العمل والعمال والمصنع

                     العمالُ والطائفيةُ: أثرُ القومية

 تخلخلُ الطبقاتِ العاملة في المنطقة واكبهُ نمو الثروة النفطيةِ بتغيير أسعارها ولعبَ ذلك دوراً رئيسياً في التحولات سواءَ كان نمواً إصلاحياً أو اضطرابات سياسية.

لقد قادت منطقةُ الشام ومصر الدولَ العربيةَ في عمليةِ النهضة الليبرالية القومية التي توقفتْ بسبب سيطرة الموديلات العسكرية الشمولية.

وبهذا فقد بدأت منطقةُ العراق والخليج وإيران بقيادةِ المشرق، والتي كانت أقلَ تطوراً اجتماعياً وسياسياً، وذاتَ جذورٍ مذهبية سياسية لم يتم تجاوزها، ومن خلال مستوياتٍ مختلفة فيها.

هذه المنطقةُ لم تستطع عبر تاريخِها السابق أن تصعدَ الوعي القومي – الوطني لكي يكون بديلاً عن الوعي الطائفي السياسي، فظهر ذلك في إيران وأجزاء من العراق بشكلِ المذهبية الشيعية، وفي العراق والجزيرة العربية بشكلِ المذهبية السنية.

ونظراً للضعف الديمقراطي الاجتماعي السياسي الطويل في هذه المنطقة فقد قامت الدكتاتورياتُ بحرق المراحل لقفزاتٍ فوضوية تقود إلى الوراء، وذلك عبر مغامرات البعث العراقي والحزب الجمهوري الإيراني، وقد مثلتْ هاتان التجربتان هزاتٍ عنيفةً وخلخلتْ الأنسجةَ الوطنية الخفيفة التي كانت تُغزلُ خلال عقود.

الوعي القومي الفارسي أو الوعي الوطني القومي العراقي لم يُجابْهَ واقعَهُ بموضوعية، ولعبتْ الشمولياتُ الحكومية، وخاصة المَلكيات المنتفخة بذواتها وبمحدودة الرؤية السياسية الاجتماعية لها بحيث اعتبرت نفسَها الكلَ المنقذ المهيمن وقتذاك، أدوارَها في تسلمِ فئات البرجوازية الصغيرة العسكرية والدينية المغامرة الأمورَ في دولتين هامتين في المنطقة التي صعد دورُها بفضل الثروة النفطية، فالمَلكياتُ في إيران والعراق لم توسع قواعدَها وتتحالف مع البرجوازياتِ الوطنية والقوى العمالية الديمقراطية، وتركت للقوى المغامرة التلاعبَ بمشاعر الشعوب القومية والدينية، وحين قفزتْ هذه إلى السلطات اتضحَ خواؤها الفكري السياسي وغيابُ البرنامج التحديثي الديمقراطي، مما أدى إلى توسع المغامرات الكارثية على الشعوب وإلى الصراع بينها، وإشاعة الكثير من التمزق بين المسلمين، والقضاء على بذور التحديث الوطني في الجماعات السياسية في المنطقة، بحيث كسرت الطائفيةُ صلابةَ التنظيمات القديمةِ التي حوتْ بعضَ البذور العقلانية الوطنية وصعدتْ بتوسع في التنظيمات الطائفيةِ الجديدة التي أعادتْ طريقة القوميين الفوضوية الخمسينية العتيقة من حيث التنظيم الهلامي والفكر الغائب واستخدام العنف.

التنظيماتُ الهلاميةُ التي تضم بفوضويةٍ بعضَ العامة والمهمّشين والصغار تعبيرٌ عن ضرب الوعي السياسي العقلاني واستخدام المؤامرات وتوجيه المجتمعات نحو المزالق والقفزات، ولكن جرى ذلك في بلدان تفجرت الثروة فيها، عبر استغلال المناطق الفقيرة وفقدان التربية السياسية الديمقراطية.

لم تستطع إيران والعراق فهم وإدارةِ الهدف القومي أو الوطني لهما، فالُبنى العائدةُ إلى العصور الوسطى، والمتجسدةُ في كثرةِ الجماعات القومية ذاتِ المظهر الديني، وبغياب ثقافةٍ ديمقرطية نهضوية تشكلها وتحدثها، جعلتهما يتوجهان إلى الحلولِ العسكرية لتجاوز تلك الاختلالات العميقة. ولكن هذه الحلول فجرتْ الكيانين بحراكِ هذه الجماعات الطائفية التي هي مظهرُ الوعي القومي العقلاني الغائب، وفي إيران تم لجمُ هذا الصراعَ بعنفِ الجيش وفي العراق تفجرّ هذا الصراع بغيابِ الجيش.

وقد قام المجتمعان الإيراني والعراقي خاصة مع تقاربهما بنشر الطائفية السياسية وكان لها أثرٌ كبير، وخاصة داخل المجتمعات الأقل منهما تطوراً تاريخياً، وكما تضررت الطبقاتُ العمالية، وخاصة في المجتمعين من مسار التطور نحو الفاشية، حيث فقدت أرواحَها وأعمالها وهاجرت بالملايين خارج البلدين، فقد تم استغلال السكان بظروفٍ مادية أسوأ، وبتحويل المنشآت الاقتصادية إلى معسكراتٍ حربية، وجلب عمال أجانب بأجور أدنى وبغياب مختلف الحقوق، بل تم تجنيد بعضهم في الأعمال الحربية.

كما حولت القوى المتنفذةُ الاستغلالية المذاهبَ إلى أداةِ تفكيكِ لصفوف العمال والناس، ولم تكتفِ بذلك بل واصلت مشروعاتَها العسكرية الخطيرة نحو امتلاك القنابل النووية وجلب القوى الغربية العسكرية للمنطقة.

وأثر ذلك على منطقة الخليج بتعميق الطائفية السياسية وبتر العلاقات بين الأمم الإسلامية، ولم توجد في منطقة الخليج والجزيرة العربية سياسات بعيدة النظر تستوعبُ مدى مخاطر التحولات في الدولتين المجنونتين في مساريهما السياسيين، لتغييرِ أحوال الطبقات العاملة وخلق سياسات اقتصادية عقلانية بعيدة النظر تصعدُ الانتاج الوطني عبر المؤسسات الوطنية والعمال الوطنيين والعرب.

لهذا فإن الجنون الطائفي السياسي تسربَ من هذه الاختلالات فتوجهت الموارد إلى الاستهلاك الواسع الحكومي والبذخي وتناقصت الأجور الفعلية مع التصاعد الجنوني في الأسعار والإيجارات، والتوسع الهائل في المؤسسات الاقتصادية المختلفة غير الانتاجية والمعبرة عن فئاتٍ صغيرة في أغلبها، والتي جلبت عمالاً أجانب بأجور متدنية طردت العمالَ الوطنيين وإمكانيات زيادتهم. 

                      العمالُ والطائفية: إبعاد التحديثيين

 نشأت مؤسسةُ المصنع في العالم العربي الإسلامي بشكل غير تاريخي متدرجٍ ممتد في الشبكة الاجتماعية الثقافية، بل كطفرةٍ داخلية واستيراد، فخضعت للخيارت الذاتية للأفراد والجماعات والدول.

اعتمدت هذه المؤسسةُ على العلاقة الصراعية التعاونية بين الرأسماليين والعمال، وعبرتْ عن انتقالها من التعسف والاستغلال المطلق إلى التعاون والديمقراطية الاقتصادية والسياسية، وعبرت عن تاريخ غرب أوروبي خاص، احتاجَ لعقود طويلة ليتجذر في غرب أوروبا نفسها ثم انتشر بصعوبة في بقية الغرب.

نشأةُ المصنعِ في المشرق العربي الإسلامي نشأةٌ مختلفة، ولم تكن تحولاً استراتيجياً حتى ظهر المصنعُ بشكل مصنع تكرير النفط.

ظهورُ المصنع في المشرق بهذه الصورة كان علاقة صراعية تعاونية مع الغرب، تمثلت به ما ظهر في نشأة المصنع في الغرب والتسلسل التاريخي له من تعسفٍ واستغلال ساحق حتى وصل الى تعاون ديمقراطي.

لكن الجماعات السياسية المشرقية لم تفهم هذا الحضور الثنائي الصراعي، فقد تصورتهُ ملكية أجنبية على أرضها في البداية ثم تصورتْهُ ملكيةً وطنية خالصة لمن يسودُ الدولَ المشرقية المستقلة.

هذه الخلية الانتاجية المهمة التي اسمها مصنع التكرير واكبتها خليتان أخريتان هما الحزب الرأسمالي والحزب العمالي.

لقد أعطى مصنعُ التكرير وهمَ العلو والطيرانِ على الواقع المتخلف، فخلال ومضة من عمر الزمن كان المالكون له قادرين على امتلاك السيارة والقطار والطائرة والتحليق في الفضاء السياسي.

لقد توهموا الحداثةَ والمساواة مع مكتشف النفط ومستخرجه ومصدره ومستغله أبشع استغلال حينذاك وهو الذي يمتلكُ شبكةَ التصنيع والتحديث والمواصلات والعلوم.

إن التحولات المفاجئة التي خلقتها فوائضُ النفط أوهمت الخليةَ الرأسماليةَ المبكرة إنها قادرة على المغامرة السياسية، سواء بتأميم النفط أو بتحرر البلدان من الغرب. تجلى هذا في روسيا ولدى مصدق أو في العراق. وقد تحول الوهمُ لديها إلى كوارث وطنية.

كما تحول ذلك في الخلية العمالية إلى وهم آخر هو إمكانية التخلص من الرأسماليين، وهذا قاد الى صناعة إيديولوجيات الطيران السياسي فوق الخرائط الموضوعية.

المصنعُ الغربي الذي تجاوز الثنائيةَ الصراعية المطلقة بعد عقودٍ طويلة احتاج لشبكات اقتصادية واجتماعية وتعليمية كثيفة لم تتشكل إلا من خلال الصراعات العنيفة بين طبقتي الانتاج، لكن العلاقات التي تطورتْ ديمقراطياً أتاحت تجنب الحروب والخسائر البشرية المنتجة وتلاشي الثروة المادية.

