عبدالله خليفة

مستويات السرد .. الدلالة والسياق

محمد زيدان: مستويات السرد .. الدلالة والسياق

المنظور السردي

   المنظور السردي صورة مصغرة من العالم الروائي الذي يمثل لما يمكن أن يوجده الراوي من مفردات، سواء اتصلت بذاته، أم ببقية عناصر الأدوات الفنية، ولذلك يمكن اعتبار المنظور مصوغاً كلياً بديلاً عن المكونات البلاغية قصيرة المدى داخل النص، لأنها إن وجدت فهي تتصل ببلاغة الجملة أو الكلمة او بالمدى القصير الذي يوجده المجاز في صورة مصاحبات دلالية تعمل في نطاق ما تصل بعناصر المنظور من مفردات، ويكمن أن نقارن صورة المنظور السردي باعتباره مكوناً للنص الروائي بصورة منظور آخر يصاحبه، وهو المنظور الحكائي، والذي يمثل صورة موازية داخل المنظور السردي، ويمثل بدوره مفردات تتصل بعناصر الحكاية، بداية من الذوات والمكان والزمان والفضاءات المكونة للنص، وقد تتقاطع السردية والحكائية في بعض مفرداتهما، مثل ما يمكن أن يقدمه الراوي إذا كان يعتمد على زمن مغاير لزمن الحكاية، أو كان مجرد ظل لحكاية، وأيضاً إذا استوت أزمنه مختلفة داخل الرواية، مثل ما يمكن أن يمثله زمن القص كإطار حكائي، وزمن الحكاية كمتن حكائي.

   إن المنظور السردي لا يقف عند الحدود الشكلية للمعنى، ولكنه يتجاوز ذلك إلى الدلالات والذوات بل وكل عناصر البناء، ويعتمد على أطر معنونة تتصل منظورات مصاحبه سواء كانت متوازية أم متقابلة على مستوى رقعة النص، فنرى عدة صور للمنظور على النحو التالي:

ــ المنظور السردي الخارجي

   وهو الإطار الأكبر الذي يضم عناصر غير حكائية مثل الوصف، والمجاز وعلاقات الراوي، واتجاهاته، وكيفية إدارته لحركة الطرح القيمي داخل النص الروائي، ويمكن أن نحدد عدة منظورات مصاحبة للمنظور الخارجي.

ــ المنظور السردي الداخلي

   ويظهر هذا المنظور فيما يقدمه الراوي داخل الذوات من عوالم مصاحبة يمكن أن تتمثل الصورة المقابلة للصراع داخل النص، أو تمثل تأويلاً فكرياً يحدد عالم القيم داخل الفكرة الاجتماعية أو الفكرة السياسية، وهو أيضاً يتقاطع مع المنظور الخارجي ويكمله، ويمثل أحياناً أجزاء منه فيما يخص العلاقات الذي تصنع الغطاء الحكائي للحدث، أو مجموعة الأفعال التي يبني على أساسها النص.

   إن المنظور السردي يمكن أن يقدم العلاقات الظاهرة والمسكوت عنها داخل النص من خلال كل ذات وطبيعة حركتها، ومن خلال المكان وما يمثله داخل كل شخصية، وأيضاً يعطي أثراً دلالياً متشابهاً للأثر الدلالي الذي يرتبط بصورة الحدث والفعل داخل الرواية، بل إن ما تقدمه العناصر الكلاسيكية في الحكاية مثل الزمن، والراوي، أو الأفعال، يعتبر عاملاً مهماً في بناء المنظور الظاهر، وبل يتحمل ما يمكن أن نقدمه من تأويلات فيما أسميه بالمنظور الضمني، وهنا تتضح عملية السرد، بداية من السارد والمسرود لهن والعملية السردية بكامل مستوياتها بما تتضمنه من عناصر وأفكار تتصل بكل أداة من أدوات السرد. ولذلك يسمح الفضاء النصي والمجازي الذي يضمنه الراوي داخل المنظور بتقديم مفردات الحكاية بشكل يوحي باتحاد الراوي وبقية العناصر التي تتبع كل مفردة من مفردات العملية السردية، والتي بدورها تنتمي إلى حركة الصراع داخل الرواية.

   إن الراوي عند عبدالله خليفة راو ينحاز إلى ذوات مهمشة في معظمها، ذوات مأزومة بطريقة أو بأخرى، وهي في حالة تناقض دائم مع كل مفردات السرد، يبدأ هذا التناقض مع الذات، ثم يتسع ليشمل الذوات الأخرى، حتى تلك التي تمشي في الدرب القيمي والفكري نفسه، أما الذوات الأخرى، والتي تمثل الحالة المقابلة في الصراع فإنها هي التي تحرك السرد، بمعنى أن ذوات عبدالله خليفة ذوات في كثير من المواقف، سكونية الرؤية، او هكذا يحاول الراوي أن يقدمها من خلال عدد من عناصر الحكاية:

   1ــ الأفكار التي تحرك الذوات.

   2ــ طبيعة المكان، وعلاقة الذوات به.

   3ــ طبيعة الذوات، وعلاقتها بعناصر البناء الحكائي.

   4ــ الأحداث التي تواكب حركة الذوات.

   السياق المؤسس للحكاية:

   إن الصراع في روايات عبدالله خليفة يمثل صورة افتراضية لما مر به الإنسان والمكان داخل الذات التي تمثل حركة الراوي أولاً، وداخل المكان الذي يمثل الإطار المادي للفعل، فهو يعتمد على صورة الراوي العليم الذي يقدم الحكاية من أولها إلى آخرها معتمداً على مخزون هائل من التفاصيل الحكائية التي تقدم الواقع في صورة افتراضية من ناحية، وتقدم داخل الذوات بصورة مختلفة، تمثل من الناحية النفسية صورة من صور المنظور النفسي الذي يؤسس له سياق إنساني واجتماعي تتميز به فترة تاريخية مهمة من حياة المجتمع الجديد في البحرين، وبالذات مدينة المحرق، وهي المدينة الملاصقة تماماً للبحر. وقد مثل هذان العنصران صورة التطور الطبقي والاجتماعي بشكل يومي، وكأن منظور الصراع داخل النص الحكائي يتم صنعه بشكل حتمي. كذلك فإن الرواية نفسها لا تتضمن مرجعية واحدة فحسب، بل مرجعيات مختلفة، منها مرجعية الكاتب التي يستحضرها لتمتزج بمرجعية النص التي يريد الكاتب طرحها.

   لا يمثل الصراع عند عبدالله خليفة صورة اجتماعية بقدر ما يمثل صورة وجودية ليست كالتي يمكن أن نجدها في كتابات ساتر، ولكنها الخلفية الافتراضية لحالة الحضارة التي وصل إليها المجتمع في الوطن العربي، وهو يمثل ــ أيضاً ــ واحة مقابلة لحالة الوجود في مدينة مثل الإسكندرية، حيث المكان هو الذي يوجد علاقات المنظور الحكائي، وكذلك مدينة المحرق والمكان هو الذي يوجد المنظور السردي، وهو الأعم في التصور عند الراوي، يعقب ذلك صورة مختلفة لهذا الوجود.

 ــ المقابلات السردية:

   المقابلة هي الصورة الأكثر ظهوراً في مستويات السرد الحكائي عند الراوي، فنجد على سبيل التمثيل في رواية «ألماس والأبنوس» يقدم صورة الراوي «برهان» الشخصية المركزية في النص، في مقابل صورة الأب الذي يمثل الحالة التراثية الواعية بمفردات الحياة الواقع. ثم يبدأ الراوي في تحريك المنظور ليقدم المقابلة على أنها منظورات حكائية متقابلة.

   الأول: يمثله برهان الراوي والذي لا يعي مفردات الواقع.

   الثاني: الأب ويمثل حالة الوعي.

   وبعد ذلك يبدأ الخطان السرديان في التداخل والتماهي لنصل إلى حالة فريدة من الوعي عند الأب، وحالة من الغياب عند الابن. لأن الأحداث والمؤشرات التي تميل إليها كل عنصر في الحكاية يمكن تأويلها في داخل السياق وخارجة.

   إن الصراع الطبقي الذي يمثله الراوي ليس من منظور الفكر الماركسي بقدر ما هو تعبير عن الواقع الفعلي، في بدايات تكوين المجتمعات العربية، حيث الاستعانة بالأفارقة (ويمتلكون العرق الأسود) الذي يقدمه الراوي على أنه صورة للعبودية وحالة مستقلة من الإنسانية، في مقابل العربي الذي ينتمي إلى القبائل التي تكونت للمجتمعات العربية منها.

   لا يفصل الراوي بين ذاته وبين ذوات الآخرين وهو يقدم البناء الحكائي القائم على التصور المكاني على شواطئ المحرق حيث البحث عن اللؤلؤ هو البحث عن المال والجاه وامتلاك السفن وامتلاك للقوة آنذاك.

ــ الحلم واللاوعي:

   يعتمد عبدالله خليفة في بناء الرواية على صور متعددة من صور تداخل الحلم مع عناصر المجاز التي يمكن ان تتمثل الشخصية بستائر متعددة ومتراكمة من حالات اللاوعي داخل الحكاية، وهو بهذا يقدم صورة الصراع ليس على أنه صراع طبقي فقط. ولكنه صراع وجود في مقابل الحركة المتنامية للمكان وفي وجود حركة مصاحبة مثل حركة الصيد والبحر، وفي ظل حالة من البحث عن الذات داخل الحالة. ولا يتوقف الراوي في حالة اللاوعي التي تمثل صورة من منظور النفسي، وهو ملمح بنائي مهم يعتمد الراوي عليه في جذب دلالات للنص ويقدم المنظور على أنه هو الأكثر ظهوراً في الرواية، ربما لا يريد الراوي أن يقدم الحكاية على أنها حركة حياة، ولكنه يريد أن يقدم الحكاية داخل ظلال من سياق موسع يحتوي الصراع والوجود والبحث عن حقيقة النفس وبقاء الإنسان من الداخل والخارج.

   يقول الراوي وهو يقدم صورة الصحراء: آفاق الصحراء غير مرئية. تشابهت فتلاشت الرؤية. مرآة رملية تطالع نفسها. وسماء ممتدة رمادية. وعدة كائنات عطشى تدب وتبحث عن عشب. أصابعي تتجول في نقاط الخريطة. المستنقعات الذهبية تشرد من أنابيبي. الآلة تحفر وتحفر وتلاقي التراب والحصى، تتفجر تأوهاتها وشرارتها. كهف واسع يحدق في البرية. الحمير لا يتسع لها المكان.

   نسكب المياه في أجسادنا اليابسة الظمأى. تتراقص الأسربة أمام أعيننا. الجبل يجلس شامخاً بعيداً عنا. نرى القوافل تتراقص في سراب الزجاج المضيء. تقطف الجواري والثمار ثم تذوب في المحال. البدوي الذي قطع تذاكر الصحراء لنا يتغذي بالضببة والجرابيع المشوية ثم يعزف الربابة وينام. ربما يبحث المتلقي عن أثر للفعل الحكائي فلا يجد، وإنما يجد نفسه داخل حالة من الحوار الذاتي الذي يصنعه الراوي مع الأشياء بداية من ذات، ومروراً بالشخصيات ويمثلها «جوهر الأسود» والذي يقدمه برهان الراوي في علاقات متشابكة مع الأشياء والمفردات التي تمثل الواقع.

  السياق المصاحب والبناء الدرامي

   في رواية «أغنية الماء والنار» يقدم الراوي السياق المصاحب كبديل فني عن الصورة الشعرية التالي يعتمد عليها في الحكاية البسيطة المعقدة بين «راشد» السقاء، منبع الحكايات لأطفال الأكواخ التي تنمو على شاطئ المدينة كما ينمو الزنبق في الرمال الجافة. على أن النص كله لا يقدم أفعالاً تُذكر سوى فعل واحد هذا الذي غير مسار الحكاية، فعل البحث عن ذاته في مقابل التخلص من كل شيء، وفي الوقت نفسه أكمل الرؤية السياقية المصاحبة لبناء درامي محكم من خلال عدد من الخطوط السردية المتوازية.

   ــ قدم الراوي شخصية «راشد» السقاء كذات مقهورة.  

   ــ في نهاية الحكاية تظهر شخصية «راشد» السقاء القاهرة.

   ــ قدم صورة المرأة الغامضة على أنها جزء من الضعف واللين في مقابل القهر الجسدي.

   ــ وفي نهاية الحكاية ظهرت شخصية المرأة على أنها صانعة الفعل.

   الذوات التي تقابل شخصية السقاء قد تكون في حالة صراع ظاهر، وتناقض اجتماعي في حين أن الراوي أراد أن يقدم أطراف الصراع في حالة من الانسجام في كثير من الأحيان ليبني اللعب الحكائي بناءً درامياً يعتمد على صورة التناقض الظاهر بين الشخصيات. يقول الراوي عن السقاء: يسير في الظلام الشاحب، قد هدهده الكلام والحزن والسكر والضجر، يرمق القمر المستدير كالبالونة الضخمة البيضاء التي لم يطلقها طفل. تأتيه أنفاس البحر فتدغدغ حواسه المتعبة ويرى نفسه الصياد الفقير واقفاً على الصخرة يكلم السمكة/المرأة. ثم يمضي إلى مدن مضاءة بالنور، يضحك من أعماق قلبه، وينام على فراش نظيف ومعه امرأة جميلة لا يزيد فيها سوى الذيل. اقترب من البيت الكبير الجاثم لوحده. إن الأضواء ترقص من نوافذه. سمع إيقاعات طبل وهزات دفوف وغناء فكاد يرقص من جمال الصوت والنشوة.

   قال (سأتفرج على أجسادهن)، واقترب من النوافذ. لكن شقوقها لم تكن تساعده في رؤية شيء إلا البساط وبعض الأقدام. سمع صوتاً يقولك

   ــ من هناك؟

   كان صوتاً نسائياً رقيقاً. التفت وراءه فلم يجد شيئاً. عاد ثانية للبحث عن الأجساد التي لا ترى منها سوى الأقدام. حاول أن يجلس فلربما اتسعت شاشة الرؤية ولكن بدون فائدة. عاد الصوت النسائي ثانية بأقوى مما كان. التفت إلى النوافذ الأخرى فلم يجد أحداً. وحين نظر إلى السطح وجدها. وجهها الأبيض المشع كان يخترق الظلمة وقلبه. تسمر واقفاً، فرحاً، مضطرباً، راغباً أن يتجمد هذا المشهد طويلاً.

   إن الصراع الاجتماعي القبلي الذي يحاول أن يرمز به الراوي للنخوة العربية وصورة القيم التي اكتسبها الراوي من الصحراء، في حين أن الحضارة لم تقدم سوى الحزن والبؤس والقيم التي لا تسهم في بناء الأنسان.

   وفي رواية «رسائل جمال عبدالناصر السرية» خروج من دائرة الوقوف على شواطئ البحرين ليقدم الصورة الايديولوجية للفكر الروائي حينما يعتمد على شخصية تاريخية معاصرة في بناء درامي يعتمد على أحداث حقيقية ليرى (حرب فلسطين) (العدوان الثلاثي ــ هزيمة 1967) ليظهر الراوي الذي ينتم صراحة إلى الفكر الاشتراكي، ويرى في زعيمه جمال عبدالناصر صورة المخلص الحقيقي الذي يمكن أن يعطي الإنسان العربي الجديد حكاية جديدة، فنراه يعتمد على حالة من الحالات التي اعتمد أن يقدمها في رواية كلها وهي تداخل الحلم والواقع ليخرج شخصية عبدالناصر من إطارها الواقعي إلى الإطار الذي يمكن أن ينتمي لفكر «الواقعية السحرية» بداية من الفعل، ومروراً بالحوارات الذاتية التي يقدمها من خلال الاعتماد على المنظور السردي التخييلي. في حين أنه في رواية «ألماس والأبنوس» يأتي السياق مؤسساً للنص، لأن فكرة الصراع تنتقل من الحالة التخييلية العامة إلى الحالة الواقعية التي ترتبط بالزمان والمكان.    

   ويقول الراوي: من نسل الصحراء، من صرخة حوريس، من تقطع أوزوريس، من ذكاء عمرو، من بسالة خالد، من نقاء علي، يطلع من حصار السيارات المحروقة والمدرعات الجائعة للحم النيليين، ويمشي بين حقول الجثث المزهرة حقداً خططاً. يحرك البدلات العسكرية للقرويين المليئة بالأشباح والتمائم فيحصد غباراً. ينغمر في الحارات والحقول يصافح المجندين والشهداء والأمهات الثكالى. كلما مشى مع احدهم رأى كبشاً أو نعجة. تعرف بود على برميل لحم فوجده يحلم أن يكون ملكاً .

   إن السياق في النص يشتمل على قواعد اللغة، ومواقف الكاتب، والقارئ، وأي شيء آخر قد يكون متصلاً بهذا الموضوع وبطريقة يمكن تصورها أو إدراكها. ولكن إذا قلنا إن المعنى هو السياق المحدد، وهنا يجب أن نقول إن السياق قد يكون غير محدد قبلياً فيما يصل بالموضوعي.

  ــ الرموز السياقية في الحكاية:

   هناك دلالات تفصيلية في حياة الراوي عند عبدالله خليفة يجعل منها صورة من صور التحول الحكائي، وصورة من صور الانفصال عن الواقع كأداة من أدوات تجميل حالة الصراع التي تسيطر في الايديولوجية الهاربة من أفعال الشخصيات، وصورة المكان، فنجد على سبيل التمثيل في رواية «ألماس والأبنوس» ولادة طفل أسود يعني بشكل حاد أن المرأة قد خانت مع رجل أسود، وهذا يعني انهيار العلاقات الإنسانية والاجتماعية داخل التراتبية التي حددتها القبيلة العربية، بالإضافة إلى الحالة النفسية التي تصاحب ولادة طفل أسود. ربما أراد الكاتب أن يرمز إلى ازدواج الشخصية عند العربي في صورة العلاقة بين الأبيض والأسود. فالنص يوجد حالته وسياقاته من خلال مجموعة من الرموز السياقية التي تحدد الهدف الايديولوجي أحياناً، أو تحدد وجهة الشخصيات والأفعال داخل الحكاية، وغالباً ما تأتي عند عبدالله خليفة باعتبارها خلفية اجتماعية وإنسانية يمكن أن تقدم سياقاً سياسياً، أو سياقاً حضارياً.  

   يقول الراوي في «رسائل جمال عبدالناصر السرية» المرأة ذات وجه متألق جميل، عيناها بحيرتان تطير فيهما الكراكي والبجع، تنفث لغة قديمة لا يفهمها، يجلب لها الماء والزبائن والضالين في شعاب الجبال. على الجدران خطوط غريبة. حفر فوجد عملة فيها ذوالقرنين يهزأ بالزمن، وثمة امرأة على ساعدها نسر، وثمة حية تلتف حول عصاها المتجذرة في التراب. النسر يقبض على الصاعقة. والفرعون ملأ الأرض خراباً. المرأة تتبدل في الفراش، تغدو عامية ساخرة من نجمته وبدلته المحروقة وقدومه من النهر للجبال، يرى الحشود تبيع الحيات والقات والتراب للسياح والعقود الزائفة ويقبضون عليه ويضعونه في الحبس، والمرأة تجلب له الأكل والشراب وتسحر الضباط والجنود. تقرأ عليه سورة بلقيس: للتحول فصول كثيرة، جسد المرأة ربيع الطبيعة، ادخل في خلاياي وتكون بشرياً إنسياً جميلاً. يسبح في بركتها الواسعة ويشرب الحليب. يبحث في التلال والأرض الواسعة والحصى عن عملات، يجد جماجم وسلاسل، وعظاماً أزلية ساخرة بالحياة، يركب باخرة مليئة بالجنود تزحف ببطء في البحر وترى السفن المكتظة بالحجاج الغارقة، حشود من الثياب البيض واللحى والنهود، مصانع الحليب المتوقفة المأكولة من سمك القرش، يضحك بين الدخان في المقهى، وهو يطالع الجري وراء القطع المعدنية.

   فلو تتبعنا الرموز السياقية الصغيرة لوجدنا الآتي:

   ــ عملة ذي  القرنين يهزأ بالزمن.

   ــ النسر يقبض على الصاعقة والفرعون ملأ الأرض خراباً.

   ــ للتحول فصول كثيرة، جسد المرأة ربيع الطبيعة.

   على أن كل كلمة تصلح أن تكون رمزاً، ثم تتحول إلى فعل من أفعال الدلالة المركزية في النص، والتي تتمحور حول عتبة النص الأولى «رسائل جمال عبدالناصر السرية»، وكأنه يتحدث أو هو يتحدث عن الأحداث السياسية. طبيعة المرحلة، الصراعات الاجتماعية، الطموح الزائد، النصر الزائف، الهزيمة المقنعة.

   وهكذا يحول الراوي اللغة التي يستخدمها إلى لغة مضادة، وكأنه يكتب الشعر لتتحول الدلالة على أثر ذلك إلى دلالات شعرية تميل إلى المنطق العام أكثر مما تميل إلى منطق الحكاية إن وجدت، لأن الراوي في كثير من سروده لا يميل إلى حكاية مؤطرة بقدر ما يميل إلى حالة من السرود الوصفية التي تتضمن بشكل أو بآخر صورة من صور الحياة التي يقدمها، وهو يعتمد عليها بنائياً في النص بأكثر من أسلوب.

   الأول: يقدم التأصيل السردي القائم على الوصف، ثم يعقبه بتأصيل فكري ثم يقدم الحدث مغلفاً في السرد.

   الثاني: يقدم التأصيل الحكائي، ثم يعقبه بسرد وصفي يعتمد على مجازات الواقع والمكان والأفكار.

   الثالث: يقدم الذوات، ثم يعقب ذلك بوصف سردي يعتمد على الذوات والمكان من خلال العلاقات المجازية النفسية التي تبدو في الحكاية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. محمد زيدان

أستاذ النقد الأدبي الحديث

محاضرة للدكتور محمد زيدان أستاذ النقد الأدبي الحديث بعنوان «الرواية البحرينية المعاصرة .. عبـــــــدالله خلــــــــيفة أنموذجا». 

   أكد الدكتور محمد زيدان أستاذ النقد الأدبي الحديث ، الحاجة الى رؤية جديدة في نقد النص الأدبي العربي بداية من النص الشعري ومرورا بالنص الروائي والمسرحي والتمثيليات المرئية ، حيث انها أصبحت نصوصا تؤثر كأي نص أدبيا آخر.

وأوضح في محاضرة نظمها مركز عبدالرحمن كانو الثقافي بعنوان «الرواية البحرينية المعاصرة .. عبـــــــدالله خلــــــــيفة انموذجاً»، ان الروائي عبـــــــدالله خلــــــــيفة في روايته الماس والأبنوس استطاع ان يقدم فكرة المقابلة في البلاغة العربية والتي تكون أحيانا بين جملتين او بين عدة جمل ، واستطاع ان يقدمها على مستوى المنظور ، وهذا يتناسب مع الأشكال ما بعد الحداثة في الرواية العربية.

 أوضح الدكتور محمد زيدان أن تقنيات الكتابة لدى عبـــــــدالله خلــــــــيفة فيها تشابه في الأسلوب والتشكيل مع تقنيات الكتابة لدى الروائيين في مصر والعراق ، كما انه يقدم الوصف الدقيق كأكواخ الصيادين في بداية تكون المدينة على شواطئ مملكة البحرين ، وبذلك فهو يعتبر أهم ملمح بنائي في الرواية لدى عبـــــــدالله خلــــــــيفة وهو اعتماده كليا على المكان في بناء النص الروائي، بالاضافة الى استغلاله لكل ما يتصل بالنص بداية من الراوي ففي روايات عبـــــــدالله خلــــــــيفة هو العليم وكل شيء منبثق من الراوي وهي تقنية مشهورة في الرواية العربية ، حيث يتكلم الراوي عن نفسه بضمير الأنا ثم ينتقل ليتحدث عن غيره فيما يشبه فصل الضمائر بين الأنا والهو لينتقل بين هذه الأساليب انتقالات غير مرئية وغير مفصول بينها ، وعليه يحتاج القارئ الى وعي شديد وهو يتنقل بين اللوحات التي يرسمها عبـــــــدالله خلــــــــيفة.

وأضاف الدكتور محمد زيدان أن الملمح السردي الثاني الذي يعتمد عليه الروائي عبـــــــدالله خلــــــــيفة في تشكيل النص هو اعتماده على لغة مجازية رامزة شديدة التبييض شديدة المجازية لدرجة أنه في بعض الأحيان المجازات الصغيرة واللغة الشعرية داخل النص تلفت الى نفسها أكثر مما تلفت الى ما فيها من أحداق وأفعال ، ومن وجهة نظره أنه لا أحداث كبيرة في النص السردي لدى عبدالله خليفة ، وإنما هي أفعال ترتبط بزمان ومكان معينين.

وأوضح أن الروائي عبـــــــدالله خلــــــــيفة يعتمد اعتمادا كبيرا ولافتا على ما يسمى في النقد بتيار الوعي ، لذلك نرى عنده المنولوجات طويلة جدا ، وخصوصا الخاصة كالحديث الى الذات أو الى الآخر ، حيث يعطي جمالا نفسيا للعلاقات التي ينشئها بين الشخصيات ، كروايته الماس والأبنوس التي كان يقصد شخص من افريقيا اسمه الماس والأبنوس الذي يقصد به المرأة او الرجل أو الرمز باعتبار أنه نوع من البنات له طبيعة خاصة في الشكل والتركيب والمنظر ،ثم يدلف الى النص بهذه المفارقة والعلاقة والصراع الطبقي بالمعنى الاجتماعي والذي يطرح رؤيتين في المجتمع ، الا وهو رجلا يبحث عن نفسه وسط اهله ويبحث عن نفسه داخل نفسه ، وهي الفكرة والدلالة المركزية عنده في الرواية .

