❞ ماركس؛ كارل ❝ اقرأ الكتاب على @abjjad عبر الرابط:https://www.abjjad.com/book/2736324609?utm_source=native_other&utm_medium=social_android&utm_campaign=share #أبجد #الكلمة_من_أجل_الإنسان

❞ ماركس؛ كارل ❝ اقرأ الكتاب على @abjjad عبر الرابط:https://www.abjjad.com/book/2736324609?utm_source=native_other&utm_medium=social_android&utm_campaign=share #أبجد #الكلمة_من_أجل_الإنسان

الآن يظهرُ لنا (الأبطال) يعلموننا الوطنيةَ والكفاحَ وكيف يجب أن نرصَ الصفوف ونمتشق أسلحة النضال!
العدو سهل هو الطائفيون المهزومون، إذن طاح الجمل، وكثرت السكاكين!
وكلها كلمات عامة مطاطة لا تجسم عدواً، ولا تشخصُ مرضاً، ولا تحددُ علاقات إجتماعيةً وسياسيةً سلبيةً يجب تجاوزها.
وربما صارتْ تمثيليات هزلية، ونحن نحب أن نضحك ونهزأ لا أن نُعالجَ ونرصد المستقبل الخطر.
كلها ضربٌ في الميت.
وهو ــ أي الميت ــ بفضل هذه اللكمات الموجهة في الهواء سينهضُ من قبرهِ ثانيةً ويقوم بمغامرات جديدة.
لكن أين كان هؤلاء الأبطال عندما كان الطائفيون يشكلون ثقافتهم ويتغلغلون في الأحياء، ويسممون الثقافة، ويجرثمون التنظيمات السياسية التي بذلنا أعمارنا على تصعيدها من خلايا صغيرة في الأزقة حتى صارتْ وَرقاً متخاذلاً في عواصم المنافي؟
كان الجدلُ الأولُ في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، – وما أبعد المسافة الزمنية عن ذلك الآن!- يدور في مسألة الطائفية، وكان المنشورُ(الثوري) يقولُ أن الطائفيةَ حُسمتْ وإنتهت من البحرين، فلنلتفت إلى قضايا أخرى.
ولكننا لم نوقف النقاش، كان الوعي الساذجُ السائد يسطحُ الكثير من الأشياء، فالاستعانةُ بالموادِ الدينية الطافحة على جسم الحياة تجري بسهولة، وليس ثمة نقد للوزارات التي راحت توظف جزءً من طائفة ووزارة أخرى توظف جزءً من طائفة أخرى، بشكل غريب.
والمعاملات والمشروعات مختلفة بين بلدة وبلدة وبين قرية وقرية.
كانت الاختلافات والتوازنات والتداخلات بين أشكال الوعي الطائفي كلها تدفع بإتجاه ثنائية الطائفتين وإبراز الوعي السياسي المذهبي لهما.
كان الوعي الوطني يُهمش، لكن كان لا بد من النضال في سبيل ذلك، وجعل مختلف أشكال الوعي من مسرح وتشكيل ومقالة وكتابة فكرية تساهم في تحليل الطائفية ونقدها مثل كافة المشكلات.
الصحافة تناقش بتحقيقاتها على الأغلب مشكلات الأحياء وقضايا التعليم والإسكان والعمل وغيرها، وليس قضايا البنية العميقة، وحتى هذه القضايا لا تُربط بقضايا البنية الاجتماعية، والمسرح غارق في التجريبية، والأمكنة الغرائبية والأبطال الغامضون المهشمون المهَّمشون ولا تحليل للقضايا أو عرض مشكلات الناس بوضوح وبمتعة تبين للمشاهدين جذورَ مشكلاتهم. ومسلسلات التلفزيون غريبة وتُقطع إذا حاولت أن تناقش الأعماق.
الأدب يمضي نحو عوالمه الغامضة الخاصة. الفكر مهتم بقضايا الأمة العربية والخصام بين العروبة والإسلام وما إلى ذلك من قضايا عامة خارجية.
وتم إختراق التنظيمات السياسية وجرت التحالفات مع القوى الدينية المحافظة، وهي تنمو تحت مظلة أجنبية خطرة ذات مشروعات مغامرة كذلك.
إتسعتْ الغربةُ وصار البناءُ الاجتماعي الاقتصادي تسيره قوانين الربح، والمؤثرون في الريف يتركون الأحوالَ الاجتماعية على بركات القدر والصناديق المسيسة والمشروع الديني المغاير، والمؤثرون في المدينة يفضلون الأيدي العاملة الرخيصة.
وتحدث إختلالاتٌ عميقةٌ في البنية الاجتماعية، وأجيال جديدة عديدة تظهر تحاول أن تدخل في السوق الذي لم يعد وطنياً فقط بل خليجياً عولمياً كذلك، تتحكم فيه أسعار العالم.
وصارت الأجيال الجديدةُ تحت هيمنة الشعارات الطائفية، المنتجة في الخارج لعقود، وبالتالي صار الصراع مناطقياً، وحل المشكلات يحتاج إلى سنوات طويلة في ظل تسييس وطني ديمقراطي، لكن التسييس السائد غير ذلك.
أجيال الشباب في الريف هي الأكثر معاناة وغربة لكنها لم تجد الأصوات الحداثية والوطنية التي تثقفها وتنقلها من خطاب طائفي إلى خطاب وطني، وهي تعيش حياة مليئة بالتناقضات، وتتصور الحداثة والتحولات الاقتصادية مؤامرة عليها، وفعل غربي ومحلي شرير!
و(التثقيف) عندما يجري في الريف عبر حشود، لا يكون فيه تأصيل عميق أو فكر ذو قيمة، وإصطياد المجموعات بهذه الطريقة وشحنها أمر ميسور، مع إستخدام المقدس.
إن تتبع قضايا الشباب ومشكلاتهم، وحلها، ومقاربتهم للأفكار الجديدة في العالم، لم تمت بل هي متجددة، ولكن المشكلة هي الصراع الحاد معهم، بدلاً من فهمهم وجذبهم.
كما أن قضايا التطور الاجتماعي ومشكلاته مترابطة وطنياً، وحلها عبر حل مشكلات الشعب ككل، وليس حل مشكلات منطقة أو طائفة مفصولة.
عبدالله خليفة : أفق ـ فهرس العناوين 2014
عبـــــــدالله خلـــــــيفة :أفـــــــــــق ــــــ فهرس العناوين 2013
الإخوان السوريون والاحتيالُ باسمِ الإسلام
عبـــــــدالله خلـــــــيفة : أفـــــــــــق ــــــ فهرس العناوين 2012
عبـــــــدالله خلـــــــيفة : أفـــــــــــق ــــــ فهرس العناوين 2011
الحراك الاجتماعي في البحرين وعموم الخليج العربي، دور وموقف القوى التقدمية
عبـــــــدالله خلـــــــيفة : أفـــــــــــق ــــــ فهرس العناوين 2010
عبـــــــدالله خلـــــــيفة : أفـــــــــــق ــــــ فهرس العناوين 2009
عبـــــــدالله خلـــــــيفة : أفـــــــــــق ــــــ فهرس العناوين 2008
عبـــــــدالله خلـــــــيفة : أفـــــق ــــــ فهرس العناوين ــــــ مقالات 2007
عبـــــــدالله خلـــــــيفة : أفـــــق ــــــ فهرس العناوين ــــــ مقالات 2006
عبـــــــدالله خلـــــــيفة : أفـــــق ــــــ فهرس العناوين ــــــ مقالات 2005
التناقض الرئيسي
عبـــــــدالله خلـــــــيفة : أفـــــق ــــــ فهرس العناوين ــــــ مقالات 2004
عبـــــــدالله خلـــــــيفة : أفـــــق ــــــ فهرس العناوين ــــــ مقالات 2003

على طريق المهرجان لــ 15 فبراير
ظهرت خلافاتٌ عميقةٌ على صعيد وعي اليسار المحلي للمسائل المحورية في التطور السياسي، وهي جزءٌ من الصراعاتِ الفكرية والسياسية لليسار في العالم العربي حول المواقف من الدين، والاشتراكية، والرأسمالية، والغرب، أي على فهم قضايا التشكيلات الكبرى في حياة البشرية خاصةً تداخل وتباين تشكيلات الإقطاع والرأسمالية والاشتراكية، وكيف تجسد ذلك في التاريخ العربي الإسلامي، وفي الزمنِ الراهن والإشكاليات التي حدثتْ عبرَ الصراعِ بين القومياتِ الرئيسية في المنطقة.
لقد كانت هيمنتْ الجماعاتُ الطائفيةُ السياسية على الجمهور المتخلف الوعي عاملاً رئيسياً في إرباكِ الجماعاتِ اليسارية التي كانت تتخذ رؤى شبه واضحة (لكنها جامدة نصوصية)، أي غير جدلية تركيبية في المرحلة السابقة، وتكونت في حضن رأسمالياتِ الدول الشمولية (الإشتراكية) والقومية.
وهذا الحضن كما لعب دوراً في تصعيدِ دور القطاعات العامة والتحرر والنهضة الشرقية العالمية لعب دوراً في صنع رؤى فكرية سياسية محدودة جامدة، راحتْ تتهاوى جوانبٌ كبيرة منها بسببِ عدم النقد وغياب الديمقراطية على مستويات الدول الاشتراكية والأحزاب.
وبالتالي جاءت التحولاتُ في أشكال الدول الرأسمالية الحكومية (الإشتراكية) وتصاعد الدول والحركات الدينية (الإسلامية) لتعرض إتجاهات اليسار لمخاضٍ عسير.
وكلُ بلدٍ عربي أو إسلامي دخلتْ فيه المؤثراتُ المناطقيةُ والدولية حسب بنيتهِ الاجتماعية وصراعاتها وتطوراتها، وإنعكست المؤثراتُ على وعي قوى اليسار المختلفة، وجاءت الرياحُ لتضربَ قوى صلبة أو هشة، ففي التنظيماتِ ذاتها تواريخٌ لما هو وطني عالمي، ولما هو مواقفٌ إجتماعية صلبةٌ إنغرستْ فيها، أو لأخطاء تصاعدتْ في أجسامها، فنشأت مواقفٌ عقلانية تتصف بالتجريبية غالباً، وأما مواقف مغامرة خطرة.
وكان حالتنا في البحرين سيئة بشكل كبير، فهشاشةُ اليسارِ بينة، وتبعيتهُ للقوى الطائفية اليمينية كانت قد تكونت منذ التسعينيات، وكانت القوى الطائفيةُ السياسيةُ لا تخفي تبعيتها للمشروع الدكتاتوري الإيراني بتلاوينه التي برز منها مشروعُ الحكم خاصة، وقامت الجماعات في البحرين بمغامرات خطرة على كل صعيد.
لهذا كان تتبريراتُ هذه القوى (اليسارية) لكل الأخطاء التي تسميها وسائل النضال من حرائق وتخريب مدعاة للفزع السياسي، فقد إنهارت البنيةُ العقلانيةُ الوطنية المكِّونة لهذا الجنين اليساري، وتسوقُ دائماً الشعارات بشكلٍ نفعي، مفصولٍ عن أية قراءات تحليلية للواقع وللقوى السياسية الاجتماعية في البلد والمنطقة، ولمضامين هذه المواقف وعلاقاتها، عبر فصم علاقات القوى الطائفية البحرينية بشبكاتها في الخارج، والمنظومات الإيديولوجية التي تشتركُ فيها، وقطع العلاقات بين ما حدث في إيران من نشؤ دكتاتورية رجعية ومولوداتها الشبحية التي تغلغلتْ في بعض السكان البحرينيين وإستغلت معاناتهم وحركتْ غرائزهم ووجهتهم للفوضى وفرض أجندتها السياسية المتقلبة غير المحددة الثابتة، مثلما أتضح أخطار تلك الدكتاتورية بشكل خطير في المنطقة والعالم.
وجاء عهدُ التغييراتِ السياسية في البحرين في أوائل القرن الواحد والعشرين وفتحَ السجونَ وأطلق سراح كلَ هؤلاء الذين قاموا بتلك الأفعال السابقة الذكر، وظهرت التنظيماتُ السريةُ علنية، وغدت لديها منشوراتها وشاركت في الانتخابات وغير ذلك من مظاهر العملية السياسية المتعددة وكل هذا في غضون عقد.
أجبرتْ التغييراتُ السياسيةُ العديدَ من القوى السياسية على تبدل أفكارها الفوقية، وتوجه بعض القادة السياسيين للتعبير عن أفكار إصلاحية ولتنمية العملية السياسية والابتعاد عن أفكار المغامرة السابقة.
لكن هذه التغييرات في لغةِ الخطابات السياسية لم تكن عميقة، ولم تتوجه لقراءةِ إشكاليةِ الماركسية كما حدثت في العقود السابقة، وكيف يمكن إنتاج رؤى تحولية ديمقراطية جديدة منها على صعيد التشكيلات وفرز العلاقات بين الإقطاع والرأسمالية خاصة، وإعادة النظر فيما سُمي بالتجاررب الإشتراكية، وإتخاد مواقف جديدة من التنظيماتِ التي نشأتْ في المنظومة الإقطاعية العربية الإسلامية، وهي كلها أمورٌ من الصعب القيام بها على مستوى القيادات الخطابية السابقة، التي غرقتْ في بحر التغييرات وأعمالها الإدارية وإعادة تأسيس الجماعات.
حتى على مستوى المهمات الفكرية العميقة لم يكن ثمة وقت لها لو كانت هناك الأدوات التحليلية، لأن القوى الطائفية السياسية والجماعات المغامرة التي إلتصقت بها لم تتركْ للبلدِ فرصةً للتنفس السياسي، نازلة بقوة ومرة أخرى للشوارع مزايدةٍ على التغييرات ورافعة سقفها لأعلى، بشكلٍ مثير مستفز وبشكل يومي وعبر إستخدام الشباب الريفي الذي ليس له تجارب سياسية وإجتماعية عميقة خاصة!
لا شك إن المشكلات والقضايا التي يُنتظر حلها في بلدنا البحرين كثيرة، وقد تحركت عجلةُ التغيير وتساهم قوى جديدة بشكل مستمر في هذه العملية، لكن من جهة أخرى فإن الأوضاع الاقتصادية معقولة، وينتظر زيادة تغييرها بشكلٍ مضطرد، ونحتاج لعقليات سياسية تحليلية تحدد المشكلات وسبل إصلاحها، لمراكمة تحولات جديدة. فالحديثُ عن الأخطاء بشكلٍ أيديولوجي مؤدلج عام غير مفيد، بل ومضر، فأخطاء مثل ضعف الخدمات الطبية العامة ينبغي تحديدها بشكل واضح وكيفية تطويرها، بدلاً من الجمل العامة عن التدهور والخراب فيها!، أو تلك العبارات العامة عن سرقة الشواطئ فيجب تحديد ذلك والبرهنة عليه قانونياً والعمل لتغييره عبر السبل الديمقراطية المشروعة. فلا أحد يقبل بالأخطاء ولكن بأي شكل نناضل ضدها؟!
لم تشتغل قوى المعارضة على عملية التراكم الديمقراطية بواقعية، وقد جعلتنا طرقها نخسرُ الكثيرَ على مدى السنوات السابقة رغم إنها سنوات تحولات هامة لشعبنا!
وكما قلنا فإن القوى الاجتماعية السياسية الريفية هي إحدى المشكلات الرئيسية لهذه المعارضة بسبب تخلف وعيها، ومحاولاتها للقفزات وفرض نفسها بالقوة، ويبقى اليمين المذهبي المحافظ القائد لها، ذا مواقف غامضة يتبدل مع تحولات السياسات الإيرانية، ففي الزمنُ الإصلاحي المشترك لرفسنجاني وخاتمي نشأت إمكانيات للمشاركة في العملية السياسية التحولية في البحرين، ولكن مع تصاعد قوى التطرف الإيرانية عبر الحرس الثوري توجهت العملية للصدام المتصاعد والمغامرات الخطرة على مستوى بلدنا الذي أُتخد كحقل تجارب رهيبة.
هناك خطوطٌ متداخلة غريبة غامضة ترى في المشترك السياسي والتناغم الشمولي، إن البحر الإيراني السياسي يلقي بظلالهِ على الجزر البحرينية بقوة، ويتم تشغيل عوامٌ للحدة السياسية ولأجندات معينة أساسها الصدام.
ولم يكن مشروعُ الدولة التحولي في البحرين بغافل عن ذلك، وعرضه للتحولات وفتحه البرلمان والنقابات والجماعات السياسية هو جزء لخلق علاقات بحرينية سياسية جديدة، كان يمكن تطويرها بشكل ديمقراطي برلماني صبور، وبشكل إصلاحات إقتصادية بشكل إجتماعي باحث جدي عن الأخطاء وتغييرها، ولكن القوى المناوئة للتحول الديمقراطي الوطني المشترك كانت تجد لها أسباباً للمزايدة وإستغلال أشياء عديدة للتفجير، بحيث كنا نركض من إطفاء حريق لإطفاء حريق آخر!
وكما أوضحنا فإن (اليسار) في البحرين كان في حالة إعادة تأثيث لوجوده السياسي، خاصة الفريق المعتدل ولكن الفريقَ المغامرَ أسرع لمواصلةِ تأجيجِ المعارك السياسية مع ذات القوى المذهبية.
حالاتُ المزايدةِ لم تكن تَخفى على أحد، ولكن تبقى الأسباب متعددة وبعضها مجهول حتى يكشفهُ المستقبل، والأهم الواضح فيها هو رغبة هذا اليسار الصغير المحدود في علاقته بالناس أن ينتفخَ سياسياً، وأن يأخذ مساحةً لم تعدْ له، بسبب دورهِ في هدم التشكيلات السياسية الوطنية عبر مغامراتٍ سابقة، ولعدم إنتاج أي ثقافة ديمقراطية عقلانية تتغلغلُ في صفوفه أو في صفوف الناس، ومن هنا كانت شعاراته الحادة وإستعراضاته وإستغلاله لنفس الشباب الريفي قليل الوعي والتجربة السياسية وشحنه بالانفعالات الحادة.
المزايدة والجملة الثورية المنتفخة بالغرور كانت هي أهم واجهة له في السياسة، وكانت له دراسات وثقافة مهمة ومناضلون عديدون ولكنه لم يركز عليها ويطورها، فالصبر السياسي لديه محدود.
فكانت المقاطعة الحادة بمظاهراتها وصخبها ثم كانت المشاركة بغياب الكراسي فيها، في حين أن القوى المذهبية السياسية هي التي أتيحت لها ملء الساحة دون أن تغير بوصة من واقع الجماهير العطشى، فكان ذلك مؤثراً على جذور اليسار المغامر اليابسة وشحنه بإنفعالات جديدة ظهرت في المغامرة الأخيرة هذا العام.
لم يعد ثمة يسار متماسك مؤثر في الحقيقة، فقد نضبت قوى البرجوازية الصغيرة اليسارية، ولم تنشأ برجوازية تحديثية ديمقراطية، وملأت القوى الدينيةُ الساحةَ وهي قوى ليست تحديثية، وذات جذور ماضوية، فلم تستطع توحيد الشعب أو توحيد السياسات الوطنية، وتطوير الإصلاح ولهذا ليس ثمة سوى الصبر السياسي ومراكمة التحولات الديمقراطية وتحفيز قوى الحداثة وعلى درس الظروف والقضايا ومشكلات الجمهور وعرضها وتنمية وعي ديمقراطي مستنير، وخاصة في تصعيد دور الشباب والنساء وإصلاح الريف من مشكلاته المزمنة.
اليسار الذي كان حقيقياً لم تكن قيادته في مستوى المهمات المركبة للمرحلة الراهنة، ويكفي لتاريخها إنها أنشأت القوى السياسية ومشت في مرحلة طويلة صعبة كلها أزمات، ولكنها لم تورث قيادات شابة في مستوى المهمام المركبة للمرحلة، وهذه القيادات لم تطور وعيها بأدوات التحليل الجديدة في الماركسية والقومية والحداثة.
فوقفتْ صماءَ تجاه المرحلة التسعينية وما جرى فيها من أخطاء سياسية وفكرية، وكان هذا واضحاً في مواقفها من المعسكر (الإشتراكي) وعدم صعودها لمستوى الأحزاب اليسارية التي إعادت النظر في هذا المعسكر، أو تأييدها الصامت لـ(لليسار)المتخاذل المتواطئ مع الطائفية في لبنان وسوريا على سبيل المثال.
غيابُ هذه العقليةِ القوية التحليلية الناقدة للإرث الإستبدادي في اليسار، تظهرُ في حالةِ جمودٍ سياسية في وعي هذا (اليسار)، ففي الزمن التحولي الأول لاحظنا محاولة التميز عن اليسار المغامر، لكن هذه المحاولة لم تتصاعد ولم تتوجه لتطوير قوى اليسار عامة بل توجهت للمظاهر الخارجية بدلاً من الدرس والدخول في الناس، ثم إنزلقتْ لنفس موقف اليسار المغامر وخطأه الفادح الذي توج دوره السلبي، لكون المواقف الفكرية لمشروع اليسار العقلاني المُجهَّض غير متبلورة على أصعدة كثيرة فجاءت المواقفُ السياسيةُ تصطفُ في خاتمة المطاف مع المغامرين الطائفيين والقوميين.
اليسارُ مصطلحٌ غربي، يعبرُ عن التيارات داخل أروقة البرلمانات، ثم تحول إلى مصطلحٍ يعبرُ عن الاتجاهات الاجتماعية السياسية عالمياً. وبهذا فإن اليسار كقوى إجتماعية ضاغطة من أجل التغييرات لمصالح الأكثرية الشعبية يمكن أن يضم قوى متعددة حسب البُنى الاجتماعية وحراك قواها المنتجة في كل فترة تاريخية.
ولهذا فإن يسارنا يفترضُ أن يرتبطَ بتحولاتِ القوى المنتجة، وقد كانت في سنوات (50- 80) من القرن العشرين قد تشكلت قوى عاملة يدوية وطنية غالبة وتكون يسارنُا الوطني بالتناغم معها وعمل بكفاءة ضمن الحدود المتاحة له، وأوصلَ البلدَ للحظاتٍ تاريخية معروفة.
وهذه القوى العاملة تغيرت تغيراً كبيراً منذ ذلك الحين، وأدت التدفقات المالية الكبيرة على البُنية الاجتماعية لتغدو الطبقة العاملة بحرينية- أجنبية، بدون تناسب، وتظل رغم هذا التداخل الصعب والتغييرات الكبيرة بها قادرة على أن تطور نفسها وأن تساهم في التحول الوطني، ولم يتح لليسار في التحولات الديمقراطية أن يواصل تنفيذَ إستراتجيته الأولية البسيطة التي طرحها في بدء زمن التغييرات، بأن يشارك في عملية التحولات الإصلاحية بسبب إعتماده على الخطابات السياسية من مقره، ولم يكن هذا الطابع الفكري كافياً، فقد كان إرتباطه بالعمال ودرس أحوالهم ومساعدة تطوره الاقتصادي الاجتماعي الثقافي هو جوهر دوره المنتظر.
هذه العملية لم تحدث بشكل كبير، وأثرت الأحداثُ السياسية والصراعات الكلامية في جر هذا اليسار إلى صف اليسار المغامر والجماعات الطائفية المرتبطة بالتحركات الأجنبية في بعض المواقع الخطرة.
ضخامةُ البنية الاجتماعية للعمال المواطنين والأجانب التي لم يعد أي جسم سياسي قادر على التأثير العقلاني النقابي السياسي عليها ككل، وصعوبة التأثير فيها بأشكالٍ ديمقراطية، أتاحت للقوى السياسية غير العمالية والمرتبطة بفئاتٍ وسطى نحبوية أن تهيمن على الحركة النقابية. في حين أن أقساماً من العمال الأجانب حصلوا على قيادات مؤثرة عقلانية ناضلت معهم بشكل قانوني لتحسين أحوال بعض القطاعات ونجحت في ذلك.
إن تداخلَ اليسارِ المغامر والقوى المذهبية السياسية مزيجٌ معبرٌ عن النفعيةِ الذاتية وإلغاء مصالح الطبقة العاملة وتطوير أوضاعها، وقد كسرَ ذلك التأثيرَ القوي لليسار العقلاني في السبعينيات من القرن الماضي حين تحدث التحركاتُ النقابية والسياسية بشكلٍ مبرمج وبدون عنف وتخريب.
في حين أن الوقت الراهن يوضح تأثير القوتين السياسيتين السابقتي الذكر في حرفِ نضال العمال، عبر ربطهِ بمغامراتهما السياسية الخطيرة على الوطن والمنطقة.
هنا نجدُ الفئاتَ العماليةَ المكَّونةَ بشكلٍ كبير من قوى الريف ليست لديها أي تجربة نقابية وأي عمق سياسي، وتعيشُ في حالاتٍ من القلق الاجتماعي والتأزم المعيشي والتخلف التعليمي، وهي التي يَسهُل إصطيادها من قبل قوى البرجوازية الصغيرة اليسارية والدينية اليمينية المتطرفة، ولهذا نجدُ الهروبَ الواسع من حلِ مشكلات العمال الاقتصادية والعملية والتركيز على الصخب السياسي، فبالإضافة إلى تطلب ذلك درساً لمشكلات العمال وصبراً على متابعة أوضاعهم المختلفة وطول نَفسٍ في تغييرها، فإن جماعات الجمل الثورية غير الواقعية، لا يمكن أن يعملوا مع الطبقة العاملة بشكل حقيقي مستمر، وهم مشغولون بتفجير النظام أو بالقفز على الحياة السياسية المنفتحة.
مساران لا يلتقيان؛ طبقةٌ عاملةٌ تحتاجُ لحل مشكلاتها العملية والمعيشية، تُجمدُّ مطالبها، وتُرحلُ نحو المغامرات السياسية. فتبقى المشكلاتُ الجوهريةُ والعاديةُ للعمال البحرينيين خاصة كما هي، فيما تزدادُ مشكلاتُهم عبر المغامرات السياسية وما يحدثُ فيها من خسائر إقتصاديةٍ وإغلاق مؤسسات وتدهور لأجورٍ وغلاء.
وهذا ليس تحاملاً على أخوتنا وأخواتنا في الهيئات السياسية والنقابية بقدر ما هو رصد لما جرى ويجري، وكون خلفياتهما السياسية المتشنجة لعبت دوراً كبيراً في عرقلةِ تطور حياة العمال كما في عرقلة تطور الشعب ككل.
لقد رصدنا تلك الخلفيات المتشنجة في مجالات سياسية ولكن هنا يتوضحُ تأثيرَها على حياة العمال، أي على طبقةٍ مؤثرة في تطور وعي اليسار بدرجة خاصة، فهي حاضنته الكبيرة.
ولكن كيف يكون الدينيون حاضنين لهموم العمال وللوعي اليساري معاً؟ هذا ممكن إذا تخلوا عن الرغبة في الهيمنة على المجتمع وسوقهِ لما يريدون من مخططاتٍ جاهزة ولا تطور وضع العمال، ومن أهداف سياسية غير منبثقة من علاقاتهم الاجتماعية الوطنية ويفرضونها بالقوة، وكأنهم يريدون نقل نموذجهم الريفي إلى المدن، حيث يقومون بنشرِ دكتاتورية كبيرة على القرى والنساء والعقول والحريات.
مثل هذا الوعي لا يتماشى مع حياة الطبقة العاملة، الطبقة الحديثة، المرتبطة بأكثر العلاقات الاجتماعية إنسانية، كما أنه موقف إستعلائي لا يدرس حياة الشغيلة ويطورها في ظروفها الحقيقية، بل لديه موديله الجاهز عليها، يجرُهَا إلى الشوارع والسجون والغازات والرصاص والمقابر ليحقق دولة الهيمنة المذهبية غير المتوافقة مع مصالح الكادحين. أهذا نموذج يعملُ من أجله العمال؟!
إذن لا بد من نقد الذات المتعالية والتواضع في طرح البرامج، وتطوير حياة الناس الحقيقية لا الوهمية، ومشاركة بقية القوى السياسية والاجتماعية في العمل المشترك لحل مشكلات البلد وليس لجلب مشكلات للبلد.
إن تحالفَ المذهبيين السياسيين اليمينيين واليسار المغامر هو تحالفٌ غيرُ مبدأي، فلا يستندُ على أسس فكرية وسياسية موضوعية مشتركة معبرة عن أهداف شعبية حقيقية، فالأولون يمثلون اليمين المتطرف والآخرون يمثلون اليسار المتطرف، فكيف يمكن ترتيب مبادئ سياسية موحَّدة بين الأثنين؟
نقول (اليمين المتطرف) لكونهم لا يستندون على قوى إجتماعية من الطبقة الوسطى، فالتكوينُ الأصلي ضائعٌ في ملامح مستوردة محافظة إيرانية، لم تُغربلْ وتُنقد وتتشكلْ بحرينياً على أساس إجتماعي واضح عقلاني من تاريخنا الوطني.
وهو الأمرُ الذي يجرُّ هذا التكوينَ المحلي لبرنامج يميني متطرفٍ تفرضهُ الأجنداتُ الإيرانيةُ المبحرةُ في محيطٍ عاصف، عبرَ علاقةِ ولاية الفقيه وحكم العسكر المتصاعد.
ومن هنا فهذا التحالفُ يمثلُ عصاباً إجتماعياً سياسياً، أي هو جنونٌ سياسي لا يتعقلن سياسياً، وبالتالي يبقى السؤالُ ماهو الحل؟ ليس ثمة سوى هزيمته السياسية، والهزيمةُ ذاتُ شروطٍ مناطقية عالمية ومحلية متداخلة، أي هي نتاجُ أعمالٍ تجري على صعيد المنطقة وعلى صعيد بلدنا. ثمة أشياء خارجنا لا نستطيع أن نغيرها وثمة أشياء داخلية نستطيعُ أن نؤثرَ فيها.
إن التحولَ الداخلي يتطلبُ صعودَ قوى الحداثة الوطنية وخاصة قوى الطبقة الوسطى والعمال. ودون نمو هاتين القوتين على الصعيد السياسي الاجتماعي لا يمكن أن يتم تفكيك الجنون السياسي، وإرجاعه إلى حيثيثاتٍ إقتصاديةٍ وإجتماعية وفكرية محددة، يمكن درسها وتغييرها.
إن تصدعَ اليسار البحريني هو شيءٌ واضح، ولكنه لم يمت، ولهذا يبقى مهماً في إعادة نموه بشكلٍ جديد يعيدُ وعياً ديمقراطياً في العمال، ولحمةً وطنية وثقافةً حداثية عقلانية، ويغدو مُراقِباً لجنوح التحولات الرأسمالية نحو الأهداف الذاتية المحضة.
إن الطبقة الوسطى يغدو تطورها محورياً، وأساس صعود الديمقراطية المستقبلية المتكاملة، ولكن الاقتصاد الحر مطلوب والهيمنات مرفوضة، فكيف تتشكل الدوافع الداخلية في الطبقة من أجل أن تجعل الاقتصاد الوطني وطنياً بشكل متصاعد؟ إنها ترفضُ القيودَ على إستيراد العمال الأجانب، وكلُ رأسمالي يشتغلُ في نطاقه الخاص، لا يدري باللوحة العامة، أي بالمشكلات والأخطار والظروف المتباينة، فكل ما يهمه هو نمو أرباحه، فكيف سيساهم في العملية الديمقراطية الوطنية المتصاعدة وهي أساس نمو متجره ليكون مصنعاً، وأساس نمو البحرين لتكون مدينة حرة كبرى مستقلة في إتحاد إقتصادي عربي خليجي عالمي؟ إنه فقط مشغول بحسابه اليومي وأرباحه الصغيرة، فلا بد له من كيان سياسي معبر عن هذا التحول لبرجوزاية وطنية خليجية عربية لها سوق عملاق.
أي تطور حديث لا بد له من هذا الجدل بين عمال وطنيين وطبقة وسطى وطنية يتعاونان على مشروع مشترك، يختلفان في بعض الجوانب، لكنهما يتحدان في الحفاظ على الخريطة الوطنية.
إن وجودَ مرضٍ واسعِ الانتشار دليل على غياب الصحة السياسية الاجتماعية، وإذا كان التطرف في المذهبية واليسار شائعاً، فهذا لغيابِ يمين وطني يستثمر بشكل عقلاني، ويسار ديمقراطي يحللُ وينقد ويتجاوز أمراض الطفولة اليسارية.
إن الجمهور الذي يؤيد التطرف هو جمهور ضائع إجتماعياً، وهو من جذورِ فلاحين مُقتَّلعين من تاريخهم الريفي المتماسك، وهو شباب طموح ضعيف الإمكانيات التقنية والفكرية، وهو نساء محرومات في البيوت لا يجدن فرص التفتح والأعمال وغير هذا من فئات تجمع الأحباطُ والجمود وقلة الوعي فيها.
إن كسب هذا الجمهور وتوعية الشباب المتحمس الفاقد للوعي السياسي العميق، يمكن أن تقوم به القوتان السياسيتان الاجتماعيتان السابقتا الذكر، كلٌ في موقعه، حيث تتبلوران على صعيد تنظيم للطبقة الوسطى على طريقة الوفد المصري الليبرالي العلماني الديمقراطي، وعلى صعيد نمو يسار ديمقراطي يعيدُ النظرَ في الشموليات المختلفة التي أُسرَ في أيديولوجياتها، وبهذا يقومان بتفكيك العقد العصابية الاجتماعية السياسية للمرض الطفولي في كل من المدينة والقرية، وهذا يتطلب زمناً سياسياً طويلاً لكن بعض خطواته الآنية ممكنة واتضحت في تصاعد عمل فئات وسطى للاستقلال الفكري السياسي التحديثي والتوحيد وتصعيد الرقابة البرلمانية وفي ديمقراطية النقابات وغير ذلك من مهام، لكن الطريق طويل.
والأمور تغدو أخطر مع التقاعس والجمود فثمة خلايا فاشية قد تنمو من هذا العصاب الاجتماعي وهي تتلاقح عبر الإعصار الإيراني وما فيه من كوارث وحروب على صعيد المنطقة.
الفصــل الخامـس
البناء الفلسفي في أولاد حارتنا
رواية «أولاد حارتنا» هي رواية ذات إشكاليات كبيرة، لكونها تتحدث عن قصص الأديان السماوية في المنطقة، وهي قد جاءت ككتابة في مرحلة الرواية الاجتماعية فعكست مستواها الفكري، وما فيه من تناقضات استطاع الكاتب تجاوزها في أعمال أخرى تالية تناولت الإرثَ الروحي العظيم في المنطقة بدون التجسيد المباشر للانبياء.
⓵
يقدم لنا راوي رواية «أولاد حارتنا» افتتاحية يبررُ فيها الكتاب، فهو مسجلٌ لروايات الرواة، المتداولة في القهوة بهذه الحارة.
فهنا جسمٌ اجتماعي معاصرٌ صغيرٌ ملموس هو الحارة والقهوة والبيتُ الكبيرُ والساكن الذي فيه «الجبلاوي» والأوقاف المترتبة على تاريخ البيت.
«كلما ضاق أحدٌ بحالهِ، أو ناء بظلمٍ أو سؤ معاملة، أشار إلى البيت الكبير على رأس الحارة من ناصيتها المتصلة بالصحراء وقال في حسرة: هذا بيتُ جدنا، جميعنا من صلبه، ونحن مستحقو أوقافه، فلماذا نجوعُ ونضام ؟!»،(1).
نلاحظ هنا إن «الكلية» الوطنية غدت ذات جذور ماضوية، فكلمات مثل «الجميع»، ونحن، هي كلها تستكملُ التعبيرَ عن الضمير الوطني، وإن تجلى ذلك في تاريخ المنطقة العام، ومن هنا فهو يقولُ لاحقاً: «وحارتنا أصل مصر أم الدنيا، عاش فيها وحده وهي خلاء خرب» فتغدو الأنا الوطنية أصلاً للبشرية والوجود كذلك.
إن الراوي منذ البداية يخلقُ هذه الأزدواجية، بين البناء الاجتماعي المعاصر حيث البيت الذي تشكلَّ في الخلاء، وبين المنظومات الدينية السائدة في المنطقة.
إن البناءَ الاجتماعي المعاصر من قهوةٍ وحارةٍ وفتوات وأشياء هو علاقاتٌ اجتماعية موضوعية تعودُ إلى حقبة القرون الوسطى، حيث بعدُ لم تتفككْ بتحولات عصرية، فهي بناءٌ عبودي ــ إقطاعي لم يتحدثْ، وهذا البناءُ يفرضُ أشياءه ومواده الخاصة به. فهو الديكورُ الذي ستمثلُ فيه سيرَ أديانِ المنطقة وقد عُبِّر عنها بطريقة الحكواتي.
في حين أن المقصودَ بالروي ليس هذا البناء الاجتماعي العائد لحقبةٍ معينة، بل الوعي الديني الذي تشكل في هذا المنطقة خلال أكثر من ثلاثة آلاف سنة.
ولكن هذا الوعي الديني لا يُعرض كمقولاتٍ وآراء بل يُعرض كقصصٍ أو حكايات وهي حكايات داخل بناء مصري اجتماعي يعودُ للقرنين الماضيين.
وبهذا فإن الرواي راح يجسدُ المفاهيمَ الدينية الكبرى بأشياءٍ وعلاقات تعودُ لزمن آخر ومكان آخر، فمفهوم الإله الواحد جسده بـ«الجبلاوي»، والسماء التي تحكمُ الأرضَ جسدها بـ«الخلاء».
فالبيتُ الكبيرُ الذي يرمزُ كذلك للسماء، «على رأس الحارة، من ناصيتها المتصلة بالصحراء»، هو تلك السماء الدينية المسيطرة على الأرض الشرقية، المهيمنة على ناصيتها، والتي عبرها تتشكلُ الحقبُ والصراعات وتوزع الثرواتُ وهي التي تشكلت عموماً في الصحراء ففاضت على وادي مصر!
فيقوم الراوي ــ المؤلفُ بالتركيز في المبنى الفكري الديني بجعلهِ متشيئاً في ركائز صغيرةٍ محددةٍ هي: الجبلاوي، والبيت الكبير، والحديقة ــ الجنة، والمجلد الكبير ــ اللوح المحفوظ الخ..
وهو يجسدُ هذه الركائزَ من الإرث وتصويره، لكنه لا يسميها باسمائها الحقيقية المقدسة بل باسماء يخترعها ويحيلها إلى قصصٍ تبدو كأنها لا تمتُ إلى ذلك الأصل، لكنه يقصد أن يعنيها أيضاً عبر ذلك الديكور المحلي الذي اخترعهُ لها والتي أعطته أياه الحاراتُ المصرية في القرن التاسع عشر خاصة!
ومفهومُ الإله الواحد المجسد والمركز هنا هو خلاصة رأي المؤلف في فهم أديان المنطقة وتطورها، فهو إذ يجسد الجبلاوي كشخصيةٍ معبرةٍ عن مفهوم الإله الواحد، لا يهتم باختلافات ومفاهيم الأديان المتعددة، بل هو يستخلصُ ما هو جوهري داخل وعيه الديني، فيتناولُ الخطوطَ العريضةَ في هذه الأديان، وعلاقتها بالأرض، والمعاني الأساسية لظهورها وعلاقاتها بالسكان، لكن ليس في تاريخها الحقيقي بل في تاريخ القرن التاسع عشر المصري وقد صارت تلك الأديان «حكايات» وأمثولات وليست تاريخاً حقيقياً وليست تجسيدات حقيقية بل إشارات وعظات الخ..
وهو يحيلُ بعدئذٍ الأنبياءَ إلى «أولاد حارتنا» باعتبارهم قادة التحول في المنطقة، فيضفي عليهم هذا الدور ويصفهم ب «الأمجاد»، أما مفهوم الإله الواحد فيشخصنه بـ«الجبلاوي».
وهذه الشخصنة للإله هي التي تحير العقول:
«عمّر فوق ما يطمع إنسان أو يتصور حتى ضرب المثل بطول عمره. وأعتزل في بيتهِ لكبرهِ منذ عهد بعيد.. وقصة اعتزاله وكبره مما يحير العقول، ولعل الخيال أو الأغراض قد اشتركت في إنشائها»،(2).
فشخصنة فكرة الإله تقودهُ إلى سلسلة من المتناقضات، إنه يحيلُ الشخص هنا إلى فكرة الإله الواحد، فيضفي إشكاليات أخرى فكرية واجتماعية على هذا المفهوم.
إن التناقض بين فكرة الإله وشخصنتها تضعُ الراوي – المؤلف في تناقضات بلا حل.
«هو صاحب أوقافها وكل قائم فوق أرضها والاحكار المحيطة بها في الخلاء».
إنه يحول فكرة الإله الواحد إلى شخصٍ يتسمُ بالضخامة والصلابة فهو يستخدمُ مصطلح الجبلاوي القادمة من جبل، مما يحيلهُ إلى مفاهيم الإلوهية القديمة، إي مفاهيم إله التجسد والمكان والمحسوس وبهذا يعودُ إلى مفاهيم ما قبل الفلسفة. وحين يتحول مفهومُ الإلهِ إلى المادةِ يعاني المفهومُ من إشكالاتها التحولية ومن حيزها الخ..
لقد عاد إلى مفاهيم ما قبل الفلسفة القديمة، فحولها إلى تجسيدات تماثل التشيؤ القديم وفهم المذاهب «الحشوية» في الفكر الإسلامي التي تضعُ الإلهَ في حيز وبإعتباره جزءً من المادة، ففكرة الإله تغدو شخصاً، والركائز الغيبية من عرش وكتاب محفوظ وجنة ونار تتحول إلى بيت الخلاء والحديقة والكتاب في الغرفة والنزول من السماوات يصيرُ طرداً من البيت الكبير الخ..
وهكذا بدلاً من أن يجردَّ ويكشف سببيات الأديان بمفاهيم راح يجسدها ويصورها كما كانت بالوعي الديني ما قبل الفلسفي وبلغة تمويهية، تحيلُ تاريخَ الأديان الغني إلى حركات في حارة تعودُ لزمنٍ مختلف. فيدخلُ قاموسَ الحارة المصرية بتواريخ الأديان المغاير، لكنه يحاولُ أن يطابقَ بين الأثنين، بين تاريخ الأديان ومسرح الحارة المصرية التاريخي الحديث.
وبطبيعة الحال هناك مشابهات وتداخلات، فجسمُ التطور الاجتماعي التقليدي كما كان يحتضرُ في القرن التاسع عشر، كانت به بعض السمات والمظاهر المشابهة للقديم، فأستل من هذه السمات جسوراً لربطها بتاريخ الأديان.
لكن تجسيده لفكرة الإله عبر شخصنته كـ«فتوة» يتضاد مع اتساعها وتاريخها الغني ومع تطور الحركة الفكرية الحديثة التحويلية، وهذا أيضاً ما يُطرح كذلك على شخوص أبطال الحارة هذه وهم رموز الأنبياء العظام.
⓶
يبدو إن مصادر نجيب محفوظ في التأريخ الفني للأديان تعتمدُ بشكلٍ كبير على العهدين القديم والجديد، فالتوراة حين تجسدُ تاريخَ الدين اليهودي تربطه بفهمها للإله كشخصٍ مجسد، وعالمُ الغيب تحليهُ إلى ما يشبه الحديقة السرمدية الكاملة بالجمال والسعادة، وتــُظهر خلق الإنسان كعملية صنع فخاري، وتــُحيل مفهوم الشيطان كذلك إلى كائنٍ ناري، يتمردُ على الإله الخ..
ولهذا حين يظهرُ الجبلاوي في أولِ مشهدٍ من جزءِ أدهم، يظهرُ بنفسِ التشكيل التوراتي القصصي التجسيدي لمفهوم الإله، فهو شخص داخل حيز:
«ضجت الحديقة بالحياة والغناء على حين ساد الصمت بالبهو. وخيل إلى الأخوة إن فتوة الخلاء قد نسيهم، وهو يبدو بطولهِ وعرضهِ خلقاً فوق الآدميين كأنما من كوكبٍ هبط»،(3).
