السودان بحاجة إلى الديمقراطية والسلام

أن الحكومات العسكرية المتتالية والحركات الدينية الطائفية والمحافظة رفضت الخيارات البرلمانية وصعدتْ على ظهور الشاحنات العسكرية إلى السلطة.

منذ إبراهيم عبود والعسكريون يحاولون ما لا يقدرون عليه، إخضاع هذا الشعب الطيب والبسيط والصبور والمكافح، وكل مرة يأتي عسكري كبيرٌ ينقلُ البلدَ لأزمة كبيرة ويصعدهُ تلة أخرى مليئة بالنار والدم.

نتذكر إبراهيم عبود وقمعه الشرس، ثم الثورة الشعبية التي أطاحت به وشعارها: اذهبوا أيها العسكر لثكناتكم. لكن العسكريين لم يتعلموا.

إنهم لا يذهبون، فيزداد الاهتراء والتمزق في الخريطة الوطنية. وهذا القفز إلى خشبة المسرح السياسي العالية كانت توفرها الأفكارُ الشمولية القادمة من الدول العربية وتتغلغل بين صغار الضباط الذين يقفزون على مستوياتهم الفكرية البسيطة والفقيرة ودرجاتهم الصغيرة، ليتحولوا إلى حكام لبلد كبير.

إن القفزة العسكرية الانقلابية تمثل أفكار المقامرة بمصائر الناس، وليس هي مثل حزب عريق يراكم التجارب والنضالات ويجعل الشعب يتطور ويغير نفسه، فهي تصعد مغامرين محدودي التبصر بالسياسة لا يعرفون سبل التطور ويقررون قرارات خطرة تلحق أضراراً جسيمة، وربما تكون السلطات السابقة قد سمحت لهم بالصعود وربما سمنتهم بعض الوقت فأكلوها.

والأفكار الانقلابية المشبعة بالبهارات القومية الزائفة كان يُلاحظ لدى التيارات الوطنية السودانية عمليات تغلغلها في الساحة السياسية، ونشرها بالأموال، وقد عبرتْ تلك التيارات منذ الستينيات عن خشيتها من هذين التسلل والفرض لهذه الأفكار، التي كانت إحدى الشخصيات التي تجسدت بها كالدكتاتور السابق جعفر النميري، الذي قام بإنجازات دموية كبيرة، والذي قفز هو الآخر على حزب الأمة وعلى الانتخابات والدستور، ثم أراد أن يعجن التيارات السودانية كلها في عجينة واحدة، ملغياً الاختلافات الفكرية والسياسية، وأنشأ ما سُمي الاتحاد الاشتراكي، وقد فرضه بالقوة، وساعده تصاعد دور الحكومات الشمولية في مصر وليبيا خاصة.

كانت نتائج الأفكار الشمولية (القومية) انها بدأت تمزيق خريطة السودان. كان السودانيون شعباً ذا عفوية سياسية وطنية متوحدة، لكن الأطروحات القومية والدينية المتعصبة، جعلت الجنوبيين المسيحيين يشعرون بالخوف من نزعات الشمال الجديدة، خاصة أنهم عاشوا الاضطهاد أكثر من غيرهم على مدى التاريخ.

وكلما ازدادت قبضة الشمال العسكرية تفكك السودان، وهو أمرٌ على النقيض من الشعارات التوحيدية التي تتفجر مع كل بلاغ عسكري من الخرطوم، وكان الشعب ليس بحاجة إلى البلاغات بل إلى السكك الحديدية والأعمال والتجارة والمساواة بين أقاليمه وقومياته وأديانه.

وزادت الحركاتُ المتاجرة في الإسلام الثقافةَ الشمولية العسكرية غنىً دمويا، وتفكيكا لخريطة البلاد التي كان يوحدها الرعاة والفلاحون ورجال الدين الشعبيون والقبائل والعساكر البسطاء، ولم تكن بحاجةٍ إلى الدبابات من أجل ذلك، كما أن هذه الحركات المتاجرة في الدين زادت أهل الجنوب والمناطق المختلفة، خوفاً فحملوا السلاح، ثم انتشرت النار في بقية الأقاليم.

كلما جاء فصيل عسكري وعد الشعب بالكثير من الانجازات والتغييرات، وقد جاء العسكر في الفترة الأخيرة فكانوا تتويجاً لذلك التاريخ المكفهر.

تصارع العسكريون الدينيون الحاكمون فيما بينهم وراح كلُ قسم يزايد على الآخر فيما يقدمه من مكاسب للشعب، وتصارعوا مع قوى الأقاليم المنفرطة من السيطرة الحكومية، وراحوا يجمعون خيرات النفط من دون إصلاحات معيشية بسيطة للجمهور.

الحل هو أن يتركَ العسكرُ الحكمَ، ويعود الحكم المدني، ويُزال استغلال الإسلام للتجارة السياسية، وتجرى انتخابات ديمقراطية على ما كان يجري من انتخابات في السودان في عصره الديمقراطي الشفاف البسيط قبل عهود العسكر، مع إجراء التطورات الضرورية بعد كل هذه التحولات والكوارث.

بطبيعة الحال لن يحدث ذلك ولن يخرج العسكر وهم الضباط الكبار في الواقع وليس الجنود المساكين الذين يسوقونهم لمعارك لا دخل لهم فيها.

كانت «إنجازات» حكومات العسكر كثيرة على أهل السودان؛ فقد صار الإقليم الغني سلة العرب الغذائية محلاً للمجاعات، وتشرد كثيرٌ من سكانه، وافتقروا أشد الفقر، وتصارعوا أحزاباً وأدياناً ومناطق، وسمحوا بالتدخلات الأجنبية من كل حدب وصوب، وبكل لون وطريقة.

ستكون هي النتيجة الأخيرة من هذا الفصل حين يعترف العسكريون بعجزهم وينسحبون تاركين لأهل السياسة الوطنية تدبر أمر السودان من أجل إصلاحه وإعادته إلى طريق الديمقراطية والسلام

#السودان

نحن حبات البذار

#اليسار_في_البحربن  #المنبر_التقدمي ⇦ (اللاتقدمي)!

