إبراهيم العُريّض ــ الشعر وقضيته
إبراهيم العُريّض
✨ الشعر وقضيته
○ بيان العريض الشعري ودلالاته المضيئة الباقية
الشاعر والباحث الكبير إبراهيم العريض من الشخصيات القليلة في الجزيرة العربية والخليج الذي استطاع ان يبلور نظرة عميقة في رؤية الشعر وتطوره، حتى ان كتاباته النقدية والشعرية القصصية والملحمية لا تزال تخصب الواقع الثقافي وتحرض العقول على الكشف الادبي والبحث النقدي، خاصة كتابه (الشعر وقضيته في الأدب العربي الحديث). الطبعة الثانية سنة 1974، مطبعة حكومة الكويت.
الرؤية العربية الرصينة والكلاسيكية عند إبراهيم العريض كانت ضرورية للأجيال الشعرية الشابة في الجزيرة العربية والوطن العربي، لكنها ابتعدت عنها، ولم تتلاقح معها، وتستفيد من اعماقها وخبراتها.
الشعر لدى إبراهيم العريض كائن ذاتي وموضوعي معا، فهو وليد الذات الشخصية وتجاربها وعطائها، وهو ايضا نتاج الاحوال الاجتماعية والظروف الموضوعية. فالعريض يقوم بخلق جدلية عميقة بين ما هو شخصي وخاص وذاتي، وبين ما هو موضوعي وعام.
فما يصر عليه البعض من ان الانتاج الشعري وليد النبع الداخلي الخاص المحض، وشكل من تجلياته الغامضة غير المحددة في سياق، هو أمر مرفوض من الاستاذ الناقد، كذلك فان تصور البعض الآخر بأن الشعر والادب عامة، هو انعكاس للظروف الخارجية والعامة، هو أيضا امر غير صحيح.
والعريض يتغلغل أولا في الاسباب الموضوعية لتكون الشعر، معددا تجلياتها المتعددة، ابتداء من الظواهر الطبيعية المختلفة، التي تترك تأثيراتها المتباينة على نفوس ولغات الشعراء، مرورا بظروف الحياة، حتى الجذر العميق للحياة البشرية المتمثل في (العلاقات الاجتماعية التي عادة تنشأ جيلا بعد جيل بين أفرادهم، ذكورا واناثا وشيوخا وشبابا، وفئات واحزابا، ثم ظلت تتجدد وتتكاثر في المجتمع الواحد، وفي اكثر من مجتمع بين الرؤوس والاتباع، أو الملوك والسوقة، أو السادة والعبيد) ص 452.
هذه الاسباب الموضوعية هي التي يحددها العريض كأساس مادي لتشكيل الظاهرة الابداعية، الشعرية خاصة، فالانقسامات الجنسية والجيلية والطبقية، هي التي تلعب دورا حاسما في صنع الاساس الموضوعي العام للابداع.
والعريض في بحثه عن الجذور الخلفية للظاهرة الذاتية، يعتبر كافة العوامل السابقة ذات أدوار متساوية في صنع الظاهرة، فالاجيال والانقسام الاجتماعي تظل مؤثرات متكافئة ومتداخلة في تشكيل الأدب، ولا يلعب مؤثر منها دورا حاسما ومطلقا، مقتربا بهذا من نظرية العوامل المتعددة في صنع التاريخ والثقافة.
ومن خلال هذا الاساس الموضوعي لتشكل الشعر ينطلق العريض الى تاريخية الشعر وتوزعه على الزمن الاجتماعي، محافظا على هذا الهيكل المادي لتكون العملية الابداعية.
فهو يتبع الانواع الشعرية الثلاثة وهي الملاحم والمسرحيات والأغاني، أي الشعر الملحمي والدرامي والغنائي، في تجليها الاغريقي وخطها العلمي المستمر حتى الآن، معتبرا هذه الانواع أو الاصناف الادبية الرئيسية اساس تكون الظاهرة الشعرية العامة. وهو يرتبها حسب أهميتها ونموها التاريخي كذلك.
فالملاحم والمسرحيات الشعرية هي التي انبعثت أولا، في ظل الاحتفالات الباخوسية واحتفالات الشعوب القديمة بآلهاتها وأعيادها الربيعية والموسمية، ثم انبثق الشعر الغنائي بعدئذ، بعد انفصام المجموعات العشائرية وظهور الملكية الخاصة والشعور بالذات الفردية.
والعريض لا يقوم بتحليل أسباب تشكل هذه الانواع الشعرية تاريخيا، معيدا اياها الى جذورها الاجتماعية والروحية، لكنه يبحث عن أسباب تشكلها بشكل عام عند الاغريق، ثم تعثر تشكيلها عند الشعوب الاخرى، وخاصة لدى الهنود والفرس.
وهنا يقف العريض عند الأسباب الروحية في تشكل الشعر، حيث يرجع تطور اليونانيين الابداعي الى «نظرتهم» المؤنسنة للآلهة، وكيف انزلوها الى مصاف البشر، في حين كان عجز الهنود المسرحي يرجع لنظرتهم الصوفية، «وسموهم» بالإنسان الى مصاف الآلهة و«الزفانا»، أي الفناء في الوجود الأكبر.
وهذه الخلاصة هي نظرة مهمة للجانب الروحي وتأثيره الحاسم على الابداع، وان كانت المسألة تعود ايضا الى ظواهر متشابكة وأهمها المستوى الاقتصادي الاجتماعي للشعب الاغريقي، حيث المدن التجارية الحرة الديمقراطية، التي لعبت دورا حاسما في توجيه الارث الثقافي اليوناني، والشرقي القديم، نحو تعددية الاصوات، وتعميق ثقافة الحوار ــ الديالوج، والانسنة وحب الحياة والطبيعة، مما ولد الابعاد الدرامية خاصة.
في حين كان الشعب الهندي يعيش نظام الاستبداد الآسيوي والمشاعة الحرفية المغلقة، فتكون لديه نظام الطبقات المغلق والصوفية، وهي الحرمان المصعد والمتظاهر بالسمو. وهذا جعل نتاجه الشعري دينيا.
ويصل العريض هنا الى خلاصة هامة لافكاره، فيقسم الشعر الى منحيين، هما اللذان يخترقان ويشكلان ظواهره كلها، وهما المنحى «الواقعي» الذي يكون ذات الشاعر وخصوصيته، وهو ما نسميه في الوقت الراهن «الخاص»، وهو الذي يؤسس الشعر الغنائي والذاتي، حين ينطلق الشاعر متغنيا بأفراحه وآلامه، مصورا هذه الذات في تقلباتها وهجائها للآخرين أو مدحها لهم، وهي كلها ظاهرات ذاتية داخلية، لأن الشاعر يصف عواطفه واعجابه بدون تجسيدات موضوعية كأن يمسرحها في نماذج.
وهناك المنحى «المثالي» حين يخرج الشاعر من ذاته فعلا، عبر تقميص وتجسيد ذوات اخرى وشخصيات وأفكار مغايرة. وهو ما نسميه البعد الدرامي والملحمي للشعر، وهو أكبر من صفة «العام» المقابل للخاص. وأقرب تعبير له هو المنحى الموضوعي في الشعر. لأن تعبيري «الواقعي» و«المثالي» أقرب للفلسفة منهما للنقد الأدبي.
وتطور الشعرية لدى الشاعر هو في سيره من الذاتي الى الموضوعي، في نموه من ذاته نحو ذوات أكبر وتجسيدات موضوعية أشمل، كما يرى العريض.
ان الانواع الملحمية والدرامية هي الانضج والأهم شعريا، كما يرى العريض، في حين يبقى النوع الغنائي هو الأقل تطورا، ومن هنا، كما يضيف، نجد عمالقة الشعر الانساني هم صناع الملاحم والمسرحيات كـ هوميروس واسخيلوس وشكسبير وغيرهم. وهذا ما يجعل الشعر العربي ذا مكانة متدنية في الادب العالمي نظرا لسيطرة الغنائية عليه.
ان هذه الرؤية انقلابية في النقد العربي الحديث، فبدلا من أن يغدو الشعر العربي قمة من القمم في العطاء الشعري العالمي، يغدو في مكانة محدودة، نظرا لضعف الألوان والأصوات المتعددة داخله، وصدوره عن عالم صحراوي قليل العمق، مكرور التجربة، يعيد انتاج نفسه عبر الحقب، فلا يصنع ملاحم ولا مسرحيات بل قصيدة تصف وتمدح وتهجو، واذا تطورت في العصر العباسي فذلك عبر ادخال الفلسفة والحكمة داخل هذا الصوت الذاتي المسيطرة.
ويقول العريض هذا المعنى لكي يجنب عمالقة الشعر العربي كالمتنبي وأبي العلاء المعري ذلك الحيز الذي وضعهم فيه التصنيف النقدي الذي شكله.
والعريض مصيب في نظرته العمومية المجردة، فالشعر الغنائي ظل أقل مستوى من الشعر الملحمي والدرامي، نظرا لتأسيس هذين النوعين على بنى واسعة متكاملة تعتمد بنائية الصورة وتشكل النماذج والحبكات القصصية العميقة، التي ظلت تحاور البشر عبر العصور، رغم انطلاقها من ظروف مختلفة.
وعدم قدرة العرب على صياغة النوعين من الادب تعود لطبيعة تطورهم ومرحلتهم التاريخية. فهذان النوعان ارتبطا بالمرحلة الوثنية الطقوسية واحتفالاتها ومدنها وزراعتها، ومن الغريب المستبعد ألا تكون الشعوب العربية قبل الاسلام قد عرفت هذين النوعين، خاصة إذا عرفنا ان الشعوب السامية، الشجرة التي ينتمي اليها العرب، قد عرفت الملاحم الشعرية كملحمة جلجامش وغيرها. ويجوز ان تكون المرحلة الدينية الجديدة قد طمست الآثار الشعرية القديمة المرتبطة بتعددية الآلهة.
وفي وقت كتابة بحث الاستاذ العريض سنة 1954، لم تكن الدراسات الخاصة بوعي الشعري واللغوي والاسطوري قد وصلت الى ما هي علية الآن.
وكما شهد الشعر العربي تطورات جمة في النهضة العباسية، عبر نمو المدن والاحتكاك بالشعوب الاخرى. فانه شهد تطورات أخرى باحتكاكه بالحضارة الغربية ويعتبر العريض، مستشهدا بنازك الملائكة، أن أسباب التطور الشعري تعود إلى التأثر بالحضارات الأكثر تقدما وهذا أمر فيه بعض الصواب ولكن أمر التطور العميق يعود لتغيرات اجتماعية وروحية تجري في الأمة ذاتها يسرعها الاحتكاك الخارجي وينميها.
وهكذا فان الغرب ساهم في خلخلة العمود الشعري العربي. وخلق الأشكال الشعرية الجديدة، غير ان الدلالات والمناخ الفكري يعود للتربية العربية فالتطورات الفكرية المتصاعدة هي التي كسرت شكل القصيدة الكلاسيكية، وأفضت الى الاشكال الجديدة.
ومنذ وقت مبكر حذر العريض من الانطلاقات الفوضوية في شكل القصيدة، مطالبا بالحفاظ على بنية مرنة وكلاسكية، بل ومقدرا حتى قصيدة التفعيلة كما يكتبها نزار قباني، وكان هذا وعيا ناضجا لم تستفد منه الحركة الشعرية في البحرين كثيرا فيما بعد، نتيجة القطيعة بين الاجيال، وعدم أخذ تجربة العريض الغنية بعين الاعتبار.
في مختارات العريض للشعر المرافقة لهذا البحث، يقدم مختلف أنواع القصيدة الحديثة، والعديد من الاصوات الرومانسية والثورية والذاتية، معبرا عن تعددية جميلة ورصينة.
وكل الاصوات المتعددة التي يقدمها العريض كعبدالوهاب البياتي وفدوى طوقان وعلى محمود وايليا أبوماضي وأحمد الصافي والجواهري وعمر أبوريشة ونزار قباني، تؤكد الابعاد المتعددة التي يريدها العريض للصوت الشعري، وهي جزء من نظرته الى الذات الشعرية، حيث يعتبرها متعددة الموجات والمراحل، ولا يمكن سبر أغوارها، فهي لا نهائية التطور.
فالشاعر من الممكن أن يعبر عن اصوات متعددة، ومواقف مختلفة، ويلبس أقنعة كثيرة، وتبقى ذاته مستمرة التشكل، ولهذا فان الصنف الشعري الغنائي، المعبر بجلاء عن الذات، هو النوع المبسط، قليل العمق ومعدوم الاقنعة، في حين ان الصنفين الدرامي والملحمي هما الاقدر على اخفاء ذات الشاعر، واعطاء صوره بقاء وتنوعا، كما يتيحان له البقاء وسط التحولات والتقلبات.
نظرة الاستاذ العريض هنا لم تتوجه الى مسألة تشابك الاصناف الشعرية، حيث انه من الممكن ان تحوي أبعادا درامية وملحمية، والعكس صحيح كذلك.
ومن هذه الزاوية، يمكن رؤية جدلية الاصناف الشعرية، تعبيرا عن جدلية الانواع الادبية كذلك، فالشعر والقصة والمسرحية، يمكنها ان تتصل، محافظة على انواعها المستقلة. وفي النوع الواحد كالشعر، لا توجد حدود كبيرة، رغم أهمية الحفاظ على قانونية الصنف أيضا. فقد خلق احمد شوقي قصائد غنائية شعرية لا دراما شعرية.
وفي تجربة العريض المهتمة بالتشكيل الموضوعي للشعر، أي بتجسيده قصصيا وملحميا، كذلك، الغنائية المتفجرة، المتقطعة، الملتحمة. ومن هنا كان اعتماد العريض على التسلسل المنطقي والزمني والبنائية الصارمة، اقترابا منه لمعمار القصة المتعدد الاقنعة.
هل نقول ان كل ما طرحه العريض عن الشعر وأصنافه وذات الشاعر وأقنعته المختلفة، ليس سوى بيان العريض عن شعره وعالمه الابداعي الواسع؟
أليس كل هذا الوعي عن الآخرين وأفكارهم، سوى تجسيد لصوت العريض ونظراته؟
✨ القصة الشعرية عند إبراهيم العريض
اشتهر الشاعر إبراهيم العريض كشاعر قصصي كبير، استطاع ان يخلق القصيدة القصصية الرومانسية الطويلة، بعد عمليات خلق شعرية دؤوبة، ان هذا الروح القصصي العالي كان مثار ملاحظة واسعة من قبل العديد من الدارسين والشعراء.
يقول عنها الاستاذ حسن الجشي في مقدمة ديوان العريض:
[ويبدو ان العريض اكتشف نزعة القص عنده من خلال قصيدة «مي» التي كانت تحتل مكانة بارزة في نفسه، ولعل فرحة الاكتشاف هذه هي لتي جعلت هذه القصيدة اثيرة على قلبه، بيد ان الاهم من ذلك انها كما قلنا بداية نقلة جديدة تحول بعدها العريض من القصيدة الغنائية البحتة التي ضاقت بأحاسيسه ورؤاه وخبراته الانسانية الى القصيدة الموضوعية ذات الطول المديد في حركة متطورة . .] ديوان ابراهيم العريض، طبعة دولة الكويت سنة 1979.
ويضيف الاستاذ الجشي داخلا الى نسيج تجربة العريض الشعرية القصصية:
[ان اكثر قصصه . . ذو بنية مركبة ولهذا نجد منه التعميم والبناء العضوي، والتخلص من الخطابة ومن الاسلوب الوعظي الذي يشيع في قصص مطران الشعرية . . وهو في هذا البناء يستخدم الحوار والمناجاة واحياناً المونولوج الداخلي . . ويتميز الرد القصصي عنده بطابع فني غالباً . .].
ويقول عن شعر العريض القصصي الاستاذ غازي القصيبي ما يلي:
[لقد ارادت طبيعة العريض له ان يكون روائيا وأراد هو ان يكون شاعراً فكان لكل منهما ما أراد، واصبح شاعراً روائياً، أو روائيا شاعراً، ان العريض لا يستطيع ان يكتب قصيدة دون ان يحولها الى رواية أو على الاقل اقصوصة] غازي القصيبي، قصائد أعجبتني، دار ثقيف للنشر والتوزيع، 1982، ص 69.
سنأخذ قصيدة «بين عشية وضحاها»، ص 145، من الاعمال الشعرية الكاملة، كمثال تطبيقي لهذا النفس القصصي، الذي لفت الأنظار وسنحاول فض بعض اسرار هذا النص الأدبي، في عملية نموه القصصي، بالدرجة الاولى.
القصيدة تتكون من فقرتين رئيسيتين، حددهما الشاعر برقم (1) و(2)، وبدا ان العنوان ينطبق على تقسيم الفقرتين، فالرقم الأول يقابله «عشية»، والثاني يقابله «ضحاها»، فهاتان الفقرتان الكبيرتان، تقسمان الزمن الى ماض، وحاضر، أو هما تجسدان حكاية، لها أولها، ولها خاتمتها، والفقرة الكبيرة الأولى هي عن الحاضر، الذي ينقلب الى ماض، والحاضر يبقى كنهاية للحكاية، وبين الماضي والحاضر هناك خط الحكاية المضفور من علاقة حب سريعة خاطفة بين فتى صياد وفتاة غنية، في ليلة عاصفة، في بنية اجتماعية متناقضة، لا تسعف الحب ان ينمو ويتشكل، وتؤدي بالحبيب الى الافتراق التام القاطع، ثم التلاقي بعد عشرين سنة، في موقع آخر، لم تتغير فيه البنية الاجتماعية المتناقضة، بل تغيرت احوال الحبيبين، فصار الفتى الصياد الفقير فناناً شهيراً، وصارت الحبيبة زوجة وأماً، وبقى شيء واحد لم يتغير هو ذاتا الحبيبين المفعمتان بحب فاشل.
هذه الحكاية لا يلقيها علينا الشاعر دفعة واحدة، بل هو يرسمها لحظة بلحظة، وينميها عبر الوسطين «الطبيعي» و«الاجتماعي» أي مظاهر الطبيعة وأحوال المجتمع، لكن سرعان ما ينزاح «الاجتماعي»، ليبقى «الطبيعي» مسيطراً على اللوحة، ولهذا فان التنمية الشعرية القصصية، عبر تشكيلها للمناخ المحيط بالشخصيتين، تعطي فرشة موضوعية، الى حد ما. وارضية لتنقل «البطلين»، تفسر بها افعالهما وحياتهما، ولكن نظرا لانزياح «الاجتماعي»، وسيطرة «الطبيعي» فان تلك الارضية تختفي.
في الفقرات الشعرية الصغيرة داخل الفقرة الشعرية الكبيرة، هناك محافظة كمية على عدد الابيات، حيث تبقى بشكل ثابت تسعة ابيات، ما عدا نهاية الفقرة الكبيرة الأولى، حيث يزيد بيتان، وما عدا نهاية الفقرة الكبيرة الثانية حيث ينقص بيتان.
الهندسة البنائية الدقيقة تتشكل منذ ضربات الفرشاة الأولى حيث التصوير للقرية بمناخاتها الطبيعية والاجتماعية، واللقطة الأولى هي لقطة عامة للقرية في شكلها الواسع، الرابض عند البحر، ويبدو واضحا طابع القص الذي يسيطر على العملية الشعرية، يقطعها ويوزعها، لكي ترسم ملامح الاشياء والظاهرات.
على شاطئ البحر في قرية تلـوح بعـزلتهـا الـدائمـة
كأن الدجى لفها بالسكون فما برحت دهرها نائمة
فتصوير المكان المحدود للقرية، سرعان ما يندفع الى رسم زمانها، ليندغم هذا الوقت الليلي، الغروبي، بحياة القرية العميقة، الغائرة وراء الظاهرات المباشرة، فكأن لحظة العزلة المكانية، والانحباس عند البحر، هو اللحظات الدائمة المستمرة لتخلفها، لنومها في الظلام، ومفارقتها «للحضارة» والمدنية.
فيغدو الانحصار المكاني، والظلمة، بوابة سريعة لدخول عالمها الداخلي الحبيس في العصور القديمة.
وليس الانحصار المكاني، إلا تتمة للانحصار الزماني، فالزمن رغم مروره الدائم فوق هذه القرية، إلا انها تبقى خارجة، فهذه الشمس «عروس النهار» تطل عليها، لكنها لا تلبث في جوها إلا «حالمة»، لا مغيرة، وهذا البدر يطبع قبلة طويلة، لكنها لا تؤدي الى خصب وتبديل، فيبقى كل شيء كما كان.
والوصف هنا متسلسل، متتابع، منطقي، تتداخل فيه بكثرة حروف العطف تربط بين الصور المنسابة بتلقائية، وتجمعها في لوحة مكثفة، تصف عالم القرية، حتى تصل في خاتمة الفقرة الصغيرة، الى كشف القوة المضادة لعالم القرية، انه البناء الشامخ المطل عليها.
وفوراً يكشف الشاعر، هذا التناقض الكبير في البنية الاجتماعية، التي يرصد بطله فيها. فهذا البناء:
يقيم به نائب . . أمـره مطاع . . وسطوته غاشمة
فلو ايقظ البحر امواجه لمــرت بــأعتــابــه لاثمــه
ان التداخل بين الاجتماعي والطبيعي يبرز هنا كذلك. فالقرية ليست محصورة في شق مكاني فحسب، بل في زاوية اجتماعية كذلك، فهي تنحشر اسفل هذا البناء الشامخ، وتركع تحت سياط هذا النائب ذي السطوة.
ويواصل الشاعر رصد هذا التناقض، عبر وصف شعور اهل القرية تجاه هذا «النائب»، وحياتهم الصعبة داخل تلك الأكواخ.
المقطع الصغير التالي يتجه لرسم صورة «البطلة»، الشخصية الأنثوية الرئيسية في الحكاية. وهذا الاتجاه الأول والاساسي للتركيز على الشخصية الانثوية ، ليس عفوياً، فهذا جزء من الوعي الرومانسي، النهضوي، تكون المرأة غالباً لدى العريض ينبوع الحب وبؤرة الصدام الدرامي ــ القصصي، وغالباً ما تكون هذه المرأة تعيش في عالم مبهر، غني، مرفه، وأيضاً: شاعري، وطاهر، فهي ليست سوى الجمال والنقاء اجتمعا في الانسان.
إن البطل ذا المنبت الارستقراطي، غالباً ما يكون محور الحكاية، أما البطل الفقير، فهو يخرج عادة من دائرة الوصف القصصي، وهذا يعبر عن حدود النزعة الرومانسية لدى الشاعر في تحليلها للحياة والنموذج الانساني، هذه الصورة الرومانسية لا ينثرها الشاعر في قصيدته، بل هو يخلقها عبر الفعل القصصي، الذي سيبدأ بعد، يتوقف تدفقه، مقطع مقتضب حول الطبيعة، وقد طالعتها هذه المرأة الشابة «الخود». حيث ترى الشمس في حالة عشق للإله، والبحر يصير انثى تلملم اردانها امام النسيم الذكوري، تغدو العلاقة بين النسيم والبحر علاقة حب مطردة وكأنها اشارة لما سوف يجري لاحقاً.
ومرة اخرى يظهر التضفير بين الطبيعي والاجتماعي، ولكن الاجتماعي الآن، هو النفسي المحض، المشاعر والعواطف، وقد انفصلت عن تربتها. يتم التركيز منذ الآن على عواطف المرأة والرجل.
فها هي المرأة ترى قارباً نشطاً يحمل فتية متجهين للصيد، فتعلن التمرد على القصر وتنطلق الى البحر.
مثل هذه الحركة القصصية تبدو غريبة، إبان الثلاثينات من هذا القرن، ولكن الشاعر لا يصف واقعة فعلية جرت في الخليج. أو في الهند، بل هو يشكل علاقة غرامية «خيالية»، استقت من بعض جوانب الواقع، لكن تم تغييرها واطلاقها، عبر هذا الوعي الرومانتيكي.
وتركيز الشاعر القاص على الفتاة، هو لكون المنبت الارستقراطي غير معبأ بمشكلات وتضاريس القرية، كما هو حال الفتى، وسوف يتيح نموذجها السياحة خارج التفاصيل الملموسة للواقع، فالمرأة سرعان ما تحررت من سجن القصر والقرية معاً، وطارت كالحمامة، أو النجمة، وبدا أن كل شيء في الطبيعة يمارس الحب معها، وخاصة هذا النسيم الذكوري الذي يقبلها فيصير ندى.
ولكن هذه اللقطات الجزلة، سرعان ما تتحول الى لقطات عاصفة، فيثور الموج. وينكسر زورقها، فتغدو الطبيعة عاملا داخلاً في الحدث كذلك، ومؤثراً ملموسا في تشكيل العلاقة بين الحبيبين المنتظرين، فتلك الكف التي سارعت لانقاذها من «الغيب» هي لذات الفتى الذي سيكون الحبيب، والتي تتعهدها بالعلاج وتسمعها الانغام الجميلة من عودها.
[ونعجب هنا كيف لم يقم القصر بحملة بحث عن الفتاة الضائعة، وكيف سمحت الظروف المتخلفة القروية لتلك العلاقة بين فتى وفتاة ان تنمو؟ انه الوعي الرومانسي في قطعه للمشاعر من سياقها البيئي، وامتلاك هذه المشاعر لطبيعة القص].
ان العواطف الطاهرة والموسيقى النورانية القادمة من وراء الغيب، كلها تجتمع لخلق العلاقة الغرامية بين البطلين، ويتشكل الحب تلقائيا عفوياً، وكأنه جاء من مصدر نوراني، وليس علاقة انسانية مباشرة.
ان هذه العلاقة الغرامية الرومانسية ــ الصوفية، هي فوق الوقائع المباشرة والملابسات اليومية، ولهذا فان كل التغيرات القادمة والسنين، لن تفعل شيئاً في تغيير «الداخل»، فما الخارج، بتكويناته الاجتماعية ومظاهره، سوى قشرة رقيقة «زائفة».
ولكن ثمة شيئاً ينفجر ويدمر هذه العلاقة، وهو مع ذلك جزء من هذا الخارج «العابر». انه انتماؤها للقصر، وعلية القوم، والاب النائب الشرس، ان التناقض في البنية الاجتماعية، بين القصر والقرية، يعود هنا، بصورة حديثة، مجسدة، عبر التناقض بين الفتى والفتاة.
لِمَ لَمْ يعتبر الفتى هذا التناقض جزءاً من هذه القشور الخارجية، ولم يكتف بالداخل النوراني العميق؟ لم حول هذا التناقض الخارجي الى بتر لهذه العلاقة «المقدسة»؟
ان الفتاة تقر بظلم أبيها، وهي تعود الى بيتها، في منولوج تعليقي على الحدث السابق، ولكنها تصل الى لحظة تنويرية خاصة، ان رد حبيبها على ظلم ابيها هو ظلم ايضاً، ولكن بحقها. إن الحبيب لم يتميز عن الأب، فلم ينسج من سيطرة الخارج، ليسمو فوق التضاريس الاجتماعية، بل انحشر فيها، ولم يرتفع كما ارتفعت هي، فأكتمل حبها وتطهرها.
وغــاظــك ان ابـي ظــالم ألست بظلمك لي صاحبه؟
وبهذه الفقرة انتهى الحاضر، وصار ماضياً، وانتقل الزمن عشرين سنة، تبدلت فيها الاشياء، وهي المظهر، ولم تتبدل القلوب، وهي الجوهر.
وهنا تبدو العلاقة منقطعة، معدومة، بين القرية والقصر، فلم يكن ثمة تفاعل، فالفتاة تنقطع كلية عن الفتى، وتتجه لخدمة زوجها واطفالها، وتنجب طفلة هي نسخة منها. وكأن دورة الحياة الرومانسية تعيد آليتها بشكل دائم عبر هذا التكرار. فأيضا الابنة هي قمة الفتنة والطهر والعذوبة، وهي ايضا ستتجه لرؤية البحار السابق، وقد تحول هنا، بعد دورة الزمن هذه، الى فنان موسيقي كبير.
والشاعر القاص لا يضيع نسجه القصصي هباء، فرغم استطالته في وصف الابنة، إلا انه يستخدمها كصورة من الأم فقط، وكوسيلة لتنمية الحدث القصصي، وبعث المشاعر الداخلية العميقة التي لم تمت، فلقد هصرت سنوات الزواج المرأة، واذبلت ابتساماتها، ولا تشتعل هذه الابتسامة إلا عندما تذكر حبها القديم، والبحار المنقذ، فكأن الزواج هو جزء من الظاهر، والحب هو وحده الفرح الحقيقي المفقود.
وتتجه الأم والابنة الى الحفلة الموسيقية، وتكون ثمة صدفة جديدة في سلسلة المصادفات، أو قمتها، وهي الالتقاء بالبحار السابق، الموسيقي حاليا، وهو يعزف العود ويحرك الجماد.
