إن نمو الدول العربية والإسلامية يؤدي إلى بروزِ خصائصِها التراثيةِ والهيكليةِ الاقتصاديةِ القديمة ولتلاقحِ هذه الخصائص مع المؤثراتِ الخارجيةِ العالمية، التي تعكسُ هي الأخرى تحولاتٍ إنسانية عميقة كونية.
وفي تاريخِها الحديث تصارعتْ المصادرُ الثلاثةُ لتكوينِ حركاتِها الاجتماعية وهي: الليبرالية والماركسية والإسلام، وهي المصادرُ التي ظلتْ متصارعةً ينفي بعضها بعضا، رغم كونها هي مكوناتُ التحولِ النهضوي لتبلورِها وتقدمها كشعوب.
علينا أن نفتحَ قوساً حول مسمى الدين وليس جوهره، فالشعوبُ العربيةُ الإسلامية تضمُ أدياناً أخرى، هي كذلك تدخلُ في مكونات المحتوى الديني بتاريخهِ الضاربِ في التاريخ خاصة الدينين المسيحي واليهودي.
رغم النفي في المراحل التكوينية الحديثة الأولى، وبفضله في مراحل أخرى، فقد كان للمصدرين الفكريين المستوردين الليبرالية والماركسية، دور في إضفاءِ ملامح جديدة على هذه الشعوب وتوجيهها لمساراتِ تقدمٍ كبيرة.
لكن كيف يمكنُ لجسمين فكريين مستوردين أن يلعبا هذين الدورين الخلاقين؟ وما هي الأسباب لهذا النمو ثم للانتكاسة التالية المروعة؟ هل هناك عواملٌ سحريةٌ جعلتْ منهما قوتي تغييرٍ ثم أرجعتهما إلى الخلفية السياسية؟
كيف تنموان في عصرِ التبعيةِ الاستعمارية ثم تخفتان في زمن “الحريات” القومية والوطنية؟ في حين يعكسُ الإسلامُ مسيرةً مختلفة، فهو على العكس منهما محجم في زمنِ تلك التبعية متنام في زمنية الاستقلال؟
كان زمنُ الاستعمار يفتقدُ الآلةَ الاقتصادية الاجتماعية الحكومية الشاملة المهيمنة على المجتمعاتِ العربية والإسلامية، فكانت المجتمعاتُ تبدأ بالنهوض من الصفر عبر تعددٍ للملكيات، وكان الغربُ المسيطر المباشر تفيدهُ عملياتُ نموِها الاقتصادية وتوسيعُ الإنتاجاتِ خاصةً للمواد الزراعية والخامات التي يشتريها بأثمان بخسة، وكانت هذه النهضاتُ التي تجري في العديد من هذه الأقطار بأشكالٍ متفاوتةٍ وبحسب مناطقها ودرجاتِ تطورها، تؤدي إلى ازدهارِ القوى الاجتماعية المختلفة، قياساً للعصر العثماني بطبيعةِ الحال، فكان توسعُ قوى التجار والعمال والمزارعين، وكانت الفيوضُ الاقتصاديةُ تنمي المدن، وتنشئ قوى تحديثيةً تستلهمُ النموذجَ الغربي سلباً أو إيجابا، محاكاة أو نقضا تجاوزيا.
كذلك تنامت الصلاتُ الثقافية بين الدولِ العربية والإسلامية والعالم الحديث، وتجددتْ الأشكالُ الفكريةُ والتعبيرية، وراحت هذه الأشكالُ تستعيدُ علاقاتِها بالواقع وتطرحُ عملياتِ تجديدهِ وتحرره.
كانت الصلاتُ مع الغرب المسيطر مفيدةً من جوانب عديدة، وأشاعتْ بعضَ أجواءِ الغرب نفسه، ونقلتْ بعضاً من ليبراليتهِ وحرياته.
وفي هذه الأجواءِ المشتركة، والتداخلاتِ التعاونية الصراعية، تمكنت الفكرتان الكبريان للعصر الغربي الحديث وهما الماركسية والليبرالية من التوغل في هذه الأقطار والحصول على عقول الكثيرين من المثقفين وبعض العمال مستندتين إلى ركائز اجتماعية ضعيفة لهما، في حين كان الإسلامُ يهجعُ تحت سيطراتِ الأجهزة التقليدية والدول التابعة المُهمشة.
إن النقلَ من الغرب استدعي من قِبلِ القوى الاجتماعية العربية الإسلامية التحديثية المتضادة، تجارا وعمالا، لهم مصالحٌ مختلفةٌ وأوضاعٌ متباينة، وفي أجواءٍ من تفاقمِ الصراعاتِ في الغرب نفسه، بين رأسماليين وعمال، وعبر انفصامِ جزءٍ من الغرب في تجربة تحولية مضادة لبنيتهِ وقيمهِ الفكرية والسياسية، تحت اسم “الاشتراكية” أو الفاشية. وهي الصراعاتُ التي تغلغلتْ في الأقطار العربية كذلك بحكمِ أن البنيةَ الغربيةَ الثقافيةَ الهشةَ التي دخلتْ وكونتْ شعاراتِها وطيوفَها في الأجسامِ العربية، تحركتْ وتمازجتْ مع قوى المثقفين والتجار والعمال العرب، ومع أوضاعِهم ومشكلاتِهم ومستوياتِ تلقيهم لها ولطبيعةِ ممارساتهم داخل المجتمعات العربية.
وهكذا فقد جرى في زمنِ التخاصبِ مع الغربِ الديمقراطي – الاستعماري، تكوين النزعتين الكبريين على درجاتٍ مختلفةٍ بين الأقطار العربية، وكانت الماركسيةُ والليبراليةُ تخضعان بدءًا من الآن لقوانين البُنى الاجتماعية العربية الشرقية، أكثر من الأصول التي أنجبتهما، وبالتالي فقد كانت تلك البُنى التقليدية تستعيدُ تكويناتها الاقتصادية – السياسية الماضوية، وتخضع تلك الشريحة الثقافية السياسية المستوردة لقوانين هذه البنى الاجتماعية المتجهة للاستقلال عن المركز الغربي.
إن النزعتين الليبرالية والماركسية العربيتين، حيث قدمتا من تلك المصادر لم تقطعا الوشائج كثيراً بتلك المصادر لأسبابٍ كثيرة، كما أنهما تصارعتا مضعفةً كلُ واحدةٍ منهما الأخرى، وهذا اعتمد على طبيعة النقل وجذوره المحلية وأدواته المعرفية الضعيفة.
إن الشحوب المتواصل لليبراليات العربية في ذلك التاريخ المتنامي استقلالاً وحركاتٍ شموليةً، سيصلُ إلى ذروتهِ فيما بعد حين تصلُ الليبراليةُ العربيةُ إلى ما يشبه الموت، وهذا سيجري في سياقاتِ هذه الأقطار كلاً على حدة، وعبر التداخل المفيد أو المضر.
إن الاستعمارَ والقوى الاستقلالية العربية الحكومية ونشوء “الاشتراكية” العالمية كنظام، كلها لعبتْ أدوارَها المختلفةَ المشتركةَ في إجهاضِ الليبرالية، وتصعيد القوى الفكرية والسياسية الشمولية من ماركسية ومذاهب دينية في ذلك الوقت بشكل متفاوت.
وفيما كانت الليبراليةُ والماركسيةُ تنموان في البداية على وعي ديمقراطي، أخذتْ الماركسيةُ تحتلُ المشهدَ التحديثي العربي وتزيحُ الليبراليةَ، وراحتْ القوى السياسيةُ والاجتماعيةُ في أغلبِ الشرق تنشىءُ دولَها الرأسماليةَ الحكومية، أي نماذج متعددة من رأسمالية الدولة، وهنا يحدثُ اللقاءُ بين المعسكرِ الاشتراكي والدول العربية المستقلة عبر تصعيدِ نموذجِ رأسماليةِ الدولة وتصعيد نموذج الدولة الشمولية.
إن احتلالَ الماركسية للمشهدِ السياسي المعبرِ عن الطبقاتِ العاملة العربية الإسلامية، كان يأتي من خلالِ الانزياحِ عن الثقافةِ الليبراليةِ سواءً كانت في مصادرِها الأصليةِ في دولِ الغرب أم كانت من خلالِ تأثيراتِها التي تكونتْ في الدول العربية، وبسببِ عجزِ الليبرالية عن تصعيد التنمية بسرعةٍ كبيرة ومواجهة التدخلات الأجنبية.
ولا نقصد هنا التأثيرات العابرة واللقاءات السياسية التكتيكية، كما سنرى لاحقاً من سيرةِ القائدِ الماركسي العربي خالد بكداش، بل نقصدُ عمليةَ التلاقحِ العميقةِ المفقودةِ بين الماركسية والليبرالية العربيتين، التي تتولدُ على إثرِها موجاتٌ من المعارفِ والنضالاتِ المشتركة.
فقد كان نموذجُ رأسمالية الدولة يصعدُ بقوةٍ عالميا تحت مُسمى الاشتراكية، وكان غيابُ الليبراليةِ الديمقراطية داخلهِ وغيابُ الحريات، يجعلانه رافضاً لأجسامِها السياسيةِ الغربية وتطبيقاتها وأطيافِها في بقية العالم. كان هذا تعبيراً عن عملقة البيروقراطية والتسريع الاقتصادي والنظرة الفكرية والواحدية المبنية على تلك الضخامة غير العقلانية لرأسمالية الدولة، ومن هنا حدوث التلاقي بين الشموليتين الروسية والعربية التقدميتين.
هذا الانفكاكُ العالمي بين الماركسيةِ والليبرالية لا يمنع من اللقاءات التكتيكية في ذلك الحين، فقد ظهرتْ نسخةٌ متوحشةٌ من الرأسمالية هي الفاشية، مهددة كلاً من الفكرتين الكبريين العالميتين، لكن على الرغم من التعاون الخلاق بينهما وتحطيم الوحش الضاري، فإن التعاون الحقيقي لم يحدث، وكان هذا التعاون ينتظر زمنية نشوء القطاع الخاص في رأسمالية الدول الشرقية لاحقاً، حين يتبين سراب الاشتراكية داخل رأسمالية الدولة الشمولية.
أعطي عصرُ النهضة العربية إمكانيتين كبيرتين لنمو الليبرالية والماركسية، بسبب غيابِ رأسمالية الدولة في الدول العربية، ودخلتْ النزعتان في تعاونٍ عبر فترةٍ وجيزة ثم في الصراع المفتوح.
وبهذا فقد حدثتْ تأثيراتٌ كبيرةٌ للماركسية بتلك المواصفات داخل الدول العربية والإسلامية، عبر تمدد الأحزاب الشيوعية والاشتراكية وامتلاء الساحة السياسية بهما بعد الحرب العالمية الثانية خاصة، وحدث ذلك التداخلُ بين نمو رأسماليات الدول العربية وتلك الفكرة، وإذا كانت الأحزابُ الشيوعيةُ العربيةُ قد أخذتْ كليةً هذه الفكرةَ بحذافيرِها الشرقية، من دون أن تقدر على تنفيذها في أي قطر عربي مهم وكبير، فإن الاتجاهات القومية العربية الإسلامية قامت باستيحاء جوانب منها، وطبقتها في بلدانٍ عربيةٍ كبيرة ومهمة.
وهنا تم تذويب الليبرالية العربية فنجد ان أحزابها كالوفد المصري والاستقلال والأهالي وهيئة الاتحاد الوطني، تزول أو أن تبقى مُهمشة، حسب طبيعة كل دولة وتجربتها، فالوفد يتلاشى والاستقلال في المملكة المغربية يبقى بضعفٍ حتى يستعيدَ مكانتَهُ حين تطورت الحريات والقطاع الخاص.
وعموماً كان صعودُ رأسماليات الدول مغذياً لصعود الماركسية في بعض الأقطار، ومهمشاً لليبراليةِ في هذه الدول، وجاء بعد ذلك صعودُ رأسمالياتِ الدولة في أقطار الخليج مكرسةً المذهبيةَ السياسية وتداخلتْ التطوراتُ والاتجاهاتُ في صراعاتٍ وتحالفات معقدة.
وفي هذه الفترة كانت التجاربُ العالميةُ لرأسماليةِ الدولةِ في المعسكر الاشتراكي تتعرضُ للتآكلِ وبدأت ترى أن هذا القطاعَ الكلي المهيمنَ يتوجه لأزمةٍ عميقة، وتم طرح حلول لها بجمودٍ وبأشكالٍ مجزأة، وعبر مقاربةِ القطاعِ العام للسوق، وقد تم ذلك لكن لم تُفلحْ هذه المقاربة مع السوق في حلِ التخلفِ التقني وتدهور قوى الإنتاج عموماً، كذلك كان المركزُ الرئيسي لرأسمالية الدولة عالمياً وهو الاتحاد السوفيتي، ينفقُ على الخارج الكثيرَ من فوائض إنتاجه، في دعم تجارب أخرى تقومُ على أسسهِ السياسية والفكرية.
ولكن بعض الدول التي تقومُ على هذه الأسس والموجودة في أوروبا وبمقاربةٍ كبيرةٍ للعالم الغربي الرأسمالي الديمقراطي، راحتْ تخرجُ من هذا السياق الشرقي الشمولي نظراً لمستوى تطور القوى الاجتماعية والبشرية فيها. ثم انتقلت الأزمة للمركز وكان الانفجار!
إن قوى الماركسية الشمولية المؤثثة بذلك الإنتاجِ الفكري الروسي والتي تشكلتْ في الدول العربية والإسلامية جاءتها ضرباتٌ عنيفة مختلفة من الأنظمةِ العسكرية ومن الدول التقليدية، والتي امتلأت خزائنها بالفوائض النفطية، فوجود قوتين سياسيتين شعبيتين شموليتين لا يمكن أن يستمر في أي نظام، ولا بد أن تكسر إحداهما الأخرى، فإذا كانت كلتاهما تحديثيتين خسرت الحداثة كما في مصر والعراق والجزائر والسودان وغيرها، وإذا كانتا تقليديتين توسعَ التخلفُ كما في اليمن. ولكن يمكن لقوى ليبرالية وماركسية وإسلامية، ديمقراطية كلها، سواءً كانت في الحكم أوالمعارضة أن تتعايش وتخلق تقدماً كبيراً.
أجهضتْ أغلبيةُ الأنظمةِ العربيةِ الليبراليةَ والماركسيةَ معاً، وكان حسابُ الخسائرِ يتمثلُ في غيابِ الليبرالية الوطنية، فحين رجعتْ بعد الدهس الطويل وبدء نهوضِ القطاعاتِ الخاصة والخفوتِ المحدود لنموذج رأسمالية الدولة، كانت الليبرالية هذه هزيلةً وذات قشور، قد دخلها الفساد، وعاشتْ على الأرزاقِ الحكومية، وأصيبتْ برعبٍ شديد فهي تخافُ الاستثمارات الصناعية الكبيرة والجرأة السياسية، وتلتصقُ بأي نشاطٍ اقتصادي سريع الأرباح، وتحولها إلى الخارج، وتلوثت بالوعي الديني التقليدي بدلاً من أن تعيد إنتاجه.
وكذلك تم فقدان الماركسية الوطنية، فبين السجون والقمع أو بين الاستيراد الفكري، ذَبُـلت الهياكلُ الفكريةُ الغائصةُ وسطَ قضايا الشعب، وعاشتْ على النصوصيةِ المجلوبة ولم تخلقْ ماركسيةً منتجةً تحليليةً تمدُ خيوطَها مع القوى العادية في المجتمع وتحاورُ الإسلامَ خاصة وتعيدُ إنتاجَهُ، كما تحاورُ الليبراليةَ وتعيدُ إنتاجَها في زمنٍ مختلفٍ وفي بناها المستقلة – المشتركة معها في المعركة الموحدة للنهضة.
إن الأداتين المنهجيتين الكبريين في الوعي العربي: الليبرالية والماركسية، تم شللهما لزمنٍ معين، عبر ذلك التنامي الواسع للشموليات المختلفة، وعبر هذه السوقية الاقتصادية غير الإنتاجية، وكان البديلُ الجاهز عبر العصور هو المذهبيات المحافظة، المذهبيات النصوصية الجافة التي هجنتَها القوى الإستغلاليةُ بعد إنتهاءِ عصرِ الخلفاء الراشدين.
ونجد في زمن ازدهار النزعتين السابقتين كيف أن المذهبيات المحافظة، كانت في عزلة، بسببِ ضخامةِ التخلف الذي أُحيطت به خاصة في عصر الدولة العثمانية، فظهرت قواها مفككةً شاحبة حسب تطور الاقطار ومستوياتها، وتجلى ذلك بتباين المواقف المذهبية، من محافظة صارمة إلى تجديدية خافتة، وصعدت أنظمةُ الدولِ المستقلةِ التي لم تتخل كلها عن هذه المذهبية المحافظة كأداةٍ أساسية في السيطرة على الشعوب، موجهةً إياها لإزالة النزعتين السياسيتين الكبريين الماركسية والليبرالية، بتدرج محسوب نظراً لخطورة الأولى وضعف الثانية، وأدى هذا إلى ظهور الأحزاب السياسية المذهبية لأول مرة في التاريخ العربي الإسلامي، حيث كانت (الفرق) هي الشكل البارز في التاريخ السابق.
كان ظهورُ الحزب الديني الإسلامي عامة مضاداً للتراكم الحضاري العربي الإسلامي السابق، عبر إنجازاته الماركسية والليبرالية، فهو رجوعٌ للوراء، وتفكيكٌ للشعوب والأمم الإسلامية التي توحدتْ عبر النضال السابق، وهدر للتراكمية الديمقراطية الضئيلة المتحققة، فيضع نفسه في خدمة القوى المحافظة والاستعمارية التي تريد ضرب التجارب العربية الإسلامية التحررية المتصاعدة، فدخلت المنطقة في مرحلة التفكيك والانهيارات الداخلية ومحاربة الميراث العقلاني المحدود السابق.
لقد توحدتْ المذهبياتُ السياسية مع أنظمةِ رأسماليةِ الدولة في كل بلد، أو غدتْ هي المعارضةُ المُفككة لوطنيةِ كل دولة، وأقامت حواجزَ مع المصدرين السابقين، ولم تستثمر المصدرين لتنامي التقدم في الأمة.
بطبيعة الحال لم تعِ المنظومتان الماركسية والليبرالية أهمية تصاعد العنصر الديني الإسلامي في هذه اللوحة المركبة، وأُخذ كمؤامرة بشكل مطلق.
في المرحلة الراهنة أخذتْ تتكشفُ الضرورةُ الموضوعيةُ لتلاقي هذه المصادرِ الثلاثة لتكوينِ العرب السياسي في العصر الحديث، وهي المعبرة عن أغلبية الطبقات العربية، وهي إذا كانت نتاجُ ثوراتٍ ثلاثٍ عبر التاريخ: الإسلام ،والليبرالية، والماركسية، فقد صادرتْ هذه العملياتِ الديمقراطيةَ فيها الهيمنةُ الإقطاعيةُ في ظرفٍ، والاستعمارُ المباشرُ في ظرفٍ آخر، ورأسماليةُ الدولِ في ظرفٍ ثالث.
وهذه أمورٌ تشيرُ إلى التعقدِ التاريخي لتكوينِ الأمةِ العربية، ولإسراعِها في العصر القديم للقفزة فوق الظروف الشديدة التخلف، ولإسراعِها في العصر الحديث للاستعانة بمصادر سريعةٍ جاهزة للتقدم والتوحد، من دون أن تمتلكَ قواعدَ قويةً لذلك، وهي اليوم قادرة على أن تجمع ما هو مُفكك، وأن تغتني بالصراعات الديمقراطية، حيث الوحدة أقوى من الاختلاف، لأحداث تراكمات نهضوية جديدة، في أبنيتها الفكرية الداخلية وفي علاقاتها المشتركة.
في التراث تجسد صورة (البرق الخلب) حالات الإنسان المزهو بنفسه مثل السحابة الكبيرة التي تطلقُ البروقَ ثم لا تـُسقط مطراً.
وهي حالة كثير من الناس يتصورون ان بإمكانهم أن يكونوا نجوماً في سماء المعرفة والفكر، فيعتمدوا على التظاهر الخارجي، مثل الممثل الفاشل الذي هو غير قادر على صنع المشاعر الداخلية في أغوار نفسه، فيتظاهر بحركات خارجية تعكس فقره الروحي.
والسبب قوة الطموح وقلة الدرس، فهو ليس لديه وقت للقراءات العميقة، ومكابدة البحث، وعناء الصقل الداخلي، ونحت الأفكار في الدماغ، إما لعادات اجتماعية سيئة وإما لنقص في القدرات الجسمية، ومع هذا فهو يرى الناس كالأقزام، ويرى المنتجين الكبار محدودين صغاراً، وهي خصال سيئة تزيده تشوها لكنه لا يراها في نفسه بل في الآخرين.
وأدت ظروف التنافس والفردية الطاغية وسيادة عالم المظاهر وانتشار الدكتاتوريات المقزمة للبشر، إلى صعود هذه الظاهرة واستشراء شراء الأقزام وتصعيدهم على المسارح الاستعراضية السياسية والاجتماعية المختلفة.
حين كان العصابي الاجتماعي مع البشر العاديين، يصارع ما يصارعون، ويتألم مما يتألمون، كان لديه بعض المواهب، وكانت مشاعره تتألق للدفاع عن الوطن أو الناس، كان يحفظ بعض الشعارات، ويقرأ بعض الإنتاج، ولم يكن متواضعاً وهو مع هذا الحشد المضحي، بل يرى نفسه مغايراً، ولا يرضى بأي نقد، وهو عصبي المزاج، يعكس نفساً متورمة، لها حدود حمراء تتفجر بالصراخ والنداءات الحادة حين تلامس تلك الحدود أي ريشة قدح أو نقد.
وإذ كثيرون من المتورمين يتساقطون عاجزين عن دفع ضريبة العمل السياسي الذي يتطلب النقد والبحث وكون المشتغل به فردا مثل سائر الأفراد، فإن المتورم الأكثر تركيباً، والأكبر طموحاً، الذي يمتلك بعض المهارات، يواصل الصعود في عالم الأنوار، عالم البروق.
في حالة الكتابة يتعلق بالشعارات والحالات العامة المجردة التي ليست فيها قدرات تحليلية عميقة، يستند إلى جزئيات فيها بعض الصحة والبقع الفاقعة والصواريخ المبهرة، ويمضي بها وقتاً ولكن غير قادر على الاستمرار فيها وجعلها تتغلغل في المجتمع، ومتابعة تصوير نماذجه من العامة والمثقفين الذين كان يحفل بهم، ويتابع نماذجهم، فيروح في عالم كتابي غنائي غامض، ينسحبُ من خلاله من عالم الكادحين الذين كان يتغنى بنضالهم، ويسجل عذاباتهم، ولا يحفل بالتناقض بين ما كان بالأمس وما صار اليوم.
لا تهمهُ مساحة التناقض، وهوة الاختلاف، وعظم القصور الداخلي، وضرورة مراجعة النفس، ونقد الذات على الهوان، وكون الأشياء المادية لا تساوي شيئاً أمام عظمة النفس، وأن المهم والعظيم هو بقاء الذات مشعة ومستمرة في صنع المطر لا في تشكيل الاستعراضات المبهرجة والبروق الخلبية.
لا يستطيع أن يستمر في كتابة الحقيقة، فكتابة الحقيقة لها أثمان: تعبٌ في القراءة، وبساطة مع الناس، وتواضع أمام الرموز الإنسانية الكبيرة، وشفر الأسلحة في تعرية نماذج الفساد، وظاهراته الاستغلالية المتصاعدة، وتوسيع البصيرة في رؤية الأحداث الغامضة، لكنه لا يستطيع ذلك.
فقد يلجأ هنا إلى صوفية تجعلهُ متوارياً، مغمغماً بلفظيات فاقعة مبهرجة، مجعجعاً بثورياته في المطلق والمجرد والغامض، أو إلى إنشائية اجتماعية أو سياسية مباشرة يسودها الاستعلاء وتجريح الآخرين وتقزيمهم وهي تصدر عن نظرات ضحلة لا تتغلغل في الظاهرات الاجتماعية والسياسية المعقدة، لكن عبر الصواريخ اللغوية والادعاءات الأدبية، يستر جزءا من عري ظاهر.
ولابد له من مدح الواقع القائم الذي يستفيد منه، متحولاً هنا إلى عالم موضوعي، يدرك المراهقة اليسارية وخطورتها ويخفف من وطأتها على الكفاح الشعبي، ويغدو هو الوطني البارز الذي يعرف مسار الحق، ويوجه الجماعات الطائشة كافة إلى طريق الصواب.
ورغم أن نظرته حولاء، ويقرب النار من قرصه في الانتقادات الصغيرة كافة، والمدائح الكبيرة، ويستدير في أي لحظة و”يتشقلب”، ويكشف عن الإنجازات الخطيرة، فإنه يرى أنه أعظم من فكر ونظر.
وتتعقد الحالة النفسية إذا كانت مثل هذه الإنشائيات تتشكل من أجل لقمة العيش، فهي تصير تواضعاً من العملاق، وإهانة لقدراته الكبيرة من أن يخدم البسطاء و(الأغبياء)، فإذا كانت زحفاً في عالم الفساد وضروب التزلف والنفاق السياسي، فلابد من تصويرها على أنها قمة البحث والعروض النقدية والكشف لصالح الأمة والشعب.
لا تتشكل هنا حالة خصب مع ابتعاد النموذج عن الأرض وعن الناس، حيث اصبحت فقاعة تطير في الهواء، تطلق بروقها الحارقة على المشاهدين، وتعيد تشكيل الإنسان والحضارة.
هذه الدراسة نشرت في مجلة الكاتب العربي العدد الرابع من السنة الاولى ديسمبر 1982 دمشق .
هذه هي المجموعة الثانية للقاص أمين صالح الصادرة عن دار الغد بالبحرين، والتي تعتبر امتداداً وتعميقاً للخط الذي شقه لنفسه في ميدان القصة . اننا لن تعتبر هذا الامتداد تطوراً وقفزة إلى الأمام ، بل سنجد فيه استمراراً لأزمة هذا العالم الأدبي الفكرية والفنية .
إن إطلاق النعوت الفضفاضة والتعبيرات الشعرية والمصطلحات الغريبة غير المفهومة . لن تؤدي إلا إلى عزلة أكثر لهذا الأدب وتفاقم أكبر لموقفه الصعب، وعرقلة تطور الكاتب. علينا أن نتحاور كأصدقاء، لنكتشف مواقع ضعفنا ونساعد بعضنا البعض، في غيبة النقد العلمي . وهذا النقد ليس منافسية وصراعاً لتدمير الوحدة الأدبية، بل هو لتعميقها، واكتشاف مواقعنا على نحو أفضل وتوجيه كلماتنا للتأثير المشترك في الواقع.
سوف نناقش هذه المجموعة من زاويتين، الزاوية الأولى هي زاوية البناء ومدى قدرة الكاتب على خلق بناء قصصي متماسك. ولا يعني هنا أن الرؤية المتجسدة في هذه الأعمال ــ سواء المتماسكة أم الضعيفة ــ إيجابية، فقط أننا بتركيزنا على هذا الجانب نستطلع جوانب التشكيل المختلفة حتى نعثر على جوانب الخلل التي تقودنا الى خلفية هذا التشكيل وأسباب جفافه وضعفه. الزاوية الثانية هي زاوية الرؤية أو تناقضها، هذه الرؤية التي تؤدي إلى التشكيل بهذه الصورة. أي أننا ننتقل من الشكل إلى المضمون ونرى علاقة التأثير بينهما.
بين التداعيات والقصة القصيرة:
العديد من قصص المجموعة عبارة عن صور متناثرة لم يستطع الكاتب أن يخلق المعيار الفني الذي يوحدها ويعطيها الدلالات المبتغاة. انها تداعيات ربما وحدتها أحاسيس ما، لكن لم تأخذ فرصة النضوج الكافية للتبلور في هيكل حدثي متناسق، فانطلقت الصور المقطوعة؛ والتعبيرات المباشرة في كل اتجاه.
أن التداعي والانطباعات حينما تتحول الى انطلاق عفوي، لا تضبطها الهندسة الفكرية يتبعثر المحور الذي يربط كل الجزئيات ويوحدها . ليست المسألة مسألة التخطيط والمنطق الحسابي، ولكن ذاك التفاعل الخلاق بين الوعي والعفوية، بين المنطق والتدفق.
سوف ننتقل مباشرة من النظرية الى التطبيق .
في (انفعالات طفل محاصر) نجد عشرات الصور المبعثرة والتداعيات لكن لا نجد هيكلا حدثياً نامياً .
في البدء تطالعنا صورة الراوي والفتاة التي تجلس قربه . ليس بينهما وبين البحر سوى جدار سميك . بينهما حب ولكنه حب خارج على القانون، وهو حب سخي، تلاحقه معاطف المخبرين و . . . و. . . يخرجان من المقهى، يستلهمان الماضي والمستقبل، وكانا مأخوذين بسحر العرائس، ولكن يعود الحصار فجأة ويعود الجدار السميك .
ثم ننتقل إلى صورة أخرى، لا تأتي كتوليفة وتركيب؛ بل كقطع في البناء. فثمة غرفة موصدة وخالية إلا من طائرات تقذف قنابلها في لحظات خاطفة، نجد عيناً في الأرض وأخرى في الرأس . الطفل المحاصر يحصي أصابعه فيجدها سبعة .
الصور الثانية جاءت ولم تحدث تركيباً بنيوياً، انفصلت عن الصورة الأخرى؛ وتأتي الصورة الثالثة أولا كأقوال تقريرية (أعشق الريح والخليج والوقت الآتي والرمل والبحر والمراكب)، تقريرية لأنها لم تتجسد تصويرياً، فنحن نبغي الخليج ولكن أين هو؟ وهذه الانفلاتات التقريرية تأتي لتزيد الفصل بين الصور، وليس لها من قيمة بنائية . والكاتب مولع بهذه الجمل غير القصصية وهي جزء من حالة عدم النضوج الفني للقصة.
ثم نرى امرأة أيضاً. تبقى بذات الحالة التجريدية الأولى . ( ساعدها ثمرة شهية لها طلعة بهية يعشقها كل الأطفال )، الكاتب لا يبني، يبقى بحالة التداعي الأولى، لا يطور من هذه المرأة، لا يجسدها بشكل خاص وحميمي، لكي يحولها من أوصاف عامة تنطبق على أشياء كثيرة إلى إنسان ذي ملامح . اللغة الناعمة الملمس المنتقاة، تقيده . لا ينتقل إلى الإنسان، إلى تركيب صورة تكشف أعماقه.
يقفز إلى الملهى الليلي ويدع تقريريته تتحدث . فهو يمقت الرقص الشرقي في العلب الليلية وامتهان الأجساد ويكره مدير الملهى واللوطيين والمخصيين وأصحاب المصارف . لقد جاءت هذه الصورة أيضاً بلا توليف، فلا تطور جانباً حدثياً سابقاً . بل تنقلنا إلى أشخاص جداد وموقع جديد مضيعة الفرصة للتركيز على الأشخاص السابقين . إن هذا الانتقال لا يضيف فنياً أي شيء . ويمكن الانتقال أيضاً إلى أصحاب المزارع والقصور والقضاة وغيرهم ولكن ما فائدة ذلك بنائياً؟
النقلة الأخرى الى شخصية ( أبي ذر). ودائماً تكون الأوصاف العامة ذات الرنين الشعري، كدقات الطبل، هي المدخل إلى الشخصية أو الحدث . أنه لا يدخل لها ببساطة، لأنه يكره أن ينزل إلى الملموس والعادي، فلغته يجت أن تكون محلقة، مجردة، فهي عبء يعانيه، وليست أداة تساعده لخلق الشخصيات والأفكار .
أبوذر يرسم وطناً دامعاً ويكاتب عالماً مجرداً هو الوطن والأمهات . إن هذه المكاتبة لا قيمة لها، تبقى شعاراً، لأنه لا بد من أم ما، خاصة، تتم إليها المكاتية. عندئذ مع وجه ذي قسمات معينة تتشكل علاقة حدثية قصصية، والعلاقة لها شروط أيضاً . أهم هذه الشروط صلتها بالصور السابقة وتناميها في الصور اللاحقة . فالمسألة ليست اعتباطية فثمة قوانين للابداع.
وأبوذر يطبع قبلة على جبين فتاة كانت تزوره خلسة . ولكنها تختفي . انه يصورها كعادته مركزاً على تعبير (المطر المالح) لا الانسان الرائع .
أبوذر يدخل هكذا بلا مقدمات . الصور الأولى لم تشيده، عبارة عن كلمات لم تتآزر وتتشكل في بناء عضوي . والإحساس بالاضطهاد أو الحصار لا يشكل هيكلا . فكل صورة لها قيمة في ذاتها، وليس في العلاقة بينها، والعيب هو في هذه الصورة لأنها مبنية بشكل «ميتافيزيقي»، أعني أنها منفصلة وساكنة، وليست جدلية؛ مرتبطة ببعضها البعض، مؤثرة ومتأثرة، خالقة بذلك لوحة عامة.
وفي المقطع الخامس نقرأ مانشيتات إخبارية لا علاقة لها بالصور والبناء السابق . إن الحديث عن الشهداء والاعتقال لا يكفي ليشكل قصة فما بالك بقصة ثورية، في ضوء عدم الاهتمام بالتكنيك القصصي أولا ؟
وتكملة لهذا المقطع نعثر على صورة . يصادف الراوي قاطع طريق . القاطع يقدم أكلا قليلا، وكان كلاهما جائعين؛ فلم يشبعا . تحدث عن نفسه فأوضح أنه يحارب عصابه احتكرت مياه الشرب عن الأهالي، فيسلب مواشيها وعربات المياه، ثم يوزعها على الناس . وهو منكر لذاته أيضاً، فيراوغ عن قول اسمه .
هذه صورة لا علاقة لها بالحدث أيضاً . وسندرس في جانب آخر دلالة قاطع الطريق هذا.
أما في المقطع السادس فيخرج الكاتب عن الموضوع تماماً . يصور لنا حكاية رجل يبيع ذراعه الوحيدة بعشرة فروش . ان من الممكن كتابة عشرات المقاطع مثل هذه ولكن ما وظيفتها ؟ ما الإضافات التي تقدمها للبناء ؟
وفي المقطع السابع نقرأ نداءات متكررة الى المرأة المطهمة بالنار والماء . وهي بلا قيمة فنية، وتبدأ الصورة حين تزمجر الذئاب في وجه أبي ذر، وهو ممدد ومقيد على الأرض . الدماء تغادر جسمة والذئاب تلحس ما تبقى .
ولا يطور هذه الصورة بل ينطلق في تداعياته وانثيالاته، يرتفع ويتوغل في الوقت، ويمضي معه .
وفي المقطع الثامن استمرار لهذه التداعيات . الجمل الناعمة، الشاعرية، لكن قصصياً، الفارغة .
وفي المقطع الثامن يصل أبوذر إلى موقع لا ماء فيه ولا شجر . ولكن قبل أن يكمل أو ينشىء الصورة يزوغ إلى التداعيات والاقتباسات ثانية . يكتب عن سفر الرؤيا . ولا يتم مسيرة «بطله».
نرى أن الكاتب لا يتحول إلى قصاص، يمتلك كيفية البناء القصصي، فهو لم يقم بإنضاج الفكرة/الصورة لكي تصل الى معمار محدد المعالم، فقبل أن تتشكل وتكون بناءها، أجهضها وأخرجها الى «النور» .
ولأن البناء غير مكتمل تنهمر العبارات المباشرة وترفع اللافتات، فلم تنصهر هذه الشعارات في لحمة الحدث، بل بقيت كدليل على التسرع وعدم إتقان التكنيك.
وجانب آخر من عدم الاكتمال هذا نجده كما قلنا في عزل الصور عن بعضها البعض، فالنظرة التركيبية هي وحدها التي ستحيل هذه الشظايا إلى منظومة . أن (شخصية) أبي ذر كان يمكن أن تتحول إلى محور، فتتجمع حولها كل الجزئيات غير المنجذبة إلى مركز .
إن الكاتب أضاع الشخصية من التاريخ والواقع المعاصر . لأنه بكل بساطة لم يرسم شخصية . فهو لم يجهد نفسه تكنيكياً من أجل خلق هذه الشخصية، واستساغ لعبة التداعيات والأجزاء المبعثرة والجمل الشاعرية؛ ونسي واجبه كخالق للشخصية، فتلاشت الشخصية والقصة والشعر معاً .
اللغة الجميلة البعيدة عن اليومي لها دور في الاتجاه إلى التجريد، فالكلمات تتدافع بقانونها المستقل غير موظفة لبناء الحدث، وحينئذ تفرض شروطها عليه . هي تبقى كغاية؛ بدلا من أن يكون الحفاظ على جمالها يأتي بالدرجة الأولى من خلال دورها ووظيفتها في البناء .
✶ (العواء) أيضاً عجزت عن التشكل كقصة . ثمة بطل يوحد الصور المبعثرة، وهو الراوي، وهذا التوحيد ليس المعمار المطلوب، فهذا الراوي لا يختلف عن صوت المؤلف . فكأن الكاتب يفكر ويحلم و يمشي .
نرى أولا صورة المقهى، يبدأ الكاتب كالعادة بعبارات كبيرة، فلا يخلق حدثاً منذ أول كلمة، بل يفتتح المشهد بأبهة الكلمات الفخمة ( توقفنا عند حدود الكلمات المنطوقة والمهربة). ( لنكتشف لغة أخرى بلون أحداق الشمس) .
رواد المقهى أجادوا لغة الكلام فصمتوا . لذا يقرأ أحدهم ملصقاً سرياً . ثم يقفز كهل ويقوم برقصة عنيفة تمثل بدوياً أنهكه البحث عن خيمة وعشب .
خيبة الراوي تتجلى في الشارع البارد أيضاً . يطارده عواء فيفزع ويجري. تحتويه الغرف الخالية . ليس فيها سوى ذكرى حبيبة، وهي ليست حبيبة حقيقية بل مجرد نداءات تطلق الى شيء غير محدد بالمرة . فالمرأة لدى الكاتب ــ عبارة جميلة وليست انساناً ــ عنصر المرأة لا يتضافر مع الصورة السابقة لكي تنمو حدثياً، بل هي تداعيات يجمعها احساس بالضجر والخواء .
الصورة الأخرى التالية تشكل نمواً؛ وهي صورة الصديق الذي قرأ الملصق وهو ملقى في سرداب قذر تمزقه الطعنات . وهذا النمو تجسيد لبشاعة الواقع المحيط بالبطل وليس أكثر من ذلك . بمعنى أنه لا يتشكل مع المرأة والبطل ليشكل علاقة قصصية . وبدلا من هذا التشكيل ينطلق في حديث مباشر لغيمة «ثورية». حديث غير عضوي، مجرد استطراد للملصق .
و بشكل مفاجئ يدخل الجنود أيضاً مسرح التداعي . تحدث مجزرة فيأتي صوت من بعيد هو العواء . لم يكن تردده سابقاً إلا إيذاناً بمجيئه هذه المرة ولكن بشكله المجسم في هيئة جنود وعلى شكل أسلحة . وهذا الصوت ليس وحده، فثمة صوت آخر ؛ هو الأغنية . اللغة المضادة للعنف .
يرقد الراوي، هناك أصابع خشنة تتجول في جسده وجروحه .
مقطع الحوار التالي يدل على تغير موقف الراوي، على انتقاله إلى الغناء، ولكن بغموض؛ فليس ثمة تغلغل في نفسه؛ أو كشف للابن الذي يخاطبه، عبارات مبهمة لا تروي شيئاً .
أما النداء الأخير الى المرأة/العبارة فيكشف موت الراوية أو استشهاده، وذلك سيان .
إن هذه الصورة الباهتة، التي تفتقد إلى الحرارة العاطفية والتشكيل المتفجر حيوية، لا تشكل قصة . إن الصراع بين هؤلاء الأشباح والمضطهدين نراه في قصص عديدة، ولكنه ليس مشجباً يعلق عليه الكاتب كسله الفني، لا بد من تشكيل بنية ذات علاقة عميقة، تميز هذه القصة عن تلك، تخلق أبطالا لهم شيء محدد خصوصي، يعطيهم نكهة، ويعطي علاقتهم مناخاً متميزاً .
لكن الكاتب ينثر تداعياته، مقهى، امرأة، غيمة، جنود، منزل، غير قادر على خلق علاقة حدثية بين هذه العناصر . مضيفاً إلى هذا التبعثر جواً مجرداً يعمق هذا التبعثر.
✶ قصة (ولم ينته هذا الحلم البلوري) تختلف بعض الشيء عن المحاولتين السابقتين؛ فالمجموعة المتناثرة من الصور نجد أنها تتألف وتتضافر حول البطل وهو الرجل البرجوازي وخادمته . هذا الرجل وهذه المرأة يؤلفان نقيضين، أي قطبين متنافرين في الصراع الاجتماعي . ومن خلال «شخصيتيهما» ومن خلال الصراع بينهما ينمو المحور ويتشكل .
هو رجل مذعور ووحيد في منزله . وهي امرأة تعمل وتقرأ . في انطلاقة المذعور من البيت يقابل (صديقه) وزوجته. وحين يشتهي المرأة لا يتردد بينما يقف الصديق مغطياً عينيه المفتوحتين . ولكن حين يشتهى الخادمة ترفض وتقاوم.
هذه هي العلاقة المحورية لدينا، الرجل رغم كثرة المقاطع عنه ظل غريباً، بعيداً مجرد رمز ك/ س/ مثلا، وهو رجل بملامح غربية . فهو لم يتشكل بمناخنا وتربتنا الوطنية، تشكل من قراءات القاص، ليس كنتاج للواقع المحلي، والخادمة أيضاً هي رمز لا شك أنها تتمتع بمزية المقاومة، ولكن لم تخرج عن كونها شيئاً مجرداً، وليست إنسانة، فنبع البطلين واحد.
لن نناقش الأسباب الفكرية وراء هذه الظاهرة الآن، بل سنقتصر على رؤية التشكيل . وبهذا الصدد نقول: إن العلاقة الرئيسية لم يمعمقها الكاتب نفسياً واجتماعياً. لم يركز على ذات البطل لينتزع ملامحها وخصائصها الجوهرية، وليكشف من ثم أساسها الاجتماعي؛ ليتشكل البطل كشخصية حيه ــ وكذلك البطلة . إن الكاتب لا يزال يبعثر أجزاء القصة، غير قادر على لحم الأجزاء بمهارة . وبدلا من إتقان التكنيك يلخص بعض قراءاته وينثرها في القصة . فهنا مقتطع من سيناريو وهناك مقطع من قصيدة لشاعر فرنسي وأيضاً مشهد من فيلم ! هذه «التوظيفات» لا قيمة لها على الإطلاق . لأنها لا تضيف شيئاً لتعميق رؤيتنا للشخصية أو لتطور الحدث بالإضافة إلى أن ثمة صوراً أخرى لا تقوم بهذه الوظيفة أيضاً، رغم صلتها بالحدث . كأمثلة : منظر المصنع؛ المحكمة، الجنود . هذه كلها تدلل على أن الكاتب لا يختار الزوايا الهامة والدقيقة لاكتشاف شخصياته، لأن رؤيته لا تتركز على (الإنسان) بالدرجة الأولى .
✶ (ايزادورا . . دعوة للمشاركة)، هذه ليست قصة، ثمة امرأة راقصة ذات اسم معروف، لكننا نجهلها في الحقيقة. لم يصهرها القاص في حدث ساخن؛ فنرى أعماقها وطبقتها الاجتماعية وصراعها. الصورة عبارة عن منظرين صغيرين لا أبعاد لهما. الرجل الغربي البرجوازي في القصة السابقة تحل مكانه امرأة غربية. وليس ثمة صدى لواقعنا، فنحن ضيوف غرباء على المنظر .
المرأة لا تفعل شيئاً سوى أن تتعرى وترقص تحت رذاذ المطر، ثم يلقى القبض عليها قبل أن يحضنها حبيبها.
هذه الصورة قطعت إلى ثلاثة مشاهد، وهناك أيضاً استشهاد بأحد أقوال راقصة عاصرت ايزادورا ولحسن الحظ وضع الاستشهاد خارج القصة هذه المرة . تقطيع الصورة الصغيرة الى ثلاثة مشاهد ترينا سيطرة الشكل على وعي الكاتب . الفكرة ظلت باهتة، لكن الشكل ظل يتمتع بالاهتمام الأول .
✶ يصل الكاتب في العديد من القصص إلى التماسك الشكلي، فتتشكل عضوية موحدة، وتتآزر العناصر المختلفة لتبلور فكرة .
في (النافذة) تبقى ملامح الصراع ذاتها. الخادمة هي المرأة المضطهدة التي تعاني يومياً شراسة السيد ووقاحته. تفتح النافذة فيستقبلها الهواء ويدعوها للطيران . والطفل يضحك أمامها فتحاول أن تقلده فلا تستطيع، والنهر يدعوها لتتعلم الكفاح فلا تقدر أن تفعل شيئاً، ويبقى السيد سيداً وتبقى الخادمة عبدة . . وتغلق النافذة.
هنا ليس ثمة شيء زائد، كافة العناصر البشرية والطبيعية تؤدي دورها في انسجام عضوي، ولكن هناك اشياء ناقصة . يتضح في القصة دور العوامل الطبيعية كالهواء والنهر في إعطاء المرأة صورة أخرى لوضعها من أجل أن تغيره . أيضاً (الطفل) وهو عنصر رومانسي في أدب أمين، يومئ لها نحو الطريق ولكنها عاجزة عن الضحك والسير . إن هذه العوامل تتشكل كرموز، وليس كعلاقات بشرية مع المرأة . القاص يقطع صلتها بالناس، بالحياة الاجتماعية الغنية، ويترك لها علاقة شاحبة مجردة؛ وعليها أن تثور من خلالها. أن اضاءة تاريخها بشكل ومضات سريعة، ووضعها في إطارها الاجتماعي، قد يكشف محدودية قدراتها للتطور؛ وقد يفتح لها أفاقاً جديدة .
القاص بوضعه «البشر» في ثلاجات يريدهم أن يزخروا بالنار . فقط في حالة ذوبان الجليد واكتشاف الكاتب للمناطق الحارة في منطقتنا، سوف تتشكل نفسية حية لهؤلاء الشخصيات المطمورة بذاك التشكيل المدمر لقدراتهم وإمكاناتهم .
▣ ملاحظات صغيرة :
نستطيع أن نحدد ملاحظات أخرى على التشكيل نكمل بها الصورة :
أولا : هناك تباين بين عنصرين مختلفين وهما عنصرا التجريد والمباشرة . فبقطع جذور الشخصيات عن واقعها الملموس، وافراغها من محتواها الاجتماعي، يتضاءل التوجه الثوري للعمل الأدبي وتضعف مهمته التحريضية، فتظهر العبارات المباشرة تعوضاً عن نقص في البناء والتوصيل.
ثانياً : الاهتمام بالشعر والسينما يأتي ضد القصة، فهذان الفنان لا يندغمان في التكنيك القصصي، بل يظلان طافحين فوق السطح، ولهذا يكون لهما أثر مدمر على التشكيل القصصي، أن أي وسائل تستخدم يجب أن تساعد الشخصية والحدث في التكون والتطور وأن تذوب في الهيكل العام للقصة لا أن تكون مفردات طافية على وجه القصة .
ثالثاً : ثمة تناقض في هذه القصص، وهو التناقض بين «الحالة الشعرية» والوعي «الموضوعي» الذي تتطلبه الكتابة القصصية، فتلك الحالة تعطي غنائية ونطلاقاً غير مخطط الصور؛ وهذا الوعي يتطلب تخطيطاً وبناء فكرياً لخلق شخصيات في حركة وفعل . والقاص حينما يثبت قدماً في القصة وقدماً أخرى في الشعر تختلط الحالتين في عمله، فلا يكون قصة أو قصيدة .
رابعاً : الكاتب في محاولته للوصول إلى العام والجوهري يخفق تماماً، لأنه يضع طريق الوصول اليه دون المرور بالملموس والثانوي .
إن تصوير الحدث والشخصية بعمومية وإطلاق يؤدي إلى عدم واقعيتها، أن الواقعية تتطلب مزجاً بين الملموس والمجرد، بين الثانوي والجوهري، وبدون هذا المزج نتحول الى مدرسة أخرى .
▣ المناخ الغربي :
قاد تجريد الشخصيات والأحداث من واقعها المحلي والعربي، الكاتب إلى سيطرة أجواء قراءاته ومشاهداته لنتاج الثقافة الغربية . كان التصور السابق أن القاص بقطع الجذور الاجتماعية والوطنية لكائناته الفنية انه يجعلها مطلقة، مجردة، غير محددة الجهات، ولكن اتضح أن ثمة واقعاً آخر يجذبها ويجعلها تدور في فلكه، فغدت هذه الكائنات تعيش في أجواء غربية . فانقطعت عن واقعها الذي تستمد منه الماء والضوء .
ستتناول عناصر مختلفة لرؤية هذا المناخ .
❖ (هنالك امرأة تطل من الشرفة وترمق البحارة الذين يتزاحمون داخل وخارج الحانة . . ص 5)
❖ (. . ومدير الملهى يفتح زجاجة الشمبانيا في تخب زوجته التي تعاقر اللوطيين والمخصيين وأصحاب المصارف جهراً . ص 13).
❖ كان بضعة رجال يرتدون ملابس عسكرية غريبة؛ منهمكين في صنع صليب خشبي ص 33).
❖ ( الغرفة خالية ، بدون أثاث أو لوحات عصرية أو تماثيل افريقية ص 42).
ليست المسألة مسألة كلمات مثل «الحانة»، «الصليب» ، «التماثيل الافريقية» فحسب، ولكنه جو شامل يغطي معظم مساحة المجموعة . المرأة في قصة «الفراشات» تظل بلا نكهة شعبية، فهي ترمق بحارة في حانة ذات مواصفات غربية . تظل المرأة باهتة وغريبة، ليس لأنه مسخ شخصيتها فحسب، بل لأنه وضعها في مناخ غير مناخها . لم تلتهب بنار أرضنا، رغم أن زوجها سجين، ظلت في غرفتها الباردة وشرفتها البعيدة ولم تر حاراتنا وحاناتنا . هذا الجو الناعم الغربي جعلها غير واقعية فماتت .
البطل البرجوازي في (ولم ينته هذا الحلم البلوري) هو من قراءات القاص وتأثراته بالثقافة الغربية، فهذه الشخصية لا يجمعها جامع باناسنا، حيث أن الكاتب شكلها في جو غربي صرف . علاقته بالخادمة، واقع السهرة، لقطة الفيلم الفرنسي، مضاجعته للزوجة أمام زوجها، منظر المحكمة ووجود عنصر المحلفين، مقطع من قصيدة لشاعر فرنسي . هذه العناصر المتعددة «تغرب» الموضوع والحدث . اضافة الى عنصر التجريد المتفاعل معها، فهذا كله يساهم في إخراج القصة من التربة المحلية .
مناخ القصص يميل عادة إلى البرودة، والمطر ليس قليلا؛ أما الصيف والحرارة الشديدة ــ وهي السمة الغالبة في مناخنا ــ فقلما نعثر لها على أثر .
والشخصيات هي مثل و«تجنسكي» و«ايزادورا» حيث البروز الأكثر وضوحاً لسيطرة القراءة لا الواقع، وسيطرة موضوعات لا تمثل هاجساً لإنساننا . تتلاشى ملامح الخليج بتراثه ورجاله ونسائه ونضاله وأجوائه، لا أثر للزنج والغواصين وعمال البترول . بل هي وجوه شاحبة وخطوط مجردة وأجواء غربية .
▣ الموقف المأزوم :
أن تأثر الكاتب بالثقافة الغربية ليس الا تأثراً بمواقف معينة في هذه الثقافة، وهي تلك المواقف المأزومة ذات التوجه البرجوازي والبرجوازي الصغير .
في (نجنسكي . . حنجرة الرعد) نكتشف بعض جوانب هذا الوقف .
نجنسكي يرقص رقصة الحرب . يمثلها بحركة جسده . اللغة الشفافة تمثل الحركة الخارجية وسطح الموقف . نجنسكي يركض وينزف ملحاً . يغادر نجنسكي خندقاً ــ قبراً إلى خندق ــ قبر آخر . ثمة جنود وضباط يخطبون بحماس وقتلى .
القاص صور ساحة حرب، ولكن لم يتغلغل إلى أية أبعاد اجتماعية وراءها. فبالنسبة إليه يقف المعتدي والمعتدى عليه على صعيد واحد . المناضل كالفاشي، لا فرق، هي مجرد حرب لا أبعاد لها . الراقص، والكاتب؛ ضد هذه المجزرة ولكن من سببها ؟ وما هي أسبابها ؟ أنه لا يجيب، فقط يتعرى، متخلياً عن توجيه الاتهام الى عدو محدد ، متجهاً الى لعن الزيف ومن أجل البراءة . هذا الموقف الهروبي يتستر بالمجردات، فيبدأ درجة درجة صاعداً نحو الجنون والانفصال عن الواقع والبشر .
تجاه الحرب يرقص عارياً، وتجاه متعهد حفلاته يغمغم في ذاته . ليس لديه موقف حقيقي تجاه الإثنين، وفي هذا الفراغ المرعب وانعدام الوعي للنضال ضد الشرور الاجتماعية وخالقيها يفتح له الكاتب باباً عريضاً وهو باب الصوفية تجليه الأول من خلال الرعد الذي يبحث عن حنجرة له . أنه لا يصل إلى حالة فقدان العقل حتى يتحد في هذه اللحظة، بل يستمر في تحديه للناس . الصالة غاصة بالجمهور وهو واقف كالتمثال لمدة نصف ساعة . ثم أخذ ينزع ملابسه قطعة قطعة. الجمهور ينسحب . زوجته تبكي، فلا يجد الا الطفلة يراقصها. يتمنى أن يظل الأطفال أطفالا حتى الممات، معبراً بهذا عن فشله وأزمة طريقه .
ويتعمق بهذا طريق الصوفية والجنون . ولا يصور القاص هذا الطريق كأزمة بل كتطور خطير وعملقة للبطل . أن الله نار في رأسه !!
نبذه الناس فانطلق في الهواء والفراغ فاحترق والتقى بالرعد حنجرته . الكاتب حول الأزمة إلى موقف عظيم والانهيار الى تألق، والهروب الى بطولة .
وعوضاً عن كشف موقف نجنسكي وجذوره الاجتماعية الضاربة في تربة طبقية قلقة، يقوم بوضع أكاليل الغار على هذا الانحدار .
لغة الشعر المستخدمة والتمثيل الصامت والعناوين الجانبية والأقواس كلها عجزت أن تحول هذه الصور الي عمل حي رائع . لأنها ارتكزت على موقف طمس القضايا الحقيقية لتمجيد بطل فردي لا يمتلك أياً من مميزات البطولة .
ولكن ليس هذا وحده مما يشكل موقف الكاتب فهناك جوانب أخرى فيه . في قصة (انفعالات طفل محاصر) رأينا وجود قاطع طريق . انه ليس قاطع طريق حقيقة بل هو شخص متمرد على امتيازات الأغنياء واستغلالهم . يعطي البطل جزءاً من طعامه القليل ويكشف له عن مهنته . وهي أنه يحارب عصابات من الأغنياء احتكرت مياه الشرب عن الأهالي فيسلب مواشيها وعرباتها المحملة بالماء ثم يقوم بتوزيعها على الأهالي . وحين سأله عن اسمه راوغ وتحدث عن الحصاد وأغاني الراعيات ورؤيا الأنبياء.
هذه «الشخصية» تمثل إضافات أخرى إلى نجنسكي، فإذا كان ذاك في موقف غائم ضد المعسكرين المتصارعين دون وعي عميق، فإن هذا يقف بشكل أكثر وضوحاً وتطوراً ولكن بطريقة تمردية وفردية . وتختلط في وعيه الاحلام الجميلة والمشاعر الدينية . وهو بهذا نموذج آخر لذات التركيبة الاجتماعية .
في (هذا فرحي . . اغتالوه وهو طائر) نجد صوراً عديدة وكلاماً إنشائياً ولكن لا نعثر على قصة، البطل يحلم وهو في المهد بأنه طائر يقطف نهود جنيات البحر؛ ولكن الواقع يؤكد لغة أخرى، فبين المقهى والمقهى قتيل جائع؛ ومقصلة تمضغ رأس طفلة . انه شخص مأزوم، نفسيته تضطرب بين الرفض والاستسلام . والكاتب لا يصور هذه الأزمة ويبينها في حدث متكامل بل هو كالبطل لا يستطيع أن ينضج أزمة بطله، ويعرضها من خلال معادل ما، بل يلقيها وهي في حالة الاجهاض هذه .
وتتحول هذه الأزمة في كلمات خاطفة إلى صرخات ومحاولات للقضاء على الصحراء المحتضنة للأعداء والسجون والكلاب ومؤسسات الإبادة . الآن يعود حاملا بندقيته مع رفاقه ليعلن الغزو . في لحظة أخرى نراه يبحث عن لبن الأم . لم يجد سوى ملصقات واعلانات . الأم ، المرأة ، كانت مسجونة في قفص وأحياناً يعرضونها في السيرك وفي البرلمانات . قال الصديق : العنف باب الأبجدية . تبقى المسافة بينه بين الصحراء وتغدو الأم قتيلة .
إذا كان نجنسكي ضد الحروب بشكل مطلق . فهذا البطل في قصتنا هذه مع العنف بشكل مطلق، انه ينزل إلى المدينة مع رفاقه معلنين بدء الغزو ولكن لا يتم من ذلك شيء . ليس ثمة عمل صغير يعملة، في ضوء هذا الحصار الشكلي الذي قيد فيه .
إن هذا التناقض في الموقف بسبب اضطراب الرؤية وانعدام الانسجام في أساسها الاجتماعي . وهذا الاضطراب لا نلاحظه فقط في الرؤية الفكرية بل وفي التشكيل الفني أيضاً . حيث الاضطراب في البناء وبروز الخلفية السينمائية والشكلية .
الاضطراب في المضمون يقود إلى الاضطراب في الشكل . فالقاص بملاحقته البعيدة لواقع غير واقعه يشحب المضمون الفكري لعمله، فيصاب بالجفاف، فلا يبقى سوى ملاحقة الأشكال الجديدة، مع الرغبة الدائمة غير المجدية لتحطيم استقلالية الأنواع الأدبية، هذا كله يؤدي إلى أزمة العمل ككل .
الرجوع الى الينابيع؛ الى الوطن والناس، برؤية تبحث عن علاقاته وبشره، مع الاستفادة من التكنيك الجديد للتغلغل أكثر في الحياة والارتباط أكثر بصناع الحياة الحقيقيين لا الوهميين، هذه فحسب تضع الشروط الأساسية لحل التناقض بين الشكل والمضمون في أدب القاص .
✶ نلاحظ الأثر السيء للأسلوب في قصة (ارتجافات عناقيد الماء في الهواء)، القصة متماسكة، صورها تخلق أثراً هاماً موحداً؛ والكاتب يوظف حادثة أسماء وابنها عبدالله بن الزبير التاريخية ليعطيها دلالات جديدة معاصرة ومضيئة .
يقترب من خلق «أسماء» كشخصية حية ولكنه يتوقف في منتصف الطريق، فالأسلوب ببلاغته الشعرية يجعله على سطح الشخصية والموقف، تجذبه الصور الجميلة فتتولد من البحر الجنيات والزنابق بينما لا تلد الشخصية شيئاً . الصور لم تساهم في التغلغل في الذات، وهنا يقيد الشكل المضمون ويكبحه .
الكاتب يبتعد في أحيان عديدة عن التجريدات فيصور أسماء كامرأة عادية تنشر الغسيل وتشتري الخبز وعبدالله كعامل يضرب مع المضربين . وللأسف فهذا الصعود الحقيقي إلى الشخصية يضيع في غمرة عبادة الجملة ذات الرنين الموسيقي، وبسبب التوجه المباشر أيضاً. أخذنا مونولوج عبدالله تحت سقف الحانة كمثال، فماذا سنجد ؟
(نخب الانتفاضة المطعونة . في الظهر، نخب النتائج، نخب الشواطئ ، التي استهلكت بكارتها فعربدت ثم نامت مفتوحة الساقين، أضحت البنادق خنادق وفنادق نعاقر فيها خيبتنا ونضحك ملء أفواهنا رمل …).
إن هذا ليس بمونولوج فهو تعبيرات عامة واضحة ليس فيها من صور البطل الشخصية وذكرياته وتداعياته شيئاً، فيها الصدى الجميل وفيها الطرح المباشر رغم أنه لا علاقة له بالحدث . فالقضية قضية اضراب فاشل وليست انتفاضة مطعونة في الظهر . فأين هذه الانتفاضة في القصة؟ ومن طعنها ؟
بدلا من مسك الخيوط الفنية و تنمية الشخصية بأعطاء لمحات نفسية تحولها الى لحم ودم ينجرف الكاتب مع شلال الخطابة فيأسره التدفق اللغوي فيضعف التغلغل في الشخصية والواقع بالتالي .
يأخذنا للتفاعل المتبادل بين الشكل والمضمون، نرى شحوب هدف العمل الأدبي، نتيجة التجريد و«التغريب»، ولهذا تتركز اهتمامات الكاتب في تطوير الشكل، وهذا التطوير نتاج الثقافة الغربية وفنونها. وبالأخص الفرنسية، ولكن القاص في محاولاته للوصول الى مضمون أعمق، وفي لحظات اقترابه من واقعنا، يكبح الشكل الذي اعتاد عليه هذا التطور .
وهنا ضرورة وجود حلقة «كسر» لهذا الشكل . ولكن ذلك يتطلب تعميقاً للنظرة وتغييراً لاهتمامات عديدة . يتطلب عناية بالتكنيك القصصي، وكسر الجو الغربي . هذا يعني تغلغلا في الواقع المحلي، والدخول الى تاريخ المنطقة وتراثها وحكاياتها الخ . .
ان مشاكل القصة عند أمين هي ذاتها مشاكل القصة العراقية في الستينات. يقول برهان الخطيب في مقالته (الاتجاه الواقعي في القصة العراقية القصيرة) «كثير من قصاصي الستينات كان يكتب بهذه الطريقة الحرة، وهذا الأسلوب كما نرى نموذج لخضوع الكاتب لمؤثرات خارجة عن عمله، فإن مسايرة الإيقاع اللفظي هنا لا تقود إلا إلى الابتعاد عن خط الموضوعة.» _ راجع الأقلام ؛ العدد 12، 1980 .
ليس هذا فحسب بل غلبة الفكرة المنتشرة في الأدب الفرنسي المعاصر وهي فكرة اتحاد النثر بالشعر، والاتجاه نحو صهر كافة الأنواع الأدبية في كل واحد، نجد صداها لدى أمين .
أن الأنواع الأدبية من الممكن أن تستفيد من بعضها البعض أما الصهر فغير ممكن ومدمر لكل الأنواع الأدبية .
▣ الحصيلة :
بعد جولتنا في هذه المجموعة ما هي خلاصة الموضوع ؟
أولا ــ نرى أن العديد من القصص ما هي إلا محاولات لم تتشكل في هيكل ما . وهذا التبعثر في الصور نجده لسببين . الأول: الكاتب لم يقم بانضاج فكرته الأولية بحيث ترسم من خلال تقنية القصة فحدثت لها عملية إجهاض . الثاني: وقوف هذه المحاولات بين الغنائية والتشكيل الموضوعي القصصي، بسبب أفكار الكاتب المتأثرة بتيارات معينة في الأدب الفرنسي .
ثائياً ــ في حالة تشكيل القصة فنياً نجد تحول شخصياتها إلى خطوط مجردة تعيش في بيئة غير بيئتنا وتتنفس هواء غير هوائنا . الكاتب لا تملكه رغبة ملحة في تجسيد تجربة شعبه وأرضه .
ثالثاً ــ بهذا يقف الكاتب على العكس من المدارس الواقعية بمختلف تشكيلاتها، فهو لا يقوم باكتشاف واقعه وقوانين تطور هذا الواقع، بل ينفصل عنه، فلا نجد «الإنسان» في قصصه لأنه ينطلق من التعالي على الواقع الذي يشكله .
رابعاً ــ تعويضاً عن افتقار المضمون إلى حرارة الواقع والحياة تتركز ابداعات القاص في استخدام وسائل تكنيكية عديدة، ومعظم هذه الاستخدامات تأتي غير مصهورة في البنية القصصية .
خامساً ــ أن ثمة تبعية في الموقف من الثقافة الغربية وعالم الكاتب الفنى يحتاج إلى موقف نقدي تجاه هذه الثقافة كشرط أساسي لتطوره . وما دامت هذه التبعية ملازمة له فسيكون بعيداً عن الواقعية، سواء كانت نقدية أم اشتراكية، قديمة أم حديثة، لأن الواقعية تعني اكتشاف القوانين الموضوعية لتطور بلده وشعبه، وليس في نقل النتاج الثقافي الغربي وشكليته المتغيرة دوماً تعبيراً عن أزمة مغايرة لواقعنا وتطورنا وثقافتنا .