كتب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة

أتذكر دائماً هؤلاء الزملاء الشباب الذين رحلوا بسرعة عن الوطن والحياة والوجود، شباب في ريعان الفتوة والعطاء، ولكنهم تحملوا الكثير في حياتهم السريعة الخاطفة، وعملوا طويلاً من أجل أن يزرعوا أفكاراً، ويخلقوا علاقات مضيئة، ويضعوا لبنات ليكون البشر أكثر جمالاً ونظافة وزهداً في الأشياء وأكثر عطاءً .
وجوههم الآن تراودني مثل الأزهار اليانعة، مثل النجوم المتالقة المتواضعة، تراهم مغمورين في الأزقة، لا تفرقهم عن حشود البسطاء، يختارون دائماً أن يخفوا أسماءهم ووجوههم عن مسارح الإضاءة، وكثير هو الورق الذي نشروه على هذه الأرض ليزرعوا بذرة ولتنبت كلمة صادقة، ولتنتشر الحقيقة.
إنهم شباب لم يمهلهم الزمن طويلاً لكي يعطوا كل ما عندهم.
ليس الكثيرون يعرفون إبراهيم محمد، فهو مثل تلك المئات من الشباب، التي ذابت مع تراب الأرض. خطواته كثيرة ومتوغلة في تلك الدروب الشعبية، غاص في حياة العمال حتى أن جلده تكشط من الصدأ، وصار جسمه مثقوباً من الدخان والأيام والمعادن والسجون والشوارع والتلوث والكيمياء الحارقة، حتى حولته إلى شبح يكاد يذوب مع لفحات الهواء.
لكن هذا الجسم الضعيف التصق بالحركة الاجتماعية عدة عقود، يثقفُ ويحدث الناسَ ويكون الأصدقاء ويكتب الملصقات والكلمات، ويختفي أناسٌ كثيرون ويجيء أناس كثيرون، وهو في موقعه لا يريد أن يفارق القضية..
كان هذا من البشر الذين تربوا على ميراث الحركة الوطنية، كعبدالرحمن الباكر والشملان وأحمد حارب وعلي مدان ومحمد غلوم وسعيد العويناتي وهاشم العلوي، وهم المناضلون البحرينيون الذين أدمنوا التضحية، وظنوا أن النضال الوطني والتحديثي سوف يستمر بعدهم بأمانة وإخلاص، وأن العلمانية والديمقراطية النضالية سوف تكرسها أجيالٌ قادمة بكل صلابة وشجاعة ولم يعرفوا أن هذا الميراث سوف يُدفن معهم!
إبراهيم هو من نسل الكتاب والصحفيين والقراء والصباغين والنجارين والعمال المثقفين الذي يجمعون بين الشعر وكفاح الجمهور من أحل ظروف إنسانية، إنه نسل لا يعرف الفرق بين ألوان البشر؛ بين قوى الإنسانية المختلفة، بين قوى المسلمين المتعددة ، بين المذاهب، وهمه الدفاع عن ضحايا الاستغلال!
هذا النسل تجاوز الخصومات بين الأمم؛ لكنه لم ينس خصومته للظلم والاستغلال، وكان طوال عمره يسبح في مياه الخليج بين القروش والحيتان، دون أن تحتفظ ألبومات الفنانين وأرشيفات الصحف بصورة له؛ لأنه كان خارج التاريخ المتداول، ولكن الآن في صحوة الذاكرة الوطنية، ويقظتها لذلك الدبيب الروحي المضيء ولتلك التضحيات الجسيمة في الليل الاجتماعي، يظهر فنانون يرسمونهم، وتتشكل كلمات طيبة عنهم.
أو مثل طاهر عقيل، هذا الفتى الذي رحل بسرعة أيضاً؛ وكان قد أمضى شبابه كله في نشر الأفكار الحديثة، وتراه مثل إبراهيم في الدروب وفي أزقة المدن، والأرياف؛ كأنه مندوب لسلعة تجارية ولكنه كان صوت قضية لا تعرف اليأس.
غاص جسده في الأرض، فلا تعرف الفرق بين لحمه وجذوع الشجر وأجنحة العصافير، فكيف تمتع بكل هذه الرقة والبساطة والشجاعة والتضحية ؟
الرحيل المفاجئ والسريع لهؤلاء الشباب، يترك صداه المرير عند الشعب، لقد ضحى هؤلاء بأعمارهم، نزفوا من أجل الوطن والعائلة والإنسانية، ورحلوا دون وداع أحياناً، دون أن يتركوا ذكرياتهم أو حتى كتاباتهم على الجدران والدفاتر، لم يجمعوا ثروة سوى ثروة الأصدقاء، كانت أجسادهم تنزف، لعلها لم تتحمل عناء كل هذه الأفكار وكل هذه الممارسة النضالية الطويلة اليومية، فإذا كان مراد النفوس عند النجوم فسوف تتفتت الأجساد من عبء الحمل والاكتمال.
إنهم مثل علي البناء الذي عرفه الخليج بشرقه وغربه بحاراً ينشر الكلمة، ومات في الغربة وعاش في قلوب أصدقائه ونهره الاجتماعي المتدفق بالحياة.
وهنيئاً لحرامية الوطنية وجماعات الانتهازية الذين صعدوا على هذه التضحيات وأنكروا ميراث الحركة الوطنية التحديثية بكل منجزاتها؛ بعد أن حصلوا على الكثير من الأموال والأراضي والثروات..
هنيئاً لتجار العلمانية ومقاولي الطائفية الكبار ولصوص التقدمية بكل الأجساد التي دفنوها واستولوا على تراثها..
وليرقد الشهداء والضحايا في قلب ذاكرة الشعب فإنهم مخلدون..
نحن حبات البذار، نحن لا نمضي جميعاً إذا ما جاء الصقيع!