ان هذه اللقطة الأخيرة، هي قمة كل المشاعر والحدث، فالموسيقي يرى المرأة، ويعرفها بسرعة، فمظاهر العشرين سنة لا تستطيع ان تحجب الجوهر، ويعزف بوله لها، ويندم في غنائه على تضييعه للحب، وتسأل الفتاة امها، عن هذا المغني المعذب، فتخبرها الأم، ببساطة، انه أحبها يوما، وليست كلماته الغزلية، المشبوبة الاداء الآن، سوى كلمات طالعة من قلب اقفر ومات! وتنتهي الحكاية.
وهكذا عندما وصل الفتى البحار، الموسيقي الناضج حاليا، الى ذات الموقف الرومانسي المكتمل، تكون هي قد ابتعدت عنه، رغم ان ذاتها كانت مليئة بحبه.
هذه المفارقات العاطفية سببتها تلك البيئة الاجتماعية المتناقضة، والوعي المندس في شقوقها، لا الطائر المحلق بعيدا عنها، ان الموسيقي الآن قد حل اشكاله الخاص مع البيئة، وارتفع، ولم يعد بحاراً فقيراً، ووصل الى مرتبة الحبيبة الاجتماعية، والآن هو قادر فحسب، على ان يحبها حقا، وان تكون له، ولكنه لم تعد له.
ان التمسك بالبيئة الاجتماعية ومراتبها، هو قشور حسب وعي إبراهيم العريض ورؤيته الرومانسية، سواء كان هذا التمسك سلباً ام ايجاباً، ثورة أو قمعا، وهذا هو سر المأساة. فلو ارتقى البحار في تلك اللحظة القديمة، عن غضبه، وارتقى الى «الجوهر» الانساني، الى النقاء والطهر الروحي، بعيدا عن «مظاهر» الفقر أو الغنى، القرية أو القصر، كما فعلت الفتاة «النقية» لكان سعيدا الآن.
هنا نرى رؤية العريض، التي ترى الصراع الاجتماعي، ولكنها تعتبره من القشور، لأن الجوهر الانساني الخالد يسمو فوقه. ولا يمكن للفنان ان يبقى حبه إلا بالسمو فوق النزاع «العارض»، ولا يحدث الرقي والنور، إلا عبر هذا التجاوز للتضاريس الاجتماعية ولا يمكن للقرية، بالتالي، ان تصعد، للنور، للنهضة، إلا عبر هذا التسامي.
وإذا كانت القرية ككل لم تصعد، فان الفنان ابنها، ارتقى، عبر احدى أدوات النور، وهو الفن، وحين وصل، الى ذات المكانة الاجتماعية، اكتشف، ان كل تلك المستويات المتناقضة، هي مجرد مظاهر، ولكن في اثناء الرحلة، كان قد فقد حبيبته.
ان آلية الوعي الرومانسي تتحكم في البنية الفنية هنا، فالطبيعة قوة اساسية متداخلة ومؤثرة في الاحداث والمشاعر، وتمتلك كينونتها النقية، والمشاعر المرتفعة فوق الزمان والمكان هي القوة المهيمنة في نسيج الحياة، وهي كالمواهب والأفكار من مصدر علوي، والصدف هي التي تلعب الدور الحاسم في تنمية الاحداث، كوجه من اوجه تجلي القدر المهيمن على نسيج العالم.
والشاعر يعتمد في تجسيد هذا الوعي الرومانسي على قوانين نمو الحدث القصصي في جزء من الواقع. فيجسد الجو العام للحكاية، وينمي الحدث، ويرسم الشخصية المحورية، من خلال تصاعد الحدث، لكن هذا الحدث ينسحب تدريجيا من أفقه الاجتماعي، ليجنح في عالم المشاعر، وهي مشاعر شخصية واحدة، اثيرية، حالمة، وليس عبر تعدد المشاعر وتناقضها، وحتى حين يحدث التناقض النفسي يدور في سياق العاطفة الرومانسية وحدها.
✨ من المعارك الادبية في البحرين
○ إبراهيم العريض في مواجهة كاتب مجهول
مقابلة صغيرة قامت بها مجلة «القافلة» في سنة 1954، بالبحرين مع الاستاذ إبراهيم العريض ادت الى حدوث مناقشة أدبية ساخنة لبعض قضايا الأدب، وطرحت أسئلة جوهرية حول ماهية الأدب وعلاقته بالمجتمع. سوف نقرأ جزءاً من هذه المقابلة، وبالأخص المقاطع التي استدعت الحوار بادئ ذي بدء:
القافلة . . تسأل والأستاذ إبراهيم العريض يجيب:
● أنت ــ وإن تواضعت ــ استاذ روحي لجيل من الشباب البحريني الحي وأديب عالمي . . فما هي النصيحة التي تقدمها للأدباء الناشئين من الجيل الجديد؟
○ نصيحتي للأدباء الناشئين من الجيل الجديد بألا يقطعوا صلتهم بمصادر الثقافة العربية القديمة. فبدونها لا يمكن أن يقوم للعرب كيان قومي. وهلكت أمة لا تاريخ لها. ولست أعني بهذا بأن يعيشوا عالة على عصرهم فان لكل عصر مشاكله الخاصة. والشعب الذي يتنكر لشئون عصره يصبح في حكم الأموات إذ تلفظه الحياة.
ولقد كانت مصيبة الأمة العربية طوال العصور هي في تصور أبنائها انهم يستطيعون ايقاف عجلة الزمن.
■ المثل الأعلى للجمال
● ما هو المثل الأعلى للجمال؟
○ الجمال نسبي. فلا يمكن أن يكون له مثل أعلى. فكل ما هذب ذوقك ووسع احساسك بالحياة وزادك بها على تطاول العمر متعة وسروراً وكان عاملاً على رفع هذه الغشاوة عن عينيك بحيث ترى الدنيا زاهية الالوان لا مجرد سواد أو بياض. كل ذلك بالنسبة اليك والى من لهم علاقة بك هو الجميل.
● يتهمك كثير من المعجبين بك بأنك انطوائي تضن على أبناء مجتمعك بما من الله عليك من شاعرية فذة وتفكر سليم . . لماذا لا تحاضر في الأندية الادبية فترضي المتعطشين الى ادبك؟
○ لا أدري كيف يجتمع الاعجاب والتهمة في آن؟! على ان كلمة «انطوائي» مطاطية تستطيع أن تحملها ما شئت من معنى . . ولن تصل بها الى نتيجة. ولو أردنا التحديد لقلنا ان من الادب ما يعالج مشكلة الفرد في ظروفه الغابرة وهي لا تتجاوز زماناً بعينه في هذا المكان أو ذاك، كالقضايا التي تعرض على المحاكم أو كالوصفة الخاصة التي يصفها الطبيب الى مريض مثلاً تحت العلاج، فهذه لا بد من تغيرها من يوم الى يوم. وكذا أدب الصحافة. ومن الادب ما يتجاوز هذه النظرة الضيقة الى أفق الحياة الأوسع حيث تلبس المشكلة رداءها الانساني وتخرج من نطاق الفردي بحيث يسري حكمها على «الإنسان» في كل زمان ومكان فلا تعود قضية خاصة.
ويضيف الاستاذ العريض:
ولقد كنت دائماً أهتم من الادب بهذا الجانب الذي يرى المشكلة انسانية قبل كل شيء، أي لا تخص زيداً أو عمرواً من الناس فحسب بل تتعداهم الى «الإنسان» الجانب الذي لا يتقيد لذلك في الحكم لها أو عليها بظروفها العابرة التي قد تختلف باختلاف الأحوال. ولعل من هنا فضل القصة ــ عند بعضهم ــ حتى على وقائع الحياة. وصح اعتبارها باباً من أبواب الادب الرفيع اليوم وان كانت محض خيال، وترى لذلك شعري كله قصصاً . . حتى ما دار منه حول مأساة فلسطين.
■ أين الحقيقة؟
ويثير هذا الرأي حفيظة أحد القراء ــ ولا أظنه إلا أحد الكتاب ــ فيكتب في زاوية «آراء حرة» مقالة بعنوان «أين الحقيقة!»:
اريد أن أقول للأستاذ العريض ان هذا الادب الصحافي الذي يعالج هذا المجتمع الصغير. الذي هو جزء من المجتمع الانساني الكبير هو أدب انساني ايضاً، وكذلك أرض الشهداء. أما اخت شيرين وورقة التين وبيني وبينها وزهرات من خميلة الخيام وغيرها فليست أدباً انسانياً وليس الاستاذ العريض أديباً بالمعنى المفهوم، أديباً لا يجده زمان ومكان كطاغور مثلا الذي تغنى ببلاده وصور ريفها ومدنها وعاش وطنه بقراه وسهوله وبساطته وغموضه حياً خالداً في ادبه.
اما ما (يقوله) الاستاذ الفاضل على الادب اليوم من أن القصة تأخذ مجالاً بارزاً فيه ويفضلها بعضهم حتى على وقائع الحياة رغم انها خيال محض (فخطأ) الآن. الأدب اليوم لا يحتضن من القصة إلا ما يصور وقائع الحياة ويعالج المجتمعات الانسانية قبل كل شيء. فـ غوركي وهوارد فاست وتولستوي وغيرهم من أعلام القصة لم يكتبوا خرافات وأساطير خيالية، وإنما كتبوا قصصاً واقعية من صميم الحياة (….) فمن صميم الشعوب اغترف هؤلاء العمالقة أدبهم، من وقائع الحياة، لا الخيال المحض.
هناك تناقضات عديدة بين رأي الاستاذ العريض وذلك الكاتب المجهول. انهما يقفان على طرفي نقيض، ويتقبلان بشكل غير جدلي، الأمر الذي يشير الى وحدة الرؤية رغم الاختلاف.
محاولة للقراءة
سنحاول هنا أن نقرأ الحوار على ضوء وقته.
للعريض تصور خاص ذاتي للجمال وهو ان الجمال ما يجعل عينيك تريان كل شيء زاهياً. ان «الجميل» هنا هو أمر خاص بالفرد، بالذات الخاصة المنعزلة عن الآخر، فكل ما يجعلها تتمتع وتسر كان جميلاً.
لكن لدى الكاتب المجهول ان الجمال هو في رؤية الواقع على مرارته. ان تركيزه «الواقع» و«الحياة» و«الوطن» وان في اكتشافه رغم وجود السوء والقبح والتعاسة فيه، هو الأمر الباعث والخالق للجمال في الادب، هو أمر هام هنا جداً. فالكاتب يريد جر العريض الى مصدر الجمال ومقياسه الحقيقي والموضوعي، وليس الى الذات وأحاسيسها الفردية المنعزلة.
وتتضح شقة الخلاف بين المفهومين عندما يؤكد الاستاذ العريض ان الادب لا يعالج مشكلة الانسان في «ظروفه العابرة» بل يتجاوز المكان والزمان.
أما الكاتب فيرى على العكس ان في الغوص وراء هذه «الظروف العابرة» والاتجاه الى الواقع بكل مظاهره وبشره هو مهمة الادب.
وحقاً كيف يمكن الارتفاع عن «الظروف العابرة»؟ وهل يمكن للأدب أن يكون خارج الزمان والمكان؟
ولم يكن أدب العريض نفسه خارج الزمان والمكان، بل كان داخله، ولكن اتجه الى مناطق بعيدة وأزمان مختلفة، الى «فلسطين» والى «الاندلس» وغابت ملامح البلد، أي البحرين، في زمن العريض ذاته، عن أدبه بشكل واضح.
أي ان الخلاف ليس هو حول الخروج من الزمان والمكان بشكل مطلق، وذلك مستحيل، ولكن الخلاف يتركز على الخروج من زمان ومكان محددين والزمن هو النصف الثاني من القرن العشرين والمكان هو: البحرين.
ان الادب المتواضع المتواجد حينذاك حاول أن يتجه بقوة الى الحياة، وكان أدباً «صحفياً» كما وصفه العريض. لأنه اهتم بالكثير من القضايا «العابرة» فعلاً كتعدد الزوجات، ضرر الطلاق، الشعوذة . . الخ.
ان هذا حقاً لم يتوغل في الحياة، ولم يتجذر فيها بسبب ان الوعي الفني المتشكل حينذاك فحسب لم يكن بعيداً عن «الوعي الصحفي» كانت الرغبة في التأثير السريع، وكذلك عدم التمكن من فهم واستيعاب ادوات الادب والفن، ومناخ الخطابة السائد، من الأسباب التي أدت الى عدم تحول هذا الادب الصحفي الى أدب حقيقي.
ولكن على الرغم من ذلك فلو ان الادب الصحفي قدر له ان ينمو في بيئة صحفية مستمرة، ومناخ مزدهر، لأمكنه فعلاً أن يتجاوز صحفيته وسرعته الى الادب وهذا ما بدأ يتشكل بعد ذلك في مرحلة تالية من نمو الصحافة البحرينية، ولكن مع فارق جوهري هو نمو وعي اجتماعي مختلف.
■ تضــاد غير جـدلي
ويتضح التضاد غير الجدلي بين العريض والكاتب المجهول في الحديث عن «الخيال» فالأدب لدى العريض هو خيال محض، فهو يعتبر القصة من أبواب الادب الرفيع وان كانت «محض خيال». وهنا يبدو الخيال في تصوره متعارضاً بشكل مطلق مع الحقيقة والواقع.
أما الكاتب الآخر فيندفع الى الجهة المعاكسة تماماً فيرفض ذلك «لأن الأدب اليوم لا يحتضن من القصة إلا ما يصور وقائع الحياة . .» فيبدو الخيال هنا خارج الادب، فينتمي الكاتب بهذا الى «الوقائع» الى «صميم الحياة» بينما العريض يتوجه كلياً الى «الخيال».
هنا نجد مفهوماً غير حقيقي عن الادب، فالخيال ــ وهو ميزة جوهرية في الابداع ــ يقف على طرف نقيض من التصوير الادبي الذي يجب ان يكون «واقعياً» أي بمعنى أن يسجل ويعكس بشكل حرفي ما يدور في الحياة.
وهذا الرفض للخيال، رغم خطأه الطفولي، مبني على عداء واضح للأدب الذي لا يتجه لاكتشاف الواقع، للأدب المنتمي الى مدرسة «الفن للفن».
نجد أن ثمة نقيضين هنا لا يتآلفان جدلياً: الواقع المباشر والخيال، فالأدباء الحقيقيون في تصور الكاتب المجهول هم المتجهون الى هذا الواقع والمبتعدون عن الخيال، الذي ليس سوى هروب وكلام فارغ. أما في تصور العريض فالأدباء الحقيقيون هم المغمورون بهذا الخيال والمبتعدون عن هذا الواقع المباشر المتغير الزائل الصالح للصحافة.
ان ادب العريض كما لاحظ الكاتب فيه الكثير من تجاهل الواقع المحلي، تجاهل للفقر والعذاب والاضطهاد الاجنبي انطلاق الى قضايا وجدانية شخصية أو اتجاه لأدب يتحدث عن قضايا «قومية». انه أدب يفتقد التماس مع الواقع البحريني، فهو أدب بهذا المعنى، غارق في الخيال، ويسكن «البرج العاجي» ولا ينزل الى السوق والحارات.
في تلك الفترة، أي في سنة 54 وما تلاها، كان ثمة زخم وطني تحرري كبير في البحرين، فقد اندفعت الطبقة الوسطى للصراع المباشر مع الانجليز واستغلت الصحافة والأندية وكافة الاشكال المتوفرة لنشر الوعي واستقطاب الناس لآرائها.
وكان العريض بؤرة أدبية هامة، وشخصية لامعة على المستويين المحلى والعربي، فكان أمر جذبة لهذا الصراع الدائر، والاستفادة من كتاباته وآرائه، مطروحاً بقوة لدى المثقفين البارزين في الطبقة.
وكان هذا الحوار والتعليق ــ الذي يبدو انه من أحد كتاب المجلة نفسها ــ والمناقشات التي تلت هي جزء من عملية التأثير في هذه الشخصية الادبية البارزة.
لكن المسألة كانت أكبر من ذلك. فإبراهيم العريض قد كرس لنفسه منحى مختلفاً، فهو ذو علاقة وثيقة بالوضع السائد، وقد أبعد أدبه بشكل عام عن نقد هذا الوضع، واتجه الى موضوعات بعيدة محافظاً بهذا على استمراريته في الكتابة وعلاقاته معاً.
■ الموقــف والظــرف
ان «الظروف العابرة» وهو التعبير الذي ورد في الحوار معه يشير الى هذه الأحداث الصاخبة في الخمسينيات والمشكلات السياسية المتفجرة، وهي قضايا رئيسية وكبيرة ولكنه يعتبرها «عابرة» و«هامشية»، والمهم لديه هو الدخول الى القضايا التي تبقى وتستمر خارج هذه الظروف المتغيرة.
وهذا الرأي غير الجدلي، الذي لا يربط بين الآني والمستقبلي ولا يتصور العلاقة الوثيقة بين المشكلات الحالية ووضع الانسان العميق، يريد في الحقيقة أن يبتعد عن اتخاذ موقف تجاه الواقع.
ان ظروف الخمسينيات لم تكن ظروفاً عابرة، بل كانت صراعاً جوهرياً وأساسياً ليس في البحرين فحسب ولكن على مستوى العالم ان الصراع بين الشعوب والاستعمار هو صراع أساسي وملمح رئيسي من ملامح تاريخ الانسان المعاصر.
انه صراع ملحمي له ظلاله المختلفة، فهو صراع القديم والجديد، الشر والخير، السلبي والايجابي، اللااخلاقي والاخلاقي، السيطرة الاجنبية والتحرر، الاغنياء والفقراء الـخ . . وعلى ذلك فهو مادة هامة جداً للأدب.
ونفس هذا الصراع كتب عنه العريض، ولكن عندما تعلق بفلسطين، أي انه لم يكن ضد الكتابة عن هذا الصراع «العابر» بشكل مطلق!
ان الكاتب المجهول كان يعرف ذلك، وتفريقه بين كتابات العريض المختلفة دليل على ادراكه الصحيح لجوانب أدبه المتناقضة، ومحاولته لتوجيه هذا الادب نحو الواقع المحلي، أي لحل التناقض داخل ذلك الادب!
وهو في طرحه أسماء مثل «غوركي» و«هوارد فاست» و«تولستوي» قد استوعب بحسه ان الادب العميق يستطيع أن يضفر بين المشكلات الآنية وأوضاع الانسان الجوهرية، فليس ثمة تناقض بين تحليل الانسان في واقع محدد، وان يكون الادب باق وخالد. بل على العكس ان تأثير الادب في الاجيال القادمة نتاج ادراكه العميق لمشكلات وقته.
لكن الكاتب المجهول لم يستطيع ان يستوعب ذلك نظرياً، اضافة الى ان الفهم المنتشر للأدب وقتذاك بين طليعة المثقفين هو الادب المتجه لمعالجة قضايا مباشرة. وليس ذلك الادب الواقعي الرفيع كما وصل لدى تولستوي وغوركي.
ان وعي مثقفي الطبقة الوسطى تركز على شحن الناس ببعض القضايا والهموم الساخنة وبشكل قريب من الصحافة وليس الادب. كما لم يكن بإمكانهم التغلغل الى عمق مشكلات المجتمع ونماذجه.
وأسباب هذه الظاهرة ترجع لتاريخية هذا الوعي. فهو وعي لم يكن يقف فوق أرضية صلبة من النهضة التعليمية والثقافية، كما يرجع للطابع «المؤقت» لصراع الطبقة ضد الاستعمار، فهو صراع تريده سريعاً، خفيفاً، يتركز حول بعض المطالب الهامة وليس صراعاً يتجه لتغيير شامل وجذري.
هذا ما يتعلق بالطبقة «الوسطى» القائدة للزخم، أما الناس فكانوا في وضع ثقافي متخلف جداً، ولذا كانت مشاركة المعبرين عن طموحهم في الادب، تكاد أن تكون معدومة.
■ التحــديث والتغــريب
من هنا كان العريض غير ملتفت الى هذا النوع من «الشغب» الادبي، فقد عمل من بداية الثلاثينات في نشر وعي مؤمن بالحضارة الغربية وقيمها. وكان التحديث لديه لا يصطدم بذلك التملك الاجنبي، بل على العكس يفترض الصداقة والتعايش معه.
ونجد في المقابلة ايحاء بذلك، فهو بعد أن يوجه نصحه للأدباء الناشئين بعدم قطع صلتهم بمصادر الثقافة العربية القديمة يطالبهم بعدم الوقوف عند تلك المصادر والانقطاع اليها ثم يضيف «ولقد كانت مصيبة الامة العربية طوال العصور هي في تصور أبنائها انهم يستطيعون ايقاف عجلة الزمن».
لقد كان الصراع الفكري وقتذاك يدور بين تيارين فكريين هامين استحوذا على وعي مثقفي الطبقة الوسطى وهما التيار القومي بروافده وبين التيار «التحديثي» الغربي.
وإذا كان التيار الاول هو الذي قاد عملية الانطلاق الوطني وكرس الاهتمام بالتراث بدرجة اساسية فان التيار الآخر كان في موقع الرفض لتلك الانطلاقة والتأكيد على منحى آخر.
فاستعادة المواقع التراثية، أو العودة الى الماضي العربي الزاهر، أو توقف الزمن على حد تعبير العريض، لن يؤدي الى نتيجة حقيقية، فالزمن يندفع باتجاه الغرب، والتماثل معه والذوبان فيه. وهذا هو الحل!
من هنا تصور العريض ان ذلك «الشغب» سيكون «عابراً». وان الطبقة الميسورة «المأزومة قليلاً الآن» والمتمردة ستعود من جديد الى الحضن الدافئ. وهذا ما كان فعلاً فالأغلبية الساحقة من مثقفي البرجوازية البحرينية تركوا تلك القضايا العابرة الساخنة واندمجوا في المناخ العام الدائر حول المركز الغربي. وما عادوا يرددون أسماء تولستوي وغوركي، بل ان الحياة الادبية الجديدة في الستينيات عندما استعادت هذه الاسماء بشكل اكثر نضجاً اثيرت زوابع حولها!
■ ســــوء تفـاهـــم
ان اهتمام العريض لم يكن موجهاً لإلغاء «التغريب» بل على العكس كان يؤكده. ولهذا راح يؤكد من بداية الثلاثينيات على قيم «العلم» و«التعلم» و«الفن والأدب الانساني» و«حرية المرأة» و«الحب» و«العقل» و«النهضة» . . وكل هذه هي معايير للطبقة الوسطى «الخالدة» أي ان هذا هو برنامجها عبر كل المراحل والتطورات الآنية.
أما أن تتجه الى أبعد من ذلك فهو أمر «عابر»، نتاج أزمة طارئة، ولحظة صدام لا تلبث أن تزول، وسوء تفاهم «عائلي» ومن ثم تعود الامور الى مجراها الطبيعي.
ان العريض بحسه كان يفهم طبقته التجارية العقارية، التي تعيش بالتوكيلات الاجنبية، وغير الصناعية، وغير الواسعة والمحاطة بأناس أكثر حدة وجذرية منها، لهذا فهم الشاعر الافق البعيد لها.
لقد شارك في أوائل الخمسينيات في كل نهضتها الادبية، بل وكان من الممهدين لمثل هذه النهضة، ولكنه لم يؤيد فورتها الآنية. وبقى «منعزلاً» و«انطوائياً» عن ندواتها وأدبها الصحفي الصاخب السريع، منتظراً انتهاء عاصفتها.
وسرعان ما ارتدت الطبقة الى رؤية واندمجت في المناخ «التحديثي التابع» ولم تعد تطرح بعد ذلك الدرس القوي أي تغيير جذري وصمت كتابها وابتعدت عن الادب الساخن العابر، بل وعن الادب برمته!
✨ المثقفون البحرينيون وإبراهيم العُريّض
لسنوات طويلة ظل الأستاذ إبراهيم العريض الشاعر والناقد الوحيد الهام المعروف من البحرين، ولربما من منطقة الخليج والجزيرة كلها، وظل اسمه يتردد في المحافل الادبية والمجلات الثقافية العربية المشهورة، منذ الثلاثينات وحتى الستينيات.
لقد قام العريض بإبداع جوانب جديدة في أدب المنطقة، وواكب نشوء القصيدة الرومانسية واسهم بنصيب وافر من انتاجها، واتجه الى خلق الملحمة الشعرية، ثم ركز، بعد وفرة الإنتاج الشعري والملحمي، على كتابة النقد وتحليل الشعر، بدءا من نظراته النقدية المتفردة إلى أدب المتنبي وانتهاء برؤيته للإنتاجات الشعرية العربية المعاصرة له حينذاك.
والملاحظ في هذا الإنتاج الشعري والنقدي الوفير، قلة الاهتمام برصد الثقافة في المنطقة، وعوالم الحياة فيها.
ان انتاجه الشعري يرتكز على موضوعات تراثية أو عربية بعيدة كقضية فلسطين، وهو نتاج يحوم بعيدا عن مشكلات وطنه وقضاياها، الأمر الذي جعل العريض ظاهرة ملفتة للنظر، ومحل تساؤل وخلاف، من قبل التيارات الادبية التي تشكلت وتغيرت طوال هذه الحقبة المديدة.
لقد كان العريض مثار اعجاب مثقفي الثلاثينات والأربعينات البحرينيين، الذين رأوا عربيا فتيا يقدم من الهند، وهو لا يكاد يفقه من اللغة العربية شيئا، ويقوم بتعلمها واستيعابها والتفوق فيها الى درجة ان يصبح فقيها فيها ومرجعا لشواردها وعوالمها القصية.
ثم لا يكتفي بذلك بل يصبح ضليعا في لغة ثالثة هي الفارسية، اضافة الى عبقريته في اللغة الانجليزية التي ينتج بها شعرا!
ثم يقوم بالتجديد في أنواع الأدب. يؤسس المسرح التاريخي ويشكل القصيدة العاطفية النابعة من الأنا، غير المادحة والمتسولة، التي تعج بظاهرات الطبيعة الحية. ويطور هذه القصيدة الى ان تكون قصة، لها كل خصائص القصة، من شخصيات وأحداث وعقدة ونمو، وتتحول هذه القصة ايضا الى ملحمة، تتطور كثيرا عن أن تكون قصة محدودة لشخصيات مغمورة، بل تكون قصة لقضية كبيرة.
هذا كله جعل المثقفين «البسطاء» حينذاك يرونه كبيرا، ورمزا لما يريدون أن يقوموا به من انهاض للثقافة والمجتمع.
وقد قام المثقفون المتنورون حينذاك بتأسيس مجلات نهضوية هامة في المنطقة كـ«صوت البحرين» و«القافلة»، واتجهت الثقافة العربية في منطقة الخليج إلى التطور، والتغلغل في ظاهرات الحياة وأزمات المجتمع ووجود المستعمر، مما أدى إلى بروز انواع ادبية جديدة، كالقصة الواقعية والمسرحية «الاجتماعية» الارتجالية وغيرهما.
ومن هنا وجه هؤلاء المثقفون الجدد نقدا الى ادب العريض الشامخ، وخاصة الى جوانبه «الخيالية» والمغرقة في الرومانسية، ودعوا في مقالات نشرتها «القافلة» في الخمسينيات إلى ان ينزل العريض الى الشارع وان يعبر بقلمه عن هموم الناس.
ولكن العريض كان له أفقه المختلف. بل لقد كان مبهورا بقصيدة مدح وجهها الى ملكة بريطانيا في عيد ميلادها، حسب ما طرح في العدد الخاص الذي أصدرته مجلة كتابات عنه.
لقد كان العريض ارستقراطيا في نظرته للحياة، واعتبر العالم ينقسم الى نخبة مميزة، دورها الاصلاح والثقافة والتوجيه، وعامة تعيش ظروفا صعبة لا تؤهلها للصعود الكبير أو تغيير الحياة.
ومن هنا فإن صعود تحالف المثقفين والعامة في حركة 54 ــ 56 ، لم يأبه له العريض، ولم يكن ذا اثر صغير أو كبير، في انتاجه الشعري والفكري.
ورغم الاهمية الكبيرة لصعود تحالف المثقفين والعامة، الا انه كان وامضا، سريعا، لم يؤسس إنتاجا ثقافيا هاما وراسخا فكلها قصص مبعثرة في المجلات، ومقالات سياسية واجتماعية كثيرة ووفيرة، ولكنها ضائعة في أرشيف غامض ومعتم.
ان معظم مثقفي الاربعينيات والخمسينيات المهتمين بالإنتاج الإبداعي، على وجه الخصوص، والذين تعاطفوا بهذه الدرجة أو تلك مع حركة الحياة، تجمدوا في أشكالهم الكلاسيكية الميتة، أو توقفوا كلية عن إنتاج القصص الادبية وتوجهوا الى المسلسلات الاذاعية الفكاهية الخفيفة.
في حين استطاع كاتب واحد فقط أن يفر بجلده، ويعيش في الكويت، ويكتب قصصا قصيرة مختلفة عن إنتاج المرحلة السابقة، وانضج منها. لكنه تخلى عن الأدب بعد سنوات عدة ايضا.
