الأخرى.

أعطى العصرُ الحديثُ إمكانيات كبيرة للبنان كي يتحرر وينفصل بذاته عن إستبدادية الشرق الملاصق له، ففرنسا مؤسسة الحداثة الغربية النضالية هي راعيته، وغذت فيه الثقافة الحديثة  عبر المؤسسات التجارية التصديرية الاستيرادية، وكان الموارنة – برجوازية لبنان – هم الوكلاء، ومنذ القرن التاسع عشر تدفقت سيول هذه الثقافة التنويرية الأدبية، لكن بقيت في طابعها الثقافي العام غير قادرة على خلق ثقافة وطنية توحيدية.

فإنتاجُ الثقافةِ من خلال الطائفةِ بشكلٍ إستيرادي يجلبُ مفاهيمَ المصدر، وحتى هنا حين قام الموارنة بجلب الثقافة الفرنسية التحديثية حجّموها في مفاهيم نهضويةٍ مجردةٍ غيرِ قادرةٍ على النقد النضالي للطائفية وإنتاج ثقافة ديمقراطية علمانية، فقادَ هذا الطوائفَ الأخرى لجلبِ ثقافات طائفية من مصادر أخرى.

فواجه لبنان ثقافةً تابعةً للحداثة الشكلية الغربية، وهيمنة دينية إقطاعية شرقية كبرى متعددة الأشكال. سياسياً تجسد ذلك في ظهور حزب(الكتائب) بشكل فاشي، مستوحياً نموذجه من أسبانيا فرانكو، وليس من ثقافة هدم الباستيل الفرنسي، مما أكد جذور الإقطاع الماروني العسكري أكثر من إنفتاح الحداثة الديمقراطي، ووضح عدم قدرة البرجوازية الطائفية على خلقِ ثقافةٍ وطنية ديمقراطية، وهذا قادَ المسلمين إلى بعثِ النماذج الدكتاتورية السياسية لطوائفِهم المختلفة، وهم يقبعون كذلك في الإرث الاجتماعي التقليدي.

 وذلك يتشكلُ عسكرياً بطابع المليشيا التابعة للحزب الشمولي.

إن  كل طائفة حسب هذا التطور تصعدُ دكتاتوريتَها الخاصة، حسب تدفق الثراء داخل قياداتها، وعلاقتها بطرف عالمي مهيمن، وعلاقتها بطرفٍ عربي إسلامي ناهض أو موسع لسيطرته. فيغدو لبنان صدى للخارج، وداخلهُ يمورُ بحركةٍ غير منتجة مؤسسة.

أحجام الطوائف مهمة وتحالفاتها مهمة كذلك، وأيضاً دور القيادات الارستقراطية والإقطاعية وشبه البرجوازية المهيمنة وإتجاهاتها في الحقول الوطنية والمناطقية والعالمية .

  ففيما كانت الهيمنةُ الغربيةُ تواجه إنحساراً مؤقتاً خلال نهوض الشرق التحرري صعدتْ القوى القومية العربية في سوريا ومصر والعراق وغيرها من  الدول العربية، صانعةً نموذجَ رأسماليةِ الدولةِ الوطنية الاستبدادية، وهو شكلٌ يؤكدُ ضعفَ السوق الحر والقوى الوسطى وهيمنة قوى وسطية هامشية خاصة الضباط الكبار، فتمددتْ على لبنان وتصارعت فيه وأصطدمت بنموذجه الليبرالي المتغرب.

تواجه هذا الصراع بين النموذج الليبرالي الغربي التابع، ونموذج الشرق العربي التحرري الشمولي، ولم يكن لبنان قادراً على الانحياز لكلا الشكلين من التطور، فتلك دولٌ عربيةٌ كبيرةٌ موحدةٌ قادرةٌ على إنتاجِ الدولةِ المركزية، فيما لبنان ليس بمستوى ذلك، كما أنه غيرُ قادرٍ على إنتاجِ نموذجِ الغرب الديمقراطي التحديثي العلماني من جهة أخرى، فأكتوى صراعاً وناراً بين الجهتين.

