لم يكن شيئاً عفوياً هذا الارتباط بين كونِ أغلب الصحابة من التجار والتوجه للحداثة في الإسلام. كونُ الإسلامِ قوةٌ إجتماعيةٌ ثقافية لتجديدِ عالم العرب البدو لا أحد يجادل فيها، لكن غالباً ما يتم التغافل عن هذه الحيوية النضالية الداخلية لعملياتِ التجديد التي يقوم بها فقهاءٌ مؤثرون، وكيف يمشي خيطُ التغييرِ نحو المدينة، من مدينةِ مكةَ البسيطةِ لمدينةِ بغداد. نرى كيف يعملُ فقيهٌ في الحجازِ بظروفِ الحجاز المحافظةِ لكي يجددَ، في حين يعملُ فقيهٌ آخر في الكوفة وفيما بعد بالعاصمة، لتحريكِ رأس المال من قيوده الاجتماعية الدينية الثقافية ليقوم بعملية التغيير الديمقراطي. العقلُ التجاري الأول هو عقلُ المادةِ الفكرية والبضاعةِ السلعية المستفادتين من التجارة التي غدت مكة إحدى عواصمها، وكلا العقلين قاما بخلقِ فئةِ تجارٍ ضالعةٍ في التجارة العالمية، وفئةِ مثقين تجارٍ قائدةٍ لعملية التغيير، وهذا قادَ لتكون أكبر إمبراطورية للتجارة في العالم وقتذاك رغم أن التجارَ فقدوا السلطة بعد الخلفاء الراشدين، وواصلها ملاكُ الأراضي الزراعية البذخيين المسرفين. تدفق التجارة وتحول الحياة ونمو الحرف كانت تعطيهم قوةً لإعادةِ النظر في الأحكام، لتصبحَ الفائدةُ مقبولةً في ظلِ شروطٍ معينة، وأعادوا النظر العقلي في العديد من ظواهر الحياة، لكن المعادنَ النفيسة كانت تخرجُ من بلاد المسلمين لغيرهم. هذه المعادنُ كانت وماتزال ميزاناً دقيقاً لنمو قوة العمل وإتساع الإنتاج البضائعي، وعلو الفلسفة وبحثها عن إزاحة العوائق والمخلفات من مجرى نهر التطور للبلدان العربية الإسلامية. كان الصرفُ والهدرُ في الثروة أكثر من تنامي قوة العمل، ونظريةُ الفقهِ لم تصلْ للربطِ بين الأحكامِ الفقهيةِ وتدهورِ حالةِ النقد وتسربِ الذهب. الأحكامُ الشرعيةُ حول الزواج تبقى بدون تغيير رغم نضوبِ قوى العمل المنتج عند الفلاحين وهروبهم للمدن، وإمتلاء الأحياء بالشحاذين والصعاليك والمشردين والبدو الهاربين من المجاعات في الصحارى. لم يكن بإمكان الفقهاء حسب مستوى المعرفة التقنية والشرعية أن يربطوا بين أحكام الأسرة وعلاقات الإنتاج. تدهور التجارة يصاحبها تدهور الفقه، أي بقائه عند إحكامه القديمة، ولا يكتشف العلاقات بين ضمور الأسر الإسلامية وإختناقها بكثرة العيال والفقر والخرافة وبين العلاقات الاقتصادية في الأرض والحكم. خفت التجارُ الأحرارُ الذين طلعوا في الحجاز قادةً للثورة، وأختنقوا بين الحكومات الاستبدادية والفقه النصوصي، حتى رفعوا رؤوسَهم ثانيةً في وقتِ النهضة الحديثة وجاءهم تجارُ الغربِ ببضاعةٍ فكرية سبقَ أن أنتجَ شيئاً منها أسلافُهم، لقد زادوا عليها كثيراً ولم يعدْ الأمرُ مقتصراً على التجار والتجارة، وجاءت التسميةُ العربية(أهلُ الأبراج) تحملُ رائحةَ نضالِهم القديم، أي جاءت البرجوازية الحديثة لتوسع من شرائح قوى المال والصناعة، حيث حمى التجار الغربيون الناشئون أنفسَهم