الكتاب الذين كانوا مهتمين بالنقد الأدبي والفكري سرعان ما توقفوا كذلك وتساقطت القامات الصغيرة القصيرة التي كانت تحاول ان ترتفع الى قامة العريض، الذي بدا وحيدا وغريبا في الساحة الخالية.
■ تغيرات جديدة
لكن الساحة التي فرغت من انتاج جيل الاربعينيات، والتي لم تشهد ميلاد انواع ادبية ناضجة، مثل التي رسخها إبراهيم العريض، واصلت نموها الداخلي وتخمرها، عبر بنية اجتماعية جديدة راحت تحضر جيلا تعليميا وفكريا مختلفا.
إن هذا الجيل الجديد طلع من الحارات البسيطة، وكانت قراءاته مركزة على الوطن العربي والأدب الانساني، تشده الموجات الواقعية والطليعية، وراح يهضمها بصورة سريعة وطائشة في اكثر الاحيان. كيف لا وهو قد نبت من بين عامة اميين، لم يسمعوا حتى بابن بلدهم إبراهيم العريض ولم يقتنوا كتابا له؟
وحين راحت نتاجاته الشعرية والقصصية تظهر على صفحات جريدة اسبوعية يتيمة، بدا ان حسا أدبيا جديدا يزهر في واقع كان يبدو مجدبا وعقيما، منذ انكسار الخمسينيات الذي لم يبق جريدة أو مجلة أو كتابا أو مثقفا.
لقد أثار هذا الأدب الجديد البلد أن قصائده المتفجرة على المنابر، والورق، وقصصه الكثيفة المليئة بخرائط الحارات العميقة وجروح الغواص وألم السائرين المعدمين في الصحراء لأجل قطرة نفط، قد لفت انتباه الناس. لم يكن ثمة تليفزيون مسيطر يجذبهم، ولا وسائل تسلية غامرة، ولا تفتت سكاني واغترابي، كان الناس قريبين الى بعضهم البعض، كسكان مدينة واحدة مكتظة بالآمال والهموم.
لهذا جاء هذا الأدب كلغة متميزة، غريبة ومألوفة، ووجد الناس ان صوتهم الداخلي، المتوتر، المحموم، تجسد ايقاعات وصورا ونماذج، فمدوا أيديهم لهذا المولود واحتضنوه بحب.
وكطالع من زمن المراهقة الأدبي، فإن هذا الأدب نظر نظرة تصغير لأدب العريض وازدراه بشدة، فهو ليس إلا وليد خيال شاحب مفارق للواقع والموقف «الثوري».
لا بد من القول ان الخلفية الاجتماعية وقلة التجربة والثقافة المبسطة، لعبت دورا في محدودية هذا الجيل الأدبي الجديد ونظرته الضحلة الى تاريخه الثقافي، والى العريض.
ولهذا فقد وقع الاصطدام بين هذا الجيل والعريض أو اصدقائه. فقد لفت هؤلاء النظر إلى الاخطاء النحوية واللغوية الكثيرة في كتابات الشباب. والى انتمائهم للشعر غير العمودي المارق عن اللسان العربي. ورأوا أن مصير هذا الأدب هو مثل مصير سابقه العامي، والمبسط الرؤى. كما لفتوا الانتباه إلى رموزه غير العربية والإسلامية، وفجاجة دعواته النضالية ومباشرته الفظة.
لقد كان هذا النقد متوجها، في الواقع، الى الثأر، من رؤية الجيل الحديث للعريض، ودعوته لإلغاء الأدب السابق الارستقراطي والمرتبط بالأجهزة.
ومن هنا اتجه أحد شعراء هذا النقد الثأري، والمدافع عن العريض ورؤاه، وهو أحد الأسماء البارزة في عالم الشعر اليوم، إلى التخفي باسم مستعار، وكتابة قصائد سافرة فكهة باسم هذا الجيل الجديد، معتمدا على صور الحمالين والبؤساء، في مرادفة كاريكاتيرية لشعراء الدفاع عن الانسان!
وقد استفز شعار الجيل الجديد (الكلمة من أجل الإنسان) الخطابي المنتفخ، أفراد الجيل السابق، وحملوا عليه حملة شعواء.
وقد اشترك العريض في هذه المواجهات بصورة غير مباشرة. فقد اعرض عن مدح من قدموا له قصائدهم، بل ودعاهم للكتابة في شأن آخر، وهو النثر، لأنه المجال الحقيقي لموهبتهم.
وللمفارقة الغريبة، فإن دعوة العريض هذه، قد وجدت اصغاء وتنفيذا لها، ولكن بعد مرور عشرين سنة!
وفي ذلك الوقت ثار هؤلاء الشعراء على النصيحة. واندفعوا في كتابة اشعار جميلة، وبرزوا بروزا كبيرا في البحرين، أو الوطن العربي، لحق بهم القصاصون والنقاد الى درجة انه تشكلت كوكبة معروفة من المبدعين والمنتجين الثقافيين البارزين.
وفي ذلك الحين كان العريض قد قل انتاجه الى درجة كبيرة، وكان ابرز اعماله الاخيرة ترجمة رباعيات عمر الخيام من الفارسية الى العربية، والكتابة عن المتنبي، شاعره الاثير.
لكن المكانة الكبيرة التي نالها العريض ظلت صلدة، رغم هذا التنائي المستمر لشخصه وانتاجه، وتحوله الى رمز غامض وبعيد.
وهذه المكانة كان لا بد ان يصل اليها الجيل الجديد وان يصل الى ذات النأي والبعد، ولكن لأسباب مغايرة.
فقد انكسرت الرومانسية الثورية، وجاء الواقع الصلد ليفرض خياراته الحقيقة على المنتجين الثقافيين الحالمين. فتصدعت القشرة الثورية. وحل الخيار الفردي والانزوائي والشكلاني.
لم يعد الجيل الأدبي الجديد، الذي صار قديما، وذا شيخوخة مبكرة، قادرا على اجتراح الأفعال الكبيرة والمغامرة الجريئة. ركن الى مأثر بسيطة، وعاد بعضه الى الشعر التقليدي، أو القصة التقليدية الساذجة، أو الغامضة التجريبية البعيدة عن الجمهور، أو الأعمال التلفزيونية والاذاعية الخفيفة.
هنا وجد هذا الجيل نفسه وجها لوجه مع العريض. لقد رأى فيه ذاته، أو نأيه البعيد عن قضايا الواقع وأزمات الحياة الحادة. فمد يده إليه لا من زاوية اكتشاف عوالمه واستيعابها وتجاوزها، بل لتحية هذا الانزواء عن الواقع الحقيقي الحي وتثمين الكتابة المجردة.
كتب: عبدالله خليفة كاتب وروائي من البحرين
القائد والمناضل عبـــــــدالله خلــــــــيفة مفكراً وأديباً وروائياً بحرانياً

القائد والمناضل عبـــــــدالله خلــــــــيفة
مفكراً وأديباً وروائياً بحرانياً
تميّز عبـــــــدالله خلــــــــيفة بالجمع في شخصيته بين المفكر اليساري والأديب والروائي والمناضل الذي لم يتراجع في كل الظروف عن أفكاره وعن مواقفه. وقاده إلتزامه بأفكاره التي دافع عنها بشجاعة الى السجن اكثر من مرة. لكن من اهم ما عرف عنه وهو في السجن، الذي أدخل إليه في عام 1975 من موقعه في قيادة #جبهة_تحرير_البحرين، أنه لم يترك القلم لحظة واحدة. وصار معروفاً أنه ألّف عدداً من كتبه ومن رواياته على وجه الخصوص داخل السجن على ورق السيجارة. وكانت تهرّب إليه الأقلام و أوراق السجائر ليمارس عمله الأدبي و الفكري. وكانت تهرّب أعماله الأدبية من السجن و يعاد طبعها بانتظار خروجه من السجن لكي يتم نشرها. وهو بتلك الصفة التي ندر شركاؤه فيها تحوّل الى أيقونة بالمعنى الحقيقي المناضل اليساري الحقيقي و لصاحب الفكر النيّر.
تعرّفت الى #عبـــــــدالله_خلــــــــيفة عندما زرت البحرين في عام 2000، العام الذي كانت قد تحولّت البحرين من إمارة الى مملكة ذات دستور شبيه بمعنى ما بدساتير الممالك الدستورية. لبّيت يومذاك دعوة المنبر الديمقراطي الذي صار الناطق باسم جبهة تحرير البحرين والبديل منها في الشروط الجديدة. وأشهد أن تلك الزيارة قد عرّفتني الى #تاريخ_البحرين القديم والحديث. كما تعرفت في الآن ذاته الى العديد من قادة جبهة تحرير البحرين القدامى وقادة المنبر الديمقراطي الجدد. وكانت لي صداقات أعتز بها مع عدد من قادة جبهة التحرير، لا سيما في الزمن الذي كانت الإمارة قد انفتحت على القوى الداخلية والخارجية في عام 1973، وأجرت انتخابات نيابية نجح فيها ثمانية من أهل اليسار.
وكنت قد زرت البحرين قبل ذلك غير مرة في طريقي الى الهند واليابان و الفيتنام. ولا أنسى فرحي في احدى تلك الزيارات في عام 1980 عندما وجدت في المكتبات كتباً لمهدي عامل و كتباً لماركس.
في تلك الزيارة الأخيرة المشار إليها تعرّفت الى طبيعة التحول الذي كان يحصل في ذلك التاريخ في البحرين. وقد دعيت الى عدد كبير من الندوات التي تحدثت فيها عن قراءتي لذلك الحدث، الذي كان من أبرز عناصره الى جانب تحول البلاد من امارة الى مملكة دستورية، القرار الذي كانت قد اتخذته السلطات بالافراج عن جميع المعتقلين واستدعاء الذين عاشوا في المنفى لممارسة حريتهم في البلاد والسماح في تشكيل جمعيات واحزاب و نقابات ومنابر. وكان ذلك حدثاً مثيراً للدهشة في ذلك التاريخ وفي ذلك الموقع الجغرافي بالتحديد. وكان من بين الذين إلتقيتهم وزراء في السلطة الذين تحدثت إليهم عن معنى ذلك الحدث.
إلا أنني و أنا أستحضر اسم عبـــــــدالله خلــــــــيفة كمفكر وأديب وروائي مناضل لا استطيع الا ان اعلن لنفسي وللقارئ كم كنت معجباً بهذا الانسان. فهو الى جانب ما أشرت إليه من صفات فكرية وأدبية وسياسية كان إنساناً رائعاً بالمعنى الذي تشير اليه وتعبر عنه سمات الانسان الرائع بدماثته وبأخلاقه وبحسه الانساني الرفيع. لم أقرأ مع الأسف رواياته. لكنني قرأت بعض مقالات وقرأت جزءاً من موسوعته التي تحمل عنوان#«_الاتجاهات_المثالية_في_الفلسفة_العربية_الإسلامية». وهو كتاب من أربعة أجزاء يحتل مكانه في مكتبتي. غير أنني وأنا أستحضر اسم هذا الانسان النبيل لا استطيع الا ان أتساءل عن الأسباب الداخلية والخارجية التي غيرت تلك الوجهة التي كانت يعبر عنها ذلك التحول الكبير الذي أشرت إليه.
من كتاب:
#وجوه_مضيئة_في_تاريخنا
أحداث وذكريات ومواقف
#كريم_مروة
خفوتُ الملاحم

(الرواية – في تصوري – هي جنسٌ قصصي طويل يعبرُ عن نظرة شخص عصري والتي يجسدها بأدوات القص المختلفة).
هذا التعريفُ مفتوحٌ على تاريخِ القصة أولاً، لأنه يحددُ الرواية كجنسٍ أدبي، وليس كنوع، أي إن هذا الجنس الروائي مرتبطٌ بتاريخ النوع القصصي العام، فهو يتربطُ معه في سماتٍ معينة كخلقِ السرد، ووجود الشخصيات التي يدورُ السرد عنها، ووجود الثيمات القصصية، والأزمنة والأمكنة.
وهكذا فإن الأجناسَ القصصية عديدةٌ كالقصة القصيرة والحكاية والملحمة والسيرة الشعبية، فالأجناسُ لها تاريخ اجتماعي وتاريخ فني، ويزدهر جنسٌ أو يضمرُ حسب شروط.
وهذا التعريف مفتوح أيضاً على مختلف تطورات ورؤى الرواية، لكنه لا يتناقض مع التعريف الشهير الذي اتفق عليه فيلسوف الفئات المتوسطة الصاعدة وهو هيجل وفيلسوف العمال وهو جورج لوكاش بأن الرواية (ملحمة بورجوازية).
واتفاق هذين المفكرين الكبيرين هو بسبب لحظة تاريخية صاعدة وواعدة، كانت فيها الطبقة الوسطى في ألمانيا كياناً مُضمراً تحلمُ بإقامة دولة حرة، في حين كانت الطبقة العاملة في شرق أوروبا بالنسبة إلى لوكاش قد تسلمت زمام السلطة في بلد كبير هو روسيا، كما كان وعي لوكاش يظن، فغدت الرواية ملحمة بالنسبة إليهما من موقعين مختلفين، ويتفقُ الموقعان على جعل هذا الجنس القصصي متماثلاً في جوانب معينة مع جنس قصصي غابر هو الملحمة، رغم الفواصل الزمنية وطبيعة البنية المختلفة لكل من الملحمة المُصاغةِ شعرِاً، وفي أجواء الأسطورة، وعبر البطولةِ القبلية، عن الروايةِ التي تصاغُ نثراً، وتتوهجُ في قناديل الفكر العلمي، وببطولة الشخصيات العادية غالباً.
لكن ثمة جوانب مشتركة بينهما هي اتساع المادة القصصية المجسَّدة، وتعبيرها عن صراع اجتماعي كبير، وانتشار قيم البطولة فيها وهيمنة الجماعة.
إن هذا التعريفَ الهيجلي اللوكاشي المشتركَ يتطرقُ إليه كلُ من خاض مسألة عرض الرواية وتعريفها، حيث يستشهد (الدكتور عبدالملك مرتاض) مثلاً في كتابه (في نظرية الرواية)، (في نظرية الرواية: بحث في تقنيات السرد، د. عبدالملك مرتاض، عالم المعرفة، عدد ٢٤٠، الكويت، راجع ص ٢٨٠ من هذا الكتاب)، يقول هيجل بأن (الرواية ملحمة برجوازية) ثم يقول إن الناقد المجري لوكاش (يجاريه) في هذا التعريف، لكن عبدالملك مرتاض ينفي كل ذلك قائلاً (مع ذلك لا أرى وجهاً لهذه المقارنة ما دامت الرواية نشأتْ بعد أفولِ عهدِ الملاحم بقرون بعيدة).
ويدخل الدكتور أحمد الحسن في تفصيلات حول هذا الرأي في بحثه (مدخل إلى تاريخ الرواية) بمجلة العلوم الإنسانية فيقول إن الرواية تمثل طوراً تاريخياً من أطوار النظرية العامة للفن الملحمي، في حين يقول لوكاش إن الرواية هي النوع الأدبي الأكثر نموذجية للمجتمع البرجوازي؛ (أحمد الحسن، مدخل إلى تاريخ نظرية الرواية، مجلة العلوم الإنسانية، العدد 12، صيف٢٠٠٦).
إن التعريفَ الهيجلي اللوكاشي يفترضُ أن كلَ روائي قادر على تطوير عمله القصصي باتجاه الملحمة، حيث تقوم الرواية في اعتقادهما بتوظيف المبنى الملحمي القديم الصراعي الشامل، في البناء القصصي الحديث، وكملحمةٍ فإنها تفترضُ معسكرين متصارعين كبيرين، وفي حين كان هيجل يحدسُ بأن المعسكر الأول في الجمهور البرجوازي الصاعد مع العمال لإزالةِ عالم الإقطاع حيث الأخير هو المعسكر الثاني، فإن لوكاش ينظر إلى أن العمالَ هم المعسكر الأول في حين أن البرجوازية في المعسكر الثاني المضاد.
ولكن هذا التعريف المشترك هو نتاجُ مثقفين جاءا من الفئات الوسطى الصغيرة، فهما لا ينتميان إلى الطبقة التي يدعوانها لإزالة عالم قديم، كلُ من موقعهِ، في هذا المخاض الزمني القصير الذي لا يتعدى قرنًا فهيجل عاش بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، في حين عاش لوكاش بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين، المنصرمين من لحظتنا الراهنة، وبهذا فإن المدة الزمنية المحدودة تاريخياً لا تستطيع أن تشكلَ أسلوبين كبيرين للإنتاج الاجتماعى، إلا إذا كان أحدهما مخطئاً أو كلاهما، كما ستغربلُ التجربة التاريخية الحقيقية، هذه المقولة. ان الرواية باعتبارها ملحمة تحتاج إلى مثل هذا الصراع التاريخي الكبير، ولكن هذا الصراع التاريخي الملحمي صعبٌ ومتقطع، وهو أمرٌ سيتركُ بصماتهِ على تنوع الرواية، فلن تكون ملحمةٍ إلا باعتبارها ذروة التطور الروائي، ودون القمة وفي السفح العريض هناك أنواعٌ من القص والرواية غير الملحمية الكثيرة، التي تقتربُ فتتوهجُ والتي تبتعدُ فتتضاءلُ وتشحبُ نارُها. لم نجد الرواية العصرية تتوجه إلى أن تكون ملحمة إلا عند بعض الروائيين فغدت الرواية لها أبنية كثيرة مفتوحة، مختلفة، ضعيفة أو قوية حسب الانشداد نحو الصراعات الكبرى والتعبير عنها بتألق، لكن لم يستطعْ ذلك التعريف القائل إن الرواية ملحمة برجوازية أن يستوعب كل هذه التجارب المتنوعة في ذاته. إن المعنى بكون الرواية ملحمة برجوازية أنها وليدة العصر الحديث الأوروبي، أي هي القصة المطولة المحدثة في الزمن الأوروبي الجديد المنسلخ من العصور الوسطى، وقد قام هذا المجتمع بمركزة سلطته، وجعل نوعه الاجتماعي مركزياً وكلياً، بعكس المجتمع التقليدي، وهذا ما جعل النوع القصصي الطويل يتوجه للكلية ولتبلور أجزائه، وتوحيد كيانه الذي كان فضفاضاً في الملحمة القديمة وفي السيرة الشعبية، لكن هذه الكلية التي خلقته جنساً جديداً، ليست سوى الشكل العام للرواية، وهذا الشكل العام الذي وحد الموتيفات في كيانٍ واحد، ولم يعد يقبل بنية المتجاورات القصصية كما في بخلاء الجاحظ بل البنية الموحدة المتراصة الحافرة في كشف الحياة.
إذاً التعريف بأنها جنسٌ قصصي طويل متنوع يعبر عن نظرة شخص عصري، يمتلك أهمية هنا لكون المؤلف هو المحددُ للبناء الروائي، ولهذا تتباينُ الأبنية بسببِ تباين النظرات، وغالباً ما يكون الشخصُ العصري هذا هو من الفئات الوسطى الصغيرة، فهو لا ينتمي غالباً إلى البرجوازية التى يصرُ تعريف هيجل، على إدغامه فيها، ولا إلى العمال كما يصر لوكاش، وغالباً ما يكون المنتجون للأفكار والفنون هم من هذه الفئات الوسطى الصغيرة، مثل هيجل الذي كان استاذاً جامعياً لكنه يطمح إلى أن طبقة أصحاب المصانع سوف تزيل القرون الوسطى كما يَحلُم، لكن ذلك لم يحدث إلا عبر مدافع بسمارك الإقطاعي الدموي؛ أو مثل لوكاش الكاتب، الذي أقصى ما وصل إليه أنه صار وزيراً في حكومة دكها جيشُ (الطبقة العاملة) السوفيتية، أو جيش البيروقراطية الروسية بالأحرى، في المجر سنة ١٩٥٦.
وهكذا فإن الأفرادَ المثقفين الطالعين من الفئات الوسطى أو من البرجوازية الصغيرة هم الذين ينظرون ويكتبون الرواية.
وهم الذين أتاح لهم عنصرُ الثقافة وعنصرُ الموقع الاجتماعي المتدني، فرصة تملك أدوات المعرفة فتوجهوا للصراع ضد المحيط المقزم لهم، أو الذي لا يعترف بدورهم الخلاق.
إن أغلبية منتجي الفلسفة والشعر والقص في العصور القديمة والحديثة هم من هذه الفئات الوسطى، وحين يعبر اثنان منها هيجل – لوكاش عن الرواية باعتبارها ملحمة، فهذا يأتي من موقع التحاقهما بطبقة كبرى جديدة، لها مشروعها الحضاري الكوني، وتغدو الرواية الملحمة هي لحظة البطولة في هذا المشروع، لكن تأتي لحظات أخرى مغايرة طويلة، فلا تغدو الرواية ملحمة بل مشروعات قصصية متنوعة بل تعبر أحياناً عن الانهيار واليأس والتقزم كما فعل كافكا.
هكذا راحت الرواية تأخذ تنويعات قصصية متعددة في عالم الغرب الهيجلي، متخلية عن طابع الملحمة، فتشارلس ديكنز الأقرب للعمال راح يروي لا عن ملحمية الثورة بل عن نتائج التعاون واللقاء بين الطبقتين الكبيريين المتصارعتين، ووجد هذا الموقع في الطفولة المتشردة فرأى أزدهار الطفولة في عطف الطبقة الغنية عليها، وبؤسها في استغلالها لها وتعاملها السيء معها.
فغدت رواياته ساخرة، مكثفة، تتركز في بطل فردي وتنشد الإصلاح الجزئي، وتوارت الجماهير وأناشيد الثورات.
لكن هناك عوالم روائية اخاذة في أعمال بلزاك وأميل زولا وفلوبير وغيرهم ، وقد توجه بلزاك مثلاً إلى ما أسماه (الكوميديا الإنسانية) وفي هذا الرفض الضمني لتعبير ملحمة توجهَ إلى نقد النماذج الاجتماعية الشائعة، وتعريتها، ورغم الضخامة في الكوميديا هذه، لكنها تفترضُ تعرية جزئية، وتتركز في شخوص فردية، وعوالم خاصة منغلقة.
وفي عالم الشرق اللوكاشي، حيث قيل ان الطبقة العاملة انتصرت، الذي استند إلى ملحمة تولستوي كان الإرث البطولي مشجعاً، وكانت ملحمة الحرب والسلام، روايةٍ ضخمة لم تنشأ في العهد الجديد، ولم تكن تتعاطف مع النظام القديم كذلك، وقد شكلها تولستوي حين كان الصراع الوطني محتدماً ضد الغزو الفرنسي، لكن تولستوي حين التفت إلى مجتمعه الداخلي تحليلاً ونقداً تركَ طابعَ الملحمة، وتوجه للرواية العائلية في (آنا كارنينا) و(البعث)، وهما روايتان تعالجان الإصلاح الأخلاقي في الأسرة أو في المجتمع، ففي الرواية الأخيرة (البعث) يقوم الإقطاعي بثورة فردية يتخلى فيها عن أملاكه، وهو أمر قاد إلى الرواية الأخلاقية العائلية ذات التحليل النفسي الفكري في دائرة صراعية ضيقة وتقلصت الملحمة.
ووجدت إمكانيات أخرى للملحمة في أعمال مكسيم جوركي وشولوخوف، لكن الأول أخذ يتراجع عن منحى رواية (الأم) فتغدو أعماله في عهد الثورة متقطعة، ومركزة على شخصيات فردية، وتلاشت الدراما القوية من مسرحياته التي كتبها بعد الثورة، وأدت رحلاته المستمرة عن بلده إلى انقطاعه عن حرارة التجربة. وإذا كان شولوخوف قد شكل ملحمة عن الصراع في عهد الثورة بين البيض والحمر ، فما لبث أن صمتَ. وهكذا نحن لم نر نمواً للرواية الملحمة كما افترض لوكاش، لأسبابِ تتعلقُ بأن الفئات الوسطى التي استلمت هيكلَ الدولة الهائل أخذت بخنقُ الطبقة العاملة التي كانت تعبرُ عنها فيما مضى، وشحبت الروايةُ بسبب هذا الجليد، وحين خف الجليد تنفست الرواية بعض الشيء عند (جنكيز أيتماتوف) الذي حول الرواية إلى قصيدة شعرية نقدية، لكنها مركزة على البطل الفرد، والظواهر الاستثنائية كما في (وداعاً يا غولساري) الذي كان البطل فيها حصاناً لم تنصفهُ الاشتراكية.
وهكذا فإن الروايةَ – الملحمة تغدو قمة صعبة الارتقاء بسببِ أنها كشفٌ عميق لصراعات المجتمع وبشكل ساخن، وهي أمورٌ غير مقبولة من أنظمة القمع السياسي الشرقي، ولا أمل بانتشارها وبيعها في مجتمعات القمع التجاري الغربي.
وفي العالم العربي جاءت الرواية لعالم مغاير، عالم تقليدي، ليس هو عالم الطبقتين المتصارعتين الكبريين كما في الغرب والشرق، فهي تستعيدُ حلم هيجل في أقصى درجة له، وحتى هذا يغدو صعباً لأن الفئات الوسطى تصارعُ قوى تقليدية عريقة، في حين إن الرواية هنا تصارع ميراثاً قصصياً كبيراً هو ميراث ما قبل الرواية، وهكذا خاضت الرواية صراعاً ضد المقامة في مصر، وعاشت صراعاً داخلها بين قص ما قبل الرواية وبنية الرواية، كما لدى نجيب محفوظ في روايته (زقاق المدق) فقد كانت لديه ثيمة صراعية متبلورة حول شخصيتي حميدة وعباس، أي حول هاتين الشخصيتين المختلفتين المتصارعتين، وهذا الصراع شكل معماراً روائياً محورياً، لكن هذا المعمار اصطدم بمعمار آخر هو معمار تسجيل ما يدور في شتى أنحاء زقاق المدق، وهذه التسجيلية جعلت الروائي يدخلُ قصصاً قصيرة شتى مقطوعة الصلة بالمعمار الرئيسي الذي كونَ هيكلَ الرواية، فهذه القصصُ القصيرة حول الخاطبة وحول زيطة صانع العاهات، والمعلم كرشة الخ، هذه كلها تفاصيل جانبية لم تُقد إلى الحفر في الهيكل الأساسي وهو الزقاق المتصارع مع الخارج المستغل، وهو كما عبر الروائي مع الاستعمار. ثم راح محفوظ ينتقل للرواية الملحمة في الثلاثية التي ظلت صراع الوطن الملتحم ضد الخارج، وهو أكبر نفس ملحمي لديه، ثم حين صار الوطن نظاماًعسكرياً، مضت روايته في نوع روائي مختلف، هو ما يمكن أن نسميه القصيدة الروائية كما في (الشحاذ) حيث الحفر الداخلي |لمتوهج ذات مركزية تنفصل عن الواقع وتبتعد عن تشريح صرعاته الكبيرة.
ولنقل هنا إن الرواية الحديثة في العالم العربي تصارع ماضيها السردي الفضفاض القديم, وهو الماضي القصصي المتوجه لعرض الأحداث المشوقة والمغامرات من دون حفر عميق في الأحداث وفي الزمان والمكان, وهذا ما تندرج تحته معظم القصص البوليسية ورواية المغامرات, وهذا يحدث لدينا في الكثير من النماذج القصصية في الخليج والجزيرة العربية التي تضع لافتة الرواية على أغلفتها, كما تفعل الكاتبة الكويتية (خولة القزويني) في روايتها (هيفاء تعترف لكم) حيث النسيج يتشكل بإرادة المؤلفة المطلقة وحيث لا خصوصية للشخصيات والأحداث.
وهذا النوع من قصص المغامرات يتوحد بالإنشائيات وبالتسجيل لمظاهر الحياة الاجتماعية الغابرة كما تفعل (فوزية الشويش) في روايتها (النواخذة) حيث تحشد احتفالات الغوص على اللؤلؤ وغيرها في لوحات لا صلة لها بالمعمار الروائي.
وكما يفعل الإماراتي راشد عبدالله في روايته (شاهندة) التي هي عبارة عن مجموعة من المغامرات في البر والبحر عن فتاة فقيرة تصل للغنى.
نستطيع القول إن قص ما قبل الرواية هذا يستعين بأدوات القصة من دون أن يشكل رواية بسبب ان الثيمات التي يوظفها لا تلتحم ببعضها بعضا, ولا تغوص إلى جذور الحياة, ويغدو العمل القصصي مفككاً.
إن الجنس الروائي يصطدم بالماضي القصصي هنا وخاصة في الأقطار ذات المستوى المتدني من التطور الاجتماعي, ويتوجه القراءُ الشبابُ لقصصِ التسلية هذه ويكتبون على نمطها, ونجد ذلك بتوسع كما يحدث الآن في السعودية.
