الدين بين المطلق والنسبي
أفــــــــــــق
في مجراه التاريخي الطويل يتوحدُ الدينُ بين المطلق والنسبي، يتضافرُ ما هو أبدي فيه بالمتحول والعابر.
المطلقُ أهم وأكبر وباقٍ دائماً، فالإنسانُ الضعيفُ الهامشي في الكون، ذو الجذور الحيوانية والذي يتكونُ جسمهُ من موادِ الكون المتغيرة، يتوحدُ بالأبدي، يتمسكُ بخشبِ السفينة المبحرة في رحلةِ الوجود الصعبة، يتوحدُ بها ويكونُ جزءً من خلودِها، ويكونُ في عالم المطلق، عالم الأبدية، حتى لا يزول.
وتغدو هذه الصعوبة المخيفة لدى الكادحين بدرجة أساسية، هم صناعُ العالم المادي الاجتماعي، ومع هذا هم المغيَّبون، المنفيون فيه، والذين لا يتمتعون في داخله الجهنمي.
تظهرُ العوالمُ الدينية الكبرى حين يتغرب الكادحون. هم صناعُ العالم المادي، خالقو الطين والمدن وأبراج بابل، وفي البدءِ تظهرُ أديانُ الوثنية، حين يقوم رؤوساء القبائل بالتحكم في ثمارها، ويسيطرون على منتجاتها، ويقيمون الممالك والأمبراطوريات.
الوثن، والروح المقدسة، والإله القبلي، كلها قوى تجري داخل القبيلة، لتوحدها وتعالج الأفراد من الأمراض وتتبصر مستقبلها. هي ضمانتها في السلامة والصحة والبقاء والأنتصار على الأعداء، وحماية أفرادها في عالم الموت.
كلُ هذه الكائنات الطيفية تحركُ القبائلَ والشعوب لتتقدم ولتتاجر ولتبني مجد الأسياد، لصنع عوالم الرفاه لهم، وتعجز عن تشكيل الرفاه للعاملين، بل تقودهم للحروب، تجعلُ وجودَهم الأرضي أسىً وضياعاً وعذاباً، ولهم بعض الملذات الصغيرة العابرة، وإعادة إنتاجِ العذاب والإستغلال في ذريتهم.
ينفصل عالم الأرواح والألوهة الروحية والوثنية الفكرية لتغدو رموز القبائل والشعوب، ومستقر تاريخها وثقافتها، وتغدو هي السلطات السياسية والفكرية المسيطرة على العاملين الذين يتخصصون في المهن اليدوية.
ولكلِ أمة تاريخها في هذا السياق، والتفاصيلُ مهمة في سياقِ بعض القرون، لكنها تفقد أهميتها مع التوحدِ العام للشعوب، عالمُ السماءِ الغيبي يتقارب، يتجوهرُ في المطلقات الكبرى، يغدو آلهة كبرى متحكمة في المصير البشري، أو أرواحاً أو مجردات، وعالم الأرض والبشر يتقارب، لكنه لا يتحد ويذوب في بعضه، فالمصالحُ على الأرض تتضاربُ باستمرار مولدة حركات في الغيب وتعدديات في المذاهب والتفسيرات لها ونزاعات لا تتوقف.
الإنسان الباقي رافع أعمدة الأشياء فوق كاهله المتعب، تفرُ منه كائنات الأرض: الذهب والفضة والآلهة، وتكون بيد الأقوياء، فيصير كل شيء غريباً عنه، يستعبده تارة، ويقدم له الذبائح والصلوات والطقوس تارة، ويدافع عنه تارة، ويكون علمه في عالم الصراع من أجله، وحاميه في الملمات والأمراض، يجد فيه الأنتماء الذي فقده من أشياء المجتمع؛ النقود والقيود والسلطات.
هو كونُ الأنتماءِ الذي صنعهُ لنفسه، كهفهُ النيرُ الذي يلوذ به في الملمات والكوارث، هو روابطهُ الاجتماعية التي يشعرُ فيها بأخوةِ البشر من حوله، وفي رعبِ المدن الاستعمارية والاغترابية والشيئية التي تسحقهُ وتحيله إلى برغي في آلاتها، وفقاعة في سمائها، وحشيشة في دخانها، يزدادُ اقترابهُ من الرموز، وكلما تبخرَّ الوطنُ الفعلي تعملقَّ الوطنُ الوهمي.
على ضخامةِ الرموز التي تقذفها في وجهه؛ أبطالُ الصورِ السينمائية وزعماءُ العالم الكبار المتنفذون الذين بيدهم الحياة والموت، المتلاعبون بمصيرهِ ورزقه، يجدُ في رموزَ الأديان كهفـَهُ الباقي على الزمن، في عالمِ التغيرِ المتبخر: الحكومات التي تقومُ وتسقط في فضائح مدوية، ساحبة ثمار العمل إلى المجهول، يجد حكومته الحبيبية التي لا تتبدل، يجدُ رموزَهُ تعطيه العزاء. الأرضُ لا تصنع رموزاً منتجة للخير أبداً وعلى نحو دائم، فيبقى الماضي والأساطير والذكريات العظيمة للرموز في قتالهم من أجل الخير المستمر، وتتحول حيناً لسيول من الدماء، وتتحول حيناً آخر لبنوك إستنزافية أخرى، وأحياناً لحكمة نضالية.
لا يمكن لأي شعب أن يكون بلا دين ذي قوى غيبية مهيمنة، لكون الإنسان هو نسبي، وكلما كبرت قوتهُ الأرضية وصار إنساناً، صغرت أحجام غيبياته.
كلما فرح وأزدهرت حياته بالغني الفني والاقتصادي قل اهتمامه بالأرواح والشياطين، والعكس صحيح، تتوحد عوالم الأديان مع توحد عالم الأرض الواسع، تزول الاختلافات الصغيرة والقصص الغائصة في تقاليد محلية تفقد خصوصياتها يوماً بعد يوم، وتتفجر الاختلافات مع الصراعات بين الأمم، فتزداد أحياناً أخرى تمسكاً بالخصوصية والتفرد، وتعلي ميراثها علواً رهيباً.
