رأس المـــال الحـكومــــي الشـــــــــــــرقي ــ أو أسلوب الإنتاج الكولونيالي

لا شك أن المفكر اللبناني الراحل مهدي عامل من المساهمين البارزين في تحليل الواقع العربي المعاصر من منطلقات نقدية عميقة وخاصة من رافد الماركسية البنيوية ، التي قام بتطبيقها على الواقع العربي بصورة حرفية ، دون رؤية الاختلاف بين مستوى التطور الغربي ، وتطور البُـنى الاجتماعية العربية .
ونحاول في هذه الموضوعات قراءة آرائه وتحليلاته لندوة جرت في الكويت في السبعينيات من القرن الماضي ، اتخذت لها عنواناً هو (أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي) ، وقد ناقشها في كتابه : (أزمة الحضارة العربية أم أزمات البرجوازيات العربية ؟) .

يفترض مهدي عامل مسبقاً ، ودون دراسات ، بأن المجتمعات العربية هي مجتمعات رأسمالية . فهو يصر على أن ( نمط الإنتاج الرأسمالي المسيطر في البنيات الاجتماعية العربية) ، (9) .

إن هذا يبدو لوعيه شيئاً بديهياً ، صحيح إنه يقول أن ثمة علاقات ما قبل رأسمالية في هذا الإنتاج غير أنها ليست سوى بقايا .

فيقول بوضوح : إن فهم تطور بنية علاقات الإنتاج الرأسمالية مثلاً في البلدان العربية في الوقت الحاضر ، وفهم أزمات هذا التطور يستلزم بالضرورة الانطلاق بالتحليل من هذه البنية بالذات في شكل وجودها القائم في كل من البلدان العربية. ) ، (10) .

وليس ثمة من الضرورة بحث جذور هذه البُنى (مع ظهور الإسلام مثلاً ، أو مع الجاهلية ، أو مع بدء العصر العباسي أو الأموي أو الأندلسي أو عصر الانحطاط الخ . . ، بل هو يبدأ مع بدء التغلغل الإمبريالي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.) ، (11) .

وهو يعترف بأن ثمة (أشكالاً من الإنتاج سابقة على الإنتاج الرأسمالي لا تزال حاضرة في البنيات الاجتماعية العربية) ، غير أنها ليست سائدة فيه ، بل الإنتاج الرأسمالي هو السائد .

ونحن نحاول أن نفهم كيف استطاع الاستعمار أن يجعل من هذه العلاقات سائدة ؟ أي كيف استطاع أن يجعل العلاقات ما قبل الرأسمالية لا تسود بل أن تسود العلاقات الرأسمالية ؟

لا يقوم مهدي عامل ببحث هذه المسألة تاريخياً ، بأن يعطينا أمثلةً عن بلد عربي ومنذ القرن التاسع عشر تحول إلى الرأسمالية ؟ فلا نجد .

ولا أن يقوم بتحديد متى استطاعت البرجوازيات العربية أن تستولي على الحكم وتنشر النظام الرأسمالي الشامل ؟

ومن جهة أخرى فهو يؤكد بأن ( كثيراً من علاقات الإنتاج الاجتماعية ، سواء في الحقل الاقتصادي أم السياسي أم الإيديولوجي ، التي تنتمي إلى أنماط من الإنتاج بالية ، أي بالتحديد ، سابقة على الرأسمالية ، لا تزال قائمة في البنيات الاجتماعية المعاصرة ) ، ( 12 ) .

ينطلق مهدي عامل لتحديد هيمنة الرأسمالية على العالم العربي منذ القرن التاسع عشر بشكل مضاد للقراءة الموضوعية ، وهو يفترض رأسمالية سحرية تتشكل منذ أن تطأ بوارج بريطانيا وفرنسا الشواطئ العربية ، في حين إن الرأسمالية تتعلق بمدى تشكل الرأسمال الخاص في القطاعات الاقتصادية المختلفة ، ومدى انتشار العمل المأجور على بقية أنواع العمل في النظام الاجتماعي .

وتتحددُ سيطرةُ البنيةِ الرأسماليةِ بوصولِ منتجي البضائع إلى سدة الحكم ، وإزاحة ملاك الأرض وإقطاعيي السلطة السياسية ، وسيادة العمل بالأجرة ، وهي كلها أمور لم تتحقق في نهاية القرن التاسع عشر ولا في نهاية القرن العشرين العربيين !

ولكن مهدي عامل يُصادر ببساطة ، قبل أن يبحث ، فهو منذ البدء يقول : ( أزمة البرجوازيات العربية. .) فأفترض إن هذه البرجوازيات قد حكمت وتعفنت في الحكم وهي مأزومة الآن ؟ ! في حين إن البناء الاقتصادي والسياسي لم تتحقق فيه شروط انتصار الرأسمالية !

ولكن ذلك لا يتعلق فقط بالبحث الفكري بل والأخطر بالمهمات السياسية المباشرة ، فيقول بأن :

( المهمة الأساسية لحركة تاريخنا المعاصر بهذا الشكل ، لاتضح لنا أن تحققها يمر بالضرورة عبر عملية معقدة من الصراع الطبقي ضد البرجوازيات العربية المسيطرة . .) ، ( 13 ) .

ولكن كيف يمكن إسقاط أسلوب إنتاج لم يُسد وطبقات لا تحكم ؟

علينا أن نناقش مسألة أسلوب الإنتاج الكولونيالي التي طرحها مهدي عامل ، كي نقوم بتفكيك تفكير هذا المفكر ، وهي التي اعتبرها حجر الزاوية في نظريته حول تطور العالم العربي .

كما رأينا سابقاً ، ( راجع الفقرة حول التاريخ العربي ) إن مهدي عامل يرفض تحليل البنية الاجتماعية العربية الحالية من خلال جذورها ، وهو ينتقد المفكرين العرب المجتمعين في الكويت لمناقشة ( أزمة تطور الحضارة العربية) بسبب قيامهم بالعودة إلى جذور التاريخ العربي ، طالباً الوقوف عند العصر الراهن والنظر إلى الماضي من خلال البنية الاجتماعية الراهنة .

إن مهدي عامل ينظر للبُنى الاجتماعية العربية الراهنة وكأنها صياغة أوربية غربية ، فقد قام الاستعمار الغربي برسملتها ، أي بتحويلها إلى رأسمالية ناجزة ، وهذه الرأسمالية الناجزة يُطلق عليها أسم ( أسلوب الإنتاج الكولونيالي ) ، وبهذا قام مهدي بخطئين كبيرين مزدوجين ، فهو قد قطع السيرورة التاريخية للبُنى العربية الاجتماعية ، أي قام بإزالة طابعها الطبقي التاريخي ، وهي عملية يقوم فيها بالتمرد على القوانين الموضوعية لرؤية المادية التاريخية عن التشكيلات الخمس : المشاعية ، والعبودية ، والإقطاع ، والرأسمالية ، والاشتراكية.

فهو عبر هذه المقولة قد ألغى كون البُنى الاجتماعية العربية بُنى إقطاعية ، فحين لا نبحث ألف سنة من التطور الاقتصادي والاجتماعي السابق ، ونعتقد أن أسلوباً جديداً للإنتاج قد تشكل ، وأسمه الأسلوب الكولونيالي ، في خلال بضع سنين ، وأن علينا أن ننظر للتاريخ من خلال هذا الأسلوب غير المحدد والغامض ، فتتشكلُ لدينا هنا رؤيةٌ سياسية دكتاتورية تحاول أن تفرض نفسها على جسدِ التاريخ الموضوعي ، بمعطيات غير مدروسة .

إن رفضَ تحليل الماضي ، أي رفض بحث التاريخ الإقطاعي للعرب ، يتضافرُ لدى مهدي عامل ، ورفض تحليل الحاضر ، أي قراءة عمليات التداخل بين الإقطاع والرأسمالية ، كأسلوبين للإنتاج موضوعيين في التاريخ العربي الراهن ، ويطالب بمناقشةِ أسلوب إنتاج من اصطلاحاته هو أسلوب الإنتاج الكولونيالي .

ومع هذا فعلينا أن نناقش تسمية أسلوب الإنتاج المقترح ، فمهدي عامل لا يُنكر وجود بقايا نظام تقليدي في هذا الأسلوب الذي انتصرت فيه العلاقات الرأسمالية ، ودون أن يطرح أية أرقام أو معطيات على انتصار العلاقات الرأسمالية الموهومة ، لكنه يعتبر إن العلاقات الرأسمالية المنتصرة في العالم العربي تشكل علاقة تبعية مع العالم الغربي حيث العلاقات الرأسمالية الأقوى ، وهذه الأخيرة الغربية هي التي تقوم داخلها بتقويض أساليب الإنتاج الأخرى ، في حين تعجز الرأسمالية العربية في علاقتها التابعة من تقويض أساليب الإنتاج السابقة داخلها ، وبهذا فإن أسلوبَ الإنتاج الكولونيالي الذي سادت فيه البرجوازياتُ العربيةُ يحتاج إلى ثوراتٍ عمالية لتقويضه والانتقال إلى الاشتراكية .

تتشكلُ هذه العمومياتُ الفكريةُ من منهجٍ مجردٍ يفرضُ قوالبه على الواقع الحي غير المدروس ، فتـُـلغى مسألةُ التشكيلة الإقطاعية بجرة قلم ، ويتم تحويلها إلى تشكيلة أخرى متطورة بقفزة خيالية أخرى هي التشكيلة الرأسمالية الكولونيالية ، ثم تحدث القفزة الأكبر إلى الاشتراكية . . ولا يزال الباحث لم يحلل الإقطاع العربي وسيرورته السابقة والراهنة .

والغريب إنه في كتابه هذا ( أزمة الحضارة العربية . .) يناقش جملةً من المفكرين العرب الذين يقدمون له مادة تحليلية ممتازة ، ولو أنه أبعد فرضياته الإيديولوجية المسبقة ، أو استفاد بعمق من الماركسية البنيوية التي نقل تطبيقاتها لفهم البنية الاجتماعية ، لأمكنه أن يدخل إلى دائرة التاريخ العربي وتشكيلته التي تضاربت أسماؤها لديه . ولكنه حدد منذ البدء هؤلاء الباحثين كمنظرين للبرجوازيات العربية المستولية على الحكم والتي وصلت إلى الأزمة ، وبالتالي يجب نقد وعي هذه الطبقات المسيطرة عبر وعي الطبقات الثورية الخ . .

حين يناقش مهدي عامل الباحث العربي شاكر مصطفى يتجاهل مهدي المادة الفكرية الثمينة التي يقدمها شاكر لتوصيف تطور المجتمعات العربية بقوله :

( إن الاستمرار الاجتماعي الذي تعيشه الشعوب العربية إنما تحكمه عناصر عديدة في مجموعها التركيب العربي القائم . . وأن لامتدادات التاريخ في هذه العناصر المكان الواسع إن لم يكن الأول. . ) وهذه (العناصر الأساسية الباقية عند أربعة جوانب :

أ ــ طرق الإنتاج المادي ب ــ تكوين نظام السلطة ج ــ طبيعة العلاقات الاجتماعية د ــ قيم الفكر التراثية..)، ( 14 ) .

هكذا نرى لدى شاكر مصطفى نظرة تاريخية موضوعية واقتراباً دقيقاً من فهم أسلوب الإنتاج الإقطاعي العربي الإسلامي المستمر عبر ألف سنة ، الذي يتأسس في نظام السلطة والإنتاج معاً ، ثم يتمظهرُ في العلاقات الاجتماعية : الأبوية ، هيمنة الذكور ، اللامساوة الجنسية ، الطائفية الخ . . ثم يصل النظام الإقطاعي إلى المستوى الثقافي : الأمية ، الخرافة الخ . .

إن شاكر مصطفى يمثـل مقاربة علمية ( ماركسية ) من فهم التاريخ ، ولكن ماذا يفعل مهدي عامل بمثـل هذه المقاربة ؟

بدلاً من أن يقوم بفهمها ودرس التاريخ العربي يقوم بالمصادرة السريعة ، فيقول :

( أما أن يكون هذا التاريخ الذي تكونت فيه البنية الاجتماعية للواقع العربي الحاضر ، تاريخاً يرجع إلى ما قبل عشرة قرون خلت ، أي إلى العصر العباسي أو أواخر العصر الأموي ، فهذا ما نختلفُ فيه جذرياً مع الدكتور مصطفى ) ، ( 15 ) .

فهو يحتار كيف أن هذه البنية المزدهرة يوماً ما تصبح هي نفسها سبب التخلف ؟ فيقول بلغته :

( فالبنية هذه ليست في حاضرها ، من حيث هي بنية ، أي كلٌ معقد متماسك ، سوى البذرة التي كانتها في الماضي ، تنامت ، فتنافت وتواصلت في حركة من تماثـل الذات بالذات ، وما الذات هذه إلا الذات العربية نفسها . ) ، ( 16 ) .

إن مهدي عامل الذي ينتقد شاكر مصطفى على أنه صار يفكر بمنهج هيجل الجدلي المثالي ، يعجز عن اكتشاف رؤية الوعي الموضوعي لدى مصطفى شاكر في فهمه للتاريخ العربي ، ويصبح هو هيجلياً مثالياً .

فالبنيةُ العربيةُ الإقطاعية في زمن الإمبراطورية العباسية كانت نظاماً مركزياً ، والإقطاع المتحكم في الخراج الهائل يصرفه على البناء الترفي والثقافة المقربة المفيدة للنظام ، ثم يتحلل هذا الإقطاع المركزي بسبب ثورات الشعوب ، ليجيء نظام الإقطاع اللامركزي ، وتظهر الدول والدويلات الإقطاعية ، وتكرر بشكل أوسع إنجازات ومشكلات النظام السابق ، ثم يتهرأ هذا النظام الإقطاعي الديني العام بتشكيلاته المتعددة ، ليغدو أنظمة وإمارات إقطاعية صغيرة مذهبية الخ . .

إن هذه السيرورة التاريخية تحافظ على قسمات عامة أشار لبعضها شاكر مصطفى في المقطع السابق ذكره ، حيث يغدو الحكام هم المستولون على القسم الأكبر من الثروة العامة ، وتتواشج السلطة والثروة ، ويشركون رجال الدين في السيطرة على العلاقات الاجتماعية ، أي ينقلون العلاقات الإقطاعية إلى البيوت والأحوال الشخصية الخ . .

وإذا لم نقم كما يريد مهدي عامل بقراءة هذه السيرورة التاريخية الاجتماعية التي امتدت خلال ألف سنة ، والتي تتغلغل في أبنيتنا الاجتماعية وقوانينا الوراثية وفي سلطاتنا المطلقة، وفي شعرنا ونثرنا وعاداتنا ولاوعينا ، فكيف نقوم بتغيير هذه البنية التقليدية وتشكيل النهضة ؟ !

إن مهدي عامل يخرق قوانين الوعي على مستوى قراءة الماضي ، وعلى مستوى قراءة الماركسية ، فعبر قراءة الماضي يتجاهل البنية الإقطاعية وسيرورتها الراهنة ، وعلى مستوى الماركسية يقوم باختراع مغامرات سياسية محفوفة بالكوارث ، عبر اختراعه مقولة أسلوب الإنتاج الكولونيالي وتصفية البرجوازيات العربية .

فهو بدلاً من قراءة الماضي ورؤية أسباب عجز البرجوازيات العربية القديمة عن تشكيل النهضة ، والقيام بثورة رأسمالية ، وقراءة أسباب ضعف البرجوازيات العربية الراهنة وعدم قدرتها على تغيير أسلوب الإنتاج الإقطاعي وتشكيل تحالف معها لتغيير التركيبة التقليدية يقوم بوضعها في خانة العدو والقفز ضدها إلى مهمات غير حقيقية ومكلفة كما دلت تجربة الشعب اللبناني .

يمثـل المفكرون الذين تواجدوا في الكويت لمناقشة مسائل النهضة العربية وكيفية إيجادها ، نخبة اشتغلت في حقول الدراسات لزمن طويل ، وبغض النظر عن اجتهاداتها ومدارسها فإنها تعبر عن عقول مهمة تعارض المجتمعات العربية التقليدية من منطلقات مختلفة ، لكن المفكر اللبناني مهدي عامل نظر إليها كخصوم وليس كقوى مساندة للطبقات العاملة العربية في تغيير مجتمعات التخلف ، وبهذا كان يرفض العديد من الآراء المهمة التي تقدمها كما فعل مع مصطفى شاكر .

ويعترض مهدي عامل كذلك على زكي نجيب محمود الذي يمثل المدرسة الوضعية أو التجريبية المنطقية في دعوته لاحكام العقل في النظر إلى الأشياء ، وخاصة في جملته التي قالها بضرورة ( الاحتكام إلى العقل في قبول ما يقبله الناس وفي رفض ما يرفضونه) ، ودعا زكي نجيب العربَ إلى التوجهِ لتمثل الحضارة المتقدمة ، واعتبر إن الاحتكام إلى العقل ميز الحضارات العقلانية ، معطياً نماذج أربعة على حضارات احتكمت إلى العقل وهي :

أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد ، وبغداد في عصر المأمون ، وفلورنسة في القرن الخامس عشر ، وباريس في عصر التنوير في القرن الثامن عشر .

أي إن زكي نجيب يقدم درجات من صعود البرجوازية عبر العصور ، أعطى إنتاجها المادي قدرة على الفهم الموضوعي للطبيعة المجتمع ، على درجات متفاوتة .

ويعترض مهدي عامل على هذه التصنيفات ويقول :

( وهنا تظهر الدلالة الطبقية لهذا المنطق من التفكير : فانتفاء الطابع التاريخي ، أي النسبي ، من شكل العقلانية الخاص بالبنية الاجتماعية الرأسمالية يجعل من هذا الشكل الخاص مطلقاً ، فيظهر ما هو تاريخي – أي ما يحمل فيه ضرورة تخطيه ونفيه – بمظهر ما هو طبيعي – أي يحمل فيه ضرورة تأبده – ويظهر الشكل الطبقي البرجوازي للعقلانية بمظهر العقلانية الإنسانية ، أي بما هو طبيعي ملازم للحضارة كحضارة . .) ، ( 17 ) .

إن فئاتٍ برجوازيةً عربية تعاني من هيمنة تقليدية متخلفة ، وحين تقوم باستعادة لحظات من فعل الفئات المتوسطة عبر التاريخ الماضي إنما تريد شحذ عقلها وإرادتها من أجل تشكيل عالم نهضوي عقلاني عربي ، يمكن حتى للقوى الشعبية فيه أن تناضل بصورة حديثة ، لكن زكي نجيب محمود هنا يفصل العقلانية عن أسلوب الإنتاج ، ولا يرى إن العقلانية في أسلوب إقطاعي ( عباسي ) هو غيره في أسلوب رأسمالي جنيني في أوربا ، وبالتالي كان هذا يحتاج لقراءة العنصر العقلاني في سيرورته التاريخية .

إن النموذج الذي يختاره مهدي عامل في الفصل الرابع من الكتاب السابق الذكر ، هو الشاعر والباحث أدونيس ، الذي صاغ دراسة حول الإمام أبي حامد الغزالي في ذلك المؤتمر مُستنتجاً ــ أي أدونيس ــ بأن الفكر الديني :

[بقواعده وغاياته ، هو الذي يسود المجتمع العربي ، اليوم . ولذلك فإن الإيديولوجية السائدة ، سواء في المدرسة والجامعة والبرامج التربوية ، والصحافة والإذاعة والكتاب ، إنما هي قوة ارتداد نحو الماضي ، وقوة محافظة على الراهن الموروث . . فعلاقات الإنتاج الموروثة . . ما تزال هي السائدة . . والبنية الإيديولوجية التقليدية . . ما تزال كذلك هي السائدة] ، ( 18 ) .

هذا الكلام يقوله أدونيس في سنة 1974 ، وبالتالي استطاع أن يشخص الواقع العربي تشخيصاً مهماً بحيث أننا الآن ( سنة 2005 ) ندرك الفجائع المترتبة على هذه السيادة الماضوية . ولكن اليسار حينذاك لم يكن ير مثل هذا التشخيص ، كرفيقنا الراحل مهدي عامل ، الذي يتصدى لهذه المقولة قائلاً رداً وتحليلاً للرأي السابق :

[1 – الفكر العربي هو نموذجه ، ونموذجه هو الغزالي ، فالفكر العربي إذن هو فكر الغزالي .

2 – الفكر السائد في الماضي هو الفكر السائد في الحاضر .

3 – البنية الإيديولوجية السائدة في الماضي هي البنية الإيديولوجية السائدة في الحاضر.

4 – علاقة الإنتاج المتوارثة – أي السائدة في الماضي – هي علاقات الإنتاج القائمة في الحاضر .

إذن الماضي هو هو الحاضر ، لا شيء تغير. ( خلاصة ). ] ، ( 19 ) .

من الواضح إن مهدي عامل يقوم بتبسيط نظرة أدونيس إلى التاريخ الفكري العربي ، فالغزالي لدى أدونيس هو كل الفكر العربي الديني المحافظ ، ولكن أدونيس يقول إن هذا الفكر المحافظ المذهبي هو الذي ساد ، وإذا طورنا مقولة أدونيس كما توصلنا إليها ، فنقول إن رؤية الغزالي كانت هي ثقافة الإقطاع السائد . ولكن ثقافة الإقطاع المذهبي متعددة ، وحتى تسود قامت بالقضاء على التيارات الدينية المعارضة ، وهذه لها حراك وصراع استمر إلى وقتنا الراهن ، فليس معنى ذلك سكون الخريطة الفكرية الاجتماعية ، بل أن لها ألواناً وتضاريس معقدة . ولكن من الناحية الجوهرية فإن المنظومة العربية الإسلامية لم تخرج عن التشكيلة الإقطاعية ، ومعرفة وتحديد التشكيلة هذه هي الخطأ الجوهري لدى مهدي عامل كما بينا سابقاً ، في حين أن الباحثين المنبثقين من الفئات الوسطى الحديثة كأدونيس وشاكر مصطفى ، يرون أنها مستمرة ، لكنهم لا يعرفون كيف يبلورن ذلك نظرياً .

يضع مهدي عامل بعض ممارسات الفلاسفة العرب كابن رشد في دائرة ما يسميه [بالممارسة الإيديولوجية لما يمكن تسميته بالطبقة الأرستقراطية العربية المسيطرة في المجتمع الاستبدادي في القرون الوسطى.] ، وبغض النظر عن جمله من المفاهيم الخاطئة في هذه العبارة ، فإن مهدي عامل يضع الممارسات النقدية للمفكرين العرب المسلمين السابقين في سياق [مجتمع استبدادي] ، وليس في سياق التشكيلة الإقطاعية المعروفة بداهةً للمادية التاريخية ، ثم يقوم بوضع الحركات والفكر الديني الإسلامي المعاصر في سياق آخر فيقول :

[ أما في الحالة الثانية ، «فالإسلام» موجود بالشكل الذي يتحدد فيه بحقل آخر من الممارسات الإيديولوجية الطبقية ، خاص ببنية اجتماعية مختلفة ، يغلب عليها الطابع الكولونيالي، في انتمائها التاريخي إلى نمط الإنتاج الرأسمالي .] ، ( 20 ) .

إن هذه البنية الحديثة التي يضع مهدي عامل الوعي الديني السابق فيها ، هي بنية يغلب عليها ( الطابع الكولونيالي وتنتمي تاريخياً إلى نمط الإنتاج الرأسمالي) ، وهي توصيفات نرى كيف أنها بذاتها قلقة مضطربة ، وهو يلجأ إلى كلمة ( كولونيالي) الأجنبية المنتفخة ، لكي يُشعر القارئ بأنها مصطلح غني في حين يمكن القول بأن البنية العربية هي بنية تابعة ، ووجود التبعية لا يخلق تشكيلة جديدة ، أي أنه حين تقوم الرأسمالية المسيطرة غربياً بإلحاق البلدان الفقيرة الإقطاعية في العالم الثالث باقتصادها ، فإن هذه البنية التابعة تظل في تشكيلتها الإقطاعية السابقة ، لأن الاستعمار لا يقوم بثورة اجتماعية فيها بحيث يحولها إلى نموذجه أو نموذج الرأسمالية ، بل يبقيها في بنيتها السابقة ويجري تغييرات سياسية واقتصادية بحيث تقوم بضخ المواد الأولية إليه وتغدو سوقاً لمنتجاته الخ . . لكن عمليات الإلحاق والتغيير الرأسمالية المحدودة تكون في إطار التشكيلة الإقطاعية ، أي أن التشكيلة السابقة لم تتبدل بثورة تبدل البناءين ؛ التحتي بثورة اقتصادية ، والبناء الفوقي بثورة ثقافية ، بل جاءتها عناصر رأسمالية فقامت باستيعابها في قوانين التشكيلة الإقطاعية التقليدية .

إذن عدم فهم مهدي عامل للقضية المحورية وهي قضية التشكيلة يقوده إلى سلسلة من الأخطاء اللاحقة ، حيث ينفي كون الدين أيديولوجية فكرية مسيطرة في الحاضر ، لأنه نفى كون التشكيلة المعاصرة تشكيلة إقطاعية ، وبهذا لم يُدرك المهمات الفكرية والسياسية الأساسية الراهنة ، وهي تغيير التشكيلة وبناءها الفكري التقليدي .

ولهذا يقوم بنقد أدونيس لأنه يقول باستمرار التشكيلة الإقطاعية ووعيها الديني الأساسي ، ( ويجب أن نقول هنا وعيها : المذهبي السياسي ) ، منتقداً إياه بأنه ينقل :

[مركز الثـقل في الممارسة الإيديولوجية للصراع الطبقي ضد البرجوازية المسيطرة ، من صراع ضد إيديولوجية هذه الطبقة ، بمختلف تياراتها ، إلى صراع ضد الشكل الديني أو الطابع الديني من هذه الإيديولوجية..] ، ( 21 ) .

وهنا يواصل مهدي عامل عدم فهمه وخلطه للأمور ، فأدونيس في نقده للشمولية الدينية ينقدها في ظل نظامها التقليدي الإقطاعي ، أي باعتبار الوعي الطائفي المحافظ تجلياً فكرياً واجتماعياً للممارسة الإقطاعية المهيمنة على المسلمين (والمسيحيين) ، وليس باعتبارها نضالاً ضد الشكل الديني ، أي بأنها قضية فك علاقة الدين بالسيطرة السياسية والاجتماعية الإقطاعية الراهنة ، وتشكيل منظومة سياسية حديثة علمانية .

أي أن مهدي عامل يريد تجيـير النقد ضد الدين ، ويجعله بإطلاق ، وليس ضد الوعي السياسي الطائفي المستغل للإسلام في تأبيد البنية الإقطاعية المتخلفة ، وبالتالي يريد توجيه الوعي الفكري ضد البرجوازية العربية الحديثة ، باعتبارها سبب الأزمة والعائق ، أي أنه في النهاية يقوم بالدفاع غير المباشر عن الإقطاع الديني ، أو أنه بالهجوم على البرجوازية الحديثة يفتت الصفوف الموجهة ضد الإقطاع الديني والسياسي .

فلنحلل أكثر التباس المفاهيم والمراحل واستراتيجيات النضال لدى مهدي عامل .

يقول :

[ فالعلاقة هذه التي تمنع تطور الإنتاج الرأسمالي ، في شكله الكولونيالي ، من أن يميل ، في قانونه العام ، إلى القضاء على علاقات الإنتاج السابقة عليه ، في سيطرته بالذات عليها ، هي نفسها العلاقة التي تمنع البرجوازية الكولونيالية ، في ممارسة سيطرتها الإيديولوجية / من القضاء على مختلف الإيديولوجيات السابقة على الإيديولوجية البرجوازية ، في سيطرتها بالذات .. ] ، ( 22 ) .

يعتمد مهدي عامل على منطق ارسطي شكلاني يجرد التاريخ من سيرورته الحقيقية ، ويضعه في قوالب لا تاريخية ، أي لا توجد إلا في وعيه الذي يقع خارج التاريخ الحي .

فهو أولاً قد أثبت انتصار الإنتاج الرأسمالي في العالم العربي ، في القرن التاسع عشر كما سيقول لاحقاً أيضاً ! لكن هذا الانتصار تم في إطار كولونيالي ، ورغم إن البرجوازيات العربية التي انتصرت على أشكال الإنتاج ما قبل الرأسمالية قد انتصرت إلا أنها مع ذلك تحافظ على الأيديولوجيات ما قبل الرأسمالية وهو ذات السبب الذي يجعلها تحافظ على أساليب الإنتاج ما قبل الرأسمالية !

فأولاً حين جاء الاستعمار إلى العالم العربي في القرن التاسع عشر ، كرس الإقطاع والطائفية والأمية ، ولم تستطع الفئات الوسطى ( البرجوازية ) أن تنمو إلا بشق النفس ، وخاصة الفئة الصناعية ، وبقيت الأبنية الاجتماعية تسود فيها عبودية النساء وعدم خروجهن للعمل والإنتاج، وهيمنة الإقطاع الطائفي الخ . .

وبهذا فإن نضالات الفئات الوسطى كانت تتحدد في كل بنية اجتماعية عربية ، حسب تطورها الاقتصادي الاجتماعي ، فإن تنمو فئة وسطى وتقود نضالاً ديمقراطياً كان ذلك يحتاج إلى عقود ، وليس كما يظهر في وعي مهدي عامل ، بشكل أزرار سحرية ، وكأن تشكل علاقات الإنتاج الرأسمالية تتم في الذهن وليس في الواقع الحي . أي أن الرأسمالية تحتاج إلى شروط موضوعية وهي انتشار الصناعة وانتشار العمل بالأجرة وتحرر النساء الخ . .

ولو افترضنا جدلاً بنشؤ الرأسمالية الواسعة في نهاية القرن التاسع عشر ، وهذا محض خيال ، فإن أشكال الوعي الدينية ، المرافقة للتشكيلة الإقطاعية ، لا تنهار بسهولة كبيت من ورق .

إن الوعي الديني المترافق مع التشكيلة الإقطاعية العربية تأسس فوق بنية زراعية / حرفية / رعوية ، وداخل صراعات اجتماعية ( قومية ) ومناطقية ، وقادته الصراعات السياسية الاجتماعية إلى الانقسام المذهبي الكبير في عصر الثورة والمعارضة ، بين التيارات المحافظة والتيارات المعارضة ، بين التيارات الإقطاعية الناجزة وتيارات الفئات الوسطى الفاشلة ، ثم إلى الانقسام المذهبي الكبير الثاني حين انتصرت التيارات والدول المحافظة ، أي الانقسام بين السنة والشيعة .

إن هذه السيرورة الاجتماعية الإيديولوجية المتلونة بمراحلها وآثارها لا يمكن أن تزول آلياً مع الانتصار الموهوم للرأسمالية كما يظن مهدي عامل ، بل إن هذا البناء الفوقي يحتاج إلى قرون لكي تتم زحزحة خطوطه المتكلسة ، ولكن الأمر أعقد من ذلك لأن هذا البناء الفوقي يتأسس تحت بناء قاعدي لم يتغير كثيراً.

وكما أوضح شاكر مصطفى في عبارته الهامة التي اقتطعاها مهدي عامل ورفضها ، بأن النظام الإقطاعي العربي الديني تتداخل فيه مسألتي السلطة والُملكية ، أي تتواشج فيه جوانب من البناءين التحتي والفوقي ، فالمسيطرون على الثروة والملكية العامة والأوقاف الخ . . هم الإقطاعيون السياسيون والدينيون ، وهو أمر يتمظهر مذهبياً في البلدان ذات المذاهب المتنوعة ، ودينياً في الأقطار الإسلامية ذات الاختلاط مع المسيحية ، وهذه الهيمنة الإقطاعية تظهر على شكل مَلكيات استبدادية وهو أمر استمر حتى منتصف القرن العشرين في بعض الدول العربية وليس في أغلبها ، وعلى شكل جمهوريات رئاسية أو ملكيات لم تستطع أن تـُنجز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية المكتملة ، أي في جميع الأقطار العربية الإسلامية حتى الوقت الراهن .

يحكم مهدي عامل على البرجوازيات العربية منذ تشكلها وصراعها ضد الإقطاع والاستعمار ، بحكم سياسي واحد ، فبعد أن شكلها بشكل ناجز في ذهنه فحسب ، وبعد أن شكل الأنظمة الرأسمالية العربية في وعيه فحسب ، غدت متطابقة مع البرجوازية الاستعمارية المسيطرة وبالتالي غدت منذ البدء عدواً .

لهذا فإنه لا يقرأ سيرورتها الفكرية والاجتماعية وبالتالي مراحل تطورها ومن هنا لا يرى فرقاً بين (ما نراه في أيديولوجيتها من مفاهيم «عصرية» ليبرالية ، وما نراه أيضاً في بدء ” تاريخها الإيديولوجي ” من مفاهيم أرادت أن تكون مثيلة مفاهيم الثورة الفرنسية البرجوازية ، كما هو الأمر عند رفاعة الطهطاوي ولطفي السيد وغيرهما ) ، ( 23 ) .

ومهما كانت عدم الدقة في المطابقة بين آراء الثورة الفرنسية وآراء الطهطاوي ولطفي السيد ، فإن عدم رؤية أهمية آراء المنورين العرب في ذلك الكهف الإقطاعي التي كانت ولا تزال الشعوب العربية تحاول الخروج منه ، فذلك يدل على وعي الأرادوية الذاتية ( الثورية ) في إلغائها للقوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي ، مثلما تفعل في مسألة الوعي بالتشكيلة وبالوعي المهيمن فيها ، حيث يلغي مهدي عامل أهمية أفكار البرجوازية النهضوية ويثبت آراء الإقطاع الديني ، فيقول بأن الإيديولوجية الدينية :

( ليست هي الإيديولوجية المسيطرة ، أو التيار الإيديولوجي المسيطر في الإيديولوجية المسيطرة ، أو أيديولوجية البرجوازية الكولونيالية المسيطرة ) ، ( 24 ) .