#إبراهيم_محمد #عبدالرحمن_الباكر #عبدالعزيز_الشملان #أحمد_حارب #علي_مدان #محمد_غلوم #سعيد_العويناتي #هاشم_العلوي #طاهر_عقيل

رفاق الطريق

كتب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة

كان ثمة مفهوم سائد في الوعي الديمقراطي الاجتماعي بضرورة التخلص من رفاق الطريق الذين أصبحوا عبئاً على الحركة التقدمية، وكان المفهوم القديم يستند على كون هؤلاء عاجزين عن التطور الفكري ومجاراة العمليات التحولية الصاعدة في مجرى التغيير.
أي أنها تصفهم بعدم القدرة على التطور الفكري، وكان يُقصد بهذا المفهوم إزاحة العناصر المعارضة للنهج الشمولي المسيطر في الحزب أو الحركة، وذلك لغياب الديمقراطية الداخلية داخل مثل هذه الحركات التي يسيطر عليها الزعيم الأوحد والربان الكلي التوجيه.
ولكن لم يعد هذا المفهوم مستساغاً إلا في ضوء رؤية جديدة مختلفة كلياً، فرفاق الطريق السابقين الآن، والذين ينبغي ازاحتهم من قيادة الحركات الديمقراطية هم أولئك الفاسدون سياسياً، وليس المختلفين عن القيادة في وجهات نظرهم، بل ان القيادة ترحب بوجهات نظرهم المختلفة عنها، طالما يلتزمون بالنظام الداخلي.
إن الرفاق الذين انزلقوا في قضايا الفساد وتحولوا إلى مدافعين عن البؤر والجماعات الفاسدة، والذين يعرقلون تطور الحركات الديمقراطية لمزيد من الالتحام والالتزام بالقانون، إن هؤلاء هم رفاق الطريق بالمعنى الجديد.
لقد قدموا خدمات في السابق لهذه الحركات وناضلوا في السجون والمنافي وفي الحياة الاجتماعية، ولكنهم لم يحافظوا على نزاهتهم ومصداقيتهم وذمهم المالية إلى النهاية، فقد انفصلت جملهم الثورية عن سلوكهم العملي، وراح ذلك السلوك يخضع لمصالحهم الخاصة، فلم يعودوا يميزون بأن نضالهم ليس لمصلحتهم الخاصة، ولتكوين عائلات استغلالية في ظلام الحركة النضالية، وأن الحركة الثورية تستبدل ظالمين بظالمين آخرين، بل هي جاءت لإزالة الظلم جملة وتفصيلاً، وليس لتحويل قادتها إلى زعماء جدد للظلم والاستغلال !
والمشكلة حين يتحول رفاق الطريق هؤلاء إلى تصور بأنهم عظماء وقادة تاريخيون، وأن الحركة السياسية تتوقف أمام وجودهم الذي لا يقبل الاستقالة، أو أن يتحولوا بتواضع إلى أنصار وزملاء قاعدة مثلهم مثل آلاف المناضلين الذين أدركوا أن عطاءهم يتوقف هنا، وانهم غير قادرين على استكمال المشوار الصعب، وعلى استمرار التضحية، وأنهم يعلنون بصراحة مشرفة، أنهم لم يعودوا في موقع القيادة والمسئولية السياسية، وبهذا يتركون للتاريخ ولتياراتهم كل الصفحات السابقة بخيرها وشرها، بإنجازها وأخطائها، ولكنهم يعلنون أن الحركات تحتاج إلى قوى قيادية جديدة، وأنهم رفاق طريق ترجلوا من القطار السائر.
مثل هؤلاء المناضلون يمتلكون حس التواضع ونكران الذات، والصرامة الأخلاقية التي ينبغي أن يتحلى بها كل مناضل، وخاصة في المواقع القيادية المسئولة.
لكن القادة الآخرين والمسئولين الذين تورطوا مع قوى الاستغلال والدكتاتوريات وجماعات الفساد والبيروقراطية والإرهاب، الذين يواصلون الإدعاء بأنهم على رأس الحركات السياسية، والذين لا يعتبرون أنفسهم رفاق طريق عابرين، وأنهم لا يمثلون حقاً هذه الأفكار العظيمة إلا لفترات سابقة ضحوا فيها فعلاً ثم دخلتهم جراثيم الفساد، وأنهم تحولوا الآن إلى مجرد متسلقين مستفيدين، فإنهم يغامرون بتدمير كل شيء على رؤوسهم، وعلى عائلاتهم، وعلى جماعاتهم، مسببين أفدح الضرر لها ولهم.
وهناك فرص للانسحاب المشرف، وللمراجعة وللنقد الذاتي، وليتذكروا كيف أن الطغاة الكبار أخذوهم من غيران معتمة كالصراصير بل وأذل مكانةً.
فلا يتصور هؤلاء ان مجموعةً صغيرة محدودة الذكاء وذات طاعات غبية واستعراضات رثة تستطيع أن تحميهم من مصيرهم التاريخي المؤسف، في الوقت الذي لم تستطع الجيوش وقوى المخابرات العاتية وسجون التعذيب أن تحمي أسلافهم الكبار ونماذجهم المقبورة .