رحلة الإنسان لا تتوقف، السحرية تظل ملاصقة له، العلوم تظل جانبية في مسيرته، إنسان الأغلبية البشرية، إنسان العالم الثالث خاصة، والعوالم الثالثة في المجتمعات المتقدمة، الجنان الآخروية الدينية والشيوعية، على أسس خيالية أو على أسس (علمية)، تظلُ لصيقة به، فدائماً لديه الدائم الباقي الأخضر أبداً، السعيد المطلق، وهو منهوك بالعوز والبطالة والغربة والصراعات والنسبية، غربة الإنتاج المادي تصنع إنتماءَ الإنتاج الروحي، ذا الحلول والحلولية والأبدية، يزداد على الزمن تغييره لواقعه، تغدو مواريثه رحلات كهوف ولوحات صيد للمعاني، وهو يعلو صاعداً لاحتلال الفضاء الواسع.
الدين والمطلق
أفـــــــــــــــق
تـُثار في حياة الأمم الإسلامية مسائل (المطلق) بقوة شديدة في تحولاتها التاريخية الراهنة، وهي تحاولُ أن تجمعَ بين تقاليدها العريقة وأسباب الحداثة الضرورية، أي أن تكون لها جذور كي لا تذوب في الآخرين، وأن تكون باقية بتطورٍ مستمرٍ حتى لا تزول بتخلفها كذلك!
جانبان معقدان يشدانها في إتجاهين متناقضين، وفي خضم ذلك تـُطرح مسائلٌ شديدة الصعوبة والحرارة معاً.
ويتمثلان إجتماعياً بقوى تصر على الماضي وحيثياته ورفض التحول وركوب قطار التغيير، وأخرى تسحب الناس والأشياء نحو التغيير الضروري والسريع والمخيف؟
وفي هذا المجرد هناك الكثير من تجسيداته، فماذا نقول في ما هو موجودٌ في الكتبِ الدينية المقدسة من حديثٍ وتجسيدات للأرواح والشياطين وقوى الغيب المتحكمة في الوجود العياني، أي في حياة الناس الظاهرة والخفية؟
ماذا نقول في بعض أحكام دينية أخذت تتناقض بشكلٍ صريح مع تطورات الحياة الحديثة وما يُنتج من تقدم أصبح كاسحاً مطيحاً بالكثير من ثوابت الأمم؟
الرأي السهل لقوى التحديث السريعة والحادة هو أن نطيحَ بمجردات وغيبيات الأديان، فهذه كلها لا تحتاج سوى أن نقولَ بأنها خرافاتٌ وتخلف وعادات إجتماعية بالية.
إزالة البيت القديمة بجرافة وبناء بيت جديد. والأحكام والأفكار التي ظهرت في عصور قديمة وأخذت تناقض المساواة والعدالة الاجتماعية وعلوم الفيزياء والكيمياء تـُلقى من الحياة وتـُباد من عالم الثقافة!
ماذا نفعل في أفكار موجودة في الكتب المقدسة أخذت تـُعتبر أساطير مناقضة لأبجديات العلوم؟ كيف نعلمُ برموز دينية كآدم وحواء ونظريات التطور والأحياء ذات الأدلة الوثيقة والحيثيات الكثيرة تنكرها أو تقدمُ قصصاً مناقضة كلياً عنها؟!
بل ماذا نقولُ في سير الأنبياء والكتب المنزلة بما فيها من عجائبية ونسبية؟!
قوى التحديث الحادة والسريعة تقدم لنا ذلك الحل السهل، كما تقدم لنا قوى المحافظة الحلَ السهلَ الآخر وهو الإيمان بكل ما جاء به القدماء والسير على منوالهم وحذو أعمالهم!
المسألة صعبة وخطيرة ولا شك، وحلها ليس آنياً، وردم الهوة بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس كلامياً، بل هو فعل صناعي، لا يتأتى بسهولة لمن ليس في يده أدواتها ولا وسائل إنتاجها، هو فعلُ أجيالٍ كثيرة ومواقف مترابطة بين أناس كثيرين يعيشون في عصور مختلفة ومناطق متباعدة وتحكمهم مناهج متعددة.
إن ردمَ الهوة بين الثقافة الدينية والثقافة العصرية فعلٌ نضالي جماعي قبل أن يكون إنشاءات فكرية مجردة.
لكن لا بد من هذه الإنشاءات الفكرية التي تقود لذلك الفعل النضالي وتشاركهُ البناء.
الثقافة التقدمية السريعة الحادة ترفضُ الحفرَ المطولَ في أعمدة الأديان، مثل الإله والروح والنبي.
إن هذه المجردات والملموسات والعلاقات بينها، ضرورية عبر آلاف السنين. لم يقل بوذا إنه إله لكن الناسَ التي جاءتْ بعدهُ صيرتهُ إلهاً وهو إنسانٌ بسيط وعرّف نفسه بذلك ؟!
ولو أن العكس قد حدث وقال أنبياء المشرق عن أنفسهم إنهم حكماء لصيروهم فيما بعد أنبياء وآلهة!
وقد أدعى الملوكُ القدماء بأنهم آلهة دون أن يحتاجوا إلى ذلك وقد تملكوا الكثير من القوة والسلطان والخيرات؟
الألوهية والارتباط بها كانتا ضروريتين لآلاف السنين، فلماذا؟
في البداية كانت المادة الأولية الطينية التي تشكلتْ بها هذه العمارات الشامخة في التاريخ، وهي (الروح)!
ومادة الروح اللغوية تستند على راح ويروح وما هو مطلق في الحركة، وما هو خفي فيها كذلك!
الروحُ سادتْ في أفكارِ ما قبل الأديان لآلافِ السنين الأخرى أيضاً، فأنظرْ لبساطة الإنسان، وقد عبدَ المصريون القدماء (الخنفساء) هذا الكائنَ المتواضعَ عقوداً، على ضخامة ما بنوه من عمارة وما شيدوه من حضارة ؟!
فأحترمْ حتى جهالات الإنسان لأن فيها تاريخاً من العلم والمقاومة والبحث!
بينت الروحُ ضعف الإنسان ونسبيته، جعلته يرى كم هو زائلٌ وهشٌ في الوجود، فطالعَ دمَهُ وأمراضَه والماضين الكثيرين الذين رحلوا دون أن يتركوا أثراً في الوجود على كثرة أعدادهم وضخامة أخبارهم، ورأى كم تضربُ كينونتـَهُ الصغيرة هذه الدولُ العملاقة وتسحقهُ كنملة وكم تفقرهُ وتستغله ولا تعطيه سوى كسرة من خبز وهو العابر المحتقر! فأصيبَ بالرعب من الكون، ومن وجودهِ البسيط المتقزم، فتمسك بالروح التي لا تروح، تمسك بكيانات تجعلهُ مطلقاً سعيداً باقياً، وليس عابراً محتقــَّراً.