إن التماثلات بين الجنة التوراتية كحديقةٍ غناء، يحافظُ عليها الساردُ وينقلُ حيثياتها، لكنه ينتقلُ فجأة إلى تعبير «فتوة الخلاء»، فيأخذُ من قاموس الحارة المصرية مفهوم الفتوة كترميزٍ للسلطة الكونية، ويضيفُ إليه تعبيرَ «الخلاء»، وهو تعبيرٌ يراوحُ بين الكونِ والبرية، فالخلاءُ يصلحُ أن يكونَ تعبيراً عن الفضاء، وعن الصحراء معاً، لكن تعبير الفتوة لم يُستخدم إلا لكي يتماشى مع كون الحارة المصرية هي المسرح الذي يجري عليه التمثيل الرمزي لتطور الأديان. وليس للتحقير والتقليل.
ويدعوه التجسيد الذي انساقَ إليه أن يُضخِّم من هذه السلطة الكونية وقد تمظهرتْ كائناً بشرياً:
«وما يقلقهم إلا أنه جبار في البيت كما هو جبارٌ في الخلاء وإنهم حياله لا شيء»، (4).
هكذا يبدأ التناوسُ والتراوحُ والتداخل بين المصدر التوراتي والمصدر الشعبي المصري، فالإلهُ في التوراة يقول للملائكة بأنه سوف يخلقُ كائناً خاصاً، لكن الرواية المصرية تجعلُ الجبلاوي يتحدثُ عن «الوقف».
«أرى من المستحسن أن يقوم غيري بإدارة الوقف»،(5).
والوقف هو تعبيرٌ وعلاقة اجتماعية إسلامية، أي أمر يعودُ إلى التاريخ المصري الإسلامي، فتم إدخالهُ في التاريخ الديني القديم كتعبيرٍ عن الأملاك العامة، وعن مصير الأرض والبشرية عموماً، وهو موتيفٌ قصدَ منه الراوي أن يتجنبَ مسألة الخلق الإلهي لآدم، فقفز إلى قضيةٍ اجتماعية ستكونُ هي القضية المركزية للرواية ككل، وهي مسألة المصالح العامة للجمهور، فأخرجَ الصراعَ من الغيبي إلى الصراع الاجتماعي، كفعله في الرواية عموماً.
ولهذا قفز إلى الصراع بين أدهم وأدريس، بين آدم وأبليس، حين جعل الجبلاوي يقررُ أن أدهم هو من سيقومُ بإدارة الوقف، وبهذا فقد أعطى الإنسان مسألة إدارة مصيره حسب الرواية المحفوظية، وليس الشيطان أدريس الذي سيغدو تجسيداً للشر داخل التاريخ البشري.
وهنا تغدو الأنسنة مغايرة للتاريخ الديني التقليدي، فأدريس الذي يغدو بشرياً متصَّوراً يغدو جزءً من التاريخ البشري وليس من التاريخ الغيبي، فهو يسكرُ ويتشاجرُ بذاته، مع قيامهِ بمهمات أبليس الأخرى مثل التفريق بين الناس وزرع الشر والشكوك وجر أدهم إلى طريق الغواية والضلال. لكن الراوي يتخلصُ منه لأن غيبيته ستكونُ مثقلة على مسار الرواية الاجتماعي، فيموت خالقاً سلالة بشرية شريرة، فكأن الشر يظهر من جهة أخرى ذا أصل غيبي كالخير، ولكن الشر يظهر بصورة نادرة كجانب غيبي، ففي صفحة 403 فقط يتذكر الراوي الأصل الأدريسي أو الأبليسي للشر: «يا سلالة الخيانة ويا لصوص البشر. منذ أطلق ادريس ضحكته الباردة وانتم تتوارثون الجريمة وتغرقون الحارة في بحر الظلمات».
إن اعتبار الخير أو الشر من مصدر غيبي يتبدى كذلك في هشاشة علاقة الوعي أو العواطف بالبناء الاجتماعي، الذي يتكون بلا قوانين أو سببات مستقلة.
ويخلق محفوظ تضادات بين أدهم وأدريس بتشكيلات بشرية اجتماعية بدلاً من التضادات العنصرية، كعنصري النار والطين، بذكر إن أدهم جاءَ من أم سوداء عادية، بخلاف أم أدريس البيضاء، وهو استغلال موتيفات اجتماعية حديثة بدلاً من موتيفات القدامى ذات المصدر التقني.
ثم تجري الرواية المحفوظية على غرار الرواية التوراتية، فأدهم يعيشُ حراً سعيداً في الجنة، فتظهرُ زوجته المقبلة ويحاولُ الراوي عقدَ صلة بين الرواية التوراتية وبين روايته حول هذه المرأة الزوجة:
«بدا الظل الجديد كأنما يخرجُ من موضع ضلوعه. والتفت فرأى فتاة سمراء.. »،(6).
أن بقية «الأخوة» يبقون بغير ذرية في حين أن أدهم هو الخالق للذرية مع أدريس، وذلك لأن الأخوة مصابون بالعقم!
هكذا يقومُ الراوي بمتابعة الرواية التوراتية حرفياً في مواضع عامة مجسداً إياها على ذلك المسرح، ويختلفُ معها حين تتقاطعُ مع روايته، لكنه لا يستطيع الضبط الكامل بين الرواية التوراتية وبين الرواية الترميزية الخاصة التي يخلقها.
فأدهم يقومُ بالعمل حتى وهو في الجنة مسئولاً عن الوقف وهو جانبٌ يعبرُ عن اختلاف كبير بينه وبين الرواية الأصلية، فآدم فيها لم يكن يعملُ فجاء العملُ بعد نفيه من الجنة، فهو ضريبة لعنة، جاءت بعد الأكل من الشجرة المحرمة، في حين أن العملَ في رواية محفوظ كان قبل وبعد الطرد، لأن البيت الكبير الذي زعم إنه يمثل السماء، لم يستطع أن يكون كذلك، فهو ذو علاقة بالأرض لأنه جزءٌ من الأرض وجزءٌ من العمل، فراح المؤلفُ يقطعُ علاقته الضرورية والحتمية بما حوله وبجذوره، لكي يلائم ذلك الرمز.
من هنا يغدو الخروج من البيت الكبير غير السقوط من الجنة حسب الرواية التوارتية، فالخروج من البيت الكبير هو خروج من عمل سهل وإداري إلى عمل يدوي، ومن منزل مرفه إلى الخلاء، فلا يغدو كالسقوط المصَّور دينياً.
كذلك فإن خروجَ أدهم ليس كسقوط آدم، حيث يخرج أدهم والوجود البشري كثيف حوله، فلا يغدو هو أبو البشر، كما أن الأرض المسكونة العامرة تجعلُ من وجوده المقطوع بلا دلالات المعاناة الابتدائية المصَّورة عبر التوراة. فكان بإمكانهِ أن يستعينَ بما هو موجودٌ من منازل وأشياء وسلعٍ، في حين كانت الأرضُ مجردة خالية أمام آدم. فلا تغدو معاناة أدهم التي يصورها محفوظ بعد ذلك مُبرَّرة فنياً، فهنا تعجزُ الرواية المحفوظية عن مجاراة الأصل، لكونها قامت بنسخٍ فوتغرافي للأصل، قاطعة بعض الجوانب، واضعة إياها على خلفية ليست من صلبها.
فأميمة تستخدمُ الداية أثناء الولادة، وأدهم يستخدم عربة لكي يعمل، ويتعامل مع سوق جاهزة عامرة بالسلع، وهو أمرٌ يعبر عن تاريخ بشري طويل ومثقل بالانجازات الحضارية، لكن الرواية الأصلية ترفضُ وجودَ إنجازات سابقة، وتجعل أدم وحواء يواجهان الطبيعة البكر، فليس ثمة حديد ولا عربات ولا أسواق، ومن هنا تغدو معاناتهما مبرَّرة، أما معاناة بطلي محفوظ فغير مبررة.
إن نقل محفوظ الحكاية من عصر إلى عصر، هو نقلٌ لا تاريخي، أي هو أدلجة فنية.
هذا ما يجري لقصة قدري وهمام «قابيل وهابيل» فهما يظهران بسرعةٍ بعد الخروج من البيت الكبير، ويظهران بتكوينين متضادين، دون وجود أي جذور لهما، سوى نفسيات متبلورة على الخير أو الشر، مع أدهم أو مع أبليس، وهذا تكوين غير جدلي سيكون من أساسيات منهجه.
لكنه باختزاله وسرده الممتع يدخل جوانب حسية مشهدية وحوارات درامية مصعدة للأحداث.
وكما قلنا فعدم تبلور وغنى قابيل وهابيل المحفوظيين، تعود إلى كونهما تخطيطات مجردة كصدى للأصل، في حين كانت شخصيتا قابيل وهابيل تعبران عن الصراع العميق والواسع بين الرعاة والمزارعين، فليسا هما مجرد شخصين.
⓷
إن نجيب محفوظ في تصويره للشخصيات والأحداث التاريخية يعتمد على ما يراه في الحارة المصرية، فيضفي هذا التصوير الذي يعيشه أجواءَ حية على القصة الدينية لكنه يسلبها أجواءها القديمة الحقيقية.
«وكان طابع حارتنا ــ كحالها اليوم ــ الزحام والضجيج. الأطفالُ الحفاة أشباه العرايا يلعبون في كل ركن، ويملأون الجو بصراخهم والأرض بقاذوراتهم. وتكتظ مداخل البيوت بالنساء، هذه تخرط الملوخية، وتلك تقشر البصل..».
إن هذه الحيوية المستمدة من المشاهد اليومية للحارة، تعقبها عملياتُ تغلغلٍ في الحدث ــ البؤرة، وإضفاء لغة سردية دقيقة وسريعة وجميلة داخل هذه التغلغلات في الحدث ــ البؤرة، مع جعل المشهديات محسوسة بربطها بالزمان والمكان.
«ولم تفلح زفرات الخريف الرطيبة في تلطيف هذا الجو المشحون بالنوايا الدموية فهتف زقلط…»،(7).
وإذا كان لم يوجدْ جسمٌ للحارة في زمن أدهم فإن هذا الجسمَ تواجد الآن مع القسم المعنون بـ«جبل»، وهكذا فقد كانت البشرية موجودة في خلفية مسرح أدهم، رغم أن أسرة أدهم هي البشرية الحقيقية حسب الرواية، والآن تصبح الحارة هي الممثلة للمنطقة العربية فعلاً وتغدو الحارة كذلك هي نسل أدهم وهو أمر متضاد.
وهذه العملية التخطيطية الترميزية تتوالى الآن بخطوط مقاربة للأصل التوراتي، وهو ما يمثل من جهة أخرى تضاداً مع تاريخ الحارة المصرية الموغلة في القدم والتي هي أعطت اليهودَ تاريخـَهم الديني بشكل أولي واساسي.
فقد صار «اليهود» هم أول من بدأ التاريخ الديني حسب رواية «أولاد حارتنا»،(8) ويتم ذلك في المسرح الديكوري للحارة، وقد صارت فيها قهوات وأحياء، معبرة عن شعوب وقبائل بشكل اختزالي وامض. فحي «آل حمدان» يرمز لليهود العائشين في مصر، ولكنهم يظهرون بشكلٍ مطلق، وكتاريخ للوعي المشخصن في الزعيم والنبي موسى الذي يظهر باسم «جبل». ولعل الاسم ناتج من علاقة النبي موسى بالجبل السيناوي الذي دار حوله سفر الخروج.
إن البشرية أصبح لها تاريخ سابق، والحارة هي هذا التاريخ وهي كذلك تاريخ المنطقة العربية عامة والمصرية خاصة، ولكن الطابع الاختزالي يحيلُ التاريخَ إلى وقف وفتوات وعامة وتقلب للزمن والأحوال.
فكيف ظهرت الانقسامات الاجتماعية وغدا هناك صراع؟
«ولما اغلق الأب بابه واعتزل الدنيا احتذى الناظر مثاله الطيب حيناً، ثم لعب الطمع بقلبه فنزع إلى الأستئثار بالريع. بدأ بالمغالطة في الحساب والتقتير في الأرزاق ثم قبض يده قبضاً مطمئناً إلى حماية فتوة الحارة الذي اشتراه»،(9).
عبر تعبير «الوقف» يغيبُ الإنتاجُ، فالوقفُ رمزٌ للأملاك الموقوفة لعمل الخير، لكنه لا يظهر مصدره وتاريخه، بل يبدو كثروةٍ مقطوعةٍ عن جذورها، وكشيء مُعطى مسبقاً. من هنا فهذا التعبير المتجوهر خارج عن صراعات التشكيلات الاقتصادية، وبالتالي لا تظهرُ قوى اجتماعية متصارعة حسب تطور الإنتاج، لكن يظهر التاريخُ كصراعٍ بين الكل الاجتماعي وبين «الناظر» و«الفتوات» وهم أجسام اجتماعية هشة وبلا جذور.
يغدو الناظر والفتوات الجسم الاجتماعي الأعلى، المستغل للوقف، وتظهر عملية النزاع حين تتغير رغبات الناظر، وهذا أمرٌ سنجدهُ يتكررُ ليس مع جبل بل مع رفاعة الذي يرمز لزمن المسيح عليه السلام، وقاسم الذي يرمز للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فالاسماءُ تتغير ويتبدل النظارُ ولكن علاقة استغلال الوقف هي الباقية، ويتبدل الفتوات ولكن الفتونة تبقى مستمرة، ومقطوعة حين يثور أهلُ الحي المظلوم، فيحصلون على شيءٍ من الوقف، لينهض بعد ذلك حيٌ آخر لم يعط شيئاً من الوقف.
وهذا يتفق مع شيءٍ موضوعي من تاريخ المشرق هو سيطرةُ الدولِ على الثروة، فتقطعُ سيطرتــَها الثورةُ، لكن الثورة تأتي بدولٍ أخرى توزعُ الأموالَ العامة بشكلٍ جيد حيناً ثم تظهرُ طبقة تسيطر على الدول أداة الإنتاج الرئيسية وتوزعها عليها.
لكن الحكي في الرواية يحيلُ الطبقة المسيطرة إلى مجموعة أفراد فوقية بدون جذور، ولهذا فهي سرعان ما يــُـقضى عليها، لأنها أقرب أن تكونَ إدارةً بلا انغراس في الحارة.
ولكن هذا التمثلَ للتاريخ هو تمثلٌ اختزالي تجريدي أكثر منه تمثلاً واقعياً موضوعياً، فعلائقُ القبائل اليهودية المهاجرة إلى مصر ثم ذهابها إلى فلسطين وطرد أهلها، عملية أكثر تعقيداً من حركة شخص اسمه جبل وهروبه بسبب قتله لأحد أفراد الفتوة وتعلمه فنون السحر وكيفية إخراج الثعابين ثم عودته إلى الحارة وصراعه مع ناظر الوقف وعصابته وانتصاره بهجوم الأهالي بالطوب والعصي.
إن هذا الاختزال يضفرهُ محفوظ بلوحات شيقة وتحولات درامية في الشخوص محاولاً التقارب مع الأصل، لكن القبائل اليهودية لم تكن ذات جذر في الحارة المصرية، وبقاؤها في الحارة نفسها، يشيرُ إلى أن الحارة لم تعد هي مصر كما قال لنا الراوي في البداية، بل هي ترميزٌ لتطور الوعي الديني.
إن هذه الاختزالات والتناقضات تشير إلى فقر المنهج الفني التجريدي الاختزالي في كشف الحالة الواقعية المركبة، ومن هنا كذلك حين يتحول المسيح عليه السلام إلى حاوٍ آخر يخرج العفاريت من الأجساد، بهدف ملء الأرواح بالقيم الإيجابية، فتصبح المسألة شبه كاريكاتيرية.
إن مستوى قراءة محفوظ للأديان في تلك الفترة الخمسينية أو الستينية تنعكسُ على كيفية نظرهِ إلى الأنبياء، فنجد إن رفاعة تنعكس عليه رؤية إسلامية ــ كاثولكية فهو بلا ولادة عجائبية بل نتاج طبيعي لأبيه النجار وله سيرة إنسانية طبيعية بلا خوارق، لكنه من جهة أخرى بعيد عن الممارسة الجنسية الطبيعية، فيظهر بشكل زهدي منقطع كلياً عن الطبيعة.
وحتى معجزاته تتحول إلى عمل اجتماعي معرفي فهو يقوم بإخراج العفاريت من الأرواح، لكن باعتبار العفاريت قوى عصبية مرضية وعادات اجتماعية متكلسة، فهنا يضفي محفوظ على رفاعة وكل الأنبياء في الحقيقة طابعاً فكرياً اجتماعياً موضوعياً، فهم بالحقيقة بدون خوارق، وحتى الجانب الخارق الرمزي المتمثل بالعلاقة بالبيت الكبير الرامز للسماء، يغدو اجتماعياً، لكون البيت جزء من الأرض كما يبدو من مسار الرواية والأحداث، فلم يستطع أن يخلق منه قيمة غيبية ماورائية، ولهذا حين يأتي عرفة بعد ذلك ممثلاً للعلم الذي يكتسحُ هذا البناء الغيبي المفترض، يغدو ذلك متناقضاً، لأن البناء الذي صوره محفوظ كان بناءاً غير غيبي، فمالداعي للثورة عليه من قبل عرفة ــ العلم؟
هنا نجد أنفسنا أمام البناء الاجتماعي المصَّور بشكل اجتماعي عادي بدون خوارق، فهي أحياء تطالب بالوقف المستولى عليه من قبل الناظر والفتوات، وتغدو الرواية فصولاً لشخصيات متعددة تطالب وتحقق هذه العملية، بصور إنسانية اجتماعية واضحة وغير غيبية، إلا من علاقات وامضة بالجبلاوي، فتغدو الرواية تقارير عن الاجتماعي السطحي والمحدود، وليس غوصاً في هذه البنى الدينية المعقدة والمركبة، فهي أرشيف حكائي مُبسّط للدوران حول الاجتماعي ذاك.
كما أن الاجتماعي السطحي هذا مكرر بشكل مستمر، فالشخصيات المحورية تتكرر عملياتها السياسية التحولية، مع تباين أدوات بسيطة، فجبل يعتمد على القوة ورفاعة يعتمد على الحب، وقاسم يعتمد على القوة، وداخل أجسام هذه القصص هناك لمسات شخصية متنوعة مستقاة من تاريخ الأنبياء، وهذه اللمسات جوهرية غالباً من حياتهم الشخصية الحقيقية.
لكن ضخامة هذه المادة وتكرارها وتوجهها نحو الاجتماعي المحدود والمغامرات العسكرية حيث معارك الفتوات، لم يجعل منها تاريخاً للأديان في المنطقة كما أراد المؤلف، فهي تغيب عن جوهر هذه العمليات الفكرية الكبرى، عن كونها ثورات روحية وفكرية، فتغدو تسطيحاً لها.
والتسطيح يبدو كذلك من جانب تصوير هذه الرموز المقدسة فوق مسرح ذي ديكورات مبتذلة للحارة المصرية، حيث غرز الحشاشين والأغاني والنكات الخ.. وهذه جوانب كلها غيبت الطابع الفكري العميق للرواية، وحولتها إلى ما يشبه الفيلم الميلودرامي المطول.
إن المؤلف يشير إلى تباين مستويات التطور بكلمات مبسطة كأن يصف العرب بما أطلق عليهم بأنهم حي «الجرابيع» وهو اصطلاح لتحديد البداوة، لكن هذا الاصطلاح لم يستطع أن ينفذ إلى الدين ويكشف دوره فيه.
وهكذا فإن هذه التبسيطية الروائية التجريدية سوف تعطينا لوحة كاريكاتيرية عن الأديان وليس الأديان نفسها.
⓸
يمثل عرفة حسب تلك التخطيطية الروائية مسألة العلم والمعرفة، وهو يأتي إلى الحارة متجهاً إلى حي رفاعة، الذي يعبر حسب رموز الرواية عن العالم المسيحي الغربي، رغم إنه في المشرق العربي!
«فاشارت المرأة إلى ربع في حي رفاعة وقالت ــ هناك بدروم، خلا مذ ماتت ساكنته حرقاً يرحمها الله! »، (10).
إن سكن عرفة في الحي المسيحي المرمز يدل على أن الراوي يدرك كون الثورة العلمية والصناعية تمت في أوربا، ثم يجسدُ عرفة وأخاه حنش بشكل تخطيطي كالسابق، فهو له علاقة بالتجريب والاكتشاف الصناعي ويسميه السحر، وبدأ يمارسُ أعماله هذه المركزة على صنعِ قنابل زجاجية، فتغدو بمثابةَ نفيٍّ للعصي التي يستخدمها الفتوات، فيتركز التحديث والانقلاب الصناعي في مسألة القوة العسكرية، وهكذا فإن العملية الاختزالية تتواصل في رمزية عرفة.
وهو يساير خطوات الأنبياء برفض الفقر وتحكم الناظر والفتوات ويريد الازدهار والغنى للناس، لكنه انتهازيٌ وتقنيٌ منسلخٌ عن الإرث الديني، فهو يقول عن أهالي الحارة الجبلاوية:
«كل واحد يفاخر برجله بغباء وعمى، يفاخرون برجال لم يبق منهم إلا أسماؤهم، ولا يحاولون قط أن يجاوزوا الفخر الكاذب بخطوة واحدة! أولاد كلب جبناء.»،(11).
إن وعي عرفة ولغته التعبيرية توضح إن هذا العلم التقني ليس هو طريقة وعي علمي، فتغدو الأديان كما صورها الراوي ــ المؤلف، تخطيطات اجتماعية غير ذات جذور عميقة في الوعي والسلوك والاقتصاد، فهي ليست بنية لديه، وهكذا عبر عدة زجاجات حارقة تستبدلُ النبوتَ، ويمكن إقامة تحول وأزدهار، وهي لغة تتماشى مع وعي سلامة موسى بإمكانية إزالة الأديان عبر العلم والتقنية.
بطبيعة هذا الوعي الفني لا يمكن تشكيل بنية معمقة، فـتــُستعاد البنية السابقة بطرقها الترميزية التجريدية وذلك بتشكيل المرأة كرمز للأرض، فعرفة يحب عواطف التي يقتلُ أحدُ الفتوات أباها، وهي تقبلُ بالزواج من عرفة ثم تعارضه حين يكون مجرد أداة في آلة الناظر الاستغلالي، وحين يخونها ويخون مثله.
كما تــُستعاد أيضاً صراعات الفتوات كرمز لصراع الأديان، وترتفع ممارسة عرفة التقنية بحيث يتمكن من صنع زجاجات كثيرة مدمرة، ولكن هذه التقنية تقع تحكم الناظر الذي يرمز هنا لتحكم الدول الغربية في العلم وتوظيفه لاستغلالها وهيمنتها، فتحول من رمز للإقطاع للرأسمالية!
ويتم انتقال عرفة للعيش قرب منزل الناظر، وتتم إبادة الفتوات ويتم أسر العلم، ويعيش عرفة التناقض بين انتمائه للناس وبين السيطرة عليه من قبل الناظر، فيخون الأخير ويعود للجمهور لكنه يــُـقتل ويذوبُ حنش أخوه في هذا الجمهور وعداً وأملاً بأن العلم سوف يتجاوز الأديان ويعود منتصراً ملغياً التخلف والظلم.
«المهم إن الناس عرفوا الرجل، وما كان ينشدهُ من وراء سحره للحارة من حياة عجيبة كالأحلام الساحرة. ووقعت الحقيقة من انفسهم موقع العجب فاكبروا ذكراه ورفعوا اسمه حتى فوق جبل ورفاعة وقاسم»،(12).
بطبيعة الحال إن هذا الرفع لم يتم بل أن الأديان استعادت نفوذها بشكل أكبر في المشرق خاصة، وهذا الحلم التفاؤلي مرتبط بالنزعة العلمية التقنية التي كانت مدرسة سلامة موسى ولويس عوض تعتقد بانتصارها الوشيك، لكن محفوظ حاول أن يخلق وحدة بين الأديان والمدرسة العلمية التقنية تلك، والتي كانت ضعيفة في دراسة الــُبنى الاجتاعية العربية الإسلامية.
لقد تجاوز محفوظ تلك المدرسة بمحاولةِ تغلغلهِ في الإرثِ الديني وإقامة صلة معه، لكن من خلال منهج عدم التغلغل في جذور الأديان، ومن خلال رؤية تضاد شبه مطلق بين الأديان والعلم، وليس بإقامة صلة بين الوعي الديني الديمقراطي والوعي العلمي الديمقراطي، فهما وجهان لعملة واحدة، بشكلٍ تاريخي نسبي.
أما الوعي الديني الدكتاتوري والوعي العلمي الدكتاتوري فكل منهما يمثل إجتثاثاً للآخر بدون إمكانية لتحقيق الاجتثاث، لكن في بداية النهضة العربية الحديثة كان الوعي النخبوي العلموي يعيشُ على تلك التناقضات المطلقة بدون وعي جدلي يتعمقُ البنى والتداخلات بينها.
ولهذا فرواية «أولاد حارتنا» تمثل هذه العلموية التي تشربت روحاً ديمقراطية شعبية، فكشفت طبيعة الأديان كثورات، بعملية تحليلية فنية اختزالية، كما قرأت ثورة العلوم بذات الطريقة، وكان إنتاج هذه الرؤية داخل مبنى الرواية يمثل إشكالية بتجسيد الرموز المقدسة في مثل هذا الأطار، لكن كانت تلك خطوة على طريق نجيب محفوظ الطويل في تحليل الواقع فنياً وعبر التجريب والبحث المشروعين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش الفصل الخامس
(1): رواية أولاد حارتنا، دار الآداب ، ط 9، ص 5.
(2)المصدر السابق، 5.
(3) المصدر السابق ص 11.
(4): المصدر السابق، ص 11.
(5): المصدر السابق ص 12.
(6): المصدر السابق، ص 115.
(7) المصدر السابق، ص 144.
(8): (هذا التأريخ التوراتي عن الألوهية سوف يستبدله محفوظ بعرض آخر في رواية (العائش في الحقيقة) التي سوف تصدر بعد عقدين من السنوات.
(9) أولا حارتنا، ص 116 – 117.
(10): المصدر السابق، ص 451.
(11): المصدر السابق، ص 457.
(12): المصدر السابق، ص 552.
حوارات عبـــــــدالله خلــــــــيفة في كتابه الملعون الصادر بعد وفاته (الملعون سيرة وحـــوارات وما كتب عنه، 2016.)
أدب السجون
• كيف تحصلون على أدوات الكتابة . .
ــ كانت عملية الحصول على أدوات الكتابة في غاية الصعوبة خاصة فيما يتعلق بالأقلام، فالأقلام نادرة وشحيحة جداً، في حين أن الأوراق أكثر سهولة، فهي تظهر من علب صابون (التايد) لكن المسحوق الإيراني في ذلك الوقت(درايا) ، منذ اواسط السبعينيات حتى بداية الثمانينيات ، كان الأكثر كرماً في تحول أغلفته إلى الورق، فحين تنقع هذه الأغلفة بالماء ثم تجففها تتحول أجزائها الداخلية المتعددة إلى دفتر كامل من الممكن أن تكتب عليه قصة قصيرة كاملة!
لكن مسألة الأقلام كانت عويصة وظلت تعرقل عملنا الكتابي، ومن الممكن التغلب عليها بمساعدة شرطي أو سجين، وقد قمتُ في سجن (جدا) بتعليم بعض السجناء القراءة والكتابة، فكان أجري هو الحصول على بعض هذه الأقلام التي تتحول إلى كنزٍ ثمين، فأنت تخبئها في علب معجون الحلاقة أو علب الصابون الناعم، وقد يتحول قلم الرصاص إلى طول أصبع، فتضعه في غصن شجرة، وحينئذٍ بإمكانك أن تكتب به!
لكن مشكلة الأقلام ظلت على مدى أعوام السجن مرهقة للجماعة وكأنها قضية وطنية كبيرة، حتى قمنا بحل بعض إشكالياتها في سجن (سافرة) حيث كنا نبدل أقلام الناشف التي تعطينا إياها إدارة سجن سافرة الممتلئة حتى نهاياتها بأقلام ناشف أخرى، تكاد أن تكون فارغة من الحبر، فيأتي العريفُ الأردنيُ صارخاً (أين الكلمات) ويلفظها بطريقة لهجته التي تـُضخم الكاف، فهو لا يقصد الكلمات بل القلمات!
ولم تنفرج أزمة القلمات حتى خرجنا واستعملنا الآلات الطابعة ثم الكمبيوتر لكن ظل قلم الرصاص هو الأثير، وصارت عقدة فكلما رأيتُ قلم رصاص سرقته، حتى راحت تتجمع لدي بشكل هائل دون أن أكتب بها!
• هل هناك بعض الممنوعات . . .
ــ الحياة في السجن كلها ممنوعات ، فلا أحدٌ يسمح لك بالكتابة ، التي هي نشاط غير قانوني ، لأنهم عزلوك لكي يمنعوك من الكتابة والتأثير الفكري والسياسي، فلا بد وقتذاك أن تتحايل على هذه القيود ، فتكتب وراء الجدران وبعيداً عن عيون الحراس، وتخبئ ما تكتبه تحت الفراش ، أو بين اللعب ، أو في أمكنة أكثر غورا ، وأن تجعل الأوراق أقل حجماً بشكل مستمر ، وأن تخبئها بين ثيابك في لحظات المداهمة وأن تحتفظ بنسخ ، وأن تستغل الرسائل الموجهة للأهل لكي تنسخ هذه الأعمال وترسلها للخارج تحت عيون الرقيب نفسه .
• ما انواع الكتابة . .
ــ كنت دائماً ولا أزال القصة القصيرة ، والرواية ، والمقالات ، والبحوث، منذ أن كنتُ طالباً في المرحلة الثانوية وفي معهد المعلمين ، وفي السجن واصلتُ نفسَ الأنواع الأدبية والفكرية ، لكن أصبح لظروف السجن تأثيرها من حيث صعوبة الكتابة ، وصعوبة كتابة البحوث خاصة ، ولكن انفتح مجال القصة القصيرة أكثر ، لأن نفس السجن نفـَسٌ سريع ، متوتر ، وهو كذلك مطول ، لأنه يتيح لك (التنقيح) عشرات المرات ، فليس أمامك جريدة تسرع بإعطائها قصصك ، وأمامك كذلك وقت طويل منذ أن تشرب الشاي الأحمر الكريه حتى تأكل وجبة المساء التي تأتي في العصر ، ولهذا فإن خيال الكتابة يتطور ، وتدخل معهد التشكيل المعمق للنص !
• هل يمكن للسجين أن يكتب عما يدور في الخارج .. .
ــ الكتابة حرة في السجن أكثر من خارجه ، لأنك تستطيع أن تكتبَ ما تشاء فأنت محبوس أصلاً وغير معرض للعقوبة رغم أنني عوقبت عن الكتابة داخل السجن. ولكن عموماً أنت في الكتابة عموماً تلغي الجدران ، والحواجز وتكتب بحرية ، لأنك تكتب من أجل أن تغير ، لكن حياة السجن الداخلية تعطيك مادة خصبة ، فأنت تقابل مجرمين عتاة ، فهذا قتل ولداً وذاك سرق خزنة وهرب بها ، وثالث اغتصب وقتل من أغتصبه ، وتجد هؤلاء يعيشون بهدوء ويأكلون ويمتمعون بالحياة ، وكأنهم قتلوا عصافير أو قططاً ، وكذلك تجد أن المعتقلين السياسيين بشخوصهم ونماذجهم الكثيرة يعطونك مادة للكتابة ويجعلونك تحلل الواقع بدرجة أكثر عمقاً مما كنت ترى سابقاً.
• ماذا أضافت تجربة السجن إلى تجربتكم ….
ــ تجربة السجن مريرة ، انقطاع عن الأهل والناس ، وعن الحرية ، وعن النشاط ، وعن الأكل اللذيذ ، وعن النساء ، فهي أما أن تصلبك أكثر أو تحطمك ، وقد استفدت من كل تجربة مريرة ، وبدلاً من أن أضيع وقتي ، كنتُ أتعلم أي شيء ممكن ، أقرأ أي كتاب موجود ، أي ورقة عن الأدوية أو السحر أو العلوم أو الدين ، استمع للقصص والدروس والتجارب ، أتعلم من أصدقائي وأعلم ، أكتب بشكل مستمر ، تجارب كثيرة كتبتها ، وضاع الكثيرمنها ، لكنها صقلت قدراتي في هذا المجال .
• عندما تكتبون هل كان لأحبابكم . . . .
ــ بطبيعة الحال فأنت جزءٌ من أهلك ، وكانت أمي قد ماتت في الشهور الأولى من سجني ، وكتبت قصصاً عديدة عنها ، وكذلك أهلي ، وحيِّ ، حيث استلهمت حكايات منطقتنا (القضيبية والحورة ورأس رمان ) وظهرت في روايات عدة : أغنية الماء والنار ، والضباب ، والينابيع الخ.. وتأخذ العلاقات الأسرية مكانة والعلاقة العاطفية مكانة ، فالمرأة لها من وجودك في السجن نصيب ، وكانت لي علاقة عاطفية بامرأة ، ويحدث مزيح مركب بين كل ذلك، فالكتابة ليست تسجيلاً بل إعادة تركيب لعناصر كثيرة .
• هل للعلاقة الجنسية . . .
ــ ليس هناك أخطر من الجنس بعد السياسة ، فالحنين للمرأة يأخذ من وقتك الكثير ، وتتشوه بدون العلاقة الصحية بالمرأة ، وتصبح حياتك الجنسية غير سليمة حتى يكتب لك الله الفرج من الظلم والكبت والوحدة الشقية ومعاركة الفراش في الليل ، حتى تصيبك هلوسة جنسية ، وتزداد أحلامك البيضاء ، ولعلها رحمة حتى تفرغ شحناتك حينما يستمر السجن سنوات كثيرة !
كتبت أعمالي الأولي داخل السجن السياسي
ــ أمنية طلعت
ــ الأهرام العربي
عبدالله خليفة واحد من المبدعين المميزين في مملكة البحرين, فهو يكتب القصة والرواية, إضافة إلي الدراسات النقدية الأدبية والمقال الصحفي,له العديد من الأعمال المميزة التي يسهم بها في إثراء الحركة الأدبية بالبحرين وإنضاجها حتي تتحول البحرين إلي منتج أدبي حقيقي ومميز في المنطقة العربية سواء هي أم منطقة الخليج بشكل عام…..وعبدالله خليفة واحد من مثقفي البحرين المناضلين من أجل وضع أسس الديمقراطية وإعلان دستور وطني هناك, وذاق مرارة السجن السياسي عقب إلغاء المجلس الوطني البحريني في منتصف سبعينيات القرن الماضي.
وفي واحدة من زياراته المتعددة إلي دبي جلست إليه في محاولة للاقتراب منه والتحدث معه حول أعماله وإسهاماته الأدبية ورؤيته النقدية لإبداع الخليج, سألته في البداية عن سبب ندرة الأسماء الخليجية المنتشرة عربيا في مجال القصة والرواية مما يؤدي بطبيعة الحال إلي قلة الأعمال الخليجية فقال:
ــ الحقيقة أن الرواية في الجزيرة العربية والخليج عمرها قصير نسبيا ولا يتعدي الثلاثة عقود وهذه فترة غير كافية كي تنضج وتنتشر, فمثلا خلال القرن العشرين لم تنتج الجزيرة العربية والخليج أكثر من خمسين رواية والسعودية مثلا وهي بلد ضخم وكبير جدا لم تنتج منذ منتصف القرن الماضي سوي روايتين علي الأكثر, لكن بعد منتصف القرن العشرين ومع الثورة والتطور الاجتماعي والثقافي بدأت الأجيال الجديدة تنتقل من القصة القصيرة إلي الرواية لأنه حتي في البدايات الأولي معظم الأعمال الأدبية كانت متجهة نحو القصة القصيرة لأن الرواية تحتاج إلي تراكم القصة القصيرة ذاتها فنيا وإلي اكتشاف الواقع بشكل عميق وإلي التطور الشكلي ونموه وهذا لا يجري إلا من خلال الاحتكاك العميق بالرواية العربية والعالمية وهذا ما جعله يتطلب فترة زمنية طويلة.
• طبعا أنت لا تحسب عبدالرحمن منيف ضمن ما ذكرت؟
ــ عبدالرحمن منيف انتقل من الجزيرة العربية ليعيش في المناطق الشمالية بسوريا والعراق وهذه أماكن ذات ثروة ثقافية عميقة وقديمة ولاحظي أنه حتي في تطور الإسلام والثقافة العربية القديمة ظهر الإسلام في شبه الجزيرة العربية لكنه لم يتجذر فيها أو يكون مؤسساته الثقافية والحضارية وإنما انتقل إلي الشمال في العراق وسوريا والمشرق في مصر وهذه المناطق هي التي كونت الثروة المعرفية والثقافية بينما عادت الجزيرة إلي حياتها الصحراوية, هذه الحياة وقلة المدن وتباعدها وعدم وجود تطور اقتصادي عميق في تلك السنوات ما كان ليؤدي إلي تطور ثقافي كبير جدا في العصر الحديث, بدأ هذا التطور نتيجة للنمو الاقتصادي الجديد بسبب ظهور النفط, عبدالرحمن منيف تواجد في المناطق العربية الأخري واستطاع أن يتغلغل في بيئتها الثقافية والفنية وأن يكون جزءا منها, والملاحظ على كتابة منيف عن التكوينات الخليجية الجزيرية على أنها نظرة من الخارج مثل مدن الملح التي يكتبها كموجود في سوريا أو العراق ويكتب معتمدا علي مذكرات الإنجليز وغيرها إضافة إلي ذكرياته هو نفسه في المنطقة والتي لم تمتد طويلا, وهناك أمر مهم أيضا أحب أن أشير إليه أنه لو كان يعيش في الداخل ما استطاع أن يكتب رواية بهذا الشكل لأنها موجهة بشكل أساسي للأسرة الحاكمة.
• هل تريد أن تقول إن منطقة الخليج تربة غير صالحة للشكل الروائي الإبداعي؟
ــ لا ولكن نظرا لأنها لم تكن متجذرة في التربة الثقافية ليس لها تاريخ كبير مثل البلاد العربية الأخرى وإن كان النفط والنمو الاقتصادي أدي إلي تسارع نموها وإن كان ذلك قد أدي إلي ظهور سلبيات مثل سهولة تسمية أي نثر رواية وطباعتها لتوفر المال, كذلك استغل الكثيرون قدراتهم المادية للترويج لأسمائهم في الوطن العربي في حين لم يتمكن آخرون ممن لا يمتلكون المال, لتبقي المواهب الحقيقية مدفونة في الداخل لتحفر بهدوء, وخاصة أن المنطقة لم تكن كلها معرضة للثراء, فهناك أجزاء شديدة الفقر وهناك العديد من الكتاب الحقيقيين زج بهم في السجون مثلما حدث لدينا في البحرين حيث لدينا تجربة مريرة في الحياة السياسية وأغلب النتاج الشعري والقصصي البحريني مكتوب داخل السجون فكيف يروج نفسه كي ينتشر.
• وهل كتب عبدالله خليفة أدبه في السجون أيضا ؟
ــ بالطبع كتبت جزءا منه وليس كله في السجن, فلدي شهادة روائية كتبتها داخل السجن حيث مررنا في البحرين بصراعات سياسية حادة منذ السبعينات وكان لدينا مجلس وطني ونقابات ومحاولة جادة للإصلاح السياسي لكن الحكومة قامت بحل المجلس الوطني عام 1975 واعتقل على إثر ذلك الكثير من الكتاب والمناضلين وكنت أنا واحدا منهم حيث ظللت بالسجن حتي الثمانينيات, لكن ما أحب أن أؤكد عليه أن وجودي في السجن لم يكن شرطا لخروج إبداعي بشكل جيد, فالمكان ليس له علاقة بجودة وشكل الإبداع وإنما المهم أن يكتب الأدب بلغة فنية تراعي المعمار الروائي أو القصصي وكون الرواية كتبت في السجون لا يعطيها ذلك أي أهمية فنية أو مكانة روحية غير التي تتوافر للعمل المكتوب خارج السجون, لكن الكتاب في السجون تصادفهم عقبات كثيرة تجعل من قدرتهم علي إنجاز عمل أدبي داخل السجن انتصارا كبيرا على واقع مأساوي.
• ما الأعمال التي كتبتها داخل السجن؟
ــ كتبت ثلاثة أعمال في هذه الفترة الأول اسمه اللآلئ ومجموعة قصصية ثم رواية باسم القرصان والمدينة, وتشكل هذه الأعمال بداياتي الأدبية حيث كتبتها في السبعينات وحتي تخرج من السجن وتعبر الجدران حفظتها داخل أنابيب معجون الحلاقة ليأخذها صديق ويطبعها بعد ذلك.
• هناك ملاحظة مأخوذة علي الإبداع القصصي الخليجي وهي أنه لا يخرج عن إطار التراث والغوص وصيد اللؤلؤ…ألا توجد مواضيع أخري؟
ــ الرواية لابد أن تغترف من الواقع, فمثلما قام نجيب محفوظ بتحليل الحارة المصرية, يقوم كتاب الخليج بتحليل مجتمعهم وأرضهم والمهن التي امتهنوا بها مثل الغوص والصيد, وكما تعذب فلاحو مصر في الأرض وعانوا من سيطرة الإقطاعيين, تعذب الخليجيون في البحر من سيطرة الربابنة والنواخذة, فكان مثلا الربان يربط الصياد الذي يعترض عليه في الصاري وإذا مرض صياد لا يصرف له أجر وإذا مات تشردت بعده عائلته وهكذا, لقد كانت تلك المرحلة من المراحل القاسية على الناس التي خلقت قصص كفاح وبطولات وأنا أعتقد أن هذه المرحلة كانت أفضل من الوقت الحالي حيث يتولى الخليجيون الإدارات وينتفخون ويتعالون على العاملين من الجنسيات الأخري, إذن التجذر في شخوص المنطقة والتعرف عليهم وتحويلهم إلي روايات وأيضا استغلالها للترميز على الوضع الراهن أمر مطلوب, المهم أن لا يقوم الكاتب بالبكاء الرومانسي على الماضي والنظر له على أنه النقاء والصفاء والخالي من السلبيات, يجب النظر للماضي ودراسته بذكاء وبشكل موضوعي ونرى إلي ماذا أدي ثم تحليل الواقع المعاصر بجميع جوانبه.
• نعود إليك.. هل بدأت بالقصة القصيرة أم بالرواية؟
ــ بالقصة القصيرة فـفي المناطق التي لا يوجد بها تراث قصصي غني معاصر متجذر تكون البداية دوما مع القصة, فنحن عندما بدانا في الستينيات والسبعينيات كتابة القصة, كانت هناك بلدان في المنطقة العربية تكتب هذا اللون الأدبي منذ قرن مضي وعندها منجز إبداعي وثقافي راق يمكن لأي أديب جديد أن يستند إليه أما في الخليج فليس لدينا هذا التراكم المنجز لمدة قرن لذا بدأنا بكتابة القصة القصيرة لأنه لم تكن هناك روايات منجزة في المنطقة, بالطبع كانت هناك محاولات لكتابة الرواية لكنها خرجت مفككة ذات بنية ضعيفة وظهرت في شكل تربوي إصلاحي متعال على المجتمع, لكن نحن بدأنا في الستينيات والسبعينات بالحفر الموضوعي في الحياة واكتشاف النماذج على حقيقتها وتحويل القصص القصيرة بشكل تدريجي إلي رواية, عموما الكتابة الأدبية كلها واحدة ولكنها أجناس مختلفة وليس معني هذا أن تحول كاتب القصة القصيرة للرواية أمر طبيعي فمن الممكن أن لا يكتب الأديب سوي لون واحد طوال حياته ويمكن أن يعزف على اللونين.