ولكن المصنعَ المشرقي النفطي خاصة اعتمد على التحليق فوق الظروف معتمداً على الوفرة المالية التي يتيحها معملُ التكرير الذي لم يستطع أن ينتج مصانع حقيقيةً مغايرة للنفط ومشتقاته، بل واصل امتداده في مصانع خامات له، معبراً بهذا عن عدم قدرته على خلق ثورة صناعية حقيقية، وجسّدَ توسعاً استهلاكياً ورساميل عقارية ومصرفية وخدماتية متسربة للأمان المالي وتاركةً الوطن العربي في جوع تنموي.

الطبقات التي تملكتْ معامل التكرير أزاحتْ الرأسماليين والعمالَ معاً، وتوجهت الفوائضُ لجوانب تحديثية مظهرية، وراكمت الطبقاتُ الرأسمالية البيروقراطية الفوائضَ لديها ولم تعد لقوى الإنتاج أي للرأسمالية الخاصة والعمال، وأنتجت حشوداً من البرجوازيات الصغيرة التي اعتقدت قدرتها الكلية وازاحت كل القوى وبهذا تتالت المشروعاتُ السياسية القومية والشيوعية والطائفية أخيراً الكاسحة.

لم تعد الفوائضُ لهياكل الإنتاج وتضخمتْ الجوانب الاقتصادية الاجتماعية الثانوية، فثمة ملايين المتاجر للاستهلاك ولا مصنعاً واحداً لصنع سيارة أو طائرة.

بتهميش الطبقتين المنتجين الرأسمالية والعمالية تم تكرار الوعي الطائفي الذي يكرسُ البقاءَ في العصر الإقطاعي بما فيه من تفتيت البلدان والجماعات والأحزاب والطبقات.

ولهذا يشكل الوعي الطائفي السياسي الأخير الراهن محاولة أخرى لإبعاد التحديث الديمقراطي العلماني وفرض شموليات طائفية محافظة، ولهذا يلعب النفطُ أو مؤسسةُ تكريره دور تصعيد هذه الجماعات وإشاعتها ودعم فصائلها من فوائض النفط والغاز، بقصد الحفاظ على الطابع المحافظ للدول العربية الإسلامية وعدم انتقالها للحداثة الحقيقية.

إن مؤسسةَ التكرير النفطي لم تجعل المصنع رائداً واسعاً تحويلياً وبالتالي رفضت حضور الطبقتين المنتجتين وغذت وعيهما بالأوهام، والكرة التاريخية في ملعبهما وبضرورة استعادة دوريهما.

                     العمال والطائفية: ظرف عام

 يُفترض أن تكون الطبقات العاملة هي أكثر القوى الاجتماعية ابتعادا عن مزالق التعصب القومي والشمولية الطائفية المحافظة، ولكنها انزلقت كغيرِها من القوى الاجتماعية في نفس المسار الذي عقّدَ وأسَّن وطيَّف التطورَ الوطني الديمقراطي في كل بلد عربي إسلامي.

إنها قوى تعيشُ في ظروف قاسية وفي أعمال بسيطة خاصة عمال القطاع الخاص، حيث كثرة متنوعة من المؤسسات التي تعمل في مستويات مختلفة، وبإرادات كيفية في مسائل الأجور وظروف العمل.

إن تعقد مسارات التطور السياسي الاجتماعي في بلداننا وخاصة دول الخليج والمشرق العربي الإسلامي عامة يتمثل في عدم نضج التطور التاريخي السياسي، وغياب النضج هذا هو الذي أسّس قواعدَ الرجوع المتعثر للماضي.

تكوّن الطبقتين المحوريتين في الديمقراطية الحديثة وهما البرجوازية والعمال جُوبه بعقباتٍ اقتصادية واجتماعية وثقافية كبيرة، فزمنُ الاستعمار شهد صعود هاتين الطبقتين بحكمِ جوانب الليبرالية التي أشاعتها الدولُ الغربيةُ للهيمنة على المواد الخام المتوجهة إليها، رغم رثاثة أوضاع الشغيلة في المؤسسات النفطية والاقتصادية الأخرى، والتي كانت تقبلُ أي أجور متدنية وهي النازحة من الأرياف الفقيرة والمهن البحرية والحِرفية المختلفة وبلا تجارب نقابية وسياسية، لكن كانت تتواجد جوانب من الحريات التي ساعدت على تطور الوعي النقابي والسياسي المحدود، فقد كانت الدول الغربية تريد من الدول العربية والإسلامية نسخَ تجربتِها لكن بدون توفير أسسها الموضوعية سوى فتاتٍ منها.

توفير الأسس التحديثية الغربية من صناعات متطورة وقوى اجتماعية منبثقة منها، وحريات مواكبة، هو هدفٌ ظلَّ مثل السراب في حين كان الواقع هو العودة للوراء، والمضي نحو المجتمعاتِ التقليدية الطائفية! والأخطر نحو المجتمعات الدينية المتقاتلة ضد بعضها بعضا كما يجري حالياً!

وهكذا قامت الانقلابات العسكرية والأيديولوجية بتزييفِ الوعي الثوري، وإحلال الماضي الطائفي بديلاً عن المعاصرةِ العلمانية الديمقراطية، فكانت الانقلابات تنحدر نحو الطوائف عبر رفض الحكومات المختلفة المنبثقة منها أو المختلفة معها، للنموذج الديمقراطي العَلماني، فالحكومات عبرت عن قوى ارستقراطية عليا في طوائف غدتْ هي روابطُها وقلاعها في ظل رفضها للنمو الديمقراطي العصري، ووجدت نفسَها بتفاقم امتيازاتها وتراكماتها المالية غير قادرة على الديمقراطية، فكان أن شجعتْ القوى الطائفية للعمل السياسي الواسع، أو أن العسكريين الكبار تحالفوا مع رجال الدين الكبار من أجل حَرف التطور السياسي نحو ضباب اجتماعي يُصعّدُ الصراعَ الحربي بين الأمم والقوميات الدينية المختلفة بدلاً من عقلانية الصراع السلمي الديمقراطي الداخلي.

كان العمال أكبر الضحايا من جملة التطورات العاصفة، فارتفاع قيم وسائل المعيشة المختلفة، ساير الازدهار الزائفَ للعولمة، حيث كل السلع الجديدة معروضة إضافة إلى ثورة وسائل الاتصال والبناء والديكور، لكن المشترين قلةٌ في ظل أن مجالاتِ العمل محدودة، وقابلة للاختراق الواسع من قبل العمال الأجانب الذين هم ضحايا عماليون على مستوى القارات، لكنهم يزاحمون رفاقهم الوطنيين، ويطردونهم خارج السوق، واتسعت الاختراقاتُ للأسواق الوطنية عبر تفجر حروب إقليمية، أو عبر صراعات طائفية حادة.

وهذه المسارات عبرت عن رفض الدول العربية والإسلامية المستقلة السير على النموذج الديمقراطي الحديث، وتوجهها للسوق المعاصرة ببُنى وهياكل إقطاعية سياسية وأيديولوجية. فحمايةُ السوق الوطنية وإنتاج رأسمالية وطنية قوية وبعمالها الوطنيين المتطورين هو صلب التطور السياسي الديمقراطي المعاصر، لأنه لا ديمقراطية وحرية وطنية مع عمال عاطلين ومتخلفين، لكن هذا معدوم عبر هيمنة الرأسماليات الحكومية واهتمامها بأرباحها، فيما القوى الرأسمالية المحلية المُحاصَرة تلجأُ للعمال الأجانب ومستويات متخلفة من القوى من أجل البقاء في الأسواق المشتعلة.

وكل هذا يؤدي لتآكل الأسواق وتوجه الفوائض من أرباح المؤسسات الحكومية والخاصة، أو من العمال الأجانب، إلى الخارج لتنمية رأسماليات أخرى وراء الحدود! فيما تزداد العروضُ في الأسواق الوطنية تأزماً ويتدهور الطلب.

هذه الارتباكات في السوق تصعد الوعي الديني المحافظ، حيث يغيب الفهم العقلاني وإدراك الأسباب ويغدو الغيب تعويذة سحرية لحل كل المشكلات العصية، فالجمهور العمالي يعود لوعيه الطائفي وهو يرى السلعَ والأجور تتبخر من بين يديه العاملتين بقوة، فيلوذ بنصوصه الدينية وعباداته، لكي تنجيه من ظروف مادية تعصره كل يوم، وهي جوانب تساير الطبقات العليا المسيطرة على الفوائض والسياسات غير الديمقراطية والإعلام والمؤسسات الدينية، في مختلف البلدان العربية والإسلامية، فتتصادم مع بعضها بعضا بدلاً من تكوين منظومات اقتصادية حديثة متعاونة وتقود الصراعاتُ والحروب للمزيد من الانهيارات والطائفية واللاعقلانية السياسية. 

                     العمال والطائفية: وحدةُ المصنع

 تتكرس الوحدة الوطنية ليس في الشوارع بل في المصانع أساساً.

المصانعُ هي الخلية الرئيسية لإنتاج الوحدة الوطنية والعقلانية السياسية.

العلاقات الصراعية بين الرأسماليين والعمال تؤدي تاريخياً لتأطيرها ضمن الوحدة الصراعية، وبدونها تتعرض المجتمعات والتجارب السياسية للتمزق والفشل والعودة مجدداً إليها.

إن أرباب العمل لا تدفعهم إلى المشروع الصناعي نزعاتٌ خيرية بل البحث عن أرباح متصاعدة وسريعة لو أمكن.

إن أوضاعَ السوق والمتاح المفيد من المشروعات هي المحركات السريعة للمخاطرة برأسمالهم، وهذا الوعي المباشر النفعي هو ما يتكرس غالباً وطويلا في الفهم التجاري السائد، وكلما كانت دورةُ رأسِ المال سريعةً ومفيدة وخالية من المخاطر الاجتماعية والسياسية كان ذلك هو الأفضل.

أما تغيير الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاهتمام بطبيعة العمال الفكرية والوطنية فهي خارج الوعي النفعي المباشر، ولكن تلك الأوضاع وطبيعة العمال الوطنية هي أمور جوهرية تؤثر في مصائر المصنع والحياة الاقتصادية عامة.