وأشار الدكتور محمد زيدان أن ما يميز روايات عبدالله خليفة هو عنصر الامتاع بمعنى انك تستطيع ان تستمع باللغة التي يستخدمها استخداما لافتا للنظر مع كل عنصر من عناصر بناء الرواية ، والشخصيات كلها ذات علاقات متشابكة والفضاء الذي يستخدمه هو الفضاء النفسي اولا ، ثم يخرج منه الى الفضاء الواقعي الذي يتصل عنده بتأسيس الشخصيات وكل شخصية في النص تقدم منظورا حكائيا مختلفا ، ومن خلال روايات عبـــــــدالله خلــــــــيفة تستطيع ان تقدم عدة منظورات حكائية وكل منظور منها سوف تجد فيه اللغة والرؤى البلاغية والسياقية التي يستخدمها وهو مؤسس للنص لأن فكرة الأيدلوجية اذا ارتبطت بالحياة الواقعية تستطيع ان تخرج منها سياقا مؤسسا للحكاية. ///الأيام البحرينية

الوعي الديني والبنية الاجتماعية

لقد نما الإسلام عبر التضاريس الطبيعية والاجتماعية المتداخلة المركبة، وقد رأينا كيف كان الطابع معقداً ومتضاداً عبر تأثير الرعاة والصحراء على المدن ونموها، ولأن هذه المدن تتشكل بقيادة الطبقة المسيطرة، وليست باعتبارها سوقاً، حيث يأتي السوق كمُلحق وليس كقوة قائدة، فقد قام الأشراف بتراثهم الرعوي والمحافظ  بتثبيت هذه الأسس الاجتماعية والفكرية للماضي، مع استلال مضمونه الكفاحي، أو جعله أشكالاً أو عادات مُفرغة من المضمون التقدمي.

فالقبيلة والأسرة الأبوية التي كانت نمطاً اجتماعياً مهيمناً في البداوة تم سحبها إلى فضاء المدينة الاجتماعي، وغدت أفخاذ هذه القبائل تغدو أحياءً، وبالتالي كان هناك قواعد مادية بشرية واقتصادية لإعادة إنتاج الموروث البدوي. ونجد ذلك من الكوفة في عصر عمر بن الخطاب حتى مدينة المحرق البحرينية في القرن العشرين.

إن الإقطاع السياسي الحاكم يتحول على مستوى الحياة الاجتماعية إلى إقطاع أسري أبوي، وكذلك إلى عبودية إذا كان ثمة علاقات رق، أو استخدام للخدم العبيد والجواري.

وبطبيعة الحال، فإن المدينة المقامة بإرادة سلطوية، تقوم بتنمية التجارة والصرافة الخ، وتتحدد العمليات المالية هنا بمدى موارد السلطة وكيفيات الصرف. وهذا من جانب معين يقوم بتفكيك الإقطاع الأسري، عبر تطور وعي هذه الأسر، لكنه لا يقضي على الإقطاع الُمرحّل من العصر البدوي الذكوري القبلي السابق، إلى المدن، ويتوقف الأمر هنا على الموارد التي تدخل السوق والحرف وما إذا كانت تتجه للتوسع الخ..

فالمدينة ليست مدينة برجوازية بل مدينة إقطاعية، تنشأ فيها قطاعات رأسمالية محدودة ومرتبطة بالسلطة أو بحاجات الناس البسيطة. ولهذا لا تستطيع أن تغدو مدينة برجوازية إلا عبر تغيير السلطة.

لكن القبائل أو الأفخاذ وقد غدت مؤسسة حاكمة، تتمركز فيها السلطة والثروة،   تقوم بتأبيد التراث الذي ارتكزت عليه في الحكم، وهنا يمكن أن نرى عدة مراحل لعلمية التثبيت تلك، فالزمن الراشدي الأموي العباسي يثبت الأسر القرشية بإرثها العربي، وهنا كانت عملية استعادة الإرث العربي الإسلامي ذات صياغة عربية بدوية تحديثية، دون أن تتخلى عن الأسس الاجتماعية القبلية والذكورية والأرستقراطية، أي أن المدن أصبحت مضارب جديدة عبر هيمنة شيخ القبيلة الذي صار خليفة، وهذا الجانب الأساسي لن يتم التخلي عنه في أية تطورات متنامية، أي أن الإقطاع السياسي الحاكم، يكرس مستوى اجتماعياً ملائماً لقيادته. وهذا المستوى الاجتماعي من البُنية هو الذي يقوم الدين بتشكيله. الدين الذي سُحبت منه المواقف الأساسية في الثورة التأسيسية: التوجه نحو التحديث، وتحالف التجار والقوى العاملة، وتغيير التاريخ بالارتكاز على تطور حياة الجمهور المعيشية.

ولكن لأن الصراعات السياسية والفكرية تجري في المستوى السياسي فإن المستوى الاجتماعي يتكرس من كل الفرقاء المتصارعين السياسيين. أي أن تعدد الزوجات وعقوبات العنف واستخدام العبيد والحجر على النساء وتبعية الوعي والثقافة للقصور الحاكمة الخ.. إن هذا المستوى الاجتماعي لن يكون محط خلاف بين الفرق الدينية، التي أخذت تتحول إلى مذاهب بدءً من القرن الثاني الهجري.

فالتحول إلى مذاهب لم يكن يصب في إعادة تشكيل هذه المستويات الاجتماعية المتحجرة، لأن المسيطرين على إنتاج المذاهب انفصلوا عن العاملين، وغدت لهم مصلحة مشتركة في الإبقاء على تخلف وتبعية المنتجين. ومن هنا نرى تضادهم مع مضمون الثورة الإسلامية التأسيسية، ولهذا يركزون على الشكل لدرجة التعصب والعنف.

ولهذا فإن خلافات المذهبيين تغدو شكليةً أكثر فأكثر، مثل كيفية الوضؤ، أو الوقوف في الصلاة، وإذا كان المستوى الإيديولوجي يبدو متضاداً، عبر الاستناد على النص المستقل عن الأئمة أو الموروث عنهم، فإن هذا المستوى الفكري يتحول هو الآخر إلى أشكال مُفرغّة من بحث القضايا الجوهرية للتحول مثل الملكية العامة والخراج والاستغلال الخ..

وهكذا فإن الإقطاع السياسي وقد أسس الدولة المركزية، أو الذي انفصل عنها، فإنه يقوم لا بتكريس حكمه السياسي فحسب، بل بتكريس المستوى الاجتماعي، التقليدي، الذي تهدف ديمومته إلى إعادة إنتاج الطاعة لدى الجمهور المستلب الإرادة.

ويلعب الوعي دور الوساطة بين المستوى السياسي والمستوى الاجتماعي، فالمثقفون الذين ينتجون الوعي والمرتبطون بالأشراف وخدمتهم، يصوغون المبادئ الدينية ويحيلونها إلى أشكال، أي يقومون بنزع وظيفتها التحويلية الأولى، ومواقفها الموجهة ضد الملكية الاستغلالية، ويركزونها على العبادات والمعاملات والعقيدة، ومن ثم تزداد بُعداً حتى عن هذا المستوى، أي تتحول إلى محض عبادات وتستوعب أكثر فأكثر المراحل السابقة للدين كالسحر والخرافة القديمة. [ راجع هنا حديث أبن الماجشون عن قرار عمر بن الخطاب بجعل ملكية الأراضي الخراجية المفتوحة ملكاً لعامة المسلمين.]

وبطبيعة الحال فإن صياغات المثقفين لمستويات الوعي الدينية في كل مرحلة تختلف، لكونها مرتبطة بمدى قوة الدولة وطابعها وكيفية توزيعها لثمار العمل، ولكن إذا حللنا هذه الصياغات بدءً من نهاية القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث فنجد ما قلناه سابقاً من بروز التمذهب  الذي كرس البنية الإقطاعية بمستوييها السياسي والاجتماعي. وكان دور المثقفين المذهبيين المتعددين هو تكريس هذا الاختلاف عبر الأشكال الدينية التي تناسب بدلات القوى المسيطرة المتعددة الألوان..

ولهذا سيختلفون حول كيفية الصلوات وعدد الكواكب والنجوم والأرواح التي تهيمن على الفضاء الروحي، ولكن سيتفقون على استغلال العبيد والنساء.

وتغدو الاختلافات بين المجموعات الإقطاعية السياسية والدينية منصبة على الأشكال، وهي تحولها إلى أدوات للحكم أو لمعارضة الحكم ولكن ليس لتغيير أوضاع الجمهور.

إن هذا يستنزف البشر والنص الديني معاً، فالمدينة الإقطاعية الدينية وهي تدمر الريف والبادية بشكل مستمر، باستغلالهما وتفتيتهما، تقوم بتدمير نفسها أيضاً، بتوجه السلطات البذخية فيها، فلا تنهض الصناعة، ولا تلتحم بالعلوم، وتغدو قوة المدينة الاقتصادية مركزة على التجارة والإنشاء اللذين يصبان في البذخ، مما يجعل المدينة على مرور الوقت تنهار من الداخل وتفقد سيطرتها على الخارج.

فالتضخم المتواصل في عدد سكانها، والذي يكون من التوالد غير الطبيعي في العائلات الأرستقراطية، والذي يتكون بسبب الشهوات والفراغ، أو بسبب النزوح المستمر من الريف والبادية، أو بسبب تكوين فرق الارتزاق العسكري، أو بسبب التضخم السكاني المستمر في القرية والصحراء والذي يتشكل لأسباب إنتاجية ولمواجهة قسوة الطبيعة وتخلف الإنتاج وهيمنة الرجال كذلك.

إن النص الديني الموجه عبر هيمنة مثقفي الأشراف وخدمهم الفكريين، يضمرُ على مستوى المضمون، لفقدان الركائز الاجتماعية التي تغذيه بالحياة، فبدلاً من التحالف بين التجار المكيين والعبيد والفقراء، كما كان الإسلام في ثورته الأولى ، يتبدل إلى خضوع التجار للأرستقراطيات اللاهية، وبالتالي يغدو الهجوم على الملأ المكي القديم هجوماً شخصياً أو إيمانياً محضاً مقطوع الجذور بدلالاته الاجتماعية، أو أن التحالف الكفاحي بين التجار والعبيد والفقراء كما كان سابقاً والذين غدوا جميعاً صحابة ثورية، يصير الآن في العصر العباسي الأول وما يليه، تبعية تجار للقصور، أو استغلال نهم للفقراء.

وفي حين كان الإسلام الأول يعتمد على تغيير التاريخ من خلال مصلحة الجمهور ومشاركته، بغض النظر عن المستوى الذي تجلى فيه ذلك الاستخدام والتغيير، فإن المذاهب والفرق الدينية تقوم على تجميد التاريخ واستغلال الجمهور لمصالح شخصية ومن أجل الوثوب إلى الحكم الذي يعيد إنتاج التخلف.

إن هذا يؤدي إلى غربة النص عن مضمونه، أي عن الظاهرات التحويلية الشعبية التي تشكل في مجراها، فيزداد النص تركيزاً على أشكاله الخارجية، ويعادي أكثر فأكثر عمليات التحويل الحديث و(العدالة).

ومن هنا كانت مسيرة فرق المعارضة الدينية المتوجهة لقراءة النص كنص غيبي، تتدهور بشكل مستمر، فالقدرية تضمحل، والمعتزلة تُضرب فتتحول إلى شخوص تابعة للسلطة المستغلة، والزيدية تغدو نائية وموجهة لحكم  الأشراف في المناطق البعيدة كاليمن والمغرب وشمال إيران، والإماميات تتحول إلى معارضة ساكنة متوارية، عبر بدايات الإثنا عشرية، أو معارضة متنامية تصل للسلطة في القرن الثالث الهجري عبر الإسماعيلية، ولكن هذه القيادة والانتصارات فيما بعد تكون من خلال قيادة الأشراف وليس التجار، وكذلك يتم استغلال الفقراء ولا يقوم التحالف الثوري معهم، وتصير العمليات برمتها وثوباً للسلطة من أجل هذه العائلات وترفها.

وهذا ما يجعل النص الديني مستمراً في غربته عن مضمونه، فيتفكك، أي يتحول إلى مذاهب. أي إلى تفسيرات تائهة في أشكاله وحروفه المقطوعة الصلة بجذوره.

التحول إلى مذاهب تعني إن ثمة حقائق متعارضة في الدين، أي أن هناك حقيقة دينية، وهناك محاولة قوية أو محاولات للقضاء على هذه الحقيقة الدينية، التي تعنى لدى المثقفين أو الجمهور العدالة والسعادة في الدارين.

إن أساس الانقسام في الوعي الديني ناتج عن انقسام اجتماعي في صفوف المؤمنين، فهناك أقسام غدت مُلتحقة أو تابعة للسلطة، وهناك أقسام تجد نفسها مستغلة بشكل أساسي وبالتالي تصطف في المعارضة. إن القسم الأول ينطبق على الرعاة الذين شكلوا وهيمنوا على المدن وصاروا جنوداً وإدارات ثم عامة موالية أو ثائرة على السلطة، ثم رُفدوا بالعوام العسكر الترك والأكراد الخ، فغدوا هم التربة الاجتماعية للمذاهب السنية. والتكوين الرعوي الواسع وقوة المدن والسلطات المنبثقة عنها، هي ما جعلت لهذه المذاهب السيادة الكبيرة على المنطقة المشرقية من العالم الإسلامي، في حين كانت له السيادة المطلقة في الإقليم الغربي، نظراً لتجذر الطابع الرعوي فيه.

 إن القسم الزراعي الذي واجه هؤلاء الرعاة وادغم معهم أو صارعهم، تحمل عبء الاستغلال الأكبر، ونظراً لذلك أخذ هذا القسم بالمذاهب المعارضة، في مخاض معقد (قومي) واجتماعي وثقافي فداخله قوس من المذاهب الإمامية والمسيحية. وتداخل المذاهب الإمامية بالمذاهب المسيحية والإرث القديم أنتج العديد من الظواهر المشتركة.

وبطبيعة الحال يغدو القانون الاجتماعي هو هو، سواء على المستوى المركزي حين انتقل العرب إلى الإمبراطورية، أو في أزمنة التفكك، ففضاء مكة والجزيرة العربية الاجتماعي الذي لم يشكله الحكم الاستبدادي، هو غير المشرق الزراعي الشمالي المشكل على أساس العبودية العامة منذ فجر التاريخ.

إن كل قسم في الوعي الديني يقول إن الحقيقة الدينية معه، ولكن كما رأينا فإن النص الديني يُفرغ باستمرار من محتواه، وتنتقل هذه العملية التفريغية إلى المذاهب، فتغدو الاختلافات ليس من أجل الوصول إلى المضمون الثوري المُضيّع، بل إلى الاختلاف حول الأشكال المتباينة.

وبطبيعة الحال تمتلك الأديان آلية لمواجهة عدم تحقق الوعود الاجتماعية الدنيوية بالإحالة على الغيب، أو بروز عقبات شيطانية الخ..

وتزداد هذه العملية تعقيداً وشكلانية مع ازدياد الاختلافات، وتزداد عملياً الغربات الدينية المختلفة، وهذا ما يفتح مجالاً للمعرفة الحدسية، بعد أن فشلت أدوات النصوص الحرفية في اكتشاف مضمون العقيدة التحويلي.

وهنا تبدأ مرحلة مفارقة لمرحلة الاعتماد على النصوصية، التي أنتجت عقلاً دينياً تابعاً لها، بأشكال مختلفة، عبر كل المذاهب السابقة، أي تبدأ المرحلة الصوفية والفلسفية في الوعي الديني. وتقوم الصوفية على إنكار سياق النص، علىإنه ظاهر، وبالتالي فإن الحقيقة لا تكمن في الظاهر، بل في الباطن، ولكن هذا الباطن لا تجسده الصوفية نضالاً اجتماعياً، وتحالفاً أساسياً بين التجار والفقراء، بين الطبقة الوسطى والمنتجين، تجاوزاً للبنية الإقطاعية، بل تقيم دكتاتورية غيبية للقطب على المريدين، وتصبح هذه الدكتاتورية شديدة التنوع والتشظي بفعل الشطحات والمجاهدات الداخلية الغامضة للأقطاب، ويذكرنا هذا بتشظيات الخوارج، وإن كان بصورة مضادة.

أما المذاهب الفلسفية الدينية فأكثر تعقيداً، وقد أتاح القسم [ العقلاني] منها إمكانية قراءة الطبيعة والمجتمع قراءة موضوعية بأدوات الزمن، لكن غيبيته في القسم الميتافيزيقي، تتشارك مع المذاهب الدينية الأخرى وخاصة الإمامية منها. ولكن لأن الفلسفة الدينية غدت مقطوعة التحليل بالسياق الاجتماعي التاريخي، وارتبطت بالتبعية لشرائح من طبقات الأشراف المختلفة، فقد أصابها ما أصاب الحركات المعارضة التي تجمدت عند هذا الأفق نفسه، كالقرامطة والإسماعيلية والدروز والزيدية الخ..

وبطبيعة الحال، كان كل هذا يشتغل في فضاء نظام إقطاعي زراعي حرفي بسيط، كانت إمكانيات التجاوز التقني والصناعي والعلمي، معدومة فيه.

إن اعتماد قسم من النص الديني على امتداده النصوصي، باعتبار إن هذا الامتداد النصوصي يقوده إلى النص المنبع القادم من النور الغيبي، يغدو بالنسبة إليه شرط الحقيقة الدينية، بغض النظر عن ملاءمتها للعصر أو تناقضها مع العقل أو أهميتها للتطور.

إن النص في هذه الحالة يغدو رجوعياً باستمرار، ولكن ليس إلى جوهر العملية الثورية الإسلامية الأولى، وهنا تحدث غربتان على مستوى الماضي وعلى مستوى الحاضر.

فهو يغدو غريباً تجاه الماضي، فلا يفهم سببيات الثورة الإسلامية وشروطها، أي عمليات تفاعلها الاجتماعية والسياسية والعسكرية مع الجمهور، ليس لشيء سوى لموقفه المحافظ وتبعيته لقوى القهر والاستغلال في زمنه، ولهذا يقوم بإعادة النص المفرغ من دلالاته الثورية إلى زمنه، لكي يمنع اكتشاف هذا المضمون.

تتحول هذه العملية إلى حلقة مفرغة، فتزداد عمليات التدمير الذاتي والشكلانية النصوصية والشطحات والخرافات، أو النصوصية الحرفية الميتة الخ..

إن شروط التغيير وهي تحويل نظام الملكية العامة التابعة لأسر الأشراف، وتحرير الفلاحين والمرأة والعبيد، كانت هي أساس وجود هذه الأنظمة والتيارات، وبالتالي كانت إمكانية تشكل ثورة ديمقراطية معدومة، وكان وجود طبقة برجوازية حرة صناعية مستحيلاً، فراح العالم الإقطاعي الديني يعيد إنتاج نفسه على نحو تفتتي ومأساوي بشكل مستمر، حتى جاء الأتراك والصفويون وأقاموا نظامي الإقطاع المذهبيين الشاملين بنفس الأسس القديمة حتى العصر الحديث.

وعي الظاهر والباطن

من السمات الفكرية التي أخذت تبرز في هذا العصر، سمة الوعي بالتفاوت في النصوص الدينية بين الظاهر والباطن، وهذه عملية اجتماعية ومعرفية أخذت تنمو بشكل تاريخي معبرة عن تناقضات عميقة في الفكر الديني الإسلامي، وعبرت عن الحاجة إلى القيام بعمليات تحويلية جديدة بأدوات من الفكر السابق.

فإذا كانت مرحلة الثورة التأسيسية المكية شهدت تماثلاً وتقارباً بين النصوص وفهمها، فإن المراحل التالية أخذت تتباعد كثيراً. وفي المرحلة التأسيسية كان هناك عدم فهم لبعض الآيات القرآنية وتباين في فهمها، وظهرت مفردات الآيات المتشابهة والمحكمة، فالمتشابهة كانت غير معروفة التفسير ولها العديد من الاحتمالات والدلالات، أما المحكمة فبخلاف ذلك.

ويمكن رؤية التباين هنا في كون المتشابهات تتعلق بمسائل الغيب عموماً كالحديث عن الله أو الملائكة أو اليوم الآخر الخ، في حين كانت الآيات الُمحكمات تتعلق بالأمور الجلية كالصلاة وأحكامها أو البيع والشراء، أي كل هذه المسائل التي تدخل في ظاهرات الحياة الملموسة.

فكان هذا أول تباين بين الظاهر والباطن، حيث تجسد المرئي فيما هو اجتماعي وعبادي وظاهراتي، ولكن كان هذا المرئي في خدمة اللامرئي، أي في طاعة القوى الغيبية، حيث إن هذه الأخيرة هي التي تنظم الأولى وتسيرها.

ولكن المرحلة الأولى التأسيسية التي اعتمدت على دعم وتوجيه القوى الغيبية، حيث إن الثورة كانت رسالة إلهية، وكانت تقيم توازناً بين المرئي واللامرئي، بين الواقعي والغيبي، لأن النشاط الاجتماعي الملموس للثورة كان يتداخل وتعليمات السماء ، فيسبقها أحياناً وينتظر حكمها أحياناً أخرى ، أو تقوم هي بالتعليق عليه ولكنها تحكمه في نهاية المطاف أو تجسد سيرورته . لكن كان هناك تداخل بين الثورة والنظرية ، رغم إنها نظرية إلهية ، حيث إن الثورة المحمدية كانت تستلهم تراثاً نبوياً في ظروف العرب الخاصة، المتساوقة مع تجربة شعوب المنطقة، وهذا الاستلهام للجوانب الخيرة من الُمثــُل الإنسانية كالدعوة للخير والمساواة ومقاومة الشر، كان يتشكل في الإرث والعادات العربية، فيتجسد من خلالها.

ولهذا كان هناك ظاهر وباطن من مستوى آخر ، فالحركة الإسلامية التي كان يُفـترض فيها أن تحقق المثــُل الخيرة والعدالة، التي هي نضال الأنبياء السابقين، لم تقم بتحقيق ذلك، بل إن الظالمين واللصوص الاجتماعيين استولوا على السلطة والخراج ، وعلى صنع التاريخ وحكموا المجتمع الذي كان ينبغي أن يحكم بتلك المثل النبيلة .وفي الواقع، كان هذا مصير الثورات دائماً، بأن يتم تجاوزها، ولكن الوعي الديني طابق بين الثورة والرسالة الأبدية ، ولهذا حاول أن يجد من الثورة الأولى ، أدوات فكرية تبرر الثورات الجديدة وتضيف إلى الأولى .

ولكون الوعي الديني الرسمي الذي هيمن على إنجازات الثورة ، والوعي المعارض الذي عمل لاستعادة هذه الإنجازات وإعطائها لجمهور المسلمين عامة ، يشتركان في ذات المصادر الدينية المقدسة : القرآن والسنة ، فقد بدأت قراءات مختلفة لهذه المصادر ، وتركز عمل المحافظين على القراءات الظاهرية الرسمية ومنع الاجتهادات الواسعة والمؤدية إلى تجاوز بنية الاستغلال المسيطرة .

فيما عملت القراءات المعارضة على تأويل تلك المصادر ، ولكن التأويل خضع للقراءة الدينية كذلك ، فهذا التأويل توجه إلى إسقاط الرغبات والأهداف السياسية للفرق على النصوص، فغدت النصوص تكشف ليس لحظتها التاريخية الموضوعية ، بل تأويلات الفرق وأهدافها السياسية في المراحل التاريخية المتعاقبة .فغدت إسقاطات معاصرة على الماضي وأفكاره.

فنجد إن بعض الفرق المنتمية لعوائل الأشراف تجعل حكمها منصوصاً عليه في القرآن والسنة، بحيث يغدو الحكم النبوي مقدمة لحكم الأسرة العلوية أو العباسية مثلاً ، فهنا يغدو الظاهر والباطن مترابطين لهوية اجتماعية واحدة .

يغدو الظاهر هو التاريخ العام للمسلمين، في حين يغدو الباطن هو تاريخ بعض الفرق ومثلها وأهدافها، داخل النسيج العام للثقافة الإسلامية .

وإذا كانت الفرق شديدة البداوة كالخوارج توقفت عند حدود الصحراء والنص والفترة الإسلامية الأولى ، فإن المذاهب و الفرق المتدرجة التحضر ، عملت على بعض درجات التأويل والتفسير تبعاً لمستوى تطورها الحضاري ، حتى إذا حدث الانقلاب على العالم الرعوي ، وأخذ العالم الشمالي العربي والفارسي والمسيحي الزراعي في بعث ثقافته ومصالحه داخل نسيج الثقافة الإسلامية ، بدأت لحظات معاكسة للتأويل ، أي أنها تأخذ في الابتعاد أكثر وأكثر عن النص والحرفية ، بدءً من الهاشمية العباسية حتى الإسماعيلية والدروز الخ..

وهذا الوقوف عند الظاهر من النصوص وذلك الانعتاق الواسع من النصوص ، ليسا مطلقين، فالأول ليس تطابقاً كلياً معها ، والثاني ليست تغييباً كلياً لها ، بل هما عمليتا تداخل متعددة بين الظاهر والباطن ، بين النصوص وإمكانيات تفسيراتها المختلفة ، تعبيراً عن مصالح وصراعات اجتماعية وتباينات ومستويات روحية مختلفة .

فالتفسير الظاهري الكلي وقف عند الحرفية الشديدة تعبيراً عن تنوع شديد في اللحظات التاريخية ، حسب المناطق والأزمنة، فلا بد من قراءته في كيفية تعامله مع هذه النصوص ، وهذا ينطبق على التأويلات المتعددة وتدرجاتها ، ولكن في حين إن التفسير الأول يقف عموماً مع النظام الرسمي الذي تجسد في دول ، فإن الثاني عبر عن حركات الرفض والتغيير، دون أن يصل هذا الرفض إلى إلغاء النصوص أو المنظومة الاجتماعية التي تشكل على أساسها هذا العالم، ودون أن يكون التفسير الظاهري متطابقاً مع النصوص حقيقة، فكلاهما يعبران عن لحظات مغايرة لزمن الثورة المحمدية ودورها وإنجازاتها.

