صراع الطوائف والطبقات في فلسطين

صراع الطوائف والطبقات في فلسطين

الإقطاع الفلسطيني تابع التابعين

صراع الطوائف والطبقات في «إسرائيل»

صراع الطوائف والطبقات في فلسطين

مثل أي نظام عربي يعتبر الديمقراطية مناورة سياسية غير مرتبطة بوجود نظام علماني راسخ، قامت السلطة الفلسطينية بإجراء إنتخابات تشريعية جاءت على رأسها حركة حماس في مفاجأة كبيرة للجميع.
هذه المفاجأة تعكس تناقضات الوضع الفلسطيني، فقد قامت حركة فتح بقيادة النضال الوطني وتقدمت به إلى آفاق كبيرة، وكأي حركة سياسية وطنية في الشرق كانت حركة شمولية، ذات شعارات فضفاضة، غير راسخة في مسائل الحداثة المحورية؛ وهي العلمانية والديمقراطية والعقلانية، لكنها لم تخلُ من ملامحٍ منها، تبدو على شكل شعارات، وكان أهمها مشروع تشكيل دولة فلسطينية على أي تراب فلسطيني مُحرَّر وتكون دولة علمانية وديمقراطية مفتوحة لكل السكان فيها.
كان هذا الخيار ذاته صعباً في ظل منظمات فلسطينية متطرفة قومياً، تنادي بدولةٍ من النهر إلى البحر، وتستخدمُ الكفاحَ المسلحَ فقط، وهو أمرٌ يعكسُ مستوى الوعي السياسي الفقير في هذه المنظمات، وعدم معرفتها بالواقع الذي تريد تغييره، سواءً من حيث عدم معرفة القوة الإسرائيلية أو واقع البلدان المحيطة بها أو آفاق نضال شعب فلسطين في الداخل.
وأهم نقطة في هذا عدم درسها لتناقضات الدولة العبرية وكون هذه التناقضات هي قاعدة التحرك المنتظر، لكنها كانت ذات نظرة متجوهرة، غير تاريخية، وغير طبقية، فهناك فلسطين وهناك إسرائيل، هنا أبيض وهناك أسود، ويجب أن يسود الأبيض ويُسحقُ الأسود، وهي نظرة دينية شرقية جامدة ضاربة في القدم، لا ترى في الدول والحضارات تكوينات تاريخية مرحلية متناقضة، يكمن العمل السياسي الثوري في كشف تلك التناقضات وحركيتها وتوظيفها لصالح الأغلبية الشعبية.
لكن كانت حركة فتح أكثر هذه المنظمات مقاربة للظروف الموضوعية، عبر طرحها شعار الدولة العلمانية الديمقراطية، مما كان يفتحُ الأفقَ لجذب أقسامٍ من الإسرائيليين للعمل المشترك، وكان هذا يضربُ جوهرَ الصهيونية بشكلٍ عميق، وقد زواجتْ فتح بين العمل العسكري والنضال السلمي، وانفتحت على كل الجمهور الفلسطيني والدول العربية، وهذا كله أكسبها حضوراً قيادياً رائداً.
لكن من جهة أخرى ظهرت القيادة الفردية وشكلت بيروقراطية داخلية، وهيمنت على فتح، وعلى منظمة التحرير، وعلى الدخول النقدية فيها، معطية أدواراً ثانوية للقوى السياسية الأخرى.
كذلك لم تكن بعيدة عن المغامرات العسكرية، حيث كان الواقع الفلسطيني والكيان الإسرائيلي يبدوان لها في حالة سكونية، ومادة فعلٍ سلبية، وأنها هي صانعة التغيير، وهي ثقافة موجودة بقوة لدى الفلسطينيين في الداخل كما في الخارج.
وكان الحراكُ الطويل لهذه القوة النضالية في الخارج عاملاً جاذباً للكثير من القوى السكانية المشردة بفعل المجازر الإسرائيلية والغزو الفاشي، وهي الطبعة الأولى من الصهيونية، مما أدخل في فتح وغيرها من المنظمات جمهوراً بلا خبرة سياسية وقابلاً للنضال ولكل المغامرات المجنونة كذلك.
وكما ظهر الخط الوطني المعتدل في فتح ظهر الخط الوطني المتطرف في (الجبهة الشعبية) وغيرها من المنظمات القومية، ووجدت بعضُ الدول العربية في هذا الانقسام فرصة لاستثماره وتقرير حركة الشعب الفلسطيني من خارجه، ووجدت دولٌ أخرى صيغة مغايرة عبر ترسيخ منظمة فتح كقائدة للشعب الفلسطيني، وجعل رئيسها رئيساً للدولة التي تعيش حالة مخاض الولادة العسير.
ولكن كل هذا الحراك السياسي الخارجي البطولي والمغامر والنازف آلاف الشهداء، والمؤجج لصراعات المنطقة ومشاكلها، لم يثمر عن تحريرِ بوصةٍ واحدة من التراب الفلسطيني!
وكان الحوار الفلسطيني – الإسرائيلي البداية الحقيقية لفتح الطريق للتحولات، وهو أمرٌ كان يبدو كخيانةٍ عظمى، وكارثة قومية لدى المتجوهرين وأصحاب الرؤى الساكنة الدينية، فظهرت في وجهِ هذا الحوار منظماتٌ متخصصة في الأغتيال كأيلول الأسود وغيرها، وشاركتها المخابراتُ الإسرائيلية في قطعِ رؤوسِ الوطنيين والمثقفين البارزين الذين كان بعضهم يقود الحوارات وبعضهم يقود العمليات العسكرية.
لقد أدى الجدبُ السياسي في النضال الخارجي، وتشتت الجيش الفلسطيني في المنافي البعيدة بعد إحتلال لبنان، إلى أن يبرز العاملُ الوطني الداخلي في كل من فلسطين وإسرائيل، ليغير هذه الصفحة التي استمرت عقوداً.
لقد بدأ وعي وطني علماني ديمقراطي يتغلغلُ في صفوف جماهير هاتين الدولتين، حيث بدأ الشعبُ الفلسطيني في الضفة وغزة يدرك كونه شعبَ دولةٍ مغيبة، وأن الشعوب الأخرى لا تستطيع تحريره، وعبر الحجر الذي يملكه كلُ ولد فلسطيني بدأت عملية التغيير الشعبية، وكان الجمهور الإسرائيلي قد تعب من الحروب ومن سيطرة قوى العسكر والمال المغامرة بمصيره وظروفه خدمة لمشروعات دينية متطرفة أو لمؤامرات غربية فاشلة.
لقد بدأ تاريخٌ آخر، وقامتْ الطليعة الفلسطينية الخارجية بدورها في التحريك السياسي، لكن الآن بدأت الأرض هي التي تتكلم.
وغالبية الفلسطينيين هم من المسلمين فيما يمثل المسحيون ما يقارب 10%، والمذهب السائد هو المذهب السني، حيث تداخلت المذاهب السنية في نسيج واحد خاصة في الدول خارج الجزيرة العربية خاصة.
ولهذا فإن الصراعات المذهبية لم تتواجد داخل الحركات السياسية الفلسطينية، لكن هذه الحركات تأثرت ببلدان النزوح المختلفة، فأكتسب بعضها طابع اليسار المتطرف، خاصة التي تواجدت في سوريا ولبنان، فيما نشأت حركة فتح في الكويت متأثرة بجوها السياسي الديمقراطي العلماني السني في ذلك الوقت، وراحت تمتد في الأردن والأرض المحتلة.
ولكن تجربة الشعب الفلسطيني في بلدان النزوح اتسمت بالاضطراب الشديد، بسبب القمع والتضييق العربي الحكومي، وتعدد بلدان النزوح وتبعية أقسام من الفصائل لبعض الحكومات العربية التي إستغلت ظروف الهجرة والفقر في خلق قوى سياسية تابعة لها داخل النسيج السياسي الفلسطيني ثم قامت هذه القوى بالانقسامات والصدامات والتبعية البوليسية لتلك المراكز ففجر ذلك العديد من المواجهات.
وعموماً كان الاضطراب في تجربة فلسطيني النزوح أكثر بكثير من الداخل، وخاصة في قطاع غزة المتضخم بالسكان والذي تغلغلت فيه حركة حماس خلال عقود طويلة.
والتقت تأثيرات الاضطراب السياسي في الخارج وعدم المعرفة الدقيقة بأحوال الشعب الفلسطيني من قبل القيادات العائدة من المنفى بالمحافظة الشديدة في غزة وأنتج ذلك إنقساماً على صعيد الأرض المحررة المستعادة!
مثلما أن القوى الحاكمة في إسرائيل تمكنت من بعد تطوراتها العسكرية والاقتصادية الكبيرة من التحكم في الأرض الفلسطينية وتحديد إتفاقيات السلام وربطت قسماً كبيراً من العمالة العربية بها، ووضعت المتشددين الفلسطينيين في زاوية ضيقة، توجهاً لرسم خريطة سياسية متطابقة مع مصالحها وأفق تطورها.
وبهذا فإن القوى الشعبية الفقيرة الفلسطينية هي أكثر القوى معاناة في المنطقة، عبر الأجور المتدنية الحضيضية، وبغياب الموارد في الضفة والقطاع، وسوء الحياة المعيشية وترديها في مخيمات النزوح في لبنان وسوريا والأردن.
وهذه المناطق والمخيمات قادرة على توليد سياسات متطرفة تستغلها الحكومات المختلفة من أجل تفجير الصراعات السياسية مثلما يحدث في لبنان.
أو أن يغدو الفلطسينيين الفقراء كبش الفداء في الصراعات السياسية العربية كما حدث في العراق على مدى حروبه المختلفة، وفي الأيام الأخيرة كانوا ضحايا السلام مثلما تم لجؤهم على الحدود العراقية.
لم تكن سياسة الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات على رغم العديد من إنجازاتها حكيمة في العلاقة مع بعض الدول العربية الشمولية التي أضرت بالقضية، بخلاف الرئيس الحالي أبو مازن الذي وجه السياسة نحو الاعتدال وإقامة علاقا جيدة مع كل الدول العربية.
عكس التوجه الفلسطيني لخلق مؤسسات منتخبة رغبة الإدارة الأمريكية في زمن الرئيس بوش تحقيق مسحة ديمقراطية لأصدقاء الحكومة الأمريكية في المنطقة العربية، وإذا كان هذا هدف أصيل كذلك للشعب الفلسطيني إلا أن التطورات الداخلية الفلسطينية الإيجابية هذه جاءت بتسريع لم يـُنضّج له على مستوى البُنى الاجتماعية والسياسية، التي هي مثل غيرها في الدول العربية بُنى تقليدية ماضوية لا علاقة لها بالديمقراطية الحديثة.
وإذا كانت فتح ذاتها قد إستغلتْ هذه البنى في سيطرتها السياسية، ووضعت رجلاً أخرى في الحداثة كذلك، فإن عملية التسارع في السيطرة على الضفة والقطاع بعد الإنسحاب الإسرائيلي، تنفيذاً لإتفاقيات أوسلو، لم تتشكل عبر جبهة حداثية فلسطينية علمانية ديمقراطية بقيادتها.
عبرت هذه الإتفاقية عن مستويين؛ مستوى الحوار الفلسطيني – الإسرائيلي، ومستوى القوة الفلسطينية المحدودة على الأرض.
ولثاني مرة يحدث إنسحابٌ إسرائيلي من أرض عربية كبيرة (بعد مصر)، ويخلف إنفراجاتٌ سياسية وتقدماً اجتماعياً مهماً، مما أكد أهمية سياسة السلام في خلق التحولات بعد كل تلك الكوارث للحروب السابقة.
ومن جهة أخرى فإن الانسحابات المحدودة التي لا تحل مخلفات الأحتلال الإسرائيلي بالكامل، تعني بقاء سيطرة القوى العسكرية – الدينية المتنفذة في إسرائيل، واستمرار المواجهة مع أطراف عربية أخرى، وهو أمرٌ يؤدي إلى عدم حل القضية الفلسطينية ذاتها.
إن التسويات المنفردة رغم تمثلها للتقدم الهام إلا أنها تحوي بذور الصراعات والحروب أيضاً، فالصراع العربي – الإسرائيلي يحتاج إلى تسوية تاريخية عميقة شاملة، على مستوى تعاون الأديان السماوية، وعلى مستوى تصالح الشعوب، وعلى مستوى إزالة الإحتلال.
وبهذا فإن توجه فتح لحكم الضفة والقطاع وجعل أجهزتها تهيمن عليهما، بعد عقودٍ من الأحتلال الذي خلف الكثير من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية فجعلها هذا التسرع المتعدد الوجوه تتعرض لانتقادات كبيرة من الجمهور الفلسطيني، الذي بعد أن فارق نشوة التحرير أرجعته صرخات البطون والبيوت والحشود الفقيرة إلى الأرض الحادة.
وكان التسريعُ (الديمقراطي) يعتمدُ على تلك المنظمة الفتحاوية الجماهيرية العريضة، غير الراسخة في بناها العلمانية الديمقراطية، والتي قبلتْ وجود الأحزاب الدينية، وبجعل تنظيم سياسي آخر يمثل الإسلام وحده، وبهذا فقد نزعتْ صفة الإسلام عنها وعن بقية الأحزاب العلمانية.
ولم يكن فضاء نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين مثل أزمنة الستينيات فقد غاصتْ المجتمعاتُ العربية في أزمة فشل التحديث الرأسمالي المحافظ بعجز تلك الأنظمة عن مقاربة الحداثة، وصعد محور دول العراق وإيران والجزيرة العربية، النفطي المحافظ الأكثر من السابق، وراجت الشعاراتُ المذهبية السياسية كشكلٍ لتدفق سكان القرى والبوادي على المدن العربية، طارحة فضاءً غيبياً لحل الأزمات السياسية والمعيشية.
وقد استثمرت منظمة حماس التكوين الإسرائيلي الأولي لها كمنظمة يكمنُ دورُها في شقِ صفوف الفلسطينيين، وخاصة شق منظمة التحرير، وكذلك بقائها الطويل المهادن على الأرض خلال عقود، وذلك الغياب للوعي الديمقراطي والعلماني وسط الجمهور الفقير الحاشد الذي امتلأت به أزقة غزة خاصة، وبهذا فقد كانت الانتخابات التي قلبت الأوضاع السياسية وشقت الفلسطينيين على مستوى المؤسسات وعلى مستوى الأرض، هي جزء من المتغيرات الفلسطينية التي جرت في الجمهور، وجزء من متغيرات المنطقة.
لقد جمدت فتح منظمة التحرير التي كانت مؤسسة مهمة لصقل الفكر الفلسطيني الديمقراطي العلماني المفترض والإسلامي العميق كذلك، وتحولت إلى تنظيم فضفاض، راح كوادرهُ يستولون على موارد مهمة، وبطبيعة الحال لم تكن قادرة على أن تكون معبرة عن برجوازية فلسطينية قوية، لضعف الصناعة ولعوامل الشتات، وحروبها، التي كانت كلها ضرباً للرأسمال الفلسطيني وللعمال.
وكان قادة حماس قد سيجوا الفقراء حولهم بشعاراتِ الغيبِ (الإلهية)، المؤدلجة لمصلحة بعض قوى الأرض الفاسدة، واستثمروا خطاب العنف الفلسطيني الإلغائي الطويل، (دولة من النهر إلى البحر) والذي تكرس بقوة في انفعالات الشعب العاطفية الحادة، وعلى بحار الدم الفلسطينية، فانتصروا انتخابياً وعمقوا أزمة الشعب الفلسطيني أكثر فأكثر.
وبهذا كانت الضربة لدكتاتورية فتح، وتبياناً لخطورة الخطاب العنفي الفلسطيني العاطفي، ولعدم التحضير المطول لإنشاء دولة علمانية، ولعدم تكريس سياسة السلام، ولعدم قراءة الإسلام بعمق.
وقد سارعت فتح في الحفاظ على سلطتها الحزبية، فأصدر المجلسُ التشريعي المنتهية صلاحياته والذي تسيطر عليه فتح عدة قرارات كبيرة محورية، وهي صدور مرسوم رئاسي بتعيين رئيس الموظفين كتابع لديوان الرئاسة، ومنع الحكومة المقبلة من تعيين أو فصل الموظفين، وتعيين أمين عام للمجلس التشريعي الجديد من فتح، وإنشاء محكمة دستورية يعينُ الرئيسُ الفلسطيني قضاتها، ونقل مسئولية الأجهزة الأمنية للرئيس مباشرة وليس لوزير الداخلية كما يُفترض، ونقل الإذاعة والتلفزيون إلى إدارة الرئيس كذلك، وبهذا قامت فتح بإفراغ سلطة حماس من نفوذها الأمني والإعلامي، رغم إنها حكومة منتخبة.
ولم تتقبل حماس هذا التحجيم ولم تقبل بدور العمل لتغيير أوضاع الشعب الفلسطيني الحادة، وابتعادها عن سلطات الرئيس التي غدت رسمية قانونية، فتوجهت للصراع مع مؤسسات الرئاسة ومن ثم الأنقلاب على السلطة العليا، وعدم القبول بقرارات الرئيس، ثم فصل قطاع غزة عن الضفة.
كان عدم توجه حماس للتركيز على أوضاع الشعب المعيشية التي كان ينبغي أن تكون بؤرة نشاطها الحكومي المفترض والتي أُنتخبت على أساسها، يعبر عن رؤية متضخمة لذاتها، ولكونها تتجاوز أطروحات فتح والقوى الوطنية الأخرى، فهي تحمل هوية (إلهية) قادرة على هزيمة إسرائيل عسكرياً، بعد أن عجز عن ذلك فارس الفرسان، وتمخضت تلك الهوية الميتافيزيقية عن إنصراف عن الأمور المحورية الاقتصادية للسكان، وجرهم إلى معارك غير متكافئة مع الجيش الإسرائيلي، وتخريب وضعهم المعيشي السيء. ومن هنا فهي تخاف من أية إنتخابات جديدة بعد أن تم كشفها على صعيد الممارسة السياسية الضعيفة على الأرض.
ومن الواضح بأن ذلك كله جرى وليس في حماس إهتمام جدي بعملية السلام المحورية في حياة الفلسطينيين والإسرائيليين، وقد جاءت على أجنحة رؤية تصادمية هي إستمرار للماضي العنفي، وحاولت أن تجعل من الضفة وغزة الخارجتين بصعوبة من الأحتلال منطقتي حرب وبداية لتحرير فلسطين.
وقد توافق هذا مع سياسة المحور الإيراني – السوري، ومع صقور المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والحركات الدينية اليهودية المعادية للسلام، وهي قوى تشترك من خلال مواقعها المختلفة في تأجيج التدخلات في الدول والنزاعات وتوتيرها خدمة لأهدافِ كلٍ منها الخاصة.
وبهذا أصبح لفلسطين جسمان جغرافيان منفصلان، عوضاً عن ضم الجسم الثالث السليب.
وبدلاً من رئيس واحد صار لها رئيسان.
وصارت لها دولتان وعلمان، العلم الفلسطيني الرسمي والعلم الأخضر. وصار لها نشيدان الخ..!
وإنشغلت الضفة بطلب المساعدات وتغيير أوضاع الناس الاقتصادية وأنشغلت غزة بإطلاق الصواريخ، ومقاومة الحصار، وضاع برنامج التحرير والسلام إن لم يكن قد ضاع وجود الشعب.
لا بد من القول كلمة هنا حول استثمار حماس للإسلام، وهو بخلاف الاستثمار الفتحاوي الانتهازي النفعي السابق الذكر، فهو إستثمار رجعي متضخم، فقد حاولَ قادة حماس أن يضعوا أنفسهم مقاربة لمنزلة النبوة في صراعها مع اليهود، فكأنهم في نفس النزال ونفس المكانة! وقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يواجه مجموعة ليست بضخامة اليهود الحاليين، ولا بعدتهم ولا بعلاقاتهم الجبارة مع قوى الهيمنة في العالم، وكان بقربه مئات الآلاف من العرب إستطاع أن يحركها ويوظفها، فكان صراعه معهم صراع اقتدار وانتصار ولغاية (تأسيسية) للأمة، وبعد ذلك جاء التعامل المغاير معهم ومع غيرهم بحسب إنسانية وديمقراطية الحركات والدول الإسلامية، أما صراع حماس الراهن مع إسرائيل فهو صراع إنتحار وكوارث على الشعب الفلطسيني!
فلا يجب توظيف آيات القرآن توظيفاً خاطئاً شرعاُ وسياسة، وإجراء عمليات المماثلة بين تاريخين مختلفين، في وضعين مغايرين، فتكون إساءة مزودجة لتاريخ الإسلام ولرموزه وللوعي والمسئولية في السياسة المعاصرة.
كانت الأوضاع الاقتصادية متردية في الضفة والقطاع منذ بداية القرن العشرين فيما تكشفه الأرقام، فيصف تقرير للأمم المتحدة الأوضاع بالصورة التالية:
(ذكرت بعثة منظمة العمل الدولية في تقريرها أن عمليات إغلاق الحدود الإسرائيلية ونقاط التفتيش بين الأراضي المحتلة وإسرائيل والبلدان المجاورة أثرت تأثيراً مأساوياً على اقتصاد المنطقة. فهبطت الأجور الحقيقية للعمال الفلسطينيين في إسرائيل بنسبة 46% تقريباً في 2001 مقارنة بالعام السابق، في حين تدنت إيرادات السلطة الفلسطينية بنسبة تزيد عن 70%.
وذكر التقرير أن تصعيد العنف والاحتلال العسكري للأراضي تسببا في أضرار مادية كبيرة بالبنية التحتية والأراضي الزراعية. وتقدر الأرقام الأولية تكلفة إعادة بناء المباني العامة والخاصة والبنية الأساسية في الضفة الغربية وحدها بنحو 432 مليون دولار أمريكي.
وأضاف التقرير أن النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي بالمناطق الفلسطينية هبط بنسبة 12% في عام 2001 كما هبط الدخل القومي الإجمالي الحقيقي – وهو مجموع الناتج المحلي الإجمالي وعامل الدخل المكتسب في الخارج (أجور العمال الفلسطينيين المكتسب في إسرائيل) بنسبة 18.7%.
ولاحظ التقرير أن أكثر من 90% من السكان الفلسطينيين يعتمدون على شكل من أشكال الدخل الناتج عن عمل في الأراضي المحتلة. وأضاف أن ” أي هبوط في الاستخدام في الدخـل الناتج عن العمل يترجم فوراً إلى هبوط في الاستهلاك والرفاهة”. وتشير التقديرات الأوليـة للمكتب إلى أن “البطالة يمكن أن تصل إلى قرابة 43% في الأراضي المحتلة خلال الربع الأول من عام 2002. وقد ازدادت النسبة المئوية للسكان الذين يعيشون في فقر (اقل من 2.1 دولار أمريكي يومياً) من 21% عام 1999 إلى 33% عام 2000 وإلى 46% عام 2001. وذكر التقرير أن الرقم يمكن أن يصل إلى 62% عام 2002. ووفقاً لما ورد في التقرير، فإن إسرائيل لم تنج من الانتفاضة. فقد عانى النشاط الاقتصادي في إسرائيل من انكماش حاد خلال عام 2001 بهبوط الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.5% خلال عام 2001بعد زيادة بلغت 6.4% عام 2000.
وقد تضرر الاقتصاد الإسرائيلي بشدة نتيجة ثلاث صدمات اقتصادية: تباطؤ الاقتصاد العالمي في النصف الثاني من العام 2000؛ وتدهور الوضع الأمني لنشوب انتفاضة 2000؛ وعواقب أحداث 11سبتمبر.
واستطرد التقرير قائلاً “وكانت الصناعات عالية التكنولوجيا هي الأشد تضرراً من جراء تدني النشاط في الاقتصاد الأمريكي، يليها هبوط بنسبة 50% في عدد السائحين في 2001 نتيجة أحداث 11سبتمبر، وتدهور الوضع الأمني الداخلي. وتعرض النشاط في قطاع البناء لفوضى حادة نتيجة الانسحاب المفاجئ لنحو 000 55 عامل فلسطيني، فضلاً عن هبوط الطلب المحلي والاستثمار العام. وامتدت هذه الصدمات التراكمية إلى الاقتصاد برمته.
وارتفعت البطالـة بشكل متواصل خلال عام 2001، من 8.1% في الربع الأول إلى 10.5% في الربع الأخير – أي ما يساوي 000 267 شخص. وأضاف التقرير أنه “تم استدعاء نحو 000 30 من قوات الاحتياط للخدمة العسكرية في الربع الأول من عام 2002، الأمر الذي قد يحدث أثاراً ضارة على أنشطة. واختتم تقرير المكتب قائلاً “يدفع السكان الفلسطينيون والإسرائيليون ثمناً باهظاً للاحتلال والعنف. ويشهد الوضع الاقتصادي والاجتماعي في الأراضي المحتلة تدهوراً يومياً مع ارتفاع مستويات الفقر والبطالة التي أصبحت عملياً أزمة إنسانية سائدة).
لقد غدت البنية الاقتصادية الفلسطينية معتمدة على البنية الاقتصادية الإسرائيلية، وليس ثمة إمكانية للتفكيك بينهما، وأي علاقات توتر تنعكس على المعيشة بين الشعبين، كما يجري ذلك أيضاً على المستويين المصري والأردني بدرجتين أقل.
ولهذا فإن غالبية الشعبين تتطلع إلى علاقات جديدة بينهما، وبهذا فإن الأوساط المتطرفة في كلا الجانبين خفتت لكنها لا تزال قوية كذلك، فالقوى اليمينية المتطرفة الإسرائيلية ترفض أي إنسحابات وتقوم بتوسيع المستعمرات، وتعزز الجدار الفاصل، وتريد حدوداً تختلف عن حدود 1967، في حين تقوي حماس والجماعات الدينية المتطرفة في غزة التوتر وترفض الحلول السلمية لهذه الأزمة الرهيبة الطويلة التي إستنزفت الشعب الفلسطيني بدرجة خاصة لأسباب غدت واضحة.
ومن المؤكد بإن الحل النهائي للأزمة لن ينهي العلاقات بين الجانبين بسبب اعتماد العمالة الفلسطينية الكبير على الاقتصاد الإسرئيلي، وبسبب تدني أجور هذه العمالة وتفاقم الهجرة اليهودية من إسرائيل المضطربة نحو الغرب.
وفي دراسة أمريكية إستطلاعية عبرت شريحة من المواطنين العرب والإسرائيليين في داخل إسرائيل عن تأييدها للتعايش المشترك بين الجانبين:
(أظهرت نتائج استطلاع الرأي أن أغلبية مهمة من المواطنين اليهود والعرب يؤيدون التعايش، إذ عبرت الغالبية العظمى من المواطنين اليهود (73 %) والمواطنين العرب (94 %) عن رغبتهم في أن تكون إسرائيل مجتمعاً يقوم على الاحترام المتبادل بين المواطنين العرب واليهود وعلى تكافؤ فرص.)، (عن شبكة العلمانيين العرب).
إن نمو الفلسطينيين داخل إسرائيل يتزايد وهم يشكلون 20% من السكان، ويزاد حضور اللغة العربية وتدريسها في الجامعات الإسرائيلية.
ومن المؤكد إن نمو علاقات سلمية سوف يزيد الحضور السياسي للجمهور المدني وخاصة القوى العاملة المتضرر الأكبر من الصراع، وبالتالي فإن هذا سوف يزيد من حضور الأحزاب الديمقراطية والتقدمية في الجانبين.