أين يذهب أطفاله الذين ماتوا دون أن يسعدوا؟ أين فرحه في هذا الكون وهو شقي بائسٌ في هذه الأنظمة؟ هشاشة الوجود الإنساني في أنظمة البؤس هذه أعطت الثوابت البشرية في الأحلام الدينية.
الدينُ والثقافةُ
بدأتْ العلاقاتُ بين الإسلامِ التوحيدي والدولةِ العربية المركزية البدوية في التفكك.
كان مضمونُ الإسلام التوحيدي الشعبي العالمي وجدَ قبولاً لدى الأمم الأخرى عبرَ سهولةِ إعتناقه وبتكوينه أممية للشعوب الشرقية المستندة على الملكية العامة المدارة شعبياً والتي تعيشُ في المناطق الصحراوية الكبرى، لكن هذه التوحيدية المرتكزةَ على دورِ المال العام أُخترقتْ من قبل أُسر الأشرافِ الحاكمة وكبار التجار والتي قربتْ الثروةَ العامة من مصالحها وإداراتها.
كان هذا التحولُ الشمولي لا بد أن يؤدي إلى إنقلابٍ في الحياةِ الثقافية والفكرية والعلاقاتِ الاجتماعية والروابط بين الشعوب مستنداً على نواقصٍ إجتماعيةٍ وفكرية وسياسية في البناءِ السابق والذي لم يستطعْ من جعلِ القوى التجارية والشعبية ذات خلافةٍ ديمقراطية.
بدأ ذلك في عزلِ النصوص الدينية والفقهية عن المنطق والفلسفة والتاريخ الاجتماعي التي كانت تنمو عبر الترجمة والتطور الفكري العربي، فقد رُئي أن العلومَ(الدخيلة) كما يتصورونها تُفسدُ الدينَ، وأنه لا بد أن تكونَ المعرفةُ دينيةً محلية خالصة، وأن تكون مصادرَها موثّقةً في الروي، لتغدو هذه المرويات هي كلُ الثقافة العربية الخالصة اللافظة لما عداها.
كان هذا قطعاً لعلاقةِ أدبياتِ الإسلام بالتكون الإنساني، وإنها عصارةٌ لعناصر ديمقراطية نضاليةٍ تكونتْ في بيئاتٍ أُخر عبر نضال الشعوب في المنطقة والعالم، والمرتكزة على السلطةِ المحددة في تلك العناصر الفكرية الاجتماعية، والمعبرة عن مضمون شعبي توحيدي.
لهذا خرجَ اليمينُ الاستغلالي الجديد مُركزاً على الشكل، وعلى الممنوعات في النصوص الدينية، كرفض الفنون التجسيمية والرقص وهي الظاهراتُ الطقوسيةُ السابقة المرتبطة بعبادةِ الأوثان لا لكونها فنون بحدِ ذاتها والمرتبطة بالأشكال التعبيرية.
والتنحيةُ كانت سهلةً تجاه العرب القادمين من البداوة، حيث لا أرثَ فنياً تعبيرياً تجسيدياً عميقاً لديهم، وهم يعتمدون على فنونِ الكلامِ المختلفة، التي لا يمكن منعها. فيما شعوبُ البلدان المفتوحة يرتكز الكثير من تراثها على الفنون التجسيدية المختلفة. وهي ظاهراتٌ إستمرت وأغتنتْ لديهم عبر تطور الآداب والفنون المتشابكة مع تراثِها الديني والتاريخي ثم تشابكتْ مع المذاهب الإسلاميةِ التي إنشقتْ عن المركز وصعّدتْ هذه الفنونَ والأساطيرَ في تراثِها المذهبي الإسلامي، ولهذا فإن الانعزالَ عن الفنون تكرّسَ في المذهبيةِ الإسلامية النصوصية خاصةً المتطرفة منها.
وهذا ما حدثَ في الوعي الفكري بأشكالٍ تناسبُ أدواته وتحولاته، فالمنطقُ والفلسفة وعلم التاريخ وغيرها من العلوم الجديدة واصلت الحضورَ والتأثير، ولم تستطع التوجهاتُ الفِرقية الفكرية غير المرتبطة بالجمهور وكفاحه أن تواصل زرعَ الأشكالَ والأدوات الفكرية المستفادة من التراث الأغريقي بشكلٍ نقدي متطور، فقد عاشتْ على مساعدات الخلفاء والأمراء، فراحت تُنحي العناصرَ الديمقراطية المرتبطة بالكفاح الشعبي.
وهذا يتماثلُ مع رجالِ الفقهِ التاليين للمؤسسين الموجهين المذاهبَ نحو خدمةِ السلطاتِ المختلفة، فعُزلَ الفقهُ عن الناس، وتوجه للجوانب الصغيرة والعبادية والمعملاتية المعزولة عن المشكلات الاجتماعية والسياسية العميقة.
فتجمعتْ في تلك الثقافة الرسمية ونُقلت بعد ذلك إلى العصر الحديث، عناصرُ رفض الفنون والآداب الحياتية والأدوات الفلسفية الحرة.
لقد كانت تمثلُ جانباً صغيراً من الثقافة في عصر النهضتين العربيتين العباسية والحديثة، لكنها توسعت بعد ذلك بخلاف تطور العصر الحديث خاصة، بسبب أن الهياكلَ الاجتماعية والسياسية العربية التي ظهرت فيها لم تتغير، وأن التغييرات قاربت بعض الجوانب والسطوح في أغلب الأحيان. فالثوراتُ العربيةُ كانت فوقيةً مظهرية عسكرية ولم تكن تحولات عميقة في علاقات النساء بالرجال، وعلاقات الحرية بين الحكام والمحكومين، في حين تربض الأريافُ في العصور القديمة.
ولهذا فإنه حتى الفنون والآداب والفلسفة المصنوعة أو المجلوبة من الخارج تسايرُ الموروثَ من الأبنية العتيقة، وما يَخترقُ الموروثَ ويحوله يُنحى، ويُضافُ العصري الرديء على القديم الرديء، إلا ما يقاوم.