 إن الجانبين يعبران عن المنظومة الإقطاعية ودرجاتها وألوانها, ما بين تضاريس الصحراء, وما بين اقصى هيمنة الزراعة, ما بين نمو بعض الأشكال التجارية والمالية للرأسمالية, وما بين هيمنة الاقتصاد الطبيعي.

في حين كان زمن الثورة المحمدية هو زمن تكوين التحالف الاجتماعي بين التجار المتوسطين والعامة الفقراء, وهذه الثورة ولحظات نموها وتوسطها وتراجعها, انعكست في النصوص المقدسة, وقد كان الفضاء التاريخي مفتوحاً لها, عبر  المجال العالمي والمناطقي, الذي حدد حينها كيفية نموها, واندماجها ببلدان الفتوح والآثار المترتبة على ذلك.

لقد بقيت المضامين العميقة للثورة تهجس عند فرق المعارضة، في حين قامت الفرق المحافظة بامتصاص واستبدال تلك المضامين بالأشكال الظاهرية للنصوص والعبادات.

وحتى الفرق المعارضة فإنها كانت تفصل النصوص عن سيرورة الثورة، وتجعلها في فضاء ميتافيزيقي غيبي، هو جزء مشترك من نهج الوعي الديني عامة، ولكنها تقوم بإنتاج جوانب فكرية جديدة، هي في نظرها وعياً باطنياً لإبعاد النصوص الدينية، ولكن إنتاج التأويلات داخل العباءة المثالية الدينية، يواصل تحريك النصوص القديمة بالتفاسير الجديدة، دون أن يصل إلى فهم الإسلام كثورة إجتماعية محددة، في زمن محدد.

ووجود الوعي المثالي الديني يعبر عن القوى الاجتماعية العليا التي تكون بيدها قيادة الحركة التاريخية، والتي لا تقوم بفظ الغلاف الغيبي لتكشف المضمون الإنساني والاجتماعي، لأن كشف ذلك يقود إلى انحسار قيادتها وتولي القوى الاجتماعية الفقيرة توجيه الأحداث.

ولهذا فإنها في تفسير الظاهر تحاول أن تبقي الظاهر كوجود مستمر، فهو المكون لوعي الجمهور العادي، الذي لا تحاول أن تزيحه عن الظاهر، بل تبقيه فيه، لأن خروجه عن الظاهر يفقدها إياه، ويجعل سيطرتها متلاشية، فهي تسيطر من خلال الظاهر ومستوياته، والجمهور بكليته لا يستطيع أن يكون باطنياً، أي ممتلكاً لأدوات الثقافة والتأويل.

إن الفُرق لا تختلف كثيراً في تفسير الظاهر، فهي إضافة إلى أنها محكومة بمصادر مقدسة، وبعض نصوصها المحكم لا يقبل التأويل، كذلك فإنها بحاجة إلى هذا الظاهر العام، الذي يختلف هنا أو هناك اختلافات طفيفة، لأنها بدونه تزول، فهو المصدر لتشكلها وإعادة تشكلها.

أما ما تختلف فيه هذه الفرق فهو الباطن، لأنها تفهمه باعتباره تجسيداً لسيطرتها على الجمهور وعلى النص، فهي تضع سيطرتها داخل النصوص المقدسة، كباطن غير محدد المعالم، قد يكون من خلال جملة، كما فهم بنو هاشم بعض النصوص القرآنية، أو من خلال فهم جديد للنص القرآني يتيح للمتصوفة اعتبار طريقتهم في العبادة هي العبادة الحقيقية، وليست الشكلية.

ولكن كل الطرق التأويلية الباطنية تستدرج النص لسلطتها، أي أنها توظفه من أجل هيمنتها على الجمهور وعلى السلطة الاقتصادية والسياسية . ولكن لا بد لها مهما اشتطت في تأويلاتها من إبقاء جسور بينها وبين الظاهر، فبدونه تذوب في الفضاء العريض للعقائد.

ولكن لم يكن البقاء ضمن الظاهر العام المشترك إلا جزءً من عملية التكون الموحدة للأمم والشعوب الإسلامية، ومن الدور التاريخي الذي قام به العرب لصهر هذه الكتل الإنسانية في تجمع سياسي وثقافي مشترك. ولهذا كانت الشعوب المقاربة لوضع العرب الاجتماعي في انطلاقتهم الأولى، كالقبائل في الشام أو البربر في شمال أفريقيا أو شعوب الترك وغيرهم، هي المتجمعة حول الظاهر، أي حول النصوص والأحكام القريبة من إرثها الفكري وحياتها الاجتماعية الراهنة واستقلالها القادم. في حين كان الباطن يجمع الشعوب غير الرعوية بشكل عام، فذلك المستوى من الظاهر لم يكن متساوقاً مع إرثها واستقلالها الراهن، فراحت تنمو عبر الظاهر بباطنها التاريخي. ولكن حتى يغدو الباطن متضافراً والظاهر فإن ذلك أحتاج إلى فترة تاريخية، ولكن لا بد أن يتكيف الظاهر والمسارات التاريخية للشعب المعني، الباطني بمعنى ما، أن تصبح التوليفة معبرة عن كينونة اللاستقلال والتمايز في المجموع الإسلامي.

 إن انتشار نفوذ القوى الباطنية بين الناس، يتطلب كما هي الصلة بالظاهر، وعدم قطع الخيوط معه، أن ينتشر تفسيرها المختلف بين الجمهور. وهذا يتوقف على الظروف العامة للوعي والصراعات المختلفة، وطريقة طرح المضمون المختلف وكيفية توظيفه.

ولهذا فإن ذلك يغدو تاريخاً للوعي الباطن، كما كان ثمة تاريخ للوعي الظاهر، أي إن للوعي الباطن أدواته وتراكماته المعرفية وصلاته الموضوعية. فقد يكون في البداية عملاً فردياً استثنائياً، لكون التراكمات لم تصل إلى تحول نوعي تجعل تلك البداية فعلاً مغيراً بشكل اجتماعي وليس مغامرة فردية .

ولهذا فإن للوعي الباطن زمنه وجغرافيته الخاصة، فنجد إن الزمن الأول لسيادة الرعاة لم يكن الوعي الباطن سوى مغامرات على طريقة عبدالله بن سبأ و الهاشمية، ولكن في الزمن التالي حين صعد الشمال الزراعي غدت المغامرات الفردية ظاهرات اجتماعية، فأصبحت الإسماعيلية من جنون في القرن الثاني الهجري إلى ظاهرة واسعة (عاقلة) في القرون التالية.

ولهذا فإن الظاهر يرتبط عامة بالرعاة وعالمهم الاجتماعي، والباطن يرتبط بالفلاحين وعالمهم، ولكن بشكل عام، لأن التداخل يجري بين العالمين كذلك، وما يحدد التداخل والصراع والتباين العملية التاريخية المعقدة المركبة بين الطبقات والشعوب والأمم. لكون لا الرعاة ولا الفلاحون هم الذين ينتجون المفاهيم ويقودون الصراعات والاتجاهات، بل الجماعات الفكرية والسياسية، في ارتباطها بهم.

ولهذا نلاحظ كيف أن الثورة المحمدية راعت ظروف الرعاة وعاداتهم وقوانين العقاب لديهم ودرجات سيطرة الرجال على النساء وأنواع العلاقات الاقتصادية، ولكن بهدف نقلهم إلى مستوى أرقى من العلاقات الاجتماعية، يتيحه الفضاء المفتوح لوجودهم الاجتماعي وعدم وجود تشكيلة محددة ودولة عتيقة الخ..

ولكن التيارات الفكرية والسياسية التالية وجدت نفسها في زمن دولة الإقطاع المركزية، وتباينت اتجاهاتهم بين الحفاظ على هذه الدولة الإقطاعية المركزية وإجراء إصلاحات فيها، وبين هدم هذه الدولة وإقامة دول الخ..ولهذا كان اعتمادهم على الفلاحين، الطبقة المنتجة الرئيسية. ومن هنا كانت تفسيراتهم الباطنية تأخذ من موروثاتها لتشكل حركة سياسية جديدة، ولكن إلى أي حد يعبرون عن مصالح الطبقة؟ إن هذا يعتمد على أهداف حركاتهم وسيرورتها. ولكن الانتقال من دولة الإقطاع المركزية إلى دول الإقطاع اللامركزية هو حركة نمو وتقدم، تؤدي إلى ازدهار الدول المستقلة إلى حين. أي إلى زمن يبدأ فيه الإقطاع اللامركزي بدخول عصر الأزمة. وهنا يأخذ التطور التاريخي الإقليمي دورة التطور التاريخي العام السابق وقوانينه، في حيز جغرافي أصغر، ومع الصراعات السياسية المركبة المحلية والمناطقية.

ولهذا لا بد أن تــُؤخذ هذه الظاهرات بشكل ملموس، وسوف نراها في تتبعنا للعمليات الفكرية الجديدة من وعي الفرق والفلاسفة والاتجاهات الفكرية.

كما أن الوعي الظاهري للدين يتعدد فقد تعدد كذلك الوعي الباطني، وغدا في درجات ومستويات، ولهذا تداخلت الفلسفة الدينية والفرق الفكرية السياسية، وصارت أنماطاً لوعي باطني متعدد.

ولكن لم تتداخل أنواع هذا الوعي الباطني في هذه المرحلة، ونأت أنواع الوعي الظاهري عنها مؤقتاً، أي لم تصبها العدوى الشاملة بالاهتمام بالباطن؟

إن ذلك يعود في البدء إلى المناطق الاجتماعية المشتركة التي نما عليها كلا النوعين، فهي المناطق التي قلنا عنها، انها مناطق الشمال الزراعي، ويمكن إضافة ا لآن بدرجة محدودة وتالياً بصورة واسعة، المناطق الزراعية في القسم الجنوبي من العالم الإسلامي والعربي كاليمن والبحرين وأقسام من الهند، فهذه المناطق أخذت تستعيد استقلالها وحركتها الفكرية والسياسية الخاصة عبر التفسير المختلف، عبر الحفر تحت النصوص.

إن هذه العملية من التأويل الباطني، سوف تتمسك بالثوابت الدينية الظاهرية شكلاً، وتعيد النظر فيها مضموناً، على درجات وتباينات شديدة من إعادة النظر هذه.

إن هذه الأعادة ستغدو أدوات الحركات السياسية الجديدة وهي تحصل على نفوذها بين الناس وعلى الأرض. وقد استطاعت ا لاتصال بالناس والنمو بينهم بسبب أزمة ومن ثم انهيار الإقطاع المركزي وظهور الأقطاع اللامركزي وشظاياه السياسية المختلفة، أي عجز مركز السلطة في بغداد ثم المراكز الإقليمية على السيطرة وعلى تكوين وحدات بدوية عسكرية كبرى موالية، فقدت الأجسام الريفية، بشكل دول ومناطق، في الاستجابة لحركات التمرد والثورة والفوضى.

من هنا كانت ما سميت بالحركات الباطنية تحصل على نفوذ سريع وقوي في هذا العصر، فالأمر لا يعود إلى قدرات هؤلاء الدعاة على التعبئة والتحريض بل أيضاً في وجود أرضية موضوعية مؤاتية. فالمركز في بغداد كان غير قادر في بعض الأزمنة على ضبط حتى سواد العراق، مما يعبر عن تلاشي السطوة، وبالتالي ظهرت ظروف يستطيع فيها الفلاحون رفع رؤوسهم والبحث عن أنظمة جديدة، أي توظيف فوائضهم الاقتصادية في تطوير حياتهم ومناطقهم.

ومن هنا احتاج هذا التململ والكفاح إلى أفكار باطنية جماهيرية، أي إلى صياغات للتمرد بشكل مفهوم لجماعات واسعة، ومن هنا اشتغل الإماميون والإسماعيليون والقرامطة بشكل دعائي واسع، أي عبر صياغة أفكارهم بلغة شعارية مفهومة للسواد الأعظم، فعلى الرغم من انبثاقها من مواد المسلمين المقدسة، فإنها تقوم بإعادة النظر فيما عد ثابتاً وأبدياً.

إنها تؤكد ان هذا الظاهر خلفه باطن عميق، ويقال ذلك لأن التطبيق المستمر والطويل للظاهر لم يؤد إلى تحسين أحوال هذا الجمهور المستعبد الفقير، فأين يكمن الخلل؟ هل هو في الدين وشعائره أم في أنه لم يطبق تماماً، وقامت القوى المسيطرة على فهمه وإعادة إنتاجه بتحريفه، والعمل بالظاهر فقط وترك الباطن وهو مستودع الاسرار.

(وزعموا أن جميع الأشياء التي فرضها الله على عباده وسنها نبيُّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلها ظاهر وباطن، وأن جميع ما استعبد الله به العباد في الظاهر من الكتاب والسنة فأمثال مضروبة، وتحتها معان هي بطونها، وعليها العمل، وفيها النجاة).

لقد قالت قوى الظاهر: إن التمسك بالظاهر هو المنجى من كل الشرور ولكن مآل الحياة لا يدل على ذلك. ولكن من يستطيع كشف الباطن وكيف؟ هنا أخذ الباطن والمستور يتحول إلى سلطة، مثلما ان الظاهر صار سلطة مستغلة مستمرة، وكما وجد في أساسيات الإسلام أداته الفكرية ليكون مقبولاً، وهذا أمر لا بد أن يتشكل عبر فئة المثقفين، فإنه لا بد له أن يجد مظلة اجتماعية قائدة في أسر الأشراف، ولهذا كان العلويون وسلالتهم هم هذه القيادة الاجتماعية.

إن تناسج قوى المثقفين والأشراف في هذه الحركة، الباطنية، يعيد إنتاج سيرورة التفاعل بين الوعي والإقطاع. فعلى الرغم من أن مادة الثورة البشرية هم الفلاحون في المناطق الأولى، وهم المستهدفون زعماً بتحويل أوضاعهم، فإن القيادة تكمن لدى أسر الأشراف، أي في الإقطاع الكامن. فهي حركة لا تستهدف زوال الإقطاع بل تعددية سلطاته، أو تغيير اسم الاسرة الإقطاعية الحاكمة.

وقيام هؤلاء المثقفين بجعل الحركة في أيدي الآئمة المستورين يرينا جسم القيادة اللامنظور، وهي توضع في رأس الأسرة الإقطاعية المطلقة التصرف، حيث الولاء المطلق للاتباع في المناطق المقهورة، وحيث يقسم التابع يمين الولاء، وتغدو الحركة الاجتماعية تابعة لمركز غير منظور، هو فرد مطلق مهيمن، سيقوم بالاستيلاء على اشتراكات ثم أرض وخراج هؤلاء الفلاحين، فيعيد إنتاج النظام الإقطاعي تحت اسم أسرة مختلفة. أي أن الحركة الباطنية هنا لا تعتمد على النظر في الأرض الزراعية وتقسيمها وتمليكها للفلاحين، وإطلاق الحريات الفردية والجماعية في مجتمع حر، بل تبقي تلك الظروف السابقة وتعتمد على جعل الموارد في خدمة الإمام اللامنظور.

 إنها في المناطق التي اعتمدت على تجارب ثورية سابقة كثيرة في التعاون، كسواد العراق، تقيم مشاركة لكن هذه المشاركة لا تبدل علاقات الإنتاج، فتقوم بتوزيع الأراضي، بل هي تجعلها في خدمة سلطة جديدة فيها حلم التغيير والعدل، لكن السلطة الجديدة حينما تأتي توظف هذه المداخيل والثروة في استمرار الوضع الراهن ولمشاريعها السياسية والبذخية. أي تعيد إنتاج الإقطاع المذهبي بصورة أخرى.

إن عجز الفلاحين من التحول إلى قوة ثورية تعمل لمصلحتهم بشكل عميق، كما حدث مثلاً في الثورة البابكية الإيرانية، يعود لطابع الوعي الديني المنشور في هذا الفضاء، حيث يتشكل عبر هيمنة الإمام اللامنظور وشبكته السياسية، التي تخضع حركة الفلاحين لمصلحتها ولتكتيكاتها السياسية، فلا تجعلهم يلغون السلطات الأبوية والعشائرية والذكورية والاستغلالية، كما جرى في ثورة الفلاحين الإيرانية سابقة الذكر، بل تجعلهم يحافظون عليها، أي يحافظون على بنية الإقطاع بمستوياتها الاجتماعية، فلا يحدث التغيير إلا في المستويين السياسي والإيديولوجي.

إن الفلاحين هنا يقومون بإعادة إنتاج استعبادهم، عبر الانتقال من مالك إلى آخر، عوضاً عن أن يقاوموا بنية التبعية للمالكين السياسيين.

الليبرالية في البحرين

كتب. عبـــــــدالله خلـــــــيفة

خيارُ الليبراليةِ المنتجة

كانت خلاصةُ سماتِ القرن العشرين هي إنتصارٌ حاسمٌ لليبرالية خلافاً لسماتِها في بداية القرن.

أغلب الفرقاء في بداية القرن في القرن في العالم الثالث كانوا يؤكدون على طرقهم المختلفة عن التطور الغربي، وها هم الآن في أغلبيتهم الكاسحة يقبلونه، وهذا الخيار الليبرالي الرأسمالي الآن يعاني الكثير في قلاعهِ التاريخية الكبرى، وثمة بلدان على هاوية الإفلاس الاقتصادي!

جدليةُ التاريخ تتكون بطرقٍ متلوية صعبة والأممُ تبرزُ سماتَها الغائرة عبر قرون، وطرقُ القفز والثورات الحمراء التي طُرحت وزلزلتْ في أوائل القرن تتمادى في الرجوع للوراء والتماهي مع أشكال رثة من الرأسمالية وتغدو واجهات لاستبداديات عسكرية بيروقراطية.

والرأسمالياتُ الحكوميةُ في هذه البلدان كنمطٍ تنموي مرحلي قاد إلى الكثير من الانجازات النهضوية والكثير من المشكلات والكوارث كذلك، وخُتمَّ عربياً بسلسلةٍ من الثوراتِ الديمقراطيةِ المبهرة!

الانتصارُ القوي لليبرالية لا تخطئه عين، والرأسمالية الحكومية الشرقية والرأسمالية الغربية الحرة تتداخلان لتكوين جنين ثالث مجهول عبر أمم قديمة تكّون نفسَها وأمم أخرى تذوب وتتوحد في غيرها.

والأسبابُ غامضة لدى البعض بأن تكون بعض الشعوب العربية قيادية في ثورات ديمقراطية شعبية إنسانية، لأن هذا لم يحدث بهذا الشكل الجماهيري غير المسبوق، وكانت أغلب الثورات عسكرية إنقلابية لم تعمل الشعوب فيها بشكل ديمقراطي سلمي تحويلي، فهناك قفزة حتى على مستوى الثورة الديمقراطية التقليدية وهي الفرنسية.

وهذا يعبرُ عن جذورٍ قديمة للشعوب العربية في الرأسمالية وما فيها من حرياتٍ إقتصادية وثقافية وسياسية سبقت أوربا الغربية، وشكلتْ مع مثيلتها الإغريقية رافدين أساسيين للنهضة الأوربية الحاسمة في تاريخ الحداثة الراهنة.

كذلك فإنها في النهضة الديمقراطية الثانية في بداية القرن التاسع عشر قامتْ بعدة عقود من النمو الديمقراطي الحديث، لكن الأنظمة العسكرية عطفتْ بها نحو التنميات التسريعية المخفقة.

إن نضال القبائل والشعوب العربية من أجل صون وتطوير المال العام كان قد بدأ منذ عهد الخلفاء الراشدين، وساهم فيه خلفاءٌ من الدولتين الأموية والعباسية كعمر بن عبدالعزيز ويزيد الناقص وكان جهاد الفرق الفكرية السياسية من أجل المال العام مشهوداً يملأ صفحات التاريخ، فربما لم توجد تجربة بشرية لها هذا الامتداد في الدفاع عن المال العام.

ومن هنا كانت أكثر سببيات الثورات العربية هي الموقف من القطاعات العامة وبيعها وسرقتها، وأهم برنامج لهذه الثورات هو تطوير هذه القطاعات العامة وجعلها قيادات الاقتصاديات الجديدة المتطورة التي تفجر الثورات الاقتصادية المنتجة.

وتغدو الأشكال السياسية الديمقراطية هي تحريك هذه القطاعات العامة وإطلاق حريات القطاعات الخاصة في خطط مشتركة تحويلية.

ومن هنا فلا توجد خلافات عميقة عدائية بين الاتجاهات السياسية العربية، لكن التركيز على الاختلافات الإيديولوجية والسياسية الذي هو شكل من التنافس على توجيه الحياة السياسية الجديدة والفوز بغنائمها عند البعض، من الممكن أن يضيع الخيوط التي أمسكتها بها الشعوب العربية الراحلة المتاجرة المنتجة عبر التاريخ.

من الأسباب اللامرئية لإنجازات الشعوب العربية إنها كانت تعددية منفتحة على مر العصور، وكادت تمسك قبل أوربا من النهضة المحورية الكونية، المدن الكبرى التي إنشئت فيها على مدى التاريخ كانت تجارية مركزية عالمية.

كانت المشكلة الرئيسية هي سيطرة الدول على الملكية العامة ثم إفسادها بشكل يخلق تدهوراً تاريخياً مدمراً، ولم تعرف دول الشرقية هذه الجدلية بين الملكية العامة والملكة الخاصة.

فليست قضية الأمة في التراث أو في المذاهب أو في الليبرالية، بل في طبيعة المُلكية العامة، وقد إستطاع التطور الديمقراطي الغربي في العصر الحديث أن يحل هذه القضية المزمنة في تاريخ الشرقيين وخاصة لدى المسلمين، ويقدمها لهم وإندفعوا إليها في بداية العصر الحديث عندما نشأت أول ليبرالية لكن خطفت أبصارهم عمليات الثورات المركزية الشمولية وأسسوا فيها أشياء وغدت الملكيات العامة الحديث في وسائل الإنتاج الكبرى والثروات الوطنية هي العمود الفقري للمال العام، والآن حدثت عودة أكثر غنى من الماضي، هي لحظة نفي النفي: نفي لليبرالية المطلقة، ونفي للاشتراكية الشمولية وتركيبٌ منهما، مما يؤدي لتجاوز الخصائص السلبية لكل منهما.

هذا يعتمد على مستوى الإدراك السياسي الاجتماعي للأحزاب والقيادات العربية الطليعية، بحيث تجمع إيجابيات المرحلتين لا سلبيتهما!

فهناك خطر أن تغدو الديمقراطية إنفتاحاً فوضوياً للتجارة الخاصة.

وأن لا يلعب الإنتاج الدور المحوري، وفي هذا لنا تاريخ من البداوة وتضييع قوى العمل وكره الإنتاج اليدوي والاندفاع نحو الأشكال الطفيلية من الاقتصاد.

إن ظهور القوى المؤيدة للملكية الخاصة والقوى المؤيدة للملكية العامة وخططهما في التنموية هو أمر ضروري، والتطور هو الذي يحسم ويعقب في الزمن التداولي بينهما.

 أسبابُ ذبولِ الليبرالية

القطاعاتُ الخاصةُ هي منتجةُ الليبرالية وعلى مدى نصف قرن تدهورت التياراتُ الليبرالية في حين تصاعدتْ التوظيفاتُ الخاصة بأشكال كبيرة، وهو أمرٌ شديدُ التناقضِ لكنه جزءٌ من تخلفِ البنية الرأسمالية ذاتها.

غالباً ما تختنقُ الليبراليةُ مع صعودِ الرأسماليات الحكومية، فتجد القطاعات الخاصة منافذها في أشكال وعي متخلفة، فلماذا؟

الرأسماليات الحكومية تنمو بأشكالٍ مذهبية محافظة تقود إلى تدهور البناء الرأسمالي النهضوي ككل، لأن الوعي الديني قديم ومحافظ وغير محدد المعالم في برامج واقعية، ودينيتها هذه تخفت بسبب العلاقات مع دولٍ متعددة وخاصة الغربية، وسواء كانت دولاً أم شركات. البضائع الغربية تتطلب تحديثاً، وعلاقات، وهذه كلها تتطلب حريات إقتصادية وثقافية موظفة وفي ظل التجارة، لكن الحرية غير متكاملة فأجهزةُ الدول هي التي تقودها.

القطاعات الخاصة تنمو في ظلال الرأسماليات الحكومية، وإذا كانت مستقلةً فهي تمشي قرب الحوائط الحكومية، متقوقعة في الاقتصاد.

تناميها في الفكر والثقافة محدودٌ جداً، فالأجيالُ التي تنشأ في ظل التجارة الراهنة مختلفةٌ عن التجارة العصامية الكبيرة والرائدة في ظل النصف الأول من القرن العشرين، حيث كانت مؤسسة للروابط الثقافية والسياسية وليس أمامها رأسماليات حكومية بل دول أجنبية.

الأجيال الجديدة النامية في ظل التجارة لها قواعد مادية مريحة مسبقاً، ويغدو إجتهادها محدوداً، وهي تجد الرفاهية التي تعوق المغامرة والبحث في سبل جديدة.

المؤسساتُ الخاصة يتجه أغلبها في الرساميل سريعة الربح، والمضمونة، وهي التي تنتشرُ في الاقتصاديات النفطية خاصة، حيث تستفيد من الفوائض الكبيرة، وتعمق السوق الاستهلاكية، وترحلُ الفوائضَ للبلدان القوية الاقتصاد نسبياً.

توجهت المؤسساتُ الخاصة للوعي الديني المحافظ نظراً لكونها تسير تحت مظلة الرأسماليات الحكومية ذات المواد الخام العالية السعر، الدينية، التي لا تعرفُ مسارَها التاريخي السياسي، حيث شعارات القَدرِ الغيبي مصاحبة لسوق غير معروفة التطورات، وفي عوالم رأسماليةٍ متقلقة بسبب سيطرة المراكز الغربية الرأسمالية الشائخة.

والرأسماليات العربية التابعة لا تعرف مغامرات رأسماليات جنوب شرق آسيا الحرة فعلياً، ولا مغامرات الرأسمالية الغربية في بدء صعودها، أو حتى مستواها العربي قبل عقود.