 

الإقطاع الفلسطيني تابع التابعين

كانت سرقةُ فلسطين من قبل رأسِ المال اليهودي قد تركزتْ بشكلٍ خاص على الفلاحين الفلسطينيين، فالأرضُ كانت هي قلبُ الصراع، فأُنتزعتْ بأغلبيتها عبر حربي 48 و67.
(في الدولة العربية، كان الملاكون العرب يمتلكون 77.69% من إجمالي مساحتها، بينما لم يكن يملك الملاكون اليهود إلا 0.84%).
ثم تغيرت النسبة كلياً، وسُرقت كذلك المساكن وحيوانات الزراعة والمعدات والمواد الإنتاجية المختلفة، ولكن بقيت أراض زراعية فلسطينية عديدة منتشرة في الضقفة وقطاع غزة وفلسطين 48، وصمدت جماعات عديدة من الفلاحين. ولكن حتى الضفة الغربية المحتلة سُرقت منها أراض تبلغ 52% من مساحتها العامة.
فالفلسطينيون غير قادرين على تشكيل إقطاع بالمعنى الحرفي الزراعي مثل بقية البلدان العربية، وفقدان البلد والأرض يمنع تشكل دولة، والدولة هي الشكلُ الأساسي للإقطاعِ السياسي في التاريخ العربي الإسلامي.
كان الفلاحون والمنتجون الصغار والبسطاء هم القاعدة الأساسية للاجئين، فحملوا وعيهم الديني إلى الأقطار التي سكنوا فيها، فتداخلوا بسكان الأقطار العربية المتعددة، الذين شاركوهم همومهم، وغدت القضية الفلسطينة قضية عربية، وراحت الشعوب العربية تساهم وتتبرع، والحكومات تستغلُ الهمَ الفلسطيني لأغراضٍ شتى.
هذا التداخلُ العربي الفلسطيني سيكونُ له تطورهُ حسب الصراعات والتطورات داخل كلٍ من هذه الأقطار، وداخل الكتل الفلسطينية المختلفة كذلك، فسوف ينجرفُ العربُ لتأييد القضية الفلسطينية ثم يتراجعون عن ذلك، بسبب أن تنامي الدكتاتوريات النازفة للموارد في الدول العربية وفي الجموع الفلسطينية يخربُ النضالَ المشترك على كلا الجانبين.
إن زمنَ المساعدات الكويتية التي تتشكلُ في فضاءٍ حر نسبي هي غير المساعدات في العراق وسوريا حيث تتشكل عبر نظامين دكتاتوريين، فميلادُ فتحٍ في الكويت، غير إلحاقها بزمني العراق وسوريا. فيتشكلُ هناك في البرلمانية الكويتية شيءٌ من الفضاء العلماني الديمقراطي، في حين يتدهور هذا الفضاء مع بعثي العراق وسوريا. هنا تغوصُ فتح في الإقطاع السياسي ونفعيته وإنتهازيته. وهذا غير زمن الفوضوية السياسية في لبنان، هناك زمنيةٌ إجتماعيةٌ لتحولِ فتحٍ من الوطنيةِ التضحوية للإقطاع السياسي.
لقد تشكلتْ الخليةُ الأولى الأساسيةُ للدولةِ الفلسطينية عبرَ منظمة التحرير، وكان المناخ العام مناخ تضحية وفداء من قبل الجمهور الفقير الواسع في المخيمات، وسيطرت منظمة فتح على هذه الخلية الأولى، وعبر تكتيكاتها العسكرية المختلفة المتفاوتة بين المغامرات الرهيبة والتضحيات الكبيرة، تغلغلتْ في حياة الشعب وأنضم إليها الكثيرون، وغدت هي مشروع الدولة.
الأجواء التضحوية الثورية، والعمليات الفدائية، والبطولات، وثقافة النضال العارمة التي أشاعتها، كل هذه جعلت الجمهور يتصور أنها خارج قوانين الصراع الاجتماعي، ولا علاقة لها بسببيات الدول العربية السياسية، وأنها قادرة على أن تقفز على سيادات الأنظمة الإقطاعية والرأسماليات الحكومية العربية الفاسدة بتجرية ثورية (نقية)، لكن هذا الوعي الرومانتيكي بدأ ينهارُ مع تراكمِ الموادِ الواقعية السوداء، فالجماهير الشعبية المضحية بقيت مثل الجماهير العربية الأخرى مادة نزيف إقتصادي، والأسوأ للمغامرات العسكرية المجنونة، وتحولت أراض (محررة) في البلدان العربية إلى أراضٍ محروقة ومناطق للحروب الأهلية.
الهيمنة الفردية المطلقة من قبل ياسر عرفات ومجموعته على فتح تحولتْ إلى هيمنةٍ مطلقةٍ على منظمة التحرير، اليسارُ واليمينُ في المنظمة، لم يخرجا عن الخيوطِ الماليةِ التي تحركُ العرائسَ السياسية، وضجيجهما الهائلُ لم يشكلْ تيارات تنويرية وديمقراطية وليبرالية فلسطينية مؤثرة متصاعدة التأثير، ومثلَ قاعدة الأنظمة العربية الإقطاعية والرأسمالية الحكومية العربية: من يملك الخزانةَ يصيغ التاريخَ السياسيَّ ويُشكلُ الدُمى على المسرح الفقير من العقل.
بل لقد ساعد اليسارُ الطفولي الفلسطيني في تقوية اليمين الإقطاعي، المستولي على الخزانة، بمغامراتهِ وصخبهِ وعنفه، حتى بدا العقل عند فتح، التي جمعتْ بين الدهاءِ والفساد.
لكن المال الذي يأتي للخزانة الفلسطينية لم يكن فقط من الضرائب على الشعب الفلسطيني الفقير المنهك، وحتى هذه لم تأت إلا بقرارات عربية سيادية، بل كذلك من فوائض النفط العربية، التي تدفعها حكوماتٌ عربيةٌ عديدة، كل منها لها سياسة، وتوجهتْ لفردٍ أو لمجموعةٍ لم تكن تمتلك وسائل المحاسبة السياسية والمالية الدقيقة، ولم تكن ثمة حكومة، ولم يكن ثمة برلمان منتخب، وبهذا فإن السيولةَ الماليةَ سالتْ في بعض الجيوب.
لقد نشأتْ بذرةُ الدولةِ الفلسطينيةِ من هيمنةٍ فردية، وفي أجواء بخور الفلاحين الديني المُنتزَّعين من الأرض، والذين شلت إراداتهم النضالية المطلبية وتناثروا في الملاجئ، وحملوا سذاجاتهم وغضبهم معهم وعبدوا الجملةَ الثورية باعتبارها المنقذ مثل الإله، وبحثوا عن البطلِ الفرد الطائر وراءَ الإسراء والفتوح القدسية، فجاءهم البطلُ وهو يركبُ حصانَ الفسادِ البترولي العربي ودكتاتورياتِ المشرقِ والمغرب العربيين، الباحثين عن زكاةٍ حلالٍ من خلالِ الدمِ الفلسطيني لكلِ السرقاتِ التي يقومون بها، ولكلِ الإنقلابات التي يدوسون بها على الشعوب.
حين كان الفلسطينيون يقومون بعملِهم السياسي الفوضوي ويفتقدون الديمقراطية والوعي العلماني التحديثي كانوا يخسرون على الجانبين العربي والإسرائيلي، فالعربُ ينسحبون من تأييدهم نظراً لتأييدِهم دكتاتوريات الأنظمة التي تبطشُ بهم ليل نهار وكانوا يعتقدون أنهم سيكونون شركاء معهم في نضالهم المشترك!
ونظراً لعجزِهم عن الاعتمادِ على شعبهم الفلسطيني بشكلٍ مستقل فهو الوحيد الذي كان يمكن أن ينقذَهم من الارتماءِ في أحضانِ الأنظمة الفاسدة ولكن هذا كان يتطلبُ ثوريةً صبورة حكيمة وليست إستعراضية بلهوانية، وهذا كله أدى إلى نمو جراثيم البرجوازية الطفيلية داخل القيادات الطليعية المفترضة، وكانت فوضوية وإنتهازية الجماعات المنظمة والمراهقة السياسية هنا خسارة على الجانبين، فهي التي أدتْ من جهةٍ أخرى لتماسك إسرائيل وتبعية العمال اليهود للبرجوازية الاستغلالية السارقة للأراضي والثروات الفلسطينية، وخسارة الأشقاء العرب العمال في المعركة المصيرية العظيمة المشتركة!
ياسر عرفات مثّل نموذج هذا العمل الغريب بالقضيةِ والدينِ والعلمانيةِ فلا أحد يستطيع القبضَ على موقعهِ الفكري، ولم يصمد في مشروعه الأولي عن دولة فلسطينية علمانية ديمقراطية تجمع العرب واليهود حيث لم يؤسسْ أيةَ خطوات صغيرة لها على الأرض ولم يكن قادراً لا فكرياً ولا سياسياً على الثبات في هذا المشروع وتطويره، ومثلَّ مأساةً مروعةً للنضالِ في العالم الثالث، ولم يُعرفْ دوره تماماً فهل هو القائد البطل أو المستثمر في الدم والنقود، هل هو الذي ينجو من المذابح الفلسطينية أم هو الذي يغتني من خلالها؟
والأهم هو هذا التلاعب بنقود الناس الفلسطينيين والعرب معاً، وهل كانت حربُ العصاباتِ تحتاجُ لتأسيسِ أهراماتِ النقود ولأن تكون بميزانيات شركات عابرة للقارات؟
(نشرت صحيفة الرأي العام الكويتية في تاريخ 24 كانون الأول/ ديسمبر 2004 تقريراً حول شبكة استثمارات عرفات العالمية، وذُكر في التقرير أن قيمة إستثمارات عرفات في جميع أنحاء العالم نحو 799 مليون دولار موزعة على شركات اتصالات وبرمجة وغيرها من الشركات العالمية والإقليمية والمحلية من أمثال سترايك هولدينغنز، وشركة الاتصالات المحلية في الجزائر، وشركة سمبلكستي للبرمجة)، (تقرير حول الفساد في منظمة التحرير، إعداد وائل سعيد).
إن الخطوات السياسية منذ بدء نضال الفلسطينيين والتي لم تستند على رؤية طبقية وطنية ديمقراطية وأممية، والتي كان محورها المفترض جذب العمال الإسرائيليين لنضال ديمقراطي مشترك ضد الصهيونية والحرب والإستغلال، قد جعلتهم معلقين في فضاء الشرق الأوسط السياسي، الإقطاعي العربي الديني، فغدت المشروعات السياسية تنزلقُ على سطحٍ إجتماعي أملس، فمن حرب العصابات وضرائبها الجسيمة حتى الدويلة التي لن تكون سوى – عبر هذا الوعي السائد- سوى قطائع مفتتة تابعة للبرجوازية الإسرائيلية المسيطرة.
الرؤية الوطنية القومية الدينية اليمينية التي بدأت في وقت مبكر كانت لديها شعب واعد لنضالٍ عميق تقدمي، لكنها لم تكرسْ هذه العناصرَ الديمقراطيةَ والعلمانية الجنينية، وصعّدت الفئات الإنتهازية، التي سدتْ مسامَ الثورة المستمرة في عروقِ العاملين العرب واليهود، وركبتْ على الجسور الخربة للدكتاتوريات العربية، حتى وجدتْ نفسَها شبهَ محطمةٍ في حرب لبنان، فقبلتْ بأي حلٍ ينقذها من عالم الحطام السياسي الذي صنعته.
فتح وحماس وليدتان لوعي مذهبي إقطاعي يميني واحد، كلتاهما نتاجُ حركةِ الأخوان المسلمين في مصر التي هي وليدةُ حركةِ الأخوان في السعودية، أي هي الحركةُ المعاديةُ للحداثةِ والديمقراطيةِ والعلمانية طريق الأمة العربية للنهضة والتحرر والوحدة.
في إنبثاقهما المقارب من مصر وغزة، وولادتهما من أصلٍ مريضٍ واحدٍ، تباينَ تطورُهما التالي، فرحلتْ (فتحٌ) للكويت، وتشربت ظرفاً جديداً، فيما غاصتْ (حماسٌ) في غزة بسبب الظروف التاريخية لتفككِ الشعبِ ولتفككِ الأجزاءِ الأخيرةِ المحتلة.
توجهتْ فتح للتجارة السياسية بالوطن، فيما توجهت حماس للتجارة بالإسلام، وكما أن فتح لها جذور دينية، فحماس لها جذور وطنية، لكن المادة الخام الفكرية هي نفسها، لا يُحفر فيها ولا تتشكلُ أبنيةٌ فكرية عميقة فيها، فتفصلُ الوطنَ والإسلامَ عن الإمتلاكِ الكلي لهما من قبلِ تنظيمات سياسية، فيحدثُ الإمتلاكُ الكلي بالضرورة عبر الدكتاتورية، وهي لا تأتي إلا بالحصولِ على الأموالِ بطرقٍ فاسدة، فتتكون النخبُ الانتهازيةُ المأجورة للقيادات.
كان حراكُ فتح أوسعُ حينذاك وقد دغدغتها الفترةُ القوميةُ الحماسية وخفوت الإقطاع الديني المحافظ، وكانت حركاتُ الأخوان ضد ذلك المد القومي التحرري ومتشبثة بالإقطاع الواعد بالنفط وبالقوى الأجنبية الاستعمارية، لكن كلا الفصيلين كانا تابعين لنفسِ الجذور، والفئاتُ الوسطى الصغيرةُ تتحركُ بتوسعٍ حسبَ مناخ النقود الأكثر، فكان حراكُ فتح الذي رصدناه وكوّنَ فئةً مهيمنةً على المال العام الفلسطيني، قد كسب الأغلبية الشعبية الفلسطينية.
وكما رأينا كيف مثَّلَ القبولَ بالدويلة الصغيرة الواعدة في الضفة وغزة، هزيمةً عميقة لخيارِ العلمانية والديمقراطية والحرية، فكانتْ عمليةُ قفزةٍ في الهواءِ مثلما فعلتْ القيادةُ اليمينيةُ الجنوبيةُ بقبول الوحدة مع الشمال، أي هو الهروبُ إلى الإمامِ بسببِ عدمِ تنفيذِ مهامِ النضالِ الديمقراطي العلماني، فكان نتاجاً لسياسةٍ فشلتْ في إستثمارِ القوى العمالية والشعبية والرأسمالية النهضوية المعادية للصهيونية في كلٍ من فلسطين وإسرائيل، وتشكيل السير الحثيث الصبور للقوى الديمقراطية المتجذرة في الأرض الفلسطينية الكلية، والناقدة للتخلف الديني الاجتماعي.
لكن هذه الثروة الشعبية لم يُحافظ عليها ولم تُطورْ بل طُورتْ الثروةُ الماديةُ لدى النخبة الحاكمة، وبهذا إنضمت لقوى الإقطاعِ العربي وللرأسمالياتِ الحكوميةِ الفاسدة التي تقوم فوقها فما أحدٌ يبلع مالاً من هذه القوى حتى يغلق فمه النقدي، وما أعتبرتهُ إنتصاراً تحولَ لهزيمةٍ صاعقة وصفعة سياسية مدوية لتلك الشعبية ولقوى منظمة التحرير، التي كشفت نفسها كذيل سياسي لفساد فتح.
ظهر الشعبُ المُنتخبُ إنه مؤثر لرمزية الإسلام المضادة للإستغلال والفساد حسب مستوى وعيه دون إدراك تنويري علماني لم تواصل فتح في تشكيله، ففشلت قياداته على مستويي الدفاع عن الثروة المادية والدفاع عن الثروة الروحية.
مرة بعدم النضال من أجل تنويره وتطوير فهمه للوطن والإسلام، وهذا لا يحدث بدون نضال ديمقراطي إجتماعي، وبنقد للعادات الاجتماعية المتخلفة في الزواج والإرث والتراث والعادات والتفكير، أي يتطلب منظمات مناضلة واعية بين الشعب، وليس صاحبة خطابات على المسارح العربية الضاجة بالميكروفونات الصاخبة.
النضال ضد حماس هو نضال من أجل الديمقراطية الاجتماعية، بتغيير حال الشعب المتخلف، بإعادةِ النظرِ في هيمنةِ القوى الإقطاعيةِ على الإسلام منذ بني أمية، وليس أن تضعَ صناديقَ الانتخابات بين هذه الأيدي غير المدركة لتعقيد النضال الوطني الفلسطيني.
كذلك بتغييبها إستثمار التقدم النضالي للقوى الشعبية في إسرائيل ضد الطغيان فيها، وبدون ذلك تُمزقُ صفوفُ العربِ والمسلمين، والمسيحيين واليهود، أي كل القوى الشعبية المتضررة من سياسات الغزو والإحتلال والإستغلال، لتهيمن الصهيونية عليها بأشكالٍ شتى عبر الانتهازية الفلسطينية اليمينية الفاسدة أو عبر المذهبية الاستغلالية اليمينية الأخرى المنتفخة بمغامراتها وتجارتها بالدين.
إن إنهيار المشروع العلماني الديمقراطي لفتح هو ثمار التنازلات المختلفة، وضعف تلك العناصر الديمقراطية الرقابية على القيادة وغياب حضور القواعد الشعبية، وجرى خلال ذلك تأييد الرأسماليات الحكومية العربية الشمولية التي وصلت إلى درجة الأزمة الخانقة كالعراق، وحركاته المخربة للتطور الديمقراطي العربي، ويتسبب ذلك في تجفيف ينابيع المال والتأييد لفتح، مثلما جرى الأمر عبر الالتصاق بالأنظمة الروسية والسورية والمصرية، أي لقد حدثتْ سلسلةٌ من الانهيارات في التحالفات العالمية والعربية، تشيرُ إلى عدم فهم القيادات الفتحاوية لفشلِ نماذجِ ومشروعات الرأسماليات الشرقية الشمولية ووصولها للأزمةِ العميقة والانهياراتِ المتتالية، وبضرورةِ إنتزاع نفسها وهي مشروعُ تحررٍ ديمقراطي مفتوح وليست نظاماً من تلك الأنظمة المسدودة الأفق.
لقد إستبقتْ الحركاتُ المعارضةُ العربية نماذجَ الرأسماليات الحكومية المستبدة عربياً وعالمياً، داخل كياناتها التنظيمية، وقلدتها وتماهتْ مع فسادِها وضيقِ فكرها، فصارتْ غيرُ قادرةٍ على إنتاجِ نماذج التطور الديمقراطي العلماني، فجاءت هزائمها السياسية.
جسدت حماس إختراق وتضعضع المشروع الوطني الفلسطيني التحرري العلماني، وهي سمةٌ (عربية إسلامية) عامة، نظراً للأصول المحافظة الإقطاعية للحركاتِ الدينية التي كونت التقليدية واللاعقلانية النصوصية بعد سقوط الخلافة الراشدة، وهي تعتمدُ على تمزيقِِ صفوفِ العربِ والمسلمين، وضرب الحداثة وهي القشرةُ الرقيقة التي تكونتْ في سنواتِ التحرر الوطني، وكلما زاد فساد وإنتهازية القوى الوطنية وتخليها عن المشروع العلماني الديمقراطي التقدمي، كلما قامتْ تلك القوى الدينية بإستثمار مناطق التخلف لدى الجمهور وغياب العدالة لتأصيل مشروعها الإنقسامي المتراجع عن قيمِ النهضةِ والتوحيد.
من هنا فتمزيق حماس لوحدةِ الشعب الفلسطيني وجره للوراء، والاشتراك في تحالفاتٍ إقليميةٍ مُفتتةٍ لصفوفِ للمسلمين ومهيجةٍ للطائفيات السياسية وللدفاعِ عن الرأسماليات الحكومية الفاسدة الرافضة للديمقراطية والإصلاح، هو إستثمارٌ لتناقضات النضال الفلسطيني التي نخرتْ فيه طوالَ العقود السابقة ولعدم تشكيله للبرنامج النهضوي التحرري العميق.
(حماس) هي تعبيرٌ عن رمزيةِ الأخطاءِ الفتحاويةِ والفصائليةِ وللتخلي عن العلمانيةِ والوطنيةِ والديمقراطيةِ والأمميةِ وعدم تطويرها في حلقاتِ العملِ السياسي السابقة.
ولهذا كلما تم إصلاح هذه الأخطاء وتواجدتْ جبهةٌ نضاليةٌ ديمقراطية تقدمية كلما أخفقت الأصواتُ الطائفيةُ المحافظةُ المستغلةُ للإسلامِ وتوظيفه لهدمِ نضال العرب والمسلمين المعاصر من أجل التقدم والتحرر.
فثمة ضرورةٌ كبرى لإعادةِ النظرِ في المشروع التحرري الفلسطيني منذ بدايته، ونقده، وضرب الفساد الذي عشش داخل أجهزته المسيطرة، وإحداث قراءات ديمقراطية علمانية للتراث والأوضاع الاجتماعية المحافظة للجمهور وتغيير حياته المادية الصعبة، وبضرورة العلاقات الوطيدة مع النضال الديمقراطي العلماني داخل العالم العربي وإسرائيل، وهي كلها عمليةٌ صعبةٌ تاريخية لكن لا يوجد بديل عنها.
رأينا كيف تجاوزت حماس أخطاء فتح وفتحت باب الإنهيار الوطني الفلسطيني العام، وعلى كلِ المستويات تم إختراق البيت الفلسطيني، فمزيد من الهيمنة الإسرائيلية والغربية ومزيد من تبعية القضية لأنماط جديدة من الإقطاع الأشد تخلفاً في المشرق العربي، ووصل التمزيق لصفوف المسلمين غير العرب، وسحب أيديهم من التضامن مع الشعب الفلسطيني وقضيته.
كما قامت حماس بتقوية القوى الصهيونية داخل إسرائيل وخارجها.