كان لا بد للمسلمين من الانحياز ضد النموذج الغربي التحديثي الديمقراطي التابع، في أثناء صعود نماذج الدول الوطنية الشمولية، فأدى عددهم الكبير ونشاطهم من تحجيم المحور الآخر لكن دون القدرة على هزيمته، ودون القدرة على إنتاج نموذج وطني ديمقراطي توحيدي من جهةٍ أخرى، فبقيت الطوائفُ في إختلافها وصراعاتها، وبقيت قواعدُها وقممها المفتتة غير الملتحمة طبقياً.

تغدو التحالفات والمفارقات نتاجاً لحراك طائفي داخلي، فالقيادة المارونية الغنية ذات الشعار الغربي وجدت نفسها في صعود الغرب ونزوله، فيما صعد المسلمون مع نمو الدول العربية والإسلامية، عبر حراك طوائفهم وظروفها وصراعاتها كذلك والتي سوف تصل لاحقاً إلى مستويات كارثية.

كان صراعُ المسلمين ضد المسيحية المارونية صراعاً طائفياً، وليس صراعاً تحديثياً ديمقراطياً، فكانت له نتائجه السلبية الاجتماعية والسياسية.

فالقيادات والقوى التي إشتغلت على هذا الصراع من الجانب الديني الإسلامي كانت محافظة تقليدية، وهي تشيرُ كذلك إلى التفتتِ المناطقي وحراك قوى الإقطاع المختلفة وإستخدام الجمهور العامي الفاقد لدورهِ النضالي، أي كان ذلك كله تعبيراً عن صراعات القرون الوسطى البالية.

الدولةُ المصريةُ أخلتْ المكانَ للدولة السورية، ذات الحضور التقليدي في خاصرةِ التطور اللبناني، كانت في بداياتها الوطنية الخمسينية التعددية تشكل علاقة تداخل مفيدة ونضالية مع اللبنانيي، مع تصاعد جهاز الدولة المركزي وهيمنته راحت تصعدُ رأسماليةَ دولة شمولية عسكرية، وتهزم تحالف(الجبهة الوطنية اللبنانية) الذي حاول هزيمة المارونية.

لم تكن جبهةً وطنية لأنها لم تستطع دمج المسيحيين في نضالها الموهوم، وعدمُ إنتاج نضالٍ وطني ديمقراطي متغلغلٍ في كافة شرائح الشعب اللبناني، تعبيرٌ عن غياب النضال الوطني الديمقراطي، وتجميع تحالفات شموليات سياسية عدة.

ومثلما كان المسيحيون إقتصر نضال المسلمين التحديثي على شرائح فوقية، وكانوا وكلاء منتوجات إقتصادية أو وكلاء منتوجات سياسية إستبدادية أو مهيمنين على العاملين.

هزيمة المسيحيين أو هزيمة المسلمين قبل الحرب الأهلية أو بعدها لا تُغني الثقافة، ولا تُحدث نقلةً إجتماعيةً تطورية، نظراً لبقاء الفسيفساء الطائفية، لكنها تغير أحجام السكان وحراكهم، عبر الصراعات والحروب المرضية وليس عبر حراك تنموي صحي.

في هذه الأثناء كانت سوريا الدولة الشمولية تنتقل لنظام عسكري إستخبارتي تدخلي، ثم تفرض سطوتها في الجنوب عبر مؤيديها المذهبيين السياسيين.

إن الطائفة الشيعية الأكثر عدداً والأوسع فقراً  والأكثر تعرضاً للهجمات الإسرائيلية، تنتقل من مناطق التخلف البعيدة وتحتشد في جنوب العاصمة اللبنانية وتتمركز الطوائف الأخرى في خنادقها بقوة.

وكان حراك الريفيين نحو المدن العربية يسبب فوضى وعودة إجتماعية للوراء عموماً، وهذا ترافق مع العدوان الإسرائيلي المستمر، ومع ظروف العامة الفقيرة المأزومة والباحثة عن تغيير إجتماعي.