عدم تغيير الاقتصاد الاجتماعي السياسي العربي يتجلى في محدودية الرأسمال الصناعي، وبالتالي يعبر هذا عن عدم البحث عن مواد خام جديدة، وغياب التراكم الواسع، وتضخم الاستهلاك والهدر.

 ولا يرتبط الاقتصاد بالتعليم وخاصة التعليم الجامعي، الذي يُفترض أن يكون قائد البحث العلمي عن المواد الخام والثروات ومعري الاقتصاديات الاستهلاكية في بضائع الانتاج وبضائع الاستهلاك.

ولهذا يغدو التعليم شكلاً آخر للاقتصاد الرأسمالي الحكومي متجمداً في الاستهلاك الشخصي والترفي، والوعي الديني المحافظ الفاقد لاكتشاف العقلانية وآفاق المستقبل، ولمغامرات البحث عن الكنوز الجديدة والاكتشافات العلمية والتصنيع، ومأسوراً في حاضرٍ ينزلقُ للأزمات الاقتصادية بحكم تبعيته وعدم قدراته الانتاجية.

التعليم النظري والثقافة الدينية السائدة ينتجان أجيالاً قَدرية، غير قادرة على خلق ثورات فكرية وإقتصادية، تعيش على الاستهلاك والمواد الثقافية والصناعية المجلوبة من الخارج.

 وهذا الظروف تنفخ في التنظيمات المذهبية التي هي نتاجُ لتدهور الوعي والانتاج وغياب الحريات وتصاعد اللاعقلانية. في هذه الفترة المماثلة عربياً للتطور الغربي قبل قرون كان العالمُ يشهدُ مغامرات الغربيين في البحار وإكتشاف القارات وجلب الذهب من أمريكا وإنفجار الصناعات دون أن يكون لتلك الدول بُنى صناعية.

لكن الأمرَ مختلفٌ مع إختناق الليبراليات والديمقراطية في المنطقة، حيث يجري على العكس رفض المغامرات العلمية والانتاجية والتوجه للفوضى.

إن الرأسماليةَ التابعة للقطاعات الحكومية والمُحّجمة بسببها والبخيلة في عطاءتها للانتاج الوطني وتصعيد حضور الطبقات العاملة الوطنية، تدفعُ الثمنَ غالياً لنشوبِ الفوضى ولتوجهِ الأجيال الجديدة للضياع السياسي والظلامية الطائفية.

غيابُ الجماعاتِ السياسية الفكرية الليبرالية يفقدُ هذه القوى بوصلات تحددُ الأوضاعَ وحراكَها والمستقبل وإمكانياته وكيفية الحفاظ على التطورات السلمية الاقتصادية المتصاعدة.

تضخم القوى المذهبية السياسية هو شكلٌ للضياع الاجتماعي والتخبطِ وعدمُ قراءةٍ لخرائطِ التطور السياسي، وقيادةُ الشعوبِ للمغامراتِ الحربية وتصديع الهياكل الاقتصادية الاجتماعية الوطنية.

إنها تعبيرٌ عن هدرِ رأس المال الوطني، فرأسُ مالٍ تكون بالاحتيالِ والتسلق على ظهور الفقراء والدول ليس مصيره سوى الزوال.

إفلاسُ الليبرالية: فلسفياً

إعتمدت الليبراليةُ فكرياً وهي تتشكلُ في عالم الانتقال من العصر الوسيط إلى العصر الحديث على أسسٍّ فكرية غدت هي الركائز التي تتعمقُ كلما توغلت حاملتُها الاجتماعية: البرجوازية في تشكيل مجتمعها وإزالة المجتمع الإقطاعي.

أهم هذه الأسس الانتقال من مبدأ التفويض الإلهي إلى تأسيس المجتمع المدني حيث لا تفويض إلهياً للسلطات الجديدة، فهي سلطاتٌ دنيوية تستندُ على نصوص بشرية محضة، وعلى فلسفةِ الاجتماع البشري، وعلى مبدأ فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وعلى بشريةِ السياسة وعمليتها.

لم تستطع الليبراليةُ العربية أن تخرجَ من عباءة الدين، وعدم الخروج يكمنُّ في الظروف الاجتماعية الاقتصادية لإصلاحيي العرب في القرن التاسع عشر، حيث كان الإقطاعُ السياسي والإقطاع الديني ملتحمين في كيانٍ واحد، في شكلِ الامبراطورية العثمانية والدولة الفارسية وفي الدول المنفصلة بعد ذلك.

يرتكزُ كل من الإقطاعين على الآخر، فالسياسي هو ديني، والديني هو سياسي، وملاكُ السلطة والأرض الزراعية الكبرى ومُلكية البشر، متداخلون، ويرفعون النصَ الديني لرتبة التقديس الكاملة، وعلى تفسيرهم الخاص، بإستغلال وملكية الناس التي أُعطيت لهم دينياً.

المُلكياتُ لم تنشأ من التجارة والصناعة والزراعة بل من الغزو والقوة، وشراء الأتباع السياسيين ورجال الدين والمثقفين وغيرهم.

لهذا حين ظهر المصلحون الأوائل كانوا من هذه الفئات المحمية في ظل الأنظمة، وكانت الفئاتُ التجاريةُ الجديدة التي طلعتْ من شقوق هذه الأنظمة تتنفس بفضل هذه الحماية، ومن هنا فإن المظلة الإقطاعية الدينية صارت مظلتهم كذلك.

لهذا فإن تأثرهم بالليبرالية الغربية ومبادئها سوف يخضعُ لحراكهم الاجتماعي المحاصر داخل الهيمنة التقليدية. ومن هنا فإن تنحية مبادئ وتصعيد مبادئ منها يعتمدُ على مواقعِهم الطبقية في داخل كلِ مجتمع ونظام.

لهذا كانت العلمانية هي أكثر الأسس الفكرية التحديثية مرفوضةً لديهم، فمبدأ التفويض الإلهي للحكم لم يقتربوا من نقده، وهذه مسألةٌ شائكة، فوعيهم الإسلامي هو الوعي الذي كرسته قوى الإقطاع التي سيطرت على السلطات منذ الخلافة الأموية، أي نتجت من خدمة القوى الكبرى المالكة للسلطات المستغِّلة لعامة المسلمين، وهذه هي البنية الأساسية المركزية لهذه المجتمعات ووعيها الفكري السياسي.

وفيما كانت الطبقاتُ الوسطى الأوربية تنسلخُ عن المُلكية الزراعية الكبيرة وتنشيءُ ملكياتها الصناعية والتجارية وبالتالي تنفصل عن الكنيسة، لم تكن توجد ملكيةٌ إقتصادية كبرى أخرى في العالم الإسلامي تعين هذه الفئات التجارية على الاستقلال وتغدو مظلةً حامية لها.

ومن هنا نجد هذه المراوحةَ بين الإقطاع والرأسمالية لديهم، وطرحهم مبادئ تعددية السلطات وإستقلالها وحرية الفكر، وغيرها، دون القدرة على مناقشة الحق الإلهي لدى السلطات العربية و(الإسلامية) وكيف يمكن لهؤلاء الاستغلاليين الكبار مضيعي ثروات الأمة أن يكونوا متمتعين بالحق الإلهي؟!

وهذا كان يجري في وقت أصبحت فيه الامبراطورية العثمانية وأمثالها عقبة للتطور التاريخي، وحين جاءت التقسيماتُ السياسية والهيمنة الغربية، تم الحفاظ على ذلك الأساس الفكري الاجتماعي، لأن الحكامَ والطبقات السائدة صوروا أنفسهم بإعتبارهم حماة الدين، ولكنهم كانوا يقصدون الحفاظ على شبكة إجتماعية إقتصادية تتيح لهم إستغلال المواطنين بشكل شمولي.

ولم تستطع الفئاتُ الوسطى أن توسع المظلة الاقتصادية الزراعية والصناعية والتجارية لكي تكون قادرةً على الاستقلال وإنتاجِ سلطاتٍ رأسمالية حرة، لأن الكثير من الإقطاعيين الزراعيين، والسياسيين: أي المنتمين للأسر والجماعات الحاكمة، غدوا هم كذلك أصحاب مشروعات رأسمالية، ولهذا كانت أحزابُ الفئات الوسطى ملأى بالملاك الكبار، وغدت أفكارُ إصلاحي القرن التاسع عشر ومن تلاهم هي أساس ما سُمي بالنهضة العربية.

كان من شأن ذلك عدم تجذر المشروع الرأسمالي الحر وعدم إتخاذه فضاءاً سياسياً قوياً مستقلاً، وعلى صعيد تطور الفكر وإستقلال الفلسفة، واجه هنا كذلك ضعفاً شديداً، فالمفكرون الذين طوروا أفكارَ مصلحي القرن التاسع عشر طوروها على صعيد الأدب والثقافة، لا على صعيد الفلسفة بدرجة أساسية. فلم يعالجوا مسألة التفويض الإلهي ويقطعوا العلاقة بها، ويأسسوا مرجعيةً بشرية صرفة. أي لم يطرحوا مسألة فهم الإسلام السائد خلال إنتاج ألف سنة من قبل الطبقات الإقطاعية والمكرّس في الدساتير والقانون، وبضرورة القطع معه.

أن تعبيرهم كان واهياً عن الطبقات الشعبية: البرجوازية والعمال والفلاحين والنساء، وتذبذبهم بين الماضي والحاضر، بين الفهم التقليدي والفهم الجديد، بين الإقطاع والرأسمالية، كان مربكاً للحركة التاريخية الاجتماعية السياسية.

إن عدم فهمهم للتطور العربي الإسلامي ساهم في تلك المراوحة، فلم يكن ما شُرع وهيمنّ سوى وعي القوى العليا الاستغلالية وقد صار سائداً، وبهذا فإن عامة المسلمين حين يُطبق عليهم ذلك يطبقُ ضد مصالحهم الاجتماعية، وقد آن أن يميزوا هذه المصالح، وبهذا فإن العلمانية تغدو لحظةَ الانفصال الضرورية في عالم الحكم والسياسة، دون إزالةٍ للثقافة الإسلامية التي هي جذور الناس، والتي سوف تتخذ تعبيراً ليس عن الطبقات العليا فقط بل عن الطبقات الدنيا ومصالحها المستقلة أيضاً.

التحديثي الليبرالي والدين

تقيم المجتمعاتُ الكتابيةُ تناقضات حادةً بين التطور الحديث والأديان، هناك غرقٌ حارق أوهناك سلبيةٌ مدمرة. فأما عودة للتخلف والهلاك وأما هدمٌ الأديان.

المجتمعاتُ الكتابية التي جعلت كتبَها الدينية نماذجَ لتطورها وعقيدتها وتميزها عن الأمم الأخرى، تعكس مستويات تطور للأمم عبر العصور، نحتتَها من تجارب مريرة وصراعات كبيرة، كرستْ مصالحَها وعلاقاتها الاجتماعية بأشكال معينة، وكلٌ يرى إن طريقه الصحيح والحفاظ عليه هو وجودها الباقي وإيمانها الخالد.

تعكس هذه العقائد مستوياتٌ قديمة وفيها خيوط التطور الدقيقة المرهفة وجوانب من الحياة الأخلاقية العميقة.

وتوجهت النزعاتُ الحديثة الشكلانية لرفض الأديان وسحقها، فهي رثاثٌ العصور ولا بد من التخلي عنها، ويمكن أن تنشأ ثورات لهذا السحق، يبتر الماضي كله كما تقول وكما تلاقت تناقضات العصور وتناقضات البلدان الغربية والشرقية.

ولهذا فإن الكاتب يغلقُ إذاعةَ القرآن حتى لا يسمعهُ أولادهُ الذين يجب أن يبتعدوا عن هذا العالم القديم.

يقول عن كتابٍ تراثي يدرسُ الإسلامَ كان يجب أن لا تُؤلفُ مثل هذا الأعمال.

هناك وهمٌ بأن الدين يزول، وهناك وهم مضاد أن الدين يجب يَسحقُ التطورَ الحديث المتغرب الكافر!

لكن الجانبين يصطرعان ويُحدثان فوضى، وإضطراباتٍ في تطور البلدان الشرقية التي لم تحصل على تطور ديمقراطي وعمق ثقافي كاف، فقامت التوجهاتُ الشمولية في كلا الجانبين بالصراع مع الآخر.

الليبرالي الشكلاني يساير الدولَ الشمولية والمصالح الخاصة ويعتبر الدين تخلفاً خاصة الموجه ضد التوجهات الدينية الرسمية ويساند النزعات الحديثة بدون عمق وبمظاهر سطحية وبمصالح خاصة وقتية.

لا يجذر نزعته الليبرالية للتحد التطورات العميقة للبشرية، أن تكون حفراً متسامحاً وعناية بالزهور الدقيقة الرائعة عبر العصور

الليبرالية المصلحية تقوم على وعي سطحي لا يقوم بدرس التاريخ الديني وتوجهاته وصراعاته، ولماذا ضعفت التوجهات التحديثية القديمة، وكيفية مواصلة التيارات عبر التاريخ ونقد الاشكال التغريبية المعاصرة التي لا تجمع بين الماضي والحاضر.

في الصراع بين لينين وتولستوي يظهر طابعُ التحديثي الإلغائي الذي يرى مسيحيةَ تولستوي زائلة ومضرة للتطور، مثلما يرى تولستوي طفوليةَ (الشيوعية) دون عداء قتالي.

لم تأخذ أفكارُ لينين الديانةَ المسيحية بقراءة مركبة، وظهرت له فقط كتقاليد إقطاعية مسيطرة رثة يجب أن تزول كلها. وإذا كان هذا هو الشكل الرسمي الذي سيطر على التطور التاريخي السياسي من قبل القوى العليا فإن حياة المسيحيين كلها ليست مدموغة بهذا الطابع الوحيد.

وفيما صارعت (الشيوعية) التخلفَ الاقتصادي والاجتماعي وعبرتْ لمستويات متقدمة، لم تستطع أن تزيل المسيحية، بل تدهور هذا الشكل السياسي الصارم نفسه.

وروايات تولستوي لم تزل مقرؤة ومحبوبة ومُثُل التعاون والحب بين البشر ورفع الظلم عن الفلاح كانت قضاياه الرئيسية مصوراً فيها نضالات الفلاحين المعاصرين في ظروفهم الرهيبة. لم يستطع توالستوي أن يظهر الموجيك لأول مرة فقط بل كفاح البشر العاملين.

ولهذا لم يستطع ماوتسي تونغ أن يحتضن الدلاي لاما، وغدا الصراع العنيف بين القومية الصينية وأهل التبت يظهر كصراع بين الحداثة والتخلف.

وهذا ما رفضه غاندي عبر إحترام كافة التيارات الدينية والقديمة وتعايشها، مما لم يسبب كوارث وحروب رهيبة عبر العقود بين تلك التوجهات المتضادة الحادة.

رغمم أن إنه لم ينتم للطبقات الشعبية بل صعّد طبقةً عامة ظلت تهيمن على الهند من موقع متمايز لكنها بقيت في هذه الهيمنة متيحة للقوى الأخرى المشاركة.

هذا نوع من التحديثي الليبرالي الوطني ذي البعد الواسع تغلب على ممثلي القوى الشعبية على المسرح السياسي.

الليبراليةُ فرديةٌ جامحة

مع تدهور الوضع الديمقراطي وصعود المذهبيين السياسيين المتفتتين للأمةِ وللشعوب رأينا الليبراليةَ وهي تذوي وتغدو مطامحَ شخصية.

كانت التياراتُ الليبراليةُ في بدئِها واعدة، تغلغلتْ خاصة بين التجار وأعلتْ شعارات التوحد، وكان التوحدُ عظيماً، (أمة واحدة من المحيط للخليج)، وكذلك شعار إستعادة فكرة (الرسالة) التي لها ظلال إسلامية إمبراطورية، لكن هذه الرسالة السابحة في التجريد والتعميم لم تُحللْ الرسائلَ العربية القديمة، وأشكالَ التوحدِ التي ظهرتْ بالعنف، والأنظمةَ الإمبراطورية التي قادتها وتحكت بها طبقاتٌ صغيرةٌ في المراكز السياسية.

الليبرالية العربية الراكضة نحو السلطة ونحو العسكرية ونحو حكم القوة لم تأخذ وقتاً طويلاً في نشر الحريات الاقتصادية والاجتماعية والشخصية، ولم تفكك القبائلَ المحافظةَ التي أستولتْ على المدن وجعلتها بدويةً، ولم تمدن العلاقات الأبوية وتقارب بين الرجال والنساء، ولم تقدر على نشر الحريات الثقافية والفكرية وحصار الأمية والقضاء عليها، لم تقوي حضور المكتبات والتأليف والفنون بشكل مستمر.

وجرت نحو مراكز القوة،  ونحو السلطات، والتنظيمات السياسية الصغيرة المكونة من أناس متعجلين، وهذه الثقافة السياسية كانت أرضية مناسبة للمغامرات الخطرة.

الانتهازيةُ هنا متغلغلة، والأفرادُ يبحثون عن مصالحهم القريبة، والعائلاتُ التجاريةُ الكبيرة ترغبُ في التداخل مع الأجهزة الحكومية وتحصل على مراكز تأثير وفوائد.

وثمة شبابٌ طامحون فيها تعلموا تعليماً عالياً وفي بحر من الأمية والجهل الشعبي الواسع، نظروا لأنفسهم بأشكال متضخمة، ورأوا معرفتهم التي حصلوا عليها قوةً هائلة وسط التخلف، فاستفادوا من التناقض بين العلم النخبوي والجهل الواسع، وهذه الاستفادة قادت لبعض اتغييرات في بلدان جائعة للمشروعات والتطور ولكن على أسسٍ غير ديمقراطية.

العودة للإسلام أو التوجه للغرب، شعاران لهذه النخب الليبرالية الصغيرة الأولى يُؤخذان بأشكال تسطيحية، فهما شعاران يعبران عن عدم فهم التاريخ الإنساني، وعدم أخذ التشكيلات والحقب التي مرتْ بها الأمم، فالعودةُ إلى الإسلام هي شعارٌ خيالي وغير ممكن، لأن المقصود بذلك هو الحقبة النضالية النهضوية الديمقراطية البسيطة التي ظهرتْ في التأسيس، وهي حقبةٌ فريدةٌ لها خصائصها الإستثنائية ولها محدوديتها، من حيث عدم ظهور طبقة وسطى ذات جذور عميقة في الصناعة، وذات علاقات إنتاجية ديمقراطية بالعاملين، ولهذا فإنها أعتمدت على الغزو والفتوح وهي ظاهرة كانت ضرورية لفترة تأسيسية تحررية مؤقتة وليس أن تكون أبدية، فالقت الحروب بنتائج سلبية وخيمة على القبائل جنين الأمة العربية والأمم الإسلامية وقتذاك، فجعتلها تعيشُ على القوةِ والجيوش وأضعفت الإنتاج المتطور على مدى الحقب التالية، وتكرس الصدامات العميقة بين الأمم الإسلامية وبينها وبين بقية البشرية.

الفئاتُ الوسطى الصغيرة القديمة المحدودة منتجة النهضة وقتذاك لم تحول ليبراليتَها وعقلانيتَها الصغيرةَ لرؤى تحليلية ناقدة واسعة، فتصنع مشروع نهضة متجذر.

في حين أن الفئات الوسطى الصغيرة المعاصرة في بدء النهضة العربية تستعيدُ شعارات غير مدروسة وغير محللة، فتأخذُ الجاهزَ وتتجه للعنف والقوة والجيوش تكرر ما فعلهُ الأسلافُ في زمن مختلف.

إن فكرة العودة للماضي ضرورية كتحليلٍ وكنظرة فاحصة مكتنزة بقراءة التاريخ وبأدواتٍ منهجية عصرية، وعبرَ رؤية كيفية النهضة السابقة ومحدوديتها وأخطائها، وتجاوزها في النضال الحديث.

 كذلك فإن نظرات الاندماج بالغرب كانت هي الأخرى تعاني من ذات التسطيح والاستيراد الشكلي،

والنظرتان خلقتا رافدين حادين التقيا في الانقلابات الفوقية التي لم تشكل أسس تغيير عميقة، وجلبت مشكلات كبيرة، بخلاف التطور التدريجي المفترض الذي يراكم بعمق وبصبر المميزات الايجابية.

وهذا كله أدى لتآكل اللليبرالية والديمقراطية المستندتان على جذور تاريخية عميقة وعلى قراءة وإستفادة من الغرب، ومن هنا وجد بقايا الليبراليين والديمقراطيين أنفسهم في موجات غير تحديثية كبيرة ومضطربة بين عودة شديدة للوراء وبين قفزات مغامرة للحداثة.

غدا الليبراليين والديمقراطيين أفراداً فقدوا الركائز الاجتماعية الواسعة وهذا سهل للقوى الحكومية الشمولية والمذهبيات السياسية أن تطويهم تحت أجنحتها في عوالم تقليدية.

وهذا أثر حتى على الأحزاب ذات التواريخ النهضوية والديمقراطية واليسارية التي غدت زعاماتها فردية، تتأثر بالموجات الكبيرة في الحياة السياسية.

وحينئذٍ تغدو الليبرالية فرديةً جامحة تعزلُ الشعارات عن جذورها وعن اللوحة العامة للصراع وتركز على خيوط صغيرة مفصولة، مما يقود للمزيد من الذوبان لهذه الأفكار، وإعلاء المصالح الخاصة وإستغلال الصراعات للفوز بالغنائم المالية وبالمقاعد والنفوذ.

وهي كأفراد ذوي إهتمام بمصالحهم لا تستطيع أن تجابه عبر هذا التاريخ القوى الشموليةَ العنيفةَ التي راحتْ تستعيدُ عبر هذا التآكل للقيم الديقراطية السلمية، نفس قيم القبلية المسلحة ومذهبيات الفرق الناجية الوحيدة وعقليات الغزو والبطش بشعاراتٍ جديدة، لكونها لم تواصل الحفر الديمقراطي التاريخي عبر عقود وتحوله لسياسات أهلية وحكومية عميقة ومتأصلة في الشعوب والحكومات.

ولا بد من البدء من جديد وتجميع الخيوط وتوسيع القوى المؤيدة لهذه الأفكار الليبرالية والديمقراطية وتحويلها لحراك إجتماعي سياسي يوقف التدهور ويحيله لتقدم جديد.

الليبراليةُ والصعابُ السياسية

دفعتْ الأنظمةُ القوى الليبراليةَ واليسارية إلى أحضان المذهبيين المحافظين.

فعبر تحجيمهم وإلغاء منابرهم قادتهم للتوحد مع الجنون السياسي.

ليس المذهبيين السياسيين سوى جنون إجتماعي، حيث تؤدي الإضطراباتُ الاقتصاديةُ والاجتماعية إلى فقدانِ الناس لأعصابهم السياسية وإتزانهم، وتدفعُهم المشكلاتُ وضياعُ الفائض الاقتصادي إلى أن يسيروا حسب غرائزهم ومصالحهم اليومية المحدودة بتشنج.

وهكذا فإن الأنظمة في إدارتها الحادة كانت تقود لخطوات معاكسة لما تريده.

الميراث القديم المحافظ متعدد وفوضوي الوجود ومتعدد الإبعاد، يمكن أن يستغلهُ إرهابي عالمي وصبي، وحين يتوسع الجنون الاقتصادي الاجتماعي يفقد العقلاء عقولهم.

والأكثر خطأً حين تستعين الأنظمةُ والقوى الغربية بفصائل من المضطربين والضائعين، بحيث تصبح الاضطرابات قارية واسعة النطاق.

على مدى العقود الماضية رأينا هذه السياسات، وكيف حُوصرتْ المنطقةُ ببلدانٍ نازفةٍ من حروبها الطائفية السياسية.

كان السير في الخط الليبرالي الديمقراطي أصعب عليهم، وكان يتطلب سماع الانتقادات وقوة البرلمانات وتجذر الصحافة الحرة والحداثة ذات المصروفات العالية في التعليم بدلاً من تعليم الحفظ والعصا، وتوجيه الدخول نحو وزارات الخدمات، لكن التوجه للمحافظة السياسية لا يكلفُ سوى ترك الأوضاع القديمة تبتلعُ الأزهارَ التحديثية الصغيرة النابتة بصعوباتٍ من بين الصخور الاجتماعية.

الآن تتعاظم أخطارُ هذه السياسات وتتوسع، وينضم ضحايا جدد من البلدان والشباب للغات البسيطة الحادة في فهم السياسة، ولا يجدون برامج تحول حقيقية.

أصحابُ المصالحِ لا يرون سوى أعمالهم الخاصة، وداوئرَهم الضيقة، فتملتئ الشوارع بالعمال الهاربين، والقادمين من شتى البلدان يساهمون في إقتصاديات ليست حرة بل فوضوية، فثمة فروقٌ بين إقتصادياتٍ تؤسسها الخططُ الوطنية والرقابات البرلمانية والصحافة الديمقراطية وبين إقتصادياتِ الأقسام المنفصلة عن بعضها البعض، والمتصادمة بين فيضٍ مجلوبٍ وغير مراقب وصادم للانكماش التوظيفي الوطني، إضافةً لمحدودية الطرق والخدمات العلاجية والتعليمية وتنامي الايجارات وتباطؤ النمو الاقتصادي.

الليبراليةُ تصيرُ حريات إقتصادية تؤسسها دولٌ لديها ملكيات عامة ضخمة وحرة في الاستيراد والتصدير وليس في التوزيع الأهلي، وتنكمشُ ليبراليتها مع مراقبة المال العام وتغيير طابع الملكيات العامة البيروقراطية، وتغدو الليبراليةُ مصالحَ خاصة لا تقبل المساهمة في تطوير القوى السكانية المنتجة وأوضاعها المادية والثقافية.

فتصير البلدانُ حصالاتٍ تضيقُ فيها المشروعات العامة وتتسعُ المشروعاتُ الخاصةُ العلنية والباطنية.

الرأسمالية العامة الهائلة النفوذ والرأسمالية الخاصة المُحاصَرة لا تكونان بنيةً منسجمةً متكاملة، وهذا يتكشفُ في ذروة المرحلة الراهنة التي تعانيها الدول ذات رأسمالية الدولة التي تجاوزت الخمسين عاماً.