صراع الطوائف والطبقات في «إسرائيل»

يعبر قيامُ إسرائيل عن مجموعة كبيرة من التناقضات السياسية والثقافية، فقد أُقيم المشروعُ من قبل الحركة الصهيونية، التي ظهرتْ في الغرب، ومثلتْ مستوىً دينياً واجتماعياً مغايراً لبقية اليهود في العالم، وخاصة اليهود الشرقيين، فسيطر ما يُسمى بــ(الإشكناز) على مقاليد السلطة وغدوا طبقة مميزة تناهض أي قوة إجتماعية تحاول الصعود.
منذ البداية كان مشروع إسرائيل متضاداً فقد أقامه اليهود العلمانيون المفترضون، فهو مشروع ديني بقيادة رأسمالية غربية يهودية، علمانية، فظهرت دولة حديثة ديينة معاً، فهي لا تنتمي للعلمانية ولا للدين، وهي خليط غريب بينهما.
إن النسيج الديني نفسه لا يقوم على دولة متوارثة ذات تقاليد متنامية، فلم تكن ثمة دولة، ولا تراكم تجربة سياسية حكومية، بل قامت على أحلام وذكريات أمتدت لقرون مديدة، فكيف يتحقق نسيج ديني موحد بناء على تاريخ الشتات الطويل؟!
لو أن اليهود الشرقيين قادوا بناء الدولة لجاءت الدولة دولة شرقية متخلفة، لكن اليهود الغربيين قاموا بهذه العملية ونقلوا المشروعات الغربية إلى إسرائيل، وهذا كفل لهم كذلك ليس القيادة الروحية فحسب بل القيادتين الاقتصادية والسياسية.
ومع هذا فإن اليهود الغربيين العلمانيين والتحديثيين قليلو الارتباط بالتقاليد الدينية اليهودية الصارمة، مما خلق تضاداً عميقاً بينهم وبين اليهود الشرقيين المُبعدين عن السلطة والامتيازات الاقتصادية، فقام هؤلاء بإستثارة التقاليد الدينية وتجذيرها في الدولة العلمانية المفترضة.
إن هذا الصراع الاجتماعي بين يهود الغرب ويهود الشرق ينعكسُ دينياً، بين شكلين من تبني اليهودية، أي بين يهودية تحديثية وبين يهودية تقليدية.
تناقضات العلمانية واليهودية عميقة، فقد تأسس النظام على أساس سلطة الحاخامات في تحديد من هو اليهودي، وأشترطوا شروطاً صعبة ومن أهمها أن يكون اليهودي من أسرة يهودية، وعن طريق أم يهودية، وهو أمرٌ من الصعوبة تحقيقه، خاصة لليهود الشرقيين الذين كان الكثير منهم مسيحيين.
تحديد السكان وأصولهم، وجعل هذه الأصول هي المسيطرة سياسياً، يجعل الدولة دينية غير علمانية، في حين أن ماكينة عمل الدولة تعتمد على الانتخابات الحرة والأحزاب المتصارعة، وهي آلية غربية ديمقراطية.
إن هذه الشروط وطرق العمل السياسي الأساسية تجعل أحزاب الأشكيناز هي المسيطرة، لكنها تؤدي كذلك إلى ردود فعل الأحزاب الدينية الشرقية وتصاعد دورها، فظهر بين اليهود الشرقيين حزب (شاس) المؤثر والذي يمنع الأحزاب العلمانية من التفرد بالسلطة.
فلا يُعرف حقيقة هل إسرائيل دولة علمانية أم دينية، أهي شرقية أم غربية؟
لكن الثروة توحد القوى الرأسمالية فيها سواء كانت تنتحب كثيراً عند جدار المبكى أم كانت لا تراه إلا في الصور.
ومع تجذرها الرأسمالي الكبير، وقد كان اليهود منذ زمن الكنعانيين رأسماليين في الشرق ثم في الغرب، فإن الصراع لا يدور عن توزيع الثروة فقط، بل أيضاً حول أنصبة الطوائف في حصص الحكم، والأمران يتداخلان ويغينان بعضهما البعض، الثروة تقود للحكم والحكم يقوي الثروة.
هل تؤدي التقاليد الدينية القوية في الدولة إلى الرجوع للبنى الإقطاعية الشرقية؟
هذا غير ممكن، سواء بجذور اليهود التاريخية التجارية، أو بسبب تعاظم الدور الرأسمالي في دولة أقيمت على أساس صناعي غربي متطور، ولكن مع هذا فإن التقاليد الدينية وتدني مستويات اليهود القادمين من الشرق، تجعل الميراث المحافظ موجوداً بقوة، ويؤججه الصراعُ مع العرب خاصة.
إذن فإن التناقض الأساسي في الدولة الإسرائيلية هو تناقض ديني بين اليهود الغربيين (الإشكيناز) واليهود الشرقيين (الإسفارديم).
ولماذا لا يحدث التناقض الطبقي هنا ويغدو هو محرك الحياة السياسية؟
هذا يعود إن قيادتي الطائفتين قيادات في نفس الطبقة الرأسمالية الحاكمة، لكن عبر مستويات اقتصادية واجتماعية متباينة، وبتقاليدٍ مختلفة، تمثل المكونين الأساسيين للسكان، القادمين من الغرب، وللسكان القادمين من الشرق، وهما ذا مستويين مختلفين رأسماليين، أي أن تطور الرأسمالية اليهودية في الغرب متطور عن مستوى الرأسمالية في الشرق.
ومع هذا فإن المستويين المختلفين اجتماعياً بدرجات معينة يشكلان اختلافات سياسية قوية، فتدخل في الصراع عواملٌ أخرى كاستثمار العمال في الانتخابات والاستفادة من التقاليد الدينية من أجل الوصول للكراسي على طريقة الجماعات الطائفية في العالم الإسلامي تماماً.
ومن هنا فإن العلمانية تتدمر مرة أخرى فتغدو الدولة دينية ليس على مستوى القمة الحاخامية فقط بل على مستوى القواعد السياسية، في حين أن الدولة صناعية.
وهذا أمرٌ يعود لطبيعة تشكيل الدولة القصير نسبياً، وزراعتها داخل غابة تراثية أسطورية، وعودتها للشرق جسماً وبقسمٍ كبيرٍ من السكان، فالقمة الصناعية رأسمالية متطورة والقاعدة شرقية تقليدية.
بل أن الأمر لا يقتصر على هذا، فوجودُ دولةٍ متغربة عن منطقتها وغازية على جسم سياسي لا يعود إليها، ويقوم هذا الغازي نفسه بغزو آخر يحتل فيه أراضٍ عربية جديدة، إن ذلك كله يعيده إلى تاريخ الاستعمار الغربي وطريقة الاحتلالات القديمة وهو ما يظهر في حركة الإستيطان:
(فيما تلعب حركة غوش أمونيم المتطرفة والتي تعتبر أحد امتدادات الحاخام المتطرف مئير كهانا دورا عنصريا مميزا، وهي التي جندت الدين في خدمة الاستيطان، ولهذا فهي في صراع مع جميع الحكومات من أجل الحصول على امتيازاتها الخاصة في دعم المستوطنات والوجود الاستيطاني في الضفة والقطاع والقدس الشرقية.)، (من كتاب الهامشيون في إسرائيل، د. أسعد غانم).
وتمثل حركة الاستيطان إستغلال الدين لغايات اقتصادية وسياسية واضحة، فالحركات الشرقية الدينية تقوم بإلهاب المشاعر الدينية من أجل أغراضها.
إن صراع العلمانية والحركة الدينية قديم في النشاط السياسي لليهود، ففي العصر الحديث وخاصة في أوربا الغربية ومع هزيمة الأنظمة الإقطاعية الدينية المسيحية أخذت الطائفة اليهودية تطرح بقوة على نفسها مسألة الهوية الدينية في عصر علماني غربي هائل؛ إلى أين تتجه؟ وهو سؤال مصيري تم طرحه في عقر الحداثة، وكانت نتائجه خطيرة جداً على وضع اليهود وعلى أمم أخرى لم يكن لها علاقة بذلك.
ظهر أتجاه علماني قوي في الجماعات اليهودية يطرح حلاً فردياً على كل يهودي؛ (كن يهودياً في بيتك وحداثياً علمانياً في العالم الخارجي).
وهو اتجاهٌ تنويري بين اليهود المثقفين، لكن لا يتطابق مع أوضاع اليهود عامة، فهناك ملايين من اليهود خارج هذه الأسئلة وتعيش عالماً تقليدياً سواء في الشرق أم الغرب.
وهكذا فإن حركة علمانية تولدت عبر الثقافة الديمقراطية الغربية السائدة، راحت تدعو إلى العيش التحديثي في الغرب نفسه، وعدم الذوبان كذلك في علمانيته.
لكن قوى أخرى تمثل اتجاهات متطرفة رأت ضرورة إستمرار الحي اليهودي المنفصل (الجيتو) عن المدينة الغربية الرأسمالية المتطورة التي راحت تزيلُ الأحياءَ الدينية والمذهبية الخاصة، في كلٍ اجتماعي لا يعرف الهوية الدينية بل يعرف الهوية المواطنية، لكن الرأسماليات الغربية الحكومية كذلك لم تـُزلْ جذورَ حكوماتها المسيحية بطبيعة الحال، وبهذا فإن مشروعات الغزو الاستعماري الغربية قوت الدينية التبشيرية والساحقة لشعوب العالم الثالث (الوثنية)!
وبهذا فإن الاتجاهات اليهودية المتطرفة وجدت في نمو الاستعمار قوة جديدة لتصاعد دورها، خاصة أن بعض اليهود يكونون شركات كبيرة، بحاجة للتوسع والمواد الخام والمستعمرات!
هكذا التحمت حركة (التنوير) اليهودية بالحركة الصهيونية وشكلتا الجسم السياسي للأشكناز الذين يديرون الدولة العبرية، فلم يعد اليهودي يهودياً فقط في بيته بل في شارعه ومستعمراته وأراضيه!
إن قيادة هذه (الطائفة) بالمعنى السياسي للدولة كما أوضح سابقاً، نقلت اليهود إلى مغامرة سياسية عالمية محفوفة بالكثير من المخاطر على الشعوب وعلى اليهود أنفسهم، ولم تستطع أن تكون إسرائيل (جيتو) مناطقي، منفصل عن محيطها، ولم يستطع أن يكون اليهود الغربيون هم كل سكانها، فحدثت تلك التناقضات السكانية والسياسية المتعددة.
فغدت حركة التنوير اليهودية ظلاماً يرفض أن يتغلغل لتعرية الدين وجذوره، ويكتشف في اليهود بشراً مثل غيرهم، فأحاطت بهم الأسلاك الشائكة الثقافية، وتفجرت حروب الاقتحام والاستعمار والإستغلال فعجزوا عن التنور والتماهي مع بقية البشر، وخاصة الناس الذي اقتحموا أرضهم وطردوهم وأستغلوهم.
وحتى تجاه اليهود الشرقيين الذين تعكزوا عليهم من أجل تضخيم العدد السكاني، جعلوهم في المرتبة السكانية الثانية، فالثالثة يحتلها العرب.
ففيما يقيم رأسماليو الإشكناز في إسرائيل في المدن المتطورة ويحصلون على ظروف عيش باذخة، يعيش الكثير من اليهود الشرقيين في ظروف الفقر والتمييز.
(ويتعرض اليهود الشرقيون إلى محنة واضحة على الصعيد الاجتماعي أيضا، فهم معزولون في أحياء قذرة وفقيرة في إسرائيل، إذ يسكن الكثير منهم في مساكن العرب القديمة التي تم هجرها بسب النكبة، في الوقت الذي يسكن فيه اليهود الأشكناز في أحياء جديدة راقية بعيدة عن أماكن القاذورات والمناطق الصناعية وفضلاتها، إضافة إلى فوارق في التعليم أيضا.)، (المصدر؛ الهامشيون في دولة إسرائيل).
وعبر هذا الفقر والمحدودية الثقافية تستثمر قوى التطرف السياسي الإسرائيلي مثل هذه الأوضاع لخق حركات يمينية متطرفة، كما ظهر حزب(ليكود) الذي هيمن على السياسة الإسرائيلية خلال سنوات عديدة، وهو أمرٌ يشاركهم فيه جيرانهم العرب كذلك.
هناك صعوباتٌ شديدة في تشكل مواقف مشتركة للطبقات العاملة في كل من إسرائيل وفلسطين المتداخلتين، فالطبقة الحاكمة في إسرائيل تستغلُ كلاً من البلدين وجمهورهما العامل بضراوة.
وفي إسرائيل فإن الطبقة الحاكمة المكونة من سياسيين من قوى علمانية ودينية ثرية تركز على سياسة السيطرة على الضفة وغزة وعدم إستقلال فلسطين إلا بشروط مجحفة، فيما تستغل القوى العاملة في إسرائيل المكونة من يهود وعرب.
في حوار أجراه اليساريون العرب المغاربة مع عضو حزب شيوعي إسرائيلي من النمط التروتسكي، يقول:
(لقد تغير المجتمع الإسرائيلي كثيراً جداً خلال السنوات الأخيرة. لقد مرَّ وقتٌ كانت فيه إسرائيل قادرة على ضمان التشغيل الكامل وتحسين شروط عيش الشعب الساكن فيها. أما الآن فالبطالة تجاوزت نسبة 10%. الحكومة تعمل دائما على الاقتطاع من النفقات الاجتماعية. هاجمت أنظمة التقاعد، التعليم، الصحة وغيرها. وقد صرنا الآن نرى المتسولين في شوارع إسرائيل! والهوة بين الغني والفقير تتصاعد.
إن إسرائيل مجتمع طبقي، مثلها مثل أي بلد آخر. توجد فيه طبقة عاملة، مكونة من اليهود ومن العرب. وتوجد فيه أيضا طبقة سائدة. وهناك صراع طبقي كما يظهر من خلال العديد من الإضرابات)، (حيفا، 18 يوليو 2006).
تحول الحكوماتُ الإسرائيلية المتعاقبة الوضع الفلسطيني وخاصة التطرف فيه لأداة سيطرة عسكرية وإستغلال، وعبر الإدعاء بكون الفلسطينيين يشكلون خطراً وجودياً على إسرائيل فقد تفاقمت النفقات العسكرية بشكل هائل واقتطعت من عيش الناس، وبهذا فقد غدا حل القضية الفلسسنية ومشاكلها لدى الجمهور الإسرائيلي قضية محورية في حياته وأيدت السياسة السلمية وضغطت في إتجاهها لكن ظهرت جهاتٌ عربية أخرى تواصل تبرير الميزانية العسكرية الخيالية باستمرار المواجهة العنيفة.
يقول السياسي اليساري الإسرائيلي:
(إن المسألة القومية تعقد بشكل هائل مهمتنا هنا. فبينما الطبقة العاملة في إسرائيل طبقة مضطهدة من طرف طبقتها السائدة نفسها، فإن إسرائيل كدولة تضطهد شعباً بأسره، أي الشعب الفلسطيني. وطالما بقي الشعب الفلسطيني مضطهداً فإنه لن تكون هناك أية حرية حقيقية للعمال الإسرائيليين. إن النضال من أجل حقوق الشعب الفلسطيني هو جزء لا يتجزء من نضال العمال الإسرائيليين من أجل تحررهم الخاص.) .
إن الأوضاع متداخلة بقوة بين فلسطين وإسرائيل، وأي نمو لنضال القوى العاملة في إسرائيل يتطلب التوحد مع نضال الشعب الفلسطيني، والخروج من دوامة الوعي الديني العنصري، في كلا الجانبين، ونجد أن قوى عديدة في الجانبين بدأت تتخذ مواقف عقلانية ومتقاربة، لكن القوى القومية والدينية المتطرفة لا تزال كذلك ذات حضور قوي وتمنع فريقا السلام من العمل المشترك.
وإذا قامت القوى الديمقراطية في فلسطين بتطوير وعيها السلمي منذ الرئيس السابق ياسر عرفات ومواصلة بومازن هذا الخط، فإن هناك ضعفاً كبيراً في الجانب الإسرائيلي لهذا التوجه بسبب ما قلناه من الإرث الشمولي الغائر في الحركة الصهيونية، وبسبب إستغلال الجمهور العامل الإسرائيلي والفلسطيني، وخاصة في الجانب العربي لما يتم دفعه من أجور رخيصة لهؤلاء العمال قياساً حتى بالعمال الإسرائيليين، كذلك فإن بقاء التوتر بين الجانبين يجعل القوى المسيطرة العسكرية – الصناعية في قمة المجتمع متحالفة مع الحاخامات!
لقد كان التصور الأساسي للمجتمع الإسرائيلي بأن يكون قاعدة سكانية عسكرية في حالة طوارئ مستمرة وعمالاً مفرغين من وعيهم العمالي الإنساني وخاضعين للحركة الصهيونية، وهذا يتطلب سياسة مواجهة دائمة، وإذا لم يوجد طرف يواجه إسرائيل فلا بد من خلقه وتوتيره حتى يندفع للمواجهة!
كانت سياسة السلام مؤثرة ومزعجة للأوساط الإسرائيلية الحاكمة، ولهذا تكرست بقوة في سنوات المواجهة، والآن تقوم بمساعدتها القوى والأوساط الدينية والقومية العربية والإسلامية المتطرفة، وتعطيها المبررات لزيادة الأنفاق العسكري وطلب المساعدات وتصوير إسرائيل المحاصرة المخنوقة!
ومن هنا فإسرائيل الحاكمة تعمل على بقاء الحد الأدنى من سياسة المواجهة المتوترة كذلك تقوم بالابتزاز في مفاوضات السلام، بحيث تكسب من الجانبين.
وهنا فكلما زادت الأطراف العربية في سياسة السلام ورفضت التنازلات المصيرية، وتوقفت عن سياسة العنف وحركت قوى السلام واليسار الإسرائيليتين كلما فقدت تلك القوى الحاكمة الإسرائيلية أوراقها.
خاصة إن هذه السياسة العدوانية الاستعمارية العتيقة تواجه برفض جمهور متسع من الأقليات اليهودية المضطهدة والتي تريد العيش وزيادة دخولها بدلاً من أن تموت في حروب مستمرة لهذه الدولة – القاعدة العسكرية.
فتبدل الطابع الصهيوني للدولة العنصرية وضخامة الوجود العربي فيها الذي يبلغ 16% من مجموع السكان داخل إسرائيل، أي حوالي مليون عربي، وتمرد اليهود الشرقيين واتساع رقعة اليسار والقوى العلمانية الإسرائيلية، إن كل هذا يؤذن بخمود للسياسة الصهيونية من داخل إسرائيل نفسها.
ولكن تصاعد التطرف الديني والتطرف القومي بين الإسرائيليين وبين العرب يقود إلى تفتيت القوى الشعبية عامة، وأنتصار لقوى المتطرفة في الانتخابات وفي الوجود السياسي عامة.
لقد كانت الأحزاب المعارضة في القسم العربي قليلة ولكن مع تزايد تأثير القوى المتشددة فقد ظهرت الكثير من الأحزاب وقسمت الأصوات العربية.

نقد بيان الحداثة لــ أدونيس

فصل من كتاب: الكلمة من أجل الإنسان

أدونيس (علي أحمد سعيد) نقد بيان الحداثة لأدونيس

adonis

يقدم لنا كتاب «البيانات» الذي اصدرته أسرة الأدباء والكتاب في البحرين، بين دفتيه نصين هامين للشاعر والباحث علي أحمد سعيد «أدونيس»، يصوغ فيهما رؤيته للحداثة، وبيانه لتغيير طابع الإنتاج الشعري العربي، مشكلاً إياهما بلغة شعرية، مليئة بالتجريد حيناً، وبالأمثلة السابحة في فراغ تاريخي، لكي تغدو هذه النظرة سيدة الوعي الشعري العربي النخبوي في العالم العربي، والملهمة في حالة خلق الفصام الرهيبة للشعر العربي عن جذوره ومناخه وجمهوره، وعن حداثته الفاعلة التغييرية المنشودة.

تتجسد الحداثة الشعرية لدى أدونيس في المدرسة الباريسية للشعر، حيث الخصائص الصوفية والسريالية واللاعقلانية، فيقول: «إن شعرية الشعر الغربي العظيم تتصل بخصائص شرقية بالنبوة، والرؤيا، الحلم، السحر، العجائبية، التخييل، اللانهاية، الباطن أو ما وراء الواقع، الانخطاف، الأشراق، الشطح، الكشف الخ»(1).

إن النموذج الشعري المطلوب هو في هذا التيار الصغير من الحياة الإبداعية الغربية الواسعة، تتشكل في الاذتيين المغتربين والمنفصمين عن الواقع، والذين يحولون التخييل طاقة وحيدة منسحبة من الرصد والكشف والتحليل للعالم، لتغور في ذات المبدع المنعزل عن الشارع، وعن العلم، لتعطيه جسور الافتراق والانفصال عن «الدهماء» وعوالمهم الثقافية، وجذورهم التاريخية، وأنواع إبداعاتهم الشفاهية والمكتوبة.

الشعر النموذجي لدى أدونيس يغدو ذلك المنحى الصوفي الميتافيزيقي والذاتي، الذي يصيرُ غير مرتبط بموضوعٍ محدد، والذي يسوحُ في الذات رحلة فلسفية، مليئة بالرموز والأقنعة، التي تلغي حواجز العصور والمراحل والقوى، في عصيدة تتمازج فيها كل الألوان والأشياء، بحيث أنها تستعصي على الفهم الجماهيري الواسع، وتغدو وجبة للمتخصصين.

فالشعر النخبوي هنا، عندما يتمازج وأغراض الجمهور، ومناسبات الحياة، من ربيع وموت وثورة الخ.. يغدو فاقداً للشعر، فالشعر ينبغي أن يؤسس فوق الهياكل العظمية والإيديولوجية لبودلير ورامبو ونوفاليس، ومن هنا تتم محاكمة الشعراء العرب منذ الجاهلية تبعاً لأحكام صالونات باريس الباذخة.

فلن نعرف هذه اللحظة التي تشكل فيها إبداع هؤلاء الشعراء الفرنسيين والغربيين المطحونين تحت القطار الرأسمالي المندفع بقوة في القرن التاسع عشر نحو فتح ونهب البلدان الأخرى، وتحطيم أشكال العقلانية البرجوازية المتأسسة وقتذاك على الصراع ضد الإقطاع الديني والزمني، وهؤلاء الشعراء المنسحبين إلى ذواتهم وجماليات اللغة الصافية، خوفاً عليها من عامية البرجوازية المبتذلة، التي حولت الضمير والشعر والرسم إلى بورصات الأوراق المالية، سيغدون هم المثال في عالم ثالث مغاير، ليست فيه تلك الشروط المعرفية والاجتماعية والجمالية.

إن الوكالة التجارية الشعرية التي افتتحها أدونيس في سوق العالم العربي، لاستيراد وتصدير تلك القصيدة، راحت تعمل في شروط مغايرة، فليس الصراع ضد الرأسمالية هو ما يؤرق الكاتب العربي، بل الصراع ضد التخلف والتركيبة البطريركية وكل سدنتها وأزيائها، بدءً من اللاعقل وما وراء الواقع مثل حشود العفاريت وسيطرة وعي المقابر والأشباح والخرافات، وهو إنتاج وفير هائل نستغرب كيف يقوم أدونيس باستيراده ويضاف ذلك مع عزلة الكاتب وشرنقيته ولا مسئوليته الزمنية الراهنة!

هكذا كانت رأسمالية الغرب في بدء القرن العشرين بحاجة إلى هؤلاء الشعراء والكتاب غير الجماهيرين، غير الفاعلين، الغامضين، الذي يرحلون في دواخل عوالمهم الذاتية العظيمة الفسيحة، عبر نحت لغوي وترميزي وصوري معقد ومتراكب، محطمين سياقات الصورة الكلية في القصيدة، والبنية الموحدة في للوحة والقصة، مهمشين اللغة والصورة إلى ذرات، بحيث إن فاعلية القصيدة والكتابة التحريضية التحويلية تتقطع، وتحدث عزلة بين هؤلاء المنتجين وسوق الطلب الثقافي.

حينئذٍ تتجه الثورة نحو الشكل وعزلة الأنا وتلاعبها باللغة فتظهر ثورة تعويضية بديلة عن الثورة المطلوبة في الواقع.

وتغدو الارتدادات الغامضة إلى الماضي والأساطير بديلاً عن تشريح الواقع والحاضر، ومعرفة امتدادته في الماضي والوعي.

ولكن حتى هذه المدرسة الصغيرة لم تكن هي كل الثقافة الشعرية الغربية في ذات الفترة، حيث هناك مدارس ثورية شعرية حقيقية، لم يقم أدونيس بالاهتمام بها، أو حتى ذكرها، وكان الترويج لهذه المدرسة الصوفية والسريالية في العالم، عبر آلة دعائية هائلة، من جراء تعاون المركز المصدر والمستوردين الثقافيين في العالم التابع.

كان العالم التابع، الغارق في الخرافة والعالم الأسطوري، ليس بحاجة إلى لغة صوفية جديدة ولا إلى علائق تهديمية للأشكال العقلانية الأدبية الجنينية، والتي تترافق مع تصنيع هزيل وتطور ثقافي حديث ضحل.

فكان شوقي وحافظ والجواهري والزهاوي وعشرات الشعراء الكلاسيكيين في الوطن العربي بذرة أولى لهذه العقلانية الشعرية، المهتمة بالأغراض والمناسبات في تركيبة العمود الشعري حمالة الحطب، التي تعلم وتلهم وتخلق علاقة نهوضية وليدة.

كان الشعر يحاول أن يسير بعيداً عن «الخرافة» – بالمعنى الرديء للكلمة – نحو الواقع وتحليله مسقطاً القيود الشكلية التي تعوقه في هذه العملية الاستبطانية – الموضوعية، حيث تتداخل الذات والواقع، في تركيبةٍ غيرِ ذاتية كلياً، وغير موضوعية كلياً، حاصلة على الجذور الأولى في فهم الصراع الاجتماعي والوطني، بدءاً من السياب ومروراً بالشعر الفلسطيني حتى الشعر الواقعي الجديد.

لقد اعتمد الشعر العربي على هذا الديالكتيك غير المفهوم لدى أدونيس، وهو التداخل بين الأغراض والتقنية الفنية، بين هواجس تحليل الحياة وتعريتها واستبطان حالات الذات، بين الغوص وراء الخرافة والأسطورة وتسييسها ونقدها، حيث لم تكن ثمة أسوار بين نمو الأدوات واكتشاف الواقع.

ولكن النموذج الفرنسي، المعلب في لحظة تاريخية خاصة، تناقضت فيها الأداة الشعرية والمضمون، وتباعدت فيها القصيدة والجمهور، وتحاربت لديها اللاعقلانية والعقل، وصارت الفلسفة ضد العلم، بقي هو النموذج المهيمن على وعي أدونيس التأسيسي للشعر.

وهكذا بدأ أدونيس وبيانه الأول سنة 1980، وبيانه الثاني في سنة 1992، في لحظتين غريبتين. فقد تعرض الوعي الشعر العربي الثوري للانتكاس نظراً لانهيار تجارب البرجوازية النهضوية ومن ثم العسكرية العربية، وبدأت مفاهيم العقلانية والعلم والنهضة وغيرها بالتكسر والتبعثر، وانسحب الأدباء والمثقفون من الفعل التغييري، وهبت رياح الأسطورة والدين والطقوس مؤكدة نبؤة أدونيس!