قرأت عملاً قصصياً أخيرإً بعنوان (مفارق العتمة) لمحمد عبدالله المزيني (مفارق العتمة، محمد عبدالله المزيني, المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2004 ).
حيث يسجل الراوي حياته الشخصية بشكل تسجيلي يومي, وعبر نثر غير يخلو من الصراع, وفي الثلث الأخير من الرواية يهتم بمحور جيد وهو عرض نماذج من مجموعة دينية متشددة, لكنه لم يستطع تنمية هذا الخيط الصراعي منذ البداية متغلغلاً بعمق فيها.
لكن لدينا في منطقة الخليج والجزيرة نماذج واعدة مهمة, كتجربة أحمد ابودهمان (الحزام) وتجربة (عبده خال) في (الموت يمر من هنا ), وكذلك تجارب غيرهم مثل يوسف المحيميد وعواض العصيمي من السعودية, وجوخة الحارثي من عمان, وفريد رمضان وجمال الخياط من البحرين, وقد تمكنت هذه التجارب من الدخول إلى مبنى الرواية بسبب تجذرها في حياة مناطقها بشكل تحليل اجتماعي, وهي تشكل بدايات الرواية الواقعية النقدية, ذات المبنى المتوحد والكاشف لمقاطع جزئية من الواقع. نستطيع أن نقول إن رواية الحزام هي ملحمة معكوسة, فالقبيلة الشخصية البطلة في هذا العمل لا تتصارع إلا مع الطبيعة, ولهذا تضفي الرواية ملامح الوحدة المطلقة على القبيلة, حيث إن كل شخصياتها الفقيرة من نور وحيث لا صراع بين تكويناتها, فيضفي الساردُ وحدة شعرية رومانسية عليها فتتوجه البنية نحو القصة أكثر من نزوعها للملحمة.
إن الحفر في الرواية ذاتها يتطلب انشدادها للملحمة, أو البقاء قريباً منها, لكن المشكلة المتوترة هي في الانهيار وتحلل السمات الروائية إذا لم يحدث الحفر في الصراعات الاجتماعية , إسماعيل فهد إسماعيل روائي كبير, وظلت حفرياته في التجربة العراقية هي أساس منجزه الإبداعي, القائم على التصادم بين الشخوص من القوى المتصارعة, كما في روايته (المستنقعات الضوئية), لكن الوصول للرواية الملحمة كما هو طموحه عانى من توجه مادة الرواية لديه نحو البلدان العربية, ثم تقلقلت كثيراً في تجربة الغزو التي أنتجت رواية من سبعة أجزاء باسم (إحداثيات زمن العزلة), وهذه السباعية هي من حيث الضخامة تشبه الملحمة, لكنها أقل من رواية, بسبب اعتمادها على التسجيل الواسع, وتحول الروائي المؤلف إلى محور بطولى كلي, وغياب التحليل الموضوعي للأحداث. الروائي هنا لم يراكم ميراثاً نقدياً روائياً في نقد المجتمع الكويتي فجاءت السباعية من دون جذور, في حين أن إنجازات الروائي تمثلت في العديد من رواياته القصيرة الأخيرة الجميلة. لكن ما يوتر وينفي الطابع الروائي الملحمي كذلك تجارب أخرى تنسفُ البناءَ الروائي المتبلور من جانبين نقيضين, فهناك قص ما قبل الرواية وهو قص مطول يعتمد على المغامرات والإثارة والجريمة كما أشرنا, وهو النوع الذي توسع وصار المنتشر جماهيرياً وهو يبالغ في الوضوح والسهولة ويمتاز بالضحالة, وهناك كذلك الجانب الأقصى وهو (الرواية المضادة), لأن أي تكوين يستدعي ما قبل البنية ويستدعي تحطيم هذه البنية كما يجري الأمر في الطبيعة بين المادة والمادة المضادة.
فالرواية المضادة تريد الإطاحة بالعناصر التكوينية البنيوية للرواية من سرد وشخوص ووحدة الأمكنة عبر استخدام أساليب التفكيك والتشظي, اتجاهاً نحو بنية مُفترضة أرقى, بإعطاءِ عناصر الشكلِ أهمية مطلقة, مما يؤدي إلى العكس من ذلك أي إلى انهيار الشكل الروائي ذاته. ولهذا تغدو هذه التجارب استثنائية, نادرة. (…)
عالم قاسم حداد الشعري ــ في نقد الوعي …
في نقد الوعي …
كتب قاسم حداد سلسلة من المقالات بعنوان «وقت للكتابة» انتقد فيها من أسماهم بــ«الكرنفاليين»، وقد نشرت هذه السلسلة في عدة صحف خليجية.
وقد تناولت موضوعاته قضايا كثيرة، كان غالبها الأعم استشهادات وقراءات من كتب دون تحليل يذكر لواقعنا الثقافي.
وهو في مجمل مقالاته لا يقترب من القضايا الحقيقية والفعلية التي يدور حولها الصراع الفكري في الحياة الأدبية البحرينية.
وسوف نحاول هنا أن نقتضب ما أمكن في مناقشة هذه المقالات، مركزين على بعض من الأمثلة المطروحة، متجهين بعد هذا الى المنظور الفكري الذي يحكم هذه «التحليلات».
ان رصدنا للتناقضات الفكرية سيدفعنا الى كشف الخيط الخفي الذي يكمن وراء هذه التناقضات.
أصل الصراع
لا نجد في ارائه وملاحظاته حول الصراع الأدبي في البحرين مفاتيح حقيقية لفهم وتحديد هذا الصراع وتاريخه.
في مقالة «كرنفال الكلام» يطرح ما يلي:
«وكان المطلوب من القارئ أن يصدق بأن هذا هو النقد الأدبي الذي تفتقر إليه الحركة الثقافية طوال الوقت، وان هذه الحركة بحاجة الى مفوضين جدد لردع أي انحراف عن المسار (الواقعي) المقدس حتى لو أدي ذلك الى تصفية الخصوم. هكذا نرى بأن كل من لا يروق لهؤلاء المفوضين في مجال الفن والأدب محكوم بالسقوط ومدان بالانحراف، واصبحت كل تجربة أدبية أو فنية مرشحة للمحاربة، ما لم تكن ممتثلة لقناعاتهم».
ويضيف في مكان آخر:
«لكن المعضلة التي يعاني منها أصحاب الكرنفال أنهم يؤمنون ــ لاهوتيا ــ بأن (نظاراتهم) هي الوحيدة الصالحة لرؤية وتقييم الأعمال الأدبية والفنية، لذلك فأنهم يأتون الى الموضوع وهم مجهزون بكامل عدتهم العسكرية».
من هذه العبارات نكتشف ما يلى:
1ــ أن أصحاب الاتجاه الواقعي لا يريدون سوى اتجاههم في الحياة الثقافية متجهين الى تدمير كافة الاتجاهات الأخرى.
2 ــ انهم يأتون إلى الأدب والثقافة بأدوات سياسية محضة، فهم مفوضون ومأمورون، لتكريس الأدب الواقعي وتحطيم ما عداه.
3 ــ أنهم معادون للحرية الأدبية وتعدد الرؤى، يتجهون لتصدير الأوامر من فوق إلى الكتاب لتحريكهم باتجاه محدد فقط ومن خرج عن هذا الاتجاه فالويل له!
ولكن ما لم نفهمه من هذه العبارات هو ما يلى:
■ أنه لا يوضح طبيعة الاتجاهات التي يحاربونها، فما هي صفة تلك الاتجاهات المحاربة؟
■ يتجنب الحديث عن قضايا محددة ومواقف ملموسة لهذه المحاربة . . فكيف عارضوا ودمروا (كل) الاتجاهات وأين؟
إننا في كل ما قاله لم نلمس انهم حاربوا الجميع وطمسوا كل الاتجاهات والتيارات، أي لم نقرأ ذلك الهجوم الساحق المدمر على كل المدارس. فلم نقرأ هجومهم على الرومانسية في القصة والشعر مثلا. لم نر رفضهم التام للواقعية النقدية الخ . .
اننا هنا بحاجة الى قضايا محددة، نريد أن نرى التدمير الشامل وكيف تم؟!
واستكمالا لوجهة نظره، ووصولا الى «جذور» القضية يقول:
«نحن نشعر حقا أن جدانوف لم يمت ومن يتأمل كتابات (واقعيينا) سوف يكتشف ذلك، وربما قد يؤمن ــ بلا جدال ــ بالتناسخ، لكن سوء حظ جدانوف جعله يتقمص ادمغة لا تحسن الدفاع عن التعاليم ولا تجيد الهجوم (العلمي) أيضا».
من موضوع: السياسة تذهب والفن يبقى.
لقد وصل هنا الى نقطة تنظيرية واستطاع أن يربط بين (الواقعيين) في البحرين وجدانوف الروسي الذي ظهرت آراؤه في الثلاثينيات في الاتحاد السوفيتي أيام ستالين!
لكنه للأسف لم يتوغل أيضا في هذه النقطة:
■ فأين هي الصلة بين ما طرحه الواقعيون في البحرين وبين ما طرحه جدانوف؟ إننا بحاجة مرة أخرى إلى الامثلة الملموسة التي توضح رابط الأفكار المشتركة. فلا بد من حيثيات وبراهين تثبت أن تحليلات هؤلاء الواقعيين ومنهجهم هو منهج جدانوف نفسه.
■ يقول «من يتأمل كتابات واقعيينا سوف يكتشف ذلك» واذا كان الأمر بهذه البساطة فلم لا يتم كشفه عبر تحليلك أنت؟ لم تدعو القارئ للاكتشاف وتعجز انت؟
■ ويقول «ومن سوء حظ جدانوف جعله يتقمص ادمغة لا تحسن الدفاع عن التعاليم» ونسأل: كيف تم هذا التقمص السيء؟ أين هي الصلات الفكرية والفنية لهذه العملية التقمصية؟ إن القضية ليست ثرثرة وسخرية بل هي تحليل مدعم بالبراهين، فأين هي البراهين؟!
كان على الكاتب في نقده للأفكار التي اعتبرها خاطئة وجامدة، عند جدانوف والواقعيين في البحرين، أن يأتي بنماذج تبين الخطأ والجمود عند كلا الطرفين، أما دعوة القارئ ليكتشف بنفسه في خاتمة المطاف فهي عجز فاضح من الكاتب الذي تصدى للكشف والمقارنة وتتبع جذور الأخطاء!
من كل هذه الاسئلة نصل الى ما يلى: لم يستطع الكاتب أن يدلل على افكاره، فهو في البداية صور الصراع الادبي البحريني بأنه بين الواقعيين وكل الحركة الأدبية واتجاهاتها الفنية، ولكن في خلال سيره لم يبرهن عبر النصوص والوقائع محاربة الواقعيين لكل الاتجاهات وللابداع الفني، ثم اتخذ لنفسه نفقا جديدا هو الهجوم على (جدانوف) ولكنه أيضا لم يعمق هذه القضية بربطه ومقارنته لظاهرة جدانوف وظاهرة الواقعية في البحرين، ثم ترك المسألة كلها لذكاء القارئ وحده!!
ماذا يكشف هذا المنطق؟
في البدء لم يأت لهذا الصراع الأدبي باعتباره صراعا أدبيا وفكريا له جذوره في التربة المحلية والعربية، فخصومه لا علاقة لهم بالأدب والحركة الثقافية، مجرد جسم غريب (مندس) في الواقع الأدبي، وهم جسم سياسي دخل الأدب بدون أية شرعية. ثم وجد لهؤلاء اصلا في جدانوف دون أدلة وهكذا تم ببساطة توضيح الصراع (الأدبي) وحسمه.
جماعة تشتغل لرجل أجنبي ميت. هذا هو الصراع الأدبي في البحرين!
لقد علق ظاهرة الصراع الأدبي في الهواء، وقام بنتقاء أجزاء صغيرة هامشية، ثم راح يحاربها من خلال بعض الجمل القصيرة ومن خلال استشهادات كثيرة من خارج الصراع ذاته.
انهم ليسوا أدباء، أنهم جامدون يريدون فرض نموذج ميت من الواقعية، وهم قلة قليلة لا يعتد بها.
هذا هو المانشيت الأساسي. ولكن إذا كانت المسألة كلها غبار وفقاعات من الهواء فاذن لم كل هذا التصدي والانفعال والكتابة الطويلة؟
إذا كانت القضية بلا جذور في عمق الواقع فلم كل هذه الضجة؟
إن الواقعية في البحرين لا تحارب كل التيارات الأدبية، لأنه في الكتابة الحديثة في بلدنا لا توجد أساسا الا مدرستان أو اتجاهان أدبيان فحسب!
ان الواقعية ــ وهي نزعة في طور التشكل محليا ــ لم تنشغل بإلغاء كل المدارس، لأن هذا (الكل) غير موجود أصلا.
بدأت الحركة الأدبية البحرينية منذ منتصف الستينيات ونمت بذور للمدرستين عبر هذه الفترة القصيرة نسبيا. لقد ظهرت نزعة واقعية في كتابات عديدة وظهرت نزعة شكلية. وقد كان تطور الأدب في البحرين هو نتاج الصراع بين هاتين النزعتان في أدب بعض الكتاب، وأدب الكتاب الواحد أحيانا، ولكن المسار كان يتجه لفرزهما وتحديد كتابهما.
في الفترة الأولى للأدب البحريني الوليد وحيث كان المد الاجتماعي الوطني قويا في الستينيات وبعض سنوات السبعينيات، تبوأت (الواقعية) مكان الصدارة والأهمية، حيث كانت أشكال الوعي في حالة مد وبحث وكشف لمشكلات وقضايا الواقع. وقد لعب الأدب البحريني حينئذ دورا هاما في عملية النقد والتعبئة الفكرية للتغيير.
ولهذا انفصل أدباء قليلون جدا عن التيار العام (الواقعي) في مجملة وعارضوا الحركة الأدبية، متهمينها بالتسيس وباعتبارها خادمة لقوى غير أدبية، وبأنها تحول الأدب الى اداة غير فنية، ورفعوا شعار (معركة بلا راية).
وقد لعب العديد من الأدباء الحاليين دورا في التصدي لتلك الشرذمة، وكان المنطلق هو شعار (المعركة لها راية) وشعارها (الكلمة من أجل الإنسان) الذي تحول شعار رسمي لأسرة الأدباء والكتاب تضعه في الندوات والأمسيات الشعرية وأمام الجمهور!
وفي الفترة الثانية للحركة الأدبية برز التيار الشكلى بقوة أكبر. لقد كانت جذور هذا التيار موجودة منذ البداية، حيث تم التأثر بأفكار أدونيس وروج لها في حياتنا الثقافية.
لكن في البداية لم يستطع هذا التيار الصمود لاندفاع الحركة الأدبية باتجاه كشف الواقع، بل إن بعض الأدباء الشكليين أنفسهم ساهموا في أوقات خاصة من حيواتهم في خلق كتابات واقعية أيضا!
إن التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الكبيرة التي تمت في السبعينيات ساهمت في تعزيز الاتجاه الشكلى، فقد ظهرت فئات طفيلية عديدة في المجتمع، وشحب اتجاه تغيير الحياة ودفعها باتجاه التقدم وانتشرت موجة اليأس والارتداد والضياع والخوف. مما جعل الاتجاه الشكلى يهيمن على الحياة الثقافية.
الاتجاه الشكلى هو ابن هذه المرحلة البار، اتجاه يندفع فيه الكاتب الفردي ذو النزعة الانعزالية إلى عملية تثوير (اللغة). وتغدو الكتابة لعبة لغوية وتدميرا للصور والبناء. انه وقت تشحب فيه عملية تملك الواقع فنيا واستيعابه ونقده. ويندر فيه ظهور الكتاب المتصدين لفهم الحياة ونقدها بكل شجاعة.
إذن الاتجاهان نميا داخل الحركة الأدبية، وداخل البناء الاجتماعي، ومن خلال تجربة خاصة لكل منهما، ومن خلال تأثرات معينة بالفكر الأدبي العربي والعالمي. فالمنطلق الجوهري الأساسي هو منطلق داخلي اجتماعي ثقافي أولا.
التأثرات بالخارج هي عوامل ثانوية مساعدة تساهم في تسريع وبلورة الاتجاهات الداخلية ولكن لا تصنعها. فسبب الظاهرة كامن في البنية الاجتماعية المحددة وتأتي التأثيرات لتغذى بذورا كامنة فيها.
وبطبيعة الحال فإن درجة التجذر مختلفة بين النزعتين، فإذا كانت النزعة الشكلية في البحرين هي نتاج علاقة
بأدونيس ومجلة (مواقف) دون أن يكون للشكليين قاعدة فكرية عميقة يستطيعون عن طريقها هضم ونقد هذا التأثير الضار، ودون أن يدركوا الابعاد السيئة الخطيرة لهذا التأثر، فإن النزعة الواقعية كانت وليدة شرعية للموجة الاجتماعية وافكارها. لقد كانت نقلة نوعية في مسار الحياة الفكرية والأدبية في البحرين.
أن محـمد عبدالملك ككاتب ذي نزعة واقعية مثلا لم يتطور كمبدع من خلال تنظيرات خارجية، أو بسبب ايعاز جدانوفي، بل لقد نمت الطريقة الواقعية من خلال النماذج البشرية التي صورها والتي تأثر بها. لقد تطور من خلال تفاعله مع الحياة المحيطة به ومحاولاته لفهمها ونقدها. استفاد من تشيخوف وموباسان الفرنسي ولكنه وجد طريقه الخاص. اننا نستطيع اعتبار نزعته الواقعية لونا خاصا من الواقعية ذي نكهة بحرينية ــ عربية.
وكان لأمين صالح في بداياته الأولى نزعة لتحليل الحياة كقصته (الحاجز) ولكن مع بداية طرح مفاهيم أدونيس عن تفجير اللغة وتثوير الصورة وصفع القارئ ابتعد عن هذه النزعة ودخل في (السريالية). ولقد عكس هذا أيضا نزعة خاصة في حياتنا الفكرية . حيث أن المثقف البرجوازي الصغير المنعزل عن عملية تحويل الواقع، والمتأثر بالأدب الغربي البرجوازي، هو ظاهرة جديدة نشأت لدينا.
ولكن التأثرات الشخصية تلعب دورها في زرع النزعة. فقد تأثر أمين صالح بأدونيس وخاصة بعد أن قام الأخير ــ كما قيل حينذاك ــ بترجمة قصة أمين صالح (هنا الوردة . . هنا نرقص) الى اللغة الفرنسية. والقصة تصف البطل عندما يخرج من بطن أمه مع نظارته ومخاط الولادة!
وهذا يوضح طبيعة التأثر، فالشكلية قامت على أساس القراءة الخارجية وتداول أدبيات بعينها. لكن الواقعية نمت على رصد الواقع المحلي وكشفه.
1ــ قصص أمين صالح ومناخه ليس محليا، أنه واقع متغرب نتاج القراءة والمطالعة السينمائية والتلفزيونية، لا نستطيع أن نكشف فيه خصائص واقعه . . ويستطيع القارئ أن يراجع تحليلنا لمجموعة (الفرشات) و(هنا الوردة . . هنا نرقص).
2 ــ ولهذا فنحن عندما ننقد أمين صالح لا نطلب منه أن يتبنى رؤيتنا، بل نطالبه فقط بتدمير هذه السحابة الغربية وأن يتجه لتحليل واقعه بما يريد من رؤى.
فهل تعتبر دعوة الكتاب للابتعاد عن هذه الأجواء الغرائبية السريالية ذات النكهة الغربية دعوة للدخول فقط الى مدرسة الواقعية الاشتراكية الجدانوفية أم هى دعوة لتأصيل الأدب في تربتنا الوطنية؟
كل هذا يوضح أن قضية الصراع الأدبي ليست مسألة مزاجية فرضها (الواقعيون) لتدمير كافة الاتجاهات الأدبية، بل هي نتاج هذا الصراع الذي تشكل عبر سنوات الحركة الأدبية كلها بين النزعة الواقعية والنزعة الشكلية.
إن ظهور الكاتب المرتبط بقضايا شعبه، والكاتب المنعزل المشغول بالتفجيرات اللغوية، هو أمر ظهر في مجرى الحياة الثقافية.
إذن التهمة التي أراد قاسم حداد الصاقها بالتيار الواقعي كانت هي تهمته الحقيقية. أن تزعمه للنزعة الشكلية وعلاقته بأدونيس ومحاولاته لترويج افكاره في حياتنا الأدبية منذ بداية السبعينيات هي العملية التي تسببت في الصراع وديمومته.
لقد قام الشكليون بمحاربة محـمد عبدالملك كقصاص واقعي، وعلي خليفة كشاعر واقعي وشنوا على الأخير حملة فكرية. ونقدية كبيرة بدأها يعقوب المحرقي في دراسته عن شعر علي خليفة. ثم وجهوا نيرانهم إلى جميع من حاول أن يستوعب قضايا بلده وقاموا بإبعاد كتاب شباب عديدين عن طريقهم وخربوا نموهم الطبيعي .
لقد بدأ الشكليون الهجوم على كل ما هو نظيف في حياتنا الأدبية منذ البداية، ولم يتم تعرية هذه النزعة إلا في المدة الأخيرة حينما اتضح للعديد من الكتاب والقراء الدمار المشين الذي سببته لأدبنا الوليد.
الكتابة والحرية
يفرد قاسم حداد لمسألة الكتابة «الحرة» فصلا خاصا، وكعادته ينطلق في برية العموميات والمطلقات الغامضة دون تحليل للقضية المثارة.
يقول:
عندما نقول: الكتابة الجديدة فأننا نعني تلك الكتابة التي تكون سيدة الواقع وليست عبدة له. والواقع هنا يتجلى في كافة الأشكال والمنظومات التي تحيط بالإنسان، إن كانت مادية أو معنوية.
فالكتابة الجديدة حين تكون سيدة الواقع فأنها تتمتع بحريتها في أن تتناقض مع كل السلطات ، عندما تريد أن تستحوذ على تلك الطاقة الغامضة التي يتميز بها الكاتب الابداع ، وتوظفه في خدمة مشاريعها.
في هذا النص يتجلى ما يلي:
1 ــ الكتابة الجديدة هي «سيدة» الواقع.
2 ــ الكتابة الجديدة حرة في تناقضاتها مع جميع السلطات.
ولنوضح للقارئ هذه الدهاليز من التعميمات علينا أن نلقي بضعة اسئلة حول الفقرة:
■ ما نوع هذه الكتابة «الجديدة» وهل هي فعلا جديدة؟
■ هل هناك كتابة حرة وكتابة عبدة من الناحية الإبداعية؟!
■ ما هي هذه الحرية المناقضة لجميع السلطات على إطلاقها؟
■ ما هو التعريف المستخدم هنا للسلطة؟
بطبيعة الحال الكاتب لا يجيب على ربع هذه الأسئلة، فهو يتجنب الوضوح والتحديد ما أمكنه ذلك، ومع هذا سنحاول ان نناقش هذه التعميمات ونكشف خباياها.
كتابة حرة وكتابة عبدة!
الحديث عن وجود كتابة حرة وكتابة عبدة في حياتنا الثقافية البحرينية هو خرافة تضليلية تستهدف إبعاد المناقشة عن جوهرها الحقيقي. فالإبداع إذا كان ابداعا حقا هو مسألة ذاتية حرة مستقلة تماما، وإلا ما كان ابداعا.
ان تبدع هو ان تخلق وتشكل عالما من ابتكار الذات المبدعة التي تستجيب لقضايا الحياة وتقدم تصوراتها الفنية المبتكرة.
فقدرة الكتابة ومدى جدتها تتحدد ليس بمقولة «السيادة» بل في تملك الواقع واكتشافه وتحليله ونقده وتجاوزه.
واهمية الكتابة هي في هذه القدرة على استبصار الحياة، اما العبودية أو السيادة فهي الفاظ فارغة لا تعني شيئاً.
ونستطيع أن نفهم أيضا ايحاءات كلمتي «السيادة» و«العبودية». فأن تكون الكتابة سيدة، في هذا المفهوم هو ان تشطح ما شاء لها الشطح، ان تكون هذيانا، أو هلوسة، أو لهوا غامضا، اما ان تكون عبدة فذلك يعني، حسب هذا المفهوم ذاته، أن ترصد الواقع وتكتشفه وتعريه.
ان يبتعد المبدع عن الحياة وقضاياها، وينطلق في فوضى من الصور هذه هي السيادة. اما ان يقوم بالعكس فهي عبودية وتخلف وتقليدية! من جديد نرى التناقض الذي لا حل له في المنهج الميتافيزيقي. فان تكون حرا يعني أن لا تلتزم بأية مسؤولية اجتماعية. والابداع الخاص امر لا يرتبط بالفهم العميق الموضوعي للحياة في نظرهم.
ان ابداع الذات الحرة لا يتناقض أبدا مع الالتزام وتبني موقفا تغييرا للحياة بل على العكس يتطلبه! ان الفنية والخلق المبتكر لا يتعارضان مع المسئولية الوطنية.
إن العديد من الفنانين الملتزمين بقضايا شعوبهم كانوا احرارا ومبتكرين، بل إن ذلك الانتماء الحقيقي هو اشعل جذوة الابتكار والحرية لديهم!
الكتابة الحـــرة
يتصور الابداع «الحر» بأنه الذي يتناقض مع جميع السلطات، أما الإبداع «العبد» فهو الذي يتوافق.
ولكن ماذا يعني بالسلطات؟
انه يقصد جميع التيارات والقوى الاجتماعية سواء كانت المسيطرة أو المعارضة، كما أوضح مرارا في مقالاته «كرهين المحبسين».
الإبداع الحر هو الذي يمتلك الحرية في التناقض مع الناس والدولة، الوطن والاستعمار، اليسار واليمين.
انه الابداع الذي يقف فوق الجميع، انه «سيد» الواقع، الذي لا ينتمي لأحد، ويحتفظ لنفسه بملكوت معارضة الكل.
انه الابداع الذي يتوافق مع هذه أو تلك من القوى، الإبداع الذي «يرتبط» بالوطن أو الاستعمار، باليسار أو اليمين، الخ . . الإبداع «العبد» إذن هو الابداع المنحاز، المنتمي، الموظف، حتى لو كان مع الفقراء، حتى لو كان مع الدولة الوطنية.
■ اذن نصل هنا الى معرفة وجه من وجوه «الإبداع الحر» فهو الابداع غير المرتبط بالقوى الاجتماعية ومعاركها وقضاياها. ولكن هل هناك ابداع غير مرتبط بالقوى الاجتماعية؟
لا يوجد إبداع خارج الانتماء الاجتماعي فتلك ضرورة حتمية وان تجاهلها المبدع أو اخفاها.
قاسم إذن ـ في تصوره الايدلوجي التعتيمي لانتماء الابداع ــ يوهم الآخرين بأن هناك إبداعا خارج الانتماء الاجتماعي ـ السياسي. وينفخ هذا الوهم بكلمة «سيد الواقع»!
اذن ومرة اخرى يعود شعار «معركة بلا راية» في الأدب البحريني الحديث. حيث يتحول الابداع الى ابداع غامض بدون هوية ولا راية ولا انتماء.
ونحن هنا بغض النظر عن التاريخ والنوايا نود ان نتابع النص لكشف دلالاته، فلا نريد ان نعلق هنا فلنتابع.
مواصفات الإبداع «الحر»
ليس للإبداع «الحر» مواصفات كثيرة للأسف، فهو لانه حر يبخل بالوضوح، ولانه ضد التيارات والألوان لا يكشف لونه الخاص.
فهو ابداع مطلق، ليست له رائحة ولا لون ولا مذاق وليست له هوية.
الشيء الوحيد الذي أوضحه لنا هو ما يلي:
«وحرية الكتابة الجديدة تتصل بطبيعتها الرؤيوية تجاه فعل الحياة وفعل الإبداع، في آن. إنها لا ترى الحقيقة الجوهرية في مظاهر الواقع، بهدف اكتشاف العناصر المكونة لأسرار الحياة ولحركتها الداخلية، حيث هناك تبدأ الحياة الحقيقية لهذا الواقع ومن هناك فقط ينبغي أن يتفجر ابداع الحياة».
من هذا النص نصل إلى تحديد لاتجاه تلك الكتابة «الحرة» فهي التي:
■ لا ترى الحقيقة الجوهرية في مظاهر الواقع.
■ وفي الوصول للعناصر المكونة لأسرار الحياة يبدأ الابداع.
ومرة اخرى تصطدم باللغز. الكاتب لا يريد ان يوضح طبيعة افكاره فهو يلف ويدور دون ان يتضح أي شيء عميق.
ومع هذا لابد لنا من تحليل النص.
كالعادة هناك تناقض لا يقبل الحل بين مظاهر الواقع وجوهر الواقع. وهو لا يعطينا امثلة لهذا التناقض المزعوم.