رأسمالياتُ الدول الثنائية المتناقضة تغدو متأزمة، وثقافةُ الاحتكار والنفوذ الطويل لا تنتجُ ليبراليةً، في حين أن الرأسمالية الخاصة المحاصرة لا تستطيع أن تغامر في السياسة وفي إنتاج ثقافة ليبرالية تنويرية ناقدة للمشكلات تعرضُ نفسَها للمساءلات.

تكسب السوقَ الكاسدةَ من القيم الليبرالية ومن الديمقراطية الفئاتُ البرجوازيةُ الصغيرة التي لا تملك رساميلاً، وتتاجرُ برأسمالها الإيديولوجي وهي تتطرفُ بشعاراتها وتزايد حتى تظهر بقوة للمتضرريين من الرأسمالية الحكومية ومن عجز تطورها عن تغيير السوق وتطوير البنية الاجتماعية التي تغدو مشوهةً ومتضررةً في جوانب عدة ومتضخمة في جوانب أخرى عمرانية غالباً.

 إن خوفَ الرأسمالية الخاصة من المغامرة برساميلها في إنعاش حال الفقراء والمساهمة في التغيير بفكرها وفعلها يمنعُ تحولَ الليبرالية الاقتصادية إلى ليبرالية الثقافة والسياسة.

هنا تستفيد الفئاتُ البرجوازية الصغيرة مدحاً أو ذماً، مبالغة ونفخاً وإثارة، ورقصاً على الحبال، أو إنتاجاً فكرياً عميقاً صعب الحفر وصعب الانتشار والتأثير.

الجسمان الأساسيان لليبرالية وهم القطاع العام والقطاع الخاص لم يكونا شبكةً موحّدة، وبنيةً متداخلةً ذاتَ قوانينِ سوقٍ واحدة، تلعب فيها البرلماناتُ دورَ المايسترو الذي يشكل إقتصاداً وطنياً، فتجمعُ البناءَ الاقتصادي والبناء السياسي في خط الحرية والخدمات الوطنية.

من يفعل هذا التوحيد غالباً هو الجمهور العادي الذي يتضرر من التشكيلة الرأسمالية عامةً ويتضررُ بشكلٍ أشد من عدم تكونها المنسجم، وإندماج قسميها المتناقضين، وتوحد قوانين الأسعار والأجور.

ولهذا يغدو الفعلُ السياسي المذهبي جنوناً حين لا يتكشف البنية، ويصيرُ وعياً ديمقراطياً عبر إنسحابه من المذهبية السياسية التي هي نتاجُ إضطراب البنية وعدم توحدها، ويغدو أفعالاً معبرة عن مختلف المجموعات الاجتماعية ذات المصالح المشتركة.

الليبراليةُ والماركسية

تتناقضُ الليبراليةُ والماركسيةُ تناقضاً نسبياً وليس مطلقاً، مثل قطبي المغناطيس، فهم تزولان معاً كذلك.

مثل طبقتي الإنتاج الرأسماليين والعمال، تتعاونان وتتصارعان وحين يحدث زوالهما تزولان معاً، يصير الناسُ عاملين والإنتاج لهم.

حين يحدث الإلغاء من قبل أحدهما للآخر يتشوهُ كلٌ منهما، فتلغي الليبراليةُ الماركسيةَ عبر القمع ومصادرة الحريات، فتغدو الليبرالية فاسدةً بيروقراطية وتتحلل من الحرية.

وتلغي الماركسيةُ الليبراليةَ حيث تنشئُ رأسماليةَ دولةٍ شمولية فتفتقدُ الحريةَ وتتعفنُ الماركسية.

مثقفون وسياسيون وأرباب عمل أفراد ليبراليون يلغون الماركسيةَ لكن لا يستطيعون، ومثقفون وسياسيون وأرباب عمل حكوميين ماركسيين يلغون الليبراليةَ فلا يستطيعون.

الماركسية والليبرالية تتصارعان وتنفيان بعضهما ولكن في أنظمةٍ غيرِ حرة، إستثنائيةٍ يتصاعدُ فيها الإرهابُ أو القمع، مما يؤدي لصعود قوى أخرى ما قبل الحداثة.

في توسع الحداثة من الغرب للشرق، نحو العالمية تتوسع النظرتان وتتغلغلان في كل مكان وتغيران أساليب الانتاج الحِرفية والمتخلفة والصناعات الملوثة وغير التقنية المتطورة، وكل التيارات ما قبل الحداثة تنصهر فيهما.

عبر القرون يتبدلُ نسيجُ البشرية، وتتفجر مشكلات التحديث التي يُقضى عليها بمزيدٍ من التحديث والعقلانية السياسية والديمقراطية وإنتشار الكشوف العلمية.

الليبرالية المشوهة والماركسية المشوهة نتاجا أنظمةٍ لم يتطور أسلوبُ الإنتاج الحديثِ فيها، تفرضُ أدواتُ التسلطِ الشرقية أو الغربية نفسها فتعرقل التطور، يغدو تداول السلع وتداول السلطة معرقلين بأسباب سياسية متخلفة. يتلكأ تطور قوى الانتاج المادية وقوى الانتاج البشرية.

البشريةُ تغدو منتجين، أو مالكين، وتتعمم التطورات الاقتصادية والتقنية والفكرية والأخلاقية حتى تصير أفقر البلدان منتجة تحديثية، وتصير الكرة الأرضية سوقاً واحدة.

حين تظهر أنظمةٌ تعادي هاتين الفكرتين تكونُ أنظمةَ ما قبل الديمقراطية، تتفجرُ بتناقضاتٍ تهدمها. لا يستطيع أي نظام أن يبقى في ما قبل هذه الثنائية. الذي يبقى يجرفه الأعصارُ التحديثي الصناعي الغامر.

الأسلوب الرأسمالي في عالميته يصلُ لقمة مداه، تصبح كلُ الشعوب منتجةَ السلع التي تفيضُ ويختنقُ الأسلوبُ بشكل تدريجي.

وأي هيمنة من قبل الفكرتين الليبرالية أو الماركسية تغدو تحسينات وإصلاحات، وليس هيمنةً أبدية، فالانطفاءُ تدريجي في الأسلوب الرأسمالي، لهذا فإن دكتاتوريات أي من هاتين الفكرتين هي حرب أهلية وجمود تقني وتوقف عن تطوير قوى الانتاج لكن قوى الانتاج لا تعرف الوقوف.

الليبرالية التي تتعرقل بالشمولية تنقدها وتغيرها الماركسية، والماركسية المتخلفة عن فهم الثورة العالمية الديمقراطية تجرفها الليبرالية.

والشعوبُ المتأخرةُ في الوصول لهذه الثنائية الصراعية الجدلية التعاونية عليها أن تحافظ عليها وعلى تطورها في الاقتصاد والحياة الاجتماعية، لكي تصبح منتجة سلع متطورة.

إلغاء الفكرتين أو أي منهما هي عودة للوراء، لصراع ما قبل الرأسمالية وما قبل الحداثة.

كلٌ من أرباب العمل والعمال مساهمٌ رئيسي في الإنتاج، وكلٌ يلغي الآخر، لكن التطور الحقيقي يعتمد عليهما معاً.

الاستغلالُ مرتبطٌ بتخلف قوى الانتاج والمنتجون القوة الكبيرة فيه، وقوى الإنتاج مرتبطة بالعلوم والتقنيات السابقة والتطور الاقتصادي، ولهذا فإن زوال الاستغلال يتعلق بتطور المنتجين وتحولهم لقوى عاملة علمية متطورة، وهذه قضية تحتاج للكثير من الزمن والتطورات الاجتماعية والاقتصادية.

كما أن الاستغلال مرتبط بالمالكين ونظراتهم ومدى ضخامة ذواتهم وأنانيتهم، وهم يتطورون كذلك لأن الأنانية تذبل، ومشكلاتها تعصفُ بالانتاج، وتسبب الكساد والثورات الاجتماعية والفوضى، ويخفف منها الرقي الثقافي والتطور الأخلاقي، وتصاعدُ دورِ المنتجين في الحكم والحياة الاجتماعية والعلوم، لكن الاستغلال لا يزول إلا مع أسلوب إنتاج جديد ليس فيه عمال أو أرباب عمل.

ينطفئُ هذا الأسلوب مع إختناق التصدير والأسواق، فلا يعود هذا الأسلوب قادراً على البقاء في قادم العقود والقرون فيتحول الناسُ إلى عاملين ومالكين معاً. يتحولون إلى أحرار وذوي نظرة موضوعية، ولا يتصارعون بشكلٍ تناحري، ويكون صراعُهم الأكبر مع الطبيعة ومشكلاتها.

تنطفئُ الليبراليةُ والماركسيةُ معاً، ويتم تجاوزهما معاً مع إنطفاء هذا الأسلوب الصراعي التناحري.

حين تزول الطبقات يزول الوعي الطبقي.

الليبراليون والطائفيون

الليبراليون يعبرون عن الطبقة الوسطى في كمونها كفئاتٍ وتطورها كقوةٍ إجتماعيةٍ سياسية وطنية.

الطائفيون يعبرون عن طوائف، عن المادةِ الخام للدين بما أُنتجَ تعبيراً عن فئاتٍ وسطى قديمة تحللَ وجودُها وهيمن عليها الإقطاع.

الطائفيةُ كحالةٍ إجتماعية هي تسييسٌ لهذه المادةِ الخام ضد التطور التوحيدي لديانةٍ ما.

فهي الإبقاءُ على التفتت، والصراعاتُ الدينيةُ المعتمدةُ على إرث يُفسرُ بأشكال تعصبيةٍ مغلقة تقودُ لتحللِ الأمم والشعوب.

إن العناصرَ الديمقراطية في الدين لم تتطورْ لأسبابٍ تعودُ لتوجهِ أموالِ الخراجِ العامة للبذخ، ولم تستطعْ الحِرفُ أن تعوضَ عن ذلك، وتمد العلومَ بتطورٍ واسع عميق.

لهذا حدث تفسخٌ للإمم الإسلامية، فتمزقت، وتفتت، وسيطرت عليها القبائلُ الصحراوية وقوى التعصب الديني والأفكار السحرية، وتقوت الطوائف بأشكال متحجرة.

الليبرالية في الماضي الإسلامي لم تتطور كثيراً، وأفكارُها حول الدين والحريات وتوحد الأمم الإسلامية لم يتعمق، وجثمتْ الطوائفُ بموادها الفكرية الخام، وبتكريسها للنصوص بأشكال سطحية.

الآن ثمة آفاق كبيرة لليبرالية لكن الوجود الاجتماعي الخام هو للطوائف التي تشدُّ الناسَ للماضي وتكريس نفس الشعارات والعقليات القديمة.

مصدرا القوة المادية يحددان مدى تطور الاتجاهين وتداخلهما مع الديمقراطية العصرية، فمن يملكُ الشركات والبنوكَ ومصادرَ العيش هو الذي يوجهُ التطورَ لسياقهِ الخاص، وهو يتطور معه من أشكال دنيا لأشكال عليا.

كذلك فإن تفسيرات الدين التقليدية التي تعيش في الأجهزة الحكومية وفي المنظمات السياسية والاجتماعية والمتداخلة مع تملك الموارد العامة والخاصة تلعبُ الدورَ الآخر المكرس للطائفيات المختلفة المتصارعة.

مدى قوة البيروقراطيات الحاكمة المتغلغلة في القطاعات العامة تعرقلُ تطورَ الليبرالية، التي تكشف عن عدم توجه (الخراج) المعاصر وهو القيم الفائضة إلى إعادة الانتاج الوطني الموسع وتطوير حال الشغيلة الجانبان المترابطان مع الثورة الصناعية والتقنية العالمية.

تطورت الليبرالية في العصر العباسي بمحدودية من خلال التجارة والحِرف والصناعات البسيطة، وكان جزءٌ يسيرٌ من الخراج يدعمها ومتعلق أغلبه بسوق الدولة والقصور وإصلاحات الري فيما كان أكبر الدخل الاقتصادي يذهب للبذخ.

والآن تنامت الليبرالية من التجارة فكان تناميها ضعيفاً، لأن الاقتصادَ ما زالَ في يد الدول، فكانت الليبراليةُ السياسيةُ شعاريةً ونظرات جزئية للتحرر، وجاءت سيطرة القطاعات العامة لتزيل ذلك فيما سمي بالمرحلة الاشتراكية أو رأسماليات الدول الشمولية المختلفة، ثم عادت التجارة شبه الحرة وتنامت الصناعاتُ الخاصة في السنوات الأخيرة، مما أدى إلى تطورِ الليبرالية وتداخلها مع المذهبيات السياسية المختلفة.

التداخل بين الاتجاهين يعبرُ عن إستمرارية سيطرة القطاعات العامة بيد القوى البيروقراطية التي تستنزفُ الثروات، وما الثورات العربية سوى تعبير عن تجاوز ذلك فيما تريدهُ الجماهيرُ الشعبية التي خاضتْ تلك المعارك العظيمة، لكن ما تريدهُ الأحزابُ والبيروقراطيات هو أمرٌ سيظهر في التطبيقات العملية.

تطور الاتجاهات السياسية باتجاه الحداثة والديمقراطية والعلمنة والتعبير الحق عن المسلمين والمواطنين، هو الذي سوف يوسعُ السيطرة الشعبية على الأموال العامة لأن تلك الأسس أساس توحيد الشعوب، فيتم توجهيها نحو الصناعات والعلوم والزراعة، أما تفتت القوى السياسية خاصة المذهبية والليبرالية  فسوف يؤدي إلى تجاهل حقوق الجمهور الشعبي الذي ضحى وأوصّل هذه القوى لسدات الحكم، وهو تفتيت للحريات وعدم رقابة عميقة على الأجهزة، وإبقاء ركائز الإقطاع في العائلة والريف والثقافة، وهو يضر بمكونات الوعي من ليبرالية ومذهبية سياسية ولا يوجهما نحو التعبير عن الطبقات، بل يوجهما نحو التعبير عن المناطق والقبائل والطوائف، فلا يحدثُ مركزيةً للسلطات الديمقراطية المنتخبة ويغيب التحكم الوطني الشعبي في الموارد نحو إعادة تغيير كل خريطة إقتصادية وطنية لصالح مختلف الطبقات.

فتظل هناك قوى توجه الموارد أو بعضها نحو رفاه الأقسام البيروقراطية والحاكمة أو نحو حروب جديدة، فحتى الدول الغربية المتطورة في الديمقراطية تعيش أزمات البذخ عبر أزمات شراء المساكن، ولهذا فإن الليبرالية والطائفية المختلفتين والجزئيتين تعبران عن عدم إكتمال نماذج الطبقات الوسطى في كل بلد عربي، وعدم تطور أقسامها الداخلية من تجار وعلماء ومثقفين وصناعيين للوحدة السياسية الحديثة الديمقراطية، وعدم إزاحة التناقض بين الماضي والحاضر، بين الدين والحرية، بين الإسلام والعلمانية، بين الشرق والغرب.

لأنهما تقومان على مرحلةِ ما قبل التصنيع الخاص والعام الواسعين الديمقراطيين، وبقاء أقسام كبيرة من الجماهير فيما كان يقيمُ فيه أجدادُهم من زراعةٍ بسيطة وحِرفٍ والعيش في ظلِ الدولِ الأسواقِ المهيمنة، بدلاً من الأسواق الحرة والشركات الخاصة العملاقة، وإنتشار إكتشافاتهم وتفجيرهم للثروات.

الليبرالية والإسلام السياسي

في مخاض تحول الرأسماليات الشرقية تقع في تناقض بين القيود والحريات.

رأسماليات الدول المسيطرة تخلق قيوداً أساسية حول الثروة الرئيسية وحول الحريات والثقافة، باعتبار الدين أحد الأشكال الرئيسية للثقافة.

كما أن الرأسماليات الخاصة رأسمالياتُ نتاجِ الدول ونتاجات العائلات التجارية التي أتاحت لها التجارة قديماً إمكانيات اقتصادية قبل ظهور الدول الرأسمالية الحكومية بهيمنتها الشاملة.

وهي لهذا تعيش على ليبرالية محدودة تتركز على التجارة وحرية الأموال.

 لا يمكن لليبرالية أن تزدهرَ إلا بازدهار الملكيات الخاصة لوسائل الإنتاج الكبيرة، وهذه غير ممكنة حالياً، ويمكن أن تصيرَ في المستقبل، ولهذا فإن الليبرالية الكاملة غيرَ ممكنةٍ، وتجري في مخاض تطور المجتمعات الشرقية لتثوير وسائل الإنتاج ولجلعها في المستويات العالمية، وهي بحاجة لتثوير العلاقات الاجتماعية، ولتجعل النساء والرجال يعملون بازدهارٍ كامل، كما هي بحاجة لأن تزدهر معارفهم لتكون بمستوى علوم العصر وتقنياته.

ولهذا فإن الرأسماليات الحكومية التي تحجزُ تطورَ قوى الإنتاج في أشكالٍ بيروقراطيةٍ مُعرِقلة، منتجةٍ ومهلكةٍ للثروة في آن، تساندُ علاقات إجتماعية كبيرة ولا تريدها أن تنمو وأن تتحرر، كالأنماط القبلية والمذهبية والأبوية، وتحجم كذلك الحريات الفكرية والاجتماعية.

وأي تطورٍ تريدهُ هو في ملائمةٍ مع الأشكال الاقتصادية العامة، لكن الحياة الاقتصادية تتطور بأشكال خاصة كثيرة، والأزدهار الديمقراطي الغربي والثقافة الليبرالية العالمية تقتحمُ كلَ مكان، مما يؤدي إلى تزحزحِ أشكالِ الجمود والاستبداد الشرقية المختلفة.

وأي جمود عنيف في هذا الصدد يؤدي إلى جنون إجتماعي واضطراب سياسي كبير، فقوى الإنتاج تريد التغيير وأشكال الملكيات الحكومية والبنية الاجتماعية التقليدية، تعرقلان التطور.

ولهذا فإن الأحاديث عن الليبرالية في المجتمعات العربية الإسلامية يتخذ طابع الغموض والعموميات، فلا تـُعرف أحجامُ الحرياتِ المطلوبة وأين، وتتناقض قوى إجتماعية عديدة حولها، تبعاً لمستويات تطور كل منها. فكلُ شيءٍ يدور عبر الغموض والتداخل الاجتماعيين.

وقد كانت دائماً القوى الحكومية معنية بمستوى معين من الحريات الاقتصادية والاجتماعية، بسبب ظروف الدول المضطرة للعلاقات الدولية والتجارة، وحتى في الدول العربية الإسلامية القديمة كانت الدولُ أكثرَ مرونةٍ تجاه العلاقات الاجتماعية فتبيحُ حرياتٍ عديدة في هذا الجانب، وتضيق على الحريات السياسية والفكرية بصورة أشد. لكنها لا أن تسير للحد الأقصى وأن تتبنى الحرية كلية.

في حين كانت الجماعات الدينية أكثر تشدداً تجاه العلاقات الاجتماعية، فهي تعتبرُ الأسرَ العائلية مركز سيطرتها الاجتماعية، وتغدو الأحوال الشخصية وقضايا الفقه المتعلقة بها، حصنها الحصين، وبدونها لا تبقى لها سلطة، وإذا جرى ذلك تتنزع الدولُ كلَ السلطات منها. في حين أنها تجاه الحريات السياسية أقل تشدداً لأن ذلك باتجاه الدول لا باتجاهها!

لكن الاختراق العالمي التحرري هو موجه كثيراً نحو العائلة، فهو الباب السري الذي يجري من خلاله كل إنقلاب سياسي، والتي تغدو حرية الأفراد فيها هو جوهرها الحقيقي، باعتبار هذه الحرية تطوراً رأسمالياً، مفككاً للقبيلة وللمذهبية والوطنية الجامدة والحزبية المغلقة، وإذا كان إنتاج ذلك  غربياً معتمداً على إنتاج متطور، فهو في الشرق يغدو أحياناً أقرب للتحلل والضياع الفردي لكونه لا يرتكز على إنتاجية أفراد بل على إستيراد فوقي وإستهلاك.

  لقد ظهر كلٌ من الليبرالية والإسلام السياسي كقشرتين على جلد المجتمع، في لحظة ظهرت العائلة والدولة والكيانات الحديثة، المُوجَّهة للتطور من قِبل الغرب، وأية ظاهرة سطحية وليدة لا بد أن تكون مليئة بالشعارات العامة، وخالية من الدرس، وذات حماس، وكانت إحداها تريد الحرية والأخرى تريد الماضي، الأولى تريدُ العصرَ والأخرى تريدُ التراث، إحداها قادمة مع البضاعة الغربية والثانية نتاج الأدوات السياسية القديمة التي هيمنتْ على المسلمين دون أن تـُحدثهم.

أي أنهما تشكلتا كنقيضين، لا يُدركان بأن ثمة وحدة بينهما، وهي وحدة لا يصنعُها سوى التطور غير المرئي لهما.

 ومن خلال التضاد المجرد الحاد بين ما يُسمى بـ(الليبرالية) و(الإسلام السياسي)، سنجدُ أنفسنا بين حداثيين معادين لتاريخ المنطقة وتراثها، وبين حركاتٍ سياسيةٍ تتلبسُ الإسلامَ لتعارض الحداثة! وهما بناءان هشان قابلان للاستغلال من قبل القوى العالمية والمحلية المتنفذة.

في بداية ما سُمي بالعصر النهضوي الحديث كانت رافعة السيطرة الغربية مهمة لليبرالية، لكي تركضَ في ساحة الشرق، ثم كان صعودُ (الاشتراكية) فرملة وطنية شرقية لهذه الليبرالية التي أُعيدتْ للقعر، فكان أن صُعَّد (الإسلامُ السياسي) كعدوٍ للاشتراكية، فقد كانوا بحاجة لنقيض، وليس لقريب. ثم وجدوا إنه من الضرورة أن تصعد الليبرالية بعد أن تعملقَ الإسلامُ السياسي وأصبح مضراً للجميع!

إن العلاقات المعقدة بين ماهو وطني وقومي، وما هو إنساني، بين تكريس حرية الأفراد داخل الإنتاج والثقافة، لا تتحقق لدى كل التيارات.

ومن هنا فإن الليبرالية التي تريد حريات يجب أن تقوم بقراءاتها ودرسها، سواء في المجتمع الذي تعمل من أجل تغييره، أم داخل الماضي والتراث، الذي يحكمها ولا تستطيع أن تتجاهله.

والحريات التي تدعو لها يجب أن لا تكتفي بالحريات الثقافية والاجتماعية، بدون الحريات الاقتصادية والسياسية، فبدون شبكة الحريات تغدو مختلة، وهذا أيضاً يبعثر فئاتها الوسطى في الاقتصاد والثقافة والحياة الاجتماعية بعضها البعض، وهي كلها قوى واحدة تصارع بعضها بعضاً لأسباب فكرية.

وإشكالية الجماعات المذهبية السياسية (التي تـُسمى لدى الليبرالية الإسلام السياسي)، ليس فقط في الصراع مع الحريات الاجتماعية خاصة عند النساء وتجاه الثقافة الحديثة ونشر العقلانية، بل هو في تكونها بشكلٍ غيرِ إسلامي عام وطني، أي إنها تكونت كجماعاتٍ مذهبية سياسية مرتبطة بالسلطات في البلدان الإسلامية، فهي نتاج الدول، وما هو نتاج الدول تقل معرفته بفهم الحرية! فهي تشكلت لدى الحكومات التقليدية في المنطقة، سواء في إيران أو السعودية أو مصر وغيرها، وتشكلت في زمن الانقسام الوطني في كل بلد، وهي تحملُ الانقسامات لبلدان أخرى كذلك، وقد كانت دائماً ناتجة من هذه الإدارات الحكومية.

فهي دائماً موالية لدول، ولم تستطع أن تكون معارضة إسلامية مجردة، لمصالح المسلمين الكلية، تنقدُ الخطأ أينما يكون، فهي دائماً تابعة لدولة. لسانها طويلٌ في جهةٍ ومقطوع في جهة أخرى. والتابعُ لا يصيرُ معارضاً بل يغدو دائماً متهماً بالتبعية للغير. وإذا بزتهم القاعدة على إجرامها فلأنها غدت (ذات لسان لا يقطعهُ أحد).

 أي أنها تجد نفسها دائماً محل تفكيك لصفوف المسلمين والمواطنين عامة وليس لتشكيل وحدة بينهم. وسواءً على مستوى القومية والوطنية أم على مستوى الجنس (ذكوراً وإناثاً) أو على مستوى الثقافة: (قِدمٌ فيه الإيمان وحداثة فيها الكفر!).

ومن خلال حركات سياسية كهذه تتفكك الشعوب وتتفتت حركاتُ التغيير.

  هناك تعميمٌ صحيحٌ يتعلقُ بمحافظة الحركات المذهبية السياسية الذكورية وإنتمائها للطبقات القديمة التي سيطرت على المسلمين في العصور السابقة فيما بعد الحضارة التي سادت فيها هذه المذاهب، وأبقتهم متخلفين، وقادت صراعات كذلك ضد الهيمنة الأجنبية، وضد الحداثة، وهي تشمل المعارضات المذهبية والحكومات المذهبية كذلك، وهي هي نفسها لا تتبدل سواءً ظهرتْ في هذا البلد أو ذاك، لأن مضمونها الأساسي لا يتبدل، بسببِ سيطرةِ رجال الدين الكبار بمناهجهم التقليدية، والنادر منهم من قاومها وأنتمى للأغلبية الشعبية.

ولهذا فإن التعميمات فيما عدا ذلك تكون محفوفة بالمخاطر، وكل بلد يحتاج لتحليل وكل حالة لها ظروفها، وفيما أن الحركات المذهبية تنقل لافتاتها وتجاربها من بلد إلى آخر، وتشتغل على إستعادة المجتمع المحافظ، وبقاء العلاقات الذكورية المتسدية المهيمنة، وحالات الانغلاق الديني، فإن كل بلد لها صراعاتها وخصوصياتها.

فبعضها يرتبط بفئات وسطى تريد التحرر، وبعضها يرتبط بقوى سيطرة حكومية تريد الإنغلاق. أو أشكال أخرى متداخلة.