لقد صار الغموضُ ولغة الرموز والأساطير هي بنية أغلب الشعر العربي السائد، وفشلت لغة الموضعية والتحليل في الدخول إلى عرين الأسد المتوحد والمتفرد. ومثلما عبر هذا عن سقوط التجارب الثورية وهشاشة التكوين البرجوازي التحديثي العربي وغلبة الحياة البطريركية، فقد وقد وجدها مثقفون وشعراء فرديون لغة مناسبة للمناورة الاجتماعية والإيديولوجية.

أي أن ما دعا إليه أدونيس من فردانية متفتحة على الداخل الباطني التهويمي هو ما انتشر وسيطر على مشهد واسع من الشعر العربي المعاصر، مدمراً الأشكال المقاربة للقراء، نحو أشكال حرة نثرية وإيقاعية، مليئة بإدعاءات الحداثة والتجاوز والعصرنة.

إن الدمارَ الاقتصادي والثقافي الذي سببهُ الاستعمارُ، وقمع الأنظمة العسكرية، وبروزَ هيمنة الدول البترولية الإقطاعية على الفضاء العربي، وغيرها من السببيات العامة، أدت إلى تراجع لغة التحليل والنقد الشعرية، مما جعل مقولات أدونيس تنتصر.

ولكن بعد ثلاثة عشرة سنة، وفي البيان الثاني يقول:

«قلتُ: ينبغي التأسيس لمرحلة جديدة: نقد الحداثة (..) وهو قولٌ يبدو الآن أكثر صحة وضرورة منه في أي وقت مضى، وخصوصاً إن مفهوم الحداثة يزداد التباساً، وإن الكلام عليها يكاد أن يصبح لغواً»(2). ص 45.

وهكذا يجري التركيز في البيان الأول على الطقوسية والصوفية واعتبار الشرق موطن الروحية، ورفض الغرب المتعقلن، والاهتمام بالشرق المتصوف من داخله، باعتباره بضاعة الشرق (الأصيلة). فهناك جوهران متضادان متنابذان؛ الأول هو الشرق وهو الروح والأسطورة والباطن واللاعقل، والثاني هو الغرب أي العقل والعلم والظاهر، أي أن هناك منتج المواد الخام والخرافة والتابع، ويقابلهُ المصنع الغربي وصاحب العلم المسيطر.

للأول الأسطورة والدين والشعر، وللثاني المختبرات والنهضة الصناعية والعلمية. للأول الحياة الغيبية والماورائية، وللثاني الحياة الواقعية والدنيا وحكم الكرة الأرضية.

ويغدو شعراء النموذج الفرنسي – الأوربي هم نفحة الشرق المتصوف الداخلي المتسلطن في تنور الغرب العقلاني البارد.

هذا ما نقرأهُ في البيان الأول، وما أكدهُ أدونيس ودعمتهُ هزيمة البرجوازية العربية النهضوية والعقلانية والعلمية، ومجيء البرجوازية العربية – الإسلامية اللاعقلانية، والأسطورية، والخرافية الطالعة من الريف ومن أقبية الحكومات البيروقراطية الفاسدة.

فلقد أكد الشرقُ صحة رؤية أدونيس له فاستعاد ثيابه القديمة، ولبس عباءة الأشباح، وصعد تموز من انفاق العالم السفلي. ألم يكن هذا هو بسبب الفعل التدميري للغرب الرأسمالي التوسعي، محول المدن التصنيعية إلى ريف زراعي ودكاكين مستورِّدة؟ أليست هذه هي البضاعة الفكرية الشعرية، حشيشة الشرق العائدة إليه؟

بعد هذا الدمار الاجتماعي والشعر يصرخ أدونيس في بيانه الثاني:

«أحب أن أشير إلى أننا أخطأنا، منذ البداية في فهم حداثة الغرب، لم ننظر في ارتباطها العضوي بالحضارة الغربية، بأسسها العقلانية خصوصاً، وانما نظرنا إليها بوصفها أبنية وتشكيلات لغوية»(3). ص 47.

لقد كان يؤكد في المرحلة السابقة على اللاعقلانية، على الخرافة والعالم الباطني والحدسي، وحين تحول هذا العالم إلى حقيقة مرئية واجتماعية صارخة، تنصل منه، ورفضه.

حين جاء المخلِّص بأصوافهِ الخشنةِ وخلاخيلهِ الشبحية، راح أدونيس يدعو لشرق آخر، لشرقٍ جديد، عقلاني، حر، وهنا تبدلت المواصفات بين الشرق والغرب، وراح كلٌ منهما يأخذ «جوهراً» مختلفاً.

فقد صار الغربُ الحداثي هو الأنا والمرجعية الإبداعية وعالم لا سيطرة فيه للرموز الماضوية وهو الانفتاح واللانهائية وهو النقد والحركية وهو الفرادات والانفجار المعرفي الذي تُهمش فيه الرؤى الميتافيزيقية وهو الاحتمالية والتعددية والدنيا، وهو أمر صحيحٌ إلى حد ما، (4).

والشرق هو العودة للمعلوم والتأكيد على «النحن – الأمة» والمرجعيات المحافظة من كل نوع، وهو الصلاة للقبيلة والحزب والإيديولوجيا وسيطرة المؤسسات الماورائية والقبول والخضوع والإيمان والآخرة.

إن هذه التقسيمات والمواصفات هي ابنة اللحظة المعاصرة، فقد امتلأت السوق الشرقية بكل البضائع الشعرية والفكرية التي كان يدعوها لها أدونيس سابقاً، وجاءت كتلُ البرجوازية العربية الريفية والبيروقراطية الحكومية لتملأ الأفق بغيلان الأسطرة العتيقة، ولتكرس الاتباعية والانغلاقية بأقسى صورها، فلا بد لأدونيس أن يميز نفسَهُ عن هذا التيار الكاسح، الذي كان من المروجين لدعامته الفكرية الأولى، وإن كان بشكل مختلف. لقد جاء الخرابُ البشع.

لقد تم التتريث الديني للواقع العربي المعاصر، ونبذ التتريث الفينقي والفرعوني والسومري الخ.. بكل رموزه وأساطيره، وحلت العودة للأشكال المتيبسة من الشعر، وبدلاً من الحداثة الشكلانية المتطرفة في الذات الحرة واعماقها اللامحدودة، ونخبوية شعراء نهاية القرن الفرنسي، جاء الغزالي وابن تيمية، واستعادت الأوزان الخليلية نفوذها، وركنت مدارس الحداثة النخبوية في اقصى حالات العزلة والتآكل الروحي.

إن البرجوازية العربية المدنية، بعودتها للتراث القديم والوسيط، مثل البرجوازية العربية الريفية والحكومية الراهنة، بعودتها للتراث الديني الطائفي فحسب، كما يفعل أدونيس نفسه عبر استلال اسمه من التراث الفينقي، تقومٌ باستعادة الماضي، بأسطرة الحاضر، وليس بتحليله وتشريحه العلمي، وحشد الطاقات البشرية لتغييره.

ومن هنا تكون نظرتها للتراث والماضي والحاضر، مؤدلجة في لحظتها السياسية الراهنة، في انتقائيتها وانتهازيتها العملية، فتكون مع الشرق أو الغرب، أو مع الماضي أو الحاضر أو مع العقلانية أو اللاعقلانية، تبعاً لمصلحتها المؤقتة واتجاه البورصة الاجتماعية.

وهكذا كان أدونيس مع الغيبية واللاعقلانية حين كانت حشود العقل وانصال الشعر والأدب تشرحُ الواقعَ وتثورهُ وحين كان زخم القوى الديمقراطية والعملية يهز العالم القديم والتبعية للغرب المسيطر ويطرد الخرافات من الوعي.

وصار أدونيس ضد عفاريت الماضي حين تحولت إلى إطلاقية وحشد من الجمود، محتفظاً بذات خصائص الشعر الفردي النخبوي بجذوره الفرنسية الصالونية مع بهارات العقلانية المخففة، التي لا تتحول إلى تحليل علمي كشفي ونقدي للواقع، وتشكل الجسور مع المتلقي، وتحرض القارئ، وتطلق الجمهور في الساحة الشعرية، حتى تظل علائق العلاقة مع الغرب المسيطر مأمونة مستقرة.

ومن هنا تصير أغراض الشعر ومضامينه وشعر الصعاليك المكافح وأشعار الفرق الإسلامية في العصرين الأموي والعباسي وشعر النهضة، والشعر العامي الجميل وكل فلكلور الشعب، خارج الإبداع المقتصر على نمطية واحدة فقط، هي النموذج الصوفي والسريالي المتكرس في لحظة أوربية برجوازية آفلة.

هكذا لا تغدو مثل هذه الحداثة الشعرية والتثوير الإبداعي سوى رؤية محافظة، منغلقة على ذاتها، مركزة على مستوى عقلي واحد شاحب، وعلى علاقة مبتورة بالقارئ، خائفة من الإمكانيات الثرة للشعر المقاتل، والإبداعات اللامتناهية للشعب.

وعي التاريخ الإسلامي عند أدونيس

يقترب الشاعر والباحث أدونيس من الوضع الإسلامي التأسيسي الذي شكل الثورة التمهيدية، لكنه يرفض أن يكون ثورة، وأن يمثل نقلة نهضوية، والصراع بين المحافظين والتطوريين يأتي لاحقاً.

من هنا تغدو السيرة النبوية والقرآن ليسا هما مفجرا الثورة وعمليات التغيير، لكن التجديد والمعارضة يأتيان على نحو غير محدد في وعيه بدءً من أبي ذر الغفاري.

وهكذا فإنه يقترب من الوضع الموضوعي ثم لا يستطيع أن يمسك خيوطه، يقول:

«وكان يقابل هذا الانقسام في المعاني انقسام اقتصادي / اجتماعي: من جهة، أشراف هم الطبقة القرشية وحلفاؤها، ومن جهة ثانية، طبقة (الغوغاء) و(عبيد) و(نزاع قبائل) و(سودان)، كما كانت تسميها الطبقة القرشية السائدة. وكانت السيادة، طوال القرون الهجرية الثلاثة الأولى، للطبقة القرشية وحلفائها. ولهذا كانت السيادة لثقافتها، ولمنظورها الديني بخاصة، طوال هذه القرون.»(5).

إن هذا التقسيم الاجتماعي الأساسي هو الذي يحدد المنظور التاريخي لتطور الإسلام في القرون الأولى، وبطبيعة الحال كان الانقسام الاجتماعي موجوداً بين قريش والفقراء اللاقرشيين، كما كان هناك انقسام في صفوف قريش ذاتها بين كبار الأغنياء ومتوسطي الحال والفقراء في هذه القبيلة المسيطرة على المدينة الدينية العاصمة.

يقوم أدونيس باختزال التناقضات الاجتماعية وتحويل التناقض بين قريش والفقراء اللاقبليين، إلى تناقض وحيد مهيمن على الحركة التاريخية، وهذا يؤدي به إلى سلسلة من الأخطاء.

فإذا كان الصراع بين قريش والفقراء العبيد هو محور الحركة التاريخية وتغيير البنية الاجتماعية فلم لم يقم هؤلاء الفقراء بقيادة الحركة الصراعية أو نحن لم نرهم إلا كحلفاء وأصدقاء لجماعة من قريش ذاتها؟

ما الذي يدعوهم وهم المستغلّون والمهانون إلى التعاون مع جماعة محددة من قريش؟

ولا نعرف لماذا، إذا كان هذا التناقض المجرد والذي فرضه أدونيس على الحياة المكية وقتئذٍ صحيحاً، لمَ لمْ يؤسس هؤلاء العبيد وعياً فكرياً أو سياسياً خاصاً بهم، غير ذاك الذي ظهر بين نفرٍ من قريش؟!

لا بد أن يكون هؤلاء العبيد والسودان الخ.. قد وجدوا في الإسلام شيئاً جذبهم، ولكن في هذه الحالة لا بد أن ثمة عناصر فكرية وسياسية هي التي استدعت انخراطهم في الإسلام التأسيسي، قبل أن يتشكل وعي لدى أبي ذر الغفاري أو غيره من الجيل المعارض في زمن عثمان والدولة الأموية، وهذا الشيء الذي جذبهم هو الذي جعلهم يقاومون التعذيب والقهر لدى سادتهم، الذين نظروا للإسلام باعتباره دين الفقراء والعبيد والمستضعفين.

ولكننا في هذه الحالة نكون قد وصلنا إلى الطرف الأقصى من المعادلة الإندونيسية، فهؤلاء الفقراء والعبيد ظلوا حلفاء لقيادات الحركة الإسلامية الناشئة، أو هم من القوى «الشعبية» بتعبيرنا المعاصر، المنظمة للحركة، وهنا ندرك أن ثمة ثغرة في تعميم أدونيس حول الطبيعة الاجتماعية للإسلام.

فإذن كانت هناك قوة اجتماعية في قريش لم تتطابق تماماً مع العبيد ولا مع «سادات» قريش في آن معاً. هذه القوة الاجتماعية، وهي فئة التجار المتوسطين، هي التي جعلت التحالف مع هؤلاء الفقراء جزءً من رسالتها التاريخية، وفي سبيل إزاحة الملأ القرشي المستبد.

وهذا بطبيعة الحال يغير التناقض الرئيسي الذي افترضه أدونيس للحركة التاريخية، ويجعل الحركة الإسلامية التأسيسية قوة تقدمية في التاريخ منذ البدء، ومن هنا ندرك عدم تمكنه من العثور على جدلية التاريخ المركبة في هذه اللحظة المفصلية.

علينا هنا أن نقرأ التعميم الإندونيسي الاجتماعي السابق والقائل بشكل تعميمي عن «طبقية قريش وسلطتها» وخطورته على الآراء التالية للباحث، فهو يقرر مسبقاً وجود منظور لقريش موحدة متراصة اجتماعياً وفكرياً قد ساد طوال الثلاثة القرون الهجرية الأولى.

هذا الإقصاء لتقدمية الرسالة المحمدية وتوحيدها بأعمال المحافظين، هو ما يمكن أن نستنتجه من هذه السيادة المجردة والمعممة لـ«ثقافة» قريش التي يطرحها أدونيس، فالدعوة الإسلامية واجهت أسياد قريش وصارعتهم وفلت من سيادتهم المطلقة على المدينة، ليس في سبيل تدمير قريش كقبيلة، ولكن في سبيل دمقرطتها وتحديثها وتعريبها. وفي سبيل تشكيل جنين الدولة «القومية» الإسلامية العربية العالمية.

إذن كانت هناك تداخلات وتباينات داخل قريش، ووجود الفئة المتوسطة من التجار وقيامها بالتحالف مع السودان والعبيد، هو مظهر التجلي لرفض الأرستقراطية والتعالي الطبقي، وهذا الاتجاه للتوغل الشعبي والثوري هو الذي كان يجذب هؤلاء الفقراء، ثم رعاة الجزيرة وقبائلها الكثيفة، للدعوة، وهو الذي حرك التاريخ الجاهلي وتجاوزه وصنع النهضة. أما حين تمكن الأشراف من السيطرة على الدولة الإسلامية وشكلوا قراءة مختلفة للتاريخ والتراث، فهذا زمن موضوعي آخر.

وينتقل أدونيس من جمود ومحافظة الدعوة الإسلامية كما يسميه إلى نصوصها، فيقول عن الوحي:

«الوحي، من حيث أنه تأسيس وبدء مطلقان، يتجاوز الأزمنة: الماضي، الحاضر، المستقبل. فهو الماضي من حيث أنه الأول، وهو الحاضر من حيث أنه المستمر، وهو المستقبل من حيث أنه الأخير المطلق»، ص68، ويضيف «ولهذا لا قيمة للزمن التاريخي إلا من حيث صدوره عن زمن الوحي. فالوحي حاضر اليوم، وغداً، حضوره يوم نزوله»(6).

فكما كانت الحركة الإسلامية محافظة فإن الوحي بهذا لا يجعل الوجود إلا متضمناً فيه، وهو بهذا «أي الوحي» يلغي تقدم الزمن وفعل الإنسان، كما يتأول أدونيس.

إن أدونيس لا يعالج الحركة الإسلامية التأسيسية بعد الفقرة التي قالها في البدء تحليلاً تفصيلياً، سواء تاريخية الحركة أم نصوصها، ثم يقدم مثل ذلك التعميم السابق عن الوحي، فبدا كحكم فوقي لا يتأسس من قراءة الوحي داخل الحركة التاريخية.

فإذا كان الوحي يتداخل والحركة التاريخية والرسالة المحمدية ويظهر فيه الناسخ والمنسوخ، فهذا التنجيم القرآني، أي نزوله منجماً، متفرقاً، متابعاً للأحداث والتطورات، يدل دلالة واضحة وأكيدة على انفتاحه على المستقبل والتقدم، وتركه للإنسان تغيير مصيره وتشكيل عالمه.

إن الغيبي يتمظهرُ ويتفتحُ بشرياً، فهو يتجلى في صعود الإرادات وتحول المواقف ودخول العبيد والفقراء والبدو والتجار وأهل المدينة في خضم التحول، أن فعل الإرادة البشرية الملموس هو الذي يكون المطلق، فليس ثمة تضاد مطلق بين الوحي والناس، بين النص والفعل التاريخي، بين الكلمة والثورة.

ولكن إذا قامت الطبقات الاستغلالية فيما بعد بتشكيل صورة معينة للوحي والرسالة ولهذه العملية التاريخية المركبة، منتزعةً منها الفعل البشري وظروف الثورة وملابسات الزمان والمكان، فهذا جزء من الوعي المحافظ المعبر عن تكدس الثروة المادية في جيوبها، وبالتالي لتملك الثروة الثقافية للتاريخ العربي ووضعها في خدمة الأولى.

يقوم أدونيس بعد ذلك بمتابعة متقطعة، تطير فوق ظروف المراحل المختلفة، منتزعة جوانب من الفكر الديني المحافظ، باعتباره يمثل الإسلام بكليته «السنية» بدءً من عمر بن الخطاب مروراً بالشافعي حتى الباقلاني. ويُلاحظ هنا كيف لم يُدخل أي أسم من الإمامية في هذا الشريط المحافظ الـمُعمَّم.

أي أنه ينظر للإسلام المحافظ باعتباره مبادئ السنة، التي تشكلت منذ البدء، في تصوره، وهكذا فحتى مسائل الطوائف تغيب تاريخيتها عنه. فالطوائف لم تتشكل إلا بعد قرون من الإسلام الأول. فيغدو وعي أدونيس وعياً طائفياً، أي يستند إلى وعي طائفي، فيرى الإسلام المحافظ باعتباره وعي تجسد في طائفة السنة، في حين أن الطائفة الأخرى تمثل الرفض والمعارضة.

يغدو التاريخ الإسلامي تاريخاً طائفياً منذ البدء لدى أدونيس ويتجلى ذلك في استشهاده رقم (112) في صفحة 332 من ثبت المصادر، حيث يستعين بكتاب الكامل لأبن الأثير الذي يروي وصية الإمام علي بن أبي طالب لولديه الحسن والحسين اللذين يطالبهما بضرورة نصرة الحق وبخصومة الظالم، ثم يروي وصية معاوية لأبنه يزيد الذي كرس فيه السيطرة والتعالي.

وكلا الوصيتين تعبران عن منحى كلٍّ من الإمام والطاغية معاوية، لكن أدونيس يأخذ النصين الوصيتين ليستنتج منهما منحيين تاريخيين مجردين مُعمَّمين فيقول:

«وتكشف هذه الأقوال على منحيين أساسيين في النظر والعمل: الأول هو الذي ارتبطت به، تاريخياً، وانبثقت عنه مختلف التحركات التي تسير في أفق التحول. والمنحى الثاني هو الذي ارتبطت به مختلف التحركات التي تسير في أفق الثبات».

ولا خلاف على استغلالية معاوية وأبنه ودولته، ونضالية الإمام وأبنائه، إلا أن تراث الإمام علي النضالي غدت له سيرورة خاصة بعد الضربات الموجعة لآل البيت النبوي، وحدوث ظاهرة الانكفاء ومحاصرة الأمويين لهم، ثم ظهور عناصر فكرية مغايرة لزمنية ووعي الإمام علي السابق، حيث بدا يتخذ طابعاً غيبياً مفارقاً، فقد ظهر منحى آخر مع المنحى النضالي الواقعي للإمام، وهذا ما سيشكل غيبيات واسعة لدى قسم كبير من الإماميين، وسيجد تجسيداته في الإسماعيلية والإثناء عشرية وهما تتحولان إلى سلطتين فتعجزان عن إنتاج نظام مغاير للإقطاع، تماماً كما حدث لدى السنة، فالبنية الاجتماعية التقليدية انتصرت على العناصر الديمقراطية والتنويرية، الموجودة في هذه المذاهب، بأشكالٍ مختلفة ومستويات متعددة، حسب التطور المركب والمعقد للأمم والقوى الاجتماعية الإسلامية وهي تتشكلُ في عصر محكوم بأسلوب إنتاج إقطاعي زراعي محدود التطور الحرفي الصناعي.

ولا تختلف مقدمة كتاب أدونيس (الثابت والمتحول) في طبعته الجديدة لسنة ألفين وأثنين عن المقدمات القديمة، مما يعبر عن ثبات موقف الشاعر والباحث خلال هذه الفترة ورؤيته لتطور الوعي والتاريخ العربيين الإسلاميين.

وتستندُ المقدماتُ على تناقض جوهري لم يكن بإمكانه حله.

فمنذ البدء يقوم بتعريف الثابت بالشكل التالي:

«أُعرف الثابت، في إطار الثقافة العربية، بأنه الفكر الذي ينهض على النص، ويتخذ من ثباته حجة لثباته هو، فهماً وتقويماً، ويفرض نفسه بوصفه المعنى الوحيد الصحيح لهذا النص..»(7).

في المقدمة الجديدة لا يطرح الثابت، أو المتغير، كحركة تاريخية، بل كمبادئ مُجردة خارج التاريخ، فيغدو الوعي العربي بنيةً أساسها الثبات، وهو المشكل للتاريخ الفكري والباقي إلى الآن.

أما المتحول فهو «الفكر الذي ينهض، هو أيضاً، على النص، لكن بتأويل يجعل النص قابلاً للتكيف مع الواقع وتجدده، وأما أنه الفكر الذي لا يرى في النص أية مرجعية، ويعتمد أساساً على العقل لا على النقل.»(8).

عبر هذا التجريد تغدو البنية العربية الفكرية مؤسسة على الثابت، فهي ثقافة المستوى الأول السائد: «كانت الثقافة في المستوى الأول هي ثقافة النظام السائد، أي الثقافة التي تقوم، شأن النظام، على دعوى التمسك بالأصول، والمحافظة على القيم الموروثة، كما هي، أو كما نقلها الخلف عن السلف.»(9).

تغدو الثقافة العربية المهيمنة هي الثقافة المحافظة أما الثقافة المعارضة فهي تالية، وهنا يظهرُ التناقضُ الأساسي في هذا الوعي الأدونيسي، فإذا كانت الثقافةُ المحافظةُ هي التي صاغت الإسلامَ، وجاءت الثقافةُ المعارضةُ والمغيرة في وقت لاحق، فلماذا استطاعت الثقافة المحافظة أن تشكل زخماً تاريخياً، ويحتضنها الناس؟

فإذا لم يكن الإسلام نقلةً تاريخية وتحولاً، أي إذا لم يكن هو ذاته معارضة لتخلف سابق، فكيف أمكنه أن يحرك التاريخ؟!

إن أدونيس بوضعه الثابت والمتحول في كيان لا تاريخي، فلا نعرف من هو المؤسس للبنية الإسلامية منهما، أي من هو الذي جاء أولاً الثابت أم المتحول؟ فإذا كان الثابت جاءً أولاً فهو متحول ضد ثابت قديم، أما إذا كان المتحول جاء أولاً فهذا يكون ضد المقولة التجريدية هذه. أي يكون المتحول المؤسّس هو ذاته تقدماً.

لكن أدونيس يجنبنا هذه الحيرة بقوله بأن الثابت هو الأصل، فالإسلام كيان محافظ منذ البدء، وهو يقيمُ حججه في مقدماته التي نفحصها هنا، على استشهادات ليست من الإسلام الأول، فهو يختار نصوصاً للمؤرخ ابن كثير وابن حزم وابن تيمية، وهذا الاختيار لنصوص أفرادٍ متأخرين يؤكدُ بأن بنية الثبات هي الأصل وحتى لو كانت مبادئها وأصولها متأخرة، عن الإسلام الأول بعدة قرون!

ومن هنا تغدو الحركةُ التاريخيةُ التي تشكلت سابقاً لا قيمة لها، فالمبادئ المحافظة لا تغدو نتائجٌ لحركةِ صراعٍ اجتماعي وإيديولوجي، بل تغدو مبادئ مُسّبقة، مبثوثةً في كيان الدين منذ البدء.

ولن تنفع حركة الصراع الاجتماعي في تكريس أو في نفي هذه الصفات، فالبنية التجريدية التي أقامها أدونيس للإسلام هي في مستويين محافظ غالب ومهيمن ومستوى متمرد ثانوي تشكل لاحقاً.

والتناقضُ الجوهريُ في هذا الوعي كما أسلفنا هو في كيف يكون الثابت مشكلاً لحركة تاريخية فاعلة ومغيرة؟ فإذا كان منذ البدء محافظاً وجامداً كيف أمكنه أن يدخل التاريخ ويغيره؟!

علينا أن نبحث أسباب أدونيس لتبرير أو تفسير هذا التناقض. فهو يحس بهذا التناقض لكنه لا يقوله، أي أن التناقض لا يظهر على صعيد وعيه، فيتجه إلى الجذر الغيبي للدين، فالدين بما أنه حركة غيب، فهو بلا زمن، وهو محافظ بالضرورة لأنه يحدد التاريخ بشكل مسّبق وأبدي، فيقول:

[.. أن الدين، بما هو وحي، أي بما هو كلام الله، ليس له ماضٍ، فلا تنطبق عليه مقولة التغير والنقص.](10).