في هذه الأثناء كان المشروع العربي القومي ينهار، بسبب عجز الرأسماليات الحكومية الشمولية عن محاربة الاستغلال والفقر والبطالة، وكانت هي منتجةٌ لها بإسم محاربتها. لهذا تصاعدت النزعاتُ الطائفيةُ بشكل واسع وجامح. وغدت أكثر وضوحاً وفجاجة. وظهرتْ رأسماليةٌ حكومية جديدة في المشرق العربي الإسلامي في إيران التي راحت تتمدد فوق نسيج طائفي واسع منتهجة نهجاً عسكرياً.

الفئات السنية والمسيحية لاصقت الحياة التجارية والانفتاح حيث لم يعد ثمة رأسمالية دولة، بل غربٌ يكرسُ سيادة الرأسمالية.

التفسخ الداخلي لرأسمالية الدولة السورية والعجز عن تحرير الأرض المحتلة وتقديم التطور والديمقراطية والشبع للشعب تلاقت مع ذات المشكلات لرأسمالية الدولة الإيرانية. فوجدت الاثنتان نفسيهما في موقف سياسي عريض واحد.

كان السيد موسى الصدر يعمل في الطائفة الشيعية من أجل أن يكون للطائفة حضور سياسي إجتماعي بارز وبشكل منفتح متعاون مع بقية الطوائف وخلقَ علاقات جيدة مع رجال دين مسيحيين فكان نقطة تحول في حياة لبنان، فأُزيح من خلال مؤامرة كبيرة لعدة دول كما يبدو وإختفى في ليبيا، وتصاعد تنظيمان مذهبيان هما حركة أمل وحزب الله بعد ذلك، وعملا على منع تطور النضال الوطني الديمقراطي في لبنان والجنوب خاصة، وتصفية القوى المعارضة للحكم السوري، أي كان دورهما مثل المليشيا الطائفية المختلفة السابقة أي عبر إستخدام العاملين الفقراء المُفرَّغين من عقولهم ومن أرضهم.

توزعت القوى السياسية الطائفية اللبنانية على محوري العالم العربي الإسلامي المتصارعين اللذين يمثلان شموليات متعددة متقاربة، ليس فيها ديمقراطية عميقة، فهنا مركزية شديدة وهيمنة للرأسمالية الحكومية العسكرية وهناك مركزية أقل وحرية أوسع للقطاعات الخاصة وبعض الحريات اليسيرة.

وجمعت القوى السياسية اللبنانية ولاءات لهذه الأنظمة المتصارعة المتقاربة، لكونها تمدها بالمساعدات المختلفة، كما أن بعض هذه القوى السياسية اللبنانية غدا إمتداداً سياسياً وإيديولوجياً وعسكرياً لها، مما نقل أزمات وقضايا تلك الأنظمة إلى الداخل اللبناني.

لا يمكن إنقاذ لبنان سوى بإمتداد التحولات الديمقراطية العربية الجديدة إلى الأنظمة الشديدة المركزية المؤثرة على لبنان والمعرقلة لتطوره الوطني الديمقراطي، وحدوث فيض ديمقراطي شبابي واسع النطاق، يتغلغل في الحشود اللبنانية العادية ويدفعها لإزاحة التنظيمات الطائفية من التصدر في الساحة ويهزم إيديولوجياتها المستوردة.

في ذكرى رحيله الخامسة.. «عبـــــــدالله خلــــــــيفة» ماكث بيننا بإرث عصي على الغياب

رغم الغياب يدأب «عبـــــــدالله خلــــــــيفة» على الحضور بإرثه الذي يشرع دائمًا في البوح عن إبداع غير متناه، شكله عبر عقود فكرا وأدبا وثقافة، حتى صار للرواية في البحرين عرابا، ومثقفا وكاتبا بارزا خلق نتاجات بعلامة فارقة في المشهد الأدبي والثقافي البحريني والخليجي، تنوعت بين القصة القصيرة والرواية والنقد والفلسفة والبحث والتحليل السياسي والتاريخي. والتماسا لأصداء ذكرى رحيله الخامسة لدى المثقفين، تواصل «الثقافي» مع عدد منهم.