فهو لا يحدد ما هو الواقع؟ وما هي مظاهره؟ وما هو جوهره؟
وكيف تستطيع الكتابة «الحرة» «الجديدة» أن تتجاوز المظاهر لتصل فقط إلى الجوهر؟
الــواقع
نستطيع بدون اللفلفة الطويلة ان نقول ان الواقع هو المجتمع الذي يعيش فيه الكاتب، دون أن ننسى بطبيعة الحال تاريخ هذا المجتمع والعصر المحيط وتأثيراته، والطبيعة الذي يعيشها ويغيرها هذا المجتمع.
والكتابة «الجديدة» حقا هي التي تتوجه الى جوهر الواقع لكن مع المرور الحتمي ببعض مظاهرة الهامة.
وفي الادب بالذات تغدو التفاصيل وبعض المظاهر المهمة جسرا لا يمكن تعويضه للوصول الى عمق الظاهرة.
أن الازقة وصور الأرصفة ومشاهد اللقاءات العاطفية والمناقشات الفكرية والأحلام والصدامات الشخصية والزوجية وغيرها حين تؤخذ منفصلة عن الصراعات الاجتماعية الاساسية تكون فعلا تفاصيل ومظاهر لا اهمية لها، ولكن حين تتحول الى جسور لكشف اعماق الظاهرات تغدو تفاصيل ومظاهر لا بديل عنها.
وهل يستطيع أي كاتب أن يكشف الظواهر الروحية والاخلاقية والفلسفية دون ان يضع البشر في محيطهم الاجتماعي الخاص.
فراسكولينكوف بطل «الجريمة والعقاب» الفردي الفوضوي الذي يريد ان يلغي القانون الأخلاقي، لم نستطع أن نراه في أزمته الروحية تلك دون ان نطالع الغرفة البائسة التي يعيش فيها والظروف الرهيبة التي يحياها الفقراء أمثال اسرة مارميلادوف، ودون أن نرى بالمقابل المرابية العجوز البخيلة.
لقد تشكل المعنى العميق للرواية عبر هذه الجوانب الملموسة البسيطة، عبر هذه المظاهر المختلفة للحياة التي نمر بها كل يوم. ان المعمار العملاق للرواية ودلالاتها الفكرية والفلسفية الكثيرة تشكل من هذه العلاقات والوجوه والشوارع والازقة البائسة وقاعات المحاكم ومناطق النفي.
تشكل كل هذه الاشياء «صورا» بدونها يستحيل التوغل الى النفسية والجوانب المجردة الأخرى. فبدون الملموس لا يظهر المعنوي، وبدون المظاهر ينعدم الجوهر!
وهنا نستطيع ان نصل الى نتيجة لابد منها فـ قاسم يريد ان نلغي المظاهر والمشكلات الاجتماعية والقضايا الأخلاقية والسياسية والأمور الاقتصادية لكي نصل هكذا بقدرة قادر الى جوهر الواقع كلُب وجوهر خالد نقي مصفى.
ولكن دلالة هذه الكلمة حقيقة هي قيادتنا الى فوضى من الصور والهذيان والابنية الغامضة باعتبارها هي الجوهر.
ثمة إصرار على الابتعاد عن «الحياة» ومشكلاتها، للدخول في متاهة من الأشياء غير المفهومة أو الميتة.
تتحول الفوضى أو العزلة الشاحبة الى «الابداع الحر» أما تحليل الواقع وتصويره عبر مظاهرة للتغلغل الى أعماقه فهو «الابداع العبد»!
الحــــرية
لقد رأينا عملية الوصول الى جوهر الواقع تقودنا الى اكتشاف التناقضات الاجتماعية باعتبارها المحرك والدينامو للحركة الاجتماعية ومظاهرها المختلفة.
والأدب في هو عملية وعي خاص تتجه لاكتشاف هذه التناقضات وتجسيدها، لأنه عبر تجاوز التناقضات تتسع سيطرة الإنسان على واقعه وعلى ذاته!
إن الكاتب الذي يعيش في جنوب افريقيا حيث يضطهد عشرون مليونا من السود ستتشكل حريته الإبداعية عبر اكتشاف هذا الواقع المرير من خلال العديد من ظواهره خاصة العاطفية والاجتماعية والفكرية . .
ولا شك أنه ككاتب حقيقي لن يقف إلا مع العشرين مليونا ومن اجل حريتهم وتطورهم الشامل.
ولن تتناقض موهبته وحريته الإبداعية وتطويره لفنه وتوصيله مع الحرية الاجتماعية المطلوبة لشعبه، بل على العكس ان موهبته وحريته الإبداعية لن تتألقا إلا في هذه المعركة.
ولكن حين ينعزل ويعتبر عملية العزل العنصري والمدن المحرمة على السود والمناجم الرهيبة والبنوك الجبارة المملوكة للبيض والسجون المخصصة للسود، تعتبرها كلها مجرد «مظاهر» لا تشكل «جوهر» الواقع، فانه بكل تأكيد ليس فنانا حرا.
فابتعاده عن الحقيقة بتبريرات واهية، وهروبه من المعركة بمجموعة من الألغاز، والحديث الطنان عن «الجوهر» و«السيادة» لا تعني سوى تكريس القيود والزنازين والسياط التي هي مظاهر لا تستحق النقد!
لقد صار تعريف الحرية شائعا وهو انها «فهم الضرورة والسيطرة عليها».
والضرورة هي أيضا قوانين التطور الاجتماعي التي تعبر عن الأحداث والحركة ويغدو الانسان «عبدا» حين لا يفهمها، ويتحول الى حر متى فهمها وسيطر عليها.
هناك ضرورات في كل شيء: في الواقع الاجتماعي بكل مظاهرة. وفي الطبيعة بكل جبروتها وتحولاتها.
أن الضرورة في مجتمع جنوب أفريقيا هي تحرر المضطهدين من الاستغلال الرأسمالي الاستعماري «الابيض».
وتكمن حرية الكاتب الحقيقة في فهم هذه الضرورة الاجتماعية وتجسيدها. ولن تكون كتابته بالضرورة عن «موضوع» سياسي، بل هي ربما عن علاقة عشق بين فتاة بيضاء و شاب أسود. وربما كانت عن رحلة صيد لقرويين زنوج. ولعلها كذلك عن حياة اسرة في منعزل عنصري خاص.
عبر كل هذه الظاهرات المتباينة سيصطدم البشر بواقع المجتمع الجوهري، أي بسيطرة اقلية مستغلة تنهب وتعزل البشر عن الحب والفرح والحياة.
المسألة ليست نية مسبقة من الكاتب ولكنها «ضرورة» كامنة في أعماق المجتمع تصل إليها الكتابة الجديدة الحـر الشجاعة دون أن تخاف سيطرة الأقلية ومنعها لانتشار مثل هذه الحقائق.
وإذا كان للحياة الاجتماعية ضروراتها فللفن والابداع ضروراته أيضا أي له قوانينه الخاصة المستقلة نسبيا عن قوانين الحياة الاجتماعية الاخرى.
فالإبداع لن يعبر بالتقارير والمعادلات والجداول عن الحياة، بل بواسطة الصور والنماذج والموتيفات والحكايات الخ . . والضرورة الفنية الرئيسية في عالم الأدب هي التعبير بالصور، وهنا يكمن الفارق النوعي المميز للأدب.
الصور بظهورها ونموها وتآزرها تشكل لوحات يندمج فيها الكاتب بالواقع ويعبر عنه ويحوله.
ولكننا رأينا ان قاسم ضد المظاهر أي ضد ان تتشكل صور تعبر عن الجوهر. ولهذا تكمن حريته الشخصية في تحطيم وتدمير «الضرورة». فهو لا يبغي أن يستسلم لقانون الفن الأساسي باعتباره تعبير بالصور، فهو يريد شيئا آخر، لم يستطع ان يعبر عنه أو يشكله.
ولكن مثل هذه الحرية غير موجودة، كما أن التجديد غير ممكن بهدم الصورة أو الغاء الظواهر. إن التجديد والتطوير يكمنان داخل عملية استخدام الصور. ومن خلال توظيف هذه الصور لتجسيد حقيقة الحياة تكمن حريته وحرية الآخرين.
الاتصـــال والانفصـــال!
كما ان هناك ضرورة أخرى تتحدد في ضرورة «الاتصال»، الادب ليس نتاجا للفرد بل هو نتاج من قبل الفرد للآخرين. وهذه الضرورة لا يمكن تبديلها أو تفجيرها!
وحين تكتب أدبا بلا صور، مشوشا، فوضويا، لأنه يتجه الى الجوهر المطلق كما تزعم، ولا يعبر بالجزئيات واللقطات في سبيل الوصول الى تجسيد الرؤية، فأنك تلغي الضرورة وهي ضرورة اتصال الكلمة بالمتلقي.
يزعم قاسم انه يريد قارئا جديدا، ولكن اين هو القارئ الذي يمكن أن يفهم كتابة بلا صور ولا مظاهر ومشوشة؟ المسألة ليست في القارئ القديم أو الجديد، بل في تشكيل أدب يخلو من وسائل الاتصال.
انهم يريدون قارئا ليس جديدا بل قارئا يقبل فوضى الشكلية. وعندما يرفض القارئ هذه الفوضى وهذا العجز عن تشكيل لوحة من الصور المعبرة عن قضية، سيقولون إنه قارئ تقليدي عاجز. تماما كما يقولون حينما يرفض الكاتب الجديد السريالية أو الموجات الغربية الشكلية!
وربما يظهر مثل هذا القارئ الذي يستلذ بهذه الموجات، ولكنه حتما لن يكون هو القارئ المنتشر. وفي هذه الحالة سيتجه القارئ العادي، الى الادب الأسود أي أدب الجريمة والرعب والجنس وأدب الضحالة والتقليدية.
أما القارئ الجديد حقا فهو المتفهم للأدب الجديد، ذي التوجه الدائم لاكتشاف قضاياه، والمكرس لاستيعاب الحياة، وفي هذه العلاقة الجديدة يتشكل وعي مستمر لإعادة صياغة الواقع.
وبطبيعة الحال لن تكون العلاقة بين الأدب الجديد والقارئ الجديد سهلة، ميسورة، فستكون هناك العديد من المشكلات، ولكن عبر التأثير المتبادل ستنمو العلاقة متجاوزة نقاط الضعف عند كلا الطرفين.
ولا شك أن هذا القارئ قليل ولكنه هو المستقبل.
أما قارئ الشكلية، الذي لا يفهم ما يقرأ، فهو قارئ الماضي، قارئ النخبة.
ونجد في تصور قاسم محاولة لخلق قارئ النخبة على النمط الغربي، الذي يستسيغ السريالية وبقية المدارس المأزومة المفلسة. لكن ستبقى اغلبية القراء في دائرة الأدب الأسود الضحل والمدمر.
وهذا التصور ليس غريبا على الاطلاق حيث نجد بعض أدباء الشكلية لدينا يروجون لافلام الرعب وغيرها!
لماذا؟
لكون أدب النخبة الشكلي والأدب الاسود هما وجه العملة في الثقافة الرأسمالية الغربية.
العبودية الحقيقية
إذن تم تدمير الضرورات الثلاث:
■ ضرورة كشف الواقع.
■ ضرورة بناء الصور.
■ ضرورة الوصول إلى القارئ.
وتشكل هذه الضرورات مجتمعة صلب الأدب الحقيقي، هي أضلاعه وقوانينه الرئيسية العامة، ولو انتفى جزء لوقع خلل كبير. والأدب الجديد، في غمرة تطوره يحاول تحقيق هذه الضرورات والسيطرة عليها، فعن طريقها تكمن حريته الحقيقية.
ولكن لدي قاسم تحقق العكس:
■ لا اهمية لكشف الواقع وتملكه.
■ لا اهمية للبناء بالصور بل تدمير البناء.
■ تنتفي امكانية الوصول للقارئ وتحقيق علاقة دائمة.
النتيجة الثالثة كامنة في السببين الأولين فحين تبتعد عن تحليل الواقع، ثم تدخل في لعبة شكلية لأنك لا تمتلك قضية، فمن المستحيل أن تحافظ على القارئ.
ويشكل هذا الرفض الأساسي الحقيقي لازمة الأدب الفوضوي الشكلي المنعزل. وأيضا لازمة فقدانه للحرية. فالأديب عندما يفقد الحرية الإبداعية الحقيقية يقود نفسه بشكل موضوعي الى العبودية، وسواء عرف ذلك أم لم يعرفه!
الواقع والواقعية
في مقالته ــ قاسم حداد ــ «الطريق انتهت . . فلنبدأ السفر» سلسلة من المغالطات التي تحتاج الى كشف وتحليل لأنها تتصل بالمرتكزات الأساسية للحوار الأدبي. فهي تتصل بمسألتي الواقع والواقعية، ورغم أن معظمها قراءات واستشهادات الا أنها تتصل برأيه حول مسألة الواقع وتصويره.
يقول بأن الواقعيين في البحرين يصرون دائما على أن الواقعية هى الطريقة الوحيدة للنظر الفني إلى الحياة.
ولكن من قال ان الطريقة الواقعية هى الطريقة الوحيدة وأين حدث ذلك؟
نقطة في الشكل
لنأخذ النص. يذكر:
ومن الطبيعي أن يظل هذا «الواقع» بحاجة دائمة لوجهات نظر عديدة مختلفة تسهم في اكتشافه علميا(؟) تماما مثلما هو بحاجة الى طرائق فنية مختلفة تحسن التعامل مع ظاهراته وتبدع أشكالا لسبر غوره . . لهذا سيبدو الزعم «بأن الواقعية بحكم ثراء طرقها الإبداعية قادرة على تجسيد القضايا الجوهرية للمجتمع من جميع أوجه الأدب والفن، سواء بتغلغلها في تاريخه واستفادتها من ثرائه، أو بتحليلها واكتشافها الواقع الرهن ومشكلاته وتطوراته الكثيرة المعقدة» (عبدالله خليفة) هو ادعاء تعوزه المعرفة وتبسيط يعبر عن رؤية قاصرة للأدب والواقع معا.
نفهم من هذا العرض ما يلى:
■ هذا الواقع بحاجة الى وجهات نظر عديدة مختلفة تسهم في اكتشافه «علميا!».
■ كذلك هو بحاجة الى طرائق فنية تسبر غوره.
■ ولكن عبدالله خليفة يقول بأن الواقعية قادرة على تجسيد القضايا الجوهرية في تحليل الماضي والحاضر وفي جميع أوجه الأدب والفن.
■ ان هذا الادعاء تعوزه المعرفة ويعبر عن رؤية قاصرة.
هنا نجد المصادرة والقراءة المغلوطة للنص. فالاستشهاد والذي جره من عنقه لا يعبر عما يريده قاسم حداد ولا علاقة له بالموضوع! فرأيي يقول بأن الواقعية قادرة على تجسيد القضايا الجوهرية ولم يقل أن الواقعية هي الطريقة الوحيدة في النظر الى العالم!
وهكذا أخذ كلمة «أوجه الأدب والفن» بمعنى المدارس والتيارات لا بمعنى أنواع الأدب والفن كالرواية والشعر والمسرح!
نقطة شكلية أخرى
لم يستطع قاسم أن يحول افكارنا الى بنية يقوم بتحليلها وكشف تناقضاتها، وكل ما يفعله هو السخرية ببعض العبارات واطلاق التعميمات العامة وأحيانا يختلق عبارات وأفكارا من عنده يقوم بمهاجمتها كيفما اتفق.
فهو يقول في نفس الموضوع:
«إلا أن واقعيينا لا يزالون يزعمون بأن الواقعية هي محاكاة الواقع الملموس والعمل على تغييره».
فأين ومتى ظهر الزعم بأن الواقعية هي محاكاة الواقع الملموس؟ هنا لا يطرح استشهادا أو اسما، فيفترض خصما من خياله الخاص ويندفع لمحاربته!
ما هو الواقع؟
بعد الكثير من الكلام الشخصي الذي لا علاقة بالقضايا والصراع الأدبي والذي اسف فيه الكاتب كثيرا، يأتي في هذا الموضوع الى نقطة مركزية هامة، هي الصراع بين الواقعية والشكلية، دون أن يقول ذلك بشكل صريح بل بطريقة ملتوية.
وعلينا أن نتتبع طرحه للمسألة وندع الزبد جانبا.
يقول:
لم يعد ممكنا للكاتب المعاصر أن يحاكي الواقع والا يصوره كبناء ملتحم وواضح. ذلك لأن الواقع لا يمثل كيانا ثابتا ذا بنية متماسكة ومترابطة وسمات خاصة ومميزة. وانما هو مفهوم في غاية التعقيد والتشابك، تتعدد أبعاده واتجاهاته وتضاريسه ــ المرئية وغير المرئية ــ وفق التصورات والرؤى المتعددة والمتناقضة . .
في هذا النص نصل الى الأفكار التالية:
■ يستحيل محاكاة الواقع وتصويره كبناء ملتحم.
■ الواقع بدون كيان ثابت ومترابط وبدون سمات مميزة .
■ الواقع مفهوم يتشكل حسب التصور.
أي أن الفكرة الرئيسية هنا هي استحالة تصوير الواقع والقبض على ملامحه لأنه بدون سمات وملامح مميزة، ويستطيع كل منا أن يشكل الواقع حسب تصوره!
ولهذا فإننا نصل عند قاسم الى حد الغاء الواقع كظاهرة موضوعية يمكن دراستها واكتشافها. فالواقع لديه غائم ضبابي يستحيل فهمه كبناء ملتحم. لأنه اذا كان بدون بنية وتماسك وسمات خاصة مميزة فلا يمكن معرفته وتحليله علميا وفنيا، لأنه سوف يكون بعدد التصورات والمفاهيم الخاصة عند كل منا!
لكن العلم هو دراسة الظاهرات لاكتشاف قوانينها.
والأدب اكتشاف لبنية وبشر يعيشون فيها ويخلقونها.
إن وجود القوانين في الظواهر هو دليل على ثباتها النسبي.
ان تكرار سقوط الاجسام فوق الأرض جعل البشر يكتشفون وجود قانون الجاذبية. إن ظاهرة الجاذبية ثابتة ومتكررة في الأجسام ولكنها تتغير حسب الامكنة والسرعة والى حد معين، لكنها موضوعيا، موجودة. ويأتي العلم لاكتشاف هذه الظاهرة واكتشاف سبب تكرارها. وتتجوهر اكتشافاته في «القانون» . . وتتعمق هذه الاكتشافات وتتعدل حسب درجة تطور المعرفة البشرية واتقانها.
ذلك فإن أي مجتمع له ثبات وبنية محددة تتغير ولكن من خلال قوانين تصل اليها المعرفة.
أن الثبات النسبي لأية بنية اجتماعية هو أمر أساسي لأنه بدون هذا الثبات النسبي تتحول المسألة الى فوضى مطلقة.
لنتصور المجتمعات العربية في عهد السيطرة العثمانية الم تكن هذه المجتمعات اقطاعية ودام ذلك عدة قرون؟!
صحيح أنه كانت تجري تغيرات يومية ولكن داخل البنية الأساسية وعبر التراكم فيها. ان سيطرة الإقطاعيين على الفلاحين وأهل الحرف واستغلال عملهم هو قانون وجود هذا المجتمع. يتغير الإقطاعيون والفلاحون ويموتون وتتبدل مواسم الزراعة والمنتجات وتتطور بعض المدن وتنشأ الحروب لكن البنية الأساسية تظل ثابتة . .
لكن حين يأتي الاستعمار الحديث ويبدأ تقسيم العالم العربي وربطه بالاقتصاد الرأسمالي الخ . . تنشأ بنى اجتماعية مختلفة عن العصر السابق.
ويبقى أشكال الوعي المختلفة من علم وأدب وقانون الخ . . في حضن هذه البنية متأثرة بأساسها الاقتصادي الاجتماعي وحين يتبدل هذا الأساس، وترتبط البنى بالتبعية للغرب يحدث تحول في أشكال الوعي المتعددة.
هل نستطيع أن نعزل أدب عصر الانحطاط عن تلك البنية الاقطاعية الراكدة؟ وهل نستطيع أن نرى تشكل الآداب العربية الوطنية والقومية التحررية المختلفة دون دراسة عالم التبعية الجديدة؟
لو طبقنا رؤية قاسم ما استطعنا أن نقول أن عهد الدولة العثمانية كان عهدا اقطاعيا، لأنه لا توجد بنية متماسكة وواضحة وسمات خاصة للاشياء، ويستطيع أي منا أن يسميها بالمفهوم الذي يريده.
هنا نجد أن المنهج الميتافيزيقي «أي غير الجدلي» الذي يطالع قاسم به العالم هو الذي يمنعه من الرؤية الموضوعية. فهو لا يتصور أن البنية الاجتماعية، أو الواقع، تظل ذات سمات مميزة ومتغيرة أيضا. إن هذا الفهم لا يمكنه تصور الثبات النسبي والتغير في وحدة جدلية!
ونقول مثلا آخر: أن المجتمع الاقطاعي في أوربا أثناء العصر الوسيط ذو بنية مميزة وثابتة نسبيا. وقد حدثت تراكمات جديدة داخل هذه البنية كنمو التجارة والحرف وتحول الأخيرة الى صناعة، وبالتالي ظهور طبقات جديدة حملت في وجودها نفيا للعالم الإقطاعي القديم.
وبعد عدة قرون من التراكم الطويل حدثت الثورات البرجوازية. لقد وصلت البنية الاقطاعية حينئذ الى درجة الانهيار الكيفي. وبعدها تشكلت بنية جديدة هي الرأسمالية.
وكانت الفنون والآداب تعيش ذات المخاض الاجتماعي الطويل، فتغيرت الأنواع الفنية تبعا للتطورات الجديدة.
ولهذا كله فإن الواقع الأوربي في العصر الوسيط ليس هو مفهوم أو تصور شخصي عند هذا الانسان أو ذاك، بل هو وجود موضوعي خارجي يستطيع المرء أن يفهمه ويدرسه ويكتشف قوانين تحوله. وهكذا يستطيع دارسون من مختلف انحاء العالم ودون أن يعرفوا بعضهم البعض بالتوصل الى نفس الاستنتاجات العلمية حول نفس «الواقع»!
والمسألة تقترب من ذلك في الأدب. فالأدب يواجه الواقع ويكتشف البنية الاجتماعية في ثباتها النسبي وتحولاتها الكيفية.
ولكن الأدب لا يكتشف الواقع، كما يكتشفه العلم، أو التاريخ، بل يكتشفه بنوعيته الخاصة وأدواته المتفردة.
في الرواية مثلا تم اكتشاف الواقع الأوربي في بنيته وتحولاته عبر أدوات الرواية المعتمدة على الحكاية والنماذج والموتيفات الفنية والصراعات، ومن خلال ذلك تم اكتشاف البنية سواء الاقطاعية الزائلة أو الرأسمالية المعاصرة.
أن الرواية ليست تركيزا على سرد تاريخ المجتمع، ولا على بنيته الاقتصادية والسياسية بل هي تصوير للناس ومشاعرهم وافكارهم في واقعهم وصراعاتهم المختلفة.
إن عظمة الأدب تكمن في قدرته هنا على التقاط عمق الحياة عبر النماذج التي يجسدها. فـ دون كيشوت هو البطولة الفروسية القديمة المنهارة في عالم برجوازي صاعد، وهو حلم البشر الدائم بالنبل والعظمة.
هنا استطاع سرفانتس أن يدين بنيتين اجتماعيتين تاريخيتين، هما الحقبة الاقطاعية والرأسمالية. لقد أدرك الجميل في احدها والمدمر في الاخرى. لقد أدرك «الثابت» في العصر الرأسمالي الجديد هو المصلحة الشخصية الانانية وفقدان المثل الأعلى البطولي.
لقد رأى السمات الأخلاقية والنفسية لحقبتين ولم يقل أنه واقع غائم لا يمتلك صفة خاصة ولا سمة ثابتة وبالتالى لا أستطيع أن اكتشفه لقد جسد اكتشافاته في شخصيات عاشت حتى اليوم!
إلغاء العالم
لا يكتفي قاسم حداد بإلغاء الواقع ولكنه يريد إلغاء العالم أيضا، المجتمع والطبيعة معا، مستعينا ببعض الآراء المثالية الفارغة الشائعة في الفكر البرجوازي الغربي المعاصر.
يقول:
لقد برهنت النظريات العلمية الحديثة على استحالة الوصول الى الحقيقة المطلقة. وأن العالم الذي نراه ليس هو العالم الحقيقي، وإنما هو «عالم اصطلاحي عبارة عن تركيبات من الرموز الرياضية والاستعارات النظرية» وهذا يرجع إلى محدودية حواس الفرد التي هي «بدائية ومضللة ومحدودة».
في عصر الثورة العلمية والتكنولوجية والتي نحن بحاجة ماسة الى آثارها في مجتمعنا المتخلف المتعطش للعلم، يقترح علينا شاعر «ثوري» ما يلى!
■ استحالة الوصول الى الحقيقة المطلقة.
■ العالم الذي نراه ليس هو العالم الحقيقي!
■ انه مجرد عالم اصطلاحي رمزي!
■ أن الحواس مضللة.
ومن المؤكد ــ بادئ ذي بدء ــ أنه يستحيل الوصول الى الحقيقة المطلقة لأن الواقع لا نهائي والحركة لا نهائية، ولكن ذلك لا يعني، أيضا، عدم وجود الحقيقة الموضوعية المطلقة.
أن الظاهرات ذات قوانين وهي موجودة وخارجة عن إرادتنا ووعينا، ولكننا بالعلم نقترب منها دائما بحجم أدواتنا المعرفية. إن معرفتنا نسبية، هذا صحيح، ولكنها دوما تتطور وتتحسن وتتقدم وتتوغل باتجاه الحقيقة المطلقة.
لدينا نواة صلبة من الحقائق التي ما تزال تتدعم مع تطور أدواتنا وتحسنها. ان استحالة التطابق مع الحقيقة المطلقة لا تعني عدم حقيقة معارفنا العلمية وعدم صحة نموها باتجاه تلك الحقيقة المطلقة.
هنا يبرز الفهم الميتافيزيقي، فهناك تناقض لا حل له في هذا الفهم بين المعرفة النسبية والمعرفة المطلقة، فلاننا لا نستطيع أن نصل دفعة واحدة الى الحقيقة المطلقة فهذا يعنى فشل الحقيقة النسبية!
لقد توصلت الأبحاث الى حقيقة المجتمع العثماني. لقد أدركنا أنه مجتمع اقطاعي ولا نعتقد أنه سوف يأتي انسان بحقيقة جديدة هي أنه مجتمع اشتراكي علمي!
ولكن هل انتهينا من فهم المجتمع الإقطاعي العثماني؟ هل أدركنا كل شيء فيه؟ لا بطبيعة الحال، هناك العديد من الجوانب التي تريد تحليلا والتى ستدعم «حقيقتنا» الموضوعية النامية حوله.
هكذا نحن لا نفصل الحقيقة النسبية عن المطلقة، ولا نشكك في دور العلم وجدواه، ولا نحيل العصر الانحطاطي الاقطاعي الى «مجموعة من الرموز والاستعارات النظرية» بل نراه كواقع موضوعي تم فهم جانب رئيسي منه وتتقدم معرفتنا عنه.
ودون الحقيقة وموضوعيتها والعلم ودوره تسقط فاعليتنا ومحاولاتنا للتصدي للتخلف والقهر!
وينطلق ذلك على الأدب أيضا. فعلى ضوء تلك الرؤية يقول قاسم انكم لا تستطيعون اعتبار الدولة العثمانية ذات بنية اقطاعية، لأن الواقع هو بلا بنية متماسكة وواضحة. ويترتب على الأدب الذي يعيش ضمن هذه البنية أن لا يتجه لكشفها لأنها غير موجودة!
وتستطيع أن تقيس ذلك على واقعك المعاصر!
أي أن على الأدب في خاتمة المطاف أن يتخلى عن مهمة الكشف والتحليل للحياة.
تخريب الجديد
يتردد قاسم حداد بين حكمين ورأيين حول «الحقيقة»
في الأول يقول:
«لان الواقع لا يمثل كيانا ثابتا ذا بنية متماسكة، وانما هو مفهوم في غاية التعقيد والتشابك، تتعدد ابعاده واتجاهاته وتضاربه ــ المرئية وغير المرئية ــ وفق التصورات والرؤى المتعددة المتناقضة».
الواقع هنا مفهوم ذاتي، وليس وجودا وكيانا موضوعيا، أنه تصور وليس مجتمعا، وبهذا تنتفى إمكانية فهمه بشكل علمي موضوعي، ويستطيع كل منا ان يشكل مفهومه عن الواقع حسب كافة الرؤى المتناقضة. لقد تم إزالة الحقيقة الموضوعية هنا.
ومن الطبيعي أن يظل هذا «الواقع» بحاجة دائمة لوجهات نظر عديدة مختلفة تسهم في اكتشافه علميا. أي انه حتى «العلم» يصبح وجهة نظر ذاتية، ويمكن لاية وجهات نظر متناقضة ان تكون علمية.