• أنت تكتب في النقد الإبداعي أيضا فهل يؤثر الجانب النقدي داخلك علي الإبداعي؟
ــ عندما أكتب إبداعا أدبيا لا أنظر إلي أي مقاييس إبداعية مسبقة أو أي نظريات أفصل عليها قصة ولكن أنا لدي نظرة شخصية للأدب بشكل عام, نظرة تنطلق من المدرسة الواقعية وتطوراتها ومدارسها كلها, في البداية اخترتها بشكل انعكاسي مباشر ومع تطور التجربة أخذت الواقعية بشكل أعمق أنمو من خلالها.
• وما نظرتك المستقبلية للكتابة الإبداعية في الخليج.. هل ستشهد تطورا لتشكل تيارا خاصا في الخريطة الإبداعية العربية؟
ــ ما يحدث أن الشباب في الخليج لديهم سيولة نقدية تشجعهم على التسرع بالنشر دون أن يكون إنتاجا إبداعيا حقيقيا ودون الرجوع إلي النقاد والمراجعين, ففي السعودية هناك إنتاج أدبي هائل لكنه للأسف غير مميز, فهم لا يتجذرون في قراءة مجتمعهم ولا يقرأون تراثهم بشكل عميق ولا يطلعون على الإرث الأدبي والروائي العالمي والعربي, وبالتالي لا يتشربون النوع الأدبي روحيا وفنيا وتتحول العملية الإبداعية لمجرد صفقات تجارية حتي يتم الترويج لهم في الخارج ولينتشروا في البلدان العربية الأخرى, لذا أحذر من هذا وأنصح بالتعب على الإبداع والعمل الجاد لامتلاك الأدوات الإبداعية قبل التفكير في النشر والانتشار.. عموما الرواية لدينا تنمو وإن كان بشكل حذر على أيدي روادها مثل إسماعيل فهد إسماعيل في الكويت وهناك كتاب سعوديون لديهم تجارب مهمة وإن كانت الإشكالات الفكرية في هذا البلد تمنعهم من التطور الفكري مما يؤدي إلى أن يظلوا يعيدون إنتاج أنفسهم .
تجـربـة السجـن أفهمتنـي البـشـــر
جيهان محمود
الأهرام العربي
عبد الله خليفة كاتب بحريني كبير مارس الأشكال الإبداعية والصحفية كافة, وذاق تجربة السجن, التي لم تمنعه من الكتابة, وهو في سبيل إنجاز مشروع للرواية التاريخية, يختلف كثيرا عما كتب في هذا الاتجاه, وكانت روايته عمر بن الخطاب شهيدا علامة في هذا الطريق .
• تمارس كتابة أكثر من نوع أدبي.. ألا يأتي هذا علي حساب القيمة؟
ــ العملية تاريخية بسبب عملي بالصحافة, فكنت أقوم بعرض الكتب وتحليلها سواء كانت قصة أم رواية أم في النقد والفكر علي مدي ثلاثين عاما وأكثر, ما أدي إلي تشربي بكل هذه الأنواع الإبداعية خصوصا أنها متداخلة, لكني بدأت الكتابة بالقصة القصيرة منذ نهاية السبعينيات وواصلت الكتابة فيها, وفي النصف الثاني من السبعينيات وأوائل الثمانينيات حاولت أن أتجذر في الرواية, وجاءت فترة التسعينيات لأتعمق في الواقع العربي الإسلامي بحيث أفهم تطور التاريخ وأكتب الرواية التاريخية التي هي جزء من الرواية المعاصرة.
• ماذا فعلت بك تجربة السجن.. كإنسان ومبدع؟
ــ تجربة السجن خصبة بالنسبة لي رغم أنها عنيفة ومؤلمة من حيث الاقتراب العميق من الإنسان, بحيث تعيش مع بشر بشكل يومي وتتعرف علي خبايا أنفسهم, ومن هنا أعطتني هذه الفترة فكرة كبيرة لفهم البشر, كما جعلتني أقرأ كثيرا من المجلدات في شتي أنواع المعارف, وأصبحت تجربتي أميل إلي السرد الواقعي المباشر.
• هل أصبحت الرواية ديوان العرب؟
ــ كان الشعر هو الفن الأول عند العرب قديما, لأن معظمه كان مدحا للملوك والقوي السائدة, حيث يرتزق الشعراء منه, في العصر الحديث أصبحت الرواية تستولي علي المشهد الثقافي وبقي الشعر, لكنه لم يستطع أن يعبر إلي نقد الحياة أو يغوص في جوانبها, بعد أن أزاحته الرواية للمرتبة الثانية.
• وكيف تكون الحركة الأدبية والنقدية في البحرين؟
ــ الحركة الأدبية والنقدية في البحرين متطورة ووثابة باستمرار وهناك عشرات الكتب التي تصدر كل عدة أشهر في مختلف جوانب الأدب والنقد خلال الثلاثين سنة السابقة, وحدث تطور كبير في البنية الإبداعية, بحيث إنها استطاعت أن تجمع بين تجربتها المحلية وإنجازات الأدب العربي في الأقطار الأخرى, وظهرت رموز استطاعت أن تصل إلي مستوي العديد من الدول العربية سواء علي مستوي الشعر أم الدراسة الفكرية والنقدية, ولكن هناك إشكاليات حدثت في العقود الأخيرة بسبب عمليات القهر السياسي والإغراء المادي.
• وماذا عن تجربتك مع رواية عمر بن الخطاب شهيدا؟
ــ هذه الرواية جاءت ضمن سلسلة عن الشخصيات الإسلامية الكبيرة بعد تلك القراءات التي توجهت إلي فحص التراث العربي, فرواية “عمر بن الخطاب شهيدا” هي تجربة أولي في الرواية التاريخية وهي صعبة, واعتمدت فيها علي المصادر التاريخية دون الخروج عن تفاصيلها وكتبتها بأسلوب أدبي, لأن الرواية تبجل شخصية عمر بن الخطاب وتظهره بطلا تاريخيا.
• وهل توجد حدود أو خطوط حمراء للمبدع يجب عليه ألا يتخطاها؟
ــ الأدب العربي خاض مسألة الكتابة عن رموز الإسلام, فكتب توفيق الحكيم عن “محمد” صلي الله عليه وسلم, وهناك كتاب آخرون وكذلك أفلام تناولت الصحابة وظهر بعضهم فيها مثل “بلال”, والقضية هل المقصود الإساءة إلي هذه الرموز أم تقديمها في شكل جيد؟
• هل هناك قيود علي النشر والإبداع في البحرين؟
ــ القيود الموجودة في كل بلد هي عدم التطرق للرموز, وأجهزة الإعلام والصحافة تتجنب التوجه إلي تحليل عميق للسلطة والنظام عموما, فتجدين أن صحافتنا سطحية بشكل عام وتفتقد العمق فيلجأ بعض الشباب إلي المواقع الإلكترونية ويقومون بكتابة المقالات الجادة التي تقوم الحكومة بإغلاقها, ولا توجد لدينا صحافة خاصة بل صحافة قريبة من الحكومة أو معبرة عن رسالتها.
• نشأت في المملكة العربية السعودية.. فما تأثير ذلك عليك كمبدع؟
ــ أنتقل بين البحرين والسعودية, وعشت طفولتي في مدينة ”الخبر” ولي أقارب بها وهي ذات بيوت صغيرة وراءها رمال لا أول لها ولا آخر, وتقوم الرمال من فترة إلي أخري بالهجوم علي هذه البيوت حتي تكاد تطمسها, فأخذت هذه المشاهد تجذبني للبحث في هذه الصحراء وأدبها, ففي العديد من القصص القصيرة أو معظم الروايات أهتم بالصحراء كمشهد مكاني وهناك قصة قصيرة لي عن رجلين أحدهما باحث عن الآثار والآخر صعلوك يقوم باختطاف التمثال الذي عثر عليه الأثاري ومشهد الصحراء يحيط بهما.
• بماذا أثرت الكتابة في الصحافة عليك كمبدع؟
ــ الصحافة كانت طريق العيش الوحيد, حيث كنت أعمل مدرسا ثم طردت من التدريس بسبب الخلاف علي المناهج, فلجأت إلي الصحافة وكانت الكتابات الصحفية أشبه ببلع “الجوارب” فقد كنت أعمل في التحقيقات, وهي تقتل الكاتب ولكنها طريقة للعيش كنت أحاول إجراء التحقيقات التي تتناول حياة الناس الفقراء والكادحين, وأقترب منهم لمعرفة تفاصيل مشاكلهم ومحاولة فهم نفسيتهم ومعاناتهم .
أسئلة الأستاذة فاطمة المحسن الكاتبة العراقية
الكاتب والروائي عبدالله خليفة لك رصيد اللآلئ وكلماتك جمعت الرمل والياسمين كقرصان تدخل مدينة الحرف وتبعثر إبداعك في يوم قائظ تصدح فيه أغنية الماء والنار كامرأة يلفها الضباب أو هي سهرة لنشيد البحر حين يعانق الينابيع لتتركنا في دهشة الساحر بين هذا الإنتاج …
• حدثنا عن تجربتك؟
ــ هي تجربة طويلة توجهت لجوانب عديدة من الكتابة ، سواء في مجال القصة القصيرة ، أو مجال الرواية ، أو مجال الدراسات الأدبية والفكرية . وفي كل هذه الجوانب المنوعة اهتممت بالإنسان والحياة وفهمها ومشاركة القراء في هذه العملية وتطويرها على مدى السنوات الأربعين السابقة ، وعبر تطوير الأدوات حسب جهدي ونظرتي .
• هناك علاقة قوية جمعت الكتاب في جيلكم بالوطن حتى أصبحنا لا نميز السياسي من الكاتب؟
ــ لا يوجد كتاب لا يشكلون علاقة بالوطن ، في كل الأجيال ، ولكن تتنوع هذه العلاقة بينهم حسب مواقفهم الفكرية ، فهناك كتاب تغدو علاقتهم بالوطن نفعية أو استثمارية وربما هامشية ، وقد يبدأون علاقة نضالية ثم تتبخر مواقفهم ، وتغدو (الأنا) هي التي تظهر كأنا مركزية مهيمنة وينكمش العالمُ من حولهم . وآخرون يظلون مكافحين ، فتغدو السياسة معياراً ووجهاً من وجوه العلاقة بالوطن والمواقف منه ،ولهذا تتنوع ارتباطات الكتاب بالسياسة والأحزاب . والكاتب الذي لا يشكل له موقفاً سياسياً يعني بأنه في حالة غموض اجتماعي .هناك كتاب مواقفهم مائعة لأنهم يقيمون علاقات متضادة بين القوى الاجتماعية ، و ثمة كتاب انحازوا للسلطة وآخرون للقوى الشعبية . فتعبر المواقف الفنية – الفكرية المتداخلة عن جذور ما مختلفة .
• أصبحت الثقافة تعني الوطن ، والوطن رديف الثقافة ، كيف تفسر هذا الوضع ؟
ــ الوطن كيانٌ مختلفٌ عن الثقافة ، فهو جسمٌ تاريخي ومادي واجتماعي ، بينما الثقافة هي شكلٌ من أشكال الوعي الإنساني ، ولهذا تكون لدينا ثقافات متعددة ، بعضها يكون تحليلاً وتجسيداً وسيرورة مع الوطن ، وبعضها مغترب عن الوطن ، وبعضها مستغل مستنزف للوطن ، وبعضها قادم من الخارج وطفيلي وبعضها قادم من الخارج وإنساني . . هي مسألة معقدة ومركبة وتحتاج لتحليلات معمقة في كل جانب!
• هل دور الكاتب والمبدع تعرية الواقع وتغييره ، وهل نستطيع أن نحدد وظيفة أو هدفاً معيناً وراء الكتابة الأبداعية ؟
ــ (الواقع ) كلمة كبيرة ، ومسألة تغييره هذه تحتاج إلى حشود وجهود بشرية متنوعة وتاريخية ، أي أن التغيير يتشكلُ عبر أجيال ومراحل ، وبالتالي فإن الأدب النضالي يساهم في هذه العملية المركبة الطويلة تاريخياً ، بقدرته على أكتشاف هذا الواقع ، واستثمار أدوات فنية متعددة وغنية ، وكلما التحم الأدب بالعملية النضالية العامة للناس ، كلما كان أقدر على فهم الواقع ونقده ، وخاصة وهو يتوجه لعقول ونفوس البشر ، ويشكل علاقة حميمة باقية معهم ، لأن أدباً كثيراً يكون له دور نقدي ما في مراحل يتساقطُ في مراحل أخرى، وثمة أدب لم يكن له دور في مراحل ، يتصاعد دوره في مراحل جديدة ، فالعلاقة بين الأدب والواقع والتغيير تخضع لمستويات مركبة من التداخل والتقاطع والتباين.
• يرى البعض أن هناك قوالب وأركاناً ثابتة للتعبير تحدد شكل الكتابة الأدبية لا يحق للمبدع أن يكسرها تحت دعوى الإبداع . ما رأيكم في هذا القول؟
ــ هناك أنواع أدبية كبرى كالنوع القصصي، والنوع الشعري ، والنوع الدرامي ، وهذه الأنواع لها سمات وخصائص عامة ، أكتسبتها عبر القرون ، وطنياً وإنسانياً ، وبالتالي فإن المبدع في أي نوعٍ منها لا بد له أن يتجذر في سماتها ويتشرب روحها ، وهناك عمليات درس وعلوم لذلك ، لكن الإبداع من جهة أخرى لا يتوقف ، والإضافاتُ تحدثُ بشكلٍ مستمر من خلال التجارب الأدبية المتنوعة ، في كل هذه الأنواع ، وتحدث تداخلات وعلائق مشتركة . فالقاص لا يستطيع أن يخرجَ من تشكيلِ الحدث والشخصية لأنهما جوهريان في هذا النوع ، لكن تأتي إضافاته في أسلوبه واختياراته للشخوص والأحداث وزوايا تشكيلها..
• هل يمتلك الكاتب العربي اليوم خصوصية في الكتابة بعيداً عن الموروث وتأثيرات الثقافة ؟
ــ الموروث هو جزءٌ من الكتابة ، فاللغة الأدبية كائنٌ تاريخي ، وأي لفظ له سيرورة طويلة ، وأي نوع له تجربته الخصوصية ، فالكاتب يقفُ عليها حين يبدأ ، لكن خصوصية الكتابة عملية راجعة للكاتب نفسه ، أي كيف يستفيد ويستثمر الموروث ويطوعه لعصره ولغته الخاصة به ، وليس الأمر يتعلقُ بموروثهِ القومي فقط بل الأمر يتعداه للموروث الإنساني الواسع. . فنحن ورثنا قصة معينة من القدماء لكن على ضوء العصر طوعناها شكلاً ومضموناً لعمليات جديدة . ويظل التراث القومي معيناً لا ينضب للإبداع والتأثر والتجاوز ، مثل الثقافة العالمية كذلك .
• للرواية اليوم أهمية جوهرية مؤثرة في زمننا الإبداعي حتى أن البعضَ أطلق عليه زمن الرواية ، فما رأيك في الجيل الجديد والحامل لتصورات مغايرة في الكتابة والنقد الروائي ؟
ــ كلُ نوع أدبي يحملُ أهمية جوهرية ، فلا يوجد نوع مختص بدم أزرق . لقد كان النوع القصصي ذا قيمة كبيرة للبشرية دائماً ، ولكن ما حدث في العصر الحديث أن النوع القصصي تداخل مع وعي جديد ، وعي قراءة الحياة بشكل موضوعي ، فراح يتغلغلُ تحليلياً في مشكلات الإنسان ، عبر أساليب فنية كثيرة ، وعبر بنيته الفنية التي أتاحت له هذا التغلغل ، وهذا الجانب جعل الرواية تغدو شريكة فكر ومتعة ، كما أن النوع القصصي توسع بشكل هائل في الدراما التلفزيونية وفي الفيلم الخ.. وهذا كله جعل إنتاج الرواية يتعاظم بشكل لم يسبق له مثيل . وحول الجيل الجديد وكتابته للرواية فقد سبق لي أن كتبت عن أعمال الجيل الجديد في مجلة (كلمات ) وفي الصحافة العربية ، وهو بحث عن الرواية في الجزيرة العربية ، وقد لاحظت أن بعض الشباب يتوجه نحو نسخ التجربة العربية في خارج الجزيرة ، والبعض يتوجه للإثارة والكتابة عن موضوعات حساسة دون بناء محكم، والنادر من يتجه للحفر في الواقع وللتعب في صياغة المعمار الفني . لحسن الحظ بعض كتابنا الشباب البحريني صار يتوجه للحياة الشعبية ويغرفُ منها موضوعاته وهذا ما جعل مثل هذه النماذج النادرة للأسف تحقق عملية نمو للرواية المحلية خاصة لدى فريد رمضان وجمال الخياط . الأول لجأ في روايته الأخيرة (السوافح . . ماء النعيم) إلى بذور البناء الملحمي ، حيث نجد اتساع الشبكة الشخوصية التي تتراوح من العراق إلى البحرين، في نسيج متنامٍ يجمع هذه الشخصيات الشعبية ويكشفُ صراعاتها ونفسياتها المتضادة. فريد لديه الأسلوب الواقعي (المحفوظي) الذي يشكل بنية موضوعية وينميها في التضاريس الاجتماعية اليومية ، بينما جمال يتوجه نحو المنولوجات الداخلية للشخصيات ، ويطلق طاقتها على الذكرى والتأمل والصراع ، فتأتي التضاريس من دواخل هذه الشخوص المتشظية . بطبيعة الحال الكاتب يصنعُ بناءه عبر سنوات طويلة ، فما لدى الشباب الآن بذور قابلة للنمو في اتجاهات شتى لأن الزمن الكتابي يضيف إليها .
• الرواية هي عالمٌ حافلٌ بالصراع والمتناقضات : فكيف ننظر للسيرة الذاتية من هذا المنظور ؟ وهي التي تمثل مفردة من مفردات عديدة للرواية ؟ – وماذا أضافت السيرة للمنجز السردي للرواية ؟ – ولماذا يلجأ الكاتب لكتابة التاريخ الذاتي ؟
ــ هذه الأسئلة الفرعية كلها في الواقع تدور في سؤال واحد هو ما علاقة الرواية بالسيرة الشخصية ؟ لا يوجد روائي لا يجعل سيرته مصدراً أساسياً لأعماله الروائية . إننا نجد إن روائياً بحاراً يكتب روايات عن الحيتان وصيدها . نجد روائياً آخر عاش حياة طويلة من التشرد فتغدو العديد من رواياته مشاهد من الترحال ومعاناة أهل القاع . هناك روائيون آخرون يحجبون حيواتهم الشخصية لأنها عادية ليس فيها ما هو مثير روائياً . فالسيرة مصدر للرواية لكنها ليست رواية ، فهي مادة خام ، ومرتبطة بحيثيات الحياة المباشرة اليومية، في حين أن الرواية تنزع للارتفاع عن هذه المباشرة ، لأنها غوص إلى الأعمق ، ولكن الغوص يعتمد على الأدوات الفكرية – الفنية للكاتب المتداخلة ، فالبعض لا يستطيع أن يرتفع عن سيرته لأنه لا يمتلك قدرة تعميم فنية . ثمة كتاب كبار نجد أن سيرهم لا تقل قيمة عن رواياتهم ، مثلما فعل نيكوس كازانتزاكيس في (تقرير إلى غريكو ) ، فجمع بين قدرة روائية كبيرة و سيرة ذاتية نارية ، لأن نيكوس عاش حياة فكرية خصبة وتجربة اجتماعية ثرة (وطنية – صوفية ) ، فتبدو سيرته ورواياته مثل أساطير الأغريق مواطنيه . ويبدو لي هنا أن حياة الروائي غدت أكبر من رواياته التخيلية ، فتغدو الحياة أكثر روعة وعمقاً من تلك ، ربما بسبب طابع أستثنائي فيها وامتلائها بالمغامرات والأحداث الجسام وبطريقة الكاتب الفذة في عرضها . أما حين تكون حياة الروائي عادية مثل نجيب محفوظ فإنه لا يستطيع أن يكتبها إلا كظلال ونفحات كما فعل في( أصداء السيرة الذاتية ).
• نهتم كثيراً بقراءة الرواية المترجمة، كما اهتم الغرب بقراءة الأدب العربي القديم ((ألف ليلة وليلة مثلاً)) – هل يقرأ الغرب النتاج الأدبي الحالي؟ وهل هناك معوقات لوصول الأدب العربي للغرب؟
ــ إن الغرب يقرأ بعض الأعمال العربية المشهورة وبالتالي لا يستطيع قراءة الرواية العربية الواسعة الضخمة . وهي عادة تــُترجم لعلاقات خاصة أو لدور البلد وأهميته في المنطقة ، أي هي نتاج عوامل سياسية غالباً ، لكن الغربلة الفنية تستغرقُ قروناً ، وهذا ما حدث حتى للرواية الغربية نفسها في بلدانها ، فلكي تصبح رواية (دون كيشوت) مَعلمَاً روائياً ريادياً احتاجت إلى ثلاثة قرون . وغالباً ما تأخذ العوامل الثانوية دورها في الاتصال الثقافي بين الأمم ، فنجد بعض الروايات تــُترجم بكثرة ، نظراً لعدم إطلاع المترجمين على حشود الروايات العربية ، أو لأنها تتكلم عن الغرب ، ولا يحدث حتى في النقد العربي ذلك التمييز العميق ، والنقاد والمترجمون مهتمون بعوامل الوطنية والصداقة والحزبية وغيرها من العوامل الجانبية في الأدب ، ولكن الزمن ينفي ويغربل هذه العوامل ، وتتوجه عمليات الأصطفاء التاريخي إلى ترشيح أعمال بعينها وتصعدُها عبر الأجيال . نجد (والتر سكوت) الروائي البريطاني لم تكن روايته التاريخية تمثل في نظر معاصريه سوى مغامرات فجة ، لكن النقاد الكبار وجدوا فيها بعد حقبة طويلة أنها ذات سمات إبداعية عبقرية ! ( راجعي بهذا الصدد كتاب الرواية التاريخية لجورج لوكاش ) .
• ما تصورك الشخصي لكتابة الرواية اليوم ؟
ــ غدت الرواية بالنسبة لي أهم جانب كتابي ، فهي تعيشُ في البؤرة ، وحتى كتابة الأبحاث كانت غالباً للبحث عن جوانب جديدة تحفرُ في الرواية ، فقد أردتُ أن أكتبَ روايات عن التاريخ العربي قبل عقد فرحتُ أدرس جوانب من التراث ، جعلتني أصنع كتاباً حولها . وحين أنهيت هذا الكتاب المؤلف من أربعة أجزاء توجهت ثانية لتلك الروايات التاريخية ولكن الفرق كبير بين تخطيطات ما قبل الدراسة وما بعدها ، فقد وقفتُ على قواعد من فهم موضوعي للأجواء الروائية ، فكتبتُ بعدها عن الشهداء الكبار في الإسلام والذين يمثل عصرهم أكثر العصور دراماتيكية ، وعصر الانتقال من الحلم الجماعي إلى التفكك والمآسي . . هكذا تغدو الرواية مدار الحياة الكتابية . .
• ماذا يعني لك كل :
• اليوم العالمي للشعر ؟
ــ اليوم العالمي للشعر هو تذكير بالجمال والفتنة والدهشة في زمن مضاد ، يحاول تكريس القبح ، وهو نوع من المقاومة المتوهجة . .
• تكريم أسرة الأدباء كل عام بعض أعضائها.
ــ هو احتفاء بالنتاج وليس اهتماماً شخصياً ، لأن ما يهمنا هو تكريس البناء الثقافي الفاعل والمغير للحياة ، ويغدو الاحتفاء بالنتاج خلق مشاركة جماهيرية وعمليات نقد وتحليل ، وما يمكن أن يثري الحياة الأدبية عامة .
• تكريمك هذا العام.
ــ كما قلت لكِ هي عملية اهتمام بالإنتاج الوطني وترسيخه ودعوة المنتجين الثقافيين للمزيد من العمل .
• نتاج جيل الشباب في الأسرة ..
ــ نتاج جيل الشباب هو أعمال جديدة وبحث مختلف في زمن مختلف ، والخوف أن يكرر هذا الجيل الأشكال الخارجية للجيل السابق بدلاً من أن يبحث عن صوته الخاص ، ويحفر في واقعه الذي اختلف عن واقع الأجيال الماضية.
• القصة والرواية في البحرين ..
ــ القصة والرواية في البحرين في حالة إنتاج مستمرة ، وثمة نقلة نوعية فيها عن بلدان المنطقة الأخرى ، لأن قضايانا وصراعاتنا أكثر تبلوراً ، وغدت عملية إصدار الرواية تتم على مستوى جيلين بل ربما ثلاثة ، مما يعبر عن تجاوز الرواية مرحلة التقطع والندرة وعدم وضوح السمات .
• لجؤك إلى الكتابة الفلسفية ..
ــ هي كما قلتُ لك هي عملية حفر في جذور الواقع والثقافة ، وهذه ربما حتى تؤدي بالنقد للفلسفة كما اهتممت في كتابي الأخير (نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية) بجوانب الوعي الفلسفي لدى الروائي الراحل ، دون أن تتحول الدراسة إلى بحث في المقولات فنحن كروائيين نركز على إبداع الصورة أكثر من البحث في المفاهيم المجردة .
الهروب إلى الماضي في الكتابات الخليجية يعكس ضعفاً في مواجهة الواقع
حوار: أنور الخطيب
الأديب البحريني عبدالله خليفة.. قلمٌ روائي متميز له مشروعه الإبداعي الملتصق، فكرة ولغة، بهموم واقعه الخليجي والعربي . بدأ كاتباً للقصة القصيرة ثم انتقل إلى عالم أرحب في الرواية فاصدر روايات: اللآلئ، الهيرات، أغنية الماء والنار، وامرأة. ويعمل الآن على رواية جديدة تصب في هاجس تغيير الواقع وملامسة معطياته.
شارك الروائي عبدالله خليفة في الملتقى الثالث للكتابات القصصية والروائية في الإمارات الذي عقد في الثاني من فبراير الجاري وقدم بحثاً حول الملامح المشتركة في الكتابة الروائية بين الكويت والإمارات. على هامش الملتقى كان لنا معه الحوار التالي:
• كيف كانت بدايات تعاملك مع الفن القصصي.. وما هي مسوغات الانتقال إلى الرواية ـ ثم ماذا حققت من خلال أعمالك على مستوى رؤيتك الإبداعية؟
ــ نحن في البحرين، أبناء جيل واحد هو جيل الستينات، نشأ هذا الجيل من ذاكرة الخمسينات الوطنية في البحرين وإرهاصات التحول الاجتماعي التي كانت زاخرة وقوية في المجتمع الصغير حيث كان هناك قطاع كبير من الناس الذين يعيشون في مستوى اجتماعي منخفض ـ وهناك الإدارة البريطانية التي تتحكم في البلد والخليج العربي ككل، وكانت مدينة المنامة مليئة بالأكواخ إلا من بعض البيوت من الطين. كان هذا في بداية الخمسينات ـ وحدثت موجة حرائق لتغيير هذه المدينة الفقيرة ـ نحن أبناء هذا المناخ الاجتماعي السياسي الفكري ـ وظهرت القصة القصيرة على نار هذه المدينة المتغيرة والتحولات التي كانت تدب في المجتمع ـ لم يكن هناك لشعب البحرين والخليج عموماً تقاليد قصصية وفنية عريقة وراسخة بل التماعات فنية قصصية متعددة متناثرة في الخليج الواسع، في البحرين نجد محطات صغيرة للقصة القصيرة في الأربعينات والخمسينات، ثم حدث انقطاع. وجيل الستينات الذي ظهر حاول أن يعبر عن فراغ فني محلي، ومن خلال موضوعاته المحلية التي كانت شبه مباشرة أثناء ظهوره الأول، كانت مشكلات الحياة الفقيرة وأزمات الإنسان في المجتمع تشده أكثر من جانب آخر ـ وبدأ جيلٌ من القصاصين يكتب في هذه الناحية ـ مثل محمد عبدالملك وأمين صالح وحلف أحمد خلف وأنا وغيرنا من كتاب القصة القصيرة المباشرة التي تهتم بالترميزات التراثية وأدوات الفلكلور المحلي والاستعانة بالأساطير وأحياناً الاستعانة بمناخ القصيدة من كثافة وصورة مجازية، هذه القصة القصيرة بدأت تتعمق عندما نضج هذا الجيل، وتبلور فنياً وتشابكت علاقاته بالثقافة العربية والعالمية، هناك دور أساسي لهذه الثقافات في رفد نتاجنا مثلما هو الحال لأقطار عديدة.
انتقلت القصة القصيرة إلى مرحلة فنية أخرى تهتم بجوانب هي الآن روحية وفلسفية وسياسية وتكشف لقطات وجوانب معينة ظلت باستمرار قاصرة عن استيعاب رافد الثقافة المتنامي وتحولات الواقع المطرد من جهة أخرى ـ إذا كان من البدء ـ كانت المدينة مجموعة من الأكواخ والبيوت الصغيرة في مدن صغيرة ـ حدثت ثورة اقتصادية وانشئت مدن عديدة وبنوك وشركات واستلابات وجوانب كثيرة من التحولات النفسية.
إذ كانت في البداية لا توجد مستشفيات أعصاب، الآن كثرت مستشفيات الأعصاب فأصبحت القضايا الروحية والفلسفية ما بين الإنسان والعالم، بين تضخم جهاز الدولة وانسحاق الفرد، بين الاقتحام الأجنبي الواسع والتقزم الوطني والقومي؛ هذه الجوانب كلها أصبحت مطروحة على صعيد القصة التي لم تستوعبها بالكامل، فبدأت الرواية تحاول أن تستوعب هذه الأسئلة المتعددة والكبيرة.
فظهرت في بداية الثمانينات رواية البحرين مثل رواية [ الجذوة] لمحمد عبدالملك وحاولت الرواية أن تصور التحولات في مرحلة الستينات، لكن تداخلت فيها الأزمنة والشخصيات بحيث كان من الصعب بلورة الهيكل العام للرواية. قصة أمين صالح [أغنية ألف صاد الأولى] عبارة عن أغنية ومونولوج عنيف لوعي باطني. هناك روايات أخرى مثل رواية [الحصار] لفوزية رشيد اتجهت للتعبير عن حالة اجتماعية وسياسية من خلال شبكة من الشخوص المتعددة. أنا كتبت في هذا السياق واهتممت بتبلور وتحليل هذا الواقع من زمن الغوص، فصدرت لي روايات ثلاث عن هذا العالم، الأولى هي اللآلئ، وتتحدث عن ربان وسفينة وتيه لمجموعة من البحارة، وتتكشف العديد من التناقضات والصراعات بين الشخصيات. فترمز لصراعات قديمة وأخرى حديثة أو تتكئ على صراعات قديمة وترمز لصراعات حديثة. وبعد رواية اللآلئ صدرت رواية [الهيرات].
وبشكل عام فإن العمليات الأولى للرواية عندنا يسود فيها نوع من التداخل الشديد أحياناً، فلا تعرف كيف تضبط ظهور الشخصيات وتبلور الأحداث ووصولها إلى القارئ، بحيث تنتقل له الدلالات. فيما بعد طلعت روايات حول مجتمع البحرين الحديث؛ مثل رواية [أغنية الماء والنار]، هذه الرواية تتحدث عن حرق مجموعة كبيرة من الأكواخ في مدينة المنامة. هذه الحادثة تحولت إلى رواية ليس تركيزاً على الحدث الاجتماعي أو الاقتصادي أو التاريخي للظاهرة، ولكن نمذجة للشخصيات. فالشخصية المحورية هي التي أتغلغل فيها وهي شخصية رجل يحاول أن يطمح للثراء وتجره سيدة غنية إلى حرق الأكواخ. ثم كتبت بعذلك رواية [امرأة] ثم رواية [الضباب]، ولدي مجموعات قصصية قصيرة مثل [الرمل والياسمين] و[يوم قائظ] و[لحن الشتاء].
• يلاحظ من خلال رواية [الضباب] انك تتحدث في صلب الغيير الحديث ولكن هذا لم يمنعك أن تطلق شخصياتك للبحر، وكأن البحر هو الأول والأخير، فهل هذا يعتبر حنيناً إلى الماضي كما يُشاع، أم أن البحر هو جذور تنطلق منها لمعالجة الحاضر؟
ــ بالنسبة لشخصية الضباب المحورية، إنها شخصية لا تحن إلى الماضي أو البحر وانما تهرب إلى البحر كشكل من أشكال الابتعاد عن المدينة التي حاصرته . البطل كان كاتباً ورجلاً ملء العين والبصر، فإذا به يتحول فجأة إلى فار، هذا المسخ والضغط الهائل التي تشنه آلة الدولة عندما تتحول إلى شيء ضخم يحطم الإنسان. خذها في أي بقعة من العالم، عندما يتعملق جهاز الدولة والقوى الخارجية على حساب الفرد وتعبيره ورؤيته وكلمته الخاصة المستقلة عن هذه الأجهزة هنا يتم تدمير هذا الإنسان، وهو حاول الاحتفاظ ببذرة من النقاء وببذرة من المقاومة وهي شخصية أخرى في ذاته. ومن هنا، البحر هو هروب بالنسبة لهذا الرجل، ودلالة البحر في أدبي الخاص شيء ترى فيه الكثير من الدلالات والتباينات لأن البحر هو جزء من الكوخ والبيت والنافذة، وهذا التشابك والتضافر بين البحر والبر، قضية جغرافية لها أبعاد إبداعية من حيث تحول البحر إلى رمز وإلى شخصية داخل الأحداث والحياة القصصية، فتجد الكثيرين يحولون البحر كجزء طبيعي جغرافي أو كدلالة كما تفعل أحياناً سلمى مطر سيف في قصتها[عندما تجعل سلطان والبحر يتداخلان]، والبحر يتحول إلى جنية تفترس سلطان الذي يحاول أن يحطم الجنية. ولكن لا يستطيع. إنه جدلية الشرطي والمقاومة، جدلية جهاز الدولة والرمز المخضر دائماً.
• في رواية [الضباب]، صحيح، هناك هروب إلى البحر ولكني لاحظت أيضاً حنيناً إليه من خلال الحنين إلى الجد وكلامه وجلساته وهناك نقطة أخرى بعض الكتاب لديهم حنني إلى الحياة القديمة رغم انهم لم يعيشوا تلك المرحلة، كيف ترى هذه الإشكالية؟
ــ هذه العملية تتعلق بتطور الخليج الخاص، تمثل الحياة القديمة، حيث الأسرة الجماعية، والوحدة المباشرة مع الطبيعة حيث كان المجتمع طفلاً على سرير الطبيعة مواعينه وإداوته من النخلة والبحر، وهذا المجتمع كالمجتمع الإغريقي عندما كان قريباً من الطبيعة وله أساطيره، فالمجتمع العربي قبل التحول الرأسمالي الواسع النطاق، هناك وحدة تتشكل، وحدة تناغمية بين البشر والطبيعة، بين البشر من حيث الترابط والأسرة الكبيرة، إذا مرض شخصٌ يلاقي اهتماماً من الجميع، الناس يبنون بيوتهم بشكل مشترك، وهذه العملية عندما تصطدم بالتطور الرأسمالي والمصالح المتباينة ولغة المصالح وتتفكك هذه الأسرة الكبيرة ويحترق سرير الحياة الشعبية البسيطة، هناك يحدث صدام بين الوعي والواقع الحديث ويحن (الإنسان) بالتالي لنموذج الحياة القديم ويجد فيه محاولة تآلفية مفقودة، مع المجتمع (الحديث). هذا الحنين يتحول أحياناً إلى حنين رومانسي فارغ فاشل، وأحياناً إلى نوع من كشف الحاضر، إذا استطاع الكاتب أن يدمج بين هذا الحنين وبين اكتشاف الواقع وإمكانيات المستقبل، لأنه لا يستطيع إعادة الوحدة القديمة في المجتمع الإغريقي، عندما بنيت الأسواق انتهت أسطورة هوميروس، وبالتالي كان من الصعب استعادة الحلم الطفولي الأسطوري.
وعندما خرج المجتمع الأوربي من الغابات والزراعة واصطدم بالقطار (التجاري) تشكلت الرومانسية حنيناً وعودة إلى الريف الجميل، تلك البقعة غير المدنسة. أحياناً عندما يفشل الوعي الفني في تحليل الحاضر وكشف تناقضاته، وبالتالي تجسيد ترميزات تشكيلية خاصة، يلجأ على تسهيل وتسطيح عملية العودة إلى الماضي. عندما استطاع نجيب محفوظ التغلغل في المدينة المصرية وكشف بانوراما وملحمية المدينة، استطاع أن يجسد ملحمية التطور العربي.
• قلت في بداية السؤال السابق أن بطل [الضباب] لجأ إلى الجد العجوز، لجأ إلى الأسرة والحلم القديم، كشكل من الحنين الرومانسي، فأنا أقول أن الجد ـ في هذه الرواية ـ يتعلق بهذه الهروبية. ليس الاصطدام مع القوى السلبية في المجتمع ولكن الهروب إلى مزارات رمزية وتجد أشكالها كثيرة في الوعي الإنساني، هذا الهروب للمزارات النفسية الميثولوجية الطبيعية هي عبارة عن ضعف الإنسان في مواجهة الواقع واكتشاف موقع خاص في حياته، هذه العملية واسعة الانتشار في الكتابة الخليجية والفن الخليجي، تجدها في التصوير الطبيعي للبيوت القديمة والأغاني التراثية.
ــ هذا يتعلق بمستوى تطور الوعي في المنطقة، وهو وعي بسيط، له من التطور عقد أو عقدين أو ثلاثة عقود، لم يكتمل نموه الطبيعي، واصطدم بمتحولات الثروة الكبيرة فتم تسطيحه بشكل آخر. من هنا صارت عملية الركون إلى هذا التبسيط وهذه الرؤية. اعتقد أن هناك محاولات قليلة تخترق أجواء هذه العملية لدى فنانين محددين بندرة. الفنان الواعي للحياة يتغلغل إلى القشرة التحتية للنفس البشرية ولتطور المجتمع. هذه عملية نادرة وصعبة جداً في مناخ موضوعي خاص يختلف عن مناخ آخر في بلدان عربية متعددة، حيث انقطعت الصلة بين المجتمع والطبيعة البكر.
• حسب رأيك متى للكاتب الخليجي الانتقال إلى المدينة، مع انك انتقلت في رواية [الضباب] إلى المدينة وشوارعها ومحاكمها وبيوتها.. متى يمكن الانتقال محلياً إلى المدينة كما ترى في روايات عالمية وعربية؟
ــ إذا استطاع أن يطور وعيه الفني وأن يكشف الشبكة المعقدة للحياة، نحن لا نزال على ضفاف تحليل الحياة الخليجية. هناك طبعاً محاولات كبيرة في الرواية الخليجية أو في الروايات التي كُتبت عن الخليج، مثل رواية [مدن الملح] لعبد الرحمن منيف، والمكونة من خمسة أجزاء، تكلمت عن صيرورة منطقة شبه الجزيرة العربية وبعض المدن النفطية وحاولت أن تمسح التطور الإنساني الاقتصادي التحويلي، وبشكل نثري سردي طويل جداً مليء بالعشرات من الشخصيات. وهذه ملحمية الرواية التسجيلية العربية عندما تسيطر على مجموعة من تواريخ المدن وتمحورها من خلال مجموعة من الأسر الأساسية وتكشف هذا التطور الواسع الذي يمكن أن تغلب عليه رؤية مستوى معين من القوى التحتية وتشعباتها، ولكن حتى هذا الجزء الكبير (لاحظ خمسة مجلدات كبيرة) لكي تكشف شيء في الخليج. يتصور البعض إن الجزيرة العربية والخليج منطقة محدودة وفقيرة ومليئة ببعض المدن الصغيرة والبرية، وبالتالي هي منطقة مسطحة نفسياً وفكرياً، وبالتالي إبداعياً. الأمر في الحقيقة ليس كذلك لأن منطقة الخليج هي قلب العروبة والكثير من الطبقات النفسية العربية متواجدة في هذه المنطقة. عندما تحفر قليلاً في العراق تجد تمثالاً من دلمون أو من عهد الآشوريين، في وقت تقوم بالمرور عليها بالسيارة الحديثة. إنها منطقة تحمل زخماً أسطورياً وتاريخياً عميقاً. ونجد إن الكتابات لا تزال على سطح العملية وتحتاج إلى تطور حضاري لكي تتبلور بنية ذهنية متطورة، قد تتجاوز ظروفنا الموضوعية والذاتية في بعض الأفراد، ولكن عموم الناس والكتاب من الصعب أن يقوموا بعملية الاختراق الواسع.
• سؤال أخير؛ ماذا بعد [الضباب] على صعيد معنى الكلمة وعلى صعيد مشروعك الروائي؟
ــ نحن نخترق الضباب. بالنسبة لمشروعي الروائي، هناك رواية جديدة، حتى الآن لم أصل إلى إنجازها بشكل كامل وتتعلق بهذا الهاجس الذي طرحناه سابقاً، هاجس منطقة الخليج، بين ثروة ضخمة ومحاولات تغيير مضنية. وحلم التغيير أين يوجد الآن؟ بعد أن سقطت أحلام التغيير ونماذجه في العالم ككل؟ ماذا يبقى، الأزمة تتكاثف على الإنسان من كل جانب، لم يبق إلا نموذج واحد للتطور الحضاري، هل يمكن أن تواجد نموذج آخر؟ هناك نموذج تفاوت الثروة والحظوظ، نموذج اللاعدالة، نموذج التناقضات الإقليمية والعالمية، الشمال والجنوب، الشرق والغرب، قضايا العالم الثالث، وقضية فلسطين تبقى معلقة دائماً، جرحٌ ينزف بينما تحل مشكلات أخرى.
هذه الرواية تحاول أن تطرح كل هذه الأسئلة بالنسبة لمنطقة الخليج
هذه الرواية تحاول أن تطرح كل هذه الأسئلة بالنسبة لمنطقة الخليج
حوار أجراه الباحث المغربي: أحمد شراك
• على صعيد سوسيولوجيا الكتابة والنشر، يُلاحظ المتتبع لإصداراتك القصصية والروائية، بأنها صدرت خارج الوطن ـ البحرين ـ وبشكل خاص في لبنان وسورية والإمارات. فهل يعود الأمر إلى إستراتيجية خاصة في النشر؟ إلى الانتشار باعتبار دمشق وبيروت، عواصم النشر والثقافة؟ إلى انحسار دائرة النشر في المنامة؟
ــ إن ذلك يعود بكل بساطة إلى سيرة حياتي الكتابية. فأول كتاب صدر لي سنة 1975، وأنا قابع في السجن، فلم أحصل على نسخة واحدة منه، وحين خرجت في الثمانينيات من ذلك التنور، لم استطع أن أجد شيئاً منه.
وفي سنوات السجن قمتُ بكتابة قصصي ورواياتي الأولى، التي حاولت نشرها بعد خروجي. إن إمكانية العزلة تعطيك قدرة على الإنشاء الشعري، ولكنها لا تملأ يديك بالمال أو الشهرة، فتحاول أن تسوق كتبك ودمك عند دكاكين لا تعبأ بروحك.
إن المنامة بخيلة على أبنائها دائماً، سواء بالنشر أم بالمال أم بالشهرة، ولهذا فإن المطابع تتخصص في الكتب التجارية وملصقات الراقصات ودفاتر البنوك، أما الكتاب الإبداعي فطباعته تعادل شراء سيارة [جديدة]!