إذن إنه في عدم وعيه بسيرورة الإقطاع السياسي الديني في الماضي : بقوانين تشكله وصراعاته وظهور الفئات الوسطى بين أشداقه وأسباب انهيارها وغلبته ، فإن مهدي عامل لا يرى قوانين استمراريته وانهياره في العصر الحديث العربي ، وأسباب ضعف الفئات الوسطى ، وصراعها معه ومع الاستعمار.

إن عدم رؤية قوانين البنية الاجتماعية في الماضي ، هي ذاتها تتجلى في عدم رؤية قوانينها في الحاضر ، ويقود ذلك إلى عدم رؤية قوانين التشكيلة الإقطاعية عامة ، خاصة عملية تفكيكها وتغييرها المعاصرة ، وإذا أحلنا آراء مهدي عامل الفكرية العامة إلى الميدان السياسي ، فيعني ذلك تقوية الإقطاع .

فعدم تثمين مقاومات الفئات الوسطى في الماضي والحاضر ، وتشكيل جبهة سياسية تحديثية واسعة ، تراكم الوعي النهضوي وتقود في الخاتمة إلى الثورة أو القطع مع المنظومة الإقطاعية ، واستبدالها بمنظومة حديثة ، يعني تصفية القوى النهضوية وتفكيكها ، وبالتالي تصعيد الإقطاع في مستويات البنية المختلفة .

علينا أن نرى إن ثمة عدم دقة تحليلية للإقطاع المذهبي وتطوره في التاريخ العربي لدى أدونيس كذلك ، أي أن أدونيس لا يرى الجذور الاجتماعية لتشكل الحداثة قديماً وحديثاً ، التي تؤسسها الفئات الوسطى العربية ، ولكنه يقترب من هذا التحديد بشكل أفضل من مهدي عامل، الذي يقول عن ذلك :

( لكن المنطق الذي قاد أدونيس إلى عدم رؤية هذا الطابع الطبقي المميز للصراع الإيديولوجي في واقعنا الراهن ، هو تلك المعادلة الرابعة التي أقامها بين علاقات الإنتاج السائدة في الماضي وعلاقات الإنتاج القائمة في الحاضر. .) ، ويضيف مهدي عامل : ( أما أن تكون هذه العلاقات الموروثة نفسها هي هي العلاقات القائمة حالياً ، فهذا ما لا يمكن للمنطق العلمي أن يقبل به ، برغم وجود الانسجام الداخلي في منطق أدونيس..) ، ( 25 ) .

ومن المؤكد إن الإقطاع العربي الكلاسيكي القائم على ملكية الأرض الزراعية والخراج ، لم يعد شاملاً ، لكن مهدي عامل لم يقم بدرس العلاقات الاقتصادية العربية الحديثة ، وكيف أن ملكية الدولة لوسائل الإنتاج تمثل شكلاً إقطاعياً حين تغدو تابعة بالوارثة لأسرة أو جماعة سياسية ، بدلاً من أن تكون هذه الوسائل بضاعة متداولة ، ولهذا ثمة استمرارية كبيرة بين حقول النفط وحقول الزراعة ، وبين الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي تتركها في تقوية الإقطاع الأسري والحزبي الخ . . ونعرض ذلك كمثال عابر فقط ، من أجل أن نرى استمرارية الحياة التقليدية ، وبالتالي فإن الحكم العام الذي يطلقه أدونيس باستمرار الوعي التقليدي وهيمنته لا يجانب الصواب .

إن أدونيس إذن عبر تلك الفقرة التحليلية يقربنا من رؤية البنية الحقيقية للحياة العربية ، فيما يعمل مهدي عامل على إخراجنا من تلك البنية وإدخلانا في بنية موهومة من قراءته ومعايشته للحياة الغربية ، فيريد نقل مهمات الصراع الطبقي فيها، إلى بلدان متخلفة ، تشكو من قلة البرجوازية والعمال والتصنيع ، دون أن يحاول العودة إلى مصادر أدونيس في قراءة المجتمعات العربية ، في كتابه (الثابت والمتحول) خاصة .

في إحدى الفقرات من كتابه ( أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية ؟ ) ، يقر مهدي عامل ضمناً بسيادة العلاقات الإنتاجية والاجتماعية التقليدية وهو يرد على أدونيس فيقول :

( إن وجود هذه العلاقات السابقة في البنية الاجتماعية الكولونيالية لا يعني أنها العلاقات السائدة في هذه البنية ، حتى وإن كانت هي تنتشر على القسم الأعظم من السكان ، كما هي الحال في الهند مثلاً، أو في كثير من البلدان العربية . .) ، ( 26 ) .

إنه يعتبر الإنتاج التابع شكلا تاريخياً محدداً من الإنتاج الرأسمالي ، فمهما كانت الأشكال ما قبل الرأسمالية منتشرة فإن ما يحدد توجه التطور هو النمط الرأسمالي . وبطبيعة الحال لا يمكن أن نأخذ بهذه الجمل إلا عبر تحليل للأبنية الاقتصادية الاجتماعية المحددة في كل بلد ، فرغم أن التطور الرأسمالي هو تطور عالمي عاصف ، إلا أن كل منطقة وبلد لهما خصوصياتهما ، أي أن الأمر يعود لتطور التشكيلات وتاريخها ، وتناقضاتها الداخلية ، فالتشكيلة الإقطاعية العربية الإسلامية ، عبر سيطرة مختلف الدول الاستعمارية على أقطارها المتعددة ، لم تقم هذه الدول الاستعمارية برسملتها بشكل شامل ، وحتى بعد مختلف الثورات الوطنية فإن المسألة الديمقراطية لم تـُحل ، أي أن هذه الأنظمة ظلت على بنياتها الإقطاعية المذهبية ، وظلت الدولة طائفية واللامساواة بين المواطنين سائدة ، وظلت قوى ما قبل رأسمالية تتحكم في الثروة العامة الخ . .

لكن مهدي عامل لا يرى ذلك ، بل يرى إن هذه الأنظمة أنظمة رأسمالية فيجب أن :

( يرفض الدولة البرجوازية ، أي هذا الشكل التاريخي الطبقي المحدد من الدولة، ويرفض علاقات الإنتاج البرجوازية الخ . .) ، ( 27 ) .

كما أن القوى العاملة مدعوة ( لممارسة العنف الثوري ، من حيث هو عنف طبقي ، بأدواتها هي وبمنطقها هي وبنظامها هي ، من أجل القضاء على سبب وجود العنف الذي هو المجتمع الطبقي ) ، ( 28 ) .

إن مهدي عامل لا يقول ذلك في فرنسا والولايات المتحدة ، بل في لبنان وسوريا والعراق والجزيرة العربية ، فبدلاً من معرفة ما يحدده شاكر مصطفى وأدونيس من دولة استبدادية طائفية إقطاعية متخلفة ، يقوم مهدي بصناعة دولة موهومة هي الدولة البرجوازية ، وقد اكتملت علاقات الإنتاج الرأسمالية فيها ، وبين النموذج الواقعي الذي يرفض الدخول فيه وتحليله ، يجر نموذجاً آخر ويريد مجابهته ، وهذا الجر يخلق مهمات سياسية وعسكرية مختلفة ، فهو هنا يريد إزالة البرجوازية بالقوة ، فتتحول هذه الكلمات في يد اليساري اللبناني إلى سلاح ، ويغدو كل الفلاحين المقتلعين من الجنوب والنازحين على المدن والفقراء ، جيش الثورة البروليتارية في مواجهة البرجوازية .

إن مهدي عامل بعد أن حول المجتمع المتخلف الطائفي التابع الجائع إلى المصانع والبرجوازية إلى (مجتمع برجوازي مأزوم بسيطرة هذه البرجوازية ) ، لم تعد المهمة سوى اقتلاع هذه البرجوازية لكي تحل الأزمة ، وهكذا يُفتح الطريق للحرب الأهلية اللبنانية من البوابة النظرية .

لا يعني ذلك بأن توصيفات أدونيس للمجتمع العربي التقليدي متكاملة ولا أن الحلول التي يطرحها لتجاوز أزمة المجتمعات العربية التقليدية ، فهي كذلك تعاني من عدم فهم سيرورة التطور العربي.

إن أدونيس يقول حسب رواية مهدي عامل بأن ( شخصية العربي ، شأن ثقافته ، تتمحور حول الماضي / القديم ) . وأنه في الحضارة العربية (لما انتفى الفرد في الموضوع وتغرب عن ذاته في الجماعة أو الدولة أو السلطة أو النظام … كان الاتباع ، وكان التخلف ، وكان حاضر الإنسان العربي أو ماضيه ) ، ( 29 ) .

نستطيع أن نقول بأن مقاربة أدونيس للتشكيلة الإقطاعية تركز هنا على غياب الوعي الفردي (البرجوازي) ولكنه يجعله مطلقاً ، والمسألة ليست مسألة انتفاء الوعي الفردي فهذا مظهر للبنية الإقطاعية التي جعلت الفئات الوسطى تابعة لها ، ولكنه وهو حين يشير إلى ( تلاشي ) الفرد المبدع أو هيمنة التقليد في الحضارة القديمة ، فهو يشير إلى شيء موضوعي لم يتبينه تمام التبين ، وهو سيطرة الهياكل الإقطاعية العامة الاقتصادية والاجتماعية والإيديولوجية ، ولهذا فإن الفردية، وتوسع الفئات الوسطى الحرة ، وبالتالي انتشار الإبداع لم يحدث بصورة جذرية ، وقد تتبعنا ذلك في قراءات سابقة ، وبينا جذور الفئات الوسطى وارتكاز قواها الأساسية على الدولة الإقطاعية . وبهذا فإن الفئات الوسطى العربية في الماضي والحاضر ، لم تستطع أن تتحول إلى طبقات برجوازية كلية ، وهذا بخلاف رؤية مهدي عامل التي تقول بأنها وُلدت كبيرة ناجزة بفعل الأزرار السحرية الغربية ، ولكنها بعد كما يقول أدونيس كذلك لم تستطع حتى الآن أن تزيح الاتباع وتنشر الحرية بشكل شامل !

تلخيصاً وتطويراً لما سبق، يقيّم مهدي عامل تقييماً سلبياً الجوانب التي يتلمسها المفكرون المنبثقون من الفئات الوسطى الحديثة والتي تميل لتشكيل النظام الرأسمالي الحديث بكل قسماته ، فمهدي عامل يقوم بإزاحة لهذا المجتمع التقليدي الحقيقي المرفوض من قبل هؤلاء المفكرين ، ويضع بدلاً منه توصيفات مستقاة من تطور أعلى ، هو تطور البلدان الرأسمالية المتطورة ، ويضع المهمات التي تواجه الطبقات العاملة في هذه البلدان الرأسمالية المتطورة ، والتي تعالج مهمات تاريخية مختلفة ، وبدلاً من تشكيل جبهات موسعة للقوى الحديثة والديمقراطية لإزاحة التشكيلة الإقطاعية الطائفية العربية ، فإن يوجه القوى ضد أحد الأجنحة المهمة في عملية التغيير الديمقراطية ، ولهذا فهو يجعل ممثلي القوى الليبرالية والعقلانية الفكرية في الندوة المذكورة ، كخصوم ألداء وليس كحلفاء في معركة واحدة ضد تشكيلة تجاوزها التاريخ .

وهذا يقوده لعدم تثمين الأحكام الموضوعية التي يطرحها هؤلاء المفكرون والباحثون، وعدم الاستعانة بهذه المواد الفكرية الثمينة لتطويرها عبر المنهج المادي الجدلي، ورؤيتها في سياق التشكيلة الحقيقية.

ولكن مهدي عامل دخل في قراءة التاريخ بذاتية ثورية تـُسقط رغباتها على التاريخ الحقيقي ، بدلاً من اكتشاف تطوره ، فكان ابتكاره لمقولة ( أسلوب الإنتاج الكولونيالي ) بداية لخرقه أساسيات المادية التاريخية ، حول أساليب الإنتاج المحددة والُمكتشفة ، وهذا الخطأ المحوري قاده إلى سلسلة من الأخطاء النظرية في تحليل الجوانب المحددة في تطور التشكيلة الإنتاجية العربية ، السابقة الذكر، فهو قد اعتبر علاقات الإنتاج الرأسمالية مُـنجزة في حياة المجتمعات العربية منذ نهاية القرن التاسع عشر ، وهذا ما دعاه إلى عدم تثمين حلقات التنوير المتعددة التي قامت بها الفئات المتوسطة العربية ، في الماضي والحاضر ، ثم الدعوة إلى خلق اصطفاف حاد إلى معسكرين رأسمالي تجاوزه التاريخ ، وعمالي يجب انتصاره .

وكان هذا خرقاً للمهمات الحقيقية لقوى الثورة والتغيير العربية التي تواجه تشكيلة متخلفة ، ولكن الخطوط الفكرية التي طرحها مهدي عامل كانت تتضافر ووضع دولي مواتٍ ، مما جعلها في حيز التنفيذ ، ولكن النتائج المترتبة على هذه الخطوط النظرية والسياسية كانت كارثية خاصة على البلدان التي طبقتها بشكل عنيف ، وأهم هذه النتائج إن القوى السياسية ما قبل الرأسمالية ، والمذهبية الاجتماعية ، هي التي استفادت من تناحر القوى الحديثة ، وهي التي برزت إلى السطح والفاعلية ، حيث ساعدتها عوامل أخرى ، مما أوضح بشكل جلي بأن مهمات حركات التغيير العربية لا تزال مواجهة الأبنية التقليدية ، وضرورة عدم التحالف مع هذه القوى التقليدية وابرازها ، رغم السهولة التي تبدو بها عمليات التحالف مع هذه القوى الماضوية ، وضرورة تكريس تحالف الجبهة النهضوية التحديثية الديمقراطية ، حتى لو كانت الصعوبات جمة في طريق تشكيله وتعزيز عناصره الديمقراطية والعلمانية .

لكون التحالف مع القوى التقليدية وتعزيزها هو تقوية للتشكيلة الإقطاعية وسيرورتها الطويلة في الحياة العربية ، لأنها تشكيلة متكاملة ومتجذرة ليس في الحياة السياسية ولكن أيضاً في الحياة الاجتماعية والفكرية.

ونظن لو كان المناضل والمفكر مهدي عامل حياً ، لكان قد راجع الكثير من أفكاره ، التي كان يعززها حينذاك وضع عالمي مختلف .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش ومصادر:

لهذا فإن القول بوجود بنية كولونيالية أمرٌ يفتقد إلى التحليل المادي التاريخي.

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=413619

البنية والوعي

اختلف مع العديد من المفكرين حول رؤيتهم لمسار المجتمعات العربية الإسلامية الراهنة، ولاسيما مع المفكر اللبناني الراحل مهدي عامل في مفهومه عن [ أسلوب الإنتاج الكولونيالي]، الذي أراد أن يجعله توصيفاً لمجتمعات العالم الثالث التي منها مجتمعاتنا.

وقد استفاد مهدي عامل من تطورات الفكر الماركسي في فرنسا، وخاصة تطورات البنيوية الوظيفية على يد غولدمان وآلتوسير، اللذين ركزا على مفهوم [ البنية]، باعتبار كل مجتمع بنية خاصة لها قوانين تشكلها، غير المنفصلة عن قوانين تطور التشكيلة الاجتماعية ـ الاقتصادية التي تضم مجموعة من المجتمعات، والبنية ذات مستويات ثلاثة: اقتصادية وأيديولوجية وسياسية، وهي مستويات متداخلة، كل منها له أهميته التكوينية في مسار البنية، وبهذا ينتهي ذلك الفصل التعسفي بين الاقتصادي والفكري والسياسي.

وقد طبق مهدي عامل هذا المفهوم على مجتمعات العالم الثالث، رافضاً إنها مجتمعات إقطاعية أو رأسمالية، أو فقط مجتمعات تابعة، مقترحاً أسلوباً جديداً للإنتاج هو الأسلوب الكولونيالي، فهي مجتمعات تابعة، غير قادرة على إنتاج بورجوازية وطنية قادرة على تشكيل مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية.

وبطبيعة الحال هذه المقولة تكمل الوعي اللينيني باستباق قيادة البرجوازية وقيام العمال بتشكيل هذه الثورة.ويواصل مهدي عامل ذلك قائلاً بأنها تابعة للرأسمالية الأقوى، وبالتالي لا يمكن أن تقوم بعملية القطع في بنية التبعية.

وفي رأيي فإن مهدي عامل لم ينطلق من درس تطور المجتمعات العربية الإسلامية، أي ما هي أساليب الإنتاج في دول المشرق الذي صار عربياً، وكيف ظهر الإسلام وفي أي بنية وما هي تطورات هذه البنية.

إذا أخذنا مثالاً بسيطاً على مفهوم البنية، فنقول عن سلطة الاحتلال الإنكليزية في الدول العربية في بدايات القرن العشرين، هل كانت سلطة رأسمالية أم إقطاعية؟

إن قانون البنية هنا يقول بأن البنية الاجتماعية لها قوانينها الداخلية، وهي التي تستقبل المؤثرات الخارجية وتعيد تشكيلها داخلياً، فنحن قد نأخذ أداة غربية متقدمة ولكن شروط وجودها في بنيتنا الوطنية تعيد تشكيلها حسب قوانينها، فالتلفزيون المنتج يغدو عندنا أداة ترفيه، وكذلك فإن قائد الاحتلال البريطاني الذي يسجن من يقوم بتعدد الزوجات في إنكلترا حين تدوس أقدامه أرضاً عربية يقبل بهذا التعدد.

وكذلك فإن كافة المنتجات الثقافية والاقتصادية تخضع لإعادة التشكيل داخل البنية، فيغدو المستعمر البريطاني رئيساً لسلطة إقطاعية.وتغدو عمليات التحديث الرأسمالي المحدودة غالباً في بنية إقطاعية مهيمنة.لكن هذا الإقطاع عرف سيرورة خاصة تمثل تطور المجتمعات العربية الإسلامية، التي تغدو فيها المذهبية شكلاً دينياً محافظاً للصراع الاجتماعي.

ولهذا فإن تكون الفئات المتوسطة في مجتمعاتنا هو تكون تابع أولاً للإقطاع، فتبعيتها للإقطاع هو الذي يجعلها تابعةً للإمبريالية. إن عدم تجذر الخطاب الفكري والسياسي للفئات المتوسطة، يعود لهذه التبعية المركبة.

لو أخذنا المجتمع اللبناني كمثال لقرأناه بوصفه مجتمعاً إقطاعياً مذهبياً نموذجياً. فكافة الشرائح التي تبدو قوى برجوازية هي قوى لإقطاعية مذهبية ودينية مختلفة. الحزب الاشتراكي التقدمي هو يافطة للإقطاع الدرزي والمهيمنين فيه، أي أن الشريحة المتوسطة في الطائفة الدرزية لم تستطع أن تغير الإقطاع المهيمن عليها، أي أن تغدو جزءً من طبقة برجوازية قائدة، وهذا يحتاج لشروط اقتصادية، عبر تعاضدها مع الشرائح الوسطى في الطوائف الأخرى، وفكرية عبر إزاحة الوعي الطائفي المهيمن في الفكر السياسي الدرزي وغير الدرزي، وبقراءة نقدية للوعي الدرزي باعتباره إحباطاً للنضال الثوري عند الفلاحين المسلمين في العصر الوسيط وهيمنة للإقطاعيين على إنتاج هذا الوعي والسيطرة على الفلاحين الذي تقسموا وفقدوا قدرتهم على الكفاح الطبقي العام، وهو أمر يُعاد إنتاجه في المجتمع الإقطاعي اللبناني الحديث، عبر مستوى آخر من تطور البنية وتداخلها مع الهيمنة الأجنبية.

ويمكننا أن نأخذ الوعي الفرنسي الملبنن كنموذج يواصل متابعة المسألة على صعيد الوعي، ونرى كيف إن وعي الثورة الفرنسية المستورد إلى لبنان تحول إلى كهنوت، أي أنه لم تستطع أفكار ديدرو وفولتير وجان جاك روسو أن تطيح بسيطرة الكنيسة والملالي على الوعي. فلماذا صار ميخيائيل نعيمة صوفياً؟ ولماذا ترنحت الثورة الرومانتيكية عند جبران خليل جبران؟ ولماذا صار الحزب الشيوعي اللبناني تابعاً لحركة القوى المذهبية عوضاً أن يقود معركة لتشكيل مجتمع حديث لا طائفي؟ أي كيف غدت الماركسية ديناً وعقيدة ؟ أي لماذا لم تستطع الفئات الوسطى والشعبية فيه أن تغدو علمانية؟ أي لماذا ابتعدت أدوات مهدي عامل من الحفر والهدم للمجتمع الإقطاعي اللبناني الطائفي كتشكيلة حقيقية وليس كمجتمع كولونيالي؟

تكمن الإجابات في الحفر المزدوج الماضوي والحديث، عبر دراسات ملموسة في تكوينات المجتمعات وتطوراتها الخاصة، أي تحولها من كيانات داخل الإمبراطورية الإسلامية إلى كيانات وطنية، وكيف تمت التطورات والصراعات القديمة والحديثة، وكيف ومتى حدثت التغيرات في البُنى الإقطاعية في كل بلد بلد، وفي المستويات الثلاثة السابقة الذكر، وهل وصلت هذه التغيرات إلى الخروج من التشكيلة؟

إننا في لحظة تاريخية فكرية كبيرة هي إعادة لصياغة المفاهيم وانقلابها، وتاريخنا كله موضوع للحوار، لأن كتلته الجامدة صارت تعيق أمة كبيرة عن المشي في الكوكب الأرضي.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة

( 9 ) : ( أزمة الحضارة العربية أم أزمات البرجوازيات العربية ؟ ) ص 16 ، ونعتمد على الطبعة السابعة للكتاب الصادرة عن دار الفارابي ببيروت سنة 2002 .

( 10 ) ، ( 11 ) : ( المصدر السابق ، ص 21 ) .

( 12 ) : ( المصدر السابق ، ص 53 ) .

( 13 ) : ( المصدر السابق ، ص 39 ) .

( 14 ) : ( المصدر السابق ، ص 43 ) .

( 15 ) : ( المصدر السابق ، ص 54 ) .

( 16 ) : ( المصدر السابق ، ص 54 ) .

( 17 ) : ( المصدر السابق ، ص 34 ) .

( 18 ) : ( المصدر السابق ، ص 73 ) .

( 19 ) : ( المصدر السابق ، ص 74 ) .

( 20 ) : ( المصدر السابق ، ص 76 – 77 ) .

( 21 ) : ( المصدر السابق ، ص 78 – 79 ) .

( 22 ) : ( المصدر السابق ، ص 81 ) .

( 23 ) : ( المصدر السابق ، ص 82 ) .

( 24 ) : ( المصدر السابق ، ص 82 ) .

( 25 ) : ( المصدر السابق ، ص 85 ) .

( 26 ) : ( المصدر السابق ، ص 87 ) .

( 27 ) : ( المصدر السابق ، ص 104 ) .

( 28 ) : ( المصدر السابق ، ص 105 ) .

( 29 ): ( المصدر السابق ، ص 97 ) .

الثورية الزائفة لمحطة الجزيرة

تقوم محطة #الجزيرة المحافظة الدينية بعرض مؤدلج مثير بغرض خداع الجمهور، ولعدمِ فهمِ مقاصدها في الترويج لولايةِ الفقيهِ المستبد، لأن #الوليَّ_الفقيه لا بد أن يركبَ على آلام الفقراء لكي يصل للعرش المكين.

إن إستغلال وضع الجماهير المعذبة في بلدان وعرضها بطرقٍٍ مثيرة لا يستهدف تغيير حياة الجماهير بشكل عقلاني تحديثي، بل يستهدف غايات سياسية غائرة غامضة.

ولهذا فإن خطوطاً معينة تمضي نحوها هي هدم سلطات في بلدان ذات مذهبية سنية بدرجة أساسية.

إنها لا تناقش ولا تعرض خطورة إستيلاء #حزب_الله على لبنان بشكل عسكري طائفي.

ولا تعرض ما يجري في #سوريا من إستبداد لا مثيل له في العالم!؟

ولا تعرض ما يجري في #إيران من إستبداد ديني ومن ثورة ديمقراطية شعبية مخنوقة بالقمع؟!

هناك تحالفٌ بين #ولاية_الفقيه الشيعية و #ولاية_الفقيه_السنية المنتظر صعودها.

هناك تحالفٌ بين الاستبداد المحافظ في عالم #الشيعة وبين الاستبداد في عالم #السنة الذي لا بد أن يهزمَ #الليبراليةَ و #الديمقراطيةَ و #الحداثة و #العلمانية (الخطيرة على عالم المسلمين النقي).

فكيف تصعد #ولايةُ_الفقيه السنية الاستبدادية بدون مكياج ثوري، وبدون لغة تدغدغ عواطف الشباب والمشاهدين المذهولين من كلمات النضال والثورة والهجوم ضد القمع وصور تحرض على مقاومة الاستبداد، وتكشف بشكل مبهر قمع الشرطة في #مصر مثلاً!

لكن كل هذه أدوات وسيناريوهات مجزأة لمخرجٍ مناور ذكي يجثم في خلف المسرح يريد قيادة الجمهور لانتصار #حماس الطائفية المحافظة على #فتح التحديثية وعلى مشروع التجديد والعلمنة والاستقلال في #فلسطين، بأسم الخيانة والأفراط في الحقوق وما إلى ذلك من حيل تستغل الموقف المعقد للمناضلين.

ولا تعري  #الجزيرة مشروع  #الطائفية في #لبنان وعدم إنتاج دولة تحديثية #علمانية تتجاوز عالم #الطوائف.

لماذا روجت #الجزيرة طويلاً لمشروع (القاعدة) ثم سكتت عنه بعد أن صار مشروع الأرهاب الديني بغيضاً لدى الجمهور العربي والمسلم والإنساني عامة؟

فهناك دائماً أجندة مشروع #ولاية الفقيه (السني هنا)، الشمولي، المحافظ، الذي لا يريد تطور المسلمين نحو #الحداثة.

تجمعَ مشروعا ولاية الفقيه الشيعي الإيراني ومشروع ولاية الفقيه السني المحافظ على أجسام الدول العربية كـ #تونس و #الأردن و #الجزائر و #مصر، فيما كان #السودان الممزق والمدمر لجسمه مُحتَّضناً مشجعاً على البقاء في دولته الدينية الطائفية #الدكتاتورية التي لم تبقِِ شيئاً من فتاتها.

أي دولةٍ ذاتِ مذهبٍ سني معتدل ومنفتح وتنوي الاستمرار في مشروع الحداثة تغدو هدفاً للجزيرة المحافظة، لكنها تُهاجم من جهات أخرى، كوجود الفقر والبطالة وعدم توزيع الثروة بشكل عادل. وإذا أرادت تفجير المشاعر ذكرت الفنادق والمحرمات وما إلى ذلك. إنها قضيةُ حقٍٍ أُريدَ بها باطلٌ.

المجموعةُ التقنيةُ المؤدلجة العاملة لضرب تحديث المسلمين وتقدمهم تم تدريبها على #الميكافيلية الشريرة، كإستخدام الدين والأخلاق في مواضع، وإستخدام الأفكار الاجتماعية #اليسارية في مواضع، وإستخدام حتى الأفكار #العلمانية في مواضع، بقصد إيهام الكثيرين بالوجه الديمقراطي المضيء العصري للمجموعة، وخلق زوايا دينية كبيرة للفقهاء المُنظرين يسودُ فيها التبتلُ والروحانية المقدسة وهي البؤرةُ التوجيهيةُ القيادية، وهو ما فعلهُ المحافظون الإيراينون المستبدون في #إيران وما فعلتهُ #حماس و #حزب_الله وغيرهم في السيطرة على المسلمين وإرجاعهم للوراء وتمزيق صفوف العرب والمسلمين، ولمشروعِ ولايةِ الفقيه المحافظ المستبد.

تحالف المحافظين الإيرانيين والعرب تحققه إمكانياتٌ بترولية كبيرة وبدلاً من أن تُوجه هذه الموارد الهائلة إلى تطوير حياة المجتمعات في المنطقة توجه لمشروعات التسلح والحروب والصراعات وتصعيد دينيين متخلفين في فهم الإسلام والعصر لحكم دول عربية.

#مصر تجد الآن فرصتها من عطف وإهتمام #الجزيرة فقد تنامى فيها مشروعُ الحداثة والشعب يسعى للديمقراطية وحقوقه الضائعة لدى سلطة مستبدة، لكن الجزيرة تسعى لشيء آخر غير ما يريده المصريون، تسعى لسيطرة الولي الفقيه، مستغلة الأحداث والصور والموتيفات الفنية والاجتماعية، لوضعها في سرد خاص بالمؤلف الحماسي #الأخواني يسعى لتشكيل سلطته فوق أنقاض مصر وحداثتها وتطورها.