وبضائعهم ورأسمالهم بمدن الأبراج، فيما لم يستطعْ التجارُ العربُ أن يحموا أنفسَهم بأبراج وهم محاصرون في الإمبراطوريات حيث السيف والمصادرة والفقه المحدود. بعد أن صادر العسكرُ العرب والمسلمون لحظات الحرية الوامضة في تلك الليبرالية الخاطفة تهلُّ علينا لحظاتٌ أخرى، واعدةً بحرياتٍ جديدة، إذا أحسنتْ القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية قراءة الواقع إستناداً لتاريخٍ طويل من صنع البذور وضخامة فصول القحط. إذا تخاصمت قوى التجديد حول الإيديولوجيات يعني هذا بداية البوار، حيث أن مستوى الإيديولوجيات مستوى محدود، وكلٌ له قراءةٌ مجردةٌ نصوصية، تفتقد إلى جداول من المشروعات التجارية والمصرفية والصناعية والزراعية، التي تملأ الأسواق بالذهب، لا أن تطرده كما فعل زمن الانهيار السابق. منتجو النظريات المؤدلجة من دينيين وعلمانيين من البرجوازيات الصغيرة الطامحة في الرأسمال المادي المنير ذهباً، تقفزُ إليه مرة عبر الإقطاع الديني ومرة عبر الإقطاع السياسي، خير لهم أن يقرأوا هذا التاريخ العسير للأمة، وأن البلدان العربية بحاجة لصناعيين وتجار، بحاجة لمشروعات مادية هائلة تنقذ الشباب العاطل أو المهمش، بحاجة لمشروعات تزيح المدن العشوائية، بحاجة لاسترجاع الذهب من التكدس الخارجي، بحاجة لثورة زراعية، وثورة ثقافية، لا أن نبدأ من الصفر ونتصارع حول من هو الأصح، هذه تجربة الأمم الكبرى في الصناعة والمال تقود تشريعياً ديمقراطياً، فلا داعي للابتكار الزائف، والابتكار في ميادين الإنتاج حيث مجاعتنا الكبرى أما في الكلام فنحن نقود لكن للوراء دائماً.
الاصطدامات بين طريقتي التفكير المحافظ والتفكير التقدمي حتمية وطبيعية، ويجب عدم الفزع منها. وإذا كانت تدور حول العلاقات الأسرية وعمليات التحرر فهي تمثل منطقة الصدام التاريخية الاجتماعية الطويلة الأمد، فالمحافظون يعملون على استقرار العلاقات الاجتماعية الماضية في مجال الأسرة، ويكافحون بشدة أية قفزة نحو تفكيك وهدم هذه العلاقات المستقرة، ويعتقدون بأن الأسرة على النمط الغربي، وأن الحريات المفتوحة التي يدعو لها التقدميون، هي كلها دمار للمجتمع لأنها تقضي على خلية الصمود الإسلامي فيه وهي الأسرة المحافظة. علينا أولاً أن نحترم هذا الفهم ونقدره، ففيه جانب هام لأن أسرة متماسكة متحابة، وكذلك تنامي علاقات صحية داخلها، هو كذلك هدف التحديثيين، فهم لا يريدون تخريب الأسرة وإشاعة قيم الأنحلال، لكنهم يرفضون عمليات التقييد الحادة والتربية السيئة المحابية لاستبداد الذكور وأضطهاد النساء، حيث يحدث انقسام أخلاقي أكبر هو نتاج مقولة أن الذكور يستطيعون فعل ما يشاؤون في حين أن الإناث لا يحق لهن أي نوع من الحرية، حتى لقد غدت الأسرة (المحافظة) وهي الهدف السامي لدى الجميع منخورة وتجري فيها عمليات خراب داخلية عميقة دون أن يتم ملاحظة ذلك! وعلينا أن نعترف كذلك بأن (أغلب) التحديثيين هم محافظون، وإن