#اليسار_في_البحربن #المنبر_التقدمي ⇦ (اللاتقدمي)! #الانتهازية

نموذجانِ مأزومان

حين يجتمع السياسي الديني والسياسي اليساري لعمل مشترك يعكسان تناقضات مرحلة من مراحل الشرق المأزوم عن التحول التاريخي.
مثلما يجتمع التحديثي خارج السلطة مع المحافظ داخل السلطة.
في داخل الفئة الوسطى ونموذجها يتواجد التناقض وحركة التذبذب المستمرة بين اليسار واليمين، بين الحداثة والدين، بين الثورة والثورة المضادة.
يقارب اليساري الديني في الزمن الراهن لكون هذه اللحظة هي لحظةُ الديني، حيث الجمهور غير الواعي، المتحرك بغموض، وبلا بوصلة تاريخية.
اليساري التابع للديني لا يغير مرحلة بل هو يريد الاستثمار الشخصي أو الحزبي في سوق دينية رائجة. الديني وراءه قوى حكومية تضخ فوائضاً غير مراقبة، وتريد أن توقف الحركةَ التاريخية المتجهة للحداثة والعلمانية والديمقراطية من زمنها التقليدي.
سواء كانت تلك القوى الحكومية الدينية معارضة أم موالية فإن الحركة السياسية المتسولة واحدة هي وقف سيرورة التاريخ.
يتداخل وعي الديني واليساري بكونه وعي جزئي متجمد في مقطع من التطور والتاريخ مفصول عن تطوره، وغير مرئي في التشكيلة التاريخية، فهما اليساري والديني لا يبصران سيرورة التشكيلة، لا يؤمنان بتعاقب مراحل التاريخ، فاليساري لم يعد يؤمن بتلك المراحل، لقد يأس أو تجمد وعيه، والثاني الديني يعتبرُ التاريخَ سائراً للوراء حيث نموذجه الديني المثالي، وكلا الوعيين يقودان لبقاء الزمان الراهن والنظام المأزوم، وكأن المجتمع الراهن مقطوع الخطى متجمد عند كونه رأسمالية دينية أو وطنية.
يلغي اليساري ثوابته في تنمية حركة عقلانية علمانية ديمقراطية متراكمة، يقطعها بأفعاله الصغيرة، يقوي محافظة دينية، أو مراهقة عنفية، والديني يوظف ويستغل اليساري، يبعده عن أرضيته الفكرية الاجتماعية، يعيده للماضي، لمراحل الإقطاع والعبودية حيث النموذج تكّون. وهو لا يؤمن بأن النموذج الديني هو ثورةٌ شعبية في زمن ما، والوعي الديني هو شكلٌ يناسب عصره، لكنه ألغي الثورة في الماضي وجعلها طائفيةً في الحاضر.
اليساري يفقد وعيه المادي المحلل لتطور المراحل التاريخية، هو الذي يقرأُ الثورات في ظروفها، وكون الديني المعاصر يفتقد ثورةً يشكلها، فهو كائنٌ سياسي ضائع، يجب قيادة خطاه للعصر.
وبدلاً من أن يطور اليساري الدينيَّ يخرب الدينيُّ اليساري.
الديني يستورد أزمةَ نظامٍ راهن يعجز عن التطور الديمقراطي الحديث، فهو يرفض قيام رأسمالية وقوى عمالية متصارعة في مجتمع ديمقراطي، ويريد هيمنة قوى ماضوية على التطور الاجتماعي، ولهذا فتحالف اليساري معه مضيعة للوقت التاريخي. وعلى العكس حين يتخلى الديني عن شموليته وعدم فهمه للتطور الحديث الإجباري، يكون التعاون معه مفيداً لتكوين قوى ديمقراطية متعددة تفتح كوى في جدار التاريخ.
عدم تعبير الديني عن طبقة إجتماعية، مثل تراجع اليساري عن تمثل طبقته العمالية أو البرجوازية، ومسارها الاجتماعي السياسي ومطالبها، أي عدم قدرته على تمثل برنامج طبقته، فيما يتفق معه الديني في عدم تمثل أي من الطبقتين الحديثتين وتعبيره عن فئات وسطى مترجرجة مضيّعة للثروة والزمن السياسي وداخلة في أعمال تجريبية خاسرة مضرة.
بعدم الوضوح الاجتماعي لوعيهما يُدخلان المجتمع في إضطراب وتدهور متفاقم، يتبعان القوى المهيمنة على رأسمالية حكومية متدهورة بفعل الحرب أو النفقات الباهظة أو المغامرات أو الفساد.
وهما لا يستطعيان نقد مصدريهما على أفعاله، بل يؤيدان سياساته العامة الهادمة لتطور اليمين العقلاني أو اليسار الديمقراطي.
وعي النموذجين يتركز على سطوح الظواهر الدينية والعصرية، وأجزاء مفككة من الواقع، ويدخلان الذاتية المصلحية العابرة فيها، ويركزان على لحظة سياسية بدون جذورها وعلاقاتها المختلفة، وتعتمد اللحظة على شظايا من طائفة، لا تلم بجموع الشعب وسيرورة الوطن، وتكامل الأمة، فتضر الناس ولا تفيدهم، وتدهور التطور ولا تسرع به.

#اليسار_في_البحربن

#المنبر_التقدمي ⇦ (اللاتقدمي)!

عبـــــــدالله خلــــــــيفة.. كم أثـرت في حياتي!

زهرة حرم 

جمعني بهذا الإنسان المتواضع، قسم التدقيق اللغوي، بمبنى دار أخبار الخليج، حين بدأت أول مشواري العملي، كمدقق لغوي عام 2002. يتناوب على هذا القسم، الكتّاب الصحفيون، أو المحررون في الصحيفة. يبحثون عن مقالاتهم، أو تحقيقاتهم، هل خرجت من القسم؟ أو هل تم تدقيقها، أو ضبطها لغويا، وذلك بهدف التعجيل في نشرها، أو التأكد من انتهاء دورتها، بين أقسام الطباعة، والتدقيق، والإخراج.
يباغتك عبدالله خليفة، من دون استئذان. الباب يُفتح على مصارعه. يتجه مباشرة إلى (السِلال) التي تحوي ما نسميه (البروفات)، والتي نرقمها، إلى بروفة 1، وهي التي لم نقرأها بعد، وبروفة 2، وهي التي نتسلمها للمرة الثانية للتأكد من التزام من يتولى عملية الطباعة، بكل ملاحظاتنا، وتدقيقاتنا النحوية، وغيرها. ثم بروفة 3، أي النسخة النظيفة القابلة للنشر.
ومن دون كلام، يَفضُّ ما بين السلال. يبحث عن ضالته. أستاذ عبدالله. أناديه بشيء من التذمر، فينظر إلي بابتسامة بريئة، كمن فوجئ بوجودي. ها، خلصتون مادتي؟ طبعا يسألني مع زملائي، الذين تنتعش فيهم الحياة بغتة – لديه – من بعد أن كانوا أشباحًا. أمازحه: أستاذ، معور راسك بهالبحوث، وهالمواضيع. حرام تنزل في جريدة. المفروض تخصص لها كتبا كاملة.

نظر إليّ، وعلى شفتيه نصف ضحكة. لم يجب عن سؤالي. فقط. سأل مجددا: وين موضوعي؟ خلص؟ أجبناه، إننا في طريقنا لقراءته. كنت أنا وزميلتي نقرأ (البروفات) معا. ندققها. نعلق عليها. ونضحك. أو نثمن كثيرا المجهود وراءها، إنْ كانت تستحق. وكان عبدالله من الباحثين، الذين أدركنا جيدا، أنهم من الكبار.
لعبدالله، شخصية تذهلك. يجعلك تفكر فيها، وفي نفسك. حين يشاغبك بتعليق. أو حين يجيب عن سؤالك بإجابة، يبحث – هو – عنها. عقله مرتكز على هدفه. يمضي بك حيث يشاء هو. لا حيث تريد أنت. لم أذكر أنه أجابني إلى ما أريد بشكل مباشر. غير أنني أدركت أنه قيمة. كنت أفكر: لا بد أنه في طور كتابة رواية، أو بحث، أو تحقيق صحفي. هذا الرجل مشغول بالكتابة. اللغة تكتبه طويلا، وهو أسيرها. أليس لديه وقت لـ (سخافات) الحياة؟
جاءني على حين غرة، يوما، كعادته، مـادّا يده إلي بكتاب، قائلا: هذا لك. نظرت إليه بسعادة. إنه يهديني روايته الأقلف. قال لي: أنت من أوائل من أهديهم روايتي. قرأت العنوان: الأقلف. قلت له ممازحة: عاد الأقلف على وزن الأصلع. وأردفتُ: إنْ ما كان فيه إهداء ما أبغيه. ضحك في وجهي، وخرج من دون سلام.