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=246695

قناةُ الجزيرةِ وتزييفُ الوعي العربي

دولةُ قطر لم يكن فيها شيء هام في تاريخها سوى هجرة قبائل وهابية إليها قبل عقود طويلة من إكتشاف النفط، فقامت الأسرةُ الحاكمةُ بتجميد حياة الأهالي ومنعهم من شتى أنواع الحريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فغدت قطر حتى الخمسينيات من أكثر دول الخليج تخلفاً.
تدفق النفطُ وإرتفع مستوى المعيشة ولكن أميرُ قطر السابق إستمر في الهيمنةِ المحافظة على البلد ولم تقدم القبائل أية إمكانية للتطور الاجتماعي الداخلي، بعد تلك العقود الطويلة من غياب المدن والفئات الوسطى والثقافة بأبسط أشكالها.
ووجود البحرين الأصغر منها قربها كان يشكلُ حالةً غريبة من التباين الواسع، فالبحرين ازدهرت إقتصادياً وإجتماعياً وسياسياً وثقافياً مما شكلَّ غيرةً عميقة لدى الجارة وكذلك لعبتْ النزاعاتُ القديمة دوراً في تأجيج تلك الغيرة، ومما يُروى بأنه بعد تدفق النفط وخاصة الغاز المفجر للثروة والطموحات القطرية حاولت الإدارة القطرية تحريك الجو الثقافي الميت فبحثت عن كُتاب فلم تجد سوى واحد لكن أتضح إنه بحريني يعيش في قطر!
تدفق الثروة مع سكان قليلين محافظين لم تُترك لهم فرص في الانفتاح والتطور، وكانت الحياة التقليدية السابقة قد فرضتْ أجواءَ المحافظة الشديدة فلم يُقبل التغيير ولم توجد قوى إحتجاج أو تساؤل من فئات وسطى أو مثقفين أو متمردين!
ولهذا فإن الانقلاب على الأمير الأب وعزله ونفيه كان بمثابة مغامرة سياسية كبيرة، وكان بمثابة صدمة موجعة للتقاليد القبلية والحالة السياسية الأبوية في دول مجلس التعاون الخليجي!
هذا الزلزال الأسري لم يعبرْ عن ثورةٍ إجتماعية، ولم يكن على طريقة السلطان قابوس في التغيير التدريجي، فكان بمثابة مغامرة فردية لم تملك أية أسس حضارية وتقاليد تغيير وديمقراطية، فكانت لعبة وإستعراضاً فردياً ورغبة جامحة في الظهور ولو على حساب الأب شبه المفجوع المُطارد!
فحتى تشكيل أنساق ديمقراطية جنينية أسرية تبررُ هذا التغيير لم تحدث، وحتى الصبر على النمو الحضاري الحذر لم تحدث وجرى أول إنقلاب في الخليج من قبل الابن على الأب!
المغامرةُ التي حدثتْ وتغيرتْ فيها السلطةُ القطرية لم تأت بتحولٍ نوعي في الدولة التي تفتقدُ إلى الإمكانيات الفكرية والثقافية المهمة إلا من بعض الإبداعات الشخصية لنفر حفر بنفسه في الصخور والرمال غير الغازية بدون مساعدة من أحد!
إن الإمكانيات المادية الهائلة التي نتجت من إنتاج الغاز الذي تفجر بوفرة جعلت من الطاقم السياسي الحاكم يبحث عن طريقة للبروز في عالم الشهرة السياسية الساطعة في المنطقة!
وقد كان إنقلابه وعدم تجذره القبلي المتعقل يجعله فريسة للمغامرات وحب العروض والشهرة والسطوع في المنطقة خاصة إنه أمتلك الثروة النفطية الغازية، لكن كيف يحققُ حلمه وحالةَ الاستعراض الكبرى العربية وربما حتى الكونية وهو في صحراء مجدبة من المواهب؟ ولم يكن هناك سوى التزمت الديني السني المتشدد، ولم يوجد سوى تدخين الحشيش والمخدرات تسلية للشباب، حتى غدت حتى الدوائر الحكومية مخدرة!
وكانت جماعة الأخوان المسلمين هي الوحيدة المسموح لها بالتنفس في ذلك الجو الاجتماعي الخانق التي تزيدُ السيطرةَ عليه وتبررُ بلادته ومحرماته الكثيرة.
القبائل الوهابية من جهة والإنقلابيون الحكام المبهورون بذواتهم المتضخمة المنفوخة بغازات نفطية ملأت بشوتهم التي كانت قبل فترة وجيزة مليئة بأتربة الصحراء، إلى درجة البالونات والمناطيد الهائلة التي إرتفعت فوق شبه الجزيرة القطرية ثم فوق المنطقة!
جسمان متعارضان كل منهما لا يتماشى مع الآخر فظلا يعيشان كل منهما في عالم!
فكان لا بد من إستمرار تخدير القبائل بالمنح المالية والبيوت الواسعة والسيارات التي كلها زادتها جدباً في الإنتاج الثقافي!
لكن لا بد من الظهور للإدارة ذات العروض، فلم تقبل تتحول من مثل بعض الدول الخليج التي ركزت على التطوير الثقافي أو التركيز على السياسة والثقافة وتقدم الشعب التدريجي، فغدت الحالة القطرية حالة فصام بين إدارة تعيش في فضاء، وشعب يعيش في فضاء آخر.
عنصرا الـــ (show) و الأخوان المسلمين كيف يلتحمان مع بعض؟
كيف تلتحم لحيةٌ كثةٌ ونصوصيةٌ تقليدية محنطةٌ في عروض تلفزيونية حديثة ومع نسوة متبرجات مغريات لزوم الأغراء في العروض المشوقة؟!
كان عنصر التركيب؛ عنصر لحم هذين المركبين المختلفين، هو في عنصرٍ ثالث هو عنصر الأمبريالية الثقافية البريطانية ذات التاريخ الطويل في العروض الإذاعية والتلفزيونية، (الموضوعية شكلاً المؤدلجة مضموناً) والتي لديها خبرة في كيفية صياغة الخداع والأكاذيب وأنصاف الحقائق، وإعداد المواد حسب سياسة المسيطر السياسي.
إذن كل شيء سوف يخضع لعنصر العرض المبهر المشوق وإستغلال المادة الخبرية حسب المنظور الإيديولوجي للمرحلة المحافظة الأخوانية وجذب الناس إليها عبر تطعيم بعض الحقائق بذلك العرض المؤدلج الخاص، الذي يبث الوعي المحافظ الديني اليميني ويحقق العلو لإدارة البلد ويدخلها في السياسة المناطقية والعربية والعالمية، بدون أن تحتاج لشعب متطور ومثقفين كبار، فالمذيعون والفنيون كثيرون يمكن جلبهم عبر نفس الشبكات الأخوانية والإعلامية الجاسوسية البريطانية والعربية.
قامت الأسرةُ الحاكمةُ في قطر بإنقلابها على الأبِ المؤسس بإلغاء أبسط العادات الإسلامية حيث ينصُ القرآنُ على توقير الأب والأم وعدم قول الأف لهما، وهذا يعني إعتماد الإصلاح المتدرج وتطوير الحياةِ الأسرية والأوطان بشكلٍ عقلاني.
فبعد طعن الأسرة يحلُ كلُ شيء، وتُستباح المحرمات، وتتحللُ الجماعةُ المغامرةُ من الأخلاق، وتبيحُ أي شيء من مغامرات سياسية ومن تلاعب بالأموال العامة وتُدخلُ دولَ الخليج في علاقاتٍ خطرة مع أنظمةٍ وجماعات شمولية إرهابية، وتصيرُ مصلحةُ هذه الجماعة فوق أي عرف وأخلاق وأسس عقلانية وديمقراطية!
وحين تعلمنا المحطةُ بأخلاقِ الإسلام كل يوم يجب أن تعلمَ نفسَها أولاً وتعلمَ الأسرةَ الحاكمة فيها التي إستباحتْ كلَ شيء! أما الساكتون من (علماء الإسلام) على ذلك فهؤلاء من نفس العينة فهم خدم السلاطين المراهقين هذه المرة.
إذن تأسست قناةُ الجزيرة على أسسٍ إيديولوجية إنتهازية مائعة مع غياب نظرة ديمقراطية نابعة من القوى المحلية الوطنية، مثل طبيعة السلطة التي تكونت في قطر حيث الفردية، غير المتجذرة في نمو حضاري ديمقراطي نابع من فئات عليا وسطى تنامت في المجتمع وفرضت مقاييسها التحديثية.
أي أن ظهورها كنخبة فردية متحللة من قوى تقليدية مؤثرة أو شعبية أتاح لها أن تتحرك وسط خيارات دينية محافظة وقومية مضمرة بشكل إنتهازي مغامر قوي، فغدا صعودها بأي طريقة متحللة من الأخلاق والمبادئ ومدعية بها كذلك!
هي ثوريةٌ كاذبةٌ لكن تحاول لصق نفسها بالثورية دون أن تنجح في ذلك للأسباب الموضوعية المذكورة سابقاً، نظراً للمنحى الديني المحافظ القائم على سلطة قبلية سيطرت على موارد دولة غنية بالنفط والغاز، وتحكمت في كيفية توزيع هذه الثروة، دون أن تدخل نفسها في تحويل بلدان الخليج العربية بشكل تنموي نهضوي وديمقراطي مشترك.
من هنا تتشكل سياسة العروض والرغبة في الإبهار ومتابعة الأحداث الساخنة دون موقف نضالي حقيقي، مثل إستخدام الأسماء الكبيرة في الفقه والصحافة القومية، فالنجومية ضرورية وهي تعني القدرة البترولية الغازية على شراءِ الذممِ والأسماء وأدلجتها لصالحِ سياسة العروض.
إن الارتكاز على شخصيتين مثل الشيخ يوسف القرضاوي والأستاذ محمد حسنين هيكل، هو شكلٌ لتلك العروضية المؤدلجة الإبهارية دون مضمون كفاحي حقيقي.
فهو إستخدام لشخصياتٍ توقفتْ عن الحفر الديمقراطي الحديث سواءً في الإسلام أو في القومية العربية، فالشيخ القرضاوي يقدمُ آراءً فقيهةً جزئيةً مطلية ببعض الحداثة، لا تجعله مجدداً وذا حَفرٍ عميق في الفقه والتراث الإسلاميين، فهو يكرسُ المذهبيةَ السنية المحافظة، مرتداً حتى عن مؤسسي التنوير الإسلامي كالأفغاني ومحمد عبده، وليست له علاقة بالتجديدات الجارية بقوة في عمليات التجديد في الوعي الإسلامي، يشتغل مثل المحطة لتصعيد قوى الأخوان والشركات المالية الدينية للهيمنة على العالم العربي.
لقد تخثرَ فقيهاً ونظرياً، وهو ما يؤسسهُ عيشهُ في بلدٍ محافظ كقطر، مؤسس لوعي أخواني تقليدي يتحرك للسيطرة على العالم العربي، فلم يعارك حتى التحولات الفكرية والاجتماعية في مصر منبع هذا الشكل الوسطى المتذبذب من الوعي المذهبي المرتبط بفقهِ الإقطاع، وليس بفقهِ الثورةِ الإسلامية المؤسِّسة.
وهذا بسبب العمل مع دولة إقطاعية المضمون مشكلةً لرأسماليةِ دولةٍ شمولية مستغلةٍ لثروة ضخمة بشكل إستبدادي وربطت نفسها بسياسة المغامرات للدول الشمولية والجماعات الأرهابية .
فهنا تتحول التجديدات الثانوية الفقهية للشيخ إلى عرقلة لتطور المسلمين المحتاجين لثورة فكرية ديمقراطية تنأى بالاستخدام المذهبي الذكوري المتسلط للدين، وتخلق مقاربة بينهم وبين الرأسمالية الديمقراطية العالمية في أقل إحتمالاتها الممكنة في المنطقة الخليجية العربية وتعمل على توجيه الثروة والثورة للتغيير العربي الإسلامي التوحيدي. وهذا ما يفعله راهناً بدعوة الناخبين في مصر (يوم21 نوفمبر 2011) بعدم إنتخاب من يشرب الخمرة لأنه فاسق حسب رأيه وهو حكمٌ خطيرٌ يتناقضُ مع قوله بضرورة إنتخاب الأكفأ، وهل يؤدي شرب البيرة إلى تعطيل العقل والفساد السياسي كما تفعل أنت في عاصمة المغامرة؟ ألا يعطل عقلك الديني ما تأخذهُ من أسرةٍ حاكمةٍ لها هذا التاريخ غير المشرف المغامر الخطير على نضال المسلمين ووحدتهم؟!
هذا نموذجٌ لرفعِ الحكم الفقهي الشكلي إلى مصافِ القانون المقدس، وترك التوجيه المقدس في القرآن عن العائلة!
إن تغييبَ الشيخ للمنحى الثوري التأسيسي في الإسلام هو مواكبةٌ إيديولوجيةٌ للإقطاع الحاكم في قطر، مثله مثل تغييب هيكل لمنحى التجديدات الديمقراطية في القومية، فهو قد قام بتحويل عمل المناضل الرئيس جمال عبدالناصر إلى أسطورة أخرى مثلما عمل القرضاوي بتحويلِ الثورة المحمدية إلى أسطورةٍ وهي حراكٌ تاريخي محددٌ له جوانبه الايجابية والسلبية، بدلاً من أن يقوما بدرسِ أسبابِ الثورتين الاجتماعية وصراع الطبقات فيهما، بتجمدِ الديمقراطية في الثورة الأولى وتحولها إلى إقطاع سياسي، وعجز الناصرية عن التحولِ إلى الديمقراطية نظراً لهيمنة رأسمالية الدولة الشمولية مثل الحالة في قطر التي تخلقُ ثورةً زائفةً باسم الثورة الحقيقية التي ترفض الولوج في أولياتها وتترك مراقبة الثروة للشعب عبر برلمانٍ منتخبٍ بل تقوم بتوزع الثروة على الإعلاميين المُضِّللين وفئات النفاق والاستغلال المختلفة.
إن خطابات الضيفين الدائمين على الجزيرة الفضائية السَابقي الذكر نموذجين لتجميد الأفكار الثرة للإسلام والقومية وتحنيطها في أشكالٍ متيبسة، لا تقتحمُ الواقعَ، أو الأوضاع العربية المتفجرة، فتضيئها، وترشد خطواتها وتخلق عقلانية في نضالها، بل تقدم فقهاً ووعياً لما يشتيه السلطانُ الشمولي العابثُ بالأموال العامة ومصير العرب والمسلمين!
ومن هنا فتاريخ القرضاوي الأخواني المضاد للناصرية، وتاريخ هيكل المضاد للأخوان، يمكن أن يتلقيا في برامج منفصلة، وكل منهما يبثُ خطابَه بدون إغتناء مشترك، وبدون تجاوز لخطابات شمولية غدت متحجرةً متصحرةً، في عالمٍ يغلي بالتحولات، لأنهما تيبسا عن المضامين الحية للواقع المضاد للعالم الإقطاعي المحافظ المؤسَّس في الإسلام والمؤسَّس في القومية العسكرية الشمولية معاً!
نحن نأخذُ الشيخَ والأستاذَ في التلفزةِ المؤدلجةِ الجزيرية، كجزءٍ من عروضٍ واسعة، يُقصد بها جذب المشاهد والتعكز على الأسماء ثم تسريب مضامين سياسية عبر موادٍ أخرى مضللةٍ هادفةٍ لترسيخ وعي معين، ونشر سياسات خطيرة مضادة لتطور الأمة العربية والمسلمين، علينا متابعة ظهوره وتشكله.
نظراً للخطِ السطحي المذهبي السياسي اليميني الذي نشأتْ به فضائيةُ الجزيرة فإن الموادَ الطافحةَ المثيرة التي ظهرتْ في السنوات الأولى لعمرِها كانت القاعدة وبن لادن وصدام حسين وغزو العراق وغيرها من المواد التي هي بذاتها عروض.
زمنية بن لادن تحدد المنحى الأولي للجزيرة وطاقمها ومستواهم الإعلامي وقدرتهم الفكرية.
إن زمنيةَ صعود بن لادن تتماشى مع الوهابية العريقة في السعودية وقطر، فهي الشكل الجامد الإقطاعي البدوي للاختلاف مع البشر ومع المسلمين أو ضدهم.
هي المعاندة الطفولية للاستعمار، الناتجة من تغلغل الحنبلية في الجزيرة العربية وزيادة جمودها وتصحرها، وتحولها لعصابات ذبح وسرقة وإعتقال للمسلمين في أزمنةٍ سابقة، ثم تدفقت الثروةُ على بعضِ أصحابِها فحولوا الثروة لثورة إرهاب أو عروض إعلامية مبهرة زائفة تشترك في ذبح البشر أو السكوت على إيديولوجية الذبح!
إلتقاء الشكلين من العروض السياسية والإعلامية والإرهابية هو نتاجٌ لذاتِ المذهبية الشكلانية إسلامياً، التي تتحولُ في يد شيوخِ سلطةٍ وشيوخِ دينٍ إلى دكتاتورية سياسية سلمية أو عنيفة، كلٌ في موقعه!
الجانبان هنا يأخذان المذهبَ المحافظ وقد تحول إلى هيمنة طبقية إستغلالية غير ديمقراطية وينتقيان ما شاء لهما الهوى السياسي، أحدهم يحولهُ إلى هجوم بالطائرات على البرجين والثاني يعرض ويبهرُ بهذا الأجرام وينشرهُ في كل مكان!
لم يقم الطاقمُ الإعلامي بدرسٍ مسبقٍ طويل للظاهرات الاجتماعية والسياسية في الإسلام المعاصر، خاصة تاريخ الحنبلية وعلاقاتها بالوهابية، وكيف جاءت وكيف حدث التجميد لتطور الإسلام في العصر الوسيط ولتطور القبائل في الجزيرة العربية وأين ذهبت مداخيل النفط عن تغيير الحياة التقليدية العنفية لهؤلاء!
ولهذا يعمم هذه الصورة الإرهابية الدموية للإسلام كصورة بطولية!
إن الوعي الأخواني المشكل بتسطحٍ لرؤيةِ الإسلام بعينٍ يمينية إستغلالية إنتهازية كليلة النظر سوف يفصل بين ظاهرة بن لادن والواقع المحافظ للجزيرة العربية وأنظمتها الاقطاعية المسيطرة على الثروة النفطية وبين المغامرات الإرهابية لبن لادن.
وسيكون لقاء بن لادن المقاول الاقتصادي النفطي والظواهري المتعلم المصري غير مدروس كلقاء فئات إستغلالية ثرية في الجزيرة العربية للمثقفين والمتعلمين الدينيين والسياسيين العرب وإستخدامهم للأدلجة العصابية المذهبية والقومية، في مرحلةِ التأسيس للخطاب الأخواني بشكله الدموي حينذاك وللخطاب القومي المتجمد بشكله المستمر.
إن المقدم المنبهر بعروضه والقادم من الأخوانية الفلسطينية أو المصرية هو نفسه يدخلُ حمامَ الدم كجزء من نضال قوي، نافخاً في شخصية بن لادن محولاً إياه لبطل خارق، ورمز إسلامي، ويستحيل عليه تقديم قراءات عقلانية لمثل هذه الظواهر، ويتابع كمؤلفِ أرسين لوبين الأحداثَ البوليسية السياسية مفصولة عن المذابح وحمامات الدم التي تجري للبشر، ومن هنا تغدو هروبية بن لادن وإختفائه في إفغانستان واللجؤ إلى الكهوف لا تثير فيه أي شيء من تاريخ الفرق الدينية الإرهابية كالخوارج التي نبذت المدنيةَ والسلم والديمقراطية والحضارة، فلا يستطيع أن يفهم هذا كتحللٍ لجماعات دينية خرجت من الحياة المدنية الحديثة، ومن الطبيعة البشرية، لعالم الحيوان، بل يعرض ذلك كبطولاتٍ ويتابعها في جبال قندهار ورسائل بن لادن المفخخة للبشرية، مشدوهاً مذهولاً (لعظمة هذه البطولات)!
إن الأخواني وقد أُلتقط من حارات مصر الفقيرة أو من غزة يتم ذلك بمستويات عدة لابناء الفئات الوسطى المتجمدة فكرياً وسياسياً، فيتم إغراقه في غاز قطر، وسواء كان ذلك على مستوى شيخ هام كالقرضاوي أو على مستوى كاتب كبير كهيكل أو كمذيع مثل أحمد منصور، أو مثل الظواهري الذي يُحال على الخدمة الحربية في إفغانستان، هم أفراد من فئات وسطى تاهت عن طبقتها البرجوازية، التي لم تستطع أن تقوم بمهمتها النضالية الديمقراطية في بلدها وتؤسس الحداثة، تحليلاً للإسلام بتوجيهه نحو الديمقراطية، أو بتعرية القومية كدكتاتورية، أو كنقدٍ ضد ذروة التدهور عبر الظواهري الذي يصير إرهابياً وخارجاً كلياً من المدنية.
إن الجزيرةَ تغرقُهم بالغازِ الإعلامي المالي، لإنتاجٍ خطابات متطرفة حماسية تجذبُ وتخدعُ الجمهور، ويخطفُ الأضواءَ بطلُ المرحلة بن لادن، الممثل لعجز تلك الفئات عن النضال الديمقراطي الحاسم في بلدانهم، فيتحول على العكس إلى ضرباتٍ كارثية في بلدان العرب والمسلمين، وسلخ لشعوبهم وسرقات لثرواتهم البترولية!
ولكن مقدم (الشو) منبهرٌ ويحولُ هذه الكوارثَ إلى عروضٍ جديدة!
إن المضمون المفقود هو جزءٌ من وعي المسئولين القطريين العاجز عن فهم الديمقراطية وعن تصعيد فئات وسطى متحضرة في بلدهم، فلا يستطيع أن يعرض بالنقد الإعلامي وبالشرح الفكري هذه الظواهر المتداخلة وأسبابها العميقة، ولهذا يظهر بن لادن في الجزيرة كبطلٍ عالمي وليس كظاهرةٍ تدميرية!
تزدادُ العروض الأمريكية في منطقة العالم العربي الإسلامي المتداخلة، وهو ما يؤسسُ مواسمَ طافحةً بالنشاط الدموي أو بالإعلام الجزيري المخضب كذلك من هذه النافورات المتدفقة بالجثثِ والمدنِ المحترقة والسياراتِ المفخخة ونشر رياح الأشلاء ومن ثم الشعوب المهاجرة ومن ثم أخيراً الشعوب الثائرة!
البطل الصحراوي المطرود للكهوف يخلي المكان للبطل المدني الذي لم يتأثر بالمدنية وظل مجرماً.
صدام حسين والجزيرة الفضائية لحظة أخرى من غياب الدرس والبحث والتنوير وتسييد اللوثة القومية هذه المرة بدلاً من اللوثة الدينية، وفي اللوثتين منحى الجزيرة التسطيحي الغائر، حيث لم يقدر ضيفاهما المستمران من تحليل الإسلام أو تحليل القومية العربية وإنتاج مادة معرفية تنويرية إنسانية، فتكون مادةُ العرضِ هي ذاتها خاوية رغم الإبهار، ولكنها تجسد كذلك الإفلاس الفكري المتواري.
صدام وأمريكا، ثنائي معروض بإطلاق، مثل ثنائيات الوعي الديني القومي الشمولي، فهنا الحق وهناك الباطل، هنا النور وهناك الظلام، هنا العرب والإسلام والأخيار وهناك أمريكا والغرب والأشرار!
ورغم سحق صدام للعراق وشعبه، فهو يظل بطلاً في هذا الوعي الشمولي المسطح، ومن هنا فإن البطولات العربية الإسلامية غالباً ما تُؤخذ منتقاة من ظروفها الحقيقية وتداخلات التقدم والتخلف، ويُلغى الشريط الذي يحدد منابت رموز الدين الطبقية كقوى إستغلالية تطورية في فترة ما، ثم تتحول إلى أيقونات مقدسة تغدو أدوات للقوى الاستغلالية المتخلفة المفككة الممزقة لبلدان المسلمين والمواطنين عموماً، لكن الوعي الطائفي يُؤخذ كرأس الحربة في هذه العمليات.
إن صدام يُلحق بهذه الرمزية الدينية، فهو سوف يبني دولة عربية نهضوية كبرى ويحقق الانجازات كما فعل الأسلاف العظام! وتُستغل هنا كلمات الفتوح والعروبة والإسلام بتشنج عاطفي من أجل بلع شفرات الحلاقة المسمومة التي سوف تُدس في حناجر الناس.
في وعي محمد حسنين هيكل الشمولي يغدو الزعيمُ بؤرةً مركزيةً تقوم بلعب دور التحويل ولهذا فإن صدام العراق في تلك اللحظة المأساوية الكارثية في مسلسل الحقيقة يغدو قائد التصدي لأمريكا قائدة سحق #العرب وتقزيم تطورهم القومي التوحدي، ولهذا فهو رغم مذابحه رجل المرحلة الذي لا يوجد رجل آخر مكانه يقوم بهذه المهام الجسام!
هنا تظهر وتتوالى العروضُ الفنيةُ المؤدلجةُ المتممة لهذا الهراء الفكري، فالزعيم يسبحُ في النهر بطلاً وينشرُ جيوشه ويطلق الصواريخ ويجتمع بالساسة وعلماء الدين والأدباء والمثقفين وكلهم يثني على دوره الخلاق التاريخي!
اللحظتان المؤدلجتان الفارغتان من أي وعي عربي إنساني ديمقراطي، وهما لحظة تأييد الدكتاتور، ولحظة التخلي عنه، تظهران تجاه القاعدة وبن لادن، وتجاه صدام حسين معاً.
الوجهان يعبران عن عدم الحفر الموضوعي في المادة السياسية، ففي اللحظة الأولى يتم التهويل للرمز الفردي، وربطه بمقدسات وعظمة الأمة التي هي بلا مراحل ولا طبقات، مجردة معممة متجوهرة حسب إيديولوجية الفئة الطائفية اليمينية صاحبة الرأسمال العولمي الطفيلي أي غير الصناعي والمنتج، فهنا الزعيم الطائفي الذي قاد بعض جماعاتها للكهوف والتخلف والهجمات الأجرامية الاستفزازية، أو الزعيم (القومي) الذي ذبح شعبه وتلاعب بتاريخه وسلمه جثة محروقة للغرب، يغدو رمزاً للأمة وإرادتها، وهي عملية نفخ سياسية دعائية لتحريك الجماعات المؤمنة بهذا الخط وغرزه في الجمهور وإستغلال عواطفه وربطه بهذه الجماعات لعملياتٍ سياسية راهنة وقادمة.
تصير العمليات التي تخرج من فضائية الجزيرة والعمليات التي تخرج من القاعدة الأمريكية الكبرى قرب الجزيرة في قطر نفسها، شكلين لفعلٍ واحد هو تزييف وعي الشعوب العربية والسيطرة عليها وتفتيتها طائفياً.
الغزو للعراق الذي تم بأدوات وعي أمبريالية أمريكية والذي كرسه النظام الدكتاتوري السابق المحبوب للجزيرة في اللحظة الأولى المدحية، تم هذا الغزو لتفكيك العراق وتصعيد القوى المحافظة الطائفية، ولم يشتغل على تكوين برجوازية نهضوية وطنية قائدة في أقل الخيارات المعقولة، وهذا الاشتغال الأمريكي حرباً تلاقى مع إشتغال الجزيرة دعاية وتضليلاً للعراقيين وبقية العرب.
مثلما لعب ذات الفعل على شخصية بن لادن وإفغانستان تضليلاً ثم تفكيكاً للمجتمع الإفغاني وتحطيم بنيته عبر خلق الصدامات بين القومية المذهبية البشتون وبقية القوميات، بين طالبان والحكومة (المركزية).
ومن هنا فإن الإيديولوجية السائدة تحريضاً في الجزيرة وهي الإدعاءات الثورية، هي مجرد لحظة أولى، تُعمم وترمز وتُجرد بدون تحليلات ملموسة معمقة للبُنى الاجتماعية المرصودة، وبدون إحداث مناقشات ديمقراطية حولها من أجل رؤية الطرق بتحولها الديمقراطي، وبتجميع كافة القوى الاجتماعية والتيارات على حلول توحيدية تطويرية.
وكان السودان نموذجاً آخر لهذا التصعيد الثوري الديني الزائف ثم تم عبره هدم السودان التدريجي عبر الانفصالات والحروب الأهلية.
ولهذا فإن لغة الطبول والاستعراض والمصادمات والتعريض والإدعاءات تستهدف تفجير العواطف وخلق حالات من الإثارة وعدم إعمال العقول وعدم تقارب القوى السياسية العربية الديمقراطية والتقدمية والدينية، ومن أجل نشر التنوير والديمقراطية الوطنية وبقاء الاستقلال.
وكذلك فإن صرف الأموال الهائلة على هذه العمليات الدعائية والسياسية يستهدف تصعيد هذه القوى الطائفية والرأسماليات الطفيلية وقوى الإقطاع الديني، وتوسيع نفوذ المؤسسات المالية القطرية والغربية وهدم القطاعات العامة المنتجة.
بين تأييد وشحن الجمهور العربي والمسلم بفظائع بن لادن وصدام حسين، وبين الترويجِ للثوراتِ العربية خيوطٌ مشركةٌ ولغةٌ إيديولوجية يمينية إنتهازية واحدة.
من يروج لذبح العرب والمسلمين وجرهم لمغامراتٍ خطيرة إجرامية وأنظمة إستبدادية وظلامية لا يمكن أن ينقلبُ بين برنامج وآخر إلى ديمقراطي وثوري!
إن اللغةَ السطحيةَ الراكبةَ فوق الموجات السياسية الطافحة وإستغلال عواطف الجماهير العفوية وتوجيه الأحداث لأغراضٍ ليست من جوهرها النضالي الديمقراطي وحرفها لغاياتٍ أخرى هي غايات القوى الطائفية اليمينية وإقتصاد الشركات المالية القطرية وعملائها، وسائلٌ هي ذات جوهر لم يتغير ولكن تغيرت المنطقة والمرحلة والظروف.
إن من روّجَ للقتلة في الجزيرة وللدكتاتوريين السفاحين هو ذاته من يروج للمناضلين من أجل الديمقراطية!
فلم تحدث أية مراكمات في الوعي ولم تطرح الجزيرة نقداً لظلاميتها ومواكباتها للفاشيتين الدينية والقومية، وبقى منهج الاستغلال النفعي، وركوب الموجات، وفصل الظواهر عن بعضها وعدم درس جذورِها وإستغلال المشاهدين والمشاركين في الأحداث، لتوجيه الأمور لغايات التنظيمات الطائفية.
لا علاقة للجزيرة والرأسمال الإقطاعي الغازي القطري بصراعات البُنى العربية والإسلامية حيث غرقت الرأسمالياتُ الحكومية بمصر وتونس وليبيا وسوريا والعراق والجزائر واليمن والبحرين وإيران وغيرها من البلدان العربية والإسلامية في أزمات إجتماعية عميقة، وغدا صعود الرأسماليات الخاصة التحديثية الديمقراطية وقوى العمال مسألة ملحة لإعادة تجديد البنى المسدودة الآفاق.
هي أزماتٌ بنيويةٌ تطالُ أشكالَ الرأسماليات الحكومية والرأسماليات الخاصة كذلك، لكنها تتمركز وتتعقد في هذا الشكل المتخلف من الرأسمالية في العالم الثالث نظراً لاحتكار السلطات وتجميد هياكل الإنتاج وإبقاء قطاعات سكانية كبيرة كالنساء والفلاحين والفئات الهامشية خارج الإنتاج الحديث.
ومثلما يحدث في إيران عبر تصدير أزمتها إلى الخارج تقوم قطر بذات الأمر، عبر تصدير أزمتها للخارج، وهي أزمة مختلفة عن إيران وبقية الدول، فهنا أزمة قيادة تبحث عن دور نجومي لا تقوم به في بلدها، ولديها تراكمات من فوائض نفطية تريد تحريكها في المنطقة والعالم، وشراء شركات حكومية وخاصة في الدول العربية والأوربية.
إنها أزمة المراهقة السياسية وهي تتجلى في الأسرة الحاكمة أولاً بالقفز على الشرعية، والقفز على دول الخليج المحافظة التي تتطور بشكل بطيء ومتدرج وهي لا تختلف عن نموذج الرأسماليات الحكومية الجامدة والفاسدة نفسه، ومن هنا تنفتح علاقات المغامرة لبعض أفراد الأسرة الحاكمة القطرية على كافة الصعد، بقيام علاقات مع دولٍ مغامرة وإحتلالٍ كإسرائيل وإيران.
فهي سياسةٌ لا ترتكزُ على قوى تحديثية وطنية، بل تهمش حتى الشخصيات الثقافية النادرة في قطر، ومن هنا فإنها لم تستطع أن تقدم نموذجاً ديمقراطياً داخلياً بالسماح بنمو فئات حرة لكون هذه القوى سوف تحد من التفرد المطلق للشخوص القليلة المتفردة في الأسرة الحاكمة.
ولهذا فإن النموذج المغامر يعرض الشعب القطري نفسه للعزلة عن محيطه والتضاد معه، كخفوت المشروعات المشتركة، ولا تختلف ظروف القطريين عن الليبييين في نظام المقبور القذافي، ولا تمتاز البنية الاقتصادية والسكانية والخدماتية بمميزات متفوقة بأي شكل من الأشكال، في دولة خصصت نفسها للعروض السياسية الرياضية، كإحتضان كأس العالم مع دفع الرشاوي الطائلة في ذلك.
ومن هنا تتجاهل القناةُ بشكلٍ فظٍ مشكلات الشعب القطري وكأنها تبثُ من مكانٍ آخر، كما ترفض الاستعانة بالمثقفين القطريين الشباب الواعدين في هذه الفترة، فتعيش قطر حالة ليبية مشابهة لزمنية العقيد المغرور، وثلته هي نفسها هنا، لكن بدون دم ومجازر هنا إلى حين.
ولهذا فإن الطبيعة المغامرة لسياسة القناة تنتقلُ للمناخ المحلي وتسممهُ، وتحرضُ القطريين بشكلٍ غيرِ مباشر على القيام بمغامرات ضد دولتهم وإستقرارها عبر نشرها مثل هذه الثقافة الخطيرة من جهة وإحتقار الشعب من جهة أخرى!
لهذا نجد عدم الاستعانة بمقدمين محليين، وجلبهم من الخارج من دول عدة، وغالباً ما يتم ذلك بوسائل سياسية خاصة.
ولهذا فالمحطة تخلق إضطرابات كامنة على الصعيد الوطني، كما تنقل مغامراتها للخارج بقصد الصعود في أية أحداث كبرى في المنطقة العربية.
فإذا كانت الدولة التي تنبثق منها هي كذلك رأسمالية حكومية شمولية، ميزتها إمتلاك وفرة من الفائض النقدي، فإنها لا يمكن أن تكون نموذجاً جديداً لدولٍ مأزومةٍ بنفس الموديل!
ولهذا فإنها تنقلُ نموذجَها المحافظَ الطائفي الانتهازي للخارج، وتبحثُ عن نسخٍ سياسيةٍ معجونةٍ بنفسِ الأمراض الطائفية المحافظة مثلها، فتُعّضد هذه النسخ، وتستغلها في خلق مشروعات سياسية وإقصادية مشتركة، فيتوسع الموديل الطائفي اليميني الانتهازي.
ولهذا فإن الأحاديث عن الدعم المالي للأحزاب الدينية إضافة للدعم الإعلامي ليست بعيدة عن الواقع.
فنلاحظ القناة كيف ركبت ظهور الشباب الثوري المنفتح، وعضدت حركاته بشكل واسع، ومدغدغ للمشاعر النضالية وشعارات الحرية، وإستغلتهُ في عالمٍ من البراءة والسذاجة السياسية والتضحية، ثم ساهمت في دعم جماعات الطائفية المتخلفة وعياً سياسياً وإسلاماً، من أجل تصعيد النسخ البدوية الإقطاعية الجزيرية في دولٍ كمصر تونس و سوريا و اليمن و الجزائر و المغرب، وقد حدثَ تغلغلٌ كثيفٌ سابق أوتى ثماره المرة على هذه الشعوب.
ومن هنا فإن الرأسماليات الموعودة بها هذه الدول لا تبتعد عن النموذج الأصلي الطفيلي، أي الذي يركز على العمليات المالية والعقارية وشراء حطام القطاعات العامة التي ناضلت من أجل قيامها ووجودها الطبقات العاملة العربية، ولهذا يجب التحذير والنضال ضد خراب هذه الدول العربية التي سُرقتْ ثوراتُها بسبب الأحزاب الطائفية والدعاية الفضائية وخاصة من لدن الجزيرة، لتحطم صناعاتها وزراعاتها وتحقق هجرات عمالها عبر تصعيد مثل هذه الموديلات التي خربتْ بلدانَها أولاً وأضاعت ثرواتها الهائلة على سباق الهجن والسيارات وناطحات السحاب وأزالت الحرفَ والزراعة وجلبت عمالة هائلة بأجور متدنية وأستغلتها في الأعمال غير الإنتاجية بشكل أساسي ولتقزم شعوبها وتبقيها على البداوة وكره العمل اليدوي ولم تنشىء الصناعات المتقدمة ولم تدخل هذه البلدان الثورةَ العلمية التقنية رغم هذه الوفرة.
إنها رسملةٌ جارية مع وعيٍّ محافظ معادٍ للحريات النسائية وتحرر الفلاحين وحريات الثقافة والعقول وللانتاج المتطور ولإبقاء البداوة وعالم الإقطاع، ويريدُ خداعنا بألفاظ ثورية زائفة.

الراوي في عالم محمد عبدالملك القصصي

توطئة

تحاول هذه الدراسة أن تطرح شيئاً جديداً على صعيد دراسة القصة القصيرة في البحرين والأدب العربي عموماً، عبر دراسة محور فني معين كجزء من دراسة العالم القصصي، وهذا المحور هو محور الراوي، أي كيف يتحول الكاتب القاص إلى راوٍ، أو مسجل للوقابع والشخوص، وما هي علاقة عملية رويه  بالأجزاء الأخرى من القصة لديه.

لا شك إن وجود الراوي المستمر يعتبر ثيمة فنية ليست في قصص محمد عبد الملك المدروسة هنا فحسب، بل في كل قصة تعتمد على موضوعة التسجيل والأرشفة الاجتماعية، ولا شك إن كثرتها واستمرارها تعبر هي الآخرى عن جوانب دلالية عديدة.

وهذا التعبير قد خص جنساً قصصياً محدداً «وهو القصة القصيرة»، وهو أمرٌ ذو دلالة تعبر عن حداثة نشأة القصة القصيرة في الأدب العربي بالبحرين والجزيرة العربية.

وقد ذكر الناقد المصري أحمد محمد عطية:

«نشر محمد عبدالملك أولى قصصه بعنوان «رحلة الصقور» بجريدة «الأضواء» البحرينية في أخر مارس 1967، ولكنه لم يضمها لمجموعته القصصية الأولى «موت صاحب العربة» أو لأي من مجموعاته التالية»1.