من هنا يبدو الارتدادُ طبيعياً، والعودةُ للوراء الكارثية جزءٌ من أبنيةٍ لم تُعالجْ ديمقراطياً، وهي في تراجعِها تهدمُ علاقاتٍ داخل الشعوب العربية والإسلامية وعناصرَ من العقلانية التي ضُحي من أجلها طويلاً، بسبب أن الأممَ العربية والإسلامية يَطرح عليها التاريخُ لأول مرة بعد قرون أن تصنعَ نفسَها بنفسها، وهي غدتْ حرةً، لكنها مستعبدة لعلاقاتٍ وأبنية وسلطات وعناصر ثقافية عتيقة فيها، ولم تكتمل أدواتُها بعد لتغييرها. وأدواتُها هي الشعوب وتوحدها وتنامي إراداتها الديمقراطية وعقلانيتها.
عبـــــــدالله خلــــــــيفة: الدينُ والثقافةُ
الدين والسياسة
الدين هو سياسة عليا مقدسة، فرموزه تعبر عن وجود سياسة مطلقة لشعب من الشعوب تتجسد عبر تلك الرموز.
ونظراً لأن السياسة دنيوية، ملوثة غالباً بالمؤامرات وسفك الدماء فقد ظهرت عبر التاريخ سياسة مقدسة، تحاول جعل البشر يحولون قضاياهم وصراعاتهم ووحدتهم عبر ما هو مقدس من أجل أخلاقيتها وطهرها لكن ذلك كان عسيراً، وكما تحدث الانشقاقات والخلافات بين السياسيين والدول تتفجر الخلافات في الأديان وتظهر المذاهب والانشقاقات الفكرية المختلفة.
ولهذا حين كات اليونان مليئة بالمدن الحاكمة كانت ثمة شبكة من الآلهة الحاكمة.
وفي عصر النهضة التحديثية الديمقراطية الغربية كانت الدول ما تزال إقطاعية دينية، وصعدت أنجلترا وهولندا في سلم التطور قبل غيرها، فأنحازتا للمذهب البروتستنتي، فكان ذلك تغييراً سياسياً، وتعبيراً عن رفضهما لهيمنة كنسية روما العالمية، وتفكيكاً للكاثوليكية وذلك عبر رفض رموزها العبادية كالاعتراف والرهبنة وتصعيداً للعلاقات الرأسمالية المفككة للمحافظة الاجتماعية.
ولهذا فإن الاشتراكية التي ظهرت خاصة في فرنسا وألمانيا اللتين تعيشان في مجتمعات كاثوليكية غالبة وبروتستيتة غير مهيمنة، ترددتْ بين الإلحاد وبين الموقف الديمقراطي.
كان الدينُ يلعب دوراً سياسياً مباشرا متدخلاً، مؤثراً على تصعيد الديمقراطية في كل من المجتمعين، حيث ما تزال الشمولية وتدخلات الدين تعرقلان صعود القوى السياسية الجديدة من برجوازية وعمال.
كانت الحكومات الفرنسية علمانية في فترة، وبعد ثورات العمال وجدت أهمية كبيرة لحكم الكنيسة وتدخلها في السياسة والمناهج التعليمية.
الاضطرابات في التحولات الألمانية والفرنسية بخلاف التدرج الديمقراطي الهادئ في أنجلترا، جعلت الاشتراكيةَ الديمقراطية تتذبذبُ بين هجوم كاسح على الدين وبين الرومانسية تجاهه، كما نلاحظ في رؤية ماركس في(نقد فلسفة الحق عند هيجل).
(إن التعاسة الدينية هي، في شطر منها، تعبيرٌ عن التعاسة الواقعية، وهي من جهة أخرى إحتجاج على التعاسة الواقعية. الدين زفرة الإنسان المسحوق، روح عالم لا قلب له، كما انه روحُ الظروف الاجتماعية التي طُرد منها الروح. انه أفيون الشعب.)، نقد فلسفة الحق عند هيجل.
إنها رؤية مثالية للدين لا تراه كسياسة مقدسة إجتماعية، ذات ظروف بشرية تاريخية طويلة، حيث تؤسس الثورات أدياناً وتجمد الأديان الثورات.
إنها رؤيةٌ تجريدية للدين، وحكمٌ تعميمي عام، تتشكلُ في شبابية ماركس الهيجلي، حيث غابت الدراساتُ التحليلية عن الأديان، ولكن سوف تظل عبارة الدين أفيون الشعب مستنسخةً واسعة الانتشار دون وضعها في سياقها.
لقد تصاعدت الديمقراطية والعلمانية في فرنسا وألمانيا عبر عقود وتم عبرها تحييد المذهبين الدينيين المسيحيين عن الصراع السياسي المباشر، فالاجراءاتُ لخلق دولة ديمقراطية، بدأت من الجمهور العمالي بدرجة خاصة من أجل تغيير ظروفه وتصعيد ممثلين عنه للبرلمانات، وهذا تطلب جبهةً كفاحيةً ديمقراطية بين الاشتراكيين الديمقراطيين والعامة، تركزُ على نقد الظروف الاقتصادية البشعة وإتساع يوم العمل وضحالة الأجور ونقد القوانين اللاديمقراطية وغيرها من الظروف المعيشية الأرضية، فلم يعد نقد السماء في المركز بل توجه النقد للأرض.
ولم تظهر كتابات واسعة عن الأديان لدى رواد الفكر الاشتراكي بعد ذلك، بل كان تحليل الظروف الأرضية هو الأهم مع تصاعد التحولات وإشتراك قوى سكانية كبيرة من مختلف الأديان والمذاهب في التحولات.
سادت عداوة تاريخية مرحلية بين الدينين اليهودي والإسلامي وبين الفنون بسبب ظهور هذين الدينين بين شعبين بدويين، كانا لا يزالان في المرحلة البسيطة من التطور، ومحاولة هذين الشعبين تجاوز الوثنية، وقيام الوثنية على تلك الفنون.
نقولُ (الفنون) خاصة بسبب أن الآدابَ أكثر تجريداً فهي فنون كذلك لكنها مرتبطة بصناعةِ الكلمة، وبالتالي لم تكن لها علاقة وثيقة بالوثنية، فالشعرُ ينشرُ فيه بعض الكلمات الوثنية، لكن من الممكن تحوير هذه الكلمات الدينية القديمة إلى الألفاظ المقدسة الجديدة، كما فعل العرب تجاه قصائد الشعراء (الوثنيين) كطرفة بن العبد وامرؤ القيس وعنترة وغيرهم، وهذا ما حدث لسجع الكهان كذلك.