ورب العمل الكائن الاقتصادي النفعي المباشر يتطور ويفهم الأوضاع التاريخية التي تؤدي لازدهارِ بنية اقتصادية معينة وانهيار بنية اقتصادية أخرى.

فالعمال ليسوا كمّاً بشرياً بل هم طبقةٌ شديدة الأهمية والضرورة للمصنع، وبدونها وبدون تطورها وإعادة إنتاجها في الأجيال القادمة، لا آفاق تاريخية له.

تفجرت الأزماتُ الوطنيةُ والتاريخية في البلدان المختلفة حين تفجرت الأزمات في المصانع بدايةً، فعملياتُ التسريحِ الواسعة، أو الاعتماد الكثيف على العمال الأجانب بدون خطط للتطور الوطني، كانت هي المصادر الأساسية للأزمات السياسية الطاحنة عبر العقود.

أرباب العمل في تسريحهم للعمال أو في تفضيلهم للعمال ذوي الأجور الشديدة الانخفاض الأجانب كانوا يلغون الوحدةَ الوطنية في المصنع.

هذه الأوضاع أدت للقلاقل الاجتماعية السياسية الطويلة وغالباً ما يرون الربيع العربي بدون هذه السببيات الجوهرية. فقد اختلت الوحداتُ الوطنية على مستويات المعامل والمناجم والممتلكات الحكومية الاقتصادية أساساً وفاضت على المجتمعات.

المنجمُ يقدم مواد ثمينة للشركة الحكومية ويقدم أجوراً شديدة الانخفاض للعمال وتقوم القوى الوسيطة: المقاولون والإدارات الحكومية والبنوك الحكومية والخاصة، بالاستفادة الكبرى من الفوائض الاقتصادية، بحيث تتحول المنطقة المنجمية أو الصناعية، إلى حزامِ فقرٍ وحين يتكاثر الأبناءُ بدون قدرة على الدخول في المناجم والمصانع والاشتغال في مهن هامشية كما حدث لبوعزيزي، فيؤدي ذلك لقيام قوى غير منتجة خاصة الأحزاب باستغلال الأزمة والصعود للسلطات، ولكن المنجم يُتركُ في فقرهِ ولعدمِ تغيير العلاقات داخله ويُطلب منه الاستمرار في الانتاج داخل نفس الخريطة الاقتصادية الاجتماعية المتخلفة!

وذلك لأن عمالَ المنجم وأرباب العمل لم يتفاوضوا هم ويشكلوا وحدةً سياسية وطنية ويحددوا دور المصنع أو المنجم في الحياة الاقتصادية السياسية المشتركة وكيفية تطور الشبكة الصناعية العمالية التعليمية في النطاق الوطني بأسره بحيث لا تعتمد على الوسطاء الطفيليين وبحيث تتكاثر المصانعُ من خلال الفوائض النقدية ويتم تطويرها التقني المواكب للعصر.

الوحدة الوطنية هي من خلال هذا الصراع التوحيدي الرأسمالي العمالي فيقوم انقسام الجماعاتِ على أساس موقعها في الانتاج وليس على أساس عقيدتها الدينية، وعلى اختلاف مفاهيمها في كيفية توزيع الفوائض الاقتصادية، وكيفية تطوير القواعد الاقتصادية الوطنية، ومحاربة البطالة والفقر وضعف المدارس الصناعية وعادات البذخ والكسل والإدمان الجماهيرية، فثمة نقاط مشتركة وثمة اختلافات، وهذا يجري عن طريق تيارات سياسية تبلور هذه الاختلافات وتعمل أعمالاً مشتركة أو أعمالاً فردية في ظل الاختلاف الوطني التعاوني تحت قبة البرلمان.

الوعي النفعي المباشر للطبقات يظهر من خلال النزعات العفوية الصراعية المؤثرة على تطور المنتجين، وعبر تركِ قوى سياسية تستغللا هذه الصراعات لمصالحها الذاتية، ولهذا فإن حزبي أرباب العمل والعمال يكونان مهمين في حضورهما التاريخي القائم على إنتاج المعرفة الاقتصادية السياسية الاجتماعية لكلا الجانبين، ولوجودِ المصانع ومستقبلها الاجتماعي والتقني وعلاقاتها بالأسواق وبالمواد الخام المتجددة وعلاقاتها بالعلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية وبتطور القوى المنتجة، وعبر الارتفاع عن هذا الوعي النفعي المباشر لكلا الفريقين، هذا يهتم بأرباحه لأقصى درجة وذاك يهتم بأجوره لأقصى درجة.

                      العمالُ والطائفية وتخاذلُ التحديثيين

 الطائفيةُ السياسية هي ضربةٌ عميقةٌ قوية للطبقات العاملة حيث تفكك صفوفَ الشعب والعمال وتقضي على توجهاتها الوطنية وتطور الوعي العقلاني.

حتى على مستوى المنشأة العمالية يقوم الطائفيون السياسيون بمنع الاصطفاف العمالي لتحسين الأجور ومجابهة الاستغلال الفاحش ومشكلات الفصل التعسفي وبيع القطاعات العامة وغيرها من المشكلات التي وقفت الطبقات العاملة معها غير قادرة على فعل شيء بعد أن فقدت ورقتها المحورية وهي الوحدة والوطنية، وبالتالي فإن وقوفها ضد استغلال العمال الأجانب الفاحش غير الإنساني تغدو مستحيلة.

النشأةُ الانحرافيةُ جاءتْ من تأييد استيلاء الإقطاع المذهبي المتنوع على دول مهمة في المنطقة، وكانت الدول الرأسمالية الحكومية في روسيا والصين وغيرهما قد وصلت إلى انكشاف طابعها الطبقي الاستغلالي وأنها لا علاقةَ لها بالتعبير عن الطبقات العاملة.

ولهذا فإن الانزلاق لهوةٍ أعمق وهي تأييد الإقطاع الديني الإيراني مثلتْ تتويجاً لكارثة الوعي التحديثي الزائف، الذي عاد إلى التعبير عن فئاتٍ صغيرة برجوازية وأفراد جعلت مصالحها الذاتية فوق مصالح الطبقات العاملة وتاريخ منظماتها السياسية والنقابية.

كان هذا التآكلُ غيرَ ملاحظٍ على النظام السوري في السبعينيات وما بعدها، ولكن انهيار الرأسماليات الحكومية الشمولية في الشرق قد أدى إلى انكشاف هذه المضامين المخفية على الكثيرين حتى غدت ظاهرات خطيرة جسيمة، وقفزت للفاشية المرعبة، ولكن القوى الباقية في هذه التحولات والانهيارات لم تعالج مثل هذه التحولات الكارثية على الشعوب وخاصة جذورها وأسبابها البعيدة.

وبقيت القوى المعبرة سابقاً عن اليسار غير قادرة على إنتاج رؤية لكل تاريخ اليسار في الشرق وانحرافات الأنظمة، وكشف طابعها الطبقي وسيرورتها التاريخية، ووضعت رؤوسَها في رمالِ الشرقِ المتحركة نحو المزيد من الانهيارات.

عدم المعالجات الفكرية السياسية لعقودٍ سابقة تركت الجماهير تجرب وتتراجع لمستويات تفكيرها المذهبية العادية المحافظة، والقوى اليسارية والقومية تواكبُ حراكَ الجماهير المذهبي في كل بلد وتضع نفسها في مواقع متناقضة مع أفكارها ومع بعضها البعض، ثم تجدُ نفسَها خارج التاريخ الحي.

إنها كانت بداياتُ أخطاء أدت لكوارث متتالية، والسكوتُ عن ممارساتِ أنظمة قمعية على المستوى القاري يقود لسكوت على المستوى القومي والوطني.

في عمق هذه المسألة كان تأييدُ حراك الطوائف هو بدايةُ الكارثة، فلم تقاوم أغلبُ العناصر الصغيرة الباقية من التيارات المتحللة اليسارية والقومية هذا الانهيار الفكري السياسي، وكانت اللافتةُ الكارثية التي يرفعونها: (لابد أن تكونَ مع شعبك)، ولكن لم تكن ثمة شعوب، كانت مجموعاتٌ من طوائف تغامرُ بالشعوب، وتزجُ بالناس العاديين تحت مثل هذه الشعارات والأساليب والتنظيمات الخاطئة، وتدفعهم للكثير من المشكلات الجديدة عوضاً أن تحل مشكلات الواقع الحقيقي، وقضايا الشعوب.

لكن المشكلات العميقة لا تتوقف وتزداد ليس على مستوى بلد واحد بل على مستوى بلدان متجاورة ثم على مستوى المنطقة، ثم تتعاضدُ هذه مع مشكلاتِ غياب الديمقراطية في البلدان الكبيرة التي لم تحلْ قضايا الديمقراطية والاعتراف الحقيقي بوجود الطبقات العاملة كطبقاتٍ مستقلة عن الرأسماليات الحكومية الشمولية منتجة الرأسماليات السوداء.

فمن مشكلاتٍ وطنية في بلد صرنا نواجه مشكلات قاريةً تدفعنا أكثر وأكثر لما يشبهُ الحربَ العالمية. خسرت الطبقاتُ الشعبيةُ المختلفة على مدى هذا الانهيار الاجتماعي السياسي قدراتها الفكرية وقوة مناهجها التي كانت دليل عملها، وأداة تحليلها للواقع بشكل موضوعي، فغرقتْ القوى السياسية في العضوية الكمية، ولم يعد ثمة فروق بين أعضائها والجمهور المذهبي العادي، وغدت النفعيةُ هي أساسها فكللا ما يحطمُ الأنظمةَ هو مقبول، حتى لو كانت الاستعانة بتياراتٍ رجعية طائفية ممزقةٍ للعرب والمسلمين والبشر تدفعهم للحروب الضارية. وصار النقيضُ موجوداً كذلك، حيث يقول آخرون إن كل ما يقوي الأنظمة هو مقبول حتى لو سكتنا عن أخطائها الجسيمة ومشكلاتها العميقة وأيدنا طوائفنا!