وهكذا فقد ذهبتُ كغيري من الكتاب البحرينيين إلى دور النشر العربية، ونحن البحرينيين ـ بروليتاريا الخليج العربي ـ بحثنا عمن ينشر لنا مجاناً، وقد وجدنا في اتحاد الكتاب العرب بدمشق، ورئيسه علي عقلة عرسان، الرجل القومي الحقيقي، ضالتنا. لقد أصدر لنا الاتحاد العديد من الكتب، وقد طبع لي مجموعة قصصية وروايتين، ورغم إن الاتحاد لا يشارك في المعارض، وتقبع الكتب في صالته تنتظر بصبر طويل المشترين، فإنه قدم لنا الخدمة النبيلة الأولى الكبيرة.
وبعد ذلك كان علي الاعتماد على نفسي في النشر، بعد أن عملت في الصحافة. ومن المؤكد إن سوريا ولبنان يمثلان رئتين مهمتين للنشر العربي، فرخص الطباعة ودقتها وجمالها وانتشارها لا يمكن مقارنته بمكان آخر. رغم إن دكاكين الجزارة الثقافية هذه تستلم لحمك ودراهمك بكل برود وأنانية.
وهناك نقطة ضوء في الخليج، فاتحاد كتاب وأدباء الإمارات يحاول أن يشكل جزيرة يسبح إليها المؤلفون هاربين من بحر التماسيح الطباعية، وتاركين أشلاءهم ودماءهم وراءهم.
• إن المتتبع لتجربتك الروائية على الخصوص ، يلاحظ ـ على صعيد العناوين، بأن رواياتك تتكون، في الأغلب، على صعيد عناوينها من كلمة واحدة أو اثنتين، وهذه الكلمات/العناوين ، كلمات عادية تحمل شحنة لغوية مباشرة، إلا أن النصوص التي تحتويها تتسم بالتجريب من جهة وتعتمد على لغة رمزية شعرية مكثفة من جهة أخرى، وتأسيساً على هاته الإشارة، هل هناك وعي مسبق في اختيار هاته العناوين؟ أم أن الأمر يعود إلى الصدفة؟؟ بعبارة أخرى هل هناك استراتيجية ما، للعنونة بالنسبة لعبدالله خليفة؟
ــ هذه ملاحظة دقيقة، فعناوين مثل [لحن الشتاء]، و[اللآلئ] و[الرمل والياسمين] و[امرأة] و[الضباب] و[سهرة] و[الينابيع]، هي ومضات ما من ذلك العالم القصصي والروائي، ومحاولة لتركيز اللوحة في بؤرة أساسية، ولكن العناوين في رأيي لا تشير إلى دلالة أيديولوجية محددة. إنها لا تهتفُ وتصطخبُ باتجاه معين.
فـ[اللآلئ] كلمة تشير إلى جانب أساسي في البناء والحدث، فسفينة الغوص التي تاهت في البحر، قام الربان فيها بالاستحواذ على منتوج البحارة وهو اللؤلؤ، ولعل الذهن الذي شرد نحو صيغة التأنيث [اللآلئ] هو تعبير عن انحباس ذكوري في البحر حيث لا نساء، وفي السجن أيضاً! وتدور الرواية في رحلة تيه البحارة وصراعات حول النجاة واخفاء المحصول الخ …
[الضباب] رواية تدور حول [حشاش] راهن، ومنتمٍ سابق، والحدث هو رحلة الخروج الدامي من هذا التيه. لقد جاء العنوان من داخل عملية التشكيل. تركيزٌ له وبلورة. ليس شكلاً مسبقاً بل نتاجاً له.
[الينابيع] كذلك هو ومضة لاكتشاف الخطوط العريضة لمواقف الشخوص والأحداث والتطور، حيث يشير ليس إلى مناطق تدفق الماء التي حفلت بها البلد، بل أيضاً إلى مواقع تدفق الضوء والألم والحب والمواقف.
هل الوضوح في العناوين يعاكس البُنى الفنية التجريبية والشعرية؟ أتصور إن البنى رغم تدفقها وتكثفها، تحمل سياقات واضحة بشكل ما.
• ألاحظ تواصلاً بين القصة والرواية في كتابتك الرواية، يكسوه نفسٌ شعري، وهذا أمر عادي باعتبار تداخل الأجناس وتواصلها، إلا أن الانطباع الذي قد يخرج به قارئ أول بالنسبة لرواياتك هو إنها مجموعة من القصص أو تراكم قصي قصصي يحكمه نفس طويل؟ ومهما كانت انطباعات التلقي، كيف يتصور عبدالله خليفة كتابة الرواية ككيمياء إبداعي؟
ــ قد يكون هذا حكماً جزئياً، أو هو قراءة لعناصر معينة في التجربة. هناك بعض الملاحظات التي أقرأها: كقول أحدهم إن قصصي القصيرة روايات مكثفة ورواياتي قصص مطولة. في الواقع، إنني لا أرى الحدث القصصي إلا باعتباره كياناً واسعاً مترابطاً، يمتد إلى جزئيات الواقع والطبيعة، أي إنه يكون تجربة عميقة مثقلة بأشياء المكان وبملامح البشر الروحية وصراعاتهم الاجتماعية، وبشرائط الطبيعة المتغلغلة في المكان والإنسان.
في البدء، كانت القصة القصيرة بالنسبة إليّ ومضة سريعة جداً، ثم راحت تمتلئ وتتشبع بضراوة البنى والأشياء. إن هذا يرتبط بتطور الرؤية والتجربة.
لهذا تأتي الرواية كتتويج لاكتشاف اللحظة الإنسانية في جذورها وسيرورتها، في تشابك الحدث بأغصان الظروف وسكاكينها، وبارتباط الداخل بانفجارات الصراع.
إن حدثاً [عابراً] كما في رواية [مريم لا تعرف الحداد] وهو دهس امرأة غنية لصبي امرأة فقيرة في إحدى القرى، يثير دوامة من الأحداث المرتدة إلى الماضي والنازفة في المستقبل، ويضع خرائط القرية المدهوسة بالتحولات الصراعية موضع الرصد الشعري.
منذ حادث الدهس ودفاع ريم الضاري عن أبنها حتى محاولة قتل جنينها لم استطع أن ألغي حدثاً جزئياً أو جملة.
إن البنائية المتآزرة، سواء على مستوى عناصر السرد أو تشكيل الشخوص والأحداث والدلالات، هي شيء لا يمكن التخلي عنه، إذا أردنا صياغة رواية معاصرة، أما إذا تحولت إلى هياكل عظمية متجاورة، فهي تتقهقر إلى القص الطويل القديم، وتلك بنية توافقت مع حياة مفككة، ونمط اجتماعي عتيق، سواء على صعيد التآزر البنائي أو على صعيد الدلالة.
• هناك مسافة (لا تـُعبر) بين عبدالله خليفة الصحافي وعبدالله خليفة المبدع، إن على صعيد اللغة وإن على صعيد الأسلوب.. فهل لم يكن ممكناً الاستفادة من الكتابة الصحفية في إضاءات كثير من النصوص التي تَّهْربُ إلى الرمزية وتكثيف اللغة بشكل واضح؟ وبعبارة أخرى ما علاقة الصحافة بالإبداع في نظرك؟
ــ بالتأكيد على القاص أو الروائي أن يخاف من لغة الصحافة: لغة العرض المباشر والتقارير ومتابعة الأحداث السريعة، لأنه يحاول أن يمسكَ الأشياءَ الجوهرية العميقة في هذه المجريات اليومية النابضة كذلك بالألوان والمذاقات المختلفة والتلاشي.
ولقد أدخلت مثل هذه اللغة العرضية والملموسة إلى كتابتي، وبشكلٍ ليس محدداً، ولكن من أجل أن تكون جزءً من مادة الحياة، وأن تـُحور وتعدل لتتناسب ومجريات العرض الفني.
إن العديد من النصوص هي مضاءة بذلك، ويعتبرني بعضُ النقاد من الكتاب الواقعيين التقليديين، بعكس ما تشير إليه، وفي الواقع إن مثل هذه الإشكالية المزدوجة ناتجة عن رؤية جانب واحد من الكتابة.
فرصد الواقع بطريقة تسجيلية في مشاهد معينة هو أمر مطلوب لإحداث الإيهام ورصد العالم بشكل موضوعي، وقد كتبت بهذه الطريقة [الصحفية]- وأسمح لي أن أقول إنه لا يوجد أسلوب بهذا الاسم – ولكن أن يستولي الأسلوب الرصدي “التقريري” على الكتابة الفنية فهو يقطع أجنحتها ويطفئ بصيرتها، فليس الهدف من الكتابة القصصية عموماً التحليق عن الإنسان، بل اكتشاف الهيكل العظمي لتخلف الأمة وتعريته وعرضه للنور والنار.
ولهذا فإن الكتابة لا بد أن تزاوج بين مسألتين متضادتين، الرصد الموضوعي للعالم، وعدم الانحباس بين ملابساته الجزئية وأحجاره الجانبية.
والكتابة العربية عموماً ضائعة بين التحليق بعيداً عن الواقع، أو الانحشار بين غيرانه، وليس لدينا ذلك التضفير بين الاكتشافات العميقة للواقع، وتكوين اللغة الإبداعية ذات الطبقات الترميزية، إلا فيما ندر.
إن عدم قدرتنا على كشف الهياكل المتعفنة للعلاقات الاجتماعية -الروحية، يكمنُ في الوقوف عند الظاهر والاكتفاء بالرصد الصحفي، أو على العكس الغياب في الترميز والتعميم.
إن تضفير هذين الجانبين يعتمد على مواصلة رقابة الواقع التي تتيحها مواد الصحافة وأساليبها، وعدم الاكتفاء بموادها، والأمر يتوقف على الممارسة الكفاحية في تصوري، وليس الموقف التأملي المنعزل.
إنك تستفيد من مواد الحياة وعروضها الكرنفالية البائسة أو العظيمة. وتصل إلى القوى الميتة التي تُمسك برقابنا وأنفاسنا منذ بدء النهضة، وتعرض الأمر في مشرحة الرواية.
ومن المؤكد إن ذلك سيثير تناقضات أسلوبية كالغموض والترميز والشعرية الواسعة، أو العودة للنثر اليومي، لكن تقوم رحلة الرواية على الجمع بين الماء والنار، بين التغلغل في الجوهري وعرض المباشر، بين الشعرية والنثرية، بين الجوهرية والفوتوغرافية، بين الغموض والوضوح الخ…
• في روايتك الأخيرة [الينابيع] التي ظهر منها الجزء الأول الموسوم بـ[الصوت]، أريد أن أسألك هل هناك ضرورة/ ضرورات تيمائية (باعتبار الرواية تاريخية) تفرض جمالية خاصة ونوعاً خاصاً في الكتابة الروائي، وعلى رأسه هذا النفس الطويل والمتعدد (رواية في أجزاء)؟
ــ الضرورة تعود إلى الكاتب ومشروعه.
أن (ينهي) عملية التحليل الفنية الواسع لبلده، تطوراتها وتناقضاتها وبشرها.
أن يوهج ما يحاول التاريخ الزائف وحديد الواقع، أن ينفيانه.
أن يضيء كل تلك الكفاحات البسيطة، وذلك العذاب الطويل الغارق في النسيان والغياب.
أن يجعل أولئك البشر المجهولين في الأزقة وتحت عربات الزمن وفي آبار النفط المشتعلة، باقين، مضيئين عبر الزمن. أن يجسد أصابع الإنسان الباقية فوق البحر لتحل كل الألغاز المطروحة من قبل الضواري.
أن يعيدَ ترميم سيولة التاريخ والثمار، حيث شكلت أهرامات من الرؤوس المقطوعة والمنازل القميئة والأرواح المتقزمة، جهة العماليق المنقرضين، وأكداس النقد والأبنية الشاهقة والنفوس الزجاجية، جهة العماليق المسيطرين.
لكل شعب ملحمته، إعصاره الخاص، الذي اندفع فيه ليقاوم الأصنام والرؤوس المتوحدة ومصائد البشر. وهذا مشروع لملحمة، صورة كبيرة واسعة لرجال ونساء أعادوا صياغة التاريخ والإنسان.
الضرورة تعود إلى حلم الكاتب.
أن يجعل من رمل التاريخ لغة شعرية ولوحة تشكيلية لتصادم الينابيع القصوى للخير والشر، لتصادم القوى الكبرى، أن يرتفع عن المادة الخام للتاريخ، وللصحافة، للواقع، ليرى الشلالات الدفينة لتكون الأفكار العظيمة والنفوس النبيلة.
• إذا كان عبدالله خليفة لا يصدر رواياته ومجاميعه القصصية في داخل البحرين، فإن البحرين مع ذلك تشكل هاجساً حقيقياً في كتابته خاصة على صعيد التفضية والفضاء، حيث يحرص ـ وبقوة ـ على هذا الانتماء.. ويحاول أن يكون صوتاً لهذا البلد الشقيق، الذي بدأ يشهد تململاً حقيقياً على صعيد الكتابة والإبداع، وعلى صعيد الفعل الثقافي والمبادرات الثقافية.. فأين يضع عبدالله خليفة نفسه داخل هذا المشهد: البحرين الروائية بشكل مخصوص؟؟
ــ البحرين تشكل إحدى المُسرعات الحضارية في منطقة الخليج والجزيرة العربية، وعلى الرغم من صغرها، وربما بفضله، فقد تكونت تجربة نهضوية منذ أواخر القرن الماضي، ولعبت طليعية البحرين في الاقتصاد، سواء باعتبارها بؤرة في إنتاج اللؤلؤ وتشكيل التجارة، ثم باعتبارها أول بلد تدفق النفط فيه، في تسارع الإنتاج الثقافي وتكوين التيارات الفكرية ـ الفنية.
وبدأت القصة القصيرة منذ الأربعينيات، وانهمرت بغزارة وبحداثة في السبعينيات، ثم تحولت إلى الرواية في الثمانينيات. والنتاج الروائي قليل ولي أكبر حصة فيه [تسع روايات من ست عشرة رواية].
والواقع، إن البحرين ليس فيها تململ على صعيد الكتاب، بل يوجد فيها نشاطٌ غزير وطويل عبر نصف القرن التالي، فثمة عشرات المجموعات القصصية وعشرات الدواوين ومئات المسرحيات وكتب الأطفال والدراسات الفكرية، ولدينا رواد في الشعر والفكر السياسي وغير هذا كثير، وكل ذلك في شعب أقل من ربع مليون!
وساهمتُ في هذا الزخم منذ أواخر الستينيات بمئات القصص والمقالات والدراسات الفكرية والنقدية، وقد ظهرتْ في القصة القصيرة التي اشتغلتُ عليها عدة اتجاهات، أهمها الاتجاه الواقعي، والاتجاه التجريبي، اللذان تصارعا وتمازجا واختلفا، ومثلت الرواية امتداد هذا الصراع والتحول.
وقد عملتُ ضمن الاتجاه الواقعي، بتطوراته واخفاقاته وتحولاته المختلفة. الآن صعدنا فوق هذه التضاريس المحدودة مستثمرين دلالاتها الإيجابية.
• فيما يخص علاقة الثقافي بالسياسي، كيف ينظر عبدالله خليفة إلى المشهد السياسي في البحرين أيضاً؟ هل هناك تغير في الرؤية؟ هل هناك مصالحة مشاكسة؟ خاصة وأن روايتك الأولى [اللآلئ] عبرت بشكل رمزي عن مرحلة الخيمة المظلمة!؟
ــ المشهد السياسي في البحرين معتم، فمنذ حل المجلس المنتخب سنة 1975، وكنا ضحايا لذلك العنف، ونحن في حالة طوارئ دائمة. ورغم إن البلد عرفت تطورات اقتصادية كبيرة مع ارتفاع أسعار النفط، وشهدت البنية الاجتماعية ازدهاراً واسعاً، إلا أن الاحتكار السياسي وغياب التعددية أدى إلى تضاؤل احتواء الدولة للمجتمع ودخول البلد في حالة عجز مالي وسياسي متفاقم.
في حالة الطوارئ الممتدة ثلاثة عقود ركزت الدولة على اجتثاث التيارات الحديثة العلمانية، مما وسع وانهض الحركات الأصولية، وهذا أدى إلى نزاع دامٍ على مدى الأربع سنوات الماضية وخسارة مئات الملايين من الدولارات وعشرات القتلى وآلاف الموقوفين الخ..
ولا يبدو أن في الأفق رؤية سياسية تصالحية ناضجة تستوعب هذه الخناجر الدامية وتُدخل المجتمع في مجرى ديمقراطي.
• سؤال أخير في نص هذا الحوار يتعلق بالمغرب السياسي والثقافي في آن، فما علاقات عبدالله خليفة مع المغرب الثقافي خاصة الروائي منه إبداعاً ونقداً؟ وعلاقته مع المغرب السياسي، خاصة تجربة التناوب السياسي التي يشهدها المغرب بعد تشكيل حكومة التناوب من طرف المعارضة بزعامة اليوسفي الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي والوزير الأول في الحكومة المغربية الحالية؟
ــ المغرب نموذج مبهر للعرب. شيء متألق مختلف يلمع أمام القافلة العربية الصحراوية الطويلة، يحدوها للتوغل في العالم المتمدن الحديث، وعبور محيط الظلمات والطائفيات والإقطاعيات.
وكان انتصار أصدقائنا التقدميين المغاربة في الانتخابات التشريعية وتشكيلهم وعملهم لتحويل المغرب لصالح القوى الشعبية، مبعث اعتزاز وفخر هائل في الجزيرة العربية، وقد كُتبت العديد من المقالات التي أطرت هذه التجربة العظيمة، ومثلت أول تجربة تداولية عربية.
ونحن نتمنى على الأخوة المغاربة الديمقراطيين رص الصفوف، والتعاون العميق الموحد للمزيد من التأثير في الواقع.
أما الأدب المغربي والرواية المغربية فهما مدرستان لنا. نحن نتعلم من أدباء المغرب وروائييها الكبار. لقد العديد من الروايات المغربية الكلاسيكية والجديدة وتتبع بعض الكتب النقدية التي ترصد هذه التجربة ككتاب الناقد نجيب العوفي عن المقص المغربي، وكانت لنا لقاءات مع أدباء المغرب في مؤتمرات الأدباء العرب، ونحن فخورون بإنتاج أشقائنا المبدعين المغاربة، سواء على مستوى الأدب أم على مستوى السياسة والواقع.
عبدالله خليفة: المغامرات اللغوية أبعدت القارئ عن الرواية
عبدالله خليفة كاتب بحريني صاحب عدد من المجموعات القصصية المتميزة التي بدأ نشرها منذ منتصف السبعينات بمجموعة لحن الشتاء ثم توالت مجموعاته الرمل والياسمين ويوم قائظ ودهشة الساحر وجنون النخيل.
ودخل خليفة حقل الرواية بصدور روايته اللآلئ في بداية الثمانينات ثم توالت رواياته: القرصان والمدينة والضباب ورأس الحسين وعمر بن الخطاب شهيدًا والتماثيل كما كتب العديد من الدراسات النقدية والفكرية. وبمناسبة صدور عمله الجديد التماثيل كان هذا الحوار معه:
◇ صدرت لك حديثا رواية التماثيل ماذا عن الخطوط العريضة لهذه الرواية؟
❖ التماثيل رواية من روايات الحياة الاجتماعية المعاصرة وليست تاريخية، وهي تتناول الفترة الحالية في البحرين وتدور حول شخصيتين متناقضتين، الأولى بسيطة ومتفتحة وخيرة ولكنها ساذجة، والثانية شخصية ذكية وشريرة، وتصطدمان مع بعضهما بعضا حيث يقوم الرجل الشرير باستغلال الرجل الطيب في أعمال يتورط على أثرها في العديد من التجارب إلى أن دخل السجن وهناك تعلم الساذج كيفية التعامل مع الأشرار، بعد لقائه بأحد المناضلين الريفيين الذي يقوم بحراسة كنوز التراث التي هي التماثيل.
◇ شخصيات الرواية حلمية أم واقعية؟
❖ هناك صبغة تجمع بين الحدث اليومي الحقيقي من خلال شخصيتي حارس التماثيل، والساذج الشرير وهي ترميزات لأنماط بشرية وقوى متصارعة في الفكر والموقف والفن الآن بعدما كتبت مجموعة كبيرة من القصص والروايات لم أعد أكتب ما هو تسجيلي فوتوغرافي، لكنه يستفيد من المادة الحياتية ويتغلغل فيها ويضعها في صيغ ترميزية.
◇ ما سر تحولك من الكتابة التاريخية إلى الكتابة الواقعية؟
❖ كنت دائما مهتما بجذور الحالات القصصية والروائية كجذور بلدي والحالات الشخصية والفنية وصيرورة الشخصيات كما في روايات اللآلئ، وهي عملية مهمة لكشف تطور الشخصيات وإبراز تناقضاتها وجذورها الروحية، هذا المنهج دفعني إلى دراسة التاريخ الإسلامي بعد تخرجي من قسم اللغة العربية في معهد المعلمين، واصلت الكتابة الأدبية بهدف البحث في جذور الإسلام والأمة العربية، وأصدرت كتابا من أربعة أجزاء حول تطور الوعي العربي الفكر الفلسفي.
◇ هل تربط الرواية بالتاريخ لتعيد التعبير عما قاله التاريخ بلغة أخرى أم التعبير عما لا يقوله التاريخ؟
❖ لم أكتب الرواية بشكل تسجيلي تاريخي وتوثيقي دراسي وإنما بشكل روائي، أستخدم أسلوبا شعريا ولغة مرنة بحيث لم أتوقف عند التيمات التاريخية والتقارير المتيبسة للسرد القديم، حيث تتداخل الضمائر وينمو السرد عائدا للماضي ومتوجها للحاضر وتتشكل شبكة من الشخصيات مثل عمر في رواية رأس الحسين في المدينة وهو يجابه الاستغلاليين ويساعد الفقراء.
◇ ما حجم ودور الخيال في هذه الروايات التاريخية؟
❖ حجم الخيال يبقى محدودا لأنه توجد لديك مادة لا يجوز تحريفها أو تشويهها ودور الكاتب هو إضفاء عوامل التشويق على هذه المشاهد مثل الصراعات الحربية.
◇ كيف تتقاطع كمثقف مع المفاهيم التجديدية للغة؟
❖ الأسلوب الحديث بمغامراته اللغوية وسرده المنقطع واستخدام المونولوجات أو المشاهد المسرحية أو تعددية الأصوات هذا كله مطلوب لكن ينبغي أن يؤخذ بحذر وتوظيف حقيقي، لأن هناك هوة كبيرة بين الكاتب والقارئ، هذه الهوة تشكلت بسبب المغامرة المتطرفة في اللغة، حيث أصبح الكتاب الأدبي منبوذا وغير مقروء، ونحن نحاول أن نجمع بين تطوير اللغة واكتشاف مستويات غنية فيها وفي نفس الوقت نسعى لخلق لغة اتصال مع الجمهور.
◇ ما الهموم التي تشغل الكاتب البحريني؟
❖ هي نفس الهموم في الأقطار العربية الأخرى لا تختلف مثل قضايا الحرية والتنمية والفقر والغنى التي أشتغل عليها منذ أربعين عاما، واشتغل عليها قبلنا كتاب كبار، ولكن مهمتي في الرواية أو القصة تحويل هذه القضايا الكبرى إلى تيمات قصصية.
◇ برأيك متى ينتهي الروائي كروائي؟
❖ عندما يستنفد تجربته ولا يستطيع أن يستكشف عالمه ويقدم تحليلات إبداعية مهمة فيه وعندما يكرر نفسه ويعيش على ذات الموضوعات والأساليب.
◇ أين موقع المرأة في كتاباتك؟
❖ المرأة دائما ملازمة لي في كتاباتي خاصة في الرواية، نجد العديد من الأشكال كانوا نساء مثل بطلة روايتي امرأة التي تقود عملية التغيير في القرية، وتكتشف خيانة زوجها السياسية.
◇ أين أنت من المشهد الثقافي البحريني؟
❖ كنت في قلب المشهد طيلة أربعين عاما وكتبت مختلف الأنواع الأدبية والدراسات النقدية والفكرية وأخوض المعارك الفكرية من أجل تجذير هذا الأدب ودفعه نحو آفاق أخرى جديدة.
أسئلة حوار الصحفية والكاتبة الجزائرية
• اكتشفك القارئ الجزائري من خلال روايتك الأخيرة «رأس الحسين» كيف تقدم نفسك لهذا القارئ ؟
ــ كنتُ قد شاركتُ في مؤتمر الأدباء العرب في الجزائر سنة 1975 وكنتُ شاباً غضاً وقتذاك ، وكان المؤتمر يضم أدباء وشعراء كباراً ، وفي المؤتمر قدمتُ بحثاً بعنوان (تطور القصة القصيرة) ، ومنذ تلك السنة انقطعت صلتي المباشرة بالجزائر وبالعالم الخارجي بعد الأحداث السياسية في بلدي.
لقد كنتُ أكتب في مجال القصة القصيرة والرواية والبحث ولم يتح لي النشر بسبب سنوات السجن سوى في الثمانينيات فنشرتُ عدة مجموعات قصصية عبر دور النشر اللبنانية والمصرية خاصة ، وكذلك كتبتُ مجموعة من الروايات. وتستطيعين أن تقولي إنني أكثر الكتاب في البحرين والخليج كتابة للرواية منذ البداية ، كما اهتممت بالنقد والأبحاث عبر الحفر في تاريخ المنطقة سواء بالكتابة عن الأنواع الأدبية والفنية البحرينية أم بالكتابة عن تطور الرواية في الجزيرة العربية والعالم العربي عموماً. فلي تحت الطبع كتاب عن الروائي العربي الراحل نجيب محفوظ بعنوان (نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية).
وفي العقد الأخير أهتممت بالكتابة عن التراث العربي الإسلامي الذي كان لي به اهتمام مبكر، فصدرت لي ثلاثة مجلدات ، أي ثلاثة أجزاء ، تبحث فيه تحت أسم (الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية) بدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت بين سنتي 2004 و 2005 ، وهذا هو المدخل الذي قادني لكتابة روايات عن التاريخ العربي الإسلامي ، فرواية (رأس الحسين) المنشورة عن طريق منشورات الاختلاف والدار العربية للعلوم ، هي ثمرة لهذا الاطلاع وهي جزءٌ من سلسلة روايات بهذا الصدد ، أنجزت منها رواية أخرى هي (عمر بن الخطاب شهيداً).
• في هذه الرواية تعيد الاشتغال على احدي ماسي التاريخ الإسلامي ما هي قصة هذا النص بالذات ؟
ــ قصة هذا النص الروائي تتعلق بجانبين هما العمل في الرواية التاريخية وإضفاء لمسات جديدة فيها ، والجانب الثاني الكتابة عن شهداء الإسلام الكبار . لقد رأيتُ بأن كتابة الرواية المعاصرة تغدو محلية أكثر فأكثر ، وغالباً ما يعزف عنها القارئ العربي ، خاصةً إذا غاصت في محلية شديدة ، ومن هنا تكتسب الروايات ذات البعد العربي العام أهميتها .
كما أن الرواية العربية التاريخية لم تتطرق إلا بشكلٍ نادر لبؤر التاريخ العربي الإسلامي ، ولهذا فإن كتابة روايات عن صدر الإسلام هي ذات أهمية كبيرة ، لأن هذه المرحلة خطيرة ومؤسسة ، كما أنها خلقت خلافات كبيرة بين العرب والمسلمين ، ولهذا كان لا بد من أضواء موضوعية عنها ، تراعي الحقيقة قدر الإمكان ، وتــُكتب بصورة فنية .
ويهمني في مثل هذه الأعمال خاصة الجانب الروائي فالدخول الفني الموضوعي في مثل هذه البؤر التاريخية أمر شائك ، وقد أقتصر الأمر على بعض الاجتهادات الفنية السابقة التقليدية والتي أعطتنا في الواقع حصيلة بحثية وفنية أولى ، خاصة أعمال طه حسين ، لكنها كانت ذات منظورات رومانسية ، ولم تستطع أن تكشف صراعات المادة التاريخية وجذورها ، لأن الرواية العربية التاريخية وقفت فوق قراءة محدودة للتاريخ وللإسلام عموماً ، ولكن عمليات التغلغل الأخيرة في التراث كدست مادة ورؤى جديدة ، فأصبحنا ننظر للتاريخ بأنه ليس فقط مآثر أفراد ولكنه حصيلة كذلك لفعل شعبي عميق ، وإن الفردي لا ينفصل عن العام ، وإن أخطاء المرحلة التأسيسية لا تلغي إنجازاتها التحويلية النهضوية العظيمة، وأن الماضي الخلاق يحتاج لقراءات نقدية موضوعية تثريه ، والقارئ العربي بدأ يتعرف على هذا الوعي الجديد من خلال الأبحاث ومن خلال الرواية التي لها مساحة أوسع.
وإذا كان أمين معلوف يتحدث عن تاريخ الشرق القديم في نقاط مضيئة فيه ، فإن تاريخ الإسلام التأسيسي أكثر صعوبة في التوغل به وعرض هذه النقاط المضيئة ، وبدون الإساءة للرموز بل إظهار جوهرها النضالي الإنساني .
• بدأت شاعرا و انتهيت روائيا كيف اختصرت المسافة إبداعيا ؟
ــ ثمة لبس هنا ، لعله اختلاط للأسماء ، فهناك العديد من لقب (خليفة) في البحرين والخليج بل ربما عندكم حتى في الجزائر حيث يوجد مؤلف مقارب لأسمي !
فأنا لم أكتب الشعر بل كانت تجربتي كلها في القصة والرواية والبحث ، لكن الشعر ليس نظماً بل لغة تعبيرية مكثفة عميقة ، تسري في الرواية والقصة .
• ظهرت مؤخرا بعض الروايات التي تطرح مشاكل الأقليات ألا تعتقد أن الأوضاع السياسية للعالم العربي كان لها دورا في ظهور هذا النوع من الروايات ؟
ــ الرواية تتغلغل في مشكلات الأقليات والأكثرية ، لأنها تعنى بالإنسان بأي صورة تشكل، لكن الرواية كنوع أدبي له علاقة وثيقة بالصراعات الاجتماعية فيتواشج مع صعود كافة القوى التي تريد أن تعبر عن نفسها ، ومن هنا هذا الكم الواسع من الإنتاج الروائي الذي يكتبه المؤلفون ، وبطبيعة الحال فإن المضطهَّدين يتوجهون بشكل أكبر وأعمق للتعبير عن جماعاتهم ومناطقهم وشعوبهم ، ولكن مستوى ذلك يتعلق بالشروط الفنية . إنه كلما زاد اضطهاد جماعة زادت قدرتها على التعبير ، وكثيراً ما نجد قوى النخبة المسترخية اجتماعياً قليلة بل ونادرة الإنتاج ، لكن من الممكن أن يظهر فيها مبدعٌ متميزٌ يكشف تعسفها وأمراضها . ولهذا تلاحظي كيف تصاعد إبداع المرأة العربية الروائي حيث تعبر عن استبداد طويل للرجال وعن معاناة هائلة . لكن أي رواية فيها مستوى فني كبير ؟ هذا هو المهم .
• يقال أن زمن الشعر قد انتهى، كشاعر هل ما زلت تؤمن أن الشعر ديوان العرب ؟
ــ زمن الشعر لم ينتهِ ولكن الشعر العربي في أغلبه أختار الاغتراب عن تحليل وكشف الحياة العربية ، فدخل لعبة الأشكال الخاوية ، أو أنحصر في الذات المغلقة ، وهي عملية حاولت تقليد شعر الغرب الأسطوري وشديد الحداثة ، لكن بدون جذور عربية وإسلامية ومسيحية الخ . . فالشاعر تضخمت أناه ، ونجد ذلك خاصة في الشعراء الذين أنفصلوا عن معارك مجتمعاتهم ، فصار شعرهم منحوتات لغوية يابسة ، فقدت علاقتها بالجذور والملموس والحي واليومي ، وأتجه آخرون لما أسموه الشعر اليومي فكان نثراً تصويرياً جزئياً لم يقدر على التغلغل في الجوهري إلا من جمع بين اللقطة والحياة ، بين الذات والصراع الاجتماعي .
ومن هنا حلت الرواية مكان سيادة الشعر ، خاصة أن أنواعها المقاربة كالمسلسل التلفزيوني والفيلم الخ انتشرت بشكل جماهيري ، وإن كانت هذه المقاربات الفنية تتجه للتسطيح وتغدو بمثابة الحكواتي القديم في صورة عصرية ، فهي تغدو من قبيل التسالي ، فلا تتجه للروايات الكبرى والمهمة في صناعتها الفنية ، تلك الروايات التي تعالج القضايا المحورية في المجتمعات العربية .
• في وراية رأس الحسين تعمدت أن تترك النهاية مفتوحة نوعا ما هل يمكن أن يحيل هذا لقراءة مختلفة لمر حلة تاريخية حرجة في التاريخ الإسلامي .
ــ نهاية رواية (رأس الحسين) معتمدة على عدم انتهاء الصراع التاريخي المحدد في تلك الحقبة إلى نتيجة بين التيارين المتصارعين ، تيار العامة والناس وتيار سلطة الأقلية ، فكانت ثمة أسس جديدة تتشكل في الإمبراطورية الإسلامية ، حيث عجزت عائلات الحجاز الأرستقراطية عن قيادة جمهور العامة نحو تحقيق المـُثــُل الإسلامية المتجسدة في زمن الثورة المحمدية ، ولهذا بدأت تظهر قوى الإصلاح داخل المدن وبصورة فكرية عقلية كالقدرية والمعتزلة والحنفية الخ. .
كانت معركة الحسين معركة مجموعة طليعية صغيرة في زمن تضخم الدولة الباطشة ، ولهذا كما قرأتِ بذكاء إن النهاية ظلت مفتوحة بسبب تلك الأسباب الموضوعية وإن كانت المعركة خميرة لتحول جديد .
• يعاني المشرق العربي من قطيعة ثقافية مع المغرب العربي ماهي الأسباب في رأيك .
ــ أن الصلات الثقافية بين الأقطار العربية عموماً ضعيفة ، لكن هذه العلاقات تنمو عبر وسائل الاتصال والنشر المختلفة ، كذلك العلاقات بين المشرق والمغرب العربيين في تطور مستمر ، خاصة بين النخب الفكرية والثقافية أما الجمهور العربي فهو أمي بأغلبيته فلا يدخل في علاقة ثقافية في بلده أو مع البلدان الأخرى .
من الضروري هنا القيام بعمليات نشر مشتركة ، وقيام علاقات قوية بين الاتحادات الأدبية ، نحن في أسرة الأدباء والكتاب في البحرين نقيم علاقات مع أتحاد الأدباء العرب في سوريا والأردن ، ولكن لم تتوفر القدرات لمثل هذه الأنشطة مع الجزائر أو تونس ، في حين أن الجهات الرسمية تقتصر على العلاقة مع المغرب الذي يقيم علاقات مع جهات حكومية ثقافية تتم فيها إستضافة وجوه معينة دائماً .
• تميزت منذ سنة 2006 بـ انفجار في الأقلام النسوية خاصة في السعودية هل يعني هذا إيذانا بتراجع سلطة الرجال إبداعيا ؟
ــ كثرت الكتابة الروائية النسائية في السعودية مؤخراً لأسباب اجتماعية أكثر منها أدبية جمالية ، فهناك كبت كبير لحرية المرأة فحتى حرية السياقة ممنوعة! ولا تزال المناهج الدراسية تعود لقرون مضت، ورغم حشود النساء المتعلمات إلا أن أوضاعهن صعبة جداً. هذا ما جعل بعض الفتيات يكتبن الرواية للتعبير عن هذا الكبت والحرمان ، لكن الرواية الفنية تتطور ببطء في السعودية ، فالكتاب المتميزون قلة قليلة وإنتاجهم الجيد محدود ، لكن الرواية كتسجيل صحفي وتحقيقات اجتماعية لها طابع القص هذه عملية تظل سطحية و(فضائحية)، بمعنى إنها تتوجه للإثارة ، وليس لتحليل المجتمع وظواهره . لي دراسة حول الرواية في منطقة الجزيرة العربية عموماً ، لم تظهر ككتاب بعد ، وجدتُ فيها إن البلدان – المدن كالكويت والبحرين و(مكة في السابق) بدأت فيها عمليات الرواية وتطورت فيها ، أما الأقسام البدوية فقد جاءت متأخرة وتضخم إنتاجها في الآونة الأخيرة بدون عمق كبير .
• أنت كروائي بحريني كيف تختصر واقع الرواية هناك للقاري الجزائري ؟.
ــ واقع الرواية عموماً ينمو بشكل كبير ، وهي تتجه لعمليات تصوير وتسجيل وتكوين ملاحم للبلدان المختلفة ، ونستطيع أن نقول بأنه يوجد فيها أعمق الحوارات الفكرية والفلسفية والاجتماعية ، فالروائيون يناقشون مسائل بالغة العمق بدءً من التطور الاجتماعي البسيط حتى قضايا الدين والمصير ، فإذا أخذنا روايات واسيني الأعرج مثلاً نجده يناقش تطور الجزائر خلال القرن الماضي كله ، ويغوص في معاركها السياسية والفكرية بشاعرية وعنفوان محتدم ، وبتقنيات خاصة مبتكرة ، ومثل هذه الرواية تعبر عن تلك الأعماق المتوارية من التسجيلات اليومية العابرة .
ومن الصعب جداً تلخيص الرواية حتى عند كاتب واحد فما بالك بتلخيصه بشكل عام ، فهي عموماً ملحمة العصر الحديث .
• ما الوقت المناسب الذي تختارونه للكتابة ، وكم ساعة تكتبون يوميا ؟
ــ كنتُ أكتب منذ كنتُ طالباً ثم مدرساً، في أواخر الستينيات من القرن العشرين، وحينئذ لم تكن للكتابة وقت وطقوس، لأن الوقت الأصلي للكتابة كما تكرس لدي لم يكن موجوداً، فأن تكونَ مدرساً فإن الصباحَ يتمُ إختطافه منك، وتلعب ضجة الطلبة دورها في القضاء على أي مناخ إبداعي تال.
لكنني مع هذا كنت أكتبُ قصصاً قصيرة وبعض المقالات في الليل، في أجواء مشتتة ، التعليم ، العمل السياسي ، القراءة ، مسارات تشدني في إتجاهات متعددة.
كانت سنوات السبعينيات تجري بهذا المناخ، وقد دخلت الأعتقال السياسي منذ 1975 أغسطس، وخرجت في بداية الثمانينيات، وبالتأكيد فإن طقوسَ الكتابةِ في السجن صعبة، لكنها كرستْ كتابةً صباحية، حيث الفراغ الطويل والمزاج المفتوح، لكن الأمرَ يعتمدُ على وجودِ القراطيس من ورقِ السجائر ومن قلمٍ رصاص قصير صعب المنال، ولم يوجد الشاي وكان هذا عاملاً مُحبِطاً للكتابة.
كتبتُ في هذا المناخ مجموعةً قصصية واحدة (الرمل والياسمين)، وعدة روايات قصيرة: اللآلئ، الهيرات، القرصان والمدينة، والعديد من المقالات والتعليقات على ما يُكتب في السجن والعالم الخارجي، إضافة لمشروعات روائية وقصصية كثيرة ذهبتْ في ظروف حملات التفتيش وعدم القبول من المؤلف نفسه!
لا بد لك في هذه الأحوال من قدرةٍ على الاحتفاظ بما تكتب، ولهذا فإن أمكنةً سريةً لا بد أن تكون موجودةً جاهزةً بعد إنجاز المسودة كقعرِ حقيبةٍ، أو داخل معاجين الحلاقة!
بعد الخروج من السجن لم يكن ثمة عمل، وعدتُ لبيتِ أبي القديم، ولم يكن ثمة مكان هادئ، وتغير الجو كثيراً، لكن تحولت غرفتي القديمة إلى ساحة قتال لإخراج المسودات الغائرة في المعاجين، لتبدأ عمليات التنقيح والتبييض.
أخذ الصباحُ مكانتَهُ مجدداً، وتوفر الشاي والورق والأقلام لكن لم يتوفر الهدوء، فلا بد من البحث عن عمل، وتغير البيت، وتغير الحي، لكنني تمكنتُ من نشرِ ما كتبتهُ في مرحلة السجن بمساعدة أصدقاء سواءً في التنظيم السياسي أم من قبل اتحاد الكتاب العرب بدمشق.
وقد تعودت أن أحول ساعات الصباح الأولى إلى ساعات كتابة للأدب أو الفكر عامة، وبشكل مستمر ومنضبط على مر السنوات، ولكن هذا يتوقف على الفكرة الموجودة والمزاج، وبضرورة الوحدة والعزلة في المكان الذي يوفر الهدوء والتركيز، ولكنني لا أكتب كثيراً كل يوم، فربما فصلاً أو صفحة، أو حتى فقرة صغيرة، لكن الكم الكتابي يتراكم على مدى الأيام، وهذا يجعل الذات في جدل يومي مع المادة ومعالجتها.
• ما المكان الملائم لكم والذي تفضلونه أثناء الكتابة ، وهل تغير المكان يؤثر على الرغبة في الكتابة ؟
ــ كما قلت لك سابقاً بأن ثمة علاقة مفروضة على المكان، أحياناً تكون لديك زنزانة في سجون متعددة، بعضها شرح وبعضها مقبض جداً، لكن المكان الذي تواجد عبر الاختيار هو جو الغرفة المغلقة، أو الصالة حين تكون في شقة زواج، ونفس الصباح حيث تذهب الزوجة للعمل، وتبقى وحدك، لكن مع تواجد الآخرين والضجيج تستحيل الكتابة، إلا في حالة السجن حين يصمت رفاق الزنزانة نهاراً وينشغلون بأعمالهم من تشكيل حرف أو كتابة أو قراءة، لكنك لا تنتج بنفس مستوى العزلة الحرة.
• هل تكتبون بالحاسوب أم بالقلم ؟
ــ علمتني الظروفُ أن أكتبَ بكلِ شيء، بأي مادةٍ تنهمرُ على الورق الأبيض أو على الشاشة، كان الجنون يتملكني وأنا أبحثُ عن قلم لدى المسجونين بأحكامٍ الذين أعلمهم القراءة فيهدونني قلماً طويلاً أشبه بمعجزة. ثم كتبتُ كثيراً بالأقلام المتعددة بعد ذلك، وكنت قبل السجن قد أشتريتُ آلةَ طباعة كتبتُ عليها، فأشتريتُ أخرى بعد أن تم إلقاء تلك الآلة في البحر خوفاً!
الآلة الكاتبة الجديدة أخذت معي سنوات، تنقلتُ بها من الشقةِ الصغيرة حتى غرفة فوق السطوح على بناية، وقد تحملتْ عدةَ مجلداتٍ من الرواياتِ وعدةَ مجلاتٍ من الأبحاث فتصدعتْ، وكانت نهايتها هناك، أصبحت رثة، ضعيفة الطبع، وهنا بدأت العلاقة مع الكمبيوتر، كانت هذه الآلة تحفة وثراءاً وحفظاً جباراً، لكن البدايات كانت مروعة!
أخطاءٌ في الحفظ فضاعتْ فصولٌ وقصصٌ، وأخذت سنوات عدة وأنا أتعلم وأتغلغل في السيطرة على هذه الآلة، وعشتُ مع عدة أجهزة ثابتة أصيبتْ بالإجهاد وتغلغلتْ فيها الفيروساتُ بسببِ جمعي للكثير من المعلومات من مختلف المواقع، فأنا كاتب عمود يومي كذلك في جريدة أخبار الخليج وعبر عدة سنوات ولا بد لي من الاطلاع المستمر ونقل المعلومات والدخول في مختلف المواقع، حتى أصبح المحمول رفيق الدرب!