قالوا بأنهم مع التحديث وحرية المرأة. ومصداق ذلك بأنهم يعاملون زوجاتهم وبناتهم بنفس أسلوب المحافظين الذين ينتقدونهم، فهم يقمعون نساءهم، ويظهرون في التجمعات العامة بدون زوجاتهم وبناتهم، وربما يمنعهونهن كذلك من التطور الخاص، ويفضلون إنزوائهن في البيوت! فهناك في الواقع رعب عام من تحرر المرأة، وهي حالة موضوعية لها علاقة بتعقيد التطور، فالتطور الاقتصادي كبير في حين أن التطور الاجتماعي شديد البطء. وهذا التطور الاقتصادي يُحدث حالات حادة من التفكك ومن الأصطدام بين الشرائع والقيم، كما أنه يقود الكثير من القوى العاملة إلى الفقر وبالتالي إلى دفع بناتهم إلى العمل، مع الخوف من تلوثهن في هذه الأوساط الجديدة الغريبة غير المسيطر عليها وطنياً وأخلاقياً. كما أن النساء يمتلكن فوق قوة عملهن قوى سحرية أخرى قادرة على القفز فوق قيم العمل والصبر والتضحية، ولكن هذا القفز لا يؤدي سوى إلى تفكك العائلات، وأستشراء الأنانية، وإلى قيم أخرى مبتذلة. إن الذكور يلعبون من جهات متضادة دور تقييد الأسرة ودور تفسخها كذلك، فهم كآباء يتشددون لكنهم لايتشددون بنفس القوة إذا كان الأمر يتعلق بغير عوائلهم. وهذه الحالة الأخيرة تزداد مع عوالم الأغراء والحرية والاختلاط، وبالتالي تجد الذكور المحافظين والتحدثيين هم المتواجدون في التجمعات العامة، على تباين أصنافها، وهم كلهم يقلصون من تواجد النساء، ربما لوجود رؤية مشتركة لدى الجميع بأن الغريزة هي المسيطرة عليهم، أما القشور الدينية والتحديثية فهي طلاء خارجي. إن هذا واقع موضوعي لا يمكن تجاوزه بسهولة، ويحتاج لسنوات طويلة من تأصل قيم اجتماعية مشتركة، تجمع بين الجذور الدينية الأخلاقية الرفيعة وقيم الحضارة الحديثة المساواتية والتحررية، وهو أمر يحتاج إلى مد الجسور بين هذه التيارات التي تسعى لتطور المجتمع، كل من زاويته.
موضوعا السحر والدين واسعان جداً، ولكننا نقصد هنا الأسباب التي أدت إلى بقاء السحر بل وأنتشاره بقوةٍ في العقود الأخيرة، حتى صار للسحرة بدل البيوت المخفية محطات فضاء ذات تأثير شعبي واسع! إن السحر والدين تربطهما وشائج وصلات قوية، فكلاهما يعتمدان على الغيبيات، فهما مرحلتان من التفكير البشري اللتان لهما أسباب موضوعية، وإذا كان السحر هو المرحلة البدائية من التفكير البشري في البحث عن الأسباب، فالدين مرحلة تالية وأعلى منه للبحث عن هذه الأسباب كذلك! فالبشر لا يختلقون أسباب التفكير بل هي تكون نتاج تطورهم الصعب وسط ظروف الطبيعة القاسية ووسط صرعاتهم الضارية كذلك! وما يحيط بهم من ظروف وأحداث فيها السيء وفيها المفرح لا يفهمونه كل الفهم، ولهذا يلجأون لقوى أخرى من خارج وسطهم البسيط لكي تعينهم على هذا الفهم وعلى التأثير فيها والتغلب عليها! وتتباين استجاباتهم لهذه القوى حسب مداركهم وظروفهم العامة والشخصية، وحتى صاحب النفوذ والقدرة الهائلة يحتاج للسحرة لا لشيء سوى إنه فقد القدرة على السيطرة