لم يتابع نشطاء جبهة التحرير الوطني البحرانية وكذلك مناضلو الجبهة الشعبية عمليات التخلخل العميقة في المعسكر الاشتراكي بصورة علمية، فهم انتقلوا من تأييد عمليات الإصلاحات التي قام بها جورباتشوف في الاتحاد السوفيتي التي لم تكن أبعادها مفهومة حتى لجورباتشوف نفسه، إلى رفضها المطلق حين تبينت أبعادها التفكيكية لجسم الاتحاد السوفيتي، باعتبار جورباتشوف عميلاً غربياً، وقد طفحت مثل هذه (الأفكار) على ألسنة القيادات وبعض القواعد، وهي كلها مذهولة كبقية أفراد البشر في الكرة الأرضية، من هذا الانهيار. لم يحدث أي تحليل موسع، أو قراءات فكرية عميقة لعمليات التغييرات الكبرى هذه، ليس فقط لطابع كوادر الجبهتين اللتين اتصف عملهما بالتركيز على الشعارات السياسية الرائجة، بل لأن نشاطهما في تلك السنوات الانفجارية الروسية، قد وصل إلى الإنهاك السياسي الكبير، بعد تضحيات جسام في السجون والنشاط السري والمنافي منذ الخمسينيات، وما عاد في قدرة القيادات سوى المساهمة في أي نشاط يطفح على السطح. وكان انهيار الاتحاد السوفيتي يترافق مع نمو الحركات المذهبية السياسية في البحرين والعالم الإسلامي عموماً، وكان المظهران المتناقضان في الواقع يعبران عن جوهر واحد، هو نهوض الأمم الشرقية في عالم الصراع الكبير مع مركز السيطرة على الكرة الأرضية المتمثل في الغرب الرأسمالي. فالأمة الروسية في الواقع كانت تقوم عبر جورباتشوف بهدم (رأسمالية الدولة الشمولية) أو الرأسمالية الحكومية المركزية، والتي اتخذت في عيون الشيوعيين العرب مظهر النموذج الوحيد للاشتراكية، وهذا النموذج يصل في وعيهم أو لا وعيهم بدرجة خاصة، إلى المثال الديني المقدس، فرفضه أو التشكيك فيه يصل إلى درجة الخيانة، أو الكفر، لأن عالم منظوماتهم الفكرية، يقوم على مجموعة مقدسات، هي فكر لينين الطاهر المقدس، والاتحاد السوفيتي المزار، أو الصين في رواية أخرى، ورمز الجنة الأرضية، والأب الحاني والشقيق الأكبر. لكن طبقات الأمة الروسية كانت قد وصلت إلى مرحلة استنزاف بسب النظام البيروقراطي الحكومي، الذي قام بتحولات هائلة ولكنه وصل إلى الأزمة العميقة. وظهرت برجوازيات حكومية استنزفت الموارد وأوصلت نفسها الى سدة الحكم مبعدةً العمال من مركز الاهتمام الاجتماعي. كان هذا يعني على المستوى العالمي (أزمة الماركسية-اللينينية)، فهذا الفكر تصور قدرته على نقل روسيا والبشرية كلها إلى الاشتراكية الخالية من الطبقات وذات القدرة الهائلة على الثورة العلمية والتقنية، لكن في عمق التجربة الروسية الفكرية كان هناك حدسٌ بأن هذا الفكر هو واجهة للقومية الروسية في عملية ثورتها القومية النهضوية، وإن ما كان انجازاً ودوراً عالمياً تحررياً، بدأ يتحول إلى عبء، فروسيا التي ساعدت شعوب آسيا على الانتقال من العبودية والإقطاع إلى النهضة الحديثة، وفرت لها رافعة جاهزة لعملية نقل القرى وعالم العبيد والأمية والحرف إلى عالم الصناعات الكبرى والكهربة والتعليم الشامل الخ.. إضافةً إلى المساعدات الهائلة لدول المعسكر (الاشتراكي) ولحركات التحرر الوطني.. إن عمليات تفكيك الاتحاد السوفيتي وسحب روسيا من المنظومة الثورية العالمية، وعدم الصرف على خمول المعسكر الاشتراكي، قراراتٌ جذرية اتخذتها قوى الرأسمالية البيروقراطية والأجهزة العسكرية والاستخباراتية الروسية، فيما وراء ظهر جورباتشوف ومجموعته، التي تصورت أن ثمة إمكانية لعملية انتقال من المجتمع الاشتراكي الاستبدادي إلى المجتمع الاشتراكي الديمقراطي. وهذا التوصيف الحالم من قبل جورباتشوف، ينقصه عدم فهم طبيعة النظام الرأسمالي الحكومي الذي كان يتربع على قمته، بمعنى أن فهمه للماركسية لم يكن ماركسياً، وبمعنى آخر أيضاً بأن (الماركسية-اللينينية) كانت وعياً قومياً رأسمالياً روسياً تشكل بأدوات السيطرة الحكومية الشمولية. وكان إدخال الانتخابات وأدوات العمل الديمقراطي على هذا الكيان يعني وصول هذه البرجوازيات البيروقراطية في كل بلد من بلدان الاتحاد السوفيتي إلى السلطة، وبالتالي هدم الاتحاد السوفيتي الذي أقيم على تحالف مفترض وهمي بين العمال والفلاحين، أي أن هذه الطبقات المنتجة أُبعدت عن السلطة خلال عقود الدكتاتورية الفردية السابقة، وهي التي قامت عبر تضحيات عملها وثماره بتصعيد تلك السلطات البيروقراطية وخلق منجزات التحديث الهائلة، وبالتالي فإن هذه الجماهير راحت فكرتها الاشتراكية التضحوية تتحطم سياسياً فتعود لما قبل الماركسية اللينينية، أي للدين والوعي القومي وهما الشكلان من الوعي المنتشران والسائدان المتواريان. لم تفهم أممُ آسيا خاصة في روسيا والصين وفيتنام أن تحولاتها تجري نحو الرأسمالية الحديثة، وقد وجدت في (الماركسية – اللينينية) ضالتها للحفاظ على هويتها القومية المتوارية وعلى جهاز الحكم المركزي القائد والمسيطر عبر التاريخ. ولكن تطور القوى المنتجة بعد إنشاء الصناعات الثقيلة واجه صعوبات هائلة من ذلك الجهاز الحكومي الذي كان قائداً وحيداً في التنمية، فاستدعت الضرورات تفكيكه ونشر الصناعات الخاصة ولتطوير قوى الإنتاج المتخلفة عن مستوى الغرب واليابان في حمى تطور الأسواق والاستيلاء عليها. إن الأحزاب الشيوعية والمنظمات التقدمية العربية لم تفهم طبيعة التحولات هذه، وكان لايزال الشكل النضالي المساواتي التقشفي البروليتاري مهيمناً على الوعي العام، في حين تم نخره من قبل التطلعات البرجوازية الداخلية، التي راحت تتغلغلُ في القيادات والأعضاء. وكما حدث في القيادة السوفيتية ذلك التناقض بين القمة والقاعدة، بين الوعي القومي والديني الإداري المسيطر وبين مـُثل الاشتراكية القديمة المسحوقة، بين الأنانية القيادية وانتفاخ الزعامات المغرورة بدورها، وبين الانضباط والطاعة الثورية لدى القواعد المتردية أحوالها، كما حدث ذلك في الاتحاد السوفيتي وخرّب التجربة النضالية الوطنية الشعبية، فقد حدث ذلك في الأحزاب الشيوعية والتجمعات التقدمية العربية المختلفة. فالكلام عن المبادئ والقيم النضالية والتضحية تم خرقه ببيروقراطية الإدارات وأنانيتها السياسية والاجتماعية، فالتضحية تكون من نصيب القواعد والمكاسب تكون لجانب القيادات. السجون والتعذيب والبطالة والفقر تكون من نصيب الأعضاء البسطاء، وعضوية القيادة الخالدة والكراسي البرلمانية والبيوت والسفرات والثروة تكون من نصيب القيادات. ولكن إذا كان هذا التناقض الاجتماعي قد حز في التكوين السياسي وأبعد قوى العمال والفلاحين عن هذه الأجسام، فإن هشاشة التكوين الفكري الذي تجسد في القبول السطحي بـ (الماركسية – اللينينية) كان هو العامل الأكبر في الأزمة الفكرية. فكان العقل (التقدمي) يستوردُ الموادَ الفكرية وينقلها في جسمه السياسي، ويغدو موقفه الوطني هو تعليق سياسي مُبسّط عما يدور في بلده. إن عدم قدرته على التحليل هو وليد هذه العقلية الاستيرادية، وتتحول هذه المواد إلى مواد مقدسة، يسود فيها الحفظ والترتيل الديني، وتشعُ حولها الطهارة، ثم تنقلب مع اكتشاف الفساد في مراكز القيادة، أو اكتشاف الضعف والتخلف عن التطور فيها، إلى صدمة روحية. إن الإيمان العاطفي المطلق ينقلب إلى كفر كعادة الوعي الديني، وانتقاله بين المتضادات التي يعجز عن القيام بالتركيب فيها، فيجري التنصل من الأفكار أو الارتداد إلى الشائع والشائع دائماً هو الوعي الديني والوعي القومي. وهما الشكلان الأساسيان من الوعي في نمو الأمم في مراحل الإقطاع والرأسمالية. وبهذا فإن الوعي التقدمي الذي كان يجزم بوجود الاشتراكية يتخلى كلياً عنها. فيهتف بأن لا وجود سوى للرأسمالية والمصالح الخاصة! أو أن بعض قطاعاته ترى الرأسمالية كخيار أفضل من التجمعات الدينية المحافظة التي تمثل خطراً على النهضة، أو أن الزعيم المغمور يتمرد على الزعيم الرسمي الخ.. في حين تتوجه القواعد الشعبية التي لاتزال تهجسُ بمـُثل المساواة إلى البقاء في الأكليشيهات القديمة، فتظهر أمثولة المهدي هنا بأن لينين عائد، وإنه حي، ويعود بعضها للعبادات الدينية كليةً متصوراً بطرق تفكيره الشكلية أن هذا هو الإسلام. ويحافظ بعضها كلية على الماركسية اللينينية بشكلها النصوصي القديم ويزاوجها أحياناً مع ابتهلات دينية ما لتأكيد طابعه المحلي. والبعض النادر يواصل الحفر والاكتشاف بأن الدول (الاشتراكية) نمط خاص من رأسماليات الدول في العالم المتخلف، وإن الماركسية منهج في البحث ونظرة كونية ويجب إبعادها عن التطابق مع تجربة البلدان الشرقية التنموية السياسية الخاصة المرحلية. وفي حين أن منتجي هذا الوعي الأخير قليلين بين التقدميين يكثر منتجو أشكال الوعي الأخرى، ولذلك أسباب عميقة داخل أبنية الجماعات التقدمية المختلفة. إن الخيط النضالي الديمقراطي الشعبي لا ينقطع في الأجسام التقدمية العربية مهما كان هذا الخيط واهياً في المراحل الانعطافية الصعبة، فهو وليد تضحيات جسام، والدوائر الشعبية المختلفة تراها تحافظ على هذا الخيط حتى وهي تختلف عنه، داخل ممارساتها الدينية، بسبب حدسها الطبقي، فضياع تنظيم تقدمي هو فائدة كبيرة لقوى الاستغلال التي «تدهس« أجورَها وأحلامها الاجتماعية. لكن قوى الاستغلال الشمولية تعمل بقوة على شطب هذا الخيط من التاريخ، أو على الأقل الاحتفاظ به كتحفة فنية. فالمساهمة في فصل القيادة عن القواعد، وحفر الانقسام المذهبي، وتفتيت الأجسام السياسية الخ.. هي من أدوات الرأسمالية الحكومية العربية في تكريس دورها المطلق في الاقتصاد ونهب فوائضه. أما القوى الدينية المختلفة ففي أقصى تجربة لها هي تعمل على رأسمالية حكومية مركزية مسيطرة على الجمهور، لتقوم بالدور نفسه ولكن مع أحجبة إسلامية ولحى طويلة. لكن التقدميين وحدهم قادرون الآن على فهم تجربة رأسمالية الدولة وتعزيزها ونقدها وتطويرها، كشكل من الثورة الاقتصادية المركزية المساندة بقطاع خاص مستقل وبعالم من التعددية السياسية، وهو أمر يحدد طبيعة التحالف بين التقدميين والليبراليين والدينيين المنتقلين للديمقراطية. لكن هذه البلورة السياسية للنظام المراد تشكيله تصطدم بتلك الفسيفسائية التقدمية، التي دمرت أخطاءها الفكرية، بسبب عدم فهمها تجربة سياسية، هي تجربة الدول «الاشتراكية«. فهي تخلت عن المادية الجدلية والمادية التاريخية في سبيل دكتاتورية البروليتاريا، وكأن الفكر المادي الجدلي لا يقوم إلا على الدكتاتورية الاجتماعية! في حين أن الفكر ذاته وُجد في الغرب وتطور في الغرب من دون الحاجة إلى تلك الدكتاتورية. إن الشرقيين الشموليين يعكسون ميراثهم الديني والاجتماعي على النظريات العلمية، لكن الآن تتطلب دقة المواقف وتركيبها استخدام المناهج وتحليل الحياة بها، فيتطلب الموقف إنتاجاً وليس نقلاً. إن الماركسية الاستيرادية السابقة تعجز عن القيام بتحليلات مُعمّقة للبناء الاجتماعي في كل بلد عربي، ولهذا فإن المواقف التقدمية تقوم بالعودة إلى تراث المنطقة والتغلغل فيه، فتصبح هذه المواقف التقدمية عربية وإسلامية ومسيحية وعائدة كذلك للتراث الحضاري القديم، لا بمعنى تشرب طرق تفكيرها الغيبية ومنظومات عباداتها، بل رؤية دورها الاجتماعي النضالي كخلفية مهمة للفكر التقدمي العربي المعاصر وكجذور متميزة للمنطقة، وهي عمليات تحتاج إلى تزاوج بين البحوث العلمية والعمليات النضالية اليومية. ولهذا فإن التقدميين قادرون على الغوص في تراث كل طائفة دينية، ورؤية العناصر الكفاحية فيه، ودراسة مـُـثـُل هذا التراث، وإبعاد المنتمين إليه عن التحجر في أشكاله المتيبسة وعن التعصب، وتوعيتهم بالأبعاد المغيبة العظيمة في هذا التراث، وتطويرهم وتوحيدهم لمهمات الأمة والشعب والإنسانية. إن هذه المستويات المركبة من التفكير والسلوك، تتطلب أعضاءً على مستوى كبير من العمق الفكري والمسئولية السياسية والنشاط، ولكن حين تتحول التنظيمات التقدمية إلى كم تحصيلي من الأعضاء السابقين من المراحل السابقة (يعكس الانهيار أكثر من المقاومة)، تفقد قدرتها على التحول إلى أداة قادرة على فعل شيء مميز في هذه المرحلة المعقدة. والأزمة التنظيمية هي تعبيرٌ مركب كذلك عن مجمل الأزمات وخاصة الأزمة الفكرية، فالأزمة الفكرية هي نتاج كل التحليلات السابقة، وهي تؤدي إلى الشلل السياسي الذي يهدم كل فكر.
في عودة التقدميين البحرينيين من الخارج تولد انحرافان؛ انحراف نحو اليمين يضع أغلب الأوراق في يد الإقطاع السياسي، وانحراف يساري يضع أغلب الأوراق في يد الإقطاع الديني. وحين ينفي الخارجُ التقدمي المسيطر الداخلَ التقدمي نلمحُ ثنائيةَ القاعدة البيروقراطية التي شحبت قدراتها على التحليل والممارسة، ولكنها تفرض منظومتها على القواعد المضحية للحصول على مكاسب شخصية. لكن هذا يتبدى بشكلين إيديولوجيين خادعين، أي عبر انحرافين متضادين في الشكل متحدين في الجوهر، فالأول يركز على مماشاة (الإصلاح) وعدم نقده وتحليله، وبالتالي مسايرة خطواته من دون وجهة نظر نقدية، والثاني يرفضه ويعتبره خدعةً ويواصل مماشاة القوى المذهبية التقليدية القائدة للنزاع المذهبي. أي أن الاثنين يتوخيان الدعم عبر قوى الإقطاع أو التقليديين. إن الموالاة والمعارضة إذن ليستا لتكوين تيار تقدمي مستقل بل لوصول أقطاب التقدميين المعارضين القادمين من الخارج إلى مناصب وامتيازات ثم إلى كراسي البرلمان أن استمر تدعيمهما بالانتخاب أو التعيين. ولم تفعل قواعد التقدميين أي شيء جدي وكبير لوقف هذه المأساة، فنظراً للتكتيكات المتبعة في غمر الجمعيات بكل لون، وتذويب العناصر المضحية في شوربة سياسية، أمكن للبيروقراطية المسيطرة أن تشتت العناصر المناضلة وأن تضيع جهودها، وتمزق القواعد التقدمية التي جرى العسفُ عليها واضطهادها وتشتيتها خلال عقود. وبهذا فإن إمكانية إنتاج فكر تقدمي مستقل عبر هذا الاضطهاد المزدوج تغدو مسألة غير ممكنة. إن تراث نصف قرن ضاع في بضع شهور. فعاد التيار المهلهل من التقدميين بمختلف تجلياتهم إلى إرث الإقطاع. إن مسألة الأوضاع السياسية تبقى مسألة رؤوس فردية من الذكور المتناطحين، فهذه الرؤوس هي التي تسود .. لقد ضاع تراث التقدميين البحرينيين على مستوى تجميع المادة السابقة وعلى مستوى درسها وقراءتها بموضوعية هذا الزمان وليس بخطابية وعاطفية ذلك الزمان. وعوضاً عن إنتاج وعي وطني ديمقراطي جماهيري تخشب اليسار في أطروحاته القديمة، وحين جاء خلال هذه السنين سيطر عليه الانحرافان السابقان ومنعاه من إنتاج مثل هذا الوعي الوطني الديمقراطي التوحيدي. في الانتخابات القادمة ونتائجها ستغوص البلدُ أكثر في الأزمة التي ستغدو شاملة، وستقوم القوى المذهبية السياسية بتفكيك البلد في مختلف طوابق بنائه الاجتماعي. إن التغييرات السياسية تتطلبِرافات والبدء بشكل نقدي جديد.
فيما تمثل الانظمةُ العربيةُ التقليدية هيمنةَ البيروقراطيات، فإن القوى الدينية تمثل هيمنةَ النصوصِ والعلاقاتِ الاجتماعية، أي الهيمنة على الجماهير الشعبية البسيطة التي أغلبها أمي، وتأبيد العلاقات الاجتماعية المحافظة التي تعيشها. يبدو هذا فيما تقولهُ القوى الدينيةُ السياسية عبر مصطلح المدنية، رافضةً من خلاله مصطلحَ العَلمانية الواضح القاطع. مصطلحُ المدنيةِ يتيحُ لها استغلالَ العقائد الدينية في تشكيل الأحزاب وفي الدعاية السياسية وفي الوصول إلى السلطات. هي تدرك مناورتها ورغبتها في الهيمنة على الحكم، ولهذا تقول (مدنية) سامحةً لنفسِها باستغلال الأديان المعترف بها لدى الجميع بشكل استثماري خاص بها، ومن أجل الحفاظ على العلاقات المحافظة في حياة الناس واستغلالها وإبقائها. هنا ستكون الشموليات مرتكزة على المحافظة الاجتماعية أساساً وستُضافُ إليها الهيمنة على الأجهزة الحكومية فتكون أكبر شموليةً من السابقين. الأديانُ ميراثٌ عبادي حتمي للسكان، وليس اختيارات سياسية وفكرية، فالمسلم من عائلة مسلمة يظهر مسلماً بالضرورة، والمسيحي يظهر مسيحياً بالضرورة. إن المؤمن وغير المؤمن يشتركان هنا في مشتركات الدين من أشكال العادات الاجتماعية الجوهرية كأشكالِ الزواج أو الختان بالنسبة إلى المسلمين، أو الجنازة والدفن وأشكال البيع والشراء وغيرها. تختلف الأشكال العبادية والمشاركة أو عدم المشاركة في العبادات، لكن هذه المشاركة لا تتيح شيئاً سياسياً مختلفاً. فهي لا تدخل في السياسة ونضالاتها وأهدافها من داخل مبناها الأصيل. فالمحافظ والتقدمي يشتركان في صلاة واحدة، والحاكم الجائر والمواطن المُعذَّب يشتركان في صلاة واحدة. إن الأشكال العبادية الجوهرية ليس فيها علاقة صميمة بالسياسة، وهذا ما حيّر المسلمين في العصر الأول بعد الخلافة الراشدة، حيث تحيروا كيف يصنفون مرتكبَ الكبيرة، وما حكم الحاكم الظالم هل هو كافر؟ عدم فصلهم بين هذه الأسئلة والأجوبة وبين السياسة، جعلهم يعمقون خلافاتهم الدينية داخل السياسة، بدلاً من أن يكتشفوا أن خلافاتهم اجتماعية وليست دينية، فالحاكم الظالم هو مؤمن لكنه سيئ الإدارة. لكن عمليات الإدخال القسرية لوعيهم الديني داخل أشكال الصراعات الاجتماعية جعلتهم ينقسمون إلى مذاهب كثيرة جداً. وهذا ما أتاح للحاكم الظالم المُنتَقَد أن يبقى طويلاً. وقد بدأ الإحساسُ مؤخراً بهذه الضرورة، وظهر ذلك على شكل القول بالدولة (المدنية). هنا نجد أن الجماعات الدينية في مأزقٍ تاريخي، هو بسبب التطور الاقتصادي الاجتماعي المحدود في العالم الإسلامي والمنعكس على وعي الشعوب. فهي تريد أن تستثمر فرصتها في الحكم لكنها في ذات الوقت جماعات دينية مفككة للدول، ففي سوريا هناك العديد من المذاهب الإسلامية الكبيرة وعدة أديان مختلفة وعدة قوميات، وهي تعبر تمثل جماعة دينية، مغايرة لجماعات دينية أخرى، فلابد أن تحمل هذا المضمون لطبيعة السلطة من الوزراء والمسئولين الذين سوف تختارهم من بين صفوفها بشكل كبير، وهم الذين سوف يجلسون في وزارات الدفاع والداخلية والخارجية والاقتصاد والتعليم، ويديرون البلد من خلالها. ولن يقوم الحزب الديني السياسي بطبيعة تركيبه إذا كان سنياً بإدخال المسيحيين في الأجهزة الحكومية بقوة، وإذا فعلَ فسوف يجعلُ وجودَهم رمزياً فحسب. وبالتالي فسوف تتكرس طبقية شمولية من داخل سيطرة طائفةِ تعيد إنتاج الاستبداد السابق وتقوي مراكزها في الأمن والدفاع والمخابرات وتتابع ما يقوم به المعارضون ضدها، وتعود القصة السابقة. وهذا ما فعله الأمويون حين كرسوا سيطرة طائفة واحدة وجاء العباسيون وعمقوا سيطرتها، وتفكك المسلمون في كلِ اتجاه! دولة مدنية طائفية هي ما يقوله هؤلاء السادة مدبجو البرامج الخيالية المؤدلجة طبقياً لحزب (الانبعاث) الإسلامي، ذي العقلية الناسخة في إعادة إنتاج الشموليات. وليس لدى المذهبيين السياسيين من كل الطوائف بل الأديان الأخرى كذلك شيء مميزً حاسم يجعل من تطبيق هذا المذهب أو ذاك ثورة اجتماعية تنزل المن والعسل على المؤمنين الجائعين. ليس في الكلام المذهبي السياسي والديني عامة شيء سحري يجعل المشكلات المثقل بها السكان من بطالةٍ وفقرٍ وجوع أن تتبخر وكأنها لم تكن. ما يحتاج إليه السكان قوى ذات عقليات سياسية عميقة في فهم المشكلات الشعبية والإخلاص في حلها. وهذا الإصرار على الحدة المذهبية ليس سوى استثمار للتعصب في الجمهور العادي، من أجل السلطات. إن الأحزاب الدينية وقد حصرت نفسها في الوعي الديني المحافظ فمثلت طوائف تصعب عليها ممارسة الديمقراطية والحكم، فهي سوف تشق الطبقات المدنية، فإذا كانت قيادتها تنتمي إلى رأسمالية علوية فإن المشروعات والوظائف ستتوجه إلى هؤلاء، مثلما فعلت الأنظمة السابقة. وهذا يؤدي إلى صراعها مع بقية الأقسام في الطبقة نفسها، بدلاً من تشكل تحالفً بينها يقود مشروعات وطنية نظيفة مطورة للبلد، إضافة لصراعات مع القوى السكانية الأخرى. فكيف سيكون الحكم المدني الطائفي هذا؟ ولهذا نرى خلافات مصرية حادة على كتابة دستور لم تُكتب مادة واحدة بعد منه، فيما تجاوزت المرونة التونسية المادة الأولى من الدستور بالقبول بها كما كانت في العهد العَلماني البورقيبي السابق! إذاً الأحزاب الدينية تقود جماعاتها وطوائفها والبلدان التي سوف تحكمها إلى مشكلات خطِرة، والأجدى العودة إلى قوانين الحداثة الأساسية: (الديمقراطية وهي التداول السلمي للسلطة، والعَلمانية وهي فصل الدين عن السياسة، والعقلانية وهي حرية الوعي والبحث والفكر). وبهذا تتكون التجارب الديمقراطية العربية الجدية الواعدة على أسسٍ موضوعية، أما العودة إلى الوراء والبدء من التاريخ الأموي فهو كارثة. فلا يوجد كتالوج خاص للتطور لإحدى الديانات مختلف عن البشرية غير هذا الطريق الذي قطعتهُ الأممُ الأخرى وعليهم أن يبدأوا بشكل صحيح وإلا كانت الكوارث وتمزيق ما بقي من هذه البلدان.
حين يُقال بأن الإسلامَ يعبرُ عن روح الأمة والحداثة لا تعبر عنها نعودُ إلى لغة قديمة للعرب القدامى وللقرن التاسع عشر خاصة لدى الفلسفة الألمانية القومية العنصرية.
ما هي روح الأمة هذه؟ هي تعبيرٌ مجردٌ لا يحدد سمات معينة.
هل فترةُ الخلفاء الراشدين تعبرُ عن روح الأمة وعصر الإمبراطورية العثمانية يعبرُ عن روح الأمة معاً؟
لماذا وجد العربُ والمسلمون في عهد الخلفاء الراشدين الوامض برنامجاً حضارياً قابلاً للاستعادة والتطوير حسب العصور بينما لم يجدوا ذلك في عهد الأتراك العثمانيين المحنط الطويل؟
إنها مسائل سياسية وإجتماعية محددة تتعلق بقيام دولة شعبية وتوزيع الخيرات.
إنها مسائلٌ تتعلقُ بديمقراطيةٍ غائرة لم تحصل على تجديدات وإستمرارية لها في الكثير من حقب التاريخ الإسلامية التي جاءتْ بعد ذلك!
نستطيع أن نقول بأن ضخامة الفتوحات في عهد دولة بني أمية لا تقارب هذه(الروح) لكن شخصيات سياسية وفكرية كبيرة مثل عمر بن عبدالعزيز أو جعفر بن محمد(الصادق) أو الخليفة يزيد الناقص، كانت أقرب تمثيلاً لتلك الروح.
ضخامة الفتوحات وما حدث فيها من إسالة دماء والكثير من جلب العبيد والجواري لا تبقى في التاريخ المضيء للمسلمين فيما يمثلها نضالٌ قامَ به معتزلةٌ مثقفون وعامة يبحثون عن بيت المال العام الضائع.
ولهذا فإن كلمات مجردة مثل روح، لا تعبر عن المضمون النضالي الطويل للعرب، لأنها تبقى غامضة، متعددة التفاسير لدرجة أنها تحوي السلبي والإيجابي معاً، العنيف المدمر والسلمي البناء، فيما أنها تقصد كل ما هو مضيء ونضالي وديمقراطي ونهضوي وإنساني من تلك الأعمال المتراكمة الكثيرة الطويلة عبر التاريخ والتي تبدو كخيط دقيق وسط تكوينات هائلة!
وتتباين الرؤى حول روح الأمة كلما ازداد التطور الاجتماعي الفكري تعقيداً وتباينت طرق التطور بين القوى الاجتماعية والفكرية المختلفة.
الشعر الغزلي والشعر الصوفي والمجون والدروشة وتيارات الفلسفة ومدارس الفقه تعبر عن دورب مختلفة للجماعات، فمن يمثل تلك الروح الغامضة الموحدة؟
كانت كلمات مثل(روح) وغريزة، و(طبيعة) الأمة، قد إنتشرت في الفلسفات المثالية الغربية معبرة عن تعدد الطرق لنمو الأمم الغربية. الأممُ التي تطورت في الصناعة والحداثة وأستعمرتْ وأزدهرت تلاشت لديها مثل تلك الكلمات، وظهرت طبقات ذات مطالب وبرامج مختلفة.
الأمم التي لم تتطور كثيراً في التحولات الصناعية والديمقراطية كالألمان والإيطاليين إنتشرت فيها تلك الكلمات الروحية ذات الرؤى التجريدية، ثم تحولت لفلسفات قومية تعصبية حربية ومشت فوق مستنقعات الجثث والأرواح الواسعة.
مثقفون عرب معاصرون أخذوا تلك الكلمات ودمجوها في الدين والقومية والفلسفة والأدب، تعبيراً عن رفضهم لتنوع الأمة إجتماعياً، وأسسوا الأحزاب القومية والوطنية والدينية الكلية الشمولية.
في بعض الدول الإسلامية غدت هذه الكلمات أساساً لصعود مجمعات(الروحانيين) الرافضين للحداثة وتنوع الأمة الاجتماعي الديمقراطي.
كانت(الروحانية) في الفلسفات الصوفية تعبيراً عن الابتعاد عن الطمع والتهالك على المتع والأموال، وتنظيفاً للأجساد من تلوث الأنانية والسرقات، لكن الكلمة صار لها معنى آخر في عملية التسييس والأدلجة الاستغلالية المتصاعدة وهو الابتعاد عن الديمقراطية الغربية، ورفضاً لتنوع الأمة الطبقي، فالذين ليس لديهم قوت يومهم يجب أن لا يخلقوا قواهم السياسية ويفكروا في المادة عيشاً وفلسفة، بينما أصحاب السيطرة على الخيرات العامة والمادة، هم الذين يهيمنون على السياسة وعلى الأرواح، فلم يعد يعبر عن الشعوب سوى الروحانيين الذين لم يتخلوا عن الطمع الدنيوي والتهالك على الأموال!
المعنى القومي الحديث الشمولي سافر عبر ألمانيا وإيطاليا للبلدان الإسلامية فظهرت جماعاتٌ تقول أنها هي فقط معبرة عن روح الإسلام، وروح الأمة، وأن الحداثيين والديمقراطيين والليبراليين متغربون لأنهم يدخلون الصراعات في جسم الأمة النقي.
ولا يزال بعض السياسين والقوميين والدينيين يردد هذه الكلمات المطلقة، فقد أختزلَ الكلَ في ذاته.
لم يستطع العرب والمسلمون تشكيل تيارات تحديثية ديمقراطية في تراثهم وواقعهم تعبرُ عن مصالح الشعوب والأمة، ولهذا ظلت العناصرُ تلك كعناصر قليلةٍ رمزية لهم، ورُحِّلَ بعضها للنجومِ والكواكب والمُثُلِ والغيب والأبراج، فصارتْ العناصرُ الروحية تلك هي مصدر الضياء والعون والحظوظ حيث لا قوانين للمجتمعات، وبقيت للعصر الحديث، التي عادت فيه عناصرُ النضال الواقعية تحفرُ الأراضي الصلدةَ الصعبة للحياة وهي بعد لم تصبح سائدة لأسباب كثيرة، فيما قوى الماضي لا زالت قوية في الذاكرة والاقتصاد والسياسة رافضة التنوع والديمقراطية وتوزيع المال العام على الشعوب.
هذه الدراسة نشرت في مجلة الكاتب العربي العدد الرابع من السنة الاولى ديسمبر 1982 دمشق .
أعدها ونشرها على موقع عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي: عيسا خليفة البوفلاسة.
□ تمهيد :
تنتمي رواية «الجذوة»* إلى اللون الأدبي المسمى «بالرواية القصيرة» . Novelette وليس إلى الرواية بمعناها الدقيق أي بمعناها الملحمي، فالجذوة رواية من حيث كونها تحتوي على عناصر الرواية من جهة ، عندما تطمح في تقديم بانوراما أو نظرة شاملة لمرحلة أو لمراحل محددة من حياة بعض الشخوص (ولا سيما العامل فرج الشماس وابنه شاهين والحارس مشعل الياس ورحيم غزوان وميرزا عجب والمدير العام) ، حيث تعكس هذه الشخصيات وبشكل متفاوت وبدرجات مختلفة ، متباينة ، مرحلة محددة من مراحل تطور مجتمعنا ، بدءاً بمنتصف الخمسينات، مروراً بالستينات. وقد تجلت تلك المرحلة على مستوى الشخصيات في فرج الشماس، مشعل الياس والمدير العام على وجه التحديد، بينما عبرت – وبحدود معينة – شخصيات مثل شاهين فرج ورحيم غزوان وميرزا عجب – وإلى حد معين، السكرتيرة رجاء عن فترة زمنية في تلك المرحلة بدءاً من منتصف الستينات إلى بداية السبعينات. وغني عن البيان، فإن تلك المرحلة وفي فترات زمنية محددة، كانت حبلى بالأحداث والتحولات النوعية في بنية مجتمع ما بعد اكتشاف النفط ، حيث نشأت علاقات اقتصادية واجتماعية جديدة في أحشاء المجتمع القبلى ــ الإقطاعي الذي تفتتت وتحللت علاقاته بالتدرج وبفعل قوانين التطور الاجتماعي حيث أخذت تنمو العلاقات الرأسمالية المتقدمة تاريخياً على علاقات ذلك المجتمع القبلي الأمر الذي أدى إلى تشكل مجتمع شبه رأسمالي بعد استخراج النفط ، تحددت ملامح تطوره اللاحق على طريق التطور الرأسمالي بشكل أوضح بعد دخول الشركات المتعددة القوميات والبنوك الأجنبية وتزايد مشروعات الإنتاج الرأسمالية واتساع رقعة نشاطها الاقتصادي داخل البلاد. الأمر الذي تمخض عنه نشوء قوى اجتماعية جديدة كالعمال والرأسمالية الوطنية تحالفت نارت لتهشيم أسس المجتمع القبلي القديم وتناقضت فيما بينها تارة أخرى وذلك طبقاً تقارب أو تباعد مصالحها الاقتصادية والاجتماعية، وقد تجلى ذلك التناقض في الصدامات والمعارك الاجتماعية التي عصفت بالمجتمع في الخمسينات والستينات وعلى مشارف السبعينات. وقد طرأت على بنية المجتمع ــ ولاسيما في منتصف السبعينات ــ تغيرات سريعة وجديدة كنتاج لتلك المعارك الاجتماعية خففت نسبياً من هذه الصدامات الاجتماعية السابقة وقد تمثلت تلك التغيرات في الانتعاش النسبي للاقتصاد بشكل عام . وما كان من الممكن تمثل ظواهر الوحدة والصراع بدقة وتجلى قانون تطابق وتناقض علاقات وقوى الإنتاج الرئيسية في المجتمع وانعكاس تلك الظواهر وذلك القانون في الوعي الاجتماعي. إلا بعد انقضاء المرحلة المذكورة أعلاه . (ولسنا هنا بصدد تأريخ تلك المرحلة. وهذه الدراسة لا تطمح إلى أبعد من بحث رواية الجذوة وكذلك وضع مقدمات نظرية عامة، ميتودولوجية لاستيعاب ظاهرة الرواية ووضع بعض الأسس المنهجية لدراسة الظاهرة المذكورة في الحركة الأدبية البحرينية في المرحلة الراهنة) .
ان الاشارة العابرة هنا لظواهر الوحدة والصراع تومىء إلى أن بعض أحداث رواية الجذوة وملامح الشخصية تفصح ــ بهذه الدرجة أو تلك ــ عن تجلي الظاهرة المعنية وبصرف النظر عن وضوح أو غموض ذلك التجلي ودرجات انعكاسه في الوعي الاجتماعي لشخوص الجذوة.
من هنا، واذا ما وضعنا في عين الاعتبار طرح الرواية إلى التعبير عن مرحلة أو مراحل من حياة مجتمعنا، وبجانب تجلي الظاهرة الاجتماعية المشار إليها ويغض النظر عن درجة التجلي تلك . فإننا سنجد في الجذوة ما يتيح لنا القول بطابعها الروائي من جهة. أما من جهة أخرى فسنرى فيما بعد أن الجذوة تنتقي أو تنتزع لقطات سريعة ومكثفة من حياة شخصيات أخرى ظهرت لنا إما في شكل نماذج مكملة للنموذج الأصلي (أي للأب فرج وابنه شاهين) أو في صورة شخصيات هامشية عادية لا تعبر عن مرحلة بأسرها أو عن فئة محددة من الناس وبخصائصها وقسماتها المشتركة وذلك إذا ما وضعنا في عين الاعتبار مبدأ (النمذجة) كعنصر ضروري في بناء العمل الروائي . . هذه الشخصيات هي على وجه التحديد والدقة ــ سعد مختار وعنتر السجان وأبومحمد، والتي لم تربطها روابط عليّة سببية بالحدث الروائي . وسنأتي على ذلك بالتفصيل فيما بعد.
وهذا الأمر يخلق في هذه الرواية القصيرة ميلا للجمع بين خصائص شكلين من أشكال القصة (أي القصة القصيرة والقصة الطويلة). ان الميل العام أو النزوع نحو خلق بانوراما لحياة النماذج عبر الحدث والفعل ، والرغبة الجامحة في تغطية حياة كاملة أو مرحلة معينة من حياة الشخصية ومصيرها التاريخي ، وبصرف النظر عن درجة التحقق والتجسد المادي لتلك الرغبة في العمل الروائي، يشكل سبباً رئيسياً في الانعطاف نحو الرواية القصيرة بشكل عام . كما أن المتتبع عن كثب للاتجاهات الأدبية الأخيرة ، سيجد أن هذه الاتجاهات تبحث عن أشكال وأساليب فنية جديدة في النثر . «لقد أضحى البطل النموذج الملحمي شائعاً على نحو متزايد بحيث أصبحت القصة ــ النثر دون ذلك النموذج غير مقنعة. وهذه هي إحدى أوجه أو سمات الرواية القصيرة المعاصرة . وهي تخلق جاذبية استثنائية خاصة في تصوير الحياة . . في تعقدها ، غناها وتنوعها»(1)** كما يقول الناقد الأكاديمي «سافا دانجلرف» . وهذا هو السبب الآخر للانعطاف نحو الرواية القصيرة في أدب البلدان النامية وبما فيها بلادنا . ولعل من الدواعي البارزة في التوجه نحو الرواية القصيرة هو عدم قدرة القصة القصيرة بمساحتها المألوفة على رصد وتصوير مرحلة أو مراحل متعددة من حياة البطل ــ النموذج وبالتالي على تفريغ التجربة الذاتية والخبرة الحياتية للأديب .
يجيب مؤلف الجذوة ــ محمد عبدالملك ــ على سؤال ما إذا كانت القصة القصيرة قد ضاقت بطموحاته نحو الرواية ، بأن القصة القصيرة ، «ضاقت ليس بطموحاته بقدر ما ضاقت بحمل أعباء النفس . فالفرد منا كما يقول ــ يشعر بالصلب ودبيب المسامير في راحتيه وطرقات حادة تأتي إليه من أكثر من مكان ويواصل «كيف أستطيع أن أقول كل شيء في قصة قصيرة وكيف أقول كل الأشياء دفعة واحدة . . .»،(2) (انتهى كلام المؤلف).
ان الانتقال الى كتابة الرواية ليس بالأمر الهين أو البسيط ، فالمسألة ــ ولا سيما في طور ولادة الرواية ونشوئها في البلد المعني ــ مرهونة بعوامل عدة . أهمها الموهبة الفنية في الكتابة القصصية والروائية . هذا العامل الذي يمكن تلمس بصماته حتى الآن عند كل من أدبائنا الشباب : محمد عبدالملك. عبـدالله خلـيفة ، أمين صالح وخلف احمد خلف ، وذلك دون المبالغة في تضخيم ذلك العامل أو التقليل من شأنه (ان الحديث يدور هنا عن الكتابة الرواية في مرحلة تطور الحركة الأدبية في اللحظة الراهنة أي في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات) ، وبجانب تلك العامل الحاسم توجد عوامل أخرى ليست أقل أهمية من عامل الموهبة الفنية وصدق الانفعال بالحياة، ويأتي على رأس تلك العوامل: الثقافة الأدبية والفنية العالية بما تنطوي عليه من مهارة ومراس وخبرة بالتكتيك الفني ودرجة محددة من الوعي الاجتماعي بحركة تطور المجتمع عامة والقوى الاجتماعية الفاعلة والمؤثرة فيه . . . تطور مجتمعنا بالذات ، والإمساك بقوانين تلك الحركة وظواهر الوحدة والصراع ودرجة تجليهما في المرحلة المعنية ، تآلفهما وتناقضهما الجدليين . اضافة الى تجميع المادة الحياتية ومعرفة كيفية التقاط ما هو هام وجوهري في الحياة الاجتماعية واستبعاد ما هو تفصيلي . . عادي . . رتيب ، عبر اكتشاف الحلقات المهمة والرئيسية في ذلك التفصيلي العادي . . الرتيب ، أي الحلقات المساعدة أو الموصلة وبشكل فني إلى ما هو هام ، نموذجي وجوهري . ومن الواضح أن هناك فرق شاسع بين الإدراك المعرفي ، على المستوى النظري لهذه المهمة الصعبة وبين تجسدها وتجليها المادي الحي المتحقق في العمل الروائي على المستوى التطبيقي .
أن عصرنا الراهن هو عصر التجريد الفني والجمالي . عصر الاكتشاف والخلق الإبداعي ، هذا الأمر يجعل من هذا الفن (أي الرواية القصيرة) شكلا نمونجياً ينبغي أن تتجلى من خلاله عملية التجريد الفني ليس بشكل نمطي . معمم . مجرد من المادة الحياتية أو مفرغ من الحياة كما هي معاشة أو الشخوص الواقعية وصراعات الحياة الحقيقية من جهة ، ولا بعرض ما هو رتيب عادي وتصوير كل شاردة وواردة في حياة البطل ــ النموذج أو التفاصيل الموغلة في ثانويتها.
إن نقطة البدء في الإبداع الروائي هنا ينبغي ان تنطلق من حياة مجتمعنا ذاتها ومن الأحداث والوقائع الحياتية الفعلية ، ودون ذلك لا يمكن أن تتأسس الفكرة الفنية الأولية أو أن تتكامل على شكل صورة فنية . ولا يمكن أن يتأسس الفن الروائي دون أن يكون أديبنا قد مر مسبقاً بتجربة ذاتية وستحصل ذخيرة من الانطباعات المتنوعة ، هذا الأمر الذي سيشكل بالنسبة له مخزوناً من الصور الفنية و أشكالا متعددة من الإبداع الفني . تلك هي نقطة البدء في كتابة الرواية.
بيد أن معرفة الأحداث والوقائع الحياتية لا تكفي وحدها لأن تخلق لنا في العمل الروائي صور فنية دون إشراك الخيال . وهذه صفة هامة للموهبة . ويمكننا أن نتلمس هذه الصفة وبعض خطوطها لدى بعض كتاب القصة القصيرة في البحرين.
إن الإلمام بدقائق التنميط في الفن ومعرفة سبل النمذجة يعد أمراً ضرورياً لا يمكن تخطيه ، تجاوزه أو القفز عليه في كتابة النص الروائي . وعندما يكون أمام كاتب الرواية نموذج واقعي للصورة الفنية التي يطمح في تشكيلها أو إنشائها ، سيشعر حتماً بضرورة وجود خيال مبدع كشرط أساسي وجوهري في بناء العمل الروائي . فالصورة الفنية لا تصف لنا النموذج أو البطل كزيد أو عمرو من الناس . أن الصورة الفنية تكتسب محتوى أغنى وأعمق من شكل البطل أو النموذج الموجود في الحياة الحقيقية والتي تطمح تلك الصورة في عكسه وتصويره . بيد أن ذلك لا ينبغي أن يختلط بفكرة أخرى مناقضة ، تتمثل في الابتعاد عن الحياة وصراعاتها الحقيقية ورسم صور و أشكال مختلفة . . باهتة ، لا هوية لها ، وبعيدة عن تربتها الاجتماعية أو عن المنطق الداخلي للواقع المحلي المعاش .
يقول أحد النقاد في هذا الصدد بأن «الموهبة عند الفنان تعبر عن ذاتها في قدرة صاحبها على التقاط الجوهري والأهم . وعلى تركيز انتباهه على العمليات والوقائع الحياتية الأشمل في إظهارها لمعنى ما يعكس . وامكانية هذا النوع من التعميم موجودة في الحياة نفسها . فالقضية هي أنه توجد في كل ظواهر الواقع (بما في ذلك الإنسان) إلى جانب الملامح الذاتية المتفردة ، سمات عامة توحدها في مجموعات متفاوتة في كبرها . فكل واحد منا هو إنسان ذو قوام خارجي وداخلي خاص به وحده . لكنه توجد في أخلاقنا الى جانب ذلك، ملامح نشترك فيها مع أناس آخرين من نفس مهنتنا ووضعنا الاجتماعي وقوميتنا وأخيراً مع الإنسان بوجه عام . ولهذا السبب تتوفر عند الأديب وهو يتحدث عن إنسان ما محدد ، إمكانية التعميم في صورة ذلك الإنسان ملامح وخصائص يشترك فيها أناس كثيرون أو حتى كل الناس . وهذا التعميم من خلال الصورة الفنية المتفردة يسمى «نمذجة»(3).
أن الواقعية الجديدة وبوصفها منهج حي متطور لا تتحقق في خلع الرمز على فكرة عامة مجردة ولا عن طريق تقريرها وتوضيحها بمثال فردي وصورة مشخصة انما بإظهار العام في المفرد . . . في الخاص ومن خلاله . فالنمطية والتجريد في النمذجة والابتعاد عن تصوير الحياة الحقيقية بكل آلامها ومآسيها . . وبكل أفراحها وأعراسها ، إنما هي نزعة تتوحد مع تيار آخر نقيض لها هـو التسجيلية والتقريرية في تصورهما المشوه لقوانين التعميم والنمذجة في الأدب الواقعي . . ومن هنا تنشأ ضرورة العمل بدأب ودون منافحة أو مواربة لتجاوز التقريرية وضد الشحوب والعبث في الفن على حد سواء ، بهدف إرساء أسس واضحة لتطوير حركتنا الأدبية وانتشالها من المراوحة في مكان واحد وكسر جمودها والتصدي لمحاولات التحجر والانغلاق والتكلس .
إن من الخواص الرئيسية للرواية القصيرة عامة هو أن الأحداث فيها تتطور وتتنامى وفقاً لتسلسلها الزمني المتواصل والنظر للزمن كوحدة غير متقطعة ، وكخاصية موضوعية مستقلة عن وعي الذات عامة وعن وعي الأديب وشخوص عمله الروائي بشكل خاص . ولا يمكن تصور الرواية القصيرة دون وجود ما يسمى بمبدأ «الكرونيكاليتي»، Chronicality (أي عرض الأحداث طبقاً لتسلسلها وتعاقبها وتتاليها الزمني بشكل متواصل)، هذا الجانب الحيوي نجده واضحاً عند كتاب الرواية القصيرة الواقعيين الذين انتهجوا هذا الشكل الفني منذ تورجينيف الى آيتماتوف وكيزين كوليف ، وفالنتين راسبوتين وغيرهم من كتاب الرواية القصيرة الواقعية في مختلف الآداب العالمية المعروفة .
إن انعدام التعلق والترابط الكرونولوجي للزمن الروائي ، أمر يتعذر فهمه بحيث أنه «يستحيل على كاتب الرواية، كما يقول إدوارد مورجان فوستر ، إنكار الزمن في بنية عمله الروائي»(4)، ويواصل الناقد قوله مؤكداً على أن العنصر الأساسي للرواية هو وجود قصة وهذه القصة هي حكاية مؤلفة من أحداث منسقة في تسلسل زمني «وذلك في تعليق له على موضوع الكرونولوجيا في رواية «والتر سكوت»، (جامع الآثار) The Antiquery وفي تقييمه لموضوع الزمن وتفتيت التسلسل الزمني عند الروائية «جيرترود ستين Gertrude Stein» وبصرف النظر عن صحة تعريف فوستر للرواية ، فإن تأكيده على الطابع الكرونولوجي أي التسلسل والتعاقب الزمني لأحداث الرواية ، وهو أمر لا يحتمل الجدل .
إن المصير التاريخي المأساوي لشخصية فرج الشماس في رواية الجذوة تعكس الى حد ما تعقد ظروف المرحلة التاريخية الملموسة. كما أن الأهداف العامة التي تسعى إلى تحقيقها شخصيات الجذوة من البحث عن الحقيقة . والكفاح من أجل الخير ومقاومة الشرور الاجتماعية . هذه الأهداف الإنسانية الرفيعة تجلت لنا في الرواية المذكورة على أنها أهداف بعيدة المنال في الظروف الحالية الراهنة.
إن المصير التراجيدي للشخصية يلعب هنا دوراً خاصاً في فترات التحول الاجتماعي اذ أنه يعكس تعقد وصعوبة المشاكل التي يطرحها الزمن والتاريخ على افضل الناس والتي يتعذر حلها في الوقت الراهن.
هكذا مثلا كان وعي «هاملت» للمأزق المأساوي لوضعه في هذا العالم ، الذي بدا له بشكل سجن ضخم ، حيث أحس بالعالم احساس رجل ذي نزعة انسانية قرر ان يدخل في مواجهة غير متكافئة مع هذا العالم .
هكذا ينبعث لنا موت انسان كفرج الشماس والمصائر التاريخية للشخصيات الأخرى كانهيار لقيم إنسانية هائلة قوامها الصدق ، والعفوية والرغبة الجامحة في نشر الخير الاجتماعي . إن هذا الموت لذلك الانسان وهذا الانهيار لتلك القيم إنما تثير فينا شعوراً بأن هذه القوة العظيمة الهائلة من الأفكار والمشاعر الإنسانية لم تذهب عبثاً . فالمأساة هنا قادرة على أن تعبر عن الإيمان العميق بالإنسان وبمستقبله . «قال لي القمر ما سيقوله لأحفادي ، أن الضوء جميل ، والليل الدامس مقبرة رهيبة. لغة الريح واحدة ايضاً : أن الشر تجتاحه العواصف مع الأيام »(5).
تتناول هذه الدراسة رواية الجذوة من الجوانب التالية : الجانب التفسيري والجانب التحليلي والأساسي التقييمي ، وبما تنطوي عليه تلك الجوانب من تفكيك للرواية وتحليلها لعناصرها الرئيسية والمتمثلة في المقاطع المختلفة . فهي من هذه الناحية تنصب على التكوين البنيوي للنص الروائي من حيث تحديد الشخصيات والحدث أو الأحداث الرئيسية والأسلوب والعلاقات البنيوية المكانية والزمانية وكذلك علاقات التماثل والتناقض. ثم يمتد هذا التناول ليشمل دراسة الرواية المعنية من وجهة النظر الروائية من حيث البؤر والمحاور المتعددة كبؤرة السرد الروائي وبؤرة عنصر التشويق وبؤرة الشخصية وملامحها الرئيسية ومبدأ النمذجة والترتيب الكرونولوجي لأحداث الرواية ودراسة الخبرة الحياتية ومدى التجربة الذاتية ، مع إخضاع تلك الجوانب لمنهج الإبداع الفني، وذلك بهدف تجاوز وتخطي الميل الانطباعي ــ التأثري والنظرات الذاتية والأحادية الجانب في دراسة نص العمل الأدبي وبالتالي تأسيس الخطوات المنهجية الأولى اللازمة والضرورية لمواجهة أزمة النقد المزمنة في حركتنا الأدبية والتي وبدونها سيظل نتاج أدبائنا الشباب عرضة للمزاجية وتغليب الذاتية على المنهج . ولا تدعي هذه الدراسة بأن خطواتها المنهجية قد استكملت مقوماتها في دراسة النص الأدبي ، ذلك لأن المنهج نفسه لا يتأسس دفعة واحدة ودون مقدمات ، إنما عبر المعاناة والمعايشة الحقيقية للنص . . وعبر التطبيق وبما ينطوي عليه من اخفاق تارة والكشف عن حقائق جزئية في النص تارة أخرى . إن المنهج في هذه الحالة غير موجود، ولكنه يتشكل . . يتأسس . . ويشق طريقه الى حيز الوجود .
□ البحث الأول :
الهيكل العام للعلاقات البنيوية في «الجذوة»:
1 ــ بنية المقاطع من حيث الشكل :
تتألف بنية نص رواية الجذوة من إحدى وعشرين مقطعاً ، وتتعدد في داخل المشهد العام للرواية تنقلات الذاكرة في الزمن . بحيث أن الرواية في بنائها العام هي حصيلة التراكم الكمي لمجموع التداعيات وتنقلات الذاكرة . كما تتعدد هذه التداعيات والتنقلات ليس لتشييد البناء العام للرواية فحسب . إنما لتؤسس الإطار العام لكل مشهد على حدة وضمن المقطع الواحد أيضاً . لنأخذ على سبيل المثال «المقطع الثاني»، وهو اطول مقطع من حيث تعدد الموضوعات وتداعيات الذاكرة عند الراوي في حجمها الكمي . فهذا المقطع يتألف من خمسة وعشرين مشهداً جزئياً تقع في ست صفحات فقط . وهذه المشاهد الخاطفة والتداعيات تأتي إما في صورة ، سؤال وجواب : مثل، س : ما الفرق بين العادي والخارق ج ــ انهم يضحكون من القلب وهذا فعل خارق/ أو في شكل حوار بين متحاورين مستترين كما في المثال التالي :
ــ …………….
ــ لم يمت مخموراً .
ــ كانت آثار ثقوب في ظهره .
ــ المقاول .
ــ لا أعلم ، لم يمت مخموراً .
أو كما في المثال التالي :
ــ هل جاء الى العمل.
ــ لماذا شاهين فرج .
ــ لأنه الرأس .
ــ هو موجود !!
أو على هيئة نبرة الصوت الثالث وتداعي الذكريات وانثيالها في مخيلة الشخصية الرئيسية :
ــ « أنا عشيق زوجة المقاول» ص 10.
ــ «بوسع الإنسان أن يكون خارقاً يوماً ما» ص 12.
ــ «من أجلي لا تشارك» ص 13.
و ــ « بيت لليلة الواحدة . . .».
أو على شكل حوار بين شخصية مستترة ، هي الراوي ، وأخرى غير مستترة ، كما في الحوار التالي :
قال مشعل الياس :
ــ أتحب التغيير .
ــ للأفضل .
ــ سيشاركك الحجرة مهرب .
ــ مخدرات .
ــ شاب من عمرك .
ــ أي شيطان !
ــ ما أسمه
ــ رحيم غزوان . . . الخ
أو في حالة تنقل الذاكرة في الزمان والمكان كما في الصورة التالية :
ــ رحيم غزوان ، يعمل في الطيران/ أول جملة على صفحة 14.
ــ لكنه لا يعمل في الطيران . / آخر جملة على صفحة 15.
ــ قبل سنوات ، أما في السنوات الأخيرة . . . ص 16.
ــ معاً في زنزانة واحدة . ص 16.
أو في اعتماد السرد على لسان الراوي، كما في المثال التالي من نفس المقطع : (هو يعرف الحقيقة «أي رحيم غزوان»، وكل مال حدث . نحن من حارة واحدة ، ذهب اليهم بنفسه ، وعاد معهم بنفسه . أشار إلى البيت . كان ليلا وبرداً . كنت خلف النافذة ، أرقب جري الكلاب ونباحها من وراء النافذة ، سمعت أبي يغني ثم يشخر . داهمني الرجال . . .)
وهكذا تستمر الأسئلة والأجوبة تتدافع ، اللقطات والمشاهد الخاطفة كما لو أنها لقطات ومشاهد سينمائية سريعة التنقل . وتداعيات الذاكرة لا تكف عن الانثيال في المقاطع الأولى والوسطى من الرواية . ثم لا تلبث أن تتضاءل تدريجياً في النهاية ، فيبدأ السرد القصصي في التزايد ، بدءاً من المقطع السادس عشر ، ذلك وإن تخللت المقاطع الأخيرة ، الحوارات وتداعيات الذاكرة أحياناً .
إن المؤلف يقوم هنا بمحاولة تطبيق ما يسمى بالمونتاج الروائي حيث يسعى الى القيام بعملية توحيد وممازجة المشاهد الجزئية للأحداث عن طريق ارسال لقطات سينمائية سريعة التنقل في عملية توصيل المشهد العام للحدث الرئيسي .
إن هذه القضية ترتبط بمسألة ما إذا كان الكاتب يعرف جيداً كيف أن أي تغير في هيكل أو في بنية الرواية وإن أي تنويع في الأسلوب ، سيعمل على تغيير الاستجابة الكلية عند القارئ . فمثلا لنرى كيف أن اديباً كهمنغواي في أحد قصصه (القتلة ــ The Killers) وحيث لجأ إلى أسلوب المونتاج القصصي قد اختلط أسلوبه الواضح والبسيط والواقعي بمشاهد وومضات سينمائية فكان على تلك المشاهد أن تجتمع وتتوحد فيما بينها في عملية توصيل المشهد العام للعالم حسبما يراه الكاتب»(6). إن الصعوبة هنا تكمن في القدرة على توحيد المشاهد الجزئية في توصيل المشهد العام وليس في مسألة مشروعية تطبيق أسلوب المونتاج أو عدم تطبيقه .
2 ــ الِشخصيات :
تتجلى لنا الشخصيات في رواية الجذوة على النحو التالي :
أ ــ شخصيات رئيسية هي : فرج الشماس والمقاول ثم شاهين فرج ورحيم غزوان ، مشعل الياس والمدير العام .
ب ــ شخصيات ثانوية مكملة للنماذج الأصلية وهي: زوجة المقاول وعشيقة شاهين فرج ثم ميرزا عجب والسكرتيرة رجاء وأم شاهين .
ج ــ الشخصيات ذات الأهمية بالنسبة للراوي والمقطوعة الصلة بالحدث الروائي وهي: سعد مختار وابومحمد وعنتر السجان .
3 ــ الحدث الرئيسي :
يتلخص الحدث الرئيسي في أن علاقة تناحرية عدائية تنشأ بين المقاول وبين العامل فرج الشماس ، سنأتي على ذكر أسبابها فيما بعد ، يدفع المقاول بامرأة تصدم فرج الشماس في حادثة سيارة ، يموت من جرائها فرج الشماس بشكل مأساوي . ورغم كثرة شهود العيان ، لا يجرؤ أحد على الشهادة برؤيته للجرم ، وعندما يظهر الشاهد (وهو الرجل الغريب ظاهراً ــ شاهين فرج الابن واقعاً ) ويعلن عن شهادته وعن رؤيته للحادث ومعرفته بالمجرم ، فيدخل هو في السجن وليس المجرم وحيث يتعاطف الشرطي مع الفتاة ويتهم شاهين فرج بالحديث عن أعراض الناس وعلى ذلك يتحول شاهين فرج من شاهد على مقتل والده، إلى متهم بالقذف في عرض المومس التي دهست والده في الحادثة المذكورة .
وهناك في الرواية حدث آخر مماثل للحدث الرئيسي حيث يسقط أحد العمال من احدى طوابق عمارة ، فيموت بنفس الطريقة التي مات بها فرج الشماس . . أي عن طريق الغدر والتخطيط المسبق للجريمة مع الإيحاء في كلا الجريمتين بأن هذا العامل وكذلك فرج الشماس قد وافتهما المنية بشكل طبيعي ، وبسبب كونهما مخموران وليس بحكم التدبير وسبق الإصرار على ارتكاب الجرم .
4 ــ الأسلوب :
يتسم أسلوب الرواية بالبساطة والوضوح التقريري مع استخدام الجمل والعبارات القصيرة والبسيطة التي تسود في مجمل مقاطع الرواية ، إلا فيما ندر حيث تأتي الجمل المركبة والمعقدة في سياق السرد وعلى نحو طفيف . وفي المقاطع الأولى يكثر الحوار وتتعدد التداعيات مع تداخل نسبي للسرد في المقاطع التي يسودها الحوار ويمكن تمثيل ذلك بالصيغة التالية: (حوار/ حوار/ حوار / سرد / حوار / حوار / سرد / حوار / حوار) ، وبالعكس ، ففي المقطع الأخير من الرواية يتزايد السرد ويقل الحوار تدريجياً ويمكن تمثيل ذلك في صيغة:
وفي أثناء الحوار نجد أن الشخصيات تتحدث عن بعضها كحوار مشعل الياس مع شاهين فرج عن والده ، وكذلك حديث المدير العام مع الابن عن الأب وعن نفسه. وأيضاً حديث الأم مع ابنها عن والده ، الأمر الذي يؤكد أن الراوي ( شاهين فرج) ليست لديه المعلومات الكافية عن تاريخ حياة والده .
أما في حالة السرد ، فيتولى الراوي نفسه الحديث عن الشخصيات الأخرى كحديثه ووجهة نظره في ميرزا عجب وفي سعد مختار وعنتر السجان وأبي محمد . أما في حالة مثول الشخوص وحضورها وجهاً لوجه ، فإن الحوار في هذه الحالة، ينعقد مباشرة فيما بينها ودون وساطة شخص ثالث .
أما الصوت الثالث في الرواية فيتجلى لنا على شكل تداعيات في ذاكرة الراوي ، تعود به الى أحداث سابقة وتبرز على هيئة ارتجاع فني Cut-back يفتت ويقطع التسلسل الزمني بإيراد أحداث وصور أو مشاهد وقعت في الزمن الماضي . وتظهر تلك التداعيات في الرواية بين الحين والآخر في جمل وعبارات موضوعة بين هلالين صغيرين . وهذه التداعيات في مجملها تعيد نفسها في ذاكرة الراوي . . بعضها يتمركز في بؤرة الشعور وتومئ إلى ذات الراوي ، وبعضها الآخر يراجع الى هامش الشعور ، بحيث أن صيغتها الدلالية المجسدة في الكلمات والجمل والعبارات المختلفة ، تشير إلى الآخر وليس الى ذات الراوي .
وقد بلغ حاصل التراكمات الكمية 101 تداعياً وذلك فيما يتعلق بالرواية ككل . وإذا ما استثنينا المقاطع الأخيرة من 16 – 21 والتي تشكل في حد ذاتها بؤرة تجمع أو مركز الحدث الروائي وهي التي يتناقص فيها عدد التراكمات الكمية لتداعيات الذاكرة ، فإننا سنجد أن ذلك التراكم يتزايد بشكل ملحوظ في المقطع الثاني والثالث وكذلك في المقطعين الرابع عشر والخامس عشر .
وتتوزع هذه العلاقات على مستويين: مستوى الحدث ومستوى الشخوص . فعلى مستوى الحدث نجد أن ثمة حدثين متماثلين . . أي وفاة فرج الشماس ووفاة العامل الذي سقط من العمارة . وتتجلى تماثلية الحدثين في العبارات والجمل التالية من المقطع الحادي والعشرون (21):
ــ ميتة الرجل تشبه ميتة أبي .
ــ مدفوع . المقاول نسج الرواية كاملة ، دفع له الأجر ، وأبي . . مخموراً.
ــ نفس الصوت ــ نفس الفم ــ نفس الوجه / و ــ منذ سنوات وهو في غابة السكر . . لماذا الآن .
أن علاقة التماثل المذكورة هي علاقة جوهرية، أما علاقة التباين بين ذينك الحدثين فهي علاقة ثانوية تتمثل في أن فرج الشماس مات على أثر صدمة سيارة بينما مات العامل من جراء إسقاطه من احدى طوابق عمارة . كما أن علاقة التماثل تلك تعني تكرار حدثين متشابهين ينسج إحداها الآخر .
أما على مستوى الشخوص ، فتقع علاقات التماثل بين شخصيتين رئيسيتين هما:
فرج الشماس (الأب) وشاهين فرج (الابن) ، حيث تجمع بينهما روابط وصلات عديدة ليست فقط صلة القرابة . إنما أيضاً التشابه في الموقع الاجتماعي ، فالأول عامل والثاني كذلك ، وأيضاً فيما يتعلق بالتجانس الثقافي وكذلك التقارب على مستوى التكوين النفسي السيكولوجي ، بحيث أن كلا الشخصيتين تنسخ إحداهما الأخرى ، فلا نكاد نتعرف على علاقات التمايز والتفرد بينهما .
ومن أمثلة الصيغ الدلالية الموحية بذلك التماثل بين الشخصيتين المذكورتين ، تلك العبارات والجمل التي ترد بين الحين والآخر في الرواية. فمثلا يقول مشعل الياس لشاهين فرج: «أنت صورة منه»، أي أن شاهين فرج (الابن) نسخة عن أبيه فرج الشماس ص 8 وفي المقطع الثاني ، حيث يطالع الابن صورته في علبة البيرة ويقول « في العلبة وجه أبي» ص 10 وأيضاً عندما يروي المدير العام لشاهين فرج عن مكانة والده بين العمال ، موضحاً تقارب تلك المكانة ، حيث يقول « ــ أنت رأس الجميع و ــ كان أبوك رأسنا» ص 191 / و ــ ما في رأسك في رأسه ص 24 … الخ .
أما علاقات التناقض، فتتجلى على شكل صراع خارجي حاد بين فرج الشماس والمقاول، يتجسد في هيئة تعارض تناحري وصراع بين شخصيتين، ينجم في الظاهر عن دوافع وبواعث شخصية خاصة ويفضي إلى فاجعة مأساوية تمثلت في موت فرج الشماس عن طريق الغدر. ثم لا يلبث هذا الصراع أن يعيد نفسه ويتكرر للمرة الأخرى ، متجلياً في المرة التالية على شكل تناقض بين شاهين فرج (الابن) وبين رحيم غزوان ، ثم تتسع رقعة هذا التناقض لتنتقل من حالة صراع بين شخصين الى صراع عام شامل بين من يصنع الخيرات المادية بعرق الجبين وبيع قوة العمل وبين من يقطف ثمار هذه الخيرات دون جهد . . بين الخير الاجتماعي مجسماً في شخصيات مثل: شاهين فرج ، السكرتيرة رجاء وميرزا عجب وغيرها من شخصيات والتي عكست إلى حد كبير، مشاعر النبل والإنسانية المشوبة بالكبرياء والاباء جنباً إلى جنب مع العفوية والصدق ، الطيبة وصفاء النفس وحب الايثار والرغبة الجامحة في التفاني من جهة وبين الشر الاجتماعي مجسماً في شخصية رحيم غزوان وبما انطوت عليه هذه الشخصية من مظاهر الخنوع والجبن، الجشع والغطرسة والوشاية والغدر، الخسة والدناءة، الأنانية وحب الذات من جهة أخرى .
كما تجلت علاقات التناقض المذكورة على شكل صراع داخلي بين الأفكار والعواطف على مستوى الشخصية الواحدة: ومن أمثلة ذلك الصراع ، التوتر والاضطراب الداخلي عند مشعل الياس، هذا الحارس الذي رغم كراهيته للبنادق والسجون، نجده يرتدي البزة العسكرية ويحرس السجون . فهو يكره البزة ، بينما يضطر في الوقت نفسه الى ارتدائها بحثاً عن لقمة العيش تارة وبفعل الخوف تارة أخرى ، وتنسحب علاقات الصراع الداخلي تلك على المديرالعام أيضاً . . بين تذكره واستعادته للماضي عندما كان فارساً قديماً وبين وضعه في اللحظة الراهنة وبوصفه مديراً عاماً . لنستمع إليه وهو يحادث شاهين فرج : «كنا نسميها فترة النهوض الأولى ، والعسكر يملأون الأرض والسماء ، أحذية أجنبية ، صادقت أباك ، كنا نزحف ، وجهي ووجهه ، من فوقنا كان غبار وجند وخيل . تصور كيف كان يتم التعارف بين جيلنا في الماضي ، في الظلام ارتمت راية ممزقة وسنابك خيل ، أنا لم ازحف صدقني ، ولم أتخل عن إيماني ، لكن الأمور بدت مستحيلة وما يتم من حولي لا يصدر من هذا المكتب» ص 45، وأيضاً عندما يبدي المدير العام تعاطفه مع شاهين فرج حيث يقول :
ــ أنت طيب .
ــ يؤلمني موت أبيك بهذه الطريقة ص 33 .
أي بطريقة الغدر . فالمدير العام يعرف جيداً أن فرج الشماس مات ميتة غير طبيعية إلا أنه يلوذ بالصمت . . دون أن يكون له حول أو قوة ، وكذلك عندما يصفع رحيم غزوان السكرتيرة رجاء على وجهها ، حيث يدافع المدير العام عن نفسه أمام شاهين فرج ، مؤكداً له بأنه ليس هو السبب في كل ما يدور ، لنستمع الى هذا الحوار بين المدير العام وبين شاهين فرج حول رحيم غزوان :
المدير : يكذب . هل تصدق انساناً يضرب امرأة . أنا المدير العام لكني حائر .