• إذا كنتم تكتبون بالقلم ، فهل هناك أقلام أو أوراق معينة تساعدكم على الإلهام الكتابي؟
ــ لا أعترفُ بالإلهامِ الكتابي أو بأشياء مميزة سحرية للكتابة، والكتابةُ هي متعةٌ وجمالٌ ومعاناة وتضحية وحرفة لها قوانين إبداعية وعدة شغل، والآن أصبح المحمول أفضل صفحة بيضاء أخطُ عليها، وأصبحتْ العودةُ للقلم الناشف والحبر أو حتى قلم الرصاص الصديق الوفي لسنواتِ غيرَ ممكنةٍ بسبب هذه الآلة الجميلة الفذة!
• هل هناك مشروب معين أو موسيقى معينة أو عادة ما تساعدكم على تدفق الكتابة ؟
ــ أهم ظرف وطقس للكتابة هو المزاج الهادئ ووجود تراكم روحي من الأيام السابقة وشحنات متصاعدة من الصور والمشاعر والأفكار ، ومن حالة الخلق الساخنة المحبة للناس والتغيير ، والرغبة في الإضافة شيء للحياة ، ونقد أشياء معتمة، والأمل بصعود أشياء جميلة ، وهي كلها تتمظهرُ في حالاتٍ ، وشخوص ، وثيمات معينة تنمو في هذا الاشتباك الخلاق ، تظهر على الشاشة العقلية ، وتقوم الكتابة بإستخراجها من تلك الحالة الضبابية ، من ذلك الكمون الداخلي.
الشاي يتلون أثناء العمر ، يغدو الأحمرُ صعباً ، يصير الأبيض أفضل ، القهوة تأتي في أحيانٍ نادرة ، الأمر يتطلب التركيز وإقتناص تلك اللحظات من التجلي والهدوء والتركيز ومدى سلاسة المادة وإنفتاحها على حياةٍ متوهجة ومقاربتها للصراع الحميم المتوتر وقدرتها أن تكون مقنعة معقولة.
• رواية [عمر بن الخطاب شهيدا] كم من الوقت استغرق كتابتها ، وهل صَاحَبها طقوس معينة ؟
ــ روايةُ (عمر بن الخطاب شهيداً) جاءتْ في خضمِ قراءات وكتاباتي عن التاريخ العربي الإسلامي ، فنحن نلاحظُ غربةَ الروايةِ عن الواقعِ والقراء ، فقبلها إنفجرتْ في نفسي صورةُ الحسين الشهيد وكنت قرأتُ عنه سابقاً من موادٍ شتى، فخطرتْ لي بعد ذلك وبزمنٍ طويل من تلك القراءات فكرةُ الكتابةِ عن الرأسِ لوحده، الرأس كشخصيةٍ فنيةٍ مستقلة، كفنتازيا إجتماعية تجمع المواد التاريخية والخيال والصراعات غير المعقولة في التاريخ العربي الإسلامي.
وهكذا جاءتْ روايةُ (رأس الحسين) وصدرتْ عن الدار العربية للعلوم ببيروت.
حققتْ الروايةُ شيئاً من الاهتمام والإثارة على المستوى العربي الواسع.
جاءتْ روايةُ عمرُ بن الخطاب شهيداً في مسارٍ آخر، متجاورٍ مع الرواية السابقة، عبر ثيمتي الشهادة والبطولة، وبأداة الكتابةِ عن البطولةِ ببساطةٍ وعقلانيةٍ وبدون غيبيات، وبتحويلِ الشخصياتِ التاريخية الكبيرة إلى شخصياتٍ بشرية تقومُ بالفعلُ المثير المضحي من خلال العادي، وبالتجربة، ومن مواد الأرض الواقعية.
ولا تستمر الرواية عادة لدي فترة طويلة، فالمعدل هو أربعة شهور، إلا الروايات الطويلة، الممتدة في أجيال، والزمنية فيها بسبب العادة السابقة الذكر وهي الكتابة الصباحية اليومية، التي تخلق تراكمات. القراءاتُ الطويلةُ السابقة في التاريخ والتراث تهيءُ لك الجو، وربما ترجعُ لحيثياتٍ يومية كثيرة، لكن الكتابة الفنية تنمو بنفسها وبالاعتماد على أدواتها.
• هل حدث أن أعدتم كتابة عمل ما لمجرد أنه لم يعجبكم ؟
ــ كما قلت لك بأنني تخليت عن روايات عدة كتبتها في السجن، مثل (الدرويش والذئاب) بعد الإفراج لم تعجبني الغرائبية الشديدة فيها، التي شكلتْ في ذهني بُعداً عن المعقولية الفنية، فأحببت أن أكتبَ بشكل قريب للحياة، وللصدق، وأن تتنفس هذه المخلوقات الخيالية في العالم، وتصيرُ جزءً منه، وتشاركُ في أحداثهِ وتضيفُ لفهمه لآخرين قادمين.
هناك الكثيرُ من القصصِ القصيرة التي نُشرتْ في الجرائد ولم تظهرْ في مجموعة قصصية ولدي مجموعات قصصية لم تنشر حتى الآن في كتب وروايات جديدة كذلك رهن الأدراج، وعملية حذف النتاج هذا أشبه بالنقد والنقد الذاتي، فالكتب تمثل درجة أعلى من الكتابة، خطوة نحو تبلور الرؤية، نحو تشكيل الموقف من الحياة، وتصيرُ الكتاباتُ التي نُشرت في الجرائد ولم تجمع كأنها مسودات، أو حوار مع الناس.
(القرصان والمدينة) روايةٌ كتبتُها في السجن ومضتْ عبرَ معجونِ الحلاقة وبُيضتْ أثناء الخروج من المعتقل، ووقعتْ في إشكاليةِ الصياغة المضطربة، أثناء نشرها لدى دار الفارابي في أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، ولكن في طبعة الأعمال الروائية لدى المؤسسة العربية للدراسات والنشر (2004) – راجع Google Book Result – أدخلتُ عليها بعضَ التغييراتِ الهامةِ لإلغاءِ ذلك التشوش الذي حدثَ من تداخل الفصول والشخصيات، فهي روايةٌ غرائبيةٌ، ذاتُ سردٍ غنائي، وفيها شخصياتٌ متعددةٌ راوية.
• هل تتصارع أكثر من فكرة في ذهنكم أثناء كتابة عمل ما ؟
ــ بطبيعةِ الحالِ الكتابةُ مثلَ الحياة تقومُ على الصراع، فحين كنا في البداياتِ وأنت تعرفُ طبيعةَ المجتمعاتِ العربيةِ في الخليج وبساطتَها الشديدةَ، كان الصراعُ مبسَّطاً، بين الخير والشر، بين الوطنِ والقوى الخارجية، بين الذات والواقع، بين الفكرة والعالم، وتقود خبرةُ الحياة ورؤيةُ الشخوصِ والتقلب بين النيران والجليد، إلى أن تظهرَ أفكارٌ متضادة، وشخصياتٌٌ متناقضة، وكنا نرى بأن القوى المناضلة لها الإنتصار التاريخي، ثم رأينا تناقضاتها، وسذاجة تصوراتها، وتقلباتها الشديدة، ونحن جزء منها سلباً وإيجاباً، لكن مسافة المعرفة، والغوص في تحليلات الواقع وإنجازات حركة التغيير في العالم، تجعلك تنفصلُ عن هذه المادة، والأبطالُ الخارقون يتحولون بعد ذلك إلى موادٍ إنسانية، إلى تناقضاتٍ ملموسة، والفكرُ التقدمي يمتزجُ بالواقع العربي الإسلامي، والبداوةُ المنفيةُ من الكتابةِ تغدو بؤرتها، والجزيرةُ العربيةُ تحل محل الغرائبيات الغربية، وتتشبعُ المادةُ أكثر فأكثر بالحياة، التي لا تنفي الغرابة واللامعقول كذلك، وتصبحُ حياةُ الروائي مثلي شخصيةَ الذي يحملُ الغربَ في الشرق، والذي يُشّرحُ الواقعَ لا الذي يحملُ الإيديولوجية، وبالتالي فإن مساحات من الصراعات تتشكلُ في إثناء هذه السيرورة الكتابة.
• ماذا تشعرون أثناء الكتابة ؟ صراع ؟ أزمة ؟ دوامة ؟ أم يبدو الأمر طبيعيا لكم ؟
ــ أشعر أثناء الكتابة بالفرح والسعادة، لا يوجد هناك ألم أو تعذيب ذات ، حينما تكون هذه اللحظة أتدفق في العمل، وحينما لا تتكون لا أجبرُ نفسي على الكتابةِ أو على الاستمرار فيها، فشيءٌ قليل وبضعُ صفحاتٍ أو بضعةُ أسطرٍ أفضل من كتابة كثيرة مليئة بالجبر والأسى.
لأنني حينما أنهي الكتابة الأدبية أشتغل في الكتابة الصحفية أو الفكرية، أو لا أعمل.
لا توجد أزمة أو اضطراب لأن الكتاب يبحث عن الأزمات والاضطرابات ويفحصها ويعقلنها ويجسدها.
الرواية موقف فني تنمي الوعي والسمو الأخلاقي
حاوره: فيصل عبد الحسن
عبدالله خليفة ، الروائي الأول في دولة البحرين وهي حقيقة معروفة ولا يختلف عليها اثنان من المهتمين بالأدب البحريني، هو مزيج ثقافات قديمة وحديثة ، ونتاج واقع عربي بكل ملابساته، السياسية والثقافية والاجتماعية ، في كتاباته العديدة في المقالة والقصة القصيرة والرواية تجد التماعات الثقافة الموسوعية ، والهضم الإيجابي للفكر العربي منذ ثورات القرامطة، وحتى يومنا هذا، هو في حقيقة الأمر العديد من الفنانين في فنان واحد، ومن يطلع على تجربته الأدبية والثقافية يعيد كل حساباته بشأن واقع الروائي الذي يجب أن يتحدر من مجتمع متعدد الفئات ومتشابك العلاقات مع عمق تاريخي وجغرافي واسع ، فالروائي البحريني يكتب عن مجتمع ـ البحرين ـ الذي لا يمثل طول البلاد بكاملها سوى ساعتين بالسيارة، كما يقول عبدالله خليفة، حيث تقطع البلاد من جنوبها إلى شمالها ، والبلاد عبارة عن مدينة كبيرة وريف موزع على جزر عديدة ، ولكن هذه الجزر احتضنت ثورات القرامطة ، والعديد من حركات الخوارج، فحملت في رحمها تكوينات تاريخية بالغة العمق والتأثير بالحاضر ، والروائي عبدالله خليفة منذ السبعينيات بدأ رحلته مع الأدب بمجموعة قصصية أولى أسمها [لحن الشتاء] ثم جاءت مرحلة السجن بسبب الرأي التي امتدت لست سنوات وبعدها نشر مجموعته الثانية [الرمل والياسمين] عام 1982، ثم رواية [الهيرات] بمعنى المغاصات، وثم [يوم قائظ، قصص قصيرة] ورواية [أغنية الماء والنار] ورواية [القرصان والمدينة ] ورواية [نشيد البحر] ومجاميع قصصية: [سهرة]، [دهشة الساحر] و[جنون النخيل]، التقته الزمان وكان هذا الحوار:
• يتبادر سؤال منذ البداية، إن البحرين دولة صغيرة وعدد نفوسها محدود، والرواية كما نعرف تحتاج إلى عوالم متشابكة، تاريخ عريض، جغرافيا فسيحة، تفاعلات اجتماعية ونفسية، فكيف تمكنت من كتابة الرواية؟
ــ إن تطور الرواية ونشؤها لا يرجعان إلى أسباب جغرافية وسكانية بالدرجة الأولى، فمصدر الرواية هو التطور الثقافي والفني لمجتمع ما، والذي يتشكل في مدى من التفتح والازدهار الاجتماعي.
وقد مثلت البحرين مدينة متفتحة في عالم صحراوي وبحري قاسٍ، فأخذت تغزل من خيوط التأثيرات الإبداعية، العربية والعالمية، ومن معاناتها العميقة، ابحاثها الروحية المتغلغلة في شبكة اجتماعية مختلفة وهي لديها تاريخا الثر الخاص، الممتد من انتفاضة القرامطة الذين شكلوا أول جمهورية عربية اشتراكية، حتى أزمنة الاسترقاق البحرية والعبودية الأجنبية، من هنا لن تجد أي تيار فكري وسياسي عربي يخلو من ممثليه لدينا، ولن تمر مدرسة أدبية وفنية في العالم دون أن تعطي نتاجاً ما في البحرين، بل إن البحرين تعتبر بؤرة المشكلات والتيارات في الجزيرة العربية، وهي المدينة التي تصنع فيها الخميرة الفكرية والسياسية لشبه الجزيرة لسنوات عديدة سابقة.
وبهذا كله، فإن الرواية قد تأخر ظهورها في البلد، وكانت ثمة عوامل موضوعية وفكرية عديدة أهلتها لصنع الرواية ولكن تكاسل المبدعين وابتعادهم عن الإنتاج الروائي واقتصارهم على كتابة القصة القصيرة جعل ظهورها يتأخر، ولهذا فإنني وجدت كتابتي المستمرة للقصة القصيرة تؤهلني لكتابة الرواية، وتشكيل رواية عربية في الخليج، وليست الرواية تحولاً كمياً في القصة القصيرة، بل هي موقف فني انعطافي كبير، تحدث خلاله انكشافات موسعة في روح ووعي الإنسان ومحيطه.
إن كثرة الأحداث الاجتماعية والسياسية التي مرت بها البحرين هي مخزن دائم للكتابة الروائية، فالتغيرات والثورات والتحولات ليست قليلة، ولكن القضية هي الخروج من السطح الخارجي للحياة السياسية واكتشاف الجوانب العميقة للتطور الروحي والنفسي، بمعنى تمُثل ما هو إنساني في ما هو محلي، وما هو جمالي في ما هو اجتماعي.
• أنت الروائي الوحيد في البحرين، هل هناك غيرك و مازال في بداية الطريق؟
ــ أنا الروائي الأكثر إنتاجاً في البحرين، لكن لستُ الوحيد، هناك أسماء أخرى: محمد عبدالملك وأمين صالح وفوزية رشيد وفريد رمضان، ولكل منهم رواية أو أكثر، وهم في طريقهم لمواصلة هذا الإنتاج.
• إذن لنتعرف على بدايات الروائي عبدالله خليفة..
ــ ولدتُ سنة 1948 بالمنامة عاصمة البحرين، والبلد المكونة من جزر متعددة ، متلاصقة نسبياً، هي عبارة عن مدينة كبيرة تجاورها ضواح وريف وبرية صغيرة، حيث يمكنك قطعها بالسيارة من الشمال إلى الجنوب ـ إذا سُمح لك! ـ بساعة أو ساعتين.
في زمن مولدي كانت أكواخ السعف تملأ المدن والريف، كان وقتئذٍ عصر الغوص، حيث ينزل الرجال في أعماق البحر لاستخراج اللؤلؤ واقتناص قطراته الثمينة، قد شارف على الموت، ووصل عهد الآلة، ومصنع النفط وراحت التجارة تكتسح الحياة، وقد ارتبطت البحرين بمسارات الثقافة العربية دائماً، حيث راحت هذه تستجيب للتطورات الاجتماعية الداخلية، وتشكل مجمل الممارسات السياسية الإبداعية، وقد راح الأدب منذ الأربعينيات يتعلم أسس الأنواع الأدبية والفنية بصعوبة شديدة، نظراً لصغر البلد وقلة السكان واتساع الأمية وغياب التقاليد الثقافية العميقة.
وقد جئتُ في هذا المناخ الجغرافي والأدبي ومنذ أوائل الستينيات جمعت بالكتابة في مجالات القصة القصيرة والنقد الأدبي والمقالة، وقد استطعت عبر السنوات الأولى تشكيل مجموعة قصصية أولى هي [لحن الشتاء] توجهت فيها لتعبير عن قضايا اجتماعية وسياسية ساخنة، بكثافة، وصراخ وغضب!
وفي منتصف العقد، في آب [أغسطس] 1975، حدث انعطاف سياسي حاد، وحل البرلمان، وتم اعتقال مجموعات كبيرة من المثقفين، كنت من ضمنهم، حتى سنة 1981، وفي عقد السبعينيات اشتغلت على القصة القصيرة وتحويلها من خطاب فكري إلى نسيج فني، وشكلت مجموعة قصصية ثانية بعنوان [الرمل والياسمين] اتحاد الكتاب العرب سنة 1982، وفي ذات العقد السبعيني، بظروفه الصعبة وأدواته الكتابية الشحيحة، شكلت أول رواية لي بعنوان [اللآلئ] وهي تروي رحلة غوص مدمرة، لمجموعة من رجال البحر الضائعين في الصحراء بعد تحطم سفينتهم، وفي عقد الثمانينيات اشتغلت على أعمال قصصية وروائية عديدة وهي [الهيرات] بمعنى المغاصات و[أغنية الماء والنار] و[القرصان والمدينة] و[نشيد البحر] وهي روايات، و[يوم قائظ] و[سهرة] و[دهشة الساحر] و[جنون النخيل]، وهي مجموعات قصصية، كما ترافق ذلك بأبحاث وقراءات أدبية تقدمت ببعضها إلى مؤتمرات الأدباء العرب أو مؤتمرات الأدباء الإقليمية في المنطقة.
• ما هي تأثيرات الكتاب العرب والأجانب على نتاجك الأدبي؟
ــ إضافة إلى القصص البوليسية التي تأثر بها العديد من الكتب فإنني غرقت في قراءة دستويفسكي، ولا زال أعتبره معلماً فنياً وروحياً، مؤسساً لطريق السمو الروحي، ولكن عبر مُـثُل مختلفة. أعتقد إن الرواية المثيرة على صعيد الحبكة، المسبوكة في توهج حدثي وشخصاني، والمثيرة على صعيد التشكيل الروحي، هي من اختصاص وتأثير هذا الكاتب، والذي يدعمه الشكل الملحمي عند تولستوي، والمحفور في التضاريس الاجتماعية لدى بلزاك وأميل زولا ونجيب محفوظ، حيث الرواية العالمية، الدرامية، والملحمية لتمثلها في واقعنا العربي وهنا تجسيد يكمن في السيرورة القومية الخاصة بنا.
• هل حقاً إن عصرنا هو عصر الرواية؟
ــ هو عصر الرواية بامتياز، لكون هذا النوع لفني بؤرة لكافة الأنواع الأدبية الفنية الأخرى، إن فنون المسرح والتلفزيون والسينما، صارت تعتمد عليه، وغدا هذا النوع مرناً وقادراً على استيعاب مختلف تجليات الوعي والمعاناة عبر أشكال ممتعة وتحليلية تكشف مختلف مصائر الأفراد هي طريقة مثيرة للتفكير الخاص والعام، والتمثل المجازي والتسييس المباشر الخ..
وللأسف فإن بروز هذا النوع لا يعني أن يتم إهمال الأنواع الأخرى، وخاصة الشعر، ولكن لكون الكثير من الشعر دخل النفق التجريب الشكلي، والانقطاع عن سيرورات الحياة، فإن الرواية حاولت أن تتصدى لما عجز الشعر عنه، أو لتخلي الشعر عن مهمته الإبداعية المتفجرة الكاشفة.
قبل رحيله، عبدالله خليفة: الثقافة الحقيقية لا تخاف من تحليل الحياة بمشرط حاد
الغموض الإبداعي عزل للشكل عن المضمون، وللكاتب عن المجتمع
حاوره – كمال الذيب:
قضى الروائي والكاتب الصحفي البحريني المعروف عبدالله خليفة أكثر من 30 سنة يكتب في الصحافة الثقافية، وأكثر من 15 سنة مشرفا على الصفحات الثقافية، شاركته خلال الخمس سنوات الأولى في اصدار الملحق الثقافي في أخبار الخليج، محررا ومقدما للإصدارات الابداعية، البحرينية وشاركته أزمة هذه الصفحات وتقلباتها بين امزجة رؤساء التحرير، وكيف كان الجميع يضحي بالثقافة عند أول أزمة او ضائقة مالية تمس الصحيفة، لقد كانت الصفحات الثقافية جزءا من الظاهرة الثقافية، يعوزها كل شيء تقريبا، بالرغم من توافر الطاقات البشرية والإبداعية المتميزة. هذا النقص في الإمكانيات كان مرده بالدرجة الأولى إلى أن الكائن الثقافي منبوذ من كل الفئات والطبقات الاجتماعية.
هذا الموضوع كنت قد ناقشته مع القاص عبدالله خليفه قبل رحيله، عندما عقدت العزم على اجراء مسائلات مع عدد من الكتاب والمثقفين والفنانين البحرينيين المميزين، لتضمينها في إصدار حول الثقافة في البحرين، وكان عبدالله في مقدمة هؤلاء، إلا أن الاجل المحتوم وافاه قبل اصدار هذا الكتاب الذي ما يزال منذ اكثر من عام ونصف تحت الطبع، ولذلك عزمت على نشر جانب من هذه المحاورة حول أوضاع الصحافة الثقافية وتحولاتها واشكالاتها في البحرين، بما تسمح به المساحة المتاحة.
قلت لعبدالله: وكيف تقيم وضع الصفحات الثقافية وأنت أحد المشرفين عليها؟ وكيف انعكس الوضع الثقافي الراهن في تقديرك على مستوى الصفحات الثقافية؟
ــ الحديث عن الوضع الثقافي الراهن في البحرين والحالة الثقافية العامة وانعكاساتها على الصفحات الثقافية موضوع متشعب. إن علينا أولاً أن نقرأ الحالة الروحية في الثقافة، لقد كانت الحالة الثقافية في الستينات وبداية السبعينات صاخبة وقوية وحيّة، حيث كان توجه الأدب والثقافة نحو العمل الجريء، وكانت النصوص تصدر عن روح وثّابة شجاعة، لا تخاف من تحليل الحياة بمشرط حاد.
ورغم أولية التجربة للجيل الشاب حينذاك، إلا أن ذلك الجيل كان قوياً جريئاً، يهز الحياة، ولا يخاف من عرض المشكلات والنقد، وكان الكثيرون يكتبون، ويبدعون، وينتقدون أنفسهم، وكانت الصحافة الأدبية تنشر ما يكتبونه فوراً، وكان يحصل على صداه. كانت القصص والقصائد تُناقش وتحلل في جلسات أدبية شخصية، وكان القراء على صلة بهذا النتاج. أذكر كيف كانت ندوات عديدة لأسرة الأدباء والكتّاب تُقام في أندية المنامة والمحرق المتعددة، داخل قاعات صغيرة، وترى حشوداً من الناس في هذه الغرف والقاعات مستمتعين بالحوار والنقد.
وغالباً ما توضع الكتابات الجديدة على محك هذه اللقاءات، كانت قصصنا تُقرأ في ندوة، ويحدث حوار مفتوح لها، وأحياناً بدون أي إعداد مسبق، ولكن النقاش يفيض، والكاتب يحس أنه جزء من حياة، وجزء من بشر يقرأون، وليس حاله مثل الآن، يضاجع الأوراق فحسب التي لا تلد سوى الصمت. وكان رؤساء التحرير، من أمثال محمود المردي، وعلي سيار، وعبدالله المدني، أناساً مثقفين وأدباء، يتذوقون الكتابة الإبداعية، ولهم مشاركات فيها، وكانت تحدث حوارات مع الكتّاب من قبل رؤساء التحرير، هؤلاء الذين يناقشوننا في قصصنا، ويدعوننا للوضوح، وصياغة قصة أكثر تماسكاً، وعدم التركيز دائماً على السياسة.
لقد كانت أسرة الأدباء والكتّاب منفتحة، تعددية، ذات مناخ ديمقراطي، وليس ثمة أي قطب يذوب فيه كل الأقطاب الأخرى، أو شلة تستولي على النشر وترتيب الندوات، كنّا أشبه بالجوالين والكشافة، ننتقل من نادٍ إلى ناد، ومن أمسية إلى ندوة، ونتحاور بقسوة أحياناً، ونكتب بضراوة وكثرة على مختلف الجبهات والصفحات. لم يكن الهدف من الكتابة الحصول على نقود أو شهرة بإحداث الفعل الثقافي التنويري. وكانت الندوات العامة التي تحدث في قاعة الأندية مليئة بالجمهور المتعطش إلى المعرفة، حيث كان الكتاب والصحيفة والندوة هي وسائل الإعلام القوية. لكن كل هذا تغيّر اليوم، وجاء مناخ ثقافي مختلف، عبر حدوث التغيرات الاقتصادية الاجتماعية الكبيرة.
فالمدن صارت مليئة بالأجانب، وعزلت الأندية عن دورها الثقافي، وصارت محتكرة من قبل إدارات من أناس بعيدين عن الثقافة، ولذلك لا يقودها الأدباء والمفكرون، لقد عزلوها عن مناخها الفكري، وركزوا على الرياضة مما أدى إلى جعل الشباب بلا خلفية ثقافية. وأتذكر أن النادي الذي كان في منطقتنا، كان شعلة من النشاط الأدبي والفني، فيه فرقة مسرحية، وفرقة موسيقية، ومجلات حائطية، ومجلة مطبوعة، وكان يصنع العديد من الهواة في الثقافة، ويستضيف ندوات عديدة، ولكن عندما جاء أعداء الثقافة طردوا الفرق المسرحية والموسيقية، حتى أن أدوات الفرقة الموسيقية كانت تُرمى في الشارع، وهذا ما حدث في الكثير من مجالات الوعي، لقد بدأ مدٌّ رجعي معادٍ للثقافة.
وهكذا أصبحت قوة الثقافة الوطنية «مخترقة» على كافة الجبهات، لقد كان العدو يطلع من صفوفنا، فظهرت نغمة «الشكلانية» الواسعة، ودعت الكتّاب للتخلي عن «الكلمة من أجل الإنسان» وصار الغموض لغة تفجيرية تؤدي إلى عزل الشكل عن المضمون، والكاتب عن المجتمع، وتؤدي إلى الغرق في متاهات تجريدية ولغزية تُدمّر الأدب من الداخل.
ولقد فقدنا كتّاباً كثيرين بسبب هذه الطريقة، لأن مبادئ الوعي المضيء والوطني، واعتبار الكاتب قوة تغيير روحية في المجتمع، تضيع، ويتحول الكاتب إلى مهووس بذاته، وتشرخه أحلام جنون العظمة والتعملق الفارغ. ومن جانب آخر، فإن مشكلات الحياة الحادة المتفجرة مثل الصعوبة المادية تؤدي إلى فقدان البقية الباقية من الكتّاب.
ولهذا فإن الواقع الفكري يتهشم ويتقزم، وتروح وتذهب عن الكاتب الهام والجريء فلا تجده، لقد ندر مثل الجن، وكأن الحياة الثقافية التي كانت تندفع مثل القطار في السابق أصبحت مثل سيارة مثقوبة الإطارين، ومع ذلك فإن سائقها يحاول السير بين الرمال والحصى. ولا شك أنك تدرك اليوم الفروق الكبيرة بين الصفحات الثقافية خلال الفترة من 1965-1975 والصفحات الثقافية في الثمانينات، حين كان النشر صعباً، كانت القصص والقصائد تفيض بالمعاني العميقة، وترتبط بهموم الناس، هذه القصص والقصائد يصعب نشرها في الصفحات الثقافية الآن.
إن هذا هو الأمر المثير للغرابة والحزن، فلن تجد في جرائدنا اليوم أي قصص وقصائد ملفتة، وجريئة ومثيرة للقلق والغضب، ولهذا فإن المبتدئين يحصلون على فرصتهم في نشر محاولاتهم الأولى في صفحات القراء فقط. وإن الأوضاع العامة تنعكس بقوة على الحياة الثقافية، فليس هناك احترام للاستقلالية الإبداعية وأهمية مستويات الثقافة المستقلة في البنية الاجتماعية. كما أن أدوات الإعلام الجماهيرية مثل التلفزيون والصحافة هي التي تلعب دورها في غسل أدمغة الناس، إنه الغسيل الإعلامي اليومي الذي يطحن الإرادة والوعي الناقد، ويحولهما إلى مسايرات جزئية وانطباعية ومحدودة لما يجري، إن الناس يعيشون في بناء إعلامي زائف، كرّسه النشاط الإعلامي اليومي الكاذب. فمشكلات الناس الجوهرية يجري تغييبها إعلامياً من قبل الإعلاميين أنفسهم، وإحلال مشكلات أخرى جزئية ومحدودة مكانها.
لقد كانت الصفحات الثقافية أحد المتنفسات والرئات النظيفة للوعي والمجتمع، ولكن تم الإجهاز عليها، فما ينشر من كتابات وأعمال اليوم بائس إلى أقصى درجة. وحتى مساحة الكتابة الأدبية قلّت، في حين تمددت مساحات الشعر النبطي، والدعاية، وقضايا «النجوم» المنطفئة، والكتابات السهلة المسطحة التافهة المنافقة.
إن وسائل الإعلام الجماهيرية، خاصةً التلفزيون، تقود عملية غسيل الأدمغة، وتضع الناس في أحلام وردية، ومشكلات جزئية بسرعة وخفة، ويتم التوجه إلى تغريب المواطن، وتسطيح وعيه.
ولكن هناك جوانب إيجابية في هذه الثقافة، حيث أن الأقلام الجيدة منتشرة في الصحافة، ويوجد العديد من الكتّاب الذين يعالجون قضايا الحياة، والسياسة، والثقافة من منطلقات إيجابية.
إن سيطرة وسائل الإعلام الجماهيرية قد قادت إلى تهميش الأدب والجماعات الحديثة، وأبرزت القوى العتيقة والطائفية، فلم يعد للناس منابر وأصوات مدافعة عن مشاكلهم، فلجأوا إلى المنابر الدينية، واتسعت الظاهرة الدينية لهذه الأسباب بالدرجة الأولى، في حين لم تستطع القوى الحديثة، الليبرالية والديمقراطية أن تظهر من خلال التلفزيون، فقدراتنا على صياغة فن جماهيري سواءً كان مسرحياً أو درامياً ضاعت لأسباب كثيرة، مثل عدم جديّة المسرحيين في التطور، والبحث الفني، وضآلة الإمكانيات المادية، والرقابة التي جمّدت الفنون الجماهيرية البحرينية عموماً، ولهذا عندما صغنا بعض الأعمال الدرامية التلفزيونية كانت أشبه ب «الفضيحة» مثل: «أم هلال في القاهرة»، في حين نجحت الأعمال التي التزمت بالجدية والنص الأدبي المعقول، واعتمدت على طاقة الشباب الوفيرة، هكذا مثلاً تألقت الكتابة الجميلة مع الوعي التنويري الجاد مع المواهب الشبابية، مع تنوّع العطاءات والطاقات الإبداعية، ليكون العمل الفني الدرامي أفضل من عشرين كتاب تنويري، لماذا؟ لأن المسلسل الدرامي له حضوره الجماهيري الواسع، فكيف سيكون الأمر لو تضافرت طاقات الكتابة المتنوعة داخل هذا الجهاز التلفزيوني الخطير، وأتيحت الفرص لمختلف الأقلام والأجيال الفاعلة التنويرية؟ لقد كان مسلسل «العائلة» المصري أهم من ألف كتاب عربي، فلماذا لا يحدث تعاون خلاق لإنتاج أمثال هذا المسلسل في خليجنا، حسب قدراتنا، ومشاكلنا؟ إن ما تحتاجه هو الثقافة البحرينية الحديثة «الديمقراطية» هو أن تتاح لها الفرص في مختلف وسائل الإعلام الجماهيرية، وأن يتعلم الكتّاب استخدامها، وتطوير أعمالهم الإبداعية في مختلف الجهات.
قلت لعبدالله: الصفحات الثقافية تبدو مشوهة في إطار ما ينبغي أن نقوم به من دور في الساحة الثقافية، فهي منزوعة الوظيفة تعيش في حالة من الهلامية الرخوة بلا عظام، فما الحل من وجهة نظرك لتستقيم هذه الصفحات؟
ــ ما لم تصبح الثقافة ضرورة فلن تنمو لها عظام، ولن تتحول إلى مشروع. وهذا شأن كل الصفحات الثقافية فهذه الصفحات بلا رؤية وبلا استراتيجية. وإذا أريد للثقافة أن تكون مشروعاً، فإن الصفحات الثقافية يمكن أن تكون جزءاً من هذا المشروع، المطلوب هو أن تتحول الصفحات الثقافية إلى جزء من رؤية ثقافية وفكرية تخدم حركة التاريخ…
أما والثقافة مهمشة في واقعنا العربي، فستظل الصفحات الثقافية مجرد ورقة توت نغطي بها عوراتنا لنقول إننا نهتم بالثقافة. وتطوير الصفحات الثقافية يجب ان يتصل بتطوير الثقافة نفسها، وتطوير الثقافة يجب ان يرتبط بقانون الفعل الثقافي، لا بد من وجهة نظري أن تتحول الصفحات الثقافية إلى شريحة من الواقع الثقافي، يقودها ويكتبها وينشطها شعراء وقاصون ونقاد ومفكرون، ولا بد أن يكون في كل صحيفة قسم ثقافي ينخرط فيه عدد من المتحاورين والمثقفين والمبدعين والمفكرين.
أسئلة موجهة إلى الروائي والباحث عبدالله خليفة
حاوره: فهد حسين
أولاً : محور المدخل العام لفهم الرواية:
• من المتعارف عليه ، بل من البديهيات أن المبدع حين يبدع عملاً وينغمس في إنتاجه يسعى جاهداً إلى معرفة أبعاد هذا النوع الإبداعي . وأنت بوصفك روائياً، فما مفهومك إلى الرواية ؟
ــ مفهومي للرواية بأنها جنس قصصي ملحمي ، بمعنى إنها بناء واسع وعميق، يقوم باستيعاب الكل الاجتماعي في لحظة تاريخية معينة مفصلية . وكلما توغلت الرواية في جنسها كلما غدت ملحمية ، أي قائمة على صراع كبير ، وهذا المعنى تجده لدى جورج لوكاش خاصة في كتابه (معنى الواقعية المعاصرة ) وأعتقد أن هذا المفهوم قريب إلى فهمي وتجربتي .
• الرواية نص مفتوح كأي نص إبداعي أو معرفي آخر ، فأين تضع المتلقي الذي يتلقى عملك الروائي حينما تشرع في كتابة الرواية ؟
ــ كلمة (النص المفتوح) غير مفهومة بالنسبة إلي ، فالأدب بطبيعة نصوصه أنها مفتوحة غير مغلقة ، ولكن في علم الأجناس الأدبية ، نحن نتجاوز مثل هذه التعريفات الأولية ، فالرواية جنسٌ قصصي له قوانينه التشكيلية الخاصة به ، فإذا دخلتْ الأجناسُ القصصية الأخرى الزميلة له كالحكاية والأمثولة واللغز والقصة القصيرة فيجب أن تخضع لامتداده وجريانه الواسع وأن تذوب في كيانه. وليس أن تحتفظ بكينونتها الخاصة المستقلة .
ولهذا فهو مفتوحٌ عبر مثلَ هذا البناء ، وحين يتوجه القارئُ إليه تكون تلك مسئوليته ، أي مسؤولية القراءة المتعددة الأبعاد . وبالنسبة لي فأنا كان لدي عدم اهتمام بالقارئ في بادئ التجربة ، حيث كانت حالة التجربة (الوجود في السجن ) لا تسمح بها ، ولكن بعد مرور عقد أو أكثر صار هناك وضع خاص داخلي للقارئ ، فهو لا يحدد التجربة ولكن يكون رفيقاً في رحلتها ، فله عين متوارية عليها ، والقارئ يعبر هنا عن الإنسان الذي تريد أن توصل إليه عملك، وتحاول التأثير فيه ما أمكن لوجهة نظرك وبنائك !
• كل إنسان يحمل بين دفتي معرفته وثقافته البعد الأيديولوجي سواء أظهره أم أخفاه ، وأنت حينما تكتب الرواية فهل تنطلق من أطر أبستمولوجيـة أو أيديولوجية ، أو تكتب بحسب قراءتك إلى الواقع بعيداً عن هذا وذاك ؟ أي إذا كان الروائي محكوماً بأيدلوجيا معينة ، وتشكل هذه الأيديولوجيا إحدى روافده الفكرية التي يرتكز عليها ، فهل الروائي هنا يقدم بعض التنازلات الفنية من أجل تضمين عمله بعض أفكار الأيديولوجيا إلى المتلقي ؟
ــ يتحدد الأمر هنا بطبيعة الفكرة المهيمنة على الكاتب . أنا هنا لا أسميها إيديولوجية ، بقدر ما أسميها نظرة (أي يختلطُ فيها الوهمُ والعلمُ) . وهذه النظرة مسألة فكرية واجتماعية ونفسية متداخلة ومركبة الأبعاد ، فالعديد من الناس لديهم فكر ماركسي مثلاً لكن ما هي هذه الماركسية ؟ ومدى فهمه لها ؟
ولكن في الكتابة والكتابة الروائية خصوصاً ليس ثمة قالب أيديولوجي مسبق ، فالكتابة لتجربتك ستقودك إلى دروب تكسرُ القوالبَ ، فأي دعاية سوف تنقرض، وستجد أنك تكتب ما يحدث فعلاً ، وتصور الناس بما هم فيه حقيقةً ، ولكن من خلال المنظار التقدمي الذي تطالع به أنت الحياة ، فستجد إن الانكسارات ليست نهائية ، والقوى الأخلاقية والفكرية في الإنسان أقوى من المكاسب المادية . ولكن حين تبتعد عن ذلك ، وتشجع الهزائم ، واليأس ، فسوف تبتعد عن ملحمية الرواية التي تتطلب صراع المجموعات الواسع العميق وصدق العرض !
• تقول الدراسات السردية أن الرواية ولدت من رحم الملحمة ، وجاء القصة القصيرة بعد ولادة الرواية ، غير أن القصة في البحرين هي التي أنجبت الرواية ، وخصوصاً عند كتاب السبعينيات حتى وقتنا الحاضر ، فما الأسباب وراء هذه المعادلة المعكوسة.
ــ يجب أن نبتعد عن التعميمات الفنية الفكرية ، فالتاريخ الفني الإنساني واسع المجال ، فقد تكون الولاداتُ التاريخية في خلال القرون عبرَ القارات كما تفضلت بالقول ، ولكن بعد انتشار الرواية والقصة القصيرة كجنسين أدبيين متداخلين ومتكاملين عالميين ، لم يعد بالإمكان الحديث لدى الشعوب الأخرى التي جاءت بعد التجربة الأوربية ، عن هذا التوالد السابق والميكانيكي .
ولهذا فإن نشأة القصة أو الرواية بتقاطعاتها وتداخلاتها لم تعد تمثل تناقضاً ، أو أنه من اللازم والحتمي أن تقوم بمماثلة التجربة الأوربية ، فغدت النشأة هنا مرتبطة بتجربة الشعب ، أو بتجربة أدبائه ومدى قوة ظروفهم الطباعية والثقافية في العالم المعاصر التحديثي المفتوح ، فعدم وجود جرائد ودور نشر محلية ، جعل جنس الشعر هو المسيطر ، كمجتمع شفاهي ، ومع تجربة الكُتاب وتطورها ، بدأ الجنسُ الصغير في الظهور .
في حين أن التجربة العربية ومع وجود صحف ومجلات في القرن التاسع عشر ، ورغبة الناشرين في جذب القراء اهتموا بالرواية المسلسلة وهكذا بدأت الرواية العربية !
ثانياً : محور تقنيات العمل الروائي
• عندما تشكل المكان فهل تبني خريطة مكانية للشخوص ، وحركتها ، أو تترك الشخصية تحدد مسارها البنائي ؟ بمعنى هل تتدخـل بوصفك كاتباً في بنـاء الشخصية بعد رسمها في أثناء نمو الحدث ؟
ــ تظهر الشخصيةُ والحدث والمكان والزمان في تشكيلة شبه واحدة ، فالعناصر الذاتية (شخوص + أحداث) مترابطة والعناصر الموضوعية (المكان + الزمان + البنية الموضوعية الاجتماعية) .
أن الشخصية لا تظهر لوحدها في فراغ ، فلا بد أن تكون معها مشكلتها ، أو قضيتها ، وهكذا تبدأ في الظهور والتخلق ، فإذا كانت مثل شخصية الربان في رواية (اللآلئ) ، كشخصية محورية مهيمنة ، فهذه الشخصية تظهر في البحر ، بطبيعة المسألة المحورية داخل العمل ، كرجل عنيد وأناني واستغلالي وتحديثي ومغامر ، له نظرة خاصة في القفال (الرجوع للساحل) وهذا ما يسبب كارثة السفينة ، وهنا كما تلاحظ فإن الشخصية والحدث والمكان والزمان والبنية الموضوعية: (علاقات الطبقات وصراعها) ، ستكون مترابطة أشد الترابط ، ولكن يأتي نمو العمل لكي يوسع ويعمق هذه العناصر حسب نظرة الكاتب وكيفية تطويره للصراع . فالسفينة تقودها العاصفة للبر ، والجزيرة البرية هي مكان خامل يتيح للشخصيات الحضور المسرحي والدرامي الكاشف لها .
هذه العمليةُ سوف تطورُ الشخصيات وتنميها داخلَ بوتقة الصراع ، وإذا فرضتَ تصوراً أولياً مسيطراً فإنه يضعف نمو الشخصيات ، فشخصية الربان كانت في البداية شخصية تقليدية لكنها أصبحت غير تقليدية فهو ربان ذو طبيعة شعرية وهذا كسبهُ من نمو العملية الروائية .
• للمكان فعل رئيس لرسم الشخصيات ، ونمو الأحداث المتنوعة والمختلفة ، فهل يعني المكان الذي تأخذه له علاقة اتصالية بالهوية والانتماء والتفاعل الثقافي والإنساني ؟
ــ كما قلتُ سابقاً وأضيفُ هنا ، بأن المكان والزمان هما شكلان لوجود المادة، وفي الرواية هما شكلان لوجود (المادة الاجتماعية) ، باعتبارها هي الأساسُ الموضوعي لتكون الأحداث والشخوص .
فالشاطئ في زمن الغوص ليس هو نفس الشاطئ في زمن المدينة التجارية الحديثة ، والقرية في زمن الغوص غيرها في زمن التحديث . الشاطئ في زمن الغوص له طابعه البنائي الخاص: (أكواخ ، مزابل ، ألسنة حجرية كموانئ الخ ..) ، ولهذا فإن الزمان يصبحُ مختلفاً ، فساعة البحار بطيئة طويلة، وزمنه راكد ، في حين أن زمن المدينة التجارية سريع ، والساعةُ بيوم من حياة البحار . ولهذا فإن الشخوص يتأثرون بهذا المناخ الموضوعي . وحركة القارب الزمنية هي غيرها حركته في زمن الآلة فالأشياء يصيرُ لها طبيعة خاصة الخ ..
ومن هنا يأخذُ المكانُ دورَهُ الكبير في وضع الأساس للأحداث والشخوص ، فالأكواخ تضع علامات مختلفة عن غيرها ، وحين تحترقُ كما في (أغنية الماء والنار) تكوّنُ بيئةً جديدة لروايات أخرى (الضباب ، الأقلف الخ..) وتطورات المكان هي تحول الأبنية وطبيعة الشواطئ ، وبناء الحارات ، هذه كلها تخلقُ أجواءً جديدة: مؤثرات ثقافية مختلفة ، أبطالاً من نوع مختلف ، حركة صراع سريعة الخ ..
تغير المكان مقدمة لتغيرات فكرية ثقافية هائلة ، وفي الزمن الراهن ففي بناية واحدة تجد عدة قوميات وأديان وتداخلات وصراعات .