كنت أعي جيدا، أن إهداءه، أي خط يده، يهمني. إنه نفيس. فأنا أؤمن أن الكِتاب بما يحويه من فكر، أو فن، أو إبداع. ولكن، أؤمن أكثر، أن مِن الحماقة تضييع إهداء، من شخصية في طريقها للسطوع. كنجمة في السماء. في داخل نفسي: أعلم يقينا، أنني في يوم ما سأفخر، أو سأتباهى بمعرفة هذه النجوم. أعلم جازمة. أنهم سيبرقون حين تتلاشى أجسادهم.
أمسكت الرواية، حركتُ الغلاف، وقرأت الإهداء: العزيزة زهرة. الصبية اللطيفة المرحة.. تقطع اللغة بأناملها، وتصنع الكلمات الصحيحة الجميلة. مع خالص المحبة. 31/8/2002. عبدالله. شعرت بالامتنان في نفسي. إنه يدرك، أنني أقدره. يقرأ مشاكساتي على أنها إعجاب، واهتمام. فقدرني بإهدائه إلي روايته.
نعم يا عبدالله. إن لم أكن قلت لك مباشرة، ما سأقوله الآن، آمل أن تسمعني روحك: كنت أحب فيك انسجام روحك مع كل الأرواح، وأحب عطاءك. أحب نفسك الطويل حين تغيب في الكتابة، وأحب أن أقول لك: كم أثرت في حياتي.

الدكتورة زهرة حرم 

أستاذة جامعية وإعلامية

الحربائيون

لهم في كل فترة لون وتوجه ومذهب، بحسب المصلحة وكيف تجري الرياح، ينخدع فيهم بعض الناس حين يرون شعارات ملتهبة وكلمات صاخبة وهم مع القومية إذا كان زمن القومية صاخباً ومع أعداء القومية إذا كان أعداء القومية يدفعون جيداً، وهم مع نادي الفجر إذا كان نادي الفجر ممتلئاً بالأعضاء البسطاء والوهج، وهم يسلمون أعضاء نادي الفجر النشطاء الوطنيين للسلطات الاستعمارية البريطانية التي تؤهلهم للمناصب والثقافة الحربائية!

 وهم مع العروبة لكن بحيث يخلقون منها متاريس ضد الثقافة التقدمية وضد القوميين الحقيقيين، ويشكلون الصراع بين العرب (والعجم) والصراع بين السنة والشيعة، والمهم أن يتشكل صراع بين الناس، وينشغل الأهالي بالاختلافات فهذا هو الأفق الذي تربوا فيه تحت دهاقنة السياسة البريطانيين وتلاميذهم السطحيين المسعورين بضد كل ما هو شريف!

 والهام دائماً ألا يقف الأهالي في البحرين على موقف وطني واحد، وقد اهترأت نعالهم وأحذيتهم في التفريق وما امتلأت جيوبهم وما خف طمعهم وما صحت ضمائرهم إذا كانت لهم ضمائر!

 لهم في كل الاتجاهات مكان، ولهم في كل التيارات موقع، ولا أحد يعرف لهم حقاً أو باطلاً، فهم في يوم مع الشيعة ويصخبون كثيراً معهم، وفي يوم آخر مع السنة، ويتشددون من أجلهم ويصرخون وكأن أحداً وضعهم أوصياء على أهل السنة، وفي يوم آخر يتكلمون باسم اليساريين وكان تروتسكي نشأ في بينهم وكأن لينين أكل باجة مع ابائهم، وفي يوم رابع مع اليمينيين ويشتمون اليساريين الذين مدحوهم بالأمس!

 فلا مصداقية ولا رأي ينمو ولا موقف يُحفر في الأرض وكلماتٌ هباءٌ تلقى في الهواء وإذا صابت صابت وإذا خابت خابت، لكن المهم هو رضا أهل السلطة، وأصحاب الدفع وإعطاء الأراضي والمساعدة في الأموال وبناء البيوت والوضع في المناصب العالية والتخفيف من الديون وعدم ملاحظة سرقة المال العام، وكل ما يعلن كلام، وكل ما يبطن هو خدمة أهل السلطة والمقام، سواء كانوا بريطانيين أو غيرهم، والمهم الدفع!

 تتفهوا وانحطوا لأنهم بلا موقف شريف، وبلا عقل نظيف، عجزوا عن مراكمة المعلومات والآراء والحفر في الكتب والواقع، فاختصروها بالانتهازية، وبكراهية من لهم مواقف صلبة ونضال مستمر، لأن الساقط يكره الواقف الصامد، والمنحطُّ يخشى النظيفَ الطاهر، ومن سرق يخاف مَن رفضَ المال الحرام، ويريد أن يتحول كل الناس إلى لصوص؛ حتى لا يبقى شرطيٌّ واحد يقبض عليه في خاتمة المطاف متلبساً!

 وهكذا لا بد من دغدغة مشاعر البسطاء، وخداع أهل التعصب مرة بالقومية ومرة بالسنية ومرة بالشيعية ومرة بالبعثية ومرة بالتقدمية، فهو مثل لاعب السيرك ينتقل من حبل إلى آخر، يهجمُ على كل الخطوط الوطنية والسياسية، معتقداً أنه الفهلوى الذي لا يُشق له غبار، وهو رجلٌ تافةٌ في كتاباته وأفكاره وسيرته، وجثة هامدة تسير بين البشر، تنتظر القبر وقد لوث الجو برائحته وسمم الورق بسطوره!