كل تنظيم ديني له قوة مستبدة فوقية لا تريد تشكيل حركات حرة على مستوى: تحرر النساء، وتحرر الثقافة العقلية من الأنماط المذهبية الأغلال. وبتشكيل الحريات هنا تفقد سيطرتها على الأتباع وعلى منتجات هؤلاء الأتباع.

لكن الحداثة لا تستهدف الفجور، والحريات لا تريد الفوضى والإباحية، بل تريد تصنيع المجتمع وتحويل قواه إلى عاملين، وبدلاً من جلب القوى الأجنبية لماذا لا نتحول نحن إلى صناع؟ لماذا نستورد دائماً الأجهزة؟ ثمة مجتمعات متخلفة مثلنا قاموا بالتصنيع الواسع؟

تـُفهم الحداثة عادة من قبل القوى السطحية في الجانبين الديني والعصري بأنها مجرد حريات شكلية وفردية خارجة من كل القوانين!

يعكس الجانب النهضوي الرغبة الشديدة في الإنتاج، وليس في التركيز على صراع الحجاب والسفور، وعلى العادات العبادية، وبضرورة إبعاد المسائل عن الصراعات الجانبية هذه، والليبراليون يتدفقون بقوة في الحديث عن هذا ويصوغون هجمات مستمرة ضد الحجاب والعقوبات التي تقوم بها أنظمة الاضطهاد الدينية بشكل متعسف، وغيرها من المظاهر ورغبتها هي في زوال مثل هذه الظاهرات.

وفيما أن الاضطهاد شيءٌ جائر لكن الحجاب هو لباس شخصي للمرء له حرية في لبسه أو عدم لبسه، ونقول للمرء لأن ثمة رجال مسلمين يتحجبون كذلك(الطوارق). أي هي مسائل راجعة للاختيارات والعادات، ولكي إنسان أن يقرر ما يلبس دون إساءة للذوق، وهي الحرية الفردية المطلوبة بدون أجهزة تفرض اللباس.

أما قضايا الاضطهاد والعقوبات والحدود فهي مسائل تتعلق بمدى تطبيق حقوق المواطنة، وقد قامت الدولُ منذ انتهاء عهد الخلفاء الراشدين بنفي الحقوق عملياً وبالاستبداد بالأملاك العامة وتخصيصها فتقع الحدودُ في شكوك وتعود للحقوقين يقرأونها بموضوعية مفترضة.

أي أن المسألة بحاجة لتغيير عميق ولإعادةِ الأملاكِ العامة للمسلمين لتنمو آثارها على حياتهم وبعد ذلك تتكيف العقوبات والقوانين مع هذا التغيير.

وبغض النظر عن إيماننا أو عدم إيماننا بهذه العادات والمواريث فإن الديمقراطية العصرية تتطلب إحترامنا لأصوات الناس، ولعدم تحولنا إلى رجال دين تقليديين يعيدون نفس السيطرة لكن بأشكال حداثية ويجبرون الناس على التزام  اللباس المحدد والأشكال المقبولة لدى الحكومة وعادات الحداثة المقدسة.

وبهذا فإن العلانية وعدم الإجبار ورفض قيام البابوية وفصل الدين عن السيطرة الحكومية الاستبدادية، سواء تجلت في حزب أم في دولة، دون شطب تراثنا، وتوجه الأحزاب لتطوير الإنتاج وخلق الثورة الاقتصادية وتطوير حياة الناس المعيشية وتقليص البيروقراطية وتخفيت أصوات الحكومات في الاقتصاد والتحكم، هو ما يمكن أن يشكلَ خطوطاً عريضة للقوى الليبرالية المختلفة سواءً كانت من أصول ليبرالية وتقدمية أم من أصول دينية. فثمة مجرى للحرية مشترك لتطوير الشعوب يمكن أن يتجمع فيه كثيرون.

 وبدلاً من أن نكون كرات تتقاذفنا أرجلُ اللاعبين من الشرق والغرب في كل مرحلة، وقوى الهيمنة من كل صوب، لتتجمع العناصر الفكرية والسياسية لمجرى عريض مشترك يحفر في الحرية ويؤسس لدول متقدمة.

الليبراليون في البحرين

استطاع الليبراليون في البحرين منذ الثلاثينيات أن يظهروا كعناصر صغيرة في مجتمع تقليدي بعد لم يستطع أن ينفتح بصورة واسعة.

 لكن هذا الظهور المبكر كان هو حصيلة مجتمع كان في منتصف الخليج حيث غدا هذا البحر خلال قرنين محظ حركة تجارية وسياسية واسعة، خاصة في أعقاب الغزو الأوروبي، الذي حول الهند إلى مستعمرة كبرى؛ وأقام علاقات مهمة مع الدولة الفارسية التي توحدت وتحدثت بصورة مبكرة.

 كذلك فإن العوامل البحرينية الداخلية بنمو اقتصاد الغوص والتجارة فيه، واتساع التجارة الداخلية والخارجية، إن هذا كله هيأ لظهور قوى تجارية متفتحة على العالم الخارجي بثقافاته و أنماطه الاجتماعية الجديدة.

 كما أن هذا شجع على مجيء عائلات تجارية إلى البحرين، من فارس والبصرة والمنطقة الشرقية، تحولت إلى بيوتات تجارية مهمة على المستويين الوطني والإقليمى.

 وهكذا غدت البحرين في الثلث الأول من القرن العشرين أهم محطة اقتصادية عربية في الجزيرة العربية، فكانت الجاليات العربية والأجنبية تعتبر البلد مورد رزقها المهم. ورغم التحول عن إنتاج الغوص التقليدي، فإن النفط المكتشف وفر استمرارية اقتصادية كبيرة لتطوير تلك العلاقات الرأسمالية المتصاعدة، لتأخذ أبعاداً عميقة في المجتمع، سواء بتفكيك العلاقات الاجتماعية الشديدة التخلف، أم بتطوير الوعي الثقافي الحديث وتغلغله بين النخب، بحيث غدت البحرين مركز إنتاج الوعي الجديد.

 ولكن المظلة الفكرية التي استظل بها الرعيل الأول، وهو الرعيل الليبرالي، كانت مظلة ملتبسة، فقد كان العداء للاستعمار البريطاني يدفع هذه النخب إلى مناصرة الدولة العثمانية، واعتبار وجودها أفضل من الهيمنة البريطانية الزاحفة.

 وهذا ما شكل في عظام هذه الحركة الجنينية خيوط التقاء مع بدايات الحركة الدينية المناصرة للعثمانيين، التي كان تقودها مجلة المنار، وقد كان الشيخ رشيد رضا ورئيس تحريرها قد تخلى عن الخط الديمقراطي التحديثي للشيخ جمال الدين الأفغاني، وصار متكلماً باسم العثمانيين، وقد أدى هذا إلى محدودية الأطروحات الليبرالية الديمقراطية للمنار وكذلك لقرائها البحرينيين الذين كانوا يغلبون الجوانب الوطنية الدينية على رابطة الاستقلال الوطني المحض.

 وعلينا أن نتذكر أنه في تلك الأوقات يصعب كثيراً طرح مسألة التحرر الوطني، في بدايات القرن العشرين، فكان الانتماء للرابطة العثمانية هو الشكل الذي تجلى فيه الوعي الوطني البحريني بصورته الأولية.

 ولكن كان لهذا الشكل ثمنه على تطور الوعي الديمقراطي الليبرالي، حيث غدا الارتباط بالمظلة الدينية التي يهيمن فيها التقليديون المحافظون، مؤثراً بشكل كبير على الحركة السياسية التي راحت تتصاعد خلال العقود التالية.

 ويمكن أن نعيد هذه التقليدية لطابع الاقتصاد الذي ظلت تؤثر فيه علاقات الغوص والرقيق وتدني أوضاع المرأة، وكانت الشريحة المؤثرة شريحة تجار اللؤلؤ المرتبطين بهذا النظام التقليدي.

وكانت البيوتات التجارية في ذلك الحين لا تعدو أن تكون دكاكين صغيرة ووكالات لا أحد يأبه لأهميتها الاقتصادية المتصاعدة.

 ومع انقلاب مجتمع الغوص ومجيء الاقتصاد التجاري والصناعي أخذت موازين القوى الاجتماعية تتغير، وبدأت التطورات الاجتماعية والسياسية الحديثة تفرض نفسها في مجتمع صغير كانت تفاعلاته تسير بمعدل كبير قياساً لجيرانه.

 وهكذا بدأت مساهمات الفئات المتوسطة الليبرالية تأخذ منحنى متصاعداً منذ الأربعينيات، خاصة مع تضييق الاستعمار البريطاني على هذه الفئات وحرمانها من الامتيازات الاقتصادية المهمة.

 دخلت الفئات الوسطى البحرينية معترك الصراع ضد الاستعمار من منطلقات ثقافية بداية، أي عبر نشر المفاهيم التحديثية، ومن خلال التعامل بإيجابية مع عائلة آل خليفة الحاكمة، حيث عبرت المجلات التي أصدرتها منذ نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات عن هذا التعاون السياسي، وعن عدم طرح التصادم حتى مع السلطة البريطانية، وفي فضاء التنديد بالاستعمار بشكل عام.

 وقد تنازع المثقفين البحرينيين اتجاهان عامان، الأول طرح العودة إلى الإسلام، من دون شكل محدد ودون بلورة نظرية لهذه العودة، ولكن مع الأخذ بالمنجزات الحديثة في الحياة الاجتماعية بما فيها من وسائل الديمقراطية والتطور الحضاري، وكان يتزعم هذا الاتجاه الأستاذ حسن الجشي.

 في حين تزعم الاتجاه الثاني الأستاذ يوسف الشيراوي، وكان يدعو للتوجه نحو الغرب، باعتباره تتويج الحضارة الإنسانية، ولم يكن يلتفت وقتئذٍ إلى الماضي، بل يرى ضرورة الإسراع إلى الاتحاد مع الغرب.

 كان هذا يجري في المخاض الأولي للخمسينيات، حيث بعدُ لم تتبلور الحركات القومية والشيوعية والبعثية والناصرية، ولم تستطع التوجهات الليبرالية أن تشكل تياراً أو تبلور نظرهً تنتشر بين الناس، وكان هذا بطبيعة الحال نتاج محدودية انتشار الفئات الوسطى وضعف تنوعها الاقتصادي، ولهذا فإن الوعي النظري والسياسي بقي متخلفاً بصورةٍ أكبر.

 لكن الحركات الشمولية السابقة الذكر استطاعت أن تنتشر وتهيمن على الساحة البحرينية، كما هو الحال في الساحة العربية، نظراً لقوة الهياكل الاجتماعية والاقتصادية الدكتاتورية، ومحدودية الوعي الديمقراطي، خاصة بين الجماهير والفئات البرجوازية الصغيرة.

 وبهذا فإن الأسئلة النظرية لمثقفي الخمسينيات سرعان ما ضاعت وسط دمدمة الشعارات السياسية الحماسية، وحين بدأت الصدامات العنيفة بين الناس والاستعمار، أخذت الليبرالية والحداثة تتشكلان في التضاريس الخلفية للجماعات التقدمية الصاعدة، فهي تدعو للحريات والديمقراطية ولكن من خلال منهج اجتماعي تهيمن عليه سياسياً.

وقد دفعتها الأيديولوجيات القادمة من الخارج عالمياً إلى رفض المرحلة الرأسمالية عموماً، وهو أمر ترتب عليه تجاهل وجود الفئات المتوسطة المهمة والبيوتات التجارية، والتركيز على الفقراء، وهذا من جانب آخر أدى إلى تخوف تلك الفئات المتوسطة من الحركات الاجتماعية القومية واليسارية عموماً، وبالتالي ازداد انكماشها السياسي والفكري.

 ورغم ذلك فإن عائلات تجارية كبيرة شاركت في النضال الوطني من خلال المقاييس التى طرحتها تلك الحركات.

وإذا أخذنا بعض أسماء العائلات المتوسطة، نجد أن عائلة مثل عائلة المؤيد لم يكن هذا هو اسمها الأصلي، ولكن تم ذلك عبر مداومة مؤسس هذه العائلة على شراء جريدة المؤيد المصرية، وهي التي كانت تطرح خطاً تحديثياً يتراوح ما بين الملكية وتأييد الغرب، واستمرت عائلة المؤيد من خلال بعض أفرادها في الارتباط بالحركة الاجتماعية التحديثية والوطنية في مراحل مختلفة.

 في حين أن عائلة فخرو كانت هي الأخرى ذات اتصال بحركة الشارع السياسية والمساهمة فيها.

 وكذلك عائلات أخرى عديدة كانت لها مساهمات وطنية وثقافية كعائلتى القصيبي والزياني الخ…

 ويلاحظ هنا أن جل هذه العائلات ذات نشاة مدنية، وكان صعباً على العائلات المتوسطة في القرية أن تطرح خطاً تحديثياً ديمقراطياً.

 وسيتقطع هذا التاريخ المدني الديمقراطي مع تزايد الشموليات السياسية، كما أن هذه العائلات ومثقفي الفئات الوسطى لم تكن لهم مساهمات وفيرة ومؤثرة في نشر خطاب ديمقراطي عموماً .

 وكانت الحركات الشعبية الشمولية قد اكتسحت الساحة وآثر مثقفو الفئات الوسطى الانضواء تحت رايات هذه الحركات الوطنية.

 ومن جانب آخر، فإن هيمنة هذه الحركات على الفضاء السياسي، جعلت الصوت الليبرالي منكمشاً، ثم غدا ملتحقاً بالقوى الشمولية على اختلاف تنوعها، خاصة للتوجهات الغربية المهيمنة على البلد والمنطقة، التي أعطت الليبرالية مساحة محدودة، لا تزيد على الارتباط التجاري وتغيير الجوانب المتخلفة جدا من البنية الاجتماعية.

 هكذا تم خنق تطور الحركة والحياة الليبرالية على مدى زمن الصراع بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية، وإذا كانت الكتلة الشرقية قد شجعت الاتجاهات اليسارية والتقدمية، والكتلة الغربية قد شجعت الأنظمة المحافظة والحركات الدينية، فإن انتصار الكتلة الغربية في الصراع العالمي، قد جعل الكتلة الأخيرة تواجه حصاد المرحلة التي كونتها، من دَوْس للاتجاهات التقدمية والليبرالية وتشجيع بقاء الإقطاع السياسي والديني وتوسيع عوالمه، وكان لهذا ثمن باهظ على التطور السياسي.

 وفجاًة أصبح الخط الليبرالي هو المخرج من الحلقة المفرغة للتطور، وبدأ التوجه لنشر الديمقراطية السياسية، وليس الديمقراطية الاجتماعية، للتخفيف من مسار التدهور السابق، ونتائجه الكارثية.

 وكان هذا الاتجاه قد انطفأ في البحرين على مدى العقود السابقة، ولم يظهر إلا بشكل اقتصادي واجتماعي محدود، وقد أخذت الاتجاهات اليمينية المحافظة تنقض على جوانبه المختلفة، خاصة في تطور العمليات السياحية والفكرية الحرة والمساواة الاجتماعية.

 ورغم أن الجوانب الاجتماعية الشعبية المتوارية ظلت محافظة على الكثير من الحريات، ورفض الجمود الحضاري، فإن ذلك لم يصل إلى بلورة جماعة ليبرالية، فكل الخطوط الفكرية والسياسية صنعتها القوى الشمولية على مدى السنوات السابقة، مع ميراث جمود خاص فرضته المنطقة الخليجية.

 وهكذا توجت الساحة بالحركات الدينية التي عصفت بالتراث الليبرالي والتنويري خلال عقود القرن العشرين، وهو أمر ساهمت فيه قوى الفئات الوسطى والغنية بشكل خاص، سواء بالانسحاب من التنوير والتحديث، أو بمساعدة الاتجاهات المحافظة مالياً واجتماعياً وسياسياً.

 ولهذا بدأت عمليات استكشاف من قبل القيادة التجارية والصناعية للتطور الاجتماعي السابق، ولمراجعته، وبدأت فترة من محو أمية ليبرالية، حيث إنه حتى هذه القيادات التجارية والاجتماعية لم تكن تعرف ما هى الليبرالية إلا باعتبارها حرية التجارة، وليس باعتبارها منظومة اجتماعية متكاملة، وهو أمر يشير ليس إلى فقدان الخلفية الليبرالية العميقة فقط، بل إلى الطابع النفعي والتكتيكي الحذر وسط الكتل الدينية والحكومية المتنفذة.

 إن الفقر النظري هنا هو أيضاً نتاج عدم وجود برنامج وطني ومناطقي لهذه الفئات، وغياب قوة اقتصادية مستقلة عن الدولة؛ وعدم وجود قيادة بعيدة النظر في هذه الكتلة.

 فأي نمو ليبرالى سياسي يتوجه لاحتلال موقع بين الكتل وفي مقاعد البرلمان يحتاج إلى تأييد شعبي، وهو أمر مفقود لهذه القيادات وممثليها، فلم يكن لهذه الجماعة دور سياسي وطني، وسياستها الاقتصادية قائمة على التجارية المحضة وقصيرة النظر، ولهذا لا نجد شخصية ليبرالية واصلت العمل السياسي والفكري على مدى السنوات السابقة، فما بالك بتكوين حلقات وجماعة ذات ارتباط بالشارع؟

وليس ثمة مخرج من هذه الحالة سوى التعاون مع التوجهات الديمقراطية والتقدمية في المجتمع، عبر خلق نقاط التقاء وتعاون سياسيين، وهو الأمر الذي من الممكن أن يمهد لتحالف في المرحلة التالية.

 إن هذا يعتمد على نوع الليبرالية المنشودة، أو المتبناة، فهل هي ليبرالية تابعة أم ليبرالية وطنية تقوم بإعادة تشكيل المجتمع البحريني بحيث تكون فيه الغالبية من القوى المنتجة بحرينية ؟

أي أن مدى شعبية البرنامج الليبرالي يعتمد على أهداف الليبراليين في التحول إلى حركة سياسية، واجتماعية، تناضل من أجل أهداف شعبية، ومن دون ذلك تبقى الليبرالية ضمن الدعاية الفكرية.

 ومن الممكن أن تكون هذه الأهداف ضمن المتاح والمتفق عليه من قبل أهم القطاعات الاقتصادية، وإذا وقفت على رأسه أهداف تتعلق بتحسين الأجور وببرنامج محدد لمقاومة البطالة وتطوير التعليم، وإزالة الفقر المدقع من القرى والأحياء الشعبية الخ… فإن الحركة يمكن أن تستقطب جمهوراً يوصلها إلى البرلمان.

 وهذا لا بد أن يترافق مع عمليات تثقيف فكرية وسياسية للفاعليات الاقتصادية النشطة، بحيث توفق بين أهداف الطبقة وأهداف القوى الاجتماعية الأخرى وتطور الاقتصاد.

روسيا ودعم الدكتاتوريات

حين كانت روسيا بصيغة الاتحاد السوفيتي هي التي دعمت حركات التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي في العالم الثالث، ولولا تلك المساعدات ما كان العالم قد تخلص من الاستعمار المباشر (الكولونيالي)، لكن نقطة الضعف الكبيرة التي رافقت ذلك الدعم إنها مساعدات لم تشترط قيام أنظمة ديمقراطية في العالم المستقل، سواء عبر بقاء تحكم الجيوش أم تحكم قوى المخابرات في هذه الدول الفتية، والتي تحولت فيها أجهزة الحكم بعد فترات النمو إلى صخور تعرقل النمو الحديث وإلى أجهزة تسليط ضارية!

وهنا كان ثمة تقاطعٌ بين الحركات التقدمية والديمقراطية في هذه البلدان وبين سياسة دعم الدكتاتوريات الوطنية، وحدث التباسات وتناقضات وتباينٌ كبير في المواقف.

 لكن قيادات هذه الحركات البيروقراطية لم تطور أدواتها التحليلية النقدية وفضلت المساعدات السوفيتية على تعرية هذه الأنظمة أو نقدها بشكل مستمر وعقلاني وبعيد المدى. وعبر هذه العقلية التابعة نشأت ثقافةُ المحفوظات والشعارات والانتهازية التي تقوم بالتستر على أخطاء الحليف وتبرير مواقفه حتى لو كانت معادية للحريات والديمقراطية، وهو ما أدى إلى الكثير من السلبية والتعثر في نمو حركات التحرر الوطني وحركات التغيير الاجتماعي العميق فيما بعد ذلك. وهي ثقافة أنشئت جيلاً من الانتهازيين الذي تواصل في الأجيال التالية وأثر في الحركات المعارضة الأخرى، فغدت المواقف السياسية مقطوعة عن سياقات الديمقراطية، وتم تجزيء القضايا واستغلال أي موقف سياسي لخدمة القابضين على الأمور وتكرست ظواهر عبادة الأفراد وغياب الدرس الفكري العميق.

 وهذا الأمر لم يتشكل في بلدان العالم الثالث المتجه للتحرر فقط بل تكون في روسيا نفسها، التي لعب فيها احتكار السلطة لحزب واحد في نشوء ذات العقلية السياسية التي تكرس منفعتها وهيمنتها بغض النظر عن النتائج الوطنية والعالمية لمثل هذه السياسة.

 نعم تغيرت روسيا الاتحادية عن سياسة الاتحاد السوفيتي الخارجية، لكن جوهر الأمور لم يتغير كثيراً ودعم الدكتاتوريات (الصديقة) وبغض النظر كذلك عن النتائج الوخيمة لدعم دكتاتوريات خطرة على المستوى الداخلي الوطني، حيث تبعثر هذه الأنظمة الثروات على التسلح في حين تعيش شعوبها في فقر شديد. لكن روسيا تجد أن صفقات التسلح هذه مفيدة مالياً وسياسياً لها، أما أن تكون لها نتائج وخيمة على شعبها ذاته الذي عانى من الحروب فهو أمرٌ لا يخطر في بال قادتها، ما داموا يحصلون على المليارات، والجماعات التي تتدفق عليها هذه الأموال في بحبوحة من العيش ولا يهمها النتائج البعيدة المدى لإثارة القلاقل في العالم.

 وتلقى هذه السياسة الخطرة الصمت من دوائر التغيير في العالم الثالث، والتي ينظر بعضها إلى أن هذه السياسة الروسية سياسة نشطة مفيدة، حتى لا تخلو الساحة الدولية للاعبٍ واحد كبير، فماتزال ذات العقلية السياسية القديمة البيروقراطية موجودة ومتأصلة في هذه الجماعات. حيث تشكلت تحالفات غريبة هي تحالفات بقاء قوى الشمولية في العالم الثالث وبغض النظر عن الجذور والانتماءات والتيارات!

 ووجود الصراع ضد تحكم قطب أو أقطاب في بقية العالم هو أمر جيد، لكن لا يعني ذلك تأييد أي مجنون في سياسات العالم الثالث التي لا تتيح هياكلها السياسية الاجتماعية قنوات للشعب لكى يغير من هذه السياسات. فما دامت المعارضة للسياسة الأمريكية أو الغربية أو الشرقية تستندُ إلى قوى شعبية منتخبة، فهي معارضة مقبولة وإن لم تكن بالضرورة صحيحة، فالشعوب والأقسام المنتخبة تخطئ كذلك، وقد تؤزم حياتها بتصعيد قوى متخلفة فكرياً وسياسياً. لكن الديمقراطية تصحح نفسها. وقد لا يكون التصحيح ممكنا إذا دعمت روسيا سياسات الحروب وبيع الأسلحة الخطرة وخربت السلام الهش في المنطقة والعالم!

الشاعر البحريني الكبير يوسف حسن ـ نخلة عطشى في المدينة

من الشعراء والباحثين والنقابيين الأدبيين المتميزين في البحرين، وقد واجه في كل حياته العملية والاجتماعية ضغوطاً كبيرة ومنافسات قاسية تجارية، وهو رجل مستقل، ولم يوفر له الوطن مع كل عطائه عملاً، أو مكانة أو تقاعداً مبكراً أو متأخراً، وتركه في عمره هذا يعاني الكثير..

فأن يتحول شاعر وباحث إلى مصحح لغوي لا يستفيد من كل عمره السابق وتجاربه، إلا في البحث عن لقمة العيش، فهو أمر مخجل للبلد وسمعته الحضارية، في حين هو يتيح فرصاً كثيرة وكبيرة لأناس لا يمتلكون أي موهبة سوى موهبة النفاق..

عرفت يوسف حسن حين كانت لديه قرطاسية، وقد ناضل طويلاً في هذه القرطاسية لكي يبقى في السوق، وأن يحصل على فرص فيه دون جدوى، في حين كانت الفرص تنهال على من لديه حظة حظوة.

وكان طوال عمله التجاري هذا لا ينسى همه الأساسي في القراءة والإطلاع؛ وقد واكب الحركة الفكرية والأدبية الحديثة منذ نشأتها، وظل خلال هذه السنوات الطويلة على اتصال روحي معها، ينتج بصمت ويشتغل في مكتبته، حتى برز في السنوات الأخيرة حين احتاجت الحركة الأدبية إلى العاملين فلم تجدهم إلا في نفر قليل، فكرس كثيراً من وقته من أجل بعث الحركة الأدبية عبر أسرة الأدباء والكتاب، واستطاع أن يلملم بعض شظاياها وأن يعيد لها بعض الحراك.

وقد دفعه انعدام الفرص في السنوات الأخيرة إلى أن يبحث عن أي فرصة عمل فسدت في وجهه الأبواب، ولم يجد سوى وظيفة مصحح لغوي في إحدى جرائدنا الوطنية هي أخر ما بقى له من وسيلة للبقاء!

ووظيفة المصحح اللغوي بالنسبة للشاعر هي وظيفة إعدام يومي، فبدلاً من أن يطور إبداعه، ويقرأ التحف الأدبية في الشعر والقصة والنقد، ويسمو بذوقه ويتواصل مع آخر الكتابات الجميلة، عليه أن يعاني مع كتابات الشباب الصحفيين الذين يدهسون قواعد اللغة والفصاحة والبيان، ومع تجاعيد ولفات الوكالات الثقيلة في أخبارها وتقاريرها المروعة عن الجثث والداء والحروب، وأن، يُطبخ بين الأوراق والبروفات والأخطاء النحوية والطباعية التي لا تنتهي، وأن يستمر هذا ثماني ساعات يومياً فيطحن هذا الرجل.