هكذا يقع المدير العام فريسة للصراع الداخلي والتوتر والاضطراب والحيرة ويظل يحوم في أسر ذلك الصراع ، فهو يعرف الحقيقة ، لكنه لا يقوى على البوح بها ويبدي تعاطفه مع قوى الخير ، لكنه لا يجرؤ على مقارعة الشر أو الاصطدام به ، فيظل حبيساً للخوف وللموقع الاجتماعي الذي يتبوؤه في اللحظة الراهنة والمصير التاريخي الذي آلت إليه شخصيته بفعل اصطفافه الاجتماعي الحاضر .
وعلى هذا النحو يبرز لنا الصراع الداخلي على مستوى الشخصية الواحدة وتتكشف لنا علاقات التماثل و التناقض على مستوى الحدث والشخصيات في العمل الروائي المعني .
تجليات المكان في رواية «الجذوة»
تتعدد العلاقات المكانية في رواية الجذوة بتعدد المشاهد الجزئية وتنقلات ذاكرة الراوي في الأماكن المتعددة والعودة إليها مرة أخرى . ففي المقطع الأول نلتقي بمشعل الياس والراوي على ظهر قارب في البحر ، وفي المقطع الثاني تنقلنا ذاكرة الراوي الى الطائرة في الجو حيث تتجه به الى بلاد أخرى ولا يعرف وجهته ، وفي المقطع الثالث تنقلنا الرواية إلى بيت أم شاهين ، وفي المقطع الرابع تعود الذاكرة بالراوي إلى السجن ، وفي المقطع الخامس نتعرف على المصنع حيث الإضراب وعلى مكتب المدير العام حيث يدور الحديث بين شاهين فرج والمدير العام ، وفي المقطع السادس تتعين وجهة الراوي الطريد التي لم تكن واضحة في المقطع الثاني . فتتحدد بشكل أوضح ، فنلتقي به في المنفى أو في الغربة حيث تنثال ذكرياته حول المقهى ، وفي المقطع السابع يتحدد لنا المكان على انه الشارع ، حيث يقع الحدث الرئيسي عندما تدهس السيارة البيضاء فرج الشماس وهو فوق عربته الحمالة، وتتمازج الأماكن في المقطع حيث ننتقل للمرة الأخرى إلى المصنع عندما يهرب رحيم غزوان ويتوارى في المدينة وكذلك في المقطع الثامن، حيث يظل المصنع هو المكان الرئيس، وفي المقطع التاسع نعود مرة أخرى الى مكتب المدير العام، وفي المقطع العاشر تنثال ذكريات الراوي حول «ابومحمد» صاحب المقهى في الغربة في إحدى دول الخليج . وفي المقاطع التالية تتكرر الأماكن ذاتها فتنتقل ذاكرة الراوي بين المخفر والسجن والمصنع . . الخ ٠ وعلى هذا النحو تتعدد تنقلات الذاكرة في المكان براً وبحراً وجواً . . في الوطن وفي المنفى . . في السجن وفي المصنع . . في الشارع وفي المخفر ، وذلك تبعاً للتصميم العام للرواية والتي اعتمدت أساساً تعددية المشاهد الجزئية المختلفة ، الأمر الذي ترتب عليه ، وكنتيجة طبيعية ، الإيغال في تجزئة المكان على النحو المذكور. وربما كانت علاقة المؤلف بالمكان هي علاقة حسية محض تعني بالمكان المحدد ، المعين والملموس دون أن ترقى للعناية بحيز المكان الروائي . وهذه العلاقة تعكس من الناحية الاجتماعية، ارتباط المؤلف والراوي وشخوص الرواية على حد سواء وشدة تعلقهم وانتمائهم لهذا التراب المحلي بالذات ولهذا الشعب ولهذه الأرض بالذات، أما من الناحية الجمالية الفنية، تبقى الأماكن من حيث الصيغة الدلالية، إشارات ومسميات واقعية لا تخضع لنظام الترميز والتجريد الذهني ، فالبحر هو البحر الواقعي الذي لا يومئ إلى أبعد من ذلك والسجن هو السجن بجدرانه الأربعة والمصنع هو المصنع ، والشارع هو الشارع كسائر شوارع المدينة وكذلك الطائرة وهكذا دواليك . ها هنا نجد أن المكان المحدد الملموس والجزئي لا يتحول إلى مكان واسع شامل. إن حل هذه المسألة في الأدب ، يرتبط الى حد كبير، بضرورة استيعاب العلاقة الجدلية القائمة بين الخاص والعام ، بين المكان المحدد الملموس والمكان الروائي بطابعه الشمولي العام ، وذلك ليس بتجريد الأمكنة الجزئية من خواصها الحسية برمتها، ولا والإيغال في تجسيد تعددية تلك الأمكنة، إنما بالاصطفاء الدقيق للمكان ذى الإيحاءات الدلالية والإشارات الرمزية التي تكشف عن الصفات والخواص المشتركة بين الأمكنة المتعددة وبما يتسق مع طبيعة الحدث الروائي . ومن الواضح أن إنجاز هذه المهمة المعقدة ، يستلزم معرفة فلسفية عميقة للمكان على المستوى النظري بشكل عام وقدرة فنية في تجسيد المكان الروائي بشكل فني جمالي على المستوى التطبيقي بشكل خاص .
رواية «الجذوة» وبعض قضايا التكنيك الفني في الإبداع الروائي:
1 ــ تجليات بؤرة السرد الروائي :
لا تعتمد الجذوة في أسلوب سردها الروائي على المؤلف كضمير للمتكلم ، إنما على الراوي كضمير للمتكلم ، والراوي بالنسبة للمؤلف هنا هو ضمير الغائب «هو» أي شاهين فرج . . . بحيث أن السرد الروائي يعول على أسلوب ما يسمى بـ«المؤلف المحيط علماً بالشخصية» ، فالكاتب المؤلف أخذ على عاتقه ، عرض ما يعتمل في ذاكرة الشخصية (شاهين فرج) مع الكشف عن بعض ملامحها وذبذباتها النفسية وكذلك بعض الشخوص الأخرى (كالمدير العام والحارس مشعل الياس)، ولكن دون أن يتمكن من تقصي الدوافع أو البواعث النفسية المحركة لأفعالها وسلوكها. وهذه الطريقة (أي طريقة المؤلف المحيط علماً بالشخصية) يقتصر فيها عمل المؤلف على النفاذ والتغلغل في معرفة ما يدور في ذاكرة إحدى الشخصيات الرئيسية، بينما يجري عرض وتقديم المظاهر السلوكية الخارجية للشخصيات الأخرى وهي هنا على سبيل المثال لا الحصر (زوجة المقاول ، ميرزا عجيب ، أبومحمد . . . الخ) ، بشكل موضوعي أي بطريقة المؤلف ــ المراقب ، وقد عرقلت هذه الطريقة إمكانية التوغل الداخلي لمعرنة الملامح النفسية لدى الشخصية ، ومن هنا فان مؤلف رواية الجذوة اعتمد على محاولة المزج بين طريقتين في السرد الروائي ، أي أسلوب المؤلف ــ المحيط علماً بالشخصية وطريقة المولف ــ المراقب .
وعلى ذلك، فإن «الأنا» المحورية المتكررة في الرواية تفصح على نحو جلي عن ضمير الغائب «هو» أي شاهين فرج ، هذا «الهو» الذي استحال على يد المؤلف إلى «أنا» معبرة عن الآخر وليس من شخصية المؤلف . فالراوي هنا هو ليس المؤلف ، إنما الشخصية الرئيسية الراوية التي تستحضر الماضي عن طريق التداعيات وومضات الفلاش باك الموزعة على المقاطع المختلفة للرواية مستهدفة في ذلك بناء الإطار الكلي والموقف الدرامى العام . إن الخبرة الحياتية هنا ، تتكشف لنا على أنها خبرة الراوي معبر عنها بلسان المؤلف .
وفي رأينا فإن المؤلف اعتمد الطريقتين المذكورتين لاعتبارات محددة . فهو من جهة يبدو عليماً ، مدركاً لجوانب شخصية الراوي ( شاهين فرج ) ، الأمر الذي هيأ له أن يترك هذه الشخصية تتصرف ، تفعل وتنفعل ، تتحرك . . تصارع وتشارك في أحداث الرواية، بل إن المظاهر والقسمات البيولوجية والجسدية للشخصية الراوية تراجعت تماماً الى الظل، الى درجة انك لن تجد أية وصفة أو كلمة أو عبارة تومئ إلى القسمات الجسدية الخارجية لهذه الشخصية . هنا يتحول المؤلف الى كاتب يحيط علماً بالشخصية ويتعرف على عالمها الداخلي ويكشف ذبذباتها وتحولاتها النفسية . وهنا أيضاً تتكشف لنا قدرة المؤلف على تصوير الشخصية وهي تعمل ، فهو لم يخبرنا بشكل تقريري عن شخصية فرج شاهين ، بل بدت لنا هذه الشخصية من خلال أفعالها وتوجهها السلوكي .
وهنا بالضبط تكمن القيمة الفنية في اللجوء إلى طريقة المؤلف المحيط علماً بالشخصية . هذا من جهة ، أما الوجه الآخر للعملة . . فيتجلى لنا في اضطرار المؤلف إلى استخدام أسلوب «المؤلف المراقب» بالنسبة لشخصية فرج الشماس المؤلف هنا ــ عندما يكون غير محيط بالشخصية يتحول إلى مؤلف ــ مراقب يخبرنا أخباراً تقريرياً تسجيلياً عن الشخصية ويصف لنا ملامحها الجسدية ، ولا تتحقق له إمكانية التوغل والنفاذ إلى العالم الداخلي لهذه الشخصية ، إلا في المقطع العشرين من الرواية. لقد ظهرت شخصية فرح الشماس في أغلب مقاطع الرواية الأخرى بشكل استاتيكي، يجري تطويع وصفها عن طريق الأخبار والتقرير وذلك بعكس شخصية الابن شاهين فرج . أن قدرت المؤلف في السرد الروائي تتجلى لنا، ليس عندما يتحول الى مؤلف ــ مراقب للأحداث والشخوص، إنما عندما يترك الشخصية تتحرك في إطار حدث معين ويفسح لها المجال لأن تفعل وتنفعل أن خلال تنامي ذلك الحدث وبلوغه الذروة . لنأخذ على سبيل المثال طريقة المؤلف عندما وضع نفس شخصية فرج الشماس في حدث محدد. حيث تجلت لنا شخصيته الملموسة والمتفردة من جهة ، وتكشفت ملامحها النفسية العامة . . هذه الملامح ، في المقطع المشار إليه ، لم تعبر عن شخصية فرج الشماس وحده فحسب ، وإنما تخطت ذلك إلى الافصاح عن ملامح وقسمات فئة واسعة من الناس ، عن طبقة ، بل أكاد أقول عن شعب بأسره، من جهة أخرى. وهنا أيضاً تتجلى لنا قدرة المؤلف على ربط الخاص بالعام وكشف الصلة بين ما هو عادي عرضي وبين ما هو عام نموذجي. وليت المؤلف دأب على تصوير شخصية فرج الشماس في أغلب مقاطع الرواية على ذلك النحو الذي تجلت فيه هذه الشخصية في المقطع العشرين من الرواية (من ص 101 ــ 105) وسنأتي في مكان آخر على دراسة ذلك لدى التعرض لملامح الشخصية في الجذوة .
وهكذا، تتضح لنا قدرة محمد عبدالملك في السرد الروائي، عندما يكون مؤلفاً عليماً بالشخصية، محيطاً بأبرز خصائصها وبواعثها ودوافعها النفسية، وليس عندما يكون مؤلفاً مراقباً. ويمكننا أن نعثر على جذور هذه المسألة في المجموعات القصصية السابقة .
فمن أمثلة تطبيق المؤلف لأسلوب (المؤلف ــ المراقب)، قصة «الرحلة» من مجموعة «ثقوب في رئة المدينة»، حيث ينيط المؤلف ــ المراقب شخص بدران الحسيني بمهمة السرد القصصي حول الشخصية الرئيسية (مرجان السعيد) فتبرز الشخصية والحال هذه، على نحو ساكن، فهى لا تنطق ولا تتحاور، فلا نكاد نتعرف الا على مظاهرها الخارجية الجسمانية، دون أن يتيح لنا المؤلف إمكانية التوغل والنفاذ في الشخصية وسبر أغوارها. وربما كان سبب ذلك أن المؤلف لم يتعرف عن كثب وبنفسه على الشخصية ، إنما قام بعملية تجميع معلومات عامة حول الشخصية من خلال راو آخر . ومن هنا أيضاً يظهر لنا أن استخدام المؤلف لتلك الطريقة في السرد القصصي، شكل عاملا معوقاً أضعف البناء الفني للشخصية ، أما من أمثلة تطبيق الكاتب لأسلوب «المؤلف المحيط علماً بالشخصية» فيمكن أن نعثر عليه في مجموعة «نحن نحب الشمس» لنقرأ مثلا قصة «في القرن العشرين» فالمؤلف هنا يعرف جيداً شخصية «عثمان أحمد ثاني». وفي حديث شخصي مع الكاتب. أوضح من خلاله أنه كان على معرفة وثيقة بالشخصية المذكورة ، امتدت قرابة ثلاثة عشر سنة. هكذا فإن معرفة الكاتب الضاربة الجذور للشخصية الحقيقية في الحياة اليومية، هي أولى الخطوات وهي المنطلق الرئيسي الذين يمكن الكاتب من تجسيد وتصوير تلك الشخصية وبنائها على نحو فني في العمل الأدبي ، وربما كان هذا هو السبب الجوهري الذي أتاح للقصة المذكورة من بين الكثير من قصص المؤلف ، أن تحقق درجة محددة من النضج الفني والقصصي في الشكل والمضمون . لقد وجد الكاتب نفسه ــ بوعي منه أو بدون وعي ــ أمام أسلوب فني في السرد القصصي مثل عنصراً حيوياً في تعزيز وتقوية واغناء البناء الفني للشخصية في القصة المذكورة .
وهكذا، وبناءٍ على ما تقدم، يمكننا ان نصل الى خلاصة عامة تتمثل في أن الجذوة مثلت في سردها الروائي مزيجاً من طريقتين (أي أسلوب المؤلف ــ المراقب والمؤلف المحيط علماً بالشخصية) بحيث شكل الأسلوب الأول نقطة ضعف وأعاق البناء الفني للشخصية، بينما مثل الأسلوب الثاني عنصراً فعالا في طريقة السرد الروائي وفي البناء الفني للشخصية بشكل عام .
2 ــ انعكاس بؤرة الاهتمام :
المقصود هنا بهذه البؤرة هي الكيفية التي يتجلى فيها عنصر الاهتمام كعنصر رئيسي من عناصر العمل الروائي، والذي يعمل على شد وجذب انتباه القارئ ، إذ أن فضول القارئ وحبه للاستطلاع يعد أمراً مركباً معقداً ، فهو يضع دائماً في مخيلته مجموعة من التساؤلات . . ويطمح لأن تجيب الرواية على مجموعة الأسئلة المطروحة فيها بحيث تأتي الإجابة على تلك الأسئلة على نحو مباشر وتشكل الرواية بأسرها الاجابة الاجمالية العامة من خلال حركة الشخوص وفعلها عبر تنامي الحدث الروائي وبلوغه الأوج أو الذروة . ان الاجابات لا يمكن أن تفصح عن نفسها دفعة واحدة ، ودون مقدمات ، إنما في لحظات معينة في مجرى تطور الحدث الروائي . وهناك مستويات مختلفة متباينة لمختلف الأسئلة المطروحة في الرواية. فليست جميع الأسئلة ذات أهمية واحدة متساوية فثمة أسئلة جوهرية تتصل بالحدث الرئيسي ، وهناك أسئلة هامشية ومكملة للنوع الأول من الأسئلة. أن الجذوة وبوصفها رواية قصيرة لا تحتمل ذلك التزاحم والتعدد والتلون في الأسئلة . إذ أن ثمة فرق شاسع بين الطموح النظري للإجابة على الأسئلة الفلسفية الكبرى وبين التجسيد الفني للاجابات في العمل الروائي وعلى المستوى التطبيقي . فرواية «الجذوة» – أساساً – ومستوى وعي الشخوص ومجرى الحدث فيها ليس من المفترض لها أن تتجاوز الإجابة على أكثر من الأسئلة التالية: من قتل فرج الشماس ؟ ولماذا المقاول بالذات قتل فرج الشماس بالذات ؟ ولماذا اضطر الحارس القروي (مشعل الياس) على ارتداء البزة العسكرية ، وكذلك لماذا لم يواصل المدير العام المسيرة الطويلة ولم انطفأ في قلبه لهيب الجذوة ؟ . هذه هي الأسئلة المحورية في رواية الجذوة ونبضها الجوهري . ويمكن ملاحظة أن الرواية تقدم إجابات محددة واضحة على تلك الأسئلة وفي لحظات معينة من تطور الحدث الروائي وعلى لسان شخصيات الرواية. بيد أن ثمة أسئلة أخرى قام المؤلف باقحامها على شخصيات عمله، دون مراعاة درجة الوعي الاجتماعي الذي تتمتع به تلك الشخوص . لنأخذ على سبيل المثال بروز التساؤل: ما هي الحقيقة ؟ بين الحين والآخر في الرواية . نحن نعرف جيداً أن المؤلف يشير بسؤاله هذا إلى حقيقة جزئية هي: من قتل فرج الشماس ؟ إلا أن تكرار السؤال بصيغة: ما هي الحقيقة ؟ وعلى هذا النحو يفيد بحقيقة أخرى كلية جوهرية ، تتعلق بماهية الوجود البشري ، أن بروز السؤال على هذا النحو الفلسفي ، إنما يشكل قفزة على حجم العمل الروائي المعني وطبيعة الحدث المعطي في الرواية المعنية .
هناك أيضاً اسئلة فلسفية أخرى تظهر لنا في الرواية بين الفينة والأخرى مثل: من ينادي ومن يلبي النداء ؟ من يملك هذه الدنيا ، ومن يخلق هذه الدنيا ؟ ما الفرق بين العادي والخارق ؟ ما هو الثابت وما هو المتحول ؟ أن الرواية تجيب على التساؤل الأول والى حد ما على التساؤل الأخير بيد أنها لم ترق للاجابة على الأسئلة ذات الطابع الفلسفي: مثلا عندما يبرز السؤال: ما الفرق بين العادي والخارق ؟ . يشير لنا المؤلف بأنه «بوسع الإنسان أن يكون خارقاً في لحظة من حياته» ، ويقدم لنا مثالا على ذلك عندما يدور الحديث عن رجاء السكرتيرة حيث يطلب منها رحيم غزوان الاتصال بالشرطة فترفض طلبه هذا قائلة له ان ذلك خارج اختصاصها ، فيصفعها على وجهها فيصف لنا الراوي شعوره تجاه موقف رجاء (كانت رائعة ، لم أر في حياتي اثمن من هذه الدموع ، تبذلها المرأة دفاعاً عن كرامتها ومن أجل الناس). هل هذا هو الفرق بين المادي والخارق في الظواهر الاجتماعية الكبرى ؟ أليس في ذلك تبسيطاً لمعنى ما هو خارق واستثنائي في ظواهر المجتمع ؟ إذ أن ما قامت به هذه الفتاة يعبر عن ظاهرة الشموخ ، والكبرياء والإباء بوصفها ظاهرة عامة يتميز بها هذا الشعب ، ولا يفصح ذلك عن حالة خارقة استثنائية في تاريخ تطور مجتمعنا. أن بؤرة الاهتمام في العمل الروائي تستلزم الانتقاء الواضع للأسئلة الرئيسية والتريث في صياغة الأسئلة وخلق شكل من الانسجام والتوافق بين حجم السؤال المطروح وطبيعة الاجابة عليه .
تعبر كثرة الأسئلة وتراكمها الكمي في رواية الجذوة عن عدم عناية الكاتب بالبناء الفني لبؤرة الاهتمام في الكتابة الروائية. إذ يشترط أن تتميز بؤرة الاهتمام وبناؤها العام بالقدرة على تركيز انتباهنا وشد اذهاننا الى اسئلة محددة دون سواها بحيث تكون الرواية بأسرها هي الاجابة الاجمالية على تلك الأسئلة. لقد بلغ حاصل مجموع الأسئلة الرئيسية والثانوية الموزعة على المقاطع المختلفة في الرواية ما يربو على الثلاثمائة وخمسين سؤالا ، الأمر الذي يوحي لنا بأن الكاتب لم يول أدني أهمية لضرورة تقليص عدد الأسئلة وحصرها بما يتسق مع الحدث الروائي ومستوى تصرف الشخوص ووعيها الاجتماعي .
تعكس بؤرة الاهتمام في رواية الجذوة ــ على مستوى بناء الشكل الفني ــ حداثة الخبرة بالكتابة الروائية وعدم استكمال المقومات الفنية الرئيسية .
3 ــ تجليات بؤرة الشخصية :
المقصود هنا ببؤرة الشخصية هي مجموعة الوشائج والعلاقات التي تربط بين شخوص العمل الروائي من جهة، وصلة تلك الشخوص وعلاقتها بالحدث الروائي من جهة أخرى ، وكذلك جدلية النظر لتعالق وارتباط أو تباعد وانفصام الشخوص عن الحدث الرئيسي في الرواية . من هنا فإنه يصعب النظر إلى الشخوص بمعزل عن الحدث الروائي ، وبؤرة الشخصية تعني أيضاً رواية من هذه ؟ فالرواية ليست مجرد أحداث محددة أو حدث معين . فالحدث ينطوي على أهمية محددة بالنسبة لبعض الشخوص أو مجموعة منها ، بيد أن أهمية الحدث ومدلوله ليس متساوياً بالنسبة لجميع الشخوص الروائية وذلك على الرغم من ارتباطه بمجموعة معينة منها ، كما أن انفصام أية شخصية في الرواية عن الحدث الرئيسي وانعدام دورها التشييدي والوظائفي في بناء الحدث يعني من الناحية الفنية الإخلال بالأساس البنائي للعمل الإبداعي. ومع التأكيد على ضرورة أهمية الشخوص المختلفة بالنسبة للحدث الروائي ، فإن هذه الأهمية تبرز في العمل الروائي بنسب متفاوتة فيما بين الشخوص وتفرز شخصية واحدة يكون الحدث الروائي بالنسبة لها أهم ، وعلى صلة أوثق بها من صلة الحدث في مدلوله وأهميته بالنسبة للشخوص الأخرى ، ولكن ليس معنى ذلك ، أن الحدث أو الأحداث الرئيسية ينظر إليها بعين الشخصية الرئيسية وحدها . هكذا ، فيما نعتقد ، ينبغي أن تتجلى العلاقة الجدلية بين الشخصية والحدث الروائيين . وهذا هو المقصود ببؤرة الشخصية .
كيف تجلت بؤرة الشخصية تلك وعلاقة الشخوص بالحدث الروائي في الجذوة ؟
نلتقي في «الجذوة» بحدث رئيسي هو تآمر المقاول واغتياله للعامل فرج الشماس ، كما نتعرف على حدث آخر مماثل للحدث الرئيسي وهو سقوط أحد العمال من احدى طوابق عمارة . . حيث يتماثل هذا الحدث مع الحدث الرئيسي في الجوهر . . فسقوط هذا العامل وموته جاء بنفس طريقة موت فرج الشماس . . أي بالغدر والتآمر . بيد أن الذي يعنينا هنا هو الحدث الرئيسي . لهذا الحدث ، تنعكس أهميته بالنسبة لشخصية الراوي (شاهين فرج أي الابن) بدرجة كبيرة ، رغم أن محور هذه الأهمية يشمل المدير العام والحارس مشعل الياس . إذن فالحدث الرئيسي مهم أيضاً بالنسبة لتلك الشخصيتين ، وكذلك للشخصيات التي اشتركت في الحدث أو أدت بشكل أو بآخر وظيفة في بناء الحدث . فإذا كان الحدث هو مقتل فرج الشماس ، فان المخطط لجريمة القتل (أي المقاول) ومنفذ الجريمة (أي المرأة التي تقود السيارة البيضاء) ، وكذلك أسباب ودوافع الجريمة وبواعثها الأساسية ، التي تمثلت في أن فرج الشماس وهو عشيق زوجة المقاول يفضح المقاول أمام العمال بالكشف عن ذلك السر، بعد أن يهدده المقاول بالطرد عن العمل ، بسبب ان فرج الشماس يحرض العمال ويقرأ عليهم قصائد تحريضية ضد الوضع القائم في المصنع .
إذن جميع الشخصيات المذكورة لها صلة وثيقة بالحدث الرئيسي ، تنجذب نحوه وتعمل على تشكيله وتشييده ، وإذا ما أمعنا النظر في حقيقة أن الراوي (شاهين فرج). هو ابن فرج الشماس ، ضحية جريمة القتل وهو في الوقت نفسه عامل في مصنع ، يدأب هذا الراوي على تشكيل الخيط الرئيسي الذي يوحد الحدث الروائي بحدث آخر هو الإضراب بعد وقوع الجريمة وكشف لنا عن العلاقات العلية والسببية القائمة بين الحدثين . . أحدهما سبب والآخر نتيجة . وفي المصنع نتعرف على شخصيات محددة مثل المدير العام والسكرتيرة رجاء وميرزا عجب ورحيم غزوان . ونعرف أيضاً ان اغلب هؤلاء من حارة واحدة ولا بد أنهم يعرفون بشكل أو بآخر عن حادثة الاغتيال ، وبعضهم يعرف فرج الشماس والبعض الآخر يعرف الابن شاهين فرج . هكذا يمكننا هنا أيضاً أن نؤسس صلة أو علاقة بين الحدث الرئيسي والشخوص المذكورة . وفي السجن نلتقي بالراوي ورحيم غزوان ومشعل الياس ونعرف من خلال زيارة ام شاهين لابنها . . أن هناك علاقة بين الراوي وبين عشيقة ما ، لم تأت لمقابلته. وفي مقطع آخر نعرف أيضاً أن هذه العشيقة كانت تشترط على شاهين فرج بأن حبها له مرهون بتخليه عن العمال، فيرفض شاهين فرج ذلك الشرط . وهكذا تقع هذه العشيقة فريسة لحب المال والخيانة عندما وتتعرف على رحيم غزوان وتشي بفرح شاهين ، وعلى ذلك يتمكن المؤلف من تشييد علاقة بين الشخوص وبين الحدث الرئيسي . وهنا يمكننا أن نعثر على الخيوط الموحدة ، وبنسب متفاوتة بين الشخصيات وعلاقتها بالحدث الروائي وحياكة النسيج العام للرواية ، كما تتضح قدرة المؤلف على خلق وحدة عضوية وتعالق متماسك لبناء الحدث في صلته بالشخوص . . هذا من جهة .
بيد أننا نلحظ من جهة أخرى ، تجلي خرق ذلك المبدأ في تشييد البناء المعماري للحدث الروائي في علاقته بالشخصيات وصلتها به .
ويظهر لنا ذلك من خلال بروز انفصام بعض الشخصيات ووجودها المستقل عن الحدث الروائي ذلك على الرغم من أن صلة ما أو علاقة ما ، تربط بينها وبين الراوي ، إلا أن جسور تلك الصلة أو العلاقة لا تمتد لتتعالق وتتحابك بالحدث الروائي .
وهذه الشخصيات على وجه التحديد والترتيب هي: سعد مختار والشيخ عنتر السجان وابو محمد .
يتعرف فرج شاهين على سعد مختار والشيخ عنتر السجان في السجن . بينما يتعرف على أبي محمد في الغربة ، في إحدى دول الخليج . اننا هنا نريد أن نكشف عن صلة هذه الشخصيات بالحدث الروائي أو بعدها وانفصالها عنه . سعد مختار هو «قلب الأسد ، عنيف مكابر ، يقفز صخور الجبل بأكياس الإسمنت الثقيلة . . يتألم ، وعندما يأتيه السجناء يرحل طائر آلامه» انظر الرواية ص 63 ، وهو الذي يكور القماشة المربوطة بخيط طويل ويرميها في برميل ، فتسقط في الخمر ويسحب القماشة الى الزنزانة ليشرب من عصيرها السجناء وينتشون ص 94 ، وسعد مختار هو صانع العود الخشبي من خيوط النايلون وهو الذي يقود حملة الطرب في السجن ويعربد صوته ثم يسكن على أصوات أحذية الحراس ، ص 95 . هنا لا نلمس سوى الولع بالتفاصيل والتسجيل الدقيق للوقائع ، بينما لا نعثر على الصلة المفترضة بين شخصية سعد مختار وبين الحدث الرئيسي أو الأحداث الأخرى في الرواية ، صحيح أن ثمة صلة ما تنعقد بين سعد مختار وبين الراوي ، فقد يكون دور سعد مختار هنا هو تعريف شاهين فرج على الخمرة ولكن هذه الصلة لا تكفي وحدها لتقييم علاقة وظائفية بين الشخصية والحدث الروائي. وتنسحب نفس المسألة على شخصية عنتر السجان اذ ان كل ما نعرفه عن عنتر السجان هو انه «عشق امرأة تزوجت غيره ثم ماتت في حادث. لم ينقطع من زيارة قبرها عدة ليال ، ثم رآه حارس المقبرة يحفر القبر ، ويمزق الكفن ، ويقبل الجثة . ثم أغمي عليه واقتضب حديثه بعد ذلك وعاش اعزباً يكره النساء ولا يخرج الى الشارع» (انظر الرواية ص 63)، و«الشيخ عنتر يضرب القيد بنشوة أو حزن ولكنه يستمتع بالرنين ويفتح فمه الذي يشبه قفل الزنزانة . المطرقة امضى في يده ، لكنه الأقوى» ( نفس الصفحة ) ، وانه هو «الذي يشعل النار والجمر ويقلبه بمطواة من حديد . . وهو من يعطي اشارة البدء للحياة» ( ص 73) ، ويرى الراوي ان عروق يديه وارتفاع الرقبة والعينين المليئتين بماء السنين والعجز دامعتين بلا سبب» ( ص 73) ، وفي عينيه الدامعتين شرارة غضب مجهولة (ص 74 ) ، ويكتشف «أن قدرة الشيخ عنتر على الحديث رائعة وشعر بالطلاقة والحياة تتجسد بين فتحة شفتيه ، وينزاح عبء القيد والظلام والأسوار حين تتناهى إليه نبرات صوت الشيخ عنتر» (ص 75) ، هذا الذي ينشغل «بالقيد والذي إذا ما توقفت تحت أنظاره أقدام طليقة يحكم القيد وإذا شاهد القيد في الإقدام فلن يستريح إلا بقتله» (ص 75) ، والشيخ عنتر هو السجان وهو أيضاً من يطلق سراح شاهين فرج بعد أن تأتيه الأوامر . وعلى ذلك، فإننا هنا لا نرى اية صلة تربط بين عنتر السجان وبين الحدث الروائي الأساسي . أن تصوير شخصيتي كل من سعد مختار وعنتر السجان جاء كنتيجة للحالة النفسية التي اعترت الراوي وهو في السجن . وهذا التصوير جاء كانعكاس مباشر بسيط يعبر عن شدة انفعال الراوي وتأثره بالمرئيات الحسية الظاهرية ، وشدة تعلق المؤلف بوصف الظواهر الجزئية وتعقبها. وربما كان المقطع الخامس عشر ، والذي يظهر فيه الشيخ عنتر السجان كشخصية رئيسية في إطار المقطع نفسه ، يصلح لأن يكون قصة قصيرة حول النموذج المذكور . وكذلك فإن المقطع التاسع عشر والذي تبرز فيه شخصية سعد مختار ، كشخصية متفردة ، يمكن أن يشكل بدوره قصة قصيرة أخرى ، بيد أن الشخصيتين المذكورتين لم يجر توظيفهما لخدمة بناء الحدث الروائي ، فهما لا تتشكلان عن طريق الحدث الرئيسي ولا تعملان على تشييده وتأسيسه ، بحيث أن صلتهما بالحدث الروائي بدت مقطوعة مبتورة عدا أن هذه الصلة انعقدت بينهما وبين الراوي نفسه . وكما نوهنا من قبل بأن هذه الصلة لا تكفي وحدها لأن تقيم وتؤسس علاقة وظائفية بينها وبين الحدث الروائي ، ولعل ذلك هو ما يفسر لنا أيضاً جنينية العمل الروائي الذي نحن بصدده والذي لم يتخلص بعد من آثار وبصمات القصة القصيرة . وهذا هو الأمر الذي يؤكد الميل للجمع بين خصائص شكلين من أشكال القصة (أي القصة القصيرة والقصة الطويلة) ، كما ذكرنا في البحث الأول من هذه الدراسة .
إن الخلاصة ذاتها تنطبق بنفس الدرجة على شخصية أبي محمد .
يسعى الراوي إلى تجسيد فكرة وحدة و تناقض الأضداد متمثلا في ذلك بشخصيتي كل من عنتر السجان وأبي محمد . فقد عرفنا أن عنتر السجان يحب القيود ، أما أبا محمد صاحب المقهى ، فهو يبحث عن الزبائن وعن النقود . نكتشف محاولة الراوي في تجسيد وحدة وتناقض الأضداد في المقطع العشرين، حيث يتثال تداع محدد في ذاكرة الراوي:
«الشيخ عنتر يطرق ساعد القيد» (ص 99)، ويجري تشبيه أبي محمد بالشيخ عنتر . «فشبهما قريب، هذا أبومحمد . كيس النقود المربوط في وسطه بخيط» (ص 48) . إذن ، عرفنا أن القيد يشير الى عنتر السجان والنقود تومئ إلى أبي محمد . يقول الراوي: «نفس رنين القيد ، النقود ، يفعل الشيخ عنتر هذا بطريقة أخرى ، النقود قيد والقيد نقود، الأصل واحد، حديد يصهر ويعشقه البشر ، هناك من يحب القيد وهناك من يحب النقود ، الكل يسعون إلى شيئين مختلفين ومتحدين ، نقيضين تماماً لكن أصلهما واحد ، كل يرى سعادته في أن يودع جسده وقلبه أمانة للمال أو القيد» (ص 48) .
وإذا كان الأمر يتعلق بتجسيده فكرة وحدة وتناقض الأضداد على هذا النحو ، فإن هذا الأمر قد يخدم توظيفه – والى حد ما – التجسيد الفني للفكرة ، أما اذا كان الأمر مرتبطاً ببؤرة الشخصية وعلاقة شخصية أبي محمد بالحدث الروائي فهذه قضية أخرى . لم تجد لنفسها تعبيراً واضحاً في الرواية . فعندما يجري الحديث عن شخصية أبي محمد فى المقطع العشرين ص 99 ، لا نعثر إلا على جملة واحدة جاءت في شكل تداع في ذاكرة الراوي لتذكرنا بشخصية فرج الشماس ، توحي صيغتها الدلالية بأن هناك خاصية مشتركة بين فرج الشماس وأبي محمد وهذه الخاصية هي عنصر الكبرياء والشموخ عند كلا الشخصيتين .
يقول الراوي «فرج الشماس لم يمت في مفكرتي ، أراه يتحرك في نظرات أبي محمد داخل المقهى وهو يتغنى بصمت بلغة كبرياء عنيدة» .
أن هذه العبارة الأخيرة . . أي «بلغة كبرياء عنيدة» هي التي توحد بين أبي محمد وشخصية فرج الشماس ذلك العامل الصلب المكابر والعنيد ، ومن الواضح أن إبراز صفة محددة عند شخصيتين وتجسيدها ، قد يخدم مبدأ النمذجة شريطة أن توضع الشخصية في مواقف نموذجية. وهذا أمر آخر يختلف كلية عن موضوع بؤرة الشخصية . أن شخصية أبي محمد لم تندغم في الحدث الرئيسي بأي شكل من الأشكال بل إن صلتها بالحدث لا قيمة لها من وجهة النظر التكنيكية .
وخلاصة القول أن بؤرة الشخصية في رواية «الجذوة» ظهرت لنا على مستويين وانطوت على طابع مزدوج فيما يتعلق بالمهارة الفنية ووظائفها الجمالية ، فهناك شخوص اندغمت بالحدث الروائي ولعبت دوراً رئيسياً في تشكله ونموه ، الأمر الذي أفصح عن قدرة المؤلف ومهارته الفنية في خلق وشائج وعلاقات تربط شخوص عمله الروائي فيما بينها وفي علاقتها بالحدث الرئيسي، وثمة شخوص أخرى ظهرت بشكل مستقل ، منفصل . . فلم يوجد بينها وبين الحدث صلات وعلاقات مجسدة ملموسة ، وهذا الأمر يشير الى حداثة الخبرة الفنية وجنينيتها في كتابة العمل الروائي المعني .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الجذوة – رواية – 1980
** جميع المراجع والهوامش سقطت في الاصل من المجلة !
يحتاج الشباب العربي إلى بعض الكبسولات الثقافية السريعة من أجل قراءة الخطوط الفكرية العريضة في العالم المتقدم، وأسباب تطور قدراته الاجتماعية والسياسية.
وقد اعتمد الغرب في تطوره حديثاً على ثلاثة مفكرين كبار لعبوا دور النقلة، والانعطافة الفكرية له، وهم تشارلس داروين مكتشف نظرية التطور، وكارل ماركس مكتشف نظرية فائض القيمة، وسيجموند فرويد مكتشف نظرية اللاوعي.
وليس المهم الآن هو تفنيد بعض جوانب أفكارهم، فقد تجاوزت الأبحاث العديد من أفكارهم، ولكن المهم أنهم وضعوا الأساس الفكري للمناهج العلمية في درس الظاهرات الطبيعية والاجتماعية والنفسية.
يتحد الثلاثة الكبار هؤلاء في اعتماد الدرس الطويل، والبحث المضني للوصول إلى حقائق التطور في حقول مختلفة، ومترابطة في كونها تكشف جوانب مختلفة من حياة الإنسان.
وكذلك في اعتمادهم على أنفسهم للوصول إلى هذه الحقائق، حيث كان اعتمادهم على جهدهم الذاتي الخاص، وشقهم طرقاً جديدة كانت مرفوضة من قبل مجتمعاتهم التي عاشوا فيها، بل تمت مناوأتهم ورفض أفكارهم لسنوات طويلة، غير أن تطور العلوم الاجتماعية والطبيعية قد أثبت صحة أفكارهم، وكون بحوثهم تصدر عن نزعات موضوعية وقراءات مدققة في الجوانب التي درسوها.
تعبر أبحاثهم عن ثلاثة مستويات لقراءة الإنسان، فداروين بحث عن تطور الأنواع، واكتشف ارتباط الكائنات النباتية والحيوانية في سلم من التطور، انطلاقاً من الأسماك التي بدلت عيونها الثلاث إلى عينين، وطورت أجهزة التنفس فيها، إلى الحيوانات البرمائية، إلى الحيوانات الثديية المتعددة.
توجه داروين إلى بحث سببيات التطور العميقة التي رجح حدوثها في التكيف مع البيئة والصراع بين الأنواع المتخلفة والأنواع المتطورة، كما حدث للإنسان القرد وانتصار الإنسان العاقل عليه.
في اكتشاف داروين العلمي لتطور الإنسان ظهر عصر جديد من رؤية الحياة البشرية كظاهرات تخضع لقوانين وسببيات عميقة، وبهذا تم إعادة وضع الإنسان إلى بيئته، ورؤية الظروف الموضوعية التي شكلته، من أجل مزيد من التطور الخلاق المستقبلي في قدراته. وهذه العلمية في قراءة التطور البيولوجي انتقلت إلى صعيد التطور الاجتماعي والتاريخي، حيث اكتشف ماركس حلقات التطور التاريخية وأساليب الإنتاج التي مرت بها البشرية، ودرس على مدى ثلاثين سنة أسلوب الأنتاج الحالي وقوانين تطوره في البقعة التاريخية التي نضج فيها، وهي الغرب الحديث. ولكن ماركس لم يأخذ بعين الاعتبار كون الغرب كبقعة تطورية خاصة، لا تستطيع أن تصل إلى نهايتها التحولية، بدون العالم المتخلف التابع لها. وهكذا فإن انتشار أسلوب الإنتاج الرأسمالي عالمياً سيخضع سيرورة طويلة معقدة، لم تكن المواد العلمية المتاحة في زمنه إلا أدلة على الماضي وعلى حقبة الولادة لهذا الأسلوب من الإنتاج. وتعكس طبيعة الاستنتاجات السياسية له مشكلات الفقر والاستغلال للبروليتاريا الصناعية في زمنه. ومن هنا كان لينين يعبر عن مشكلات البلدان المتخلفة في محاولاتها للحاق بالتطور الرأسمالي، وقد بدا له ذلك كمحاولة أخيرة لصنع التاريخ.
أما فرويد فقد اكتشف قوانين اللاوعي، وهي تلك الطبقة المتوارية من العقل والشعور الإنساني، باعتبارها القعر العميق للنفس، ومن خلال منهج التحليل النفسي، حيث توجه إلى اختراق الطبقات الشعورية الفوقية للوصول إلى جذور الأزمات في الحياة الشعورية وأسباب الاضطرابات. وإذا كان قد اعتبر العامل الجنسي بمثابة العامل الوحيد الكلي، إلا أن هذا لا يقلل من شأن اكتشافه، الذي فتح أفاق الدراسات النفسية العميقة على مصراعيها، وبهذا تكون الأنسانية قد وصلت إلى الاكتشافات الكبرى لفحص جذورها البيولوجية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية.
في زمنيةِ الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين يجري محلياً (وعربياً بشكل ما) تصدع وعي الديمقراطية العربي في السياسة والثقافة ويأتي ذلك بشكل أساسي من تهافت اليسار، فاليسارُ هو الذي يلعب الدور المحوري في تشكيل الأنواع الفكرية والثقافية الوطنية، لأنه يقود التقدم في البلدان النامية.
الانهيارُ الاشتراكي في المركز يكونُ غير واضح، لكن بعض أجندتهِ نجدُها في الصراعاتِ بين أنواع اليسار، فظهور اليسار الطفولي المزايد هو من الجوانب الرئيسية يظهر في بدء إنهيار هذه الثقافة.
تُطرحُ في الجدالات السياسية مزايدةٌ على طرق النضال، ويعلو صوت البندقية الزائف، حيث لا نار ولا دخان، وفجأة تنتشرُ صورُ جيفارا وماو وكاسترو، تغدو هذه الصور لدى اليسار الطفولي ضباباً فكرياً لضرب العقلانية، ولتصعيدِ جملٍ نارية، ويجري الإستهزاء بالطرق العقلانية في النمو السياسي، وما يترتبُ عليها من تحليلاتٍ فكرية للواقع، والغوص في تاريخه، وإكتشاف البنية الاجتماعية له.
يجري النقاشُ حول طرق النضال بأشكالٍ حماسية غير عقلانية تبطنُ رفضَ طرق التحليل الموضوعية، وهذا ينعكس في هلامية الأشكال الفكرية والأدبية والفنية التي تتجمد عند ذلك الصراع السياسي السطحي.
حين نقرأ القصص والقصائد والمقالات نجدُ هيمنةَ التسطيح، والتوجه للموضات الأدبية الفكرية الغربية معاً، مثل تدفق الأشكال السريالية واللامعقول ويتحول هربرت ماركوز إلى مفكر نموذجي ليسار المغامرة، وتحصل الوجودية والبنوية على مؤيدين مهمين.
كان هربرت ماركوز يركز على المجتمع (الصناعي)، وبهذا الشكل المجرد يتمكنُ من تلافي تحليل قوانين المجتمع الرأسمالي الغربي، وتغدو ثيمة ماركوز وجيفارا وماو هي بحد ذاتها موترةً لليسار (السوفيتي) وإبتعاده عن قراءات التحليل الموضوعية الأكثر نفاذاً في تجارب رأسماليات الدول الشرقية التي لعبتْ أدواراً في تأجيج الجمل الثورية ثم في كسرها.
عزف اليسار الطفولي على التطرف يقابلهُ فقرٌ في التحليل والإنتاج الفكري والانتاج الإبداعي عامة، فكان اليسارُ بشقيه يمثلان ضرباً ضد نمو العقلانية وتحولها لتحليلات موضوعية للواقع.
كان ذلك في مصلحة الأبقاء على السطحية في الوعي والعفوية والانتقائية، ومن هنا لائمتْ المقالةُ القصيرةُ هذا الوعي المسطح، التي تتحول في السر إلى بيانات زاعقة، تفتقد عمق السياسة البعيدة المدى.
كما يحدث الآن لورثةِ هذا اليسار المتعثر في أشراكِ الشموليات أي للمذهبيين السياسيين، الذين يعجزون عن دراسة الإسلام وسيرورته التاريخية، وأكتشاف آفاق تطور الأمم الإسلامية فتغدو لديهم المقالة القصيرة الانتقائية الهزيلة الوعي منشوراً زاعقاً في حالة الرافضين وبخوراً حارقاً لدى غير الرافضين، بسبب الرغبة في الحصول على مكاسب سياسية وإجتماعية سريعة.
ووجود هذين الصنفين المذهبيين السياسيين من الوعي المتضادين، والمتماثلين في جوهر سطحيتهما، وبروزهما يعبر عن الاستمرارية في تكوينات الوعي السطحي لدى البرجوازية الصغيرة المتعلمة مع تبدل البنية الاجتماعية. فالخطابُ اليساري السطحي يتلوهُ خطابٌ مذهبي سطحي.
في سيطرة المقالة القصيرة والمنشور وغياب الكتاب التحليلي والأنواع الواسعة من الأدب كالرواية والمسرحية والدارسة النقدية، صفة مشتركة، فهؤلاء المنتجون العجولون هم أناسٌ لا يزرعون بعمق ولكن يريدون ثماراً سريعةً باهرة.
رأسُ المالِ الصغير هذه هي عاداتهُ التاريخية، سواءً في الماركسية وهي تأخذُ أشكالاً طفولية تختزلُ تعقيدَ الاقتصادِ والطبقات وتريدُ القضاءَ بلمح البصر على التشكيلة الرأسمالية العالمية، أو في الوعي الديني وهو يأخذُ قسماتٍ طائفيةً ويتبعُ دولاً شمولية ويريد سحق الأنظمة بمفرقعات الأطفال أو بحلبها وتكوين رأسمال طفيلي ويصير شركة إسلامية مقفلة.
رأس المال الكبير لا يشارك في عمليات إنتاج الوعي والثقافة ويبقى في بنوكه وشركاته الكبيرة ليكون رأس المال العابر للحدود، والذي يعيشُ حالاتٍ دينيةً شكلانية خاصة في المجتمعات الاسلامية غير الديمقراطية.
من هنا فإن اليسارَ المغامرَ بصراخهِ المستمر كان يعطل التحليل، واليسار السوفيتي كان يردُ في حدودِ التقليديةِ النظرية المحنطة في المركز.
في الدول العربية الأخرى ذات الثقل السكان بخلاف دول الخليج يتمكن النتاج الثقافي من النمو الواسع، لكن الفكر النظري التحليلي الكاشف لمسارات التطور هو في حالةِ موت سريرية، والنماذج النادرة متأثرة بمناخ تشويه الأفكار الكبرى التقدمية.
وحين ينهار اليسار فكرياً وسياسياً ينهار الهيكل العظمي للوعي العميق، حيث أخذ هذا اليسار الشرقي على عاتقه أن يكون طليعة للعمال وحفار قبور للرأسمالية معاً، وهي مهمتان مستحيلتان في التاريخ القريب لأن كل مهمة ضد الأخرى.
إنها لغةُ محفوظاتٍ لم تعد قادرة على الفهم والتحليل، وأصبحت مشوشة أكثر فأكثر نظراً لفقدان البوصلة، وصارت التطورات غير مفهومة بالنسبة لها، وحالات الضياع هذه ستطلقُ لغةً ليبرالية إنتقائية مصلحية، أو لغة يساريةً إنتهازية.
إرتبطتْ الثقافةُ البحرينية بقوةٍ بالتيارات السياسية وربما بشكلٍ ميانيكي مباشر، بسبب محدودية البناء الثقافي.
إرتبط تطور الوعي السياسي بالحقبِ الاجتماعية، فالوعي اليساري البحريني نشأ في ظلال تدفق منجزات الليبرالية البسيطة لهيئة الاتحاد الوطني، ولم تستطع هذه الاستمرار بأن تجذر المستويات الثقافية البسيطة التي نشأتْ معها وواصلتها هي.
منذ حراك الاربعينيات حتى الاستقلال إنتعشتْ الأفكارُ الليبرالية بدون جذورٍ عميقة، ونستطيع أن نقول بأنها ثمارُ أصحاب ومثقفي الوكالات التجارية، هؤلاء الذين كانوا بداية البرجوازية التي إبتعدتْ عن النتاج الفكري السياسي، وكان حريق الخمسينيات الناصري قد وضع حداً لتطورها نحو الليبرالية والديمقراطية.
وجاء اليسارُ السوفيتي واليسار الماوي وحركةُ القوميين العرب لترثَ بقايا الجمهور المتحمس للحركة الوطنية. اليسار هو العمود الفقري للمرحلة بسبب ما يمتلكه من منهجيةٍ فكريةٍ تحليلية للواقع والاقتراب من بعض جوانبه الموضوعية، التي تمثلت خاصة في التركيز على وحدة الشعب وتطوير حرياته، لكن الموقفَ تجاه الليبرالية والبرجوازية كان محدوداً.
إن السوفييت مصدري ومنتجي هذا الخط عالمياً لم يحققوا ديمقراطية، وبدت إرادة القوة لديهم هي الحل للتقدم، وكان هذا يمثل تدهوراً في أداة التحليل، ونتائجُها الواقعية وخيمةٌ على الصعيدين العالمي والبحريني.
لأنه ليس ثمة بديل عن الليبرالية كمحطةٍ رئيسيةٍ إفتتاحية طويلة الأمد لخلق كافةِ أشكال الوعي والتيارات الفكرية في العالم الثالث ومشروعات الدول الديمقراطية.
لكن المشروعَ السوفيتي تغلغلَّ في العالم الثالث بقوة، حيث ثمة تُربٌ لم تحرثْ لنضال ديمقراطي، وهي تربٌ قابلةٌ لكل أشكال الشموليات، فجاءت الشموليات ترثُ بعضها البعض.
أي أن كل الثقافات السوفيتية والناصرية والقومية كانت نتاجات دول شمولية قطعتْ تطورَ الديمقراطية في بلدانها، وأمكن لها في البحرين أن تتحرك خاصة فيما قبل الاستقلال، أي فيما قبل ظهور رأسمالية الدولة المحلية، لكنها لم تستطع أن تستمر بعد ذلك. فما كان لتلك التيارات أن تنشئ ثقافة ديمقراطية واسعة الانتشار.
فالوجودُ البريطاني أعطاها إمكانيةَ أن تكون مستوردةً للبضائع المادية لا الفكرية السياسية. وبعض الحريات والحضور الشعبي المدني كانت كافية لتخلق ثقافة ليبرالية ويسارية قبل ظهور رأسمالية الدولة المحلية وبعد ذلك شحبت هذه الإمكانية.
وبغض النظر عن هشاشة الثقافة في البحرين في تلك السنوات إلا أن القوانين الموضوعية للتطور الثقافي الاجتماعي متقاربة في البلدان العربية. فتجد إن إنهيارات الليبرالية واليسار مرتبطة بصعود رأسماليات دولة شمولية في كل بلد، وهي ذاتها المنعشة لوعي الطوائف المُسيّس.
كانت القصص والقصائد والمقالات النقدية والسياسية البحرينية بسيطة، وركزت على موضوعات إجتماعية جزئية، وتراكمت المحاولات حتى غدت في السبعينيات وما بعده تحولات نوعية.
لكن المسارين المعبرين عن التناقض في الوعي اليساري كانا حصيلة البناء الداخلي المضطرب، فاتجاهُ تطوير الحريات والسلام والنمو العقلاني الذي مثلهُ اليسار ُ (السوفيتي)، وإتجاه اليسار الماوي الداعي للعنف وحرق المراحل وتصفية البرجوازية، لم يُقابل بعمق في الأطروحات المقابلة للتخلي بشكلٍ عميق عن الشمولية والمركزية السوفيتية، ودعم الليبرالية ودعم البرجوازية الوطنية.
في الثقافة كان الأمر في الاتجاه الأول يؤدي لخلق تراكمات في الآداب والفنون والفكر، والاهتمام بقوانين الأنواع الأدبية والفنية والفكرية والاشتغال عليها، وهذا كان له تطورات في الأدب الواقعي، فيما الاتجاه الآخر عمل على الأدب الحداثي التجريبي ورفض القوانين الموضوعية في الحياة السياسية وأشكال الوعي. فالسياسة تغدو إنفجاراً، والكتابة تصير هذياناً، وتيارات العنف هي البوصلة، وبالتالي فإن التيارين ومساهماتهما كانت بسيطة لمقاربة الديمقراطية والليبرالية وقوت النقد الشعبي الحاد غالباً.
كانت هزيمةُ الليبرالية هي هزيمةُ الديمقراطية وتطورها في البحرين وفي الشرق عامة، فلقد كان توسعُ الرأسماليةِ يتمُّ بأشكالٍ شمولية، ولا تنفتحُ الطرقُ لظهورِ برجوازيات حرة تلعب الدور الأساسي في الاقتصاد، وبالتالي فإن إنعكاسات ذلك قويةٌ على الوعي والثقافة خاصة.
الرؤى السوفيتية والماويةُ كقائدتين للنضالات الاجتماعية عبّرَ خلافُهما عن صراعٍ قومي، فتكشف طابعاهما الرأسماليان الشموليان، وبهذا لم يستطع تيارا اليسار الأساسيان البحرينيان أن يتوحدا أو ينقدا نفسيهما ويتحررا من القيود التي تكبلهما. المعارك والضربات وغياب الرؤية البعيدة هدمت القوى البسيطة التي تشكلتْ عبرَ عقودٍ صعبة ضارية.
على مستوى الثقافة تطورتْ الواقعيةُ في ميدانِ القصةِ القصيرة والرواية والمسرح، وتنامتْ التجريبيةُ الأدبية خاصة في مجال القصيدة والقصة القصيرة لحيزهما المكثفين القابلين للتجارب ولتداخل السرد بالغنائية، وغدا المسرح غنياً بتجارب مختلفة في ميادين العروض الواقعية والتاريخية والتجريبية، وبرز النقد في عرض التجارب الإبداعية وكشف المسارات القريبة من تأثيرات الواقع، لكنه لم يستمر في تعميق إكتشافه لنمو الأنواع الأدبية والفنية.
حين نرى تداخل الثقافة بالتيارات السياسية الاجتماعية نجد إن التيارين السياسيين البارزين اللذين وهنت قوتهما الاجتماعية، لم يؤثر إنحسارهما على الثقافة التي راحت تستقلُ عن الميدان الاجتماعي السياسي المباشر، وبدأت الأنواعُ المختلفةُ تأخذُ إستقلالَها النسبي.
لكن زخم الحركة الاجتماعية السياسية كان له تأثيره البعيد المدى، خاصةً في إبتعاد بعض التجارب عن خطوطها الأولى وعدم تعميق التجربة ورفد الأجيال الجديدة بمكتسابتها الليبرالية والديمقراطية وتطويرها مع تحولات البنية الاجتماعية وإنقلاب العلاقات فيها.
فالتطور التحديثي الموعود بزخمه الليبرالي العقلاني لم يحدث، وتدهور وضع الحركات الاجتماعية من الناحية الفكرية وعادَ المجتمعُ للوراء في عقليته السياسية، وكانت تبعية (اليسار) للحركات المذهبية السياسية التي إستثمرتْ عمليةَ الانهيار الفكري السياسي في أشكالٍ خطيرة من المغامرات المكلفة على الناس أدت إلى إضطراباتٍ عميقةٍ لم يتم الخروج منها لحد الآن.
لقد بيّن ذلك هشاشة الوعي الذي أعتمد على القفزات لا على النمو الليبرالي الديمقراطي المتدرج، بحيث غدت الجملُ الصاخبة وغياب تجميع القوى التحديثية بديلاً عن التحليلات المعمقة وتأصيل التحررية، ولم تحصل الثقافة هنا على دعم من اليسار الذائب في العفوية والمنفعية ولا على إهتمام من الجمهور السياسي المذهبي المتصاعد الحضور في الحياة الاجتماعية، ولا على مساندة الأجهزة الحكومية.
لقد عادت المقاييسُ القديمةُ للثقافة لما قبل فترة حركة الهيئة، أي للقصة العائلية الساذجة، ولمسرح منوعات التسلية، وتنامى الأدب خاصة في الريف الذي يضجُ بأزمته غير المحلولة ودون أن تتمكن التجارب من إضافة تحول مهم للثقافة الأدبية.
كما فت في عضد الثقافة المشكلات النوعية في الثقافة نفسها، من عولمة هائلة تغلغلت في كل مكان تقود لمزيد من التسطيح ومن عدم الاستفادة من أهميتها الهائلة، وتفاقمت النخبوية وضعف تنامي الواقعية وغياب تحولها لتيار مؤثر في مجتمع تآكلت فيه ثقافته الوطنية ومستويات القراءة.
من الناحية السياسية الاجتماعية قادت العودة للمذهبية السياسية وقد تغلغلت فيها تأثيراتُ المرجعيات الدينية الإقليمية إلى إنتشار الفسيفساء والفرديات الجامحة وتنامي أشكال ما قبل الحداثة، ولهذا فإن إنجازات هيئات جديدة مثل البرلمان لم تتغلغل في الحياة، وتغدو الحلول مرتبطة بطابع الرأسمالية المحلية والخليجية العربية التي يغيبُ عنها الإنتاجُ الوطني الواسع، المؤسس للعقلانية وتماسك وتطور الجمهور.
لهذا فإن عودة ثقافة العنف والإلغاء غدت موروثاً لبعض الحركات السياسية المذهبية، مع عجز رأسماليات شمولية مناطقية متعددة عن العودة للمسار الليبرالي الديمقراطي المنتج الوطني، وهذا جانبٌ مركبٌ يحتاج كذلك لمتابعة القراءة.
تدهور العقل النقدي في الأنظمة العربية بسببِ عدم قيام المفكرين الكبار والباحثين بدورهم التحليلي الموضوعي لدراسة الحياة العربية، ونقدها بصورة شحاعة وحاسمة.
هؤلاء المفكرون دخلوا السجون وعاركوا الأنظمةَ المستبدة ولكن لم يواصلوا رحلة التشريح النقدية العميقة.
ما هي الأسباب التي تجعل هؤلاء يقطعون رحلات عمرهم المضيئة بإنهيار أخير؟
الفارق بين المنورين الغربيين وبين هؤلاء إن الموسوعيين والفلاسفة الغربيين إنهم واصلوا رحلتهم رغم التشرد والغربة والسجون وبقيت كتبُهم متسقةً في النضال من أجل الديمقراطية والحرية، ولم تثنهم العقبات المختلفة أو الإغراءات.
هل لأن(المعدن) العربي معدنٌ هشٌ لا يستمر في صلابته ويتكشف جوهرهُ في خاتمة المطاف؟
ليست المسألة قدريةً وغيبية بل هي واقعية صرفة.
إن الفارق بين جان جاك روسو المفكر الرومانسي وهو قدرتهِ على التشريح النقدي حتى لجسده الفكري الروحي وكشف عريه. وهو في هذا التشريح لا يعطي فرصة لنفسه للتخاذل.
أو حين يكتب جان جينيه المسرحي المعاصر في القرن العشرين عن نقاط ضعفه بكل صراحة.
لا يتابع المفكرُ العربي أخطاءهُ وتدهور رؤيته وتسلقه على مواسير الأنظمة، وإنقطاع روحه النقدية شيئاً فشيئاً، فيبدو في آخر مسيرته الفكرية منقطعاً عن جرأته الأولى وتعريته للأوضاع السياسية.
إنه يقدم صورةً وردية عن ذاته، لا يعري تراجعاته وأسبابها، فلا يكشف كزوج عقبات الزوجة والعائلة التي حاصرته وأرجعته للوراء، وربما كان امرأةً والعقبات أمامها كثيرة فصمتت عن التخاذل الذي أصيبت به.
ربما يبدأ المفكر من أشكال فلسفية هامة ويكشف رؤى عربية محافظة، عبر فلسفة عالمية، كما فعل محمود أمين العالم، أو عابد الجابري حول الوعي العربي الذي جرده الثاني في بنية العقل العقل العربي، لكن الأول نقل فلسفة روسية شمولية عجزت عن الحفر النقدي في الأنظمة العربية، فماشت أنظمةً رأسمالية حكومية على أساس أنها(الطريق العربي نحو الاشتراكية) والثاني غيّب الصراع الاجتماعي في الأنظمة العربية ولم يدرس تنامي هذا الصراع وأشكاله المعقدة عبر الارتداد الديني للنظام التقليدي، وضعف القوى التحديثية وضعف نقدها للبنى الاجتماعية الراهنة وبالتالي لم تجر المعركة المفترضة للقوى التقليدية الديينة والسياسية.
بعد ذلك تأتي مجرياتُ الحياة الاجتماعية الملموسة للمفكر وصعوده في مؤسسة صحفية أو سياسية وتبدل نمط عيشه ليخفف من حفرياته النقدية وموضوعيته. ثم يرى المتابعون الانهيارَ بشكل فاقع في سنوات لاحقة.
يواجه المفكر والكاتب العربي إغراءات معيشية في مجتمعات بلا قوة حضارية، فالاحزابُ الديمقراطية التحديثية غيرُ ذاتِ جذورٍ شعبية، وقوى التخلف والانتهازية واسعة، والنقابات صفراء، ولا يوجد قراء كثر يقفون معه ويشترون كتبه ودور النشر والمكتبات تسرقه.
كذلك فإن رجال الأعمال الذين يفترض مساندتهم للتنوير والديمقراطية ومساندتهم للمفكرين بتعضيد دور النشر والمجلات الموسوعية كما حدث في غرب أوربا يبتعدون عن هذه المساهمات التي تغذي الفكر وتؤدي لمجابهة التيارات الظلامية.
كان الانسكلوبيدون وهم الكتاب الفقراء ارتفعوا فوق الصحف والمجلات الشعبية وصنعوا الثورات الحديثة، فتعاضادت الأسباب الذاتية في مجالات الصناعة والتجارة ووفي مجالات الفلسفة وغيرت مجرى الإنسانية.
تضحياتٌ من الجانبين المنتجين المادي والثقافي، وبدونها لا تتكون التحولات.
2 ــالعقلالنقديالعربي
تعكز الهجومُ المحافظ الأسطوري في الثقافة العربية السوداء على إعتماد الخرافات سبيلاً للوقوف بعد السقوط والترنح الذي أحدثته الثقافة العربية التحديثية منذ القرن التاسع عشر، منذ الأنظمة الملكية الليبرالية فالأنظمة العسكرية الوطنية والثقافة التنويرية العلمانية تتصاعد بقوة دون أن تقطع بجذورها الإسلامية والقديمة والإنسانية.
كان الحصول على معنى المادة ومعنى العلم وكشف سببيات الوجود لتلك القبائل التي خرجت من الجزيرة العربية أمراً صعباً محفوفاً بالمخاطر لجماعات أمية محدودة الأرث العلمي، والتي إنتجت منها فئات وسطى حرفية وثقافية راحت تتساءل عن معنى الوجود وكيفية فهمه وكيف السيطرة عليه؟
لا تفهم الشعوب الطبيعة والمجتمع بشكلٍ مجرد سحري غيبي تلقائي عجائبي بشكل أساسي، وإن كانت هذه هي المراحلُ الدنيا لتشكلِ العقول، لكنها تتجاوزها، لأنها ذات مستويات دنيا، ولاعتمادها على الحدس وهو أدنى أشكالِ الفكر.
لكن هذه الأشكال الدنيا ملاصقة كثيراً للعرب والمسلمين لأنهم في المستويات الدنيا من الإنتاجين الصناعي والعلمي، ومن هنا فالأشكال الأخرى من السحر والدين تبقى مترافقةً مع هذا التطور ذي المستوى المنخفض.
ومن هنا كانت الجهود الجبارة للعلماء العرب والمسلمين في إنتزاع أسرار الطبيعة والمجتمع، وهم في بدايات الحضارة، وهو أمر مهده علماء اللغة والكلام ثم الفلاسفة، الذي وضعوا جميعاً القواعد الأولى لبناء العقلية العربية الموضوعية النقدية، التي تراكم لبنات المعرفة الموثقة، والتي تكشف خلايا المادة وعمليات التغلغل فيها بشتى أشكال تمظهرها، سواء كانت جسم إنسان أو حيوان أو أشياء مادية بمختلف حالاتها، أو كانت كوكباً أم نجماً.
ولا تنفصلُ العلومُ الإنسانيةُ هنا عن العلوم الطبيعية، بل كانت هي مقدمتها، فتطور علوم النحو والصرف والبيان ودراسة جذور اللغة وحياة العرب الاجتماعية، قاد إلى وضع لغة كبيرة ذات إمكانيات تعبيرية وإشتقاقية حيوية تحت تصرف علماء الطبيعة والطب والفلك والكيمياء.
فتغيرت الرياضيات بداية من تغيير الأرقام إلى جعل الصفر فيها وجعلها بالتالي سهلة ولا نهائية الحساب، لأن المادة لانهائية، وعبر الجبر تم إظهار الكم المجهول من الكم المعلوم، فغدت الرياضيات أداة أخرى، وتطورت الهندسة الأقليدية، خاصة عبر التلاقح مع الثقافة اليونانية، ثم بدأت الكيمياء والفيزياء بالتطور مع تطور الحرف والصناعات.
لكن هل تنفصل العلوم هنا عن الشعوذة خاصة مع هذه النشأة الأولى؟
(أخذ «جابر بن حيان» مادة الكيمياء – كما هو معلوم – من مدرسة الإسكندرية التي كانت تقول بإمكانية انقلاب العناصر وتحولها بعضها إلى بعض، وأخذ مع هذه الكيمياء فيضاً من الفلسفة الهيلينية والآداب السحرية والتصوف والروحية الإيرانية)، (الجامع في تاريخ العلوم عند العرب، الدكتور محمد عبدالرحمن مرحبا، منشورات عويدات ط 2، 1988، ص 315).
إن إمكانيات الوصول إلى الأبعاد المتعددة للمادةِ مسألةٌ مرهونةٌ بقوى الإنتاجِ السائدة في المجتمع وتجلياتها في البحث العلمي خاصة مدى تقدم الحرف ومن ثم وجود معامل الإختبار، وتخصصات العلماء، وأدوات السبر والصهر والتحليل المختلفة.
ولهذا فإن حدوث جدل عميق بين الصناعة والعلوم لم يحدث:
(مزجَ العلماء العرب والمسلمون الذهبَ بالفضة، وإستخدموا القصديرَ منع التأكسد والصدأ في الأواني النحاسية، وإستخدموا خبرتهم الكيمائية في صناعة العطور ومواد التجميل وصناعة الأقمشة والشموع..) الخ، الموسوعة العربية العالمية، ص 460.