وهذه الانتهازية المتضادة هي واحدةٌ في جوهرها غير المسئول فهي إغراق بلداننا في التطاحن والانهيار، فليس من المقبول رفع شعارات التحطيم وليس من المقبول رفع شعارات التأييد الكلي، ولكن من الضروري قراءة مسارات التطور ومعالجة المشكلات للطبقات المختلفة وتطوير الأنظمة كلها باتجاه الديمقراطية والعلمانية والعقلانية والوطنية، وليس الوقوف بجانب هذه الطائفة أو تلك أو هذا النظام أو ذاك بل بتعاون كل عناصر التطور الديمقراطي وهزيمتها لقوى الطوائف السياسية التمزيقية وإنقاذ بلداننا من الطائفيات والحروب.

ومن هنا فإن بقاء مثل هذا التفكير خاصة في الجماعات التحديثية المتحللة والنقابية الطائفية هو جرلا البلدان للتمزق المناطقي ونشر الحروب وقد اشتعلت الساحات العربية والإسلامية بمشاعل اللهب أمام أبصارنا بدون داعٍ لاثبات الأدلة.

هزيمة القوى الطائفية السياسية والذيول السياسية للرأسماليات الحكومية الشمولية هي النقطة الأولى الرئيسية كيفما كان شكلها وشعاراتها ومواقعها، وإذا صدأت القوى اليسارية والقومية ونخرها سوس الطائفية فهي تتحملُ نتائجَ مواقفها وخياناتها لمبادئها، ولا يعني أنها خاتمة المطاف في التاريخ الوطني والتاريخ الإنساني.

                     العمال والطائفية.. اختطاف العمال

 جاءت مرحلةُ الجمهوريات الدينية كقفزات إلى الوراء في التاريخ الحديث للمسلمين، فالقوى التي قفزتْ لم تصبر على إحداث التراكم الرأسمالي الطويل لتغيير طابع القوى المنتجة والاقتراب من التطور العالمي الحديث.

وهذا ما أدى إلى أن تكون قوى الاستعجال من الأرياف تفرض قفزاتها على المدن السياسية القائدة التي تاهتْ بين التطور والفساد.

الجمهوريات العربية كانت أقرب للتحديث العلماني المبسط الشعاري لكنها فقدت الصفتين الضروريتين المكملتين لرفع الجمهور إلى مستوى تطور العصر وهما الديمقراطية والعقلانية، فواصلت الإبقاء على البُنى التقليدية المتخلفة، وأشكالها الإيديولوجية التفكيكية في فهم الدين والحياة.

لهذا كانت الجمهوريات الدينية قفزات إلى الوراء فهي عوضاً عن أن تكمل مسيرات الأنظمة التحديثية تخلت عن قسماتها المتكاملة الإجبارية لهذا العصر.

تشير مرحلة الجمهوريات الدينية إلى أنساق الفوضى في الاقتصاديات والاعتماد على رأس المال الديني الاحتيالي الذي تكون في بعض الرساميل النفطية غير الديمقراطية وتوسع في المصارف والشركات وهيمن على أموال المدخرين وقادها إلى أحلام الغنى الوهمية وإلى الأعمال الدموية والفوضوية واضطراب الأسواق والدول.

الخداعُ الديني يكمن إيديولوجيا في الادعاء بالانتماء إلى المرحلة الجمهورية المؤسِّسة لفجر الإسلام، في حين إنها تعود إلى مرحلة أسرِ الأشراف التي استولت على الحكم في أعقابِ ذلك والتي هيمنت على العالم الإسلامي المُفتت، ولهذا فالطابع الطائفي السياسي يكمن في كونها أحزاباً طائفية مُفتِّتة، ولا تحمل طابعَ التوحيد.

هنا لم تستطع الفئات البرجوازية الصغيرة والوسطى من تكوين رأسمالٍ صناعي قويٍّ يعيدُ تشكيل المجتمعات، مثلما هي مضطربةٌ بين المذهب السياسي والإسلام التوحيدي العاجزة عن الوصول إليه، فالتفكك بحد ذاته مقولات اقتصادية اجتماعية كنقصِ وسائل المواصلات وربط أجزاء المجتمع وتحويل المهّمشين العاطلين والحرفيين المنهارين ونساء البيوت والمغتربين إلى عمال صناعات كبرى، ولغياب ثقافة التحديث التراكمية لدى المسلمين وبقية قوى العالم المتحضرة.

أي أن المذهبيات السياسية جزء من عالم الإقطاع، عالمِ الجزئياتِ الصغيرة الاجتماعية والسياسية، وتجاوزه يحتاج إلى التوحيد الاقتصادي الكبير والأشكال السياسية التعاونية الواسعة.

الحصول على رأس المال الكبير والقفز إليه يظهر في العودة الغريبة إلى الصناديق المالية الغربية ذات الشروط القاسية والربوية، وهي المُهاجمة خلال عقود بسبب ذلك!

كذلك فإن محاولات نشر النموذج الجمهوري العنفي الفوضوي اللاعقلاني في التاريخ العربي الإسلامي في بلدان الخليج العربي مرةً عبر النموذج الإيراني، ومرة عبر النموذج الإخواني، يتوجه لاستغلال الثغرات الاجتماعية والسياسية في تطور هذه الدول والحصول على رأسِ المال الكبير المُفتَقد.

في حين إنه من الممكن التعاون التوحيدي العربي الإسلامي عبر العلاقات الاقتصادية المفيدة لكل الأطراف، لخلق تعاون واسع يطور القوى المنتجة في البشر والمصانع والعلوم.

لكن هذا يتطلب العودة إلى نقد المذهبيات السياسية كتعبير عن المغامرةِ وإنتاج الفوضى السياسية، أي إعادة النظر في تاريخ المسلمين بشكلٍ موضوعي وليس بأشكال طائفية مؤدلجة لقوى ما قبل رأسمالية، وهذا ما يؤدي إلى الارتفاع عن الأطر الضيقة للطوائف، واحترام التكوين التاريخي لها، وكذلك الارتفاع إلى مستوى تجارب البشر الحديثة في تجاوز الأشكال الضيقة لعالم الطوائف.

إن الصناعات الكبرى تتطلب ذلك ولهذا فإن الجمهوريات الدينية المحافظة تعتمد على مدخرات العمال ونشاطهم الكثيف خلال عقود ثم تسيطر على وعيهم وتقودهم إلى مغامرات بدلاً من أن توحدهم مع بقية العمال العرب والمسلمين وتوحدهم مع بقية التكوينات الاجتماعية في بلدانهم لتكوين تلك الصناعات التي لا تتكون إلا في شروط اجتماعية واقتصادية وثقافية متطور.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : ‏‏‏‏‏‏نصف موت أو حياة جديدة

قد يتساءل قارئ يتصفح الجريدة وهو في طريقه إلى عمله مبكراً، لماذا تنهال المقالات والأخبار بشكل مبالغ فيه حين يغيّب الموت كاتباً أو روائياً، أو مفكراً، أو شاعراً، أو غيره من المثقفين؟ ماذا يختلف موت هؤلاء جميعاً عن موت شخص عادي أمضى حياته بين العمل وبيت العائلة؟ هل موت المثقفين يختلف عن موت الناس العاديين، ولماذا يصبح منجز الكتّاب مهماً أكثر بعد موتهم؟

أسئلة لا يمكن الإجابة عنها سريعاً، كما لو أننا نجيب عن أسمائنا، أو أعمارنا، فللموت حكايته التي لن تتوقف، والكتابة سيرتها الغريبة، وللكتّاب هيبتهم العالية، وذلك كله يستدعي الوقوف طويلاً والتأمل بكل هذه المفردات الغامضة والواضحة معاً .

غيب الموت الروائي البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة، تاركاً خلفه سيلاً من الحبر الهادر على مئات الصفحات الخليجية والعربية، ومثيراً من جديد كل تلك التساؤلات التي مرت في بال القارئ المتجه إلى عمله باكراً، فالراحل قامة روائية عالية لها حضورها اللافت في المشهد البحريني والخليجي والعربي، صنعتها عشرات المؤلفات، ومئات المقالات الفكرية والنقدية والسياسية .

لا يختلف موت المثقفين عن موت سائر البشر، إلا أن موتهم يعني توقف مشروع أدبي أو فكري، أو شعري عن النمو، مشروع يمتد تاريخه إلى عشرات السنين، وهو ما يعني توقف مؤلفات كان من شأنها أن تحدث فعلاً جمالياً، أو تنقب عن عطب وتشير إليه، أو تكشف هوية ظلت غامضة، أو غيرها من أغراض الفعل الإبداعي الكتابي .

بموت الروائي عبـــــــدالله خلــــــــيفة، الذي بات يعتبر عرّاب الرواية البحرينية، توقف مشروع هائل من الجرأة، والحفر العميق في الثقافة الخليجية، والتأصيل لمفرداتها، فهو أنتج علاقة مغايرة مع البحر، هذا التكوين الهائل الذي يمثل جزءاً من هوية المواطن الخليجي، وحلقة من تاريخه مع الجغرافيا، وتوقف عند إشكاليات لافتة في الثقافة الخليجية تم تكفيره على إثرها .

فما لا شك فيه أن عبـــــــدالله خلــــــــيفة كان صوتاً متفرداً في الفضاء الثقافي الخليجي، وكانت له رؤاه وآراؤه المغايرة، إذ يقول في إحدى مقابلاته حول تطور الرواية الخليجية: «إن جيل الكتابة الروائية في الخليج لم يظهر سوى بعد إنجاز الثورات الوطنية في النصف الثاني من القرن العشرين»، من هنا، فإن معظم نتاجاته الروائية متجهة لقضايا اجتماعية تنموية، وقضايا التعسف الحكومي (الوطني) وجسد اختلاف الرؤى في طرق التنمية والتعبير عن معاناة النماذج الشعبية المسحوقة غالباً .

يبقى القول إنه إضافة إلى ما يمتاز به موت الكتاب عن غيرهم، فإنهم لا يموتون تماماً أو كأنهم يموتون حتى منتصف الموت، أو يحيون من جديد، فهم يتركون خلفهم عشرات المؤلفات التي تبقيهم أحياء في ذاكرة القراء، وهذا هو حال عبـــــــدالله خلــــــــيفة الذي ترك للمكتبة العربية أكثر من خمسين كتاباً بين مجموعة قصصية، ورواية، ودراسة فكرية نقدية، ذلك إضافة إلى مئات المقالات التي نشرت في عشرات الصحف الخليجية والعربية .