سيال هادر

الناقدة الدكتورة إنتصار البناء ترى أن الذكرى الخامسة لوفاة الأديب البحريني الكبير عبدالله خليفة حلَت ثقيلة، معتبرة أن الفراغ الذي خلفه غيابه لم يجد ما يملؤه «فبصمة خليفة كانت مميزة، وقلمه لا يشابه حبره قلم أحد سواه. عبدالله خليفة أحد أهم أركان الرواية والقصة القصيرة في البحرين. انطلق من سمات جيل الإيديولوجيا لكن الفكر في أعماله لم يسبق الفن ولم يتغلب عليه. لقد تمازجا بما يشبه السيمفونية التي تبعث المشاعر وتهيجها في وجدان المستمع دون أن تنطق ببيان».

وتشير البناء إلى أن الأعمال السردية لـ«خليفة» انحازت للمجتمع، كونه أحد ممثلي الإتجاه الاجتماعي والواقعية الإشتراكية في البحرين والخليج. موضحة أن «شخوص رواياته كانت مزيجا من كل أطياف المجتمع الغني والفقير والعامل والمرأة والبيض والسود والعرقيات المتعددة. 

وتضيف: «طرح أسئلة الحرية في أعماله. وبحث عن العدالة الاجتماعية. وانتصر للمهمشين وللمرأة. وهؤلاء كانوا أبطال رواياته وقصصه القصيرة، أفكاره كانت عنيدة وجريئة. وبرغم ذلك استطاع أن يتحدى كل عيون الرقابة ومقصاتها وأن يتجاوزها بسلام».

وتستشهد البناء بنماذج من النتاجات الروائية للراحل، بالقول: «في روايته «ذهب مع النفط» صدم القارئ بعنوان الرواية ثم ضيعه في تلاشي بطل الرواية الذي عانى كل صنوف العطب بعد خروجه من السجن. وفي «رواية الينابيع» اختزل قراءة على ضفاف التاريخ للبحرين وهي تغادر ماضيها وتلج إلى عالم النفط والاستعمار والتحرر.

وتتابع: «في رواية «اغتصاب كوكب» ضاع الوطن المنتهك بين مفترسيه ذات اليمين وذات الشمال. وفي رواياته التاريخية ناقش الروايات بالسرد والتفكيك ووجهة النظر الأخرى».

وتلفت إلى أن «خليفة» لم يكن يعني إلا كتابة ما يفكر ويحس به، واصفة إياه ببحر غزير الأمواج، وروح متهوجة بالعطاء، وسيال هادر يكتب في مختلف صنوف الفنون الأدبية من مقال وقصة قصيرة ونقد ودراسات فلسفية.

وتعبر البناء عن مدى الإمتنان تجاه الراحل، بالقول: «نحن الذين نشأنا على كتاباته ورواياته وأعماله القصصية نشعر بالإمتنان نحوه لأنه كان جزءا من نشأتنا وتكويننا. تقاسم معنا الأفكار وتجادل مع دواخلنا، وقادنا أحيانا، وعارضناه كثيرا. لكنه بقي اسما مرسوما في ذاكرتنا للبحرين التي أحببنا ونحب ونكتب من أجل أن تكون كما نحلم».

تجارب مؤثرة

من جهتها، تعتبر الكاتبة الدكتورة أنيسة فخرو أن تجربة عمل الراحل عبدالله خليفة في سلك التربية لمدة خمسة أعوام أثرت في الحس النقدي في كتاباته، مشيرة إلى أن «تجربة الاعتقال التي خاضها لسنوات ست من 1975 إلى 1981، كانت لها أثر كبير وواضح في شخصيته وكتاباته، بل إني أرى بأن دخوله المعترك السياسي كان له التأثير الواضح في وقوفه ضد الظلم مع الفقراء والمظلومين طوال تجربته الحياتية الثرية، وبروز حدة الصراع الاجتماعي والطبقي وحجم المعاناة والمكابدة في كتاباته الأدبية والصحفية حيث بدأ الكتابة الصحفية منذ سنة 1981 في مختلف القضايا الاجتماعية والثـقافية في الصحف البحرينية والخليجية».