لنلاحظ هنا كيف أن منهجيات البحث العقلي كانت محدودة وكذلك فإن توجه الطبقات الحاكمة للاستئثار بجانب كبير من الفيض الإقتصادي، وجه الصناعات نحو الصناعات الاستهلاكية التابعة للقصور والتجار، مثلما أن الحركة الفلسفية لم تقم بتحليلات عميقة للمواد الطبيعية والاجتماعية.
إن المادة هنا باعتبارها مواداً وكواكب ونجوماً، أي مادةً كونيةً، لم تتغلغلْ الأبحاثُ فيها، فجثمت أشكالُ الوعي العربي العلمية على سطوح المواد والعمليات، وهي المواد المقاربة للاستهلاك أو للصحة الجسدية البسيطة، أو للتنجيم، وهو الثقب الأسود الذي إنهالت منه مواد الخرافة الواسعة وبلعت العقول والحضارة العربية.
وحتى شبكة العلوم الطبيعية كانت خاضعة لأهداف الطبقات العليا، فالطب والتنجيم والصيدلة يتم الصرف عليها، في حين لا تحظى علوم أخرى بمثل ذلك.
إن أشكال الوعي من دين وفلسفة وعلوم لم تستطع أن تصل إلى المادة إلا بأشكال محدودة وعجزت عن كشف تنوعاتها والوصول إلى مكوناتها الأصغر، في مختلف تجليات المادة الحية والجامدة على السواء، كما لم تصلْ إلى فهم عمليات المادة الأكثر تطوراً وهي الحياة الاجتماعية البشرية ونتاجها الأعمق وهو الظاهرات الفكرية.
ومن هنا فقدتْ مفاتيحَ إستمرار النهضة والتقدم.
إن أحجام كشف المادة في الحضارتين الكبريين الإغريقية والعربية والحضارات الأخرى كذلك مثل الصينية والهندية، لم تصل إلا لكشف سطوح المادة، لكن في الحضارة الغربية التي تصاعدت منذ القرن الخامس عشر بدأت ظروف جديدة تتشكل، فقد أزيلت الدولة الكلية الإستبدادية وأُبعدت أحجارُ سيطرتِها وهي الأديان الكاتمة على حريات العقول.
لكن ذلك إستغرق زمناً طويلاً وبتفاعل البُنى الاقتصادية والفكرية لكل المجموع النهضوي الغربي، بحيث تم تجاوز الحرفة، بظهور الصناعة اليدوية فالآلية، لأول مرة في التاريخ، وبهذا فإن المادة بمختلف تجلياتها الكونية والأرضية وُضعت تحت أصابع وعيون البشر لتفحصها.
إن الأجسامَ الكبرى كالكواكب والنجوم أُعيد النظر إليها، ورئُيت حركة الأجسام الكوكبية بشكل صحيح، فبدأت المناظير تتجه إلى المواد الأصغر فالأصغر، دون أن يتوقف تحليل المواد الكبرى.
3 ــعناصرإنهيار (العقل) العربي
لا يمكننا القول بوجود تعميم (العقل) المجرد في النظام العربي، بل توجد وجهات نظر سياسية اجتماعية لفئات مسيطرة، أي باعتبار العقل السائد المسيطر آلية سياسية تفتقد العلوم والقراءة المستقبلية وتوجه الواقع إلى الانهيار.
نمط الحكوميين والدينيين هما الشكلان السائدان، هما الشكلان للإقطاع الحكومي والإقطاع الديني العاجزان عن إنتاج رأسمالية ديمقراطية. ولهذا يسود اللاعقل وتتوجه العديد من المجتمعات العربية الدينية لاحتدام التناقضات والفوضى.
جميع المواقف والأشياء تؤخذ من خلال دائرة واحدة أساسية، هي النظرة والبؤرة المصلحية التي تجمع كل التفاصيل، ثمة عقل حكومي وثمة عقل ديني معارض – مؤيد، العقل الحكومي يرى تصرفاته ونهج عمله هو النهج الوحيد، نهج البقاء في الحكم، نهج منع الفوضى من قبل الأطراف الأخرى وخاصة من قبل الطرف الديني المعارض، وهو نهج السياسة الدولية الراهنة، نهج الحداثة القاصرة التابعة، والمصالح العالمية المترابطة لإنتاج رأسماليات متخلفة في جهة ومتطورة مسيطرة في الجهة الأخرى.
العقل الديني النصوصي يرى الأمر غير ذلك، يراه في سيادة نهج الأشكال الدينية، والقراءات المنتزعة من التراث، يراه في بقاء المسلمين مسلمين، لكن كلمة مسلمين المجردة هذه غير موجودة في الواقع المرئي فهناك طوائف. وبالتالي في رؤيته يجب الابتعاد عن الحضارة الغربية عن الحداثة والعولمة، وبقاء الأمة في كيانها المقدس التاريخي.
هو يقود الواقع العاجز عن الرأسمالية المتقدمة إلى الفوضى، واضطراب دول الشرق، وسيطرة الدول والجماعات العسكرية والحروب.
العناصر الفكرية التي يطرحها كلٌّ من الاتجاهين لا تُطرح كعناصر ديمقراطية يمكن الجدل بشأنها وتغييرها وإضافة عناصر أخرى، بل هي رؤية سياسية اجتماعية صلدة قائمة على مؤسسات موضوعية لها جماهير تتأثر بها، وتدخلها في حراك سياسي وفي كيانات حكومية وشعبية واسعة وخطيرة متصادمة. وهي لهذا تصير لاعقلانية، تصير فوضى سياسية، لكونها لا تأخذ مصالح الجمهور والتطور بعين الاعتبار.
يجب أن تأخذ الرؤية بكليتها، وهي مدعومة أحياناً حتى بالرعب والسلاح والتصفيات، في أقصى تجلياتها وأكثرها مأساوية.
في بقاء الرؤية الحكومية صلدة متغلغلة في الأحزاب والمؤسسات الإدارية، فلا تقيم الحكومات فاصلاً بين مصلحتها الإستراتجية الكبرى وبين مصالحها الأقل شأناً من ذلك.
نجد إنه حتى في البلدان العربية الأكثر تطوراً من غيرها كمصر أن الحزب الحاكم يعتبر كل الأشياء السياسية والاقتصادية من هيمنته، بل ربما حتى الأمور الثقافية.
ويُضفى هنا على هذه التدخلات في كل شأن مظهرٌ ديمقراطي، باعتبار أن كل ما يجري هو صراع ديمقراطي، بينما الأمر ليس كذلك، وهذا الفرضُ يقودُ إلى خلق (عقل) إجباري، وترديد مانشيتات عامة مصلحية، كعباراتِ (الحرية والليبرالية والحداثة)، وأن الآخرين المعارضين متخلفون عن العصر.
فيما يركز الفريق الآخر على مصطلحات أخرى، هي كذلك تُنزع من تاريخها ومن عموميتها، مثل خروج الآخر عن الملة، وعن مصالح الشعوب والمقاومة الخ.
ويُجير الدينُ ويُدخلُ في المساومات والإقطاعات والقراءات المتحيزة المؤدلجة، وينشأ نمطٌ من المؤدلجين، المراوغين المكرسين لمصلحةٍ واحدة، ولكرسي واحد، في صراع سياسي يتسم بالحدة وضيق الأفق معاً.
هذا الفريق يقتطع كلمات ما، والآخر يقتطع كلمات أخرى مغايرة، والجوهر هو نفسه، الإقتطاعات الجزئية، والتركيز على جوانب الفساد في هذا أو الجمود في ذاك، بشكل كلي، من غير أن الفساد قد يَعمُ، وأن الجمودَ قد يكون موجوداً في الطرف الذي يقول إنه متطور.
تتشكل في هذه الحدة القطعية، والمراوغة الفكرية التعبيرية، لغة الكرسي الواحد، الذي لا يخلق التعددية، والذي لا يُشارك، والذي يخلق البطانات ويحولها إلى سلطات متكاثرة في الشؤون الاجتماعية المتعددة، وهذا يقود إلى تحطيم عناصر العقل السائد هذا، عبر ترديده لأسطوانات وعدم قدرته على التحاليل المتعددة للظاهرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تزداد تعقيداً وتأزماً.
هناك مثل تضخمي كاريكاتيري لهذا؛ حين يقرر المسئولُ الكبيرُ قضايا الفكر والفلسفة والفنون وقوانين الاقتصاد والأزياء والعادات وغيرها، حين يشكل ديناً له كتابه الخالد.
فتقومُ هذه الظاهرةُ بإفساد المثقفين حين يكتبون عن هذا (الفكر العظيم) ومولده ودوره وإنجازاته ويحيون أعياده وتُدعى لهذه الاحتفالات وفود من كل مكان وتُصرف الأموال الوفيرة وينشأ رسلٌ عظامٌ لهذا الفكر العظيم.
وهناك نمط آخر اكثر مرونة لا يشكل هذه الشخصنة المطلقة لكن يرتب أمور مؤسساته السياسية والفكرية بحيث تدور في فلك الفكر (المرن) الذي لا يسمح بنشؤ التحليلات المعمقة في البنية، فتراه يحيل القضايا نحو جوانب أخرى مهمشة.
وقد قال مسئولٌ كبيرٌ في إحدى الدول الإسلامية بضرورة إبعاد العلوم الغربية من فلسفة وعلم إجتماع وتاريخ عن الجامعات في بلده، لقد شعر هذا المسئول بتضاد عميق بين أدواته المكرسة لنظام شمولي وقوة الأفكار الحديثة الديمقراطية.
ما يحدث من تصلب تجاه الأفكار الحديثة والجهود لتدمير قوتها يعبر عن مرحلة جديدة من الأزمة العربية الإسلامية، ويحدث هذا التدمير سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر. أن يكون الفكر هو نفسه محل هجوم تغدو تلك قضية خطيرة.
هذا التضخم المتوتر يعبر عن تصاعد قضايا السياسة لدرجة الأزمة العامة، بغياب التنازلات والبحث عن حلول ومشاركة الفرقاء المتصارعين في الإدارة.
ثمة أربعة توجهات؛ التوجه الرسمي سواءً حكومياً أم معارضاً، والاتجاه التوفيقي المتلاعب بين الاتجاهين، والتوجه الموضوعي لرؤية البنية الاجتماعية ككل، وتبصر مشكلاتها وحل هذه المشكلات.
4 ــالوعيالعربيوالتغيير
تنامت العناصر الديمقراطية في الدولة الإسلامية على مستويي السياسة والوعي بدءً من العصر الأموي، حيث نفى العديد من المثقفين أفكار الشمولية في الوضع الاجتماعي السياسي والفكر، سواءً بالمطالبة بعودة(الفيء) للناس، أو إزالة هيمنة الخلافة الفردية، وتأكيد حرية الإنسان وتقليص صور الألوهية القدرية على الإرادة العامة، لكن وعي بعض الأفراد من الفئات الوسطى أتجه نحو عروض غيبية للقضايا المطروحة، وعدم الربط بين قضايا المال العام والاستبداد السياسي والمسائل الدينية والفقهية. ولم تتشكل حركات تجمع بين هذه المسائل الفكرية والسياسية المنفصلة لكونها فئات ولم تتشكل كطبقة على أساس صناعي، ويعبر ذلك عن تفكك إرادة الفئات الوسطى والعامة المقامة على إنتاج زراعي يتعرض للتآكل وحِرفي يعيش على بذخ الأغنياء.
لم يكن بإمكان الوعي الديني المثالي التنويري خاصة في علم الكلام المعتزلي أن يشكل تحليلاً لتطور الصراع الاجتماعي، وإستراتيجية موحّدة للفئات الوسطى المنقسمة بين فئاتها وتياراتها، وأن يقرأ الوضع المادي للمجتمع.
إن حركة الأفراد من الفئات الوسطى والشعبية لا تكّون حركة سياسية إجتماعية عامة، بل تتفكك وتضطرب وتغدو مجردةً، ثم تتشكل عبر فئات دينية مدنية منقسمة ذات مناهج متضادة.
فتسيطر مسائلُ الفقه على المساحة الأكبر من الوعي، فالفقه هو مؤسسُ العبادات والعلاقات المادية والروحية، ضمن مواد الماضي والأحكام الشرعية وتطوراتها المختلفة، حيث يسيطر توجهان، الحكم عبر الرأي والحكم عبر النص السابق.
تياران مختلفا النمو خاصة حين تزدهر الفئات الوسطى مع تنامي التجارة والأحوال المادية، فيما مدرسة الحديث تعبر عن إنكفاء ذلك التطور.
هذا الشكل الأولي من الوعي الذي يكّون الخريطة الاجتماعية اليومية، والملامح الأولية للأمم الإسلامية في عالمها الأسري والمادي وعلاقاتها السياسية، يعكس مدى التطور الذي تحقق خلال القرنين الهجريين الأولين لكن هذا التطور تلكأ وتوقف ثم حدث تراجع، ولهذا فنصيبُ مدرسة الرأي يتقلص لحساب مدرسة الحديث، كما أن عالم الحرية والقضاء على الاستبداد وإنتاج حياة الرفاهية لا يتحقق، فيظهر شكلٌ آخر من الوعي هو علم الكلام ليقرأ المشكلة.
إن علم الكلام يتشكل من أجل تحليل تلك المواد الأولية من الفقه والتاريخ الإسلامي، ويحدث فيه نفس الانقسام بين وعي يتوجه للتحليل النقدي المطور وتحليل يؤكد المسلمات السائدة.
إن علم الكلام المعنزلي الرائد يرتبط بمقولات الدين ويطرح أفكاراً جزئية فلسفية، تحلل قضايا مثل القدر والحرية والجبر والذرة والإله وصفاته والقرآن وتكوينه، وغيرها من المسائل التي إرتبطت بالوعي المثالي الجزئي, وقد تباين علم الكلام عن الفقه وبدأ في التحليق فوق التحليل المادي للتاريخ، عبر ذبذبة الفئات الوسطى بين النقد الاجتماعي للسلطات السياسية والدينية وبين مسايرتها. تعبر ذروة وأزمة علم الكلام المعتزلي في مسألة خلق القرآن المتأثرة بالطرحين اليهودي والمسيحي عن طفولية الوعي ومثاليته المغامرة وعدم قدرته المفترضة على قراءة القرآن ككتاب نهضوي تحويلي وبالتالي قراءة تطورات الصراعات الاجتماعية العربية، فبدأ هذا العلم مناضلاً وإنتهى ذيلياً لقوى النظام المناهضة للحرية والتعددية.
وقد حاولت الفلسفة العربية أن تقرأ الإشكالية ذاتها بأدوات أكثر تطوراً وبغني فكري أوسع، لكن الفلسفة هي الأخرى ظلت مثالية دينية لا تقرأ سببيات الحياة الاجتماعية والتاريخ لكنها قاربت بعض ذلك لدى ابن رشد وابن خلدون. الأشكال الفكرية من فقه وعلم كلام وفلسفة عبرت عن تكريس الوعي للمحافظة الاجتماعية والانقسامات المذهبية وضعف تنويره وتثويره.
هذا كان مظهراً لعجز الفئات الوسطى والشعبية عن التغيير من داخل المدن، والتغيير كان يحدث دائماً عبر القبائل المسلحة حتى العصر الحديث التي تركز القوة بين يديها، ولهذا ظهرت الثورة العباسية بقيادة الأشراف وقد تغلغلت وسط الجمهور الخرساني الشعبي، وهو الأمر الذي مثّل لحظة تطور مفصلية وأحدث الفترة التحولية الثانية في حياة المسلمين. ثم جاءت التغييرات التفكيكية عبر القبائل المسلحة ولكن للوراء والمؤدية لتدهور أشكال الوعي حتى إستلمت الجيوش الوطنية عمليات التغيير الحديثة في ظل إشكاليات مماثلة وإنجازات متذبذبة أو متدهورة.
5 ــالعربُولحظةٌجديدةٌفيالتاريخ
تخلف العربُ كثيراً عن اللحاق بركبِ التاريخ العالمي، وهذا بسبب إنهم قبائلٌ بدويةٌ إنساحتْ في عروق الأرض وتغلغلتْ في تضاريس الشعوب القديمة، والأديان السابقة، ولم يكن لها تراث غزير متجذر، وهوية صلبة سوى الإسلام واللغة والثقافة. وإذا كان الأولُ مفتوحاً لكل الأمم فإن الثاني والثالث مقصور على العرب.
تشتتُ العربِ في التاريخ والجغرافيا لم يجعلهم قادرين على اللحاق بتدافع الأمم الحديثة على صدارة المسرح العالمي، التي تتطلبُ مركزيةً في التاريخ والجغرافيا، والتي تتحول إلى سوقٍٍ جبارة متحدة، وقوى عاملة بشرية متطورة متعاونة، فالعرب يعيشون في تفكك على مستوى الأنظمة، والأنظمةُ نفسُها مفككة في بُنى إنتاجها، لكن الضغط المتواصل للعولمة وتشكل سوق عالمية كبرى متداخلة بحدة، يجبرُ الأممَ على التوحد، وقد سارعت أممٌ عديدةٌ بتفكيك أشكالها السياسية الفضفاضة القديمة، ومركزةَ أسلوب إنتاجها، وفجرت ثورات إقتصادية داخلها.
الكثيرون لا يعرفون العاصفة الاقتصادية السياسية التي تهدر، وعجزُ العربِ عن إستيعابِ الثورة الاقتصادية التقنية السياسية الديمقراطية، يصيرُ لهم مثل الكوارث القدرية وحروب داحس والغبراء، ويظهر لنا أناس يتكلمون عن الانفجارات الاجتماعية بأسباب واهية كثيرة فهم لا يعرفون التاريخ المعاصر وأسبابه الغائرة.
إن كافة أشكال الهدر الاقتصادية مثل الفساد والبذخ تتحول إلى كوارث على الشعوب العربية، لأنها بحاجة لكل قيمة نقدية من أجل تفجير الثورة الاقتصادية التقنية العلمية التي هي بأمس الحاجة إليها، وهذا الهدر يحس به العمالُ لأنهم لا يرون ما ينتجونه يتوجه لتغيير حياة المنتجين والإنتاج، وهما أساس توحيد العرب ونقلهم للحداثة.
وتداخلت أخطار العولمة وتحدياتها مع فشل التجمعات السياسية الفوقية العربية، وعدم إنجازها المقاربة بين الشعوب العربية وتطوير أوضاعها وتوحيد أسواقها ومواقفها، فأحستْ أمةٌ كاملة بالهوان والضياع، في عصر الأمم الكبرى، ولا عجب أن تقوم شعوبٌ صغيرةٌ بالثورة والتوحد والنضال من أجل أوضاع عمالها وجمهورها الفقير، في وقت توجهت فيه القوى الفوقية للاهتمام بمصالحها المغرقة في الذاتية.
بدون نضال العمال من أجل تطور أوضاعهم، أي تطور مصانعهم ومعرفتهم وإنتاجهم وأسرهم وطبقاتهم ووطنهم، لا يكون ثمة صعود للعرب على مسرح التاريخ المعاصر، الذي هو تاريخ الإنتاج والآلات والأسواق الكبيرة المشتركة وصعود العيش المشترك الأفضل.
كذلك لا يمكن لهذا الصعود أن يتم بدون تطور الملكيات الصناعية الخاصة كفرع محوري للاقتصاد وديمقراطية الرأسماليات الحكومية وبدون تغلغل ثروة المعرفة الحديثة في الجماعات والأفراد وتنامي الصلات الاقتصادية المتطورة بين الدول العربية.
إن العربَ يشكلون صلات تشبه الصلات التي كونتها الشعوب الأوربية في بدء عصر الثورة الصناعية وتشكل الأمم الأوربية وسيادة الحداثة، من حيث تأسيس القواعد الديمقراطية والصناعية، وتوحد كل شعب وتلاقي الصلات القومية بين أمة مفككة تصعد لتكون قارة إنتاجية.
ولهذا فإن نضالات الجماهير العربية الآن من أجلِ أجورِها وأوضاعها وتطور بلدانها الديمقراطي ليست موضةً، أو عمليات فوضوية، بل هي الوحدة القاعدية والتغيير من أسفل، والتوحيد على أسس شعبية عقلانية.
هي عملياتٌ موضوعيةٌ لا تصدر من قرارات وحرائق في البناء والأجساد، بل هي حاجات تتشكل في أعماق الشعوب، وظروفها، ولا تصدرُ من لجنة مركزية أو من قائد فذ، وهي للتخلص من طفيليات معرقلة لتلك الأهداف.
الغربُ المحافظُ المهيمن وليس الغرب الديمقراطي العمالي، لا يريدُ للأمةِ العربية التوحدَ، وأن تتصاعدَ قوى قواعدها لتطوير رأسماليات منتجة ديمقراطية تبنى أمةً كبيرةً ذاتٍ أسواق هائلة وقوى إنتاجية عظيمة، فتنضمُ للأممِ الروسيةِ واليابانية والصينية والهندية والجنوب شرق آسيوية، التي شكلت قواها المتحدة، وحينئذٍ يتواصل تقلص أسواق الغرب، وتزداد الضربات للأمة العربية لأنها تملك موارد نفطية كبيرة، فتُضربُ من الصهيونية ومن بعض القوى التي يُفترض إنها إسلامية وعربية.
لكن العديد من مراكز الأمة العربية ما زالت راقدة، لم تتشكل فيها السببيات التي تشكلت في تونس من حيث عدم الهيمنة الكلية للإدارة الحكومية الاقتصادية السياسية، ووجود قوى عمالية وبورجوازية خاصة حرة واسعة، وثقافة علمانية إسلامية ديمقراطية، لكن ذلك يحدث وبصور مختلفة والمخاطر التي تعيق ذلك هي الفوضوية والمغالاة الدينية والحداثية والعنفية.
6 ــتاريخلليبراليةالعربية
تعبر الليبرالية عن مسارات الفئات الوسطى العربية، وقد اتخذت في بدء تشكلها الحديث بعد الانفصال عن الدولة العثمانية، مساراً قوياً يتجاوز التوجهات المذهبية، بسبب العوامل الموضوعية المتجسدة في نمو كبير للحياة التجارية والصناعية الخاصة، التي لم يفرض عليها الاستعمار قيوداً مشددة، فجاء ذلك بخلاف أزمنة الدولة العثمانية واقتصادها المغلق.
ومن هنا تشكل قوسٌ كبير من الانجازات الفكرية والسياسية والاجتماعية، وسواء ظهر ذلك في ظهور ونمو الصحافة العربية أم في نشوء الآداب والفنون الحديثة أم في تطور العلاقات الأسرية في المدن خاصة، ثم تجسد ذلك عبر ظهور الأحزاب والبرلمانات ونشوء معارك الاستقلال..
وقد تقلص هذا القوس الليبرالي بفعل تصاعد القوى الشمولية، فالقوى السائدة من استعمار وحكومات ورجال دين سائدين، عارضوا هذا النمو المتزايد للحريات، كلٌ من موقعه، فازدادت القيود على الصحافة وتم تفريغ البرلمانات من محتواها الديمقراطي المستقل، ومنعت الأحزاب الثورية وعُرقلت الأحزاب الديمقراطية للأغنياء، وتم تصعيد القوى المذهبية والنفخ في وجودها العضوي المتجذر.
وتضافر ذلك مع عجز قوى الإنتاج الليبرالي من التطور، فإمكانياتها للتحول إلى الصناعة الثقيلة كانت محدودة، وتركزت قدراتها الاقتصادية على الصناعات الخفيفة الاستهلاكية المعتمدة على المواد الخام الرخيصة كالقطن والتمور واللؤلؤ وعلى التجارة والريع العقاري الخ..
إن هذه الجذور الاقتصادية غير المعتمدة على الرأسمال الصناعي الكبير والواسع، قد جعلتها تتداخل مع القوى الإقطاعية القوية والكبيرة، فملاك الأراضي والحكام ومؤسسات رجال الدين، كانوا يهيمنون على الفضاء الاجتماعي، ويكرسون نظام الدولة المسيطرة على الاقتصاد، والتي كانت تشجع مختلف أنواع الفكر الشمولي، بحيث أن الأحزاب التي كانت واعدة بإنتاج الليبرالية تراجعت وتصحرت من النضال الديمقراطي الحر!
كان دأب الدول في تلك المرحلة هو خنق التصاعد الليبرالي الديمقراطي، خاصة في مجال الوعي السياسي والفلسفة والدين، فغدت الدول والأحزاب الدينية تعيد المجتمعات للماضي، منعاً للنمو إلى الإمام ورؤية الغرب كمنوذج صالح للتطبيق عربياً وإسلامياً، بحيث يمثل ذلك سحباً لكل امتيازاتها.
وهكذا فإن رصاصة القضاء على الليبرالية جاءت من أعماق هذه الدول، من الجيوش التي تولت الحكم، وكان غريباً أن تقوم المؤسسة الحامية للنظام بتحطيمه، ولكن لكون الأنظمة لم تترك سبلاً حقيقية للتغيير، ولتطوير قوى الإنتاج المتوقفة، ولتوسيع الحريات، فإن الأزمة استفحلت.
فجاءت الأنظمة العسكرية لتضرب الجانبين الحكومي الشمولي السابق، والليبراليات العربية الجنينية. لكن المتضرر الأكبر كان في ذلك هو الليبرالية العربية، فحكومات الجيوش وحكومات الدول العربية المستقلة الأخرى، كرست الشمولية بمختلف صورها، وجاءت الحركات المذهبية الشمولية كتتويج لهذا التراجع، فصار كل ما هو عام اقتصادي أو سياسي أو فكري هو الميهمن على العقول العربية بمختلف أنواعها.
والآن بعد سنوات طويلة من الحرب ضد الليبرالية والديمقراطية، حدثت انتكاسة مضادة، ولكن هذه المرة باتجاه الليبرالية!
لا شك أن الحركات الشمولية الدينية والقومية واليسارية، ستظل هي المنتجة الأكبر لليبرالية، فهي الحاضنة للفئات الوسطى، وقد جربت هذه الحركات الأنظمة الاستبدادية بمختلف أنواعها فكانت نتائجها خطيرة عليها.
وثمة علاقات متباينة بين هذه الحركات والتجارة والصناعة الخاصة، فهي ذات علاقات بالدول أكثر من هذا الاقتصاد، فأغلب منتجيها من الموظفين والمثقفين، ومع نمو المداخيل فيها، وتوسع هذه الفئات الوسطى، فإن أفكار الشمولية القديمة سوف تنحسر، وتدرك أهمية تكون برجوازية تحديثية ذات دور سياسي كبير، في حين ستوجه جانب كبير منها كذلك لليسار، ومساعدة الطبقات العاملة على تلمس طريق النضال المستقل.
وهنا سوف تنشأ ليبرالية إسلامية، وليبرالية قومية وليبرالية يسارية، وكل من هذه الأجنحة المتعددة للبرجوازية المنتظرة، في مرحلة جدية من النمو، ستعمل على العودة بالأحكام الدينية أو النظرات القومية و(اليسارية) على أن تكون تعبيراً عن حراك هذه الفئات نحو الثروة والسلطة.
وبطبيعة الحال ستكون القوى التقليدية في السلطات هي الأقوى، وسيتشكل صراع بينها وبين هذه القوى المتنامية، والتي لحد الآن لا تعرف علاقاتها المشتركة ومنحى التطور الذي يقارب بينها، وهي أمور تعتمد على اتجاهات التطور الاقتصادي في كل بلد، والصراع بين الملكيات العامة والخاصة لوسائل الإنتاج.
7 ــإخفاقُالليبراليةِالعربيةِالأولى
كان ظهورُ الفئاتِ الوسطى في بعض الدول العربية والإسلامية واعداً ومؤثراً خاصة بين فترتي الحربين العالميتين من القرن العشرين، وكان النتاج الفكري الثقافي مهماً ومتجهاً لنقد الثقافة العربية الدينية التقليدية بقوة، وقد ظهرت في هذا الزمن النتاجات الأدبية الرائدة، وصارت مقاربة الغرب الساكن الشمالي لحوض البحر الأبيض المتوسط مسألة وقت، يقول طه حسين:
(التزمنا أمام أوربا أن نذهب مذهبها في الحكم والادارة والتشريع. التزمنا هذا كله أمام أوربا. وهل كان إمضاء معاهدة الاستقلال ومعاهدة إلغاء الامتيازات إلا التزاماً صريحاً قاطعاً أمام العالم المتحضر بأننا نسير سيرة الأوربيين في الحكم والإدارة واالتشريع؟)، مستقبل الثقافة في مصر.
لكن هذا الحماس من طه حسين توارى وعاد مثل العديد من الباحثين للكتابة عن الماضي العربي الإسلامي، وساهم كذلك في نقد ظاهرات التخلف خاصة في الريف لكن التحليل الواسع المعمق للبنى الغربية والعربية لا نعثر عليه عنده. ويتناقض طه حسين مع محمد حسين هيكل في موقفه تماماً، فقد بدأ طه حسين مؤيداً لأحزاب الأقلية ذات التوجه المدعي للحرية، ثم أبتعد عنها وأنضم للوفد، جامعاً بين تأييد الحريات وتغيير حياة الأغلبية الشعبية للأفضل.
الروائي والباحث محمد حسين هيكل يقول:
(وقد حاولت أن أنقل لأبناء لغتي ثقافة الغرب المعنوية وحياته الروحية لنتخذها جمعياًُ هدى ونبراساً، لكنني أدركت بعد لاي إنني أضع البذر في غير منبته، فإذا الأرض تهضمه ثم لا تتمخض عنه ولا تبعث الحياة فيه).
ثمة رؤية تجريدية لثقافة الغرب، ولدوله، وعدم قراءة تاريخية إجتماعية له، فلم يكن بإمكان كل الدول الغربية أن تكون إستعمارية، وقد تمكن بعضُ الدول القليلة من الاستعمار وجعلها ذلك مختلفة السيرورة عن غيرها، وخلق من حكوماتها قوى مهيمنة على الدول المستعَّمرة، ولهذا فإن الحكومات البريطانية قاومت التحرر المصري وجمدت الدستور، وصعّدت الحكومات الدكتاتورية وناوأت حزب الوفد والقوى المناضلة.
في حين إن الثقافة البريطانية فيها جوانب إنسانية مضيئة، وثمة ثقافة رديئة سوداء تُروجُ في البلدان النامية بصور أسرع وتنشر الإدمان والجريمة والروح الاستهلاكية والتبعية، وهذا التنوع في الوضع السياسي والمستوى الثقافي لا يقرأه محمد حسين هيكل فيخلق تعميماً، كما أن النبت الديمقراطي النهضوي لا يتشكل من فراغ ويحتاج لأسس مادية خاصة من قبل ملاك الأرض والصناعة الكبار، وقوى الأحزاب، في تعميق الإصلاحات الاقتصادية، وهو ما لم تفعله نخبُ المُلاك، وبهذا فإن الشعب العادي الذي يعيش في ثقافته التقليدية لا يرى نوراً قادماً من الغرب وتتردى حياته المعيشية ويمضي للثقافة الحادة والغيبية والمغامرات السياسية.
إن محمد حسين هيكل هو عضو في حزب السعديين اليميني المنشق عن حزب الوفد والذي كرس حكومات الأقلية المناوئة للديمقراطية. ولهذا فإن هيكل لم ينتج كتباً تحليلية نقدية للعصرين الراهن والعربي السابق.
لقد تمت العودة للعصر الإسلامي بشكل عام تقديسي عند العديد من المفكرين والمثقفين والعامة، فلم يفرز عصرُ التأسيس التحولي النهضوي الإسلامي إستمراريةً إجتماعية سياسية وهو الذي لم يعش نظاماً إستبدادياً الذي صنعته وكرسته أسرُ الأشراف الاستغلالية فيما بعد، وهي التي كونت النظام الديني الاجتماعي الذي ورثه المسلمون، والتي قامت فيه الفئات الوسطى بمحاولات لمراكمة عناصر المعرفة والنضال دون أن تستطيع تغييره بسبب هامشيتها وطرحها المتناقض الذيلي.
ولم تع الفئاتُ الوسطى التحديثية العربية شروطَ النهضة التحويلية المفقودة في التاريخ العربي الإسلامي، ولم تدرس شروط النهضة الموجودة في التاريخ الغربي الحديث، فليست هي الجمل الشعرية التي يرددها محمد حسين هيكل:(وكم في ماضينا من أرواح قادرة على أن تبعث الحضارة الإسلامية خلقاً جديداً) بل هي التحرر الوطني والصناعة والعلوم والإصلاح الزراعي والثقافة العقلانية النقدية.
وكانت أشكال ثقافية ليبرالية متقدمة في هذا الزمن عبر نقل نموذج الغرب العلمي لكن هذا النقل لا يفيد كثيراً بدون درس وتحليل البُنى العربية التاريخية ونقدها ورؤية كيفية خلق التغييرات التحويلية فيها، فنشر النظريات العلمية أمر مهم ولكن العمل التحويلي للبُنية المتخلفة وتغيير تناقضاتها، وهو أمر يتشابك فيه العمل السياسي والبحث النظري، هو المسار الجوهري.
إن سيطرة الاستيراد الفكري وقوالبه التسريعية على المتنورين والأحزاب قاد إلى تصاعد الشموليات التي أنساقت وراءها الجماهير، ولم تعمل الليبرالية على التنامي التدريجي مع العمل السياسي الإصلاحي والبحث الفكري ومقاومة الشموليات والتسطيح المستورد على مستوى نقل التراث وعلى مستوى جلب الموديلات السياسية من الغرب والشرق.
8 ــمنظرالدكتاتوريةالعربية
لا بد أن يكون في البداية مغروراً متعالياً، محدود الثقافة، يستند لشعارات ميكانيكية سطحية وأن يكون ذا قدرة على الكتابة متوسطة.
ووحدها الصدف التاريخية التي تتيح له فرصة الصعود قرب دكتاتور ذي تطلعات كبيرة في لحظة تاريخية مليئة بالصراعات.
ومنظر الدكتاتورية لا يحفر معرفة، ولا يصدم ثقافة تقليدية، بل يعيش على هذه الثقافة التقليدية المُدمِّرة للأمة، لكنه ينفخُ فيها ويصورها بغير حقيقتها، من أجل أن يكون قرب الدكتاتور السياسي.
النقص في الزعيم السايسي يكمله المنظر الإيديولوجي.
المفكر الحقيقي لا يعيش على المستنقعات السياسية ولا المجاري ولا يستغل انتفاخ الدكتاتور ونقص معرفته، لكن الكاتب الزائف يجد من عقدة نقصه، ومن تفاهة منبته، ومن جلافة إخلاقه، خصالاً تعينه على التسلق.
أي دكتاتور عربي يصعد يعرقل عادة مشروعات الديمقراطية الحقيقية المتصاعدة في المجتمع، ويطرح دعاو شتى للخروج عن الديمقراطية والحداثة، وأن تكون السلطات بين يديه.
وهو لا يستطيع أن يبرر ذلك ويقنع الناس، بل يلجأ للمثقف الاحتيالي، والذي يمتلك بعض المهارات في الكتابة.
هكذا كان صعود الحركات والحكومات الشمولية العربية بحاجة لأقلام تسوقها، ولابد أن يكون ذلك عبر دغدغة مشاعر العامة، باستخدام أساليب بيانية متوسطة عموماً، ليست بها ذرى من المعرفة والأدب والحكمة، وليست مجارية لكنوز الثقافة الإنسانية، بل ترتكز على التحليلات السطحية، والقضايا الحادة التي تمر بها الأمة كالاستعمار والسيطرة الصهيونية ومقارنات الفقر والغنى، ولا يمكن الخروج منها لتحليلات معمقة للبنى الاقتصادية للغرب أو للحياة العربية ماضياً وحاضراً، وقراءة تاريخ العالم والحركات، بل يتم الاعتماد على الإنشائية العاطفية مثل:
الاستعمار يدمرنا ويسحق بلداننا والصهيونية الغاصبة العدوانية تغزو ديارنا والحكومات العربية تساعدها الخ.. ومثل هذه العبارات التي لم تتغير خلال عقود.
و في هذا الوعي ليس ثمة فرق بين الاستعمار أيام العدوان الثلاثي وسياسة الحكومات الغربية هذه الأيام، ولا فرق في الحكومات العربية بين تلك الأيام الخمسينية وهذه الأيام، فالجوهر العربي الذي هو خارج التاريخ عبر تصوره يتعرض للتدنيس، ويحتاج لدكتاتور يرفعه من الحضيص إلى ذروة المجد.
الكتبة الصغار يظلون في المرجعيات الصغيرة لكن المنظر الذي له بعض الموهبة يحول ذلك إلى فلسفة فيقول أن الزعيم لا يحتاج إلى دستور يقيده، فهو صانع الثورة، إنه فوق القانون أو القانون الأساسي أو الدستور وهي كلها مسميات واحدة فيصبح هو مصدر السلطات، مثل ما يدور الآن حول الولي الفقيه لا بد أن تعلو إرادته على مؤسسات المجتمع.
يقوم المنظر بتبرير الدكتاتورية على المستوى السياسي العام، ويقوم الكتبة بتنظيرها على مستوى الأحداث الصغيرة والمقالات اليومية، وبخلاف الكتبة ينهض المفكر لتحليل القضايا الكبرى، وصراع الأمم والتصدي للهيمنات، فيرى الأمة العربية ماضياً وحاضراً بنفس اللون، ويرى في الزعيم فرداً اعتلى فوق تضاريس التاريخ وتوحد بالرسالات وذاب عنصره في أهداف الأمة، وإذا كان الزعيم ينتمي لجماعة عسكرية، أو جماعة مدنية أو عصبة عشائرية، وضعَ هذه الجماعات الصغيرة في لحظة مقدسة من تاريخ الأمة، فهي قد تلاقت مع القيم والرسالات الربانية، أو احتوت على عناصر فريدة قلما تجتمع في أية لحظة من لحظات التاريخ، أو أنها انفجرت بعطائها في تجربة خالدة من تجارب الجماعة الإسلامية، أو أنها احتوت على الجوهر العمالي المطلق، أو كانت تتويجاً لولادات طاهرة وغير هذا من السفاسف.
غالباً ما يلتقي غرور المنظر بغرور القائد، إن تصوير الزعيم السياسي كرجل خارق للقانون البشري، يقصد به إنه خارق للدستور أو مواد العقوبات وغيرها من الأشياء المفهومة الواقعية، ولهذا فإن المنظر ذا الأصل المتواضع يريد أن يخرق قانون التطور الاجتماعي وقانون الرواتب والعلاوات.
تجري خلق إستثنائيات للبطل المعبود ولخارقي الدساتير والقوانين، مثلما تكون الأمة العربية أو الأمم الإسلامية في رأيهم خارجة عن القوانين التاريخية والسياسية، فلا الحدود ولا الحروب التي يشنها الدكتاتور ولا السياسات العقيمة ولا التبذير ولا الجمود، بقادرة على إقناع المفكر والكتبة على أن الزعيم المطلق منقذ الأمة هي خرافة من صنعهم، وأن الزعيم المنقذ كان دائماً في نظام ديمقراطي شعبي، هو الذي يكرس زعامته وحبه بين الناس.
ودائماً الانتصارات تأتي من وجود تلك الديمقراطية وثمة فرق بين حروب وطنية خاضها النظام دفاعاً عن شعبه وشاركته الجماهير فيها وبين حروب الغزو والتدخلات في البلدان الأخرى ومحاولة تشكيل إمبراطورية لاتفشل فقط بل تجلب الخراب لتجربة النظام.
وكما ينتزع المنظر البطل المعبود من تاريخيته.
9 ــالثوراتُالعربيةالإسلاميةإلىالوراء
بخلاف الثورات الأوربية الحديثة فإن الثورات العربية الإسلامية تعودُ للوراء دائماً. لقد كان هذا حال التحولات الأوربية نفسها، في العصر الوسيط، خاصة حين استولت القبائلُ الجرمانيةُ على روما لتبدأ هذا العصر الديني المتخلف.
وبعدها وفي العصر الحديث راحتْ المدنُ الغربيةُ تصيغُ التحولات السياسية بشكل عام، نحو الحداثة.
لكن العربَ والمسلمين لم تُتحْ لهم سيادة المدن إلا في عصرهم الديني التحديثي السابق، فمكة والمدينة ودمشق وبغداد وقرطبة قادتْ التحولات النهضوية، وعجزتْ البوادي في قممِ النهضةِ أن تقتحمَ هذه المدنَ لتطبعها بطابعها الأقل تطوراً. وحين فعلتْ ذلك بعد أن تدهورتْ العواصمُ وقوى النهضة فيها، حلَّ بالعربِ والمسلمين التخلفُ، وواصلت البوادي والأرياف التأثيرَ في المدن بفضل ذلك وحتى يومنا هذا.
ثورةُ الضباط الأحرار في مصر والثورة الدينية في إيران نموذجان لفعلِ الأريافِ وقيامها بإعادةِ المدن للوراء. ولكن ليس للوراء الكلي التام بل في جوانب معينة كبيرة ومهمة.
كانت مقاييسُ الثورة المصرية الناصرية أقلُ حداثةً من العهد الملكي الذي كان تطوراً طويلاً لتراكم الليبرالية وسط نظام ملكي إقطاعي، فتراكمت إنجازاتُ الحداثة الغربية في مصر عبر قرن، من تشكل الصحافة الحرة والأدب والبرلمان وحرية النساء، فجاءتْ الثورةُ لتعيدَ الأمورَ إلى الوراء في العديدِ من هذه النواحي، فتفاقمتْ هينمةُ الذكورة وغابت حرية الصحافة وتحول البرلمان إلى أداة للعسكر، فكان الضباط الأحرار ينقلون تقاليد الريف إلى المدينة المسيطرة على الشعب.
لكن هذا النقلَ للمحافظةِ القرويةِ ولفرضِها على حياةِ المدن المصرية المتقدمة، كان يتشكلُ في موقفٍ سياسي معادٍ للسيطرة الاستعمارية الغربية ومن أجل تحرر الشعب، وبشكلٍ متوترٍ عنيف، يعكس قلق القيادة وفوقيتها وعدم تجذرها في هذا النضال السياسي نظراً لروحها العسكرية الإنضباطية البيروقراطية، وإستخدامها أدوات التحولات لنشر إيديولوجية الحياة القروية، حيث الكل في واحد، وحيث الأب الراعي للقطيع الشعبي، وهي أمورٌ تعكس الخوف من التحولات الرأسمالية الديمقراطية المُفكِّكة لهذه الأبوية والقطيعية، وتأتي (الإشتراكية) إستكمالاً لهذه الهيمنة الأبوية والعسكرية والبيروقراطية.
تتشكلُ إذن رأسماليةٌ حكوميةٌ بقيمٍ ريفية محافظة، وتُدخلُ كذلك أفكاراً ثورية وعصرية، جزئية، في ظل هذه المنظومة.
ولهذا نرى ثورة الخميني مثالاً آخر لهذا النموذج الريفي المهيمن على المدن، وكيف أقام المحافظون القرويون هيمنةً على المدينة الحديثة، وإرجعوها للوراءِ عقوداً، ولكن نظام الشاه كان مغايراً للنظام الملكي المصري التحديثي، الليبرالي، ورغم ذلك كان متفوقاً على النظام الديني القروي الذي أقامهُ المذهبيون السياسيون الشيعة في إيران، نظراً لكونهم أقل تطوراً وحداثة من الضباط المصريين، كما أنهم أنشأوا نظاماً دكتاتورياً واسعاً تسندهُ منظماتٌ جماهيرية مغسولة الدماغ، مما جعل دكتاتورية العسكر في إيران أقل تطويراً للمنطقة، وإلى قيامها بإرجاعها لحروب طائفية وإنقسامات للمسلمين شديدة التخلف والحماقة.
لقد كان الارتدادُ يحملُ بصمةَ العداء للاستعمار والملكية المطلقة، وشعارات تحرير الشعب وإستقلاله، وقد تحقق شيءٌ من ذلك، وبُنيت مؤسساتٌ كبيرة للرأسمالية الحكومية بتوجه عسكري غالب، ودُعمت حياة جمهور كبير من الفقراء، ومن خلال إرتداد ماضوي، معادٍ لأشكال التحديث، وشكلهُ رجالُ دينٍ أنقطعَ أغلبُهم عن العصر.
ونلاحظ نفس القلق والارتباك للقيادة السياسية الإيرانية في بداية الثورة، حيث لم تتوافر لديها أي تقاليد نضالية سياسية شعبية، ومن ذلك خرق القانون الدولي والأعتداء على السفارات، وسيادة الأرهاب والتصفيات الدموية.
هكذا جلبتْ قوى الإقطاع في الريف والجماعات البرجوازية الصغيرة من الضباط القرويين، علاقاتٍ متخلفةً إلى المدن، ولم تستوعبْ علاقات التمدن، ولا الإرثَ الليبرالي الديمقراطي، وفرضتْ مستواها السياسي المحدود، لكن المدن بعد عقود لم تعد قادرة على التحمل فبحثت عن وسائل التغيير حسب مستوى كل بلد وقدراته الاجتماعية.
10 ــالعربوالقومياتالأخرى
نحن نعاني من أبنية إجتماعية تشكلت لأسبابٍ مركبة وإستمرت لقرون، وتغييرها يحتاج لوقت ولإنتاج وعي ديمقراطي عربي، وقومي متعدد، وإنساني.
القبائلُ العربيةُ التي أسستْ البلدانَ العربية المختلفة وساهمتْ في تشكيل تاريخ المسلمين وهم القوميات الأخرى، توحدتْ وتصارعتْ وتمازجت مع الشعوب القديمة.
الشكلُ الإمبراطوري ذاته الموروث كان لا بد أن يتكون من خلال أدوات التحكم المختلفة: الجيوش، والمذهب، والخلافة. وهي عناصرٌ تشكلُ طبقات صغيرة فوقية من الصين حتى أفريقيا.
حين نرى ألوانَ الخريطة الأرضية نجد بلادَ المسلمين باللون الأصفر الغالب، وهو لون الصحارى التي إنبثقوا منها وتشكلت علاقاتُهم الأبويةُ الأساسيةُ المضطردة فيها.
فيما أن اللونَ الأخضرَ قليلٌ وهو لونُ المناطق الزراعية، والتي مثلتْ ألواناً أخرى لقوميات وأديان ومذاهب مختلفة ومتداخلة مع اللون الأساسي.
في كل تاريخهم لم تتشكل علاقات ديمقراطية بين الحكام والمحكومين، بين الطبقات السائدة والمسودة، بين القومية المسيطرة والقوميات المُسيَّطر عليها، وبين جنس الذكور الغالب وجنس النساء المغلوب على أمره.
جملةٌ من العلاقات الاجتماعية تحتاج إلى تحويل، وكلها تتداخل وتتأزم وتتفجر، وهي تتكون في ظل القوميات العربية والتركية والكردية والفارسية والأفريقية والأمازيغ وغيرها وهي في حالات تبعية للقوى المهيمنة عالمياً كذلك.
كما تتفجر في ذات الوقت قضايا الأديان والمذاهب نظراً لأنها كغيرها لم تُحل خلال القرون السابقة، وهي أيضاً تدخلُ في صراعاتِ القوميات والهيمنات الغربية والشرقية المختلفة.
جملة من التداخلات الصراعية والقوى السياسية تتخذ مواقفها بأشكال متعددة وغالبيتها تجري نحو مصالح جماعاتها السائدة الراهنة، والحلول الجذرية مؤجلة.
لكن لا بد من سل مختلف الخيوط الملونة المتداخلة من تشابكها، فكلُ بنية عربية لها تاريخها الخاص ضمن ذلك العام السابق ذكره، وكل بُنية لها صراعاتها وسماتها وقومياتها المتداخلة ونمو طوائفها الخاص، فلا بد من حل مشكلات كل بنية حسب تطورها الديمقراطي العام، وهو أمر تقوم به القوى الاجتماعية والسياسية في كل بلد.
إن فك إرتباط القوميات والأديان والطبقات بأجهزة الدول المطلقة هو الحل العام الذي ينبغي أن يجري حسب التطور الديمقراطي لكل بلد.
وليس من المعقول أن تضطهد ديانة مثل الديانة المسيحية في مصر كما جرى خلال قرون سابقة، وليسن من المعقول أن تتغلغل الثورة الديمقراطية الراهنة في مصر لمثل هذه الجذور التاريخية بالفهم والتصحيح، دون أن تتحول مثل هذه الصراعات الدينية إلى عرقلة للتطور السياسي للمواطنين الذين يجب أن يكونوا مواطنين أمام القانون وليس مسلمين أو مسيحيين.
إن وضع الأمازيغ في شمال أفريقيا حيث هم مواطنون من الدرجة الثانية هو مرفوض كذلك، وهنا تلعب الجذور القومية لا الدينية كأسباب للتمايز الاجتماعي بين المواطنين.
كل العلاقات الدينية والقومية يسودها هذا، وهي من الممكن أن تُختطفَ وتُجير ليس لصالح تطورها الديمقراطي، عبر تفكيك الدول الوطنية ذات المذاهب الإسلامية المتعددة والدول القومية ذات القوميات العربية وغير العربية المختلفة.
إن الجماعات السائدة أغلبها غير ديمقراطي ويريد إستغلال أية علاقة متجذرة قديمة أو تحولات راهنة من أجل الفوائد السياسية السريعة.
لكن أية تحولات تمزيقية للخرائط السياسية للدول وراءها كوارث وحروب، والمسار الحقيقي هو نشر ثقافة ديمقراطية بين الجماعات السياسية والجمهور، ثقافة ديمقراطية علمانية إنسانية توجه أنظار الشعوب نحو مصالحها المشتركة وبرامج حياتها الاقتصادية الاجتماعية، بدلاً من النفخ وتسعير الخلافات القومية والمذهبية والدينية.
هناك جماعات كثيرة تستفيد من جذور الماضي ومشكلاته من أجل حراكها السياسي الإنتهازي، ولم تفعل على مدى سنوات لنشر ثقافة ديمقراطية وطنية، وتعمل على إصلاح أحوال الجماهير الشعبية التي عانت وتعاني قضايا الفقر والبطالة والتهميش من قبل المراكز، ولكن التعجيل وسلق التطور والركوب على أكتاف الجمهور المعوز لن ينتج لهذه القوى أي سلام وتقدم قادمين.
مسائلُ الأديانِ والمذاهب وما يرتبطُ بها من أحوال شخصية ومسائل عبادة يجب أن تُبعد عن الحياة السياسية، وخلق الحاجز بينهما مسألة تحتاج لسنوات طويلة، تشتغل فيها قوانين ودراسات ونشر وعي دائب وبعيد المدى.
إن التسرع في تفكيك الدول والخرائط السياسية وخلق الأقاليم المنفصلة، هو رد فعل لعصر سابق من الشموليات، والبديل هو نشؤ الأمم الحرة المتعاونة، بأن تقبل كل أمة بحرية الأمة الأخرى، مثلما هي منظومات الدول الديمقراطية الحديثة حيث ينشأ تعاون خلاق، بدلاً من قيام كل شعب بمنع تطور لشعب آخر، ويتم كتم أمم تتوق للحرية.
وهذا أمر لا يحدث إلا في أنظمة التعصب والمغامرات والتحكم القسري بالشعوب.
لكن هذه الصورة المثالية تحتاج لنضالات طويلة ومعرفة واسعة لدى جماهير الشعوب في المنطقة يمنع جنون الأنزلاق للحروب والصراعات.
11 ــالعربُأمةٌغيرُمركزية
عرفتْ القبائلُ العربيةُ نظامَ الحكمِ المركزي منذ بدء الإسلام وفيه عرفت الشمولية السياسية المركزية وكذلك تنامتْ عملياتُ التنوعِ الاجتماعية والفكرية والثقافية، وازدهرتْ مع توسع الفئات الوسطى وقوى الإنتاج البشرية، وفي ذلك الحين تجمعتْ أممٌ عديدةٌ وكان للعرب كقبائل هيمنة على المركز ثم على بعض الدول المستقلة.
إن عمليةَ المركزيةَ الشديدة إستمرتْ عدة قرون لكن لم تستطعْ أن تصهرَ القوى الاجتماعية ذاتِ الأصول القومية المختلفة، بسبب أسلوب الإنتاج الإقطاعي الذي وجه الخراجَ للاستهلاكِ البذخي الواسع لدولةِ الخلافة وغيّبَ الخيرات عن المنتجين.
فعرف العربُ بعد ذلك التفككَ والدولَ المختلفة وفي كل دولةٍ كانت هيمنة، لكن العربَ لم يعرفوا الدولة المركزية، مثلهم مثل بعض الشعوب كالهنود، الذين أتاح لهم عدم وجود مركز مهيمن حاد على مر التاريخ من القفزِ لنهضةٍ هائلة بدون تضحياتٍ جسام وحروب.
لهذا يمكن أن نرجعَ تكرارية وجمود التاريخ المصري القديم بوجود المركز المستمر، والذي كانت تعصفُ به ثورةٌ فيتغير من دولةٍ قديمة لدولةٍ وسطى وإلى دولة حديثة، لكن مشابهة النسخ الشمولية لم تنتجْ منه حضارة مستمرة.
كان تفككُ العربِ وظهورُ دولٍ عديدة بدا كلعنة وأنهم أمة لم تحقق المركزية والوحدة القومية، في حين أن النماذجَ المركزيةَ الموحَّدة كالألمان والروس والصينيين واليابانيين أنتجت دولاً كبرى ناهضة بقوة.
لكن من جهة أخرى نرى الثمن الباهض الذي دفعتهُ هذه الشعوبُ في عملياتِ الوحدةِ خاصةً في تضحيات الثورة والعنف والقهر في أثناء التوحيد والحروب، كما أن نجد أن التواريخ الشمولية فيها صهرتْ السكانَ كقوالب حديدية، وأن الهيئات البوليسية والعسكرية والبيروقراطية التي وقفت فوق روؤسها تبلغ الملايين، وأن السكان تحولوا لنمط، ولقالب نفعي كإستنساخٍ لآلة.
وحين تقرأُ الفكرَ والأدب الألمانيين بعد التصنيع لا تشعر بقوى التنوع النفسي المتوهج، والذوات العميقة، وإنهارت الثقافةُ الإنسانيةُ الرفيعة للروس بعد القبضة الحديدية الطويلة.
الثورات العربية العظيمة لم تُعرف من قبل بشرياً بهذا الزخم، ولم نجد هذه الملاحم الهادرة السلمية المزعزعة للقهر. فكيف لأمةٍ ممزقةٍ ولشعوبٍ ضعيفة أن تعلم الإنسانية هذه الملاحم؟!
رغم سلبيات التبعثر والتفكك القوميين العربيين وهي كثيرة مثل غياب العلاقات الاقتصادية العربية البينية الواسعة، وضياع فرص المشروعات المشتركة الكبرى وتدفق لفوائض مالية عربية هائلة للغرب، رغم هذه السلبيات الفظيعة إلا أن ثمة إيجابيات من تعددية الدول العربية وأهمها نشؤ تعدديات فكرية وسياسية راحت تغتني من ثمار الديمقراطية الإنسانية ولم يعد بإمكان أية دولة أن تفرض صيغتها السياسية الواحدية، وحدث تدفق معرفي ثقافي هائل لدى الجمهور العربي الطليعي على مدى عقود، ومع الثورة التقنية المعلوماتية فإن الشباب العربي إستوعب زخماً ديمقراطياً هائلاً، ولم تستطع الشموليات الألمانية الهتلرية والستالينية والماوية والرجعية والآن النسخة الدكتاتورية الإيرانية أن تُطبقَ على أعناق العرب.
لم يكن المتأثرون بالتجربة الشمولية الفاشية الإيرانية يعرفون أنهم ينقلون تجربةً غيرَ عربية إلى بعض الدول العربية، وأنه ليست عوامل سطحية سوف تهزمهم بل القوانينُ العميقةُ للثقافة العربية السياسية المتجذرة في أمةِ التعدد والاختلاف الديمقراطيين، والتي لم يتشربوا بها في أرواحهم وظلوا محبوسين في قمقمِ الهوسِ القومي الإيراني في نسختهِ الطائفية الأكثر خطورة. لقد أخطأوا على صعيدين قومي ووطني، فلم يكونوا جزءً من القومية العربية، ولم يتغلغلوا في الوطنية العراقية والوطنية البحرينية والوطنية اللبنانية وغيرها.
فروقٌ كبيرةٌ بين مذاهب التباين والتعددية والتسامح وبين صيغ الشمولية الباترة، ونمو التجارب الديمقراطية العربية الراهنة سيظل تغذيه القوانينُ الاجتماعيةُ الغائرة في هذه الأمة وشعوبها المتعددة، وهزيمة القوى الشمولية المذهبية والقومية واليسارية ضرورية لكي يثروا هذه التجارب ويتحولوا إلى نسيجٍ فيها يتغذى بالوعي المدركِ لأخطائه ويتجاوز نسخ التبعية الشمولية، نحو أمةٍ مستقلةٍ تحديثية ديمقراطية ودولٍ مستقلةٍ متنوعةٍ متعاونة بعمق فيها.
12 ــالعولمةُوالسيطرةُعلىالثوراتِالعربية
طُرحت أسئلةٌ جوهريةٌ حول مدى إنزلاق الثورات العربية نحو الهيمنة الغربية مجدداً، وهل ستكون الدول التي نجحت والتي سوف تنجح خاصة سوريا تتوجه للتبعية مجدداً عبر يافطات أخرى؟
أُثيرتْ هذه التساؤلات خاصة على التجربة السورية التي تعيشُ مخاضاً مريراً بسبب الهجمات الرهيبة للعصابة الحاكمة في دمشق والتي إستباحتْ كلَ شيءٍ في ظل عجز عربي وعجز دولي مخيفين.
وتُطرحُ هذه الأسئلة الوجيهة خاصة في ظل قيام الدول الغربية الكبرى بمساندة هذه الثورات، وتلكؤ الدول الرأسمالية الشرقية غير الديمقراطية في هذه المساندة وحسابها للربح والخسارة الاقتصاديين بشكل شحيح والزمن ينمو فوق الجثث والمقابر والمدن المحروقة.
ومن الواضح إن أنماط الأنظمة التي إنهارت أو في سبيلها للانهيار تتشابه مع الدول الشرقية الأخرى الاستبدادية، وتظل هيمنات الرأسماليات الحكومية هي أبرز مظاهرها مع إنبثاق قطاعاتٍ خاصة من أجواف هذه الكيانات الاقتصادية السياسية، وبالتالي فإن النمط العام للرأسمالية الحكومية المسيطرة على الاقتصاديات هو الذي يتعرض للأخطار، وأن نمط الاقتصاد الرأسمالي(الحر) أو الخاص هو الكاسب، وبالتالي فإن خسائر الرأسماليات الحكومية الشرقية من إنهيار التعاقدات في ظل الأسواق السوداء الحكومية الشرقية، سوف تكون عالية للقطاعات البيروقراطية السياسية، في حين أن الشركات الغربية سوف تجد أمكنة فارغة في هذه الأسواق الجديدة!
كذلك فإن توغل نمط الرأسمالية الحرة بما ينمو فيه من تداولية سلطة وصحافة حرة وثقافة ديمقراطية سوف يهدد مصائر الرأسماليات الشرقية الشمولية الكبرى في قارة آسيا خاصة!
إن العولمة ليست شيئاً مجرداً بقدر ما هي صراعات وتداخلات بين هذين النمطين من الرأسمالية اللذين يعكسان مستويين من التطور الاقتصادي الاجتماعي العالمي.
وبقدر ما أخذت القوى البيروقراطية الشرقية الثورات كأساس لنشوئها وخداعها للكادحين الشرقيين وحين وقفتْ عملاقةً ظهرتْ مضامينُها وحولتْ حياتهم إلى عواصف ورثاثٍ إجتماعي يتشرد ويبيعُ قوى عمله بين الدول والقارات، وصيرتْ نساءَهم وأطفالهم مواداً للبيع في الأسواق العالمية، بقدر ما حدث هذا كله فإن الثورات العربية جاءتْ لتحذر هذه الدول الكبرى من مغبةِ الاستمرار في تجاهل حقوق العاملين المهملين من قبل قوى رأس المال الحاكم عبر هذه العقود الطويلة من الانقلاب على القيم والمبادئ الأولى.
والأفظع حين تحولت نماذج من هذه الثورات السرقات عربياً إلى أنظمة ذبح للشعوب وحولت جيوشها الجرارة من جبهات الحدود إلى منازل المواطنين!
وهكذا فإن نمطَ الثورة التي أكلتْ أبناءها بغياب أدوات الديمقراطية لم تعد نموذجاً والتي أعتمدت العنف والتبشير الطبقي الرنان الأجوف، وعلامات الأنتماء الزائف للكادحين، لم تعدْ مقبولةً لدى هذه الجماهير العربية البسيطة والتي طرحت نموذج النضال السلمي والديمقراطية وتداول السلطة وتحرير الاقتصاد من الهيمنات والشفافية.
إنه النموذج الذي جمع اليسار واليمين، الدينيين والعلمانيين، ولا يزال في منطقة برامجية لم تتعمق حتى الآن ولكن أسسها الجديدة واضحة للعيان إلا لمن سُلبتْ منهم أدواتُ الرؤيةِ بفضل نظاراتٍ سوداء قديمة لم تعد تميز المرئيات والأنوار والظلمات.
إن مخاطر تغلغل رأس المال الأجنبي بصور إستغلالية موجودة، ولكن صعود أدوات الديمقراطية من رقابة وصحافة ومنظمات نقابية وحزبية عريقة في كشف ذلك والصراع ضده، وتمييزه عن الجوانب المفيدة للاقتصاديات والعلاقات العالمية التعاونية، هذه كلها لن تمكن أية قوى بيروقراطية وحزبية جديدة من التلاعب بالأموال العامة.
إن المضمون العميق البعيد للثورات العربية هو أن أجزاءً من أمةٍ كبيرة هي الأمة العربية تنضمُ للاقتصاديات الكبرى وتتوجه لتكوين تجربة إقتصادية عملاقة أخرى، عبر التعددية وإعادة تشكيل الهياكل التقليدية في الاقتصاد والثقافة والعلاقات القومية والعالمية.
ولهذا فهي في حالةِ الانضمامِ الواسع للعولمة تناضل ضد أشكالها المستلِبة لكيانِها وخصوصياتها، وتقدمها المستقل المميز، عبر التعاون القومي والتعدد الوطني، وهي حالات ستبقى مثالية ونموذجية بدون تكريس من قبل القوى القومية والتقدمية العربية.
ولهذا فإن ما تطرحهُ القوى الوطنية السورية في نضالها الصعب وغير المتكافئ مع آلة القمع الحكومية الرهيبة ومجازرها اليومية لا يتناقض مع هذا، أي لا يتناقض مع ما تدعوه إليه من سلمية وديمقراطية ومن ضرورة إسقاط نظام لم يعد عربياً سورياً وبشرياً، وهي لم تجد العون والحماية الدولية بعد.
لكن كيف ستترتب هذه الحماية وكيف سيمد المجتمعُ الدولي يدَ المساعدة فإن هذا يرجع لقرارات الشعب نفسه والذي يعبر من خلال صوته الموحَّد ومن خلال المجلس الوطني الممثل له.
ليس هناك إنخراط عربي ذائب في العولمة مع تصاعد الإدارات الديمقراطية الوطنية لكل شعب عربي، بل الذوبان يأتي من تكريس الشموليات وسرقة أموال الناس بحجج الممانعة، والتعامل مع الشركات من تحت عيون الشعوب.
13 ــالمذهبيونالسياسيونومرحلةُهدمِالدولالعربية
تواجه الدول العربية مرحلةً مصيرية من تاريخها الاجتماعي المعقد، فهي بين منعطف الديمقراطية التحديثي التحولي الكبير وبين تفكك أطرها وهدم كياناتها.
تاريخٌ طويل وهذه الدول لم تبن على أسس حديثة، بل على رحيل القبائل والفتوحات القديمة والحروب والتدخلات الأجنبية.
وخلال قرون الجمود بقيت الهياكل الاقتصادية الاجتماعية التقليدية حيث المدن الرئيسية في إنفصال وتضاد عميق مع البوادي والأرياف، وإلى مدى قريب كانت تقرر الشؤون العامة بشكل كلي.
مع سيادة المذاهب الواحدة نقرأ شيئاً من وحدة النسيج، فعلى الرغم من الشموليات والإضطرابات والثورات في بعض شمال دول أفريقيا لكنها حافظت على هياكلها السياسية الموحدة، إلا أنه كلما اقتربنا من المشرق العربي الإسلامي تصاعدت عمليات التفكك، بدءً من مصر والسودان، فتباين الأديان يظهر كعامل إنقسامي خطير في كيانات الدول.
حياةُ الدولِ العربية على أسسٍ دينية كانت تسمى سيطرة(الملة)تعبيراً عن عدم الاعتراف بالأديان الأخرى والقوميات والمذاهب المختلفة، حيث لعبت سيطرةُ الأفكارِ الدينية دور بناء الهياكل السياسية الاجتماعية. وبجعل المذاهب والأديان المغايرة مقصيةً عن المراكز السياسية المهيمنة، ومرفوض التعاطي معها، وتقدير أصحابها، ولهذا فهم في عزلة وموانع جغرافية كما يحدث للدروز والمسيحيين والإسماعيليين والعلويين في لبنان وسوريا وفي اليمن والجزيرة العربية حيث لا تحميهم الدول والقوانين بل مظاهر الطبيعة الجبلية الجبارة.
فتعبر الهواتُ الطبيعية بين السكان عن الهوات السياسية المسيطرة.
ثقافةٌ سياسيةٌ إجتماعيةٌ كانت مؤسسةً على الملة الوحيدة وغيرها خارج الاستقامة والكينونة، مثلما يحدث في إيران وإفغانستان حيث الملة الوحيدة لكن بشكلٍ مغاير، والطوائفُ والقوميات الأخرى كالأكراد والبلوش والعرب على ذرا المرتفعات والجبال، وفي السودان كانت الغابات المدارية هي الأم الحامية.
وقد عجزت قوى التحديث خلال القرنين التاسع عشر والعشرين عن تغيير هذا الطابع الاجتماعي السياسي الطبيعي المتداخل، فمستوى قوى الإنتاج والعلوم لم يتح سوى البقاء في الحِرف وإنتزاعِ المواد الخام بوسائل بدائية أو بأشكال صناعية محدودة الأعداد السكانية ومتدنية المستوى، وهذه هي الحدود التي سوف تتفجر عليها بعضُ الصراعات السياسية وتتغير حدود الدول عليها كلما تعمقت الصراعات الاجتماعي لابسةً ألبسة المذاب والأديان ومحاولة تغيير الخريطة الجغرافية – السياسية، أو تمزيقها في حالة التوغل في الانفصال وظهور قوى مستفيدة متجذرة في تغييبها للمشترك والتوحد.
كذلك فإن السياسات المقامة على هذا المستوى الإنتاجي تجسد تركيز الثروات والهياكل الإدارية في بقع جغرافية صغيرة وفي نخب إجتماعية صغيرة هي الأخرى.