إن ظهور القصة القصيرة الجديدة في البحرين في نهاية الستينيات، يعبر عن البداية الشاقة لهذا الفن في المنطقة، وحتى التاريخ السابق للقصة القصيرة لم يؤد إلى تجذرها ورسوخها كجنس أدبي ذي أهمية كبيرة في عالم الأدب المعاصر.

ومن هنا يغدو محور الراوي وسيطرته ذي دلالة على الصراع بين عملية تجذر هذا الجنس واستقلاله الفني، أو عدم ترسخه وتشابكه مع أنواع أدبية وكتابية أخرى، كالتحقيق الاجتماعي أو التسجيل الثقافي أو الريبورتاج الشخصي.

وتعبر هذه اللحظة الفنية وديمومتها عن هذا التداخل بين المستويين التعبيريين، وهو أمر قد نجده يتكرر في الآداب القصصية التسجيلية، والتي قد تنزل أحياناً إلى كتابة الحوار باللهجات العامية كتعبير «صادق» عن الواقعية، مما يعبر عن حاجة الوعي المبسط هنا في خلق مثل هذه التسجيلية، رغم أن أقساماً من الصحافة قد اختصت بمثل هذه العملية التصويرية. في حين إن الأدب القصصي يتوجه إلى طبقات تعبيرية أكثر تركيباً وعمقاً.

أي أن مسألة الراوي في هذا التاريخ الفني تختلف عن حضورها في سياقات تعبيرية تاريخية أخرى، فلحظتنا التي نرصدها تتشكل في بواكير حركة قصصية، في منطقة بكر بالقصة القصيرة الحديثة، رغم تاريخها السامق في أنوع الأدب الأخرى، ومن هنا تعبر مسألة الراوي عن جوانب من التسجيلية، بل لدى محمد عبدالملك تتشكل كبنية فنية تبدأ من التسجيل المحدود، الذي يتطابق والقضايا الاجتماعية والسياسية المباشرة، وبالجوانب المتجاوزة في القص الحديث2، إلى جوانب عميقة وقضايا نفسية وفكرية مركبة، وهو أمر يوجه مثل هذا المحور إلى أبعاد جديدة.

لكن الدراسة لا تدرس محور الراوي إلا بتداخله وصراعه مع محور آخر؛ هو المحور القريب من القصة الحديثة، فتقوم بعرض موادهما القصصية المختلفة، وتحللهما عبر المجموعات التي أصدرها الكاتب.

وسنجد خلال هذه المجموعات موضوعات كثيرة، ورؤى متعددة فيها، حسب تطور الكاتب واختلاف وجهات نظره، وبالتالي فإن محور الراوي ومحور القصة الفنية يتداخلان وتاريخ البلد المصَّور، فكما أن البلد وضع بتاريخه الثقافي الخاص إمكانية تشكل مثل هذا الأسلوب، فإن هذا الأسلوب يقوم باكتشافه ويتطور هو نفسه عبر التغلغل فيه.

إن الأسلوبين ليسا فنيين بشكل مطلق، كما أن موضوعاتهما وتبدلاتها، ليستا فنية بشكل مطلق، فالأسلوبان مرتبطان بنظرة الكاتب التي هي جزء من الوعي الثقافي والإيديولوجي العام، وهذا الوعي جزء من وعي الفئات الوسطى وحركتها السياسية والاجتماعية في بنية اجتماعية ذات مسار تاريخي خاص بها، وعام مرتبط يتطور الأمة العربية، وكل هذا يتجسد في الأبنية القصصية وأساليبها.

وكما أن الأسلوبين مرتبطان بالإنتاج المادي والثقافي، فلهما أيضاً ارتباط بالقارئ، فدرجة تطور القراء ومستوياتهم تؤثر أيضاً على تطور أو جمود الأساليب الفنية.

وسنقوم في الكتاب النقدي بعرض القصص وموادها، بحيث يتاح القارئ أجواءها وصورها ومواقفها، كما نقوم بتحليلها بشكل ملموس متنام عبر الفصول، بحيث تتكشف له الموضوعات والثيمات والمحاور والدلالات جميعاً.

إن اختيارنا لهذا الكاتب ولهذه القضايا الفنية هي عملية حفر مغايرة للمناهج النقدية التي لا تولي تشكل #المدرسة_الواقعية أهمية كبيرة، نظراً لارتباط هذه المدرسة بقضايا الحرية الاجتماعية وتصوير حياة الناس في ظل أنظمة شمولية، تعمل على تغريب المدارس الأدبية والفنية، أو تسطيحها، بحيث لا يتم تشكل حفر معرفي وفني في هياكلها.

 نشأت #القصة_القصيرة_في_البحرين والخليج العربي في الأربعينيات والخمسينيات حين ظهرت الصحافة التي ارتبطت بدورها بعملية التغيير السياسي والاجتماعي المتشكل ببطء في المنطقة.

لقد كان ظهور القصة القصيرة صعباً رغم تشكلها في الأقطار العربية الأخرى، وحين بدأ كبار المثقفين البحرينيين بالإنتاج الفكري والإبداعي، اختاروا الشعر والمقالة السياسية.

فإبراهيم العريض الذي بدأت ممارسته الإبداعية تتشكل منذ أوائل الثلاثينات، توجه للشعر، والمسرحية والملحمة الشعرية، وفي كل نتاجه الشعري هذا كانت القصة داخلة في نسيجه، دون أن تتجسد بنوعها المستقل.

كذلك برزت في صحافة الخليج النادرة وقتذاك ترجمات من القصص العالمية خاصة في جريدة البحرين «1939 ـ 1945»، وظهرت فيها قصص محلية كانت تتخفى تحت أسماء مستعارة، وكانت قصصاً قليلة.

ويعبر توجه كبار الكتاب للشعر، وتواري قصاصين وراء الأسماء المستعارة، عن القيمة السلبية لفن القصة، رغم وجوده الكثيف في القرآن والكتب الدينية عامة.

لكن عبر تدفق الوعي والنهضة المستمرة في البحرين أخذت مكانة القصة تتسع، ففي مجلة «صوت البحرين» التي ظهرت في أواخر الأربعينيات، ظهرت أسماء حقيقية كرست جزءً من نشاطها كله أو جزءً رئيسياً منه من أجل فن القصة.

كان أبرز الكتاب هما #أحمد_كمال و #علي_سيار اللذان استمرا في إنتاج القصة القصيرة لبضع سنوات، ولكنهما تركاها أيضاً، وكرسا نفسيهما للصحافة، وواصل علي سيار علاقته بالقصة في البحرين عبر جريدة «القافلة» التي كتب فيها قصصاً قصيرة جداً، ثم تركها للمقالة، ليعود إلى القصة القصيرة أثناء وجوده في الكويت، حيث صاغ مجموعته القصصية الوحيدة ونشرها في البحرين سنة 1975 عن دار الغد.

يعود ضعف فن القصة في البحرين والخليج وقتذاك إلى تأخر النهضة عن الدخول إلى الجزيرة العربية، أسوة ببقية الدول العربية، التي بدأت العملية الإبداعية منذ أوائل القرن العشرين بصورة فنية.

كذلك فإن الميراث التقليدي الذكوري السائد نظر إلى فن القصة بصورة متدنية، وحين بدأت المؤثرات الفكرية والفنية بالتوغل في المنطقة فإن قصص المنفلوطي وميلودراما السينما المصرية كانت هي المنتشرة في الذهن الثقافي العام.

ومن هنا كان الوعي الفكري الذي يرفد هذه العملية الإبداعية المتعثرة هو وعي إصلاحي خطابي يركز على إصلاح العائلة، باعتبارها هي بؤرة الإصلاح الاجتماعي المنشود. وهذه العائلة بطبيعة الحال تظهر كنسيج جديد في محيط قبلي، وهذا التضاد والتجاوز هو أقصى ما استطاعت القصة القصيرة طرحه من مضمون اجتماعي. أي أن مفردات الواقع الموضوعية كالشعب والحداثة والطبقات والاستعمار، لم يكن من الممكن وصولها إلى هذا «القالب» التعبيري.

 إن هؤلاء الكتاب القليلين المنبثقين من الفئات الوسطى المتعلمة، كانوا أقرب لـ«الحداثة»، ولهذا لكي يطرحوا خطاباً فنياً «هادفاً» كان لا بد لهم من التوجه لتغيير المجتمع، ولا يمكن في نظرهم تغيير المجتمع دون إصلاح العائلة، التي هي البؤرة في عملية الإصلاح المنشودة، ولهذا كانت العائلة ومشكلاتها هي الموضع الفني السائد.

وبطبيعة الحال كان هذا يترافق وظهور العائلة الصغيرة، المنسلخة من القبيلة، ومن البيوت الكبيرة، وكان هذا شكلاً لتعي الفئات الوسطى وجودها المميز المنسلخ من الحياة التقليدية.

إن المجتمع الإقطاعي المحلي يقوم على هيمنة شكل القبيلة على الحياة الاجتماعية، ولقد كانت القبيلة هي التكوين القرابي المفيد والفاعل في عمليات تشكل المدن والقرى في بدئها، وكانت عمليات الإنتاج في البحر والريف تتم على هذا الأساس العائلي الكبير، ولكن هذا التكون القبلي أصبح معيقاً للتطور مع ظهور المدن ونموها، وتشكل المصالح المتضادة بين البحارة والفلاحين من جهة، والربابنة والطواشين «تجار اللؤلؤ» والشيوخ، من جهة أخرى.

ومع نمو التجارة وظهور التكوينات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة، بدأت الفئات الوسطى المدنية في طرح ضرورة التجديد في الحياة، وفي كل مستوى من مستويات البنية الاجتماعية كان هناك شكل من التفكير، وهذه العملية استغرقت عقود الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات، حيث بدأت بصورة أدبية وفنية، بطرح الأنواع الفنية والأدبية الحديثة، وتوجت بالتيارات الفكرية والسياسية.

إن النمطين الأساسيين من وعي الفئات الوسطى البحرينية والعربية، فكلها يعكس درجات من منظومة اقتصادية اجتماعية كبرى، هما الوعي التابع للغرب، والوعي التابع للإقطاع السياسي والمذهبي.

ومن هنا كان وعي الفئات البحرينية في ذلك الزمن من تطورها، يطرح الجمع بين الغرب والإسلام، وهو شكل من الوعي النهضوي الأولي الذي كان مصاحباً للنهضة العربية الأولي، عبر الأفغاني ومحمد عبده وكذلك عبر #فرح_أنطون و #سلامة_موسى.

وفي المستوى الإبداعي فإن مثل هذا الوعي لم يستطع سوى أن يشكل بدايات الأنواع الأدبية، وفي الموضوع كان موضوع الأسرة ومشكلاتها هو البارز كما قلنا في القصة القصيرة، وقد أُخذت الأسرة كمفتاح لمعالجة المشكلات، بزحزحة التقليد ولتكوين جمهور فكري للفئات الوسطى المشتغلة بالعمل الفكري والسياسي الجنيني.

لقد ظهرت الأسرة الحديثة كشكل اجتماعي يعكس التطورات الحديثة في الحياة، وكانت هي البديل لهيمنة الإقطاع والعائلة ذات النمط الأبوي، وعبر العائلة الحديثة وقيمها يمكن تغلغل المفاهيم الحديثة من مساواة وتعاون والجمع بين التقاليد الإسلامية «السمحة» والعصر، وكذلك قيم الحب بين الرجل والمرأة، وإنجاب أطفال متعلمين، وبالتالي فتح الباب لقيم النهضة المختلفة.

وتغدو كل الظواهر الاجتماعية المعيقة لوجود مثل هذه الأسرة الحديثة ظواهر سلبية، ابتداءً من الخرافات والدجل إلى المهور المرتفعة واستهتار الأب: الرمز الاجتماعي للأبوية المريضة.

وبطبيعة الحال فإن الوعي القصصي والفني عموماً يأخذ هذه الأسرة كشكل مطلق، خارج البنية الاجتماعية، رغم تحسسه أحياناً لعلائقها، فيغدو إصلاحها هو إصلاح المجتمع وتغييره.

وثمة عشرات التجسيدات لهذا الموضوع، وثمة شكلان أساسيان لها، والأول أن تكون الأسرة في مرحلة الكمون، والثاني أن تكون في لحظة الوجود الحقيقي.

فقد نجد شاباً أرغم على الزواج من أخرى لا يريدهاً فتغدو الحبكة القصصية قائمة على إثبات فشل هذا الإرغام.

أو أن نجد أسرة سعيدة ولكن تنشأ عراقيل تمنع استمرار سعادتها فتهدمها، وتغدو الحبكة إثبات الحصاد الأليم لهذا التفكك الأسري وتحطيم الخلية الأساسية للمجتمع دعامة النهضة.

في قصة «جناية أب» لأحمد سلمان كمال نجد الشخصية الحورية وهو الابن يرى أمه وأخته الصغيرة تنتقلان إلى بيعت من بيوت السعف السائدة وقتذاك، كمساكن للأغلبية العاملة، بعد أن طلق أبوه أمه، ولكن الولد لم يكن يعرف حينئذ معنى الطلاق، ويظل مع أمه وأخته، إلى أن يكبرا، فينتزعهما الأب من أمهما ليجعلهما يعيشان الذل والعذاب في خدمة زوجته الجديدة التي تؤذيهما كثيراً بل أنهما يتحملان المرض وغياب التعليم، من أجل مواصلة العريش، وحين تتوفى أمهما يحرمان حتى من الذهاب إلى جنازتها  وحينئذ يهرب الابن من بيت والده ليتلقفه الشارع. وحين يعمل عملاً شاقا لا يلبث أن بصاب بعاهة تلزمه الفراش فيضطر للاستجداء لكنه يواجه سخرية الناس، وتدفعه كل هذه الظروف الاجتماعية أخيراً إلى السرقة، أما أخته فقد اندفعت نحو «الرذيلة» كي تتمكن من مجابهة قسوة الحياة بمفردها.

وفي قصة «المجنونة» لنفس المؤلف يرغم الأهل المرأة على الزواج من رجل كبير السن لا تحبه، لأنهم أرادوا استغلال الرجل، والأهل عائلة متواضعة الحال، ينتهزون فرصة تقدم الشيخ الثري لخطبة ابنتهم، من أجل الخروج من وضعهم الصعب. ولكن ما أن يقوموا بهذا العمل حتى تتدافع الكوارث عليهم وعلى المرأة بوجه خاص، فقد ذهب جمالها وتصاب بالسأم من هذه الحياة ثم تنجب وتشيخ بصورة مبكرة وفظيعة وتتوفى عنها أمها ثم أبوها ويمرض زوجها فتزداد حياتها مرارة حتى تُصاب بالجنون لتندفع في فورة غضب نحو زوجها فتقتله وتظل هائمة ليرعاها أحد أقربائها وسرعان ما تقتل نفسها كذلك.

إن الكاتب في القصتين لم يختار لحظة محددة من حياة شخصياته، بل قام بسرد تاريخها كله، وهو تاريخ يبدأ من لحظة الطلاق أو الزواج. في القصة الأولى التي تبدأ بالطلاق فإن المآسي العديدة تتدافع على الشخصيات دون أن تدع لها مجالاً للتشكل الفني الموضوعي، فلا تتجذر في مكان أو زمان، كذلك فإن بنيتها النفسية الداخلية لا تتشكل، وتغدو المواقف القصصية مفروضة عليها من الخارج، فتصير تكوينات القصة لا تنمو من بناء موضوعي، بل بإرادة المؤلف.

وتؤكد القصة الثانية ذات الطريقة الفنية، ويُلاحظ هنا التعبير عن مواقع الأحداث بالشكل الميلودرامي العنيف، حيث تصح القصة القصيرة قالباً من الوقائع القاسية المفروضة من الخارج دون أن يكون للشخصيات والبناء واللغة، دور في تكوين مقاومة ما.

ونجد هذه الطريقة التعبيرية لا تنطبق على القصة القصيرة البحرينية بل على الكويتية أيضاً، بسبب مستوى التطور الاجتماعي المتقارب.

فنجد في قصة «ظلام» التي كتبها #فهد_الدويري و #حمد_الرجيب بصورة مشتركة نفس القسمات القصصية البحرينية، فهي تقدم لنا شخصيتين «رجل وامرأة» هاربتين من المجتمع، تجمعهما القصة في مغارة مماثلة لظلمة أعماقهما المنهارة. وندرك بأن المرأة قد مزقت طفلها الوحيد! أشلاء ورمتها انتقاماً من أهلها الذين أرغموها على الزواج من رجل كبير السن لكي يرثوا أمواله عن طريق ذلك الطفل، أما الرجل فهو أيضاً كان هارباً من أهله بعد أن أرادوا تزويجه من امرأة تحقق لهم طموحاتهم في النسب والمال.

نجد هنا تخففاً من سلسلة المصائب والكوارث التي اعتاد أحمد كمال حشدها في كل قصة من قصصه، بل شيئاً من التقنية الفنية التي وحدت شخصيتين في مغارة ذات شعاع رمزي واضح، ولكنها أيضاً اعتمدت على نفس النسق من الميلودراما الحدثية المرعبة خصوصاً في قتل الأم لطفلها.

إن القصة هنا تلغي الحدث الموضوعي وبناء الشخصية ورسم الوسط والنسيج العضوي، معتمدة على توصيل فكرتها الأخلاقية الوعظية بالأحداث والشخوص العنيفة المتقلبة، وعبر لغة زاعقة تترافق ومثل هذا النسيج.

ولم يستمر هؤلاء الكتاب في إنتاج القصة القصيرة بل سرعان ما توقفوا، ولكن مثل هذا النمط القصصي استمر بعد ذلك في النتاج غير الفني للقصة وفي بعض المسرحيات والتمثيليات الإذاعية والتلفزيونية، بل لقد عاد لدى قسم من الشباب في أواخر القرن العشرين الذي لم يتابع تطورات القصة الفنية.

بينما اعتمدت طريقة أحمد كمال على المبالغات الميلودرامية ومشاعر الشخصية المغرقة في الحزن المعتم، فإن علي سيار استند على #ميلودراما أقرب للحياة، وفي أحيان عدة على ملامح تقترب من الواقعية.

وقد تجاوزت مجموعته «السيد» المستوى الذي وصل إليه فن القصة القصيرة وقتذاك، ولكن المجموعة عكست كذلك الحدود التي لم يستطع ذلك الفن تجاوزها.

تبدأ القصة بعد أن يُسجن بطلها الشاب. إنه يجلس في الزنزانة مُسترجعاً شريط حياته القصير بشكل مكثف وسريع، ملتقطاً أهم الحطات فيه، وهذه العملية الاسترجاعية رغم الرسم المسبق لها، إلا أنها أكثر حيوية ومعقولية من كهف الدويري والرجيب، والراوي يزعم في البدء إنه يبدأ شريط الذكريات في عيد الأم، ويصادف ذلك إن يوم عيد الأم هو يوم عيد ميلاده، والقاص يهدف من وراء هذه المصادفات العطف على الطفل السابق، اليتيم حالياً، والمسجون كذلك، والمحروم من الأم ومن العيد ومن الحرية!

تبدأ القصة في استرجاع خيوط «المأساة» من تطليق أبيه لأمه، أي أن تفكك العائلة هو باب المصائب التي ستتوالى بعدئذٍ. إن أباه يستدعي أمه فجأة، ويتضح للابن الصغير إن لهجة أبيه تنذر بالخطر، وفعلاً يحدث الانفصال ويتجه الصبي مع أمه إلى بيت الجدة.

ولا نجد هنا أي تفصيل هام عن الأب، وسرعان ما تنقطع علاقته بولده، ولا نجد هنا أي أثر للنفقة الشرعية الدينية، وتواصل الشخصية سرد حكايتها، فهي تندفع للعمل مساعدة لأمها، التي تشتغل ليل نهار، ويجد الصبي عملاً عند إحدى الأسر الغنية التي تفصله عندما وصل سن السادسة عشرة سنة خوفاً على بناتها، وأخيراً يقع في براثن تاجر يتظاهر بالطيبة وسوء الحال، لكي يحوله إلى مهرب محترف، فيقع في يد الشرطة.

 إن القصة مصاغة بعين الراوي، الذي ليس هو المؤلف، ويتيح ضمير المتكلم جعل الشخصية هي التي تفعل وتعبر، مما يجعلها أقرب للصدق، ولكن هذا الروي البسيط تكرس عبر السرد فقط، ولم يتضفر وأشكال أخرى من التعبير كالحوار. ومع ذلك فهذه درجة من الموضوعية الفنية لم نبلغها سابقاً.

 لقد بدأنا من الأسرة باعتبارها الخلية الأساسية للمجتمع، وكان مرض هذه الخلية هو بسبب   استبداد الرجل/الأب وتطليقه للأم. ويقدم المؤلف صورة مغايرة لاستبداد الرجل، حين يصور كيف عملت المرأة الأم بدأب وتضحية من أجل تنشئة ولدها، ولكنها مع ذلك لم تستطع أن تخلق إنساناً ناضمجاً، ويعود هذا الشرخ أيضاً لـ«عادات» المجتمع، كما حدث للشاب في الأسرة الغنية، وبالتالي كانت هناك مشكلات اجتماعية وراء سقوط الشخصية.

بعد هذا فإن علي سيار حاول أن يتجاوز المستوى الفني للقصة الخمسينية، وقد كتب العديد من القصص ذات البناء الفني الذي يقترب من القصة الحديثة.

فنجد قصة مثل «المعركة» من مجموعة «السيد» تصور شخصية ربان سفينة هو بومحمد، يظل يردد عبارة «بوسعود كذاب.. سفينتي لم تغرق»، طوال سنوات تمتد من 1935 إلى 1964 حيث يموت.

والقاص يتتبع أسباب جنونه في حدث واحد هو بنية القصة، فقد كان بومحمد يتحدى بوسعود الربان الآخر، ويصمم على جلب لؤلؤة أكبر من تلك التى جلبها منافسه، وفجأة يرى سفينة بوسعود قادمة نحوه وتكاد تسبقه، فيعلن الاستنفار في سفينته مؤيداً بحماس بحارته، وينطلق متحدياً الربان الآخر في سباق جنوني، ولم تكن هناك ريح، لذا رفع الربانان الشراعين الكبيرين، ولكن فجأة أيضاً تهب ريح قوية فتندفع السفينتان بعنف. ويصر بومحمد على مواصلة الاندفاع رغم تحذيرات البحارة الذين يشتبكون معه ويكتفونه بعد أن يصر على جنونه، وفي خضم العاصفة والصرع فإن السفينة تغرق. إن موت مجموعة من البحارة وغرق السفينة وفشل تحديه تجعل بومحمد في حالة الجنون الطويلة تلك.

تقوم الحكاية على سرد حدث صغير بشكل متدرج ومشوق، والقاص يدخلنا هذا الحدث بضربات سريعة، رابطاً بين نفسية بومحمد ووصف الطبيعة والسفينة، عبر حالة التهيج والإثارة التي تنتقل من الذات إلى الخارج. وتنتقل عدوى الحالة النفسية إلى الحدث فيظهر الربان المنافس، فيشتعل الحدث القصصي عنفاً وهياجاً.

ويُلاحظ هنا كيف انتقلت القصة هذه إلى وقائع الصراع البحري، متخلية عن الموضوع شبه الوحيد للقصة السائدة، وهو موضوع الأسرة، مجسدة صراعاً اجتماعياً رغم طابعه الفردي الاستثنائي. وإذ يعتمد القاص هنا على وقائع حقيقية، فإن ذلك يعبر عن الطابع الصحفي القصصي الذي راح يكتب به، مما فتح للقصة ميدان الوقائع اليومية والأحداث الحقيقية. وسوف يواصل علي سيار هذه العملية القصصية مطبقاً إياها على التحقيقات والقص السياسي والاجتماعي، دون أن يعتني باللغة الجمالية الفنية القصصية. إن هذه العملية راحت تضع حداً للقص الميلودرامي.

وقد طرحت قصص هذه المرحلة بقوة مسألة «الواقعية»، فكيف نظر أدباء ومثقفو هذه الفترة للقصص وطبيعتها؟

نجد إن أغلب لافتات القصص تدعي الانتساب إلى الواقع فنقرأ من هذه اللافتات:

«قصص من الواقع» أو «من مآسي الحياة» و«من القصص الواقعي».

 ويصر فهد الدويري القاص الكويتي في تلك الفترة على فهمه ذاك للواقعية قائلاً:

«تسألني متى حدثت وقائع هذه القصة؟ حسناً، إني لا أعلم متى حدثت يا سيدي، ولو لم أكن أقتطف ما أقصه عليك من صلب الواقع ولب الحقيقة لحددت لك تاريخها باليوم والشهر والسنة كما يفعل كتاب القصة الذين يختلقون قصصهم اختلاقاً، ويلفقون الوقائع، وتاريخ وقوعها ليوهموا القراء بأنها حقيقة واقعة»‹3›.

يتصور هؤلاء الكتاب إن نقل الوقائع الحرفية من الحياة هي الواقعية، وكلما طابقت الأصل كلما كانت أقرب إلى الصدق والنموذج الخارجي، ورغم أنهم يصيغون هذه الوقائع الحقيقية صياغة تُبعد بها كثيراً حتى عن الأصل الذي يتوخون مطابقته.

إنهم يقومون بتسجيلية معينة لوقائع الحياة، وقد تقطعت صور هذه التسجيلية وحُلقت في معمار ميلودرامي، حافل بالتقرير والنصائح والإرشاد، ولكن هذا المعمار ليس مهماً بقدر ما هو قريب من تسجيل الحالة.

وكانت هذه العملية تمثل شعوراً طاغياً لدى كتاب المرحلة التي حاولت أن تتجاوز الأشكال الرومانتيكية السابقة، فهذه التسجيلية الميلودرامية كانت مفيدة في آنها للدخول في حياة الخليج والجزيرة العربية.

فقسمٌ هام من الشعر الذي كتبه أمثال #إبراهيم_العريض و #أحمد_محمد_الخليفة وغيرهما كان يصف طبيعة مليئة بالجبال والأنهار غير الموجودة في البيئة، ويشكل إنساناً وهمياً، فلا نجد أثراً للعلاقات الاجتماعية الحقيقية في الواقع.‹4›.

هذه الرومانتيكية صنعت أدباً «خيالياً» ومتناقضاً مع ما يراه الكتاب التسجيليون، الذي يدعون إلى تصوير الواقع.

ومن هنا كان التركيز على الحياة #الواقعية وتوجيه الأنظار نحو نقد «الأمراض» الاجتماعية، وكانت هذه الدعوة على سذاجتها أول خطوة لإقامة صلة بالبُنى الاجتماعية. وقد رأينا كيف كانت هذه الأدلجة تتصل بنقد العائلة المفككة وبالتالي وضعت القصة القصيرة على طريق تحليل الحياة الطويل.

كان أولئك الكتاب يصورون أدبهم بأنه الواقعي، في مقابل #الأدب_الخيالي، فالواقعي لديهم في تضاد كلي مع الخيال، وهو يقوم بالتطابق مع الوقائع، رغم إن هذه الوقائع التي يصورونها هي وقائع مفصولة عن السيرورة الاجتماعية وقوانين البنية الاجتماعية، وهي عبارة عن مقولات أخلاقية. يسقطونها على هذه الوقائع.

ومن هنا عجزوا عن مواكبة تطور الحياة والقصة معاً، حيث أن فهمهم ذلك للفصل بين الوقائع والخيال، بين المواد الحقيقية التي تنتجها الحياة، واكتشاف أبعادها المتوارية، بين التصوير الموضوعي والذاتية الجمالية، إن عجزهم ذاك قد ألصقهم بمواد حسية ووقائع جزئية لم يفهموا صلاتها بجذورها وبعوالمها المركبة، كما أن الأدلجة الأخلاقية «المثالية» والنزعة الميلودرامية تحول تلك الوقائع التي تكون حقيقية، إلى أشياء مضادة للحقيقة الفنية.

وكان موقفهم الفني ذاك يتجلى في نوعية الشخوص ومواقفها فهي شخصيات تنهمر عليها الكوارث فتحطمها تحطيماً دون أن تقدر على فعل شيء، مما يعبر عن شخوص غير فنية، مثل كافة المفردات الأخرى كالزمان والمكان والحدث التي يرتكز عليها النوع القصصي.

كان الأمر يتطلب إذن مستوى فنياً وفكرياً جديداً في تحليل الحياة والفن، موقفاً تركيبياً يقوم على رصد الوقائع والظاهرات وعلى اكتشاف خيوطها الدقيقة وفعل الإنسان فيها، وبالتالي تكوين مفردة فنية قصصية مختلفة.

وهذا ما أخذت الحياة الثقافية في عقد الستينيات تستوعبه في الخليج، على أثر الاحتكاك الأعمق بالحياة الإبداعية العربية والعالمية، فظهرت في البحرين موجة قصصية وشعرية مختلفة، يعتبر محمد عبدالملك المرصود في هذا الكتاب، أحد أفرادها.

وإن الانتقال من البنية الفنية السابقة، إلى البنية الحديثة للقصة القصيرة والرواية، كان يحتاج إلى زمن أدبي واجتماعي، ولهذا فإن التداخل بين البنيتين كان ضرورياً، وخروج القصة الفنية المكتملة الناجزة هو أمر غير ممكن، دون الحلقات الوسيطة.

ولهذا فإن الدراسة عن القاص #محمد_عبدالملك تتجه إلى محور أساسي وشامل كذلك، فمحور الراوي يتناول عملية التصوير التسجيلي للحياة وللواقع والنماذج، وهو يعني حرفياً وجود القاص المسجل للحياة وجزئياتها، مما يقود إلى التقاط مظاهر من الحياة، يقترب بها من فن الفوتوغرافيا، ومع تقديرنا لهذا الفن التصويري، لكنها مفردة ضرورية لتوضيح طابع التسجيلية للوقائع، في عمل الراوي، حيث تتطلب عمليات القصة إعادة النظر في هذه الوقائع، واكتشاف خيوط تطور الواقع.

وفي سؤال للقاص محمد عبدالملك عن من هو الراوي الشاهد المستمر في بعض قصصه، فيقول:

«الراوي، في قصصي هو أنا في الواقع من خلال مشاهداتي وأحاسيسي»، ويضيف حول الحارة التي يقوم بتصويرها:

«كنت أعيش في حارة شعبية مليئة بالنماذج الشعبية، وكنت أعرفها تمام المعرفة، أي أعرف تفاصيل حياتها، لذلك كان تأثري بها شديداً، وكانت هذه النماذج متوهجة لأنها كانت موجودة في فترة متوهجة أيضاً، والان أفتقد هذه النماذج..»5.

إن هذه العمليات الفنية المتداخلة بين القص التسجيلي والقص الواقعي ستكون من المحاور الأساسية في هذا الكتاب، والذي يكون أسلوب الراوي وجهه الفني والتعبيري.

من أبرز المهتمين بالجربة القصصية القصيرة في بداياتها الدكتور إبراهيم عبدالله غلوم الذي درس المجموعات القصصية الأولى لمحمد عبدالملك، وهو يعرض الخطوط العريضة لهذه التجربة قائلاً:

 «لقد اتجه محمد عبدالملك إلى تحليل الظواهر الأساسية في التطور الاجتماعي، فنظر فيه إلى الإنسان باعتباره وحدة متحركة مع ذلك التطور لأنه لا ينفصل عن البيئة وظروفها..» «كما تكون شخصياته نمادج لهذا الظرف، أو الواقع الموضوعي الذي يتمثل في حياتها.»6.

ويدرك الباحث إن مسألة التحليل لدى القاص ترتبط بمشكلات فنية كقوله:

«وينطبق ذلك على تصوير محمد عبدالملك للنماذج البشرية بتفاصيل تصدر غالباً من الواقع الخارجي، حيث نجد أنها كلما اقتربت من الكشف والإفصاح عن براثن المجتمع الرأسمالي أصبحت قيمتها الفنية ألصق وألزم برصانة التصوير الواقعي، وبتجسيد النظرة التقدمية أمام مظاهر الوجود الاجتماعي. بينما حين تبتعد عن ذلك الكشف والإفصاح تتضاءل قيمتها بل إنها تصبح فتوغرافية الإدراك، تمتد لما هو عشوائي وما هو أساسي على حد سواء.. الأمر الذي يباعد بينها وبين عملية الإبداع في فن #القصة_القصيرة.»‹7›.

لقد كتب الباحث #إبراهيم_غلوم هذه الدراسة في بدايات القصة القصيرة الحديثة، ولهذا فإن مفاهيم عديدة لدى الباحث تكون قد تغيرت، ولكن إذا أخذنا بعض هذه المقولات وقمنا بتحليلها فسوف تضيء لنا جانباً من عالم القاص، فقد ارتبطت القصة لدي عبدالملك بكشف هذا الواقع، لكن عبر المفاهيم #الأيديولوجية السائدة في تلك اللحظة المبكرة من الوعي الفني، أي بغلبة مفاهيم الانعكاس، وبتداخل القصة القصيرة وكتابة الريبورتاج والمقالة، ولهذا فإن مفاهيم مثل الواقعية و #الواقعية_الاشتراكية تصبح محل شك وإعادة نظر.

فنستطيع أن نقول إن أعمال عبدالملك في هذه المرحلة تنطبق عليها مواصفات التشكيل الأولي للواقعية، حيث يغلب أحياناً لدى الكاتب «التصوير الخارجي» والذي غالباً ما يرصد الظواهر الاقتصادية والاجتماعية الفاقعة، وكذلك أيضاً مسار الطبقات الفقيرة، ونمو مسار الصرع الاجتماعي والوطني.

إن الواقعية باكتشافها للقوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي والروحي، تغدو عملية عسيرة في قصص تتوجه إلى التصوير الاجتماعي العام المنمط، وفي مجتمع تقليدي، أي يمتاز بهيمنة الإقطاع السياسي والديني، ولهذا فإن أوصافاً مثل المجتمع الرأسمالي والبرجوازي ينبغي أن تؤخذ بحذر شديد8.