 هذا هو النموذج الحربائي تجريدي عام لا يخص شخصاً بعينه وقد اخترته من بين كل الفترات الوطنية السابقة والحالية، كرس اسمه الشخصي بين سلالته من الانتهازيين، الذين توارثوا الموقف وتبنى بعضهم بعضاً، وساعد بعضهم بعضاً، لأن الحرباء هو حزب من أقوى الأحزاب، هو حزب من لا ذمة له، ولا دين ولا مذهب ولا فكر ولا تاريخ مضيء ولا شيء مشرف، لكنه لا يخجل مستعرضاً مواقفه (العظيمة) دائماً معطياً الأجيال دروساً من سيرته (الكفاحية)، خادعاً طوابير من السذج في كل مرحلة، مقدماً أراءه المسمومة لكل المراحل الدراسية، ولا يدري أنه يؤذن في خرابة ولصلاة لا يأتي إليها سوى الوزغ والعقارب!

#المنبر_التقدمي ⇦ (اللاتقدمي)!

أسباب الانتهازية في اليسار

تعود أسباب انتشار الانتهازية في اليسار إلى عجزه الفكري عن التحليل، وفي الحياة السياسية تمثل تلك انتهازية من قبل القوى القيادية فيه، لمشاركة قوى الاستغلال في شيء من غنائم المال العام.

وهكذا يتم غض النظر عن جوانب والتركيز على جوانب، بهدف إظهار حسن النوايا سواء للإقطاع المذهبي أو السياسي، بحيث تبدو وجهة النظر المساقة متفقة مع نضال الشعب والديمقراطية والوطنية الخ، لكن من يطلقها يحسب حساباً طبقياً استثمارياً فهو يهدف لخدمة مصلحته.

حين يهاجم الدينيين بقسوة فهو يقصد هنا إظهار نفسه تحديثياً رسمياً وإنه يصلح للارتفاع إلى مقام الموظفين الكبار، وحين يهاجم الرسميين بقسوة مماثلة يريد مغازلة الدينيين لكي يصعدوه إلى مراتبهم العلية.

وتتشكل هنا أقسام جزئية أخرى داخلية ضمن هذا التعدد السياسي والطائفي المتنوع، فهذا يغازل طائفة وآخر يغازل طائفة وثالث يغازل جناحاً في السلطة وآخر يغازل جناحاً آخر، وخامس يغازل جناحاً في الجماعة المذهبية المنشقة وهكذا دواليك يقوم هؤلاء بجرنا إلى الخراب الطائفي..

وبدلاً من نشر الوعي الديمقراطي بين الناس كوعي أساسي يجري نشر الوعي الشمولي وتغليب العناصر الانتهازية..

إن الذين أيدوا إنجازات التحولات نسوا سلبياتها لأنهم قبضوا ثمن السكوت عن السلبي وركزوا على الإيجابي..!

والذين ركزوا على السلبي سرعان ما قفزوا لاستثمار إيجابياتها دون ذكر هذه الإيجابيات، لأن الجمهور الذي صنعوا وعيه على كراهية النظام لا يستسيغ مثل هذه القفزة البهلوانية!

وهو إذ يريد معارضة السياسة السائدة يريد تحولات في رواتبه ومساكنه وأحجام عمالته، لكن الذين يتسلقون على نضاله ومشاعره يريدون الوصول لأهدافهم الخاصة مع بعض البهارات النقدية.

وإذ استطاعت قوى اليمين أن تزيف تحركاتها الاستغلالية تحت غطاء كثيف من البخور الديني، لكن قوى اليسار تاهت ووضحت انقساماتها القائمة على الأهداف الذاتية، فشاركت في التقسيم الطائفي وتعميقه بين فئات الشعب المختلفة.

وصار الوصول للكراسي بديلاً عن إنتاج ثقافة سياسية ديمقراطية تحديثية توزع على كافة السكان، لأن التقلبات في السيرك السياسي كانت كبيرة لا تتيح خلق وعي، فيظهر موقف حاد ثم يعقبه موقف مناقض، ولا تردم الهوة بين الموقفين من خلال مواقف عقلانية صبورة في كل المواقف.

وهذا كله يفتت جبهة المعارضة وجمهورها الذي يبدأ بالانحسار والتشتت والتمزق وربما التضارب مستقبلاً!

وظهر هناك اتجاهان أساسيان في اليسار الاتجاه الأول هو اتجاه انتهازي، ويتوجه لدعم اليمين الديني، مقابل رشوة سياسية، واليمين الديني أثبت خواء تجربته السياسية سواء لدى المقاطعين أم المشاركين، بل وخطورة تسيده على القوائم والكراسي، لما يقود إليه من أخطار.

والاتجاه الثاني حائر متصارع متذبذب، بين حدة في الهجوم على التيارات الدينية اليمينية، وبين الخشوع لهجومها الخطر على التقدم الوطني.

والاتجاهان يكملان بعضهما، وهما نتاج خطة خفية مشتركة، تمهد الدروب للمتطرفين الدينيين لكي يتقاتلوا ويخربوا..

#عبدالله_خليفة

#المنبر_التقدمي (اللاتقدمي)!