أما التحول العميق للبنى الاجتماعية وتوزيع التنمية على مستوى الخرائط الوطنية والطبقات السكانية فهو غير ممكن بسبب تلك النخب وهيمنتها على رأسماليات الدول المحصورة التي تتطلب مرحلة جديدة من رأسمالية الازدهار الوطني الشامل وهي بذاتها مشكلة لكن لها حلول مؤقتة في الديمقراطية، وهو ما أدى إلى أن يتم التركيز على نقد سياسات العواصم، والتي تجري حسب طبيعة القوى الاجتماعية المتكونة في تلك الدول في مراحلها المختلفة، والتي تعبرُ ليس عن إعادة النظر في الرؤية النخبوية المذهبية الدينية المحافظة، بل تطبيقها من خلال قوى معاكسة لها في المذهبية الدينية فقط.
فرؤيةُ (الملل) الدينيةِ المحافظةِ الشكلانية تجسدُ نفس الهياكل السياسية الاجتماعية من مواقع طبيعيةٍ مغايرة؛ من خلال الجبال حيث تدور ربما حروب العصابات، أو حيث تُستقل وتُعزل المناطق الريفية والجبلية والغابية، ومن هنا إزدهار الكهوف والرؤى الكهفية الظلامية وأمراء الحروب، لكن هذه المرحلة تعمقتْ عبر المرحلة الراهنة، حيث لم تعد عمليات التمرد والاستقلال الجغرافية كافية بل ظهرت سياسات الانفصال وتكوين دول تفكك الدول السابقة، أو تغدو دولاً واحدة لكن منفصمة عبر حكومات متصارعة وليست كإتلاف وكونفدرالية تصعيدية للنهضة وتراكم الجهود، أي تشتغل على تحطيم الهيكل الموحَّد، عبر نفس الرؤى المللية العتيقة.
وقد قامت بها قوى وعدت الناس بتحولات كبيرة، لكن النصوص الدينية مُغيَّبة الحفر في الواقع، لا ترتكز على قراءة البنى الاجتماعية وقوانينها، وترتكز على مطامع باستيلاء جماعات نخبوية جديدة على الثروات، وهذا يحدث خاصة في مناطق النفط، ومن هنا تتفجر مسائلُ الحدود والطوائف والأديان في الخليج والجزيرة العربية وجنوب السودان.
وهكذا يغدو الصراع العربي الإيراني مفككاً أمماً كبيرة بسبب محاولات تقسيم حدود الدول وتغيير هياكلها وإعادة الاستيلاء على ثروات النفط.
14 ــالطابعالدينيللحراكالعربي
مهما كانت الشعارات الأولى تحديثية فإن البناء الاجتماعي العربي ذو طابع ديني صارم، لكن لحظات الفقه السني المُسيَّس هي غير لحظات الإثناعشرية في الزمن الإيراني، ففي الأخيرة حدث خطف المذهب الإثناعشري بسبب تصاعد دكتاتورية الشاه ثم دكتاتورية الولي الفقيه.
كان المذهبُ عبر العصر السابق تعددياً ذا مرجعيات متنوعة تتيح تعددية الأحكام والتفاسير والاجتهادات، ورغم تمركز السلطة الدينية في مرشدٍ لكنها أتاحت الإختلاف الفقهي والتباين السياسي.
جاءتْ ولايةُ الفقيهِ بعد تصاعد الدكتاتورية الاقتصادية السياسية في أجهزة الشاه، وغدا للفرس مؤسسات شمولية معبرة عن هيمنتهم القومية على الشعوب التابعة لهم في ظل إيران، فكانت ولايةُ الفقيهِ نقلةً أخرى في هذه المركزية السياسية الاقتصادية، فجعلت المذهبَ المتعدد التفاسير شمولياً في توجهه السياسي، وأعطت لقوةٍ واحدة كلَ السلطات الفقهية والسياسية والعسكرية والاجتماعية، فتمددت في الداخل الإيراني وفي العالم الإسلامي.
فيما تواجه المذاهبُ السنية لحظات مختلفة، فقد تصاعد دورها السياسي في وقت تفكك الرأسماليات الحكومية ذات القبضات العسكرية والبوليسية الشديدة، فكان بعضها هو الذي يطالب بالحريات العامة وزوال الاستبداد ووضع حد لهيمنات الدول على الاقتصاد.
هذا الافتراق عن اللحظة الإيرانية هام ولكنه ليس كل شيء، فأبنيةُ الدولِ والمجتمعات شمولية، والشعوبُ ذاتها شمولية، تحّجم الحريات داخل البيوت وفي العقول وفي الإرادات الفردية، وتأتي المذاهبُ بإرثٍ شمولي في الفقه، وتباين في التعابير السياسية وإضطراب في المناهج الفلسفية.
وعملياتُ تفكيكِ إرتباط المنظمات الدينية بالعمل السياسي ليس قوياً، فتحويل الجماعة إلى أحزاب مدنية ذات طابع شكلي، فهي تعتمد في سيطرتها السياسية على أشكال متخلفة من العلاقات الاجتماعية، عبر إلصاق دور العبادة بالمؤسسة السياسية، وتبرير وتمرير أشياء كثيرة من خلال الثقافة الدينية التي تُسيس بلا معرفةٍ عميقةٍ بالإسلام ومراحل تطوره.
فإستخدام الشعائر والكلمات الدينية يتم بكثرة ولا نرى بارمج سياسية وإجتماعية عميقة، مما يعبر عن غياب رؤى إصلاحية للهياكل الاقتصادية النخرة الماضية، وعدم معرفة بعهود من إستلال الأموال العامة.
وقد بينت المنافسات السياسية الانتخابية إن هذه التنظيمات إستغلت الدكتاتورية الاجتماعية الرابضة طويلاً في الحياة الاجتماعية وفي حياة الناخبين وثقافاتهم البسيطة، وجيرتها لصعودها السياسي. وبهذا وضعت أول خلايا الشمولية المريضة في أجسام الحياة السياسية الجديدة.
ويعبر إبتعاد هذه الحركات السياسية المؤدلجة للإسلام عن اليسار والقوى الديمقراطية والنقابات والجماهير العمالية عن طابعها المختلف عن الثورة الإسلامية المؤسِّسة، التي جعلت التحالف مع العبيد والفقراء شكل الجبهة السياسية التي كونت سلطة الخلافة، وبالتالي فإن الجماعات الدينية الراهنة المسيِّسة للإسلام تعبر في سلميتها وطبقيتها عن فئات وسطى تريد من الفقراء تبعية وطاعة وليس تحالفات ديمقراطية فيما هذه هي الوحيدة القادرة على إعادة بناء الرأسماليات الحكومية الشمولية التي عرقلت التطور بشكل يؤدي لتوزيع الثروة على كافة الطبقات وخاصة العاملة منها والقيام بثورات إقتصادية مفيدة للجميع.
15ــعودةٌللأمةِالعربية
إن تحولات الدول العربية المعبرةِ عن مرحلةٍ مضطربة من تطور الشعوب العربية، تتوجه نحو التوحيد أو التفكك، إنهما شكلان معبران عن قوة أو ضعف القوى التحديثية الوطنية.
فهي نفس الأمة التي تعطي ملايين تغير، وآلافاً تفكك وتغير للأسوأ.
ثمة بُنى إجتماعيةٌ إستطاعت أن تخلقَ قوى وسطية توحيدية أحدثتْ تحولات وأخرى لم تقدر على هذا.
التياراتُ السياسية العربية المتعددة الرؤى قام الكثير منها على الأممية الماركسية أو الإسلامية أو القومية الشمولية، وهذه الأشكال من الوعي كانت تركز على تجاوزِ الشعوب العربية نحو وحدةٍ أكبر، ولم تخلق الجدليةَ بين ما هو وطني وقومي وبين ما هو قومي وما هو عالمي، فالقومي يذوبُ في العالمي الذي يغدو مجرداً، ثم زائلاً.
كان هذا الوعي يركز على قوى إجتماعية هامشية كانت ذات تأثير كبير في الحراك الاجتماعي، فالعمال كانوا ذوي قدرات فاعلة مهمة ومن أجل تحولات إجتماعية إشتراكية، وهي فاعليات أدت إلى ضمور الطبقات العمالية لصالح غيرها، ولا عجب أن تقوم في الثورات العربية الراهنة بالدفاع عن مطالبها الاقتصادية بقوة، بعد أن ساهمت بقوة في الدفاع عن الديمقراطية ونُسيت.
كما أن الوعي الاشتراكي المطروح بصيغ الأممية المجردة، المركز على الدفاع عن المعسكر الاشتراكي، لم يعد له وجود إجتماعي سياسي عالمي يدور في قطبه.
ضعف الأممية الاشتراكية جعل العمال يعودودن لقضاياهم المطلبية ويركزون على رفع المستوى المعيشي لهذه الطبقات التي أُستغلتْ في كل الثورات والتحولات.
أما الأممية الإسلامية فلم تعدْ لها صيغ نضالية متجسدة من المكن أن تقوم بتحولات إجتماعية، فقد خطفها المتطرفون نحو الإرهاب أو نحو التعبير عن مراكز قومية متضخمة تلغي حضورَ الشعوب والقوميات الأخرى.
أما الاتجاهات القومية فذابت في أنظمة شمولية لم توحد ما هو وطني، وبالتالي لم تستطع أن ترتفع لما هو توحيدي قومي.
ولهذا غدا الوسط الإسلامي الليبرالي جامعاً لفئاتٍ كبيرة تعبر عن الطبقات الوسطى وهي في حالات تشكل، وقدرت على تحريك ملايين للتغيير ووصولها هي لبعض السلطات العربية.
ما هو مرئي إن هذه الوسطية التي كانت التحليلات والمواد الإعلامية الكثيفة تركزُ عليها خلال العقود السابقة إستطاعت خلق توحيد وهو الأساس الممكن للتغيير في أي بلد، وبدونه هناك الفسيفساءات المذهبية والدينية والسياسية.
وقاد هذا الحراكُ الوسطي إلى ضعف اليسار المتطرف واليمين المتطرف معاً، في بعض البلدان في حين إنه لم ينتصرْ في بلدان عديدة أخرى.
كان نشوء فئات وسطى وعمالية فكرية متعاونة على الخطوط الدنيا للديمقراطية هو الخالق لهذا التحول، الذي بدأته الطبقاتُ العاملة سواء في مناجم تونس في الجنوب أم في معامل الغزل والنسيج في المحلة الكبرى، وطورته قوى وسط ليبرالية ويسارية لتحوله إلى وعي ديمقراطي متحرك يبتعد عن أقصى اليسار وأقصى اليمين، ولا يطرحُ أمميةً من أي نوع، ولا طبقة طليعية، مما يجعله كذلك في مخاض إجتماعي يمثل طيفاً واسعاً غير متبلور.
سادت خطوط فكرية أهمها سيادة الوعي الديمقراطي وتغيير البرلمانات الصورية والقبول بالآخر الديني أو اليساري، وإعتماد قواعد الوعي الشعبي الراهن بكل مشكلاته وسلبياته وعيشه الطويل في أنظمة إستبدادية وجعله أساس التصويت والانتخاب بدون مراحل إنتقالية تنويرية، مما جعل الطبقات العمالية التي كانت هي المُحولة الأساسية للأنظمة الشمولية لا تحصل على أي شيء من البرلمانات فتقوم بإضرابات واسعة للدفاع عن مصالحها الاقتصادية دون أن تتوقف عن دعم القوى الديمقراطية. لقد خافت أن تضيع مصالحها البسيطة في رفع الأجور مع تحركات القوى المالكة والغنية لقطف ثمار المرحلة لصالحها وهي التي كانت رابضة تحت الرماد بإنتظار مثل هذه الفرص!
إن غيابَ التوجهات السياسية الفكرية الحادة نحو أقصى اليسار وأقصى اليمين أفاد المرحلة في ظهور قوى الوسط المتجمعة ضد الشموليات ولكنه جعل الأجيال الشابة بلا منظور طبقي واضح، وغدا الجمهورُ الفقيرُ الواسع المفتت يتبع القوى التقليدية التي مدت شباكها فيه لعقود، مما أحدث تطوراً من جهة وتخلفاً من جهة أخرى.
فحصلت ثوراتٌ عظيمة ثم نتائجٌ سياسية وإنتخابية هزيلة!
لقد تغيرتْ الأنظمةُ الشمولية وصعدت قوى شمولية!
لكن الديمقراطية حتى بمثل هذه النتائج والقوى أفضل من الزمن السابق، وهي تمثل فرصاً لإعادة النظر في الأطروحات والبرامج الجامدة في عقود، ومن أجل التوحيد الجدلي بين ما هو وطني وقومي وما هو عالمي، ومن أجل أن لا تتسع الهوات بين الطبقات العاملة والطبقات المالكة، وأن تجمع القوى السياسية بين الحفاظ على أشكال الديمقراطية البرلمانية وتطوير الحياة الشعبية التحديثية.
إن الروابط التعاضدية القومية والعالمية سوف تظهر لكن البلدان المتآكلة من الشموليات بحاجة للبناء الداخلي أولاً، وعبر ذلك سيظهر تعاونٌ قومي واسع وتضامنٌ أممي أكبر ولكن أسس ديمقراطية.
وستكون مراكز الأمة العربية الديمقراطية الكبيرة مثل النواة لعمليات تجديد للشعوب العربية بأسرها.
إن دور القوى التحديثية المختلفة هو التعاون على أسس التغيير الديمقراطي وتعريبه بشكل عميق وهي مرحلة طويلة من العمل والدرس.
16 ــالمشرقُالعربيالإسلاميفيمهبِالعاصفة
لم ينجح الاستقطاب الطائفي السياسي الاجتماعي كلياً في شمال أفريقيا العربية.
كان المشرق العربي أكثر تطوراً إجتماعياً وسياسياً، فهو الذي أسسَّ الأديانَ السماوية وثقافةَ النهضات في العصرين الوسيط والحديث.
فلماذا يكون أكثر تخلفاً وأشد عنفاً وأوسع تمزقاً؟!
كان شمالُ أفريقيا يتلقى حصيلةَ وثمارَ ما تنتجهُ قوى النهضة والتحول في الهلال الخصيب خاصة، فتحمل اللقاح إلى مصر لتفيضَ به على الجيران.
في الزمن الراهن الجاثم غدا المشرق غير قابل للتحول الديمقراطي الوطني الإنساني، يتصدع ويتمزق ويتفتت دينياً وطائفياً.
الربيعُ العربي ما أن عبرَ البحرَ الأحمر حتى إشتعل دماً.
بلدان هما اليمن وسوريا إحترقا.
بالتأكيد فإن الفاشيةَ الإيرانية لعبتْ دوراً تمزيقياً كبيراً ولكن ليس ذلك هو السبب الداخلي العضوي، فهو مجردُ عاملٍ خارجي وجدَ أرضاً خصبةً داخلية ونما.
لم يتواجدْ في المشرق العربي الإسلامي إنصهارٌ وطني.
لم تلتحم الشعوبُ إلتحاماً عضوياً عميقاً، وبقيت الدولُ مجموعاتٍ من النُخب القَبلية والمذهبية تسيطرُ على هياكلَ سياسيةٍ إجتماعيةٍ مفككة.
محدوديةُ المدن وضآلتها بجانب مساحات الصحارى خلقتْ على مر التاريخ التحرك القبلي كقوةٍ سياسية فارضةً التحول الفوقي، فيما الحياة الاجتماعية مشتتة متخلفة محافظة، تابعة للمسيطرين المذهبيين والقبليين المحليين في أجزائها المختلفة المتباعدة.
حين نأخذ الجماعات السياسية والدول التي قامت بالاستقلال والثورات فهي تنشىءُ أجهزةً وحكومات أقلية لا تنفذ للخريطة الاجتماعية الواسعة.
تصطبغ الأحزابُ بصبغاتِ قومية ووطنية وإشتراكية طلائية خارجية، فيما هي ذاتُ مضامين مذهبية ودينية، والأحزابُ القوميةُ فالدولُ تغدو رأسماليةً وهي سنيةٌ قَبلية، أو شيوعيةٌ وإشتراكية وهي شيعية وزيدية وعلوية.
الاجراءاتُ السياسيةُ والبناءات الصناعية والاقتصادية والثقافية المؤسسَّةُ من خلال هذه الأبنيةِ الفوقية تغدو طائفية وقبلية.
البناء الفوقي الإيديولوجي الطائفي هو الذي يؤسسُ المؤسسات السياسيةَ العامة والمصانع، لتقوم الفوائض النقدية بتكريس الطائفيات والقبلية.
كان العلويون في سوريا يعيشون في الجبال والقرى البعيدة لم ينصهروا مع الطوائف الأخرى، ولم يكن البعثُ سوى طلاء خارجي، أخذ يتفتتُ مع التحكم في المؤسساتِ العسكرية والاقتصادية، حتى برز كالحاً فاشياً في الصراعِ الطبقي بين الرأسماليةِ الحكومية وجمهور الفلاحة الريفي المتخلف الواسع.
والبعثُ في العراق كان طلاءً للقَبلية السنية البدوية التي أزالتهُ وهي تقوم بذات التحكم، فلا يبقى رباطٌ عقائدي بين العراق وسوريا ولا يبقى رباطٌ وطني بين السنة والشيعة والأكراد في العراق نفسه.
الطلاءاتُ الإيديولوجية إتخذتْ في عمقها مضموناً شمولياً معبراً عن أي جماعةٍ تتحكمُ في الحزب، ويدمغها من أي قبليةٍ وطائفة إنحدرت، حيث تقوم بالسيطرة على مفاتيح الحزب والدولة من خلال القرابة لا من خلال الرفقة الكفاحية الديمقراطية غير المتأصلة في بُنى إجتماعية متخلفة.
نحن لا نعرفُ الحزبَ – الدولةَ من إيديولوجيتهِ بل من القرابةِ الطائفية داخله.
لهذا فإن الطلاءات الخارجية المسحوقة بعوامل التعرية من إنتهازية ونفعية وتقلبات تهرجية ومآسٍ تعبرُ عن الهوات داخل المدن التي ما تزال قرى، وداخل المثقفين الذين ما زالوا أميين، والأحزاب التي ما تزالُ شِللاً وشَللاً، والفئات العاملة التي ما تزال خادمة، والفئات المتوسطة التي ما تزال ذيلية مصلحية، والدولُ التي بقيتْ أُسريةً قبلية.
إستطاعت المدافع والأسلحة الأقوى والتحالفات بين عمالقة الشموليات أن تدمر الكثيرَ من المباني والانجازات الكثيرة المادية على مدى عقود، فذهبتْ أدراجَ الرياح وأن تقتلَ حقولاً يانعة من الشباب وكأنها تقول أن البشرَ مجردُ كمٍ تافه في سياسات فاشية حملت جراثيمها في مضمونها منذ سنين وأزدهت بطلائها الخلاب القاتل للمتفرجين الحالمين.
الوجبةُ الأولى من المشرق وربما تكون وجبةً خفيفة، ولا نعرف الوجبات الأخرى القادمة ماذا تقدم على الغداء أو العشاء؟
النصف التحتي والشرقي من المشرق يحفل بتناقضات أكثر وأشد صعوبة من النصف الشمالي فأي مستقبل له؟ هل يتعظ من كل هذه الخرائب أم يواصل رحلة الجنون؟
17 ــالعنفُفيالمشرقالعربي
تعود حشود الطائفيات والنزاعات القومية في منطقة المشرق العربي الإسلامي، وخاصة في الخليج والعراق وإيران، إلى ظهور شموليات حادة في الأنظمة والتيارات السياسية، أدت إلى تمزق وتفتت الخرائط السياسية والقوى السكانية. ولم تستطع هذه القوى تجاوز نفسها أو القيام بالتعاون للحد من ظواهر العنف والإرهاب.
إنها شمولياتٌ في الأجهزة وتوزيع الموارد بأشكال غير متناسبة وتضخم شراء الأسلحة، وتغلغل القوى الغربية المضادة للديمقراطية والعلمانية، للهيمنةِ على إنتاجِ النفط وإبقائه مادة خاماً ومشتقاتها، وفصل المنطقة عن عالمها العربي.
كما أُغرقت المنطقة بفيض سكاني مغترب ومتنوع لم يقم بأي تأثير فكري إجتماعي خلاق، بل كان أشبه بأدوات عمل وإنتاج بكل ما يحملهُ من مشكلات وتأثيرات حادة.
أدت هذه إلى خلق إضطرابات وتحولات إجتماعية وثقافية عميقة داخلية غير مخططة وغير منظمة بأشكالٍ عقلانية، وقد بدت للسكان العوام العائشين في عزلة على مدى قرون أن هزة أرضية إجتماعية تكاد تنسف وجودهم التاريخي الروحي.
كل هذه السببيات جعلت المنطقة مختلفة عن جغرافية الربيع العربي والتوحيد، وعالم الديمقراطية الوليد وتغوص أكثر فأكثر في التمزق المذهبي بكل ما يجريه من تفاقم العنف.
القوى السائدة عملت على تغييب أي توحيد وطني وتغييب نمو الليبرالية والديمقراطية وفي عوالم محافظة لم تشهد حقباً تنويرية متصاعدة، فكانت فترات الازدهار الثقافي العقلاني ولحظات الديمقراية السياسية وامضة سريعة لم تترك آثاراً على أغلبية السكان البدو والمزارعين.
وأدت سياسات إعادة البداوة ونشرها في المدن الخليجية والعربية إلى عودة التصحر الاجتماعي مثلما تنامى التصحر الطبيعي، وتذكرنا هذه بسياسة العصر العباسي المتأخر في الاستعانة بالسلاجقة وأمثالهم من الرعاة مما أدى إلى تدهور الثقافة المميزة للعصر السابق.
كذلك تفاقم التطور في المدن على حساب المناطق المنتجة في الصحارى والمناطق الزراعية، وتبدلت تكوينات السكان بصور سريعة، جعلت المدن متسارعة التطور، فوضوية النمو، ممتلئة بقوى سكانية غريبة، كما توسعت تجارة السلاح السرية، وتحولتْ بعضُ البلدان لمراكز إيواء وتجنيد لعصابات وقوى مسلحة تخترق الحدود.
كما أن تفجر حروبٌ عديدة هائلة أُديرت من الخارج وتهدف لإبقاء نفس السياسات المحافظة القائمة، قد زادت من خلخلة القيم والتصورات المثالية فارتفع الاهتمام بالقوة والعنف على نحو لا سابق له، تغذيه محطاتٌ وثقافةٌ سطحية وفنون تركز على الغرائز.
عادت المنطقةُ للوراء إجتماعياً وسياسياً وهي تتطور إقتصادياً بشكل كبير، فالهياكل الإدارية السابقة لم تكن بمستوى التحولات، من حيث مستواها العلمي خاصة، فلم تكن هناك قدرات كبرى على خلق تطور مدني مسالم تكرسه مؤسسات مدنية ورقابية.
تصاعدت أرقامُ ضحايا عمليات الإرهاب من عشرات ومئات حتى الألوف، وأختفى القتلة وراء المنظمات والدول ولا تحدث أية أبحاث وتحقيقات كبرى لمعرفة هذه الشبكات، ويجري ربط الأعمال السياسية الطائفية بالتقنيات المتطورة، فغدت هناك قيادات فضائية وسرية للمجموعات المسلحة وقوى المنظمات الطائفية المرتبطة بمراكز كبرى وتداخلت مع الصراعات السياسية والاجتماعية. وكذلك فإن تبدل مهمات الجيوش من قيامها بالدفاع عن الحدود إلى أن تشارك في العمليات السياسية والغزوات الخارجية فصار بعضها موجهاً ضد السكان أو مستعداً لحروب قومية، فأدى هذا إلى تفاقم العسكرة بكل مظاهرها في الحياة المدنية.
تذكرنا عمليات العنف الهائلة غير المسبوقة بالتدفق الضاري الصحراوي لبني هلال وغيرهم من القبائل الرعوية الضارية قبل قرون والذين أكتسحوا المدن كجراد، لكن هؤلاء قاموا في زمن القحط لا النفط.
إدخال الرعويين والصحراويين والمنبتين من مناطقهم وصحاريهم وأريافهم في المدن وجلب العمال الأجانب المجهولي السير الشخصية الدقيقة، أدى إلى تضادات إجتماعية خطيرة، فتزايدت أعدادُ الجرائم وبلغت معدلات كبيرة، وظهرت جرائم لم تكن معروفة سابقاً وغدت أحداثاً يومية لا تهزُّ المشاعرَ كما كان الأمر سابقاً.
كذلك غدا تهريب الممنوعات سهلاً نظراً لهذه الأعداد الهائلة من المسافرين والعابرين والمهاجرين، ولضخامة التجارة في السلع والأشياء وغياب الرقابات الدقيقة.
وعلى الرغم من تضخم ظاهرات العنف وكونها ذات جذور إجتماعية وسياسية فإن المعالجات تتم بأساليب بوليسية، وتتكاثر أدواتُ محاربة الجريمة بأشكال تقنية، لكن لا تجري عمليات التعاون بين الدول لمعالجة هذه الظواهر، وتغيب الدراسات وعمليات التدقيق والبحث والحوارات، ومعرفة جذور الحركات الطائفية العنفية، وسببيات تبدل سلوك السكان المسالمين سابقاً.
18 ــمشكلاتٌرئيسيةٌفيالديمقراطياتِالعربية
تتجه الديمقراطياتُ العربيةُ لأزماتٍ محوريةٍ خانقة بسببب عدم تبلور السلطات العربية، فهل هي للقوى التنفيذية أم للهيئات المنتخبة أم للتعاون الوثيق بينها؟
خلال العشر سنوات الماضية طرح الوعي الديمقراطي العميق أهمية بلورة السلطة الديمقراطية من خلال البرلمانات، بحيث تكون الأجهزة التنفيذية منشأة من قبلها أو على توافق كبير معها.
إن خلقَ سلطةٍ برلمانية مع عجزها عن خلق تقدم فعلي في حياة الشعوب يؤدي لتفاقم المشكلات بدلاً من حلها.
ومن الواضح أن الدول العربية غير قادرة على إنشاء ديمقراطيات بمعنى الكلمة، ولكنها سلطات تتجه نحو ديمقراطيات إفتراضية ومحتملة.
حين تنشأ سلطاتٌ منتخبةٌ نرى النقصَ في تكوينها الدستوري، أو تغدو هيئاتٍ رقابية، أو تغدو سلطةً مركزيةً لطائفة أو لقومية واحدة ثم تقومُ الأقاليمُ الأخرى ذات الطوائفِ والقوميات الأخرى بإنتخاب هيئات مغايرة وحكومات مستقلة.
أو كما حدث في بعض الثورات العربية الناجحة حين تظهر برلماناتٌ منتخبة لكن المجلس العسكري أو قوى البيروقراطيات القديمة وأصحاب النفوذ السابق يظلون يديرون الحياة السياسية والاقتصادية.
برلمانات ضعيفة وحكومات قوية في يدها مفاتيح الأمور يؤدي إلى المشاهد التالية:
تحدث إجتماعات كثيرة للبرلمان ويقدم إقتراحات ويستجوب ويكثر من الأسئلة والقرارات لكن تغدو كل هذه الأفعال ضعيفة، وتتوجه لبعض الجوانب الجزئية أو التغييرات المالية العابرة.
ولعل هذا بسبب عدم تجانس البرلمان وإختلاف كتله، لكن السبب الأكبر هو ضعف مستواه السياسي وعدم قدرته على رؤية الأمور الجوهرية من ملكيات عامة ونتاجها ومن توزيعٍ غيرِ دقيق للايرادات والثروة الوطنية وضعف إستجواباته وهامشيتها.
ضعف المستوى ينبع من الثقافة الدينية الأدبية السطحية وغياب محامين كبار ومفكرين وقادة سياسيين ذوي تجارب كبيرة قادرين على الوصول لجوهر الأمور وتوجيه الحكومات إلى جوانب تغفل عنها، أو تضيع من خلال عدم وجود التخطيط وضخامة البيروقراطية التي تطرح مسوغات كثيرة بدون دقة ولرغبتها في إحتكار السلطة.
وللأسف فإن عدم تعاون القوى الدينية والمستقلة البسيطة الثقافة مع التيارات الديمقراطية واليسارية يزيدها ضعفاً، ويجعلها لقماً سائغةً لمناوراتِ الإدارات والحكومات ذوات التجارب الطويلة.
كذلك قد يكون عدم التعاون بين البرلمانات والحكومات أو حدوث الصراعات المزمنة المؤدية لاضطراب الجهازين معاً كما هي حالة الكويت نتيجةً لعدمِ تبلور طبيعة السلطتين التشريعية والتنفيذية ومساحة كل منهما، ورغبة كل منهما في إختراق الأخرى.
عموماً فإن هذا الذي يجري في البلدان العربية من صراعاتٍ بين البرلمانات والحكومات بأشكالٍ شتى، وبأسبابٍ متعددة حسب مدى التجارب والتطورات السياسية في كلٍ منها، هو بسببِ عدم تبلور الفئات الوسطى الموحّدة في تكويناتها الاقتصادية الطبقية وفي رؤاها النهضوية الوطنية ودرجات فهمها للواقع ولظروف بلدانها، والتباين الشديد في أقسامِها الثرية جداً والحاكمة وفي أقسامها الأقل ثراءً وربما التي تقترب من النزول لمستويات العاملين لأسبابِ الضغوط الاقتصادية والديون وتسارع إرتفاع الأسعار والإيجارات ومختلف ظروف العسر.
إن غيابَ الأسبابِ الموضوعية لتشكل الطبقات الوسطى من فقدان المصانع القوية والمؤسسات المالية الداعمة للكتل السياسية المنتخبة وملكيات الصحافة الحرة وإعتمادها على جماهير فقيرة هي ذاتها منقسمة دينياً وطائفياً وسياسياً وضعيفة إقتصادياً، يجعل مؤسسات البرلمانات ضعيفة في الوطن العربي حتى بعد الثورات الشعبية العارمة.
كما أن قيامَ الحكومات التي عاشتْ طويلاً على أجهزة الإدارات القديمة والجيوش وتحكمتْ في الشركات الاقتصادية والمالية لعقود، يجعل نفوذها أقوى وهيمنتها على الحياة السياسية بما فيها البرلمانات مسألة مؤثرة.
ولكن هذا لا يعني التخلي عن برلماناتٍ ضعيفةٍ ولا الاحتفاظ بها أبداً.
إن الديمقراطيات هي أن تكون هناك طبقات وسطى قوية، ترفدها قوى عمالية متنورة، ولهذا فإن حدوث ديمقراطية بمجرد الأوامر والانتخابات والقرارات وحتى الثورات هو غيرُ ممكنٍ بدون تكويناتٍ موضوعية في الأرض الاقتصادية الاجتماعية السياسية، وهي تحتاجُ لبناءٍ ذي نفسٍ طويل، ولتلاحم صفوف الفئات الوسطى المفككة، التي يتضحُ تفكُكها في تشتتِ المذهبيات والأديان والاتجاهات الحديثة، والتنوع الحاد للنواب الذين يأتون من مواقع إقليمية نائية عن بعضها البعض.
كما إن غرق الجماهير العمالية في الفقر والأمية والسلبية السياسية هي أمورٌ تُضعفُ من حراكِ الفئات الوسطى لتكون قوى ديمقراطية وطنية وتتحول لطبقاتٍ وسطى مع توسع الصناعات الخاصة والتقنيات والثورة الصناعية العلمية الاجتماعية العربية.
تكون قوى المركزية والتشتت والاستبداد على مدى عقود طويلة لا يمكن أن تغييرها بدون تراكم ديمقراطي صبور، لا تنفع فيه المغامرات والصراعات الأهلية والاعتماد على الأجندات الطائفية والقومية المتعصبة.
19 ــالميلادُالإسلاميالديمقراطيللأمةِالعربية
تفجر الثوراتُ العربية كانت لها أسبابٌ عميقة، فقد عجزتْ رأسمالياتُ الدول الشمولية عن التطور مع العصر، وكان هذا الشكل السياسي التعجيلي غدا أسلوبَ إنتاج عالمي شرقي ووصل إلى أزمةٍ عميقة خانقة تطايراتْ بعده أجزاؤهُ وأشلاؤه في المدار الكوني، وقد دخلتْ تياراتٌ عديدةٌ سياسية عربية في الترويج له، لكن قوى مذهبية سياسية ذات مرجيعات إسلامية لم تشاركْ في الانخراط في عملياتهِ التي استمرتْ أكثر من نصف قرن.
تأييدُ العديد من التيارات الشمولية لرأسمالياتِ الدول في الشرق حجّرَ مفاهيمها السياسية الفكرية، وراح بعضها يطبق هذه التيارات حتى في دول لا تمتلك حتى دراجات، أو تعيشُ نساؤها في العصر الوسيط.
تحجرُ مفاهيم هذه القوى وقد إمتلكتْ مناهج درس وحفر هامة يعودُ لعدم فهمِها للرأسمالية وضرورتها، أي لعدم فهمها كتشكيلةٍ تاريخية عالمية لها قوانينها وطرق تطورها وذبولها التدريجي الموضوعي القائم على قوانين السوق وتطور الوعي البشري، وأحلوا إرادتهم الذاتية محل الضرورات.
هذا أدى إلى عدم تراكم القوى الديمقراطية الحديثة في كل بلد، فيأتي اليسارُ ليضربَ الليبرالية وهي حليفته في نمو الأسلوب الحديث، أو ليهمشها ويخوفها، ويطرد الرأسمالَ الخاص من الأسواق أو يؤممه ويقضي عليه.
العملية الفكرية المصاحبة للشمولية من إلغاء للبذور الديمقراطية والليبرالية وعدم تصعيدها وتعاونها، تؤدي إلى إنهاك اليسار وذوبان هياكله، وعدم تبصره بتحليل الواقع الموضوعي، ووصول بقاياه إلى محفوظات وتغدو حفائر أثرية.
لكن الواقع من جهةٍ أخرى لا يتوقف عن الصراع، فرأسمالياتُ الدول في المدن الرئيسية تقلبُ حالَ الأرياف والمناطق الرعوية والحرفيين، وتمركزُ الثروة في تلك المدن الرئيسية ولدى أحزاب وعائلات وأفراد، وتخلق في المدن نفسها قوى هائلة من المقتلعين والمهمشين.
وإذ يعجز الفكر اليساري عن الحضور في هذه العمليات التحولية، بسبب مشاركته في الفساد، أو لصراعه مع هذه الرأسماليات من منطلق إلغائها إذا كانت يمينية، تنتعش الأفكارُ الدينية وتنتشر بين الجمهور الضائع في إضطراب الرأسماليات هذا، ويغدو الفكر القدري مطلوباً مع ضياع البوصلات الواقعية التقدمية، وتستخدم القوى الوسطى ما تجمع لديها من رأس مال في توسيع تنظيماتها ونشره بين المحطمين والمأزومين من فوضوية رأسماليات الدول الشمولية، الذين يعودون لعباداتهم وينفخون فيها طابع المعارضة والتغيير السياسي دون برامج عميقة وفهم لقوانين التشكيلة الرأسمالية التي يعارضون شكلاً منها، ليحضروا شكلاً آخر.
كما أنهم يأتون من مستويات متعددة في بُنى هذه الرأسماليات، فالسلفيون يأتون من عالم بدوي لم تتغلغل به العلاقات الرأسمالية الحديثة خاصة في الحياة الاجتماعية والفكرية، فيما الأخوان يأتون من مدن صغيرة لا يزال طابع الحداثة فيها غير مهيمن، ولكن الكثير منهم في بلدانهم نأوا عن رأسماليات الدول ذات الطابع(الاشتراكي) أو التحديثي. وهذا أدى لتصعيد رأس المال الخاص.
وبالنسبة للسنة كانت الدول المتعددة تتيح لهم التنوع، من دول قاربت الرأسمالية الحديثة كتونس والمغرب، وتشربتا بها، إلى دولة كمصر ظلت ممزقة بين الغرب والشرق، بين التقليدية والحداثة، تنتقل من(الاشتراكية) وهي في أزمة، ولا تكاد تعيش في رأسمالية حرة وتبقى في أزمات.
وضخامةُ السلفية والتيارات المحافظة الأخرى يعبر عن بقاء الريف الضخم والمناطق العشوائية في عوالم تقليدية.
في حين عبرت سوريا عن المعركة الأصعب والأكثر دموية في الانتقال من رأسماليةِ دولةٍ إلى رأسمالية حرة، وصار الاستيلاء على المدينيتن البرجوازيتين حصالتي الدم السوري لنصف قرن دمشق وحلب هو ذروةُ وإنتصار الثورة الشعبية.
وقد جاء تطورُ الاثني عشرية معاكساً للتطور العالمي، ففيما الشعوب تتجاوزُ رأسماليةَ الدول الشمولية وقعتْ أقسامُها السياسية المؤثرة في المذهب عامة، في هيمنة رأسمالية دولة إيرانية متأخرة زمنياً ومتخلفة فكرياً، ومصعَّدة تناقضاتها لمرحلة أعلى خطرة.
هذا يعبرُ من الناحية التاريخية عن قيام المذاهب الإسلامية الرئيسية ككل ذات الجذور الطويلة في التجارة الخاصة بإعادة تجديد لهياكل إقتصادية عامة بيروقراطية، وهذا يحدث في المناطق التي لها تقارب مع الحداثة، وللحركات المذهبية السياسية فيها علاقات مع البنوك والشركات.
لكن هذه التحولات لم تزل في بضع دول، وهي تحتاج للدول العربية التقليدية، أو التي لم تحدث فيها تحولاتٌ ديمقراطية، مما يربك التطور.
وبإنضمام دول أخرى وتأثر أخرى بعمليات التغيير فإن ظاهرة التجديد في الشعوب العربية الكبيرة هذه تتسارع، وتكمل بعضها البعض، مما يشير لميلاد يظل (إسلامياً) ديمقراطياً، معبراً عن تجديد تقليدي، يحتاج لرفده من قبل التيارات الحديثة وتطويره لتعاون واسع بين الشعوب العربية، كمركز مهم عالمي للأمم الإسلامية، التي تحتاج لدخول عميق كبير في الحداثة والتطورات الكبرى في الأسواق.
20 ــرأسماليةُالدولةالعربيةوقضاياالديمقراطية
تتبلور يوماً بعد يوم طرق التطور الديمقراطية وتشق طرقها في الكثبان المحافظة، وغدت مسألة توجيه الدخل الوطني العام نحو التحولات الديقراطية مسألةً محورية.
فأما رأسمالية دولة ذات توجه إقطاعي طائفي، وأما رأسمالية دولة ذات توجه وطني ديمقراطي تحديثي علماني عقلاني.
على بساطة هذه القضايا لكنها شديدة الالتباس خاصة لدى الأحزاب(الثورية)!
حين يقول المناضل العراقي بأنه من الضروري تشكيل تيارات وطنية عابرة للطوائف وتوحيد البلد يضعُ قدمَهُ على طريق الحل، ولكن هذا تجريد.
فرأسمالية الدولة المركزية تقبضُ عليها أحزاب طائفية دينية، تؤدي لتفتيت البلد وتصعيد صراعاته.
تمثل الجماعات السياسية الطائفية الشكل الإيديولوجي العملي للإقطاع، وحين تقبضُ على مال الشعب فإنها توجهه للوراء والتفتيت، وللحرب الأهلية في قادم الزمن.
التحالفات مع الأحزاب الطائفية هدم للوطن وتخريب للتطور، ولا بد من تصعيد التحالف بين القوى الشعبية والبرجوازية الديمقراطية العلمانية أي التي تطرح دولة مدنية علمانية.
الأحزاب الطائفية في تعمية عيون العاملين وأسر النساء وبث الخرافات لا يفيد حديثها عن الوطن والديمقراطية، فهذه كلها فخاخ لاعتقال الوطن في زنزانات مذهبية متخلفة، وإبعاد هذه الأحزاب الطائفية عن السيطرة على عقول المواطنين ومنع نشر العلاقات الإقطاعية في البيوت والشوارع والعقول ضرورة للبقاء والسلام والتقدم والتوحيد.
لا فائدة من هيمنة الإقطاع على رأسمالية الدولة فهو يقود لإنتاج التخلف.
زيادة حراك الطائفيين وتقويضهم للوحدات الوطنية في الدول العربية والإسلامية يأتي أولاً من فساد رأسماليات الدول وإنتاجها لتوزيع فوائض بطرق غير ديمقراطية وغير وطنية وغير عادلة.
وكلما تمت السيطرة على هذه الرأسمالية الحكومية رقابة وإدارة كلما تم تقويض الطائفية.
ولهذا نجد في الدول ذات الاختراقات الكبيرة من الطائفية تتصارع فيها وتخترقها وتنمو داخلها رأسمالياتٌ حكومية شمولية متصارعة على أجسام الشعوب.
نموذج الاتحاد السوفيتي يعطينا فهماً لكيفية الفساد الشمولي لرأسماليات الدولة المركزية وفي الجمهوريات بحيث تتحلل الدولة، والماركسية اللينينية المضادة للأديان هي وعي دكتاتوري ضد عقائد الشعوب وتاريخها الديني الاجتماعي.
والديمقراطية على العكس هي قراءة موضوعية للأديان والمذاهب وعدم البتر في تطورها و(سحقها) والاهتمام بالعناصر النضالية والديمقراطية فيها، ونقد الجوانب السلبية، وخلق أنظمة علمانية غير مسيِّسة للأديان ولإستخدامها النفعي الاستغلالي، وهذا يتشكلُ من ديمقراطياتٍ في مختلف الجمهوريات الروسية والآسيوية لرؤية الأديان في طرق تطورها التاريخية الحقيقية، وتصعيد سلطات الناس الرقابية وأشكال وعيهم العقلانية لتواريخ بلدانهم وثقافاتها.
هذا هو هو دور الأحزاب التقدمية العربية في هذه الرأسماليات الحكومية المتعددة، حيث لا بد أن يجري نقد التاريخ العدمي الديني لهذه الأحزاب، ونقد نسخ التجربة الروسية، وتجميع مختلف القوى النهضوية الديمقراطية الوطنية التحديثية العلمانية، بحيث لا يغدو الاستخدام المضاد النفعي الطائفي للدين بديلاً عن عدميةٍ دينيةٍ سابقة.
فالأحزاب العلمانية والتقدمية إسلامية الجذور، وتهتم بتفكيك الاستخدام الشمولي للأديان.
والاستخدام النفعي المحافظ الطائفي للدين هو الوجه الآخر للعدمية الدينية، كلاهما رفضٌ للعناصر الشعبية التوحيدية الديمقراطية في الإسلام والمسيحية، كلاهما عدم رؤية لمسار الأديان وإستغلال الجهل الجماهيري للوصول إلى السلطات وإستغلال رأسماليات الدول بأشكالٍ طفيلية.
سيطرة جماعة دينية سيؤدي لصراعها مع جماعة دينية أخرى، والصراع ليس هدفه خدمة الدين بل الإستيلاء على الثروات، وبهذا فإن الخدمة العنيفة المحافظة للدين تكمل مسار العدمية السابقة وتفجر المشكلات المؤدية لانقسامات أفدح فتضيع الأوطان والثروات.
قراءةُ الأديان بأشكالٍ منتجة وجعل القطاعات العامة أساس للتطور الاقتصادي الوطني في كل الطبقات والجماعات، هو وضع أساس لتطور القوى المنتجة العامة والخاصة.
لقد أدتْ العدميةُ الدينيةُ لاكتساح الطائفيات وتفردها بالوعي الجماهيري السطحي وبنشر التخريف والجهل بالأديان وإقامة مشكلات خطيرة بتسييسها وأدت لمذابح وحروب وما تزال شهيتها مفتوحة لمزيد من الكوارث.
توجيه الموارد لتغيير حياة الناس المادية والثقافية عبر التحالفات السياسية التحديثية سوف يضعُ فصلاً جديداً من التطور العربي
21 ــالقرنُالسادسعشروالسابعُعشرالعربيان
لم يستطع العربُ دخولَ عصر الثورة الصناعية، إنهم يعيشون فيما قبل ذلك، لكن بشكلٍ مختلف عن الغرب، بدرجةٍ أرقى من جانب البنية التحتية وأكثر تخلفاً في جانب البنية الفوقية.
تصنيعُ الموادِ الخام لم يتحْ تثويرَ البُنى الاجتماعية، فخلقُ صناعاتٍ صغيرة ومتوسطة غالبةٍ لم يَقم بهذا الدور، فيما الصناعاتُ الحكوميةُ العامة هي مراكزُ تصنيعِ الموادِ الخام وبثُها على القواعدِ السفلى.
رغم ذلك فإن الاقتصادَ مماثلٌ لاقتصادِ أوربا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، بدون تدفقِ الذهبِ القادم من أمريكا المُكتشَّفة حديثاً، وبدلاً منه تدفق الذهبُ الأسودُ من الجزيرة العربية، لكنه لم يستطع الدخولَ في الصناعات بل توجه للربح السريع في العقارات والمعاملات المالية والسياحة.
فيما كان سيلُ الذهبِ والتدفقاتِ المالية في الغرب وقتذاك يتوجه نحو الصناعات البازغة، مرحلة المنيفاكتورة، ونحو مرحلةِ الصناعةِ الآلية المبكرةِ المتسارعة التي أحدثت الثورةَ الصناعية وكل الحضارة الحديثة الراهنة.
سبق لأوربا خلقَ حركةٍ ثقافية نهضوية منذ القرن الثالث عشر وما بعده، وجاءت مرحلةُ التصنيع فيها وقد إنتشر التنويرُ وتنامت الطباعةُ ومئاتُ الآلاف من نسخ الجرائد اليومية الناشرة للأدب والفكر، وخرجتْ النساءُ للصناعة، وجاء عصر الديمقراطية في نهاية القرن الثامن عشر الأوربي.
تعددتْ الموادُ الخام وصناعاتُها وأغنتْ أمريكا الموادَ الخام بشكل أكبر وخرج مهاجرون كثيرون وأصبحت الصناعات بين قارتين، مما جعل مصطلحَ الغرب الصناعي يتكون ويخرج للغزو وجلب المواد الخام الأكثر والأكثر تنوعاً.
العالمُ العربي وهو يعيشُ على مادةِ خامٍ واحدة أو على موادٍ خام قليلةٍ فينحصرُ في بُنى إجتماعية محافظة تقليدية، ويفتقر على مستوى تنوع خامات الصناعة وعلى مستويات العاملين فيها، ومن هنا هو يعيش بين مرحلةِ التنوير الفاشلة ومرحلةِ التثويرِ العائدة للوراء.
البُنى المحافظةُ الاجتماعية، ومستوى الثقافة(النصوصية) السائدة تجعلهُ غيرَ قادرٍ على تثوير المواد الخام، والانتقال للصناعة الآلية والتقنية الواسعتين.
ولذا يغدو مستوى معالجته لفهم الأديان مستوى نصوصياً، بمستوى الحفظ وتجزئة الفقرات وتصعيد جمل مقطوعة من سياقاتها، والتركيز على أحكامٍ تعود لعصورٍ خلت، بدلاً من الغوص فيما وراء النصوص وإدراك السببيات العميقة لها.
فهو غيرُ قادر على إستثمار ثروته البشرية السكانية الواسعة، لكي تعالجَ موادَهُ الخام معالجات عميقة، فتجعله صناعات متطورة، ودقيقة، ومتغلغلة في الأسواق العالمية، فهو يعيشُ على كفاف الطبيعة مرةً تعطيه قطناً يحوله الآخرون لصناعاتِ نسيج تتطور بشكل مستمر، ومرةً تعطيهِ نفطاً فيصدرُهُ للآخرين يحولونه لثروات صناعية وتقنية متقدمة.
يجعلُ ثروتَهُ السكانيةَ معطلةً بأشكال مختلفة، مرةً على هيئةِ نساءٍ محبوسات في عصر الحريم، ومرةً على هيئةِ رجالٍ ونساء متكدسين في الوزارات الحكومية المختلفة، ومراتٍ على هيئاتِ شباب عاطلين وضائعين وعنفيين.
إضطرابُ العالم العربي بين التنويرِ التحديثي والتثوير السحري نتاجُ هذا الاقتصاد الخام، لم يكون الصناعات الثورية التي تجعل جماهيره قادرة على الدخول في عصر الديمقراطية، فدخوله للديمقراطية يجري عبر الاستبداد الديني، فربما أدتْ الديمقراطيةُ السياسيةُ القائمة على الطائفية والمحافظة الاجتماعية وغيرُ القائمة على ديمقراطية المصنع والمعهد العلمي والعلمانية لرجوعه للوراء وتخريب ما صنعه السابقون.
حداثةٌ وديمقراطيةٌ بدون تصنيع متطور واسع، وبدون كسر سيادة المادة الخام والخرافة الناتجة عنها والذكورية والقبلية وأخواتها المعششة في الأبنية الاجتماعية، هي مرادفة لمرحلة المانيفاكتورة الأوربية في تلك القرون التحضيرية للثورة الصناعية الديمقراطية، فكانت قريبة من العصور الوسطى وتجاوزتها، والتي لم تنتقل إليها إلا عبر الصناعة الآلية الجماهيرية.
وحتى الانتقال للصناعة الآلية يحتاج لتطورات كبيرة في حقوق الإنسان وثقافة الجماهير ومن هنا نحن نقترب من الدخول في العصر الحديث، لكن عبر قيادات طليعية ديمقراطية تقرأ بموضوعية أسس التطور الاجتماعي الحديث وتدفع باتجاهها لا أن تخالف المسار البشري العام.
لكن بدلاً من ذلك يحدث العكس!
فتجد القوى التقليدية جمهوراً أكبر مؤيداً لها في العلميات السياسية، لكن من أجل أن تكرسَ كسلَهُ وتقليديته وسيطرات متخلفة فيه، فتستغلُ أصواتَهُ لبقائهِ في أوضاع يريد أن يتجاوزها لكنه لا يعرف كيف، ويدركها عبر نصوص دينية مُبسّطة الفهم لديه، فيريد أن يحصل على تطور ومعيشة جيدة بدون أن يتغير بعمق في عاداته العملية وقراءته الفكرية وأصواته السياسية.
هذا الجمهور هو الذي يحدد التطورَ القادم وهو يعيشُ في الماضي، فيجرب في بلدانه وحياته.
22 ــالعربُوفشلُالتجريبِالسياسي
صراعُ الإقطاعين السياسي والديني إمتد طويلاً خلال العقود الأخيرة.
كلما جاءت قوةٌ سياسية للسلطاتِ العربية لم تستطعْ أن تنشرَ الحرية والديمقراطية والإصلاحات الاقتصادية الاجتماعية، فهي ترثُ إمتيازات السابقين وربما قامتْ ببعض التغييرات لكنها ترثُ نفسَ أجهزة الدول السابقة بلوائحها وموظفيها ودورها المتنفذ.
الانقلابات العاصفة والانفجارات الكلامية السياسية خلال عقود وتحرك الملايين الهادرة في الشوارع، لم تُحدث تغييراً عميقاً، الإقطاع الجمهوري السياسي يرثُ الملكيَّ، أو ينسخُ الإقطاعُ الجمهوري نفسَهُ عبر إنقلابات يكررُ نفسَ النظام الانتاجي الاجتماعي السابق.
حين تصعد فئاتٌ متوسطةٌ تظهر لا على أساسِ الانتاج بل على أساس علاقاتها مع الدول والأجهزة.
الأفكارُ الليبرالية والديمقراطية والإسلامية التحديثية تظلُ في داوئر ضيقة غير متغلغلة جماهيرياً لأنها لا تقوم على أساس طبقات رأسمالية حرة أنتجتْ رساميلَها من السوق الاقتصادية.
القوى الانتاجية الشعبية تظلُّ بدون إصلاحاتٍ فالأريافُ تعاني الفقرَ والملكيات الزراعية الواسعة المتخلفة في أسلوب الإنتاج حيث قلة المكائن والعمال الأحرار، أما القطاعات العامة التي تزدهي بها الأنظمةُ وتصنعُ مواداً أولية تعبرُ عن مكانة الدول حسب سعر المواد لا حسب قوة الإنتاج، فإنها تتعرض لنفس الطفيليات الاقتصادية، وبهذا فإن القطاعات الاقتصادية المختلفة تعيش ما قبل الحرية.
مرت الدولُ العربية بثلاث ثورات حتى الآن، فكانت الثوراتُ الليبرالية في البداية، ثم الثوراتُ العسكرية، والآن الثورات الدينية.
الليبرالية حاولت قصقصتْ أجنحةَ الإقطاع ثم أنزلقتْ هي إلى حضنه، فكان ملاكُ الأراضي العرب وهم حضن الليبرالية والذين يقيمون مصانعَ على ضفاف الزراعة مالبثوا أن تكرسوا كإقطاعيين أكثر منهم برجوازية صناعية.
الحداثة الصناعية تتطلب ثقافة سياسية علمية تقنية مكلفة، والمصانعُ ذات دورات رأسمالية مطولة، وهذه المصانع الخاصة كانت تُجابه بصراع سياسي نقابي طفولي في أغلبه، والتوجه للرساميل العقارية والخدماتية أسهل وأجزل، وبالتالي تغدو العودة للإقطاع قوية.
إضافة إلى أن إقامة ثورة إنتاجية ثقافية علمية أمر مكلف وخطير.
المرحلة الثورية العسكرية قامت بتأميماتٍ وهيجان سياسي كبير وقالت بأنها ستغير الملكيات الزراعية الكبيرة وتنقلُ الأريافَ العربية للتحديث والغنى الاقتصادي لكنها لم تفعل ذلك عبر إعتمادها على نفس المكائن الحكومية القديمة التي تسربت الثروات إليها وبدلاً من الباشاوات صار الضباطُ الكبار باشاوات.
الثوراتُ الدينيةُ الراهنة عكست فشل قوى التحديث العربية بل كانت صفعات إجتماعية سياسية على وجوهها، الجانب السياسي من الدول الذي عكس الإقطاع السياسي، أتضح فشله ولكن ليس لخطوة للإمام بل للوراء. لم يقم بتراكمات ديمقراطية إجتماعية عميقة في الأبنية.
الإقطاعُ الديني يصعدُ من خلال هذه الجماهير العريضة المحطمة عيشاً ووعياً، ويستولي على نفس المكائن القديمة، ويريدُ شحنَها بزيته الخاص.
الدكتاتوريات تغدو دينيةً هذه المرة، وتظهر شرائح طائفية كل منها ضد الأخرى، مثل اللصوص الذين أتفقوا على الجريمة لكنهم إختلفوا بعد الحصول على الغنيمة.
وكل يوم تتفجر قضية دينية بشكل، وتنجرف كتلُ الجماهير للصراخ والعنف وتكرر ما فعلتهُ جماهير الخمسينيات والستينيات من غضب ولكن بأشكال أكثر فجاجة.
إعتمدت الجماعاتُ الدينية على حشد الغوغاء، وهي هذه الجماهير المُدمَّرة من تنميات رأسماليات حكومية غير مخططة ولا عادلة، ويتم صناعة هذه الجماهير مثل الجماهير الشمولية السابقة بالشحن والجمل المقطوعة السياق عن العلم وعن الدين، وبالهياج العصبي، والعنف المدمر.
كتل الثورات الثلاث، وجماهيرها، وثقافاتها مدعوة لرؤية الماضي والحاضر، ونقد تاريخها، ومعرفة سببيات تدهور مشروعاتها التحويلية وإستبدال آرائها وخطاباتها بقراءة موضوعية للواقع والتعاون الآن خاصةً بعدم التفرد السياسي، وبضرورة المشاركات الواسعة ورفض الاستقطابية الطائفية التي هي مكمن الضعف في المشرق العربي الإسلامي، والإستقطابية الدينية في مصر التي هي مكمن الخطأ التاريخي الوطني فيها.
ثوراتٌ تجريبية مكلفة كثيراً ولم يزل العربُ في مكانهم الأول في بداية القرن العشرين. وهم مرة أخرى أمام الحل وهو الديمقراطية الغربية العقلانية.
23 ــهليسرقالإقطاعُالدينيالثوراتالعربية؟
هناك وجوه شبه عديدة بين الثورة الشعبية الإيرانية وسرقتها من قبل الإقطاع الديني والثورات الشعبية العربية التي تكاد تُسرق.
واجه العائدون من المنفى والجماعات الدينية المحافظة الإيرانية شعباً جباراً إنتزع نظاماً دموياً وفيه قوى يسارية وليبرالية عديدة ونشطة، وكانت كل هذه الكتل تجعل حضور الدينيين المحافظين ضئيلاً، فكيف إستطاع هؤلاء إقامة دكتاتوريتهم التي فاقتْ عسفَ الشاه؟
علينا أن نرى أولاً البنية المحافظة القومية التي أُسستْ من قبل الأنظمة السابقة، إنها قد بدأت منذ قرون، عبر العزلة الإيديولوجية الصارمة عن المحيط الإسلامي، وتغذية التعصب الطائفي ونشر الأساطير وتنمية الأدوات العسكرية في الهيمنة والتوسع الجغرافي وضم القوميات الإسلامية الأخرى وقمعها.
فجاء التحديثُ من قبل الشاهين الأب والابنِ سطحياً ومن خلال نفس الأدوات الحاكمة، فهو إصلاح يتوجه لتطور التعليم والجيش وشيء من الحريات الاجتماعية، لكن نظام المحافظة والسيطرة على النساء والقوميات الأخرى والعقول وتشكيل برلمانات غير معبرة ديمقراطياً وتبادلياً للسلطة، إستمرت بقوة معبرة عن رفض الطبقة العليا الإقطاعية القومية الفارسية للتحديث الديمقراطي، ولهذا إنتشرت الأفكارُ الفاشية وتغلغلتْ بين المجموعات الدينية السياسية المتنفذة. وليستْ شعاراتُ الدينيين سوى السطوح الخارجية لهذه الفاشية الدينية التي تغلغلتْ وخلقتْ التعصب وروح المغايرة عن المسلمين والبشرية.
ظهر ذلك في بروز الصراع بين الليبراليين من جهة والدينيين الفاشيين من جهة أخرى يعاضدهم حزبُ تودة (الشيوعي) وجماعات مجاهدين والفدائيين.
كانت شعارات الدينيين المعادية للحداثة والديمقراطية والأنسنة تتغلغل فحتى في إحتفالات الطلبة الإيرانيين في أمريكا وأوربا إنتشر العداء للغناء والرقص والفنون الحديثة، وبدأت الألبسةُ القمعيةُ تُفرض على البنات الحديثات كشكلٍ من أشكالِ السيطرة على تفكيرهن وليس بدعوى الأخلاق، وأُيدتْ إجراءاتُ القمع من قبل الحكومات الشمولية في الشرق بدعوى نضالها ضد الاستعمار!
ومن هنا تسارعت في الاحتفالات الأولى بإنتصار الثورة الإيرانية عملياتُ الإعدامات بدون محاكمات أو بمحاكمات صورية وأثارت هذه المذابح العالمَ فقال الخميني ببساطة (أتعطى حقوق الإنسان لهذه الحيوانات؟).
وتتالت الإجراءاتُ؛ إغلاق الصحف الديمقراطية المختلفة، والهجوم على حريات النساء المحدودة، وعزل الليبراليين من السلطة، وإبعاد رجال الدين المناوئين للدكتاتورية، وتشكيل الفرق العسكرية من العامة المتحمسة طائفياً ثم حل الأحزاب بعد ذلك.
وفي هذا الهجوم كان بعض اليساريين المزعومين يدافعون عن هذه الإجراءات، فبالنسبة لحقوق النساء يقولون: ليس المهم حق المرأة البرجوازي الفردي بل نضال الشعب ضد الاستعمار والغرب!
غض (اليسار)عن عمليات تآكل القشرة الليبرالية الديمقراطية الإنسانية الضئيلة لنظام الشاه، ولم يقم بجبهة عريضة ضد تنامي الدكتاتورية.
وتلعب مشهدية (السفارة الأمريكية) والهجوم عليها في طهران دوراً متشابهاً في تصعيد قوى الفوضوية والعنف كما حدث عربياً، فقد عبرت لغة (وكر الجواسيس) كما كان يُطلق على السفارة الأمريكية المستباحة عن خطط لإثارة مشاعر الجمهور المسيّس الطائفي ودفعه ليكون أداةً للقمع الشامل ضد الشعب وللحرب.
كان إستغلال العقيدة ومظاهر العبادات لتكوين نظام دكتاتوري إيراني يتم بشكل واسع وساحق، في كافة المظاهر من مراقبة ومهاجمة ملابس وزينة النساء حتى تشكيل فرق مسلحة تسيطر على الأحياء في كل المناطق.
الأوضاع العربية تختلف ولا شك، ثمة دول متعددة، المركزيات الساحقة في كل دولة ضعيفة، لكن يمكن تصعيدها عبر الشحن الديني لكون هذه الفئات تتوجه نحو مراكز الثروات وتوزعها بين جماعاتها، فتكّون طبقات إستغلالية جديدة، وبالتالي تدافع عن مصالحها بدعوى الدين، وقد لاح ذلك في تصعيد جوانب متعددة من المظاهر العبادية كأشكال حادة مناوئة لبقية المسلمين والمواطنين، ومنع الاحتفالات الثقافية والمعارض الفنية، والاعتداءات المسلحة على السفارات وقتل موظفيها البارزين، والهجوم على النساء في حرياتهن وخصوصياتهن، وخاصة الممثلات، وإستخدام مراكز العبادة للسيطرة الحزبية.
هذه وغيرها مؤشرات لعمليات التصاعد وهناك قوى متعددة تريد عدم نجاح الأنظمة الجديدة في ديمقراطيتها وإنهاضها للشعوب العربية والأمم الإسلامية.
24 ــالمَلكيةُوالجمهوريةُوتناقضاتُالوضعِالعربي
الأشكال السياسية للعرب من أنظمةٍ وأحزاب تعبرُ عن طابع سياسي هلامي، ليستْ له جذورٌ راسخة، لكون العلاقات الاقتصادية الاجتماعية في برزخ الانتقال بين الإقطاع والرأسمالية فلا هي إقطاعية ولا هي رأسمالية، وهي مختلطة ومتناقضة.
الثورة الفرنسية التي توجهت للجمهورية لم يكن لها جذورٌ لحكم الجمهور، لقد كانت قفزةً في الهواء التاريخي، فالنظامُ الإقطاعي لا يزال قوياً، والنظام الرأسمالي لم يتكون بعد.
ولهذا اعتمدت الجمهوريةُ على العنف والفوضوية وحاولت ترسيخ مبادئ المساواة والتقدم بأشكال أيديولوجية شعارية.
كما قفزت على الأوضاع الأوربية القارية، حيث تسود المَلكيات، مما أدى إلى حروب ضارية رهيبة بين الجانبين.
لهذا فإن الشكلين السياسيين وما معهما من حزمة سياسية تعرقلا معاً، وظلت المعركة بين الملَكيين مؤيدي الإقطاع والأحرار مؤيدي الجمهورية والتحديث غير محسومة حتى تصاعدت التطورات الرأسمالية خلال قرن فغدت العلاقاتُ الاقتصادية الاجتماعية الناتجة عنها أهم من الأشكال أو أنها دمغتها بمضمونها.
ولهذا فإن العرب المجددين في إختيارهم الأشهر الفرنسية للثورة في يوليو كانوا ينقلون نفسَ المستوى المتخلف لفرنسا الإقطاعية إن لم يكن أكثر، حيث المقدمات النهضوية أقل بكثير.
وعلى عكس فرنسا فإن العلاقات البضاعية الحرة لم تُعتبر خارج الصراع السياسي العربي الجمهوري، فالجمهورية لم تكن ثورة جمهور بقدر ما كانت إنقلابَ عسكر. وقد حاول بعض العسكر أن يحركوا العلاقات التقليدية في جوانب شتى، بنشر الثقافة وجوانب من الحرية والتطور الاقتصادي، لكن الدكتاتورية الجمهورية لم تستوعب طبيعتها الطبقية ككيانٍ يفترضُ فيه تعميق التطور الاقتصادي الحر، أي مساعدة الطبقة الوسطى والطبقة العاملة المنتجتين في الصعود الكبير، لكن إنشاء صناعة مسيطر عليها حكومياً، ومحدودة وغير مرتبطة بتحويل القوى ما قبل الرأسمالية الريفية والبيتية والحرفية للتصنيع جعلت الجمهوريات مثل الجمهوريات (الاشتراكية) بلا جمهور تحديثي ديمقراطي، ولهذا ظل الجمهور يعيش في الإقطاع فيغدو الإرث الطائفي المحافظ هو المسيطر عليه.
وفي حين أن الأنظمة الوراثية ظلت في نفس العلاقات التقليدية لكن بعضها لم يضع العقبات لنمو الفئات الوسطى والعمالية الوطني الحرة، ولهذا ظلت الأحزاب تتنامى والتراكم الديمقراطي أكبر من الجمهوريات.
ولهذا فإن الجمهورية بشكل طائفي محافظ تغدو أسوأ، فبدلاً من أن يجري تحرر الريف والنساء التحديثي وتنامي حريات الجمهور يفرض الريفُ تخلفَه على المدن.
ولهذا فإن الأشكال المستعادة من القرون الوسطى والتي تتشنجُ في الأرياف والبوادي والتي تتجسد في حكمِ أمير الجماعة المطلق، وتحويل النص الإسلامي التوحيدي النهضوي لنص طائفي حربي، لا يمكن أن يتجذر تحديثياً فهو يعود للوراء.
وهذه الأشكالُ المتخلفة المستعادة من القرون الوسطى تشير كذلك إلى جوانب النقص في الجمهوريات والمَلكيات العربية وعدم قيام الأشكال السياسية بمد الجسور البنائية الاقتصادية مع المناطق الفقيرة الزراعية والرعوية والحِرفية وجذبها لدوائر التطور الاقتصادي، الذي يغدو بأشكال رأسمالية حكومية وخاصة إستغلالية عبر هيمناتِ المراكز غير المُرَّاقبة ديمقراطياً، وهو أمرٌ يفككُ تلك المناطق ويفقرها ولا يقدمُ لها البديلَ الاقتصادي العصري.
إن عمليات رجوعها الحادة للإرث الماضوي التي تنعكسُ في فوضى المرجعيات ومغامراتها وتضخم إمارة الفرد أمير الجماعة المطلق تعبرُ عن هذه الاختلالات في الهياكل الاقتصادية الاجتماعية الوطنية، وهو شكلٌ لا جمهوريَّ ولا ملكي معاً ويعيدنا للقَبلية الرعوية وغزواتها وهو أمرٌ يبين ضخامة الاختلالات في الوضع العربي الإسلامي.
25 ــالربيعُالعربيإضطراباتٌضدأسلوبِإنتاجٍمتخلف
عبرت أحداثُ الثورات العربية عن إحتجاجاتٍ لم تبلغ مستوى الوعي تجاه جذور المشكلات التي تعاني منها الجماهير العربية.
الأسلوب الانتاجي المعتمد على تصدير مادة خام تعرقلَ أكثر بهيمنة رأسماليات دول شمولية التي هي تعبيرٌ عن تضييع فائض القيمة على النُخب البيروقراطية الحاكمة والأحزاب الحاكمة الجماهيرية، وكلما كانت هذه الآليةُ قويةً إستنفد أسلوب الانتاج نفسه أكثر.