محمد أبو عرب : شاعر وصحفي اردني

الكائنُ الذي فقدَ ذاته

ارقصْ على حبال الطبقات والتيارات وارفعْ مصلحتكَ الخاصة لدرجة المقدس.

كنْ مع الحركة إذا رفعتك وقربتك من السلطة والمغانم واهربْ عنها إذا حرقت شعرةً من جلدك.

كنْ ضدها إذا خسرْتَ ولا تقطعْ الخيوطَ تماماً فربما أعطتك شيئاً في مستقبل الأيام.

كنْ مع الاشتراكية إذا كانت كراسي وتذاكرَ ودراسة مجانية وأبناءً يذهبون للنزهة.

لكنك دائماً مع الرأسمالية، هذه الملعونة اللذيذة.

كنْ مع اليسار إذا أغنى أهل اليسار، وكن مع اليمين إذا صعد نجمُ اليمين.

كن مع الالحاد إذا كان مفيداً وساعتهُ دانية وكنْ مع الإيمان إذا كانت قطوفه دانية.

كنْ ماركسياً تقدمياً حيث لا ضررَ ولا ضرار والجمهورُ الكادحُ يعطي تضحياته لها، وكنْ دينياً طائفياً حين ينقلب الجمهورُ ويصبحُ منشئاً لحصالات الخير والتبرعات ويسفكُ دمَهُ من أجل الخيال.

أنت أيها الراقصُ على حبال الطبقات والتيارات، يا لك من ذكي في زمن الغباء السياسي!

قامتك تصلُ للسماء وأنت تمشي وراء جيفارا وكاسترو وهوشي منه وتدقلا طبولَ الثورة في الغابات العربية الصحراوية، تحملُ بندقيةً من خشب وتقاتلُ في الفضاء، ولكن لا مانع من استثمار أبناء هوشي منه في المصانع والسكوت عن الاستغلال الفظ للملايين منهم.

إذا جاء زمانُ الثورة العمالية والاشتراكية فأنت اشتراكي لا تقبلُ بربطةِ عنق برجوازية، وتدينُ الإكراميات وإنشاء المتاجر عند اليساريين المتخاذلين الانتهازيين، ولكنك لا تمانع من المتاجرة بالدولارات في الاشتراكية وبيع البضائع المهربة بالسر في روسيا السوفيتية.

جاء زمانُ الطائفيين ففجأة اكتشفت طائفتك، وبكيت على ماضيك الإلحادي، وكراهيتك للمساجد والمآتم حسب تصنيفك الطائفي، وعرفت مزايا مذهلةً في هؤلاء الطائفيين المقاتلين من أجل الديمقراطية وحقوق الجماهير، أو لكونهم عقلاء يؤسسون رأسمالية بنوك الخير ومساعدة الشعوب وينخرون الحكومات والأنظمةَ بدأبٍ من أجل مستقبلِ رأس المال الطفيلي، وفي الإمكان أن يقفزوا للسلطات فجأة. فأنتَ دائماً مع الخير وتقدم الشعوب والموجة الغالبة.

مع الدولةِ والرواتبِ المجزية والعلاوات والبقشيش ومع المعارضةِ الطائفية تضعُ في صندوقَها الأسود بطاقةً للمستقبل، وربما يحضرُ مقعدٌ عال في قادم الأيام، فالعاقلُ لا يفلتُ فرصةً.

مع الاشتراكية هناك ومع الشيعة هنا، ومع السنة هناك ومع الربيع ومع الخريف حسب الأسعار، ومع الألوهة ومع الإلحاد، ومع المقاومة ومع التراكمات النقدية حسب الطلبات الوطنية والعالمية والشركات المتعددة الأيديولوجية.

التناقضاتُ تملأكَ ولكنها لا تدمرك، كيف تُدمرُ حصالةٌ؟ وكيف يفلسُ بنكٌ أيديولوجي سياسي متحرك؟!

التناقضاتُ تصيبُ المناضلين الخائبين الذين لا يغيرون مبادئَهم حتى في الأعاصير، الذين إذا قلّ أنصارهم بقوا، وإذا كثروا لم يغتروا. يكتفون بضلع من بناية، ويزدهرون في البساطة والشظف والفرح.

أما أنت فعملاقُ عصرك ترتفعُ عن هؤلاء المحنطين، وتزدهرُ أسهمك ومدخراتك، وترهفُ السمع لأي تغير في الذبذبات السياسية والمالية، وتزحف وتزحف حتى تهترئ نفسك ولا يبقى عظيمٌ في روحك، تتحسسلا موجات الهواءِ الصغيرة لتتعرف الاتجاه القادم وتبقى في الاتجاه السائد.

قدمٌ في الرأسمالية وقدم في الاشتراكية، قدم في اليسار وقدم في اليمين، قدم مع الإرهابيين وقدم مع الشرطة العربية حسب مسار الأسهم.

هؤلاء أعداؤك الذين كانوا يريدون قتلك فكيف تظهر بينهم وتزرعْ زرعهم؟! وهذه أوراقكَ كيف توقفت واهترات، وهذا مسرحك كيف هدمته، وهذه أدبياتك كيف توقفت وهذه صحفك كيف أهترأت، وهذه خطاباتك كيف مُحيت، وهذا تيارك كيف دمرته، وهذا شعبك كيف تلاعبْت بمصيره؟

 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=342005&r=0

أسباب تمكن الحركات الطائفية من الاختراق

 كانت هشاشة الأنظمة الاجتماعة العربية والإسلامية التقليدية وعدم تجذر الحداثة المجسدة للتطور الوطني الشامل والوحدة الشعبية والتنوع الديمقراطي الطبقي، هي الأسباب التي جعلت من الحركات المذهبية السياسية اختراقا للمجتمعات وتفكيكا لصفوفها.

كانت المذهبيات الاجتماعية بحد ذاتها في التاريخ الإسلامي تعبيراً عن غياب دولة التوحيد، والتعاون الاجتماعي بين الطبقات المختلفة.

كان الحذرُ الفقهي الإسلامي مدركاً لمخاطر السياسات المذهبية، وفي زمن النزاعاتِ الاجتماعية السياسية كانت الغالبيةُ من الفقهاء ترفضُ التسييسَّ الاستغلالي للدين، وكان ما يُسمى الفتنة الكبرى مثالاً على ذلك التوحد وسط النزاعاتِ السياسية الخطيرة المؤدلَّجة لمصالح الأسر الارستقراطية، فكان ثمة تحديد للأخطاء والصواب من الأغلبية الساحقة للفقهاء حيث تحديد المخطئين الرافضين للخلافة والمناوئين لها، من دون الانقسام الطائفي غير المعروف حينئذٍ.

أسرُ الأشراف الكبرى وهي العلوية والأموية والعباسية عملتْ للحكم، ومثلّت الانقسامات السياسية لدى المسلمين، وراحت تحول تلك الانقسامات الى مذهبياتٍ اجتماعية مختلفة، عبر تنحية فقه التوحيد والمشترك النضالي بين المسلمين، وتصعيد الفقهاء التابعين لهذه القوى.

ولهذا يمكن ملاحظة حال الفقه بعد عدة قرون، وتكريسه الانقسامات المذهبية على نحو اجتماعي ضيق وسياسي مصلحي، ليس عبر تلك الأسر الكبرى الثلاث فحسب، بل عبر عشرات الأسر والقوى التي ظهرت في الدول ثم الدويلات.

وقد مثلت حركات النهضة العربية الإسلامية الديمقراطية العلمانية المحاولات الحديثة لتجاوز مستوى الوعي السياسي الاجتماعي للعصر السابق، وخلق وحدات تحررية ونهضوية للشعوب، وجعل المذاهب للشؤون الفقهية الاجتماعية المتعددة، ولكن الدول التي أُقيمت على أسس هذه الحركات لم ترتق إلى حلول فكرية وسياسية جذرية، فقد ترددت في قبول أسس النهضة الحديثة الغربية العالمية معبرةً عن قوى تقليدية من مُلاك الأرض عجزت عن التصنيع الواسع، وجعلتْ من أجهزة الدول أدوات شاملة للمُلكية، وحافظت على ثقافة الفقه التقليدية المُفتتة للمسلمين، ولم يتخط الانقلابيون هذا المستوى المتخلف على صعيدي الاقتصاد والثقافة، فلم تقترب الدكتاتوريات من التصنيع الواسع الحر، وبقيت الملكيات الزراعية الكبيرة ومصانع المواد الخ وغيرها منتجة لأشكال التملك الباذخ المُضيّع للفوائض الاقتصادية خارج التصنيع.

عبرت الحكومات الطائفية المتعددة عن بقاء الهياكل الاقتصادية الاجتماعية مفككة في كل بلد، وهيمنة مراكز العواصم الحكومية المذهبية، في مواجهة الأطراف المذهبية المختلفة، فكانت بذور التوحيد التي أنشأتها حركات التحرر والنهضة قد أفلست، وغرقت الأنظمة في أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، وتغلغل التشظي والطائفية داخل الجماعات التحديثية المتآكلة نفسها.

عبرتْ المذهبياتُ السياسية عن استعادةِ نفس الطرق المتخلفة القديمة في الفقه الانتهازي، وتغييب الفلسفات العقلانية الديمقراطية المحللة للأنظمة ومشكلاتها العميقة وطرح الحلول الوطنية لتطورها، لهذا فهي تؤزمُ كلَ بلد ثم تؤزم الأمم الإسلامية كلها، ثم تجرها إلى الحروب، لكونها تفتقد برامج الديمقراطية والتوحيد والسلام في بلدانها أولاً.

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=344801

الديمقراطيةُ البرجوازيةُ العماليةُ

إذا كان المصنعُ هو أساس الحياة الاقتصادية للمجتمع، فإن المستثمرين والعمال هم أساس تطوره الاجتماعي السياسي على مدى العصر الحديث حتى ينطفئ هذا الأسلوب تدريجياً.

هذه الضرورة لا تتكشف من أول وهلة بل عبر مجرى الزمن الاجتماعي الصراعي الطويل.

في البدايات لا يكون للعمال وجود اجتماعي سياسي، فهم كم مهمل، لكن الضرورات الاقتصادية وتطور الصناعة وانتشار التعليم والوعي النقابي والسياسي، يجعل لهذه المجموعات المفتتة كيان طبقة بعد عقود طويلة.