ولهذا فإن فاعلية محمد عبدالملك القصصية تندرج في إطار فاعلية الفئات الوسطى ومحاولاتها للصراع ضد المجتمع التقليدي، وهو مجتمع تقليدي تتغلغل فيه علاقات رأسمالية كبيرة دون أن يتحول إلى مجتمع حديث بشكل شامل.

ولهذا فإن القاص وهو يسجل معاناة الطبقات الشعبية يرصد آليات النظام التقليدي التابع وهو يغدو رأسمالياً، فيدمر المهن القديمة المرتبطة بالاقتصاد القديم، اقتصاد الغوص والحرف، ويشكل فئات تجارية مستوردة، وينمو جهاز الدولة المالكة الأكبر لوسائل الإنتاج، شركة البترول خاصة، مما يعطي الإقطاع السياسي الحاكم موارد مالية كبيرة للسيطرة على البنية الاجتماعية، وعدم جعلها ديمقراطية في كافة مستوياتها، ولكون الإقطاع السياسي يهيمن عبر واجهة مذهب ديني، فتتشكل المعارضة عبر واجهة مذهب ديني آخر، مما يعبر عن إشكالية المجتمع التقليدي وأزمة تحوله إلى الرأسمالية الحديثة.

 إن هذا الوعي الفكري المكتشف أخيراً ليس هو الوعي الفكري الذي يظلل التجربة الفنية في بدايتها، حيث كانت تقفز الشعارات الكبيرة، وهو أمر سنجده يتمظهر في القصص ونقد القصص كما لدى الناقد إبراهيم غلوم، ولهذا فإن الناقد يقيم تجربة عبدالملك القصصية في خانة «الواقعية النقدية»، وليس #الواقعية_الاشتراكية، فيقول «ومن خلال ذلك اكتسبت تلك النماذج دلالتها الثورية لأنها وإن لم تبلغ ملتقى التصور الاشتراكي فإنها تؤكد دوماً رغبتها في التغيير والتحرر..»‹9›.

إن التحديدات الحامة للتطور الاجتماعي باعتبار المجتمع رأسمالياً ناجزاً، يتمظهر في الوعي النقدي بعدم دراسة نشوء الواقعية بصورة دقيقة، فتقفز التوصيفات النقدية إلى الأسماء الكبيرة المؤدلجة، في حين إن كلمة «الواقعية» بحاجة ذاتها إلى البحث واكتشاف سماتها في القصص.

ومن هنا فإن الوعي النقدي إبراهيم غلوم يكتشف التضادات الأسلوبية العامة في القصص، من حيث انقسامها إلى قصص تصويرية تسجيلية، وإلى قصص فنية، وكون الأولى ترتبط

غالباً بالعامة، والقصص الأخرى بالمثقفين10، ولكن هذا الانقسام في الشخوص يعكس انقساماً في الأسلوب القصصي، وانقساماً في الرؤية الإبداعية كذلك، وهذا ما نقوم بتحليله في هذه الدراسة.

وترتبط هذه العملية الفنية الداخلية بتطورات اجتماعية وفكرية خارجية، ولهذا فإن السمات «الواقعية» ونموها أو تراخيها سترتبط بعمليات التحليل للحياة وللنماذج، أي بعرض هذه المفردات الفنية في منهج يكشف جذورها أو يغيّب هذه الجذور والفاعلية.

________________________

‹1›: أحمد محمد عطية، كلمات من جزائر اللؤلؤ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1988، ص 37.

‹2›: «كما تغص بعض قصص مجموعة عبدالملك الأولى بالسرد التقريري والوصف الخارجي والشخصيات المسطحة، غير أنها تجمع بين واقعية الحدث والتعبير عن الشخصيات المعذبة والمطحونة..»، «كما ترد في بعض قصصه الأولى تعليقات الكاتب المباشرة وتدخل الراوي بالتعقيب على الأحداث أو الحوار..»، «المصدر السابق، ص37».

  ‹3›: إبراهيم عبدالله غلوم، القصة القصيرة في الخليج: الكويت والبحرين، ص 223، منشورات مركز دراسات الخليج العربي، جامعة البصرة.

‹4›: #علوي_الهاشمي، ما #قالته_النخلة_للبحر، دار الحرية للطباعة، بغداد، ص 352 ــ 354.

 ‹5›: من حوار مسجل مع القاص محمد عبدالملك.

 ‹6›: القصة القصيرة في الخليج العربي، ط 2، 2000، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص 594.

    ‹7›: المصدر السابق، ص 597.

‹8›: يقول إبراهيم غلوم عن شخصيات الكاتب: ففي حياتها تنطبع ردود فعل بشعة لقوانين المجتمع البرجوازي..، ص601، المرجع السابق.

 ‹9›: المصدر السابق، ص 618.

 ‹10›: تنقسم دراسة إبراهيم غلوم عن محمد عبدالملك إلى فصلين يعرض أحدهما نمادجه العامة، ويعرض الثاني نماذجه من المثقفين، ولهذا فإن الباحث يقول: أن النماذج التقليدية المجهدة في قصص محمد عبدالملك لا تستوعب موقف البطل الثوري بقدر ما تستوعب موقف الإحتجاج والنقد للواقع فحسب، ص611 .

الفصـل الأول

ملامح عامة لتطور القصة القصيرة في البحرين

   في كتاب إبراهيم عبدالله غلوم «القصة القصيرة في الخليج العربي الكويت والبحرين»، راجع الطبعة الثانية الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2000، هناك ذلك البحث التفصيلي الذي يقدم الكثير من المواد  الاجتماعية والفنية لأي دراسة تعميمية جمالية بشأن بواكير تشكل القصة القصيرة بل والوعي القصصي، الروائي ضمناً.

تتطلب المادة الكبيرة التي يقدمها الكتاب للباحثين القادمين، والشباب خاصة، ليس فقط عدم الرجوع لكل تلك الأكداس من الصحف والمجلات القديمة التي اهترأت أوراقها أو ضاعت، وإلى الكتب والقصص التي توارت واختفت من على الخريطة الأدبية، بل كذلك بضرورة تضفير تلك المادة عبر أبحاث جديدة في ميدان القصة القصيرة، تجمع ما بين الحس الاجتماعي الفني للباحث إبراهيم غلوم والمناهج النقدية الجديدة.  

  المادة القديمة الضخمة التي يقدمها الباحث تقود لا محالة إلى رفدها بالمواد القصصية الكبيرة والواسعة التي تشكلت بعد هذا الكتاب «الموسوعة»، وهى مواد من الاتساع والكثرة بحيث إن الحديث عن بلدين هما الكويت والبحرين كرائدين في عالم القصة في الجزيرة العربية، أصبح متجاوزاً بشكل كبير، كذلك من الضروري إعادة درس تلك الأحكام التي كنا نطلقها بسهولة عن «المدرسة» الأدبية القصصية كالحديث عن رومانسية منجزة وواقعية منجزة، بل وعندما نتخطى المادة المتواضعة بين أيدينا مطلقين عليها أسماء مدارس ذات تاريخ ثقافي وإبداعي عميق.

فمن الضروري إعادة درس تلك المادة مع إبداء كل الحماس الأكاديمى الذي كرسه الباحث إبراهيم غلوم في جمع وعرض ونقد المادة، والدرس ليس درساً يلغي ذلك العرض «البيئى والاجتماعي»، كما يفعل الطلاب الباحثون الجدد حين يغرقون أبحاثهم في مصطلحات مستوردة تواً من أحدث القواميس والمحاضرات الشكلانية في الأدب. فغالبا ما تطفو هذه المصطلحات طفواً على أجساد النصوص، دون أن تشكل أي علاقة حميمية بها، ولهذا فـإن درس كتاب «القصة القصيرة..» المذكور، يعطي القارئ والدارس فرصة لرؤية التحام المنهج بالمادة الاجتماعية والقصصية، دون أن تجور المناهج على المادة الفنية، بل تأتى أغلب الأحكام النقدية من عملية غربلة واسعة للمادة القصصية، وهي تنمو بها وتتعالق معها.

وهنا يشكل هذا الكتاب كيفية صناعة الأبحاث الفدائية في زمن بدء صناعة الأدب والنقد، فوراءه مغامرات سفر وحياة وأكثر من نصف قرن من حياة متوارية عميقة للخليج العربي وهو يتشكل إبداعياً واجتماعياً.

لا شك إن المقدمات الاجتماعية مطولة وكبيرة، فهناك عمليات تتبع للنهضة في البحرين والكويت في شتى مناحي الحياة الاجتماعية والفكرية النهضوية، ومن هنا فإن الكتابات النقدية الجديدة ليست بحاجة إلى مثل هذه العودة للخلفيات، خاصة إن الكتاب يقوم ببناء جسر بين المواد الاجتماعية الأولية والبناء القصصي الأولي، فكل من الطرفين لم يستقل استقلالاً نوعياً بعد، وهو يجسد المرحلة الانتقالية للقصة القصيرة و«الرواية» في تشكلها وتكونها النوعي.

والكتاب يحمل في عظمه الفكري هذه الطبيعة الانتقالية للوعي النقدي وهو يكون أدواته من رحم البحث الاجتماعي، ولكن ضخامة الاجتماعي لا تدعونا إلى إلغائه، ليس في هذا المتن، ولا في المشروعات المنتظرة في درس البُنى القصصية، فتحويل القصص إلى بنى رمزية مقطوعة السياق البشري والاجتماعي، يؤدي إلى الشكل المضاد من عملية الدرس النقدي، أي إلى الانقطاع الكلي للبُنى الفنية عن جذورها.

إن الاجتماعي في الكتاب يأتي على هيئتين: مقدمات لا صلة عضوية لها بالمتن القصصي المدروس، فالحديث عن تطور الصحافة وبدء النضال أجل حرية المرأة، وكيف ظهر التعليم والنوادي والجمعيات الثقافية من ص 71 وحتى 83، والمجلد الكامل عن دور الصحافة المحلية من ص 95  وحتى ص 127، إن هذه كلها لها وشائج اجتماعية بالقصة القصيرة كمؤثرات مسبقة على تشكلها، غير أنها بعدُ لا تمثل شيئاً عضوياً فنياً داخل القصة.

 أي أن هذا هو المستوى الاجتماعي من التطور، وهو يمكن أن يرفد القصة أو يرفد المسرح، أو حتى الوعي السياسي، لكن لا علاقة مباشرة له بالقصة، فكل هذه الظروف تهيئ المناخ لتشكل القصة، غير أنها لا تخلقها.

إن تشكل القصة يأتي من درس عملية الآداب والفنون ونموها، أي كيفية ظهور وتجسد الوعي الإبداعي، وظاهراته، ومميزاته.

وفي تلك البواكير التي يدرسها الكتاب كانت العملية عند الكاتب الواحد غير مضطردة بحيث تتحول القصة القصيرة لديه إلى ظاهرة يمكن أن تمتلك خصائص فنية راسخة خاصة في الجيل الأول التائه الملامح بين أسمائه الحقيقية والمستعارة، ولهذا علينا أن نمحص الأحكام النقدية هنا، كالأحكام الصادرة عن الريادة، وأن نتساءل نقدياً هل هذه قصص حقاً؟

والهيئة الثانية التي يدخل عبرها «الاجتماعي» هي في تحليل القصص من الداخل ورؤية قضاياها الاجتماعية، أي تلك المادة الاجتماعية المباشرة التى تتعالق معها القصة القصيرة كقضايا الأسرة بدرجة أساسية، ولا يعبر ذلك إلا عن جانب الموضوع لا المضمون. أي أن المضمون برتبط بالرؤى الفكرية، وهي التي كان ينبغي أن تكون بؤرة الدرس التمهيدي.

صحيح إن الموضوعات تتشابك الأهداف، فبحث قضايا الأسرة وإعانة الأغنياء للفقراء وأهمية دعم المجتمع للفرد، ترتبط بالوعي الفكري للقصاصين، إلا أن الموضوعات تنتمي إلى مستوى آخر من التحليل النقدي. ومن هنا نكتشف إن تحليل الوعي الفكري/ الفني هو مدخلنا الأقرب إلى القصة.

 فنحن لا نبحث كيف ظهرت عوامل النهضة في الخليج كإنشاء المدارس والصحافة الخ.. بل نقرأ كيف رأت القصة القصيرة هذا العالم بعدستها الفنية اللاصقة في هذه المرحلة؟

ولكن حتى هذا يبقى مدخلاً، لأنه في الميدان الإيديولوجي المحض، فإن قراءة البُنى الفنية الداخلية للقصة القصيرة يتطلب درس هياكلها التعبيرية، أي كيف توجهت إلى هذا المنحى، أي كيف كانت أقرب إلى المواعظ والمقالات، أي أن ندرس كيفية نشوء التصوير، وإزاحته للتقرير.

ونحن نلاحظ لدى إبراهيم غلوم هذا الخط البياني المتجه لظهور القصة، كنوع فني مستقل، ولكن يظل الدرس في جانب تحليل الهياكل الفنية العامة، بموضوعاتها وببعض أشكالها من خلال رؤية معينة، أي أن الهياكل الفنية العامة كانت بحاجة إلى اكتشاف بناها الخاصة، وهي العملية التحليلية التى تقود إلى العلم، أي إلى اكتشاف السببيات والقوانين الداخلية للبُنى.

بطبيعة الحال فإن ضخامة الكتاب ورغبته في الموسوعية والتأريخ الشامل لظاهرة تكون القصة، وضعت المقدمات لمثل هذا الدخول، فكأن إبراهيم غلوم كان فريقاً بحثياً كاملاً يضع للأجيال القارئة والناقدة القادمة الفرشة الأساسية لدرس القصة في البحرين والكويت‹1›.  

يحتاج التاريخ الأدبي المعاصر في البحرين والخليج عموماً إلى مراجعات نقدية عميقة، وكما تابعنا كتاب إبراهيم عبدالله غلوم، فقد رأينا بكارة المتابعة النقدية والتاريخية الواسعة لجنس أدبي واحد هو القصة القصيرة، في بلدين عربيين في الخليج، والكتاب يقدم للباحثين إمكانيات المراجعة والإضافة والتطوير، بعد أن وضع أساساً نقدياً وتجميعياً كبيراً لذلك.

وكما قلنا آنفاً، فإن مراجعة المصطلحات هي بداية العلم النقدي هنا، فكلمات أعلام مثل: #الرومانسية، والواقعية، والواقعية الاشتراكية، هي برسم الدرس والفحص، فهذه المصطلحات الكبيرة تقفز بنا إلى تخوم لم تُبلع، أو ربما هي من قبيل الإسقاطات الإيديولوجية، أو المقارنات غير الدقيقة، فحين يقول الباحث:

«إن القصة الرومانسية القصيرة في الخليج العربي تنهج على يد جيلها الأول نحو الإعلاء من شأن الفرد، فهي عندما تقف مع النماذج البشرية الساقطة لا تتركها من غير أن تردد أحزانها وتبحث عن الدوافع الإنسانية والاجتماعية في سقوطها، والمرأة حين تسقط لا تكون مثاراً للاشمئزاز كما هو معهود. لأنها تفعل ذلك من أجل مجابهة أثقال الحياة وقسوتها تماماً كما تفعل بعض ساقطات نجيب محفوظ ، ومحمود تيمور»‹2›.

وبالفعل فإن القصة القصيرة، بل كل القصة في تاريخها الطويل، تقف مع الفرد وتتابع سقوطه ونهوضه، والباحث بعد قليل من الفقرة السابقة يقدم لنا قصة «طواها النسيان» لموزة الزائد، تكون فيه المرأة ضحية لثري من الأثرياء، يعتدي عليها، فتنجب منه ولداً يطردها من البيت لتعيش مع جدتها، وعندما يكبر ولدها تلازمه عقدة نفسية حول كونه لقيطاً، فلا يستطيع الزواج وينتحر فتكتب أمه رسالة إلى الثري الذي اعتدى عليها منذ سنوات. وحين تصل الرسالة يجهد نفسه كثيراً حتى يتذكر صاحبتها التي طواها النسيان، ويقهقه ساخراً‹3›.

أننا هنا بحاجة أولاً لمعرفة مدى كون هذه القصة قصة قصيرة ، حيث أن النص النقدي ساق موضوع القصة، لا شكلها الفني، فمع تقديرنا الكبير لكون امرأة بحرينية في ذلك الزمان المبكر تكتب أدباً قصصياً، إلا أن العرض لم يدخل بنية القصة التعبيرية، لنرى مدى اقتراب المحاولة من تقنية القصة القصيرة، ولعلها وصلت إلى ذلك ولعلها لم تصل.

تعطينا مادة الموضوع المقدمة في هذا العرض النقدي للباحث، سمات رومانسية حقاً، كشخصية الفرد الضحية المتجهة إلى الانهيار والسقوط، والمعذبة، والحزينة، وهي سمات أدب رومانسى أكيد، وكذلك ثيمة المرأة الساقطة الضحية، وثيمة الرسالة التي ترسل من الضحية إلى الحبيب «الجلاد»، ولنتذكر هنا قصة ستيفان زفايج «والتي اُقتبست عربياً بشكل كبير وحُولت إلى فيلم: رسالة من امرأة مجهولة»، فهذه عاصر رومانسية حقاً، ولكن إلى أي مدى تشكلت أدباً قصصياً، فذلك أمر يرجع للنص الذي عُرض علينا موضوعه فحسب.

ولهذا حين تُقارن مثل هذه الكتابات البحرينية والكويتية المبكرة بأدب نجيب محفوظ ومحمود تيمور، فقط لتشابه الموضوعات، فإن الأمر يحتاج إلى أدلة وحيثيات نصوصية دقيقة.

إن مصطلح الرومانسية مصطلح متقلقل هنا، وغير مُثبت، والباحث نفسه يدرك ذلك فيقول: «ويكشف لنا نهج القصة الرومانسية القصيرة في الخليج العربي في تصويره للمجتمع عن أسلوب ميلودرامي فيه كثير من سمات التكلف والاصطناع للحدث، ولكنه يظل رغم ذلك يحتفظ بإيقاعات حزينة صادقة..»‹4›.

إن التكلف والاصطناع لا يشكلان فقط الحدث بل الشخصية كذلك والموقف، والوسط، لأن الحدث المصطنع، يعني أن الناشئ وهو يحاول تقليد القصة المنتشرة في الأفلام وفي أدب المنفلوطي، يطيح بسمات القصة بعناصرها الموضوعية من حدث وشخوص ووسط، أي أنه يلغي شروط تشكلها، مدفوعاً بمشاعر ساخنة للإصلاح، بدلاً من أن يعي ويكرس أصولها وقوانينها الفنية الخاصة، أي أن الإيديولوجيا والمواقف المسبقة تغيرُ على شروط الفن، فلا تجعله يتكون، ويغرس سماته في التربة الاجتماعية، وبالتالي فإن القصة التي لم، تتشكل كقصة لا تستطيع بطبيعة الحال أن تكون مدرسة أسمها المدرسة الرومانسية أو المدرسة الواقعية، فالأمر يحتاج هنا إلى تراكم للعناصر الفنية لكي تتشكل قصة أولاً، وبدون هذا التراكم يستحيل أن تحدث انعطافة نسميها تكون القصة القصيرة.

ولهذا لا ينبغي أن نستعجل في إطلاق التسميات والمصطلحات، فالأمر هنا أقرب إلى البحث عن القصة القصيرة وليس القصة القصيرة الرومانسية.

وقد يقال هنا بأن ثمة تداخلاً بين القصة والرومانسية، تقوم فيها الرومانسية بإلغاء السمات الموضوعية في الجنس الأدبي، تحيل فيها البُنى القصصية إلى هذيان عاطفى أو تدفقات روحية، كما سيحدث فيما بعد لدى #محمد_الماجد و#فرحان_الفرحان الخ..، ويمكن أن يـُطرح من الأدب العربي الحديث مثال #جبران_خليل_جبران في هذا الصدد.

ومن المواد التي يقدمها كتاب إبراهيم غلوم، ومن متابعة نتاج محمد الماجد، فإن الكاتب الراحل الماجد، كانت تعوزه إمكانية تشكيل قصة قصيرة في الواقع أكثر من أن يكون كاتباً قصصياً رومانسياً، فعناصره القصصية مفككة وغير متراكمة، أى أن شخوصه وأحداثه وأبنيته التعبيرية لا تحصل على مصداقية متنامية تؤهلها للارتقاء إلى فن القصة القصيرة، فهو يُسقط حالته النفسية على البناء الفني فيطيح ببنيته التعبيرية الخاصة المستقلة ومن هنا ليست ثمة مسافة فى تعبيره بين المقالة والقصة، فيعيد النتاج إلى مرحلة ما قبل القص.

وجبران خليل جبران، أو الكاتب العالمي الكبير #فيكتور_هيـجو، رغم مشاعرهما الرومانسية المتقدة، إلا أنهما حين يكتبان قصتيهما الرومانسيتين يصيغانها بشروط القصة، رغم الفروق بينهما، فهيجو يشكل ملاحم رومانتيكية كبرى في الأدب القصصي الحديث، فهما يلتزمان ببناء القصة حينما يكتبان قصة، ورغم أنهما «يسقطان» مشاعرهما على البناء لكن من خلال قوانين الفن، فالقصة تتطلب مثلاً بناء أحداث شخوص وأوساط متداخلة، لكنها لا تشترط أن يكون الحدث غير عنيف أو عير فنتازي أو غير عاطفي متوهج، فهذا الأمر يخضع لرؤية الكاتب وتجربته وأدواته.

هنا كنا بحاجة إلى معرفة تراكم العناصر القصصية في القصة ومدى صراعها مع العناصر اللاقصصية، أي مع العناصر الأيديولوجية والفكرية المسبقة، ومدى الاقتراب من عناصر القصة الفنية، وبالتالى مدى التزام الرومانسية المناطقية، إذا كان ثمة شيء يمكن أن يسمى كذلك، بهذه الصفات الموضوعية للفن القصصي، وبهذا نبعد النقد عن القوالب، ونقترب من التحليل الموضوعي للمادة الحقيقية.

أي أن نبحث هل استطاع قاص رومانسي أن يجمع الجانبين، عبر درس أبنيته الفنية لا موضوعاتها فحسب، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون ردود فعل للأفلام العربية والقصص العاطفية الرائجة؟

ولا بد أن نقرأ ماذا بقى من هذه القصص، أي كيف تكرس في المجموعات القصصية، التي هي تجسيد التراكم الفني عبر الزمن.

يعطينا كتاب الدكتور إبراهيم عبدالله غلوم مادة أخرى حول تشكل الواقعية في الكويت والبحرين، وقد رأينا سابقاً إن ملامح الرومانسية المفترضة لم تكن قوية بما فيه الكفاية لتقدم لنا أدلة عن تشكل تيار قصصي رومانسي، وقد راحت المشاعر الرومانسية تفرض ذواتها على فن القصة القصيرة الوليد، حيث إن هذه المشاعر في زمن المخاض الأدبي والفكري في المنطقة أطاحت بأسس الفن القصصي، وما يقدمه الكتاب من مواد عن هذه البدايات تثبت أن الرومانسية التي أزهرت في الأدب العربي منذ بداية القرن العشرين، في لبنان ومصر خاصة، جاءت إلى الجزيرة العربية وهي تتحول بشكل «تقليدي/ حديث» في الأبنية الاقتصادية والاجتماعية، وتنمو بشكل مضطرب في ثقافتها وأنواعها الأدبية، لكن الرومانسية العربية في هذه الأثناء كانت قد فقدت زخمها، ولم تعد من أسماء رنانة لديها سوى جبران خليل جبران والمنفلوطي وهما اللذان استمر تأثيرهما إلى وقت لاحق، لكن تداخلت الرومانسية بالقص الحديث لدى #عبدالحليم_عبدالله و#يوسف_السباعي وإ#حسان-عبدالقدوس في مرحلة لاحقة بالنسبة لوعي الخليج والجزيرة العربية.

 ولهذا كانت هذه «الرومانسية» في الأدب العربي في الخليج لم تأخذ حظها من الحضور والتأثير، بل كانت تأثيرات الأفلام العربية «المصرية» أقوى من النصوص الإبداعية، إضافة إلى أن تخلف الجزيرة العربية عن بقية المناطق العربية يرجع لعوامل موضوعية كبيرة كضخامة الصحراء وغياب المدن المؤثرة، وقلة السكان الخ..

ولهذا فإن القصة تأثرت بحبكات الأفلام وما يسود فيها من كثرة الأحداث وضخامتها والتي تتركز عادة على فرد أو أسرة مقطوعي السياق التاريخي والاجتماعي، وكل هذه الأحداث الكبيرة من قتل ومطاردات وتحولات مفاجئة الخ.. تتشكل بصورة خارجية فوق ذوات الشخوص والأمكنة فهي قوالب يصطنعها المؤلفون فوق جسم القصة الهش. ومن حيث الدلالات فإن هذه الأبنية الفنية لا تستكشف أية سببيات اجتماعية موضوعية، أي أنها لم تكن قادرة على تجسيد قوانين القصة وقوانين التطور الاجتماعي. والجانبان ملتحمان، ولهذا حين تبدأ عمليات هذا الاستكشاف المتضافر تقترب القصة من الفن والواقع معاً.

ومن هنا فهي عرضة لتأثرات رومانسية وواقعية وكلاسيكية وميلودرامية دون أن تنتمي لأحدها بشكل كامل، ولا تزال هذه الأرض الفنية الرخوة مستمرة حتى يومنا هذا في بعض الأقسام الكتابية كقصص الشباب والمسلسلات الخ .. فالوعي الإبداعي خاصة في الأوقات الأولى لم يكن مستقلاً وذا بنية مهمة.

 وعندما بدأت تأثيرات الواقعية كانت هذه الأخيرة قد رسخت نفسها في بعض جوانب الأدب العربي وخاصة في مصر والعراق والمشرق «الشمالي» خاصة، وقد تسرب التأثير العراقي الأدبي إلى الكويت، وقد كان رائد الرواية الكويتية إسماعيل فهد إسماعيل ذا خلفية عراقية، وكان الحضور العربي عموماً قوياً في الكويت حينئذٍ. وهذا ما أدى إلى أن تبدأ القصة في الكويت في نفض أرديتها الفضفاضة وتُشكل بناءها التعبيري الخاص والمتميز، ومن هنا نجد إن قصة علي سيار القصيرة تتحول أثناء إقامته في الكويت، كما يقول الباحث نفسه.

ولكن علينا أن نُدقق في مصطلح الواقعية كما دققنا في مصطلح الرومانسية كذلك، أي أن نعثر على سماتها كما تشكلت على الأرض، بدون أبنية إيديولوجية مسبقة. ويقول الباحث بأن «الاقتراب من الواقع ومن مشاكله وهمومه اليومية، قد يحسم الطبيعة الخاصة بالواقعية في القصة القصيرة، بحيث لا يصبح هذا الواقع نابعاً من التجربة الشخصية للكاتب، بل أن يكون عالمه الذي يخلقه، ويقيم سماته من خلال مقدرته في التصوير ومقدرته في الرصد لأبعاد المشكلة الاجتماعية القائمة وتحليل حضورها الموضوعي.»‹5›.

بطبيعة الحال هذا يمثل تعريفاً خاصاً للواقعية، فالواقعية واقعيات متعددة، فالتعريف المقدم سابقاً يمكن أن يكون منطبقاً على ما يُسمى في الوعي النقدي الغربي بـ«الواقعية البرجوازية» أي تلك الكتابات القصصية التي تتركز على معالجة قضايا الطبقات الوسطى غربياً، وهي لدينا كما أتصورها تعالج قضايا الفئات الوسطى، حيث إن هذه الفئات تنشأ في مجتمع تقليدي وتستكشف طرقها داخل أبنية العصور الوسطى المستمرة لدينا، أي هي بعدُ لم تستطع أن تشكل عالمها الحديث المُفترض أو الذي انتهى إليه العالم الحديث، خارجنا.

وهذا جانب مفاهيمي مهم لوضع كيفية تشكل أنواعها الأدبية وممارساتها داخل حقول الأجناس والأنواع، ومن هنا فإن التعريف السابق الذكر، يقترب من ممارسة هذه الفئات ووعيها، حيث يبدأ تفكيرها الفنى بمعالجة قضايا اجتماعية بصور واقعية، فالمثقف العاطفي الحاد يخلي السبيل لمثقف ذي معايشة حقيقية للحياة، وهنا تبدأ «القضايا اليومية» حسب تعبير إبراهيم غلوم في التداول داخل أبنيته القصصية كما يفعل #فاضل_خلف و«علي سيار» في الكويت، مثل قضايا البيروقراطية الحكومية والرشاوى والإفلاس التجاري الخ.. وهي موضوعات لم يكن ممكناً طرحها في الأسلوب العاطفي السابق. إن هذه لا تتطلب فقط حرية فكرية وسياسية معينة بل أيضاً فئات وسطى تحتضن هذه العملية الفنية النقدية، سواء عبر الصحف والأجهزة الحديثة الأخرى، أو عبر التداول.

 وهذه تتطلب من الكاتب التخلي عن الفردانية التي دمرت بعض النتاج السابق أو التالي، والقبول بفردية منفتحة على الوسط الاجتماعي، وهو أمر سيؤدي إلى تطور النثر وأنواعه، باتجاه استكشاف الواقع والناس.

لكن كل هذه تتعلق بالموضوعات والمناخات التي تتشكل بها القصة القصيرة، أما الوعي الفني الواقعي المتجسد فيها فهو يعرض تلك الموضوعات كما يفعل فهد الدويري في قصته «الشيخ والعصفور» حيث الأسلوب يقوم بكشف جانبين متداخلين :

«يتصل الأول باستجلاء مظاهر البيئة المحلية وتسجيلها بصورة حية نابضة، تستمد حيويتها ورصانتها الواقعية عبر اتصالها الوثيق بموقع الشخصية، وإيقاع حياتها ودلالات وجودها. ويتصل الثاني بالتوغل الدقيق في تصوير النموذج البشري والدخول إلى جوانبه الإنسانية من خلال أكثر اللحظات شفافية وخصوصية»‹6›.

إن هذه الجوانب المترابطة: البيئة والإنسان والموقف الصغير المضغوط بكثافة

والذي تغوص فيه بنية دلالالية متوارية، يمكن أن يحدد بعض خصائص الطريقة الواقعية في التمثل الأدبي في القصة القصيرة.

ومصطلح «البيئة» هو ذو دلالات طبيعية أكثر منها دلالات اجتماعية، وهو هنا يعبر في هذه التخوم من نشوء الوعي الفني الواقعي في المنطقة، عن النظرة الغائمة للواقع، مركزاً على أشكاله الطبيعية وصلة الإنسان المُبسطة بها، أي أنه يشير إلى مشكلات الإنسان الاقتصادية خاصة، لكن العرض القصصي القصير هنا سيثبت أقدام الإنسان فوق الأرض الموضوعية بشكل ما.

فـ علي سيار في قصته «سأطردك يا عبدالسلام ..» يشكل موقفاً مكثفاً من خلال قيام وكيل وزارة التربية بالتداعي أمام القارئ، وأسلوب التداعي يتم عبر ضمير المتكلم، الذي يتضح من العنوان، ولكن هذا التداعي مرتب ويتشكل بطريقة حرة، أي ليس عبر أبنية مشهدية، بل أن الراوي هو الذي يشكل اللقطات، وهذا يتيح للراوي أن ينتقي من شريط الزمن ما يريد، مثل قوله «قبل ثمان سنوات كنت أنا وعبدالسلام زميلين في مدرسة واحدة ..»‹7›.

طريقة الروي الحرة هذه تجعل الراوي يعرض العلاقة بينه وبين عبدالسلام وكيف كانا زميلين حميمين في مدرسة رغم فارق العمر بينهما، وكذلك الأحلام التي تراودهما بالانتقال في سلم الوظيفة، ودخوله إلى بيت عبدالسلام وتعرفه على أبنته ورغبته في الزواج منها، إن هذا العرض الواقعي المعروض بطريقة الروي الحرة، سرعان ما ينتهي بمفاجأة انقلابية، فالراوي «يتذكر» بأن وزير التربية هو خاله، فيدعوه عبدالسلام إلى استغلال هذه العلاقة القرابية، وبالفعل يتم ذلك عبر الأم. إن التحول هنا يشبه تحولات القصة السحرية ولكن بجعل «الواسطة» تلعب دور الفانوس السحري بتسريع الأحداث وقلب العلاقات وتكوين الثروات، وهو عنصر ميلودرامي هنا، وبالفعل يتم القصد المسبق ويرتفع الراوي، في حين يستمر عبدالسلام في جهوده المضنية بتشكيل الأجيال، ويتوهج العرض عبر قدوم عبدالسلام إلى الراوي الذي «عطف» عليه ونقله إلى الوزارة، فيبدو كشبح متهدم. لكن موقف التضاد المستمر بين الشخصيتين يستمر بل يتفجر، حين يقرر الراوي وكيل الوزارة طرد صديقه عبدالسلام بسبب مشروع تقشف للوزارة.

ولكن المؤلف يحيل هذا التضاد الخصب بين الشخصيتين والاستثمار الفني الكبير الذي كان يمكن أن يتشكل من ذلك، إلى التركيز على الدلالة الاقتصادية المباشرة، عبر قوله «جريمة أن أطرده من فوق مكتبه لأنه يتقاضى كل شهر تسعين ديناراً من الدولة»‹8›. بدلاً من رؤية الأبعاد الروحية والاجتماعية لمثل هذا الموقف المتضاد والغني.

________________________

‹1›: كتاب تطور القصة القصيرة في البحرين والكويت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط  2، 2001.

‹2›: المصدر السابق، ص 232.

‹3›: المصدر السابق، ص 232، 233.

‹4›: المصدر السابق، ص 234.

5›: المصدر السابق، ص 292.

‹6: المصدر السابق، ص 312.

7›: مجموعة «السيد»، دار الغد ، ط 1، 1976، ص 27.

‹8›: المصدر السابق، ص 34.