ربما كانت المادةُ الأولية هي الفوسفات أو البترول أو حتى القات أو مجموعة من المواد الصناعية والزراعية، وهي تعطي أسلوباً شبه موّحد لدى هذه الدول، حيث أن المادةَ الخام لا تشكلُ شبكة صناعية إجتماعية سكانية واسعة، فلا تعطي مجالاً لصناعات شعبية تلغي البطالة الواسعة، ولا تدمج الشباب القوة الرئيسية في الانتاج والعلوم في الاقتصاد، وهذا يترافق مع تحجيم القطاعات الاقتصادية الحرة والانتاجية الصغيرة، ومع علاقات إجتماعية أبوية، لا تتيح لعمل جماهيري ذكوري متطور فدع عنك الحضور النسائي المأزوم، وهذا يردفه وعي طائفي ديني محافظٌ يقتاتُ على سببياتِ الحِرف لا معرفة القوانين الكبرى للوجود، وكمثالٍ على هذا ما طُرح في وعي المعتزلة منذ ذلك الوقت، فيقالُ من صَنع الطاولة؟ فيكون الجواب هو النجار ومن صنع الكون؟ فيقال هو رب العالمين.
لهذا فإن الوعي المذهبي السياسي المكون بهذه العقلية هو الذي يقفز للسلطات ويعيش إجابات الحِرف، لا أسئلة الصناعات الكبرى والثورة التقنية والعلمية.
فلا يدرك أن أسلوب الانتاج المتخلف هو سبب أزمات الإسكان والانحراف الأخلاقي والأدمان لا الأخلاق والحداثة والتغريب!
شبكةُ صناعات كبرى جماهيرية هي نتاج تراكمات إقتصادية وسياسية تنموية تستطيع حتى رأسمالية دولة شمولية كالصين أن تقوم بها عبر التخطيط خاصة مع توفر قوى العمل الشعبية غير المكلفة كثيراً.
وحتى بدون مادة خام كبرى مهيمنة يمكن إطلاق قوى العمل، لكن شبكات البيروقراطية العربية إتحدت مع مذاهب سياسية محافظة متخلفة حجّمت من قوى العمل الجماهيرية وإفتقدت الحيوية في أجهزة الدول.
أسلوب الانتاج المتخلف عبر سيطرة المادة الخام الرئيسية يتواكب مع قطاعات إقتصادية مفككة، فليس هناك جهاز دولة ديناميكي يستطيع أن يخلق تعاوناً بين هذه القطاعات ويطلق طاقاتها ويخلق خططاً عبر دراسة السوق وظروف التصدير.
المشكلة ليست في الرئيس أو الحزب الحاكم المشكلة في أسلوب الانتاج وهو الذي شكلَّ الرئيس والحزب الحاكم، فعبر فائض إقتصادي وجمود الهياكل الاقتصادية وتوجه الفوائض للرساميل العقارية والخدماتية، يتقلص أسلوب الانتاج حتى يضمر ولا يستطيع أن يلبي كل متطلبات القوى الحاكمة وتبذيرها وسوء إدارتها.
بين السببياتِ المولِّدة للانفجارات والوعي بها مسافاتٌ كبيرة، فأغلبُ الوعي أتجه إلى النتائج لا إلى الأسباب، والوعي الشعبي ووعي النخب، تقلصت الفوارق بينهما، بالتركيز على النتائج التي يجب أن تتغير وترك الأسباب المسببية للنتائج.
غدت المعارك حول الرئيس والدستور والحزب الحاكم وهل هو حزب ديني أم علماني، لا أن يتوجه الصراع حول مَن لديه خطة لتغيير أسلوب الانتاج المريض، ومن يقدر على إدارة البلاد بكفاءات نزيهة حصيفة تتجه لمولدات الانتاج الضعيفة والمعطلة وتحركها.
وكم يقدر هذا الحزب على تفعيل الانتاج بدرجة ثلاثة أو درجة خمسة وتكون نتائجه في تشغيل الناس كذا، فيعرف معدلات الأجور والأسعار والإدخار، والحزب المنافس يطرح أرقاماً مسئولة أخرى وتكون المباراة حقيقية في صناديق الاقتراع ونتائج الانتاج.
بهذا تحولت الثورات إلى إضطرابات فلم تحدث نقلة في الطبقة الحاكمة للرأسمالية الحكومية البيروقراطية المتكلسة، التي يجب هي كذلك فصلها عن الإدارة وتوجيهها للعمل والانتاج الخاص لا للتحول إلى عدو يتسلل كما حصل ويصير جزءً من الأحزاب الدينية الحاكمة عبر تغيير ديكور وجهه ووضع مسبحته في يده.
تراكضت الإداراتُ نحو إستغلال الشركات العامة للشركات الخاصة وتضييع الفوائض الاقتصادية على الجماعات الحاكمة وبقاء نمط إنتاج المواد الخام وبقاء التخلف والأمية والثقافة الاستهلاكية السوداء مما ينتج جماهير أكثر تخلفاً وغضباً وفوضوية!
26 ــالعربُونقدُالواقع
أعتمد الوعي العربي على عدم نقد الواقع الكلي، وهو الواقع كنظام إجتماعي معرقل للتطور، وتوجه لصورٍ جزئية ماضوية وحاضرة ومشكلات جزئية، يكررها أو يرتفع عنها للخيال، متجمداً أمام واقع لا يتوقف عن الحركة، ويزداد تعقيداً فيما يوارب الوعي ويتوقف عند الظواهر الثانوية.
في الوقت الراهن تنفجر القضية من خلال جذورها الدينية التاريخية غير المُحلّلة، غيرالمنقودة بعمق، مع بقاء نفس النظرة الإيديولوجية الزائفة في رؤيتها والمدعية فهم الواقع والتعبير عن الناس.
شكلان إقتصاديان إجتماعيان متقاربان يضم الفرقاء المتصارعين: رأسمالية حكومية تغدقُ أغلبَ الفوائض على جماعة، ورأسمالية دينية تقوم بنفس التصرف.
هذا الشكلان يعبران عن مستوى واحد من العلاقات الانتاجية والاجتماعية، فالعرب والمسلمون في قارب تاريخي واحد، لكن يحدث صراع بدائي بينهما يتسم بسمات الأنظمة ما قبل الرأسمالية ومشكلاتها.
ثمة فوارق جزئية هنا وهناك: تشدد ديني في جهة، وتشدد أقل في الجهة الأخرى.
هيمنات عسكرية متماثلة وضياع موارد في تسلح وصراع وحروب.
لكن المناظير الإيديولوجية تصور الفريقين وكأنهما مختلفان جوهرياً وكلٌ منهما حسب نظر أصحابه يعبر عن الحقيقة والتطور والمصلحة الشعبية والدين.
أعتمد النظر عند الفِرق والتيارات العربية الدينية على فرضِ منظور إيديولوجي خارجي على الواقع وعدم قراءة الواقع.
كالخوارج أرادوا حكم المدينة عبر شعيراتٍ دقيقة ملتهبة من الأحكام والجمل الدينية الباترة.
وقام المعتزلةُ بصناعة جملٍ عقلانية صغيرة لرؤية الواقع لكنها جملٌ محدودة تتوجه للبناء الديني وتعزله عن الصراعات الاجتماعية والاقتصادية، فكان هذا يجعل نقدهم المحدود يتضاءل في قيمته، ويعجز عن الامتداد في قضايا المال العام والخراج والجزى وتوزيع الدخول على الناس حتى تنقطع أنفاسهم النقدية وتتركز أنظارهم على جيوبهم.
هذا ما يفعله معاصرون في تعميمهم لسمات الدول العربية وإلغاء جذورها في البُنى الاجتماعية والهياكل الاقتصادية التي تجمعها في سماتٍ بيروقراطية شمولية وتوزيعاتِ دخولٍ متخلفة وغير عادلة وكلها تحتاج للالتحاق بنظم العالم الديمقراطية الحداثية.
وهكذا فإن الصراعات بين التيارات السياسية تتركز في هذه الخنادق الضيقة، فأغلبها لا يقبل أن ينضم للديمقراطية المعاصرة العلمانية، مبعداً قسماً إجتماعياً وإمتيازات معينة وثقافة فكرية عتيقة عن النقد وعن ضرورة التغيير.
فرقاء حداثيون يكتشفون في مجرى الصراع السياسي أن الجماعة التقليدية غير ديمقراطية وغير وطنية وأنه يجب إبعادها عن الحكم.
والجماعة التقليدية بقيت طوال عقود تكرسُ نفسَها في تنمية الدكتاتورية وخلق عامة عنيفة، لكن النصوص الحداثية الوطنية لم تعالجها نقدياً وتعريها سياسياً فأنتشر وعي زائفٌ لدى الجمهور عن هذه الجماعات: الغائبة عن النقد.
الجماعة الحداثية نفسها منزلقة للتقليدية والانتهازية والمناورات السياسية مع الجماعات التقليدية وينفجر صراعها مدمراً أوضاعاً وكتلاً مختلفة وتكتشف أجنحةٌ متعددة إنها تتحطم وتنشل سياسياً فجأة.
يعبر التجريب في اللحم الشعبي عن الانفصال بين النخب الفكرية السياسية عن العلوم والواقع، وعن نموها الشمولي وعدم إقامة علاقات فكرية حوارية ونقدية مع الأجسام الشعبية المختلفة، فكرست نفسها في التكوين الشللي والعصبوي والمنفعي، وحين تنمو ديمقراطياً بشكل فعلي يعتمد هذا على طبيعة الأفكار السياسية التي تتبناها ومدى ديمقراطيتها وكشفها لحقائق الواقع وعدم صدورها عن إيديولوجية شمولية متيبسة وبضرورة علاقتها الحية مع الجمهور، ولهذا تصبح مسائل تحويل الواقع بالغة الصعوبة وبحاجة لمنجزات العلوم الاجتماعية ولمناضلين مفتوحي العقل لفهم الواقع ونقد الذات والتاريخ السابق واللاحق.
السلطة الكلية العربية الغائرة الممتدة تاريخياً للزمن التقليدي وهياكلها الاقتصادية الاجتماعية تُضفي على القبائل والجماعات والفِرق والتيارات مضامينَها الغائرة المسيطرة، مضامين هيمنة الذكور وملاك الأرض الكبار والموارد، وهيمنة النصوص المسبقة والتفسيرات الذاتية المرتبطة بأشكال إنتاجية مقيدة ومحدودة.
وكلما تأخر تحويل تلك البنية كلما أهترأت أشكال الوعي وتعقدت المشكلات وتنامت، كما من الصعوبة أن تنفصل أشكال الوعي التقليدية عن مصالحها ولهذا تغدو المكشلة تاريخية معقدة.
27 ــمنتجاربالأحزابِالعربية
يغرق النظام التقليدي المستعاد من العصر الوسيط في أزماته العميقة، وقد رأينا في حلقات (العصبية والعمران) كيف قام الحكم البريطاني في العراق كنموذج عربي حاد في إنعاش العديد من العلاقات الإقطاعية وتصعيدها.
سنرى بشكل ملموس كيف يعود النظام التقليدي والمجتمع يتفسخ ويعود للوراء، أو كيف أن التشكيلة العتيقة تزدهر بكل تقاليدها الرهيبة.
إن القوى السياسية المعارضة ذات أهمية كبيرة في المقاومة المفترضة لهذه التركيبة المحافظة البالية، وهناك قوى عديدة تعود للمعارضة ولكن أبرزها الاتجاهان(الشيوعي) و(القومي العربي).
وقد رأينا كيف أعتمدا على الجمهور الشعبي وعلى قوى العشائر، وفي حين نهضت قوى المعارضة اليسارية على الجمهور العامل كانت تتعرض للضربات في حين كان الاتجاه القومي يبرز في أشكال عسكرية بارزة فاشلة في الثلاثينات والاربعينات من القرن الماضي ويتعرض للنكسات والاضطهاد.
ظهر الاتجاه الشيوعي معتمداً على حلقات مثقفين وتبلور بشكل جيد في لجنة مكافحة الاستعمار مركزاً على النضال الوطني، ولكنه فيما بعد ركز على تصعيد الاشتراكية وإنتصارها.
جاء في العدد الأول من نشرة الحزب الشيوعي العراقي السياسية:
إنه (يعتمد القوة والعنف لأنه يعلم جيداً أنه ليس هناك دولة أمبريالية تعطي بمحض إرادتها الحقوق للشعوب المستعبدة كما أنه ليس هناك طبقة تتخلى عن إمتيازاتها سلمياً)، (فهد والحركة الوطنية في العراق، دار الكنوز الأدبية، ص 164).
إن النضالات التي خاضتها الجماعة لتنوير الشعب وتصعيد إرادته الوطنية كبيرة، لم تقم خلالها بدرس التشكيلة وتاريخها ومشكلاتها الراهنة وكيفية تغييرها، فلقد كان الارتباط بالاتحاد السوفيتي مُسوقاً لأفكار سياسية وتنظيمية وفكرية جاهزة، وكان القالب الذي رست عليه تجربة رأسمالية الدولة القومية الروسية هو تصدير تجربتها كتجربة إشتراكية قادرة على حل تناقضات الشعوب وتجاوز المرحلة الرأسمالية.
كان هذا مهماً للدفاع عنها والهجوم على القوى الغربية.
كانت التجربة الروسية وقتذاك بين الثلاثينات والاربعينات قد عَبرتْ المخاضَ الأولي الذي حول الثورة القومية الاجتماعية بتضحيات الجمهور الشعبي إلى رأسمالية دولة ذات توجهات شعبية نهضوية واسعة سيطرت فيها القوى الإدارية والعسكرية العنيفة بحيث غدا النهج الشمولي هو المعبر عن هذه الماركسية الشرقية التي غدت نسخة للعديد من التجارب.
فيما كانت بريطانيا ترسخُ الإقطاعَ كانت روسيا تطرح قفزة(الاشتراكية). لهذا فإن الموديل التسريعي لسحق الإقطاع والبرجوازية سيكون هو المهيمن على قيادة الحزب العراقية المتحولة لهيمنة فردية شبيهة بالمركز. وهذا الأمر الذي صعّد الصراعات الخطيرة كاعتقال الضباط اليساريين وتصفية بعضهم والقيام بهجماعات قمعية شديدة على الحزب.
لم يكن بإمكان الحزب وقتذاك التغلغل في الجيش العراقي وهذا كان من نصيب الجماعات القومية.
كانت حركتا بكر صدقي رشيد عالي الكيلاني تعبيرين عن تصاعد نفوذ زعمائر العشائر وقوى الإقطاع البدوية خاصة في الأجهزة العسكرية والحكومية وهم الشكلان السريعان اللذان لم ينجحا كمغامرتين لكنهما عبرا عن بداية التواشج بين قوى السنة البدوية وجهاز الجيش، وهو أمر تُوج بعد ذلك في تجربة البعث.
بعد القرن العشرين دخل العراق مرحلة تحلل، وكانت ثمار التواشج بين العشائرية ذات الجذور الإقطاعية والجيش، بين التقاليد والظروف التي لم تخضع لتحولات ديمقراطية وبين قوى العسكر، تكونُ رأسمالية الدولة العسكرية الدموية.
إن هذا التتويج للانهيار الداخلي المديد يعبر عن إنتصار العَصبية على العمران، وهيمنة النزعات العنيفة على قوى الحوار، وقوى العشائر والطوائف المحافظة على القوى المدنية.
لقد كانت رأسمالية الدولة العسكرية التي شارك في تكوينها اليسار واليمين الشموليان، عبر حلقات التاريخ السابقة، تعتمد مغامراتها على الدكتاتور، على زعيم العصبة، وجماعته، حيث أنسد التطور الداخلي أمام بصيرته السياسية الضعيفة، فلم ير سوى المغامرات الداخلية والخارجية، فراحت الدولة العراقية تتحلل وتعود لمكوناتها الطائفية والعشائرية والمناطقية.
28 ــالقبائلُالعربيةُوالتحلل
تكونت القبائلُ العربية على أسسٍ موضعية ضاربة في القدم، مشكلة سمات خاصة لهؤلاء القوم بتداخل الصحراء وظروف الاقتصادية والعيش الاجتماعي.
وإذا جعلت قدراتهم في العمل الانتاجي محدودةً متجهين للرعي والحرف والزراعة والغزو والعيش على سطوح الانتاج، فإن تجذرهم في التشكيلات التاريخية سيكون حسب نسب العمل ومدى مشاركة السكان في الانغراس في الانتاج.
لهذا فإن المرحلة الاسلامية المؤسسة القائمة على فعل التجارة التاريخي ستكون وامضةً، غير مسهمة في تحلل القبائل لتكون مجتمعاً منصهراً، ولهذا فإن صراع الطبقات الذي يعيدُ تشكيل هذه المكونات البشرية الترحالية في شعبٍ منصهر لن يكون له تغلغل عميق.
في التشكيلة الاقطاعية حيث حكم الأسر الارستقراطية تسيطر هذه التشكيلاتُ السكانية على البلدان المفتوحة وتتبدل من تجار إلى ملاكِ أراضٍ سياسية وخاصة ستقيم تجمعاتها السكانية وسيطراتِها المدنية وستغزو وتقوم بما كانت تقوم به في جاهليتها من قطف ثمار السلع بدون إنتاج، معتمدةً على جماعات من الأمم الأخرى لتقوم بحِرف الثقافة والمهن المختلفة حتى يظهر من أبنائها بعد عقود من يدخل في هذه الانتاجية التاريخية البطيئة.
لكن الأمم التي أسلمت تردُّ العربَ إلى مناطقهم، وتتغلغل فيها، وتفرضُ سيطرتها على مناطق الأطراف الشرقية. فيظهر تحلل العرب بشكل أوسع، وتتفكك القبلية في المدن، وتتعدد المستويات الاقتصادية بينها.
تقوم العلاقات التجارية والمالية بتفكيك القبلية ولكنها لا تصل لمستوى الرأسمالية الواسعة، وتظل الكيانات القبلية في جمودها التاريخي حتى الرأسمالية المعاصرة التي هي الأخرى لا تحقق التطور الواسع الناجز لاستمرار الهياكل الاقتصادية الحِرفية والزراعية مسيطرة، وتُسد من خلال الرأسماليات الحكومية التي تحيل القرابات الأسرية للسيطرة الاقتصادية السياسية، فلا تتفكك القبلية بشكل واضح وعميق بل من خلال التباين الاقتصادي السفلي.
لكن القبائل الفقيرة في المدن والأحياء الشعبية والبوادي الصحراوية شكلت إنصهارات متعددة وظهرتْ كأشكال شعبية جديدة لم تتغلب على الطابع القبلي السائد العام في المجتمعات.
ولهذا غدت الكثير من وحدات الشعوب العربية تجرجرُّ خلفها عوالم قبلية مختلفة، بكل الإرث الاجتماعي الثقافي التقليدي الذي تحمله، والذي يذوب ويتبخر في الحياة الحديثة.
التكوينات الكبيرة المسيطرة في المدن والبلدان لم تستطع أن تنقطع بنيوياً عن المرحلة التقليدية فطابع الرعي والغزو والإيجار والضمان والأراضي الصوافي لم تزل تضع بصماتها على التطور الاقتصادي السياسي، والإرث الاجتماعي الذكوري التقليدي مهيمن على قيم المساواة.
وهذا يحدثُ تقلقلاً بين مرحلتين تاريخيتين وتشكيليتين مختلفتين كما يشيع الانقسامات الاجتماعية السياسية، فلا تعرف هذه المجتمعات أين المسير هل هو للماضي أم للمستقبل؟
الملكية الخاصة لوسائل الانتاج لا تنتشر، والملكية العامة تغدو غير عامة، مثلما أن القبلي مضطرب في الحداثة والديمقراطية، ومن هنا فإن هذا التذبذب التاريخي بين الدين والحداثة، هو إضطراب في طبيعة التطور الاقتصادي الاجتماعي وعدم الحسم في الصعود للتشكيلة الحديثة وتبدل طبيعة النظم وتغيرها بين الخلافة والديمقراطية.
29 ــتحللُالعربِ: العراقُنموذجاً
يغرق النظام التقليدي المستعاد من العصر الوسيط في أزماته العميقة، وقد رأينا في حلقات(العصبية والعمران) كيف قام الحكم البريطاني في العراق كنموذج عربي حاد في إنعاش العديد من العلاقات الإقطاعية وتصعيدها.
سنرى بشكل ملموس كيف يعود النظامُ التقليدي والمجتمع يتفسخ ويعود للوراء، أو كيف أن التشكيلة العتيقة تزدهر بكل تقاليدها الرهيبة.
إن القوى السياسية المعارضة ذات أهمية كبيرة في المقاومة المفترضة لهذه التركيبة المحافظة البالية، وهناك قوى عديدة تعود للمعارضة ولكن أبرزها الاتجاهان (الشيوعي) و(القومي العربي).
وقد رأينا كيف أعتمدا على الجمهور الشعبي وعلى قوى العشائر، وفي حين نهضت قوى المعارضة اليسارية على الجمهور العامل كانت تتعرض للضربات في حين كان الاتجاه القومي يبرز في أشكال عسكرية بارزة فاشلة في الثلاثينات والاربعينات من القرن الماضي ويتعرض للنكسات والاضطهاد.
ظهر الاتجاه الشيوعي معتمداً على حلقات مثقفين وتبلور بشكل جيد في لجنة مكافحة الاستعمار مركزاً على النضال الوطني، ولكنه فيما بعد ركز على تصعيد الاشتراكية وإنتصارها.
جاء في العدد الأول من نشرة الحزب الشيوعي العراقي السياسية:
إنه(يعتمد القوة والعنف لأنه يعلم جيداً أنه ليس هناك دولة أمبريالية تعطي بمحض إرادتها الحقوق للشعوب المستعبدة كما أنه ليس هناك طبقة تتخلى عن إمتيازاتها سلمياً)، (فهد والحركة الوطنية في العراق، دار الكنوز الأدبية، ص 164).
إن النضالات التي خاضتها الجماعة لتنوير الشعب وتصعيد إرادته الوطنية كبيرة، لم تقم خلالها بدرس التشكيلة وتاريخها ومشكلاتها الراهنة وكيفية تغييرها، فلقد كان الارتباط بالاتحاد السوفيتي مُسوقاً لأفكار سياسية وتنظيمية وفكرية جاهزة، وكان القالب الذي رست عليه تجربةُ رأسمالية الدولة القومية الروسية هو تصدير تجربتها كتجربة إشتراكية قادرة على حل تناقضات الشعوب وتجاوز المرحلة الرأسمالية.
كان هذا مهماً للدفاع عنها والهجوم على القوى الغربية.
كانت التجربة الروسية وقتذاك بين الثلاثينات والاربعينات قد عَبرتْ المخاضَ الأولي الذي حول الثورة القومية الاجتماعية بتضحيات الجمهور الشعبي إلى رأسمالية دولة ذات توجهات شعبية نهضوية واسعة سيطرت فيها القوى الإدارية والعسكرية العنيفة بحيث غدا النهج الشمولي هو المعبر عن هذه الماركسية الشرقية التي غدت نسخة للعديد من التجارب.
فيما كانت بريطانيا ترسخُ الإقطاعَ كانت روسيا تطرح قفزة (الاشتراكية). لهذا فإن الموديل التسريعي اليساري لسحق الإقطاع والبرجوازية سيكون هو المهيمن على قيادة الحزب العراقية المتحولة لهيمنة فردية شبيهة بالمركز. وهذا الأمر الذي صعّد الصراعات الخطيرة كاعتقال الضباط اليساريين وتصفية بعضهم والقيام بهجماعات قمعية شديدة على الحزب.
لم يكن بإمكان الحزب وقتذاك التغلغل في الجيش العراقي وهذا كان من نصيب الجماعات القومية.
كانت حركتا بكر صدقي ورشيد عالي الكيلاني في الاربعبنبات من القرن الماضي بروفتين إنقلابيتين عن تصاعد نفوذ زعمائر العشائر وقوى الإقطاع البدوية خاصة في الأجهزة العسكرية والحكومية وهما التجربتان السريعتان اللتان لم تنجحا كمغامرتين لكنهما عبرتا عن بداية قيام الفئات الوسطى بتجاوز الدستور والقفز على المؤسسات التشريعية والقيام بمغامرات خطرة، وهو ما أيده جمهور واسع والأسوأ هو تأييد الأحزاب الوطنية وقد عبر ذلك عن سياق إنقلابي مغامر سوف يجد تطبيقه في الانقلابات التالية ثم في تجربة الشمولية العسكرية.
بعد القرن العشرين دخل العراق مرحلة تحلل، وكانت ثمار التواشج بين العشائرية ذات الجذور الإقطاعية والجيش، بين التقاليد والظروف التي لم تخضع لتحولات ديمقراطية وبين قوى العسكر، تكونُ رأسماليةُ الدولةِ العسكرية.
إن هذا التتويج للانهيار الداخلي المديد يعبر عن إنتصار العَصبية على العمران، وهيمنة النزعات العنيفة على قوى الحوار، وقوى العشائر والطوائف المحافظة على القوى المدنية.
لقد كانت رأسمالية الدولة العسكرية التي شارك في تكوينها اليسار واليمين الشموليان، عبر حلقات التاريخ السابقة، تعتمد مغامراتها على الدكتاتور، على زعيم العُصبة، وجماعته، حيث أنسد التطور الداخلي أمام بصيرته السياسية الضعيفة، فلم ير سوى المغامرات الداخلية والخارجية، فراحت الدولةُ العراقية تتحلل وتعود لمكوناتها الطائفية والعشائرية والمناطقية والقومية المحافظة.
لقد قال الأستاذ ساطع الحصري الباحث القومي المعروف في الاربعينات إن على العراق أن يلعب دور(بروسيا) الألمانية ويقود الأمة العربية ويوحدها لكن مثل هذه الشعارات المتغلغلة بين النخب أنتجتْ شيئاً معاكساً لذلك حيث على العراق أن يوحد نفسه ويعيد النظر في تاريخه
30 ــتحللُالعرب؛سوريانموذجاً
عبرت سوريا عن محاولة عربية أخرى كالعراق عن توحيد الفسيفساء الوطنية والعربية.
كان الجسمُ الامبراطوري العربي التوحيدي بقيادة الامويين قائماً على القسرِ وتكوين نخب وجماعات عسكرية وأهلية مدنية بمركز السلطة.
كان هذا يتوافق مع آراء مذهبية سنية غير متبلورة في مذهب متكامل، بل عبرَ إختيارات فكرية سياسية وامضة للحرية من جهة والمركزية من جهة أخرى.
في المسار التاريخي الطويل كان المركز ذا إمكانية غير متكاملة للسيطرة على سوريا الطبيعية، فالاقتصادياتُ الزراعية الحِرفية والتجارية الفردية والمناطق الجبلية الكبيرة المغايرة للبرية صنعتْ تنوعَ التكوينات السكانية الدينية والمذهبية الإسلامية المختلفة.
التباين بين مذهبية سنية ومذهبية علوية ومسيحية متعددة عبرّ عن إختلاف قسمي السكان الكبيرين، بين تقاليد قوى الرعاة وقوى الفلاحين.
بين النصوصيةِ الحادةِ وبين اللانصوصية، بين التفسيرات السنية، والتفسيرات العلوية، وقعَ ذلك الشرخُ التاريخي الذي لم يُدفن بثقافة وطنية تنويرية ديمقراطية علمانية حديثة.
وجاءت الهيمنةُ الفرنسية لتعمقه، فيما لم تستطع الحركات السياسية التحديثية قراءته ووضع السياسات لتجاوزه.
كان الجسمان السياسيان التحديثيان؛ القومي البعثي، والشيوعي، تعبيرين آخرين عن القراءات التي لا تقرأ قوانين البُنية الحقيقية.
إن البعثَ في إستيراديته الفكرية السياسية للفاشية الأوربية جسّد تكوين النخبة السياسية العسكرية المرتبطة بقيادة الزعيم المطلق، ورفض الديمقراطية والتنوع الوطني، في هلاميةٍ تحديثية برانية، وفي رؤية قومية شمولية ترفض قراءة التنوع الوطني العربي ومستويات التطور المختلفة بين الأقطار العربية.
عبرَ طرحِ صيغٍ توحيديةٍ قسرية ذاتية، تستلهمُ البدويةَ العربية الغازية والهيكليةَ الأموية – العباسية. ولهذا عرفتْ تسميةَ القيادة القومية والتمدد داخل أقطار الشام والتدخل في شؤونها بدرجة خاصة.
وقد عبرتْ في خلال الحكم عن تمثُل القوى الغنية والمتنفذة العليا الصاعدة التي غدت عسكريةً، وبدت طرق هيمنتها اللاعقلانية في الانقلابات المستمرة وصراعات النخب السياسية حتى تمظهر ذلك في النخبة المنتمية شكلانياً للطائفة العلوية.
وكان المسار الشيوعي مختلفاً حيث بقيت الصيغة الماركسية اللينينية تعبيراً عن النسخة الروسية من الدولة القومية ومن خيار رأسمالية الدولة العسكرية عبر رفدٍ شعبي نضالي في سنوات عديدة، لكن هذا التعبير عن الطبقات الشعبية غدا شكلانياً هو الآخر، حيث لم يلتحم بهذه الطبقات فكرياً وإجتماعياً ويعبر عن نقدها للنخب وطرقها في السيطرة، مما تجسد هذا أخيراً في(الجبهة الوطنية) غير المعبرة عن تنوع الطبقات وإختلافها.
هكذا عادت سوريا لتكوينها الجوهري في العصر الوسيط، أي إلى صراعها الطائفي السياسي بين المركز والأطراف، بين دمشق والأرياف والمدن الأخرى، بين الأمويين والعلويين، بين المنتمين شكلياً للمذاهب القديمة والمنتمين للتيارات الحديثة، فاليمينُ المحافظ الطائفي الديني إستطاع تذويب القوى الشعبية التوحيدية في مختلف العصور.
كان القمعُ الذي مارسه الجيشُ ضد الإخوان مقدمةً لهذا التقهقر للوراء، حتى تحول الجيش فعلاً إلى معبرٍ عن رأسمالية الدولة العسكرية، حيث السياسيين والمتنفذين والمال العام في جهة وبقية الشعب في جهةٍ أخرى.
ولهذا فإن الثورةَ ضد النظام لم تثر على التاريخ الطائفي الاجتماعي المتعدد الفِرق عبر العصرين الوسيط والحديث، ولم تحددْ طبيعةَ الخروج عنه برفضها التكوينات السياسية الطائفية، بل قامت عبر الاشتغال فوقها والاستعانة بها، فتداخلت الثورة والثورة المضادة، البديل والنظام، فلم يظهر يسارٌ ديمقراطي علماني لعالِم الفِرق المحافظة ذو حضور جماهيري، مما أدى لتدهور أكثر وظهور طبيعة العصر الوسيط العنفي الطائفي، أي قام الطرفان المركز والأطراف بتبادل الأدوار، بين جبهة النصرة والعسكر السفاح، رغم أن هذا التبادل هو شكلي، لا يغير من هوية القوى الاجتماعية إلا بتغيراتها العصرية، ولا يطرح أي بديل تحديثي ديمقراطي يتجاوز صراع الفريقين الممتد عبر مئات السنين.
31 ــتباينطرقِالتطورالعربية
رغم الكمية الكبيرة من المواد الفكرية والاجتماعية والسياسية التي أنتجتها الانتفاضاتُ العربية الشبابية إلا أنها لا تزال بكراً في تحليلها معبرة عن نفس زخم الأجيال الجديدة الحماسية.
إنها بلا مرئيات تاريخية عميقة، وتعيش على سطوح المجتمعات العربية، إنتقائية من مواقعها الدينية التحديثية، محافظة على مستويات المضامين، فهي تجثم على المجتمع المحافظ المذهبي الموروث الذكوري السائد.
الديقمراطيةُ الانتقائية خلافيةٌ مع الجهة الوحيدة التي تعارضها حسب تلك المواقع الانفعالية، فإذا كانت سلطةً ركزتْ كل السلبيات فيها، وإذا كانت عسكراً شنعت على تاريخها، وإذا كانت قوى مذهبية عرت محافظتها بفصلها عن جذورها ومجمل البناء الاجتماعي المحافظ الموروث التي تشارك هي فيه كذلك، وإذا كانت صديقة لها ضخمت من إيجابياتها ونست سلبياتها.
الديمقراطيةُ الانتقائية عند هذه الأجيال مؤدلجةٌ مفصلة حسب مصلحتها، ولحظتها الزمنية السياسية، فربما يتغير موقعها، وحينئذٍ يتبدل الكلام.
كذلك فإن مواقع الدول العربية مختلفة من حيث التطور الاجتماعي السياسي، فنقل المقاييس الانتقائية من بلد إلى آخر، هو ما تفعله الاتجاهات الشمولية العربية الكلاسيكية خلال العقود السابقة وهي التي سلمت الدول العربية للتوجهات الطائفية التي هي الوريثة لها.
ولهذا فإن جر دول الخليج لنفس أجندة دول الانتفاضات وتطبيق نفس المقاييس التجريبية والديمقراطية المؤدلجة الانتقائية هو خلق فوضى أكثر منها تحولات.
ولهذا فإنه بدون معايير الديمقراطية العلمانية العقلانية الغربية الإنسانية مطبقة على جميع القوى الاجتماعية السياسية حسب التطور السياسي لكل بلد، فإنها تغدو إنتقائيات تفجيرية.
ولهذا فإن مكافحة ظواهر العشائرية والطائفية في الحكم السياسي، والتغلب على الفساد، ودفع قوى التنمية الصناعية الجماهيرية وتغيير هيمنة العمالة الأجنبية وتغيير البيروقراطيات منتجة البطالة المقنعة وغيرها من الأهداف، تتم بالتدرج والخطط الشاملة، وليس بتلك التجريبية التجزيئية من مواقع القوى التابعة للطائفيين السياسيين.
هذه القوى التي تستهدف عرقلة التطورات الديمقراطية الوطنية في دول الخليج عبر الجمل الملتهبة فاقدة التبصر الموضوعي، وهي سبق تجريبها في البلدان العربية الأخرى وأنتجت أشكال الطغيان المعروفة.
القوى السياسية الطائفية لا تريد تطبيق المقاييس الديمقراطية عليها، ولا تريد عمليات تطور ديمقراطية خليجية مشتركة، فهي التي تحدد وقت وأشكال الديمقراطية، ولا تعترف بهذه المنظومة وظروفها المختلفة، ومستويات عيشها المتقدمة نسبياً عن غيرها من الدول العربية.
ضرب معايير الديمقراطية العقلانية العلمانية هي ما تقوم به في ضجيج حاد خالط للأوراق، وبدونه تظهر في عريها الشمولي وتخلفها، ورغبتها في عودة العرب والمسلمين للوراء، إلى النمط الذكوري المستبد المحافظ، وليكن ذلك في تشنجها حتى لو تم بالعنف.
التغيير المتدرج العقلاني في دول المنطقة يتطلب وعياً نقدياً صارماً للظاهرات السلبية، عبر طرح موضوعي، يكشف العلل ويدعو لتغييرها، مطوراً الايجابيات محافظاً على التطور وما تحقق فيه.
وليكن النقاد السياسيون يكشفون المشكلات ويدعمون التطور بلا إنتقائية وتجزيئية.
الانفجارات الفوضوية التي قامت بها هذه القوى عرقل مصالح الجماهير وكرس التخلف والبيروقراطية فكانت مساندة للسلبيات مؤكدة لبقائها الطويل.
كذلك وضعت الدول العربية والإسلامية بين الخنادق المتقاتلة، وساعدت القوى الغربية في تدخلاتها وتفكيكها للمسلمين، بدلاً من أن ترتقي بوعيها لفهم الإسلام والتاريخ المعاصر وخلق التعاون بين الدول العربية والإسلامية.
أسلوب النقل الميكانيكي لشعارات في بُنى وأوضاع مختلفة لدول أخرى سبق أن تم تجريبه وتجاوزه لكن ليست ثمة ذاكرة وطنية هنا.
32 ــفيالتطورِالعربيالعام
الدول العربية ذات مستويات تطور مختلفة، وهي مشدودة ككل دول العالم إلى التطور التحديثي العلماني الديمقراطي، ونرى الآن كيف أن فرنسا هي قمة التطور الصراعي الاجتماعي الديمقراطي الحديث، حين نضج هذا التطور خلال القرون الثلاثة الأخيرة، وكون هذا المستوى الذي هو محصلة لمستويات التطور الاقتصادية الاجتماعية الثقافية الطويلة.
ومن هنا نرى النموذج التونسي ومقاربته لهذا التطور وكيف راح الصراع الاجتماعي يتبلور، فالطبقتان البرجوازية والعمالية واضحتان وضوحاً سياسياً كبيراً، فمنظمات قوى رأس المال والمصالح الخاصة، متبلورة مثل منظمات العمال والحرفيين والشغيلة عامة.
أحزاب اليسار وأتحاد الشغل تعبر عن الانفصال الاقتصادي الفكري الذي لم يكتمل تماماً، فالفئات الوسطى الصغيرة وجمهور من الشغيلة كذلك لا تفرق بين الوعي الديني والحقيقة، فالوعي الديني الإسلامي المحافظ هو شكل الحقيقة لديها، ومن يعتنقه يعبر عن الناس ككل كما تتصور في وهمها الإيديولوجي.
ولهذا فرغم ظروف عيشها الصعبة ومعاناتها من الاستغلال الحكومي حيث الرأسمالية الحكومية البيروقراطية مركز الاستغلال في العالم الشرقي، فإنها تؤيد هيمنة إستغلالية جديدة على هذه المُلكية العامة وقد كانت باسم الحزب الدستوري وتغدو الآن باسم حزب النهضة.
وقد ساهم وعي اليسار الجامد في هذا الوهم، فلم يفهم الإسلام الحالي كأشكال محافظة مذهبية معبرة عن الطبقات العليا الاستغلالية القديمة وبعض التفسيرات الجديدة المحدودة، وبالتالي كان لا بد أن يمتلك تفسيره الشعبي النقدي لرؤية الإسلام، لأن اليسار الديمقراطي هو وريث كل التجليات الشعبية المناضلة عبر التاريخ، ولهذا يهتم بكل الحقب التاريخية دون أن يذوب في مستوياتها ومستوياتها الفكرية، وهو أمرٌ لا ينفصل عن علمانيته، وفصله الدين عن السياسة، وهو موقفٌ مركب دقيق كذلك.
التبلور الفكري الناضج في تونس يحتاج لخلخلة الوعي المذهبي السياسي المحافظ وإكتشاف جمهور النهضة لمصالحهم الطبقية المختلفة، وتجاوز الصيغة المحافظة هي مسألة قراءات معمقة في التراث وفي عمق الصراع السياسي الراهن.
هذا التبلور بين الطبقتين الحديثتين نجده يتقارب في مصر والمغرب، ومصر إستطاعت إحداث قفزة، لكن جمهور العمال والبرجوازية أو الفئات الوسطى عامة، متداخل هنا مع أجهزة الدولة، وإذ راح يبلور أيديولوجيته السياسية التحديثية في الدستور الجديد لا يزال يصارع من أجل هذه البلورة والأنتماء الراسخ للديمقراطية الحديثة على النمط الفرنسي المتبلور.
إن خروج الصراع الطبقي إلى الوضوح وإلى المؤسسات الديمقراطية الحديثة، وقد منعته مخاوفٌ أسطورية رهيبة خلال قرون، هو الحل السياسي المعاصر للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية.
والإيديولوجيات الدينية هي ضبابٌ فكري سياسي راجع للعصور الماضية، وحين تتكثف وتمنع الرؤى الاجتماعية والطبقات والفئات من إكتشاف مصالحها والدفاع عنها بشكل حضاري تُحدث صراعات مَرضية في المجتمعات تدفعها للانهيار، فبدلاً من المصالح الحقيقية المتعارضة تظهر مصالح ذاتية معرقلة هي تدخلات الدول ونَزعاتها الدينية والقومية المعبرة عن قوى بيروقراطية وعسكرية وتقليدية.
لهذا فإن تبلور هذا المستوى من التطور الاجتماعي السياسي في بعض دول شمال أفريقيا العربية لم يصل لدول المشرق العربي الإسلامي، الذي راح يغوص في صراعات ما قبل الحداثة، فالطبقتان الحديثتان المتبلورتان لم تظهرا على مستوى الخرائط الوطنية بوضوح من خلال أشكالها السياسية الاجتماعية وحضورها في المؤسسات العامة.
ولهذا فإن كثافة حضور المنظمات الدينية المذهبية القومية المتصارعة يجسد هذا التخلف على المستوى الاقتصادي الاجتماعي.
فهذه المنظمات لا تريد التعبير عن فئات بل كذلك عن مذاهب كلية وقوميات لم تتبلور وتعيش في إضطرابات خلال قرون، وهي بهذا تجرُّ الخرائطَ الوطنية للتمزق والحرق في أثناء إنسحابها للعصور الوسطى.
إن منظمات أرباب العمل والعمال خاصة في مستوياتها السياسية النقابية لم تتبلور وتغدو ذات أهمية وطنية، كما يحدث في تونس عبر تضامن ووحدة مؤسسات أرباب العمل وإتحاد الشغل على المستوى السياسي الوطني، مع وجود المصالح المتباينة على المستوى الاقتصادي.
إن الديينيين ذوي العقلية المحافظة يفرضون نفوذهم في المشرق على نحو عنفي شديد، معطين الصراعات الاجتماعية البسيطة أشكالاً مذهبية وقومية رهيبة غير ممكنة الحل خوفاً من ظهور أشكال الحداثة الديمقراطية التي تنزع سلطاتهم المتكلسة عبر قرون.
33 ــآفاقالتطورالعربيالراهن
ليست الصراعاتُ الراهنةُ التي تجري في بعض الدول العربية هي من أجلِ مقولاتٍ ومُثُل مجردة فقط، بل هي لتقرير تطور إقتصادي إجتماعي لصالح الأغلبية الشعبية العربية.
في بلدان ظهرَ فيها النسيجُ الاجتماعي – الديني بشكلٍ مُوَحدٍ متقاربٍ على الأقل، أمكن أن يتبلورَ الصراعُ في السياسة والاقتصاد وليس في الدين.
إن الجمهور الهائل الذي طالب بالحرية كان يعني الحريات السياسية التعبيرية بشكل أساسي، بسبب نظام دولة شمولي لا يسمح بالتعددية.
لكن ليس هذا سوى أدوات نحو تغيير الاقتصاد، فماذا يفعلُ الجمهورُ بحرياتٍ مجردة؟
الهدف غير المتبلور في الوعي السياسي النظري هو الحصول على حياة معيشية أفضل، وهو رقي الأوضاع الاقتصادية إلى مدى جديد يفيض بخيرات على الأغلبية.
وما يعيق هذا هو رأسمالية دولة متكلسة، صارت لها علاقات شخصية بأصحاب الحكم السياسي، وقامت بخلق إحتكار في السوق، وضيقت الأحوال الحرة في الاقتصاد.
وبطبيعة الحال ستكون الرأسماليات الخاصة العربية هي المستفيدة بشكلٍ كبيرٍ من هذا التوزان الجديد بين رأسمالية الدولة وقد صارت رأسمالية دولة وطنية (ديمقراطية) والرأسمالية الخاصة الحرة، وجاء مسئولون جددٌ راحوا يركزون على تفعيل خدمات الدول وإزالة بيروقراطيتها ونشر خدماتها، من أجل تطوير قوى الإنتاج العامة في كل مجال، سواءً بتفعيل أملاك الدولة أم تغيير الأحوال الاقتصادية لكافة الطبقات الاجتماعية.
يَحضرني بهذا الصدد وزيرٌ في الحكومة المصرية الجديدة مُخصَّص(للعدالة الاجتماعية) وظهرَ في وسائل الإعلام وهو يتابعُ أسعارَ الخبز ومستوى تخزين القمح وسلع الحكومة المطروحة في الأسواق وأين تتواجد بأسعار دنيا وأدوات الدولة لضرب الإحتكار، وإلى ما إلى ذلك من تغلغل في الحياة الاقتصادية العامة الجماهيرية وقضاياها الحيوية، ومن توعية يقوم بها وزير من أجل أن تتعاون قوى المجتمع المدني لمحاصرة المحتكرين والمفسدين في السوق!
يفيدُ في تطورِ خدماتِ الدول هنا مستوى جديدٌ من حرياتِ وسائل الإعلام، ومن نشاطٍ شعبي، لكن هذا كله يحتاج لتطور طويل فنحن فقط في البدايات.
لكن الجوهري هنا بعيداً عن التفاصيل اليومية الكثيفة، هو تطوير حياة المنتجين وخلق نمو إقتصادي في كافة القطاعات، والفوائض المالية التي سُرقتْ أو التي تضيعُ بآلةِ الدولة أو من قوى التخريب تُعاد إلى مجال الإنتاج.
فنحن نرى كيف أن مليارات الدولارات صرفها النظام الليبي على زعماء أفارقة وعلى التسلح الباهض، وهذه كلها مدعوة للعودة إلى الاقتصاد.
وقد أمكن لدولٍ مثل مصر وتونس وفي المستقبل ليبيا وسوريا، أن تشكل شعوباً موحَّدة تقررُ دمجَ رأسمالية الدولة والرأسمالية الخاصة في تكوين إقتصادي جديد متداخل متطور، وبدون هذا التوحد لا تظهر السوق الموحدة المشتركة.
هذا المستوى الجديد يتطلب علاقات إجتماعية متطورة، وأوضاع جديدة للعمال الشباب وقد توحدوا بالتقنيات المتطورة، وحياة متطورة للنساء في مجالات الإنتاج، ومستوى متطور من الحرية والخدمات لفلاحي وسكان المناطق المُهمَّلة كما يطلب سكانُ درعا الذين فجروا التغييرَ السياسي في سوريا، إضافة إلى كل التحولات فيما يتعلق بإرهاق السكان بالضرائب والقيود الاقتصادية البيروقراطية.
إن الأنماطَ المذهبيةَ المحافظة تعيقُ وحدةَ بعضِ الشعوب العربية، إنها تقسمهم سياسياً، ويقوم الغلاةُ المذهبيون بطرح العودة للماضي، ورفض الحريات الاقتصادية والاجتماعية للسكان، ومن ثم تتجسد هذه في (العسكرة) حيث يتحول النظامُ إلى نظامٍ عسكري أو يتحولُ الحزبُ إلى حزبٍ عسكري، فتتكرس الميزانيات من أجل الجيوش، وحين يقوم الغلاةُ بذلك يمزقون النسيجَ السكاني ويمنعون إرادته الموحَّدة من التوجهِ للتنمية ومقاربة الحداثة، فلا تظهر سوى رأسمالية دولة عسكرية، على طريقة ليبيا أو إيران، لا تستطيع أن تمضي للمرحلة الجديدة من النمو العالمي، وتعيقُ جيرانَها كذلك.
التخفيف من هذه الغلواء وإنتشار الحريات وجذب مختلف القطاعات الاجتماعية الاقتصادية للتنمية تتشكل على مستويين؛ روحي وسياسي، فالأحزاب الوطنية الديمقراطية الجديدة التي إنتشرت في مصر وتونس جعلت معركة التغيير غير مُدمِرة، وموحدة، ومتجهة لمهماتٍ تحولية تغني الموارد بدلاً من أن تضيعها أكثر مما ضاعت.
لا يعني أن الأوضاع القادمة في هذه الدول ستكون وردية ولكن مجيء حكومات منتخبة معبرة عن إرادة التنمية هو الذي سوف يطورها كما سيجعل بقية الشعوب العربية تتابعها في وحدتها وتنميتها.
34 ــلماذاالهجومُالواسعُضدالعرب؟
لم تستطع الثوراتُ العربية أن تبلور نظاماً عربياً ديمقراطياً شعبيا تحديثياً وإن كانت قد خطتْ بعضَ الخطوات بإتجاهِ ذلك في البلدان الأكبر، لكن مستوى التطور الاقتصاي الاجتماعي لم يُحدث تحولاً نوعياً كبيراً.
ومع ذلك فقد إستفزَّ هذا التطورُ المدهشُ تاريخياً بعضَ القوميات التي نأوتْ العربَ طويلاً في المنطقة، فيما كانت مواقفُ القوى الاستعمارية القديمة- الجديدة مذهلاً في عدائه وغرابته للتطور المستقبلي الصاعد.
إن عدمَ وصول التحول لنظام تحديثي علماني قومي في دولٍ مركزية رائدةٍ هو بسببِ تطور العرب كأمةٍ مُفككة، وهي عمليةٌ تفتيتيةٌ إستمرتْ طوال القرون الوسطى، ولم يتوجه العصرُ الحديث العربي لوضع ركائز الصناعة الشاملة مع حواضنها التعليمية والثقافية الثورية الاجتماعية الواسعة.
ولهذا فإن القفزةَ السياسية الفكرية الشعارية تعثرتْ في البحث عن الطرقِ الموضوعية للخروج من الصراع الاجتماعي التقليدي وتجاوزه.
صراعُ القوميةِ العربية ضد القوى الإقطاعية لم يتجذرْ ويتعمم لكونه لم يأخذ لباسَ الطبقات الوسطى الحاسم، ولم ترفدهُ طبقاتٌ عاملةٌ صناعية كبرى.
لقد ظهرَ هذا الصراعُ بشكله الإيديولوجي السطحي بإعتبارهِ صراع القوى الحديثة ضد الإخوان، ضد قوى تنأوى الحداثةَ وليس بإعتبارها قوى إقطاعيةٍ مفتتةٍ للأمة، وممزقةٍ لشعوبها، وتجرها نحو صراعات ماضوية مكلفة.
إن عدمَ وجود جذور مادية صناعية ثقافية علمانية ديمقراطية جماهيرية للفئات الوسطى وحلفائها من الفئات الشعبية، أدى إلى عملياتِ التذبذب المختلفة، كما أن مستويات التطور السياسي في بعض الإقطار متفاوت ومتناقض في بعض وجوهه مع مسار التقدم، مما زاد من إضطراب الصورة الحقيقية للأحداث.
لكن ملامح التشابه ومقاربة سمات نضالية معينة تقدمية عربية أبرز المحتوى القومي المشترك، وطابع التوجه الديمقراطي، ومن جهة أخرى صعّد ردود فعل الفئات الانفصالية والعشائرية والطائفية لتمزيق الدول العربية وكانت هي المستوى المباشر للقوى الإقطاعية المتضررة.
إن القوميات التركية والفارسية والنظام الإسرائيلي وهي القوى الموجودة على خريطة المنطقة شعرتْ بالقلق السياسي الكبير وهي التي تحملُ جذورَ الاختلاف والصراع مع الدول العربية المنقسمة المفتّتة، وإذا بها تراها كأمةٍ واحدة عارمة الحضور، تحاول أن تقفز للفضاء العالي، فوق مستنقعات العصور الوسطى، مما زاد إحساسُها بالقلق من التحولات الدراماتيكية العريبة.
كان الشكلُ الديني الإخواني العاملَ المشتركَ الذي إندفعت إليه وزايدت عليه، ليعيدَ التاريخَ للماضي وللتفتتِ والصراعات الجانبية المدمرة.
إن إتفاق الدول الشمولية الدينية ذات القوميات المختلفة السابقة الذكر على تصعيد الخيار الديني المتخلف وجعله أسفيناً يعيدُ الشعوبَ العربية لما قبل جنين الأمة المشترك الثوري، هو صراعٌ قومي مناطقي كبير، بين أمم ذات جذور دينية محافظة متصارعة لم تستطع الحداثةُ من إعادة تحولها للديمقراطية العلمانية، وهي دولٌ لا تحترمُ القومياتَ الأخرى في مجمعاتِها الشمولية كالأمم الكردية والبلوشية والتركمانية وغيرها من الإثنيات المضطَّهدة، وهو أمرٌ يزعزع مكانتها المركزية حين ترى صعود بديل ديمقراطي أممي إنساني يتجاوز سقفَ العصور الوسطى.
كما أن قيادات الرأسمالية الغربية كانت قد وضعت خيارها في تفتتِ العرب وعودتهم للمحافظة والتخلف، فاختارت الإخوانَ كأنبوبٍ كبير للفوائض المالية والنفطية نحوها، وكانت بذرة الوحدة ونزعة القومية الجامعة مخيفة بالنسبة لها.
ومن هنا كان إتفاقها مع القيادة الإيرانية على وقف تخصيب اليورانيوم لمدة ستة شهور، قابلة لكل المناورات بين الجانبين، فهي تطلق النظام الإيراني الحكومي المعادي للعرب، ولديه إهتماماتٌ إضافية للهجوم على الدول العربية وخيارها الديمقراطي العلماني المضاد لحظيرة الطائفية التي يريد قمع الشعوب الإيرانية المتحضرة فيها، ومن جانب آخر تستفيد الدول الغربية من تفتح أسواقه لها، وتخفف الضغوط عن النظام وإن لم تستطع أن تصل للب النظام العسكري الرافض لهذا المسار الذي يناور للجمع بين القنبلة والهيمنة.
هي صفقة كبرى مثيرة للقلق تعبر فيها قياداتُ الدول الغربية عن زيادة الضغوط على شعوب الأمة العربية، وفي سبيل إعادتها للخيار الطائفي التمزيقي، ولترك الخيار القومي التوحيدي الذي يمثل خطورة على مصالحها ومصالح إسرائيل.
إن أمةً كبيرة تحديثية تتجمع وتتعاون وتُصنع قدراتها الاقتصادية وثرواتها النفطية والمادية الأخرى وتقدم نموذجاً حراً للشعوب أمةً خطرة في تصور هذه القوى وتَحولُ دون الهيمنة الاقتصادية والسياسية عليها.
35 ــالسياسةُالأمريكيةُوتفكيكُالعربِ
تحتل الولايات المتحدة وأوربا االغربية واليابان مراكز الصدارة بين كبريات الدول الرأسمالية، بنسب إنتاج عالية في الصناعة، فهي تقارب نسب30% و14% و12% على مستوى العالم، وهي إذ تتصارع مع بعضها البعض للحفاظ على هذه المكانة، تصارع القوى الأخرى الصاعدة كالرأسماليات الصينية والروسية والهندية وغيرها.
ولهذا فإن الأمم الجديدة الصاعدة ذات الحيز الجغرافي الكبير المؤثر والتي تملكُ الموادَ الخام الهامة والقوى البشرية الكافية والأسواق تمثل لها أخطاراً جديدة عبر توحدها وتوجهها للتحديث الصناعي الاجتماعي، فهي تقلل مكانتها وتضعفُ التصدير لديها وتنافسها وتحول المواد الخام الرخيصة لسلع جديدة متطورة
وإضافة لكون العرب ذوي موقع صراعي تاريخي مع الغرب على مر القرون، فإنهم يقبضون على أهم مورد للطاقة الحديثة في العالم ويمكن أن يُصنعوا بلدانهم بصور سريعة، ويقيموا على علاقات لأمة واحدة.
ولهذا غدت حروب الولايات التحدة الأخيرة تدور مع العرب والمسلمين، ضرباً لدول تمثل خطراً نهضوياً صناعياً وعسكرياً كالعراق، بغض النظر عن طبيعة الحكم السابق، الذي كان توحيدياً لبلده وتصنيعياً ولولا مغامراته لمثّل أهمية كبرى لعملية توحد حقيقية.
ولهذا فإن ضرب العراق وتفكيكه تمثل نموذجاً للعقلية السياسية اليمينية التي غدت تهيمنُّ على الطبقة الحاكمة وشرائحها المتنافسة في ظلِ وحدة طبقية وفي ظل أزمةِ مركزِ القيادة الأمريكية الرأسمالية للعالم، هذه الزعامة المكلفة والمؤدية لتفكك بنيوي عميق في المجتمع ولصعود اليسار.
ولهذا تركزت الضربات وعمليات التفكيك ضد العرب لعدم قدرتهم على الرد الواسع الجدي، وتنوع الدول وصراعاتها وعدم وجود مركز توحيدي، فيمكن للسياسة الأمريكية أن تحصل على مواقع سياسية وعسكرية وإقتصادية متعددة بدون تكاليف كبيرة وتواصل تكديس الأرباح.
ثرواتٌ بترولية كبيرة وضعفٌ سياسي عسكري، وبذور لتوحد قومي مقلق، وهذه كلها تجعل السياسة الأمريكية تنفرد بإضعاف العرب والسيطرة على مواردهم، وبالتالي التحكم في النفط وتسليعه للدول الرأسمالية الكبرى الأخرى وإضعافها عبر ذلك.
ولهذا نجد التعامل الضعيف مع الثورة السورية وتركها تُلتهم وتُباد، منعاً لقيامها بتقوية المحور العربي من ذوي الدول المتقاربة مذهباً والتي يمكن أن تشكل ذلك الخطر الاستراتيجي.
كذلك فإن تحول سورية لدولة مختلفة يؤثر بقوة على التفكيك الذي قامت به للعراق.
أما تقوية النظام الإيراني الظاهرية والاقتصادية العامة فهي تصبُّ في نفس الاستراتيجية عبر تضارب الدول العربية والإسلامية، وإستنزافها بشراء العتاد العسكري وإحراجها بتوسيع القواعد العسكرية.
لم تتشكل أية سياسة أمريكية لدعم القوى الديمقراطية والمعارضة الإيرانية على كل سنوات العداء، بل صعّدت الصراع السني الشيعي، وجعلت العرب ينشغلون به.
كما صعّدت القوى الدينية الطائفية في العالم العربي لدورهم لحَرف مسار النضال وتفكيك العرب والمسلمين، والاهتمام بما هو خارج الثورة الصناعية العلمية محور وجوهر الصراعات الاقتصادية الاجتماعية .
تكشفت السياسة الأمركية بوضوح في الفترة الأخيرة نظراً للمواقف الغريبة تجاه الثورة التحديثية المصرية، والثورة السورية، والانعطاف المفاجئ تجاه النظام الإيراني وتوقيته، وهو الذي يمثل دكتاتورية تتسم بالحماقة والخطر على الشعوب.
عدم دعم النهوضيين العرب والدعم المستمر لإسرائيل وهذا الموقف الجديد تجاه النظام الإيراني كلها تتلاقى في تفكيك الدول العربية ومشروعها التوحدي النهضوي المشترك.
لم يعد اليمين الأمريكي يملكُ مساحات كبيرة للمناورة فتقارب الطبقة الحاكمة ورسم سياسة متماثلة يمثل أزمتها الداخلية وشهيتها التوسعية الخارجية لتغيير وضعها الداخلي.
36 ــإشكاليةُالتوحيدِ
يعجز العربُ خلال تاريخهم عن تشكيل التوحيد الديمقراطي المتسق المتنامي، فالمؤسسات البيروقراطية تفرض هيمنتها العليا غير قادرة على خلق التناغم السياسي مع الشعوب، وعلى إنتاج أشكال وعي ديمقراطية، فتتسم أشكالُ هذا الوعي بالهيمنة العليا والانفصال والتعثر وجلب بدائل مؤدية للصراعات التمزيقية.
منذ أن قام المصريون القدماء بالاعتماد على جهاز الري وحولوه إلى مُلكية عامة ودولة بيروقراطية، وساد الاستبداد الفرعوني فإن الحكم يظل منفصلاً عن العامة، وتغدو الأشكال الدينية معبرة عن هيمنة القوى المتغربة عن الإنسان كالحشرات والحيوانات ثم الرموز التجريدية كالشمس.
ولهذا فإن اليهودية شكلتْ توحيداً دينياً قَبلياً، وإنغلاقاً رغم التأثر بالتوحيد الفرعوني ونشره في المشرق، وإنفصالُ المقولاتِ الدينية وتغرب صور الألوهية شكلَّ أجهزةَ دولة فوقية، وحاولت المسيحيةُ أن تتجاوز الانغلاق اليهودي وتشكل توحيداً بشرياً واسعاً، ولكن الصورة الغيبية وتركز الفعل الخلاق على المسيح، وتجسد صورته في آلة الدولة الشمولية جعل هذه الصورة غير قادرة على خلق التوحيد المستمر بل أدت إلى مذهبيات متصارعة وإنفصال بين الجمهور وأجهزة الحكم وتفكك الأقاليم والدول.
وحاول المسلمون أن يتجاوزوا ذلك والقيام بإنتاج تحول شعبي توحيدي ولكن القوى الارستقراطية القبلية الحاكمة فرّغت المفاهيم الدينية التوحيدية من التداخل الحميم مع الجمهور وإنفصلت عن مصالحه.
هكذا تقوم القوى الاجتماعية العليا عبر التاريخ بتشكيلِ وحداتٍ فوقية بيروقراطية وصور دينية تفتقد الالتحام بالشعوب، الأمر الذي يؤدي لتفكيك الصور الدينية وقيامها بتمزيق البلدان والبنى الاجتماعية.
ينقلبُ دورُها في التوحيد إلى إنتاجها للتفكك والفوضى السياسية والحروب.
لهذا نجد اللوحة المعاصرة وهي تزخر بمفاهيم وصور دينية مُفكِّكة، ولا تستطيع القوى البيروقراطيةُ الحاكمة حلَّ الإشكاليات التفكيكة الدينية في حين تتوجه هذه الإشكاليات لهدم التطور بشكل متصاعد.
بسبب إصرار القوى البيروقراطية السياسية على الاستمرار في البناء الفوقي وعدم القدرة على الالتحام مع الجمهور، وحل مشكلاته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، نرى المقولات الدينية وهي تعمقُ الانفصالَ وتحرك الناس لنقض التوحيد.
أشكال الوعي الدينية التي يُفترض أن توحدَ الناس تفرقهم، وأشكالُ الحكم تعجز عن فصل هذه الأشكال عن أجهزة الدول، وبحث مسائل الانفصال وظروف الجمهور، وتغييرها عبر وعي مدني يدرس مسائل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية المحضة وأسباب مشكلاتها وطريقة تغييرها بدون تخريف.
كذلك يعجز عن جعل الأجهزة المنتخبة هي القارئة للأوضاع، فيوجهها نحو الأشكال الدينية المتغربة، ذات النزعات التمزيقية، فتؤدي الحلول إلى عكسها، وخلق الأزمات بدلاً من أن تساعد على حلها.
لهذا نرى هذا التخبط في القوى الدينية السياسية المختلفة وهي تحيلُّ أدوات السياسة الحديثة والمجالس إلى مزيد من الفوضى السياسية وتجنب بحث قضايا الجمهور بشكل واقعي وعميق.
ومن هنا فإن التوحيد على مستوى الدول والمنظومة الخليجية لا يتجه للتصاعد والتراكم التدريجي النهضوي التحويلي، فمسافاتُ الغربةِ والانفصال بين الأجهزة والجمهور تتسع، ولا تبقى سوى الأشكال الدينية المُفكِّكة التي هي في مستوى وعي الجمهور والتي تقودهُ للمزيد من التفكيك والفوضى السياسية.
الجمهور غير قادر على تبنى الشعارات العلمانية التوحيدية والمتعمقة في المشكلات بموضوعية وبإنفصال عن المذهبيات، وتساهم الأجهزةُ البيروقراطية في تشجيعها، نظراً لمشاركتها الأفكار الدينية الغيبية المتغربة طابعها الاجتماعي السياسي، وعدم حل الامتيازات الخاصة بهذه القوى.
تغرق البلدانُ العربيةُ الدينية في الأزمة وهي تتصور أنها تقوم بحل مشكلات التطور، ولكنها تفعل عكس ذلك ولهذا فإن الحروب والنزاعات الإقليمية والمناطقية والقومية والمذهبة تتصاعد في كل مكان.
مع التحولاتِ العارمةِ في البلدان العربية إنقسم التطورُ بحدة بين المغرب والمشرق العربيين، فعاد المشرقُ لسببياته القديمة في هيمنةِ الصراعاتِ الطائفية القومية، فالصراعُ العربي الإيراني لعب دوراً مؤثراً، وتنامت الفسيفساءُ الطائفية ولم تسمح بمقاربةٍ ولو قليلة للديمقراطية العلمانية، فيما كان شمالُ أفريقيا العربي أكثر قرباً لهذا.
تجاربُ التحديثِ في تونس والمغرب التي تشكلتْ في النصف الثاني من القرن العشرين خاصةً، والتي لعبتْ فيها أحزابُ الفئاتِ المتوسطة والعمالية أدواراً نهضوية هامة سمحت لتلك المقاربة.
إن أساس تلك المقاربة هو مدى التعاون أو التحالف بين هذه الفئات المتوسطة والقوى العمالية، وقد تجسدَ ذلك في تونس على سبيل المثال في التعاون بين الحزب الدستوري والنقابات العمالية(إتحاد الشغل) والتي طُرحت فيها تسمياتٌ إيديولوجية غيرُ دقيقة كتسمية التجربة الاشتراكية، والتي تراوحت فيها الخيارات الاجتماعية بين التأميمات والتعاونيات وبين التنامي الواسع للملكيات الخاصة الاستهلاكية الخدماتية.
ثم لعبت أجهزةُ الدولة بتناميها وبتغييب الديمقراطية وإنفراط أدلجة الاشتراكية دورها في تصعيد رموز الشمولية.
وكان نقدُ حزب النهضة لهذه التجربة بإعتبارها تغريباً ومحواً للإسلام جزءً من نشاط فئات وسطى أخرى مرتبطة بالريف والقوى المتأخرة في وعي الديمقراطية والحداثة، لكن تواجد قيادات من النهضة في فرنسا وتأثرها بالثقافة الديمقراطية فيها، جعلت عداوتها للعلمانية غير إلغائية وحربية. ولهذا كانت تحالفاتُها مع قوى حديثة جزءً من هذه المراوحة الإيديولوجية بين الإقطاع والرأسمالية، بين الارتداد الماضوي الفوضوي التخريبي وبين الصعود للحداثة.
لكن القوى الديمقراطية التحديثية واسعة في تونس، بسبب دور البرجوازية والعمال التعاوني في مرحلة الاستقلال والتطور الوطني المستقل، ورغم ضعف التصنيع إلا أن العوامل الذاتية كانت لها تأثراتها على بُنية الوعي.
وهو ما يمثل قاسماً مشتركاً مع المغرب، لكن المغرب كانت تجربته مختلفة وأقل تجذراً، حيث قام حزب الاستقلال وحزب القوات الاشتراكية بمماثلة ذلك التحالف التونسي بين الفئات المتوسطة والعاملين، لكن تجربة المغرب يغلبُ عليها الضعف، بسبب إتساع المساحة الإقطاعية في الزراعة وبناء الدولة، وقد تداعى ذلك التحالفُ بسبب مصالح الصعود والانتهازية التي تغلغلت في الفئات العليا من الحزبين النهضويين الوطنيين، مما جعل الجمهور يبحث عن قوى أخرى تواصل شعارات التقدم وتغيير حال الأغلبية الشعبية ووجدوها في الطائفيين المحافظين وكشفت التجربة التداولية مدى نقص الوعي الجماهيري والمستوى المحدود لتمثل واقع ومصالح العاملين لدى هؤلاء.
وقد مثلت مصر مستوىً أقل من ذنيك البلدين في تمثُل الحداثة العلمانية الديمقراطية، فقد كسرَّ الحكمُ العسكري الفئات الوسطى والعمالية المستقلة ولم تنشأ إمكانياتٌ للتحالف إلا بعد تدهور النمط العسكري الأخير المتحلل منه وهو نظام مبارك، لكن الإخوان كانوا مغايرين لحزب النهضة التونسي فقد ذهبوا للجزيرة العربية واستقوا الثقافة الإقطاعية ذات التوجهات البدوية، فنقلوا المستوى الحربي الغزواتي من هذه الثقافة، ومن الرغبة المريضة بالاجهاز على الثقافة الديمقراطية العلمانية العربية، وممثليها، وإقامة حكم طائفي محافظ، وهو ما فجّر مقاومة الشعب الذي كان يراكم التحديث بتضحيات جسام عبر قرنين من الزمن.