أما الوجود السياسي وكونها طبقة مؤثرة ليس في المصانع فحسب بل في البرلمان والمؤسسات السياسية فهي مسائل تتعلق بمدى تطور الديمقراطية الاجتماعية السياسية في المجتمع: تغير طبيعة العائلة الكبيرة، وانتشار الثقافة الموسوعية وسط العمال، وظهور العائلة العمالية المكثفة المتطورة، وتحول العمال اليدويين المستمر لعمال تقنيين وخبراء وعلماء، وهذا يتعلق بمجرى تطور الثورة العلمية التقنية.

زمنيةُ العمالِ اليدويين الأكثر تخلفاً تحددُ زمنيةَ البرلمانات التي تملأها البرجوازية وفئاتها المتعددة، في هذا الزمن لا يستطيع العمالُ فهمَ السياسة وتنتشر الأمية بينهم، هذه الزمنية تؤجج الأحقاد واستعمال العنف من قبل فئات من العمال، وفي هذا الزمن النقابات ضعيفة والأحزاب الاشتراكية ذات نهج شمولي.

تتطور البرجوازية والعمال في مجرى الصراع التعاوني، فالأولى تقودُ تطور وسائل الانتاج، وتربط المصانع بمعاهد البحوث، وتطور العلوم المرتبطة بالانتاج، وهو أمر يقود لتوسع فهم العالم، وتنشأ فئاتُ العلماء المنفصلة عن الانتاج في بادئ الأمر، ثم تتغلغل العلومُ في المصانع وفي فئات العمال، فتتضاءل الشمولية وسط الطبقات العمالية وتغدو منتجة في الوعي السياسي الديمقراطي.

تعتمد تطورية البلدان على تطور المصانع وعلاقاتها بالعلوم والتقنية، ووجود الأسواق والمواد الخام، وتضيق الأسواق بشكل دائم فتتوسع البلدانُ الرأسمالية المندمجة مع بعضها البعض، مثلما يصبح العمال قوة إجتماعية قارية. ولهذا فإن أوروبا الغربية تغدو أكثر ديمقراطية فيما يلعب الحجم الاقتصادي الضخم في الولايات المتحدة دوره في التوسع والاستعمار وخسارة الفوائض الاقتصادية على التسلح والحروب، ويبقى العمال فيها قوة غير مؤثرة على التطور الاقتصادي السياسي. ولهذا فإن أزماتها الكبرى في الطريق. الاعترافُ المتأخرُ بالعمال كقوة سياسية يخلف قوى الانتاج ويؤزم التطور سواءً في الغرب أو الشرق.

في بعض البلدان النامية ترتفعُ راياتُ العمال الحمراء والمتعددة الألوان كقوةٍ سياسية مجردة فالمستوى الاجتماعي المتخلف لهم والهيمنة السياسية الأيديولوجية الزائفة عليهم يجعلان الفئات الوسطى الصغيرة أو الارستقراطية أو الإقطاع تزيح الطبقتين المنتجتين وتتحكم في الفوائض، ويختنق التطور الاجتماعي السياسي الديمقراطي لعقود حتى يظهر مجدداً ويغدو العمالُ أكثر الخاسرين وتتشوه البناءات الاقتصادية: ضخامةٌ في الرساميل غيرِ المنتجة وتقزمٌ في المنتجة منها؛ سواءً كان ذلك بسبب البذخ أو التسلح أو التوجهات للأرباح السريعة، لكن السبب الأهم هو غياب الجدلية الصراعية التعاونية بين المستثمرين والعمال، وعدم تحول الديمقراطية لترشيد اقتصاد السوق نحو تطوير قوى الانتاج البشرية والمادية.

في البلدان النامية ضخامة أعداد العمال الهامشيين والعاطلين وغير المؤثرين في الحياة الاجتماعية، تعبيرٌ عن ضعف الانتاج، وانهيار الانتاج القديم وعدم التمركز في المصانع وضعف صلاتها بالعلوم والتقنية، ولا توجد برجوازية صناعية هنا، بل فئات وسطى صغيرة تفتقدُ القدرة على تكوين الرساميل الصناعية ولهذا تكون ذات وعي ديني، حيث لم يندغم الوعي هنا بالعلوم وقراءة الطبيعة وتطوير العمال والمصانع.

الضرورات تكسرُ الأشكالَ الحِرفية الصغيرة، مثلما تتضخم رؤوس الأموال، ويتمركز العمال، وتتصل المصانع بالتقنيات والمعارف الحديثة، فيكرر الشرقُ مسارَ الغرب بصور أسرع، وتصبح القاراتُ السكانيةُ قادرةً على تجاوزه حين تطور صراع المستثمرين والعمال التعاوني الديمقراطي، فيصبح القرن الواحد والعشرين بدايات العصر البرجوازي العمالي العالمي المشترك المديد في القرون القادمة. 

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=347180

تسلقُ البرجوازية الصغيرةِ الديني

في زمنيةِ الرأسماليات الحكومية القومية (الاشتراكية) كان تسلق البرجوازيات الصغيرة على أساس الشعارات اليسارية التوحيدية، حيث كانت الأنظمة بحاجةٍ لتوحد شعبي واسع من أجل بناء البُنى التحتية.

لكن التسلق على ظهور العمال والفلاحين عبر رفع شعاراتهم لم يؤدِ لتغييرٍ كبير في حياة هؤلاء العاملين. والبرجوازيات الصغيرة العسكرية من ضباط وموظفين ومثقفين اغتنى بعضُها وفرشتْ الأرض الاقتصادية السياسية لرأسمالياتٍ نصف ليبرالية وفوضوية في أغلب نماذجها، ولم تخلُ من القبضة الحديدية، ارتفعتْ فيها جماعات حكومية إلى مصاف النبلاء وتهدمت فيها شعارات الجمهورية والاشتراكية.

وحين أفلستْ شعاراتُ القومية والاشتراكية الحكومية الشمولية ظهرتْ البرجوازياتُ الصغيرة بديكوراتٍ جديدة هي الديكوراتُ الدينية.

لم تستطع أنظمةُ الرأسمالية الحكومية إزالةَ الإقطاع، وأدت فوائضُ النفط الوفيرةِ التي جرتْ في البلدان الصحراوية إلى إنعاش الإقطاع الديني مجدداً حيث سال لعابُهُ من التحول الجديد.

وهو إنعاشٌ غذى الشركات المالية والنصوصية الدينية وعودة الأساطير الخرافية للطائفيين السياسيين.

فجأة ظهرت دعاوى الإيمان وحجَّ اليساريون المتطرفون الذين كانوا يزعمون أن الإسلامَ دين وثني، وتحول آخرون لفتح المكتبات الدينية يستوردون الكتب والأشرطة الصفراء يعيدون الجمهور بها للعصور الوسطى.

وفيما كانت بعض المكتبات تزخر بالمؤلفات الإنسانية الأدبية والعلمية صارت على كل الواجهات الكتب الدينية المطبوعة في مطابع حكومية.

وفجأة اختفت الفروق بين التنظيمات الوطنية العلمانية والتنظيمات السياسية الطائفية.

وتبدل المروجون للسياحة والمشروبات الكحولية كذلك إلى مروجين للتدين وطاعة ولي الأمر والاقتداء بالسلف الصالح، مثلما يكتشف قادةُ بعض الفصائل أهمية اللحى لمنع انتشار الجراثيم في الذقون.

الترويج للجماعات الطائفية السياسية من قبل هذه المجموعات التي انهار وعيها النضالي الديمقراطي الحديث جاء في أعقابِ ظهور قطبي الصراع السني والشيعي في المنطقة حيث يزخلا كللا قطب ماكينته الطائفية بالمواد المطبوعة والمروجين المتنقلين بين الجمهور بشكل مكشوف أو مقنع ثم صارت الفضائيات والوسائط الحديثة تغذي بشكلٍ هائل نقل التخلف والعداوات بين المسلمين.

عودةُ الإقطاعِ أو استمراره في البلدان الصحراوية والقروية النفطية قبل البلدان العربية الحكومية العسكرية المتجهة للأزمة ، هو بسبب عدم تحولاتها مثل البلدان الأخرى العسكرية التي أجرت ضربات أكبر للحياة التقليدية، فجاء تأخرُها الفكري السياسي بسببِ عدم وجود فئات وسطى وعمالية تحديثية واسعة، فكانت أشكالُ الوعي والثقافة غيرُ منتشرة بتوسع بين الجماهير، فيسهلُ خداعها من خلال بعض الشعارات واستثمار تقاليدها وإرثها وجرها للنشاط السياسي العنفي الكامن أو الظاهر، كما أن جذورَ المنظمات الطائفية السياسية واعتبار هذه البلدان مركز الهروب للجماعات الدينية، كل هذا جرّ جماهير هذه البلدان للحراك السياسي الجماهيري الفوضوي.

ولهذا فإن الجماعات البرجوازية الصغيرة المتذبذبة بطبيعتها وعدم رسوخ الرؤى التقدمية والديمقراطية داخلها تنجرلا للسائد دائماً، ولكن قفزة هائلة من الاشتراكية والقومية والحداثة إلى الطائفية وثقافة الإقطاع كانت مفضوحة.

ضخ الأنظمة لجزء من ثروات البلدان لهذه الجماعات وتوسيعها وهي الواسعة أصلاً كجزء من بُنى الحرف ومعامل ومصانع المواد الأولية التي تغدق الفوائض على القوى المتنفذة نظراً لعدم وجود أسلوبِ إنتاج وطني متجذر يغذي مختلف الطبقات، يؤدي لتحولات الفوضى والانقلابات الخطرة على التطور.

وهكذا تنقلبُ تنظيمات كانت تتعيش على التسول من الأنظمة إلى أن تكون عدوة لها وتجد سببيات واهية للفوضى السياسية، وتتحالف مع تنظيمات يسارية كانت تعتبرها لوقت سابق قصير ملحدةً خطرةً على الإسلام!