كتاب: الراوي في عالم محمد عبدالملك القصصي

مسيرة نوال السعداوي

كان الأب مفتش التعليم والمثقف هو الذي وفر لها التميز، لكنها كانت تحس تجاهه بشكلٍ غريب؛ (كأنما أبي يكره قامتي المرفوعة أو البريق في عيني المتعجل الانطلاق خارج البيت)، (أوراقي ، حياتي، ج1، مكتبة مدبولي)، فهي تحس هنا بكون أبيها يمثل عائقاً أمام حريتها.

لكنه دعمها بالعلم ووقف معها، وهو كغيره جعله المجتمع الأبوي يفضل الذكور، ويريد أن يكون ابنه البكر هو البارز، لكن البنت (نوال) هي التي صعدت وبرزت، بل صارت مكان هذا الأب وتحملت مسئولية الأسرة.

نأوت الذكورية المتسيدة حتى الداعمين لها من بينها، وأحبت من عائلتها النساء الرافضات للخنوع، القريبات من الذكورة الطاغية.

جانبان من شخصيتها متضادان، جانب ديمقراطي تناضل فيه مع بقية الناس للتغيير، فيتحد الرجال والنساء في عمل مشترك، وجانب دكتاتوري في شخصيتها، تريد داخله أن تكون هي الذكر المسيطر.

جانب عقلاني فيه هدوء وتبصر ونضال صبور، وجانب غير عقلاني، عاطفي حاد، تقفز فيه على الظروف والأوضاع الموضوعية، وتريد هدم ما تكرس خلال الآلاف من السنين، حتى لو كان ما تكرس أدياناً ورموزاً وعلاقات متجذرة.

ما وصل إليه الذكور في الحركات السياسية من قيادة ونضال مسلح، تريد اختراقه والاتحاد به، فتتطوع في خلايا عسكرية وتقاتل بشجاعة ولكن بلا نجاح وبلا صعود إلى القيادة البارزة.

الأديان لديها كأنها تآمر ذكوري وليست نتاج عشرات الآلاف من السنين؛(الآلهة الذين حكموا مصر منذ نشؤ العبودية، لم يتنازلوا عن العرش حتى بعد الموت، اكتشفوا العالم الآخر لمجرد الاستمرار في الحكم)، (ج 2، ص 14).

لم تكن الأديان نتاج تآمر أو رغبة حكام، كانت تكوينات فكرية منذ فجر التاريخ، وفكرة اليوم الآخر ظهرت لدى الفقراء الذين حرموا من كل شيء وليست إختراعاً فرعونياً.

ومن هنا تصبح الأديان في وعي نوال السعداوي مؤامرات الرجال، وليست ثورات في زمنها سيطرت عليها قوى الإستغلال وكيفتها حسب مصالحها بعد ذلك.

ومن هنا كانت نوال ضحية الأنظمة الشمولية وهي تصادر سنوات من حياتها وترميها في السجن، وضحية التنظيمات الدينية المتشددة التي ترى كتاباتها الشاتمة لرموزها المقدسة.

مناضلة عنيدة طوال عقود من أجل تحرر النساء والشعوب، وكارهة لتراثها الذي هو في رأيها سجن لهؤلاء النساء وهذه الشعوب.

عاشت حياة التضاد بين الريف الفقير الذي ينتمي له أبوها وجدتها وجدها، الذين لهم جذور حبشية، وبين أمها التي تنتمي للفئة المتوسطة المدنية البيضاء ذات الجذور التركية.

تقول عن العامة (عيونهم مطرقة إلى الأرض، وجوههم شاحبة ممصوصة مثل أقاربي الفلاحين في كفر طحلة).

رغم حضور الأب المحول لحياتها، وهو الأمر الثقافي الذكوري الذي أسسها، تظل مع الأم، التي لم تكن لها مواقف أو تأثير إيجابي محول فيها، لأن الأم ذهبت ضحية الولادات المستمرة والأمراض، فظلت في أعماقها بأنها هي الأصل.

(يندثر اسم الأب في التاريخ مع زوال الدنيا الفانية والنفاق. مهما ارتفع الأب إلى مصاف الإله تظل الأبوة غير مؤكدة وهشة تذروها الريح)، ص 110، ج2.

وتقول أيضاً؛ (إلا أن المنيسي مثل الشهداء لا يموت، يعيش هناك في الدار الآخرة مع الأنبياء)، والمنيسي أحد المقاتلين على جبهة القناة.

هنا في هذه التعبيرات تتحول إلى درويشة وتلغي ما تقوله عن المادية والعقلانية.

تنتمي للثقافة التي صنعها الذكور وتكرهها وتكرههم.

تتذبذب بين موقف نسائي ديمقرطي وموقف نسوي شمولي رافض للذكورة الإيجابية.

تعالج رموز الأديان بعقلانية لحظة ثم تقذفها في أسفل سافلين بعد فقرة أخرى.

تعتبر كل ما يكتبه الأدباء الرجال ضد النساء غير مميزةٍ بين روائي رومانسي وروائي واقعي، روائي يطمس عذابات النساء وآخر يجسدها بعمق وحرارة.

لا شك إن الأوضاع الريفية الرهيبة التي عاشتها، من الفقر وختان النساء وتزويجهن بالقوة واستخدام الضرب العنيف ضدهن،  كلها شكلت لها هذه الخلفية:

(في إحدى عمليات الختان لطفل عمره ثمانية أيام بتر حلاق الصحة رأس القضيب، نزف الطفل، كاد أن يموت لولا أن نقلناه بسرعة إلى الوحدة، تم إيقاف النزيف)، ص 116، ج2.

عاشت مناضلة وطبيبة وسط الريف وكعادتها توحدت بنماذجها المحطمة كمسعودة التي كانت تعيش كابوساً أسرياً بسبب سيطرة زوجها وممارساته الجنسية المرضية، فتحول لها كل ذلك إلى تصور ممسوس تظن فيه أن الشيطان يلاحقها.

لكن نوال اتهمت الشرع بشكل عام بأنه وراء الدفاع عن هؤلاء الأزواج المجرمين، بدلاً من أن تدرس الحالة وتحيلها إلى قضية شرعية ضد الزوج.

وهذا يجعل الكاتبة تتحول إلى موقف عنيف:

(تحصنت بالطب لأبقي مسعودة بعيداً عن زوجها. القانون أقوى من الطب، يستند إلى شرع الله، اصبحتُ كمن تصارع الله والشرع)، ص 145، ج2.

كان من الممكن هنا أن تفضح ممارسات الزوج وتدينه، فموقفه ضد الشرع. لكن المؤلفة في لحظة الحرقة تنتقل من حدث صغير إلى حكم عام هائل، سلبي، يدفعها إلى ذلك الموقف الحاد المتسرع الكامن في ذاتها مع نقيضه العقلاني، وهذا ينتقل في حالات أخرى إلى سب الرموز، والتراث، فتشكل عداوات أخرى وتفتح معارك جديدة بلا قيمة.

لقد أعطت نوال السعداوي الكثير من الكتابات والأبحاث الهامة وناضلت بقوة من أجل تحرير النساء والمجتمعات من غياب المساواة.

عبادةُ الشخوص، وعبادةُ النصوص

فرضت الثقافةُ العربيةُ الدينية التقليدية نفسَها على واقع الشعوب والأمم الإسلامية في العصر الحديث. ولم تستطعْ أن تقيمَ ثقافةً ديمقراطية عقلانية إنسانية بسببِ هيمنةِ الشمولية والذاتية المتطرفة فيها.

القيمُ النضاليةُ للجماعةِ المتساوية الحقوق، المُعليةُ للموضوعية أُزيحت جانباً، وتصاعدَ التكريسُ للأفراد الخارقين المرتفعين فوق الجماعة.

وإذا بدا إن ثمة تقديساً للكائنات النجومية ولرموزِ الحجر والقوى المفارقة اللاطبيعية واللاإنسانية فهو وعي شمولي، يلغي الذاتَ الجماعيةَ الديمقراطية الحرة لزمنِ التأسيس في مقابلِ الخضوعِ للكياناتِ السياسية الاستغلالية البيروقراطية المتحكمة في مصائر الناس.

الذاتيةُ المتطرفةُ وليست الذاتية العقلانية المنتجة المبدعة في ظل العلاقة الديمقراطية بالجماعةِ هي التي فرضتْ نفسَها، ولهذا هي تقزمُ الذواتَ الأخرى، وإذا تمردوا سحقتهم، وإذا أبدعوا قصتْ أجنحةَ الإبداعِ عن الطيران الخلاق وجعلتْ الكائنَ السامي يزحفُ على الأرض من أجل الدراهم.

 تقود هذه الذاتية للاعقلانية، إلى عدم سيرِ السياسة بشكلٍ حكيم، يراعي التطور، ويقرأ المشكلات، وإلى إستنزافِ المواردِ حيث تحيطُ الخزانةُ بشخصِ الآمرِ المسيطر على الموارد، بهذه الذاتِ التي تجعل الوجودَ خاضعاً لها، وليس أن تكون هي خاضعةٌ للقانون وعقلانية توزيع الفوائض، ولهذا فإن النصوصَ الحكيمة تتلاشى فعلياً من التداول العقلي، وتسود النصوصُ التي تقضي على العقلانية، ومن هنا تظهرُ عبادةُ النجوم، حيث تُلحقُ مصائرُ البشرِ بكائناتٍ طبيعيةٍ لا علاقة لها بالمصير البشري، أو لسيادةِ القبور والأشباح والأرواح.

أو بنصوصٍ تفقدُ القدرةَ على النطقِ المباشر، وتُؤدلجُ وتنتشرُ مجلداتٌ لفحصِ جزئياتٍ هامشيةٍ فيها ويُترك الجوهرُ وهو العلاقاتُ الموضوعيةُ الحرة التي شكلها الناسُ المكافحون في الزمن الديمقراطي السابق.

تضخمُ الذات المهيمنة في الواقع العربي المسيطرة على الموارد يقود إلى (تشبيح) المواطنين العرب على مر التاريخ. وإلى إنتشارِ الثقافة الانتهازية، ثقافة النظرة الجزئية المقطوعة السياق عن الكل، حيث يغدو الجزءُ منفصلاً عن كل القضية والمشكلة وتصوير الشخصية، وتقطع السيرورة التاريخية الاجتماعية للقضية والمشاهد والشخوص عن جذورِها ونتائجها، فتتضاءل الذواتُ الحقيقية، أي البشر العاديين المنتجين لتظهر الشخوصُ اللامنتجة سائدةً، ولتنتشر ثقافة القطع والقطيع والتعليق في الفضاء الخارجي حيث تُربط هذه الشخوص الفارغة بالنجوم والكواكب والأرواح الخالدة.

وجاء العربُ في العصر الحديث بنفس سمات الماضي، وخلال قرن كامل كانت الثوراتُ من أجل أفراد كبار يتحولون إلى نجوم أخرى معلقة في الترميز المقدس، ويقومون بعرقلة التجديد الذي أدعوا قيادته، ولم يرفعوا الذل عن أعناق الجماهير، بل تركوهم يتسولون ويعيشون بلا ثقافة إنسانية، معلية للذوات، فجاء العسكر والشموليات تتويجاً للنجوم وصارت على الأكتاف وتثقب العقول، وبهذه الثقافة الساحقة للتميز المعلية للذوات الكبرى خاضوا الثورات، فظهرت أعماق الجماهير خالية من الذوات القيادية المبدعة، وإنكشف تاريخ من الانسحاق وحاول الفيضان الجماهيري الذائب الملامح المعدوم البصيرة العقلانية الحديثة أن يتلمس طريقه في الظلام ويصعد أقرب الجلادين إلى أجساده، وينتخب أكثر الحرامية دهاءً، فانتقل من عبادة الشخوص إلى عبادة النصوص، وما زال يتخبط، وهو يحتاج لعقود طويلة لكي يرى والخارج من الكهوف يحتاج إلى تبصر الكهوف التي خرج منها ودخل إليها.

كارل ماركس ــ الكلمة من أجل الإنسان

❞ ماركس؛ كارل‏ ❝ ‏اقرأ الكتاب على @abjjad عبر الرابط:‏https://www.abjjad.com/book/2736324609?utm_source=native_other&utm_medium=social_android&utm_campaign=share #أبجد #الكلمة_من_أجل_الإنسان

لولا تخاذل الحداثيين ما جاء الطائفيون

الآن يظهرُ لنا (الأبطال) يعلموننا الوطنيةَ والكفاحَ وكيف يجب أن نرصَ الصفوف ونمتشق أسلحة النضال!

العدو سهل هو الطائفيون المهزومون، إذن طاح الجمل، وكثرت السكاكين!

وكلها كلمات عامة مطاطة لا تجسم عدواً، ولا تشخصُ مرضاً، ولا تحددُ علاقات إجتماعيةً وسياسيةً سلبيةً يجب تجاوزها.

وربما صارتْ تمثيليات هزلية، ونحن نحب أن نضحك ونهزأ لا أن نُعالجَ ونرصد المستقبل الخطر.

كلها ضربٌ في الميت.

وهو ــ أي الميت ــ بفضل هذه اللكمات الموجهة في الهواء سينهضُ من قبرهِ ثانيةً ويقوم بمغامرات جديدة.

لكن أين كان هؤلاء الأبطال عندما كان الطائفيون يشكلون ثقافتهم ويتغلغلون في الأحياء، ويسممون الثقافة، ويجرثمون التنظيمات السياسية التي بذلنا أعمارنا على تصعيدها من خلايا صغيرة في الأزقة حتى صارتْ وَرقاً متخاذلاً في عواصم المنافي؟

كان الجدلُ الأولُ في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، – وما أبعد المسافة الزمنية عن ذلك الآن!- يدور في مسألة الطائفية، وكان المنشورُ(الثوري) يقولُ أن الطائفيةَ حُسمتْ وإنتهت من البحرين، فلنلتفت إلى قضايا أخرى.

ولكننا لم نوقف النقاش، كان الوعي الساذجُ السائد يسطحُ الكثير من الأشياء، فالاستعانةُ بالموادِ الدينية الطافحة على جسم الحياة تجري بسهولة، وليس ثمة نقد للوزارات التي راحت توظف جزءً من طائفة ووزارة أخرى توظف جزءً من طائفة أخرى، بشكل غريب.

والمعاملات والمشروعات مختلفة بين بلدة وبلدة وبين قرية وقرية.

كانت الاختلافات والتوازنات والتداخلات بين أشكال الوعي الطائفي كلها تدفع بإتجاه ثنائية الطائفتين وإبراز الوعي السياسي المذهبي لهما.

كان الوعي الوطني يُهمش، لكن كان لا بد من النضال في سبيل ذلك، وجعل مختلف أشكال الوعي من مسرح وتشكيل ومقالة وكتابة فكرية تساهم في تحليل الطائفية ونقدها مثل كافة المشكلات.

الصحافة تناقش بتحقيقاتها على الأغلب مشكلات الأحياء وقضايا التعليم والإسكان والعمل وغيرها، وليس قضايا البنية العميقة، وحتى هذه القضايا لا تُربط بقضايا البنية الاجتماعية، والمسرح غارق في التجريبية، والأمكنة الغرائبية والأبطال الغامضون المهشمون المهَّمشون ولا تحليل للقضايا أو عرض مشكلات الناس بوضوح وبمتعة تبين للمشاهدين جذورَ مشكلاتهم. ومسلسلات التلفزيون غريبة وتُقطع إذا حاولت أن تناقش الأعماق.

الأدب يمضي نحو عوالمه الغامضة الخاصة. الفكر مهتم بقضايا الأمة العربية والخصام بين العروبة والإسلام وما إلى ذلك من قضايا عامة خارجية.

وتم إختراق التنظيمات السياسية وجرت التحالفات مع القوى الدينية المحافظة، وهي تنمو تحت مظلة أجنبية خطرة ذات مشروعات مغامرة كذلك.

إتسعتْ الغربةُ وصار البناءُ الاجتماعي الاقتصادي تسيره قوانين الربح، والمؤثرون في الريف يتركون الأحوالَ الاجتماعية على بركات القدر والصناديق المسيسة والمشروع الديني المغاير، والمؤثرون في المدينة يفضلون الأيدي العاملة الرخيصة.

وتحدث إختلالاتٌ عميقةٌ في البنية الاجتماعية، وأجيال جديدة عديدة تظهر تحاول أن تدخل في السوق الذي لم يعد وطنياً فقط بل خليجياً عولمياً كذلك، تتحكم فيه أسعار العالم.

وصارت الأجيال الجديدةُ تحت هيمنة الشعارات الطائفية، المنتجة في الخارج لعقود، وبالتالي صار الصراع مناطقياً، وحل المشكلات يحتاج إلى سنوات طويلة في ظل تسييس وطني ديمقراطي، لكن التسييس السائد غير ذلك.

أجيال الشباب في الريف هي الأكثر معاناة وغربة لكنها لم تجد الأصوات الحداثية والوطنية التي تثقفها وتنقلها من خطاب طائفي إلى خطاب وطني، وهي تعيش حياة مليئة بالتناقضات، وتتصور الحداثة والتحولات الاقتصادية مؤامرة عليها، وفعل غربي ومحلي شرير!

و(التثقيف) عندما يجري في الريف عبر حشود، لا يكون فيه تأصيل عميق أو فكر ذو قيمة، وإصطياد المجموعات بهذه الطريقة وشحنها أمر ميسور، مع إستخدام المقدس.

إن تتبع قضايا الشباب ومشكلاتهم، وحلها، ومقاربتهم للأفكار الجديدة في العالم، لم تمت بل هي متجددة، ولكن المشكلة هي الصراع الحاد معهم، بدلاً من فهمهم وجذبهم.

كما أن قضايا التطور الاجتماعي ومشكلاته مترابطة وطنياً، وحلها عبر حل مشكلات الشعب ككل، وليس حل مشكلات منطقة أو طائفة مفصولة.

أفـــــق ـ مقالات ـ فهرس العناوين ـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة على الحوار المتمدن

عبدالله خليفة :  أفق  ـ  فهرس العناوين  2014

عبـــــــدالله خلـــــــيفة   :أفـــــــــــق  ــــــ فهرس العناوين 2013

الإخوان السوريون والاحتيالُ باسمِ الإسلام

عبـــــــدالله خلـــــــيفة   : أفـــــــــــق  ــــــ  فهرس العناوين 2012

تآكل التحديثيين ونتائجه

عبـــــــدالله خلـــــــيفة   : أفـــــــــــق  ــــــ  فهرس العناوين 2011

     الحراك الاجتماعي في البحرين وعموم الخليج العربي، دور وموقف القوى التقدمية

حيرة عمالية

عبـــــــدالله خلـــــــيفة   : أفـــــــــــق  ــــــ  فهرس العناوين 2010

بين الحسين ويزيد 

عبـــــــدالله خلـــــــيفة   : أفـــــــــــق  ــــــ  فهرس العناوين 2009

 صحـوة أم غفلـة؟

عبـــــــدالله خلـــــــيفة   : أفـــــــــــق  ــــــ  فهرس العناوين 2008

البريد مجمع وزارات

عبـــــــدالله خلـــــــيفة : أفـــــق  ــــــ فهرس العناوين ــــــ مقالات 2007

  • صراع القطاعين العام والخاص
    • أزمة تغيير
    • رأسمالية الشرق الخاصة
    • التوحد الإسلامي الديمقراطي
    • المنفلوطي والثورة
    • المدافع المجهول عن الحرية
    • حزبان في نهاية المطاف
    • تنوير تقي البحارنة
    • تنوير حسن الجشي
    • انهيار المركزية
    • الإقطاع والتجارة
    • قوانين الإنتاج الثقافي
    • ثلاثة برامج
    • التعاون الاستراتيجي مع الغرب الديمقراطي
    • صراع وتقارب الفئات الوسطى
    • فولتير لا جوبلز
    • عملية سياسية صعبة
    • ترابط وطني
    • مراحل تفكك الدولة الشمولية
    • إصلاح القطاع الخاص
    • أزمة باكستان
    • أعشى السياسة
    • تخريفٌ شرقي
    • فئات تحديثية تابعة للتقليد
    • التحولات ونصيب العمال
    • سيناريو لحربٍ مكروهة
    • (كيف الحال؟) وسحر البساطة
    • وحدة ضعيفة
    • (الدالي) أو الرأسمالي الشريف
    • الثورة والكهنوت
    • الخليج والانتقال للرأسمالية الحديثة
    • فاروق والنحاس
    • التراكم السياسي والتراكم الاقتصادي
    • القانون الأساسي للعمل السياسي
    • رأسمالية الدولة الخليجية
    • أيوب الإنسان
    • الصراع مع الإقطاعين معاً
    • الرأسمال الديني
    • تطورات الصراع المستقبلية
    • الإصلاح في رأسمالية الدولة
    • لينين لم يكن اشتراكياً
    • البطل الشعبي بين الماضي والحاضر
    • في الصراع الإيراني – الأمريكي
    • قصة النبي يوسف
    • حكمٌ دستوري وإلهٌ عادلٌ
    • الأساس السياسي للتلوينات الطائفية
    • الإصلاح الحزبي
    • جزيرة العرب بلا عرب
    • عمال القطاع الخاص المحرومون
    • التمهيد للرأسمالية الحرة
    • الثقافة والفساد
    • القاعدة هي الإستثناء
    • مهنة البحث عن المكاسب!
    • خلل اجتماعي
    • أهل الأبراج المخترقون
    • وحدة الماضي والمستقبل
    • يحملون الأسفار على ظهورهم
    • نفعية في الكتابة
    • في ذاته كان التحالف العظيم
    • تنظيمات السلق والتسلق
    • تحضير ثقافي للسياسة
    • الناس تبحث عن مكاسب معيشية
    • معجزته في ثورته
    • وجهاؤنا ووجهاؤهم
    • هل الجمهور لا يحب ثقافته الوطنية؟
    • التطور الديمقراطي المتوازي للمذاهب
    • ديكور سياسي
    • علمانية تستند على الجذور
    • القاهرة العاصمة القومية
    • التشكيلة والنظام
    • حماة الديارِ عليهم ظلام!
    • لبنان أولاً
    • الهيئات العلمية المزعومة
    • الفوضوية ليست نضالاً
    • تفكك السيطرة الأمريكية على العالم
    • التصيد في الماء العكر
    • مسئولية المثقف
    • رأسماليات التعايش المتصارعة
    • المذهبيون الإسلاميون والعروبة
    • المركب لغائب طعمة فرمان
    • الغزو الأجنبي لعاصمة العرب
    • النقد وتبعيته المزودجة
    • التقدميون ومهمات إسلامية كبيرة
    • آداب وعلوم الرسائل السياسية
    • قاربٌ صغيرٌ في بحر هائج
    • الخطر الأكبر
    • المشترك بين التقدميين والدينيين
    • الديمقراطيون ينتمون للإسلام السياسي
    • العيب ليس في البعث
    • بين دكتاتوريتين
    • التصحر الثقافي
    • الانتهازية وغياب الإنتاج
    • رواية عمارة يعقوبيان
    • دعم الأغلبية البرلمانية «الوطنية»
    • تداخل التقليدي السياسي والتقليدي الإعلامي
    • جهاز كشف الكذب
    • مانديلا . . الصمود
    • استباحة العراق والحداثة
    • بحريات أميمة الخميس
    • مهمتا التقدميين المتناقضتان
    • تجاذبات مرحلة الانتقال العربية
    • العلمانية نظام سياسي وتحالف فكري
    • العلمانية الإسلامية التركية
    • الإرهاب بدءً من  بن جرموز
    • وضع اجتماعي مركب
    • أنواع الاستيراديين
    • دولة (الحشاشين)
    • إلى أين يذهب بنا المذهبيون السياسيون؟
    • ليست رواية فضائح
    • السمات العامة للانتقال الحديث
    • مشكلات إيران السياسية
    • مراحل انهيار العلمانية المستوردة
    • سويس إيرانية
    • من الخلايا إلى الرزايا!
    • العلمانية المستوردة والعلمانية الإسلامية
    • ثمود وطغواها
    • مدحهُ ولا تأخذ عباءته!
    • حبل الله
    • إصلاح زراعي . . (خفيف)!
    • الفقه والكسروية
    • تاريخ لليبرالية العربية
    • أموال البخيل يأكلها العيارون
    • الندب السياسي
    • الأسرة بين الفقه والسياسة
    • الإصلاحيون الموجهون
    • الاعتدال ينمو شعبياً
    • التغيير في حدود الخطوط الحمراء
    • التسجيل المغلوط
    • العمال والرأسمالية
    • تسمين البرجوازية الصغيرة
    • بين معسكرين متطرفين
    • المواطنُ لا يُذل
    • المتحجرات السياسية والعقلانية
    • نيتشه . . والعدمية
    • قضايا الرواية التاريخية
    • أعرفْ الحق تعرفُ أهله
    • التمهيد للديمقراطية
    • الإعلامي النموذجي في (ديسكفري)
    • مؤسسات الاعتدال القوية
    • إشكالية (الديمقراطية) المُصَّدرة
    • ثقافة الارتزاق
    • تضاد الاقتصاد والمرافق
    • العمل السياسي الخير
    • الحرية والتبعية
    • الوعي المغامر والوعي العاقل
    • تبدل أسلوب الإنتاج واضطراب الوعي
    • خولة مطر في حرب لبنان
    • آفاق التحديث الجزيري
    • شاوسيسكو معهم ثم مقتولاً على أيديهم
    • الرقابة محاصرة!
    • الصراع المتجوهر
    • الرحلة والنهضة
    • محاصصة أم ديمقراطية؟
    • أنا والغريب على ابن عمي
    • ما يسمى بالمشروع الغربي الديمقراطي الراهن
    • كتابة بلا روح
    • بلد تفقدُ موادَها الأولية
    • تسارع تفكك بعض الدول العربية
    • كيفية تحول الإقطاعيين إلى رأسماليين
    • العمال بين اتجاهات حادة متضاربة
    • تغييرات اقتصادية هيكلية
    • مي مالها وما عليها!
    • الوفاق مسئولية برلمانية في بدايتها
    • مخاطر في شرق الجزيرة العربية
    • كتبُ شتم الإسلام
    • السيادة السنية السياسية والديمقراطية
    • الجماعات المذهبية وغياب الأمانة
    • تطويرٌ ومقاومة للرأسمالية
    • المياه الحلوة والأرض النقية
    • الصناعتان والديمقراطية
    • القومية بلا قوم
    • لغة التسطيح السياسي
    • مكة في المتوسط
    • الشمولي المحرقي
    • صمامات أمان لتطور الجزيرة العربية
    • ابوجعفر ثانية
    • ازدواجية المعايير
    • تاريخية الطبقة الوسطى
    • ثاروا ثم تسلقوا
    • استراتيجية هجومية ضد الفقر
    • أغنياء في مراحل مختلفة
    • صراعات الجمهوريين والديمقراطيين في منطقتنا
    • يا عمال العالم.. تعاونوا!
    • تمسك بالنور ودع عنك المزابل
    • القاعدة تهزم بوش
    • الوحدة الوطنية.. كلام !
    • فرنسا ذروة التطور السياسي
    • انهيار في الكهولة
    • مزايدات على الآخرين
    • الفساد الثقافي الإقليمي
    • الثقافة والصراع السياسي
    • الوحدة الوطنية وجذورها الإسلامية
    • معدلات الفقر
    • التطور المتدرج أم القفزات ؟
    • تقوية الاعتدال الديني
    • تقريب المذاهب والصراع الاجتماعي
    • بعض الليبراليين
    • أبو جعفر المنصور والفساد
    • مركزة السلطة والتطور
    • نظام الفضيلة الغائب
    • ديمقراطية القرار الثقافي
    • ما بين الدين والفنون من اتصال
    • دربان من التفكير متوازيان !
    • خفوتُ الملاحم
    • حول كلمة د. إبراهيم غلوم
    • تياران مصدمان بالضرورة
    • البرجوازية المنفلتة والشموليون
    • الشكلانية الدينية.. أنانية
    • شمولية أم ديمقراطية ؟
    • البرلمان عملية تاريخية
    • تفكك الثقافة الفاعلة
    • تعميمات حول نجيب محفوظ
    • قريش والقروش
    • إذا أردت أن تكون كبيراً
    • الرعب من الحب
    • دلالات الرشوة
    • تطور الحضارة
    • تفكيك الرؤية لدى نجيب محفوظ
    • التضحية والتطور الاجتماعي
    • نموذج لوحدة المسلمين
    • تفتت السلطة المركزية التقليدية
    • تعاون أم مواجهة
    • المذهبية السياسية بين مصر وإيران
    • اليسار العربي والإخوان المسلمون
    • الولاء الوطني والولاء المذهبي
    • النضالُ البرلماني توحيدٌ اجتماعي
    • شيزوفرينيا سياسية
    • الخطة الاجتماعية قبل الأمنية
    • آفاق التحديث الجزيري
    • عــُد إلى عصافيرك يا ولدي!
    • رواية «العائش في الحقيقة» وعودة محفوظ للتاريخ
    • الأغلبية عمالية
    • منع الزرائب (البشرية)!
    • الصباحُ يشرقُ من المحرق!
    • تجربة التحرير في ندوة
    • سياسة المحاور لماذا؟
    • صراع الإقطاعين
    • سقوط الهياكل العامة
    • الغنم غير مسئول
    • قوة الثقافة وقوة المال
    • الوحدة الضائعة
    • النقد السياسي في «ميرامار» لنجيب محفوظ
    • الحج والتلوث
    • روسيا والتحولات العالمية
    • إستغلال أصحاب العمارات
    • بين أبي ذر وابن سبأ
    • الانشقاق بين الذاتي والموضوعي
    • الغوغاء طائفتان
    • عودة السحر
    • توصيف دقيق للفتنة
    • «حضرة المحترم» رواية شخصية بيروقراطية
    • الجهلُ يقوي الفساد
    • تجاوز المرحلة التقليدية
    • الأرز والاستعمار
    • البرلمان بداية الوحدة الوطنية
    • السياحة المتدنية والرفيعة
    • ملفات الشجر والحجر
    • قيادة الفئات الوسطى لليسار
    • المتقدمون وغزو الفضاء
    • قطعٌ ومنعٌ
    • الديمقراطية عند عبدالكريم سروش
    • أحزاب بريطانيا كنماذج
    • الاستعمار ورفض العلمانية
    • البذخ الاستهلاكي وجذوره
    • الحرب الباردة والعمال
    • البناء الفلسفي في (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ
    • المذهبيون السياسيون كمحافظين
    • الإسلام ليس نسخة من المسيحية
    • لم يكونوا مجتمعين فصاروا
    • أتنويرٌ أم تصنيعٌ ثقيل؟
    • رأس المال الصناعي بين تاريخين
    • المحوران والعالم
    • صراع الجزائر في رواية
    • البناء الفلسفي في رواية (الشحاذ)
    • البرلمان هل يستطيع التغيير ؟
    • مشروع تاريخي !
    • عبدالله مطيويع وتأريخ الحركة النقابية
    • المحامون صوت الحرية
    • مرحلة فوضى اقتصادية أم بناء؟