يقوم أدونيس إذن بفلسفة الثبات في الإسلام باعتباره شيئاً غيبياً، فيجعل الثبات هو الأصل، وأي تحرك هو [في النور الأصلي الشامل، نور النص، أي أنه انتقال متدرج في هذا النور](11).

ومن هنا يستشهد بأقوال المحافظين بأن [الأصل المؤسس – العهد النبوي الأول، وكل انحراف عنه إنما هو انحدار وهبوط](12).

لكن هذا أيضاً لا يفسر كيف أن الإسلام الأول كان مركزاً للجذب التاريخي والقبول الواسع وتغيير الواقع، فإذا كان جامداً محافظاً كيف يمكنه أن يغير ويشكل مراحل جديدة ويطلق الطاقات التحويلية والثورية؟ ولو قال الإسلام نفسه بأنه مُستمد من الغيب، فهذا لا يكفي ليدخل التاريخ، الذي يحتاج إلى حركة تاريخية ملموسة، أي أن الغيب لا بد أن يتمظهر بشرياً، ويتألق اجتماعياً، وينمو عبر حيثيات وقوانين التاريخ، وليس بشكله الغيبي المنقطع عن السيرورة التاريخية وعن الدخول في الطبقات وفي الوعي.

فالقرآن يستند إلى قوانين اللغة العربية الموجودة قبله، والحركة الإسلامية كذلك تنمو عبر قوانين التطور الاجتماعي. أي أن الإلهي يتجسد بشرياً ولا يغدو الغيبي منفصلاً عن المكشوف والمنظور.

ولهذا فإن تناقض أدونيس يتفاقم هنا ولا ينحل. ويعود السؤالُ بصيغة أخرى، فنقول بأن الغيب ليس انقطاعاً عن الحياة، والنور يصير شمساً ومعرفة ونضالاً، فلماذا يكون الثبات والجمود هو المؤسس الأول للإسلام وهو المهيمن؟

يتوجه أدونيس بعدئذٍ إلى «البحث» عن حلول أخرى للتناقض الجوهري فيقول بأنه يرفض أن يجد حلولاً سهلة لتفسير التاريخ الإسلامي، كالحديث عن تفسير البنية الفوقية في المجتمع الإسلامي العربي الأول بأنها «انعكاس لبنيته التحتية، وهو ما أخذه عليّ بعض النقاد. فهذا تفسير من خارج، وهو إسقاط. »(13).

وهو يتصور بأن هذا التداخل بين البناء الفوقي والبناء التحتي يشترط شروطاً فكرية معينة، وليس باعتباره قانوناً في مدرسة فكرية معينة، لرؤية التاريخ، فالمادية التاريخية هنا تعتبر ذلك ظاهرة دائمة في المجتمعات، ولا تنتظر أية شروط ثقافية لتطبيق القانون السالف الذكر، ولكن أدونيس بدلاً من أن يرفض هذا القانون المادي التاريخي، الذي يتضاد مع رؤيته، يقبله بشروط مضادة لطبيعة هذا القانون المادية، فيقول:

«ثم أنه لا يصح إلا إذا كان الوحي والشريعة يعاشان بوصفهما شكلاً من أشكال الوعي الاجتماعي يتطابق مع قوى الإنتاج في العصر الإسلامي الأول، ومع علاقات الإنتاج، وتوزيع العمل… الخ»(14).

هنا يواصل أدونيس البحث عن جذور الثبات عبر الغيب فقط، فاصلاً الغيب عن الظروف الاجتماعية، فكأن الغيب يبقى في ذاته الماورائية ولا يدخل نسيج الحياة، فيبقى الميتافيزيقي ميتافيزيقياً، والمجردُ مجرداً، فلا يحدث النسج التاريخي هنا، فلا نعرف كيف يمكن أن ينتصر العرب المسلمون والحالة هذه؟!

ألم تكن لديهم خيول، والخيول احتاجت إلى عدة آلاف من السنين كي تأتي إلى الجزيرة العربية، وتتروض وتغدو عربية، وتصير جزءً من أدواتهم الحربية، وكذا الإبل والسيوف وتكون المدن وتشكل القبائل والشعبان الكبيران: المضريون واليمانيون الخ..

وإذا قلت عن الظروف المادية البسيطة هذه فقل ذلك عن الشروط الاجتماعية والثقافية الُمركبة، مثل مسألة تكون اللغة العربية وسيرورتها التاريخية الطويلة، وتغدو الأمور أكثر تركيباً مع الحركة الإسلامية، حيث تنمو هذه على قبول البشر والإرادة والفعل الشعبي، وقدرة الحركة على التغلغل بين الناس ومعرفة مطالبهم ونسجها في فعلها التاريخي وانضمامهم إليها الخ..

أي أنه يمكن أن ندرس الظاهرة الدينية عبر تقدير طابعها الغيبي كما يقول الإيمانيون النصوصيون، ولكن أيضاً يمكن أن نقرأها في ضوء كونها ظاهرة تاريخية، فلا نفصل بين المقدس والموضوعي، أي أن نقوم بتقدير جذور النص على المستويين الغيبي والواقعي.

إن أدونيس وهو لا يقرأ الشروط البشرية لظهور الحركة الإسلامية، يقترب من الموقف المحافظ الذي ينقده، فيؤكده عوضاً عن أن ينفيه.

فإذا كان الإسلام حركة محافظة منذ البدء فهذا ما يقوله المحافظون، والذين بعد ذلك ينفون العلاقات والسببيات البشرية التي تكونت لنمو الإسلام وانتصاره، فيجعلونه غيبياً محضاً، وبهذا يجمدون إرادة الأمة، وينزوعون قدراتها على العلوم والتجديد.

وهذا ليس سوى موقف الأشراف الذين احتكروا تكوين صورة خاصة للإسلام، وهذا ما فعله فقهاؤهم ومؤرخوهم، وهنا يقوم أدونيس بنقد هذه الصورة باعتبارها الإسلام المؤسس، واختياره لممثلي الأشراف، واليمين الديني، وهم أبن كثير وابن حزم وابن تيمية، أي كل الإيمانية النصوصية المحافظة التي هي ذاتها مستويات ومتباينة «ففرق كبير بين ابن كثير وابن حزم من جهة وبين ابن تيمية من جهة أخرى»، بعد أن تمكن هذا اليمين من صنع صورة اجتماعية مستبدة للإسلام، وقد أسماه «الثابت» فهذا ليس سوى الإقطاع الطائفي، ولكن كيف يكون الثابت وقد جاء متأخراً؟ أي جاء بعد أن لم يكن الإسلام إقطاعاً طائفياً؟

بعد أن يعجز أدونيس عن الخروج من ذلك التناقض الجوهري غير المحلول، يتوجه للخروج من دوائر البنية الاجتماعية، فيقول:

«لا جدال في أنه من المهم أن ندرس الشروط التي نشأت فيها ظاهرة ما (ثقافية، أو اجتماعية، أو سياسية.. الخ)، لكن من الأهم أن نعرف معناها. ولا نستطيع أن نعرف معناها من مجرد معرفة شروطها، وإنما نعرفه حين نعرف القوة التي تمتلك هذه الظاهرة وتوجهها وتعبر من خلالها عن نفسها. »(15).

هنا إحساس بأهمية قراءة الشروط الموضوعية لتكون الظواهر التاريخية، ولكن هل تنفصل معاني الظواهر ودلالاتها عن شروطها ومناخاتها؟

وبالتأكيد تتجاوز الظاهرات شروطها وظروفها، وإلا لما كانت ذات أهمية، وفي هذا التعبير استشفاف بأن ثمة قوةً تحوليةً في الإسلام المؤسس، لكن أدونيس لا يقر بكون ظهور الإسلام ثورة اجتماعية نهضوية، بل بعكس ذلك كما سيتجلى لاحقاً، ولهذا يروح للبحث عن القوة التي تمتلك تلك الظاهرة، بدلاً من أن يتابع تشكلها في شروطها ونضالها للقفز بالمنطقة من تلك الشروط الصعبة المتخلفة، فيؤكد بأن التغيرات الإيجابية والتقدم جاءت من خارج الإسلام العربي. فيقول:

«مع الفتوحات العربية الإسلامية، أخذ ينشأ هامشٌ يضيق ويتسع، بحسب الأوضاع والحالات. ويعودُ السببُ في نشوء هذا الهامش إلى التعددية القومية – الثقافية: لم يعد المجتمع الإسلامي / العربي، بعد الفتوحات متجانساً، قومياً وثقافياً، كما كان قبلها. »(16).

وهنا نرى بأن التغيرات الإيجابية نتجت من احتكاك العرب بالعالم المفتوح، ولكنها ظهرت من فعلِ عوامل قومية ثقافية، أما الظاهرة الأصلية، أي الإسلام المؤسس، فلم يكن يحمل شيئاً إيجابياً، بل تكونت التغيرات الإيجابية من الهامش، وهذا الهامش هو الذي صنع الظواهر المضيئة حسب رأي الباحث:

«هكذا أصبح، بعد أن دخلت عليه عناصر تنوع وتعدد، منظومة من التناقضات / أي التوترات. هكذا نرى الصوفية إلى جانب الفقهية الشرعية، وألف ليلة وليلة إلى جانب علم الكلام والفلسفة، والنزعة الشعوبية إلى جانب النزعة القومية، والفكر الإلحادي إلى جانب الفكر اللاهوتي، وحرية الحلم والرؤيا إلى جانب الحكمة العملية والتعقل. »(17).

إذن فإن الإسلام المؤسس لم يكن يحمل بذوراً وإمكانيات للحداثة، فهذه جاءت من ظهور الهامش، فيتضح بشكل جلي بأنه «هو الثابت» وأن المتحول هو هذه العناصر الحديثة التي تشكلت في الفضاء التاريخي الذي شكله العربُ، كما لو أن البنية الاجتماعية / الثقافية التي شكلوها كانت بنية صلدة لا تناقضات فيها، ويهيمن عليها الثابت المتخلف، ولم يظهر المتحول إلا عبر الشعوب الأخرى!

تتوارى هنا السيرورة التاريخية للبنية الاجتماعية، فالعرب البسطاء البدو الذين عبر بساطتهم هذه دمروا أنظمة الاستبداد العريقة، وحملوا ميراثاً ديمقراطياً عبر ثورتهم تجلت في فرق النضال المديدة، وقدرتهم على إعادة سبك المنطقة في عالم كوني، يتحولون هنا إلى جلمود صخر حطه السيلُ من الصحراء الجامدة، فتأتي الإنجازات من الخارج.

إن الداخل العربي الإسلامي، والخارج القومي غير الإسلامي، عبر وعي أدونيس في هذه المقدمة لكتابه الثابت والمتحول، يغدوان متنافرين متباعدين، ولا يتشكلان في سبيكة تاريخية متداخلة، فالعرب لا يضيفون بل يُضاف إليهم، وهم لا يغيرون بل تأتيهم التغيرات من الخارج.

إن العملية التاريخية هنا غير ديناميكية وغير جدلية، فمنذ البدء يرى أدونيس الداخل العربي المشكل للعملية التاريخية بأنه غير ذي أهمية، رغم أنه في هذه المقدمات لا يقول عنه شيئاً كبيراً، بل نستشفُ ذلك، ثم يغدو الإسلام هو الوعي المحافظ باتجاه معين، بعد أن تكرس قمعاً وشراءً، أي بعد أن تمكنت قوى الإقطاع السياسي والمذهبي من تفريغه من دلالاته الثورية، لا أن يتم درس هذه العملية الثورية التي شكلها الإسلام وسببيات تمكن هذه القوى المحافظة بمختلف المذاهب، من ذلك التفريغ، وهو أمر يشير من قبل أدونيس إلى تحميل مذهب معين مسئولية تشكيل الطابع المحافظ في الإسلام، بدلاً من رؤيتها كعملية اجتماعية تجلت في كل المذاهب والأديان في المنطقة، لأسباب تتعلق بمشكلات التشكيلة الإقطاعية ومحدوديتها، أما تحميل «السنة» مسئولية صنع التخلف فربما هو الأمر الذي يشير إليه أدونيس عندما قال بوجود قوة «محافظة» تجلت منذ الإسلام الأول، وإن هذه القوة صبت الدين بشكل معين. وهنا تناقض مع وقائع مشهورة مثل كون ابن رشد وابن خلدون السنيين المالكيين هما ذروة العقلانية في العصور الوسطى كلها!

هنا نرى العملية الفكرية الأدونيسية وهي تحلل التاريخ بعد أن أنجزت صنعه القوى المحافظة ونحّت العناصرَ الديمقراطية والنهضوية، أي أن أدونيس يرى الإسلام كإقطاع مذهبي، بعد أن رسخ ذاته، وليس في مجرى الصراعات المتعددة، والقوى النهضوية تتشكلُ وتقاوم، ثم يقومُ بدمغ الإسلام كله بالنتائج الأخيرة لهيمنة الإقطاع الطائفي.

لا تكفي مقدمات كتاب «الثابت والمتحول» للشاعر والباحث أدونيس للكشف عن كل أبعاد المتن، أو نص الكتاب، ولكننا هنا بصدد عرض الخطوط العريضة لتفكيره، وقد رأينا كيف تجنب بشكل كلي رؤية ظهور الإسلام كثورة نهضوية تحديثية للعرب، وهذا التجنب يدفعه لرؤيتها بعد أن هيمن عليها الإقطاع المذهبي، أي بعد أن تم تكريس الإيمانية النصوصية، وهو أمر لم يتم في المذاهب السنية وحدها، ولكن العملية تجلت في كافة المذاهب والأديان في المنطقة، لوجود قوانين للبنية الاجتماعية تقوم بإعادة تشكيل الأفكار وإخضاعها لمنطقها الداخلي.

ولهذا فهو في مقدماته المكتوبة منذ تأليف الكتاب كأطروحة للدكتوراه كما يوضح في فقرة توضيحية، إلى إعادة طبع المؤلف في سنة 2002، عبر طبعة دار الساقي التي نراجعها الآن، يحافظ على نفس الرؤية للإسلام كدين محافظ جاءت التغيرات إليه من الخارج، وفي هذا تقارب للرؤية الأدونيسية مع المواقف المحافظة، التي رأت الإسلام كما يراه، أي بأنه ليس ثورة نهضوية أعادت تشكيل المنطقة، بل رأته كعملية غيبية منقطعة عن سيرورة التقدم والتحرر، وبهذا قامت بتجميد الإسلام في قوالب، وأدونيس لم ير حسب المقدمات، سوى هذه القوالب، التي هي نتاج متأخر لصراع اجتماعي وفكري طويل، وحين يعزل العملية النهضوية الأولى عن القوالب، ويفصل الثورةَ عن الثورة المضادة، يقطعُ سيرورةَ العملية التاريخية الموضوعية، فيؤدلجها، أي يقوم بإخضاعها لرؤى مسبقة، تنمو فيها عملية القطع والتأويل الخاص، أي تصبح قراءة غير موضوعية، وتتوجه لأحكام تعميمية.

وبطبيعة الحال لا تكفي المقدمات لتحليل كل النص البالغ أربع مجلدات من القطع المتوسط، وتمثل جهداً فكرياً كبيراً، ولكنها تمثل كذلك خلاصة مركزة، وتعبر عن الحفاظ على ذات الرؤية على الرغم من الجهود الواسعة الكبيرة التي تمت لتحليل التراث الإسلامي خلال العقود الأخيرة.

كذلك فإن كون الكتاب هو رسالة دكتوراه تقدم في جامعة مسيحية، بأشراف باحثين مسيحيين، وتوجه المقدمات لإدانة مذهب إسلامي معين، هو مذهب الغالبية من المسلمين، هو تعبير عن عدم القدرة على تجاوز الثنائيات المذهبية والدينية المتصارعة في المنطقة على مدى ألف عام.

أي عدم القدرة على رؤية صراع المذاهب باعتباره صراع القوى المهيمنة في الطوائف، وتحريفها للصراع الاجتماعي عن أسسه الحقيقية، حيث أن القوى المهيمنة المستغلة استطاعت أن تجمد كافة المذاهب والأديان عن الفعل التحديثي والديمقراطي، وتعرقل التطور والتحرر بين كافة المسلمين والمسيحيين العرب، وإذا كان ثمة تطور في بعض الطوائف فهو تطور جزئي، فوجود أسر مسيحية لا يوجد فيها تعدد زوجات، لا يعني بأن هذه الأسر تجاوزت الدكتاتورية الأبوية، وإذا كانت التأثيرات التحديثية الغربية وخاصة الفرنسية منها، قد طورت من أوضاع هذه الأسر تعليمياً، فإنها لم تصل بها إلى الحداثة الحرة، بل غدت أجزاء تابعة للهيمنة الفرنسية، وبقائها في الطائفية وصراعها الدامي من أجلها، تعبير عن عملها لتخليد امتيازات المستغلين الكبار في الطائفة الذين استغلوا الشكل الطائفي للسيطرة الاجتماعية.

أي أن فرنسيتهم التحديثية تحولت إلى إقطاع ديني، حسب قانون البنية الاجتماعية.

إن العملية الفكرية لتفسير الماضي تكون عادة في ظل مصالح وتيارات راهنة، تؤول قراءة الماضي تبعاً لأهدافها، ويبدو الهدف من مقدمات الثابت والمتحول هو إزاحة دين كامل أو على الأقل مذاهبه المحافظة، وليس القراءة الموضوعية الدقيقة لكافة عناصره، وإبراز ما قامت به القوى المحافظة من تكريس صورة زائفة عن الإسلام، ونقد هذه الصورة وتجاوزها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: ‏‏‏‏‏‏الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث فصل تحديثيون معاصرون ص 345.

* نشر هذا المقال في جريدة أخبار الخليج البحرينية في سنة 1995، مع تعديلات طفيفة حالية 2008.

(1): (البيانات) كتاب أصدرته أسرة الأدباء والكتاب البحرينية سنة 1995، ص40).

(2): (ص 45).

(3): (ص 47).

(4): (راجع حول نسبية الجوانب الإيجابية الغربية في الثقافة الديمقراطية كتاب (روح الأنوار) لتزفيتان تودوروف، الذي يقرأ تلك الجوانب بشكل تاريخي، وهو كتاب من إصدار مجموعة دور عربية، تعريب حافظ قويعة، سنة 2007).

(5): (الثابت والمتحول، دار الساقي، سنة 2002، ج 1، ص68، ط 8).

(6): (المصدر السابق، ص 69).

(7): (المصدر السابق، ج 1، ص 13).

(8): (المصدر السابق، ص 15، 16).

(9): (المصدر السابق، ص 22).

(10): (المصدر السابق، ص 21).

(11): (المصدر السابق، ص 21).

(12): (المصدر السابق، ص 21).

(13): (المصدر السابق، ص 23).

(14): (المصدر السابق، ص 23).

(15): (المصدر السابق، ص 34).

(16): (المصدر السابق، ص 32).

(17): (المصدر السابق، ص 32).

الانتماءُ والغربةُ

الدينُ هو الجمهورُ، والثقافةُ الحديثةُ هي النخبُ الطالعةُ من الفئاتِ الوسطى، والجمهور لابد له عقيدة من دين، حسب سيرورات العصور السابقة والراهنة، ولم تحدثْ علاقاتٌ دقيقةٌ بين نخبِ الثقافة والجمهور العربي الإسلامي المسيحي على مدى القرون، بسبب عدم فهم الدين وعدم فهم الجمهور وتوجه النخب بعد الثورة الإسلامية المؤسِّسة إلى متابعةِ الإقطاع وعدم إنتاج ثورة ديمقراطية.
تصوراتُ الدين الغيبيةِ هي النظامُ المثالي وقد انفصل عن الوجود المادي، وصار رموزاً، وهي أدواتٌ لمنع الشر، ومكأفاة الطيبين الأخيار، وجعل الوجودَ اللاأخلاقي أخلاقيا. وقد تحرك الثوريون المؤسِّسون من خلالهِ للتوحيد وجعلِ المالِ العام عاما حسب ظروفهم وإمكانياتهم فُصنعَ التقدمُ إلى حين.
النخب المعلمة أوالمثقفة أو المسيَّسة يمكن أن تنفصلَ عن الدين وتعاديه ويمكن أن تستثمرهُ لمصالحِها الذاتية ويمكن أن تفهمه وتجعلُ الوعي بهِ مفيداً للتقدم، حسب علاقاتها بالجمهور ومدى إيجاد التقدم فيه لا أن تستغله لمصالحها الخاصة.
هذه المواقف تعبرُ عن علاقةِ الثقافةِ المنتجةِ عبر العصور تجاه ثقافةٍ مُسبقة مُنتجةٍ في شروطٍ أخرى، لكنها تخترقُ العصورَ وتفرضُ نفسَها وتتحكمُ في تطورها، لأن الجمهور صانع التاريخ يبقى متخلفا أميا لا يعي العالم إلا من خلال الدين بنسخه القديمة غير المرئية في ضوء العلوم.
عبر أرسطو عن علاقة الثقافة المفيدة الموضوعية تجاه الدين الوثني، فنشرَ المفاهيم العلمية لعصره، التي حدت من تدخل الآلهة في شؤون العلوم الطبيعية خاصة التي كانت شديدة الضرورة للحرف والتجارة والملاحة وغيرها من الشؤون الشديدة الأهمية، لكن العلوم الاجتماعية واكتشاف قوانين الحياة الاجتماعية كانا أمراً غير ممكن وقتذاك رغم بدايات الحفر التي تمت وقتذاك.
ولهذا كان أرسطو مهما لدى مثقفي المسلمين ويطلقون عليه المعلم الأول، لأنهم كانوا بحاجة إلى الأدوات الفكرية المعرفية نفسها لتطور العلوم الطبيعية والاجتماعية، فغدوا منتمين إلى عصرهم.
تختلف مدارك هؤلاء المثقفين عن مصطلحات الدين وطرائق معرفته وعوالمه الغيبية، وقصصه، لكنهم لم ينفصلوا عنه، وحاولوا تغيير زمنهم واثراء الناس بالمعرفة «العلمية» لكن الدين بنسخه السطحية هو الذي بقي بتفاسير متخلفة بائسة ازدادت انفصالاً عن الواقع وطارت نحو الكواكب والنجوم والأوهام وثورتهم المعرفية دُفنتْ في الكتب القديمة، ولم تعدْ تتصلُ بالواقع أو تغيرُ أحوالَ الناس التي تدهورتْ وعمتْ فيها الخرافاتُ والحروب والانقسامات، حتى ظهر الأوروبيون بمعارف جديدةٍ حركتْ الحياةَ مجدداً في الكوكب الأرضي الغارق في الظلام.
العلاقة بين المثقفين الطليعيين والناس، بين المعرفة الجديدة والشعب، ترتكزُ على الدين والعلوم، فالدين يقومُ بوظيفته، حسب تصوراته وشعائره في الصلة بين البشر وتراثهم وماضيهم وأخلاقياتهم وتاريخهم القومي، والعلوم تقوم بدورها في تطوير الإنتاج بمختلف حقوله بشكل موضوعي لا تعرف الأديان والأجناس بل تبحث عن السببيات والقوانين.
إن فئةَ إنكار الدين «التقدمية» وإزالته واجهتْ عالما خياليا حولتهُ لواقع، مؤدلج، غير مُدركٍ علميا، أو هي تجنبته وعاشتْ على أفكار أخرى، وكلتا الفئتين لم تقم بعلاقات حقيقية مع الناس، الذين لا يتغيرون إلا من خلال دينهم.
العلاقات الموضوعية مع الناس تتطلب العلاقة مع دينهم، ومع مستوياتهم المعرفية ومع تاريخهم الخاص في تنوع الإنسانية الكبير المتعدد، لا احتقاراً وإزالةً ولا بقاء عند مستويات النصوص البسيطة السطحية وتحنيط الرموز بل عبر نشر معرفة حقيقية عن الماضي وأفكاره وتطوير المعرفة والإنتاج ونشر الثقافة الحديثة مواكبةً للديمقراطية ورفع مستوى حياة الجمهور المعيشية والفكرية.
الفئاتُ المستغِّلة للدين من أجل مصالحها الخاصة تبقي الثقافةَ الدينية كما هي قادمة من العصور القديمة خادمة لقوى الإقطاع لا لقوى الإنتاج الشعبية، وتعيش مع حياة الناس العادية من دون تغييرها وإدراك أسباب تخلفها ومشكلاتها العميقة.
هو انتماءٌ سطحي يعيشُ على عمل الجمهور وعلى ثقافته القديمة، فيستطيع أن يحكم الجمهور ويبقيه في ظروفه السيئة السلبية.
وعندما انعزل التقدميون عن الدين، كسبه الرجعيون والمحافظون واستغلوه، فلا أولئك غيروا الحياةَ من خارجها وبمحفوظات وقوالب خارجية ولا هؤلاء قادرون على تغييرها بقوالبهم المستوردة من الماضي المحنط المشكل حسب قوى الإقطاع وهم غير قادرين على فهمها من داخلها الحقيقي لا الموهوم الذين اصطنعوه عبر القرون.
مصالحُ الفئاتِ الوسطى وصراعاتها وتوجهاتها سوف تحدد اللحظات السياسية المؤقتة المرحلية، فالجمهورُ سوف يرى على المسرح التاريخي الآن الفروقَ بين الكلام والفعل، بين الدين الموجه والدين الحقيقي، سيجد قوى الإقطاع المختلفة وهي تشكلُ رساميلَها الخاصة، من خلال الملكيات العامة، ومن هنا أهمية استبعاد منظمات هذا الجمهور العامل السياسية والنقابية وتوجه الملاك الجدد لوراثة الملكيات العامة المنخورة.