اللاعقلانيةُ والذاتيةُ والمصالح العابرة وانتهاز الفرص والتلاعب بالمذاهبِ والأديان والقيمِ والركوب على ظهور الجماهير غير الواعية وعدم خلق التراكمات التحديثية بصبر وحكمة وبإقناع للشعب وكل هذا لكي تصبحُ هي في مركز الزعامة والسيطرة ويتفق معها أناسٌ لهم مثل هذا الطموح الذاتي وعدم التجذر في المصالح والمبادئ العامة.

إستخدم العلمانيون المرتدون نفس طرق الكهنوت في استغلال الدين وإفراغه من مضمونه النضالي وتأجيره للقوى الاستغلالية للهيمنة على الناس بدلاً من الانتاج العقلاني التحديثي.

 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=348205

التبعية للدينيين

انجرار الجماعات (التحديثية) إلى الجماعات الدينية ليس هو وليد اليوم، ولكنه يعبر الآن بعد ربع قرن من التبعية للإقطاع الديني، إلى عجزِ هذه الجماعات عن إنتاج أي وعي ديمقراطي، وبالتالي هي لا تستطيع أن تعي مشكلات رأسماليات الدولة الراهنة وكيفية تجاوزها، ولهذا يغدو البديل الديني السحري متوافقاً مع انهيار ثقافتها السياسية على مدى عقود.
لم يكن الحديث عن (الاشتراكية) سواءً كانت بشكلها السوفيتي أو بشكلها العربي القومي الدكتاتوري سوى انتهازيةٍ ضاربةٍ بعمق في تكوين هذه الجماعات، وركوبها فوق ظهور العاملين للوصول إلى أهدافها الذاتية من أموالٍ وكراس.
مع الانهيارات المستمرة في تكوين الوعي عبر غياب القراءة والتثقيف وتراكم النضال، غدت التبعية للدينيين مظهراً لأزمة عدم التطور الداخلي فكراً ديمقراطياً وممارسة شعبية، وعدم قدرة هذه الجماعات على اختراق تلك الجماهير الدينية والكشف لها عن فسادِ رجال الدين المناصرين للدكتاتورية السياسية وكونهم قوى استغلال للناس وتجميدا لتطورهم وخطرا على سلامة دول المسلمين وخاصة في منطقتنا.
أما تحويل رجال الدين إلى قادة تحرير الجماهير فهو يتساير هنا مع الهيمنة الإيرانية، وبالتالي فإن هذه الجماعات سكتت على مدى ربع القرن هذا عن تعرية النموذج السوفيتي كنموذج استغلالي بيروقراطي غيّب الاشتراكية الديمقراطية.
عدم القيام بهذا النقد يعني تأييد دول رأسمالية الدولة الاستغلالية ذات الأشكال السياسية الشمولية في العراق وسوريا وإيران واليمن وليبيا وغيرها.
عدم القيام بهذا النقد لهذه النماذج يعني بقاء الصلات مع مخلفات تلك الأنظمة سواءً أحزاباً خائبة مستمرة في اجترارِ مادتها السياسية القديمة، أو عصاباتٍ في تلك الأنظمة، وما ينشأ عن ذلك من خدمات.
ولهذا فإن عناصر البرجوازية الصغيرة المتذبذبة ذات الروح المصلحية لا تنشئ سوى مثل هذا الحراك الغائي الفاسد، وتنظر إلى جهات المصلحة التي تلوحُ في الأفق، وتظن إن هياكلَها النخرة التي أقامتها على أشلاءِ المناضلين وعلى الديمقراطية الحزبية، يمكن أن تستفيدَ منها في المقاولات السياسية التي قد تظهر في السوق.
ولهذا تبقى حذرة من النقد العميق لأنظمة رأسماليات الدولة الشمولية، ويبقى عدم نقد النظام الإيراني الراهن هو أحد الأشكال الرئيسية في الانتهازية الحالية.
فذلك دغدغة لمشاعر بعض المؤمنين المتخلفين في وعيهم السياسي، وإبقاؤهم في نسيج الشمولية الدينية الاجتماعية المهترىء، الذي لا يمكن أن ينتج سوى عاطفية جياشة حادة عمياء فكرياً وسياسياً.
ولو أن مبضع النقد كان مستمراً خلال ربع القرن الأخير وجيَّش أناساً يقفون ضد دكتاتورية بعض رجال الدين في نضالهم ضد التاريخ، وضد الثورات الحقيقية، وضد التقدم الإيراني بشكل خاص، لما كانت التركيباتُ التنظيمية بمثل هذه الانتهازية وهذا الخواء الفكري السياسي.
لقد قامت تكويناتُ هذه البرجوازية الصغيرة الفقاعية على التبعية لكل قوي، سوفيتياً، قومياً إجرامياً، وطنياً بيروقراطياً فاسداً، والآن شمولية إيرانية مريضة تتقيأ أحماضها على الدول المجاورة، ولا يمكن لمن لم يقمْ بشحذِ أدواته التحليلية وممارسته النضالية ضد كل هذه التعاقبات السياسية الاجتماعية الاستغلالية إلا أن يبقى كحباتِ زئبق صغيرة تتدحرجُ نحو الصلابة النقودية القوية.
إن التبعية للدينيين التي تمت في خلال العقدين الأخيرين هي ذروة الكارثة، هي التتويج للخواء الفكري الذي استشرى وتغلغل مع نضوب القدرات على التحليل العميق الواسع لكل الظاهرات، وغدا جملاً سياسية مكرورة تنمطية، وقد كان الدينيون أكثر القوى الفكرية الاجتماعية التي تعرضتْ للنقد من قبل الفصائل التحديثية على مدى قرن من النهضة العربية، وكان استبعاد ممارساتها السياسية واستخداماتها للأديان بشكل تجاري، كان قاب قوسين أو أدنى من النجاح، لكن مع ظهور رأسمالية الدولة الإيرانية و(رعايتها) هذه القوى انتعشت مرة أخرى.يعبرُ الموتُ السياسي لهذه الجماعات عن انهيارِ رأسماليةِ الدولة الشمولية بكل أشكالها، والتي راحتْ تحتضر وتواصلُ ذلك في العديد من دول العالم الثالث، فيما تتصاعد الجماعاتُ الديمقراطية والليبرالية معبرة عن تصاعد الشرائح الوسطى المختلفة في مرحلة جديدة من تطور الرأسمالية الشرقية، حيث تتطلب أبنية مختلفة، وتغيير ظروف الكادحين ونشوء علاقات ديمقراطية بين القوى الاجتماعية والمستويات الاقتصادية.
ويحدث هنا جذب للدينيين إلى الليبرالية بدلاً من جر الدينيين الواقع والجماعات للوراء، وهذا كله لا ينفي دور اليسار، لكنه يسار جديد ديمقراطي، تجاوز الاشتراكيات الشموليات العالمية والقومية، وسدها لآفاق التطور اجتماعياً وثقافياً.

التفككُ الثقافي

  636012146668870502-727844963_www_nmcbc__org_

تتخثرُ الإرادة بعد سنين فعقود، وتكف العينان عن القراءة، والتحديق في الأشياء، والحفر في التاريخ.

لا إراداتٍ صبور، ولا قدرة على الصعود الحقيقي، النازف، المتعب، المضني، تسألُ الذاتُ نفسَها: أكل يوم قراءة؟ مستحيل! أكل يوم تفحص؟ لا يستطيع مثقف الليل أن يصير هذا، أفي كل أسبوع كتاب؟ مستحيل تضيع الكتب في السيارة وبين ثياب الأولاد غير المغسولة وأهرام العلب الفارغة.

في زمن الشباب ثمة بعض الهمة، والصعوبات كثيرة وكبيرة، ولا يمكن أن تدع القيودُ والهياكلُ العظمية والمقابر والزنزانات والملفات العتيقة وفقدان النظرة والموقف أن تتطور الذات كما تشاء.

تلجأ إلى السرعة في النقد، وإلى تحطيم الرؤوس الفنية والإبداعية بارتجال حاد، تصعب لملمة الأوراق، وتصعيد أفكار الوعي والتحليل والنقد، وربطها بالحالات الاجتماعية والنماذج البشرية والمصادر.

تتلكأ الكتابة، لا تغدو تغييراً للذات الارتجالية، الفوضوية. الحالات الشعرية الوامضة المتقطعة عبر سنين تموت.

الكتابة الساخنة تتطلب قضية، والذات الذاتية تريد أن تتسلط فوقها الأضواء، أن تعلو فوق المسرح، أن تجري وراء المهرجانات، أن تحصل على مكاسب مادية كبيرة.

الذاتُ الذاتيةُ تتوهمُ القضيةَ، غير أن لا طبقةَ تناضلُ من أجلها، ولا شعب تناضل من أجل توحيده، ولا جماعة تنمو من إشعاعاتِها، فأوراق العمر المتراكمة النقدية والإبداعية تضيع، تبحثُ عنها في المخازن والملفات وسلات المهملات والمكتبات غير أنها تضيع، خيوطُها انقطعتْ بشرايين الفكر ولغة الشعب، فصارت عرائس من البلاستك، ونواطير مزارع تخيف الطيور الباحثة عن أعشاش.

لا تجسد موقفاً سياسياً فكرياً ثقافياً متجذراً، تغدو فقاعة، الدراسة التحليلية العميقة هي المفقودة هنا، لأنها تأصيلٌ وتشريحٌ وتبيانٌ للموقف. إن الدراسةَ تفجيرٌ للفقاعة.

تستطيع أن تمارسَ استعراضاتها على الفقراء الخائبين في فهم القضية، على القرويين الذين تزعمَهُم أعداؤُهم، فهنا المكسب بالمجان.

في عقود عديدة لم تستطع الذات الذاتية أن تنتمي إلى القوى الحية فتعود إلى الطوائف، فهي لا تراكم تنويراً، أو نضالاً، بل تنتفخ على المسرح وتصبح بالوناً.

كل بضع سنين لها قضية معاكسة للقضية السابقة.

وبين القضايا ليس ثمة خيطٌ من تراكم الوعي الديمقراطي، بل مواقف حربائية متعددة اقتضتها المصالح والانتفاخات والعفوية الصارخة.

فمن الصعب أن تصلَ الذاتُ الذاتيةُ إلى أعماق القرويين، المتألمين الحالمين، الذين يركبون خيولَ دونكيشوت، ودون كيشوت له قضية.