عبـــــــدالله خلـــــــيفة : أفـــــق  ــــــ فهرس العناوين ــــــ مقالات 2006

  • مراحل تطور (البرجوازيات) العربية
    • البناء الفلسفي في رواية (الطريق)
    • قوانين الحداثة
    • مركبات بحجم قارة
    • صراع على اللحم
    • المستقبل للجمعيات الوطنية
    • غموض ذو طبيعة اجتماعية
    • المذهبية اللبنانية والديمقراطية
    • جذور المحورين المتصارعين
    • الهياكل والوعي
    • لا طبقة وسطى بدون عمال فاعلين
    • معركة كسر عظم
    • مشكلات عمال البحر
    • شافيزيون بدون ديمقراطية
    • تطوير المذاهب أو هدمها
    • التطور له قوانين موضوعية
    • نجمة على الأرض
    • المنتمي المأزوم في (السمان والخريف)
    • عثمان بن عفان والوعي الطفولي
    • القرى تفرضُ مقاييسها
    • السنة أغلبية المسلمين
    • المذهبان في البرلمان
    • البرلمان بين الموالاة والمعارضة
    • الحداثة بين شاهدين
    • توحيديون
    • عملية مركبة من الهدم والبناء
    • مرحلة تطور بالغة الحساسية
    • المستقلون هل يتحولون إلى قوة وطنية؟
    • منوعات انتخابية
    • شكلانية الفقه والتحديث
    • عبدالنبي سلمان اختزل المرحلة
    • لماذا لا يتحد المذهبيون السياسيون؟
    • وطني ومشكوك في التزامه بالوطنية!
    • مشتركات الشموليين المحليين
    • الديمقراطية ليست تفجيراً للوطن!
    • رياح المذهبية وطنٌ ممزقٌ
    • توريط بلدنا في الصراع الإقليمي
    • الوطنيون أقدر على خدمة الشعب
    • حداثيون في خدمة الكهنوت
    • مشكلات العلمانية العسكرية
    • سياسة الوفاق الانتخابية
    • خالدٌ في زعامته
    • البرجوازية التجارية في النضال
    • الديمقراطيون الوطنيون والبرامج
    • العمال والانتخابات
    • عدم التطور الفكري وأسبابه
    • المواجهة بين الصالونات والشبكات
    • هل يوجد إسلامٌ غير سياسي ؟
    • وطنٌ مزقوه فتوحد !
    • التحالف الرباعي: وراثة الأمراض
    • تفكيك البلد
    • برنامج العلمانية الشعبية الإسلامية
    • انهيار العائلة في بداية ونهاية
    • التفكيك ومهمات التوحيد
    • العلمانية الانتهازية
    • ثقافة التحالف الرباعي
    • لا نريد حزباً شيوعياً !
    • التفكيك السياسي للص والكلاب
    • الصعود اليميني الديني
    • هزيمة الطائفيين على مراحل
    • الدمج القسري في الجزيرة العربية
    • اهزموا الطائفيين ووحدوا الشعب!
    • التيار الوطني في بدايته
    • إمام الحرافيش والرواة
    • تعدد مستويات المعارضة لأمريكا
    • خطوة في الاتجاه الصحيح
    • غموض المذهبيين ووضوح الوطنيين
    • المتضررون من الديمقراطية يلتقون
    • مخاطر السياسة الإيرانية على بلدنا
    • الزعيم (حبة جح) !
    • أنتصر لأنه دافع عن الفقــراء
    • الخوارج في خدمة الاستبداد
    • الوطنيون الديمقراطيون: جردة حساب
    • مظاهر لأزمة واحدة
    • المحور الإيراني – السوري يتوسع
    • الإمام علي والسياسة
    • الثقافة والديمقراطية
    • اهزموا الجمعيات الطائفية !
    • الفئات الوسطى الحاكمة المتصارعة
    • سياسة صواريخ !
    • عبقريات العقاد الإسلامية
    • تناقض السياسة الخارجية والداخلية
    • من التأزيم إلى التعاون
    • انهيار وعي
    • الصياد والتجربة اليابانية
    • مشتركات الديمقراطيين والإسلاميين
    • الديمقراطية تحولٌ تاريخي
    • مسائل السلام أهم
    • شروط التحول السياسي
    • حزب الله في لبنان
    • البعد عن الاستقطابات
    • الانتخابات: مسحٌ عامٌ
    • وحدة المنبر .. وحدة المعارضة
    • الجذور الاجتماعية والفكرية لحزب الله
    • الرأسمالية الصحراوية
    • محفوظ؛ هرم الأدب المضيء
    • صراع الاخوة والاخوات الاعداء
    • ستالين عربياً
    • المذهبيون والتكفيريون
    • سيطرة المحافظين في الوفاق
    • نجيب محفوظ محللاً للتاريخ
    • العواصم الإيرانية والخليج
    • الكل مهزوم
    • ضعف اليسار وانتشار الانتهازية
    • رجال المقاومة عمالٌ عسكريون
    • الأدب الطائفي
    • متاع الغرور
    • الباقي والزائل في الطوائف
    • همنجواي والرواية التسجيلية
    • المغامرات السياسية وأخطارها
    • هتلر يحكم إسرائيل
    • المؤمنون واللا مؤمنون
    • المسرح التافه والمذهبية
    • لا موقف وسط هنا !
    • الشرق الأوسط القديم
    • الايديولوجيات الخارجية المموهة
    • مسائل السلام أهم
    • المذهبية السياسية والمذهبية الاجتماعية
    • أول صوفي تحديثي
    • جيشان في دولة واحدة
    • تداخل الصراع الاجتماعي
    • تثمين لموقف الحزب الشيوعي اللبناني
    • الوحدة القسرية للمسلمين
    • التطور المعقد للتاريخ
    • المذلون المهانون !
    • موتى يعرقلون الحياة
    • يمشي الخرابُ معهم
    • دعم لبنان
    • الفردية والفردانية
    • السلام واعتقال الوحش
    • تباينات العمالة
    • يمضون للموت حمقى
    • السياسة والقوانين الموضوعية السياسة ليست فعلاً خارقاً!
    • طبقة طليعية للحداثة
    • غربــــــــــــــة
    • وحدة اللبنانيين
    • بالونات سياسية
    • قياديو العمال اليدويين
    • الأديان والماركسية
    • النائب طبيبٌ والطبيب مريض
    • هل يمكن ظهور تحولات طائفية؟
    • مواد ناقصة في قانون العقوبات
    • عامل الخمسينيات قائداً
    • الكتل والميزانية
    • الطائفية بناءٌ اجتماعي
    • العقل الديني والديمقراطية
    • العلمانية والدين
    • الهيكلة والوعي الطائفي
    • تطرفٌ من جانبين
    • ارتفاع الأسعار والهيكلة
    • عمر بن الخطاب والغرور
    • الشعبُ يُجدد
    • إعادة هيكلة الاقتصاد
    • الإقطاع على مستوى عالمي
    • العلمانية وعامةُ المسلمين
    • جاء يكحلها فعماها
    • المستقلون. . الحزبيون السابقون
    • استثمار البرلمان
    • أثوار أم حرامية؟
    • الارهاب والاقتصاد
    • المذهبية السياسية تفكيك للبلد
    • انتفاضة صغيرة في جمعية
    • في الأزمة الفكرية التقدمية
    • مهمات التوحيديين الأولية
    • النساء والانتخابات
    • أعيدوا له مراعية
    • كتلٌ من الحقول الشمولية
    • تحالف التجار والعمال والنساء
    • مزيداً من التفتيت الطائفي
    • الجمهور يحرك التاريخ
    • مشروع جمعية التجديد
    • التقدميون والكتل المذهبية
    • تفكك و تركيب
    • الفريقان عاجزان
    • الإخوان في عالم متغير
    • أرباح هائلة واستدانة
    • روسيا والديمقراطية الحكومية
    • إصلاح أم ضياع
    • فائض القيمة والاقتصاد السبعيني
    • بين عمر وخالد
    • الديمقراطية نفيٌ لشموليتين
    • القحط في زمن النفط
    • غياب المدافعين عن البيئة
    • الفقه بين التغيير والتبرير
    • فائض القيمة البحريني
    • رؤية أحادية
    • تفاقم التبعية
    • قصة أول مايو
    • بين الذهبيين والليبراليين
    • السياسية الخارجية
    • صحافة متخلفة
    • موقف الذات المتضخمة
    • رواية المنعطف العلماني المصري
    • وقائع متناثرة
    • صراع مجاني
    • الثورة الصناعية العربية
    • بين التشكيلة و الهيكلين الاقتصاديين
    • التفسخ والتطور
    • تجاوز الشللية والقرابية
    • قضايا حقبتنا
    • القرآن والدولة الشعبية
    • بين أبي بكر وعمر
    • سقوط وقيام الجمهورية الإسلامية
    • حسابات رأسمالية الدولة الشمولية
    • سقوط المركز والإبداع السياسي
    • عجز المثقفين الديمقراطي
    • أهمية النواب الحزبيين
    • الإقطاع على مستوى إقليمي
    • الخريطة الجغرافية والخويطة الاجتماعية
    • برنامجان  اقتصاديان
    • ضرباتٌ شديدة للسياحة
    • اليسار العربي والغرب المحافظ
    • الأحلام الكبيرة
    • أهمية تجربة حزب العمال البريطاني
    • اليوم أقصى اليمين غداً الوسط
    • شهادة من جمال عبدالناصر
    • حضورٌ سياسي للعمال
    • المواجهة بين التقليديين والغرب
    • الخريطة الجغرافية والخريطة الاجتماعية
    • وطنية ديمقراطية
    • مثقفون من دون عمال
    • ثقافة الحقل
    • الإسلام بين قراءتين
    • السلطة والفوضى
    • تفكيك منظمة التحرير الفلسطينية
    • الفوضويون والديمقراطية
    • فقه التقدم
    • رأس المال والعمالة الوطنية
    • قطاع عام فاسد وديمقراطية
    • تحالفات الفئات الوسطى والعاملين
    • حرقة من الوعي الوطني
    • تعميم العام
    • الشباب وقيادة العمل السياسي 
    • ✑ سلطة الكراهية 
    • البعد الاجتماعي لمارس 65
    • ملامح البرلمان القادم 
    • طه حسين والتاريخ الإسلامي 
    • التثمين والاستقرار الاجتماعي 
    • الأنا والتحلل من المواقف 
    • روسيا ودعم الدكتاتوريات 
    • تفاقم صراع الإقطاع الفلسطيني 
    • الأسرة الأوروبية في زمن النهضة 
    • التقدم في زمن مختلف
    • العائلة والديمقراطية 
    • المذهبيون السياسيون والتصنيع الاستعماري
    • استغلال سياسي حاد للدين 
    • مؤسسُ ديانةٍ، وقائدُ ثورة 
    • صفعاتٌ للبرلمانات أيضاً!
    • ثقافة دينية متبادلة  
    • حوار الحضارات، بأي معنى ؟ 
    • إنسانية رفيقة بالأديان  
    • العمال والحراك السياسي 
    • تناقضات العمالة الأجنبية ورأس المال 
    • صفعاتٌ للحكومات 
    • ضد الغرب العنصري فقط 
    • خطان في المنطقة 
    • عملية تاريخية موكبة 
    • محوران لبنانيان 
    • التقدميون يتغيرون   
    • نظريات الحكم المتعددة 
    • تقطيع الفئات الوسطى 
    • في رموزها شموخها 
    • تباين منظومتين 
    • أثورة صناعية عربية ممكنة ؟ 
    • الصراع الغربي الإسلامي 
    • الإصلاحات «الأمريكية» والبترول 
    • الديمقراطية والمصالح 
    • اليمين الديني وأسئلة المرحلة 
    • الديمقراطية ووحدة المسلمين
    • خيارات المذهبيين السياسية
    • العودة العربية إلى الوراء
    • صراع «أخبار الخليج»
    • وحدة الفئات الوسطى
    • علي باق ورفيع كالنجوم
    • المحور الإيراني- السوري
    • وعي محمود إسماعيل
    • الأغلبية الديمقراطية
    • العراق والمحاصصة المذهبية
    • صحافة تسودُ بالإعلان
    • حكمة سورة البلد
    • المذهبية السياسية فشلٌ للتنمية
    • لبنان بين الدكتاتوريات المذهبية
    • برنامج للراسمالية الحرة
    • الأفكار والجماعات
    • استراتيجية الاعتدال
    • الجريمة والديمقراطية
    • مستقبل الجزيرة العربية الديمقراطي
    • صراع الإقطاع فلسطين
    • المذهبية السياسية والحداثة
    • عقاب المواطنين الانتخاب
    • العلمانية البحرينية المتوارية
    • المضمون الاقتصادي للاعتدال
    • رأسمالية الدولة البحرينية
    • رؤية خدام الفكرية
    • أمريكا بين الديمقراطية والهيمنة
    • المعارضة والفساد
    • تصدع رأسماليات الدول الشرقية
    • رأسمالية الدولة والعشائرية
    • المذهبيون اللبنانيون والنظام السوري
    • العلمانيون وتوحيد المسلمين

عبـــــــدالله خلـــــــيفة : أفـــــق  ــــــ فهرس العناوين ــــــ مقالات 2005

  • من التاريخ الاجتماعي الحديث للبحرين
  • المذهبية السياسية دمارُ الأمة
  • التجديديون البحرينيون والمستقبل
  • غياب التخطيط عن العاصمة
  • المال العام قضية مفصلية
  • الوعي البحريني والديمقراطية
  • آفاق التعاون مسدودة مع الغرب
  • النقابية الديمقراطية والطائفية
  • تناقضات البنية والبطالة
  • قانون التدهور في البنى العربية
  • إيران في مرمى الخطر
  • وزارة العمل راقدة
  • ميشال عون بريء
  • عرقلة الديمقراطية
  • عمليات تحلل أم تطور؟!
  • الصناعة بحجم السوق
  • مشكلة العلاج
  • مرحلة الانتقال للحداثة
  • أنواع التقليديين
  • العاقل والمجانين
  • الصراع التقليدي على مستوى إقليمي
  • تضييع وقت تاريخي
  • المالية الشرعية
  • الجيش والعلمانية
  • المذهبية والمذهبية المضادة
  • الشيشان والدكتاتورية الروسية
  • فوضى مصر القادمة
  • خراب من جهتين
  • استعباد الناس
  • هشاشة الليبرالية وصخور التقليدية
  • رفع تكاليف العمال الوافدين
  • المذاهب والحراك الاجتماعي
  • العرب كتابعين للطبيعة
  • التبعية والعلمانية الإسلامية
  • أزمة البناء العربي
  • تحليل الأخلاق الظاهرة
  • التغيير الجزئي والتغيير الكلي
  • نفس الصراع العربي
  • مرحلة الرأسمالية الوطنية الديمقراطية
  • فرنسا في العالم الثالث
  • من الإبل إلى الربا
  • السحر والصناعة
  • رفض القوانين
  • الإخوان والبعث
  • لا أرى بلالاً بينكم
  • (جوهرة) الطائفة
  • لا أحد فوق القانون
  • رأسماليات حكومية أم حرة ؟!
  • أمريكا والعرب والنفط
  • بين روسيا وسوريا
  • الأيديولوجيات العربية والعلم
  • تجديد الإقطاع المذهبي
  • علمانية السياسة، إسلامية المجتمع!
  • هذا الخلل وأسبابه
  • بداية المثالية الموضوعية
  • الحوار بين أنطون وعبده
  • أنظمة السيارات المفخخة!
  • اليمينيون والدينيون
  • التقليدية والتبعية
  • الوزير لا يكون إيديولوجياً
  • تفسير آيات من سورة آل عمران
  • رفض تمزيق الجمعيات
  • انتقائية حسن حنفي
  • قضم الشواطئ
  • ماذا بقى من المسرح؟!
  • الطبيعة بلا إيديولوجيا
  • النجم الكوميدي والديمقراطية
  • الموارد والمواطنة
  • طوربيد القتل، كيف ينشأ؟
  • الإقطاع المذهبي والريع
  • وعادت حليمة إلى النشرة الإخبارية
  • الإقطاعُ يحكمُ وليس السنة
  • المساحة والسياسة
  • الإقصاء لغة مرفوضة
  • التطور الفلسفي العربي الحديث المبكر
  • قف مع الحق
  • قضايا تجاوزها العصرُ
  • هل يستيقظون إذا جاءهم الموتُ؟!
  • الجمعيات كإمبراطوريات
  • شاهد على الزور
  • أغنياء ضد البرلمان
  • الصاعدون على الأكتاف
  • الاضطرابات ملازمة للتحولات
  • حرامية على مستويين
  • مرونة متصاعدة
  • المستقبل (السعيد)
  • الصادق النيهوم
  • تركيب حضاري
  • قصة كتاب
  • العبادات مشكلات الحداثة
  • جمال البنا
  • الحربائيون
  • المرأة بين السلبية والمبادرة
  • صعود الوسط الإسلامي
  • سياسة خارجية وطنية تحررية
  • قيادةٌ موضوعيةٌ للإصلاح
  • القراءة والزنزانة
  • احذروا من البلاعات!
  • التطور الفلسفي العربي الحديث المبكر
  • العراق ووعي الوحدة
  • التكوينات الطبقية للقوى الدينية
  • لماذا اختاروا الوطنيين الديمقراطيين!
  • الليبرالية الإسلامية
  • انحطاط الغناء.. انحطاط السياسة
  • تحديث عربي مختلف
  • التقدم والاستقلال
  • تراكمية الاعتدال
  • المدرسة وغياب التاريخ الوطني
  • الخطاب الدكتاتوري يبحث عن الديمقراطية
  • الطريق لتوحيد شعبنا
  • ثورات الخبز ودلالاتها
  • المذاهب السنية والنضال المعاصر
  • المدرسة والطائفة
  • علم الحشرات السياسية
  • الالتهام السياسي السريع
  • المعارضة ومسئولياتها
  • تعدد الزوجات والحرية
  • التسلق على مواسير المال العام
  • مجلس الشورى ومأزق المرحلة
  • بوش والعلمانية في العراق
  • في مسألة التجنيس
  • الجمعيات مشكلات فكرية لا قانونية
  • التشكيلة والمرحلة السياسية
  • الفقه والدكتاتورية المنزلية
  • سلامة موسى
  • معارضة أم مواجهة ؟!
  • الشخصيات والظاهرات
  • استعادات الإسلام
  • المؤسسات المالية الإسلامية، هل هي إسلامية؟
  • العقل عند طه حسين
  • الباكر ومستقبل «الطبقة» الوسطى
  • العلمانية والانتهازية الدينية
  • المتطرفون والفساد
  • البرلمان بين التحديثية والتقليدية
  • محمد باقر الصدر: الأنظمة
  • أدونيس والسريالية
  • فحص في المنبر
  • أدونيس والصوفية
  • مهمات العمال الثقافية
  • تطرفان
  • الإمبريالية والديمقراطية
  • إخوان الصفا        
  • العلمانيون والتبعية للإقطاع السياسي
  • صراع الأجنحة الطائفية
  • العلمانية والتعليم الديني
  • هتلر إيراني
  • جورج حاوي
  • العمالة مظهر للتناقض
  • ماذا تريد الكتل السياسية
  • ظهور المادية الجدلية
  • الاجتماعي والطبقي
  • أرستقراطية المعرفة
  • الفلسفة الغربية والنهضة العربية
  • الأرواحيون وتكريس التخلف
  • تأييد الاستعمار بشكل مطلق
  • الفلسفة والتغيير
  • الاقتراب من الإسلام
  • ليست سقطة بل أساس المستقبل
  • ناصيف نصار
  • تحديث التعليم الديني
  • الجمعيات وغياب التراكم الديمقراطي
  • تفكيك السلطتين
  • توزيع الطبقات والفئات الإسلامية الحديثة
  • عبدالله العروي
  • برجوازية بيروقراطية وأخرى استيرادية
  • تناقضات شكلي الاقتصاد
  • القوميات الإسلامية المشرقية
  • تناقضات بيع قوة العمل
  • الإدارة والبضاعة
  • محمد عمارة: العلمانية
  • مواقف متصلبة
  • الإصلاح التجريبي والإصلاح الحقيقي
  • لا يفهم الفقير إلا الفقير
  • السنّة والعروبة
  • محمـد عبـده
  • الشيوعية العربية كوعي ديني
  • ديمقراطية الإقطاع وحدودها
  • محمد عمارة: القومية والإسلام
  • قبيل الديمقراطية
  • تناقضات الماركسية – اللينينية
  • ميشيل عفلق
  • لينين كزعيم رأسمالي
  • الحرية والديمقراطية
  • زكي الأرسوزي
  • قسطنطين زريق
  • لطفي السيد
  • الطريق الطائفي مسدود
  • مُلكيتان راكدتان
  • الرأسمال التجاري والملكية العقارية
  • البروتستانتية والتغيير الإسلامي
  • ساطع الحصري
  • « الديمقراطية » بآلية تقليدية
  • مرحلة البرجوازية التجارية
  • الرواية التجارية
  • مواطن ومخبر وحرامي
  • جمال الدين الأفغاني
  • علي عبد الرازق وإنسانية
  • نورٌ في مصر
  • إسماعيل مظهر والنهضة
  • التحديثيون التقنيون
  • فائض القيمة الحكومي
  • رأسماليون أم اشتراكيون ؟
  • غيمة البترول والفوسفات
  • إصلاح زراعي برلماني
  • طرق الإصلاح
  • وطنيون أم مذهبيون؟
  • ‹ حزب الله › والتطرف الأمريكي
  • العمال فاشلون في قيادة الثورة الديمقراطية
  • مع تراث الأمة الإيجابي
  • المذهبية والعروبة
  • المذهبيون السياسيون والأوطان
  • الديمقراطية والمذاهب
  • الدينيون واللادينيون
  • مستقبل تحرير الاقتصاد
  • من ذاكرتنا الوطنية
  • لا دروس من التاريخ الوطني
  • الشللية والايديولوجيا
  • (الطفولية) والنضال المعاصر
  • إيديولوجيون أم سياسيون؟
  • أخلاق التغيير
  • الغرفة والانتخابات
  • ثقافة الشموليين
  • أهل التضحية
  • الوعي التاريخي عند ابن خلدون
  • الضمانة الشعبية للديمقراطية
  • حداثة تونس نسائية
  • قطع سياسي
  • أسئلة التأريخ
  • ضحية جديدة للدكتاتورية
  • الفقه الديمقراطي
  • حوار المختلفين
  • ما الداعي لتلك الأفعال الوحشية؟
  • إصلاح أم سيطرة؟
  • الموقف الجوهري
  • الدكتاتورية لضعف البرجوازية
  • الهام حرمة أموال الناس
  • منهجية مراوغة
  • دول الكراهية
  • القرامطة: التاريخ والنظرية
  • الغزالي والفلسفة
  • المعتزلة والاشعرية
  • الثورة والثورة المضادة
  • من هو القمني ؟
  • هدر أموال
  • النضال الدستوري ٠٠ برلمانياً
  • التوريث الجمهوري
  • الحرب ضد الدكتاتوريات
  • بين الإرثين الصحراوي والزراعي
  • تكتيكات الاستعمار الأمريكي الراهنة
  • نثار الكواكب
  • الفئات الوسطى والموضة
  • التضحوي والاستغلالي
  • الكذب كأيديولوجية عامة
  • مصائد للرأسمال الصغير
  • طبقة الفساد بين الشرق والغرب
  • مثالٌ للتناقض الرئيسي
  • حرف التناقض الرئيسي
  • اليسار والميراث الديني

التناقض الرئيسي

عبـــــــدالله خلـــــــيفة   : أفـــــق  ــــــ فهرس العناوين ــــــ مقالات 2004

  • دليل المرأة الذكية للوحدة الوطنية
  • ضد الإرهاب وضد التبعية
  • إسرائيل والعلمانية
  • السيستاني وموقف حكيم
  • شكلانية وثورة صناعية
  • سردٌ حول 11 سبتمبر
  • من ذاكرتنا الوطنية
  • ديمقراطية طائفية
  • معسكران متضادان
  • مجرد حصالات
  • القبائل والطوائف والطبقات
  • فوضويون وليسوا مناضلين
  • توحيد المعارضة البحرينية
  • خطورة الانتخابات العراقية
  • الحلاجُ قرمطياً !
  • من الجبهات إلى الجمعيات
  • البرلمان ثمرة للواقع
  • الحنبلية والامبريالية
  • الحنبلية والتصحر
  • البرلمان سلطة الشعب
  • مرحلتا رأسمالية الدولة
  • رأسماليات الدول الخليجية
  • تفكك الدول والديمقراطية
  • روسيا مركز للدكتاتورية
  • الوطن وإنتاج فكر ديمقراطي
  • نجاح المحافظين مرحلي
  • المقاومة الحكيمة
  • الثورة البرجوازية شرقاً
  • مجتمع مدني أم خلق عصابات ؟
  • قبل الكارثة الكلية
  • ضد التخلف والتبعية
  • سقوط (طبقة) صدام
  • شتاء ديمقراطي عــربي
  • أخطر الثورات
  • المسلسلات والفساد
  • الانتهازية والموضوعية
  • أهمية الديالكتيك!
  • الشيخ زايد والآخرون
  • إذا أنت أكرمت الكريم
  • غليان الوفاق
  • الهجوم الغربي والتغير العربي
  • آلية الشحن
  • ضعف الوعي السني الديمقراطي
  • مع المغلوب
  • الثورة والثروة
  • المزيد من الهجوم
  • الفكر خارج السلطة
  • التطرف المتعدد يغذي بعضه
  • الطائفية والقومية
  • إشكالية الديمقراطية الواهنة
  • مرجعيات الزمن القديم
  • استقرار الخليج من استقرار العراق
  • هاني فحص وتنويريته
  • غياب الرأي الآخر
  • السنة والقاعدة
  • أخطاء غورباتشوف الفكرية
  • الانتهازية الفكرية
  • هل يظهر التجار الأحرار ؟
  • الإمام الباقر والشمولية
  • السلطة القبلية والحداثة
  • خطتان للنضال الديمقراطي
  • آه .. يا بلد!
  • الفتنة الكبرى مستمرة
  • العامة وعلاج المثقفين
  • الحركة العمالية في زمن قديم
  • التنوير الإسلامي وفشله
  • التقليديون والتطور الديمقراطي
  • الديمقراطية الأمريكية ومناسباتها
  • السياسة الإسكانية وأبعادها
  • جمعيات حقوق الإنسان مقطوعة اللسان
  • ديمقراطية الأشكال
  • الثورة المحمدية والإقطاع الدينى
  • الدويلات الطائفية القادمة
  • الإكراميات والأخلاق الرعوية
  • غياب العمال السياسي
  • الإصلاح الاقتصادي للفقـر
  • إشكالية الراعي
  • فوضى العمال الأجانب
  • القسوة وراء العقد
  • عبدالناصر استمرارٌ للسلف
  • قانون الجمعيات ومواد حادة
  • هل بدأ الإصلاح الاقتصادي؟
  • مشروعات الإصلاح والتخريب
  • وحدة الفئات الوسطى
  • مشكلات جماهيرية وتباطؤ اداري
  • حركة النقد بين اليومي والجذري
  • تسطيح إعلامي
  • الوعي الفقهي والديمقراطية
  • لا تشعل النار في بيت الجيران !
  • مضايقة القطاع الخاص
  • صرخة من أجل العراق
  • الخصخصة وظروف الناس
  • التحول بين التسريع والجمود
  • هل هي جمعية وطنية؟
  • العراق وإيران والطوائف
  • رأسمالية الدولة والاشتراكية
  • خطورة الطائفية على المسلمين
  • دساتير هشة
  • خرافات في العالم الصناعي
  • استغلال في عمق التاريخ
  • مركزية الإدارة والسوق
  • تجديد الخطاب الوطني
  • إشكالية دولة المؤسسات
  • إما الحداثة و إما الخراب
  • الإمام علي خالدٌ في العقول
  • حمارٌ يحملُ أسفاراً
  • نحن حبات البذار
  • البربر والإسلام
  • بلد صغير ومزدحم !
  • الزهد وصلابة المقاومة !
  • أحذروا الجماهير المتقلبة !
  • المنطقة الدينية المعقدة
  • الصمتُ موقفٌ أيضاً!
  • لا مشروع حضاري إمبريالي!
  • صراع الطوائف أم صراع الطبقات؟
  • طروادة الباسلة تُسحق!
  • وحدة فكر النهضة
  • الميراث الطائفي و الديمقراطية
  • دفاعٌ عن الإنسان لا عن الجريمة!
  • أسباب تخلف التحديثيين
  • تفتخر بك البحرين يا غازي!
  • المذهبيون والتحول الديمقراطي
  • الدكتاتورية والقمامة البشرية
  • متهمٌ حتى يثبت أمانته!
  • متى يتصدع البناء التقليدي؟
  • فن الخرافة الحديث
  • أمريكا كأخت كبرى!
  • أسطوريون في الإسلام
  • الأيديولوجيا والوقائع
  • وضعٌ معقد ومؤلم
  • ليبرالية متفاوتة
  • التغيرات صعبة
  • فكرة النموذج
  • العراق بين الملكية و الجمهورية
  • مؤتمر العولمة والمقاومة
  • المصلحة القومية والمصالح الوطنية
  • تذويب القضية الفلسطينية
  • عمّان، الحصى والنور
  • الحداثة الثقافية في الخليج
  • الثلاثة الكبار
  • الليبراليون في البحرين
  • الواقع العراقي والحسابات الأمريكية
  • الإعاقة والفضاء الإقليمي
  • موضة جديدة من الدجل
  • الأفق الفكري للجمعيات
  • جذور التعصب القومي الديني
  • لحظتان اجتماعیتان
  • تضاد وطني عالمي
  • رفاق الطريق
  • سهولة نشر التعصب
  • تجاوز الإقطاعين معاً
  • الأنبياء رموز التضحية
  • من الإقطاع إلى رأسمالية الدولة الديمقراطية
  • العودة إلى الينبوع
  • لماذا التعليم العام فاشل؟
  • الخريطة الفكرية للجمعيات السياسية
  • الثورة المحمدية والديمقراطية المعاصرة
  • تفكيك وعي عنصري
  • خطان للديمقراطية
  • الترجمة والحضارة
  • الاختلاف السياسي ووحدة الفكر
  • السلف والإقطاع الديني
  • المذهبيون والنهضة الإسلامية
  • ملكية دستورية للجمعيات
  • البعث الديمقراطي
  • هل هو قمع برلماني؟
  • وحدة الديمقراطيين
  • درجات صراع الإقطاع
  • القوميون والتطور الديمقراطي
  • تسارع معدلات سقوط الدكتاتوريات
  • الحدة في طرح القضايا القومية والدينية
  • لبنان ومهمات التوحيد
  • صراع الإقطاع في اليمن
  • الموديلات المستوردة
  • الموضوعية السياسية والأخلاق
  • كلنا نحبُ الوطن !
  • الجنون الديني وأسبابه
  • كاريكاتير الهاشمي
  • الفكر والحرية
  • لا دينار واحد زيادة
  • القفز على النظام
  • الحكم بالجملة
  • تحرير أم تغيير؟
  • نقد الملأ «الإسلامي»
  • لأول مرة عربياً
  • الحل بالسلاح
  • الخرافة في عقل سياسي
  • إصلاحُ المعارضة
  • اشكالية الإصلاح المحايد
  • تفكيك الشمولية الفكرية
  • تشتت ممثلي الفئات الوسطى
  • الاعتدال بين المتخاصمين
  • البحرين كنموذج جزيري
  • الإقطاع الديني بين التبعية والجهاد
  • الإقطاع الديني بين التبعية والجهاد
  • صراعٌ غير متكافئ
  • صراعٌ غير متكافئ
  • نمطان عائليان
  • خطأ فقهي يمكن تداركه
  • دور أمريكا ليس من الجن !
  • شكرٌ ونقدٌ !
  • مجلس الحكم والاعتدال
  • بين الصادق ومقتدى الصدر
  • فشل القبول بالآخر
  • المعارضة والحكمة
  • المصالحة التاريخية
  • صفقة تاريخية
  • بين تشكيلتين
  • المسيحية وانتصار المثقف الديني
  • الاشتراكيون والاستغلال
  • التدين والخداع الاجتماعي
  • صراع الإقطاع والإمبريالية
  • الاستجوابات وغاياتها
  • أزمة العالم الإسلامي وتجاوزها
  • تنافس ثقافي في الإمارات
  • خير القرون
  • البرجوازية والرواية
  • وعي ديمقراطي هام
  • تكوينان ثنائيان للطبقة الحاكمة
  • تذكر أيها العامل
  • شرائح تابعة للطبقة السائدة
  • وحدة الحركة العمالية
  • غياب قراءة الجذور في مشروع الشرق الأوسط
  • كرة الإصلاح تتدحرج
  • الوطنيون العراقيون ومهمات صعبة
  • الصفعات مستمرة على وجه الجزيرة
  • من أسباب الإرهاب
  • ما معنى الإصلاح؟
  • ماذا يستفيدون من الاعتقالات والاغتيالات؟
  • اليمين المتطرف بحاجة إلى اليمين المتطرف
  • الإصلاح الحقيقي!
  • أبن تيمية وعصره
  • مع وضد أمريكا، كيف؟
  • بوش ضحية لإنجازه !
  • إشكالية تغييب الجسد الرئيسي للمعارضة
  • أزرع الشجرة وقتل البقرة!
  • حدود السرقة وثقافة اللصوص
  • النضال حقائق مادية على الأرض
  • شبح الثورة يحوم !
  • الزلزال الأمريكي يتصاعد
  • الإصلاح الاقتصادي والتحالفات الوطنية 
  • المحافظون يتقدمون
  • البرجوازية والطائفية
  • جبهة التجار واليسار
  • العقل واللاعقل الدينيان
  • جمهور ضد الديمقراطية
  • من التحرير إلى التنوير
  • الحلاج شهيداً
  • اشكالية داخل البرلمان
  • صار الماءُ نفطاً يا حسين
  • هل هناك ذات عربية مجردة ؟
  • النساء وقضية الأنا
  • العيش على الاختلاف
  • العلاقة بين «التأمينات» و«المؤتمر الدستوري»
  • جذور الصراع المذهبي اجتماعياً
  • تطور أهل السنة
  • الصوفيون والثورة
  • أسباب هزيمة خاتمي
  • السنة والنضال الديمقراطي
  • قوميو أجهزة القمع
  • الشهيد عبدالله المدني
  • صراع إقليمي يتجسد بحرينياً
  • سقوط بوش
  • تفاوت غريب في الأحكام الشرعية
  • المرأة والنهضة
  • اليسار معيار
  • لا إصلاح من دون تغيير أوضاع العاملين
  • بدء علمنة المجتمع الإسلامي
  • تبعية العلمانيين للدينيين: جذورها ونتائجها
  • خاتمي: الاسفنجة السياسية
  • ملاحظات حول تطور الصوفية
  • التجنيس والطائفية والعروبة
  • الدستور تعبير عن واقع
  • إنه الشعب الذي يرفع للقمة صخرة
  • تعليق على بيان الجمعيتين
  • العنفُ مبررٌ ضد الصهيونية
  • لمحاتٌ صوفية
  • وعي العرب العالمي
  • مقاطعة العمل الوطني
  • مستقبل الأنظمة الشمولية
  • تحية وملاحظات
  • الدكتاتورية والأخلاق
  • وعي التاريخ الإسلامي عند أدونيس
  • القوى البرلمانية والبوصلة
  • تجاوز اللينينية
  • التقدميون والحزب الجماهيري
  • تاريخ الطائفية
  • البرلمان: بداية الديمقراطية
  • ليبيا في مفترق الطرق
  • الموقف العراقي مركب
  • مصر على فوهة بركان
  • الحجاب والصناعة
  • التدهور العقلاني ذو طابع سياسي