ولهذا فإننا إذ نشهد تفسخاً سياسياً إجتماعياً في السودان الذي هو أقل من جاره المصري في تمثُل الحداثة وأكثر إستجابةً لعوامل التخلف والتفكك، فهذا هو الشاطئ الذي تنتهي فيه شمالُ أفريقيا، وحيث ننتقل للمشرق الذي تتسع فيه عوامل التفكك والطائفية بسبب تاريخيته الشمولية القديمة وضخامة الطوائف الدينية داخله على مر التاريخ.
هنا لم يزدهر الوعي ويتقارب مع عوامل الحداثة العلمانية بل غرقَ في الطائفية وراح يحرقُ خرائطَه بلداً بعد بلد.
التماسك المحدود في اليمن بسبب قواه الشعبية التحديثية بين جماعاته الشمالية والجنوبية التي وصلت لتقارب غير حاسم، وهو التعبير عن عدم وجود تجربة تاريخية سابقة للتلاحم بين الفئات الوسطى والعمالية المعبر عن مستوى معين للتصنيع والترابط الاقتصادي الحديث بين الشمال والجنوب.
ولا تختلف بقية دول المشرق عن هذا المستوى ورغم تقدم بعضها إقتصادياً وإجتماعياً وثقافياً لكن الاتجاهات التحديثية العلمانية ضعيفة وغير مؤثرة وبسبب طبيعتها الذيلية فقد غلغلت الطائفية والصراعات الجانبية داخلها وفتت الخرائط الوطنية.
38 ــتوسعُالانهيارِالعربي
قبل عقود قليلة كان الانهيارُ والحروبُ الأهلية على أطراف العالم الإسلامي في الصومال وإفغانستان وكان الكثيرون يرفضون إن مظاهر التحلل والانهيار سوف تتغلغل في البلدان العربية التي كانت مركزية في النهضة كمصر وسوريا.
المتاجرون بالمذاهب أستغلوا الصراعات الوطنية والعالمية ليتغلغلوا في شرايين كافة البلدان.
لم تستطع التجاربُ الوطنيةُ أن تتجاوز عالمَ العصر الوسيط الإقطاعي ذي الصراعات الدينية، وبين عالم النهضة الأولى في القرنين التاسع عشر وبدايات العشرين وبدء الانهيار وصعود الطائفيين السياسيين، لكون الدول العربية والإسلامية كرستْ الأشكالَ الشمولية العسكرية والدينية والقبلية.
صعودُ ملكياتٍ مطلقة عجزتْ عن التحول الديمقراطي وتفجر جمهورياتٌ عسكرية وتصدعُ التجارب الديمقراطية الضئيلة، وصراعات التحديثيين ضد بعضهم البعض، وتدهور وعي الأحزاب الوطنية والتقدمية ومسايرتها للطائفيين، كل هذه المسام العميقة فتحتْ الجروحَ للتدفق الماضوي السلبي.
أسرٌ عسكريةٌ بلا ماضٍ تحديثي عميق تلاعبت بالأشكال السياسية من مَلكية إلى أمبراطورية كنظامِ الشاه في إيران، وهو ما لم يؤسس بيئةً حضارية أسرية ممتدة ذات جذور عميقة فتغدو العائلةُ مغامرةً بالماضي التاريخي غير قادرة على إنتاجِ حداثة عصرية أو تكونُ العائلةُ منعزلةً في بيئةٍ متخلفةٍ فلا تقدر على إنتاجِ تحديثٍ يتوسع في البلد.
أو أن العسكريين الطائفيين والمحافظين يفرضون سطوةَ مناطقهم المتخلفة ويشكلون رأسماليات حكومية عسكرية بيروقراطية تمنعُ تطورَ التحديث الديمقراطي كما حدث في سوريا والجزائر وغيرهما.
هذه المسامُ تسمح لصعود الطائفيين وإستغلال الإسلام لاظهار مناطق التناقض بين الماضي (الزاهر) والحاضر التحديثي المتغرب المراكم للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية في البيئات الشعبية.
عدم قدرة مثل تلك الأنظمة العسكرية أو المَلكية المحدودةِ الشعبيةِ والمنجزاتِ التحويلية على حل تناقضات التنمية والديمقراطية وسيرورة الهيئات البيروقراطية السياسية متنفذة يوسعُ الشروخ.
لم يقدر النظامُ العسكري الانقلابي الأفغاني على فهم ظروف إفغانستان والمسلمين عبر سلق التطور وجلب صيغة إنقلاب فوقي يقومُ ببعض الإجراءات الشكلية كقيام الجمهورية وتغيير حياة القبائل بطريقة فوقية، بدلاً من فهم الإسلام وإجراء إصلاحات في مُلكية الأرض وتحسين حياة الفلاحين والقبليين المعدمين وتوسيع الأعمال الحرة والمصانع وإحداثٍ تآخٍ بين القوميات والمذاهب.
هذه الثغرات الواسعة تركت لشيوخ القبائل الإقطاعيين الطائفيين فرص تخريب إفغانستان بالكامل بعد التخريب الجزئي للعسكريين.
وكانت التجاربُ الأخرى من الصومال والسودان واليمن وغيرها عيناتٍ مماثلةً بحيث توسعت عملياتُ التحلل والانهيار من الحدود إلى أعماق الدول المدنية.
لهذا فإن قرناً من النهضة الحديثة في مصر لم يُجابه طائفيةَ الإخوان ولا دينية الحكم التقليدي، فراح التآكلُ الفكري السياسي بالعودةِ للأشكال الشمولية الدينية في الجماعات التحديثية يتصاعد، بدلاً من القطع وتبني سمات الحداثة في العلمانية والوطنية والديمقراطية، ورفض الحكم العسكري والحكم الديني معاً، ولكن ذلك لم يحدث وحين عجز الشكلان العسكري والطائفي عن تجاوز نفسيهما وتصعيد الشكل المدني الديمقراطي التحديثي حدث الانفجار.
فواجهت عمومُ الأمم العربية والإسلامية ثقافةً عتيقة مخربةً راحت تتصاعدُ في العديد من الدول على أشكالٍ مختلفة وبمستويات متباينة، وأُعطيت الأسلحة لتتقوى ومناطق التجارب الصحراوية لتتدرب، والألحياء المعدمة الفقيرة في المدن لتحصل على الأعوان الفوضويين، وجاء ظهورُ الدول الدينية الطائفية العسكرية كتتويجٍ لهذا الانهيار في الوعي وفي عدم السيطرة على الخرائط والتجارب السياسية فأمتد تغلغلها في البلدان التي كانت مراكز للمدنية والتطور السلمي.
39 ــصراعاتُالوعيالعربيتاريخياً
ظهرَ الإسلامُ في ظروفٍ شديدةِ التخلف عند العرب والأمم المجاورة لهم، وبهذا فإن شكلَ الوعي المكرس فيه يقومُ على شكل مثالي ديني، تلعب فيه الكائنات الغيبية دوراً محورياً مهيمناً على الوجود، وذلك بسببِ غيابِ العلوم بمختلفِ أقسامها عند أهالي المنطقة البدوية خاصةً.
ومع تطور المسلمين واحتكاكهم بالحضارات التي سبقتهم والمنتجة للفلسفة فإنهم اتجهوا للاستفادة من هذه المنتجاتِ الفكرية المتطورة القديمة، بصفتهم أكثر شعوب الأرض وقتذاك تقدماً.
وهكذا راح المسلمون يستثمرون هذه المنتجات في تطورهم الحضاري المستقل، ومن هنا كيفوها مع الموروثِ الإسلامي الأولي، ومع الموروث الإسلامي الجديد الحضاري الذي تكون حين شكلوا تلك الحضارة، منقطعين عن المستوى السابق.
والذي قام بهذه العملية ليس المسلمين ككل، ولكن تلك الفئات المثقفةَ التي يعود تكوينها للفئات الوسطى عموماً، وقد أبقت على المنظور المثالي للفترة السابقة، مطورةً إياه في منظور مثالي موضوعي.
بين المنظورين المثاليين الديني الأولي، والديني الفلسفي، ثمة نقاط تشابه ونقاط افتراق، في كون الأول يمثل الفئات الوسطى المكية المثقفة، وهي تقودُ عمليةَ التحولِ في ظروف شديدة التخلف، وبأدوات النضال الجماهيرية.
واعتمدت تصوراتها على الرؤية المثالية الدينية في أبسط أشكالها، حيث الجمع بين الواقع والميراث الأسطوري الفكري القديم، المستفيد من الدينين السماويين السابقين، اللذين هما كذلك مستفيدين من الإرث الفكري للعصر القديم.
وفي الجزيرة العربية أتيحَ للفئةِ الوسطى التحرك بحرية تاريخية نسبية، لعدم وجود الحكم المركزي القوي، فغدت المثالية الفلسفية اقعية تحليلية – أسطورية – تصويرية – مغيرة للواقع المتخلف. فهذا الجمع المركب الهائل بين أشد فاعليات التغيير ورصد الحياة والاعتماد على الغيب لم يتجل مرةً أخرى.
في حين واجهت المثالية في عصر الحضارة الإسلامية التالية إمكانيات فكرية وعلمية كبيرة، فتخلص أغلبُها من الشكل الأسطوري التصويري، ودخل في الشكل الأسطوري المفاهيمي، متوجهاً إلى المقولاتِ والتركيبِ النظري الواسع واعتماد المنطق الأرسطي وطرح استقلال الطبيعة والمجتمع من التدخلات الغيبية المباشرة الحادة.
لكنه اعتمد المثالية كذلك عبر جعل هذه المقولات تخلقُ العالمَ، وتشكلَ الوجودَ، مع اعترافها بموضوعيةِ هذا العالمِ ووجود قوانين لتطوره. لكن هذه القوانين تتمثل في الجانب الطبيعي بدرجة أساسية، وإن كان هناك بحث مستفيض في البنى الاجتماعية.
وهكذا فإن الوعي الديني والوعي الفلسفي تماثلا في إعطاء القوى الماورائية إمكانيات تحويل الحياة، مرة عبر الرسول الكريم، ومرة عبر الفيلسوف، ومرة باعتماد الجمهور الشعبي للتحويل وعبر الدخول الجريء في الحياة، ومرة عبر العلوم والانسحاب إلى الزهد كفاعليةٍ سلبية هادمة للبذخ، فهنا حدث تغير في طبيعة الفئة الوسطى القائدة، فالأولى كانت غير تابعة للقصور، والثانية كانت تابعة.
والأولى إذ غيرت العالم فإنها أسست مدنيةً مسيطراً عليها ثقافياً من قبل مستوى بسيط سابق، في حين أن الثانيةَ كانت أكثر تقدماً ثقافياً لكنها عاجزة سياسياً وتاريخياً!
وهذه التحولات المتضادة أُزيلت بإيجابياتها في المرحلتين، المرحلة الإسلامية التأسيسية، وفي المرحلة الحضارية المدنية، في عصر الانحطاط فلم يبقْ من الثورة التأسيسية والارتباط بين التقدم والجمهور الشعبي، ووجود برنامج نهضوي مطبق على الأرض، ولا كذلك ضخامة الإنتاج الفكري والفلسفي والتداخل مع إنجازات العصور السابقة واستيعابه ثروة الأمم!
وجاء العصرُ الحديثُ متردداً متناقضاً، غير قادر على فهم العصرين السابقين وعصره هو.
أطروحةٌ، فنفيٌ، فنفي النفي، أي عصور ثلاثة متضادة، راحت تتشكلُ على مدى الألفي سنة من عمر العرب والمسلمين، كلُ عصرٍ يقومُ بنفي العصر السابق، ليس بشكل كلي، ولكن بشكل أساسي، والعصرُ الحديث لم يفهم إنه تركيبٌ، وإنه جمعٌ بين العصرين السابقين ونفي لهما معاً.
إذا أخذنا سلسلةَ التطورات التي حدثت خلال القرنين الأخيرين، فسنجدُ ثلاثةَ فتراتٍ كبرى: الأولى تمثلتْ في استيعابِ المنجزات الغربية، الثانية: في تشكيل تجارب لرأسمالية دولة شمولية، توهمت إمكانية تجاوز العصر الرأسمالي، الثالثة عودة متدهورة للفترة الليبرالية الأولى مع عودة كذلك للإقطاع السياسي والديني الشموليين، وبالتالي فإن هذه الفترات في العصر الحديث العربي شكلت هي الأخرى أطروحة فنفي فنفي للنفي، أي أننا نعيش في الزمن الراهن أكثف فترات التجاوز.
كان النهضويون الأوائل في القرنين 19 و20 يتصورون إن التماثل مع الغرب هو كفيلٌ بخلقِ النهضة، وحين تزعزعَ هذا الوهمُ راح الدينيون يتصورون وهماً آخر هو استرجاع الفترة الأولى من العصر الإسلامي.
أي أن دراسةَ العصرين العربيين السابقين ورؤية تضادهما والخروج بتركيب منهما، وفي ظل ثقافة الحداثة المسيطرة، كان يمكن أن يكشف للعقول قوانين التطور الاجتماعي، وبالتالي أن يؤدي إلى التحكم فيها.
إن عصرنا العربي الإسلامي التحديثي الراهن هو عصر التركيب، للعصرين العربيين السابقين، تداخل معهما ونفي لهما معاً. إنه عصر نفي النفي. وهو لهذا عصر التمثل العميق للحداثة العربية على مر الزمن والصعود بها إلى لحظة نوعية جديدة مقاربة للمستويات العالمية.
فأخذ إنجازات الثورة الإسلامية المحمدية، والجوانب الإيجابية من نضال الفئات الوسطى التحديثية في العصر النهضوي الأموي – العباسي السابق، وتشكيل نضال نهضوي للفئات الوسطى المتحالفة مع العاملين بشروط الحداثة المعاصرة.
وهكذا فإن إنجازاتِ التحالف الشعبي الديمقراطي الإسلامي النهضوي الجريء في اقتحامهِ العالم، يُضاف إلى تراكميةِ الثقافة الفكرية الموسوعية والانفتاح وعقلنة الفقه وعصرنته، وقد تم كل ذلك بوعي ديني مثالي مسيطر على أجهزة الحكم، تعبيراً عن القوى العليا مرة في تحالفها مع العاملين ومرة في انقطاعها عن التحالف مع العالمين.
وبهذا فإن طيفاً اجتماعياً واسعاً لا بد أن يتشكلَ ليعيدَ إنتاج الحضارة العربية المستقلة الحديثة، وهذا التحالف الذي في جوهره تحالف الفئات الوسطى والعاملين، له مضمون اجتماعي هو إعادة تغيير طابع الدولة، في ملكيتها الاقتصادية الشاملة، وفي مذهبيتها السائدة المتحكمة، وفي تحرير كافة هذه الجموع من الدولة الإقطاعية – المذهبية، وفي خلق طبقات وسطى وطبقات عاملة حرة، تتداول السلطة حسب برامجها المقبولة للجمهور.
وعمليةُ إجراءِ الإصلاحات في جسم الدولة – المجتمع الاقتصادي والديني والاجتماعي والسياسي، يعتمدُ على سلسلة من الإصلاحات في ظاهرات الوعي المختلفة.
إن جسمَ الدولةِ – المجتمع الذي يعيش النظام الإقطاعي المذهبي، يعيش المفردات الدينية الشمولية، كخلفيةٍ متحكمة فيه عبر القرون.
وإذا كانت صورُ الإلهِ الواحد هي التي تهيمنُ على الكون فإن الحاكم الواحد هو الذي يهيمن على السلطة – المجتمع. إي أن هذه (الصور) تعبيرٌ عن مذهبيات شمولية تفكيكية للجسد الإسلامي، وتقارب هذه الصور، أو ظهور صورة مختلفة مميزة عن العصور القديمة، سيكون تعبيراً عن الإصلاحات العميقة الجارية في البــُنى، وللتقارب العربي والإسلامي والعالم .
40 ــإرتباكُالإصلاحاتِالعربية
يعودُ إرتباكُ الإصلاحاتِ العربية لكون القوى السياسية التي تقود العمليات هذه لا تحملُ المفاهيمَ الصحيحةَ للإصلاحات ولا تعبرُ عن القوى الاجتماعية القادرة على إرساءِ مضامين الإصلاح في الواقع.
فقوى اليمين التقليدية هي التي لها الأنصبة الأكبر، وهي تختلفُ حسب تبايناتها الطائفية لا حسب برامج الإصلاح العالمية التحديثية.
إن القدومَ من العصر الوسيط، والإبقاء على سمات المجتمعات القديمة من هيمنةٍ كلية أو عامة على السلطات، إلى إستمرار عبودية النساء المنزلية، إلى الإبقاءِ على النصوصية الدينية السطحية في الدساتير والثقافة العامة وهي نصوصيةٌ غيرُ ديمقراطيةٍ وغيرُ عقلانيةٍ، هذه كلها تؤكد هزيمة مشروع الحداثة العربية وقيام التقليديين الطائفيين والمحافظين بالصراعات الحادة أو الدامية في البلدان العربية.
إن هزائم قوى التنوير واليسار والعسكر الشمولية قد أعادَ مرةً أخرى القوى التقليدية للنفوذ السياسي الواسع على الحياة العربية، وهي لا تأبهُ كثيراً بالصراعات التي جذرتها في الواقع العربي المتعدد الدول ولا تعترف بمسئولياتها عن النتائج السلبية لتلك الصراعات.
فهناك تفككٌ واسعٌ للبُنى الاجتماعية بسبب مركزيةِ السلطات الطويلة، وسيرورةِ المدن العربية مراكز للهيمنة الاقتصادية بمشروعاتها غير الصناعية، سواءً كانت صناعةً ثقيلة أم خفيفة، وإنتشار الاقتصاد الطفيلي وأشكال أخرى من الاقتصاد المعتمدة على فيوضِ الصناعات الاستخراجية الضعيفة التطور الصناعي العلمي الجماهيري الواسع المبدل للبنى العتيقة.
ولهذا فإن أشكالَ الأعمال التجارية وقوى العمل الشعبية تغدو متدنيةَ التأثير وسلبية على المدى الطويل، فنجدُ إن بلداناً تعتمد على فيوض كبيرة من العمالة المهاجرة لا تقدم سوى إنشاءات مادية مرحلية، فلا يكون لها تأثير كبير مفيد على تطور البُنى الاقتصادية الاجتماعية، بل هي توسعٌ للجوانب الطفيلية، فتغدو المهنُ الطفيليةُ هي السائدة، فتقوم فئاتٌ بتأجير مختلف أنواع المُلكيات إلى فئات أخرى وتحصل على إيجار وريع وفوائد فيما هي لا تقومُ بأي عملٍ إنتاجي.
وهذا يصلُ للتأجير الفكري والتأجير الثقافي والسياحي، فهنا فئاتٌ لا تنتجُ أعمالاً بقدر ما توظفُ الفندقَ أو المبنى، أو الخدمات أو الأشياء، أو الأشخاص، أو الذات الكاتبة والمغنية والمفكرة، للغير نظير فوائد وعمولات.
إن الدولَ بهياكلها ما قبل الحديثة والمعتمدة على النفوذ السياسي والعائدة للقرون الوسطى، عبر سيطرة الطوائف والقبائل والعائلات والبيروقراطيات هي بعيدةٌ عن الحكم الديمقراطي الحديث، فهي حتى غير قادرة على تصعيد برجوازية صناعية أو حديثة تستجيبُ لقوانين السوق، وقوانين الديمقراطية، وقوانين العقلانية.
إن أحجام التخلف في المجتمعات العربية هائلة، ولم تؤدِ الفيوضُ النقدية لتحولٍ جوهري في القواعد الاقتصادية، ولم تفعل ما فعله الإمبراطور مايجي الياباني، عبر التحول للصناعات الثقيلة والخفيفة وتوسع التصدير، وربط التطورُ التالي ذلك بالحداثة والعلمنة وهزيمة القومية العدوانية بعد الحرب العالمية الثانية، بل عاشت البُنى العربية على الفيوض النقدية السهلة وتوسع الاقتصاد الطفيلي.
ولهذا نلاحظُ من الناحية السياسية إنتهاء سيطرات العسكر والبيروقراطيات القديمة المحتجزة على القطاعات العامة الفاسدة، نحو ولاياتِ الفقيه السنية والشيعية وغيرهما لتعيد إنتاج الماضي الاستبدادي.
إن ولايةَ الفقيه تعبيرٌ عن نشؤ طفيلياتٍ ودكتاتوريات على مستوى النصوصِ الدينية وعلى مستويات التفسيرات السطحية النفعية الخاصة بالقوى الاجتماعية البرجوازية الصغيرة الجديدة المتلاعبة بالأقوالِ الدينية نحو توظيفاتٍ طفيلية واسعة.
إن دكتاتوريات العسكر واليسار الانتهازي والقومي وغيرها هي طفيلياتٌ على مستوى النصوص العصرية المؤدلجة المُشذبة لصالح تلك الدكتاتوريات وبرفض قوانين الحداثة من ديمقراطيةٍ وعلمانيةٍ وعقلانية، فتقوم الطفيلياتُ الدينيةُ الجديدة بالحلول محلها، وتكرسُ أشكالَ الملكيات الخاصة الطفيلية تلك والتي إنتشرت بأشكالٍ واسعة عبر المقاولات والصرافة والبنوك وغيرها.
فيما تتطلب الأبنيةُ العربيةُ جبهات واسعةً متعاونة للتصنيع والعلوم والتقنيات وعدم إهدار الفيوض النقدية بالنوم والتآكل في الغرب والشرق، والعيش على الصراعات السياسية والمسلحة بين القوى في كل بلد وبين البلدان العربية والإسلامية بعضها البعض.
إن لغات الاستحواذ على تفسير المذاهب وعلى الكراسي والعقار والشركات والأسواق هي لغاتٌ تضربُ السوقَ الحرة، وتتفرد بالهيمنة على الوزارات والعهود القديمة والجديدة، وعدم العقلانية برؤية مسارات الانحدار الراهنة المضعفة لكل القوى، وتصعيد لسيطرات الذكور على الحياة والبيوت بأشكال متشددة من جهة، وفتح الأبواب للحلال الكامل للجنس الخشن، وإقتصاديات المتع والبذخ، وللفنون الحسية الهابطة من جهة أخرى.
أعادة النظر في أنماط التصنيع وربطها بتحولات السكان وإعادة الفوائض للاقتصاديات العربية بدلاً من شحنها للخارج، وتثوير العائلة الذكورية وجعلها ديمقراطية، ونشؤُ ولايةِ الشعب والبرلمان والسوق الحرة.
41 ــأزمةالأريافالعربيةبينعصرين
كانت الأرياف في المنطقة خلال قرون هي مصدر المنتجات الزراعية والاستقرار السياسي، رغم الجمود الاجتماعي السائد فيها، بل كانت الحياة الراكدة فيها والمحافظة أساس تلك التكوينات السياسية الأمبراطورية التي دامت فترات مديدة.
لكن مع تحول بلدان الشرق الأوسط إلى الحداثة الاستيرادية وبعدم وجود خطط تنمية شاملة في البلدان العربية والإسلامية وبغياب التتحويل ألإنتاجي المتعدد الصور للأرياف خاصة، دبت الاضطرابات في المنطقة خلال القرن العشرين، ويمكن أن نعتبر الانقلابات خاصة بأنها تمثل غلياناً مستمراً نابعاً من الأرياف المضطربة.
ولم تتوقف الاضطرابات في الأرياف حتى لحظتنا الراهنة، فنظراً لتدهور حال الزراعة وتدني أسعار المحاصيل الزراعية، وتمدد المدن الفوضوي فوق أجسام الريف، وتلاشي طبقات الفلاحين للهجرة نحو المدن أو للخارج، وغياب الأجيال الجديدة للعمل الزراعي، واقتلاع الأشجار وتحويل البساتين والأراضي الزراعية إلى مبان، وإزالة الحرف واتساع فترات الجفاف ونقص المياه وغيرها من الأسباب، غدت الأرياف المصدر الأكثر خطورة للحركات السياسية الضائعة أو فاقدة الأمل والتي تقودها ميراثاتها الدينية إلى الصدامات المختلفة الفوضوية أو المغامرة غالباً.
وقد فهم مؤسسو الحركة الصهيونية وإسرائيل فيما بعد أهمية خلق ريف مختلف عن أرياف المنطقة، وبأن يكون متقدماً، فنشأت حركة الكيبوتسات أو المستعمرات بدءً من سنة 1908، وصلت أعدادها سنة 2004 إلى 278 وتضم 126800 نسمة وهي تنتج 40% من محاصيل إسرائيل الزراعية، و8% من إنتاجها الصناعي في وقت سابق.(راجع موسوعة عبدالوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، 2004). وقد عادى المهاجرون من الدول الشرقية كالروس هذه المستعمرات وتدفقوا على المدن الصغيرة وتراجعتْ أعدادُ المستعمراتِ كثيراً عما كانت عليه وقت ازدهارها. وقد ظهرَ معظمُ قادة إسرائيل الكبار من هذه المستعمرات.
وعلى ذمة جريدة القدس فإن نصفَ المزارع التعاونية هذه قد أفلست في نهاية لثمانينيات من القرن الماضي، وقد بدأت الحكومات بإعادة تجديد المستعمرات وخلقها بصور مختلفة تقنية وفنية، لتغيير واقع معين وإظهار إسرائيل بصورة مختلفة.
كان ذلك في الماضي تفكيراً إستراتيجياً، وغدت هذه المستعمرات أساس الوعي السياسي العلماني الشائع، ولكن تدفق المهاجرين الشرقيين وهبوط حركة المستعمرات وتلاشي دورها السياسي، صّعد القوى الدينية المتطرفة، وهو أمرٌ مماثلٌ في الجانبين العربي والإسلامي ولكن لأسباب مختلفة.
فهذا شيءٌ مختلف عن دولة المواجهة والقيادة العربية وهي مصر التي لم تقم الطبقات المهيمنة العليا فيها بمثل هذه الخطة أو بمقاربتها، بل تركت الأرياف تعاني التخلف وسيادة الملكيات الكبيرة وأدوات الإنتاج المتخلفة، وقد حاولت ثورة يوليو إجراء تغييرات في هذا الواقع، لكن الارتدادات السياسية مع السادات إعادة الريف المصري لما كان عليه، إن لم يكن اسوأ فقد زاد عدد السكان وبقيت الأرض الزراعية بمحدوديتها ووسائل إنتاجها السابقة وتنامت طرق الإستغلال العتيقة.
كانت أسرة البدراوي وحدها تمتلك أيام الثورة سنة 1952(36 الفَ فدان)، وقـُلصت في الإصلاح الزراعي الأول، وحتى زمن الإصلاح الزراعي الثاني سنة 1965 كانت تلك الأسرة تحتفظ بالكثير من أراضيها، وأعطي قسمٌ منها للعائلات الفلاحية الفقيرة ويبلغ (سبعة وخمسين فداناً)!
في عهد السادات صدر قانون العلاقة بين المالك والمستأجر يتضمن فعلياً تحويل الأملاك المُصَّادرة سابقاً لمالكيها السابقين.
(وقد قام القانون رقم 96 لسنة 1992 برفع القيمة الايجارية إلى 22 مثل الضريبة، بزيادة تجاوزت 300% وأعطى المالك منفرداً الحق في إنهاء عقود الإيجار الزراعية اعتبارا من العام 1997) وهو أمر يحول الفلاح إلى قن.
(وازداد الوضع سوءاً بعد انخفاض أسعار المحاصيل وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج من تقاوي وكيماوي وإيجار ومعدات، إضافة لقصر دور وزارة الزراعة على الجانب الإرشادي بعد أن كان دوراً خدمياً يشمل تقديم مستلزمات الزراعة بأسعار منخفضة وحماية المزارعين من التجار والمرابين وبيع المحاصيل وتسويقها بأسعار تشجيعية حماية للفلاح من سيطرة الاحتكارات)، موقع إسلام أون لاين.
(ويرصد عريان نصيف – مستشار اتحاد الفلاحين تحت التأسيس – تطور أحوال الفلاح المصري في دراسة له حيث يقول إن 22% من ملاك الأراضي كانوا حتى عام 1894 يحوزون أكثر من 50% من جملة الأراضي، وإنه وفقا لإحصاءات 1950 كان حوالي 75% من الفلاحين أجراء في أراضي مملوكة لكبار الملاك.)، السابق.
وكان من جراء هذه الظروف السيئة كلها تدفق المقتلعين من أراضيهم وظروف عملهم المستقرة نسبياً، الموروثة، إلى ضياعهم في المدن، وفي خارج مصر، وإستغلالهم سياسياً واقتصادياً. (90% من عمال الأرصفة والمشردين من الفلاحين في المدن).
إن وعي هذه الجماهير الريفية سواء كانت لاتزال في القرى أو هي مهاجرة منها، هو وعي ديني، فهي غير منظمة، ولا تعرف جذور مشكلاتها، وهي أمية وبالتالي تجذبها الشعارات الدينية ففيها عبادتها وحياتها، لكن يتم تنحية هذا الوعي باتجاه سياسي معين تغيب فيه قضية الريف وتغييره الاقتصادي فـُتستخدم هذه الجماعات للصراعات السياسية في المركز، وكان أغلب قادة وجمهور الحركات الدينية من هذه الأرياف. ووعيهم يوجه القضية باتجاه الأصطدامات مع الكفر والخيانة والردة وغيرها من هذه المطلقات غير المناسبة، فتضيع قضيتهم التي سببت إقتلاعهم من ريفهم.
ويكفي من سخرية الموقف أن أكبر طبقة مُعرضة لأقسى المشكلات وهي طبقة الفلاحين أن يكون اتحادها حتى الآن تحت التأسيس!
42 ــالابتعادعنالخيارالعربي
دُفعَ الجمهوري الريفي البسيط المحروم المذهبي إلى واجهة السياسة والمسرح بعد عذاب طويل وإستغلال بشع، وخدعوهُ بأن نصرهُ وشيك من خلال الشعارات المذهبية الذي لم يجر فيه سوى تقوية بعض القوى المتخلفة التي صعدت قوى الحكم البيروقراطي العسكري المغامر بمصائر المسلمين وتفتيت صفوف العرب خدمة للاتجاهات القومية الأخرى.
وهذه الولاية الفاسدة بعد أن ملكتْ الدنيا وزخرفَها الأمبراطوري حركتْ الأنواءَ الطائفية والدينية، أخفقتْ في ثورتها المزعومة، وصارتْ سياطاً على ظهور الكادحين، مهددةً شعوب المنطقة بالحرائق والأهوال.
لكن هذا لا يضيرُ الشيعةَ فهم أهلُ النضال والاحتمال على مر القرون، وكم خُدعتْ القوى المذهبية والسياسية السنية والأفكار الليبرالية والشيوعية الأخرى، لكن هذا يضير الجماعات السياسية القائدة في الطائفة الشيعية والجماعات السياسية التي ناصرتها في الجماعات الأخرى عبر إنخداعها بشعارات الملالي المحدودة وبعدم تبصرها، ومحدودية رؤاها.
إن شعار ولاية الفقيه عارض نضال الشيعة وصبرهم وإتساع صدروهم، ولجئوهم للنضال المسالم، وجعلهم بعد هذا الصبر الهائل في مقدمة المسرح العاطفي الحاد يعرضون أنفسهم لأفدح الأخطار والأهم إنهم يمزقون الأمة العربية في حراكها الكبير الراهن!
أين مقدمة صدروهم الآن؟
أفي جبال اليمن يُحصدون؟
أو يجابهون أخوتهم في العراق؟
أو يخدمون عصابات القتل في لبنان وسوريا؟
أو عند حزب الله (والعياذ بالله!) يعارضُ كل قوى التحررية اللبنانية والحداثة ويدافع عن سيطرة البوليس السوري الذابح لمفكريهم ومناضليهم والذي يريد أن يكون مهيمناً على حياتهم ومصائرهم، فأي إرث فاشي يريد أن يحوز؟
أم في السلطة الإيرانية الدكتاتورية الدموية التي تقهر الشعب الإيراني وتستغل عيشه؟!
ليس الآخرون بأفضل من ذلك، وليست المذاهب الأخرى والدول الأخرى بأجمل من هذه البشاعة.
ولكن هم لم يتنطعوا للقول بأنهم طريق العدالة الشاملة الآلهية النازلة عليه بالمن والسلوى.
ونحن نناضل ضدهم في إنزياحهم للدكتاتورية والعنف سواءً بسواء، لكن جماعة ولاية الفقيه أشعلوها فتنة خطرة راهنة.
وكان آياتُ الله العظمى الكبار في الطائفة الشيعية لم يدعوا إلى ذلك، وعَرفوا مقام العقل الديني المحدود المتطور على مر العقود، وكان معاصَرنا فيهم السيد السيستاني أزدان العقلُ الحكيمُ فيه، والذي ليس بين يده آية سحرية يقول لها كن فتكون، بل الأمور تعود لتطور طويل، وصراعات جمة كبيرة، وإجتهادات كثيفة، لا يكون الدينُ فيها مباشراً، بل مراجعاً متأنياً حصيفاً، وليس مراهقاً مدعياً نافشاً ريشه، بل يسري أحكامه بحكمة.
أي مذهب وفكرة دينية أو علمانية أو قومية تضع نفسها تحت سيطرة الدول وقوى العسكر المغرور فمآلها الخسران.
لا ولاية إلا للعقل المجتهد الحصيف العادل بين الناس. أي لقوى الفكر والوعي بين الناس المعبرة عن الأغلبية فيهم لا يفرض نفسه إلا من خلال قراراتهم، لا ولاية إلا للجمهور العربي المكافح من أجل التحرر والديمقراطية.
43 ــالبُنىالعربيةُوالثورات
تدهورت عقلياتُ العديد من المراقبين لسطوح الأحداث بسبب تكويناتهم السياسية المضطربة والذائبة في الجمهور العفوي والتي لم تتطور عقلياً بسبب تردي الثقافة والإنقطاع عن التحليلات المعَّمقة والدرس.
فهناك التعميماتُ المسطحةُ التي تُقال عن الثورات دون رؤية تنوع البُنى الاجتماعية العربية وكون كل واحدة منها ذات تطور تاريخي مختلف ومشترك مع المنظومة العربية، وترى الأحداثَ من خلال الوعي البسيط للجمهور العامي(المعلم)، الذي إستطاع أن ينقل العالم العربي نقلة تاريخية رغم أسره، ويُنتظر أن يتطور هذا الوعي البسيط لاحقاً بعد عقود من إحتكار الحكم والتوجيه.
إن أهم قضية محورية مركزية هي تحديد قوانين التطور الاجتماعي في كل بنية عربية وأهم هذه القوانين هو قانون الصراع الطبقي الرئيسي، فأما أن يُطرح هذا بشكلٍ إيديولوجي مُسقط من قبل الوعي السياسي على الواقع، وأما أن يُدرس بشكل حقيقي.
لقد قامت الرأسمالياتُ الحكومية الشمولية بأدلجة هذا الصراع، وجعله سابقاً بين الاشتراكية والرأسمالية، وهذا ما نراه في البنية الاجتماعية السورية حيث يُقال أنها بنية مقاومة أو إشتراكية!
لكن التناقضَ الرئيسي في البُنى الاجتماعية العربية هو التناقضُ بين الرأسمالية الحكومية والرأسمالية الخاصة. وفي كل بلد يكتسب هذا الصراعُ درجةً من درجات التطور المختلفة في البنية، كذلك يرتبط بالعلاقات الاجتماعية والسياسية والعلاقات بالخارج، فعلاقات الرأسمالية الحكومية بالغرب وبالرأسمالية الغربية ودرجة إستقلالية الجيش والطابع الاجتماعي للسكان كسيطرة الأشكال القَبلية أو الوعي الديني المحافظ أو على العكس توسع الفئات الوسطى المتعلمة ومدى إزدهار الرأسمالية الحاصة وقوى العمال والنقابات، فكل هذا يساهمُ في تطورِ التناقض بإتجاه الحسم الديمقراطي، أو بقائه في العنف الحكومي!
حين يُقال بأن التناقض الرئيسي ليس هو ذاك بل هو التناقض بين العمال والرأسمالية، نكون قد قفزنا عن مستوى البُنى الاجتماعية ودرجات تطور قواها الإنتاجية المتخلفة عربياً، والتي هي بحاجةٍ لتطوير طويل ونكون قد طرحنا أهدافاً تتجاوزُ مستوى الناس والطابع الموضوعي للاقتصاد.
إن التناقضَ الرئيسي في تونس ومصر كان واضحاً بين رأسمالية حكومية في مواجهة رأسمالية خاصة متسعة، أتخذ فيها الجيشان وضعاً محايداً بين القوى الاجتماعية السياسية المتصارعة.
لكن هذا لا يعني إن القطاعات العمالية والفلاحية والحِرفية لا تدخل في التناقض العام، لكن السؤال من هو القطاع القائد والقادر على خلق قفزة في القوى المنتجة والأحوال الاقتصادية لمختلف الطبقات؟
إن هذا التناقض الرئيسي لا يظهر للناس بل ربما حتى للقوى السياسية، فهي تضعُ تصوراتَها وأحلامَها ورغباتها بدلاً من الواقع الموضوعي، كما أن التصورات الإيديولوجية الحادة تعكس رغبات مغامرة في لي التطور خدمةً لهذه القوى.
ومن هنا فبعض القوى اليسارية تبالغ في دفع التناقض لإزاحة الرأسمالية الخاصة وإعادة الرأسمالية الحكومية بشكلٍ موسع وقاهر، فيما تتوجه قوى أخرى لشراء الأملاك الحكومية أو بيع القطاع العام، لكن الانتخابات والصراع السياسي العقلاني لا بد أن يضع مصالح البنى الاجتماعية وتطورها الموضوعي المدروس قبل أن تتوجه كل قوة سياسية لفرض نفوذها.
إن حيادَ الجيشين التونسي والمصري في عملية الصراع قد ساهم في حل سريع وبخسائر محدودة، كذلك فإن جسمي الطبقة الوسطى في كل من البلدين قد طورَ ذلك، فيما أن اليمن لم تستطع إيجادَ طبقةٍ وسطى شبه واضحة وقطاع خاصٍ قوي، فبقيت البنيةُ الاجتماعيةُ قَبلية تائهةَ الملامح، كما أن إنقسامَ الجيش في اليمن وعدم وجود نخبة ديمقراطية موحَّدة من الضباط الكبار أدى لتحول الجيش بيد فريقين هما العائلة الحاكمة وعائلة الأحمر، وكلُ من جهتهِ يسحبُ الجيشَ لصالحهِ وتحدثُ معاركَ وعمليات إستنزاف حادة. إن غياب الحد الأدنى من الوعي النهضوي الوطني المشترك العقلاني في الطبقة الحاكمة اليمنية جعل البلدَ في مهبِ العواصف الفوضوية العاتية. إن هذا يعبرُ عن ميراثٍ لتاريخ سابقٍ من النزاعات والحروب الأهلية والقَبلية التي غيبتْ تلك الحدودَ الدنيا من الوعي الوطني المسئول.
وإذا كانت سوريا قد صعّدتْ من القطاع الخاص وأوجدت طبقةً وسطى ذات جذور تاريخية حضارية، فإن سيطرة العسكر الحزبي الشمولي العنيف خلال أربعين سنة قد جعلها فُتاتاً سياسياً، وأدى لتحول القطاع العام فريسةً للحكم، وطُحنت الفئات الفلاحية والعمالية والانتاجية الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة، ولهذا فقد قام الجيشُ المؤدلجُ حامي اللصوص بذبح الشعب.
وهو الأمر الذي جرى نفسه في ليبيا ولكن من قبل عائلة صغيرة ورئيس مهووس، أمكن لتعاون القوى الشعبية والدولية من كسرهما.
إن تشكيل قوى واسعة لأجل قيادة القطاعات العامة للتطور الاجتماعي المخطط والناهض بقوى الإنتاج البشرية والمادية، وبالتعاون الديمقراطي مع القطاعات الخاصة، وتفجير قوى الثقافة والعلوم ومختلف قدرات السكان، هي المهمات التي ينتظر أن تُفعل خلال الحكومات البرلمانية القادمة العربية.
44 ــالتوصيفُالطبيعيللربيعالعربي
تعتمد وجهاتُ النظر المتابعة للأحداث العربية التوصيف الطبيعي القادم من قراءةِ الطبيعة ومماثلتها بالحراك الاجتماعي البشري، وعبر نقل مشاهد الطبيعة إلى التطور الاجتماعي، وهي نقلُ قراءةِ مستوى إلى قراءةِ مستوىً مغاير مختلف.
وعادةً أن عمليةَ النقل هذه ومشابهة المجتمع بالطبيعة قد جرتْ خلال قرون، بسببِ صعوبة فهم تحولات المجتمع، وقراءة قوانينه المتميزة الخاصة، والتي تحتاجُ لعِدةٍ تحليليةٍ تستندُ على مجموعةِ علوم كالاقتصاد وعلم الاجتماع والفلسفة.
وعمليةُ النقلِ هذه قد جرتْ كما هي الحال في(علم) الهيئة الذي ظهرَ في بدءِ النهضةِ الغربية حيث تتمُّ مقارنة وجوهِ الناس بوجوهِ الحيوان للاستدلال على طبائع البشر، فهذا وجهٌ شبيه بالحصان، وذاك وجهٌ شبيه بالذئب ويتم نقل صفات الحصان أو الذئب لما يشابهما من الناس!
ولهذا فإن نقلَ دورة الفصول الطبيعية للحياة الاجتماعية هو نقلٌ خاطئ، وإعتماده في السياسة يؤدي لنتائج وخيمة.
ولقد أعتمدَّ ذلك على ثقافةٍ اسطورية عربية قديمة حيث الربيع مركز التجدد والتحول، ومن هنا جاءتْ اسطورةُ أدونيس وتموز – يوليو، وقامت ثوراتٌ في شهور القيظ.
وإذا كان الربيعُ فصلاً من فصول السنة حتمي الحضور والغياب، فهذا ليس من طبيعةِ الثورات، التي لها قوانينٌ مختلفة، متعلقةٌ بأزماتِ البُنى الاجتماعية ومدى تجمع التناقضات الاقتصادية والاجتماعية بها ومدى حراك الوعي المتداخل معها.
لهذا فإن الدخول والخروج في الثورات ليس بيد الجماعات السياسية والاجتماعية بل هو مرتبط بتلك الأزمات الموضوعية العميقة في البُنى ومدى إستجابة الجماعات السياسية والاجتماعية لها ولكنها لا تستطيع أن تُشعلها كيفا تريد.
لقد حاولتْ مجموعاتٌ سياسية إدخال بعض البلدان العربية في الحراك السياسي الجماهيري نحو تغيير الأنظمة فلم تنجح، وأحدثت مشكلات أكبر للمجتمعات، لكونها قامت على عدم قراءة الظاهرات الاجتماعية والاقتصادية وعملت بشكل إرادي دون أن تكون هناك ظروف موضوعية.
هذا ما رأيناه مثلاً في دولة الكويت التي حاولت مجموعاتٌ سكانية مؤثرة تحريك الكويت للربيع العربي!
لا يعني ذلك عدم وجود مشكلات في الكويت، لكن عقلية المماثلة وسحب الكويت للربيع العربي هو نوعٌ من الكاريكاتير السياسي!
ظروفُ الكويتيين الاقتصادية الجيدة ودخولهم العالية لا تسمح بوجود ثورة مشابهة لما يجري في أزقة تونس ومصر العمالية الفقيرة!
على مدى عقود كان المطروح في الكويت هو تطوير ثقافة التنوير والحداثة والعلمانية والديمقراطية، وحين ساندت قوى معينة في الكويت دكتاتورية العراق القومية السابقة كانت تعرقل تنامي تلك الثقافة، وهذه العملية تعبيرٌ عن وجود قوى شمولية سياسية وإجتماعية محلية، لم تنصهر في بيئة ديمقراطية جنينية.
أو حين يقفز البعضُ في الكويت لمهام إشتراكية شمولية، وهو لم يقاوم عادات الاستبداد بالنساء.
كيف إنقلبتْ الكويت من مشروعِ تنوير في الجزيرة العربية إلى مشروع مغاير؟
لا شك أن البيئة البدوية وتناميها عبر الهجرات الصحراوية، وتصعيد القَبلية على حساب قيم التحديث، لعبت أدوارها في إضعاف أجنة القوى الديمقراطية، وكانت كارثة الغزو قد خلطت الأوراق وأربكت التطورات الوطنية رغم أنها ولدّت وطنيةً جديدة قامت على أساس المشاعر الفياضة العفوية.
لم تعمل أجنةُ القوى الديمقراطية لحل القضايا الرئيسية الاجتماعية السياسية المحافظة، كالقَبلية والطائفية والذكورية الاستبدادية وهدر الثروة العامة، وتصعيد التحالف بين القوى التجارية الليبرالية والقوى الشعبية نحو أهداف ديمقراطية مشتركة.
فهذه العتبةُ النضاليةُ الضرورية صعبة، لأنها مجابهة لقوى أهلية متخلفة الوعي، واسعة الانتشار، وتحتاج لجهودٍ يومية كفاحية وعميقة الوعي ومتأصلة الثقافة، واللغةُ الفوضويةُ العاطفيةُ بإتجاهِ اليمين الديني المتوجه لتصعيدِ دكتاتوريةِ طائفة السنة أو طائفة الشيعة أسهل بكثير من تصعيد التحالف النهوضي الوطني الديمقراطي بين كافة الطبقات الذي يحتاج جهوداً مضنية في مجال العمل والبحث والانتاج المادي والفكري.
إختيار الطريق الأول هو الذي جرى، الطريق السهل هو الذي إنفتح، لأن كلَ فئةٍ إجتماعية وسياسية لا تريدُ أن تضحي، تريدُ ما هو سهل وسطحي، فلماذا أناضل من أجل النساء والعمال والتجار والبدون وأجمعُ الناسَ على قيم مشتركة تحتاجُ لسنواتٍ من أجل التأصيل والتضحية بالجهود والمال، الأسهل أن أحركَ نوازعهم الطائفية وأوجهها ضد الدولة!
وهذا ما حدث فتغلغلتْ الطائفيةُ السياسية السنية والشيعية كلٌ بطريقتها، وكلٌ كسبتْ حُطاماً من كيان، وكان الخاسرُ هو الوطن الكويت الشعب!
يحتاج الربيعيون في الكويت إلى قراءة العلوم الاجتماعية.
45 ــالرأسمالياتُالحكوميةُالعربيةفيطورالأزمة
تواجه الرأسمالياتُ الحكوميةُ العربية حالاتٍ متعددةً من الأزمات، وهي كلها تمثلُ حقبةً مختلفة عن حقبة الإزدهار.
حين كانت تونس في زمنِ بورقيبة بتعاونهِ الوثيق مع إتحاد العمال وكأنهم فرعان من شجرة الشعب الواحدة، كان ثمة إنسجامٌ وتوافق. وكذلك زمنُ أحمد بن بللا في الجزائر والطور الأول من حياة الرئيس بومدين، كانت الرأسماليةُ الحكومية في كلٍ من البلدين في حالةِ توافقٍ نسبي مع الجمهور.
وهكذا كانت الرأسمالياتُ الحكوميةُ العربية المتعددة في طور التأسيس، وإنهمار فائض القيمة على الحكومات، ويلعبُ شكلُ التوزيعِ لفائضِ القيمة دوره في تحديد المسارات السياسية والاجتماعية لكل بلد.
وقد مضتْ البلدانُ العربية في مساراتٍ عدةٍ في هذا التوزيع، ويتجلى ذلك في طبيعةِ أملاكِ وثروات المسئولين أولاً، وطبيعة وأحجام ومستويات الرأسمالية الحكومية ثانياً، وكيفية نشؤ الرأسماليات الخاصة المتنفذة في أثناء عمل الرأسماليات الحكومية وطبيعة الرأسمالية الخاصة المستقلة ودورها وأهميتها ثالثاً، ومعيشة وأجور العمال رابعاً.
عندما حاولَ أحمد بن بللا مشاركةَ العمالِ وجعلَ مرتبتَهم في السلم الاجتماعي تقفزُ عن التراتبيةِ الطبقيةِ الرسمية المعتمدة من قبل البيروقراطيةِ السياسيةِ العسكرية حدثَ الإنقلابُ عليه.
عندما حاول بورقيبة أن يقوي البيروقراطية والرأسمالية الخاصة حدث الصراع بينه وبين إتحاد الشغل.
تجري الصراعات والأزمات وتُبنى الإيديولوجيات وتتفاقمُ المشكلاتُ بسبب صراع هذه الأطرافِ الأربعةِ الرئيسية، أو هذه الحصص الاقتصادية القادمة المتصارعة على أنصبتِها من الفيضِ المالي للإنتاج.
وكلما ظهرت أطرافٌ جديدةٌ إحتدمتْ الأزمة. أو كلما ظهرتْ محاولاتٌ لتغيير التوزيع في هذا الفيض تفجر الخلاف.
إن العمالَ هم آخرُ القوى الاجتماعية في عملياتِ التوزيع الخاصة بالنظام الرأسمالي الحكومي، في البدء هم الذين ينتجون ويستخرجون الفيضَ الاقتصادي ثم يذهبُ الفيضُ للوزارات لتحددَ أقسامَهُ وطرقَ توزيعه: رواتب المسئولين ومكآفاتهم، وحصص الوزارات والشركات التابعة للدولة، والعلاقات الاقتصادية مع القطاع الخاص، ثم أجور العمال.
بغيابِ علاقة ديمقراطية تحددها المؤسساتُ المنتخبةُ يحدثُ التداخلُ والاضطرابُ في علاقاتِ هذه القوى الاجتماعية، أو هذه المراكز الكبرى للحياةِ السياسية الاجتماعية، أقسامٌ من الدولة من مختلفِ المستوياتِ وبأحجامٍ رأسماليةٍ متنوعةٍ تنشيءُ فروعاً للاقتصاد الخاص وتمولهُ عن طريق القطاع العام، وينقلب الاهتمام من القطاع العام للقطاع الخاص، ويحدث هذا التخثر في النمو، والإشكاليات المتعددة، حيث يجب أن يقود القطاع العام لا أن يُقاد. ولكن قيادته تتطلب مركزية الدولة وديمقراطيتها وقيادتها للعملية النهضوية لكافة أطراف الإنتاج.
في عمليات الاضطراب والإختلال التي تجري تتغير حصةُ العمال من الفيض الاقتصادي، وتزدادُ نقصاً بعوامل الإختلال وبعوامل خارجية إضافية، ومنها طبيعة المواد المنتجة وأسعارها في السوق.
في تعملق القطاعين العام والخاص تجري حسابات دقيقة بحيث أن تكون هذه العملقة قادرةً على تطويرِ حياةِ الجزء الرابع من البناء الاقتصادي وهو العمال، وفي حال عدم وجود مثل هذه الحسابات الدقيقة فإن الشريك يَدخلُ في حالاتِ تمردٍ تبدأُ من العقلانية إلى الجنون والفوضى.
ويُلاحظ ذلك في طبيعة الإيديولوجيا الدينية كأحد المقاييس في عملية الانتقال هذه.
عندما تحدث علاقاتٌ ديمقراطيةٌ وعملياتُ تخطيط وحواراتٍ بين القوى الأربع السابقة الذكر تسودُ العقلانيةُ السياسية، لكن حين تفلت الأمور، وتتضخم أطرافٌ على حسابِ أطرافٍ أخرى، تصعد اللاعقلانيةُ ويمكن مراقبتها في تبدلِ مزاج الجماهير من السلم نحو العنف: مثل كثرة الجرائم الشخصية وغيرها واللامبالاة الاجتماعية الواسعة، وصعود أطراف دينية تعبرُ عن تغيير القسمة والتوزيع الاقتصادي بطرقٍ ذاتية حادة وكأنها قادرة على تغيير قوانين الاقتصاد والسياسة بالسحر والدجل.
لكن هذه ليست سوى حالات ضرورية مؤقتة، بمعنى إنه في عملية التحول الشاقة التاريخية التي تجري من الرأسماليةِ الحكومية وهي شكلٌ متخلفٌ شرقي من التطور الاقتصادي السياسي، إلى الرأسمالية الحرة ذات القوانين الاقتصادية الناتجة من داخل البنية الاقتصادية، سوف تحدث صراعاتٌ وإنهياراتٌ وبناءات، بحيث أن البناءَ الاقتصادي الحكومي الهائل سيختفي أو تتلاشى أجزاءٌ كبيرة منه، أو يُعادُ تشكيلهُ حسب ضرورات السوق والحاجات الشعبية.
ولهذا فإن القراءات المعمقة والحوارات بين قوى الإنتاج المختلفة وخاصة عبر المؤسسات المنتخبة ستكون لها نتائج فهم العملية الموضوعية وضبطها، وهي التي تجري بنا وضدنا، والخارجة أحيان عدة عن الإرادات السياسية.
46 ــالرأسماليةُالعربيةُالحرةُالممكنة
يمكن القول إننا انتقلنا عبر الثورات العربية إلى إمكانياتِ الرأسمالية العربية الحرة كنظامٍ سياسي – إقتصادي، ولكن هذا لا ينطبقُ على الجميع وبالتالي فإن أغلبيةَ البلدان العربية دون ذلك.
ولهذا إن ما أشار إليه بعض المعلقين هو صحيح لكنه محدود، مثلما يعلق الأخ حسن نظام من البحرين حول الرأسمالية الحرة العربية الطالعة بين الدخان الديني والسياسي:
(مقالٌ جيدٌ وموضوعي ومصيريّ، حتى الأفق المنظور للمرحلة الوطنية الحالية؛ مرحلة الخروج من الإستبداد المزمن(الإقطاع السياسي والديني)والولوج في تشييد المجتمع المدني(البرجوازي). ولكن أكيد أن المسألة ليست بهذه البساطة أو الميكانيكية نحنُ نعتقد بأن بنية المجتمعات العربية الإسلامية لا تسمح بالبساطة المرجوة لإنبثاق البرجوازية الحرة، إلا أن القوة المالية الضخمة قد تساعد في المستقبل؛ خاصة بعد نضوب النفط أو تراجع أهميته الإستراتيجية، لتأسيس برجوازية حرة ومنافسة قوية للمركز الرأسمالي)، الحوار المتمدن.
نحن لا نتكلم بإطلاق وتعميمات لا ترى مستويات التطور في الدول وإختلاف بُناها الاجتماعية، بل نتكلمُ عن بلدان الثورات العربية وخاصة تونس ومصر الأقرب لبنيةِ الحداثة، والتي شكلتْ فئات وسطى واسعة وراكمت تجاربَ رأسمالية الدولة التحديثية الشمولية بتماثلها وإختلافها وتجاوزاتها.
ويجري الآن في مصر تحديداً وبقوةٍ الصراع بين الإقطاع السياسي والإقطاع الديني بعد أن أغتنيا بثمار الحداثة لكل منهما وبثمار الاستغلال العائد للعلاقات ما قبل الرأسمالية والحديثة كذلك.
إن الإقطاعَ السياسي الذي مثلّهُ الحزبُ الوطني لن يتخلى عن السلطة بشكلٍ تام فركائزه في القطاع العام والإدارة والجيش موجودة ولكن حصل على ضربة واسعة قوية بفضل الثورة وبتكون برلمان منتخب واسع الصلاحيات منقوصها بعض الشيء.
ومن الممكن للإقطاع السياسي أن يواصلَ نفوذَهُ ويستعيدَ بعضَ أشكاله لكن تم قطعُ العلاقةِ بين الدولةِ وتكون رأس المال. وهو ما كوّن ذلك الإقطاعَ حيث يتم خلق الفائض من خلال السلطة.
هذه هي النتيجة الحاسمة الاجتماعية السياسية الكبرى للثورات العربية.
لقد وضعتْ الثورتان المصرية والتونسية خاصةً حداً للاستغلال السياسي للدولة، لكن لا يمكن وقف بقاياه وقضاياه الفردية بشكل مطلق فهذه قضية تاريخية متصاعدة.
المنتصر السياسي هو الإقطاع الديني. وهي المفارقة التاريخية، لكنها تعبيرٌ عن غياب التطور الديمقراطي الحر في الحياة الاجتماعية والفكرية العربية. وهو أمرٌ يعرقل تطور الحرية والتقدم الاقتصادي المطلوب في حياة النساء والرجال والريف والثقافة.
إن تحجيم الإقطاع السياسي يطرح تحجيم الإقطاع الديني معاً، لنمو الرأسمالية الحرة على الجانبين، الدولة، والشعب، فما تحتاجه هذه البلدان هو ثورة إقتصادية ترفع مستويات الأغلبية الشعبية وعيشها وثقافتها وعلاقاتها.
وما يميز البلدان العربية غير النفطية هو وجود أغلبية عاملة وفئات وسطى واسعة، وصعوبات إيجاد الفوائض المالية لخلق الصناعات الكبرى الجماهيرية، ودون تغيير طابع القوى العاملة وحشد أغلبيتها في هذه المشروعات، والحصول على الفائض وإدارته ديمقراطياً حسب الخطط التحويلية، تتعرقل عملية تطور المجتمع.
ومن هنا تصبح الرأسمالية الحرة ضرورة في حياة العائلة، بإدخال النساء في الصناعة بأشكال جماهيرية، وبتصعيد الثقافة والفئات العاملة الفكرية خلافاً لسيطرة الفئات اليدوية والعمل البسيط، فتطور البرجوازية يتطلب تطور الطبقة العاملة كذلك.
وبقاء الطبقة العاملة متخلفة يؤدي لهروب الرساميل وغياب الثورة الصناعية العلمية وهذا من الممكن أن يحدث لعدم فهم الدينيين قضايا التطور الاقتصادية، بحججٍ أخلاقية، هي تعبيرٌ عن إستبداد ذكوري مغلف، وبالتالي تغدو المعركة على الجانبين الحكومي ومدى توظيفاته الهامة في بؤر التطور الاقتصادي المطلوبة شعبياً، ومدى حراك الطبقة العاملة وتطورها ونضجها الاجتماعي السياسي لتصعيد هذا التطور.
تقلص الإقطاعين على مستويي الدولة والحياة الاجتماعية، ونشؤ حريات سياسية وإجتماعية وإقتصادية واسعة لن يتم بدون صراعات القوى السياسية ودفاعها عن مصالحها بخطابات إيديولوجية عديدة.
وبدون وجود الملح تتعفن المادة الاجتماعية والملح هو اليسار الديمقراطي.
فهذا كله ليس موقفاً يمينياً لكنه إستشراف اليسار الديمقراطي العربي للتحول الممكن. فلم يعد اليسار ذا خطابات عامة مجردة شمولية، بل هو يقدم قراءات متابعة لتطور البُنى الاجتماعية، يوجه الإرادة الاجتماعية السياسية نحو بؤرة المشكلة والتناقض الرئيسي، فكانت المشكلة المحورية هي رأسمالية الدولة الشمولية ويتم تجاوزها، والآن تواجه البنيةَ بؤرةٌ إشكاليةٌ أخرى لا بد من تجاوزها عبر تراكم الجهود للفهم والتحالفات والتوجه للتغيير.
إزاحة الإقطاعين وفتح الطريق لرأسمالية حرة طريق طويل لا بد أن نقرأه في كل خطواته بعمق وتأن.
وبالتالي فإن البلدان العربية ذات بُنى مختلفة متداخلة، فهناك دولٌ متقاربةٌ في مستوى وهناك دولٌ متقاربة في مستوى آخر، وكل منها له مساره، ولا بد أن تكون له قراءته النابعة من تطوره التاريخي الخاص.
ما كان قديماً من روشتة عامة، ونموذج مستورد مُعّمم، وقفزٍ على التطور الموضوعي، وعدم أخذ مسارات البُنى الاجتماعية للبلدان بظروفها الخاصة المتشابكة مع العام، هو منهجٌ يتمُّ تجاوزه لدى بعض الفئات السياسية لكن الطريق لا يزال طويلاً.
47 ــالعربُبيننارين
صراعُ الإقطاعين السياسي والديني إمتد طويلاً خلال العقود الأخيرة.
كلما جاءت قوةٌ سياسية للسلطاتِ العربية لم تستطعْ أن تنشرَ الحرية والديمقراطية والإصلاحات الاقتصادية الاجتماعية، فهي ترثُ إمتيازات السابقين وربما قامتْ ببعض التغييرات لكنها ترثُ نفسَ أجهزة الدول السابقة بلوائحها وموظفيها ودورها المتنفذ.
الانقلابات العاصفة والانفجارات الكلامية السياسية خلال عقود وتحرك الملايين الهادرة في الشوارع، لم تُحدث تغييراً عميقاً، الإقطاع الجمهوري السياسي يرثُ الملكيَّ، أو ينسخُ الإقطاعُ الجمهوري نفسَهُ عبر إنقلابات يكررُ نفسَ النظام الانتاجي الاجتماعي السابق.
حين تصعد فئاتٌ متوسطةٌ تظهر لا على أساسِ الانتاج بل على أساس علاقاتها مع الدول والأجهزة.
الأفكارُ الليبرالية والديمقراطية والإسلامية التحديثية تظلُ في داوئر ضيقة غير متغلغلة جماهيرياً لأنها لا تقوم على أساس طبقات رأسمالية حرة أنتجتْ رساميلَها من السوق الاقتصادية.
القوى الانتاجية الشعبية تظلُّ بدون إصلاحاتٍ فالأريافُ تعاني الفقرَ والملكيات الزراعية الواسعة المتخلفة في أسلوب الإنتاج حيث قلة المكائن والعمال الأحرار، أما القطاعات العامة التي تزدهي بها الأنظمةُ وتصنعُ مواداً أولية تعبرُ عن مكانة الدول حسب سعر المواد لا حسب قوة الإنتاج، فإنها تتعرض لنفس الطفيليات الاقتصادية، وبهذا فإن القطاعات الاقتصادية المختلفة تعيش ما قبل الحرية.
مرت الدولُ العربية بثلاث ثورات حتى الآن، فكانت الثوراتُ الليبرالية في البداية، ثم الثوراتُ العسكرية، والآن الثورات الدينية.
الليبرالية حاولت قصقصتْ أجنحةَ الإقطاع ثم أنزلقتْ هي إلى حضنه، فكان ملاكُ الأراضي العرب وهم حضن الليبرالية والذين يقيمون مصانعَ على ضفاف الزراعة مالبثوا أن تكرسوا كإقطاعيين أكثر منهم برجوازية صناعية.
الحداثة الصناعية تتطلب ثقافة سياسية علمية تقنية مكلفة، والمصانعُ ذات دورات رأسمالية مطولة، وهذه المصانع الخاصة كانت تُجابه بصراع سياسي نقابي طفولي في أغلبه، والتوجه للرساميل العقارية والخدماتية أسهل وأجزل، وبالتالي تغدو العودة للإقطاع قوية.
إضافة إلى إقامة ثورة إنتاجية ثقافية علمية أمر مكلف وخطير.
المرحلة الثورية العسكرية قامت بتأميماتٍ وهيجان سياسي كبير وقالت بأنها ستغير الملكيات الزراعية الكبيرة وتنقلُ الأريافَ العربية للتحديث والغنى الاقتصادي لكنها لم تفعل ذلك عبر إعتمادها على نفس المكائن الحكومية القديمة التي تسربت الثروات إليها وبدلاً من الباشاوات صار الضباطُ الكبار باشاوات.
الثوراتُ الدينيةُ الراهنة عكست فشل قوى التحديث العربية بل كانت صفعات إجتماعية سياسية على وجوهها، الجانب السياسي من الدول الذي عكس الإقطاع السياسي، أتضح فشله ولكن ليس لخطوة للإمام بل للوراء. لم يقم بتراكمات ديمقراطية إجتماعية عميقة في الأبنية.
الإقطاعُ الديني يصعدُ من خلال هذه الجماهير العريضة المحطمة عيشاً ووعياً، ويستولي على نفس المكائن القديمة، ويريدُ شحنَها بزيته الخاص.
الدكتاتوريات تغدو دينيةً هذه المرة، وتظهر شرائح طائفية كل منها ضد الأخرى، مثل اللصوص الذين أتفقوا على الجريمة لكنهم إختلفوا بعد الحصول على الغنيمة.
وكل يوم تتفجر قضية دينية بشكل، وتنجرف كتلُ الجماهير للصراخ والعنف وتكرر ما فعلتهُ جماهير الخمسينيات والسينيات من غضب ولكن بأشكال أكثر فجاجة.
إعتمدت الجماعاتُ الدينية على حشد الغوغاء، وهي هذه الجماهير المُدمَّرة من تنميات رأسماليات حكومية غير مخططة ولا عادلة، ويتم صناعة هذه الجماهير مثل الجماهير الشمولية السابقة بالشحن والجمل المقطوعة السياق عن العلم، وبالهياج العصبي، والعنف المدمر.
كتل الثورات الثلاث، وجماهيرها، وثقافاتها مدعوة لرؤية الماضي والحاضر، ونقد تاريخها، ومعرفة سببيات تدهور مشروعاتها التحويلية وإستبدال آرائها وخطاباتها بقراءة موضوعية للواقع والتعاون الآن خاصةً بعدم التفرد السياسي، وبضرورة المشاركات الواسعة ورفض الاستقطابية الطائفية التي هي مكمن الضعف في المشرق العربي الإسلامي، والإستقطابية الدينية في مصر التي هي مكمن الخطأ التاريخي الوطني فيها.
ثوراتٌ تجريبية مكلفة كثيراً ولم يزل العربُ في مكانهم الأول في بداية القرن العشرين.
أجسامٌ سياسية مفتتة، وكلٌ منها دخل في بيته الخاصة يحاول أن يتطور.
ما قبل نشؤ الممالك والأمبراطوريات العربية إعتمد زمنُ الخلفاء الراشدين على هذه الصيغة البسيطة:
أغلب ما يملكهُ الحاكمُ الخليفةُ الراشدي هو للناس، وكلُ ما يملكه الناس هو للناس!
ومن هنا كان سبب (الفتنة الكبرى) هو إنقلاب هذه المعادلة وضياع الحدود بين ما يملكه أميرُ المؤمنين وما يملكه المؤمنون.
كل القرن العشرين إنقضى في بناء الاقتصاديات المتنوعة، أشكالٌ متنوعة من المركزية واللامركزية، وظل قانون التوزيع الاقتصادي هو نفسه منذ العصر العباسي:
ثلث الميزانية العامة للنفقات العامة ولميزانية الجيش وترميم القنوات وإنشاء الجسور وغيرها من الأعمال الضرورية للاقتصاد والبنية الاجتماعية حسب مقتضيات التطور في كل مرحلة تاريخية، وثلثا الميزانية للطبقة الحاكمة توزعها فيما بينها على حياتها الخاصة.
وهذا يشمل ما يُعتبر أملاكاً عامة وأملاكاً خاصة قادمة من الخراج فلم يكن ثمة مصطلح خاص بالأملاك العامة التي تخص المواطنين، فقد أنهار الحد الفصل بدءً من الفتنة الكبرى، فثمة غموض شديد هنا، وفي الأزمات يتسع الأمر لتغدو كافة الأموال الخاصة خاضعة كذلك للدولة.