وبهذا يمكننا ان نقول ان الصراع الاجتماعي موجود، ويمكننا ايضا ان نقول وعلى نفس الحالة أنه غير موجود. ويعتبر كلا القولين «علميا»!
هكذا يتم ازالة العلم باسم العلم .
في الثاني يقول:
«وكلما أوغلنا في اعماقه ــ أي الواقع ــ كلما اكتشفنا اعماقا اكثر غورا وما المنجزات الفنية في التقنية والأسلوب والرؤية سوى محاولة ــ قابلة للنجاح والاخفاق ــ للامساك بهذا الواقع وفهمه وتحليل جوهره».
أي أن للواقع هنا «جوهرا» يمكن الوصول اليه وتحليله وليس مفهوما يتمطط ويتشكل كل حسب التصورات الخاصة أي أن للواقع وحركته قوانينه المستقلة، عن مزاجنا ورغباتنا، وتصوراتنا الذاتية، وحين نكتشف تلك القوانين يكون هذا هو العلم.
هنا نجد رأيين متناقضين، الاول: عدم قدرتنا على اكتشاف الواقع لأنه ذاتي. الثاني: يمكننا ذلك لأنه ذو جوهر.
ولكن الرأي الثاني لا يستمر طويلا فسرعان ما يصل الى تعدد «العلم» فبعد تلك العبارات يأتي ليقول «ومن الطبيعي أن يظل هذا الواقع بحاجة دائمة لوجهات نظر عديدة مختلفة تسهم في اكتشافه علميا» فإننا هنا نعود من جديد إلى «العلم الذاتي». لأنه من المستحيل أن تكون هناك أكثر من نظرة علمية للعالم وتكون كلها صحيحة وعلمية.
وبطبيعة الحال نحن هنا لسنا بصدد الحديث عن أهمية الحوار وتباين وجهات النظر والاستفادة من بعضها البعض، ولكننا بصدد مناقشة مفهوم «العلم» الذي حوله قاسم الى «وهم» وتلاعب لغوي.
ومع ازالة مفهوم العلم والرؤية الموضوعية للعالم ازيل الأساس المعرفي للواقعية، حيث لم يعد أمامها شيء حقيقي تكتشفه. وهنا يفتح الباب للنزعة الشكلية.
واقعية أم شكلية؟
ثم يقول في نفس الموضوع السابق اننا ــ أي أصحاب التيار الواقعي في البحرين ــ من محبذي الواقعية النقدية للقرن التاسع عشر وما قبله أيضا وعلى وجه الخصوص، رغم تأييدنا كذلك للواقعية الاشتراكية.
أي أننا هنا اصبحنا مشجعين لأكثر من تيار أدبي وفكري وليس كما قال في البداية بأننا دعاة تيار واحد نريد فرضة على كل المدارس والتيارات!
ويدعونا هذا الكلام الى متابعة الواقعية في مسارها الاوربي واضطرابها بالنزعات الشكلية.
وحين نتكلم عن الواقعية النقدية نتكلم عن أوربا في القرن التاسع عشر، عن مرحلة تاريخية محددة، ظهرت فيها الدول الاوربية الحديثة وتعززت الأنظمة الرأسمالية في اوربا وامريكا بوجه خاص.
إن الواقع هنا هو حقبة الرأسمالية فيما قبل المرحلة الامبريالية، وهذه المرحلة ذات خصائص مختلفة نسبيا وعلى كافة مستويات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والأدبية.
لقد استطاع قسم هام من الادب حينئذ ان يكتشف هذه الحقبة، وبالأخص في مؤلفات ستاندال وبلزاك وديكنز وغيرهم، لقد كشف مثلا العديد من جوانب الازمة الاجتماعية والروحية للنظام الرأسمالي الذي توطد ان القدرة على تحليل الحياة وكشف النماذج وتصويرها كانت كبيرة لدى هذا الأدب.
وقد واصلت المدرسة الروسية في نفس القرن عبر تولستوي ودستويفسكي وتشيخوف وغيرهم مهمة التحليل العميق للحياة.
إن العديد من جوانب الأدب الأوربي في هذه الفترة مثلت مواقف المثقفين الديمقراطيين والانسانيين والنقديين تجاه المجتمع أنهم مثقفون منتبهون للحياة، قلقون على مصيرها، غير منعزلين عن القضايا الكبرى للمجتمع.
ولا تزال روائعهم هامة جدا، بل من قمم الأدب الإنساني عبر العصور، ونجد لديهم العديد من الإنجازات الفنية التي يزعم الشكليون انها من صنعهم كاستخدام المنولوج وتداخل الحلم باليقظة وتوظيف الرموز والاسترجاع ولكن هذه الإنجازات لم تأت كعمل مسبق مفروض بل جاءت بشكل طبيعي عبر رؤيتهم للحياة وتجسيدهم للنماذج وتعبيرهم عن التوتر الدرامي الرهيب لعصرهم.
وقد افتتحت الواقعية النقدية التجديد الحقيقي فالتطوير في الشكل لا يأتي كلعبة أو موضة بل ينبثق عبر تملك الواقع واكتشافه.
عموما اتسم أدب القرن التاسع عشر الواقعي بعدم وصول التناقضات في المجتمعات الاوربية الى مرحلة الازمة الشاملة. ولكن الطبقات البرجوازية الحاكمة التى كانت ثورية فيما سبق راحت تتراجع في هذه الفترة عن أية نزعة ثورية وعلمية وبدأت تتخلى عن العلم كمنهج لاكتشاف الحياة.
وجرت تغيرات كبيرة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث قامت هذه الطبقات الحاكمة باستعمار العالم، وانهالت ثروات كبيرة على بلدانها مما جعلها قادرة على افساد قسم هام من المثقفين وحتى الشغيلة انفسهم.
وقد أدت الحقبة الجديدة الى تحولات هامة على صعيد الوعي بمختلف اشكاله: ابتعدت الفلسفة السائدة عن الروح العلمية وأكدت النزعات الغيبية والرجعية. اتجه علم النفس إلى تأكيد السيطرة المطلقة للاوعي على الذات مؤكدا سيطرة الغرائز على السلوك البشري. ابتعدت أقسام هامة من الرواية عن كشف الواقع واهتمت بالذات المفصولة عن الحياة الاجتماعية وغرقت في المنولوج غير المستخدم كأداة لتحليل الذات الاجتماعية والعالم. راح الرسم يبتعد عن تصوير الحياة والناس واتجه الى الخطوط المجردة والمكعبات. ترك جانب من المسرح استيعاب الصراع والحياة واندفع إلى الهذيان واللامعقول الخ . .
وبطبيعة الحال كانت هناك أيضا مواصلة للاتجاهات الواقعية والإنسانية لأدب القرن التاسع عشر، وأيضا مواصلة أكثر جذرية وعمقا في النظرة الفكرية.
إن العديد من كتاب القرن العشرين واصلوا عملية استيعاب وتملك الواقع الى درجة كشف تناقضاته الجذرية، وكان هذا نتاجا لتطور الصراع الاجتماعي والفكري في ذات البلدان، وظهور الاشتراكية كبديل للرأسمالية وتصاعد حركة التحرر في الدول المتخلفة التابعة.
ورغم أن مدرسة (اللامعقول) مدرسة ذات أساليب جديدة قائمة على الهذيان وتداخل الوعي باللاوعي إلا أن هذه الحداثة و«الانجازات» ما لبثت أن انهارت وتكشفت عن خواء بالغ.
نستطيع هنا أن نقارن بين جديد «بريخت» وجديد «يونسكو» فجديد الأول كان مواصلة للأبداع الفني الإنساني مع تطويره في نواح هامة وارتكازه على رؤية عميقة للإنسان والحياة.
ولكن يونسكو قدم الهلوسة باعتبارها شيئا جديدا، لقد حطم الحكاية والصراع والتطور الدرامي ووحدة الشخصية ووحدة البناء الدرامي، وكان ذلك ليس تطويرا بقدر ما هو هروب عن اتخاذ موقف حقيقي من قضايا الحياة.
هل استطاعت وسائله المبتكرة الجديدة كــ «تحطيم» الزمان والمكان والشخصية والصراع والحكاية، ان تضيف وان تكون نقلة؟ على العكس فقد جسدت أزمة الوعي البرجوازي، وعدم قدرته على مواجهة الواقع وتحليله!
ويحاول قاسم بالتركيز والدفاع المزعوم عن الوسائل الجديدة الفنية أن يصور نفسه بمظهر المدافع عن الجديد الخلاق الكاشف للواقع، ولكن هذا وهم لأنه لا يدافع عن الجديد الخلاق الكاشف للواقع، بل هو يؤيد أدوات يونسكو الهادفة الى التعتيم واخفاء الحقائق!
فقد اختار جديد يونسكو لا جديد بريخت! يركز على تحطيم الصور والنماذج والحكاية والزمان والمكان لا أن يستغل تداخلها وعلاقاتها المتشابكة في المزيد من كشف الحياة.
لقد اختار الجوانب التي تلغي امكانية توظيف الأدب، وانحاز الى الجانب الشكلي.
مثـــــال
يقول:
وهكذا وجدنا مظاهر فنية مثل تداخل الأزمنة، هدم المكان، تحطيم الحبكة والسرد، الاشكال المفككة، والتشظي، انصهار الواقع والحلم، تلاحم الحاضر بالذاكرة، تعدد الأصوات، الاستخدام المغاير للون، والضوء والخط . . كل هذه المظاهر تسهم في استجواب الواقع وتعبر في نفس الوقت عن غموضه وعدم تماسكه وترابطه المنطقي.
ثمة جوانب فنية هنا لها قيمتها كتداخل الأزمنة وتعدد الأصوات ولكن عبارات مثل «هدم المكان»، «التشظي»، «انصهار الواقع والحلم» تحتاج الى تحليل لكشف أبعادها.
ان تهدم المكان فذلك امر مستحيل لان المكان والزمان هما شرطان موضوعيان لتجلي المادة وحركتها ولظهور الوعي وتحولاته.
ليس هناك حدث أو شخص يقف خارج المكان أو الزمان وأي حدث هو امر موجود داخل زمان ومكان، وعندما تتداخل الأحداث في وحي الشخصية الفنية فإن الأمكنة والازمنة تتداخل في هذا الوعي ذاته، ولكنها خارجة موجودة موضوعيا . . وهذا ليس تحطيما للمكان بل هو تشابك وتعدد للأمكنة في وعي الشخصية في حالة تذكرها واسترجاعها.
اما التشظي وهو تحويل اللوحة الى شظايا لا رابط لها، ولا بناء مفهوم يوحدها، فهو تبرير للفوضى الفاشلة فنيا وفكريا. ان العديد من الشباب يلجأ الى الهلوسة وبعثرة الأشياء مصورين ذلك فنا جديدا بينما هو عجز عن الخلق.
و«انصهار الواقع بالحلم» يتم فيه تدمير الواقع ليدخل الهذيان غير العقلاني.
إن لقطات الحلم استخدمت بكثرة في الأدب الواقعي وعلينا ان نتذكر «الجريمة والعقاب» ومخاوف راسكولينكوف التي تحولت الى هلوسات واحلام مرعبة ان الواقع هنا لم ينصهر، لم يذب، بل احتفظ بكيانه، باعتباره لحظة خاصة في لا وعي الشخصية كاشفا عن اعماقها ومسهما في تطور الأحداث وفهم الإنسان وصراعاته.
إن القصد من تعبير انصهار، ليس كما نظنه بان تستفيد الكتابة من مادة اللاوعي والاحلام باعتبارها جوانب هامة في الذات الإنسانية، بل هو ان تتحول الكتابة من التماسك وتشكيل لوحة الى الهذيان والفوضى، بحيث تتحطم الصور ولا يستطيع القارئ ان يمسك شيئا من هذا الأدب.
كذلك فان «تحطيم» الحبكة ينساق في هذا المسار الفوضوي. نحن طبعا لسنا مع القصة التي تتخذ شكلا واحدا يبدأ من الماضي الى الحاضر، بخطوات تصاعدية معروفة، دون أن يكون ثمة رجوع للماضي أو تداخل، نحن لسنا مع هذا، ولكن تحطيم الحبكة كيف يكون؟
إن اية قصة لابد لها من منطلق داخلي، من حبكة، حتى لو بدأت من النهاية، وتداخل فيها الماضي والحاضر والمستقبل!
الحبكة هي منطق التطور والتصاعد الداخلي الذي يجعل القصة بهذا المسار دون غيره امرا في غاية الاهمية.
إذن لا يمكن تحطيم منطق القصة، وبنائها الخاص.
انه يقصد هنا ان لا يكون للقصة أي نسق خاص، ان تكون فوضى، وهذا ما يجعلها قصة «متطورة»!
ويريد ايضا «تحطيم السرد» لقد وصل التحطيم والتدمير الى السرد، والذي لا يمكن للقصة والرواية أن تتشكلا بدونه. أن السرد هو غير التقرير والوعظ، أنه وصف الحدث والشخصية وتطور مسار القصة.
إن التنوع والتعدد في السرد ما مفهوم، كأن يكونا بضمائر مختلفة فتارة بضمير المخاطب وتارة بضمير الغائب أو المتكلم، أو ان يتداخل مع الحوار والاسترجاع والوصف لكن إلغاء السرد دفعة واحدة فدليل على عدم المعرفة والتخبط!
إذن كل هذه المظاهر «الجديدة» لم تستخدم في «استجواب العالم» بقدر ما عطلت فهمه واستجوابه! إن التركيز على تحطيم الأدوات الضرورية في كشف العالم فإنها كإعطاء المقاتل سلاحا فاسدا وارساله الى المعركة!
إن هذه الدعوة تتجه لإلغاء الضرورات التي ذكرناها سابقا وهي ضرورات: كشف الواقع، البناء بالصور ــ الاتصال بالقارئ.
فالتركيز على الهذيان والتشظي لم يشكل بناء صوريا كاشفا للواقع لأنه يستحيل عن طريق الفوضى امساك أي شيء حياتي ومتابعة تطوره وكشف دلالاته، ولهذا يستحيل هنا إقامة صلة مع القارئ الذي لن يفهم هذه الفوضى والبعثرة الهذيانية وإلغاء السرد والمكان!
ان للعديد من الوسائل الجديدة دورها الخلاق ولكن ضمن الهدف الحقيقي وليست كموضة جاهزة بل كجزء من عملية أشمل هي تملك واستيعاب الواقع جماليا.
في الوعي «الشكلي» يتم فصل بعض جوانب الشكل عن المضمون، عن العملية الشاملة للإبداع الادبي، عن الكل، وترفع هذه الجوانب عن سياقها الحي ووظيفتها، وتتحول الى وثن يعبد.
يعد تركيبه منهج قاسم مرة أخرى: ففي رؤيته تتم عمليات الفصل الميتافيزيقي «غير الجدلي» بين جوانب الظواهر، فإذا لاحظنا سابقا الفصل بين مظهر وجوهر الواقع، بين الضرورة والحرية، بين الكتابة والقارئ، بين الحقيقة النسبية والحقيقة المطلقة، فإننا نلاحظ هنا الفصل بين الشكل والمضمون، بين الوسيلة والهدف، بين الحداثة والتوظيف، بين الصورة والمعنى الخ . .
إنها سلسلة طويلة من الاضداد لم تتمكن الشكلية من استيعابها وحلها، لان الشكلية ذات نظرة ميتافيزيقية غير جدلية، وغير تاريخية، وغير كلية.
تلخيص لما سبق
وقع قاسم حداد فريسة تناقضات فكرية عديدة لم يستطع حلها نتيجة للمنهج المستخدم. في البدء شكك في الحقيقة الموضوعية وإمكانية معرفة الواقع الذي تحول الى مجرد رموز واصطلاحات، وفقد المجتمع لديه بنيته وملامحه وتحول الى كيان هلامي غامض من الصعب كشفه وتجسيده، وكان لابد أن يظهر أدب بلا كيان ولا سمة مميزة وان يكون هلاميا غامضا تبعا للواقع الذي يعيش ضمنه.
إن العديد من الوسائل الفنية المستخدمة تكشف هذا التوجه ووجدناها محاولة لاشاعة الهذيان والفوضى في الجسم الأدبي.
قلب الشهادات
بعد ان اضاع قاسم حداد الواقع، وانكر موضوعية العالم، وموضوعية العلم. وغدت الحقيقة مسألة ذاتية محضة، فإنه أيضا أضاع الواقعية.
وارتباط فهم الواقع بتحديد الواقعية أمر عميق، يغدو فهم الواقع فهما موضوعيا أمرا متعذرا تصبح الواقعية مسألة ذاتية ومزاجا شخصيا مغلقا، وليست اتجاها ذا سمات محددة.
وهذا يعني أيضا أن تغدو الواقعية هي كل الفن والأدب ويختفي الأدب الواقعي. فان تصبح الواقعية هي كل المدارس فهذا يؤدي الى الغائها. لهذا فهو يرفض أن تكون الواقعية ذروة للتطور الإبداعي، لأن ذلك يجعلها ذات سمات خاصة، ويجعل الواقع الذي تكتشفه ذا سمات خاصة كذلك.
ولنوضح هذه الأفكار للقارئ:
حين يقول . .
لان الواقع لا يمثل كيانا ثابتا ذا بنية متماسكة ومترابطة وسمات خاصة ومتميزة، وإنما هو مفهوم في غاية التعقيد والتشابك، تتعدد ابعاده واتجاهاته وتضاريسه ــ المرئية وغير المرئية ــ وفق التصورات والرؤى المتعددة والمتناقضة.
فهذا يعني ظهور واقعيات متناقضة تماما. فيمكنك أن تتصور كتابة واقعية تقف في مواجهة الشر والاستغلال وكتابة واقعية تقف مع الشر الاستغلال.
ويمكنك أيضا أن تحدد الكتابة الواقعية بأنها تلك القادرة على تملك الواقع واكتشافه وأيضا أنها تلك التي تتشرنق حول الذات وتهويماتها الميتافيزيقية.
كذلك فإننا سوف نسحب الواقعية من العصر الحديث إلى أيام الوثنية البدائية، وسوف تغدو كافة النزعات واقعية، فهي كلها تعبير عن رؤى متناقضة.
إذن هنا تضيع الواقعية باعتبارها مدرسة ذات خصائص رئيسية جوهرية، وتسحل ملامحها عن طريق سحبها على كل العصور والمدارس، لكونها غدت نزعة ذاتية محضة قابلة لأي تشكل.
في مواجهة هذا التذويب لابد من التأكيد على أن الواقع، أي واقع، هو بنية محددة، لها قوانين للتطور، والآداب الواقعية تلك القادرة على تحليل وكشف تلك البنية.
والبنية ليست هي فقط الأساس الاقتصادي ـ الاجتماعي الذي يحددها بل أيضا جوانبها السياسية والفكرية والأخلاقية ذات الأهمية الكبيرة.
وإذا كان العلم هو لغة الكم والإحصاءات من أجل الاكتشاف، فإن الأدب هو اللغة المصورة للاكتشاف. فهو يمتلك أدوات مختلفة كليا عن العلم، تعتمد على أنواعه المختلفة وطرق تعبيرها وتطورها، وهو أيضا عملية تحليل واكتشاف للحياة عبر نماذجها ومزاجها وروحها وقضاياها الخ . .
لو اننا حولنا عملية اكتشاف البنية الى مسألة ذاتية تنتفي منها الموضوعية، فإن هذا يعني عدم ادراك الواقع، وعدم وجود الواقعية أصلا.
ونحن نجد نتائج أفكار قاسم تتابع واحدة بعد أخرى، فالواقع أمر ذاتي، والعلم نسبي محض، والعالم هو عبارة عن «عالم اصطلاحي وعبارة عن تركيبات من الرموز والاستعارات النظرية». لهذا لن تستطيعوا ان تحصلوا على اية واقعية وأي فهم موضوعي للحياة.
ونأتي هنا إلى نتيجة تتعلق بالمنحى المنهجي. ففي رؤية الكاتب تقف الموضوعية على طرف نقيض مع الذاتية. المنهج الميتافيزيقي غير قادر على رؤية هاتين السمتين كعملية إبداعية واحدة. وعلى العكس فإن الواقعية رغم انها بحث موضوعي فإنها لا تنفي الذاتية. فالعديد من الواقعيين اكتشفوا مجتمعاتهم وصوروها واحتفظوا مع هذا بتميزهم الخاص وتوجهاتهم. الموضوعية لا تنفي الخصوصية الذاتية بل على العكس تفترضها.
وإذن فقد حاول قاسم عبر طمس العلم والعالم والموضوعية أن يهيل التراب فوق الواقعية، ثم اتجه لتضييع حتى اسم الواقعية ذاته. فكيف كان ذلك؟
مشكلة الاسماء
يقول قاسم:
«لم يتعرض مفهوم أدبي في العصر الحديث للمتغيرات وتعدد التفسيرات والاجتهادات مثلما حدث مع الواقعية (أكثر الأبجديات غموضا) على حد تعبير هربرت ريدر الأمر الذي نجم عنه ظهور تسميات ومصطلحات متباينة ترتبط بالواقعية، مما اضطر الناقد خلدون الشمعة أن يثبت في كتابه (المنهج والمصطلح) قائمة استخرجها داميان غرانت من سجلات الواقعية تضم الواقعيات التالية . . .» ثم يعدد خمسة وعشرين نوعا كالواقعية الانتقادية والواقعية المستمرة والواقعية الشكلية الخ . . وهذا بخلاف الواقعيات الكثيرة الأخرى التي يجري تداولها في الأدبيات السائدة على حد تعبيره. ولكننا بعد هذا التعداد الطويل لم نر تحليلا لها؟ فهل بعد كل هذه التسميات ضاعت الواقعية؟ وهل يعني وضع أية صفة للواقعية ان الامر صحيح؟
ان هذا الامر يجده الإنسان في كل المصطلحات فعلى سبيل المثال هناك عشرات التسميات والصفات للاشتراكية فهل يعني صحة التسمية للجميع؟ هل تصبح الاشتراكية الوطنية لـهتلر اشتراكية فقط لانه قال اشتراكية؟!.
إن الواقعية فعلا هي واقعيات وأساليب مختلفة ولكن كيف تتوحد في العام وتتباين في الخاص؟ ما الذي يحدد انها واقعية وليست سريالية؟ لماذا تتناقض الواقعية والسريالية تناقضا جذريا؟ لماذا تعادي الشكلية الواقعية عداء غير قابل للحل؟!.
إذا كانت الواقعية مقبولة للجميع فلم يعاديها الشكليون ويحاولون تدميرها عن طريق ادعائها أو هدم نواتها الاساسية؟
لقد ظهرت الواقعية كما قلنا في العصر الحديث منذ عصر النهضة في أوربا وتطورت عبر تجارب متعددة فتباينت اساليبها ومراحلها.
إنها وليدة الرؤية الحديثة العلمية القادرة على فهم الإنسان باعتباره فاعلية اجتماعية متجاوزة بهذا الرومانسية مثلا.
يقول بوريس سوتشكوف ــ الذي وضعه قاسم ضمن مراجعه التي استفاد منها ليقدم رؤيته عن الواقعية:
«وقد عجز الفن الرومانسي، من جهته، عن ابراز التناقض الحقيقي للرأسمالية (الحرة) التي في حالة التكون. لقد كانت السمات الجديدة التي كانت تتغلغل في الحياة وترى الطبيعة اللاإنسانية للمجتمع البرجوازي، كانت تفرض أن يعمد الى تحليلها واستيعابها». المصائر التاريخية للواقعية، ص 92 ـ 9، بوريس سوتشكوف، دار الحقيقة ـ بيروت .
وإذا كان بعض الرومانسيين قد ساهموا في كشف التناقضات الاجتماعية حينئذ وبالأخص الرومانسيين الثوريين الا انهم لم يستطيعوا ان يحلوا المهمة الملقاة على عاتق الفن حينئذ وهي «تحليل» الواقع.
يضيف المؤلف السابق:
«ان اتجاها قويا نحو البحث ورغبة في المعرفة بالغة الحماسة كانا يميزان الى ابعد الحدود، كبار الواقعيين في القرن التاسع عشر، الذين بدرسهم للحياة وتصويرهم إياها، وبإبرازهم التناقضات الموضوعية للرأسمالية كانوا يحتلون، دون نزاع، مركزا انتقاديا . . المرجع السابق ص 94 .
إذن فالواقعية نتاج تطور المعرفة والحياة والفن، ولدت في عصر محدد عندما استطاع الإنسان أن يستوعب الواقع اجتماعيا ونقديا. حين أمكن تعريفه مشكلات الإنسان وأدرك أساسها الاجتماعي.
ولكن مستوى النقد والتحليل يختلفان بين الواقعيين، فإذا كان العديد من واقعيي القرن التاسع عشر لم يكتشفوا القوى الاجتماعية القادرة على تجاوز تناقضات العالم الرأسمالي فإن آخرين وصلوا الى هذه النقطة.
إن الواقعية عموما هي تلك النظرة التي لا تفصل مشكلات الإنسان الروحية والنفسية عن أساسها الاجتماعي، تلك النظرة التي ترى الإنسان في ممارسته التحويلية لذاته وواقعه داخل الزمان والمكان.
وتتعدد مستويات التحليل والكشف كما تتعدد الأساليب الفنية المستخدمة، ان واقعية اليوم هي غير واقعية الامس، انها اكثر عمقا وكثافة واستخداما للأساليب الجديدة التي تثري عملية التحليل.
وهكذا فاننا لسنا امام واقعيات بعدد رمل البحر بل أمام نظرة فكرية جديدة توغلت في عالم الأدب وصارت سماتها المتطورة.
أن قاسم في سبيل تضييع معالم الواقعية مستعد حتى بالاستشهاد بالمدافعين المعروفين عن الواقعية لضرب الواقعية. فبعد تعداده للخمسة والعشرين اسما للواقعية، وبعد أن ضاعت «الطاسة» يقول:
«ولعل جورج لوكاش ــ أحد أهم منظري الأدب الواقعي ــ يعتبر نموذجا للطاقة الفكرية التي تمردت (في لحظتها التاريخية) على سلطة الهيمنة الواقعية الحديدية، وحين أطلق جملته الشهيرة «الطرق انتهت، فلنبدأ السفر» فاتحا أمام جيله آفاقا من الجمال والحرية، وداعيا الى إعادة النظر في الموقف إزاء إنجازات أدبية هامة اتهمت من قبل بسلبيتها تجاه حركة المجتمع، مثل أعمال كافكا وبروست وجويس التي كانت «تعتبر عن سيرورة اجتماعية، وكانت تحتاج بالتالي الى دراسة أكثر عمقا وتدقيقا» استفان شويتر.
في هذا النص نحن امام افكار هي:
1 ــ ان جورج لوكاش تمرد على سلطة الهيمنة الواقعية الحديدية (؟).
2 ــ فتح أمام جيله آفاقا من الجمال والحرية (؟!).
3 ــ طالب بتغيير الموقف إزاء كافكا وبروست وجويس.
ولكن هذا النص لا يجيب على:
1 ــ هل يقصد لوكاش في تعبيره (ان وجد) الجمود في الواقعية وتيبس بعض اشكالها اثناء فترة عبادة الفرد أم يقصد تدمير أسس الواقعية كما يود قاسم؟!
2 ــ هل آفاق الحرية هي إلغاء الواقعية ولماذا؟
3 ــ ألم تظهر للوكاش نفسه كتابات عميقة عن كتاب تيار الوعي كبروست وجويس وهي كتابات صارت الآن مشهورة؟!.
والواقع أن التناقض كبير بين ما نظر اليه لوكاش وما يريده قاسم. فإذا كان الاخير من المحتقرين لواقعية القرن التاسع عشر كما في قوله عنا «إلا أنك تستطيع اكتشاف اتجاهات نحو الواقعية النقدية التي تنتمي الى أدب القرن التاسع عشر وما قبله» فان جورج لوكاش هو من المعجبين أشد الاعجاب بهذه الواقعية، وفي سلسلة متعددة من كتبه أكد الأهمية الجبارة لواقعية القرن التاسع عشر بالذات. نستطيع أن نقرأ (دراسات في الواقعية الأوروبية) والفصول المخصصة لستندال وبلزاك وتولستوى أو (معنى الواقعية المعاصرة) أو (الرواية التاريخية) التي يخصص فيها فصولا لدراسة والتر سكوت، لنرى العملية غير الامينة التي الصقها قاسم بلوكاش. ولن نذهب بعيدا فسوف ننتقي كتابا مهما من كتبه هو (غوته وعصره: جورج لوكاش، دار الطليعة ـ بيروت) لنرى كيف يرى لوكاش واقعية القرن التاسع عشر البغيضة في الوعي الزائف.