وترى فخرو أن نتاج الراحل الأهم هو أعماله الروائية التي جعلته علامة أدبية فريدة لها حيز لامع بين كبار الكتاب العرب، مستدلة على أبرزها بالقول: «أهم تلك الأعمال الروائية التي جعلت الأديب والروائي والناقد البحريني عبدالله خليفة في مصاف الأدباء العرب الكبار، هي اللآلئ (1981)، والقرصان والمدينة (1982)، الهيرات (1983)، وأغنية الماء والنار (1989)، ومريم لا تعرف الحداد (1991)، ونشيد البحر (1994)، وساعة ظهور الأرواح (2004)، ورأس الحسين (2006)».

وتضيف إزاء نتاجات الراحل الأخرى «أصدر عبدالله خليفة سلسلة أدبية وتحمل عنوانا موحدا: عمر بن الخطاب شهيدا (2007)، وعثمان بن عفان شهيدا، وعلي بن أبي طالب شهيدا (2008). وتوجها بكتابه عن النبي بعنوان محمد ثائرًا عام 2010. وربما أجمل ما كتبه هو رسائل جمال عبدالناصر السرية الذي صدر عام 2015 بعد وفاته عام 2014 عن عمر يناهز السادسة والستين بعد أن ترك إرثا أدبيا عزيزا نفخر به. 

زاد ثقافي للأجيال

ويلفت الباحث والروائي إبراهيم راشد الدوسري إلى أن إرث الراحل عبدالله خليفة في الإبداع الأدبي والفكري سيظل زادا ثقافيا تنهل منه الاجيال الشابة المثقفة وذات الاهتمامات الأدبية في الحاضر والمستقبل. مشيرًا إلى أن رؤى الأديب عبدالله الإبداعية والفكرية ليس لها حدود.

وبشأن نتاج الراحل الإبداعي يقول الدوسري «جسد عبدالله خليفة من خلال أعماله الإبداعية القصصية والروائية معاناة وصراع الانسان العربي في مواجهة الاستلاب والتهميش وكان واقعيا حيث رصد لحظات الإنكسارات والطموح والصمود وحتى الجنون وكان يتميز اسلوبه بالعمق والتصوير الفني الجميل».

ويتابع موضحا «أما نتاجه الفكري والفلسفي فكان يمتاز بالعمق والتحليل والوصول إلى النتائج بعد عرض المعلومات التي تغني الموضوع الذي يبحث فيه وهذا دليل على ثقافته الواسعة رحمه الله واسكنه فسيح جناته».

مثقف موسوعي

بدوره يصف الشاعر فواز الشروقي الراحل «خليفة» بالمثقف الموسوعي الذي انعكست ثقافته العالية على رواياته. مبينا أنه لم يكن مجرد روائي «بل كان صاحب مشروع ثقافي. فجميع رواياته كانت تعبّر عن هذا المشروع، على اختلاف أحداثها وزمانها ومكانها وشخصياتها».

ويستذكر الشروقي لقاءه الأول مع الراحل عبدالله خليفة، بالقول: «كان أول لقاء لي مع الروائي عبدالله خليفة حين زارنا في جامعة البحرين برفقة الدكتور إبراهيم غلوم، وكنت طالبًا حينها، ودار بيننا نقاش مفتوح حول رواياته. وفي العام 2010م كنت في زيارة للبنان، وأوصاني أن آتي له بنسخ من روايتين له صادرتين حديثًا في ذلك الوقت، هما «ذهب مع النفط» و«محمد ثائرًا». وقد منحني عبدالله خليفة شرف أن أكون أول بحريني يقرأ هاتين الروايتين بعد صدورهما».

إرث باق

ويؤكد الشاعر والأديب الإماراتي الدكتور طلال الجنيبي أن «الرموز لا تغيب، وإنما تترك لنا من إرث الحضارة والجمال ما يخلد بقاءها وهكذا عبدالله خليفة عراب الرواية البحرينية والخليجية، هو باق رغم الرحيل، ومستمر رغم الإنقطاع، وماكث رغم الغياب، وهكذا دأب الكبار دائما وأبدا رحم الله الكبير القدير عبدالله خليفة».

السبت ١٩ أكتوبر ٢٠١٩