على الأوضاع والتنبؤ بالمصير، فيتوجه المعتصم الحكاكم ذو النفوذ الهائل للاستعانة بالمنجمين، في حين إن أخاه المأمون كرس حكم العقل الديني! وحتى لو جاء العالم ذو الإمكانيات العلمية الكبيرة لا يستطيع أن يفهم كلَ شيء، وأن يتنبأ بالمصائر، وأن يعرف تطورات الدول والأحداث بدقة، فهو يمكن أن يعرض ملامح عامة، لكن التطورات والأحداث لا يحيط بها كل وعي مهما كانت سحريته أو تدينه أوعلميته! والمجتمعات تتباين في تطورها فإذا حدثت الأزمات الحادة وكثرت الظروف السيئة عليهم أو داهمتهم أمراضٌ خطيرة لجؤا إلى نوع ما من التفكير بأنواعه الثلاثة السابقة الذكر، حسب مستوى معارفهم، وحسب تطور حياتهم، فالمتخلفون جداً والمأزومون يختارون السحر، مثل الذي يلجأ للفانوس السحري وبساط الريح والنفث في العقد والتمائم والأحجبة وغيرها، يستعين بها من أجل تجاوز الخطر وخلق الظرف الملائم له، وعادة يجري ذلك في المستويات الشعبية، التي لا حظ لها من دين عقلي أو من علوم، أو تكون الحالة قد وصلت في الإنسان أو المجتمع إلى درجة الإطاحة بكل ثوابت العقل! إن الإنسان المأزوم جداً أو المجتمع شديد التخلف أو المأزوم جداً كذلك يلجأ للحل الأخير المتدني، وهو إزاحة العقل بشكليه الديني أو العلمي. إن علينا أن نحترم هذه الأشكال الثلاثة الكبرى من التفكير البشري، فهي وليدة حالة الإنسان الموضوعية، فكم من مثقف حين يعجز عن حل تناقضاته الداخلية أو حين أستفحل به المرض الخطير، قد لجأ إلى مشعوذ أوساحر، وكم من عالمٍ راح يكلم قبور أهله!
عبـــــــدالله خلــــــــيفة : جورج لوكاش وتحطيم العقل
هو من كبارِ المفكرين والنقاد الماركسيين خلال القرن العشرين (1885-1973)، وُلدَ في المجر وتنقلَ بين دول أوروبا، حاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة واشتغل بالتدريس، وغدا عضواً بالحزب الشيوعي المجري منذ عشرينيات القرن العشرين، وألف الكثيرَ من الكتب التي غدت مراجعَ في الفلسفة والأدب والنقد في العالم. أهم كتبه هي عن ألمانيا، نظراً لعيشه الطويل فيها فكتب عن غوته وهيجل، وقد عبرَ كتابهُ (تحطيم العقل) بثلاثة أجزاء عن دراسةٍ عميقة مطولة لكل شخصية فكرية في ألمانيا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، منطلقاً في الكتاب من رؤية عميقة حللت أسباب ظهور اللاعقلانية في الثقافة الألمانية وتجليات ذلك لدى الفلاسفة إلى أن ظهرت بشكل دموي لدى هتلر، يمكن رؤية بعض المشابهة بين التطور الألماني والعربي الإسلامي. برغم هذه الثقافة فإن جورج لوكاش يحلل التحولات السياسية في روسيا والانقلاب الاجتماعي السياسي سنة 1917 بأشكال معينة لم تصمد لغربلة التاريخ، وفي كتابه السابق(تحطيم العقل) يحضرُ قادةُ البلشفية خلال أسطر سريعة جداً، وهو كتابٌ صدر سنة 1952، وهي مسافة زمنية كبيرة عن الحدث الروسي، لكي يراجع لكن المراجعة وقتذاك لم تحدث، وتحدث بشكل عاصف لاحقاً. ساهم في كتابة