#الانتهازية

المنبتون من الثقافة الوطنية

واجهتْ الثقافة الوطنية الديمقراطية تحدياتٌ كثيرة في سبيلِ تشكيل نفسِها، وزرعِ وجودِهِا في الأرض، لهشاشةِ الجذور الثقافية لها، وعدم ترسخ الأنواع الأدبية والفنية، وقد تنامت بذورُهُا مع تنامي الحركة الوطنية الديمقراطية، أي بقدرِ ما تتخلص الحركات السياسية من جمودها وشموليتها، وبقدر ما يقدر المبدعون على تحليل العلاقات الاجتماعية التقليدية ونقدها وتجاوزها.
وقد تنامت الرؤى الشمولية في هذه الثقافة عوضاً عن ضعفها وزوالها، بسببِ تحكم المؤسساتِ العامة البيروقراطية في مصائر الثقافة، وخلخة تماسك المبدعين وحفرهم في الواقع ونقده، وهو الشرط الضروري في تنامي أي إبداع.
وكل هذه المؤثرات لعبت أدوارها في زعزعة الثقافة الوطنية وتقزمها، وتنامي دوران الكتاب والفنانين والمثقفين حول ذواتِهم ينسجون شرانقَ من وهم، ويكرسون أنفسهم وقد انعزلت عن عمليات تحليل الواقع ونقده، سواء عبر عوداتهم لوعي الطوائف وأندماجهم في مشروعاتها السياسية التفكيكية، ومزايداتهم على هذا الوعي أحياناً، عوضاً أن يتغلغلوا إلى نواته الوطنية ويبرزوها وينقدوا تجلياتها الطائفية ويخلقوا التلاحم بين الجمهور.
أو جعلهم ذواتهم هي البؤرُ الوحيدة في الكون الثقافي، فلم يعدْ ثمة وطنٌ ولا جبهاتٌ ثقافية يمكن أن تكرس شيئاً من الوعي الديمقراطي الحقيقي في الجمهور، فجربوا حتى ضاعوا، وانعزلوا عن القراءة وتطوير أدواتهم، أو راحوا يكررون ذواتهم الجامدة بصور شتى، حتى فقدتْ التجاربُ التي يقومون بها أهميتها ودورها، ولم يعد ثمة فارق بين مبدع كرس نفسه لعقود وبين ناشيء، بل قدرَ الناشىءُ أن يبز المعتق عبر أساليب هزيلة وإدعاءت بخلق فن جماهيري وما هو بجماهيري بل تخديري، يعتمد التسلية الفجة.
وهناك مظاهر شتى لذلك فكلها تعبيرٌ عن خلخلة وعي فئات وجدتْ إن مصالحَها هي كلُ شيء، ورنتْ إلى كراسيها وأرصدتها، وباعتْ تاريخاً، وتخلتْ عن تقنياتٍ وأدوات توصيل وحولتْ المنابر الفنية والأدبية إلى تكريس لشخوص وشلل وليس لمراكمة وعي ديمقراطي ثقافي يعيد بناء الثقافة الوطنية الخربة.
وتتشكلُ معطياتٌ جديدة لتجاوز ذلك عبر الدفاع عن مصالح الفنانين والكتاب ومؤسساتهم ونتاجاتهم، وتغيير هذا المستوى المتدني لظروف إنتاجهم الثقافية والشخصية، بشكلٍ جماعي وليس بأشكالٍ فردية، بحيث يتم تغيير جوانب هامة من الوضع الثقافي كدعم مغاير لهذا الدعم الهزيل الراهن، بحيث يزيل دور مؤسسات الثقافة المتسولة، ويضع قانوناً للتفرغ وليس لشراء بعض المبدعين، ويقيم مسارح ومكتبات وثقافة منوعة كبيرة للطفولة، ويحرر التلفزيون من سطوة الشلل، ويجعل للفنانين والأدباء ضماناً اجتماعياً مواكباً لدورهم الوطني، ولا يجعل من المثقفين منبوذين في أرضهم محتفى بغيرهم من كل الأصقاع!
وأن لا يأتي ذلك عبر التسول كذلك بل عبر استخدام الأدوات النضالية المتوفرة من مجالس منتخبة ونقابات، وإذا حدث أن لم تستجب الدوائر البيروقراطية لهذا وفضلت العمل عبر الشلل وتكريس المثقف المهرج والشاعر الشحاذ، والفنان المتعطل من الموهبة، فلتتواصل اللجان المشتركة للمثقفين، وتحفر في الواقع سواء عبر تعضيدها لنواب ديمقراطيين، أو بتصعيد نتاجها وتغيير طابعه الانعزالي غير المفيد وتتعلم مرة أخرى كيف تتكلم مع الناس.

المنبر التقدمي (اللاتقدمي)!

#المنبر_التقدمي (اللاتقدمي)!

علم الحشرات السياسية

عبـــــــدالله خلــــــــيفة

 لا تستطيع بعض النوعيات السياسية إلا أن تتعيش على إنتاج غيرها، فليس لديها قدرة على الإنتاج وإذا توجهت للإنتاج فهو إنتاج ضئيل، لا يتناسب مع حجم تصوراتها عن نفسها العملاقة، وعن أهدافها الطموحة.

 وبسبب أن الطموحات السياسية الكبيرة تحتاج إلى إنتاج فكري كبير وعلى بلد يستوعب هذه الطموحات، فهذه النوعيات تعيش حالة من الاندفاع الهائل ثمة حالة معاكسة من الإحباط القاتم!

 في زمن الاتحاد السوفيتي تنتفخ عضلاتها السياسية، وفي زمن أزمة المنظومة (الاشتراكية) تتهم المصلحين والباحثين في بلدهم عن حلول لأزماتهم بأنهم خونة ومرتدون، فهي تريد بلداً كبيراً جاهزاً يساعدها، حتى على المستوى البسيط التافه، مثل أن المناضل يريد إرسال أبناءه للدراسة المجانية، في حين أن الدراسة تحولت إلى دراسة بالمال، ولم يعد ثمة جامعات سياسية، شهاداتها أغلبها غير علمية.

 ومثلما أن ظروفه تحتاج إلى أن يشتغل ويتعلم ويتطور فكرياً وسياسياً لكنه لا يريد أن يتعب، يريد كلَّ شيءٍ جاهزاً مثلما كان الاتحاد السوفيتي جاهزاً بالنظرية وبالمطاعم وبالفودكا!

 هذا يحدث للمناضلين للقومويين الذين يريدون كل شيء جاهزاً من القيادة القومية: النظريات والكتيبات والتعليمات، وحين تختفي القيادة القومية، خاصة شيكاتها فإن العالم يغدو دماراً، ولا يستطيع المناضل إلا أن ينتظر ثدي نظامه الحنون ليسقيه بالحليب السياسي الصناعي!

 وهذا يحدث للمناضلين المذهبيين السياسيين الذين يزعمون بأنهم مناضلون إسلاميون، وهم أقوياء لأن الضخ المالي والسياسي لا يزال مستمراً، فالتعليمات والأشرطة والكتيبات والشيكات لا تزال متدفقة، ولهذا هم (إسلاميون) وحين تتوقف الإرساليات سيفكرون في أفكار أخرى، أكثر تعبيراً عن قضية الوطن والأمة!

 لا بد للجماعات السياسية التي تعيش على الانتفاع من حماس يغطي عيون الفقراء ويصور الانتفاع بأنه تضحيات كبرى، وهناك أناس مخدوعون وطيبون حتى بين هؤلاء، لكن زبدة المرحلة حين يتم خض المصالح لا تتحمل إلا العدد المحدود لأن الدول لا تستطيع أن تدفع للجميع!

 ويقوم هذا العدد القليل بفلترة الاندفاع والحماس والحكمة وبعد النظر والإصرار والمقاومة والعلوم، ويحولها إلى سن سيف مكسور، ففي ساعة اعتماد الشعب على التنظيم الطليعي يتحول التنظيم الطليعي إلى خروف لا يصلح حتى للذبح في عيد الأضحى!