يقول لوكاش في مقدمة كتابه:
«وكما أن التهيئة الفكرية للثورة البرجوازية في انجلترا وفرنسا (من هوبز إلى هلفيشيوس) أوجدت الفلسفة المادية، فإن الأخيرة بدورها، وضعت الأسس للتفكير الديالكتيكي الحديث، وبمؤازرة ذلك، أقيم جسر ــ في إنتاج غوته الشعري على وجه التحديد ــ بين الواقعية العظيمة للقرن الثامن عشر وواقعية القرن التاسع عشر . . وبذلك خطا الفكر والفن الانسانيان خطوة هائلة إلى الامام». ص 16 .
أي أنه في رأي لوكاش تغدو الواقعية بتطوراتها الخصبة في القرنين السابقين خطوة هائلة ليس في مسار الفن وحده بل في مسار الثقافة الانسانية عموما. كذلك يصف لوكاش واقعيي القرن 19 بأنهم الواقعيون العظام. ص 16 .
ولا يبخل لوكاش أيضا بالهجوم على الشكلية التي افسدت أدب القرن العشرين فيقول: «ولا نستطيع هنا أن نستشهد الا ببعض هذه الملاحظات الكبيرة الأهمية، وهي تكفي مع ذلك لإيضاح ان بحث غوته وشيلر عن الكمال الشكلي يقف على النقيض تماما من التجارب الشكلية التي هيمنت مؤقتا على الأدب في عصرنا، والتي لايزال العديد منها، حتى يومنا هذا يحيا حياة شبحية في أذهان الكثيرين» ص 82 .
اذن على عكس ما حاول قاسم أن يصور لوكاش فقد ظهر الاخير كمدافع ومنظر للأدب الواقعي وشخصية عرفت بعدائها المتواصل للشكلية والتجارب الزائفة في الأدب، مع دعوته الدائمة للتجديد، ولكن السؤال هنا لم حاول قاسم ان يقلب القضية ويشوه الرجل؟
هل لان لوكاش انتقد بعض التطبيقات الرديئة في الأدب (الواقعي الاشتراكي) والتي تبين طابعها السطحي والفوتوغرافي؟ ان رفضه للتطبيقات الرديئة والجمود والسطحية يعني بكل تأكيد حفاظه على السمات الجوهرية للواقعية والتي قضى عمره لتحليلها.
ولا يعني هذا ان جورج لوكاش لا يخطئ، فنحن فقط إزاء موقف يجعل الرجل المدافع عن الواقعية ينقلب الى معاد لها استنادا فقط الى جملة مبهمة لا الى تاريخه الأدبي والفكري. هنا يأتي المنهج السابق ذكره لانتزاع جملة ما وتعليقها في الفراغ وتغيير الحقائق انطلاقا من روح عدائية لا تتعامل بموضوعية مع المواد التي تتحدث عنها.
و(الفولاذ) بعناه!

الأدب والفن هما النوعان الأدبيان اللذان ارتبطا بروح الإنسان، بعد أن تلاشت الروحانية وتعملقت الإرادة الفاعلة.
إن القشور وملابس الزمان السياسي الرثة وتحول الذات إلى مسوخ، و التي تتداخل بالفن والأدب مموهةً ذواتها بالعبارات البلاستيكية من حرف الخردة المختلفة وبأشكال الشحاذين المستعطية تتساقط وتُعجن في الوحل مصيبةً أصحابها بعاهات التشوه وتبقى الجماليات الرائعة المعانقة لكفاح الناس.
المسوخ هي التي تعري نفسها بإلتصاقها المرضي بالإبداع، تفضح ذواتها، وتجعل من ذواتها مواداً للسخريات على مسرح الحياة، وبدلاُ من الصعود للعظمة تقذف بالنقص والإدانة.
قضية(الواقعية الاشتراكية) هي إشكالياتُ الأدب والفن في العالم الثالث حيث لا ديمقراطية، والمثقفون خدم وعبيد يحولون الكلمات السامية إلى فن يومي للخنوع والتفاهة ويحصلون على أجورهم المادية العالية وانحطاطهم الأخلاقي وسخرية المسرح البشري.
أدباء صادقون في دهاليز البيروقراطية لا يبقون بل ينتحرون كماياكوفسكي، أو يتجرعون الغصص حتى ينطفئون كجوركي، أما كتاب التفاهة اليومية فقادرون على العيش وابتلاع الجوارب، يحيلون نضالاتهم الأولى الصغيرة العابرة إلى تجارة ومساخر في آخر العمر، يتمسكون بنفايات يمضغونها بلذة، ومباهاة وغرور، ودفاع شرس عن شروى نقير.
لا تأتيهم القدرة على الانتفاضة الروحية الخلاقة ففقد تكدس العمرُ بالتلوث أكثر من سمك صناديق يُعاد كل يوم بالثلج، ربما حتى يسمم المشترين.
بل ويدافعون عن الشرور والفضائح فلم يعد في جسم الكهل منطقة نظيفة، أشترته المصارف والدوائر ومصائد الأسماك وحظائر الحيوان، فلم يعد قادراً على كلمة غضب واحدة، أو استخدام حصاة لقول لا، يلبس معاطف الصوفيين وينشد المدائح الدينية وروحه منتجة في محل قمار.
فكيف يخرج من شارع مدمنين ومتاجرين في الأصناف؟
مدرسة الكتابة البطولية وتصوير ملاحم العاملين ذات أثر هام خاصة لدى المتنورين العرب كما حدث لجورج حنا الكاتب اللبناني الذي أستثمر كتابة الإنسانية المتقدمة شرقاً وغرباً، وكتب(قبل المغيب) شمساً جديدة.
هذا الكاتب المتنور كانت كتبه للشباب والصغار مدرسة في سنوات الستينيات، ومن لم يفهم الحداثة والجدل وعلم الاجتماع كان يشرحه له.
كتب شولوخوف الروائي الروسي(الدون الهادىء) في أعقاب الثورة ومؤسساتها المتحكمة لكنه لم يكتب بعد ذلك الدون غير الهادئ، حيث أنتشر قمع الفلاحين ومصادرة أراضيهم وقمع القوى الشعبية الديمقراطية، فقد خرس لسانه وعاش لم يتوج كتابته وإبداعه بأعمال فذة تعري الانقلاب على الثورة والانقلاب على الديمقراطية.
ولهذا فإن الكتاب والمبدعين السابقين الصغار أولى بأن يشتروا ويتبخروا على أرض الصراعات الساخنة، ويتحولوا إلى لتماثيل من البلاستك التي لا تشهد الزمن ولا ترى الواقع إلا كما يراه.
روايات روسيا الثورة والحرب والبطولات العظام كانت تزخر بالأبطال المجنحين الذين يعبرون مستنقعات الألغام ومعسكرات العمل وجحيم الثورة بأعمال فذة، قصصهم ألهمت أجيالاً، بعضها مبالغ فيه ولغات تنفخ في الأبواق وبعضها صادق إنساني عبر عن تجارب.
كثيرون باعوا الفولاذ الذين لم يشربوه وتساقطوا من ثاني كتاب وثالث وجيل جديدة فقد أسنانه قبل أن يتكون ريش الكتابة على كتفيه.
الدين والفلسفة عند ابن رشد

تتويجاً لهذا المحو للجذور الاجتماعية لكلا الظاهرتين : الفلسفة والدين ، عبر أداة منطقية واحدة تتداخل في كلا التكوينين ، يمكن أن يصبح الدين والفلسفة متآخيين ، فيصبح الدين برهانياً مثالياً ، وتغدو الفلسفة دينية عقلية .
ولهذا يقول تعبيره المعروف : [ إن الحكمة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة ] .
تغدو الفلسفة والدين من أرومة عائلية واحدة ، ويقود التعبير الجنسي السلالي إلى تصور تماثلي ، بدلاً من أن يضع ابن رشد الشكلين من الوعي في نوعيهما المتميزين وتاريخيهما المختلفين ، لأنه حولهما إلى شكل منطقي واحد مجرد خارج السيرورة التاريخية والدلالة الاجتماعية .
فالدين الذي هو استخدام للصور التاريخية والواقعية والأسطورية والمعبر عن لحظة تطور طفولية للوعي في زمن القبلية غير المفككة سياسياً واجتماعياً ، لا يغدو لديه شكلاً للوعي يخفي التناقضات الاجتماعية ، فيؤسس دولةً يذوب الكل الاجتماعي المتناقض في كيانها ، ومع احتدام التضادات الاجتماعية يصبح هذا الشكل الموحد من الوعي بكل تمثلاته الغيبية واليومية والأسطورية ، مادةً للصراع بين المتصارعين الاجتماعيين ..
ولكون هذا الكل الاجتماعي يعبر من مرحلة الدولة / القبيلة ، أي من مرحلة الوعي الشفاهي الأسطوري، إلى مرحلة الدولة المدينة الإمبراطورية ، وإلى مرحلة الأشكال العليا من الوعي حيث تغدو الفلسفة تتويجاً لهذا التطور الاجتماعي الثقافي الواسع ، فإنه يحتاج إلى عملية تفكيك بين الدين والدولة ، وبين ذلك الشكل من الوعي الغيبي الأسطوري ، وأشكال التفكير العليا التي في ذروتها تقع الفلسفة ، حين تصل إلى رؤية مسار التناقضات الاجتماعية / الفكرية ، وتقوم بتفكيكها وحلها .
أي أنه على صعيد الممارسة الفكرية / السياسية ، فإن الوعي بحاجة إلى اختراق محتوى التطور ذي الشكل الديني ورؤية مضامينه الاجتماعية ، باعتباره ثورة اجتماعية تمت بأدوات فكر غيبي ، وتداخلت مع بــُنى اجتماعية قبلية بدوية .
أي رؤية الثورة الإسلامية التأسيسية وقوانينها ، كثورة للتجار المتوسطين المتحالفين مع العاملين في برنامج نهضوي تاريخي ، يعبر القرآن عن فكره ووقائعه وسجله وكفاحه وتشريعه .
ولكن هنا عبر اعتبار الحكمة أخت الشريعة ، فإن الطبقات الدلالية الغائرة تنتفي ، وتصبح الحكمة والشريعة ذهنيتين مجردتين ، مبعدتين عن جذورهما النضالية ، مُهيمناً على محتواهما في سيرورة سيطرة الطبقات الحاكمة عليهما كمنتوجين ثقافيين يخدمان أغراضهما في شكل اجتماعي ضيق .
فعملية إعادة النظر في الموروث الأسطوري وفصله عن المضمون الكفاحي ، والرؤية الاجتماعية التاريخية للفلسفة والدين ، كلها تنتفي عبر تحول الفلسفة الرشدية إلى منهج برهاني مجرد .
تصبح الفلسفة متدينة ارتدت عباءة الأساطير ، ويصبح الدين أداة سيطرة للطبقة الإقطاعية على المدينة التي لا تتحدث .
أي أن السلطات الغيبية من إله وملائكة وجنة ونار ، التي تعبر عن سلطة كلية أخلاقية ميتافيزيقية ، يعبر تنوعها عن مشاريع سياسية متعددة على الأرض المشرقية ، لا يستطيع المنهج البرهاني المنطقي المجرد من أدوات التحليل التاريخية والاجتماعية أن يتغلغل إلى أغلفتها الكثيفة .
فيحاول أن يعقلن بعض منتوجاتها ، نظراً لأن الفلسفة صارت دينية ، أي صارت جزءً من هذا الوعي الديني ، وصارت نتاجاً لتبعية فئات وسطى للإقطاع السياسي الحاكم ، وليس للإقطاع المذهبي الحاكم في المستوى الفكري والاجتماعي .
ولكن لكي تغدو الفلسفة البرهانية الدينية هي المنتوج الثقافي السائد فإنها لا تستطيع أن تقوم بذلك عبر أدواتها ، عبر تبعيتها للإقطاع السياسي ، فلا بد أن تفكك هذه التبعية ، ولا يحدث ذلك إلا في شروط تاريخية ومعرفية مختلفة ، أي أن تكون فلسفة لا دينية ، بمعنى أن تكون قادرة على التغلغل الاجتماعي والتاريخي في دلالات الثورة المحمدية ، وتغدو كفاحاً للفئات الوسطى في ظروف عصرها الجديدة .
وهي حتى في مستواها ذاك الفكري المجرد وغير الداخل في كشف المضامين المتوارية للنص الديني ، وبدون العلاقة مع الجمهور الفاعل ، أساس الحراك الاجتماعي ، لا بد أن تصطدم مع الإقطاع في مستواه الفقهي الديني ، وهو الحارس على إنتاج النص في ظل شروط التبعية المطلقة للإقطاع .
ــــــــــــــــــــــــــــ
الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الاسلامية الجزء الثالث
الموضوع كاملا على الرابط أدناه :
https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1747140592122577&id=100004799598166
رموز الأرض

معاناةُ الفلاحين أعظم العواطف التي مارسها البشر ربما تماثل معاناة العبيد، ولهذا فإن رموزَ معاناة الفلاحين تمتد في طول الأرض وعرضها، لا تستثني شعباً.
حينما يتحول النبيل تولستوي مالك الأرض الواسعة إلى فلاح، أو ضمير لألم وأحلام الفلاحين، فهذا يعني أن أكبرَ العقول في البشرية لا تستطيع أن تسكتَ عن سرقةِ الأرض وألم الناس فيها.
عيسى المسيح والحسين لحظتان في هذه المعاناة، إنهما رمزان من رموزِ المعاناة التي تصيرُ رموزَ إنبعاث الأرض والسمو عن المادة والتوحد مع نزيف الناس سواءً كان شقاءً في العمل أم إحتفالات طقوسية قديمة متوهجة بحب الأرض والربيع والوحدة مع البشر، وسواءً كانت حملاً لخشبة العذاب أم فرحاً بميلاد الفرح ووازدهار العيش والقمح.
بما أن العاملين في الأرض هم المنتجون الكبار الذين يقدمون الغذاءَ والملبسَ والمسكنَ للناس، ثم يعيشون في الجوع والعراء، تكون أسئلةُ العدالةِ الحارقة عند الكبار من الضمائر والعقول المتوهجة.
عيسى المسيح يواجه إمبراطوريةً شرسةً متعالية على المنتجين تدهسهم بعرباتها وجيوشها، وتنتزعُ المحاصيلَ وتخطف الأطفال لتحولهم إلى مصارعين، وتنتزعُ الرجالَ لتصيرهم عبيداً في مزارع الملاك الكبار في الشمال.
والحسين يجابه إنحرافاً في التراث، وتحويلاً لنضالية الإسلام وتغييراً لمُلكية الأرض التي أُعطيت للمنتجين.
فيما تحولت المسيحية إلى عقيدة حاكمة، ولم تعد الأرض الموعودة معطاة للفقراء، وهُزمت مُثُل المساواة والتعاونيات الصغيرة التوحيدية لعمل المنتجين، ظهر الإسلامُ وتحولت القبيلةُ المسيحيةُ العربية عبدالقيس إلى الدين الجديد، فقد حمل الإسلام تلك المُثُل إلى مرحلة جديدة من تطور الإنسانية.
ساندتْ قبيلةُ عبدالقيس ظهورَ الإسلام ومعاركه وأُصيبتْ بالاختلافات والصراعات ورحلتْ من الحجاز إلى أقليم البحرين الممتد من جنوب العراق حتى عُمان وغدت إحدى المؤسسات الاجتماعية فيه.
وهناك في البحرين الواسعة إمتدت الأشجار والنخيل، ظهرت القرى والمدن، ونشرت القبيلة المصائد والبساتين على طول الأرض وعرضها، فيالهم من منتجين ومن أجداد صنعوا مآثر العمل، لكن هل كانوا سعداء؟
كما يحدث عادةً بعلو الملاك الكبار وهزيمة الثورات بسببيات جديدة وبتطورات مركبة، فقد صعدتْ الدولةُ الأموية وأختفى الفيءُ الموجه للناس، وظهرت روما بين العرب.
عانت القبيلةُ وتغلغلَّ التراثُ القديم في حضورها وذاكرتها الثقافية، تجمعتْ المعاناة المسيحية بالفداء الإسلامي، رفعت من الحسين رمزاً للمعاناة والخضرة المتجددة والربيع السياسي في أزمنة القحط والعذاب.
ومنذ فجر التاريخ في منطقة الهلال الخصيب، منذ تموز وأدونيس مزجَ الناسُ دمَهم بفاكهة وأشواك الطبيعة، ومعاناتهم بالحرث والخراج، واحتفلوا بالربيع، ألم يكن الجد الأول لعبدالقيس هو ربيعة؟
يسخرُ الشاعرُ جرير شاعر القصور من المنتجين من عبدالقيس فيقول:
فخل الفخر يا ابن أبي خليدٍ
وأد خراجَ رأسك كل عام
لقد علقتْ يمينك رأس ثور
وما علقتْ يمينك باللجام
الخراج وحقول التعب لم تنقطع عن الفرسان لكن البساتين التي ملئت الآفاق كونها المنتجون.
تطورٌ حديثٌ حقيقي

تدور الدوائرُ ونرجعُ إلى نقطةِ البداية.
نركضُ في زمنِ الخمسينيات ونحرقُ البناياتَ ونعود في التسعينيات لتكرر بعضُ القرى ما فعلته مدنٌ في زمان سابق فنحرق المستشفيات والبريد وندهس الوطن.
وعي لا يتطور وفكرٌ غائب!
يتم اختطاف مجموعات من طائفة في القرن الواحد والعشرين تحت مظلة إيديولوجية مذهبية متمددة بالمكر والقوة من قبل دولة مركزية كبيرة، دون قدرة من العناصر السياسية والفكرية على نقد هذه المذهبيات السياسية.
مثلما حدث من اختطاف لفئةٍ مذهبية في زمن الخمسينيات وأوغلت في التطرف بعيداً!
ثم تظهر قوة سموها سياسية، وهي مذهبية أخرى تتكون فجأة وتظهر على الناس لتطرح شيئاً (جديداً) في القرن الواحد والعشرين.
لقد توقعنا أن تشكل تجمعاً وطنياً للفئات الوسطى الواسعة يتجاوز الجماعات المذهبية السياسية، لكنها للأسف لم تكن كذلك، كانت تجميعاً لهذه الجماعات السياسية التي هي من طائفة واحدة.
لم نجدْ جماعةً منظمة ديمقراطية يمكنُ لمسَ جسدها السياسي، ومعرفة كفاحها السابق، وعروقَ أفكارِها الجديدة، بل هي تجمع فضفاض.
لم تتشكل بنشاطٍ نضالي شعبي مرصودٍ ومحدد، ومن خلال برنامج تؤصلهُ القوى في المدن والقرى. فنناقش من هي ونعرف من أي نضالات جاءت وماذا تطمح إليه؟ وهل يكون الوطن أكثر تقدماً بها أم هي مغامرةٌ أخرى؟
النشاط السياسي الحقيقي نشاط مرئي، يومي، يتشكل عبر سنوات، وينهضُ ويقوم، ويتكسر ويُبنى، ويمكن رصده ومتابعة مستقبله، أما أن يظهرَ كاملاً تاماً من دون أن يجسد فعلاً أو يقاوم أسعاراً مرتفعة، أو بطالة منتشرة، أو فساداً محدداً، ثم يقول إنه سوف يتصدى لقضايا وطنية كبيرة فهو فعل مجرد، وجمل عامة.
كما خفنا من اختطاف جسم من طائفة فنحن نخافُ أيضاً من اختطاف جسمٍ من طائفةٍ أخرى، ثم يكون ما يكون، والمستقبل غامض، حافلٌ بالمتغيرات والانقلابات والمفاجآت والصدمات، فما ندري ما يكون وضع هذا الجسم السياسي المنفوخ بالهواء، وقد تخطفهُ دولةٌ مغامرةٌ هذه المرة، ويدعو لجمهورية أخرى!
من كثرة ما ضُربنا تكسرتْ النصالُ على النصال.
كنا نريد من قوى الفئات الوسطى ومن رجال الأعمال ونساء المهن الكبيرة ومن المثقفين الليبراليين أن يكونوا هم قوة البديل، أن تظهر قوة سياسية مهمة للبرجوازية تعنى بمصالحها وتطور أحوال الشعب وبتطور الاقتصاد الحر بدلاً من الاقتصاد الشمولي الراهن، وأن تجمع الفاعليات السياسية الاقتصادية الموحدة الوطنية، وحتى لو تم ذلك عبر سنين، وتوحد الجسم الاجتماعي للبرجوازية البحرينية من أجل تقدم الاقتصاد والمجتمع وتوسع الحريات.
كذلك أن تقوم الطبقة العاملة بدورها بدعم هذا التوجه وإسناد التطور الديمقراطي التعددي العقلاني.
أما أن يطل علينا رجالُ الدين ثانية، ويسوقوا نفس المشروع المذهبي السياسي، فلا نجدُ جديداً مغيراً.
الحراك السياسي يتم في النور وعبر تحديد جسم المصالح التي سوف يتحرك عليها، والطبقة المحرومة للأسف من التنظيم السياسي وهي طبقة البرجوازية البحرينية، رغم قدمها، ورغم الدور الاقتصادي الكبير الذي قامت به خلال مائة سنة وهي القادرة مالياً! لكنها لا تريد فهي لا ترغب أن تخوض السياسة، والفئات الأقل منها الفئات المتوسطة، أي رجال الأعمال المتوسطين والصغار يمكن لبعضهم ذلك، فالحساسياتُ كثيرةٌ في الوسط المالي.
ولكن جماعات البرجوازية الصغيرة السياسية الكثيرة والتي قالت إنها تعبر عن العمال والفلاحين والطوائف وكل شيء تقريباً، وأنها تسعى لتحرير الطبقات وتقدمها، كانت تتسلق على أجسام العمال لكي ترتقي إلى مصاف البرجوازية، ونجحَ العديدُ من أفرادها في ذلك. وهي الآن بين حالتين إما الوفاة وإما إعادة النظر الجذرية في كل تاريخها الشمولي.
إن فئةَ رجالِ الأعمال تستطيع أن تطرح تجمعاً اقتصاديا وطنياً كالغرفة لكنها لا تستطيع ذلك في مجال السياسة، في حين أن التجمعَ يطرح أفكاراً سياسية من دون جسم اقتصادي مؤثر.
أي أن (الطبقة) الوسطى غير مكتملة لا على الصعيد الاقتصادي ولا على الصعيد السياسي.
لا بأس أن يكون التجمع فضفاضاً في البداية لكن لا بد أن يحدد أفكاراً سياسية وطنية تجمع مواطنين أفراداً ينضمون إليه من الطائفتين، ويضم خاصة قوى الفئات الوسطى.
هذا الشكل التوحيدي من رجال سياسة وفاعليات اقتصادية سيكون متمهلاً، بطيئاً، يتحسس خطاه بصعوبة، ويحدد برنامجه عبر فترة زمنية طويلة، ويطرح أفكاره المدروسة في الإصلاح الاقتصادي من قبل خبراء اقتصاديين، فهل ستوجد فئات من السياسيين ورجال الأعمال مستعدة لبرنامج إصلاح اقتصادي سياسي بعيد المدى؟
الاستعجال، والثورات المغامرة، والنفس القصير، جربناها مع جماعات البرجوازية الصغيرة التي كانت مستعجلة دائماً لكن لم تحقق تحولاً في المجتمع وخاصة في إنتاج أفكار وطنية منتشرة في المدن والقرى معاً.
والآن هو زمنٌ يستعاد للفئات المتوسطة الأقوى اقتصاديا والتي ضاقت ذرعاً بالشموليات المختلفة.
العلوم والإنتاج والفلسفة
فصل من كتاب الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية الجزء الثاني
توطئة
لم يعرف العرب وهم في جزيرتهم شيئاً مهماً من العلوم الطبيعية والرياضية ، وقد حثهم الإسلام على دراسة ظواهر الطبيعة من كائنات وحيوانات ونبات ، وكذلك من ضرورة النظر داخل الإنسان وأجزائه وظواهره .
وقد بدأت الصلة بالعلوم عبر الترجمة النادرة في زمن الأمويين ، واتسعت في القرون التالية ، عبر العلاقة بالثقافة اليونانية ، وكذلك الثقافة الهندية ، اللتين غدتا المصدرين القريبين من الحضارة العربية، جغرافياً وتاريخاً .
وتتعلق إمكانيات التطور العلمي ليس فقط بالاحتكاك ولكن بالقدرة على الدراسة الموضوعية في ظاهرات الطبيعة ، أي أن يستطيع العقل تحليل الأشياء بدون عقبات أيديولوجية وسياسية .
ولكن القوى المهيمنة وقد اتخذت السقف الفكري الديني الذي ركبته على مستوى النظام السياسي ، معياراً لمدى توغل الوعي في قراءة الطبيعة ، حدت من تطور العلوم باعتبارها مضادة للدين ككل .
إن السقف السياسي – الفكري للنظام الاجتماعي ، يتحدد بهيمنة المركز على الملكيات الزراعية الواسعة ، وتأتي الحرف والتجارة ، تبعاً وكنتائج لهذه السيطرة على الزراعة وقوى إنتاجها ، ونظراً لأن الزراعة تقوم على ركود طويل لقوى الإنتاج ، وتبعية شبه مطلقة لقوى الطبيعة ، فكان هذا عائقاً أساسياً ومستمراً لتطور العلوم وبالتالي لتطور المجتمع والفلسفة .
ولهذا فإن تطورات العلوم تغدو متقطعة ، لارتكازها أولاً على حاجات الأرستقراطية الحاكمة من أبنية ومعالجة وصناعات ضرورية ومكملة لهذا البذخ .
إن السقف السياسي لتطور العلوم يغدو واضحاً بارتباطها اللامباشر بقوى الإنتاج ، فهي تغدو تابعة للعالم الزراعي / الحرفي المهيمن المتواري ، الذي يعيق تقدمها المتواصل .
لكن السقف السياسي للنظام يتواشج ويتداخل مع سقفه الديني ، فقد تركز الوعي الديني التابع للحكام هنا على الحفاظ على ذلك السقف الإنتاجي الراكد ، ولهذا فإن هيمنة هذا النظام السياسي الديني ، كانت تعني الحفاظ على مستوى من الفهم النصوصي المحدود والضيق للقرآن والسنة ، أي الحفاظ على مستوى تطور متدنٍ للعلوم ، خوفاً من اختراقه لسيطرتها على الحياة السياسية والاجتماعية .
ولهذا كان الفهم المتزايد تطوراً للقرآن والسنة ، يتعاضد والفهم المتزايد للفلسفة والعلوم . وكان الاثنان يشقان طريقاً لزحزحة تلك السيطرة السياسية الاقتصادية على قوى الإنتاج الزراعية .
وهي سيطرة واسعة من حيث الجغرافيا ، حيث الحدود الإمبراطورية ، لكنها سيطرة ضيقة من حيث القوة الطبقية ، فهي أرستقراطيات بغداد على وجه الخصوص ، ولهذا كانت الحركة التاريخية التالية هي حل هذا التناقض .
إن الحقبة الأولى من النهضة العربية الإسلامية المواكبة لزمن الدولة العباسية الأولى : 132 / 332 ، يتمثل في تصادم نزعتا التجديد والمحافظة بقوة شديدة .
إن القوى المحافظة تقوم بجعل ثقافة العرب البدوية وكأنها مطابقة لمستوى الإسلام وإمكانياته المعرفية . ولهذا تقوم بنقل ثقافة العرب اللغوية والأدبية والدينية بشكل حرفي من أجل عدم تطويرها من قبل الأمم المتحضرة المحكومة من قبل العرب . ويمكن أن نرى مدرسة الكوفة النحوية والحفاظ على عمود الشعر والارتباط الصارم بتقاليد العرب والنصوصية الفقهية الشديدة والتمسك بالأساطير والخرافات كتنويعات على هذه المحافظة ، التي ووجهت بعمليات تجديد وتفسير عقلي متنوع وكفاحات جماهيرية .
إن تطور الدولة العباسية هو ذاته قد فرض تقدم العلوم المختلفة في القرن الثاني الهجري ، ولكن ذلك يرتبط بمستوى الإمكانيات الموضوعية للتطور التي يحددها أسلوب الإنتاج .
وكان تشكل إمبراطورية واسعة بعاصمة هائلة هي بغداد ، قد أدى إلى تضخم عوائل الأشراف التي كثرت حاجاتها لبناء القصور وأدوات المتع والشفاء ، كما أدى إلى اتساع الفئات الوسطى التجارية والحرفية والإدارية والفقهية ، التي كانت لها هي الأخرى مستويات معيشة جيدة . وكل هذه التطورات المادية كانت بحاجة ماسة إلى تطور علوم الطب والصيدلة والرياضيات والهندسة والفيزياء والكيمياء.
وإذا كان للدولة مصلحة في إزالة الإيديولوجيات الوثنية والتعددية التجسيمية ، فإن هذا أوجد فضاءً فكرياً مساعداً كذلك على نمو العلوم الرياضية والطبيعية ، في حدودها الدنيا أولاً .