• حين تشكل المكان وتخطط لأزمنة الأحداث أين تقف أنت من هذا العمل ؟ هل خلف العمل تراقب أحداثه ونموها ؟ أو تتمركز فيه ؟ ولماذا ؟
ــ الفكرة الأساسية التي ظهرت تكونُ جزءً من نفسك ونظرتك وتجربتك ، وبالتالي فإنها تتطور بك ، ولكنك لا بد أن تجعلها تتشبع بغيرك ، بالحياة ، بالآخرين . وأن المؤلف ليس مراقباً بل مشاركاً ، بل صانعاً ولكنه ليس صنعاً آلياً ، فهو يشتغل من وراء الستار ، ولهذا أنت لا تتمركز فيه كدكتاتور ، بل تجعله ذا قوانين مستقلة عنك ، وينمو حسب مادته ، أي حسبَ ما أعطيتَ هذه المخلوقات من حرية ومن وجود وتابعت تطوراتها ، وفتحت لها هذه الأبواب، أي كديمقراطي ..
• ما العلاقة التي تربط الكاتب بالشخصية الروائية ؟
ــ إنها علاقة حب واحتفاء بهذه المخلوقات التي بدأت تتشكل ، وحين تكتمل تنفصل عنك ، وتغدو لها حياة مختلفة لدي القراء والكتاب والنقاد . وكلما كبرت سعدت أنت بنموها وانتشارها .
• أيهما أجدى في العمل الروائي أن يكون الكاتب هو السارد نفسه أم يكون واحداً من داخل العمل ؟ أم من الأفضل تعدد السرّاد ومستوياتهم ؟
ــ البناء الفني الموضوعي والتجربة سيفرضان طبيعة السرد ، فالسرد يمثل الحميمية الأسلوبية التي تتيحُ تطور العمل ، فكلما كان السردُ أكثر حرارةً وقوة كلما كان نمو الرواية أفضل .
ولهذا هناك سردٌ يدمرُ الروايةَ وسرد آخر يشعلها . ولا يهم هنا كثرة أو تعدد السراد أو الساردين ، و(القالب) المنتشر هو السرد بضمير الغائب ، أي استخدام ضمير ؛ (هو) لأنه سرد يبدو حيادياً ، إخبارياً موضوعياً ، بعكس حين تقول (أنا) . أي حين تكتب بضمير المتكلم ، وفي السيرة الذاتية لا يجوز السرد إلا بضمير المتكلم . رغم قيام بعضهم بتنويع حتى هذا النوع .
أو السرد بضمير المخاطب فهو أسوأ في رأيي .
أما تنويع السرد وضمائره فلا يخرج عن هذا الطابع الأساسي .
• في أي عمل سردي يبرز الزمان في صور متعدد ، فهناك الزمن الطولي والزمن العرض ، وهناك الزمن الأسطوري ، والزمن التاريخي ، وغيرها من الأزمنة التي تعطي العمل بعداً فنياً ، ولكن أي الأزمنـة منتشرة في الرواية البحرينية ؟ ورأيك في تعدد الأزمنة في العمل نفسه ؟
ــ كما قلتُ لك فإن الزمان هو مظهر أو شكل لتجلي المادة ، فسوف يتحكم كيفية عرض المادة الفنية الاجتماعية ، فإذا كانت طبيعة الصراع ممتدة بشكل ليس فيه عودة للماضي ، فسوف يتغلب طابع السرد الراهن والدراما المباشرة والحوارات بين الشخوص ، أما إذا كان الزمن السردي يجمع بين الماضي والحاضر فإن الزمن فيه عودة للوراء (فلاش باك) ، من أجل عرض الشخوص في سيرورتها التاريخية ، وغالباً ما يحدث في الرواية ذلك ، فكل زمن هو زمن تاريخي ، بمعنى أنه يجري داخل الحياة ، وهو كالزمن الموضوعي ، بما أن طابع المادة هو (الحركة) والجريان إلى الأمام وعدم التوقف ، فزمن الرواية الأساسي هو زمن الحركة إلى الأمام ، والعودة للخلف هي للمزيد من التقدم للإمام ، بالتالي فإن الحركة الاسترجاعية تستهدفُ المزيد من الكشف الروائي للشخوص وللأحداث وللمكان .
ويختلف الروائيون في طبيعة الاسترجاع وأحجام العلاقة بين الماضي والحاضر والأهداف الفنية لهذه العملية .
• كيف يتشكل المكان والزمان في عملك الروائي ؟
ــ كما قلتُ آنفاً فإن المكان والزمان يخضعان للمادة ، فأنت حين تتصور (أحمد ناصر) في رواية (الضباب) ، فسوف يخضعُ عرضُ المكان والزمان لطبيعةِ الأحداث ولطبيعة الشخصية المحورية هذه .
فهو نجده في بداية الرواية في (حفرة) مغطى بالأعشاب وورق الشجر ويدخنُ الحشيشَ ، إنه فاقد (للمكان: البيت الآمن ، الزوجة ، الأبناء ..) وفاقد للزمان (الذاكرة ، القدرة على العيش في زمنه السابق واستعادته ..) ، ويقوم الحدثُ الروائي عبر اتهامه بالاغتصاب للفتاة التي أنقذها بتحريك المكان حيث يوضع في السجن ، وتحريك الزمان عبر استعادته الصعبة الطويلة لذاكرته ، وهي أمور كلها تتنامى حين يقرر بأنه لم يكن مغتصباً ، وأنه إنسان أخلاقي . . هنا تتشكل وتنمو عملية السرد بهذا الطريق .
وكل رواية تخضعُ لظروفها هذه ، وتجعل المفردات الموضوعية من زمان ومكان وأجواء وحركة قصصية تابعة لها .
• ما أجدى التقنيات السردية حتى يستطيع الروائي إيصال فكرته ؟
ــ تقنية العرض الموضوعي تغدو أفضل التقنيات في تشكيل وعرض المادة ، وهي تعتمدُ على ما يُسمى (المشهدية) أي أن تكون الشخصيات والحدث و المكان والزمان مجسدة أمام عين القارئ في مشاهد ، وبالتالي يتحولُ القارئُ إلى مشارك ومتابع ومستمتع بهذه العملية التي تجري أمامه .
وأقوى البُنى المشهدية لا تستطيع أن تتخلى عن تضمين بنى مشهدية أخرى ، لكن قوة الرواية تكمن في تصعيد تلك البنية المشهدية المحورية الأولى وجعلها مسار الرواية ، كرواية (الجريمة والعقاب) ، حيث يغدو مشهد البطل راسكو لنيكوف وهو يخرج من غرفته في بداية الرواية هو المتواصل .
• للراوي مهام كثيرة ومتعددة ، وقد ذكر فريدمان : أن هناك المعرفة المطلقة للراوي ، والمعرفة المحايدة لـه ، والأنا الشاهـد ، والأنا المشارك ، والمعرفة الأحادية والنمط الدرامي ، ولكن أين يكمن الراوي عندك وما مميزاته ؟ أي هـل يأخذ ميزة من هذه الميزات ؟ وكيـف يوظفها في الرواية ؟
ــ المعرفة النسبية للراوي ، فمهما كانت معرفة المؤلف بشخوصه وأحداثه فهو لا يصطنعها اصطناعاً ، فهو يتعرف على شخصياته وتنمو عبر مشهدية العرض ، ولا يوجد راوٍ لا يلم إلماماً كبيراً بذلك ، لكنه يتحول إلى شاهد على تطوراتها ، حيث هي تأخذ من مواقعها الاجتماعية والنفسية الموضوعية ، وتقوم الوضعيةُ الأساسيةُ في كل الرواية البشرية (والمسرحية كذلك) على (وجود بطل إشكالي في مجتمع منحط أو مجتمع سلبي) حسب تعريف غولدمان الشهير والقاطع تاريخياً ، فهذا البطل الإشكالي هو الذي يحرك فاعلية الكشف والصراع مع أو ضد المجتمع السلبي ، ولا يفعل الروائيون سوى ترك هذا البطل يصارع أو يكشف أو يتكشف ، وبهذا فإنهم غير محايدين في العرض ، بل يستهدفون غايات تتبع مستوى تطورهم الفني ورؤاهم الفكرية .
• هناك صيغ للخطاب الروائي ، حيث المستوى الأول ويكمن في مراقبة الراوي ، والمستوى الثاني الذي يأخذ جزءاً من المراقبة ، والمستوى الثالث الذي يخلو من المراقبة ، ومن هنا نرغب في معرفة نوع الخطاب الروائي الذي تقدمه للمتلقي ؟
ــ لا يوجد شيء أسمه يخلو من المراقبة ، فالراوي هو المؤلف مستتراً وراء الرواة ، فمهما فعل الكاتب لا يستطيع أن يفلت من صيغة الراوي – المؤلف ، ولكن هناك مسافة موضوعية بينه وبين الشخوص ، مثلما قلنا سابقاً ، ولكن الموضوع هنا اتخذ بدلاً من الشخوص كلمات مثل الراوي ، وقد يتطابق الراوي مع المؤلف ، وقد يقدم المؤلف الراوي كشكل مناور للعملية الفنية، فهو يعرضه ليكشفه أو ينقده ، أو يجعله كاميرا له ليكشف أشياء معينة .
وعملية الراوي التي قدمتها خضعت للتجربة فأنت ترى في (اللآلئ) أسلوب الروي المتعدد الضمائر ، لكنه كله يتبع البطل المحوري (الربان السابق الذكر) وهنا تغدو عملية الروي صعبة ، ثم فيما بعد في التجارب الأخرى تغدو عملية الروي محددة ومتنامية في ضمير الغائب أساساً ، وإتاحة فرصة لوجهات نظر أخرى تتكلم من خلال أصواتها .
• من صيغ الخطاب الروائي : التقرير ، المذكرات ، الرسائل ، اليوميات وغيرها التي تستخدم في الرواية ، أيهما تفضل استخدامه ؟ ولِمَ ؟ أم أنك تبتعد عن هذه الخطابات وتنشئ لعمل خطاباً خاصاً ، وكيف يتم ذلك ؟
ــ أصبحت هذه الوسائل حيلاً قديمة ، ففي رواية القرن التاسع عشر الأوربية كثرت روايات الرسائل والمذكرات واليوميات ، وكلها تحمل نفس الخصائص الموضوعية ، لكن رواية القرن العشرين اعتمدت كثيراً على خلق البنى المشهدية الموضوعية ، تحريراً للشخوص من هيمنة صوت المؤلف المسيطر.
أما اللجؤ للتقارير والدراسات وتضمينها للعمل الروائي فهو يعني عجز الأسلوب الروائي عن تطوير شخصياته وتحويلها إلى شخصيات درامية ، فتغدو شخصيات تسجيلية ، تاريخية حقيقية ، مثل (مدن الملح) فهي عن شخصيات حقيقية ، واعتمد المؤلف على التقارير والكتب والمصادر ، بحيث ارتهن إلى تسجيلية واسعة ، فنجد شخصيات الأمراء والموظفين طاغية بينما شخصيات الناس العاديين مفقودة .
أنا افضل الفصل بين الجانبين : التوثيقي والتعبيري ، فجانب الدراسة له بناؤه الخاص ، وجانب الرواية له بناؤه الخاص ، أما الخلط بين الجانبين فيضعف الجانبين ، فتكون أمامك دراسة ناقصة، ورواية غير مكتملة .
• حين يقدم الروائي على كتابة الرواية يضع في اعتباره القارئ الضمني أو القارئ المضمر ، فهل تضع في حسابك هذا القارئ ؟ هل هو قارئ مثقف واع ؟ هل هو قارئ تمليه عليك مضامين الرواية ؟ هل هو قارئ مراقب عليك ؟ إذن كيف ترسمه حين تشرع في الكتابة ؟
ــ كما قلتُ سابقاً فإن صعودَ القارئ العام في نفس المؤلف هو عملية تاريخية ، أي له علاقة بمشروعه ووسطه ، فحين يكتبُ بأسلوب المونولوج الحر الكامل والتداعيات المتداخلة ، فإنه لن يجد القارئ المتابع ، خاصة في الحياة العربية ، وقد قامت الرواية العالمية بذلك حين ظهر فرويد بنظريته عن اللاوعي في أوائل القرن الماضي ، فراحت نماذجٌ من الرواية الأوربية تطبق الغوص في اللاوعي عبر ذات التشظي .
لكن أغلب الروايات المعاصرة تقوم على أسلوب يغوص في اللاوعي ولكن مع عرضه بشكل موضوعي ، وهذا يعني الاهتمام بالقارئ الوسطي ، القارئ المثقف ، الذي سيكونُ شاهداً ، ولعب انتصارُ الضمير الغائب والبُنى المشهدية والواقعية في خلق تيار عالمي بهذا الخصوص سواء قرأت رواية يابانية أو أمريكة أو بحرينية !
• يقال هناك زمن الحدث في الواقع المعيش ، وزمن الحدث داخل العمل الروائي ، وزمن الكتابة الروائية ، وزمن القراءة . فأين يكمن دورك في كل هذه الأزمنة الأربعة ؟
ــ هذه الأزمنة الأربعة تعكسُ عملياتُ تطور العمل الروائي من كونه أحداثاً حقيقية وقعت في الواقع في زمن سابق ، وبين تحول هذه العملياتِ التاريخية السابقة إلى مشروع روائي يبدأ الروائي في خلقه عبر استعادة الأحداث السابقة (أو اللاحقة في الرواية العلمية) ، وهو حر في كيفية عرض زمنية الماضي ، فيمكنه أن يربطها بالحاضر أو يجمدها داخل زمنها ، وحين تطبعُ الروايةُ فإن لها زمنية القراءة الخاص بها ، سواء قرأها قارئ واحد أو الملايين ، ولكن هذه القراءات تجري عبر الزمن وعبر إدراك الناس أن الرواية تحوي شيئاً مهماً خاصاً بهم .
ثالثاً : محور اللغة :
• يقول باختين أحد منظري الرواية العالمية : “إذا لم يعرف الروائي كيف يرتقي باللغة إلى مستوى الوعي ، ولم يستمع إلى الثنائية الصوتية العفوية ، وإلى الحوار الداخلي للكلمة ، فإنه لن يفهم ولن يحقق الإمكانات الحقيقية للرواية” .
فماذا يعني باختين بقوله : الارتقاء باللغة الروائية إلى مستوى الوعي ؟
وماذا يقصد بالثنائية الصوتية ؟
وماذا يرمي بالحوار الداخلي للكلمة ؟
ــ يعتمد باختين في نظريته للرواية على مسألة تعددية الأصوات ، أي أن تكون الأصوات الروائية معبرة عن تعددية فكرية وشخصية حقيقية ، وهو يقول ذلك في زمن سيطرة (الستالينية) ، ولهذا فإن كافة تعبيراته ومصطلحاته تتوجه إلى هذه القضية المحورية لديه كما أظن ، فالوعي لديه هو أصوات ، وهو يعتقد بأن دستويفسكي متعدد الأصوات ، حيث يجعلُ اللغةَ الروائية تعكسُ رؤى الأبطال ، بشكل دقيق . فلا بد هنا من أن ترتقي اللغة الروائية إلى مستوى الوعي سواء على مستوى وعي المؤلف أو على مستوى وعي الشخوص أو على مستوى تعدد الأصوات في اللغة : لغة دارجة ، لغة فصيحة ، فحين يعبر عامل عامي بلغة شعرية تغدو هذه إشكالية فنية . فلا بد أن تكون ثمة خطابات في وعي الرواة والشخوص : خطاب فلسفي لدى مثقف ، أرجوزة لدى فلاح ، حلم لدى طفل الخ ..
• يحاول الشاعر أن يبتعد عن المفردة بدلالتها المعجمية كلما أمكن ذلك ، وهذا قد يختلف عما يحاوله الروائي ، فهل الروائي يتأمل في المفردة معجمياً ودلالياً ؟ وهل يسعى لأن يعطي هذه المفردة دلالة أخرى ؟ وكيف يتم هذا ؟
ــ للكلمة وجود داخل السياق الخاص ، وهذا يعتمد كيف تظهر هذه الكلمةُ في السياق الروائي ، داخل السرد ، أم داخل الحوار ، أم في المونولوج الخ .. هناك أناس يجلبون مفردات من القواميس مباشرة ويضعونها في الرواية على لسان الأبطال أو في السرد ، وهي كلمات ثقيلة ، (كما في رواية الفارس الغريب..) ، لكن الكلمات في الرواية تعتمد على النمو الطبيعي العفوي في اللغة اكثر منها الانتزاع القاموسي ، ولهذا تغدو الكلمة القاموسية نابية هنا ، وكلما كانت اللكمة مصطلحية وقاموسية ونظرية وأيديولوجية كلما أثقلت الرواية !
• حينما تكتب رواية لابد من تفكير في لغتها المتداولة بين الشخوص ، فأية لغة تفضل التعامل بها في عملك الروائي ؟ وهل تفرق في استخدام اللغة حين ترسم الشخصية ؟ أي أيهما يفرض اللغة أنت بوصفك روائياً أم الشخصية بوصفها عنصراً من عناصر العمل ؟
ــ كلما كانت اللغة عفوية وطبيعية وجميلة ومعبرة عن مستويات الشخوص كان ذلك أفضل ، ولهذا فإن السردَ بلسانِ المثقف حين ينزل إلى تصوير حوارات شعبية يجب أن يتخلى عن التقعيد اللغوي والصرامة الأسلوبية للمثقفين ، ويحوي تلوينات العامة ، وحين يذهب للمثقفين الإيديولوجيين فلا بد أن يعكس طرقهم في الحوار الخ..
• في أي عمل إبداعي تبرز الضمائر : ضمير الغائب ، ضمير المخاطب ، ضمير المتكلم ، فأي الضمائر تتعامل في السرد والوصف والحوار ؟
ــ هذه السؤال أجبنا عليه سابقاً .
• في الخطاب الروائي هنـاك تباين بين لغة الوصف ولغة الحوار ولغـة السرد، فإلى إي حد وفق الروائي البحريني في هذه المعرفة المتباينة ؟
ــ يعتمد العمل الروائي هنا على الكل ، أي على بناء الرواية ، فتجد رواية لفريد رمضان تركز على المقاطع المشهدية الكبرى ، حيث تتفتت الشخصيات والأحداث في وحدات سردية متقطعة ، أي في راويته عن المقبرة (راجع عدد كلمات 21 الخاص بالرواية البحرينية ..) ، ويلعب السردُ الثيمة الأساسية ، أحياناً هو مسقطٌ كما في بداية الرواية أو هو (عفوي وطبيعي) كما في بقية النص .
أو في رواية جمال الخياط حيث لم تلعب أي من هذه الوحدات دوراً مركزياً طاغياً بحيث تغدو سمة معروفة له.
ولكي تلعب هذه السمات أدوارها ينبغي أن نعرف ما إذا كان الروائي غاص في فضح وكشف وتعرية المجتمع !
• في العمل الروائي يتعامل الروائي بلغة مباشرة ، ولغة غير مباشرة ، فمتى يقبل الروائي اللغة المباشرة ، ومتى يرفضها ؟
ــ حين يكون التعبير العفوي عن الشخوص ، وحين تجري الحوارات وعمليات التصوير الوصفية للأشياء ، ولكن اللغة المباشرة في التعبير عن أهداف الشخصيات وحركية السرد وغاياته تكون مرفوضة .
رابعاً : محور المرأة :
• قلما تجد رواية تخلو من شخصية المرأة ، ولكن تختلف وظيفتها من عمل لآخر بحسب ما يرسمه الكاتب ، فهل حضورها في عملك حضور وظيفي تقتضيه تقنيات السرد أم أنه حضور تكويني ضروري لخلق البناء العام للرواية؟
ــ كما أن تكوينات الرواية تخضع لطبيعة المؤلف وإستراتيجيته كذلك فإن حضور الشخصيات وأعدادها وجنسها يخضع لهذه العملية ، والعملية لا تعود لطبيعة الحرمان الجنسي أو الشبع أو للموقف من المرأة. بل تخضع للرؤية العامة للمؤلف .
في رواية (اللآلئ) هناك الحضور الكثيف للرجال بطبيعة المهنة البحرية ، مثلما نحن كسجناء رجال ، لكن حضور المرأة حضور ورائي ، أي حضور من وراء الستار ، حضور في الذكرى والحلم بجسد المرأة .
لكن في رواية (امرأة) تفرض المرأة حضورها الطاغي لطبيعة الحدث في موت الصبي العائد لهذه المرأة ، أي أن تكون شخصية الأم هي الطاغية ، وبما أن المرأة الأخرى هي المتسببة في موت الصبي فإن الرواية هي صراع بين امرأتين وتجد بعد هذا تضادات الرواية :
❖ المرأة الولاّدة / الأم / الحقول / النضال / النخلة / الشعر / الزهد / الجمال / الثورة
❖ المرأة القتل / المتعالية / العقم / التملك / الجدب للأرض / اللهو / التسلط .
• يقال أن جسد المرأة ليس رخيصاً ولا شريراً ولا مغرياً فسيولوجياً ، ولكن احتياجات الثقافة الذكورية هي التي أوجدت هذا الإغراء ، بحيث وضعت جسد المرأة طيّعاً مسالماً ضعيفاً . فهل توافق على هذا القول ، وكيف تجسد المرأة في عملك ؟
ــ في الرواية السابقة الذكر المرأة الضعيفة تقود الرجال وتشكل عاصفةً في القرية النائمة ، مصعدة معركة النخيل الميتة ، وهذا لا يعني فقدانها للأنوثة والحب والولادة والليونة الجسدية . كذلك فإن موقفها يعود لعلاقتها بزوجها المنتمي السابق والمنهار حالياً ، ولهذا تشكل نفياً لكل السلبيات في القرية الميتة.
هناك عشرات النساء في رواياتي وكل منهن له حكاية وطبيعة ، وكل هذا يعتمد على سياق هؤلاء النسوة : بنات شيوخ ، مغنيات ، مومسات ، ربات بيوت خاضعات ، صديقات محبات لأزواجهن ، رموز للحب أو للفقد أو للأمومة الضائعة الخ ..
أو مشاركات في الأحداث ، أو سلبيات ، عرضيات ، أو يهيمن على الحياة ، رموز كبرى للأمومة الخ ..
• في الرواية بشكل عام أدوار متعددة للمرأة ، فهناك المرأة الأم / المناضلة / الفتاة المتحررة الداعية للتغيير السياسي أو الاجتماعي / المرأة المومس / المرأة الغنية / الفقيرة ….. وغيرها من هذه الصور . فما هي علامات شخصية المرأة التي تحب أن تكون موجودة في أعمالك ؟
ــ لا توجد صورة مطلوبة سلفاً بل هي تتشكل ضمن معطيات المادة الفنية ، فقد تظهر المرأة كحاجة أو كهدف مراد تشكيله اجتماعياً وكنموذج مرغوب إيجاده، لكن العملية تخضع للفحص الموضوعي في الحياة.
وكيف يرى المؤلف – الذكر أمه وأخته وحبيبته ومدى ديمقراطيته معهن أو مدى تسلطه عليهن !
• هناك فرق في المصطلح حين نقول ونقصد المرأة ، الأنوثة التي تقابل الذكورة ، والنساء التي تقابل الرجال . فمتى تتعامل مع شخصية المرأة بوصفها أنثى أي النظر إلى كونهـا عنصراً مثيـراً للجنس والرغبـات الجنسية ، ومتى تتعامل معها بوصفها امرأة ؟
ــ هذه خصائص متعددة للمرأة ، وفي العمل الروائي يخضع ذلك لطبيعة الرجال وتطورهم الجنسي والفكري والاجتماعي ، فإذا كان الشخص مستبداً ذكورياً لن يرى المرأة إلا كجسد وحضن لإنتاج الأولاد .
أنا كمؤلف مختلف عن شخصياتي فأنا لا أسقط عليها رغباتي .
• في الرواية قد يظهر الحب أو الكره أو التعاطف أو غير هذا وذاك بين الرجل والمرأة ، فما العلاقـة التي تحاول أن تبنيها في عملك بينهما ، ووفـق أي المعايير ؟ هل هناك معاييـر اجتماعية أو ثقافية أو سياسيـة أو أيديولوجية أو ماذا ؟
ــ حسب العلاقة بينهما داخل الزمان والمكان والظروف وفي أجواء الرغبات والوعي . لا شك أن هناك رغبة كما قلت لنمذجة وتصعيد نموذج إنساني ، لكن ذلك مرتبط بالموضوعية وبالظروف والمعايير هي معايير الحب والصداقة والتكافؤ والنضال .
• مهما حاول الرجل الوقوف بجانب المرأة ، ويسعى إلى تحررها ، يظل الهاجس أنها في مأساة وحرمان اجتماعي وعاطفي . كيف استطاع الروائي البحريني مناقشة هذه القضية ؟
ــ لقد ناقشتها سابقاً و أضيف هنا بأنه وهو يناضل لتغيير وضع الفقراء والعاملين فإنه لا بد أن ينظر للمرأة بشكل خاص فهي جزء من القوى المنتجة المحرومة وسيئة الظروف .
خامساً : محور المحلية والتراث
• عادة ينطلق الكاتب في أعماله الإبداعية من معاناة محلية أو من خلال ظروف معينة يحاول سبر أغوارها ، ولكن عن طريق المحلية . فهل الأعمال الروائية البحرينية تعالج قضايانا المحلية الماضية والراهنة ؟ وهل يطرح ما يستشرفه من رؤية تجاه المحلية في العمل والواقع ؟
ــ بالتأكيد ، فإن الظروف المحلية كلها التي وردت في حوارنا السابق كلها تنطلق من الوضع البحريني – الخليجي – العربي – الإسلامي – الإنساني ، وكلما حفر الكاتب في المحلية يتكشف له العمق الإنساني المتواري تحت التراب والمدافن وفي الحياة اليومية : فمن البحرين نجد التاريخ الإسلامي وبالتالي قضايا الدين والتراث ، فكيف يلعب الدين دوراً أساسياً في تشكل الوعي ولماذا ؟ وهذه الأسئلة نجدها عند الأوربي والأفريقي الخ .. في قصة بسيطة عن (الأصنام) التي تكتشف في أرض باربار يمكنك أن تعبر عن الصراع بين الغرب والشرق ، وبين الإسلام كمفهوم تقليدي والإسلام كمفهوم إنساني (راجع هنا قصة الأصنام ، ص 17 من مجموعة (دهشة الساحر) ، هذه (الأصنام) سوف تثير شهوة الخارج على القانون الخارجي المعاصر ، والباحث الأوربي المسالم كما في قصة أخرى.. (راجع (قصة الرمل والحجر) من مجموعة (سهرة) . ص: 85 .
المحلية – العالمية هي متعلقة بالتحليل وعمقه ومدى حفره في المادة المعرفية و التاريخية .
• للعمل الروائي مميزات في ضوء المحلية ، فما مميزات الرواية البحرينية وهي تستقي من منبع المحلية ؟
ــ إنها تستقي تاريخه وتاريخه هي جذوره وتحولات بشره التي تفهم في ضوء وعي عالمي ديمقراطي تحديثي ، فترتبط بالعروبة والإسلام والإنسانية الخ ..
حين تحفر في الوضع والتقاليد والنماذج والثقافة تشكل محلاً قديماً – جديداً ، إنها تساهم بزحزحة نماذج وقوالب فكر وأشكال ثقافة متيبسة ، وبهذا تلبس أزياءها الوطنية ، ومميزاتها هي مميزات بلدها ومنطقتها ، ولكن عليها أن تتسع كماً وتتوغل كيفاً ، فلا تكفي بضع روايات لتشكل مساراً !
• بما أن المحلية عنصراً مهماً (؟) في الكثير من أعمال الروائيين البحرينيين، فكيف يتشكل خصائص المكان وملامح الشخصية الآتية من المحلية التي تغترف منها ؟
ــ الظروف الموضوعية من بحر وبر وزراعة وتاريخ خاص وبلد بسمات معينة وهو صغير المساحة ومكثف الروح وبه صراعات سياسية واجتماعية مستمرة عبر العصور ، تخلق كلها سمات خاصة ، وحتى الآن فهذه {المحلية} في حالة سيولة وتشكل ، فتجد ملامح الانفتاح بسبب الطابع البحري والتجاري وليس البدوي ، وتجد حضور المرأة وتجد العمل اليدوي بخلاف البداوة أو النفطية البذخية ، وتجد السمات الإنسانية من مقاومة وانهيار واستغلال ومشاركة وتيارات حديثة الخ ..
هذه كلها انعكست في الرواية .
• من خلال المتابعة للمنتج الروائي البحريني هناك الكثير من القضايا التي تكاد تتشابه في بعض الأعمال وتتكرر . فأين هي القضايا المحلية التي انفردت بها دون غيرك ؟ وأيها تكررت ؟
ــ انفردتُ بسبر أغوار المجتمع بتاريخه المعاصر حتى اللحظات الزمنية الراهنة أي عبر متابعة شخصية متنوعة ، تشكلت هنا في الرواية .
وتشابه القضايا ليس مهماً ، فقد عالجت القصص السابقة موضوع الغوص ، وتجد لدى فؤاد عبيد كتاباً (قصصياً) عن الغوص ولكن عن أدواتها ولا علاقة له بالقص .
القضية الأساسية كيف تصنع من الموضوع روايةً ، وهنا زوايا الرؤية والالتقاط وطبيعة الوعي المجسد والأدوات الفنية والفكرية الحديثة المستخدمة ، تلعب الدور الحاسم في تمييز كاتب عن آخر .
• هل الروائي البحريني مهووس بقضايا مجتمعه ؟ وإلى أي مدى استطاعت الرواية البحرينية نقل ملامح الواقع الاجتماعي والسياسي؟
ــ سبق أن عالجنا ذلك ، ولكن الكاتب البحريني ليس مهووساً بمجتمعه بل أقل من مهووس إنه على حافة المجتمع .
• التاريخ والتراث عنصران رئيسان لأي مادة روائية ، وحين تأخذهما في عملك ، فهل يكونان ساكنين جامدين أو تعيد صياغتهما ومعطياتهما ؟ وكيف يتم ذلك ؟
ــ سبق الإجابة على ذلك .
• ألا تعتقد أن الروائي حين يتكئ على التراث والتاريخ يتحول من روائي منتج لنص إبداعي إلى مؤرخ وكاتب تاريخ ؟ فما تفسيرك لهذا ؟
ــ التراث والتاريخ هو واقع سابق ، مثلما أن الحاضر الراهن سيكون تراثاً وتاريخاً سابقاً ، وسيطلق علينا بعد قرن كتاب البحرين التراثيين الحديثين !
إن الكتاب الذين يكتبون رواية تاريخية هم أيضاً كتاب مبدعون ، ويقال ذلك أحياناً للتقليل من كتاب ومن عطائهم . أقرأ كتاب الرواية التاريخية لجورج لوكاش فهو مدرسة في ذلك .
إن تحول الروائي لكاتب تاريخ أو مؤرخ هو حين يترك أدوات التشكيل الروائي ويعتمد على التقارير والشهادات والمصادر ، ويترك النسيج القصصي والحبكة والبؤرة المشهدية الخ .. أما إذا اعتمد عليها فإن الأمر يعود لمدى قدرته الفنية وعمقه وحيويته الإبداعية .
• تغترف الرواية البحرينية من التاريخ والتراث السياسي أو الفلكلوري المرفولوجي ، فما مدى فائدة هذا الاغتراف ، وأثره على الرواية ؟
ــ هذا ضروري جداً ، فهو يجعل الكاتب يتابع مواداً خاماً مهمة وكثيرة ، وسوف تثري خياله وعلمه الروائي ، وكثيراً ما لعبت لي كتبٌ تاريخية أو بحثية قواعد لانطلاق الخيال الروائي لي ، مثل كتب الغوص البحثية لعبدالله خليفة الشملان أو (..) (أظنه سعد مرزوق ؟) شملان الكويت ولديه عدة كتب حول الغوص، فهو يعطيك المادة الموضوعية لمشهدية عالمك .
بالنسبة للنفط والبحث فيه هناك مواد كذلك استفدتُ منها ورجعتُ لذكريات العمال القدامى كذلك وكتب فلكلورية .
سادساً : الرؤية والتأمل:
• من خلال متابعتك للمنتج الروائي المحلي والإقليمي والعربي والدولي ، كيف تصنف الرواية البحرينية ؟
ــ ينبغي أن يكون بدل كيف (أين تصنف الرواية) .
الرواية البحرينية هي رواية بكر ، من فتية الرواية العربية التي هي رواية فتية عالمياً ، وقد صرنا في زخم الرواية عربياً عموماً . وأحياناً نتقدم على العديدين . فالأمر ليس بالكم .
يحدونا لهذا الحكم كون تجربة بلدنا السياسية الاجتماعية خصبة عربياً وعالمياً وفريدة بعناصرها ودورها وموقعها ، فهي تتشرب وتغتني بسبب طابع الانفتاح المستمر .
لكن ليس ثمة اهتمام بها ، بسبب فقر المثقفين وعدم وجود مصادر مالية تغذي وتنشر هذه الرواية ، في دولة الإمارات هناك عشر روايات ، والقيمة الفنية متفاوتة فيها ، ولكن توجد هناك أكثر من عشرة كتب نقدية حولها!
• الرواج والانتشار للمنتج الإبداعي عملية مهمة بالنسبة للمبدع ، ولكن العمل الأدبي بأجناسه وأنواعه لا يحظى بالرواج والانتشار ، فماذا يعنى هذا إلى الكاتب ؟ وهل هناك أزمـة ثقافة أو أزمـة قراءة أو أزمـة متعلم .. الخ؟
ــ إن الأدب في البحرين كان يحارب لسنوات طويلة من الدولة ، فكيف يتم ترويجه ؟ كان الظهور على التلفزيون من الممنوعات ، إضافة إلى عدم وجود عادة القراءة الواسعة لدى العرب ذوي الأمية الواسعة ، إضافة لفقر البحرين وانعدام دور النشر المهمة وصغر السوق ، وكل هذه العوامل صحرت البلد ثقافياً وأنضبته..
ويعتمد ذلك أيضا على حجم الشعب وثقافته ودور القوى السياسية وكلها لدينا في حالة تقزم !
• هل يصل بالروائي أن يرسم شخصياته ، ويتعلق بها في أثناء الكتابة ، وسرعان ما يلبث أن يكون شبيهاً بها أو إحداها ؟
ــ الروائي أكبر من شخصياته فهو نبع لوجودها ولكن بعض الشخصيات التي خلقها تعايشه وتعيش فيه ، وعلى مستوى الفعل لديه يقوم بتجاوز شخصياته وخلق شخصيات أفضل منها ، وهكذا دواليك . .
بعض الكتاب العرب مأسورون في محدودية البطل لأنهم لا يتطورون ، لا ينتقلون من الاجتماع إلى الفلسفة ، فتبقى تصوراتهم ونضالاتهم صغيرة جزئية، فيظهر أبطالهم على بهذا المقدار الصغير .
• يقال الإبداع ليس إدهاش المتلقي ، وإنما هو التجسيد الصادق والحقيقة والعفوية في الكلمة . أين يقف الروائي البحريني من هذا القول ؟
ــ لا بد أن يدهش الإبداع المتلقي ، لا بد أن يجعله في حالة استمتاع وتغير واكتشاف . لكن هذا لا يتناقض مع الصدق والبحث عن الحقيقة ، والجانبان مكتملان ، صناعة الفن وصناعة الصدق.
• البعض يقول: لـيس هناك كتابة قديمة وأخرى جديدة ، ولكن هنـاك إضاءات جديدة في صلب هذا النوع أو ذاك ، فما نوع هذه الإضاءات التي قدمها الروائي البحريني للرواية البحرينية ؟
ــ لا تزال في طور التشكل والإضافة .
في قطر ظهرت 3 أو أربع روايات وكتبت ناقدة ميلاد الرواية القطرية . ونحن بعد أربعين سنة لا نزال مهمشين نقدياً وإعلاميا .
• قيل أن الأدب الواقعي هو الأدب الأكثر انتشـاراً ، ويقوم بدغدغة الفئـة الأوسع في المجتمع ، أي أنه أدب القاعدة الشعبية أو هو الأدب الذي يتطرق إلى معالجة الهامش من المجتمع . إلى أي مدى يتوافق هذا الرأي والرواية البحرينية ؟
ــ ظهرت الرواية العربية في البحرين متجهة إلى الواقعية وقد جرى نضال كبير لتثبيت أسس الواقعية في مواجهة الفوتوغرافية والفنتازية الشكلية وغيرهما ، لكن من دون التخلي عن السمات الفنية الإبداعية ، والتألق والاستقلالية الفنية .
لكن مسألة القواعد الشعبية مسألة مختلفة ، لأن قواعد القراءة قليلة ، كذلك فإن طبيعة التوصيل والنشر كانت محدودة ، فلا توجد هناك شعبية للرواية ، أي لم تصبح رقماً تداولياً مهماً .
• من المعروف أن النقد له دور بارز وفاعل في عملية الإنتاج الإبداعي . فأين يقف النقد البحريني إن كان هناك نقد تجاه الرواية ؟
ــ النقد قليل الحضور ، بسب أن النقد القصصي كانت له طبيعة دراسية مهنية ، أكثر من أن يكون مشروعاً نقدياً محتفياً بالقصة والرواية .
إبراهيم غلوم هو مشروع الناقد الشامل ، المثقف صاحب الرؤية والبحث في مختلف الأشكال وصار المسرح والتراث البحريني شاغليه ، فترك النقد الروائي القصصي .
أنا كتبتُ عن الرواية في الخليج بشكل واسع بسبب طلب من مؤتمرات نقدية للكتابة عن الرواية في الخليج ، وتعرضت لبعض النماذج البحرينية ، لكن ليس من شغلي ذلك . فقرأت الكثير من النماذج الروائية في المنطقة وصارت لدي دراية بها ، ولعلي غدوت المتخصص في الرواية بالمنطقة وبأسمائها ومميزاتها .
فهد حسين له نقد موضوعي وقراءات تتطور بشكل مستمر وحس أخوي مع الجميع وهذا يبشر بالخير ، واهتماماته بالرواية والقصة تجعله في رأيي الناقد الروائي المنتظر للبحرين والمنطقة .
• الكاتب يحتاج إلى الحرية في الكتابة ، والحرية في الأدوات والوسائل ، ولكن ما الذي يحد من الكاتب ويكون رقيباً على نتاجه الإبداعي سواء في صياغة الأفكار أو نقل المشاعر أو طرح الرؤية ؟
ــ لا رقيب على الكاتب الحر ، في السجن كتبتُ داخل قفص على أوراق الصابون والمحارم ، لا يتسلل السوس إلى عظام الكاتب إلا من داخله وحين تهاوي أفكاره وتساقط مواقفه وإيمانه بعدالة قضيته .
• إذا آمنا أن العمل الإبداعي هو نوع متمرد على الشكل واللغة والرؤية أيضاً ، فهل نجح الكاتب البحريني في تمرده هذا ؟
ــ إذا كانت روايتي تنامُ في معاجين الحلاقة ثم تظهر بعد ذلك للنشر ، ثم أواصل حفر الواقع وكشف وتعريته فهذا ليس فعل تمرد ولكن فعل نضال ، التمرد مؤقت سريع ، عاطفي ، أما النضال فمختلف . فهو يعتمد على قراءة العلوم : الطبيعية والاجتماعية . بالنسبة للكتاب الآخرين أسألهم . فلا أستطيع أن أجيب عنهم .
• من الملاحظ أن الناقد حين يكتب نقداً ولم يعجب المبدع يتهمه بعدم المعرفة أو الجهل ، وإذا أعجب بالنقد يثني عليه ويمدحه ، فما الخيط الرفيع بين المبدع والناقد ؟ ولم هذه الحساسية الكتابية بينهما ؟
ــ على الناقد أن يكون صبوراً في السير في تضاريس الكثبان للروايات والقصص ، وأن يدرك الخلفيات المركبة للنصوص ، وأن يأتيها برفق وحنان وموضوعية وأمانة ، فكلما كان رفيقاً كلما فهم النصوص أكثر واستطاع أن يقترب من أعماق الكتاب ، ولابد أن يفهم ظروف النص والكاتب حين ينقد ، حتى يكون صديقاً للكاتب والنص ، وحينذاك فإنه سيصل إلى استنتاجات مهمة ويفيد الكاتب ويحوز على تقديره حتى لو كان جارحاً في بعض المقاطع وقاسياً، فالموضوعية أفضل صديق للروائيين .
• بوصفك أحد المثقفين في هذا البلد المعطاء ، والمتابع للمشهد الثقافي البحريني ، فمن يصنع هذا المشهد ؟ الجهاز الرسمي المتمثل في إدارة الثقافة والتراث الوطني ؟ أم مؤسسات المجتمع المدني ؟ وكيف تقيمون هذا المشهد ؟
ــ يصنع المشهد الثقافي الكتاب والمبدعون بدرجة أساسية ، فالمهم في البداية هو الإنتاج والخلق ، أما التوزيع والعرض والتسجيل ، فهذه جوانب يمكن أن يقوم بها أناس وجهات مختلفة .
• الكاتب والمبدع البحريني هل يقوم بتثقيف السياسة أم تسييس الثقافة ؟
ــ حسب طبيعة وتوجه هذا المثقف ، بالنسبة لي أقوم بالمهمتين ، جعل السياسة تفهم الثقافة بكل أبعادها ؛ الأدبية ، والتراثية ، وكذلك بجعل المبدعين يفهمون السياسة ، ولا يتخوفون من المشاركة فيها وفي فهمها .
المحن مؤذيةٌ وصعبة، وهي قد تكسرُ البشرَ وخاصة المبدعين والمثقفين!
حاوره : علي الستراوي
عبدالله خليفة روائيٌّ وباحثٌ بحريني، بلغَ من العمر ستة وستين عاماً، بدأ حياته الإبداعية منذ أواخرِ الستينيات من القرن الماضي عبر المساهمةِ بإنتاجِ القصة القصيرة، ثم أنعطف إلى الروايةِ التي كرس فيها جهوده، وتداخلَ معها بكتابةِ الأبحاث فأصدرَ مجموعةً من الإصدارات عن التراث العربي الفكري والرواية العربية، وهذا الحوار هو آخر حوار أجري معه قبل أن يغادر دنيانا، وفي سياق الحوار نرى هذا المشوار المتعدد الجوانب وقسماته المميزة.
• عبدالله خليفة مشوارُ مثقفٍ تجاوز الأربعين عاماً في الكتابة ومازال في جرابه الكثير من العطاء، فكيف لعبد الله أن يقربنَا من كلِ هذه المحطات التي بدأتْ بالقصة القصيرة حتى وصلت لكلِ أنواع الكتابةِ الثقافية، ومازالت مشتعلة؟
ــ عاشت الكتابةُ لدي كنضالٍ فكري سياسي، فالقصصُ القصيرةُ التي كتبتُها بدايةً كانت طلقات، ثم تغيرتْ إلى نيران تجربةٍ طويلة، فعشتُ في مختلف المحن، بدءًا من العمل السياسي، والسجن، والبطالة، والعمل الصحفي اليومي الصعب. وتوجهتُ لقراءةِ تطور بلدي عبر هذه التجارب، فقرأتُ تاريخَه، وحياة منطقته، وإرثه الفكري، وصراعاته، فأنشأتُ أعمالاً عديدة يحكم عليها النقاد والقراء.
• يقول الروائي العربي حنا مينا (من عاش في فرنِ المحنة لقادر على تجسيد المعاناة)، ماذا يعني لكَ أدب المحنة؟
ــ المحن مؤذيةٌ وصعبة، وهي قد تكسرُ البشرَ وخاصة المبدعين والمثقفين، والكاتبُ حين يحولها إلى تجربةٍ مشعةٍ فإن ذلك يعتمدُ على نفسيتهِ وصلابتها وتطور موقفه، فقد تؤدي المحنةُ إلى نضجه، وقد تؤدي حياة الراحة إلى تآكله الروحي، وهذا يعتمد على العناصر الفكرية المقاوِمة التي شكلها في نفسه، وتنامت عبر التحليل الموضوعي التحويلي للواقع ومساهمته فيه.