لكن الفنون كان من الصعب تحوير الكلمات فيها، وشطب بعض المفردات لتستوي ذات قوام ديني إسلامي، فهي تماثيل لآلهات وآلهة معبودة، كما أن الاغاني والرقصت تحتفي بتلك الألوهية المفرقة.
كان القرار السياسي الأسهل هو شطب هذه الفنون كلية، لكن الشعر وهو حياة العرب من المستحيل شطبه، وقد ساعده بناؤه الفني اللفظي، الذي لا يُحطم، بل هو موجودٌ في العقلِ والذاكرة والروح، ومتصلٌ بمفاخر القبائل وأيامها، وهذه القبائل أكبر من الأوثان وأبقى في التاريخ!
فلا عجب أن سلمَ الأدبُ من شعرٍ وقصةٍ وأمثال من الانقلاب الديني الذي حلَّ بالأمة العربية وهي في طور قبليتها البطولية تقتحمُ العالمَ وتشكله!
وهذا الطور البطولي الشعري، حل محله طورٌ آخر، هو طور المدنية وطور النثر وطور الفنون، فلم تعد الأوثانُ سوى ذكرى غابرة، وقاد العربُ مجموعة كبيرة من الشعوب إلى عبادة الله، وابتعدت الفنون عن ماضيها، وغدت جزءاً من حياة الشعوب الإسلامية في تاريخها الحضاري الواسع المتنوع، وإذا كانت الفنون التجريدية المعتمدة على الخطوط قد غزت كتابة القرآن وعمارة المساجد وتشكيل الأبنية، فإن الفنون التصويرية قد انتشرت في الكتب والملابس والأقمشة والأواني الخ..
فكتبُ الملاحم ككتابِ عنترة بن شداد وكتب القصص ككتاب كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة كلها مليئة باللوحات، أما الرقص فقد واصل الرقص الشعبي حضوره وتنوع بتعدد الشعوب الإسلامية. أما الرقص ذو الطابع الاستمتاعي الشخصى فقد كان منتشراً فقط بين علية القوم نظراً لتكاليفه الباهظة!
أما الغناء فقد كان أكثر قدماً وحضوراً واتساعاً خاصة في مدن الحجاز من العصر الإسلامي الأول، ولهذا حين احتل الخوارجُ المدينة في إحدى غاراتهم منعوا الناسَ من الغناء فثاروا عليهم وطردوهم!
في أوج عصر الحضارة العربية اندفعت الفنون في كل جوانب الحياة، فإضافة للفنون التزيينية والبصرية بدأت الفنون التشخيصية في الانتشار سواء في الاحتفالات الصوفية أو المذهبية المختلفة أو في الفنون المجردة (الدنيوية) المحضة كخيال الظل والقرقوز وغيرهما، وهي أشكالٌ راحت تجسدُ الإنسان من خلال تمثله للرموز أو من خلال الأدوات الوسيطة كاللعب والمصابيح والظلال.
كان الفهم الديني التقليدي لا يزالُ عالقاً بهذه الظاهرات الفنية، وظل الخوف من تجسيد الإنسان حاضراً، وفيه جذور من المخاوف القديمة عن مسألة (الخلق)، لكن يتوارى وراءها خوف السلطات المختلفة من تمثل وتجسيد قضايا الإنسان.
إلى أن جاءت النهضة الأوروبية وصعدت من هذه الظواهر إلى التجلي الإنساني الواضح، فظهرت المسارح وصعدت الفنون إلى مستوى كبير.
ويلاحظ أن الفنون الراقية كانت دائماً أساس نشر التطور الأخلاقي الرفيع، وهي دائماً فنون محاصرة، في حين أن الفنون المتدنية القائمة على الحس الهابط ونشر الغرائز هي المروج لها، وهذا يتعاضد مع طابع التعليم والحياة الاجتماعية عامة، التي تجعل الناس في بؤس دائم لا يتحرك فيهم سوى الغرائز، بل يتصورون أن أي فن رفيع كالباليه بأنه فن غرائزي!
مؤلفات عبدالله خليفة في مكتبات بيروت.

الفنون في الأديان
أضطر العرب المسلمون في نقلتهم الحضارية بين الجزيرة البدوية الصعبة ذات التاريخ المرير وإحتلالهم للشمال الزراعي الغني أن يختزلوا الكثير من المظاهر الحضرية ويشكلوا سمات حضرية خاصة بهم دون أن تكون هذه السمات متناسقة تمام التناسق.
من الجوانب البارزة في هذا الموقف الرسمي من الفنون، والموقف الرسمي هو الموقف المسجل في الوثائق الدينية المعتمدة للأنظمة السياسية التي تتالت بعد هذا.
كانت الشعوب القديمة الوثنية بطبيعة دياناتها تقدس الفنون، فهي مدار حياتها، فالإنتاج كالبذر والحصاد والصيد وبالتالي الأعراس والولادات والختان كلها تجري من خلال فنون الشعر والغناء والرسم والنحت، ولكن هذه الفنون تجري بتقديس الآلهة لهذه الشعوب، فهي جزءٌ من حياتها وإحتفالاتها.
وقد وجد العربُ المسلمون أنفسَهم مع قدومِهم لمسرح التاريخ في المنطقة بشكلٍ متأخر، أنهم يحاربون الوثنيات بقوة، وهي التي تمثل تعدديات الدول وتنوعها وسلطات المدن والقبائل والشعوب المتختلفة. ولم يكن مستواهم الثقافي في ذلك الوقت يتيح التمييز الدقيق والفصل بين ما هو وثني وما هو فني إنساني.
فلم يفصلوا بين محاربتهم للوثنية ومحاربتهم للفنون، التي كانت هي مندمجة فيها، بحكم التطور الطويل السابق، فظلت الأحكامُ الفقهية في الأجيال التالية دون معرفة العلل فيها، ثم تغيرت الظروفُ الوثنية المرتبطة بتلك الفنون، لكن الأحكامَ الفقيهة بقيتْ على حالها!