 

عبدالناصر كإقطاعي*

جمال عبدالناصر

(1970 – 1918)

إذا أردنا أن نهز المسلمات المعششة في الوعي العربي السائد، فلا بد لنا من بعض الصدمات الفكرية التي تقوم بإيقاظه، مثل هذا العنوان السابق ذكره، فما هي علاقة المناضل الوطني الكبير جمال عبد الناصر بالإقطاع، وكيف يكون إقطاعياً وهو من العاملين لتوزيع بعض الأراضي على الفلاحين والذي اسقط الملكية؟!

يرفض الوعي العربي السائد مفهوم التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية، وهو مفهوم أساسي لوعي التاريخ ومراحله، ومن هنا كانت المشكلة في وعي التاريخ العربي المعاصر، وتناثر التسميات المجانية فيه وعنه، فهذا الوعي يرفض السمة الموضوعية لهذا التاريخ وهو إنه عملية انتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية.

أي أننا نحدد مدى التقدمية في هذا التاريخ بالقدرة على إجراء عملية الانتقال بين التشكيلتين المتمايزتين، وبدون الاعتراف بهذه التشكيلات وعمليات تطورها لا يمكن أن يكون ثمة أساس موضوعي للأحكام.

لقد أقام الوعي العربي بأغلبية توجهاته الحديثة على اعتماد التسميات الفضفاضة عن التحولات السياسية، فعبر تغييب مفهوم التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية، اعتمدت تلك التسميات حول التجربة الاشتراكية والمجتمع الديمقراطي واقتصاد الريع، فظهرت تجارب مصر والجزائر وسوريا في عمليات التأميم والإصلاحات الاقتصادية وكأنها تحول إلى الاشتراكية، وأنها أنجزت مهمات الانتقال من عالم الإقطاع إلى الرأسمالية، ولهذا بدت التجربة الناصرية وكأنها قد أتمت مرحلة الانتقال هذه، وإنها تستعد للصعود إلى المجتمع الاشتراكي.

لكن قانون الإصلاح الزراعي الذي ظهر في بداية الثورة، أي في سنة 1953 وقام بتوزيع الأرض على الفلاحين، لم يقض على الإقطاع، فعمليات التحايل على القانون كانت كثيرة، حيث قامت العائلات الإقطاعية بتوزيع أراضيها على أسماء الزوجات والأقارب بحيث تمكنت من التهرب من الحد الأعلى للملكية الذي فرضه القانون، وكان حداً كبيراً، حتى إنه في سنة 1965 جرت صراعات واسعة ضد الإقطاع في الريف المصري، وقتل فيها أحد المناضلين البارزين وقد عُرفت بحوادث قرية «كمشيش». أي إن الإقطاع حتى بشكله الاقتصادي الزراعي البارز لم يتم القضاء عليه، وعقدت لجنة لتصفيته برئاسة عبد الحكيم عامر!

لكن قضية البنية الإقطاعية في الشرق تتجاوز مسألة الملكية الزراعية بافتراض الحد منها، فهي مرتبطة بطبيعة الحكم والبنية الاجتماعية، فملكية العائلات البارزة للسلطة، وسواء كانت في الحكم أم كانت معارضة، هي التي تحدد طبيعة النظام الاجتماعي، فهي عندما تستولي على الحكم تقوم بالسيطرة على ملكيات الأرض واستثمار دخلها. حيث كانت الأرض الزراعية هي المصدر الأساسي للثروة في العصور القديمة والوسطى.

ولهذا فإن «الضباط الأحرار» حين استولوا على السلطة كانت الكثير من فوائض الزراعة تتوجه إلى جيوبهم. بطبيعة الحال كان عبدالناصر بعيداً عن هذا الاستغلال ولكن نحن نتكلم عن الفئة التي هيمنت على الحكم، وبدت تستولي على الثروة.

لقد توحد الضباط الأحرار بالأجهزة القديمة وتداخلوا مع العائلات البارزة، ولهذا غدت الديمقراطية وعودة الأحزاب مرفوضة بالنسبة إليهم. لكن المسألة تتعدى فوائض الزراعة فهناك الاقتصاد الحديث بشركاته الكبرى والمقاولات الخ..

لقد قامت إدارة الضباط الأحرار بالتخفيف من الإقطاع الزراعي ووسعت انتشار الملكيات الخاصة في الريف، وأصبحت فئة بيروقراطية تستفيد من فوائض الإقطاع الريفي والرأسمالية المتنامية في الحياة الاقتصادية. وبطبيعة الحال هناك منجزات وطنية كبيرة في تطور الاقتصاد والحياة الاجتماعية: إقامة المصانع، وإنشاء السد العالي، وتطوير التعليم والثقافة الخ..

نستطيع أن نقول هنا إن نظام الضباط الأحرار هو استمرار للنظام الإقطاعي – الملكي، بشكل جديد، عبر بقاء الملكيات الإقطاعية الزراعية في الريف بصفتها الشكل البارز من الملكية. أي أن نظام العصور الوسطى لم يتغير هنا بصفة جوهرية. رغم إن الأرض صارت ملكية حقيقية، وليست ملكية انتفاع كما كان الأمر في العصور السابقة.

إن هيمنة الضباط الأحرار على الريف، كمصدر أساسي سابق وراهن للثروة، تأتي من خلال أجهزة الدولة، بل أحياناً من خلال التملك الخاص نفسه، كما يجري حالياً للضباط الأحرار في بعض الأنظمة حيث يملكون أكبر المزارع والأراضي الخصبة (تجارب ليبيا وسوريا والعراق والجزائر).

وقد كانت أغلبية الرموز البارزة في حركات الضباط الأحرار العربية من عائلات ريفية تمتلك ملكيات صغيرة أو متوسطة من الأرض كجمال عبد الناصر وأنور السادات والبكر وصدام حسين وأحمد بن بله الخ..

وكان الوصول للسلطة عن طريق الانقلاب العسكري يعني في حد ذاته إبقاء العلاقات الإنتاجية القديمة، حيث يهيمن جهاز الدولة على الملكية وتوزيعها، وتعتبر السيطرة عليه أحد الشكلين البارزين للإقطاع، وهو هنا الإقطاع السياسي الحاكم.

وتوجد هنا علاقات رأسمالية بشتى تجلياتها بطبيعة الحال، فالضباط الأحرار وعائلاتهم يقومون باستثمار ثروة الحكم في شراء الأراضي والعمارات وبإنشاء الشركات المختلفة. ولكنها هنا رأسمالية بيروقراطية، فالفائض يأتي من تملك الإدارة السياسية، وهو ليس من نتاج الملكية الحرة، بمعنى إنها جزء من السرقة العامة، أي من السيطرة السياسية على الدولة، وهذا هو الإقطاع الشرقي. ولهذا غالباً ما نجد التداخل بين هذا الرأسمال البيروقراطي المسروق من مال الناس متوجهاً للأعمال التجارية الطفيلية وسريعة الربح والخالية من المخاطر. ونجد النسب بين أنور السادات ومالك ومؤسس شركة المقاولين العرب على سبيل المثال ليس نسباً عائلياً فحسب بل هو نسب اجتماعي وسياسي.

ولا تتعرض ملكيات الضباط الأحرار وفئاتهم العسكرية والبيروقراطية للمصادرة بطبيعة الحال، وحين تأتي التأميمات فإنها تضرب الملكيات الصناعية، أي تضرب فئات البرجوازية الصناعية الوطنية، تاركة الفئات والشرائح الأخرى في نموها السريع والمخيف. وهنا يقوم الإقطاع السياسي بالسيطرة على البرجوازية الصناعية، مما يعني القضاء على جذور حزب الوفد وجذور الحداثة والليبرالية.

في هذا التأميم الموجه للرأسمال الصناعي كارثة مستقبلية كبرى، فهو حكم بالإعدام على عملية اقتصادية وفكرية عميقة ومهمة، ولكن علينا أن نراه، من زاوية قدرة جهاز الدولة الشرقية عموماً في استخدام العنف في تشويه التطور الاقتصادي، وعدم السماح بظهور طبقة وسطى قوية وحديثة، فالصناعة هي القاعدة لتشكيل برجوازية حديثة قادرة على تجاوز هيمنة الدولة العسكرية – الإقطاعية.

ومن الجانب الثقافي فإننا لن نجد ذلك التداخل بين الصناعة والعلوم، وسنجد فئات البرجوازية كلها في حالة تبعية لجهاز الدولة أو للغرب ذي الرأسمال الكبير.

لقد كان بإمكان الضباط الأحرار تأميم العمارات والوكالات التجارية الخ.. لكنهم اختاروا الصناعة لكونها لا تدخل في ظل هيمنتهم. ويمثل ذلك من الناحية التاريخية، إخلاء الساحة الاقتصادية للنمو المتسارع لأشكال الملكية ذات الربحية السريعة، وغير المتداخلة بالعلوم، والتي ستكون المدخل لسياسة الانفتاح والطفيلية الشديدة عموماً.

لكن الدولة من جهة أخرى، لعبت دور (الأب) الراعي للطبقات الشعبية، فهي إذ قامت بضرب البرجوازية الصناعية، الخصم البارز لها، استطاعت أن تثبت الأسعار وتتحكم في السوق وتحافظ على الأجور والتشغيل.

ويتشابه ذلك مع دولة الخلفاء الراشدين، عبر توزيع عادل للثروة، وبتحكم الدولة في القطاع العام الزراعي، ولكنه صار الآن القطاع العام الصناعي، مع إطلاق الحريات الاقتصادية في التجارة والمقاولات والصرافة، التي راحت تنخر الملكية العامة وتسرقها.

ولهذا نجد من الناحية الفكرية تسود شعارات مثل الاشتراكية العربية ويكتب (محمود شلبي) عن اشتراكية عمر بن الخطاب، ويكتب محمود أمين العالم عن «تجربتنا الاشتراكية» الخ، أي يتم انتقاء فسيفساء فكرية تجمل النظام الاجتماعي.

لكن هل استطاع النظام الناصري الانتقال فعلاً من الإقطاع إلى الرأسمالية أو قفز إلى الاشتراكية؟

فهو يقول عن نفسه إنه نظام غير رأسمالي ومع ذلك فهو ليس نظاماً اشتراكياً، وقال بعض المنظرين الماركسيين وقتذاك إنه نظام تقوده البرجوازية الصغيرة وقال لطفي الخولي إنه نظام انتقالي إلى الاشتراكية وقال آخرون إنه النظام اللارأسمالي الخ..

لا شك إن رأسمالية الدولة الوطنية هي شكل النظام الاقتصادي فقد أصبحت الدولة تملك أكبر رأسمال اقتصادي، لكن رأسمالية الدولة بحد ذاتها هي ميدان لصراع الطبقات المختلفة وهي ليست تشكيلة اقتصادية – اجتماعية، وهي فترة تحضير لمسار تاريخي ما، فالمسألة هنا تعتمد على كيفية توجه الفائض الاقتصادي، فهل هو يتوجه لإشاعة العلاقات الرأسمالية أم للعلاقات الإقطاعية الريفية، ولا نستطيع أن نؤيد الطرح القائل بأنها إعداد للانتقال إلى الاشتراكية.

فرأسمالية الدولة أما أن تؤدي للإمام أو تعود إلى الخلف، أو أن تبقى في هذه المرحلة الانتقالية بين الإقطاع والرأسمالية. فلا تغدو إقطاعية تماماً ولا رأسمالية صرفة. ونحن قد استبعدنا تماماً القفزة في الهواء «الاشتراكية». لأن الاشتراكية لها شروط موضوعية مغايرة تماماً، لكن إذا كانت رأسمالية الدولة هي شكل للانتقال إلى الرأسمالية الصرفة، فما هي هذه الرأسمالية الخاصة الانتقالية؟ ما هي رأسمالية الدولة؟

علينا أن نواصل المناقشة.

علينا أن نقرأ جوانب من الميدان الإيديولوجي لكي نرى مستويات أخرى من إشكالية الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية. فنحن نجد حزب الوفد ممثل الرأسمالية الوطنية يتوارى عن الوجود الفكري والسياسي وكأنه لم يكن رغم مقاومته الطويلة للدكتاتوريات السابقة، في حين إن حزب الإخوان هو الذي يبرز ويتصاعد دوره حتى يغدو مهيمناً في المرحلة التالية.

أي أن المرحلة في الميدان الفكري كانت على النقيض من التوقع، حيث قلنا إن المرحلة الناصرية هي مرحلة انتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، تمت بأدوات القوة السياسية، ولكننا أوضحنا إن هذه الرأسمالية كانت مدمرة للقوة الاجتماعية القائدة لمرحلة التحول الحقيقي والمفترض وهي البرجوازية الصناعية.

أي أن مرحلة الانتقال بتلك الصورة أدت إلى تخريب الانتقال، وأدت إلى مشكلات حادة، وظهور الإخوان كحزب مؤثر هو تتويج لمرحلة الانتقال المُخرَّبة تلك.

فبدلاً من التوسع وتعميق مظاهر الحريات الاجتماعية والفكرية رأينا العودة إلى اعتقال النساء وظواهر التخلف المختلفة، ويقال لنا إن هذه ظاهرات قادمة من شبه الجزيرة العربية، ولكن كيف استطاعت مثل هذه الظواهر أن تنمو في المجتمع المصري بهذه السرعة والشمول إذا لم تكن هناك جذور أساسية وموضوعية سمحت لها بهذا النمو؟

أي إنه لو كانت الثورة الناصرية عملية تجذير للتطور الرأسمالي والحضاري، معمقة إنجازات المرحلة الليبرالية اجتماعياً وثقافياً لما تمكنت حفنة من الأشخاص من تخريب التطور.

فعودة القوى المذهبية للتحكم في المجتمع المصري، سواء على الجانبين الإسلامي أو المسيحي، يعني فكرياً وحضارياً، عودة إلى ما قبل الدولة الحديثة، ربما إلى عصر محمد علي أو غيره.

أي إن عملية الصهر التي قام بها الحكام الملكيون والبرجوازية الوفدية تم انهيارها على يد جماعة الضباط الأحرار وعهدهم الجمهوري – الملكي. فرجع المجتمع المصري في حركته السياسية إلى ما قبل سعد زغلول.

ومن جهة معينة، فنحن ندرك الآن إن ثمة إنجازات اقتصادية واجتماعية تمت في العهد الملكي اتاحت عملية الانصهار ووحدة الشعب، وقربته من عملية الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية الحديثة، عبر نمو البرلمان والصحافة الحرة وتطور العلاقات الاجتماعية المتمدنة، فجاءت حركة الضباط الأحرار ومنعت هذه العملية الانتقالية، أو على الأقل رسخت الجوانب الدكتاتورية في المجتمع.

إن التسريع في بعض جوانب التطور الاقتصادي وإقامة المنشآت التاريخية، هو أمر لا يمكن إغفال أهميته، ولكن الخسائر كانت جسيمة أيضاً، بطبيعة أسلوب المصادرة، أسلوب العنف العسكري والفاسد في إدارة العمليات التاريخية.

أي أن المشروع الوطني التحرري الناصري لم يستطع أن يخرج من جسم العلاقات السياسية الإقطاعية المهيمنة، فقد كرس الدولة كمصدر الثروات، وليس الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، ولكن الدولة كمصدر للثروة أمر يقود إلى الابتعاد عن الطريق الموضوعي للتطور الرأسمالي، وبالتالي إلى عدم الدخول في الحضارة الحديثة، وهو أمر يقوي الإقطاع ويعيد البلد إلى العصور الوسطى، ولهذا ظهر الإخوان، والكنيسة القبطية، كمظهرين لنفوذ الإقطاع السياسي – الديني المتصاعد في الحياة السياسية والاجتماعية.

علينا أن نرى هذين المظهرين المتضادين؛ الأول هو إشاعة العلاقات الرأسمالية في التجارة وعمليات التوزيع والتداول، وفي تطور العلاقات النقدية والبضاعية الريف، والمظهر الثاني في تنامي قوة البنية الاجتماعية والفكرية الإقطاعية. إن هذين المظهرين المتضادين يعبران عن عدم قدرة الدولة على تغيير البنية الاجتماعية العائدة للقرون الوسطى: سيادة الذكور – اللامساواة الجنسية – بقاء الدولة دينية ورفض العلمانية – بقاء أملاك الإقطاع: الأرض الزراعية – أملاك الأوقاف.

وبعجز الدولة عن إنتاج علاقات رأسمالية في الميدان الاجتماعي، وهو البنية القوية المرتبطة بسيطرة الإقطاع الديني بفرعيه، الإسلامي والمسيحي، وبعجزها عن إنتاج علاقات رأسمالية في الميدان الصناعي، بل وضربها للبرجوازية الصناعية وتاريخها وإرثها، في ربط الصناعة بالعلوم، وتنمية حريات المرأة والنشر والاجتماع، أي قامت في المجال الاجتماعي والفكري بتمهيد الطريق لعودة الإقطاع الديني والسياسي.

من الناحية الموضوعية إذن، فإن العائلات الريفية التي ظهر منها الضباط الأحرار المصريون، وكذلك الجزائريون والعراقيون الخ..، قامت بزحزحة الإقطاع الزراعي قليلاً، فهي لم تخرج من الإقطاع ولكنها لم تدخل الرأسمالية كلية، ولم تتشكل كرأسمال صناعي ذي تاريخ تحضري مديد، وبالتالي فإن تكويناتها الفكرية والاجتماعية هي إقطاعية دينية، واستولت على الدولة وقطاعها العام مخربة بذلك التطور البرجوازي النهضوي على مدى نصف قرن، وإن هذا الإنزياح الريفي على المدن يكتسب في كل بلد عربي – إسلامي طابعه الخاص، من تقاليد وموروثات البنية وتاريخها، لكن هذا الهجوم العسكري على الثروة العامة وإعادة توزيعها، يتصف بإعادة تاريخ العنف وغياب دولة القانون والدستورية بشكل عام، بسبب إن مجموعات من الضباط بين ليلة وضحاها أصبحوا مستولين على الثروة، وهذا بحد ذاته يستدعي الموروث العربي في الغزو والفتوح والبذخ.

إن الأسباب الموضوعية لتدهور الجمهوريات العربية متقاربة، وقد رأينا إن العجز عن إنتاج علاقات رأسمالية حديثة في قطاع الصناعة، عبر عدم ترك التطور الصناعي الرأسمالي الخاص يأخذ مجراه، وبالتالي عدم السماح لتطور إنتاجي خاص واسع النطاق، يمكنه أن يتعاضد مع قطاع عام إنتاجي وعلمي، يؤدي إلى عودة الإقطاع. فإذا كان التقدم لا ينمو باتجاه مجرى العصر، ويعجز عن إعادة تشكيل البنية الاجتماعية بمختلف مستوياتها: الاقتصادية – الاجتماعية والفكرية والسياسية، باتجاه التحديث الحقيقي ويتركز الأمر فقط على التغيير في بعض جوانب الاقتصاد، فإن البنية الاجتماعية المضروبة بشكل سيئ، وغير المغيرة عبر قوانينها الداخلية العميقة، تنفجر بالتناقضات.

فقد أصبحت الدولة إقطاعاً سياسياً حاكماً، ونشرت رأسمالية طفيلية، ولم تستطع أن تغير بطبيعة الحال الإقطاع في الحياة الاجتماعية والفكرية. لكن هذا فقط في الأوضاع العامة الكلية، ولكن جاءت تطوراتها الداخلية لتعمق هذا المسار، فقد خلقت فئات برجوازية طفيلية يكمن أساسها في ملكية الدولة، وراحت تنمو في كل مكان، رغم وجود قوى عاملة وشعبية مضادة. أي أن هذه الفئات الطفيلية ظهرت من الإقطاع السياسي الحاكم. ولهذا فإن أي رؤية تقدمية تتشكل في هذا المسار وتؤيد هذه العملية التاريخية، تغدو ذيلية للإقطاع الحاكم وتتآكل وتنهار في خاتمة المطاف. مثلها مثل المعتزلة في العصر العباسي، أو القرمطية في «العهد» الإسماعيلي، أو التنويرية في العهد الخديوي، وفي النهاية فإن الإقطاع المذهبي ذا العشرة آلاف سنة يعود لاستعادة مواقعه.

وهنا على هذه الأرضية الوطنية الداخلية يمكن أن تأتي المواد المناسبة من الخارج وتقوي هذا التنامي، فقد كان الإقطاع المذهبي المتنوع يتصاعد مع ازدياد الثروة النفطية في شبه الجزيرة العربية وإيران والعراق، فقد وجد الإقطاع السياسي المذهبي في الثروة النفطية طريقه إلى الصعود والسيطرة في المنطقة، وبالتالي بدأت الضربات تنهال على الوعي الديمقراطي العربي والإسلامي بمختلف تدرجاته، وقد كانت مصر الناصرية هي قاعدة هذا الوعي، الذي كان يتآكل بفعل تناقضاته الداخلية التي لم يعرف كيف يتجاوزها، سواء عبر العودة إلى المسار الديمقراطي الليبرالي، أو عبر استعادة الموروث الإسلامي الثوري، وتعرية الحركات الإقطاعية – المذهبية، أي أن الفئات البيروقراطية العسكرية – المدنية – التجارية، عجزت أن تلعب دور البرجوازية الصناعية الغربية، بإنتاج الحرية والعلوم والتصنيع والعلمانية.

ولهذا فإن الأخوان كتتويج فكري وسياسي للإقطاع المذهبي بين النخب الإسلامية، والكنيسة القبطية كقائدة للإقطاع في الطائفة المسيحية، تصاعد دورهما في الحياة السياسية والاجتماعية. وبدأت ثمار المنطقة السلبية تتوغل في البنية المصرية، وكانت الضربة الإسرائيلية في يونيو عبر المخطط الأمريكي، هي لحظة كسر القشرة التقدمية الأخيرة في هذا الجسد، لتظهر كل تناقضاته الفاجعة.

ولم تكن المرحلة الساداتية سوى تصعيد لكل هذه التناقضات على مسرح الأحداث، لقد ظهرت دولة القرية بكل فجاجتها، فهي تتويج لكل قوى الفساد الكامنة، ولهذا كان من المستحيل إعادة التطور البرجوازي النهضوي على سكته الحقيقية، أي أن التطور الاقتصادي صار إطلاق قوى الإقطاع في السوق، بدون صناعة ولا علوم، لكن نخب الإقطاع المذهبي وقد امتلأت أيديها بذهب النفط والدم الشعبي تطلعت للحكم بطبيعة الحال.

أي أن التطور الذي كان يبدو مذهلاً، واعتبار التاريخ كله كأنه من صنع فرد، لم يكن كذلك، فهناك سببيات عميقة، هي التي تفعل فعلها في نسج خيوط التاريخ بمعول غير مرئي، فكأنها مجموعات من الصدف والأحداث الغريبة غير المنطقية. والفرد مؤثر بشكل هام، ولكن كجزء من فئة ومسار تاريخي، وتشكيلة موضوعية، لا يستطيع سواء كان لينين أو ماو تسي تونج أو عبد الناصر تجاهل قوانينها الموضوعية، فقد يقفز لكن جاذبية القوانين تعيد الطيران إلى قواعده الأرضية.

وتكمن قدرتنا النضالية العربية المعاصرة في اكتشاف ذلك، وتصحيح المسيرة السابقة، آخذين ذلك الإرث النضالي العظيم في ظروفه.

إن قوى الإقطاع المذهبي والديني المختلفة تصور الأمر وكأنه انتصار للإسلام، وليس معركة اجتماعية هي إعادة تجديد الأمة بشكل عصري، يقدمون هم فيها برنامجهم اليميني المتخلف، ويمزقون فيه القوى الوطنية، وتراكمات النهضة، مثلما فعل أقرانهم في العصور الغابرة في تمزيق الأمة ووعيها وتقدمها.

إن إعادة التطور إلى سكته بعد الخراب المتعدد الألوان، عبر صعود رأسماليات غير صناعية، وتهريب رؤوس الأموال إلى الخارج، وملء السوق بالصناعات الاستهلاكية الخ.. أمر يتطلب تشكيل تحالف نهضوي بين القطاع العام والخاص، بين اليسار والبرجوازية الصناعية، بين الحداثة الاشتراكية والحداثة الرأسمالية العربية، بين الأحزاب الاشتراكية وأحزاب الطبقة الوسطى العلمانية، عبر السير في طريق رأسمالي ديمقراطي حديث وصناعي، يجمع الأقطار العربية في تعاون قومي، توحيدي.

________________________

* انظر رواية: رسائل جمال عبدالناصر السرية لــ عبدالله خليفة.

ثرثرةُ الوعيِّ اليومي

إنها نفسُ الأفكار كل يوم، ذات الإطروحات التي تحمضت، فتستطيع أن تعرفَ الكائنَ الكتابي الطحلبي في أنشودتهِ المكررة، مدح الحكومة أو مخاصمتها، ولا شيء آخر لديه، سواء أتى ذلك من ورقٍ مصقولٍ أو من البريد الإلكتروني المهترئ.

الديمقراطيةُ الموعودةُ لم تنشيءْ حاضنتَها: الطبقة الوسطى والعمال الديمقراطيين، فَصَعبُ حضورُ الجريدةِ ككائنٍ معبرٍ عن طبقةٍ وسطى غيرِ موجودة، بل هي فئاتٌ بخيلةٌ تضنُ بالإعلان وبالمساندة السياسية عبر حزب جماهيري، وبإنتاج أفكار نهضوية ليبرالية ديمقراطية مشتركة مُجادِلة باحثة.