ولا يبقى حينئذٍ من الشاعر سوى رمق بسيط، وينتهي الباحث مغموماً مهدماً بين هياكل الكتابة الميتة.

نحن نقترح على وزارة الإعلام كما فعلت مع نفر من الأدباء والمثقفين أن تقوم بتفريغ الشاعر والباحث يوسف حسن، ليبقى بين أوراقه وكتبه، وأن يتفرغ لإنجاز قصائده وكتاباته.

ومن حق هؤلاء الذين اشتغلوا طوال سنوات في حقل الثقافة أن يتم الاهتمام بهم، خاصة لظروف معاناتهم الكبيرة، وسنهم التي لا تسمح لهم بمثل هذه الأعمال المرهقة.

أننا نرجو كذلك من الجمعيات الفكرية والسياسية الاهتمام بمثل هذه الحالات الإنسانية والنضالية، فليس من المعقول أن تناضل جمعياتنا من أجل الجمهور العادي وتدع المثقفين والمبدعين يذوبون ويحترقون في هذه الحياة القاسية وفي واقع الأنظمة التي لا تفرق بين الزهرة والحصاة، بين القصيدة والحديدة، وتعطي بلا حد للمزورين وتمنع الحقوق عن الصادقين، وهذا كواجب كفاحي وليس كعملً خيري إحسانيً، فنحن لا نطالب بصدقة بل بجهاد من أجل عدم إذلال الفكر والكتابة والثقافة.

يتماهي الشاعرُ والباحثُ يوسف حسن بشكلٍ مستمرٍ ودائبٍ في هذه الومضات المشعة والدراسات مع الشاعر السوري محمد الماغوط ، فهو يكررُ اسمَهُ مراراً ، فهناك  موقفٌ مشتركٌ غائرٌ ساخنٌ بين الشاعرين الحزينين الثائرين ، ولدى الشاعر الريفي التائه في الشام يتمظهرُ ذلك بلغة الصراخ ولدى الشاعر البحريني يتجسد بلغة التأمل والهدوء .

يحللُ الأستاذ يوسف موقفَ الماغوط قائلاً :

(فدمشق التي وفد عليها الماغوط فاراً من حجرية الريف السوري وقراه النائمة الوادعة . . آملاً بأن المدينة الكبيرة ستفرشُ له سريرَها وتحتضنهُ بصدرِها الدافئ الفاره وأنه سيلقي في كنفِها تلكَ الحياة التي حلمُ بها وهو في أحضانِ الريف ذي الإيقاع المملِ البطيءِ لكنهُ لم يجدْ سوى التنكر واللامبالاة والغربة والتشرد والتسكع والأنزواء في المقاهي التي لا يكاد يحسُ به أو يعرفه أحد) ، ص 22، من القسم الثاني .

يوسف حسن هو هذا الفلاح المُقتلع من عالمه ، وجدَ نفسَهُ في المدينة ، وفي التجارة ، والثقافة ، فتاهَ كثيراً بين جوانبـِها وغاباتِها ، فالتجارة صارتْ سراباً ، والمدينة غدتْ فخاً ، حصلَ منها في آخر العمر على وظيفةٍ لسدِ الرمق ، فراحَ يشذبُ حقل اللغة العربية المزروع بالشوك والحصى في صحيفةٍ تعيشُ بين الأخطاءِ النحوية والمطبعية وبين التنوير الصعب .

تاهت كثيرٌ من قصائدهِ في الورق الأصفر لصحفِنا الذائبة في الأرشيف ، ولم يهتم كثيراً بإنتاج الدواوين بل صار هو قصيدة في غابتنا الحجرية المسماة مجتمعاً ، هو قصيدة من أجمل شعرنا البحريني ، نحتَ فيها الخيرَ والطيبة والبساطة والكلمة الجميلة .

فهو لا يكتب إلا بصدقٍ شديدٍ متى ما تكاثفتْ في روحهِ المعاني العميقة ، متوقفاً عن الكتابةِ الآلية التي كلما ازدادت نقصَ فيها الشعرُ والشاعرُ ، وحين كتب (من أغاني القرية) ديوانه الوحيد لعله أراد أن يرقص فرحاً مع القرية لكنه كان يرثيها بلوعة ، داخلاً في نسيجها الفلكلوري واحتفالاتها الطقوسية الشعرية ، هاجساً بالمدينة والحفر فيها ، وقد ازهرت القرية عبر هذا الشعر اللغوي والحدثي بالحياة فكانت نخيلـُها وعصافيرُها وشطآنها تموتُ وهي تزهرُ شباباً ولوحات وقصائدَ وغضباً .

إنه الزارعُ البسيط الذي راحَ يرصدُ الكلمة بمتابعاتٍ طويلة ، يتعهدُ النبتات الغضة بالحنانِ ، والماءِ ، يخففُ من إبرية الأشواك ويضعُ وردة وتيجاناً ، يجلبُ الدفاترَ المنسية من مكتباتنا الحاشدة بكل ما هو غريب إلا من بحةِ الغواص البحريني الغارق بين الأسمنت والديون ، ليعلي من الثقافة الوطنية والإنسانية ، يضعُ هذه الكراسات للشعراء والقصاصين والنقادِ الشبابِ أمام الجمهور اليومي المشغول بالستائر والأحذية ، يبحثُ عن نجومٍ صغيرة فيها ، يشجعُ بحة النقد الخافتة ، وبذرة الأنتماءِ المتيبسةِ في تربةِ الأنا ، يترفقُ بلغةٍ غضة ، ينزعُ هذه الوريقات الصفراء الملتفة حول الذات ، يوجه التكالب على الشعر نحو الرواية وتحليل الحياة ، ويوجه الرواية نحو مزيد من الشعر والغوص .

في المتابعة الطويلة المتوترة للبذور الأدبية ، في الصحافة ، وفي أسرة الأدباء والكتاب ، توجه لكي تشق طرقها الخاصة ، وتفتحاتها الذاتية المميزة ، دون فرض قوالب ونصائح أبوية .

في كتاباته النثرية الأخرى التي لم تجمع كثيراً ما يؤكد محبته للينابيع ، والآبار ، وللكواكب المتألقة بالماء في قعر البحر ، وللشعراء المجهولين في خريطة البحرين في عصور العتمة . .

يوسف حسن مشروعٌ مستمر وسوف يكون القادم منه أجمل .

the biography 𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆 𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙

ABDULLA KHALIFA

WRITER AND NOVELIST FROM BAHRAIN

♦ Abdulla Khalifa Al Buflasa (born March 1, 1948 in Gudaibiya, Manama, Bahrain – died October 21, 2014 in Manama, Bahrain) is a Bahraini left-wing novelist and columnist.

♦ Upbringing and Education: Albuflasa was born in 1948 in the Gudaibiya area of ​​the Bahraini capital, Manama. He studied at the Teachers Institute.

♦ Career career: He worked as a teacher after graduating from the Teachers’ Institute.

♦ He joined the ranks of the National Liberation Front – Bahrain in the 1960s and became active in its ranks. He was arrested in 1975 and dismissed from his job and released from prison in 1981.

♦ He wrote short stories and novels since the late 1960s and has various contributions in literary criticism. He also works as a columnist for the Gulf News newspaper.

♦ Member of the Union of Arab Writers in Syria.

♦ Contributed to the conferences of the Arab Writers Union, and the first conference was in 1975 held the Algerian Republic and presented the search for the evolution of the short story in Bahrain I subscribe to it, and participated in the Conference of the Arab Writers ‘ Union in Tunis in 2002, research under the cursed n (The roots of violence in contemporary Arab life), He participated in a conference in the Arab Republic of Egypt in 2003, and a research under the title (Arab intellectual between freedom and tyranny). And many Arab literary conferences.  

♦ Since 1981 he has worked in the social and cultural Press in the Bahrain and Gulf newspapers, and has been published in several Arab periodicals.

♦ He wrote articles and political and social studies on the history of Bahrain and the development of the short story.

Bibliography Narrative writings:

1.Winter’s Melody, a collection of short stories, 1975.

2. Sand and Jasmine, short stories, 1982.

3. Sultry Day, short stories, 1984.

4. Sohra, short stories, 1994.

5. The Magician’s Amazement, short stories, 1997.

6. Palm Madness, short stories,  1998.

7. Shrine master, short stories,  2003.

8. The cripple gets up, short stories,  2017.keys Anthology

9. Donkeys Anthology, short stories,  2017.

10. They are shaking the earth! short stories,  2017.

11. Mu’tazila Light, short stories,  2017.

12. Bab Al, Bahr, short stories,  2020.

♦  Fiction works:

13. Pearls, 1982.

14. The Pirate and the City, 1982.

15. Al Hayrat, 1983.

16. A Song of Water and Fire, 1989.

17. Fog, 1994.

18. Sea Anthem, 1994.

19. Springs, 1998.

20. Al-Aqlf, 2002.

21. The Hour of Appearance of the Spirits, 2004.

22. Ras Al Hussein, 2006.

23. Omar Ibn Al-Khattab, a martyr, 2007.

24. Statues, 2007.

25. Othman bin Affan, a martyr, 2008.

26. Ali bin Abi Talib, a martyr, 2008.

27. Muhammad Thaera, 2010.

28. Gone with Oil, 2010.

29. Antara returns to Al Jazeera, 2011.

30. Springs, 2012.

31. Fatal Punishment, 2012.

32. Rape of a Planet, 2014.

33. Gamal  Abdel Nasser  messages secret, 2015.

34. price soul, 2016.

35. diamonds and al’abnus, 2016.

36. Son Mr, 2016. 

37. Earth under rubble, 2017. 

38. Mermaid, 2017.

39. Pearl road, 2017.

40. portrait Kassab, 2017.

41. killed Abu Muslim Khorasani, 2018.

42. the poet of light, 2018.

43. Bay lost lives, 2019.

44. Hudhud Suleiman, 2019.

♦  Critical and Intellectual Studies:

45. The narrator in the fictional world of Muhammad Abdul-Malik, a critical study, 2004

46. Idealistic Trends in Arab Islamic Philosophy, (c 1+2) 2005.

47. Idealistic Trends in Arab Islamic Philosophy, (c 3) 2005.

48. Ideal trends in the Arab and Islamic philosophy – the development of modern Arab Thought, (c 4) 2015. 

49. Naguib Mahfouz from the historical novel to the novel, 2007.

50. Narrative models from the Gulf and the Arabian Peninsula, 2008.

51. The conflict of sects and classes in the Arab Mashreq and Iran, 2016.

52. The Cursed; Biography, interviews and wrote about him, 2016.

53. The evolution of Arabic literary genres, 2016.  

54. Book 1: Head east governmental money; A New Reading of Marxism, examining the current production style in the East through a different view, Book II: Lenin and the Adventure of Socialism: an analytical theoretical booklet of Lenin’s ideas and theory, 2016.  

55. Qassim Haddad poetic world, 2019.  

56. Abdulla Khalifa .. presentation and criticism for his work, 2019.   

57. Word for human, 2020.   

58 – Ideology 2023.

59- Lenin and the Adventure of Socialism: A Theoretical and Analytical Handbook of Lenin’s Ideas and Theory, 2023.

60- Illuminating the memory of Bahrain, 2023.

♦ Death Abdulla Khalifa died on Tuesday, October 21, 2014 in the Bahraini capital, Manama, at the age of 66. He was buried the Manama cemetery.

♦ The Bahrain Press Association called him in a statement: “The departure of Abdulla Khalifa represents a great loss for the cultural and literary movement in Bahrain and the Gulf, as he provided it with more than 57 authors ranging from story, novel and critical thought, in addition to his regular contributions in writing to the paper and electronic press such as the “Al-Hiwar” website. Civilized, as well as the newspaper “Akhbar Al-Khaleej”, which he supervised on its cultural page until his death, and he also continued to write a daily column in it.

Abdullah Khalifa on the site of civilized dialogue

  http://www.ahewar.org/m.asp?i=1316

The total number of readings: 7, 354, 161 million readers

Number of articles published: 1,218.

Abdullah Khalifa on WordPress Press:

https://isaalbuflasablog.wordpress.com/

https://flipboard.com/@abdulla_Khalifa

Abdullah Khalifa on blogger:

https://abdullakhalifaalbuflasa.blogspot.com/

Abdullah Khalifa on the blog of Binterest:

البريد الالكتروني لــ عيسى خليفة البوفلاسة Email to isa Khalifa Albufsala:

isa.albuflasa@gmail.com

isa_albuflasa@yahoo.com

عبـــــــدالله خلـــــــيفة

‏‏‏‏‏‏كاتب وروائي

𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆           

𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙       

21.10.2014 | 1.3.1948

من مواليد القضيبية – البحرين.

خريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى سنة 1974.

اعتقل من سنة 1975 إلى 1981.

عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعية والثقافية في الصحف البحرينية والخليجية، ونشر في العديد من الدوريات العربية.

عضو اتحاد الكتاب العرب بسوريا.

ساهم في مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب، وأول مؤتمر أشترك فيه كان سنة 1975 الذي عقد بالجمهورية الجزائرية وقدم فيه بحثاً عن تطور القصة القصيرة في البحرين، وشارك في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب بتونس سنة 2002، ببحث تحت عنوان «جذور العنف في الحياة العربية المعاصرة»، وشارك في مؤتمر بجمهورية مصر العربية سنة 2003، وببحث تحت عنوان «المثقف العربي بين الحرية والاستبداد» وذلك باتحاد الكتاب المصريين. والعديد من المؤتمرات الادبية العربية.

منذ سنة 1966 مارس عبــدالله خلــيفة كتابة القصة القصيرة بشكل مكثف وواسع أكثر من بقية الأعمال الأدبية والفكرية التي كان يمازجها مع هذا الإنتاج، حيث ترابطت لديه الكتابة بشتى أنواعها: مقالة، ودراسة، وقصة، ونقد. ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي قام بطبع نتاجه القصصي والروائي والفكري في دور النشر العربية المختلفة.

ونتاجه الأدبي والفكري يتنوع على النحو التالي:

القصص القصيرة:

1لحن الشتاء «قصص»، 1975.

«القصص: الغرباء – الملك – هكذا تكلم عبد المولى – الكلاب – اغتيال – حامل البرق – الملاذ – السندباد – لحن الشتاء – الوحل – نجمة الخليج الطائر – القبر الكبير – الصدى – العين».

2الرمل والياسمين «قصص»، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1982.

«القصص: الفتاة والأمير – علي بابا واللصوص – شجرة الياسمين – العوسج – الوجه – الأرض والسماء – المصباح – نزهة – الصورة – اللقاء – لعبة الرملالأحجار – العرائس – الماء والدخان».

3يوم قائظ «قصص»، 1984.

«القصص: الدربأماهأين أنت الخروجالجد – الجزيرة».

4سهرة «قصص»، 1994.

«القصص:السفرسهرة – قبضة تراب – الطوفان  – الأضواء – ليلة رأس السنة – خميس – هذا الجسد لك – هذا الجسد لي – أنا وأمي – الرمل والحجر».

5دهشة الساحر «قصص»، 1997.

«القصص: طريق النبع – الأصنام – الليل والنهار – الأميرة والصعلوك – الترانيم – دهشة الساحر – الصحراء – الجبل البعيد– الأحفاد – نجمة الصباح».

6جنون النخيل «قصص»، 1998.

«القصص: بعد الانفجار – الموت لأكثر من مرة واحدة! – الأخوان – شهوة الدم – ياقوتجنون النخيل – النوارس تغادر المدينة –رجب وأمينةعند التلالالأم والموت – النفق – ميلاد».

7سيد الضريح   «قصص»، 2003.

«القصص: طائران فوق عرش الناروراء الجبال – ثنائية القتل المتخفي – البركان – سيد الضريح – وتر في الليل المقطوع – أطيافرؤيا – محاكمة على بابا – الحارس».

8الكسيحُ ينهض «قصص»، 2017.

«القصص: الشاهدُ.. على اليمين – الكسيحُ ينهض – جزيرة الموتى – مكي الجني – عرضٌ في الظلام – حفار القبور – شراء روح – كابوسليلة صوفية – الخنفساء – بائع الموسيقى– الجنة – الطائر الأصفر – موت سعاد – زينب والعصافير – شريفة والأشباح – موزة والزيت – حمامات فوق سطح قلبي – سقوط اللون – الطريق إلى الحجحادثة تحت المطر – قمرٌ ولصوص وشحاذون – مقامة التلفزيون – موتٌ في سوق مزدحمٍ – نهاياتُ أغسطس – المغني والأميرة».

9أنطولوجيا الحمير «قصص»، 2017.

«القصص: انطولوجيا الحمير – عمران – على أجنحة الرماد – خيمةٌ في الجوار – ناشرٌ ومنشورٌ– شهوة الأرض – إغلاقُ المتحفِ لدواعي الإصلاح – طائرٌ في الدخان – الحيُّ والميت – الأعزلُ في الشركِ – الرادود – تحقيقٌ – المطرُ يموتُ متسولاً – بدون ساقين – عودة الشيخ لرباه – بيت الرماد – صلاةُ الجائع – في غابات الريف – الحية – العـَلـَم – دموعُ البقرة – في الثلاجة – مقامات الشيخ معيوف».

10إنهم يهزون الأرض! «قصص»، 2017.

«القصص: رسالةٌ من بـينِ الأظافر – الأسود – عاليةٌ – جلسةٌ سادسةٌ للألمِ – غيابٌ – عودةٌ للمهاجرِ – دائرةُ السعفِ – الضمير – المحارب الذي لم يحارب – الموتُ حُبـَأً – إنهم يهزون الأرض! – حـُلمٌ في الغسق – رحلة الرماد – أعلامٌ على الماءگبگب الخليج الأخير – المنتمي إلى جبريل – البق – رغيفُ العسلِ والجمر – عوليس أو إدريس – المفازة – قضايا هاشم المختار – أنشودة الصقرغليانُ المياه».

11ضوء المعتزلة «قصص»، 2017.

«القصص: ضوء المعتزلة – جزرُ الأقمار السوداء – سيرة شهاب – معصومة وجلنار– سارق الأطفال – شظايا – الترابيون».

12باب البحر «قصص» ، 2020.

«القصص: وراء البحر.. – كل شيء ليس على ما يرام – قمرٌ فوق دمشق – الحب هو الحب – شجرة في بيت الجيران – المذبحة – إجازة نصف يوم – حادث – البائع والكلب – ماذا تبغين ايتها الكآبة؟ – إمرأة – الربان – إذا أردتَ أن تكونَ حماراً – اللوحة الأخيرة – شاعرُ الصراف الآلي – البيت – حوت – أطروحةٌ – ملكة الشاشة – الغولة – وسواسٌ – مقامة المسرح – إعدام مؤلف – يقظة غريبة».

الأعمال الروائية الكاملة، المجلد الأول: اللآلئ، القرصان والمدينة، الهيرات، أغنية الماء والنار، 2004.

الأعمال القصصية الكاملة، المجلد الثاني: لحن الشتاء، الرمل والياسمين، يوم قائظ، سهرة، دهشة الساحر، جنون النخيل، سيد الضريح، 2021.

الأعمال الروائية الكاملة، المجلد الثالث: مريم لا تعرف الحداد، الضباب، نشيد البحر، الأقلف، الينابيع، 2021.

الأعمال التاريخية الكاملة، المجلد الرابع: محمد ثائراً، عمر بن الخطاب شهيداً، عثمان بن عفان شهيداً، يا علي! أميرُ المؤمنين شهيداً، رأس الحسين، مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني، ضوء المعتزلة، 2021.

الأعمال النقدية الكاملة، المجلد الخامس: تطور الأنواع الأدبية العربية، نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية، الراوي في عالم محمد عبدالملك القصصي، عالم قاسم حداد الشعري 2023.

الأعمال الروائية الكاملة، المجلد السادس: ساعة ظهور الأرواح، التماثيل، ذهب مع النفط، عنترة يعودُ الى الجزيرة، عقاب قاتل، اغتصاب كوكب، رسائل جمال عبدالناصر السرية، 2023.

الاعمال القصصية الكاملة، المجلد السابع: إنهم يهزون الأرض! ، 2023.

الأعمال النقدية الكاملة، المجلد الثامن: تجارب روائية من الخليج والجزيرة العربية، عبدالله خليفة: عرضٌ ونقدٌ عن أعماله، حوارات نقدية، 2023.

الأعمال الروائية الكاملة، المجلد التاسع: ألماس والأبنوس، طريق اللؤلؤ، ثمن الروح، ابنُ السيد، بورتريه قصاب، 2023.

الأعمال الروائية الكاملة، المجلد العاشر: خَليجُ الأرواحِ الضَائعةِ، الأرض تحت الأنقاض، حورية البحر، هُدهُد سليمان ، شاعرُ الضياء، 2023.

✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد الأول: أفق ـ منشورات: سنوات 2003، 2004.

✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد الثاني: أفق ـ منشورات: سنوات 2005، 2006.

✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد الثالث: أفق ـ منشورات: سنوات 2007، 2008.

✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد الرابع: أفق ـ منشورات: سنوات 2009، 2010.

✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد الخامس: أفق ـ منشورات: سنة 2011.

✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد السادس: أفق ـ منشورات: سنة 2012.

✾ الأعمال الصحفية الكاملة، المجلد السابع: أفق ـ منشورات: سنوات 2013، 2014.

الأعمال الروائية:

13اللآلئ، 1982.

14القرصان والمدينة، 1982.

15الهيرات، 1983.

16أغنية الماء والنار، 1989.

17مريم لا تعرف الحداد، 1991.

18الضباب، 1994.

19نشيد البحر، 1994.

20الأقلف، 2002.

21ساعة ظهور الأرواح، 2004.

22رأس الحسين، 2006.

23عمر بن الخطاب شهيداً، 2007.

24التماثيل، 2007.

25عثمان بن عفان شهيداً، 2008.

26يا علي! أميرُ المؤمنين شهيداً، 2008.

27محمد ثائراً، 2010.

28ذهب مع النفط، 2010.

29عنترة يعود الى الجزيرة، 2011.

30الينابيع, 2012.

31عقاب قاتل، 2014.

32اغتصاب كوكب، 2014.

33رسائل جمال عبدالناصر السرية، 2015.

34ثمن الروح، 2016.

35ألماس والأبنوس، 2016.

36ابنُ السيد، 2016.

37الأرض تحت الأنقاض، 2017.

38حورية البحر، 2017.

39طريق اللؤلؤ، 2017.

40بورتريه قصاب، 2017.

41مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني، 2018.

42شاعرُ الضياء، 2018.

43خَليجُ الأرواحِ الضَائعةِ، 2019.

44هُـدهـُـد سـليمـان، 2019.

الدراسات النقدية والفكرية:

45الراوي في عالم محمد عبد الملك القصصي، 2004.

46الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، صدر الجزء الأول والثاني معاً بمجلد واحد، في ستمائة صفحة، ويعرضُ فيه المقدمات الفكرية والاجتماعية لظهور الإسلام والفلسفة العربية، 2005.

47الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الثالث، وهو يتناول تشكل الفلسفة العربية عند أبرز ممثليها من الفارابي حتى ابن رشد 2005.

48الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث، وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة، 2015.

49نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية، 2007.

50– تجارب روائية من الخليج والجزيرة العربية، 2008.

51صراع الطوائف والطبقات في المشرق العربي وإيران، 2016.

52الملعون سيرة وحوارات وما كتب عنه، 2016.

53تطور الأنواع الأدبية العربية: دراسة تحليلية للأنواع من الشعر الجاهلي والقرآن حتى الأدب المعاصر، وهي دراسة مكثفة فكرية تكشف علاقة التداخل بين النصوص العربية والصراع الاجتماعي، 2016.

54 – الكتاب الأول: رأس المال الحكومي الشرقي: وهي قراءة جديدة للماركسية، تبحثُ أسلوبَ الإنتاجِ الراهن في الشرق عبر نظرة مختلفة، 2016.

55عالم قاسم حداد الشعري، 2019.

56عبـدالله خلــيفة: عرضٌ ونقدٌ عن أعماله، 2019.

57الكلمة من أجل الإنسان، 2020.

58 إضاءة لذاكرة البحرين، 2024.

59 أيديولوجي  2025.

60لينين ومغامرة الاشتراكية: وهو كتيب نظري تحليلي لأفكار لينين ولنظريته، 2025.

61 – الكلمة من أجل الإنسان، جزء ثان. 2025.

عبــدالله خلــيفة على موقع الحوار المتمدن

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=436071

عدد إجمالي القراءات: 7,873,730 مليون قارئ.

عدد المقالات المنشورة: 1,218.

عبــدالله خلــيفة على ووردبريس:

عبــدالله خلــيفة على الفيسبوك:

عبــدالله خلــيفة على You Tube:

عبــدالله خلــيفة على مدونة بينترست:

عبــدالله خلــيفة على مدونة إنستغرام:

البريد الالكتروني لـ عيسا خليفة البوفلاسة

isa.albuflasa@gmail.com

isa_albuflasa@yahoo.com

إنتاجُ وعيٍ نفعي مُسيَّس

#اليسار_في_البحربن  #المنبر_التقدمي ⇦ (اللاتقدمي)!

كان يُفترض أن تكونَ ثقافةُ اليسارِ والقوى التحديثية ثقافةً موضوعية تدمج العقلانية بموضوعاتها وتحليلاتها، لكن هذا لا يحدث بشكل عام ومستقيم، لأن البرجوازية الصغيرة المدنية وهي تشكلُ تنظيمات شموليةً متحزبة لذاتها بشكل متعصب، سوف تؤلهُ تاريخَها ومبادئها وقياداتها وتدخلها في نطاق المقدس، ومن هنا يتوارى النقدُ والتحليل الموضوعي.