كان الساحرُ قديماً هو الفنان النحات والشاعر والراقص والصياد، ثم تخصصت صفاته في فنانين متنوعين، فالشاعر المغني أنفصل عن الساحر، ثم أن الشاعر كذلك أنفصل عن المغني وعن رجل الدين، لكنه انفصال غير تام وحاسم، فالثلاثة في علاقة متداخلة، كأشكال متقاربة من الثقافة، نظراً لأن الموسيقى والقداسة تجمعها.
فهذه هي كلها في عرف القدماء نتاج السماء أو وادي عبقر أو الروح أو الألهام، فرجل الدين يصنع الشعر ويغنيه ويؤثر من خلاله على الجمهور.
ومن هنا بقيت في الكنيسة المسيحية علاقة رجل الدين بالغناء، فهو إن لم يتحول إلى مغنٍ تماماً فهو ينشد، أو يقرأ بموسيقية ما، ويضعُ آلة موسيقية في الكنيسة، ويدعو المؤمنين للترتيل معه، أو الإنشاد أو الغناء.
المسيحيون كسكان مناطق زراعية متحضرة قديمة، لم ينشئوا دولة بسرعة العرب المسلمين، ولهذا احتفظوا بتقاليد فيها وثنية وتعددية إلهية وتراث موسيقي قديم، وأنتقلت تدريجياً إلى أوربا وبعد قرون ومع البعث النهضوي والترجمات الإغريقية تحولت إلى نهضة جديدة عالمية.
أما العرب فعلى العكس أرادوا أزالة المظاهر الوثنية بقوةٍ وسرعةٍ حتى لا تتفكك دولتهم الطرية، فعارضوا أي تذكير بالماضي حتى لو كان فنياً وإحتفالياً فرحاً، وكان يمكن لهذه الاحتفاليات والمظاهر الوثنية أن ترتبط كذلك بمعارضاتِ الشعوبِ ومؤامرات الأمبراطوريات الكبيرة المهزومة في ساحات القتال.
وفيما بعد حين زالت تلك المظاهر التاريخية السلبية المؤقتة، لم يكن بإمكان الفقه الحكومي المتصلب أن يقرأ ذلك على ضوء التحولات، وبقي في الموقف الرسمي وخاصة في الاتجاهات السنية، وكلما زاد في بدويته وشكلانيته قل تعليله للتاريخ الاجتماعي الديني.
لكن الشعوب الإسلامية لم تكن تعبأ بالموقف الرسمي الديني، فقد كانت شعوباً أدبية وفنية بحكم تقاليدها الطويلة وتجاربها الإنسانية، فانتشرت الفنون والآداب على نحو هائل فيها، فكانت أكثر الشعوب إنتاجاً وقتذاك في التراث الإنساني.
وقد حافظت كذلك على الوحدانية، لكن العلاقة بين رجل الدين والفنون ظلت متضادة، فحافظ رجلُ الدينِ المسلم على طبيعةِ الراهب المتشددة فيما يتعلق بالفنون في زمن الفتوح الإسلامية، أي ذلك الراهب المجافي للغناء والفنون عامة، خاصة الحركية منها والمرتبطة بالرقص فهذه أشد اقتراباً من الماضي الملغوم، الماضي المرتبط بالفنون المذمومة، والشهوات، وفقدان الوعي، من أجل أن لا ينزلق إليها المؤمن ولا يهوى في الوثنية، رغم أنها جميعاً غدت لا علاقة لها بذلك الماضي البعيد، وأن المسلمين انتصروا منذ زمن بعيد وأن تلك الروح الحربية لم تعد ابنة زمانها. لكن روح الأحكام العرفية مستمرة خاصة مع حكم المناطق العربية المحررة من هيمنة الدول السابقة، والتي كانت تزدهر بالفنون الوثنية لكن بعد إستقرار الفتح العربي تلاشت، وبحثت الفنونُ العربية الإسلامية عن الجمع بين التوحيد والفرح والرقص والتشكيل والمسرح والموسيقى.
لكن موقف الرجل الدين التقليدي أستمر وظلت معاداته للفنون قائمة حتى بعد زوال أسبابها. فهو يعارض كافة أنواع الفنون حتى لو كانت التجريدية منها وغير المرتبطة بالحراك الجسمي المبتذل، والمصعدة للنفس والروح في حالات إنسانية راقية. فيبدو له إن الفنون تخفي ورآها أوثاناً.
وهذا يعود لاستمرار الأحكام التقليدية الفقهية طوال قرون سيطرات الأسر الخاصة.
لكن ذلك يغدو مستحيلاً خاصة في العصر الحديث فالموسيقى تملأ الحياة والسياسة والعالم، والموسيقى لا بد أن تدخل في كل مكان، ومن هنا تنازل رجل الدين التقليدي للموسيقى الحربية أن تدخل عالمه، فهي تماثل روحه القتالية المستمرة، فاستعان بها للأناشيد والجنائز.
ولا شك أن قضية إدخال الموسيقى في الفرح والاحتفال ستظل هاجساً، وقضية خطيرة، بسبب انتشار الثقافة الغربية وأعتماد الموسيقى والفنون كمناخ إحتفالي اجتماعي جذاب، لكن هذه الثقافة تختلط فيها الجوانب العظيمة والجوانب المبتذلة، كما تغدو وسيلة إجتماعية لنشر المخدرات والجريمة في بعض الملتقيات. ومن هنا ضرورة الفصل بين هذه الأنواع وعدم التعميم.
الخيال والواقع في الأديان
تعتمدُ الأديانُ على الخيالِ غالباً، لأنها تشكلت منذ أكثر من أربعين ألف سنة على فكرتي الأرواح الخيرة والأرواح الشريرة، فهذا السديمُ من الصورِ والمعاني يشتبكُ غالباً بالواقعِ ومشكلاتهِ من حروبٍ وأمراضٍ وصيدٍ وزواج الخ.
بداياتُ الأديان هي بداياتُ الانتقالِ للحضارة، وهي لا تعدو أن تكون 1% من التاريخ البشري، وقبلها ملايينٌ من التاريخِ المجهول للإنسان، حسبما يقول فراس السواح.
ولهذا فإن فرزَ الجمادِ من الروح كانت ثورةً فكرية كبرى! حيث انفصل عن الإنسان عن الحجر والنهر والغابة ولكن ليس بشكل كلي، فإلى مدى طويل ستظل الأشياءُ ذات قوى روحية أو أرواحية، وسيظل الإنسانُ هذا الكائنَ الهشَ المعلقَ في خشبةِ الوجودِ السائرة في الأنهار.