 تسرب الحشرات إلى التنظيم يتم تدريجياً وبعد سنوات عديدة يرى أصحابه أنه لم يعودوا قادرين على فعل شيء حقيقي، بسبب السماح للحشرات بالعيش طويلاً في غرف التنظيم المناضل، وهذه الحشرات تبحث عن السكر فتمصه حتى تحول قصب التنظيم إلى أعواد يابسة تتكسر!

 من هنا ضرورة أن تكون التنظيمات قليلة العدد، معتمدة على نوعيات منتجة، كثيفة العمل، قليلة الكلام، كثيرة الفعل، لا تفكر بمصالحها وتنفيع أقربائها وأصدقائها، تبحث عن هموم المجتمع وقضاياه لا عن انتظار العون الخارجي ومنافع المؤتمرات والسفرات والرحلات.

 لو كانت التيارات السياسية تيارات نحل ونمل، أي تيارات إنتاج وخلق، لكن الانتماء جدياً ولكن هناك نوعاً آخر من الحشرات يطن ويؤذي وينشر الميكروبات!

#المنبر_التقدمي

الكائنُ الذي فقدَ ذاته

أرقصْ على حبال الطبقات والتيارات وأرفعْ مصلحتكَ الخاصة لدرجة المقدس.
كنْ مع الحركة إذا رفعتك وقربتك من السلطة والمغانم وأهربْ عنها إذا حرقت شعرةً من جلدك.
كنْ ضدها إذا خسرتْ ولا تقطعْ الخيوطَ تماماً فربما أعطتك شيئاً في مستقبل الأيام.
كنْ مع الاشتراكية إذا كانت كراسٍ وتذاكرَ ودراسة مجانية وأبناءً يذهبون للنزهة.
لكنك دائماً مع الرأسمالية، هذه الملعونة اللذيذة.
كنْ مع اليسار إذا أغنى أهل اليسار، وكن مع اليمين إذا صعد نجمُ اليمين.
كن مع الالحاد إذا كان مفيداً وساعتهُ دانية وكنْ مع الإيمان إذا كانت قطوفه دانية.
كنْ ماركسياً تقدمياً حيث لا ضررَ ولا ضرار والجمهورُ الكادحُ يعطي تضحياته لها، وكنْ دينياً طائفياً حين ينقلب الجمهورُ ويصبحُ منشئاً لحصالات الخير والتبرعات ويسفكُ دمَهُ من أجل الخيال.
أنت أيها الراقصُ على حبال الطبقات والتيارات، يا لك من ذكي في زمن الغباء السياسي.
قامتك تصلُ للسماء وأنت تمشي وراء جيفارا وكاسترو وهوشي منه وتدقُ طبولَ الثورة في الغابات العربية الصحراوية، تحملُ بندقيةً من خشب وتقاتلُ في الفضاء، ولكن لا مانع من استثمار أبناء هوشي منه في المصانع والسكوت عن الاستغلال الفظ للملايين منهم.
إذا جاء زمانُ الثورة العمالية والاشتراكية فأنت إشتراكي لا تقبلُ بربطةِ عنق برجوازية، وتدينُ الإكراميات وإنشاء المتاجر عند اليساريين المتخاذلين الانتهازيين، ولكنك لا تمانع من المتاجرة بالدولارات في الاشتراكية وبيع البضائع المهربة بالسر في روسيا السوفيتية.
جاء زمانُ الطائفيين ففجأة إكتشفتْ طائفتك، وبكيتْ على ماضيك الإلحادي، وكراهيتك للمساجد والمآتم حسب تصنيفك الطائفي، وعرفتْ مزايا مذهلةً في هؤلاء الطائفيين المقاتلين من أجل الديمقراطية وحقوق الجماهير، أو لكونهم عقلاء يؤسسون رأسمالية بنوك الخير ومساعدة الشعوب وينخرون الحكومات والأنظمةَ بدأبٍ من أجل مستقبلِ رأس المال الطفيلي، وفي الإمكان أن يقفزوا للسلطات فجأة. فأنتَ دائماً مع الخير وتقدم الشعوب والموجة الغالبة.
مع الدولةِ والرواتبِ المجزية والعلاوات والبقشيش ومع المعارضةِ الطائفية تضعُ في صندوقَها الأسود بطاقةً للمستقبل، وربما يحضرُ مقعدٌ عال في قادم الأيام، فالعاقلُ لا يفلتُ فرصةً.
مع الاشتراكية هناك ومع الشيعة هنا، ومع السنة هناك ومع الربيع ومع الخريف حسب الأسعار، ومع الألوهة ومع الإلحاد، ومع المقاومة ومع التراكمات النقدية حسب الطلبات الوطنية والعالمية والشركات المتعددة الأيديولوجية.
التناقضاتُ تملأكَ ولكنها لا تدمرك، كيف تُدمرُ حصالةٌ؟ وكيف يفلسُ بنكٌ إيديولوجي سياسي متحرك؟!
التناقضاتُ تصيبُ المناضلين الخائبين الذين لا يغيرون مبادئَهم حتى في الأعاصير، الذين إذا قلّ أنصارهم بقوا، وإذا كثروا لم يغتروا. يكتفون بضلع من بناية، ويزدهرون في البساطة والشظف والفرح.
أما أنت فعملاقُ عصرك ترتفعُ عن هؤلاء المحنطين، وتزدهرُ أسهمك ومدخراتك، وترهفُ السمع لأي تغير في الذبذبات السياسية والمالية، وتزحف وتزحف حتى تهترئ نفسك ولا يبقى عظيمٌ في روحك، تتحسُّ موجات الهواءِ الصغيرة لتتعرف الاتجاه القادم وتبقى في الاتجاه السائد.
قدمٌ في الرأسمالية وقدم في الاشتراكية، قدم في اليسار وقدم في اليمين، قدم مع الإرهابيين وقدم مع الشرطة العربية حسب مسار الأسهم.
هؤلاء أعداؤك الذين كانوا يريدون قتلك فكيف تظهر بينهم وتزرعْ زرعهم، وهذه أوراقكَ كيف توقفت وأهترات، وهذا مسرحك كيف هدمته، وهذه أدبياتك كيف توقفت وهذه صحفك كيف أهترأت، وهذه خطاباتك كيف مُحيت، وهذا تيارك كيف دمرته، وهذا شعبك كيف تلاعبتْ بمصيره؟