لهذا فإن الجريدةَ ترتجفُ ضعفاً غيرَ قادرةٍ على أن تطلقَ مشروعَ موسوعة، أو مشروع كتاب كل شهر، ودعْ عنك تكوين فضائية.

ليس الأمر يعودُ لحجم الدولة صغيرة أو كبيرة، بل لمدى تطور الفئات الوسطى لتكونَ طبقةً منتجة، تحديثية، فالجريدةُ تلعبُ هنا قلبَ هذه الطبقة/ المشروع الديمقراطي، إذا كانت الفئاتُ الوسطى ذات خيال إجتماعي محدود محصورة في حصالة ضيقة، ترى تراكم النقود مثل ساعة رملية، وترتجف رعباً إذا تلكأ الرملُ في النزول مكوناً الحبيبات الفضية الحبيبة، وتكاد أن تزهقَ روحُها إذا توقف النزولُ لبضع دقائق..

فإن هذه الفئات لم يصقلها مفكرون، ولم يُعريها لوحاتٍ مسرحيون، ولم يكشف خباياها قصاصون وروائيون، ولم يجسدْ بخلَها رسامون، ولم يحيها ويخلقْها صحفيون كبارٌ قادةُ الرأي والضمير والفكر!

فهي تحولُ الورقَ سفراتٍ للأرزِ الكثيف، وترسمها بشوربة المرق اللزق الدهون، وترتعب من حضور المكتبات خوفاً على النقد الصغير الثمين.

تغدو الجريدة ملحقاً للإعلان، وتسمح للماعز بأكل ورقها الرخيص، وتملأها الوكالات بالمواد الطافحة اليومية لعلها تعيش.

كل شيء يومي في هذا الوعي؛ نقل الصور والأخبار، وتغدو التعليقات يوميات، وكل شيء معروف سلفاً، والناسُ على دين بلدانهم.

الوعي اليومي لا يدعو صاحب الكلمة أن يخترق المادة الطافحة، أن يخترق نسيجها، أن يعرف ما وراءها، أن يتجاوز مع أو ضد، أن يتابع جمود الفئات الوسطى ونسيجها الإيديولوجي الذائب، وعدم قدرتها على التنوع وتجاوز الماضي،  فلا بد أن يدخلَ في جماجمها المتوقفة عن الإنتاج، لماذا تعطلتْ خلاياها؟ لماذا تهترئ ولا تزدادُ عمقاً وتطوراً؟ لماذا تقاطع الفكر والفلسفة؟

خمسون سنة مرت أو قرن وذات الجُمل، ونفس التفكير، ألف لماذا وألف سؤال لا بد أن يُطرح، ما هي علاقة الفئات الوسطى بالكتب والخبراء والبحوث، هل يقرأون أم يعتمدون على الوحي؟ ثرثرتهم المتواصلة عن الإنترنت هل هي حقيقية أم إستعراض لإخفاء العداء للصحف والكتب؟ هل يعرفون الجغرافيا الاقتصادية وعلاقتها بالمال والتوسع والتوحيد وتكوين العمالقة الاقتصاديين؟

الجريدة هي قلب الفئات الوسطى سواء كانت حية أم ميتة، الفرن الذي ينتج الحرارة، يفجر الإبداعات، يظهر الفلاسفة، يخلق تياراً من المادة الحارة الفكرية التي تنتشر في الأدمغة المعطلة عن الإستخدام.

أحفرْ تحت الخبر، أحفرْ تحت التصريح، والتق بخيوط الصراعات والدوامات العالمية، طالعْ البشرية أين تركض، ونحن في أزقتنا نتصارع على الملل والنحل والمذاهب المكتوبة قبل خمسة أو عشرة قرون.

أعرف الجريدة قبل أن أقرأها، واعرف ماذا سيُكتب فيها، وأعرف ماذا سيقول فلان وعلان، المواد جاهزة في ذهني فلماذا أتصفح؟

الموالاة الجامدة مثل المعارضة المجنونة.

قانون الإنتاج المطلق

لا يكون الإنتاج الروحي إلا من أجل الناس، وبؤرتهم وقلبهم أصحاب العمل والإنتاج، قوى المعاناة والعطاء.
الفئات المنتجة للثقافة هي فئات وسيطة، لديها بعض الغنى المادي وبعض الغنى الثقافي، وتنمو حسب توجهها للناس، وتضحيتها بغناها الشخصي، لأجل أن تزدهر السعادة والغنى عند الأكثرية المنتجة.
وحتى حين كان المثقف ساحراً في العصور البدائية قبل التاريخ كان يشتغلُ من أجل الصيادين، فيرقص ويغني ويقص من أجل أن يزداد الصيد ويتكاثر الإنتاج ويعم الفرح.
وحين دبت الخلافاتُ بين الناس، وصار العبيدُ والأحرار، والفقراء والأغنياء، ظل قانون الإنتاج الثقافي هو نفسه. هل ينتمي المنتج الثقافي للمنتجين، والمعذبَّين، وللأغلبية المنتجة؟
لكن كان أغلبية المنتجين الثقافيين عبيداً في الروح، يوجهون إنتاجهم لمصلحة الأقلية، وبقي الإنتاج الذي انتمى للناس، وذاب إنتاج النفاق والاستعراض. لقد ظل مكتوباً كذكرى مؤسفة على هدر بعض الناس طاقاتهم من أجل النقود، لا من أجل سموهم الروحي.
أنظرْ يا من غيبت نفسك في طوفان الأشياء كيف أن كلمات التوراة والأنجيل جسدت معاناة أنبياء هربوا من الإستغلال وعسف الدول إلى الصحارى كي ينشئوا دولاً حرة، فتسامت كلماتهم وتواريخهم وتوحدوا مع السعادة العميقة والصلبان والزنزانات.
ولعلك لم تقرأ جيداً القرآن وهو كلماتٌ عن نبي رفض أن يخدم الملأ الاستغلالي وفضلَّ أن يكون مع العبيد والفقراء وغيّرَ التاريخ.
لعلكَ يا منْ غيبتَ نفسك وراء الأشياء تظن إن حمايتك من قبل أصحاب النفوذ سوف تعلي كلماتك الباهتة، أو لأنك مررت بتجربة سجن عاصفة وألم كبيرة سوف يحميك هذا الجبل الطيب من طوفان زحفك نحو المعدن الأصفر، فالناس تعرف استمرار مقاومتك لا تاريخك ذلك وتخليك عن أصلك الطيب.
ومهما جئتَ بأصولٍ حاكمةٍ أو أسرةٍ كريمة أو إنتماء لحزبٍ مناضل قدم الشهداءَ الكثيرين، ومهما كان أقرباؤك وأئمتك من جهابذة في الدين والتاريخ، فإن مقياسك هو شخصك ومدى إنتاجك المضيء ونقدك للأشياء السيئة والظاهرات المخربة للإنتاج وحقوق الأغلبية من العاملين.
لا تقل أسرتي وحزبي وأئمتي وقادتي، بل قل ما هو عملي وموقفي الناقد ودفاعي عن شعبي وكفاحي ضد الأخطاء.
والأديب ليست كلماته بمعزل عن قانون الإنتاج المطلق هذا، الذي يتساوى فيه الأنبياء العظام والشعراء الصعاليك، وهو ميزان الحق، فيظن أنه له فترة يجاهد ويتعذب لكي ينير ثم تأتي له فترة خاصة يتكاسل ويبحث عن المناصب ويغدو رئيس جريدة النفاق.
ميزانك هو كلمتك، مدى تحول قصصك وأشعارك ومسرحياتك ونقدك إلى كشافات تفضح مستنقعات الفساد، لا تقلْ إنني أديب ناشىء أبحث عن سبل التعبير والعيارة، ليشتد عودك وتنضم إلى الحرامية، بل أغمسْ مدادك في معاناة البشر ولا تستجدي الشهرة والمال.
لكن الكثيرين اتخذوا الكلمات مطايا، وهدايا، وضحايا، وقادة الفكر وعباقرة الكلمة غدوا مثالاً سيئاً للنشء، وهذا يحدث كثيراً في التاريخ، عندما تقبضُ الطبقة المسيطرة على الكثير من المال فتستطيع أن ترشو بكثرة، لكن ذلك مؤقت، لأن وفرة المال على هذا النحو لا تدوم، بل تدوم حين تستمع هذه الطبقة للنقاد، وترهفُ جميعُ آذانِها للضربات الكلامية والأدبية والعلمية التي توجه لتبذيرها وفسادها وحينئذ تطور سيطرتها وإنتاجها المشرف على الأفلاس بفضل جوقات النفاق والبذخ.
المال اليوم عندك وغداً عند غيرك ، فتذهب للاستلاف، فلماذا تبيع ماء وجهك وكنت عزيزاً، ولا تحفظ كرامتك وهي من كرامة الأمة والناس؟
لا تقل أصلي وفصلي وحزبي وجماعتي، بل قل هي كلمة الحق أوجهها ضد كل مخطئ ومستغل ومبذر، أرفع بها من يسمو إلى المعالي، وأعصف من خلالها بكل من أهدر ثروة الأمة ونشر الأرهاب وغزا الأخوة والجيران ووسع الاستبداد.
كلمتي هي مع الحق والحقيقة، لا مع الخزائن.
ليست كلمتي مرهونة بمديح النقاد وأن يرضى عني رئيس الجامعة والكلية، فأدبج (الدراسات والأبحاث) كما يشتهي رئيسُ القسم المريض، فأعلي من يرضى عنهم، وأخسفُ الأرضَ بمن يكرههم لكي أحصل على الوظائف والمال، فأي علم هذا الذي يكون ذاتياً وجائراً وغير منصف؟
وكيف تنشأ الحقيقة بين جماعات القول الواحد والصوت الواحد، وجماعات نحن مع الزعيم أينما توجه وكيفما قال؟ وهل تـُدار الأوطان والأحزاب بقول الفرد؟
يتباين الإنتاج الثقافي في كل هذه الأنواع في أشكاله وتعابيره، ويتحد في مضامنيه، وفي عصوره السحيقة والمعاصرة، على بعد المسافات والأشكال والأزمان، فكلمة الحقيقة تشق طرقها بوسائل مختلفة، وهي تنمو من خلال الألم الشعبي، تنور صهر الأشكال ووحدتها وتطورها، وفي الفرح والغنى ظاهرات مقاربة حين تتصل بذلك الهم الإنساني العميق.

أشكال الوعي في البنية العربية التقليدية

 إذا كانت البُنى العربية التقليدية بُنى إقطاع ديني، لكون الدين هو الشكل الوحيد المناسب لظهور وتجلي صراعات هذا التاريخ البشري الخاص، فإن هذا الإقطاع الديني يصير إقطاعاً مذهبياً، أي يقوم فيه العرب المسلمون بالصراع بينهم وبين أنفسهم كقوى ومستويات اجتماعية عبر المذاهب، وبينهم وبين الأديان الأخرى عبر الدين العام.

ولهذا فإن كافة مستويات البنية التقليدية تغدو مُسيسة، فلا توجد حركات دينية غير سياسية، ولا يغدو الدين الشعبي الجماهيري كذلك غير مسيس.

ومن هنا فإن هناك إقطاعاً دينياً سياسياً يهيمن على البنية التقليدية، وهو يشكل الأنظمة السياسية عبر التاريخ، ومن هنا كذلك فلا توجد مدينة عربية إسلامية حرة، أي ديمقراطية وحداثية، لأنها كلها خاضعة للإقطاع السياسي المتحكم عبر التاريخ، وهنا الفارق بين مدننا وبين المدينة الغربية البرجوازية التي نمت كمدينة حرة،  فهذه الأخيرة قد نشأت في عملية تاريخية لتغيير سلطة الإقطاع الديني والسياسي، أي لتحويل مجمل البنية التقليدية، عبر الفصل بين الدين والدولة، وجعل المدينة حرة من سلطة دينية سياسية مُسبّقة.

والأمر ليس تحرير المجتمع من الدين، ولكن تحرير الدين من الدكتاتورية السياسية. وتحرير السياسة من الدكتاتورية الدينية.

ولهذا فإن علينا أن لا نرى فترات ازدهار المدن العربية الإسلامية بالتجارة وببعض الحرية الفكرية والسياسية باعتبارها انقطاعاً عن الهيمنة الإقطاعية المستبدة، أو تحولاً نوعياً فيها وانتقالاً إلى كونها مدناً حرة، كما يوهمنا الكتاب السطحيون، حين يتحدثون عن فترات النهضة في الدولة العباسية أو في العصر الحديث، بل الأمر لا يعدو أن يكون وفرة مالية لدى الإقطاع السياسي تتيح له تحريك الحياة الثقافية والفكرية باتجاه مصالحه.

  إن الإقطاع السياسي المهيمن على أجهزة الدولة العليا يتيح للإقطاع الديني الهيمنة على المستويات الاجتماعية، خاصة على وضع القبيلة / الأسرة ومورثاتها الذكورية والثـقافة الجماهيرية، وغالباً ما يحدث الصراع بين الإقطاع السياسي الحاكم والإقطاع الاجتماعي، وكلاهما يحكمان مستويات البنية المتعددة، حين تنضب موارد الدولة أو تضيع في قنوات وشرايين الدول الفاسدة.

ولهذا فحين يستولي المأمون على السلطة من أخيه الأمين، أو حين يستولي الضباط الأحرار على الحكم في مصر، فإن البنية الإقطاعية / المذهبية لا تتغير، والمدينة الحرة لا تنشأ، فدور الدولة المركزي وهيمنتها على الأملاك العامة، وسلطتها المكرسة غيباً لا تتبدل.

وحين يقاوم الإقطاعُ الديني المأمونَ بسبب عمليات تحديثه فذلك لأن يصرف المال العام على بطانته، المجلوبة أغلبها من فارس، ولهذا فإن الإقطاع الديني المتحكم في البنية الاجتماعية وأغلبه عرب وجدوا أنفسهم بمنأى عن السلطة السياسية والمال العام، يصارع هذا التحكم ويتخذ من قضية خلق القرآن مظهراً للصراع على غنائم الحكم.وحين يقوم الواثق بانقلابه فإن شيئاً من الاستغلال والفساد لم يتغير، غير أنه قرب رجالات الإقطاع الديني وأجزل لهم العطاء.ولأن بطانة الإقطاع فارسية، إمامية، زيدية، اعتزالية، تزدهر لدى عامة بغداد المذاهب السنية.

ولهذا أيضاً حين يقوم الضباط الأحرار بانقلابهم ويحدثون إصلاحات مهمة فإنهم لا يخلقون مدينة حرة، لأن هيمنتهم على المال العام تتصاعد ويغدو جهاز الدولة تابعاً لفئة صغيرة تتحكم في كيفية توزيع الثروة، ونظراً لدور قيادتها الوطنية المناضلة فإن مشروعات شعبية كثيرة تتحقق، ووصول جانب من المال العام للشعب، لم يكن يعني أن يكون هذا المال تحت إدارته، فقنوات الدولة المهيمنة هي التي تظل تتحكم فيه، وبالتدريج ينتقل إلى جيوبها.

إن البنية الإقطاعية الدينية لم تتغير، وكان توغل الدولة وهيمنتها داخل المستويات الاجتماعية واتجاهها لدمقرطة وتحديث الأسرة، باعثاً لاصطدامها مع الإقطاع الديني المهيمن في هذه المستويات.

إن الشعب لا يستطيع أن يكون حراً مع دولة دكتاتورية، حتى لو فرشت الأرض ذهباً تحت أقدامه.

إن كافة العناصر الفكرية التي تولدت داخل البنية العربية التقليدية أو التي جاءت من خلال التأثيرات الأجنبية عبر اليونان أو الهند أو الفرس في القرون السابقة، أو الأفكار الحديثة التي جاءت من الغرب الرأسمالي أو الشرق ( الاشتراكي )، كلها خضعت لقوانين هذه البنية الإقطاعية، التي نحت عناصر وأبقت عناصر، تبعاً لوظيفيتها الخاصة.

بل وحتى الثورة المحمدية التي كانت سابقة قبل تشكل هذه البنية التقليدية تم إبعاد عناصر منها جوهرية، رغم إن تلك الثورة هي التي تمثـل مشروعية هذه البنية التقليدية حسب وعي هذه البنية نفسها .

 إن قوانين الثورة المحمدية الثلاثة تم تجاهلها، وهي التحالف بين التجار المتوسطين والعاملين، وربط تطور الثورة بتقدم الجمهور المادي والمعيشي والثقافي، ووجود برنامج نهضوي تحولي لــ ( لأمة ).

والفارق بين لحظة الثورة المحمدية ووجود مدينة حرة في الجزيرة العربية، وبين زمن البنية التقليدية، هو فارق التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية، حيث أن العرب الرعاة الأحرار لم يهيمن عليهم نظام استغلالي سواء عبودياً كان أم إقطاعياً، ولكنهم حين انتقلوا إلى الشمال العربي، وحدثت تحولات اقتصادية وسياسية كبيرة، دخلوا في المنظومة الإقطاعية، متجاوزين العبودية كتشكيلة اقتصادية اجتماعية، لكن ظلت العبودية تتجرر أذيالها الثقيلة.

وحينئذٍ، أي في زمن الإقطاع، فإن كافة الأفكار الُمصنعة محلياً أم المستوردة مناطقياً وعالمياً، خضعت لقوانين البنية وتطورها.

إن كافة التيارات المعارضة والدول لم تستطع إعادة إنتاج الثورة المحمدية في الظروف الجديدة. فالأعمال البطولية للأئمة والمغامرات الفردية ثم الانتفاضات عجزت عن الوصول لمفاتيح تلك الثورة، فالقدريون والمعتزلة لم يفهموا أهمية التحالف بين التجار والعامة، ولم يعرفوا كيف يربطون بين ثورتهم النخبوية وجمهور الفلاحين عبر تغيير طابع ملكية الأرض أو الخراج ، وحتى عندما أخذ العوامُ دوراً كبيراً في أعمال القرامطة والزنج فإنهم كانوا عواماً لصوصاً ولم يطرحوا برنامجاً لإزالة اللصوصية من هيمنة الدولة الإقطاعية.

ونستطيع أن نعرف لماذا انتصر معاوية بن أبي سفيان سياسياً على جيش الدولة الشعبية لأن هذا الجيش لم يربط انتصاراته بتوزيع الغنائم والمكاسب على الجنود والجمهور، في حين كان معسكر معاوية يغدق العطايا عليهم. وكذلك لم يكن لجيش  السلطة الشعبية برنامج تحولي جديد، وبهذا تخلى جيش السلطة الشعبية عن قوانين الثورة المحمدية وبالتالي هُزم.

ولهذا حين كان الخلفاء ( المتنورون ) يطرحون سياسة  ثقافية جديدة نهضوية لم تكن تنجح هذه السياسة، بسبب أنها تقوم على استغلال بشع للجمهور المنتج، فإذا كان هذا الجمهور أمياً، وخرافياً في وعيه، فإنه سيتأثر بالسياط والدجل أكثر منه بالقراطيس ذات الثمن الغالي التي ينسخها النساخ بصعوبة وتنتشر بين نخبة محدودة،  فالتنوير لا بد أن يترابط وتحرر الجمهور من الأمية والفقر الشديد، وكيف يتحرر من ذلك دون تغيير جوهري في شروط الإنتاج ؟

ولهذا فإن تقارب الدينان المسيحية الشرقية والإسلام، وتقارب المذاهب المهيمنة سياسياً، وغربة الفلسفة وضياع المتصوفين، لا يعود للعناصر الثورية والديمقراطية الجنينية فيها، بل لقدرة البنية المحافظة على انتزاع تلك العناصر وإخفائها في ركام من الاغتراب والنصوصية الشكلانية، بدلاً من توظيفها في مرحلة جديدة. أي عدم القدرة على ربطها بنضال الجمهور  وتقدمه.

إن بقاء نموذج الثورة المحمدية ملهماً للعرب والمسلمين يعود لقدرتها على نقلهم من تشكيلة إلى أخرى، واتساع التحالف الاجتماعي المتحقق بين التجار النهضويين والكادحين، وطرح برنامج تحولي لأغلبية القطاعات.

 وفي العصر الحديث قامت الليبرالية المستوردة من الغرب ببعض الجوانب التطورية في هذا الجانب،حيث رأينا تحالف الفئات الوسطى والعاملين، وتم طرح برنامج نهضوي لكن الليبرالية عجزت عن هدم البنية الإقطاعية، ورأت في الإقطاع الديني بأنه هو الإسلام، فعجزت عن رؤية جذوره في الثورة المحمدية، أي عجزت عن رؤية جذورها كليبرالية في المرحلة الثورية الإسلامية التأسيسية.

وهذا يعود لغربتها الغربية، أي بسبب نقلها الميكانيكي لأدوات معرفية وسياسية مستوردة، فهي لا تنقل مناهج بل أشكالاً فوقية غير متجذرة في الأرض، أي تستورد أشكالاً برلمانية وأشكالاً حزبية الخ.. لكن هذه في وجودها غير المنقول ،ليست أشكالاً، هذه بنية متكاملة، فالأمر ليس في نقل قلب سليم إلى جسم مريض، بل في تغيير الجسم كله.

وطبيعة النقل الشكلية لدى الفئات المتوسطة يعود لطبيعتها الاقتصادية / الاجتماعية. أي على كونها فئات تجارية ، زراعية، عقارية وإلى صناعية بدرجة أساسية. وهي من هنا تقوم بتشكيل فلسفة انتقائية، نفعية، وليس فلسفة تحولية جذرية.

إن الوعي الليبرالي وأشكاله الفكرية المتعددة، من فلسفة سياسية وأدب وفن وعلوم، عجزت عن التنوير والتحويل الاجتماعي والثقافي للجمهور العربي، وبقيت الهياكل الإقطاعية الدينية متحكمة فيه، مما أدى إلى أزمة هذا الأشكال الفكرية النهضوية.

أي أن القضايا الاقتصادية والاجتماعية للثورة الديمقراطية لم تتحقق، مثل حرية الفلاحين والنساء والدين. وبقي الإقطاع الديني مهيمناً على الوعي.

إن الفارق بين الثورة المحمدية والثورة الليبرالية العربية الأولى الحديثة، رغم إن الطابع التجاري كان مشتركاً بين تكوينيهما الاجتماعيين القياديين، هو في قدرة الأولى  في الاستناد  إلى الجذور الفكرية للمنطقة، أي قيامها بإعادة إنتاج للفكر (الوطني التحرري ) المحلي المناطقي، لكن الليبرالية المعاصرة لم تفعل سوى نقل المنتجات الغربية. أو العودة إلى حمى الإقطاع المذهبي، عبر قيام كل فئات وسطى عربية إسلامية، بالارتكاز إلى إرثها المحلي الضيق. فمرة تلجأ إلى سوق مسيطر عليها غرباً، ومرة تلجأ إلى إقطاع مهيمن عليها و(مقطع ) لسوقها الواسعة الُمفترضة.والشكلان لا يقودان إلى تراكم، تحتاجه إعادة تشكيل الهياكل التقليدية المعرقلة لنمو رأسمالي تحولي جذري.

وهكذا يغدو الإقطاع الديني حين يكون مسيحية شرقية، أو مذهبية إسلامية، مصمماً على تقطيع أوصال الأمة، أي أن شبكات المذاهب تعود إلى عرقلة نمو سوق موحدة وطنياً وعربياً، في حين إنها ترتكز على الإسلام، دون أن تعي إنها ترتكز على الإقطاع. أي أنها بعدُ لا تكتشف جذورها المتصلة بالثورة المحمدية.

حين عجزت أشكال الليبرالية العربية الحديثة الأولى عن حل مهام التحديث والتحرر، برزت رأسماليات الدولة العربية المختلفة، وفي الزمن الأول كانت متجهة إلى اليسار وأدبياته، والآن إلى اليمين وأدبياته.

قامت رأسماليات الدولة في المرحلة الأولى ( ناصريون، قوميون ، بعثيون، جبهويون جزائريون، استقلاليون تونسيون الخ..)، على وعي الهيمنة الحكومية، فجعلوا من ماكينة الدولة في كل قطر وسيلة لتشكيل الرأسمال الصناعي المفقود، معضلة العرب الأولى، وقد قادت هذه إلى سلسلة من نظريات التدخل الحكومي في الاقتصاد والحياة الاجتماعية والفكرية.

لقد أفرزت في المجال الفكري مجموعات من الأفكار المؤيدة للشمولية، وقادت في النهاية إلى هيمنة الأفراد المطلقين، ومن ثم العودة إلى وعي  الإقطاع السياسي / الديني. إن الوحدات الوطنية لم تتشكل، والتصنيع الشامل لم يتحقق وتحول إلى مديونيات كبيرة، وواصلت الثقافة الجماهيرية رحلة الخرافة والأمية وعادت الأشكال القديمة في الإبداع الخ..

لم تستطع رأسمالية الدولة اليسارية أن تـُنجز ما وعدت به، لأن وعيها رفض مجابهة الإقطاع السياسي / الديني، بل أنها ورثت أشغاله الاقتصادية والاجتماعية والإيديولوجية، فتملكت الموارد وحددت أهداف النصوص الدينية على هواها السياسي.

إن رفضها لتحويل التصنيع الثقيل إلى قوة أساسية في الاقتصاد الوطني، يعود لارتكازها على فئات وسطى استغلالية، هي الفئات البيروقراطية والعسكرية المتنفذة، التي ترفض التضحيات وإعادة تشكيل الاقتصاد والحياة الاجتماعية والثقافية بشكل جذري، مما قاد مع غياب الرقابة الشعبية إلى تدهور القواعد الصناعية التي شكلتها، وإلى بعث حركات الإقطاع المذهبية المختلفة، التي بنت نموها في هذه الأقطار ( اليسارية ) على العداء للحداثة والتقدم، ومرتكزة على الأخطاء والهزائم التي واكبت هذه الأنظمة في بعض معاركها ونظامها.