عبـــــــدالله خلـــــــيفة : أفـــــق  ــــــ فهرس العناوين ــــــ مقالات 2003

  • الحجاب والهيمنة
  • «الفردانية» تعيق العمل الجماعي
  • بوش والطائفية
  • سياسة يسار الوسط
  • أهمية المشاركة
  • لصوص قدامى، لصوص جدد
  • مقدمات أدونيسية
  • الطائفية والنموذج الإسلامي
  • صراع اليسار واليمين في الإسلام
  • الوتيرة الخاصة للديمقراطية
  • خطورة التطابق مع الموقف الأمريكي
  • تقييم سياسي غير دقيق
  • تجاوز الشيوعية والإقطاع
  • عمرو بن العاص متلفزاً
  • أشكال الوعي في البنية العربية التقليدية
  • سياسة وطنية
  • الدكتور عبدالهادي خلف مناضل أم ساحر؟
  • صراع حول العراق
  • لينين بين رؤيتين
  • التصدي السياسي لمثيري القلاقل
  • البنية الاجتماعية والتراث
  • الوحدة الوطنية اللاوطنية
  • معركة العلمانية في العراق
  • البنية العربية التقليدية تكونها وسيرورتها
  • الإسلام والليبرالية
  • تداخل الهتلرية والستالينية
  • الفئات الوسطى والإيديولوجيا
  • الدين بين الشكل والمضمون
  • ثقافة الطفولة الوطنية المخنوقة
  • الناشطة الإيرانية و الجزيرة
  • التاريخ والدين عند مهدي عامل
  • وعي النهضة عند مهدي عامل
  • الساقطون واللاقطون
  • الاشتراكية والمستقبل
  • الصراخ كفعل سياسي
  • الفئات الوسطى والتضاريس الإقليمية
  • الفئات الوسطى والتبعية المزدوجة
  • رموز في مرحلة جديدة
  • حول العمل السياسي الوطني
  • حامد أبوزيد والاعتزال
  • الإصلاح وإشكالياته
  • الحرية والمسئولية
  • الحـورة والإهمال
  • ملاحظات على الاقتصاد البحريني
  • تحديث نجيب محفوظ
  • الفئات الوسطى والانتهازية
  • جذور تناقضات الوسطيين
  • تذبذب الفئات الوسطى
  • منهجية العلوم عند المسلمين
  • المذاهب والأزمة السياسية الراهنة
  • فلاحون وأرستقراطيون
  • الإمبريالية والماركسية
  • الوضع العربي الراهن
  • أكبر جبهة من التحالفات الحديثة
  • العلمانية وحقوق المواطنة
  • الدكتاتوريات العربية تثير الاضطرابات
  • المعارضة والعودة للمجرى الرئيسي
  • تنوير نجيب محفوظ
  • تنوير هادي العلوي
  • إشكاليات جماعات غير ديمقراطية
  • من المذهبية إلى التنوير الإسلامي
  • التنوير الحديث وأقسامه
  • سر التعويذة
  • التغيير أو الرحيل
  • جبهة الدفاع عن البرلمان
  • الاحتجاجات مهمة ولكن . . .
  • أمريكا ونابليون
  • فئات متوسطة أم طبقة؟
  • تفسخ رأسمالية الدولة
  • تجذر وانتظار
  • تنوير لويس عوض
  • مواجهة أم حوار؟
  • الجزيرة العربية غير العربية
  • البرجوازية الحديثة وضعف الليبرالية
  • مبالغات أمنية
  • البرجوازية القديمة وغياب الليبرالية
  • سياسة عربية تقدمية جديدة
  • لغة بلا مضمون حقيقي
  • من سيحكم العراق؟
  • شموليتان متداخلتان
  • نواب الشعب ليسوا آخر القافلة . . !
  • الفساد والإفساد
  • الماركسية والليبرالية
  • البرلمان وأهميته التاريخية
  • العراق بين شد وجذب
  • الإصلاح الطائفي غير ممكن
  • هل الإصلاح ممكن؟
  • الوعي الديني والبنية الاجتماعية
  • مستقبل العراق
  • التنوير الاجتماعي عند فرح أنطون
  • الرقص ودلالاته الاجتماعية
  • ثقافة جديدة، بأي معنى؟
  • العلاقات العربية – الغربية
  • التنوير الرومانتيكي عند جبران خليل جبران
  • يوسف حسن
  • أبومازن والربيع الفلسطيني
  • السرقة بشكل معقول أو بشكل مجنون
  • النساء والسحر
  • لا تلوموا الناس
  • تنوير يعقوب صروف
  • أحزان راس رمان
  • بنات ذكيات وأولاد أغبياء
  • الزواج الأحادي في المسيحية
  • المرأة والحداثة المهزومة الأولى
  • حرية التفكير بين الحضارات
  • كائنات مستأنسة
  • سوق جدحفص الرثة
  • مظاهرات الطلبة في إيران
  • الصراع الفكري والتحولات السياسية
  • حماس والطريق المسدود
  • من حق القضاة
  • إيران… إلى أين؟
  • كوبا جزيرة الحرية أم العبودية؟
  • فى الجدل الدائر حول الأحوال الشخصية
  • أهل القرى أكثر عملاً
  • مشكلات الرأسمالية المتوسطة
  • تشابك السياسي والاجتماعي
  • علامات في الوعي الحديث
  • السوق والحرية
  • حراس الأسرة الأبوية
  • لا ديمقراطية عربية دون قذائف أمريكية
  • دهاليز السجل السكاني
  • الإرهاب له تاريخ عريق
  • وعي الظاهر والباطن
  • معركة وعي وطني
  • الأمريكيون والتطور الاقتصادي في العراق
  • الخيال السياسي العربي
  • ثورة برجوازية بقيادة شعبية
  • أسباب عدم ظهور برجوازية حرة
  • الوقوف ضد التيار
  • ديمقراطيات في الثلاجة
  • العقل والديمقراطية في وعي جورج طرابيشي
  • تداعيات المرحلة
  • جمعيات سياسية أم جمعيات خيرية؟
  • بناء العراق أولاً
  • جحيم الإسكان البحريني
  • الحرب في سترة
  • تحية للشعب الأمريكي
  • النظام الإقطاعي العربي الطائفي
  • الفوضى في العراق وأسبابها
  • الثورة الديمقراطية في العراق
  • وضع سياسي عراقي جديد
  • وجهان لعملة واحدة
  • هل يستفيدون من العبرة؟
  • البعث والمصير
  • الإسماعيلية في إيران
  • الدلالات السياسية للهزيمة العراقية
  • لماذا اصطفوا مع الاستعمار
  • رفض الحكومة العسكرية الأمريكية
  • ويستمر النضال ضد اليمين الأمريكي
  • الحقيقة بين نارين
  • المتحللون من الإرث التقدمي
  • في كل الأحوال: سينتصر الأغنياء!
  • الإسماعيليون والثورة الاجتماعية
  • الإعلام والحرب
  • هل يمكن أن تكون الإمبريالية .. ديمقراطية؟!
  • القوى الإقليمية والحرب
  • مأزق بوش
  • الموقف العسكري وتطوراته
  • وعي النهضة عند سلامة موسى
  • الحرب وأبعادها السياسية
  • حرب مركبة
  • محور الجزيرة وإيران
  • الفائدة والتطور الاجتماعي
  • جذور تفكك الحضارة الإسلامية
  • الدكتاتورية وانهيار الوعي القومي
  • الماركسية الرسمية والماركسية الديمقراطية
  • المسحوق الأكثر بياضاً
  • رفاعة الطهطاوي
  • قاموس الذل السياسي
  • دينيون أذكياء وتكنوقراطيون أغبياء
  • الثورة العربية الديمقراطية القادمة
  • التوظيف والبطالة
  • وعي الاستبداد عند د. إبراهيم غلوم
  • المثقف المجرم
  • من معاني الجهاد
  • التدخلات الخطرة
  • العلمانية كتجديد إسلامي
  • العالم ليس للنخب
  • غزو بأي شكل
  • ديمقراطية شكلية
  • العالمي والعربي
  • البرلمانات كقوة تغيير
  • مشعلوا الحرائق
  • الاحتلال وآثاره الخطيرة
  • الشعب غير الأيديولوجي
  • مهمات أساسية في الوضع الراهن
  • مخاطر الحرب
  • الترف والفساد
  • العلماء والإيديولوجيون
  • الطائفية وإنتاج الحداثة
  • قرن التراث
  • الأتراك يتحدثون
  • أزمة هوية أم أزمة وعي
  • البورقيبية كنهج معتدل
  • البحرين في بدء التحديث
  • مرحلة مفتوحة
  • كيف نساعد التفكير الاجتماعي؟
  • مزيد من العلمانية , مزيد من الديمقراطية
  • خطورة الوعي السلبي للمرأة
  • النساء والنضال الموسمي
  • رأس السنة المشتعل
  • البحرين في العصر الوسيط

اليسارُ الديمقراطي واليسارُ المغامر

على طريق المهرجان لــ 15 فبراير

ظهرت خلافاتٌ عميقةٌ على صعيد وعي اليسار المحلي للمسائل المحورية في التطور السياسي، وهي جزءٌ من الصراعاتِ الفكرية والسياسية لليسار في العالم العربي حول المواقف من الدين، والاشتراكية، والرأسمالية، والغرب، أي على فهم قضايا التشكيلات الكبرى في حياة البشرية خاصةً تداخل وتباين تشكيلات الإقطاع والرأسمالية والاشتراكية، وكيف تجسد ذلك في التاريخ العربي الإسلامي، وفي الزمنِ الراهن والإشكاليات التي حدثتْ عبرَ الصراعِ بين القومياتِ الرئيسية في المنطقة.

لقد كانت هيمنتْ الجماعاتُ الطائفيةُ السياسية على الجمهور المتخلف الوعي عاملاً رئيسياً في إرباكِ الجماعاتِ اليسارية التي كانت تتخذ رؤى شبه واضحة (لكنها جامدة نصوصية)، أي غير جدلية تركيبية في المرحلة السابقة، وتكونت في حضن رأسمالياتِ الدول الشمولية (الإشتراكية) والقومية.

وهذا الحضن كما لعب دوراً في تصعيدِ دور القطاعات العامة والتحرر والنهضة الشرقية العالمية لعب دوراً في صنع رؤى فكرية سياسية محدودة جامدة، راحتْ تتهاوى جوانبٌ كبيرة منها بسببِ عدم النقد وغياب الديمقراطية على مستويات الدول الاشتراكية والأحزاب.

وبالتالي جاءت التحولاتُ في أشكال الدول الرأسمالية الحكومية (الإشتراكية) وتصاعد الدول والحركات الدينية (الإسلامية) لتعرض إتجاهات اليسار لمخاضٍ عسير.

وكلُ بلدٍ عربي أو إسلامي دخلتْ فيه المؤثراتُ المناطقيةُ والدولية حسب بنيتهِ الاجتماعية وصراعاتها وتطوراتها، وإنعكست المؤثراتُ على وعي قوى اليسار المختلفة، وجاءت الرياحُ لتضربَ قوى صلبة أو هشة، ففي التنظيماتِ ذاتها تواريخٌ لما هو وطني عالمي، ولما هو مواقفٌ إجتماعية صلبةٌ إنغرستْ فيها، أو لأخطاء تصاعدتْ في أجسامها، فنشأت مواقفٌ عقلانية تتصف بالتجريبية غالباً، وأما مواقف مغامرة خطرة.

وكان حالتنا في البحرين سيئة بشكل كبير، فهشاشةُ اليسارِ بينة، وتبعيتهُ للقوى الطائفية اليمينية كانت قد تكونت منذ التسعينيات، وكانت القوى الطائفيةُ السياسيةُ لا تخفي تبعيتها للمشروع الدكتاتوري الإيراني بتلاوينه التي برز منها مشروعُ الحكم خاصة، وقامت الجماعات في البحرين بمغامرات خطرة على كل صعيد.

لهذا كان تتبريراتُ هذه القوى (اليسارية) لكل الأخطاء التي تسميها وسائل النضال من حرائق وتخريب مدعاة للفزع السياسي، فقد إنهارت البنيةُ العقلانيةُ الوطنية المكِّونة لهذا الجنين اليساري، وتسوقُ دائماً الشعارات بشكلٍ نفعي، مفصولٍ عن أية قراءات تحليلية للواقع وللقوى السياسية الاجتماعية في البلد والمنطقة، ولمضامين هذه المواقف وعلاقاتها، عبر فصم علاقات القوى الطائفية البحرينية بشبكاتها في الخارج، والمنظومات الإيديولوجية التي تشتركُ فيها، وقطع العلاقات بين ما حدث في إيران من نشؤ دكتاتورية رجعية ومولوداتها الشبحية التي تغلغلتْ في بعض السكان البحرينيين وإستغلت معاناتهم وحركتْ غرائزهم ووجهتهم للفوضى وفرض أجندتها السياسية المتقلبة غير المحددة الثابتة، مثلما أتضح أخطار تلك الدكتاتورية بشكل خطير في المنطقة والعالم.

وجاء عهدُ التغييراتِ السياسية في البحرين في أوائل القرن الواحد والعشرين وفتحَ السجونَ وأطلق سراح كلَ هؤلاء الذين قاموا بتلك الأفعال السابقة الذكر، وظهرت التنظيماتُ السريةُ علنية، وغدت لديها منشوراتها وشاركت في الانتخابات وغير ذلك من مظاهر العملية السياسية المتعددة وكل هذا في غضون عقد.

أجبرتْ التغييراتُ السياسيةُ العديدَ من القوى السياسية على تبدل أفكارها الفوقية، وتوجه بعض القادة السياسيين للتعبير عن أفكار إصلاحية ولتنمية العملية السياسية والابتعاد عن أفكار المغامرة السابقة.

لكن هذه التغييرات في لغةِ الخطابات السياسية لم تكن عميقة، ولم تتوجه لقراءةِ إشكاليةِ الماركسية كما حدثت في العقود السابقة، وكيف يمكن إنتاج رؤى تحولية ديمقراطية جديدة منها على صعيد التشكيلات وفرز العلاقات بين الإقطاع والرأسمالية خاصة، وإعادة النظر فيما سُمي بالتجاررب الإشتراكية، وإتخاد مواقف جديدة من التنظيماتِ التي نشأتْ في المنظومة الإقطاعية العربية الإسلامية، وهي كلها أمورٌ من الصعب القيام بها على مستوى القيادات الخطابية السابقة، التي غرقتْ في بحر التغييرات وأعمالها الإدارية وإعادة تأسيس الجماعات.

حتى على مستوى المهمات الفكرية العميقة لم يكن ثمة وقت لها لو كانت هناك الأدوات التحليلية، لأن القوى الطائفية السياسية والجماعات المغامرة التي إلتصقت بها لم تتركْ للبلدِ فرصةً للتنفس السياسي، نازلة بقوة ومرة أخرى للشوارع مزايدةٍ على التغييرات ورافعة سقفها لأعلى، بشكلٍ مثير مستفز وبشكل يومي وعبر إستخدام الشباب الريفي الذي ليس له تجارب سياسية وإجتماعية عميقة خاصة!

لا شك إن المشكلات والقضايا التي يُنتظر حلها في بلدنا البحرين كثيرة، وقد تحركت عجلةُ التغيير وتساهم قوى جديدة بشكل مستمر في هذه العملية، لكن من جهة أخرى فإن الأوضاع الاقتصادية معقولة، وينتظر زيادة تغييرها بشكلٍ مضطرد، ونحتاج لعقليات سياسية تحليلية تحدد المشكلات وسبل إصلاحها، لمراكمة تحولات جديدة. فالحديثُ عن الأخطاء بشكلٍ أيديولوجي مؤدلج عام غير مفيد، بل ومضر، فأخطاء مثل ضعف الخدمات الطبية العامة ينبغي تحديدها بشكل واضح وكيفية تطويرها، بدلاً من الجمل العامة عن التدهور والخراب فيها!، أو تلك العبارات العامة عن سرقة الشواطئ فيجب تحديد ذلك والبرهنة عليه قانونياً والعمل لتغييره عبر السبل الديمقراطية المشروعة. فلا أحد يقبل بالأخطاء ولكن بأي شكل نناضل ضدها؟!

لم تشتغل قوى المعارضة على عملية التراكم الديمقراطية بواقعية، وقد جعلتنا طرقها نخسرُ الكثيرَ على مدى السنوات السابقة رغم إنها سنوات تحولات هامة لشعبنا!

وكما قلنا فإن القوى الاجتماعية السياسية الريفية هي إحدى المشكلات الرئيسية لهذه المعارضة بسبب تخلف وعيها، ومحاولاتها للقفزات وفرض نفسها بالقوة، ويبقى اليمين المذهبي المحافظ القائد لها، ذا مواقف غامضة يتبدل مع تحولات السياسات الإيرانية، ففي الزمنُ الإصلاحي المشترك لرفسنجاني وخاتمي نشأت إمكانيات للمشاركة في العملية السياسية التحولية في البحرين، ولكن مع تصاعد قوى التطرف الإيرانية عبر الحرس الثوري توجهت العملية للصدام المتصاعد والمغامرات الخطرة على مستوى بلدنا الذي أُتخد كحقل تجارب رهيبة.

هناك خطوطٌ متداخلة غريبة غامضة ترى في المشترك السياسي والتناغم الشمولي، إن البحر الإيراني السياسي يلقي بظلالهِ على الجزر البحرينية بقوة، ويتم تشغيل عوامٌ للحدة السياسية ولأجندات معينة أساسها الصدام.

ولم يكن مشروعُ الدولة التحولي في البحرين بغافل عن ذلك، وعرضه للتحولات وفتحه البرلمان والنقابات والجماعات السياسية هو جزء لخلق علاقات بحرينية سياسية جديدة، كان يمكن تطويرها بشكل ديمقراطي برلماني صبور، وبشكل إصلاحات إقتصادية بشكل إجتماعي باحث جدي عن الأخطاء وتغييرها، ولكن القوى المناوئة للتحول الديمقراطي الوطني المشترك كانت تجد لها أسباباً للمزايدة وإستغلال أشياء عديدة للتفجير، بحيث كنا نركض من إطفاء حريق لإطفاء حريق آخر!

وكما أوضحنا فإن (اليسار) في البحرين كان في حالة إعادة تأثيث لوجوده السياسي، خاصة الفريق المعتدل ولكن الفريقَ المغامرَ أسرع لمواصلةِ تأجيجِ المعارك السياسية مع ذات القوى المذهبية.

حالاتُ المزايدةِ لم تكن تَخفى على أحد، ولكن تبقى الأسباب متعددة وبعضها مجهول حتى يكشفهُ المستقبل، والأهم الواضح فيها هو رغبة هذا اليسار الصغير المحدود في علاقته بالناس أن ينتفخَ سياسياً، وأن يأخذ مساحةً لم تعدْ له، بسبب دورهِ في هدم التشكيلات السياسية الوطنية عبر مغامراتٍ سابقة، ولعدم إنتاج أي ثقافة ديمقراطية عقلانية تتغلغلُ في صفوفه أو في صفوف الناس، ومن هنا كانت شعاراته الحادة وإستعراضاته وإستغلاله لنفس الشباب الريفي قليل الوعي والتجربة السياسية وشحنه بالانفعالات الحادة.

المزايدة والجملة الثورية المنتفخة بالغرور كانت هي أهم واجهة له في السياسة، وكانت له دراسات وثقافة مهمة ومناضلون عديدون ولكنه لم يركز عليها ويطورها، فالصبر السياسي لديه محدود.

فكانت المقاطعة الحادة بمظاهراتها وصخبها ثم كانت المشاركة بغياب الكراسي فيها، في حين أن القوى المذهبية السياسية هي التي أتيحت لها ملء الساحة دون أن تغير بوصة من واقع الجماهير العطشى، فكان ذلك مؤثراً على جذور اليسار المغامر اليابسة وشحنه بإنفعالات جديدة ظهرت في المغامرة الأخيرة هذا العام.

لم يعد ثمة يسار متماسك مؤثر في الحقيقة، فقد نضبت قوى البرجوازية الصغيرة اليسارية، ولم تنشأ برجوازية تحديثية ديمقراطية، وملأت القوى الدينيةُ الساحةَ وهي قوى ليست تحديثية، وذات جذور ماضوية، فلم تستطع توحيد الشعب أو توحيد السياسات الوطنية، وتطوير الإصلاح ولهذا ليس ثمة سوى الصبر السياسي ومراكمة التحولات الديمقراطية وتحفيز قوى الحداثة وعلى درس الظروف والقضايا ومشكلات الجمهور وعرضها وتنمية وعي ديمقراطي مستنير، وخاصة في تصعيد دور الشباب والنساء وإصلاح الريف من مشكلاته المزمنة.

اليسار الذي كان حقيقياً لم  تكن قيادته في مستوى المهمات المركبة للمرحلة الراهنة، ويكفي لتاريخها إنها أنشأت القوى السياسية ومشت في مرحلة طويلة صعبة كلها أزمات، ولكنها لم تورث قيادات شابة في مستوى المهمام المركبة للمرحلة، وهذه القيادات لم تطور وعيها بأدوات التحليل الجديدة في الماركسية والقومية والحداثة.

فوقفتْ صماءَ تجاه المرحلة التسعينية وما جرى فيها من أخطاء سياسية وفكرية، وكان هذا واضحاً في مواقفها من المعسكر (الإشتراكي) وعدم صعودها لمستوى الأحزاب اليسارية التي إعادت النظر في هذا المعسكر، أو تأييدها الصامت لـ(لليسار)المتخاذل المتواطئ مع الطائفية في لبنان وسوريا على سبيل المثال.

غيابُ هذه العقليةِ القوية التحليلية الناقدة للإرث الإستبدادي في اليسار، تظهرُ في حالةِ جمودٍ سياسية في وعي هذا (اليسار)، ففي الزمن التحولي الأول لاحظنا محاولة التميز عن اليسار المغامر، لكن هذه المحاولة لم تتصاعد ولم تتوجه لتطوير قوى اليسار عامة بل توجهت للمظاهر الخارجية بدلاً من الدرس والدخول في الناس، ثم إنزلقتْ لنفس موقف اليسار المغامر وخطأه الفادح الذي توج دوره السلبي، لكون المواقف الفكرية لمشروع اليسار العقلاني المُجهَّض غير متبلورة على أصعدة كثيرة فجاءت المواقفُ السياسيةُ تصطفُ في خاتمة المطاف مع المغامرين الطائفيين والقوميين.

اليسارُ مصطلحٌ غربي، يعبرُ عن التيارات داخل أروقة البرلمانات، ثم تحول إلى مصطلحٍ يعبرُ عن الاتجاهات الاجتماعية السياسية عالمياً. وبهذا فإن اليسار كقوى إجتماعية ضاغطة من أجل التغييرات لمصالح الأكثرية الشعبية يمكن أن يضم قوى متعددة حسب البُنى الاجتماعية وحراك قواها المنتجة في كل فترة تاريخية.

ولهذا فإن يسارنا يفترضُ أن يرتبطَ بتحولاتِ القوى المنتجة، وقد كانت في سنوات (50- 80) من القرن العشرين قد تشكلت قوى عاملة يدوية وطنية غالبة وتكون يسارنُا الوطني بالتناغم معها وعمل بكفاءة ضمن الحدود المتاحة له، وأوصلَ البلدَ للحظاتٍ تاريخية معروفة.

وهذه القوى العاملة تغيرت تغيراً كبيراً منذ ذلك الحين، وأدت التدفقات المالية الكبيرة على البُنية الاجتماعية لتغدو الطبقة العاملة بحرينية- أجنبية، بدون تناسب، وتظل رغم هذا التداخل الصعب والتغييرات الكبيرة بها قادرة على أن تطور نفسها وأن تساهم في التحول الوطني، ولم يتح لليسار في التحولات الديمقراطية أن يواصل تنفيذَ إستراتجيته الأولية البسيطة التي طرحها في بدء زمن التغييرات، بأن يشارك في عملية التحولات الإصلاحية بسبب إعتماده على الخطابات السياسية من مقره، ولم يكن هذا الطابع الفكري كافياً، فقد كان إرتباطه بالعمال ودرس أحوالهم ومساعدة تطوره الاقتصادي الاجتماعي الثقافي هو جوهر دوره المنتظر.

هذه العملية لم تحدث بشكل كبير، وأثرت الأحداثُ السياسية والصراعات الكلامية في جر هذا اليسار إلى صف اليسار المغامر والجماعات الطائفية المرتبطة بالتحركات الأجنبية في بعض المواقع الخطرة.

ضخامةُ البنية الاجتماعية للعمال المواطنين والأجانب التي لم يعد أي جسم سياسي قادر على التأثير العقلاني النقابي السياسي عليها ككل، وصعوبة التأثير فيها بأشكالٍ ديمقراطية، أتاحت للقوى السياسية غير العمالية والمرتبطة بفئاتٍ وسطى نحبوية أن تهيمن على الحركة النقابية. في حين أن أقساماً من العمال الأجانب حصلوا على قيادات مؤثرة عقلانية ناضلت معهم بشكل قانوني لتحسين أحوال بعض القطاعات ونجحت في ذلك.

إن تداخلَ اليسارِ المغامر والقوى المذهبية السياسية مزيجٌ معبرٌ عن النفعيةِ الذاتية وإلغاء مصالح الطبقة العاملة وتطوير أوضاعها، وقد كسرَ ذلك التأثيرَ القوي لليسار العقلاني في السبعينيات من القرن الماضي حين تحدث التحركاتُ النقابية والسياسية بشكلٍ مبرمج وبدون عنف وتخريب.

في حين أن الوقت الراهن يوضح تأثير القوتين السياسيتين السابقتي الذكر في حرفِ نضال العمال، عبر ربطهِ بمغامراتهما السياسية الخطيرة على الوطن والمنطقة.

هنا نجدُ الفئاتَ العماليةَ المكَّونةَ بشكلٍ كبير من قوى الريف ليست لديها أي تجربة نقابية وأي عمق سياسي، وتعيشُ في حالاتٍ من القلق الاجتماعي والتأزم المعيشي والتخلف التعليمي، وهي التي يَسهُل إصطيادها من قبل قوى البرجوازية الصغيرة اليسارية والدينية اليمينية المتطرفة، ولهذا نجدُ الهروبَ الواسع من حلِ مشكلات العمال الاقتصادية والعملية والتركيز على الصخب السياسي، فبالإضافة إلى تطلب ذلك درساً لمشكلات العمال وصبراً على متابعة أوضاعهم المختلفة وطول نَفسٍ في تغييرها، فإن جماعات الجمل الثورية غير الواقعية، لا يمكن أن يعملوا مع الطبقة العاملة بشكل حقيقي مستمر، وهم مشغولون بتفجير النظام أو بالقفز على الحياة السياسية المنفتحة.

مساران لا يلتقيان؛ طبقةٌ عاملةٌ تحتاجُ لحل مشكلاتها العملية والمعيشية، تُجمدُّ مطالبها، وتُرحلُ نحو المغامرات السياسية. فتبقى المشكلاتُ الجوهريةُ والعاديةُ للعمال البحرينيين خاصة كما هي، فيما تزدادُ مشكلاتُهم عبر المغامرات السياسية وما يحدثُ فيها من خسائر إقتصاديةٍ وإغلاق مؤسسات وتدهور لأجورٍ وغلاء.

وهذا ليس تحاملاً على أخوتنا وأخواتنا في الهيئات السياسية والنقابية بقدر ما هو رصد لما جرى ويجري، وكون خلفياتهما السياسية المتشنجة لعبت دوراً كبيراً في عرقلةِ تطور حياة العمال كما في عرقلة تطور الشعب ككل.

لقد رصدنا تلك الخلفيات المتشنجة في مجالات سياسية ولكن هنا يتوضحُ تأثيرَها على حياة العمال، أي على طبقةٍ مؤثرة في تطور وعي اليسار بدرجة خاصة، فهي حاضنته الكبيرة.

ولكن كيف يكون الدينيون حاضنين لهموم العمال وللوعي اليساري معاً؟ هذا ممكن إذا تخلوا عن الرغبة في الهيمنة على المجتمع وسوقهِ لما يريدون من مخططاتٍ جاهزة ولا تطور وضع العمال، ومن أهداف سياسية غير منبثقة من علاقاتهم الاجتماعية الوطنية ويفرضونها بالقوة، وكأنهم يريدون نقل نموذجهم الريفي إلى المدن، حيث يقومون بنشرِ دكتاتورية كبيرة على القرى والنساء والعقول والحريات.

مثل هذا الوعي لا يتماشى مع حياة الطبقة العاملة، الطبقة الحديثة، المرتبطة بأكثر العلاقات الاجتماعية إنسانية، كما أنه موقف إستعلائي لا يدرس حياة الشغيلة ويطورها في ظروفها الحقيقية، بل لديه موديله الجاهز عليها، يجرُهَا إلى الشوارع والسجون والغازات والرصاص والمقابر ليحقق دولة الهيمنة المذهبية غير المتوافقة مع مصالح الكادحين. أهذا نموذج يعملُ من أجله العمال؟!

إذن لا بد من نقد الذات المتعالية والتواضع في طرح البرامج، وتطوير حياة الناس الحقيقية لا الوهمية، ومشاركة بقية القوى السياسية والاجتماعية في العمل المشترك لحل مشكلات البلد وليس لجلب مشكلات للبلد.

إن تحالفَ المذهبيين السياسيين اليمينيين واليسار المغامر هو تحالفٌ غيرُ مبدأي، فلا يستندُ على أسس فكرية وسياسية موضوعية مشتركة معبرة عن أهداف شعبية حقيقية، فالأولون يمثلون اليمين المتطرف والآخرون يمثلون اليسار المتطرف، فكيف يمكن ترتيب مبادئ سياسية موحَّدة بين الأثنين؟

نقول (اليمين المتطرف) لكونهم لا يستندون على قوى إجتماعية من الطبقة الوسطى، فالتكوينُ الأصلي ضائعٌ في ملامح مستوردة محافظة إيرانية، لم تُغربلْ وتُنقد وتتشكلْ بحرينياً على أساس إجتماعي واضح عقلاني من تاريخنا الوطني.

وهو الأمرُ الذي يجرُّ هذا التكوينَ المحلي لبرنامج يميني متطرفٍ تفرضهُ الأجنداتُ الإيرانيةُ المبحرةُ في محيطٍ عاصف، عبرَ علاقةِ ولاية الفقيه وحكم العسكر المتصاعد.

ومن هنا فهذا التحالفُ يمثلُ عصاباً إجتماعياً سياسياً، أي هو جنونٌ سياسي لا يتعقلن سياسياً، وبالتالي يبقى السؤالُ ماهو الحل؟ ليس ثمة سوى هزيمته السياسية، والهزيمةُ ذاتُ شروطٍ مناطقية عالمية ومحلية متداخلة، أي هي نتاجُ أعمالٍ تجري على صعيد المنطقة وعلى صعيد بلدنا. ثمة أشياء خارجنا لا نستطيع أن نغيرها وثمة أشياء داخلية نستطيعُ أن نؤثرَ فيها.

إن التحولَ الداخلي يتطلبُ صعودَ قوى الحداثة الوطنية وخاصة قوى الطبقة الوسطى والعمال. ودون نمو هاتين القوتين على الصعيد السياسي الاجتماعي لا يمكن أن يتم تفكيك الجنون السياسي، وإرجاعه إلى حيثيثاتٍ إقتصاديةٍ وإجتماعية وفكرية محددة، يمكن درسها وتغييرها.

إن تصدعَ اليسار البحريني هو شيءٌ واضح، ولكنه لم يمت، ولهذا يبقى مهماً في إعادة نموه بشكلٍ جديد يعيدُ وعياً ديمقراطياً في العمال، ولحمةً وطنية وثقافةً حداثية عقلانية، ويغدو مُراقِباً لجنوح التحولات الرأسمالية نحو الأهداف الذاتية المحضة.

إن الطبقة الوسطى يغدو تطورها محورياً، وأساس صعود الديمقراطية المستقبلية المتكاملة، ولكن الاقتصاد الحر مطلوب والهيمنات مرفوضة، فكيف تتشكل الدوافع الداخلية في الطبقة من أجل أن تجعل الاقتصاد الوطني وطنياً بشكل متصاعد؟ إنها ترفضُ القيودَ على إستيراد العمال الأجانب، وكلُ رأسمالي يشتغلُ في نطاقه الخاص، لا يدري باللوحة العامة، أي بالمشكلات والأخطار والظروف المتباينة، فكل ما يهمه هو نمو أرباحه، فكيف سيساهم في العملية الديمقراطية الوطنية المتصاعدة وهي أساس نمو متجره ليكون مصنعاً، وأساس نمو البحرين لتكون مدينة حرة كبرى مستقلة في إتحاد إقتصادي عربي خليجي عالمي؟ إنه فقط مشغول بحسابه اليومي وأرباحه الصغيرة، فلا بد له من كيان سياسي معبر عن هذا التحول لبرجوزاية وطنية خليجية عربية لها سوق عملاق.

أي تطور حديث لا بد له من هذا الجدل بين عمال وطنيين وطبقة وسطى وطنية يتعاونان على مشروع مشترك، يختلفان في بعض الجوانب، لكنهما يتحدان في الحفاظ على الخريطة الوطنية.

إن وجودَ مرضٍ واسعِ الانتشار دليل على غياب الصحة السياسية الاجتماعية، وإذا كان التطرف في المذهبية واليسار شائعاً، فهذا لغيابِ يمين وطني يستثمر بشكل عقلاني، ويسار ديمقراطي يحللُ وينقد ويتجاوز أمراض الطفولة اليسارية.

إن الجمهور الذي يؤيد التطرف هو جمهور ضائع إجتماعياً، وهو من جذورِ فلاحين مُقتَّلعين من تاريخهم الريفي المتماسك، وهو شباب طموح ضعيف الإمكانيات التقنية والفكرية، وهو نساء محرومات في البيوت لا يجدن فرص التفتح والأعمال وغير هذا من فئات تجمع الأحباطُ والجمود وقلة الوعي فيها.

إن كسب هذا الجمهور وتوعية الشباب المتحمس الفاقد للوعي السياسي العميق، يمكن أن تقوم به القوتان السياسيتان الاجتماعيتان السابقتا الذكر، كلٌ في موقعه، حيث تتبلوران على صعيد تنظيم للطبقة الوسطى على طريقة الوفد المصري الليبرالي العلماني الديمقراطي، وعلى صعيد نمو يسار ديمقراطي يعيدُ النظرَ في الشموليات المختلفة التي أُسرَ في أيديولوجياتها، وبهذا يقومان بتفكيك العقد العصابية الاجتماعية السياسية للمرض الطفولي في كل من المدينة والقرية، وهذا يتطلب زمناً سياسياً طويلاً لكن بعض خطواته الآنية ممكنة واتضحت في تصاعد عمل فئات وسطى للاستقلال الفكري السياسي التحديثي والتوحيد وتصعيد الرقابة البرلمانية وفي ديمقراطية النقابات وغير ذلك من مهام، لكن الطريق طويل.

والأمور تغدو أخطر مع التقاعس والجمود فثمة خلايا فاشية قد تنمو من هذا العصاب الاجتماعي وهي تتلاقح عبر الإعصار الإيراني وما فيه من كوارث وحروب على صعيد المنطقة.