• لك جهدٌ كبيرٌ في البحثِ الفلسفي والعطاء الأدبي والفكري، وقد أشعلتَ النارَ، أمام كل هذا التنوع، هناك من خالفك الرأي وآخرون وقفوا معك، فبماذا تردُّ عليهم؟
ــ مع تدهورِ الوعي الفكري العربي السياسي وخاصة تجاه مسائل التراث والواقع الراهن، كان لا بد من ظهور مساهماتٍ تحللُ الجذورَ العربية وتطوراتِها عبر العصور، وقد وجدتُ أن العديدَ من القراءات للماضي لم تكن دقيقة، فساهمتُ في قراءةِ التراث بحسب طاقتي، كذلك قمتُ بقراءاتٍ للرواية العربية، وربطتها بالقضايا المعاصرة وبتطور الثقافة، وهناك من الأدباء من لم تعجبهُ عمليةَ المزاوجةِ بين الإبداع والنقد والفكر، فيريدُ للأدباء أن يقفوا عند حدودهم ولا يتعدوها للنقد والفلسفة، فهم يشعرون بشيءٍ من الغيرة لهذا ويعيشون ضيقَ الآفاق. والواقع أن أي نقد يُوجه للكاتب هو نقدٌ مفيد وخاصة إذا كان موضوعياً وإذا لم يكن موضوعياً يعطيه فكرةً عن مستوى النقد وطبيعة كُتابه.
• يعتبرك الكثيرون من الكتاب وأنا واحد منهم أنك واحد من أهم كتاب المشاريع الفكرية والأدبية والتي تطورت لتكتبَ روايات عن التاريخ العربي بدت مغايرةً ومثيرة، كرواياتك: عمر بن الخطاب شهيداً، ورواية علي بن أبي طالب شهيداً، وعثمان بن عفان شهيداً، فكيف تنظرُ للشهادةِ من موقعٍ فكري؟ وألا يعني أن تصنيفك لكلِ هؤلاء الصحابة بأنهم شهداء مبالغاً فيه؟
ــ هذه من البؤر الفكريةُ الاجتماعية المرتبطة بالصراعاتِ السياسية وصراعات الأمم الإسلامية الراهنة، وهي صراعاتٌ مبالغٌ فيها، وخطرة على تطورها، فكلُ الصحابة الذين ناضلوا في تاريخ الإسلام ذوو مكانة عالية، ويُعتبر قتلهم جريمة، ويجب أن نتحدَ كلنا في هذا الموقف، وحين يرتكب المسئول أخطاءً فلا يجب أن يُعاقب بالتآمرِ والقتل بل بالتصحيح البناء. وأهمية مثل هذه الروايات والكتب الفكرية المحولة للوعي السائد الطائفي جديرة بالاهتمام لا بمنع الكتب ومصادرتها والتجني عليها بدلاً من قراءتها ونقدها وتصويبها إذا كانت فيها أخطاء!
• يعتبرك الكثيرون بأنك حاد نقدياً وقاس في تعاملك مع الأدب والتاريخ السياسي، فهل أنت كما يقولون؟
ــ الكُتابُ لا تعجبهم عادة الانتقادات التحليلية التي تكشف قضايا وأشكال إبداعاتهم، وخاصة حين تكشف التناقضات والمشكلات فيها، ولكن التحليلات للأدب لا تجري بصفةٍ شخصية فحسب بل لكون هذه النتاجات ثمارا للوعي والحياة العامة، والعديد من الكتاب لا يحبون مثل هذه اللغة النقدية ويريدون نقاداً يفصلون لهم بدلات خاصة على مقاسهم، ولهذا تجد أنهم يعطون كتبَهم لنقدها من قبل أصدقاء، وهذه مشكلة تبين تفاقم الذاتية لدينا.
• في محطات تجربتك العمرية الكثير من المشكلات وبدأت بكتابة القصة القصيرة حتى إنتاج روايات كبيرة بأجزاء، فكبرت فلسفتك الحياتية وكلفتك الكثير من المعاناة، فهل أنت سعيد لما أنجزته؟ وبماذا تحلم؟
ــ التجارب والمعاناة والانجازات تترافق، فأدواتُ الكشف النقدي للواقع لا تُسعد جهات عديدة، وأنت لا بد أن تتحمل مسئولية كلماتك ومواقفك. ولا شك أنني سعيد بما عملته، فهو الجانب الباقي من شخصي، وأحلمُ بكتابةِ المزيد وتأصيل مواقف فكرية وسياسية أكثر عمقاً وإضاءة، وكتابة ملاحم.
• التحولاتُ في الرواية العربية مشروعٌ متكامل في بُعدِ عبدالله خليفة الثقافي فكيف لكَ أن تأخذنا إليه؟
ــ الروايةُ العربيةُ بحرٌ كبير ومن الصعب التعبير المُعّمم عنه، ولكن الرواية العربية توجهتْ للمزيد من التغلغل في البُنى الاجتماعية العربية على مر القرن العشرين، وقد غدت أكثر خصباً بالتلاقح مع الموروث، لكنها لا تزالُ غيرَ عميقة في تحليلاتها الفنية العميقة للصراعات الاجتماعية النموذجية الهائلة الجارية، فالكثيرون يتوجهون للجانبي واليومي العابر وتصبحُ تحليلات الصراعات الكبرى المشكلة بفنيةٍ رائعة ونمذجة محدودة. إن التصادمات المحورية، واكتشاف الهياكل الصراعية وتجسيدها في نماذج مبهرة لا تزال غير متوفرة بشكل واضح واسع.
• (الأدبُ البحريني: الرؤيةُ والتحولات) هي عنوانٌ لورقة قدمتها ضمن فاعليات المكتب الدائم لاتحاد الكتاب العرب، بما اعتبره البعضُ بأنك تهاجم الكتابَ الروائيين العرب، فبماذا ترد عليهم؟
ــ هنا سوء فهمٍ في السؤال، فالنقادُ الذين كتبوا عن الروايةِ البحرينية في هذا المؤتمر تباينوا في مستوى كتاباتِهم، فهناك الناقدُ النادر الذي عكفَ على معالجةِ الهياكل الفنية والموضوعات والمضامين بشكلٍ نقدي متداخل وعميق، وهناك من ركز على الموضوعاتِ منفصلةً عن الأشكال والبنى التعبيرية، وهذه سلبيةٌ طالما نجدُهَا في نقدِ المؤتمرات الأدبية العربية. وأنا قمتُ بتحليل هذه العملية القاصرة، وطرح ما هو ناقص فيها.
• تجمعُ في كتابتكَ بين السياسة والأدب، فكيف ترى كلاً منهما على حدةٍ؟
ــ طبيعةُ العملِ الصحفي والدورِ السياسي تجعلكَ تهتمُّ بموادِ الحياةِ المباشرة وصراعاتها اليومية، وهي تدخلُ الكاتبَ في المباشر والحياتي اليومي الصارخ وأحياناً الفظ، الذي قد ينزعُ قراءتَك العميقةَ والبعيدة، ولكنه دائماً يجذركَ في الحياة، يُدخلكَ في المعاناة الشعبية والمناورات العليا للقوى السياسية، فالذي يتحول إلى صحفي ويدع اهتماماته الأدبية والإبداعية يتخصص في جوانب أخرى، وقد يفقدُ جوانبَه العميقة، والكاتبُ المزدهرُ بتحليل الواقع وقراءة المستقبل يجمع بين الجانبين؛ عينٌ على المادة اليومية وعدم السقوط في رمالها، وعينٌ على قوانين الحياة وسببيات الوجود، ولذا يُضفرُ بين الحياتي الفظِ والنثري وبين الجمالي.
• روايتك ما قبل الأخيرة (عنترة يعود للجزيرةِ)، أثارت الكثيرَ من اللغط بين المثقفين، وأنت قلتَ عنها في جريدة الحياة (لم تكن تعنيني حكاية النفط، إنه دفاع عن المعقولات التي تختصر الرواية في المنحى). قربنا من هذا المفهوم؟
ــ هذا كان جزءًا من الحوار حول المباشر والاتجاهات العميقة في الحياة، فالتركيزُ على التحولات الاقتصادية الاجتماعية النفطية كانت مرحلةً في الرواية العربية استنزفتْ نفسها، وجاء زمنٌ أدبي للعميق ولما بعد المباشر، وبطبيعة الحال هذه مسألة صعبة، فالرواية دائماً تغرقُ في المباشر، والآن لدينا موجة مباشرة في الخليج عن الحياةِ اليومية والجنسِ والبذخ الزائف، ونحن بحاجة إلى التجاوز والتغلغل في ظاهرات الحياة المركبة، وحاولتُ في رواية (عنترة يعودُ للجزيرة) طرح ما هو تراثي وواقعي عبر رؤية البطولة.
• أصواتٌ ضعيفةٌ اعتلتْ الساحةَ الثقافية الصحفية، توزعت بين المحلي والخليجي والعربي في ظل عروضٍ هشة لا ترتقي إلى الثقافة بعمق، فصفق لها من صفق وهاجمها من اختلف معها، فهل أنت من هؤلاء؟
ــ السياسة الثقافية للصحف والمجلات هي جزءٌ من وضعها السياسي والاقتصادي، فهي إذا كانت رسمية تضعُ خطوطاً حمراء عديدة على موادها وخاصة موادها الفكرية والأدبية التحليلية الناقدة، وهي هنا بحاجة إلى مثقفين إداريين تابعين، يرتبون الموادَ بحسب القرارات العليا، ولهذا فإن العديد من المجلات تنحى هذا المنحى، وترى ضخامة المواد في الخليج والمنطقة العربية التي ينتجها المبدعون بشكل يومي، ولكن هذه الصحافة لا تقربُ هذه الموادَ من أوراقِها الأنيقة عادة. والصحافة ذات المنحى الاقتصادي التي يديرها تجارٌ تقلل من الجانب الثقافي وتحجّم من المكافآت وربما كذلك تخفف من النقد السياسي، والجانبان الناشران هنا يعتمدان على ضعف الديمقراطية وحرية الرأي في المنطقة وغياب الصحافة الحرة الواسعة المقتدرة.
• أزمةُ طباعةِ الكِتاب أزمة أوجعت الكثيرين من المبدعين، ولا تزال هذه الأزمة توجع الكُتاب، بماذا تنصح دور النشر، وبماذا تقترح لحل أزمة النشر؟
ــ هذا جانبٌ آخر من مشكلاتِ الواقع الثقافي وهو مترابط به، فالكتّابُ هم مبدعون أحرارٌ يشكلون أعمالهم وفق رؤاهم، لا وفق رؤى الدول، ودور النشر الرسمية، ووزاراتُ الثقافة تشترط تخفيف الأظافر الحادة للأعمال الأدبية والفنية، أو إزالتها كلياً، فيما لدى المبدعين خيارات متعددة أخرى. ومن لديهم إمكانيات مالية يقدرون على الطباعة المكلفة فيهدرون أجزاءَ من حياتهم ومواردهم على الطباعة والنشر، وهذه مأساة إن لم تكن كارثة، تعبرُ عن واقع مرعب. ويعبرُ هذا كذلك عن ضعف الاتحادات الأدبية وعدم قدرتها على العمل من أجل تغيير ظروف المبدعين نظراً لكون بعضها أو كلها أجزاء من المؤسسات الرسمية أو الجماعات الشمولية المختلفة. المسألة مرتبطة كذلك بتطورات الديمقراطية والحريات والتحضر في المجتمعات العربية.
• بين الشعرِ واللوحة الفنية والكتابة السرديةِ حبلٌ يشد الأنواعَ الفنية والأدبية لبعضها البعض، فكيف للمبدع أن يفصلَ كلَ لون عن الآخر، وماذا يعني هذا الاختلاف في ظل مملكة الشعر؟
ــ الأنواعُ الفنية والأدبية لها خصائصٌ محددة مستقلة وخصائص مشتركة، بحسب موادها وأدوات تعبيرها وقسماتها الداخلية التي نشأت بها تاريخياً. وهي يمكن أن تَستثمرَ هذه الأدوات بحسب تطورها، فالقصةُ يمكن أن تَدخلها خصائصٌ من الشعر، كسماتِ التوهج والموسيقى والغوص في الأعماق بدون نثر جانبي متخثر، لا أن تتحول إلى فوضى تعبيرية، فهي تستثمرُ الشعرَ لتتطور المادة الحدثية والشخوص والشكل الفني، والقصيدةُ يمكن أن تستفيدَ من القصة عبر بروز هياكل دقيقة مرهفة تمسكُ الجزئيات الشديدةَ التناثر وتحفرُ عبرها في الحياة والوجود. الغوصُ في الحياةِ ورؤية العميق المذهل فيها يمكن أن يُشعرا القصة والقصيدة معاً.
• المرأةُ ماذا تعني لك؟
ــ هي الاكتمالُ الآخر للوجود البشري الذكوري. هي مُصعِّدةُ العواطف والسمو والجذور. الحب يخلق تطورات كبيرة في أعماق الإنسان، هو شكل القمة للتضحية.

حوار مع الكاتب عبدالله خليفة المؤلف الجيّد عاجز عن الوصول الى الناس
حوار مع الكاتب عبدالله خليفة: المؤلف الجيّد عاجز عن الوصول الى الناس
مجلة «الجديد» التابعة للحزب الشيوعي الإسرائيلي، تنقل مقابلة لعبدالله خليفة نشرت اصلاً في مجلة «اليوم السابع» سنة 1988.
The Palestinian Museum Digital Archive – أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي: العدد الثاني عشر من مجلة الجديد، كانون الأول 1988.
يعتبر الكاتب البحريني عبدالله خليفة، من ذلك الرعيل الذي ظهر منذ أواسط السبعينات، وسط زخم أدبي بحريني متميز شهد ظهور أسماء عديدة على الساحة العربية، وهو كاتب قصة ورواية ونقد، صدرت له روايات عديدة ومجموعات قصصية، ويستعد حالياً لإصدار كتب أخرى.
في البحرين التقى به يوسف مكي، مكاتب «اليوم السابع» وطرح عليه أسئلة عديدة تنشرها «الجديد» فيما يلي لإطلاع القراء على هذا الكاتب وتجربته الأدبية:
■ بدأت بكتابات القصة القصيرة وانتهيت إلى كتابة الرواية منذ بداية الثمانينات، لماذا هذا التحول؟
♦ في البداية أود ان اقول ان القصة القصيرة التي كتبتها كانت تتسم بالبحث الشمولي في الحياة والواقع، إذ أنها تتطلب تكثيفاً وتركيزاً على اللحظة النفسية أو الاجتماعية المحددة. ولكن كانت القصة التي اكتبها تهتم بهذا التركيز وترفض بعض جوانب الواقع، وتكشف اللحظة النفسية في ارتباطها بجوانب أعمق في الحياة. وقد دفعتني هذه المسألة الى الاهتمام بتوسيع هذه اللحظة وتعميق اللحظة القصصية وبالتالي ربطها بدلالات اجتماعية وتاريخية أعمق. فعلى سبيل المثال كتبت في بداية حياتي الأدبية قصة تتحدث عن مغني البحر، عن شخص في سفينة الغوص يغني ويطرب البحارة ويدفعهم لمزيد من العمل والإنتاج. هذه القصة مكثفة تهتم بلحظة نفسية مكثفة جدا، ولكن عندما ازددت معرفة وازددت عمقاً وفهماً للحياة والإنسان أخذت هذه اللحظة تتسع فلم اكتف بمغني البحر وحده في مشكلته الجزئية، وإنما صار هناك اهتمام بمرحلة الغوص واهتمام بتحليل هذه المرحلة بنماذجها المتعددة والاتجاه الى ربطها بجذورها التاريخية والاجتماعية فغدت اللحظة الصغيرة في القصة القصيرة نوعاً من الملحمة المكثفة التي تهتم بصراع هؤلاء البشر في لحظة زمنية عميقة المحتوى.
والملاحظ أنه كثيراً ما يبدأ القصاصون بالقصة القصيرة وتتعمق رؤاهم ومعرفتهم ثم يتجهون الى الأنواع الأدبية الأكثر إطالة وتوسعاً لتعميق القضايا التي كانوا يطرحونها. فعلى سبيل المثال «تشيخوف» بدأ بالقصة القصيرة ثم اتجه الى الرواية والمسرحية على وجه التحديد لأن اللحظات القصصية القصيرة المكثفة التي كان يكتبها كان بحاجة الى تعميقها أكثر. وهذا ما حدث بالنسبة لعدد من القصاصين العرب والعالميين.
■ هل يعني ذلك التحول الانتقال من حدث فردي تتناوله القصة القصيرة الى حدث اجتماعي متمثل في الغوص وصراع الأفراد. وبالتالي لا بد من تناوله في رواية؟
♦ القضية ليست هكذا بالتحديد وإن القصة القصيرة هي لحظة مكثفة موجزة تتناول خيطاً ما من هذا الإنسان أو من هذه الحادثة. هذا الخيط من الممكن أن يطرح بأشكال متعددة عن كل مناحي الحياة ولا بد من ربط النواحي التراثية النفسية والناحية الاجتماعية. والقصة القصيرة لا بد أن تربط بين هذين الجانبين. ولكنك وانت تكتب القصة القصيرة تكتشف باستمرار جوانب عديدة في الحياة الاجتماعية وفي هذه الحالة تلح عليك الأنواع الأدبية الأخرى لكي تستوعب المشكلات والأجزاء الكبيرة في الواقع والجوانب الروحية. والملاحظ هنا في البحرين إن التطور الأدبي كان مهتماً بالقصة القصيرة والشعر باعتبارها يمثلان نوعين يعبران عن مستوى وعي المبدعين الشباب، ولم يكن حينها يوجد لدينا تراث محلي من نوع الرواية وبالتالي كان لا بد إذ تكون القصة القصيرة في مجتمع ما زال في بداية انفتاحه على العالم ومن خلال ملاحقة التطورات الأدبية الجديدة في العالم العربي، وبعد سنوات من الخبرة والتطور، كانت هناك مسائل كثيرة ومستجدة تنمو في الحياة. وقد كنا فى حاجة الى تطوير الأدب والأدوات الخاصة به وفي ظل وضعية المجتمع بشكل عام كان لا بد أن تكون الأمور مرتبطة بالقصة القصيرة ومن ثم الانتقال الى نوع جديد وهو الرواية أو المسرحية.
الوقت المناسب
■ هل يعني ذلك أن التحول من القصة القصيرة إلى الرواية جاء في وقته المناسب؟
♦ اعتقد ذلك، خاصة أنني كتبت عدداً من القصص القصيرة، حوالي مجموعتين وقصصاً أخرى، وفي مرحلة السجن حدثت عملية اختمار فكري وأدبي وتأملات طويلة تم تحويلها الى رواية. إلا أن المسألة في حقيقة الأمر كانت عضوية. وهذه العضوية تنطبق على كتابة أي نوع من الأنواع الأدبية. ومن ثم يبدأ الوعي باكتشاف عملية الخلق الروائي بشكل أعمق. وكما ذكرت فإن القصة القصيرة المكثفة تكون البداية ثم الرواية بهدف تعميق الوعي الفني الموجود عند الكاتب، وهذا ما تعجز عنه القصة القصيرة وتستوعبه الرواية. وفي هذه الحالة يشعر الكاتب بأنه قام بكتابة ما لديه أو ما يعانيه ويختمر داخله. فرواية «اللآلئ» كانت عبارة عن تأملات طويلة في حياة الوطن وتعمق في كشف الأشياء والبحث عن المصائر التاريخية للأشياء والأفراد (الإنسان) كما أن الرواية تبحث الأسئلة الكبرى في الحياة. وهنا تأتي الرواية للإجابة عن هذه الأسئلة.
■ ذكرت أن الرواية بمعنى ما تحاول الإجابة عن الأسئلة الكبرى للمجتمع الذي تصدر عنه. والملاحظ ان روايتك الاولى تتناول فترة الغوص وهى فترة ما قبل النفط. هل هذه الرواية تجيب عن الأسئلة الكبرى للماضي أو عن الأسئلة الكبرى للمرحلة المعاصرة؟
♦ ـ سؤال جميل – تناول الماضي هو دائماً تناول للحاضر. لا يوجد بحث أو كتابة تهتم بالماضي بصفته المجردة. والنقاش في الماضي ليس نقاشاً في الماضي وإنما في الحاضر ولأجل الحاضر.
وبالتالي فهو نقاش في الحاضر وصراعاته. وهذا ينطبق على الرواية. وعندما يكتب روائي عن فترة ماضية، ويكتشف هذه الفترة وتناقضاتها وأعماقها من نماذج بشرية تعيش فيها والقضايا والأسئلة المهمة التى تؤرق هذه الفترة عندما يتحدث عن ذلك فهو إنما يناقش مسائل عصره بالتحديد. وعندما لا تكون هناك مناقشة لقضايا العصر الملحة، يكون العمل الأدبى لا قيمة له.
وهنا بطبيعة الحال لدينا الرواية، لأنه لا بد أن يكون ذلك العمل الأدبي شرارة تصب في هذا الصراع العام. ولا بد أن يكون قوة مضيئة في التحولات التي تجري في وقتها. فإذا ما سحبنا هذا المفهوم النظري على التجربة الملموسة، نجد بأن رواية «اللآلئ» هي اكتشاف للصراع بين الربان «النوخذة»، وهو الرجل الذي يتحكم في مصائر البحارة ويقودهم كما يحلو له ويستولي على تعبهم بهذه السيطرة وما يترتب عليها من نتائج نفسية، فيما نجد لدى البحارة تنامي الوعي بالرفض والتذمر وتنامي قدرتهم للتصدي لهذه السيطرة التي تقودهم الى الدمار. كما نلاحظ أن النوخذة يمثل الصراعات التي كانت موجودة ولا زالت موجودة وتتمثل في موقف طبقة معينة (القديمة) من التطور الرأسمالي. فالنوخذة كان يرغب في الاستفادة من اللآلئ للابتعاد عن البحر لتأسيس مؤسسة حديثة مرتبطة بالأحداث المستجدة في المجتمع.
الماضي والحاضر
■ إذا كان ذلك صحيحاً من الناحية النظرية. ما مدى انطباق ذلك على الرواية، خاصة اذا عرفنا ان فترة الغوص هي فترة قائمة بذاتها إلى حد كبير وفترة المجتمع الحديث هي الأخرى قائمة بذاتها، حيث أن الأولى قائمة على أساس علاقة السخرة والعبودية والفترة المعاصرة قائمة على أساس علاقات الإنتاج الرأسمالية، الا يعني ذلك اسقاطاً للماضي على الحاضر؟
♦ أعتقد أن الفترتين الماضية والمعاصرة في البحرين وفي منطقة الخليج عموماً هما لحظتان في تطور واحد وفي تشكيلة اقتصادية اجتماعية واحدة وهما ليستا مبتورتين عن بعضهما البعض وإنما متداخلتان. أما بالنسبة للفن فان له قوانينه الخاصة غير المقطوعة عن القوانين العامة لتطور الحياة فالفن يمكن أن يناقش أي شيء يمكن ان يناقش المستقبل أو أن يكتب روايات خيالية ويمكن ان يكتب عن عصر الكهوف. ولكن المسألة هي في كيفية مناقشة أي موضوع وبطريقة تضيء الحياة المعاصرة. وهنا عندما نناقش الماضي بموضوعيته فإننا بطريقة ما نثير ذات الأسئلة وذات الموقف في الحياة المعاصرة. وبالتالي بالنسبة الي ككاتب لا يمكن أن أفهم الماضي إلا على ضوء قوانينه ولكن بارتباطه بالحاضر.
■ ألا يعني هذا أن لفترة الغوص مشكلاتها الخاصة وللفترة المعاصرة النفطية مشكلاتها الخاصة التي تختلف عن الفترة السابقة؟
♦ كما قلت فإن الفترتين متداخلتان إلا أنها متباينتان اذ ان الحقبة النفطية تشكل انعطافاً في التطور الاجتماعي وتشكل لحظة تاريخية واجتماعية مختلفة عن السابق لكنها ليست مقطوعة عن الماضي. هذه اللحظة لها سماتها الخاصة. والرواية لا تهتم بالقضايا الجزئية التكتيكية، وإما بالقضايا الكبيرة في التاريخ والكاتب يتناول القضايا الكبيرة مثل قضية التطور الاجتماعي إلى أين؟ مثلا…
■ يقول جورج لوكاش «الرواية هي ملحمة بورجوازية» أو ملحمة المجتمع البرجوازي إلى أي مدى ينطبق هذا الكلام على الرواية في البحرين على الرغم من عمرها القصير نسبيا؟
♦ بالنسبة للتعريف القائل بأن الرواية ملحمة البرجوازية أعتقد أنه يعني أنها ارتبطت بنشوء الطبقة البرجوازية. أما في الدول النامية فالأمر يختلف. فقد نشأت الرواية باعتبارها رواية وطنية. أي أنها تحاول ان تجسد ملامح شعب وطموحاته وحركته وتاريخه فهي بهذا المعنى ملحمة وطنية وتركز على الجوانب الديمقراطية بالمعنى البرجوازي. والرواية العربية وكذلك في بقية دول العالم الثالث ارتبطت بالتخلص من الاستعمار والتصدي له. وهذا ينطبق على البحرين والخليج بوجه عام. فقد نشأت الرواية كمحاولة لاكتشاف هذه الناحية مثل رواية «الشاهندة» في الإمارات وكذلك بعض الروايات التي تناولت تطور المدينة في الخليج من قرية صيادين الى مدينة كبيرة الى مدينة استهلاكية نفطية. ولكن المسألة أيضاً تتعلق بمدى رؤية الكاتب وقدرته على الربط بين هذه التحولات في المجتمع والشخصيات والأحداث في الرواية. في البحرين كان يوجد اهتمام بمعالجة رواية «الحصار» لفوزية رشيد والتي تناولت حقبة السبعينات وتتحدث عن مجموعة من المناضلين من أجل التغيير داخل وخارج السجن. وهذا في رأي محاولة لاكتشاف الواقع من خلال نمو الرواية واستبصار القضايا الاساسية وكذلك بالنسبة للادوات الفنية فهي ما زالت في البداية.
نلاحظ ذلك من خلال بعض الروايات التي تتسم بالشعرية المكثفة جدا والغموض والتجريبية. فمثلاً نجد رواية امين صالح «اغنية ا – ص الاولى» تتجه اتجاهاً سريالياً، وهناك نماذج كثيرة.
من البحرين الى الخليج
■ ماهو موقع الرواية في البحرين بين الأدب العربي في الخليج، خصوصاً وان هناك كتاب روايات امثال اسماعيل فهد اسماعيل وليلى العثمان في الكويت؟
♦ يمثل كل من اسماعيل فهد اسماعيل وليلى العثمان نضجا قصصيا مهما في الكويت والمنطقة.
ولاسماعيل العديد من الإبداعات الروائية والنقدية والقصصية وتمثل إضافة مهمة. الا ان اغلب رواياته تناقش قضايا عربية شمولية أكثر منها محلية، كتطور المجتمع العراقي. ورباعيته اهتمت بالتاريخ العراقي في حين أن رواية «النيل يجري شمالا» تناقش فترة حكم مصر ايام نابليون. أما ليلى العثمان فقد اهتمت بقضايا المجتمع في الخليج ولديها روايتان تعالجان الحياة في الكويت ماضياً وحاضراً لماذا ذلك؟ لأن الجيل الحالي لا بد وأن يعالج الماضي باعتبار ان اقدامه ما زالت قائمة في الفترة السابقة. أما في بقية الخليج فيوجد تطورات خاصة في الإمارات العربية المتحدة التي فيها محاولات وكتابات قصصية وروائية تبشر بكثير من العطاء. ولدينا كتاب مثل علي أبوالريش ومحمد الحربي. (أنظر الدراسة المطولة عن الرواية بين الإمارات والكويت لـ عبدالله خليفة) أما في البحرين فهي تمتاز باهتمامها بالبناء الفني المتماسك وبالقضايا العميقة للتطور الاجتماعي خاصة بالصراعات الطبقية وهذا الاهتمام أيضاً يتعلق بالفكر والتطور الإبداعي وهو نتاج التطور الخاص بالبنية الاجتماعية. ومن هنا جاءت القصة القصيرة وخاصة الرواية زاخرة بهذه الصراعات وذات بعد طوري ربما أكثر من بعض الدول العربية في الخليج.
■ ذكرت أن الرواية في طور التكوين، أين موقع النقد في الرواية؟
♦ من المعروف أن النقد قد سبق الرواية ولدينا العديد من الكتابات والمحاولات النقدية السابقة على الرواية التي حاولت أن تؤصل التطور القصصي والفكري في البحرين مثل كتاب الدكتور إبراهيم عبدالله غلوم حول القصة القصيرة في الكويت والبحرين، لدينا أيضاً كتابات علوي الهاشمي وخاصة في مجال الشعر في كتابه ما قالته النخلة للبحر. ولدينا كتاب آخرون أمثال يوسف الحمدان في مجال النقد المسرحي ويوسف يتيم.
وقد لعب النقد دوراً تحفيزياً في نمو العمل الإبداعي. وما كتبه ابراهيم غلوم بالنسبة للقصة القصيرة هو محاولة فيها الكثير من الجوانب المفيدة والمضيئة للتطور التاريخي للقصة في الخليج والبحرين وهذه المحاولات حاولت أن تربط حلقات متعددة في الأربعينات والخمسينات والستينات، وادت الى الاهتمام بكتابة القصة القصيرة.
والملاحظ أن الرواية نمت عبر كتاب القصة القصيرة هذا فضلا عن اختلافها عن النقد الأدبي، لأن لها مسارها الخاص وعندما نلاحظ قصص الستينات نجد أنها اهتمت بجوانب عديدة ومهمة خاصة ما كتبه القاص محمد عبدالملك في مجموعتيه «نحن نحب الشمس» و«موت صاحب العربة» حيث نلاحظ قصصاً قصيرة بانورامية تتناول نماذج مختلفة من المهشمين والمحطمين من البشر ومحاولات الناس لتغيير هذا الواقع.
وعلى أعتاب هذه القصص القصيرة ظهرت الرواية، وفي مجال النقد يمكننا ملاحظة أنه قد لعب دورا كبيرا في اكتشاف لحظات تطور القصة. وفي هذا السياق وجد بعض الكتاب الذين كانوا ضد الكتابات النقدية الواقعية الموجودة على الساحة في البحرين. وينظر الى الكتابات التي تتسم بالشكلانية المفصولة عن هموم الانسان احياناً باعتبارها إنجازاً كبيراً.
ومن هنا فإن عدم وجود نقد واقعي يستطيع ان يكتشف الأدب في تطوره الفني والاجتماعي أوجد ثغرة وبالتالي تكرس لدينا نقد يهتم بالجوانب الفنية المفصولة عن الحياة كما أن هذه المحاولات النقدية غير دقيقة. وقد ادى ذلك الى نوع من الاهتمام بالكتاب الآخرين والى محاولة اكتشاف جوانب عديدة أخرى من العملية الإبداعية والأدبية فعندما يرى الناقد ابراهيم غلوم بأن «كتابات القاص محمد عبدالملك هي واقعية نقدية لكنه يبتعد عن الواقعية النقدية في «قوس قزح» يخطىء لأن هذه القصة هي في رأيي أكثر اقتراباً من الواقعية من القصص الأخرى. والمعروف ان هذه القصة قد ترجمت الى الفرنسية.
■ باعتبارك ناقداً أيضاً، يلاحظ ان الحياة الثقافية في البحرين تعج بالكثير من المستويات الابداعية، ضمن هذه المستويات يوجد تباينات في المنظور وفي وجهات النظر ما هو تقييمك للحركة الثقافية البحرينية بشكل عام؟
♦ الحركة الثقافية فى البحرين على مدى 20 سنة الأخيرة توزعت بين فترتين زمنيتين: فترة الستينات الأولى أو فترة الأزمة الاجتماعية، حيث كانت الأوضاع أكثر إحتداماً بالصراعات الاجتماعية. وكانت الثقافة والحركة الأدبية خصوصاً جزءاً من هذه الحركة الاجتماعية الضاغطة والمهتمة بتغيير الحياة. فالحركة الأدبية انبثقت آنذاك من الصراعات التي كانت قائمة وعبرت مختلف المستويات الابداعية عن هذا الصراع، والقصة القصيرة والشعر والمسرحية كانت تمثل أكثر أشكال الأدب حضوراً خلال هذه الفترة كما كانت تمثل وعياً طليعياً بالنسبة للمجتمع حينذاك.
ثم جاءت المرحلة اللاحقة (النفطية). في ظل هذه الوضعية نمت الفئات الوسطى وازدادت العمالة الأجنبية وقلت الأيدي العاملة الوطنية في القطاعات الإنتاجية وظهرت الطفيلية، ونزعة التسلط. وكل ذلك انعكس على الحركة الثقافية والادبية، لذلك نلاحظ القليل من الأدب الذي يحاول أن يضيء للناس ويطور أدواته الفنية، في الوقت الذي يوجد قسم آخر من الأدب يتقوقع في شرنقته مهتما بالغرائبية أو بجوانب معينة فنية مبتورة عن الواقع و الجوانب الجوهرية في الحياة.
وهذا يعنى تهميشاً للأدب كما أن هناك اعمالاً فنية أخرى ذات إسفاف مهتمة بجوانب هامشية. وحقيقة الأمر أن التطور الفني والادبي يواجه مأزقاً ويعود إلى ظهور الطفيلية ارتفاع المداخيل الفردية الذي أدى إلى ابتعاد كثير من الجمهور عن الثقافة والأدب، والاتجاه الى الفنون السوقية والمبتذلة وهنا نواجه مشكلة علاقة الأدب بالجمهور اضافة الى ذلك أدت هذه الحالة إلى خلل في العلاقة بين الكتاب والجمهور.
الواقع وانعكاسه
■ يقال ان الثقافة انعكاس للواقع، إلى أي مدى يمكن اعتبار ذلك الانعكاس صحيحاً للثقافة عموماً والأدب خصوصاً؟
♦ لا بد من الاشارة الى ان مفهوم الانعكاس يفهم أحياناً بشكل خاطئ وعلى أنه انعكاس مرآوي. والمشكلات التي تعبر عن التخلف ليس من الضروري أن تنعكس في الثقافة. ولربما يكون الأدب أكثر تقدماً من الواقع فعلى سبيل المثال نجد أن روسيا القيصرية كانت أكثر تخلفاً مقارنة بالدول الاوروبية الرأسمالية الا انها من الناحية الثقافية والادبية كانت أكثر تقدماً من بقية الدول وخاصة في مجال الأدب الواقعي والإنساني الذي اتسم بقدرة كبيرة على التحرر الروحي. وهذا معناه أن الناس فى فترة معينة وفي غمرة المشكلات الكبرى وفى فترات التمزق يتطلعون إلى آفاق أبعد ويتجاوزون الأنظمة القائمة التي تعيق تطلعاتهم وتقدمهم الثقافي والروحي، وهنا بالضبط يلعب الأدب دوره في عملية التجاوز وينسف الأنظمة الاجتماعية المتخلفة ويصل بالناس إلى آفاق أكثر تقدماً ورحابة ويهيئهم لتغييرات روحية ثقافية واجتماعية.
■ هل بإمكان الأدب أن يحدث تغييرات سياسية جذرية؟
♦ بالطبع لا. الأدب غير قادر على ذلك ولكنه قادر على أن يحضر تحضيراً عميقاً لروحية الإنسان من أجل التغيير بمعنى أنه يهيئ الأرضية لارتباطه بالاجابة عن الأسئلة الكبرى. وعندما يتأثر الناس بهذا الأدب الحقيقي يتحول هذا التأثير إلى قوة جماهيرية تساهم في تغيير الحياة.
والأدب هو رافد من روافد الحقيقة التي تمهد للتغير فمثلا شكسبير لم يحطم نظاماً اجتماعياً ولكن مسرحياته بقيت زادا مهما للبشرية تنهل منه بسبب معالجاته للقضايا الكبرى لدى الإنسان.
وفي البحرين أو الخليج نجد أن الأدب الذي يساهم في التحولات غير موجود. الا ان هناك بذورا أو جوانب مهمة تؤثر على فئات من الناس وفي مدى السنوات القادمة سوف تتسع عملية التأثير أما في لحظتنا الراهنة فنلاحظ أن الموجات الارتدادية والسلفية والمتخلفة هي التي تحاول أن تظهر على السطح وان تعرقل النمو الروحي والتطور الاجتماعي. وهذا ما نشاهده من انحسار للأدب وظهور حوانيت صغيرة تدعي الأدب وعدم اهتمام وسائل الإعلام بالأدب حقى ان الكتّاب يعانون من صعوبات الحصول على لقمة العيش وكذلك المثقفون.
■ ولكن الفترات الصعبة التي تمر بها الشعوب كثيراً ما تكون دافعاً لظهور كتاب عظماء لماذا لا يوجد لدينا كذلك؟
♦ لا شك أن كبار الكتَّاب يحتاجون الى مواهب كبيرة وان التطور الاجتماعي يساهم في ظهور مثل هذه المواهب كما أن المواهب الكبيرة ليست منفصلة عن التطور الاجتماعي ومثال على ذلك أن الكاتب الروسي دوستويفسكي لم يكن بالامكان ان يظهر في القرن 18 ولكنه ظهر في القرن 19 وهذا يعود لأسباب تطورية اقتصادية واجتماعية وثقافية تراكمت لتهيئة الجو المناسب لظهور مثل هذه الموهة لابداع الروائع التي ابدعها. وينطبق نفس الأمر على شكسبير، الشروط الموضوعية تلعب دوراً لخلق مثل هؤلاء الكتاب بالإضافة إلى الجوانب التراثية المتمثلة في الأبعاد النفسية والقدرات والجوانب الفكرية. اما في الخليج فإن التطور التاريخي لا يتجاوز 20 أو 30 سنة فقبل عشرين سنة كان التخلف يضرب بجذوره عميقاً في المجتمع، الأمية، الأكواخ، الفقر، المرض، في ظل هذه الوضعية كيف يمكن أن يظهر كاتب عظيم؟ ومع ذلك نجد الجانب الآخر إن البحرين، وخلال عشرين سنة، استطاعت أن تقوم بنهضة أدبية وفنية كبيرة وانطلاقاً من الصفر الى القصة القصيرة الى القصيدة الحديثة والروايات المتعددة.
حتى اننا وجدنا انفسنا ننافس بعض الدول العربية كاليمن أو الاردن وعلى الرغم من صغر حجم البحرين سكاناً ومساحة، يظهر لدينا شعراء وقصاصون مهمون على مستوى الوطن العربي. وان نخلق مسرحاً ونقداً ورواية في ظل هذه الظروف الصعبة، انجاز هام جدا الا أنه لا يكفي. كما أن غير المنشور من الابداعات كثير فلديّ مثلا روايتان غير منشورتين ومجموعة قصصية غير منشورة وكتابان نقديان غير منشورين. وهذا يعود للظروف المحيطة في منطقة اتجهت للبذخ والترف والابتعاد عن الثقافة وأيضا الى صعوبة حياة الأدباء والأدب.
■ هل الأدب الجيد هو بالضرورة أدب جماهيري؟
♦ ليس بالضرورة لأنه في فترة محددة لا يستطيع الأديب أن يكون جاهيرياً. وهذا مرتبط بعادات المتلقين والقراء وربما لأنهم يتجهون لأنواع فنية اخرى قد تكون مبتذلة. والكاتب الجيد لا يستطيع الوصول الى هؤلاء الناس. اضافة الى ذلك هناك قدرة الكاتب على توصيل ادبه. إذ يوجد كتاب يستطيعون بأدبهم العميق أن يكونوا جماهيريين ومن هؤلاء حنا مينة بسبب قدرته على التوصيل وتجسيد رواياته بطرق مقبولة من الجمهور.
وفي جانب آخر نجد كتاب مرموقين لكنهم يفتقرون للجماهيرية وهذا يعود الى طريقة تجسيدهم لابداعاتهم. فمثلاً ماياكوفسكي في الثلاثينات لم يكن جماهيرياً. والمعروف أن أذواق الجمهور حينذاك كانت من نمط جمالي معين. ومع تطور الابداع والذوق الجمالي اتسع بالتالي تذوق ماياكوفسكي. الجماهيرية ليست بالضرورة مقياساً للجودة، فالقصة البوليسية من أكثر الروايات رواجاً. الا ان الاديب الجيد هو من يحاول ان يوفق بين المضمون العميق لما يكتب وبين الشكل المعبر والموصل ولا يوجد تناقض بين جماهيرية الأدب وجودته.
■ ما المقصود بالجمهور؟
♦ يتحدد الجمهور كما يتحدد الأدب بارتباطه بالتطور التاريخي والاجتماعي وإلى أي درجة من التطور وصل هذا المجتمع. وما هي درجة الأمية إضافة إلى التربية الجمالية للناس ضمن المجتمع وكذلك درجة الوعي ودرجة الصراعات وقضايا النضال السياسى، كل هذه الأمور تؤثر بهذا القدر أو ذاك على خلق جماهير الشعر.
■ ما هو جديدك القادم؟
♦ كما قلت لك لديّ روايتان ومجموعة قصصية ومسرحية وكتابان نقديان أحدهما يتناول كاتباً محدداً إو يعالج تطوره الابداعي وقضاياه وبشكل مكثف ويربطه بمختلف جوانب الحياة اجتماعياً وثقافياً. وكل هذه الكتب جاهزة للنشر…
الجيل القديم لا يواكب المرحلة الجديدة
حاوره: جعفر الديري
على هامش العرض المسرحي الذي تقدم به مسرح الجزيرة في عرضه لمسرحية «السادة النواب» التقت «الوسط» بالكاتب والناقد البحريني عبدالله خليفة عضو لجنة تحكيم الأعمال المسرحية في حديث عن المسرح البحريني والتصورات والطرح الجديد الذي تقدمه المؤسسات والمسارح الأهلية…
⁎ هذه المسرحيات التي تعرض ضمن نطاق المؤسسات الخاصة والمسارح الأهلية هل تختلف عن تلك التي تعرض ضمن نطاق حكومي سواء في تجربتنا نحن في البحرين أو على مستوى الخليج العربي؟
✤ ذلك راجع الى النص والعرض، بمعنى هل يتجه النص والعرض الى قضايا عميقة، هل يقدم تقنيات جديدة هل هو على مستوى متطور، فكل هذه الجوانب هي التي تبين مدى جودة أو سوء العرض، اذ ان هناك مقاييس عامة فنية فكرية هي التي تحدد ذلك وليس طبيعة المنتج سواء كان شركة خاصة أو حكومية أو كان فرقة هواة أو أية مجموعة تقوم بالعمل، فالمهم كيفية بناء العمل وتجسيد الدلالات الفكرية والفنية على الخشبة ومستوى أداء الممثلين فيما يطرحون وما يحشدون من أحلام الناس.
⁎ ولكن ألا يمكن أن يشكل غياب الدعم المالي بالنسبة إلى المؤسسات الخاصة أو المسارح الأهلية عائقا أمام الانتاج المسرحي الجيد؟
✤ لا تشكل الموازنة عائقا حقيقيا أمام أي مبدع يريد أن يجسد ما يختلج في نفسه سواء كان مؤلفا أو كاتبا مسرحيا أو كان رساما أو ممارسا لأي شكل من أشكال الابداع، فالمهم ماذا يدور في داخله وماذا يريد أن يجسد ومن ثم يستطيع أن يتغلب على العقبات كافة. ولكن الحافز الروحي العميق بعرض قضايا الحياة والناس تلاشت عند الكثير من الفنانين والمجموعات المهتمة بالشأن الفني، اذ يهتمون بشكل أساسي بمسائل الأرباح والشهرة، ولكن مسائل العرض الجميل والتأثير في الحياة مفقودة عند الفنانين عموماً، وعلى ذلك لو توافرت لديهم هذه القوة الروحية والفكرية لكان بامكانهم التغلب على أية عقبة، خذ مثلا السينما الايرانية فهي في بلد فقير جدا ولكن هذا البلد الفقير يفوز بجوائز سينمائية عالمية مع أنه ليست لديه امكانات مادية أو تقنية حتى، ولكن النخب الفنية في مجموعات بسيطة من الفنانين العاملين في مجال السينما يحترقون من أجل فنهم ويقرأون ويتابعون ويضحون بالكثير لكي يؤسسوا فنا سينمائيا جميلا، ولكنك تلاحظ أن الفن السينمائي العربي وخصوصا المصري وعلى رغم الامكانات الضخمة من أموال واستوديوهات فإنه ينتج أفلاما في منتهى الرداءة، فالمسألة اذاً ليست مسألة امكانات ولكن مسألة روح ومواقف وتأثير.