وتتوجه الإراداتُ البشرية لطلب المساعدة من هذه الأرواح، مرة بالخير ومرة بالشر، وتصيرُ الآلهةُ نمطين مثلهما، آلهة تحكمُ بالخير وللخير، وأخرى للشر وبالشر.
وهذه المعاني العامة سنجدُها لدى البوذيين أو الهنود الحمر. وكلما تطورتْ الحضارةُ أخضعت الأفكارَ الدينيةَ للتقاليد والمواصفات الاجتماعية وللمؤسسات السياسية.
ونظراً لكونِ الأفكار الدينيةِ متصلةً بعالمِ الأرواح فهي تبقى غامضةً، متعددةَ الرؤى، مختلفةَ التفاسير، ويتيحُ لها ذلك النمو التاريخي، العقلاني مرة، وغير العقلاني مرة أخرى. وأن تقع في قبضاتٍ مختلفة، وإرادات متناقضة، وتصيرُ مرة للبناء ومرة للهدم.
ليس في عالم الأرواح تجريب وبرهان، ويقول صانعو الأديان إنهم يسمعون أصواتاً، وان نداءات تأتيهم، وإن رسائلَ بُعثتْ لهم، وآخرون يقولون إنهم شاهدوا أحلاماً، وكل هذا يجري في السديم الغامض، في عالم الأرواح، حتى تبدأ الكتابة الملموسة للدين من خلال الكلمات، والقوانين، سواءً كانت في ورقٍ أو حجر، ويتحولُ الغموضُ الخارجي الفوقي السماوي أو الأرضي، إلى جماعةٍ أو إلى نصوصٍ أو عبادات أو أوامر ونواهٍ اجتماعية.
عالمُ الأرواح الذي يتم التراسلُ معهُ أرضياً وبشرياً والمتسم بالغموضِ واللاتحدد من المستحيل أن يعطي رسالةً واحدةً، وكما أن الأرضَ ذاتَ خرائط وأصواتٍ مختلفة، فكذلك فإن الرسائلَ تتباين، وتتعددُ الأديان.
يعزلُ عالم الأرواح مع تصاعد المؤسسات الدينية والسياسية، إن عالم الأرواح الغامض لابد من السيطرة عليه اجتماعياً، وأن يكون الدين مؤسسةً ثم مؤسسات، حسب تنازع القوى والمؤمنين أو تآلفهم، إن الأرواحَ الخيرةَ هي التي تتجسدُ في المؤسسة الدينية، لأن الدينَ في غاياتهِ الأولى كان بهدف خير، فقد كانت الرسائل الدينية تظهر لدى قادة روحيين مضحين، يشقون طرقاً لتطور البشر. فالرسالةُ في حدِ ذاتها تضحية، وبطولة، ولكنها تصيرُ مؤسسةً، وتنحازُ لهذا الطرف الاجتماعي أو ذاك، فينقسم الدينُ ويصير مذاهب وحركات سياسية واختلافات.
الركائز الأولى للدين من ألوهية وانقسام للأرض والسماء والدنيا والآخرة وغيرها من ركائز تصورية كبرى، هي ركائز عرفتها البشريةُ كلها، حتى من دون أن تتشكلَ علاقاتٌ مباشرةٌ بين بعضِها بعضا، وهي تقومُ على أساسِ التضاداتِ الكبرى في الحياةِ البشريةِ غيرِ الممكنِ ردمها أو إزالتها. التناقضُ بين الحياة والموت، وهو أكثر التناقضاتِ رهبةً وبقاءً للجنس البشري والحيواني عامة. التناقضُ بين الوجودِ والعدمِ هو من أكثرِ المناطقِ خصوبةً لإنتاجِ الوعي الديني، والأفكار عامة، وهو الذي بدأَ تحريكَ الوعي باتجاه أن يكون الكائنُ النسبي مطلقاً، والعابرُ أبدياً.
وكذلك هناك التناقضُ بين الأرضِ والسماءِ، وهو شكلٌ آخر للتناقضِ بين الإنسانِ والوجود، ثم التناقضُ بين الحاكم والمحكوم وهو التناقضُ المولدُ للحركةِ الاجتماعية، ويتداخلُ مع التناقضين السابقين في توليدِ التصوراتِ وفي نسجِها بين الخالد والعابر، بين الفقير والغني، بين اللاموجود والموجود.
تنقشع ضبابيةُ الأرواح لدى المؤسسات، التي تحيلُ الدينَ لنصوصية قانونية وراءها العقوبات والسجون، والتقاليد، والحلال والحرام، وعلى مدى وجود العناصر العقلانية القارئة للآلام البشرية وحاجات العاملين أو عدم وجودها، تتحدد تطورات الأديان، بين ازدياد للعقلانية أو هجوم للجنون، فالحياة الاجتماعية تولد سلاسلَ من التطورات الدينية واللادينية، من الفرق المتبصرة أو (من الهلوسات)، ومن التخصصات الدينية المدققة العاكفة على التطور التدريجي، ومن النصوصية الجامدة المريضة، ومن هجوم الفرق السياسية على الدين واختطافه من حياته العبادية العادية، إلى حماية الدين بإبعاده عن التجارة والحروب السياسية.
النظر بموضوعية في تاريخ الإنسان
لا يمثل تاريخ الأديان سوى واحد بالمائة من تاريخ البشر، في حين تحتل الأسطورة الــ99% منه.
أما تاريخ العلم فحتى الآن لم يصل لشيءٍ من ذلك.
ولهذا حين ظهرتْ الأديانُ حاولتْ أن تخفف من الأسطورة بالاعتماد على بعضِ ركائزها.
تاريخُ العلوم الضئيل لا يعني عدم أهميته الجبارة ولكن نسبة وجوده في حياة البشر محدودة، وحتى في العصر الحديث فإن الاختراعات والصناعات هائلة لكن أن تتجسد كتاريخ فكري علمي في حياة الناس فهذا أمر آخر.
ومن هنا نجد أن تاريخ المجانين والطغاة والمرضى النفسيين وأصحاب الهلوسة الذين صاروا زعماء وقادة امبراطوريات وأحزاب وأشعلوا الحروب التي راح ضحيتها الملايين من البشر وكذلك الغابات والمدن والأشياء من الجماد والنبات، فهم أكثر بكثير من الفلاسفة العقلانيين.