أجهزةُ المحاسبةِ والتدقيقِ والرقابة لم تعرفها المجتمعات العربية طوال قرون، وقد طرحتْ الإداراتُ الاستعماريةُ التي إستولتْ على الوطن العربي فكرةَ الفصل، وإنشاء الميزانية العامة، والفصل بين الأموال العامة والأموال الخاصة.
لكن في العديد من البلدان العربية كيفت الإداراتُ الاستعمارية أوضاع الطبقات الحاكمة العربية مع التقسيمات القديمة كذلك، وأعطتها إمتيازات خاصة مبقية على وجودها المتميز واتسع هذا الوجود المتميز بعد إستقلال الدول العربية وعاد لالتهام العام.
ورغم ضخامة الموارد التي تصل لها، فإن الطبقات الحاكمة لم تقبل بهذا التقسيم غير العادل مصرة على تضييع الحدود بين الأموال العامة والخاصة العائدة لها.
وخلال القرن العشرين كله لم يُوضع الخط الأحمر بين العام والخاص، فرغم تطور علوم المساحة، والمحاسبة، وصعود الإدارات الرقابية، ونشؤ الأحزاب، وظهور البرلمانات، ونشؤ الانقلابات والجمهوريات، فإن الخط الأحمر ذاك لم يظهر.
إستمرتْ الطبقاتُ الحاكمة في تضييع الحدود بين الأملاك وتكشفت عن عبقريات مذهلة في هذا الخصوص، كذلك عملت الانقلابات العسكرية على إزالة الخط الصارم ذاك.
تضخمتْ الإداراتُ على نحو هائل، وأُضيفتْ المصانع والمعامل والورش وأحياناً حتى المتاجر والدكاكين لأموال الدولة، ولهذا فإن الجماهيرية الليبية كان كل شيء فيها بيد (الجماهير) من أموال النفط حتى المتاجر في بعض السنوات.
الدولُ العربيةُ المعاصرةُ قامتْ بنسخ الدولة الأمبراطورية القديمة التي تملك أغلب الملكيات الكبرى بدعاوى مختلفة، أي بأسماء مختلفة؛ الدولة الوطنية والدولة القومية والدولة الاشتراكية، لكن المضمون الجوهري راح يظهر عبر الزمن، فرغم وجود المشروعات العامة، وبناء الميزانيات إلا أن الثلث المخصص للظروف العامة، وثلثي الميزانية المخصصة للطبقة الحاكمة، لم يتغير كلياً، إلا مع وجود رقابة صارمة من حاكم مناضل أو مصلح كما حدث في فترات جمال عبدالناصر أو أحمد بن بللا على سبيل المثال، لكن البيروقراطيات المسيطرة على تحديد المال العام وإنتزاعه وتوزيعه والرقابة عليه، ظلت هي التي تكيف الاستثنائي للجوهري، أي تعيدُ العامَ للخاص، سواءً بحكم السيطرة اليومية أو بالاحتيال المنوع بإضفاء مشروعات وهمية أو بذكر مصروفات غير حقيقية، ورواتب عالية لفئات، أو أمتيازات الخ.
كما أن المشروعات الكبيرة والحروب وغيرها كانت تعيدُ العامَ الذي كان عاماً مخصصاً للناس حقيقةً إلى الخاص، وهذا لا يظهر في الأوراق الرسمية والحسابات العامة المطروحة في المشروعات، بل يظهرُ في الانقسامات الاجتماعية التي تتزايد مع تطور السنوات وعودة العام للخاص، حتى تصل الأمور إلى عدم الاحتمال، وظهور الفجوة واضحة بين الشعارات والواقع، فالجماهيرية تقول أن كل شيء للجماهير، لكن الجماهير البائسة تظهر للشوارع لتؤكد العكس!
وهذه القوانين الاجتماعية العامة لا تظهر في الاقتصاد بل في كل الظاهرات من الشِعرِ حتى الأزياء.
فالشعرُ في سنوات التنمية الوطنية، وتوجه الفوائض لخدمة الناس، يصيرُ شعراً عاماً مكافحاً، لكن في سنوات التدهور يعود الشعر للغموض وتظهرُ الأشكالُ (الشعرية) القديمة مثل الشعر القبلي النبطي والعامي المتخلف.
والأزياء الحديثة الفاتنة في أزمنة النهضة وتحرر النساء تتراجع لتصير أزياءَ قديمةً مغلقة، تكبلُ النساءَ في عالم قديم ومعها السحر والعقد النفسية.
أنتج العربُ نظرياتهم الفلسفية وأزدهر شعرُهم حين شدد خلفاءٌ وقادة ومثقفون وحركات سياسية على ازدهار وضع العامة وحقهم في الفيء العام، وتدهوروا حين صار العكس.
والأزمة الاقتصادية الاجتماعية تنتقلُ عبر سنوات وعقود وتنخر الأدوات والأشكال الفكرية والسياسية التي ظللت تلك الأبنية الاجتماعية، فالأحزاب المؤثرة المسيطرة لا يعود لها تأثير، وأدوات الحكم والرقابة والتقسيمات السياسية الإدارية تنهار.
ما بناه العرب في القرن العشرين إذن يتعرض للتغيير العميق، وعلى قواهم الفكرية والسياسية توجيه الأمور لخلق بناءات سياسية واقتصادية مغايرة، تراعي قوانين الاقتصاد.
49 ــالمساراتُالعربيةُإلىاين؟
يعودُ إرتباكُ الإصلاحاتِ العربية لكون القوى السياسية التي تقود العمليات هذه لا تحملُ المفاهيمَ الصحيحةَ للإصلاحات ولا تعبرُ عن القوى الاجتماعية القادرة على إرساءِ مضامين الإصلاح في الواقع.
فهي تعمل على نفس الأيديولوجية المحافظة القديمة التي لا ينتجُ منها تحول نوعي، أنظمة وحركات مذهبية تتصارع.
فقوى اليمين التقليدية هي التي لها الأنصبة الأكبر، وهي تختلفُ حسب تبايناتها الطائفية لا حسب برامج الإصلاح العالمية التحديثية.
إن القدومَ من العصر الوسيط، والإبقاء على سمات المجتمعات القديمة من هيمنةٍ كلية أو عامة على السلطات، إلى إستمرار عبودية النساء المنزلية، إلى الإبقاءِ على النصوصية الدينية السطحية في الدساتير والثقافة العامة وهي نصوصيةٌ غيرُ ديمقراطيةٍ وغيرُ عقلانيةٍ، هذه كلها تؤكد هزيمة مشروع الحداثة العربية وقيام التقليديين الطائفيين والمحافظين بالصراعات الحادة أو الدامية في البلدان العربية. لكن من القديم ينشأ جديد ويبنثق من رماد الثورات العربية فكرٌ مختلف في بلدان قليلة.
إن هزائم قوى التنوير واليسار والعسكر الشمولية قد أعادَ مرةً أخرى القوى التقليدية للنفوذ السياسي الواسع على الحياة العربية في بلدان متعددة ولكنها تمسك حطاماً أو كيانات مضطربة لا تملك قوى بناء كبيرة، وهي لا تأبهُ كثيراً بالصراعات التي جذرتها في الواقع العربي المتعدد الدول ولا تعترف بمسئولياتها عن النتائج السلبية لتلك الصراعات.
فهناك تفككٌ واسعٌ للبُنى الاجتماعية بسبب مركزيةِ السلطات الطويلة، وسيرورةِ المدن العربية مراكز للهيمنة الاقتصادية بمشروعاتها غير الصناعية، سواءً كانت صناعةً ثقيلة أم خفيفة، وإنتشار الاقتصاد الطفيلي وأشكال أخرى من الاقتصاد المعتمدة على فيوضِ الصناعات الاستخراجية الضعيفة التطور الصناعي العلمي الجماهيري الواسع المبدل للبنى العتيقة.
ولهذا فإن أشكالَ الأعمال التجارية وقوى العمل الشعبية تغدو متدنيةَ التأثير وسلبية على المدى الطويل، فنجدُ إن بلداناً تعتمد على فيوض كبيرة من العمالة المهاجرة لا تقدم سوى إنشاءات مادية مرحلية، فلا يكون لها تأثير كبير مفيد على تطور البُنى الاقتصادية الاجتماعية، بل هي توسعٌ للجوانب الطفيلية، فتغدو المهنُ الطفيليةُ هي السائدة، فتقوم فئاتٌ بتأجير مختلف أنواع المُلكيات إلى فئات أخرى وتحصل على إيجار وريع وفوائد فيما هي لا تقومُ بأي عملٍ إنتاجي ولهذا لا تجذر تصنيعاً.
وهذا يصلُ للتأجير الفكري والتأجير الثقافي والسياحي، فهنا فئاتٌ لا تنتجُ أعمالاً بقدر ما توظفُ الفندقَ أو المبنى، أو الخدمات أو الأشياء، أو الأشخاص، أو الذات الكاتبة والمغنية والمفكرة، للغير نظير فوائد وعمولات.
إن الدولَ بهياكلها ما قبل الحديثة والمعتمدة على النفوذ السياسي والعائدة للقرون الوسطى، عبر سيطرة الطوائف والقبائل والعائلات والبيروقراطيات هي بعيدةٌ عن الحكم الديمقراطي الحديث، فهي حتى غير قادرة على تصعيد برجوازية صناعية أو حديثة تستجيبُ لقوانين السوق، وقوانين الديمقراطية، وقوانين العقلانية.
إن أحجام التخلف في المجتمعات العربية هائلة، ولم تؤدِ الفيوضُ النقدية لتحولٍ جوهري في القواعد الاقتصادية، ولم تفعل ما فعله غاندي وسلفه، عبر التحول للصناعات الثقيلة والخفيفة وتوسع التصدير، وربط التطورُ التالي ذلك بالحداثة والعلمنة وهزيمة القومية العدوانية بعد الحرب العالمية الثانية، بل عاشت البُنى العربية على الفيوض النقدية السهلة وتوسع الاقتصاد الطفيلي.
ولهذا نلاحظُ من الناحية السياسية إنتهاء سيطرات العسكر والبيروقراطيات القديمة المحتجزة على القطاعات العامة الفاسدة، نحو ولاياتِ الفقيه السنية والشيعية وغيرهما لتعيد إنتاج الماضي الاستبدادي.
إن ولايةَ الفقيه تعبيرٌ عن نشؤ طفيلياتٍ ودكتاتوريات على مستوى النصوصِ الدينية وعلى مستويات التفسيرات السطحية النفعية الخاصة بالقوى الاجتماعية البرجوازية الصغيرة الجديدة المتلاعبة بالأقوالِ الدينية نحو توظيفاتٍ طفيلية واسعة.
إن دكتاتوريات العسكر واليسار الانتهازي والقومي وغيرها هي طفيلياتٌ على مستوى النصوص العصرية المؤدلجة المُشذبة لصالح تلك الدكتاتوريات وبرفض قوانين الحداثة من ديمقراطيةٍ وعلمانيةٍ وعقلانية، فتقوم الطفيلياتُ الدينيةُ الجديدة بالحلول محلها، وتكرسُ أشكالَ الملكيات الخاصة الطفيلية تلك والتي إنتشرت بأشكالٍ واسعة عبر المقاولات والصرافة والبنوك وغيرها.
فيما تتطلب الأبنيةُ العربيةُ جبهات واسعةً متعاونة للتصنيع والعلوم والتقنيات وعدم إهدار الفيوض النقدية بالنوم والتآكل في الغرب والشرق، والعيش على الصراعات السياسية والمسلحة بين القوى في كل بلد وبين البلدان العربية والإسلامية بعضها البعض.
إن لغات الاستحواذ على تفسير المذاهب وعلى الكراسي والعقار والشركات والأسواق هي لغاتٌ تضربُ السوقَ الحرة، وتتفرد بالهيمنة على الوزارات والعهود القديمة والجديدة، وعدم العقلانية برؤية مسارات الانحدار الراهنة المضعفة لكل القوى، وتصعيد لسيطرات الذكور على الحياة والبيوت بأشكال متشددة من جهة، وفتح الأبواب للحلال الكامل للجنس الخشن، وإقتصاديات المتع والبذخ، وللفنون الحسية الهابطة من جهة أخرى.
أعادة النظر في أنماط التصنيع وربطها بتحولات السكان وإعادة الفوائض للاقتصاديات العربية بدلاً من شحنها للخارج، وتثوير العائلة الذكورية وجعلها ديمقراطية، ونشؤُ ولايةِ الشعب والبرلمان والسوق الحرة.
50 ــالمستوىالسياسيللمعارضاتالعربية
تعود العديد من أسباب عدم صعود المعارضات السياسية العربية للحكومات لأسباب ذاتية كبيرة في هذه المعارضات ذاتها.
ومهما كانت سلبيات الحكومات فإنها أكثر تمثيلاً للشعوب من المعارضات، وهو واقع حقيقي للأسف.
هذا التمثل الأوسع هو الذي أتاح لها الوجود والاستمرار
ورغم أن هذا التمثل الحكومي للشعوب قام على أساس الأمر الواقع والقوة والعفويات الاجتماعية المختلفة وبعض التخطيط، لكنها قدرت أن تستوعبَ مختلفَ الطبقات والطوائف داخلها، وتجعل أجهزتها ذات تنوع مناطقي وأثني، رغم أن هذا التمثل يجري من خلال هيمنة قوى معينة ومذاهب معينة.
بطبيعة الحال جرى هذا التمثل الحكومي العربي أولاً بسبب سياسة الغرب الذي سيطر على المنطقة وأخرج الحكومات من المستويات المتدنية لزمن ما سُمي بفترة الانحطاط وفترة حكم الأتراك التي تلتها، فتشكلت سياسة عملية كنست زمن الرقيق وحكم الطوائف الكلي، وأخذت حكومات الاستقلال تقوم بتمثل نسبي للأهالي، واعتمدت سياسة عملية أدخلت النسيج الوطني في هياكلها السياسية، رغم أن هذا النسيج لم يكن متساوياً ومتساوقاً في ألوانه!
وكان يُفترض في المعارضات أن تكون متجاوزة لهذا، وذات بُنى وطنية أكثر تعبيراً عن النسيج الشعبي، وأكثر قدرة على تبصر طموحاته وتنويعاته، لكنها عجزت بعد أكثر من نصف قرن من زمن الاستقلال؟!
حين تعبر القوى التقدمية عن نفسها تقول بأنها تمثل العمال، ولكنها لاتضم العمال فقط بل تضم قوى إجتماعية أخرى، لكن القوى الاجتماعية الأخرى، التي دخلت تمثلت بأفراد ذابوا في أهداف العمال، ومع ذلك فإن هذه القوى السياسية تطرح مشكلات طبقات أخرى كمشكلات التجار والصناعيين، وتريد تغيير حياة الفلاحين وغير ذلك من تمثيل للقوى الاجتماعية.
إن هذا لا يجعلها معبرة فقط عن العمال بل عن قوى أخرى، ولكن القوى الأخرى من تجار وصناعيين غير موجودة داخل التنظيم، ولا تطرحُ أفكارَها ولا أهدافها، فكيف يمثلها الحزب التقدمي بدون تمثيل؟!
إن حالات الأحزاب التقدمية العربية السياسية وعموم الأحزاب في الشرق هي حالات منقولة من مجتمعات متطورة، هي مجتمعات الغرب الرأسمالي، حيث أنقسم المجتمع بوضوح بين طبقتين كبريين، هما الرأسماليون والعمال، أي جرى أصطفاف إجتماعي حقيقي، وحينئذ يعبر الحزب التقدمي بإنسجام عن قواعده، كما يعبر الحزب الليبرالي أو الجمهوري عن طبقته.
إذن الأحزاب التقدمية في الشرق هي جبهات اجتماعية تضم طبقات عديدة، لكن التصور الإيديولوجي المستورد يجعلها تظن أنها تمثل طبقة واحدة، وبالتالي عليها أن تقيم المجتمع الاشتراكي.
هذا يجعلها غير قادرة على تمثل مختلف الطبقات، ولا على فهم طبيعة المرحلة الانتقالية من الإقطاع للرأسمالية الحديثة، متصورة مهمة أخرى، وبهذا فهي تعجز عن مقاربة موقف الحكومات، التي تعي أنها تعبرُ عن مرحلة ما من التطور الرأسمالي، بدون أن تتطور هذه المرحلة لتصل إلى مماثلة النظام الرأسمالي الغربي المتطور، فهي تحافظ على بقايا من الأنظمة السابقة المتخلفة والشمولية. في حين تتجمد القوى التقدمية عند تمثل العاملين والحرفيين وغالباً ما يكون ذلك في العاصمة.
من الممكن للقوى التقدمية العربية أن تتجاوز هذا التمثيل الضيق بعقد تحالفات عميقة مع قوى التجار والصناعيين، أو بتحويل الحزب إلى جبهة تحالف عريضة بين أحزاب تستوعب مشكلات وأهداف مختلف القوى الاجتماعية الراغبة في التغيير.
أو أن تنمو المنابر الحزبية الداخلية لتعبر عن أطياف من الرؤى الاجتماعية في ظل فكرة سياسية كبرى تستوعب المرحليات المتعددة في التطور الاجتماعي، فهناك مرحلة كبرى لمماثلة النظام الرأسمالي المتطور ومقاربته وإزالة العوائق من طريقه، وهناك مرحلة ثانية هي العمل على تجاوزه. دون أن يمنع من ذلك النضال المستمر لتغيير أحوال الأغلبية العاملة في شتى المراحل.
بطبيعة الحال هذا يرتكز على فهم طبيعة التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية الراهنة، وعدم الفهم هذا غالباً ما يسبب الفوضى السياسية والاختلافات.
وقد ازداد عدم التمثل الديمقرطي والتمثل الوطني في الأحزاب الدينية بشكل أوسع وأخطر. وهي التي مثلت تمزيقاً للخريطة الوطنية، أي أبعد بكثير من الحكومات، ودون أن تعترف بالمراحل التاريخية الموضوعية للبشرية.
ولهذا فإن نموها يمثل إفتراقات وتفككاً للخرائط السياسية للشعب بدلاً من نمو التمثيل الوطني شبه المتماسك في ظل الحكومات رغم سلبياته.
والحكومات العربية تقوم بالتغلب على ضعف الديمقراطية والتمثيل الوطني في الأحزاب، مكتشفة بعض المشكلات التي تقوم بترميمها من أجل تجفيف المياه التي تعيش عليها الأحزاب المعارضة غالباً، لكن مع إستمرار سيطرتها على الموارد الكبرى، وهو أمر يعني عدم التطور الديمقراطي الحقيقي ولا حدوث المقاربة مع المجتمعات الديمقراطية المتطورة.
ولهذا فإن الأحزاب التقدمية مع حفاظها على بناها الاجتماعية العمالية فقط تظل ذات تمثل قوى محدودة، وغير قادرة على الاقتراب من إدارة بلد، وعلى تطوير الاقتصاد، وعلى فهم الطبقات المخلتفة وتمثلها أو تمثل مطالب كبيرة مهمة وطنياً لديها، أما الأحزاب الدينية فاقترابها من الإدارة يؤدي إلى رعب قوى سكانية كبيرة وإلى صراعات مذهبية ودينية وتمزقات في الخريطة السياسية للبلد.
فلا بد من هضم الثقافة الوطنية لكل بلد وأن يكون الحزب المعارض معارضاً لسياسة معينة معيقة من مقاربة الدول المتطورة، ويكون ممثلاً لمختلف القوى الاجتماعية بدرجات من التمثل النسبي الذي يعبر عن أهدافه وفهمه لمراحل التطور السياسي المستقبلي للبلد المعني.
51 ــجذورالانتهازيةالعربية
منذ أن تشكلت الدولة العربية الإسلامية وامتدت وصارت أقطاراً وسيطة فحديثة، ظلت السياسة والدين مصدري تكوين الوعي السائد.
وإذا كان الخلفاءُ والحكام ومن بعدهم لا يشكلون فكراً ولا يقدمون مادةً لآلة الدولة الإيديولوجية فقد قامت بذلك الفئاتُ الوسطى الصانعة للمعرفة، تستقيها من النصوصِ الدينية وتنتج وتغزل حولها، شرانقَ لاعتقال الكائن الإنساني أو فتح ضوء له.
على الرغم من ظروف الثقافة العربية في العصر الوسيط إنتشر فيها النقد الايجابي ومحاولة التجاوز للأوضاع، نظراً لأن النظام التقليدي العربي في ذلك الحين أتاح للفئات الوسطى العديد من الحريات التجارية والاقتصادية الحرفية والإنتاج الثقافي، رغم وجود الدولة الشمولية الدينية.
وهذا ما كررته الفئات الوسطى في زمن النهضة العربية، حيث كان ثمة فضاء عالمي للتجارة والتبادل الاقتصادي والتأثير الثقافي.
لكن بعد حصول الاستقلالات العربية وبروز الدول الشمولية بقطاعاتها العامة وسيطراتها على الفضاء الإعلامي، تم خنق الحريات في العديد من البلدان باسم التقدم وباسم الوطنية وباسم الدين.
كما قال ابن خلدون غدت الدول هي السوق الأكبر، ولهذا فإن الكثيرين من المثقفين منتجي الوعي، غدوا مقدمين سلع لهذا السوق وما تتطلبه ظروفه وصراعاته.
في الصراع بين الدول الشمولية الوطنية والدول الشمولية المذهبية العربية الإسلامية، غدا الفريقان(الوطني أو الليبرالي) الخفيفان في وطنيتهما وليبراليتهما و(المذهبي، والشموليات بألوانها)، هما المعسكران السائدان.
لم تستطع الأنظمة العسكرية والدينية الشمولية أن تقدم مناخات لتصاعد الحرية، لقد قامت بإنجازات على أصعدة تطور البُنى المادية والاقتصادية، لكن داخل الانغلاق ودون معلومات عن إشكاليات هذه الأبنية ما تحقق وما لم يتحقق، من إستفاد ومن لم يستفد.
قسمات الحداثة المتعددة لم تطبق سوى أجزاء قسرية منها، وحُجبت الأقسام الأكبر أقسام وضع التنمية في دوائر التعاون الديمقراطي بين القطاعين العام والخاص، ولم تطلق الحريات الفكرية والثقافية. وأنتشرت مكائنُ الدعاية لا أصوات البحث. ومكائن الدعاية هذه هي التي تُعطى الأمتيازات المادية والنوافذ لكي تسد مسام الأجسام العربية عن التفتح والكشف.
وبهذا وجدنا هذه الأنظمة وهي تعاني الأمرين من حروب الهزيمة ومن الانفجارات الاجتماعية التي أكتسحت المنطقة.
ولا تختلف الأنظمة الدينية والمقاربة المحدودة لليبرالية عن الجوانب الجوهرية للأنظمة السابقة، أي غياب تداول السلطة والعلمانية والعقلانية، ولكن الكثيرين من المثقفين إنحازوا للصراع بين الوطني والديني، بين الداخلي والخارجي، بين هذا الفريق من السلطة أو ذاك من المعارضة المحافظة، ولم تُطرح البدائل الأخرى المتجاوِّزة لهذه الثنائية الصراعية القاتلة.
كان أجدادُنا المثقفون معذورين في غيابِ البديل وغياب التحليل الكلي للواقع والعصر، وتوجههم نحو النجوم والكواكب والغيبيات المختلفة، ولكن حتى من هؤلاء ظهر باحثون يضعون الناسَ على بداية التحليل الاجتماعي الموضوعي.
52 ــجذورالمحورينالمتصارعين
قولنا قبل فترة بوجود محورين متصارعين في الساحة العربية الإسلامية أعقبه ملاحظات جزئية حول انتشارهما وأشكال وجودهما في بعض البلدان العربية وفي إيران، كدولة ملازمة وملاصقة ومنافسة للتطور العربي.
إن ما كان من تهدئة للصراع بين المحورين آخذ في التراجع لحساب التصاعد والتفاقم، خاصة في بعض البلدان كلبنان وفلسطين والعراق.
إن منطقة المشرق أصبحت ساحة ساخنة لكي يثبت كل محور إنه ممثل الناس .
في لبنان أنشق البلد سكانياً وسياسياً بشكل خطر، لولا حكمة التيارات الديمقراطي الوطنية.
إن تيار الدول المتشددة، يعبر عن قطاع عام متصلب، مشكل لنهضة وطنية هامة وكبيرة كما هو الحال في سوريا وإيران، غير أن هذا التيار لم يجد صيغة مناسبة للعلاقة بين القطاعين العام والخاص.
إن هناك تصلباً شديداً في الإدارات العسكرية والمخابراتية في السيطرة على الاقتصاد والسياسة، وليست لديها قدرة على أتاحة الفرصة لممثلي القطاع الخاص أن تكون لها ساحة سياسية كبيرة للتحرك.
لا شك إن هذه الساحة الكبيرة مرتبطة بالاقتصاد العالمي وبالتعامل مع الشركات الغربية الكبرى، وبالتالي فهي تتطلب حريات اقتصادية وثقافية، وأن لا يحتكر القطاع العام ووراءه الحزب المتنفذ والضباط، الموارد العامة.
وتغدو هذه المساحة السياسية المطلوبة مرتبطة بإجراء تغييرات هيكلية في الاقتصاد والحياة، فهي تمثل انقلاباً اجتماعياً، بهذه الدرجة أو تلك.
ومن هنا تشكل المحور السوري – الإيراني على قاعدة البقاء في الهيمنة الحكومية على الاقتصاد، رغم وجود انفتاح اقتصادي في السوق، لكن هذا الانفتاح لا يترجم بحريات سياسية حقيقية، وتغدو السياسة العسكرية التسليحية مظهراً لهذه الهيمنة، وتشكل لها لافتات تعبئ بعض الجمهور وراءها. وهو جمهور حقيقي كذلك، يعيش على قطاع عام رئيسي، لكنه لا يناضل ضد بيروقراطيته وفساده. إن لقمة العيش هنا تــُجير للحفاظ على الشمولية الوطنية.
في حين إن الدول العربية المعتدلة تعطي القطاع الخاص دوراً كبيراً دون أن يلعب كذلك دوراً مؤثراً في الحكم. فتبقى الدول والبيروقراطيات مسيطرة على الدخل الأهم.
ولكن لماذا تحدث الأزمة في لبنان مثلاً ؟
إن هذا البلد لا يعتمد على القطاع العام، بل على القطاع الخاص، فتلعب فيه الفئات الوسطى دور الحكم، رغم قيامها على هياكل تقليدية مناطقية متعددة، فهي تقترب بشكل كبير من التحديث الديمقراطي، لكن سيطرة القطاع العام البيروقراطي تأتي من الخارج، عبر السيطرة السورية السابقة والراهنة، التي تتمثل بقوى اجتماعية عاشت طويلاً على منافعها.
إن هذه القوى تصور الحراك الديمقراطي اللبناني بالعمالة للغرب، مثلما تصور نضالات القوى الديمقراطية في بلدانها بهذه العمالة. وإذا كانت تستخدم السجون في بلدانها ففي بلد مثل لبنان تستخدم فيه الاغتيالات والفرق المؤيدة لها.
وهذا لا يحدث في مصر وفلسطين بذات الطريقة. إن منظمتي الأخوان وحماس تعملان ضد القطاع العام البيروقراطي الفاسد، ولكن مستوى فهم الفقه الإسلامي متدنٍ لديهما، فتطرحان مستوى ثقافياً دكتاتورياً، بدلاً من أن تكيفان الفقه والفكر للعملية الديمقراطية، وبطبيعة الحال هذه مسألة صعبة في هياكل سياسية عاشت على الشمولية.
لو كان هناك حراك سياسي ديمقراطي وتعايش حضاري لربما أستفاد الفريقان وكونا مقاربات حضارية عززت من تطور الأمم الإسلامية.
53 ــهلهوتذويبللعالمالعربي؟
بعد سقوط المعسكر الاشتراكي وجدت القوى الغربية العسكرية الكبرى نفسها في مأزق تاريخي، فليس ثمة (عدو)، يبرر هذه المصروفات العسكرية الهائلة خاصة في الولايات المتحدة، التي هيمنت هذه القوى فيها على الحياة السياسية طويلاً من خلال المجمع العسكري – الصناعي.
ومن المعروف كثيراً في الأدبيات السياسية إنتشار موضوعة خلق العدو البديل الإسلامي وضرورة إستمرار ماكينة الحروب في إنتاج أكبر الأرباح، وكانت الجماعات والدول الدينية في العالم الإسلامي أقوى مرشح بدلاً من بعبع الشيوعية الزائف.
ومع غليان الأحداث في العالم العربي وتفجر الأزمات، والإقتطاعات الكبيرة من أجسام الدول التي كانت موَّحدة، أصبحتْ ملامح هذه السياسة متجسدة.
غدت الإقتطاعات والدول الجديدة الهشة حقيقة واقعة، وهذه سياسة ظهرت كذلك في الدول التي كانت تسير في فلك روسيا.
وكانت أندونيسيا في زمن سوهارتو حليفاً قوياً لدول الغرب هذه في زمن الحرب الباردة وبعدها قلت قيمتها. وفي تلك الحرب فإن وحدة أندونيسيا كانت مهمة لتلك الدول وبعدها غدت عمليات إستقلال الجزر الأندونيسية عن الوطن الأم متاحة وأُيدت إنفصالات المسيحيين فيها خاصة!
وحين طلبت أندونيسيا مساعدتها في أزمتها المالية في السنوات الأخيرة طرحتْ هذه الدولُ حقيقةَ أهداف سياستها:
(وهي تحرير التجارة الخارجية، وتخفيض التعريفات الجمركية، والإسراع في الخصخصة بالسماح للشركات الأجنبية بشراء الشركات المحلية، وإلغاء مشروعات التصنيع الكبرى في إندونيسيا).
إن الدول الرأسمالية الكبرى تواجه عالماً ينضب تدريجياً من المستوردين وكثير من الدول تتحول للتصنيع، وتفكك الاتحاد السوفيتي أوجد مثل هذه الدول الهشة التي تعيش في زمن ما قبل العصر الصناعي، وكذلك توجد الدول العربية والإسلامية، والدول الأفريقية، فهذه مطلوب أن تظل بهذا المستوى الاقتصادي في زمن ما قبل التصنيع أو التصنيع على الطريقة الخليجية والعربية عامة: إنتاج المواد الخام.
ومن هنا نرى أهمية الحفاظ على البعبع الإيراني وأشباحه المختلفة وعلى القاعدة والصلف الإسرائيلي، مثلما كانت عمليات تقوية النظام العراقي السابق، وكلها من أجل تبرير هذه المصروفات العسكرية الهائلة وإبقاء الانقسامات وعدم نشؤ عمالقة إقتصاديين عرب وإسلاميين.
وتكوينات العالم العربية المُفتتة هي بحدِ ذاتها خدمة موضوعية لهذا، فالثالوث التعاوني: مجلس الشمال العربي الأفريقي، ومجلس التعاون العربي، ومجلس التعاون الخليجي، لم تنتج عنها قوة إقتصادية عربية صناعية كبرى أو صغرى.
وفيما تضخ الدولُ العربيةُ الخليجية الأموالَ في بطون أوربا الغربية وأمريكا الشمالية تتنامى تلك الدول وتشكل سياساتها المغايرة:
(إن سيطرة الاتحاد الأوروبي على 30% من معدل التجارة العالمية والنمو المطرد لمستقبل التجارة العالمية في حوض البحر المتوسط سيزيد من قوة وهيمنة الاتحاد الأوربي، وذلك على حساب التجارة العربية).
قادتنا ساسياتُ الدول العربية برأسمالياتها الحكومية المتخلفة ومختلف أنواع الإيديولوجيات الشمولية التي نتجتْ منها إلى هذه الحال التحللية.
54 ــحمزةُالبهلوانوصراعُالعربِوالفرس
خلال قرون التحول والانفكاك من السيطرة العربية برزت الأشكال الجنينية للقومية الفارسية متحدة بالمذهبية فحدثتْ تحولات المراكز في المشرق العربي الإسلامي، في هذا الحين كتبَ الفردوسي الشاه نامه يعرضُ سيرَ ملوك الفرس وحضارتهم العريقة، ويَعرض بالعرب و(بداوتهم وتخلفهم).
وهو أثرٌ هامٌ في تاريخ الأدب ولكن دخلته النزعات الضيقة الأفق، وفي الجانب العربي كان الارتداد عن زمنية الفلسفة والفقه العقلاني وبروز للحنبلية في قلب بغداد التي كان يُفترض أن تكون قمة الحضارة، فعادت منطقةُ المشرق لصراعاتها الطائفية (القومية) الغائرة، وأنتقلت مركزيةُ الثقافة المقاربة لشيءٍ من التطور في مصر التي أخذتْ القيادةَ بدءً من هذا الزمن، فتظهر السيرُ الشعبيةُ فيما الأندلس تعطي آخر أنفاسها في أشكال الفلسفة والتاريخ والفقه المغايرة للتدهور الذي جرى في المشرق من صراع القوميتين المضمرتين العربية والفارسية.
وتظهر الترجمةُ العربيةُ للشاه نامه في مصر زمن السلطنة الأيوبية سنة 1223م، مما يؤدي للرد عليها بسيرة حمزة العرب، لكن دون تهجم عنصري.
سيرة حمزة البلهوان بأجزائها الأربعة وطبعاتها المختلفة غدتْ أثراً عربياً إنسانياً، لما شكلتهُ من فنيةٍ أدبية مختلفة عن زمانها، والتي قيل إن عز الدين ابن الأثير هو صانعها لكن ثمة إختلافات في الطبعات، وأحياناً لا يوجد اسم مؤلفها كما هي طبعة البحرين الصادرة عن دار الأيام.
تحتوي ملحمةُ حمزة البلهوان على بعض السلبيات المحدودة مثل غياب السياق العام الموضوعي للبلدان ووجود المرحلة الجاهلية، ومع ذلك فإن مكةَ الإسلامية بإلهها الواحد موجودة ومقدسة، كذلك تنبثقُ شخصيةُ حمزة البطولية من هذا التوحيد الإسلامي في زمن الجاهلية! كما أن فارسَ كسرى تهيمنُ على القسطنطينية واليونان ومصر في هذا العمل خرقاً للجغرافيا والتاريخ، كذلك فإن خريطةَ الأرض فيها وإتساع المسافات بين المدائن والهند وسرنديب لا تُؤخذ بالاعتبار في السرد فتتم الانتقالات الشخصوية بسهولة.
لكن رغم ذلك فإن السيرة الشعبية (حمزة البهلوان) ذات بنية قريبة للرواية الحديثة، فالعناصرُ العجائبيةُ الساحقة في القص السابق، تتضاءل هنا.
السردُ في هذه الملحمة يجري في بنيةٍ قريبة للرواية، وفيها قربٌ من الحياة كذلك، ومن التشكيل المتلون، المتعدد الشخصيات، والذي يتتبع بعض خصائص البلدان الموضوعية.
والصراعُ الذي تقيمُهُ هذه السيرة القديمة الرائعة بين بطلها حمزة والإمبراطورية الفارسية بقيادة كسرى ووزيره الشرير(بختك)، لا يعدم هو الآخر بعض العرض الموضوعي، حيث لا يغدو كسرى شريراً أو خيراً، بل هو متلونٌ، يؤثرُ فيه وزيره ويدفعه للصراع ضد حمزة وإبعاده عن الزواج بابنته عبر مهمات خطيرة، وهو صراعٌ معبرٌ عن صراع الأمتين العربية والفارسية في ظروفِ تفكك السيطرة العربية عن فارس وإستقلال الأخيرة وتحولها للتعصب ضد العرب، فيقوم مؤلفُ السيرة بالعودة لتاريخ بطولي سابق على التفكك الإسلامي الراهن وقتذاك، وهو أمرٌ جرى في بقية أشكال الوعي خاصة الفقه والفلسفة.
وتعتبر المهمات الخطيرة هي لب الجزء الأول من سيرة حمزة، ويعطينا هذا الجزءُ سرداً مشوقاً في مساره العام، حيث تتنامى مغامراتُ الأمير حمزة وهو يجمعُ الخراجَ الذي يأمرهُ بهِ كسرى كوسيلةٍ لجمع نفقات عرسه ابنته، فخزائنُهُ فضتْ على ما أشار بهِ وزيرهُ الشرير كخطة لهزيمة حمزة والعرب عامة.
في الحراك الترحالي الذي هو شبيه بحراك يولسيس في الرواية الإغريقية، لكنه حراكُ صدامٍ مع مدن وحضارات، الساردُ يقتربُ من خصائص المدن والدول التي يدخلها حمزة ويصارعُ حكامَها، فمثلاً تظهر في بلاد الإغريق مظاهرٌ مختلفةٌ عن غيرها من البلدان، مستقاة من الخصائص الجغرافية والمدنية، وكذلك تدخلُ هذه الجوانبُ العمرانية والمدنية في الأحداث، فملكُ بلادِ الإغريق يتآمرُ على حمزة ومقاتليه، ويحول مجرى أحد الروافد النهرية، ويبنيه بشكل آخر ويدعو حمزة للاستمتاع بالحياة والمكان والسباحة بالمجرى المزيف.
السرد، والوصف، وحبكة الموقف، وتفاصيل البلد اليوناني من بلاط أرضي، وتماثيل وشوارع وأزياء النساء الحرة، تنقلك إلى جو الرواية الحديثة.
وفي حراكِ جيشِ حمزة الجامع للخراج وهو الشكلُ الإقطاعي من السيطرة الاقتصادية السياسية، تبعيةٌ لكسرى، وتمردٌ عليه، عبر إعادة توزيع الخراج على الناس، وقطعه عنهم بعد سنوات سبع، وإرساله لمكة وليس للمدائن.
جانب الرومانسية السحرية والعشق من أول نظرة نجده في هذا العمل عبر إلتهاب مشاعر حمزة والنسوة اللواتي يلقاهن، وحدوث الحب من أول نظرة. لكن بعض هذا السحر الغرامي له اثر درامي، فابنة ملك اليونان تكشفُ خدعة أبيها وتساعد حمزة على النجاة. كما إننا نقرأ كلمات وصف وتعبير مباشر يقدر للنساء أزيائهن الحرة المختلفة عن المسلمات.
أهم ما يمكن مدحه في هذه الملحمة الطويلة المكتوبة قبل عدة قرون قبل ظهور أول رواية عالمية مُعترف بها ومروج لها عبر المركزية الأوربية وهي(دون كيشوت)، هو هذا السرد البسيط غير المسجوع وكأنك تقرأ سطور جريدة عصرية، وبلا تزويق سجعي وشعري، وعالمُ الجن الغرائبي محدودُ الأثر، وتطورُ الفصولِ يعتمد على فعل الشخصيات وصراعاتها الأرضية الواقعية، ويتداخل فيها الحوار والسرد والجدية بالفكاهة.
رغم وجود الصراع السلبي وتفكك الشعوب الإسلامية لكن أدى لنتاجات ثقافية مهمة، على العكس من الصراع الراهن.
55 ــالجزيرةُالعربيةُوقوانينُها
للجزيرةِ العربيةِ مستوى من التطور الاجتماعي مختلفٌ عن مستوى الأقطار العربية الشمالية، وقد شُوهد ذلك في الحضاراتِ القديمة وكيف إزدهرتْ في أوديةِ الأنهارِ الكبرى كالنيل ودجلة والفرات، فيما كانت الجزيرةُ العربيةُ ذاتُ بقعٍ حضارية لا تعمُّ ولا تزدهرُ طويلاً وبإتساع مثل تلك.
وحين تفجرتْ حضارةُ الإسلامِ إنتقلتْ بثقلِها الكبير إلى حوضِ الأنهار ثانية حيث وَجدتْ خريطتَها الكبرى فلماذا حدث ذلك ومركزها في مكة؟!
إن هذين المستويين من التطور يتعقدان ويتداخلان بحدةٍ في العصر الراهن.
وعلى المستوى السياسي فإن التداخلات التي تمت ْوأينعت في بعض البلدان العربية لم تزدهر في الجزيرة العربية.
ومثال على ذلك تعدد الجمهوريات في الشمال وندرتها في الجزيرة العربية، والجمهوريةُ الوحيدةُ وهي اليمنية في الجزيرة العربية تعاني أشد المعاناة ولم تنتقلْ لتكونَ نموذجاً متقدماً على جيرانها.
ومن هنا كانت ثورات حرق المراحل في الجزيرة العربية تتسم بتطرفٍ شديد لم يكن له حضور خلاق، كالثورة في عُمان التي كانت شديدة الغرابة والطفولية. وقامت ثورةٌ في جنوب اليمن أممت حتى الدكاكين، لكن الأجيال القديمة وقيادات القبائل والقبائل السياسية لم تراكم تحضراً داخلها.
وعندما حدثت الثورة الراهنة في اليمن قام بها الشبابُ عائدين إلى شعاراتِ الليبرالية الكلاسيكية عبر إيجاد مجتمع ديمقراطي فقط، لكن كيف يجري ذلك وكلُ القيادات والقبائلُ السياسية والأجهزة والرئاسة العتيدة شمولية عنيفة؟
الشباب كفروا بالأجيال القديمة ويريدون فرصاً في الحياة والطبقات القديمة لا تتركهم يتنفسون هواءً سياسياً جديداً؟
وفي عُمان رفضوا طريق المغامرات القديمة وعضوا بأسنانهم السياسية على التطور الإصلاحي المتدرج، لكن هل إستفاد الآخرون أو حتى درسوا هذه التجارب؟
من السهولة أن تخترق الأفكارُ الحديثةُ الجزيرةَ العربية لكن منابت هذه الأفكار صعبة، فإن أهل البادية متجذرون لقرون في حياتهم القديمة، والأشكال التقليدية من الحياة العائلية تعبرُ عن عدم القبول بأية أفكار جديدة، وتظل العائلة أكثر الأشكال مقاومة للتحديث، وإذا تداخلت القبلية والنظم السياسية والدينية والاجتماعية فتغدو أقرب للجبال أو أشد صلابة.
وإنه لأولِ مرةٍ في تاريخ الإنسان تغدو الجزيرةُ العربية موطناً عاماً للتحديث وليس مدناً وامضة، فأنظرْ كم قطعتْ البشريةُ من ملايين السنين وأسستْ من حضارات؟ وكان وسط الجزيرة الهائل مركزاً طارداً للسكان على مر التاريخ فيما هو الآن وعلى العكس ودفعةً واحدة يصيرُ مركزاً جاذباً وبشكل هائل للسكان! والكثيرون يندفعون لمصالحهم ورغباتهم وعواطفهم الحادة والكل يريد أن يأخذ، فلهذا تكون سياسات التأني العقلانية مهمة، وكثرة البحث في مشكلاتنا وكيفية حلها والاعتماد على الإنتاج العقلي في رؤية هذه الأوضاع أمورٌ شديدة الأهمية.
وهنا في وسط الجزيرة العربية نجدُ الثقلَ المحافظ الذي عاشَ طويلاً على الحياة الرعوية من المستحيل أن يقبل الأشكال الحديثة بسهولة ولا بد من تدرج وزحزحة الصخور الثقال بحذرٍ حتى لا تنقلب الصخور على الناس.
ونظراً لغياب الحواضن التاريخية الاجتماعية فقد قامت القوى السياسية على أشكال المغامرة أو على الجمود الحاد، وهي تخرق قوانين التطور الاجتماعية، وتخرق قوانين تطور الأمم. إن الأمة العربية لا تقبل النسخ من الأمم الأخرى، خاصة في هذه الأقسام المحافظة، والمهم أن يكون العرب عرباً، ويعرفوا كيف تطورت العرب، فهي لها قوانين إجتماعية في التطور الفكري السياسي، مثلما أن الأمم الأخرى لها قوانين.
الآن حين غرزت الأمةُ الروسيةُ تطوراتَها السياسيةَ الاجتماعية في سوريا يُصعبُ إنتزاعُ هذه الأشكالِ من لحمِ الشعب السوري وهو يتفتت. مثلما أن الأمةَ الفارسية وإنغراسَ التطورِ الألماني الهتلري في لحمِها يصعب أن تُعالجَ بسهولة، ولا بد أن نكونَ حذرين منها ومن تأثيراتها المَرضية. مثلما أنهم في ظفار حاولوا أن يغرزوا المرضَ الصيني فيها وشُفيت، ولكن نحن في البحرين لدينا عدة أمراض متراكبة لم تُعالج بعد، وجمعنا كافةَ الأمراض الروسية والصينية والعراقية والنسخة اليمنية والنسخة العمانية، وخاتمة الطوفان النسخة الفارسية الإيرانية.
التدرج والإصلاحية المتنامية وعدم إستيراد النسخ والعمل من خلال القوانين الاجتماعية والسياسية لكل بلد هذه هي ثمار تم التوصل إليها خاصة في هذه البلدان ذات التاريخ الصعب.
56 ــالدمجالقسريفيالجزيرةالعربية
تعاني الشعوب العربية من التمزق والتشتت، فقد ورثت هياكل اقتصادية واجتماعية منقسمة مفككة، ففي بداية الدولة الإسلامية كان الحكم قائماً على الدخول الطوعي للقبائل في جسم الدولة المركزية، التي لم تطرح نموذج الدولة المركزية بمؤسساتها العنفية القاهرة، بل طرحت نموذج الدين الواحد الموحِّـد، وتأتي من خلاله عملية التبعية الطوعية للدولة المركزية في عاصمتها الحجازية.
إن عدم ظهور الدولة بمؤسساتها القاهرة، وانبثاق الزكاة كركن من أركان الدين، التي تكون الدولة مسئولة عن تطبيقه، كان يعكس عدم قدرة العرب في ذلك الحين على تجاوز مفهوم الدولة الدينية.
لكن عدم التجاوز هذا كان له نتائجه، فعكست حروب الردة تحول الدخول الطوعي تحت مظلة الدولة إلى دمج قسري، وأخذت الدولة تتوسع بأجهزتها وخاصة العنفية منها، وحلت تدريجياً عن ذلك الانضمام الشعبي الواسع للدولة.
وحين تشابكت مصالح الأقليات الحاكمة في مختلف العواصم التالية بالتحكم الشامل في الأقاليم أخذت مناطقُ الجزيرة العربية في الانتفاض والعودة إلى حكوماتها الداخلية المستقلة، فعادت الأجسامُ السياسية الأساسية كاليمن وعــُمان والبحرين ونجد إلى استقلالها.
لكن ظلت السيطرة من الحكومة المركزية متواجدة بشكل الولاء الديني، أو عبر الحملات العسكرية المتواصلة التي تــُشن بين الحين والآخر.
وإذا كان أقليم الحجاز ذا أهمية خاصة، ولا يمكن أن ينفصل عن جسم الدولة المركزية، وقام الحج بجعله ذا أهمية دينية وتجارية وثقافية كبيرة، فإن الأقاليم الأخرى كانت تفتقد إلى مثل هذا الطابع، فعاشت حياة شبه مستقلة، خاصة المناطق شديدة الرعوية كأقالمي نجد، التي اتاح لها هذه الظرف الانفصال الكلي والقدرة على التدخل والغزو للأقاليم الأخرى.
وهكذا فإن جسم الدولة العربية الإسلامية خاصةً في الجزيرة العربية بمختلف مراحله لم يعرف التوحد الديمقراطي العميق، وكان القصد من هذا الدمج الحصول على الخراج، الذي صار جباية اقتصادية يفرضها النظام بأداته العسكرية.
فلم يحدث أي توحد في الهياكل الاقتصادية بسبب كون الأرض الزراعية هي الوحدة الأساسية في الإنتاج، فظلت القوة وانتزاع الخراج هما المظهران الأساسيان للحكم.
وصار هذا المظهر هو الديمومة المستمرة للدول، فأي مجموعة من القبائل تمتلك قدرة عسكرية تفرض نفوذها وتستولي على الخراج، ثم تأتي قوة أخرى وتزيحها وتعيد نفس السيطرة وهكذا..
ولم تكن التمردات التي سمعنا بها من ظهور للخوارج بفرقهم الكثيرة والقرامطة سوى عمليات انفصالية واستيلاء على الخراج المحلي، فقد كانت هذه الأقاليم بعيدة عن اهتمام السلطة المركزية فما كان منها سوى أن سيطرة على مقاليد الثروة فيها.
لكن هذا الاستيلاء تم بأشكال قسرية حربية من القبائل القوية، فصار الصراع القبلي يكتسي أشكالاً مناطقية ومذهبية، فتظهر دولٌ قبلية، ولكن قانون الصراع والتفكك يواصل عمله داخل الدولة الواحد المنفصلة، فتظهر دويلات في اليمن، وعمان الداخل وعمان الساحل ثم عمان الساحل المتصالح، وتتفكك دولة البحرين الكبيرة إلى مناطق.
فيغدو بناء الدول توحيدي سياسي فوقي وتفكك قاعدي مستمرو أساسه سيطرة مجموعة على الموارد وعدم قدرتها على تشكيل أسلوب توزيعي للثروة.
وقد ورثت الدول الوطنية الحديثة عمليات التفكك هذه وقوانين الصراع الموروثة لقرون عديدة.
ولكن الاستعمار البريطاني ثم الغربي عموماً أدخل جوانب جديدة ومنها ربط المنطقة العربية القليلة السكان بالهند وجنوب شرق آسيا، وأبعادها عن محيطها السكاني والقومي والديني.
وهو مظهر زاد من حدة الصراعات القديمة وأضاف إليها مادة قوية جديدة.
ورغم التطورات الاجتاعية والسياسية الكبيرة بعد القرون الوسطى في الجزيرة العربية، وضخامة البناء الذي جرى بفضل انفجار الثروة النفطية، فإن الانفصال بين السلطات والجمهور العامل ظل مستمراً، وهذا يتجلى بغياب السلطات البلدية المنتخبة، أو عدم فاعليتها الحقيقية، مما يجعل تلك الأقاليم الصغيرة أو الشاسعة لا تلعب أي دور في تقرير معيشتها وأحوالها البعيدة عن العدل في توزيع الثروة على الأقاليم المختلفة.
وقد أدى ذلك إلى تضخم المدن المستمر وزيادة سكانها إلى درجة هائلة، تناقض كلياً ما كان يجري في العصر السابق، وهو أمر أدى إلى زيادة مشكلات الفقر والتلوث والاختلاط الفوضوي بين الأمم، دون وجود أدوات سياسية شعبية قادرة على فحص هذه المشكلات وتفكيك الغامها.
فيلاحظ هنا المظهر المتضاد وهو إنه مع زيادة الثروة وفواضها على مختلف جوانب الاقتصاد تحدث عمليات صراع حادة تتسم بالعنف، كما يحدث بشكل مستمر في اليمن على شكل حروب أهلية وخطف وصراعات مسلحة في الجبال الخ..
أو بشكل أرهاب متسع وصراع مزمن مفكك للبنية الوطنية، وهذا كله يعود إلى أن تلك الثروة المتصاعدة تتجه إلى هياكل الدول التي تقوم بتوزيعها بشكل بيروقراطي.
وكما أن هناك إنجازات كبيرة على أصعدة التحديث والتطور الاجتماعي للسكان لكن (الخوارج) المعاصرين امتلكوا هم أيضاً تطورات واستفادوا من التقنيات العصرية وتسللوا إلى مناطق مدنية، واستغلوا الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين السكان، وبين المناطق، وبين العرب والمسلمين وبين معتنقي الديانات الأخرى.
فحدثت صراعات قبلية ومناطقية باسم المذاهب، وصارت (العودة للإسلام النقي الأصيل) وجهاً لدكتاتورية أخرى تغيبُ مضمونــَها كما غيب الخوارج والمذهبيون السياسيون القدامى أهدافهم الخاصة باسم الإسلام.
إن (الخراج) النفطي المعاصر، يتوزع على جهات دولية ومحلية عديدة، ويثير إشكاليات أكبر وأكثر حدة من الخراج الزراعي القديم، ويجذب إلى دوائر الصراع قوى إقليمية وعالمية كبرى.
فهو لا بلا تحديد كمي، وانعاساته ضخمة حيث يقوم المنتفعون به بجلب عمالة أجنبية متزايدة، وتحتشد المؤسسات الاقتصادية في رقعة صغيرة لدواعي الاعتماد على خدمات الدول الرخيصة المركزة في المدن الكبرى، دون أن تسهم هذه المؤسسات في الاهتمام بجسم الدول الواسع وبتوزيع الثروة على مختلف السكان المواطنين.
ويحتشد أبناء القبائل الفقراء في الجيوش وينقلون همومها إلى أداة التوحيد الوحيدة، وهي الجيش، وستكون لهذا انعكاسه على التطور مع بطء المؤسسات السياسية في عكس رغبات الناس وتغيير ظروفهم.
57 ــمنهجآخرللجزيرةالعربية
الاتجاهات العربية التقليدية تواصل معاركها اللفظية مع الاستعمار والصهيونية.
مضت عقود طويلة ومعارك كبيرة ونتائج خاسرة هائلة، لكن لم تتجدد تلك المناهج والرؤى التقليدية الشمولية، وبقيت خميرة راكدة لم تنضج لطبخة جديدة، ولم تنتج أفكاراً خلاقة، وكادت أن تموت هذه التيارات التي ناضلت طويلاً وتخثرت.
وتمسكت بقوى دينية هي أكثر منها جهلاً بالتطور التاريخي وبالتعقيد السياسي، واللغة بسيطة، والشعار سهل: هاجموا العدو! لكن مهاجمة العدو بتلك المناطحات انتجت المزيد من التراجعات والهزائم.
لم تحدث في هذه الصفوف السياسية تطورات اجتماعية كبيرة: قراءات أعمق للأفكار الحديثة ونشرها بين الناس، إعادة نظر للنظريات والفلسفات والتجارب السياسية، بسبب أن الأجيال الجديدة الملتحقة بالجماعات القومية والدينية لا تقرأ ولا تدرس وتكتفي بحفظ الشعارات القديمة نفسها.
كذلك فإن احتكاكها بالعمال والفقراء محدود، ولا تسمع سوى الضخ الذي يأتي من بقايا الأنظمة والحركات الشمولية العسكرية، وقد كانت معاركها هي التي إستنزفت القوى البشرية المناضلة وعرت الشجرة الخضراء ولم تبقْ سوى أوراق صفراء تتساقط واحدة بعد أخرى!
إن التصدي للاستعمار والصهيونية والتخلف هو واجب علينا، ولكن كيف ؟
هذه هي القضية!
تداخلت قضية تغيير الأنظمة الشمولية الدموية بقضية التحرر، فقد قامت هذه الأنظمة الشمولية نفسها بإستدعاء القوى الغربية وكرستها في منطقتنا بأساطيلها وأسلحتها، والآن يقوم النظامُ الإيراني بشكل مقارب لذلك، أي يستدعي القوى الغربية والحرائق، بنفس الحجج الواهية عن مقاومة الاستكبار العالمي!
كانت الخطوات تنمو باتجاه التخلص من القوى الغربية، فتضخمت تلك الأنظمة ونفشت ريشها، وخربتْ الكثيرَ من السياسيين والمثقفين لكي يؤيدوا سياستها القومية الاستعراضية التي جلبت النتائج الكارثية المعروفة.
في حين كانت نتائج صراع الأنظمة العسكرية الشمولية في قلب الوطن العربي قد وسعت من الاحتلال الصهيوني، وجاءت سياسة السلام لتخفف من ذلك، ولتنسحب إسرائيل عن مواقع مهمة، ولكن سياسة التهور والانفراد جلبت الكوارث وصعدت القوى المتطرفة في إسرائيل وأعادتها للحكم وليبقى الأحتلال مرة أخرى!
إن محور المراهقة القومية والدينية يتجدد بأشكال مختلفة، وكلما قام نظامٌ عسكري شمولي حرك قواه المختلفة ليخرب أي علاقات سلمية بين الشعوب، ولتتجدد المعارك دون أي نجاح للعرب وأي تقدم لقضية تحرر أراضيهم وأبعاد القوى الأجنبية عن المنطقة.
سياساتهم كانت وما تزال هي إسقاط الأنظمة ولكن على رؤوس الشعوب!
لماذا لا يقدرون على سياسة النضال التدريجي؟
هذه تتطلب تطوير القوى الشعبية وحياتها وظروفها، ومعارفها وتنظيماتها النقابية والسياسية، وهي سياسة صبورة تتجنب المغامرات وتحول حياة الناس كذلك، وهم لا يستطيعون ذلك، بل هم مشغولون بالمانشيتات الساخنة الحارقة والألعاب النارية.
لا بد من حراك لتغيير التخلف في منطقتنا الجزيرية الخليجية بصورة مغايرة لما ساد عربياً قبل عقود، يجب أن نتجاوز ما ساد عربياً وننفيه فكرياً وسياسياً.
➲ دارسة أوضاع العمال والفقراء وكيفية تغيير حياتهم وتطوير ثقافتهم بما في ذلك الحراك النقابي التحويلي لظروفهم، مع دعم الأنظمة السياسية وتحولاتها الليبرالية والتحديثية والديمقراطية.
➲ دعم تحولات وحريات النساء بما يحافظ على تطور الأسر والتماسك فيها وتكريس العائلة المنتجة الديمقراطية.
➲ دعم التحولات الإسلامية الديمقراطية، عبر تكريس العقلانية وقراءة تراثنا بصورة موضوعية توحد المسلمين وتحررهم وتشكل روابط عالمية تحديثية نهوضية كبرى بينهم.
➲ تشكيل سياسة خارجية نشطة تستند إلى مبادرة السلام العربية مع تكوين جبهات واسعة من قوى السلام والديمقراطية في المنطقة والعالم لهزيمة التوسع الصهيوني.
➲ تطوير قوى الإنتاج الصناعية والعلمية في المنطقة.
إنها مهماتٌ صعبة في طوفان من التحولات والهجمات والمؤامرات ولكنها ممكنة إذا قاومنا التطرفين المغامر الطفولي والإسرائيلي معاً.
58 ــالغزوالأجنبيلعاصمةالعرب
ليس من شكٍ في كون مكة منعزلة نائية عن هيمنة الأمبراطوريات هو عاملٌ هامٌ وأساسي في قدرتها على إنتاجِ أمةٍ عربية، ولهذا كانت قبائلُ ربيعة الضخمة الكثيرة في البحرين وبعض نجد، غير قادرةٍ على هذا الفعلِ التاريخي، لمجاورتها للفرس واتباعهم ومخافرهم السياسية من المناذرة، وفيما بعد كان تشكيل بغداد كعاصمة كونية عربية إسلامية قد نأى بها من عمق المحيط العربي، لتغدو عاصمة للمسلمين ككل، ولكن على أطراف (الأمة) العربية، التي يغدو تعبير الأمة سابقاً لأونه فيها، لكنه تمظهرَ بشكلِ شعوبٍ فيما كان سابقاً بشكلِ تحالفٍ قبلي، ثم تجلى في أواخر العصر العثماني كقومية مستقلةٍ وبأدوات الشعار وبضع علاقات مضطردة النمو.
كان الهاجسُ القومي العربي متوارياً في لحمةٍ دينية، رغم أن الرئاسة السياسية واللغوية من نصيب العرب، ثم تم القضاء على الرئاستين؛ السياسية بدخول الفرس والكرد والترك، كمسيطرين على مركز الخلافة، واللغوية بتدهور مكانة اللغة العربية من اللغة الأولى إلى إحدى اللغات الكبيرة في بابل الجديدة وفي الأمبراطورية المتمزقة.
في أزمةِ العاصمة المُعبرة عن أزمةِ أمةٍ متواريةٍ في الرداء الديني، تم إنتاج المذاهب الدينية المعبرة المسلمين ككل، حسب اجتهاداتهم، ثم أخذت المذاهبُ تصطفُ في الصراع القومي المتواري، وحدث استقطابٌ بين الأمم ذات الجذور الرعوية والأمم ذات الجذور الزراعية، ثم تفاقم هذا الصراع بشكل الصراع التركي – الإيراني، وبشكل الصراع السني – الشيعي.
كان العراقُ ضحية لهذا الصراع، وكانت بغداد خاصة، والتي تراجعت كعاصمة، ثم أنتجت أحزاباً وتيارات سياسية تالية ورثت تاريخاً طويلاً من الحماقة.
كانت التيارات السنية والشيعية المعتدلة تصوغ حالة من التعايش الوطني، ثم أضافت إليها التيارات الديمقراطية الحديثة شيئاً ضئيلاً آخر، لكن عقلية الاستقطاب الحادة، وغياب عاصمة التراكم الديمقراطي الوطني الطويلة الأمد، قد جعلت القبلية المتطرفة تعود ثانية وقد تسلحت بالتعصب والقوى الحربية الفتاكة.
مثلما أن المذهبية السنية والشيعية المتطرفتين لدى القلة كانتا تلعبان دور المفجر للصراعات والممزق لخارطة البلد.
إن انتقال بغداد من العمق العربي لأطرافه، وجثومها بين أربع قوميات متناحرة: العرب والفرس والأكراد والترك، وبين المذهبيات الكبرى والأديان الأساسية في المنطقة، كل هذا جعلها قطعة هائلة من الفسيفساء.
ولعبت الدكتاتوريات المتعاقبة؛ الملكية على طريقة ، والجمهورية على طريقة قاسم، والفاشية على طريقة صدام، ثم الاحتلالية على طريقة بوش، أدوارها المختلفة في الحرق للحداثة والديمقراطية والوطنية، وجاءت الأشكال المضادة من المقاومة الحادة مجسدة في استيحاء النماذج الهتلرية منذ الكيلاني حتى القاعدة.
ليس للعراقيين سوى أن يطووا صفحات هذا الماضي العنيف الدكتاتوري، المذهبي والتحديثي، ويشكلوا لحمة وطنية ترتفع فوق الأسنان الحديدية للقوميات والمذاهب، وأن يكون ذلك نقداً فكرياً عميقاً، تتحول فيها الأحزاب إلى أحزاب قوى اجتماعية لا أحزاب قوميات وطوائف، فالإصلاح لا يأتي بالاستمرار في الخطأ، وأحزاب الطوائف والقوميات تلغي الوطن المشترك، مهما تم تدبيج الخطب عن الوطن الواحد المجرد والفارغ من الدلالات الحقيقية.
هناك وطنية واحدة هي الوطنية العراقية، وما عداها هي أمور خارج السياسة العامة، هي جذور قومية ودينية مقدرة لكن لا تصنع هويات وطنية، والحفاظ على هذه الأزدواجية، وطموح كل طائفة في تشكيل دولة وطموح كل قومية في الانفراد بإقليمها وتوحيده مع أقاليم أخرى خارج نطاق الدولة العراقية، فكل هذا هي حروب مضمرة حتى في اعتدالها اللغوي.
وبغداد التي كانت عاصمة إمبراطورية عاش تحت ظلها عشرات الملايين من البشر من الصين حتى السنغال، تعجز الآن عن توحيد زقاق واحد، فهذا هو مسار الطوائف!
59 ــجزيرةالعرببلاعرب
إذا سارت معدلات الهجرة الأجنبية بمعدلها الراهن فمن المؤكد بأنها سوف تغير هذه شبه الجزيرة العربية التي كانت دائماً منبع العرب ومقر هجراتهم وتشكل لغتهم وحضارتهم.
لقد حاولت الأمبراطوريات على مر التاريخ كالأمبراطورية الرومانية والأغريقية والفارسية أن تحتل شبه الجزيرة العربية فما استطاعت.
ثم حاولت الأمبراطوريات الحديثة كالبريطانية والفرنسية بدون فائدة أيضاً، خاصة حين كانت الجزيرة بلا مورادها النفطية.
لكن حين ظهرت هذه الموارد تكالبت الدولُ الكبرى على السيطرة على الجزيرة العربية بكل السبل، وقد بلغت الأمبراطورية الأمريكية في ذلك مدى بعيداً، بل وورثت نفوذ الأمبراطوريات السابقة بفضل توجه العالم أكثر فأكثر نحو المركزة الرأسمالية والعولمة، وبسبب ضخامة الإنتاج الأمريكي الصناعي.
وقد عمل التاريخ الماضي على فصل الجزيرة عن العالم العربي الذي كان هو الملجأ لأهل الجزيرة العربية في تدفقهم عبر العصور بسبب القحط الذي يعصف بهذه المناطق القاحلة على مر العصور.
لكن حين تطورت هذه الجزيرة العربية وصار فيها بعض الغنى توجهت لقارات أخرى بعيدة تقيم معها أقوى العلاقات وتستورد منها البشر والمواد السلعية والثقافية.ويبدو أن هذه الخطة قد تداخلت مع عصر النفط، حيث رأى الغرب الاستعماري أهمية استنفاذ موارد الجزيرة العربية قبل أن يتمكن أهلها من التطور الصناعي الكبير، ويوظفوا النفط ومداخيله لثورة صناعية وعلمية في بلدانهم، تعيد تشكيل المنطقة، وتمتد آثارها نحو البلدان العربية الشقيقة لها.
ولهذا كان التفكك وبقاء الهياكل البيروقراطية والحرفية والاستهلاكية تسنفدُ الرساميلَ وتوجهها نحو محافظ الغرب والشرق النقدية، وأن تتوجه طبقاتها الغنية للبذخ وشراء الكماليات الغربية واليابانية بوفرة كبيرة، تتيح لقوى الإنتاج في بلدانها عبور الثورة العلمية والتقنية الجديدة واكتشاف وسائل بديلة للطاقة النفطية.
كذلك توجهت الخطة لإغراق هذه البلدان بالعمالة الأجنبية المتعددة القوميات غير العربية، وجعلها أدوات التأثير على التطور الراهن والمستقبلي، من حيث بقاء هذه الدول في فقر تقني وصناعي وتغييب التراكم الثقافي الإنتاجي الذي يلعب دور الرافعة للثورة الصناعية العلمية.
وبطبيعة الحال فإن العمال الأجانب ليس لهم دخل في مثل هذه المشروعات، فهم أناس يبحثون عن عمل في بلدانهم المكتظة بالسكان بدون فائدة ووجدوا فرصاً في بلدان أخرى، ولكن عدم معرفتهم باللغة العربية عامل هام لوجودهم.
وتكاد أن تكون العمالة العربية القريبة ذات تكاليف أرخص وذات أهمية في تراكم المعرفة الإنتاجية في هذه البلدان، بسبب عامل اللغة والقومية والصلات التاريخية الطويلة.
ليس وجود عمالة عربية سائدة ذا تأثير مهني، بل بسبب تأثيره السياسي، حيث سوف تترابط أجزاء الجسم العربي المفتت، ويكون لذلك تأثيره في نقل الأفكار والمطالبات الاجتماعية والسياسية، ما سوف ينعكس على المادة النفطية الاستراتجية في خاتمة المطاف.
ولو قدر لهذه المادة أن تبقى فإن ملامح جزيرة العرب يمكن أن تتبدل مع أصرار الدول على التوجه شرقاً، والتعامل مع دول غير عربية وغير إسلامية، وتغيير ثقافة المنطقة وتبديل هويتها.
وهو أمرٌ ظهرت بوادره في تفكك وضعف اللغة العربية خاصة في الأجيال الجديدة، وتدهور الإنتاج الفكري وفي ضعف الأنتماء القومي أو في تطرفه بصورة حادة كرد فعل على عمليات التذويب.