ولا يمكن أخذ هذه اللوحة بعين الاعتبار دون رؤية صعود رأسماليات الدولة (اليمينية) حيث أتاحت الثروة النفطية ومحاصرة وهزيمة رأسماليات الدولة في العالم الشرقي، صعود هذه الأنماط من رأسماليات الدولة اليمينية المكرسة لتقوية العلاقات ما قبل الرأسمالية أي للإقطاع، وكذلك للرأسمالية الغربية.

وخدمة رأسماليات الدولة هذه لهذين الجانبين المتناقضين، حدثت بسبب ضعف الهياكل الاقتصادية في هذه الدول، الصحراوية والريفية، مما قاد إلى كونها سوقاً للبضائع العسكرية، والاقتصادية الأخرى، ورأس مالاً مالياً لخدمة التصنيع الغربي، وأدت إلى ازدهار أشكال رأسمال غير الصناعي، وبالتالي عودة البذخ الأسطوري للخلفاء والنخب اللاهية والفاسدة سياسياً وذوقياً، مما أدى إلى إنهاك القطاعات العامة الحكومية وتحميل الشعوب فاتورة الحروب والفساد والاستغلال .

وقد قاد هذا إلى هيمنة أشكال وعي قديمة كان يبدو للوعي السطحي بأنها انتهت، وكذلك تم اسيراد أشكال الحداثة الغربية الفارغة من المضامين التحويلية. وقد انتصر عربياً نموذج رأسمالية الدولة اليمينية المكرسة لعودة الإقطاع المذهبي، فظهر أمير  المؤمنين في أفغانستان والكثير من أمراء المؤمنين، ليتحول البرنامج الطائفي إلى حقائق دموية.

إنه كلما تخلى الإقطاع الديني عن قوانين الثورة المحمدية كلما أو غل في التطرف ضد الحداثة وتقدم المسلمين، أي حين يزداد شكلانية وتعصباً. فكلما تنامى تخلفاً في مواقعه الصحراوية والريفية كلما أزداد تقوقعاً وعداءً، وحين يتحد أكثر بقوة الإقطاع السياسي الحاكم الذي حصل على موارد وفيرة، فإنه يزداد ضراوة في الدفاع عن امتيازاته واستغلاله للجمهور. بل أيضاً يتطلع إلى الوصول للحكم.

إن الانقطاع عن تقاليد الثورة المحمدية قادت إلى الأحكام الحرفية والنصوصية الجزئية المبتورة عن سياق العصرين، ولهذا فإن مذاهب اللاقياس التي هيمن الإقطاع فيها بقوة، تغدو مثل مذاهب القياس التي لم تنتصر فيها الثورة النهضوية. ومع تنامي قوة الإقطاع الديني فإنه يزحف على كل ظاهرات الوعي والثقافة ليعيد ربطها لأحكام سيطرته.

مهما حدثت من أعمال نهضوية وتنويرية واقتصاد مخطط واقتصاد دولة فإن بنية الإقطاع لم تتبدل.أي حين يعتمد الآن على رأسمالية دولة جديدة وتنوير آخر فإن الأمر لن يغير من أسس البنية. لا يمكن إلا الخروج  عن طريق تأسيس بنية اجتماعية جديدة  أسسها العلمانية والديمقراطية والحرية الاجتماعية كنظام متكامل.

 وقد تغلغلت بُنى النظام التقليدي في الأحزاب الليبرالية و(الاشتراكية) و(الشيوعية)، فرفض بعض هذه الجماعات التحول إلى النظام الحديث، ربطها بأنظمة الإقطاع المختلفة، وطرحها عملية القفز على الرأسمالية كانت دفاعاً عن وشائجها مع البنية التقليدية الطائفية، ولهذا أخذت مفرداتها الديمقراطية تتهاوى، فتصبح الأنظمة الجمهورية ملكية، والديمقراطية المركزية تصبح مركزية، والقادة السياسيون الوطنيون يصبحون أبوات وقادة طوائف، وتغدو القوالب الفكرية المستوردة غير قادرة إلى التحول إلى مناهج بحث تلتحم بالبنى العربية تحليلاً واكتشافاً .ويترنح الشعر الحديث، ويعود الشعر التقليدي وتغدو الأنواع الأدبية والفنية من أدب قصصي أو مسرحي أو فنون تشكيلية نخبوية منعزلة.

اليسارُ والتكويناتُ الاجتماعية الدينية

لعل التحولات الهائلة خلال نصف القرن الماضي أوضحت بجلاء ضرورة تحول اليسار إلى تكوينات ديمقراطية حقيقية، لمواكبةِ مهماتِ التغييرات الراهنة والمستقبلية خاصة.

فقد تكسرتْ الرأسمالياتُ الشموليةُ الشرقية بجميع مفرداتها الايديولوجية وأخذت عظامها الداخلية بالبروز، ولم تعدْ لديها قدرات على مواصلة التحام رأس المال بالدول الوطنية والقوميات، وغدا تعبيرها عن فئات صغيرة عقبة لتحولات أكثر تطوراً للتشكيلة.
القوميات في مستويات ظهورها الأولى وحاجاتها للتصنيع السريع والحريات الوطنية، جعلتْ البرجوازيات البيروقراطية الرافعة السياسية لهذه العمليات التحولية، حتى توقفتْ قدراتُها عن التطور الاقتصادي العميق وقدراتها على حل التناقضات الجمة في الهياكل الاجتماعية والاقتصادية لكل بلد.
الجماعات الحاكمة الشمولية المختلفة المتعددة في القارات أسست ذلك وخاصة اليسار العالمي، حتى توقفت عن التطور كل في موعد وفاته، ودخلت مقولاتها الوطنية التوحيدية والدينية والقومية والاشتراكية في تناقضات حادة مع واقع هذه الدول، وفيما تتحدث عن مستقبل زاهر كانت الدولُ تغوصُ في تناقضاتٍ غيرِ محلولة لبناء رأسمالي مشوه أو متناقض غير متكامل.
القطاعات الخاصة التي أنشئت أو كانت موجودة في هذه الدول لا تقدر أن تكون تجاوزاً نضالياً كعادةِ رؤوس الأموال، فهي تنتظرُ النزيفَ الأخيرَ للأنظمة، وعدم قدرتها على الرد الواسع.
كذلك فإن القطاعات الخاصة في أنظمة رأسمالية الدول تكون مريضة مثلها، لم تتح لها قوانين التطور الاقتصادي المجهضة أن تشكل تجارب مستقلة.
الانفجارات الاجتماعية التي حدثت في الحلقات الضعيفة من الرأسماليات الحكومية الشرقية جعلت من الأديان قوة اجتماعية سياسية.
وهذا تعبيرٌ متناقضٌ عن تخلف كبير وعن تقدم طفيف غامض، فالمحبوسون ظهروا من السجون الاجتماعية، معشيي العيون، الآن هم لا يعرفون أين هي سبل التطور والأرضية مضطربة.
حين تتكون كتلة شيوعية قومية في روسيا فهي تواجه التحول الديمقراطي وتصارع التحولات الديمقراطية في العالم الثالث باعتبار ذلك خدمة للغرب، فهي بهذا تعبر عن الهيكل البيروقراطي القومي الذي عاشت باستغلاله، وزوال بقاياه سيعبر عن مشكلات جديدة على العمال خاصة، وعن انتصار للبرجوازية الليبرالية، وتراجع مواقف اليسار الشيوعي واليمين القومي.
سنواتٌ طويلة من الإخلال بقوانين السوق وقيم السلع وتشوه الهياكل الاقتصادية وهدر ثروات كبرى وسحق قوى عاملة بشرية، كل هذه سوف تدفع أثمانها الجماهير وستعمل مجدداً بظروف صعبة وهي التي ثارت وتطلب الرفاه.
كان هذا هو ثمن عدم تطوير اليسار باتجاه الديمقراطية خلال عقود في المعسكر الاشتراكي وفي دول مثل العراق وليبيا واليمن وسوريا.
الجمع بين التطور الاقتصادي والديمقراطية، يقود لاقتصاد السوق وتداول السلطة والحداثة وإيجاد تيارات وطنية تحديثية، وتطوير الإنتاج ونشر مكاسبه على القطاعات الجغرافية المذهبية والدينية والقومية، أي على مختلف جماعات السكان.
وعدم حدوث ذلك يعني تصاعد الايديولوجيات الأخرى المعبرة عن هذه القطاعات والقوى المؤثرة فيها، والتي تعرضت سياداتها العشائرية أو الدينية أو القومية للتقزيم، التي انتظرت الأزمات الاقتصادية الاجتماعية طويلاً، وهي الأزمات التي تنتج من حدوث عجز عميق في تطور الهياكل الاقتصادية الاجتماعية، وهي ذاتها التي استغلتها القوى الثورية السابقة في القفز للحكم، في أشكال من المغامرات في حين تستغلها القوى الدينية المحافظة في أشكال ثورية للمراوحة في الماضي والحاضر وتلمس المستقبل بتجريبية سياسية.
وفيما أن الأفكارَ العصرية المؤدلجةَ المقولبة تُنخرُ وتتحطم تصعدُ الأفكارُ القديمة، من أجل عمليات تحول جديدة ملتبسة بين الشمولية والديمقراطية.
لقد بينت التحولات أهمية الديمقراطية وضرورة تشكيلها أداة للتحول السياسي والتطور الاقتصادي، وفيما خسرت القوى اليسارية الكثير من فاعلياتها بسبب غيابها عن الديمقراطية، تجد العناصر الديمقراطية القليلة فيها صعوبات للتأثير في التحولات العالمية الشرقية خاصة. فيما أن بعض الجماعات الدينية التي وقفت ضد الشموليات تصعد وتؤثر بشكل عالمي.
تغدو مهمات اليسار الديمقراطي كثيرة وكبيرة وأهمها مساعدة القوى الدينية على تلمس طرق التطور في بلدانها، بألا تبقى في دوائر الشمولية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وبأن ترى مصائر وتطورات الأمم الإسلامية في بناها الوطنية والقومية، وأن تنزع الأغلفةَ الخارجية عن عمليات الصراعات الاجتماعية والأردية المذهبية المغلقة، وأن تتطلع لتحولات اقتصادية ثورية تنتشل الملايين من وجودهم في اقتصاد الدول البيروقراطي الهامشي البذخي، اقتصاد البطالة المقنعة بل اقتصاد القيادة الصناعية العلمية، وأن يكون اقتصاد السوق يغدو إنتاجاً كذلك، وعمليات التطور الاقتصادية الكبرى التي تقام على أسس ديمقراطية هي التي ستضعف من التقوقع المذهبي والتناحرات القومية والمناطقية وتعيد تشكيل الشعوب على أسس وحدة جديدة.
إن الأشكالَ السياسية من المذاهب ليست تعبيراً عن مقولات فكرية واجتماعية بل هي كذلك تعبير عن أسلوب إنتاج فككَ عرى الناس خلال قرون، وجعل الأمم تتصادم وحلقة الحداثة الشمولية السابقة قامت بقفزات مهمة في جوانب ومضرة في جوانب أخرى، ويُنتظر من الحلقة الجديدة من التطور التأني في دراسة كل نظام ومشكلاته وسبل تغييره بشكل شعبي ديمقراطي واسع النطاق وتكون الحلول والخطط الاقتصادية كذلك شعبية ديمقراطية.

 

القصة القصيرة الطلقة

طلقةٌ صغيرةٌ يوجهُها إنسانٌ كبير

هذا الوميضُ اللغوي الصوري يتجمعُ في لحظةِ إرادةٍ إبداعية، معرياً لحظةً سلبيةً في الحياة، مُسلطاً أشعةً اخاذةً حارقةً ممتعةً مُعذبةً كاوية، اللغةُ ترفرفُ طيوراً وتجسدُ صوراً وشخوصاً وحدثاً وتنزل ورداً ودبابيس وناراً.

القاصُ تمتدُ أصابعهُ إلى فرنِ الحياة، تحترقُ وتخبزُ، الفرنُ يتشكلُ من لحظةٍ تاريخيةٍ فيها موادُ الكتابةِ وأدواتُ التوصيلِ وأسلاكٌ قادرةٌ على نقلِ الحرارة.

هذا الكائنُ المجهري الذي اسمهُ القصةُ القصيرةُ هبطَ طائرا عربيا إنسانيا على محارةٍ مرميةٍ في الخليج العربي بين الحيتان وذئاب الصحارى.

من الورق الأصفرِ للتنويرِ المحبوسِ في صحيفةٍ نصف عربية – نصف بريطانية ظهرَ، في دخانِ الحربِ العالمية الثانية، والقصاصُ ملثمٌ خائفٌ من كتابةِ اسمه، طلقتهُ تتلوى وتصدأُ بسرعة، وحين ينهضُ الناسُ في وثبةٍ واسعةٍ في الخمسينيات تتسعُ تلك الشظيةُ الصغيرة فجأة، تتوحدُ بالتنويرِ والثورةِ والأفلامِ المصرية، يكرسها تجارٌ وموظفون فتخلتطُ بالبضاعة، وباللقطة الجزئية والخوف الاجتماعي، ثم يتركون الابنةَ الصغيرةَ لقيطةً في ورق الجرائد الذابل في الخزائن ونسيان المنافي.

تتسعُ الثورةُ أكثر، تتسعُ الثقافةُ للثمارِ العربية والإنسانية الجديدة، ينزلُ العامةُ للشوارع، تبدلُ القصةُ القصيرةُ ثيابَها المليودرامية والبكائية وليس بشكل تام، لأن القاصَ محمد الماجد الذي ظهر بعدئذ هو لحظةٌ انتقاليةٌ بين البكائيات وأغاني الحزن واليأس والوحدة وبين الواقعية الكاسحة، فيحتلُ مكانَهُ قاصٌ آخر هو محمد عبدالملك، معلمُ الحارة، الذي يشكلُ مسرحاً كبيراً من شخوصٍ شعبية مُحطمةٍ، هرسها التطورُ الغرائبي اللامفهوم، فقاربتْ الفئرانَ والسلاحف، في قصصهِ التالية يجسدُ شخصيات طحنتَها كذلك الأمراضُ النفسيةُ، فتوارى في الظلماتِ والمستشفياتِ، الحضورُ الشفيفُ الوامضُ للمقاتلين، حيث يجدُ عبدالملك ذاتَهُ التي تهربُ منه، وتظهرُ القصصُ القصيرةُ البذورُ المقاربةُ لملحمةٍ، وتتعددُ الشخوصُ واللغاتُ والمستويات والرموز، المصنوعة كلها بغنائيةٍ عاليةٍ تجسدُ مشهديةَ المسرح البطولي.

ينتزعُ أمين صالح مساراً مختلفاً، يتجاوزُ الواقعَ المباشر، والمرئياتِ التصويريةَ الجزئيةَ المحبوسةَ، يصنعُ واقعا خاصا، بريشةِ السحرِ والفنتازيا والثورة، الشخصياتُ الحميمة العادية تمخرُ الواقعَ كله وتعيدُ تشكيلَهُ، تتوحدُ برموز مبثوثة في السرد الغنائي الدرامي، وكلما استمر الكاتبُ وسعَ من مخليتهِ ومن غوصهِ في الواقع الغرائبي، ومن اختزاله الحارق، وهناك دائماً الشخصية المتمردة الطفولة المتحدة بالظاهرات الجميلة في الطبيعة. وهناك شخصية الشرطي الدائمة الحضور الشرير الهارسة للبذور. حلمٌ وكابوس.

هل لي أن أتذكرَ أنا الراوي العارضُ هذه الفسيسفاءَ الحارقةَ، لحظةَ أن أرى أولَ مجموعةٍ قصصيةٍ لي في مكتبة السجن؟ المجموعةُ التي لم أتسلمْ منها نسخة واحدة، المجموعةُ الصارخةُ الهتافيةُ من أجل أن أتأدبَ أكثر وأنسجَ الحكايات الرمزية التراثية، والروايات بقلم رصاصٍ مغروزٍ في غصن شجرة ورد، باكورة النار كانت.

اسماءٌ عديدةٌ حفرت: خلف أحمد خلف، وأحمد جمعة، وفريد رمضان، ونعيم عاشور، وغيرهم.

قصاصون بحرينيون كثيرون كتبوا، ملأوا الجرائدَ بالتجارب، زمنُ القصة القصيرة والقصيدة كان، زمنُ قصاصةِ الورقِ المشعةِ، لا تنافسها حينذاك وسائلُ البثِ وتحضيرُ الأرواح وخلقُ الاغتراب العام، فاقترب كثيرون من تلك الطفلة المشاغبة الماشية في الشوارع توزعُ الوعي على النائمين، نشروها بشغف.

والنساء اللاتي لم يظهرن إلا برموزٍ نادرةٍ في القصة السابقة المتعثرة بين أحضانِ الذكورِ الأشداء، قفزن إلى المسرح وكتبن همومَ الناس، والمرأةُ بؤرةٌ متوهجةٌ فيها، أسماءُ منيرة الفاضل وفوزية رشيد وسعاد الخليفة وغيرهن خلقن المشهدَ الافتتاحي النسائي الكبيرَ في القصة القصيرة، إنها القصةُ الغائرةُ في الداخل، في لحمِ الصراع بين الأنوثةِ والذكورة، معريةً فسادَ الأسرة والمجتمع، أغلبها قريبةٌ من المنولوجات الخاصة، المنسوجة بخيوط الواقع الغامض، المعادي.

وفيما يغرق كتابُ القصةِ القصيرة في الأنواعِ الأدبية الأخرى معطين القصةَ القصيرةَ قبلات سريعة، لم يعد فيها ذلك العشق الاستشهادي، تظهرُ أجيالٌ جديدةٌ تجربُ وتلعبُ وتحضرُ مناطقَ جديدةً من المجتمع، وبأدواتٍ تعود للتسجيلية والمليودرامية القديمة، بعد أن اختنق المجتمع بالثرثرة التسطيحية لقراءة الظواهر.

هذه بعضُ شراراتٍ من حريق كبير.

القصة القصيرة الطلقة

لماذا لم يتطور التنظيم؟

مع سيطرة المتضخم على التنظيم المناضل (اليساري)، امتلأت الجدران بصور المناضلين الذين ضحوا في معارك التحرر الوطني، فلماذا لم يستفد من تضحياتهم؟ تحاول أن تحفر في جمجمته الأثرية عن مواد فكرية ثقافية متجذرة في الأرض والإنسان فتجدها فارغة.
لماذا خطفوا ولدنا الصغير في الريف وحولوه إلى أراجوز سياسي يتفجر بالشعارات والمفرقعات اليسارية ويختبئ في دولاب الثياب؟
الصورُ واللوحاتُ التي ترونها على الجدران أُفرغت من محتواها، غدت تاريخاً مجرداً وإن امتلأت بالتفاصيل الصغيرة، مثل كاتب فاشل يملأ الرواية بالكثير من التفاصيل، ونسغُ الأرضِ وروحُ الإنسان وإرادةُ التحدي البطوليةِ مفقودة.
الشمولي الذي هيمن على التنظيم لم يكن يرى تسرب الأعضاء من بين أصابعه السياسية، ذاته فقط محمية في علياء المكتب السياسي، ثمة معادلات دولية كبيرة تجعل سيادته موجوداً على كرسي السكرتير العام، أو القائد، سمها ما تشاء لكن المنصب الحقيقي هو الذكر المهيمن، سليل الأسر المتحكمة في الأرزاق والعباد. هو ميراثنا الشرقي الأزلي تمظهر وتجدد قوميا ودينيا وشيوعيا ووطنيا، الحيةُ المتعددةُ الجلود وسمُها واحد.
التنظيم اتخذ الأفراد كأدواتٍ للتحريك السياسي، مجرد أسماء سرية، لكن أن يكون ذا مظهر خاص، وعائلة معينة، وموهبة خاصة، فهذه تفاصيل لا تدخل في الرواية، التنظيم في عمله السري (ثم بعد ذاك العلني والزمن الحقيقي التنظيمي لم يتغير) له مهمة تأجيج التمرد، ومن هنا لن يتابع الأعضاء كأشخاص حقيقيين، كأناس لهم عائلات ومواهب وشخوص محددة، ولهذا لن يفهم الشعب في تحولاته.
حتى لو قُتل العضو فإن تاريخَهُ سيكون تاريخ التنظيم، ووقائع استشهاده هي الوقائع الرسمية، أما زوجته أو زوجاته ونقاط ضعفه وبعض الكتابات التي ألفها فهي ستوضع في الظل. تعبرُ هذه عن جدليةِ المثقف والشعب المفقودة، عن غياب تحليله للتاريخ، والبنية الاجتماعية، واندماجه الحقيقي العميق في هذه المواد، وليس باعتباره عضو مكتب سياسي، بل بإعتباره عضو تجديد فكري سياسي.
فيظهر تاريخ الضحايا الذي يسمى تاريخ الشهداء. فهذا هو تاريخ «الشهداء» في التاريخ العربي الديني: كائناتٌ نورانية، بذلوا دماءهم لكي تصعد قوى معينة، حتى ترتفع كراسي وسلطات، ولهذا فإن نقاطَ الضعف في الشهداء وحالاتهم الإنسانية العادية وسلبياتهم سوف تُطمسُ لحساب حالاتهم النورانية الدينية التي سوف تظلل التنظيم وتحيله إلى دكتاتور يرفض النقد وتحليل تاريخه.
التنظيمُ في حالة أمية ثقافية، وسوف يسيجُ تاريخَهُ بطقوس دينية وتقديسية، ولن يحلل هؤلاء البسطاء العاديين الجهلة الذين انضموا إليه، سيرفعهم لأمكنة القديسين، ولكنهم كانوا مناضلين لأنهم تحسسوا آلامَ الناس وظروفَ العمل الصعبة وآمنوا بشعارات معينة وضحوا، ولم يتوافر للتنظيم في البنية الشمولية المحافظة المتخلفة أن يطور مشروع الشهيد الدائم هذا ليكون مشروع المناضل، والباحثة، والفيلسوف، والراقصة، والنحات، والضابط، وأن يفهم البنية الاجتماعية وأن يشكل نضالات ديمقراطية حديثة تصل إلى الجدات اللاتي يحكين تواريخ النساء المعذبات، تنظيمٌ هو رد فعلٍ ناشئ كرد سلبي على مركزية سلبية أخرى، ولم يكن بإمكانه أن يرى أن «الشهيد» هذا كاتب له عمق فكري خاص، أو مخرجة لها نتاج مفيد، أو عامل له شخصية خاصة، ولهذا تغدو السلطات الشمولية الحاكمة والمعارضة في حالات استنساخ لبعضها بعضا، والجانبان يحاولان القضاء على بعضهما بعضا، ولهذا كلما جاءت معارضة لعنت أختها، والبنى الاجتماعية تزداد تدهوراً، وتفسخاً من الداخل. الدولةُ تقوى بالمعارضة والمعارضةُ تقوى بالدولة هذا حلم.
التنظيم لم يستطع أن يحول هذا الكويتب أو ذاك الرسام القتيل إلى نموذجين عميقين، وإلى نماذج مزدهرة، وهو الذي ترأسهُ مجموعةٌ من الأميين الثقافيين، فلماذا نستغرب أن تكون كل ثورة أسوأ من سابقتها؟
حتى وصلنا إلى أن يقودنا ويحكمنا ويعيث فساداً في أدمغتنا وأراضينا الطائفيون؟
من جمال الدين الأفغاني وسلامة موسى إلى الخميني والغنوشي والقادم من؟
الدول والتنظيمات نسخٌ كربونية من بعضها بعضا، التفاصيل المهمة والجوانب المضيئة تنحل في الآلات المتحكمة، فيما الأراضي البور تحن إلى الاختلاف والتنوعات والكتل الرفاقية المتصارعة من أجل الحقيقة، الهياكلُ السلطويةُ تمتصلا كلَ ما هو إيجابي وتتعفن من خلال السنين، مثل اليساري/اليميني يظهرُ في آخر حقبته منتج جمل فارغة، أسطوريا، شعاراتيا، لم يراكم وعياً موضوعيا عميقا، يرى جهة واحدة سياسية إجتماعية، وهي التي تفيده، ويتحلل مع السنين، وتعصره في خاتمة المطاف كليمونة يابسة صفراء، وكانت واعدة بالألوان.
التنظيم أنتج الشعارَ وتوقف، في حقبة الإنتاج الحرفي، الزراعي، في عالم المواد الخام، في زمنية ربطنا الحديثة بالإنتاج الرأسمالي الغربي، العربُ غيرُ قادرين على إنتاج ثورات تصنيعية علمية اجتماعية تغور في البشر خاصة، التنظيماتُ السياسيةُ والحكومية إعاداتُ إنتاجٍ لما هو سائد، إنها القرونُ الوسطى مع مسحةٍ خفيفة حداثية، السكرتيرُ العامُ والطاغيةُ لحظتان تتبادلان المواقع، والرفيق المناضل أداة لم تتعمق أو تتعملق، بن علي والغنوشي وجهان لميدالية واحدة، القطاعُ العامُ المهيمن والقطاعُ الخاصُ المستغِّل، الحداثي إقطاعي «مودرن»، والديني ربُ عملٍ إقطاعي، والرفيق العامل إما حرقَ نفسه، وإما حرقَ تاريخَهُ الطبقي الحقيقي.

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=286872&nm=1