وكذلك كانت الجماعات الدينية المهلوسة والعصابية والمجنونة بفكرها وسلطاتها وأحكامها الباترة بقتل البشر والتضحية بهم واستغلالهم أكثر من قطرات المحيطات وشعور الرؤوس في شتى الأزمنة!
فكما أن العلوم مثل قطرة في المحيطات، فكذلك العقل الإنساني لحظة وامضة نادرة في الوجود.
الإنسان كائنٌ خرافي، لا يعترف بأنه جزءٌ ضئيل من الطبيعة، أمه التي انقطع عن ثديها بأوهامه الخيالية، ومع ذلك فلايزال يعتبرُ الأسدَ ملكهُ في الغابة، والذئبَ رفيقه في حملاته لتصفية المعارضين، والحية سيدته التي تقدم له السموم،(وكان العسلُ المسموم مادة لتغيير التاريخ والحكام).
الإنسان الخرافي يستخدم شتى الأفكار ليجعل من نفسه الكائن المختلف عن الطبيعة، ولكن قوانينها سارية في جسمه، فأقل خطأ بيولوجي في تركيبه يحيله إلى عدم.
عاش الإنسان بأغلبية تاريخه على الأوهام، وذلك لأسباب موضوعية خارجةٍ عن إرادته ككائن، فالطبيعة مسيطرة عليه بميلاده وموته، وهي طبيعة ليست في خدمته، بل معادية له، لأنه نشأ داخل تطوراتها التي لم يتحكم فيها، فوجد نفسه داخلها، فراح يسيطر عليها بصعوبات جمة كثيرة خارقة، وتاريخه الحقيقي مبنى على هذه السيطرة المحدودة.
كما واجه من داخل تاريخه الإنساني عقبات لا تقل خطورة ومأساوية عن عقبات الطبيعة الضارية العائشة على لحمه وعقله، فظهرت أنظمة حيوانية طبيعية، وهي تاريخية مع ذلك، تنهش أيامه القليلة في الوجود، هي امتداد لحيوانية الأسد والذئب والحية، فغدا مثل نقطة الزيت على الصفيحة الملتهبة، فكيف ينتج منه فكر عقلاني؟
يغدو دفاع الإنسان الأول هو التمسك بالمعيشة البسيطة، أن يكون له منزل وعائلة وامتداد، أن يكون أعلى درجة من الجمل والضفدع، وحتى في هذه المكانة الحيوانية المتدنية فلا الطبيعة القاسية تتركه ولا الطبيعة الحيوانية السياسية تدعه يعيش بكرامة. فكلتا الطبيعتين لها البراكين والزلازل والفيض البحري والأمراض، وللطبيعة الثانية السجون والدكتاتوريات والحروب والتجارب النووية والأنظمة الباطشة اللامسئولة العداونية.
فيظل ملجأه الأمل والحلم الأسطورة والدين، هما يخلقان له عالماً سعيداً له أوله ونهايته، وقد يتحولان هما أيضاً إلى جزء من الطبيعة الحيوانية الباطشة، لأنهما جزء من تفكير الإنسان التاريخي، لهما دور نهضوي لإحداث تقدم في حياته، ولهما دور الزنزانة التي تعتقل قدراته وتحجم عقله، من أجل مصلحة القوى الحيوانية الاستغلالية التي حولتهما إلى دور تعطيلي بدلاً من الدور النهضوي.
ولهذا فإن تاريخ الإنسان بمعظمه هو تاريخ الحيوان الضاري، فانظر إلى جيوشه واسمائها، كيف أخذت من الحيوان رموزها، ومن الطبيعة الجائرة عناوينها: جماعة الفهود السود، والصاعقة، والرعد، والشهاب اللامع، والأسد، والضبع، والفهد الخ..
وأخذت من الطبيعة البعيدة اللامبالية بالمشاعر والقلوب والعقول رموزها، فقالوا دولة الشمس وحددوا الضباط بأنهم ذوو رتب من النجوم ليكرسوا فيهم الابتعاد عن الإنسان، وقالوا آلهة القمر ودولة القمر والتيجان ووضعوا النسور والمناشير والسيوف رموزاً في أعلامهم لتدل على الأسنان والمخالب الضارية!
فهي تعترف صراحة بأنها جزء من الطبيعة القاسية ومن الجماعة الحيوانية الآكلة لحم البشر!
وفي الخيال تقول انها غير ذلك، وهي الاكتمال والطهارة والقداسة، وهي دولة الوطن الواحد والقانون والدستور والديمقراطية!
لا تريد الدول أن تقول إنها جعلت الأسود تحكم لتنهش من اللحوم وتستأثر بالأموال وتتلاعب بأموال الفقراء الهزيلة، بل انها تضع أقنعة (إنسانية) فوق وجوهها وقد قال الشاعر (إذا رأيتَ نيوبَ الليث بارزة..)، وهو تعبير ليس عن مشابهة شكلية بيانية بل إدراك لطبيعة السلطات.
وقال العامي الفصيح (الذيب ما يهرول عبثاً)، فحتى هرولة هذا الوحش التي تبدو صنيعاً إنسانياً تستهدف اللحم الاقتصادي أو البروتيني، وقد تداخلت اللحوم.
وكما أن العلوم تمثل شيئاً رمزياً في الاحصاء العقلاني لتاريخ البشر اللاعقلاني والخرافي فإن الجهود المناضلة لأنسنة تاريخ الإنسان هي مثل ذلك، وربما أقل، لأن الجهود في تشكيل مجتمعات إنسانية خالية من الأسود والفهود وشموس المناجل والمطارق النازلة على جماجم البشر، هي نادرة وقلما تفلح وتصمد لأن الحيوانات البشرية تظهرُ بشكلٍ مستمر من داخل هذه الجماعات والمجتمعات بسبب قصور التنظيمات والوعي والمراقبة وتخلف أساليب الإنتاج لدى البشر عموماً.
فهذه الحيوانات البشرية تريد أن تستحوذ على الغنيمة الاقتصادية وتنهشها بسرعة وتحتفظ بها، وتجعل ذلك أسلوب عيشها وسيطرتها. وهذا يعتمد على مدى يقظة المذبوحين والمسلوخين والعمال، دجاج التاريخ الطازج، هل ينتبهون ويقاومون أم يتركون الذئاب ترعى في مرعى الغنم؟