الصراخ لا يغير التاريخ، والدوران حول الذات، لا ينتجُ شيئاً فيها، وحب المرايا ورؤية الذات العظيمة كل يوم، يقللُ من قيمتها ويكسرها.

تصبحُ قوى الإبداع التي لا تحفر ولا تنقد مسطحة فتتصارع في المسائل الطائفية، لأن هذه المسائل هي سطوح الواقع ومستنقعاته. إن الذين تاهتْ أوراقُهم وبحوثهم ونصوصهم الأخيرة الممزقة ومسوداتهم وذواتهم يتوهون في معركة الريح.

تضاف أجيالٌ جديدة للصحراء الثقافية، فتجد ان الإبداع فرجة ونصوص باهتة، فيزداد الرمل، وتتقلص شروطُ الكلمة.

منعطفٌ تاريخي للعرب ‏‏

لا أحد يستطيع الآن بعد تضحيات الشعوب العربية في كل مكان، بأشكالٍ ملحمية، تقتربُ من الأساطير، أن يلوم أو ينتقد هذه الأمة العظيمة، وأنها مقصرة في وجودِها، وأنها لم تقدرْ أن تستوعب وتحتضن كل إبداعات الحرية والتضحية، ومن لا ينحن مقدراً لها، ومن لا يرقص فرحاً لبطولاتها، ومن لا يُذهل من إبداعات اللحم الذي يكسرُ الشوكَ، ويثني الجبالَ فهو لا يشهد ولا يعيش.

إن المبدعين يقفون إجلالاً ويتطلعون لتضحياتهم في كتابة الحروف النار ونسج الكلمات البحار وكأنها قطرة في محيط العجائب النضالية العربية. فكيف يمكن أن يمدح أحدٌ عمله وهو يرى الناس تجود بأعز ما لديها؟

لا يمكن لنا بعد هذه الملاحم المسجلة بالدم على النيل والصحارى العربية العطشى والمدن والبلدات والقرى إلا أن نتواضع ونخجل ونقول لقد قصرنا ويئسنا سنين وأن الإنسان العادي الذي صاغ الملاحم في بضعة أقطار هي النسيجِ الرئيسي للأمةِ إن كتابتها أعظم، وسطورها أكثر خصوبة.

والإبداع لابد أن يزدهر بشكل أروع رغم انغلاق بعض الأسواق وصمت دور النشر وذبول المطابع وتعثر السوق، في حين يتطلب ازدهار النضال فيضاناً للنشر كما يتطلب الموقف الملحمي.

لكن تعاظم ملاحم الحرية العربية يغنينا والتضحيات تعلمنا وبخل دور النشر لا يهمنا.

هل هناك أمةٌ ابدعتْ دماً وحروفاً مثل هذا؟

فلننحن إجلالاً لهؤلاء البسطاء وعرفاناً بتضحياتهم.

الثورات العربية غيرت كل شيء، ولن يعد ثمة دولة أو جماعة سياسية ستبقى كما كانت، مهما تظاهرت بالهدوء، ومهما قالت إن العاصفة لا تعنيني.

ليست الثورات العربية مثل ثورات القرن الثامن عشر والتاسع عشر الأوروبيين، رغم المقاربة بينهما في بدء صعود الطبقات الوسطى لتشكيل مجتمعات ديمقراطية، فتلك الثورات التي رفعت شعارات الاخاء والمساواة والتنوير، تجاوزتها الإنسانية المعاصرة، بعد عقود طويلة من التحديث والتصنيع والاستعمار وحروب الاستقلال، وقد أضحت أسس الديمقراطية الاجتماعية أكثر وضوحاً، وغدت برامج الطبقات المختلفة مميزة، فلا يمكن أن تسود شعارات مجردة، وكل طيف من الطبقات لها برامجها لأن مصالحها غدت واضحة، والتجربة الحزبية غدت ذات تاريخ طويل.

لكن رغم هذا التاريخ فالشعوب العربية متخلفة وهي ربما أقل تطوراً من ذلك التاريخ الأوروبي، حيث هنا أمية هائلة، وحريات النساء أقل بكثير، والتصنيع طابعه مختلف، وثمة انفصام لأقطار عديدة عن التطور، ومازالت الأقطار المركزية تصارع من أجل أن تبلور التجارب الديمقراطية، والقوى الماضوية تصارع للبقاء والعودة.

لكن الملحمة موجودة ومكتوبة بالدم، وتاريخ التضحيات كتب بقوة وفتح صفحة جديدة لا يمكن أن تعود إلى الوراء، وغدت مهرجاناً للبشرية.

ليس في الأمة العربية مثل جان جاك روسو وفولتير وديدرو وهيجل المشاهير العالميين ففيها أكثر وأعمق، ولكن على نحو قطري أو عربي محدود، فإبداعات العرب خلال القرن الأخير كانت هائلة، وإبداعها في الأدب ليس له نظير ولكن هي مسألة التخلف والأنظمة القديمة المحتكرة للثروات، والآن لابد أن تظهر هذه الإبداعات وتنتشر جماهيرياً وعالمياً، والديمقراطية تعني أن تصل هذه الثقافة إلى الأجهزة الجماهيرية، فهذه الإبداعات وهؤلاء المفكرون هم من عبدوا لهذه التحولات.

نقادٌ مذعورون

كان ينبغي للنقاد أن لا يخافوا من أعمالِ الروائي، ولكن التصادم بين مساراتِ الطبقاتِ الشعبية والوسطى يتمظهرُ في الرواية والفكر.
فالروائي ابنُ الحارات والثورات حاملُ زخمِ الحراكِ الشعبي لعقودٍ يجسدُهُ في شخوصٍ عاصفةٍ تقتحم الشواطئ وضفافَ المدن، ولكن النقد الذي نشأ في الجامعات غير العلمية ومكاتب المجلات والصحف الحكومية ليس من شأنه قراءة نضالات الطبقات العاملة ولا حتى تحولات الفئات الوسطى نحو التغيير، ولكن الكتابة الروائية مثل بحر الناس تشكلُّ مداً عصياً على الجَزر.
يقوم النقادُ المحنطون في يباسٍ نظري أغلبهُ مستورد بالاهتمام بظاهراتٍ ثانوية، وأعمال هامشية لا تثيرُ جدلاً صراعياً ديمقراطياً في المجتمع، ويُنزلون عليها فلسفاتٍ هي إسقاطاتٌ وليست اكتشافاتٌ وتحليلات لما تمورُ به المجتمعاتُ من عصفٍ اجتماعي هو أغلبه رجوعٌ للوراء وتدهور للحداثةِ والعقلانيةِ وتراكم للمشكلات المالية والعجز والبذخ من جهة والفقر المتسع من جهةٍ أخرى.
من أين يُحضرُ النقادُ هذه الأعمالَ الهامشية ويُشغلون بها ثللاً صغيرة؟ فلا أحد يدري، لكن الروايات الكبرى تفرضُ نفسها، والروائي المطارد سابقاً، والروائي المنفي في بلده لاحقاً، يفرضُ أعمالَه التي يقرأها الناس، فتتهاوى أسوارُ النقد المحاصِر.
لكن الروائي يخطفه المقعد الوثير، والراتب الحكومي الكبير، وتلك الاطلالات الشعريةُ والعواصف الاجتماعية الرومانسية والشخصيات الثورية النادرة تختفي، وعلى النقاد المذعورين من النضال أن يغمدوا أنصالَهم في جسدِ الروائي البيروقراطي وأعماله، ساحبين منها ذلك الألقَ الوطني النضالي الكبير.
ولهذا فإن الوطن الحقيقي لا الروائي هو الذي يمشي على سكةِ الحرب الأهلية، فلم يقبل البلدُ بصراعٍ ديمقراطي في الرواية فظهر الصراعُ الدموي على الأرض وتكاثرتْ شخصياتُ الحطام في الخرائب والمنافي.
هو مثل المفكر الذي لم يعد يفكر فيما يَشغلُ الناس، ومهمته أن يبتكرَ لهم قضايا ماتت منذ زمن بعيد، والصراعات الاقتصادية الاجتماعية الطاحنة في الواقع ليست في بؤرة إهتمامه، فالبُنى الرأسماليةُ العربية الحكومية العسكرية المتخلفة التي انهارت في المحيط العربي لم تزل لديها بعض الفوائض النفطية في دول الجزيرة العربية، فهنا إمكانياتٌ للترف الفكري والمؤتمرات التي لا تتوقف كل أسبوع لمناقشة قضايا ليست قضايا الأزمات الحقيقية، وكون العربة الخليجية هي العربة التالية في سكة القطار العربي الضائع بين القفار.
ولهذا فإن المفكر يراها سائرة إلى الأمام بقوة، مثل الروائي العربي الشمالي الذي ترك شخوصه الشعبية تضيع ولم يعثر على شخصيات حية بين المكاتب ولم يَعُد للحارات والذي قاد الشراع في العاصفة تحطم على صخور البيروقراطية العسكرية.
غيابُ الشجاعة الأدبية ترافق مع موت الفكر والنقد، فالفكرُ الذي كان واعداً في السبعينيات انشغل بالقضايا العامة العربية بأشكال تحليلية سياسية عامة ليست فيها دراسات للبُنى الاقتصادية الاجتماعية، وتتيح له هذه التعميات والمجردات أن يتلاعب على حبال السياسة والمواقف الاجتماعية حتى يتحلل الفكر الذي لا ينمو سوى بالصراع مع الواقع وتحليل بناه الاجتماعية السياسية، واتخاذ موقف في الصراع الاجتماعي لتغيير رأسماليات حكومية بيروقراطية غير قادرة على السير في عالم الحداثة الديمقراطية المعاصرة.
المفكر دوره هو تحويل هذا الانسداد التاريخي إلى اكتشاف وانفتاح وتغيير، متجاوزاً الخرائط الاجتماعية الملموسة إلى قوانين التطور التاريخية، ودور المؤتمرات السياسية العلمية هو رؤية الآفاق البعيدة وليس اليوميات السياسية التي هي مجرد مادة صغيرة للتعميمات والتقييم البعيد.
تكرار أزمات النماذج هو مؤشرٌ لتكرار السنياريوهات العاصفة وخسائرها سواء في الشمال العربي أو الجنوب.