⁎ ولكن ألا توجد أهمية للمال في العرض المسرحي، فالمسرحية تحتاج الى عدة أمور لتبدو بشكل جيد قادر على استثارة المشاهدين وتشجيعهم؟
✤ اعتراضا على هذا الكلام أقول انه عندما كان البلد فقيرا وكانت المسارح فقيرة والمثقفون فقراء في نهاية الستينات ومطلع السبعينات كان الفنانون ينتجون أعمالا أكثر جمالا وقربا من الناس، وكانوا في خلق مستمر وانتاج مستمر، ولكن عندما زادت أموالهم أصبحت اهتماماتهم مادية وتجارية فتقلص عندهم الدافع الروحي والثقافي لانتاج أعمال ابداعية، فبالتالي أصبحوا عاجزين ليس لضعف الأموال لديهم ولكن بسبب تراجعهم في الاهتمام بالثقافة وتحليل الحياة والاقتراب من الناس والابتعاد عن التغلغل في مشكلات الحياة وقضاياها، فحب التطور والاصلاح هو ما يخلق فنا عظيما. مايكل أنجلو مثلا لم يكن له رصيد في بنك البابا! ولكنه كان يرسم أكثر من اثنتي عشرة ساعة يومياً وهو متعلق بسقف الكنيسة، فهي عملية تضحية أساسا، ولكن الآن قلّت هذه التضحية. وهذا شأن لا يتعلق بالفن والمسرح فقط ولكنه شأن الثقافة عموماً، فاذا قمت بالتضحية من أجل الثقافة تهون كل الأشياء وتكون لديك قدرة على الانتاج. ولكن الآن تغير الأمر فلم تعد لدى الفنان القدرة على اعادة خلق الحياة ولم تعد لديه قدرة على خلق نماذج مشوهة في الحياة وتعريتها بحيث تعطي الجمهور دفعة جديدة، اذ نلاحظ مع تحولات ومحاولات الحريات المطروحة في الثقافة والحياة السياسية أنهم (أي الفنانين) غير قادرين على نقد أي شيء في الحياة على رغم أنهم كانوا يقولون ان الرقابة كانت السبب في منعهم من عرض مشكلات الناس، فالمشكلة اذاً داخلية لديهم أكثر منها قضايا خارجية تتمثل في الموازنة أو الرقابة أو هيمنة الدولة.
⁎ الصورة التي حفظها تاريخ المسرح العالمي «لموليير» وجريانه وراء تأسيس المسرح وعروضه المسرحية التي كان يدور بها من مكان الى آخر هل هي صورة لا تتوافر لدينا أبدا، بمعنى أن المخلصين الذين يعتد بهم تلاشوا تماما؟
✤ هناك مخلصون طبعا وهناك قلة من المستميتين في الانتاج الفني والمسرحي بأشكال بطولية أحيانا وهو أمر لا ينكر، ولكن يتم التوجه دائما ناحية توجهات معينة من الفنون الصعبة والغرائبية أو غير الشعبية. وموليير كان يحاول أن يمزج بين تقنيات الفن الجديد والوصول للناس اذ ان عملية المزج هذه هي التي تنقذ المسرح على مستوى تطور التقنيات الفنية وعلى مستوى تطوره كمسرح يعتمد على التذاكر. ولكن هنا في البحرين أصبح المسرح لا يعتمد على التذاكر لأنه لا يتجه الى الناس ولا يقوم بعرض جوانب معينة جماهيرية تجذب الناس، فبعض المسرحيين يقومون أحيانا بعمليات استخفافية بعقول الناس فهم يعرضون نماذج ليست نقدية جميلة وانما كاريكاتيرية ويتجهون الى الاسفاف على أساس أنه أسهل طريقة للشعبية ولكن هذا في حقيقة الأمر يعتبر إضرارا بالشعبية ذلك أن الشعب ليس غبيا بحيث أنه يقبل بأي طرح، فالشعب يريد أن تطرح نماذج شعبية ناقدة للحياة وتعطي متعة معينة، فحتى على مستوى المسرح في الخليج مثلا دولة الكويت استطاعت أن تخلق مسرحا جماهيريا ومتعة فنية لذلك وفرت الجانب النقدي في الحياة الاجتماعية وجانب المتعة، فأنت عندما تقوم بالاهتمام بالجوانب الفنية وتقطعها عن مجمل العملية الفنية، فإن ذلك سيؤدي الى ضمور المسرح، فالمسرح لا يعتمد فقط على الأدوات الفنية بل على المناقشة مع الناس، وما يجري الآن هو محاولة احتضان من قبل المؤسسات الحكومية لمسرح غير قادر على الصمود أو على الاعتماد على نفسه بشكل حقيقي.
⁎ فهل تجد أن المسارح البحرينية مبالغة في تصوير المشكلات التي تعترضها؟
✤ الكلام عن هذه المشكلات ما هو الا تبرير لمشكلات فكرية وابداعية تعاني منها المجموعات الفنية، ففي بداية المسرح في البحرين كانت المسرحيات تعرض في أماكن متعددة وبسيطة جدا في عروض معقولة، فهل كانت الموازنة في ذلك الوقت كبيرة؟! اذاً لا توجد عوائق حقيقية تواجه الفنان وهو يستطيع أن يقدم الجيد، فلو كانت هناك مجموعات مسرحية فكرية مرتبطة بالأحزاب التقدمية أو مرتبطة بالجمعيات المناضلة في البحرين لأمكن ايجاد مسرح بحريني شعبي حقيقي، لكن الكثير من الفنانين غير مرتبطين بالحركات المعارضة التقدمية أو الديمقراطية فهم يعيشون في عزلة، لكن الفنون الآن تتطلب مسائل أخرى واجتهادات مختلفة، والبحرين اليوم في مخاض ويمكن في السنوات الأخيرة أن تخرج من الحركات الاجتماعية الأخرى مسارح جديدة وامكانات جديدة اذ اصبح الجيل القديم غير قادر على متابعة المرحلة الجديدة التي يمر بها البلد والعالم عموما.
إشكالية البحر والواقع
ــ اشكالية البحر في أدب عبدالله خليفة، وتوتر هذه العلاقة بين انسان الجزيرة والبحر كما طرحتْ في روايتك ‹اللآلي›، كيف تقرأها لنا؟
إشكالية البحر والواقع
❊ إن البحر شكلَّ خلفيةَ القصة القصيرة في البحرين والخليج العربي ، فمنذ بدأت هذه القصةُ فإن أقدامَها الصغيرة كانت تخوضُ في المياه وفي المصائد المليئة بالخناجر والشباك، وبهذا كانت الرواية ابنة البحر والغوص ، الذي راحت تنزع أرديته وهي تدخلُ في العصر .
حين كنا أولاداً كانت عباءة الغوص الرمادية المزدانة بالقواقع والشوك والمحار والدماء تنفضُ أشباحها على خيالاتنا الصغيرة ، فنروح نسبحُ فيها فناً ، ونشكلُ أوجاعَ ذلك الإنسان السابق عبر القصة والرواية ، وهكذا تشكلت أولى الروايات البحرينية وهي تمزج بين معاناة بحارتنا وبين عذاباتنا كشباب يتفتح على العمل النضالي الوطني ، وحين كتبتُ ( اللآلىء ) في إحدى الزنازين ، حاولتُ أن أستخدم أحدث القتنيات الفنية وهي عملية المنولوج المطول للربان الذي كان يقودُ الغاصة في رحلة التيه والعذاب والصراع ، تجنباً لأسلوب العرض الواقعي التسجيلي المبسط ، وهكذا فإن البحر والسجن والتأمل والصراع ولدوا تجربة الرواية ، فالبحرهو تاريخ المنطقة وتراثها وليس هو المياه والجزر والينابيع فقط ، هو الماضي التقليدي القريب ، الذي لا يزال ينزف في أجسادنا وكلماتنا . .
إنه الربان غير التقليدي ، واللغة والمكان والتراث كانت تحاول أن تتحدث وتغدو عصرية متحررة ، مثل البلد مثل أجسامنا المحصورة في صناديق سافرة . .
ــ كونك مشروع ثقافي ، فكيف تنظر الى مستوى الثقافة الخليجية ، وكيف لك أن تقرأها على مستوى الرواية ؟
رواية الخليج
❊ غدت اهتماماتي كثيرة ، ومنها عملية النظرِ إلى النوع الروائي وهو يتشكلُ في الجزيرةِ العربية والخليج ، وقد جرى هذا الاهتمام عبر القراءة الحرة أولاً ثم عبر طلبات تقدمت بها منتدياتٌ وندواتٌ لعرضِ تجربة المنطقة ، في هذا النوع الإبداعي الذي راح ينمو بسرعةٍ كبيرة ، فقدمتُ دراسات كانت عملية تتبع مستمرة على مدى العقدين السابقين لنشوء وتطور الرواية في المنطقة ، كانت الدراسات تتجه نحو مواقع روائية وتجارب روائية محددة ، عبر التركيز على عمل روائي أو مجموعة من الروايات لكاتب واحد ، وبعدها غدت دراسة واسعة لتجارب كثيرة .
وهذه العملية قادتني إلى استنتاجات ، هي بمثابة اكتشافات للنصوص وللواقع الذي ظهرت فيه ، فكانت هناك بنيتان للرواية ؛ بنية ما قبل الرواية ، وبنية الراوية ، وبنية (ما قبل الرواية) هي بنية منتشرة سائدة تتمثل في تشكيلات قصصية مهلهلة لا ترتكز على محاور بنائية قوية ، ولا على نماذج ولا على أحداث جوهرية مغروزة في الواقع ، بل تستند على مغامرات تطفح على الأشياء والعلاقات ، وبنية الرواية المضادة والمتنامية بخلاف تلك الأشكال الخاوية ، وهي ترتكز على مدى تقدم الوعي الفني الواقعي ، وفهمه لتطور التاريخ والإنسان، ولهذا فإننا نجد في رواية الخليج الحقيقية المحاولات الأولى العميقة لدرس وتفحص الحياة الاجتماعية وكيفية سيرورة المشاعر والأفكار ، لكن هذه الوراية الجادة لا تلاقي رواجاً لأسباب كثيرة ، حيث يقبل الشباب خاصةً على رواية التسلية . .
إنني أجد في بعض كتابات الشباب في السعودية وعمان محاولات جريئة لاختراق شبكة العلاقات المستورة بأشكال كثيرة من النفاق والبهرجة والخداع ، فتجد كتابات تنفذ إلى صراعات الفقر والغنى ، الفساد وقوته وانتشاره والأنتماء وضعفه ، وندرة نماذح المقاومة في واقع رث متخلف أمي . .
ــ إن حضور التاريخ في أعمالك يشكل ذاكرة وطنية ، فكيف ينظر الآخرون اليها ، وهل أوقعك هذا التاريخ في صدام مع السلطة والآخرين ؟
التاريخ في الرواية
❊ تغدو الرواية روايةً تاريخية حين تتوجه إلى مساحة زمنية سابقة وتعرضها بأساليبها المختلفة .
كنتُ قبل أيام أقرأ كتاب جورج لوكاش (الرواية التاريخية) بعد أن كنتُ قرأته سابقاً ، لكنني رحتُ أقرأه في هذا الوقت وأتتبع عملية رصده للرواية التاريخية عالمياً ، في القراءة الأولى كنتُ أتفق معه كثيراً ، في القراءة الثانية صرتُ أختلف معه كثيراً !
لكن هناك حكمٌ لديه يظل هاماً وهو أن الرواية سواء كانت اجتماعية معاصرة أم رواية تاريخية ، ينبغي أن تكون ممتعة ، غنية بقدرتها على تحليل وتجسيد الإنسان والحياة والتاريخ ، لكن هناك النموذج المبسط في رواية (والتر سكوت) البريطاني ، والنموذج العميق عند تولستوي مثلاً . لكن النموذجين يحافظان على بنية روائية ممتعة وغنية . لكن العديد من الروايات التي يعرضها لوكاش في كتابه لأسماء لامعة ليست بمثل ذلك الوهج المفترض كمدحه لمسرحيات جوركي مثلاً أوتنقيصه من أهمية زولا . .
ولكن الرواية التاريخية عربياً لم تكن بذلك الغنى العالمي رغم ضخامة التاريخ العربي . لقد قمتُ بدرسِ هذه الرواية لدى جورجي زيدان ونجيب محفوظ ، في دراسة لم تنشر في كتاب ، فكانت استنتاجاتي أن الرواية العربية التاريخية تحتاج إلى أعمال كبرى ، ولهذا عكفتُ على قراءة التاريخ والفكر العربيين ، من أجل أن أحضر نفسي لكتابة رواية تاريخية كذلك . .
وقد كانت الرواية التي كتبناها عن الماضي الخليجي القريب أشبه ما تكون برواية تاريخية ، لكنها رواية اجتماعية معاصرة في ظني. فهي تعرضُ وتنقد وتكشف نسيجاً اجتماعياً لا نزال نعايشه ، رغم أنه صار من التاريخ ، فلا توجد في الواقع سدود بين الرواية التاريخية والرواية الاجتماعية ، لكن الرواية التاريخية تتعلق بالتاريخ المنتهي ، في العصور السابقة .
ولهذا فأنا بدأت بالنوعين الممزوجين رواية اجتماعية ترتكزُ على التاريخ ، ورواية تاريخية ذات قراءة اجتماعية ، لكن التاريخ ليس هو التاريخ الفعلي المتحقق فقط ، أي الذي حدث فعلاً ، بل هناك كذلك التاريخ الذي لم يحدث ، وهو الجانب الذاتي المنسوج داخل ذلك التاريخ الفعلي ، ليس بغرض العرض المدرسي كما يفعل جورجي زيدان ، بل بغرض تحليل وتجسيد رؤية معينة للتاريخ وللحاضر كذلك . وبهذا تغدو الرواية عرضاً درامياً لإشكاليات الإنسان والسلطة والحقيقة الخ . .
ولهذا فإن الرواية حين تكون موضوعية غير متحاملة على الشخوص التاريخية الحقيقية ، فإنها لا تسبب مشكلات مع الناس ، أي حين تكون صدقاً وحتى لو كان جارحاً فهو مشرط تحليل وتشخيص . .
وعلى هذا الدرب كتبتُ (الينابيع) بثلاثة أجزاء لم تنشر مكتملة، وروايتين تاريخيتين (رأس الحسين) و(عمر بن الخطاب شهيداً ) لم تنشر كذلك حتى الآن .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
21.10.2014 | 1.3.1948
◇ من مواليد القضيبية – البحرين.
◇ خريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى سنة 1974.
◇ عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعية والثقافية في الصحف البحرينية والخليجية، ونشر في العديد من الدوريات العربية.
◇ عضو اتحاد الكتاب العرب بسوريا.
◇ ساهم في مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب، وأول مؤتمر أشترك فيه كان سنة 1975 الذي عقد بالجمهورية الجزائرية وقدم فيه بحثاً عن تطور القصة القصيرة في البحرين، وشارك في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب بتونس سنة 2002، ببحث تحت عنوان «جذور العنف في الحياة العربية المعاصرة»، وشارك في مؤتمر بجمهورية مصر العربية سنة 2003، وببحث تحت عنوان «المثقف العربي بين الحرية والاستبداد» وذلك باتحاد الكتاب المصريين. والعديد من المؤتمرات الادبية العربية.
◇ منذ سنة 1966 مارس عبــدالله خلــيفة كتابة القصة القصيرة بشكل مكثف وواسع أكثر من بقية الأعمال الأدبية والفكرية التي كان يمازجها مع هذا الإنتاج، حيث ترابطت لديه الكتابة بشتى أنواعها: مقالة، ودراسة، وقصة، ونقد. ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي قام بطبع نتاجه القصصي والروائي والفكري في دور النشر العربية المختلفة.
ونتاجه الأدبي والفكري يتنوع على النحو التالي:
✗ القصص القصيرة:
1 – لحن الشتاء «قصص»، 1975.
❖ «القصص: الغرباء – الملك – هكذا تكلم عبد المولى – الكلاب – اغتيال – حامل البرق – الملاذ – السندباد – لحن الشتاء – الوحل – نجمة الخليج – الطائر – القبر الكبير – الصدى – العين».
2 – الرمل والياسمين «قصص»، 1982.
❖ «القصص: الفتاة والأمير – علي بابا واللصوص – شجرة الياسمين – العوسج – الوجه – الأرض والسماء – المصباح – نزهة – الصورة – اللقاء – لعبة الرمل– الأحجار – العرائس – الماء والدخان».
3 – يوم قائظ «قصص»، 1984.
❖ «القصص: الدرب – أماه… أين أنت – الخروج – الجد – الجزيرة».
4 – سهرة «قصص»، 1994.
❖ «القصص:السفر – سهرة – قبضة تراب – الطوفان – الأضواء – ليلة رأس السنة – خميس – هذا الجسد لك – هذا الجسد لي – أنا وأمي – الرمل والحجر».
5 – دهشة الساحر «قصص»، 1997.
❖ «القصص: طريق النبع – الأصنام – الليل والنهار – الأميرة والصعلوك – الترانيم – دهشة الساحر – الصحراء – الجبل البعيد– الأحفاد – نجمة الصباح».
6 – جنون النخيل «قصص»، 1998.
❖ «القصص: بعد الانفجار – الموت لأكثر من مرة واحدة! – الأخوان – شهوة الدم – ياقوت – جنون النخيل – النوارس تغادر المدينة –رجب وأمينة – عند التلال – الأم والموت – النفق – ميلاد».
7 – سيد الضريح «قصص»، 2003.
❖ «القصص: طائران فوق عرش النار – وراء الجبال – ثنائية القتل المتخفي – البركان – سيد الضريح – وتر في الليل المقطوع – أطياف – رؤيا – محاكمة على بابا – الحارس».
8 – الكسيحُ ينهض «قصص» 2017.
❖ «القصص: الشاهدُ.. على اليمين – الكسيحُ ينهض – جزيرة الموتى – مكي الجني – عرضٌ في الظلام – حفار القبور – شراء روح – كابوس – ليلة صوفية – الخنفساء – بائع الموسيقى– الجنة – الطائر الأصفر – موت سعاد – زينب والعصافير – شريفة والأشباح – موزة والزيت – حمامات فوق سطح قلبي – سقوط اللون – الطريق إلى الحج – حادثة تحت المطر – قمرٌ ولصوص وشحاذون – مقامة التلفزيون – موتٌ في سوق مزدحمٍ – نهاياتُ أغسطس – المغني والأميرة».
9 – أنطولوجيا الحمير «قصص» 2017.
❖ «القصص: انطولوجيا الحمير – عمران – على أجنحة الرماد – خيمةٌ في الجوار – ناشرٌ ومنشورٌ– شهوة الأرض – إغلاقُ المتحفِ لدواعي الإصلاح – طائرٌ في الدخان – الحيُّ والميت – الأعزلُ في الشركِ – الرادود – تحقيقٌ – المطرُ يموتُ متسولاً – بدون ساقين – عودة الشيخ لرباه – بيت الرماد – صلاةُ الجائع – في غابات الريف – الحية – العـَلـَم – دموعُ البقرة – في الثلاجة – مقامات الشيخ معيوف».
10 – إنهم يهزون الأرض! «قصص» 2017.
❖ «القصص: رسالةٌ من بـينِ الأظافر – الأسود – عاليةٌ – جلسةٌ سادسةٌ للألمِ – غيابٌ – عودةٌ للمهاجرِ – دائرةُ السعفِ – الضمير – المحارب الذي لم يحارب – الموتُ حُبـَأً – إنهم يهزون الأرض! – حـُلمٌ في الغسق – رحلة الرماد – أعلامٌ على الماء – گبگب الخليج الأخير – المنتمي إلى جبريل – البق – رغيفُ العسلِ والجمر – عوليس أو إدريس – المفازة – قضايا هاشم المختار – أنشودة الصقر – غليانُ المياه».
11 – ضوء المعتزلة «قصص» 2017.
❖ «القصص: ضوء المعتزلة – جزرُ الأقمار السوداء – سيرة شهاب – معصومة وجلنار– سارق الأطفال – شظايا – الترابيون».
12 – باب البحر «قصص» 2020.
❖ «القصص: وراء البحر.. – كل شيء ليس على ما يرام – قمرٌ فوق دمشق – الحب هو الحب – شجرة في بيت الجيران – المذبحة – إجازة نصف يوم – حادث – البائع والكلب – ماذا تبغين ايتها الكآبة؟ – إمرأة – الربان – إذا أردتَ أن تكونَ حماراً – اللوحة الأخيرة – شاعرُ الصراف الآلي – البيت – حوت – أطروحةٌ – ملكة الشاشة – الغولة – وسواسٌ – مقامة المسرح – إعدام مؤلف – يقظة غريبة».
✾ الأعمال الروائية الكاملة، المجلد الأول: اللآلئ، القرصان والمدينة، الهيرات، أغنية الماء والنار، 2004.
✾ الأعمال القصصية الكاملة، المجلد الثاني: لحن الشتاء، الرمل والياسمين، يوم قائظ، سهرة، دهشة الساحر، جنون النخيل، سيد الضريح، 2021.
✾ الأعمال الروائية الكاملة، المجلد الثالث: مريم لا تعرف الحداد، الضباب، نشيد البحر، الأقلف، الينابيع، 2021.
✾ الأعمال التاريخية الكاملة، المجلد الرابع: محمد ثائراً، عمر بن الخطاب شهيداً، عثمان بن عفان شهيداً، يا علي! أميرُ المؤمنين شهيداً، رأس الحسين، مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني، ضوء المعتزلة، 2021.
✾ الأعمال النقدية الكاملة، المجلد الخامس: تطور الأنواع الأدبية العربية، نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية، الراوي في عالم محمد عبدالملك القصصي، عالم قاسم حداد الشعري 2023.
✾ الأعمال الروائية الكاملة، المجلد السادس: ساعة ظهور الأرواح، التماثيل، ذهب مع النفط، عنترة يعودُ الى الجزيرة، عقاب قاتل، اغتصاب كوكب، رسائل جمال عبدالناصر السرية، 2023.
✾ الاعمال القصصية الكاملة، المجلد السابع: إنهم يهزون الأرض! ، 2023.
✾ الأعمال النقدية الكاملة، المجلد الثامن: تجارب روائية من الخليج والجزيرة العربية، عبدالله خليفة: عرضٌ ونقدٌ عن أعماله، حوارات نقدية، 2023.
✾ الأعمال الروائية الكاملة، المجلد التاسع: ألماس والأبنوس، طريق اللؤلؤ، ثمن الروح، ابنُ السيد، بورتريه قصاب، 2023.
✾ الأعمال الروائية الكاملة، المجلد العاشر: خَليجُ الأرواحِ الضَائعةِ، الأرض تحت الأنقاض، حورية البحر، هُدهُد سليمان ، شاعرُ الضياء، 2023.
✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد الأول: أفق ـ منشورات: سنوات 2003، 2004.
✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد الثاني: أفق ـ منشورات: سنوات 2005، 2006.
✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد الثالث: أفق ـ منشورات: سنوات 2007، 2008.
✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد الرابع: أفق ـ منشورات: سنوات 2009، 2010.
✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد الخامس: أفق ـ منشورات: سنة 2011.
✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد السادس: أفق ـ منشورات: سنة 2012. ✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد السابع: أفق ـ منشورات: سنوات 2013، 2014.
✗ الأعمال الروائية:
13 – اللآلئ، 1982.
14 – القرصان والمدينة، 1982.
15 – الهيرات، 1983.
16 – أغنية الماء والنار، 1989.
17 – مريم لا تعرف الحداد، 1991.
18 – الضباب، 1994.
19 – نشيد البحر، 1994.
20 – الأقلف، 2002.
21 – ساعة ظهور الأرواح، 2004.
22 – رأس الحسين، 2006.
23– عمر بن الخطاب شهيداً، 2007.
24– التماثيل، 2007.
25 – عثمان بن عفان شهيداً، 2008.
26 – يا علي! أميرُ المؤمنين شهيداً، 2008.
27 – محمد ثائراً، 2010.
28 – ذهب مع النفط، 2010.
29 – عنترة يعود الى الجزيرة، 2011.
30 – الينابيع, الطبعة الكاملة، 2012.
31 – عقاب قاتل، 2014.
32 – اغتصاب كوكب، 2014.
33 – رسائل جمال عبدالناصر السرية، 2015.
34 – ثمن الروح، 2016.
35 – ألماس والأبنوس، 2016.
36 – ابنُ السيد، 2016.
37 – الأرض تحت الأنقاض، 2017.
38 – حورية البحر، 2017.
39 – طريق اللؤلؤ، 2017.
40 – بورتريه قصاب، 2017.
41 – مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني، 2018.
42 – شاعرُ الضياء، 2018.
43 – خَليجُ الأرواحِ الضَائعةِ، 2019.
44 – هُـدهـُـد سـليمـان، 2019.
✗ الدراسات النقدية والفكرية:
45 – الراوي في عالم محمد عبد الملك القصصي، 2004.
46 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، صدر الجزء الأول والثاني معاً بمجلد واحد، في ستمائة صفحة، ويعرضُ فيه المقدمات الفكرية والاجتماعية لظهور الإسلام والفلسفة العربية، 2005.
47 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الثالث، وهو يتناول تشكل الفلسفة العربية عند أبرز ممثليها من الفارابي حتى ابن رشد 2005.
48 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث، وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة، 2015.
49 – نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية، 2007.
50– تجارب روائية من الخليج والجزيرة العربية، 2008.
51 – صراع الطوائف والطبقات في المشرق العربي وإيران، 2016.
52 – الملعون سيرة وحوارات وما كتب عنه، 2016.
53 – تطور الأنواع الأدبية العربية: دراسة تحليلية للأنواع من الشعر الجاهلي والقرآن حتى الأدب المعاصر، وهي دراسة مكثفة فكرية تكشف علاقة التداخل بين النصوص العربية والصراع الاجتماعي، 2016.
54 – رأس المال الحكومي الشرقي: وهي قراءة جديدة للماركسية، تبحثُ أسلوبَ الإنتاجِ الراهن في الشرق عبر نظرة مختلفة، 2016.
55 – عالم قاسم حداد الشعري، 2019.
56 – عبـدالله خلــيفة: عرضٌ ونقدٌ عن أعماله، 2019.
57 – الكلمة من أجل الإنسان، 2020.
58 ـ إضاءة لذاكرة البحرين، 2024.
59 – أيديولوجي 2025.
60 – لينين ومغامرة الاشتراكية: وهو كتيب نظري تحليلي لأفكار لينين ولنظريته، 2025.
61 – الكلمة من أجل الإنسان، جزء ثانٍ 2025.
عبــدالله خلــيفة على موقع الحوار المتمدن
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=436071
عدد المقالات المنشورة: 1,218.
عبــدالله خلــيفة على ووردبريس:
عبــدالله خلــيفة على الفيسبوك:
https://www.facebook.com/abdullakhalifaalbuflasa
عبــدالله خلــيفة على You Tube:
https://www.youtube.com/channel/UCdyc68FyFxWEu1nt9I7K46w
عبــدالله خلــيفة على مدونة بينترست:
عبــدالله خلــيفة على مدونة إنستغرام:
https://www.instagram.com/abdulla_khalifa_albuflasa
البريد الالكتروني لـ عيسا خليفة البوفلاسة للتواصل : 009733336905
isa.albuflasa@gmail.com
isa_albuflasa@yahoo.com

افتحوا له الدروبَ، هذا المناضل قادمٌ من الأرض وعشق التراب، نثرَ دمَهُ للجماهير، وضحى بزهرة شبابه من أجل الشعب!
في الغربةِ وإغراء السفارات والدولارات، تاهت خطواته، وخلطَ بين اليمين واليسار، بين الدين والخرافات السياسية، وكلما زاد العَرقُ الشامي في السهرات ضاعتْ القضية!
تعلم عبدالخالق محجوب الماركسيةَ من جماعات مصرية، وعاد إلى بلاده وذهب إلى عمال السكك الحديدية، انتقى نفراً واعياً محدوداً وقادهم في معمعمان نضال طويل، وطلع منهم الشفيعُ الشيخ قائداً للعمال وتحكم في شرايين الحديد والوعي السوداني، وبينما كانت الجماعاتُ الماركسية المصرية تذوي في المعتقلات وبعدها في الحانات، كانت الجماعات الماركسية السودانية تصنع الثورات!
كلما زادت الروحانية في الفنادق وقطعت الزجاجاتُ العلاقات بالأرض، خفت عقولُ الاجتماعات وسحبت شروط الجماعات المناضلة، وصارت التنظيمات خليطاً وطارت عن مصالح الناس الأرضية الراسخة.
تتكون الجماعاتُ المناضلة من الحكمة والمعاناة الجسورة، يظهر العضو تتويجاً لنفي الصدف والجهل والفوضى، والمصالح الذاتية، وأوضاع الاستغلال القاهرة، يضع حياته في خدمة نضال الأغلبية الشعبية، وعندما تبرزُ تلك المصالحُ الذاتيةُ المتورمةُ في إطار سياسي يضربُ الجمهورَ بأسنانه، يتنحى، ويعود للعادية ومجرى الحياة اليومية الذي تضعف فيه التضحيات من أجل الغير، وتنتشر فيه الأنانية كميكروب فتاك.
لا تستطيع أن تصنع حزباً بخمسين شخصاً مجهولين، بل لا بد أن تبحث عن عقول اكتنزت فيها التضحياتُ الكبار، عن شخوص صارعتْ وسجلت مواقفَها في كل حين وراحت تعري الأخطاءَ وتكشفُ مسارَ الشعوب الصحيح!
عندما تجمعُ نثارَ وبقايا الطوفان وتحشد شخوصاً انقطعت عن التضحية، ولم تفرق بين الجريمة والغنيمة، وعاشت في الوزارات والشركات مسدودة العيون، وانقطعتْ علاقاتُها بالمعرفة الجدلية وكشف تناقضات الحياة والأنظمة، أو اختبأت بعد السجون، فلن يكون الجمعُ حزباً مناضلاً بل صنيعة لشمولي ما، أو راغب في الزعامة، أو دعاية لكائنٍ تلاشت نضاليتُه وقدم طلباً للتقاعد السياسي وأخذ مكافأة نهاية الخدمة، أو صار إطاراً يبحث عن مواد خام لصعوده نحو مصالح جديدة أو سقف عال مريح من الحضور.
يتصلب المثقفُ العضوي في سوريا زمن الغربة في ماركسية لينينية كصخرِ قاسيون، ويعود إلى الخليج فيفقد بعض وزنه الثوري في الكويت، وتبدأ الماركسيةُ في الخلخلة الصحراوية، وخاصة بعد هجوم الطوس الديناري، وفي بلد آخر يتأكد له أهمية الإخوان ودورهم البناء في الاستثمار.
حين أنشأ المهدي بن بركة المناضل المغربي في ستينيات القرن الماضي جماعةً صغيرةً من الرياضيين والعاملين أخذهم في تجارب طويلة كفاحية ساعدوا فيها الفلاحين وتدربوا طويلاً على كشف ملامح الكادحين، وفقدوا فيها كلَ شحمهم المدني وغدوا نواةً لتنظيم القوى الشعبية التنظيم الذي كان رائداً بين القوى السياسية.
حين يتحدثون عن المثقف العضوي تنهمرُ علينا مصطلحات غربية فيتعكزون على الأسماء الكبيرة، قال ماركس وقال هيجل، وقال غرامشي، ولكن أين ما قالوه في أزقة بلدانهم وخرائط العذاب لشعوبهم؟
حين ينساق المثقف مع فئات الشعب المتخلفة، ولا يناضل لأجل حقوقها وتطورها ومعاشها، ويصارع خرافاتها وعنفها وجهلها، يتجاوزه الشعبُ لأن قوى جديدة تظهر وتنزعُ الورقَ الأصفر من شجرة الشعب الخضراء الأبدية، فالشعب يبقى ويتجدد ويلفظ الأعشاب السامة أما المنساقون وراء جهله وفوضاه فيذبلون مع بقاياه وأوهامه.
حُوصر وذبل المثقف العضوي ولكن المثقف الديناري استمر في الحضور يقدم خدماته للقوى التقليدية السياسية والدينية، بحسب اتجاه الرياح، وغدا أكثر اتساعاً وحضوراً ومراكماً للأوراق الصفراء لتسد مجاري المطر والتنوير والتغيير، ذا رهافة شديدة لشعيرات المنافع، فكان ذبول الأحزاب الديمقراطية والتقدمية في العالم العربي مريعاً لعدم تصاعد الثقافة التحويلية وغرسها في كل خلايا الشعوب، حتى غدا المثقف الديناري مطلوباً في أمكنة كثيرة وليطمس حقيقة التحولات ويصنع طاهرات ذاتية ويزيف التاريخ عن تضحيات الناس الجسام!
26-11-2003
لا أحد يعرف بالضبط من هو الدكتور عبدالهادي خلف، هل هو (ملا) يعيش في السويد أم باحث اجتماعى؟ هل هو دينى أم علمانى؟ يساري أم يميني؟ باحث في علم الاجتماع أم ساحر له بركات وتأتيه الكشوف؟
هل هو بحرينى يعيش في السويد أم سويدي غادر البحرين؟ هل هوعالم الاجتماع الذي لم يكتب شيئاً في علم الاجتماع, أم مناضل الفاكسات الذي يحدد لشعب البحرين كيف يناضل وما هى الخطوات التي عليه اتباعها وإلا أمطره بسيل جديد من الفاكسات التى تكرر أسلوب البيانات المقتضبة الصادرة من عليم خبير لا يُرد قضاؤه؟
إذا كان الدكتورعبدالهادي خلف من القليلين الباقين على أسلوب الخطب والبيانات الموجزة التي تحدد كل شيء، فذلك لأنه لم يكن يناضل أو يبحث خلال العقود الماضية، ولم يعد قادراً على متابعة وتحليل الأوضاع.
في بداية السبعينيات نزل عبدالهادي خلف بمظلة سياسية من السماء حين كانت هناك فترة سياسية نشطة، احتاج الشعب فيها إلى زعماء نشطين لخوض الانتخابات البرلمانية، وكان الزمن زمن اليسار, فتوجه عبدالهادي غير المعروف إلى اليسار فوراً، الذي احتضنه وحشد له الجمهور في الندوات ولصق صوره في الحارات ونشر اسمه بين الأهالي وجمع له الأصوات، واستنكر بشدة مؤامرة طرده من المجلس الوطني، واحتضنه في السجن وقد قاوم عبدالهادي خلف حينذاك مقاومة كبيرة فأضرب عن الطعام مع رفاقه الذين وصلوا إلى حافة الموت.
وبعد ذلك حين خرج من السجن وكانت بعض جوانب الحياة السياسية تتسم بالفوضى والمغامرات والمؤامرات، نصح الدكتور عبدالهادي المناضلين بضرورة الابتعاد عن هذا النهج السياسي المتطرف، وطرح خطاً عقلانياً لنمو النضال الوطني عبر التدرج ومواكبة الإنجازات الديمقراطية الصغيرة لتتحول إلى تغيير كبير مستقبلاً.
ثم توارى في الخارج، ولم نكد نسمع به خلال عقد من السنين، وكنا نتوقع بأنه مشغول بالبحرين بحثاً وتحليلاً، وأن ثمة دراسات كبرى سوف تنهال علينا من هذا الصمت والعزلة والدرس، ولكن شيئاً من ذلك لم يأتِ من جهته الهادئة.
وبعد ذلك حين برزت الحركة الدينية عاد إلى الوجود، وأخذ ذلك الثوب اليساري الفضفاض يتمزق، وتوجه إلى أقصى احتمالات هذه الحركة، رافضاً ذلك الطرح العقلاني الذي كان يطرحه في ومضات من الكلمات، والذي لم يتأصل بحثاً ولا منهجاً.
كان هذا الموقف يعكس ثمرة الغياب عن الدرس الموضوعي للحياة الاجتماعية المحلية والعربية، فالعناصر العلمانية والديمقراطية في خطابه كانت تطفو على وعي هلامي غير محدد وغير متجذر في نظرة أو أرض، ينجذب بدوافع ذاتية نرجسية نحو مغناطيس الحركة الاجتماعية المنتشرة، سواء كانت يساراً أم يميناً، وسواء قادها تقدميون وطنيون أم دينيون مذهبيون، وسواء راكمت إنجازات ديمقراطية وطنية توحيدية للشعب, أم كانت نهجاً طائفياً غير قادر على خلق نضال حقيقي.
ان هذا النهج الذاتي المتضخم لا يمكن أن يتشكل فكراً، لأن الفكر وثمار الوعي المكتوبة والمنجزة، تغدو حفراً في واقع، وارتباطاً بناس، وتكوين علاقات، وبالتالي تغدو مسئولة ومحددة، تزيدها علاقتها بالواقع والبشر مزيداً من التأصل والمسئولية.
كذلك فإن الدراسات التي لم تظهر كان يمكن ان تعرفه بشعب البحرين والمنطقة: أشكال وعيه وتراثه وسبل تطوره، وقوانين تحوله.
إن هذا الجهد الذي لم يُبذل، والعرق الفكري الذي لم يتصبب، واستمرارالرغبة النجومية في الظهور، إن هذه كلها دفعته إلى المنزلق الفكري الخطير السابق ذكره، وهو أن يتحول إلى دكتاتور بحرينى سويدي يحدد سبل التطور عبر جمل مقتضبة وبيانات ينبغى أن تطاع وتنفذ، لا أن يصير دكتوراً يبحث ويغرس مشرطه في الواقع عميقاً، ويكتشف سبل التطور السياسي المعقدة والمركبة، لكن هذه كانت مهمة مستحيلة في وعي لا يريد أن يتعب.
يريد الدكتور عبدالهادي خلف أن يقودنا إلى مهمات كبرى وتحولات ونحن بعد لم نكد نخطو في عملية إعادة الديمقراطية. وإذا لم يتم التوجه إلى هذه المهمات الكبرى الخلافية، فيعني ذلك بأن القوى السياسية الوطنية البحرينية خانت مواقفها وتاريخها.
وهو يصدر أوامره العليا من منتجعه بالسويد لا يعرف كيف تتشكل الجمعيات السياسية، وبأي أحجار صعبة تنمو، وكيف أن الجمعيات مسألة أعضاء واشتراكات بسيطة رمزية لا تدفع، ومقرات مكلفة، وكوادر شبه نادرة في الإعلام والتنظيم والثقافة والطباعة، وهي روابط مع الناس لا تتشكل بسهولة بسبب القيود الكثيرة المفروضة على نموها وتحركاتها.
إضافة إلى هذا النمو العسير للجمعيات الوطنية هناك حشود من الجمعيات المذهبية والعادية والتي لا تعرف ما هي السياسة والوحدة النضالية والعملية السياسية الإصلاحية المتدرجة. وبعضها يشارك الدكتور عبدالهادي خلف في الوعي السحري: كن فيكون، يشاركونه في خلق الديمقراطية المجلوبة على طبق من ذهب، ولا يعنون بها سوى ديمقراطية لهم لا عليهم.
والذي لا يريد عبدالهادي أن يبحثه بعلم الاجتماع المعطل لديه إنه في خلال أربع سنوات من التحولات في البحرين تمت أشياء كثيرة، وبدأ شعب جديد يتشكل، ووعي مختلف ينشأ، ورغم مؤامرات المحافظين ومغامرات المراهقين، والكم الهائل من العصي التي توضع في دولاب الديمقراطية السائر ببطء، فإن تيارات سياسية كثيفة بدأت تتكون وتشكل صلاتها مع الناس، وبدأت النقابات والجمعيات المهنية في الظهور، وجرت الآف الندوات الفكرية والسياسية الخ..
ولا يمكن أن تتطور الديمقراطية إلا من خلال المسارات التي اكتسبتها قانوناً ودستوراً، ولا تصلح إلا بالمزيد من الديمقراطية، ومن خلال المؤسسات لا من خلال المنح، ومن خلال إرادة الناس الموحدة التي تتجلى في وحدتهم وإرادتهم الانتخابية والنضالية المختلفة.
فالتطور والنضال ليسن سحراً بل إرادة جماعية للشعب، الذي يقرر عبر النضال الطويل الأمد، والتصويت، والحوار، والصراع، والنقد، وتشكيل الجمعيات السياسية الموحدة والتكوينات المتطورة، سبل الإصلاح الأكثر عمقاً.
لكن هذا كله يحتاج إلى تراكم خبرة، ونضوج ووعي، لا يتحققان إلا من خلال إرادته الذاتية، وليس من خلال الإرادات الطائفية المتفرقة والمدمرة، بل من خلال إرادة وطنية، تتشكل بالوعي وتتجسد في التصويت، وهذا أمر يحتاج إلى زمن موضوعي، فليس هو بيضة تقلى، أو دكان يُفتح، بل إلى عدة انتخابات بلدية، وعدة انتخابات برلمانية، أي إلى صبر سياسي طويل، وإلى تراكم نضالي شاق، لا يصبر عليه دعاة السلق السياسي ومحبو النجومية والمنتفخون بذواتهم العظيمة!
وما تفعله بيانات عبدالهادي وغيره من عشاق حرق المراحل سوى أن تعطى صورة مشوهة عن النضال الوطني، وتقدم المبررات للمحافظين وكارهي الديمقراطية في البحرين والمنطقة بان البحرينيين مستعجلين جداً وفوضويين ولا يصلحون للعمل الديمقراطي المنظم والصبور.
لم تتحقق الديمقراطية الأوربية خلال أربع سنوات أو عشر أو مائة سنة! بل تشكلت عبر عدة قرون، ولم تحدث من خلال فاكسات بل من خلال دور الناس والمثقفين في الأزقة و عبر الإنتاج الفكري والسياسي الطويل، وعبر تشكل النقابات والأحزاب ونضالها وتغلغلها في عروق الأحياء.
وفي خلال أربع سنوات، هي ومضة في عمر الزمن، تحققت أشياء كثيرة، وانفتحت سبل النضال النقابي والعمالي والاجتماعي المختلفة عبر قنوات شرعية، وفي إطار من المسئولية، ورغم مشكلات الجمهور الحادة فى بعض القطاعات فقد صبر تقديراً منه لأهمية التحولات، مدركاً أهمية الصندوق الانتخابي الذي وُجد وأهمية تطويره عبر الزمن، فعبر الأصوات يمكن تغيير جوانب من الحياة وإحداث التراكم المطلوب، وعبر النقابات المسئولة والجمعيات السياسية المتشكلة تواً، يمكن رسم صورة المستقبل عبر الصراع السياسي المنظم والقانوني.
أما البيانات السحرية والإرادة السامية من قبل بعض المهاجرين السياسيين فهي تعرقل ولا تفيد، تشجع التطرف اليميني ولا تصبر على العظم الرخو للحياة السياسية الوليدة.
لا نريد من هؤلاء سوى العودة إلى أحيائهم الشعبية وممارسة رجيم سياسي بين الناس، للنضال داخل الحارات العتيقة والجديدة، بدلاً من شحم الغربة والاغتراب.