حين تتحلل البرجوازيةُ الصغيرةُ السياسية في المدن وتضعفُ مقاومتها بسبب هذا التعصب والانغلاق، سوف تورثُ خصائصَ سلبيةً للقوى البرجوازية الصغيرة الطالعة في الريف والبادية.

من الصعب وجود وعي نقدي موضوعي عند وعي يحيل التنظيمات والأفكار والشخوص والدول إلى كائناتٍ مقدسة، إن الوعي (الشيوعي) يرى الاتحادَ السوفيتي ورموزه كائنات مقدسة، في احتفالاتها وسياساتها وتاريخها وسوف يرى القومي وسوف يرى البعثي ذاتَ الخصائص في الدول والزعماء الذين يحرقُ البخور السياسي لهم.

سوف يخرجُهم من دائرةِ الواقعي، ومن إمكانيةِ وجود أخطاء عميقة ضاربة في هذا البناء كما جرى فعلاً. ولهذا سوف تكون سياستهُ اليومية قائمةً على انتصار هذا النموذج غير القابل للهزيمة، وسوف تشتغل التكتيكاتُ تبعاً لهذه القدرية الدينية، وسوف تدخلُ أنصافُ الحقائق والتاريخُ المؤدلج الرسمي وتجزئةُ التحليل واقتصارُهُ على ما ينفعُ الذات ولا يضرها، وتُخفى جوانب عن القواعد وتظهر جوانب، وتصبحُ النفعيةُ الانتهازيةُ متغلغلةً ويصبحُ الرفاقُ شلة مستفيدة بدلاً من تنظيم ثوري.

ويأتي المذهبي المرتكزُ على الدين الإسلامي بعد أن صدأت آلاتُ الأحزابِ (الثورية) القديمة، من دون أن يَعرفَ لماذا صدأتْ إلا لكونِها مخالفة للتعاليم الربانية بحسب فهمه، وليس لأنها تستندُ إلى قوى إجتماعية متذبذبة نفعية خاصةً من قبل القادة الذين كرسوها لهم، ولم تقم على التنظيمات الجماعية وديمقراطيتها ومؤتمراتها وكتبها النقدية الفاحصة، فهو سيقومُ بذات الفعل، ويطبقُ نفسَ المبادئ الداخلية الاجتماعية المريضة وليس أشكالها الخارجية السطحية.

وهذا التاريخ الذي يعتبرهُ انتصاراً غيبياً هو كارثة عليه، لأنه سوف ينسخُ أسوأَ ما فيه، بدلاً من أن يكون هو كتنظيمٍ ثمرةٍ لتاريخٍ سياسي غني ديمقراطي.

إنه سينهضُ فوق عضلات الكادحين ويطوعها من أجل صعوده، وستكون معركته من أجل انتصارِ (دولة الحق)، ويتحالفُ مع المخالفين للشريعة فقط لأنه يوظفهم لأجل مصلحته، هنا تغدو الانتهازية فاقعة، وخاصة في الدول التي ليس لها تراث حزبي سياسي عريق، ويكون الهدف علو شأن جماعته من أجل الكراسي والحصص المالية والمنافع.

التراث السلبي للجماعات (العلمانية) من انتهازية وشمولية وتحايل على التحليلات السياسية الموضوعية وجعلها لخدمة الذات ومصالحها، تغدو في الطبقات السفلى للخطاب السياسي الطائفي (النبيل)، غائرةً وجزءًا من مرض الطبقة المتذبذبة الانتهازية، وفي المطبخ تُعدُ الأكلات المسمومة للشعب، وتُتبل بالجمل العظيمة والكلمات الفخمة التي تذهب لرموز المقدس وتضعها في أعلى الدوائر، تسحرُ الجمهورَ وتُدخلُ السمومَ في عظامهِ السياسية لكي يقوم بالأفعال المغايرة لأخلاقية الدين، ليتصور أنها جزء من الدين فيحصل على أجري الدنيا والآخرة!

الموضوعية والحقيقة تتطلبان الدفاع عن مصالح الشعب من خلال الأدوات المتاحة السلمية العقلانية ويتم تصاعدها عبر التاريخ وإمكانيات الشعب الموحد لا الطائفة، فيجري نقد الواقع والتحالف مع القوى الأخرى المشاركة في ذات الأهداف بحسب طابع وظروف البلد المعني، وقراءة درجة تطوره، ويُصنع الممكن المعقول المفيد للأغلبية من السكان، ولا يجري اللجوء إلى وسائل العنف والكذب والتهويل والخداع.

حين تريد أن يكتبوا نقداً ضد دولة متفاقمة الخطر العسكري على المنطقة يسكتون، فقط لأنهم يشاركون الطرفَ الديني نفس التوقير لهذه الدولة، من دون أن يروا الأخطار المحدقة الهائلة من طرقها في السياسة على الحياة والتطور في المنطقة.

هنا مثال ملموس على كيفية التحايل وعدم النقد الموضوعي والوصول بهذا النقد إلى آفاق من التطور الديمقراطي الحقيقي، لأنك بالسكوت عن دولة خطرة على البشر تؤدلج رأيك ولا تطوره، ويعكس ذلك طرق الحربائية السياسية وقتلها للتحليل الموضوعي.

عدم نقد القوى العليا في المراحل السابقة والأنظمة الشمولية السابقة أهل لموت التحديثية التابعة لها، فتدهورت الرؤى العقلانية الموضوعية النقدية، فتماشت مع صعود قوى شمولية جديدة، لكنها للأسف أكثر تخلفاً بكثير من تلك القوى السابقة. 

الوعي والمادة

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

وقد بدأ العرب يقاربون الحضارة الحديثة منذ أن تفتحت عيون المثقفين في النهضة الحديثة، ومن ثم راحوا يراكمون وعياً جديداً مختلفاً عن (المادة) منذ الأنظمة الملكية الليبرالية فالأنظمة العسكرية الوطنية والثقافة التنويرية العلمانية وراح يتصاعد بتقطع وضعف دون أن قطع بجذورهم الإسلامية والقديمة والإنسانية.

وهذا التصاعد والتقطع والاستمرارية تعبر كلها عن حصيلة الصناعة والعلوم والحرية وعن جذور ضعيفة في حفر الأرض المادية.

لقد كان الحصول على معنى المادة ومعنى العلم وكشف سببيات الوجود لتلك القبائل التي خرجت من الجزيرة العربية أمراً صعباً محفوفاً بالمخاطر ولجماعاتٍ أميةٍ محدودة الأرث العلمي، والتي إنتجت منها فئات وسطى حرفية وثقافية في ظل الإمبراطورية وراحت تتساءلُ عن معنى الوجود وكيفية فهمه وكيف السيطرة عليه؟

إن الشعوبَ لا تفهم الطبيعةَ والمجتمعَ بشكلٍ مجرد سحري غيبي تلقائي عجائبي بشكلٍ أساسي، وإن كانت هذه هي المراحلُ الدنيا لتشكلِ العقول، لكنها تتجاوزها، لأنها ذات مستويات دنيا، ولاعتمادها على الحدس وهو أدنى أشكالِ الفكر وعلى التجارب البسيطة غير المعللة وغير المجربة تجريباً حديثاً.

لكن هذه الأشكال الدنيا ملاصقة كثيراً للعرب والمسلمين لأنهم في المستويات الدنيا من الإنتاجين الصناعي والعلمي، ومن هنا فالأشكال الأخرى من السحر والدين غير العقلاني تبقى مترافقةً مع هذا التطور ذي المستوى المنخفض.

ومن هنا كانت الجهود الجبارة للعلماء العرب والمسلمين في إنتزاع أسرار الطبيعة والمجتمع، وهم في بدايات الحضارة، وهو أمر مهدهُ علماءُ اللغةِ والكلامِ ثم الفلاسفة، الذين وضعوا جميعاً القواعدَ الأولى لبناءِ العقلية العربية الموضوعية النقدية، التي تراكمُ لبناتِ المعرفةِ الموثَّقة، والتي تكشفُ خلايا المادةِ وعملياتِ التغلغلِ فيها بشتى أشكالِ تمظهراتها، سواءً كانت جسم إنسان أو حيوان أو أشياء مادية بمختلف حالاتها، أو كانت كوكباً أم نجماً.

ولا تنفصلُ العلومُ الإنسانيةُ هنا عن العلوم الطبيعية، بل كانت هي مقدمتها، فتطورُ علومِ النحو والصرف والبيان ودراسة جذور اللغة وحياة العرب الاجتماعية، قادَ إلى وضعِ لغةٍ كبيرة ذات إمكانيات تعبيرية وإشتقاقية حيوية تحت تصرف علماء الطبيعة والرياضيات والطب والفلك والكيمياء وغيرهم.

فتغيرت الرياضيات بداية من تغيير الأرقام إلى جعل الصفر فيها وجعلها بالتالي سهلة ولا نهائية الحساب، لأن المادة لانهائية، وعبر الجبر تم إظهار الكم المجهول من الكم المعلوم، فغدت الرياضيات أداةً أخرى، وتطورت الهندسة الأقليدية، خاصة عبر التلاقح مع الثقافة اليونانية، ثم بدأت الكيمياء والفيزياء بالتطور مع تطور الحرف والصناعات.

لكن هل تنفصل العلوم هنا عن الشعوذة خاصة مع هذه النشأة الأولى الضعيفة؟

(أخذ جابرٌ «بن حيان» مادة الكيمياء – كما هو معلومٌ – من مدرسةِ الإسكندرية التي كانت تقولُ بإمكانيةِ انقلابِ العناصر وتحولها بعضها إلى بعض، وأخذ مع هذه الكيمياء فيضاً من الفلسفة الهيلينية والآدابَ السحريةَ والتصوف والروحية الإيرانية)، (الجامع في تاريخ العلوم عند العرب، الدكتور محمد عبدالرحمن مرحبا، منشورات عويدات ط2، 1988، ص 315).

إن إمكانياتِ الوصولِ إلى الأبعادِ المتعددة للمادةِ مسألةٌ مرهونةٌ بقوى الإنتاجِ السائدة في المجتمع وتجلياتها في البحثِ العلمي خاصةً مدى تقدم الحرف ومن ثم وجود معامل الإختبار، وظهور وتعمق تخصصات العلماء، وتنوع أدوات السبر والصهر والتحليل المختلفة.

ولهذا فإن حدوثَ جدلٍ عميقٍ بين الصناعة والعلوم لم يحدث:

(مزجَ العلماء العرب والمسلمون الذهبَ بالفضة، وإستخدموا القصديرَ لمنع التأكسد والصدأ في الأواني النحاسية، وإستخدموا خبرتَهم الكيمائية في صناعةِ العطور ومواد التجميل وصناعة الأقمشة والشموع..) الخ، الموسوعة العربية العالمية، ص 460.

لنلاحظ هنا كيف أن منهجيات البحث العقلي كانت محدودة وكذلك فإن توجه الطبقات الحاكمة للاستئثارِ بجانبٍ كبيرٍ من الفيضِ الإقتصادي، وجهَ الصناعات نحو الصناعات الاستهلاكية التابعة للقصور وكبارالتجار، مثلما أن الحركة الفلسفية لم تقمْ بتحليلات عميقة للمواد الطبيعية والاجتماعية.

إن المادة هنا باعتبارها مواداً وكواكب ونجوماً، أي مادةً كونيةً، لم تتغلغلْ الأبحاثُ فيها، فجثمت أشكالُ الوعي العربي العلمية على سطوح المواد والعمليات، وهي الموادُ المقاربةُ للاستهلاكِ أو للصحةِ الجسدية البسيطة، أو للتنجيم، وهو الثقبُ الأسودُ الذي إنهالتْ فيهِ موادُ الخرافةِ الواسعة وبلعتْ العقولَ والحضارة العربية.

وحتى شبكة العلوم الطبيعية كانت خاضعةً لأهدافِ الطبقاتِ العليا، فالطبُ والتنجيمُ والصيدلةُ يتمُ الصرفُ عليها، في حين لا تحظى علومٌ أخرى بمثل ذلك.

إن أشكال الوعي من دين وفلسفة وعلوم لم تستطع أن تصل إلى المادة إلا بمستويات محدودة وعجزتْ عن كشفِ تنوعاتِها والوصولِ إلى مكوناتِها الأصغر، وفي مختلفِ تجليات المادة الحية والجامدة على السواء، كما لم تصلْ – تلك الأشكال- إلى فهم عمليات المادة الأكثر تطوراً وهي الحياة الاجتماعية البشرية ونتاجها الأعمق وهو الظاهرات الفكرية.

ومن هنا فقدتْ مفاتيحَ إستمرار النهضة والتقدم وتوقفت وتخلفت.

إن أحجامَ إكتشاف المادة في الحضارتين الكبريين الإغريقية والعربية والحضارات الأخرى كذلك مثل الصينية والهندية، لم تصل إلا لكشف سطوح المادة، لكن في الحضارة الغربية التي تصاعدت منذ القرن الخامس عشر بدأت ظروف جديدة تتشكل، فقد أزيلت الدولة الكلية الإستبدادية وأُبعدت أحجارُ سيطرتِها وهي الأديان الكاتمة على حريات العقول وإنفتح المجال للتجريب العلمي الحر.

لكن ذلك إستغرق زمناً طويلاً وبتفاعل البُنى الاقتصادية والفكرية لكل المجموع النهضوي الغربي، بحيث تمَ تجاوزُ الحرفةَ، بظهورِ الصناعتين اليدوية فالآلية، والأخيرة هي الذروة ولأول مرة في التاريخ، وبهذا فإن المادة بمختلف تجلياتها الكونية والأرضية وُضعت تحت أصابع وعيون البشر لتفحصها، بشكلٍ تاريخي متدرجٍ يعكسُ تطورَ الصاعاتِ والملاحةِ وسيطرتهم على الأشياء والمنتجات والخريطة الأرضية.

إن الأجسامَ الفضائية كالكواكب والنجوم أُعيد النظر إليها، ورئُيتْ حركةُ الأجسام الكوكبية بشكلٍ صحيح، فبدأت المناظير تتجه إلى المواد الأصغر فالأصغر، دون أن يتوقف تحليل المواد الكبرى.

 وهذه المراحلُ الأولى من الإكتشافاتِ الجغرافية والصناعة أعطتْ إقتراباً من الأجسامِ الفلكية الكبرى وساهمَ ذلك في إستعادةِ وحدةِ الكرة الأرضية، وبتواضعِ الأرض في المجموعة الشمسية لكنها صارت أقوى، ودخلتْ في تشكيلةٍ تاريخية جديدة هي الرأسمالية جعلتْ المادةَ البضائعية هي محور الاقتصاد والمعامل.

أعطت هذه المرحلة تغلغلات كبيرة في المواد الصناعية، فتمكن تشارلس داروين من فهم سببيات تطور الأحياء، وكشف كارل ماركس مادة البضاعة وتناقضاتها الاجتماعية، وهو مستوى لا يعود للبيولوجيا بل للعلوم الإنسانية، وتغلغل فرويد في فهم مادة العقل وطبقاته في الوعي واللاوعي إضافة لعلماء آخرين كشفوا جوانب أخرى من هذه المادة المُـفَّكرة، وهذه كانت ذروة العلوم في القرن التاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين.

في القرن العشرين تعرت المادة تعرية واسعة جداً، إتسع الكون إتساعاً عظيماً، ورُئي كمجراتٍ تشكلتْ في الانفجار العظيم، وهو الكون المرئي التاريخي لنا، أي كوننا، لأنه من الممكن أن تكون هناك أكوان أخرى، وكذلك فإن مادة هذا الكون دُرست وحُللت.

(المادة في الفيزياء الكلاسيكية هي كل ما له كتلة وحجم ويشغل حيزاً من الفراغ)، الموسوعة. لكن هذا هو الشكل الكلاسيكي للمادة فقد تداخلت المادة والطاقة، صارتا نوعاً واحد بوجهين.

وكما أن المادة لانهائية في الكبر فهي لا نهائية في الصغر، والحديث عن  وجود حدود لها هو مجرد ظن:

(تتكون المادة من جسيماتٍ بالغة الصغر تسمى الجزيئات، وهي عبارة عن تجمعات لجسيمات أصغر هي الذرات. وتلك بدورها تتكون من جسيمات أصغر. ويُعتقد حالياً أن المادة تتكون من أجسام صغيرة جداً لا تتجزأ، حيث أنها لا تتكون من جسيمات أصغر بل هي أصغر شيء. وتـُسمى هذه الجسيمات بـ”الجسيمات الأولية”، ومع هذا فليس من المُثبت بعد أنها فعلاً أصغر الأجسام المكوّنة للمادة.)، الموسوعة.

كشفتْ المادةُ عن كونِها حركةً صراعية، فأجزاء الذرة الداخلية متضادة، دائبة الحركة، والمادة الطبيعية الكونية في صراع دائم بين مكوناتها وفي العلاقات بينها، وهي في حالة سيولة دائمة من الحركة.

 المادة هي جزء من كوننا، ولا يُمكن إطلاق هذا المطلح على ما وراءه. ويُعتقد حالياً أن المادة تـُشكل 27% من كلتة الكون، 4% فقط هي المادة الطبيعية، والتي تنقسم إلى نوعين رئيسيّين: مادة مضيئة وغير مضيئة، وتــُشكل الأولى 0.4% من كتلة الكون، في حين أن الثانية تـُشكل 3.6% من كتله. أما الـ 23% الأخرى فهي المادة المظلمة، والـ73% الباقية هي الطاقة المعتمة.

ليست قدرات العلوم الغربية وإمكانيات الثورة التقنية التي عصفت بالقرن العشرين هي مجرد أهرامات من الأفكار المجردة بل هي تحولات كبيرة في العلاقات الدولية قادت إلى إنقلاب أوضاع الدول وتأكيد الغرب لقيادته للمسيرة العالمية تبعاً لمصالحه ومن خلال موقعه المتميز، وبالعصف بنظم ما قبل الرأسمالية والرأسماليات الحكومية الشرقية.

لقد برز صراع العلوم والثورة المعلوماتية والتقنيات الغربية في مواجهة وأمية العالم الثالث وتخلفه الثقافي ومحدوديته العلمية وتبلور في كونهِ صراعَ أساليب إنتاج وثروات تنتقل من جهة الشرق لجهة الغرب، فقد بلغ نسبة إنتاج العالم النامي 7% من الإنتاج الصناعي العالم، وبلغ حجم ديونه 2 تريليون دولار، رغم ضم هذا العالم النامي 70% من سكان العالم.

إن مجموع الأرباح التي حولتها الاستثمارات الغربية لبلادها قد بلغ 139,7 بليون دولار  خلال عقد 1970 – 1980.

فليست الثورة العلمية والتقنية هي مجرد أفكار مجردة، وليست هيمنة العلوم على المواد، هي أشكال ثقافية، بل سيطرة على المواد الخام، والاستثمارات والثروة المعرفية الجديدة.

إن عجز العالم النامي، ومنه العالم العربي، هو في أبنيته الاجتماعية – الثقافية المتخلفة، فعقلنة العالم وقراءاته السببية والقانونية، تترافق مع تغيير العلاقات بين الثقافة والتربية والتعليم وبين الإنتاج، مع تغيير الهياكل الاجتماعية الذكورية، مع تغيير الهياكل الحكومية البيروقراطية، مع الإنتقال للديمقراطية.

إن الثورة العلمية والتقنية الغربية تتغلغل كذلك في تغيير المواد التي ينتجها العالم النامي كذلك، فهي تطيح باقتصاده التقليدي كذلك:

(ومن الأمثلة على الصناعات التي قامت على الهندسة الوراثية (التكنولوجية الحيوية) والتي تم بها ايجاد منتجات تحل محل الإنتاج الزراعي في العالم المتخلف التوصل الى انتاج النيلة (منتج صناعي يُستخدم في الصباغة) التي تنتجها الهند، وإنتاج خيوط مخلقة لتحل محل السيزاك والمطاط، وإنتاج حبوب الفانيليا بدلا من الطبيعية التي تنتجها مدغشقر وإنتاج حوالى ثلاثين بديلاً للصمغ العربي الذي ينتجه السودان)،تاج السر.

إذا قرأنا هذه التحولات العاصفة الغربية وإنعكاساتها على المستوى الفكري، وربطنا بين إنهيار العقلانية العربية بعد ابن رشد، وعجز القوى الفكرية المختلفة عن العودة حتى إلى هذه العقلانية الفلسفية الدينية المثالية، فسوف نرى إنهيار المجتمعات العربية وعجزها عن الارتفاع لتحديات العلوم الغربية وثورتها المشار إليها، فغياب العقلانية الفلسفية يشير إلى عجوزات مختلفة؛ عدم القدرة على نشر التصنيع وخلق قوى عاملة متقدمة ماهرة تقنياً، وضعف وعي النساء وحضورهن التقني والعلمي، وهيمنة الثقافة السحرية على الوعي العام الخ.

أي أن الحضور العربي الراهن هو بسبب إنتاج المواد الخام الثمينة وأهمها البترول، الذي يجعل العديد من الدول العربية لا تعلن أفلاسها وإنهيارها الاقتصادي، ولما سببه البترول من حراك إقتصادي شمل دولاً عربية عديدة كذلك.

وقيام الاقتصاديات والأبنية الاجتماعية العربية على إقتصاد نفطي يؤكد غياب العرب عن ثقافة العالم المعاصر العلمية، وتشكل هذا العالم على الوعي غير العلمي.

فليس الوعي بالمادة كرؤية فلسفية مسألة تجريدية، بل تتعلق بصميم التطور البشري، فحين يرفض أبوحامد الغزالي السببية في زمن الثقافة العباسية، ولا تدخل هذه كرؤية شاملة في مختلف تجليات الظاهرات الطبيعية والاجتماعية، وأن لا تزال هذه الرؤية سائدة في الثقافة العامة، فهذا يظهر الفرق بين ثقافة غربية أحتوت عالم المواد وصنعتها كذلك وبين ثقافة لا تزال تعيش على الحرف وإنتاج المواد الخام.

لقد غدت هذه الثقافة الغربية التقنية تدخل إلى نسيج المواد وتغير تركيبها الطبيعي، وقد أمكنها صناعة الخلية الحية والقيام بالاستنساخ.

التضحوي والاستغلالي

#المنبر_التقدمي ⇦ (اللاتقدمي)!

كتب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة

البشر نمطان إما إنسان يضحي وإما إنسان يستغل. تجد النمطين في الحزب الواحد وفي الطائفة وفي العائلة الواحدة وربما في مراحل وتقلبات الإنسان الواحد!
وفى التيارات السياسية المعاصرة فإن الكثيرين يرتفعون على أكتاف التضحية وعمل الآخرين لكي يحصلوا على مكانة اجتماعية مريحة، فيتحدثون عن شعارات عامة وجمل مطاطة، لكي يواصلوا استغلال ماضيهم، أو جماعتهم السياسية التي ارتقوا على سلالمها نحو الثروة والمناصب والشهرة!
وهم في هذه الحالة لا يتحدثون عن أوضاع الاستغلال الراهنة، وحينئذٍ فإن المضحي في عقولهم تكون شعلته قد انطفأت وظهر المستريح والمتمدد فوق الامتيازات ومكاسب النضال!
في كل جماعة سياسية، في كل عائلة، في كل دولة، في كل شركة، يكون هناك دائماً من يستغل مسار الجماعة، ويستطيع أن يجامل ويداهن ويكذب من أجل أن يرتفع، ولتذهب الجماعة والعائلة إلى الدمار والمهم أن تبقى مصالحه وأرباحه وارتفاعاته فوق الظهور والجهد!
وقد استطاع الاستغلاليون دائماً أن يرتفعوا فانتصر معاوية على علي بن أبي طالب وأنتصر يزيد على الحسين، وانتصر بنو العباس والإفلاس والغنى والجور والفجور على الشهداء والمعتزلة والصوفية، وانتصرت الإمبريالية على حركات التحرر الوطني وعلى أنظمة رأسمالية الدولة المسماة اشتراكية، وانتصر البيض على الحمر، وتغلب الرأسمال على قوى العمل، لأن الفقراء والمضحين والتقدميين والديمقراطيين دائماً مفككين، لا تستطيع شعاراتهم وكلماتهم النضالية أن توحد الجمهور وتفعل كل طاقاته وجماعاته!
وسيواصل الاستغلاليون انتصاراتهم في المدى القريب، لأن لهم في كل حزب وفريق ودولة ودكان أعوان، وفي كل إنسان لهم مكان، لأن لحظات الخور والضعف والانتهازية والنجومية، كثيرة في كل نفس، ولكن في كل مكان وفي كل عائلة وقبيلة وحزب وطائفة، ثمة أناس شرفاء مضحون مناضلون، حتى لو على قلامه ظفر من شيء!
وهذا النضال والتضحية قد يكون من خلال دين أو مذهب أو فكرة جديدة أو حتى في صدق فردي وإيمان ذاتي بالخير وبالقانون، فطرائق التضحية و«الحق» متعددة ومصالح الناس من الممكن أن تتحقق بطرق مختلفة، ولكن هؤلاء المضحين مشتتون متنباذون، لأنهم لا يدركون جوهر القضية، وعمق ترابطهم، ويركزون على الأشكال التي تتجلى لهم فيها الحقيقة، فقد تتجلى بشكل ديني أو تحديثي، أو فردى، وكلٌ يراها من خلال تقاليده ومستوى معرفته.
لكنهم في المحصلة لا يتحدون في حين أن قوى الاستغلال تنمو وتتطور بقدرتها على تفكيك قوى النضال والخير والتقدم، وتقوم بدق الأسافين بحيث تتمكن هي من السيطرة على المختلفين المتنابذين، وهكذا تمكن الأشرار والمستغلون عبر التاريخ من الاستفادة من تشتت قوى المعارضة والمقاومة، وكرسوا أنظمتهم وسيطرتهم.
هذا يتطلب قادة على مستوى تاريخي، يرتفعون عن السفاسف وعن الوقوع في المصائد التي تنصبها قوى الاستغلال، ويرون ما يفيد الناس ويطور من أوضاعهم، ويوحد صفوفهم، مهما كانت الكلمة التي يطلقها هذا الحزب أو ذاك، فالمهم هي الدعوة لا الداعي، وكلمة الحقيقة من أي لسان قيلت!