تأبينية بشكل مقالة كتبها بعد وفاة لينين قائد التحول السياسي الروسي. (يقولون إن لينين كان رجلا سياسياً روسيا كبيرا، ولكنه كان يفتقر، حتى يكون زعيم البروليتاريا العالمية، إلى حسِّ التمييزِ الذي كان سيتيحُ له أن يدركَ الفارقَ بين روسيا والبلدان الرأسمالية المتقدمة)، كتاب لينين، دار الحقيقة، تقديم جورج طرابيشي. ويرد لوكاش بأن هذا النقد ينطبق على ماركس نفسه، الذي استخلص من تحليل المصانع في إنجلترا رؤية رأس المال التي عممها على العالم كله. يعرض لوكاش هنا جانبين مختلفين فدراسةُ ماركس لرأس المال كانت بحثية طويلة لاستخلاص قوانين بنية رأس المال، في أكثر البلدان الرأسمالية تقدماً، وليس تطبيقاً لتجربة سياسية، في حين كان عمل لينين قيادة انقلاب لإنشاء نظام اشتراكي. الأول اكتشف بمساعدة أبحاث علماء اقتصاديين سبقوه قوانينَ بُنية اقتصادية، ولكن لينين لم يكتشف قوانين بنية اقتصاد اشتراكي يريد تطبيقها، بل لجأ للتجريب عبر سنوات. بين بحث الأول في الرأسمالية وتطورها، وبين نقض الثاني للرأسمالية التي لم تتطور في روسيا هوةٌ كبيرة. ولو كانت قوانين البناء الاشتراكي موجودة واضحة لكان ماركس طبقها بنفسه، ولهذا فإن الاشتراكيين الغربيين بدءًا من الألمان كتبوا وتصارعوا فكرياً وسياسياً لمعرفة كيف يتم نفي الرأسمالية وتجاوزها من دون الاتفاق بينهم. بعد وفاة ماركس ظل أنجلز يحدد كيفية تجاوز الرأسمالية من خلال النضال الديمقراطي الإصلاحي الطويل، بتغيير حياة العمال والحصول على مكاسب وتطور الحياة الثقافية والاجتماعية لمجموع الشعب، وهو الخيار الذي تكرس بعد ذلك في حزب الاشتراكية الديمقراطية الألماني المتواصل النمو، والذي حدثت له أزمةٌ في الحرب العالمية الأولى بسبب خسائر الحرب الكارثية وخيانة قادة من الحزب ووقوفهم مع الدولة والحرب. وقد تعددت رؤى الماركسيين الألمان للاشتراكية ففي (البيان الشيوعي)دعوة لإسقاط الرأسمالية كلية، وفي برنامج الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني في السبعينيات من القرن التاسع عشر دعوة لبعض التأميمات والإصلاحات من خلال سيطرة الطبقة العاملة على الحكم، وهو البرنامج الذي ظل حتى رفضتهُ جماعةُ (سبارتاكوس) مطالبةً بالعودة للبيان الشيوعي وإسقاط الرأسمالية كلياً في ألمانيا بقيادة روزا لكسمبورغ سنة 1914، وبعد سنوات قامت الثورة في ألمانيا وهُزمت وقتلتْ روزا وكارل ليبنخت زعيما الثورة. إن رؤية الاشتراكية لدى الماركسيين غير واضحة ومحددة، لأن الاشتراكية غير واضحة، وثمة فرق كبير بين تغيير نظام عبر الثورة أو الانقلاب والقيام بالتأميمات، وبين إزالة التشكيلة الرأسمالية وهو الأمر الذي لم يدرسوه. فتغيير نظام واحد أو عدة أنظمة بتلك الإجراءات لا يبني اشتراكية التي هي تشكيلةٌ بشرية، كإزالة العبودية وهي تشكيلةٌ عالمية لم تزل إلا عبر مئات السنين من خلال حراك الشعوب الطويل المتقطع المتواصل. في معظم كتابات