فلم تنبثق العلوم من قوى الإنتاج مباشرة ، بل عبر الترجمات من مصادر المعرفة الإنسانية المختلفة اليونانية والهندية والفارسية، ولهذا نجد في هذا العصر السالف الذكر والتوصيف ، العلماء الفرديين ذوي العلوم الوحيدة أو المتقاربة ، كالخوارزمي المتوفى سنة 232 هـ ( الذي صنف كتابه الهام في ” الجبر والمقابلة ” الذي أفاد منه سائر علماء عصره) ، ( 1 ) .
ويُلاحظ هنا إن هذا الطابع الفردي للعلم ، أي المتخصص في علم بعينه ، أو في علوم متقاربة ، قد سبق ظهور الفلسفة ، أي إن مقولات الفلسفة لم تدخل بعد في هذه العلوم ، سواء كان دخولها إيجابياً أم سلبياً ، لأن ظهور الفلسفة سيكون تتويجاً لتطور العلوم .
ولهذا كانت عملية نمو العلوم تتم بدوافع فردية وباجتهادات خاصة ، وبدون علاقة مباشرة بأجهزة الدولة ، فلا يكون لهذه العلوم سقف إيديولوجي ما ، لكن بعض العلماء لا يجد من إمكانية لتطور علمه بدون ( رعاية ) ما من قبل الدولة كما حدث للخوارزمي في هذا الزمن والأزمان التالية بشكل عام .
كما يُلاحظ في هذا العصر أيضاً ضخامة التقدم الذي حققته العلوم الإنسانية ( الأدبية ) ، بخلاف العلوم الرياضية والطبيعية التي كانت جنيناً داخل رحم المرحلة .
والعلوم الإنسانية المقصودة في هذا العصر هي العلوم الأقرب للثقافة ، كالنحو والصرف والبيان وقواعد الموسيقى ، نظراً للحجم الكبير من الثقافة العربية الدينية الخام المنقولة من عصر سابق ، والتي قام الوعي بالاشتغال عليها حفظاً ورصداً وتحليلاً .
كما أن العصر كان قريباً من المرحلة السابقة ، الإسلامية التأسيسية والأموية ، ولهذا فإن العلوم الطبيعية لم تحض بمشتغلين كثيرين في هذا الزمن .
لكننا نستطيع أن نلحظ لدى المفكرين فيه بدايات تفكير موضوعي في الكائنات والأشياء والحيوان والإنسان ، فالمعتزلة في طريق بحثهم عن مسئولية الإنسان عن أفعاله ، راحوا يفكرون في الأفعال البشرية وتوالدها ، وفي الطبيعة وأشيائها وفي التاريخ ومسئولية الإنسان فيه . وأبدع كبار مفكريهم ومنهم الجاحظ قراءة فيها الكثير من الملاحظات الدقيقة عن عالم الحيوان ، ( 2 ) .
إن صغر حجم العلوم الطبيعية ، بخلاف الرياضيات التي شهدت مولدها ونموها الكبير ، يعود لطبيعة الثقافة الأدبية والنظرية المهيمنة ، في هذا العصر ، ولبداية نمو التفكير النظري ، الذي سيبدأ فلسفياً مع الكندي في أواخر القرن الثاني الهجري وبداية القرن الثالث ، والذي هو يمثل زمن سقوط العصر العباسي الأول ، ذي الدولة المركزية ، ومجيء العصر العباسي الثاني، عصر الدويلات .
الخطوط العريضة لظهور العلوم
لقد كان تطور الرياضيات في العصر العباسي ملحوظاً في الانتقال من نمط الحساب باليد إلى الحساب العقلي ، وكان هذا يتطلب تبدلاً للأرقام القديمة بمختلف صيغها ، حيث كانت هذه الأرقام المثقلة بالحروف والإضافات تعجز عن متابعة العمليات الكبرى في العد الكمي ، فكانت الأرقام الهندية ، من خلال صيغتيها المشرقية والمغربية ، هي البلورة للوعي الكمي المتزايد لمتابعة العمليات الحسابية المركبة الواقعية ، وكان اكتشاف [ الصفر ] هذا الكم المعدوم ، إنجازاً رياضياً أكثر منه فلسفياً ، لأن العدم الكمي سيؤخذ ككم سلبي متصاعد وليس كمظهر آخر للوجود .
إن تحول أي رقم من الأرقام من الواحد إلى التسعة ، إلى خانات أكبر ، تضيف إلى الرقم الأولي كماً لا نهائياً ، يغدو تحولاً نوعياً للأرقام عبر قدرتها على عكس العمليات المعقدة في الإحصاء الكمي من جانبيه الإيجابي والسلبي .
وتعطينا مسألة دخول الأرقام الهندية إلى الرياضيات العربية فكرة مبسطة عن تداخل العمليات التجارية والثقافية بالعلوم ، فعبر تنامي التجارة في العالم الإسلامي ، وبينه وبين قوى العالم المدنية وقتذاك ، وسيادة المعيار الذهبي والفضي في المشرق والمغرب الإسلاميين ، راح الحساب اليدوي يتحول إلى حساب حديث ، [ فباستخدام النظام العشري – بما فيه الصفر – واستعمال الكسور ، أصبح من السهل إجراء العمليات الحسابية ، مهما تعقدت وتشابكت ، وأمكن تركيب أي عدد سواء أكان كبيراً أم صغيراً ، لا فرق أن يكون عدداً صحيحاً أو كسوراً من عدد صحيح ] ، ( 3 ) .
إن الأعداد الصحيحة والكسور ، وتراكيبها المتداخلة تشير إلى التحليل المتنوع المتزايد للكم في شكله المعروف ، أي غير المجهول ، والانتقال من كمه الإيجابي إلى كمه السلبي ، والجمع بين الجانبين ، والقيام بعمليات متداخلة منهما .
ثم تنتقل الرياضيات إلى المستويات الأكثر تركيباً عبر الجبر ، فهنا يصبح الكم المجهول واستخراجه من الكم المعلوم ، طريقة رياضية أخرى للحساب المتوغل في العمليات المجردة .
إن الخوارزمي الُمحتضن من قبل الخليفة المأمون هو الذي قام بهذه الاكتشافات عبر استفادته من الثقافتين الهندية والفارسية ، فيضيفُ ذلك إلى الثقافة العربية عامة ، في القرن الثاني الهجري حيث تجري التطورات الأكبر في ميدان اللغة والثقافة ، فتغدو الرياضيات هي أحد فروع العلم الأكثر استجابة للتطورات ، بحكم تجريديتها وعدم ارتباطها الملموس الواسع بالمادة الطبيعية والاقتصادية ، وقدرتها على النمو المجرد .
ويجري هذا عبر الارتباط كذلك بالثقافة اليونانية التي قدمت المواد الأولية البسيطة في الحساب والجبر ، غير أنها قدمت المادة الأغزر عبر [ الهندسة ] ، فصارت الهندسة الأقليدية مترجمة ومستوعبة عربياً بشكلٍ واسع ، وبدون إضافات كبيرة .
إن الهندسة الأقليدية المركزة على المكان وأبعاده الثلاثة ، ستغدو إضافةً هامة لفرعي الرياضيات السابقين وهما الحساب والجبر ، كما ستدخل في تكوينهيما العضويين ، فتتشكلُ عمليةُ نموٍ مركبة .
لكن الهندسة الأقليدية بتركيزها على أبعاد المكان الثلاثة ، ستعطي الفلسفة أبعاداً محدودة وتقيدها في هذه الأبعاد الظاهرة المتناهية .
وإذا كان الوعي العلمي منذ القرن الهجري الأول أخذ يطرقُ ، ليس كم المادة فقط ، بل أيضاً محتواها الداخلي كيميائياً وفيزيائياً فإنه أخذَ منذ القرن الثاني والثالث الهجريين يندفعُ بقوة لسبر أغوار المادة .
إن الكيمياء والفيزياء أخذتا تتطوران مع تنامي الحرف الصناعية ، حرف الزجاج وصهر المعادن والنسيج الخ ..، وهي الحرفُ التي ازدهرت في زمن الدولة العباسية الأول ، وظهر عدةُ علماء في هذا الزمن كجابر بن حيان في الكيمياء خاصةً :
[ أخذ جابر مادةَ الكيمياء – كما هو معلوم – من مدرسة الإسكندرية التي كانت تقولُ بإمكانية انقلاب العناصر وتحولها بعضها إلى بعض . وأخذ مع هذه الكيمياء فيضاً من الفلسفة الهيلينية والآداب السحرية والتصوف الشرقي والروحية الإيرانية ] ، ( 4 ) .
إن جابر بن حيان الذي لم يرتكز على مساندة الدولة في أبحاثه ، بل عبر ارتباطه بالإمام الشيعي البارز جعفر الصادق ، وهكذا كان عمله عبر جهده الفردي وفي فضاء الفكر الإشراقي المعارض ، ومن هنا تلونت استنتاجاته العلمية بدلالات إيديولوجية خاصة .
إن جابر بن حيان في سبيل الوصول إلى صناعة الذهب ، راح يلغي الأفكارَ المتجمدة عن الماهيات الثابتة للأشياء ، من أجل الوصول إلى ميزان [ الطبائع ] ، [ فمن عرف ميزانها عرف كل ما فيها وكيف تركبت ] ، ( 5 ) .
إن عمله دخل في تحولات المواد فاكتشف مواداً كيمائية جديدة ، والصناعة هنا تلعبُ دوراً تحويلياً إيجابياً ، فإضافة إلى اكتشافه سلسلة من المواد الكيمائية الجديدة :
[ عرف صناعة استخدام ثاني أوكسيد المنغنيز في صناعة الزجاج ( لإزالة اللون الأخضر أو الأزرق الذي يشوه الزجاج ) . ] ، ( 6 ) .
ولجابر بن حيان مجموعة كبيرة من الأبحاث والاكتشافات للمعادن ، ( 7 ) تعبر أغلبها عن عمليات صهر وتغيير وتركيب للمعادن ، ويتركز منهجه الفكري على الجمع بين الملاحظات العلمية الدقيقة وبين إقحام الأفلاطونية في البحث العلمي .
وهو يدعو إلى اكتشاف طبائع الأشياء وموازينها ، وكما يقول أحد الباحثين عنه بأن [ العملية الكيماوية عند جابر بن حيان حالة من حالات التأويل ، أي إخفاء الظاهر وإظهار الباطن . إنها عملية نفسية روحية ترمز إلى ارتداد النفس إلى ذاتها ] ، ( 8 ) .
إن التناقض بين الجانبين العلمي والإيديولوجي لا يمنع الاكتشافات العلمية لديه وتوصله إلى تركيبات موضوعيةٍ للمادة التي وصل إلى سببياتها الجزئية ، وذلك لأن البحث عن باطن المادة ، عن روحها ، هو بحث عن قوانينها ، مثلما تفعل الحركة الباطنية في البحث عن الباطن في النص الديني ، فتبحث عن الباطن في الواقع وعلاقاتها بالناس .
وإذا تعجز الحركة الباطنية عن الوصول إلى القوانين العامة للتطور والصراع الاجتماعيين ، فإن جابر بن حيان يعجز عن الوصول إلى القوانين العامة لحركة المادة ، لكنه ينجح في اكتشافه قوانين جزئية لتغيرات المادة فيتمكنُ من استخراج الحديد الصلب من خاماته الأولى ، وقد حضّر مجموعةً كبيرة من المواد الكيمائية كأكسيد الزئبق وحمض النتريك الخ..
تبينُ مكتشفاتُ العربِ في الصناعة الإنجازاتَ التي قاموا بها والحدود التي وقفوا عندها ، فإذ تطوروا في صناعة المعادن فإنهم برعوا في صناعة الأسلحة التقليدية :
[ مزج العلماءُ العرب والمسلمون الذهب بالفضة ، واستخدموا القصدير لمنع التأكسد والصدأ في الأواني النحاسية . واستخدموا خبرتهم الكيمائية في صناعة العطور ، ومواد التجميل وصناعة الأقمشة والشموع ، واستخراج الزيوت النباتية ، وتركيب الأدوية ، وصناعة الفولاذ والأسمدة والصابون والزجاج والأواني الزجاجية والمرايا والمصابيح الملونة والبلور . ] ، ( 9 ) .
إن كلَ هذه الصناعات وثيقة الصلة بطابع التطور الاجتماعي الذي تهيمنُ عليه الأرستقراطيةُ والفئاتُ الغنية الأخرى ، حيث هي صناعاتٌ استهلاكية لهذه القوى الاجتماعية ، التي تبّذرُ الفائضَ الاقتصادي ، ولهذا فإن الفوائض لا تتوجه للبحوث العلمية أو لتغيير طابع الإنتاج الحرفي ، وهذا يجعل طابع الأبحاث في الكيمياء والفيزياء أغلبها فردياً محضاً .
ولهذا فإن توجه جابر بن حيان لاكتشاف الباطن ، أي لاكتشاف قوانين المادة ، على المستوى الطبيعي ، يعبر عن وعي سحري كذلك بالسيطرة التامة الخارقة على الطبيعة والمجتمع .
وقد سبق أن تناولنا فكر الكندي وإسهاماته في الكيمياء والفيزياء ( 10 ) ، ورأينا كيف أن اكتشافاته العلمية تظلُ كذلك في إطار جزئي تقني ، ولم تتحول إلى استنتاجات فلسفية كبيرة ، أي لم يقم بإدغام بحوثه العلمية في نظرة اكتشافية مادية ، مع تمازج هذه البحوث برؤى أسطورية كذلك .
أما في الفيزياء فقد كانت للمسلمين إسهاماتٌ متخصصةٌ متناثرة في علم السوائل وحساب أوزانها النوعية ، وفي الجاذبية ، وكانت لديهم آلات كثيرة للرفع كلها مبنية على قواعد ميكانيكية ، وكانت لديهم اكتشافات للبصريات والضوء وكيفية الأبصار ، نقلت علم الضوء إلى تحول كبير .
[ كما بحث المسلمون في كيفية حدوث قوس قزح ، وسرعة الضوء والصوت ، وعرفوا المغنطيس… وبالجملة كانت المعلومات عن الميكانيكا ، والبصريات والضوء والصوت وخلافها من مباحث علم الطبيعة مبعثرة لا رابط بينها ، وكانت تــُبحث من قبلهم من منظور يستندُ إلى المنهج العقلي والبحث الفلسفي وكان المغلوط فيها أكثر من الصواب ] ، ( 12 ) .
توضحُ هذه الفقرات السابقة ضعف الأبحاث في الطبيعة وعدم قراءة قوانين المادة الداخلية ، كما تشيرُ إلى الاستعاضة عن استغلال حركة المادة الداخلية والطاقة باستخدام الحركة الميكانيكية في الروافع ، وهو ما تجسد كذلك في علم الحيل .
إن عدم البروز الكبير في علمي الكيمياء والفيزياء واختلاط أولهما بعلم السحر ، يشير إلى هيمنة الوعي المثالي على العلوم وهو أمر معبر عن قوانين البنية الاجتماعية ، التي تتحكم القوى العليا في إنتاج الوعي وتحديد تطور أشكاله ، وهي كلها أمور متشابكة عرقلت تحول الحرف إلى صناعات .
ولهذا نرى أن علوم الطب والصيدلة والفلك تنمو بشكل كبير ، بسبب الصرف عليها من قبل الطبقات الحاكمة ، فالعلمان الأوليان يرتبطان بصحة هذه الطبقات وبقائها ، كما يرتبط العلم الثالث بسيطرتها ، حيث أن علم النجوم والفلك اعتبر دائماً مُلحقاً بالقصور ، متابعاً لحركة السماء والنجوم المسئولة في رأيهم عن أحداث الأرض وحظوظ البشر .
وفي الطب كان لا بد من البحث بموضوعية عن الأمراض ، وبإلغاء سلسلة طويلة من الخرافات ، وهنا تصبحُ المادةُ الجسمية بلا تدخلٍ خارجي غيبي ، ويتواجد فلاسفةٌ كبارٌ في داخل المباني الاستشفائية ، حيث تقوم هذه بحماية وجودهم الشخصي وتطور ممارستهم الفكرية المتنوعة ، ولا بد في هذه الحالة من تطوير التشخيص الموضوعي للحصول على نتائج مرضية للحكام والأمراء والأغنياء ، ورغم أن الأرواحَ والغيبيات مهيمنةٌ على الفضاء الفكري للمجتمع والتفكير ، إلا أنه لا بد هنا من اكتشافِ الأسباب الموضوعية لمشكلات الأجساد وتكويناتها ، فينفصلُ الجسمُ عن الروح ، ويغدو ذا قوانين مستقلة عن اللامادة ، مثله مثل بقية أشكال المادة ، لكن تبقى السيطرة الأساسية في الكون الثقافي الديني للسماء والأرواح والنصوص الدينية .
ولهذا فإن ثنائية الروح الجسد ، وثنائية السماء والعالم ، لا تعبران عن نقص مستوى العلوم فحسب ، بل عن الضرورة الحتمية لفحص الجسد والعالم بشكل موضوعي تتطلبه الضروراتُ الصحية والإنتاجية .
لكن هذا لا ينفي ، من جهة أخرى ، ضخامة وجود السماء وأفلاكها وكواكبها وعوالم الأرواح والنفس الكلية والعقل الفعال والعقول السبعة والعشرة الخ ..، وسيطرتها على عالم الجسد والمادة .
إن الطب وتابعه علم الصيدلة ينموان باتساعٍ كاشفين سلسلة طويلة من الأمراض والتكوينات العشبية والمادية العلاجية ، ولكن استقلال الروح وهيمنة الغيب يبقيان على علم النجوم والدين كملاذين من نقص هذين العلمين وغيرهما في سيطرة الإنسان على جسده ونفسه وواقعه .
الحرفية والرؤى الفكرية
انبثق معظمُ المفكرين والفلاسفة وممثلو الحركات الاجتماعية من الفئات الوسطى ، ولا يقود هذا الانبثاق بالضرورة إلى تعبير عن هذه الفئات ، فهذا يعود لمواقف هؤلاء المفكرين والفلاسفة .
إذا نظرنا لمعظم المنتجين المفكرين وجدنا بصمات الحرف والمناطق الريفية أو الفقيرة تعلم نشأتهم كالعلاف والنظّام والحلاج والإسكافي والغزالي والباقلاني الخ.. ، وتدل هذه النشأة كذلك على طابع الفئات الوسطى الصغيرة عادةً المنتجة والمطحونة ، وعلى المستوى التقني السائد ، وينعكسُ هذا المستوى التقني على طابع التفكير .
يقول الباقلاني وهو يثبت أولية الإله :
[ فوجب أن تكون صور العالم وحركات الفلك متعلقة بصانع صنعها ، إذ كانت ألطفَ وأعجب صنعاً من سائر ما يتعذر وجوده من صانع الحركات والتصويرات ] ، ( 13 ) .
إن دليلَ الصانع هو دليل تضربه الحركاتُ الدينية في إثبات الخالق ، وهو مستقى من طابع الحرف ، حيث لا توجدُ طاولةٌ أو بابٌ دون نجار ، فتغدو الطبيعة الموضوعية مثل الطبيعة المصنوعة بشرياً ، فكلتاهما لا بد أن تكونا مخلوقتين ، استنتاجاً من البشري المرئي على الغيبي غير المرئي ، وهذا المنطق الصوري ، يتوافق هنا مع صناعة يدوية تقوم بتركيب أجزاء المواد بعضها ببعض لإنتاج أداة ما .
إن المنطق الصوري هو منطق شكلي يقيس المتشابهات في شكلها الظاهري ، ويقيم تضادات لا تقبل التداخل ، ولا يعرف النمو النوعي المنبثق من تراكم سابق في المادة والأشياء ، ويستنتج من فكر المقابلة غير الجدلي استنتاجات كبرى متضادة كلياً ، والإنسان الحرفي الرجل هنا الذي صنع البيت وركب الباب ، ووضع القنديل ليضيء ليلاً ، عكس تصوراته على الكون وعملية خلقه ، فهو كالإله ركّبَ سقفَ البيت وصنع القنديل والكرسي والطاولة وجعل المرأة تابعة له ، وكل ذلك في عدة أيام ، ثم استراح في اليوم السابع ، ( 14 ) .
وتقوده معلوماتــُهُ الجديدة عن الكون إلى إدغامها بهذه الرؤية الحرفية وكما غدت السماء شكلاً للسلطة السياسية ، فكذلك صارت شكلاً للسلطة الفكرية عبر العلوم المنتجة بهذه الأدوات الفكرية .
إن فكرة الصناعة الحرفية البشرية تــُطرح على أكبر الأجسام وهو الكون كما تطرح على أصغر الأجسام . يقول أبو هذيل العلاف :
[ إن الجسم يجوز أن يفرقه الله سبحانه ويبطل ما فيه من الاجتماع حتى يصير جزءاً لا يتجزأ ، وأن الجزء الذي لا يتجزأ لا طول له ، ولا عرض ، ولا عمق ، ولا اجتماع فيه ولا افتراق ، وإنه يجوز أن يجامع غيره ، وأن الخردلة يجوز أن تتجزأ نصفين ثم أربعة ، ثم ثمانية ، إلى أن يصير كل جزء منها لا يتجزأ ] ، ( 15 ) .
إن أبا هذيل يناقش قضايا عميقة ، ويبحث في قضايا تكوين المادة ، لكنه كما يحددُ سقفَ الكون بالسماوات السبع ، فهو يحددُ سقفَ الجزء الذي لا يتجزأ الذي لا بد أن يصلَ إلى حدٍ معين ويقف عنده ، وهنا يطرح [ الخردلة ] هذه النبتة الزراعية المنتجة بشرياً ، والتي يفلقها إلى أجزاء فيقف تكوينها الظاهري عند حد معين لا يتجاوزه .
إن أبا هذيل لا يمتلك مختبرات ولا أجهزة لكي يغوص في تكوين هذه الخردلة ، مكتفياً بنظره ، وتعطيه هذه القدرة الحرفية والإيمان الديني المسبق ، استنتاجات ليس عن تكوين الخردلة بل عن تكوين المادة عموماً . لقد قفز من الخردلة إلى المادة الكونية التي لا بد أن تقف عند حد معين .
بطبيعة الحال لو كان يمتلك تلك الأجهزة ، وهي تعبرُ عن عصرٍ آخر ، لربما غير من رأيه الديني الواقف عند ذلك المستوى الحرفي .
إن أبا هذيل يرى المادة وهي ساكنة ، جامدة ، مُـقطعة بالأصابع البشرية ، ومرئية بالنظر المجرد ، فلا يرى أنها متحركة ، وأن لها حركة داخلية غير مرئية ، ومن هنا قطع سيرورتها الطبيعية ، أي لم ير كيف كانت قبل ذلك كجزء من النبات ، وتطورت بقوانينه ، وأنها الآن وهي بين أصابعه تتحلل وتعود لجزئيات صغيرة غير مرئية .
وحتى لو أن الرائي هو النظّام فإنه سيرى الخردلة وهي تتجزأ ولكنه سيراها بشكل عقلي بأنها سوف تتجزأ إلى مالا نهاية ، بحكم وعيه العقلي المسبق ، في حين سيرى الكون واقفاً عند حد معين من النمو ، فتغدو اللانهائية في جهة واحدة . حيث لا تسعفه أدوات البصر للنظر إلى الكون البعيد .
وهكذا فإن المنتجين الفكريين ستكون آراؤهم العقليةُ واتجاهاتهم الفكرية متلونةً تجاه معرفة الأشياء ، لكن هذه المهن والمواقف ومدى قربها من الأشياء ، ستؤدي إلى أفكار أكثر تطوراً .
ولهذا فإن المهن التي يمارسها الفلاسفة قد تطورت ، فثمة مسافة بين أبي هذيل العلاف وبين ابن سينا ، ليس لأن الأول لم تكن لديه مهنة محددة ، وإنه كان شبه مقتلع من جذوره الاقتصادية و [القومية] ، وأن الآخر كان في بيئة اجتماعية أكثر تماسكاً وقوة وتجذراً [ قومياً ] ، وإنه كان صاحبَ مهنةٍ راسخة هي مهنة الطب التي يحتاج إليها الناس بشدة ، ليس هذا فحسب بل أنه كان أقرب إلى العلوم والمواد المدروسة ، فكان يقوم بالعلاج والتشريح ، وكانت تحيطه موادٌ ثقافية أكبر وأعمق ، أي كان العقل [ الفعال ] ، ليس المتواجد في السماء ، بل الـُمنتّج على الأرض والذي يمثل التراكم الثقافي ، ذا كثافة أكبر سمحت له أن يتوصل إلى نظرة أكثر عمقاً واتساعاً من أبي هذيل العلاف ، فأصبح العالمُ المادي لا نهائياً في سيرورته العامة ، ومسيطراً عليه إلهياً ، أي محكوم سياسياً من قبل مركزٍ ما . أي أنه قام بالجمع بين مادة خالدة ، وأبنية دينية متحكمة في الوجود البشري .
أي أن تطور الفكر الفلسفي لن يتوقف على المهن الحرفية فقط ، فهي وجهٌ بسيط يقدم مواداً أولية محدودة ، ولكنه يعتمد أيضاً على التطور الثقافي عامة الُمحتضن من قبل قوى اجتماعية واسعة ، تتراوح بين جذور قومية لم تتكشف بعد ، وفئات وسطى طامحة ، وقوى تقليدية لا تزال مهيمنةً وبقوة على الفضاء الاجتماعي .
وفي حين كانت علوم الكيمياء والفيزياء والرياضيات لا تجد اهتماماً حكومياً كبيراً كانت علوم الطب والفلك والهندسة تلقى ذلك الاهتمام ، وهو أمر ترسخ منذ العصر القديم .
فنجد دور العلاج والمستشفيات التي تقام في المدن يوضع على رأسها أطباء كبار . ومن سيرة الرازي نقرأ :
[ عـُين رئيساً لأطباء مستشفى الري ، ثم عهد إليه بتدبير مستشفى بغداد ] ، ( 16 ) ، كذلك أنشأ المأمون فريقاً لقياس محيط الأرض بسبب تضارب القدماء فيه فأراد [ حسم هذا الخلاف والوصول إلى القياس الدقيق ، فأمر بعمل الآلات واختيار موضع لهذه المساحة ] ، ( 17 ) ، في حين لما أراد البيروني في زمنٍ ووضعٍ آخر أن يتحقق من دقةِ هذا القياس قام بعمل فردي شاق .
إن كلَ هذه الظروف الاجتماعية والثقافية المتداخلة قد جعلت العلومَ مشتتةً ، فاقتربت من قوانين حركة الأجسام الكبيرة الخارجية ، المتاح رؤيتها والتعامل معها ، في حين بقي الفضاء الخارجي وداخل المادة ، نائيين عن هذه العلوم .
كذلك فإن العلوم تبعت حركة السيطرة الاجتماعية وطبيعة الصرف السياسي ، فتجسدت التطبيقات لها في بناء القصور والمساجد والمستشفيات والصيدلة ومشروعات الري .
ولم تنمُ العلومُ الإنسانية غير الدينية وغير اللغوية والأدبية نمواً كبيراً بل بدأت في أواخر هذا العصر عبر ابن خلدون وتلامذته في الانفصال عن هيمنة العلوم الدينية وبدأت تستكشف قوانين الاجتماع والتاريخ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر :
( 1 ) : (سوسيولوجيا الفكر الإسلامي، محمود إسماعيل، مصدر سابق ، ص44، ج 3 ) .
( 2 ) : ( راجع الفصول التي كتبت عن أسباب ظهور التفكير الفلسفي وأعمال الجاحظ والكندي في الجزء الثاني من هذا المشروع ) .
( 3 ) : ( الجامع في تاريخ العلوم عند العرب ، الدكتور محمد عبدالرحمن مرحبا ، منشورات عويدات ، ط 2 1988 ، ص 388 ) .
( 4 ) : ( المصدر السابق ، ص 315 ) .
( 5 ) : (قول جابر بن حيان ، استناداً للمصدر السابق ، ص 316 ) .
( 6 ) : ( المصدر السابق ، ص 320 ) .
( 7 ) : ( راجع قائمة مكتشفاته في الصناعة الكيمائية في ص 462 من العلوم عند العرب في الموسوعة العربية العالمية ، مجلد 16 ، مصدر سابق ) .
( 8 ) : ( الجامع في تاريخ .. ، ص 318 ) .
( 9 ) : ( الموسوعة العربية العالمية ، ص 460 ) .
( 10 ) : ( راجع الجزء الثاني من هذا المشروع ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، فصل الكندي ) .
( 11 ) ( الموسوعة العربية العالمية ، ص 464 ) .
( 12 ) : ( السابق ، نفس الصفحة ) .
( 13 ) : ( مذاهب الإسلاميين ، عبدالرحمن بدوي ، 602 )
( 14 ) : ( راجع العهد القديم ، سفر التكوين ) .
( 15 ) : ( مذاهب الإسلاميين ، ص 182 ) .
( 16 ) : ( الجامع في تاريخ العلوم ، ص 259 ) .
( 17 ) : ( السابق ، ص 434 ) .