لوكاش يتوجه للغة ماركس الهيجلية، ويعتبر هيجل مصدراً أساسياً لماركس وللماركسية، كما في كتابه (التاريخ والوعي الطبقي)، وكذلك معظم كتاباته بما فيها مقالته عن لينين التي خلطت بين دراسة بنية وصناعة نظام عبر مفردات شعرية: (استشفَ عالم الرأسمالية الأكبر من خلال العالم الأصغر وهو المصنع الإنجليزي ومسلماته وشروطه الاجتماعية وكذلك من خلال الميول التاريخية التي أفضت إلى ولادته وتلك التي تجعل وجوده أمراً غير مؤكد على الدوام). هذه اللغة الاستشفافية وعبر قراءة الميول هي لغة رومانسية سوف يدمجها لوكاش مع وعي نظري هيجلي ماركسي مختلط، يصل فيه للذرى حيناً ويغمض فيه أحياناً عدة. قرأ جورج لوكاش تجربةَ ألمانيا الاجتماعية السياسية بعمق خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، دارسا خيط الأفكار الدينية والقومية الشمولية والصوفية التي وَجهتْ النخبَ والكثير من أفراد الشعب نحو القبول بهتلر قائدا منتخبا، فكيف تدهور وعي الشعب كي ينتخب هتلر الذي قادهُ لمذابح الحروب العالمية وحطم البلاد؟ إن مسارات تحول النهضة في ألمانيا تختلف عن تحول النهضة في بريطانيا وهولندا، الرائدتين في الحداثة، فحسب طرح لوكاش ان حروب الإصلاح الديني التي وُجهت لهزيمةِ البابوية الرجعية ممثلة الإقطاع المركزي أدتْ إلى جانبين مختلفين؛ فقد تطور واتحد كلٌّ من بريطانيا وهولندا، وانفصلتا عن الإقطاع الديني وشكلتا التجربة الرأسمالية الجديدة، فيما تفتت ألمانيا لدويلاتٍ صغيرة ومقاطعات لا يربطها هيكلٌ اقتصادي. استمرت ألمانيا مفككة وإقطاعية عامة ويجري فيها تصنيعٌ رأسمالي محدود حتى انفجار الثورة الفرنسية، وهجمة نابليون عليها وتغييره لها لكن عبر غزو وفرض إرادة أجنبية مكروهة. وقد تعقدت مهمةُ القوى الديمقراطية الألمانية المحدودة ومواقف الكتاب الكبار تجاه التطوير الفرنسي الاحتلالي وتجاه النضال القومي التحريري، خاصة مع قيام القوى الإقطاعية القديمة بقيادة معركة التحرير والهجوم ضد الاشعاع الفرنسي الديمقراطي. وتصاعد بعد ذلك دورُ النبلاء والضباط الكبار الألمان عبر بسمارك والعائلة الملكية في توحيد ألمانيا وتقدمها، ونشر ثقافة رجعية كذلك في صفوف الشعب. وقد ظلت ألمانيا في القرن التاسع عشر حتى أوائل القرن العشرين متضادة التركيب، فهي تتقدم بصور سريعة في الصناعة حتى غدت هي الدولة الصناعية الأوروبية الأولى في بداية القرن العشرين متخطية الدول الصناعية الكبيرة متقاربة مع الولايات المتحدة. في حين أنها في مسائل التطور الاجتماعي كانت متخلفة، فجسمُ الإداريين العسكريين الكبار كان لايزال مهيمنا على الحياة السياسية الاجتماعية، والمُلكيات الزراعية الكبيرة سائدة في الأرياف، وكان لاتزال ثمة أقاليم مفككة، وثقافةُ المسكنةِ وضيق الأفق وغياب المنظورات التنويرية والديمقراطية سائدة بين الجمهور. أدى هذا إلى ضخامة القوى المالكة المحافظة وتغلبها على الطبقات البرجوازية والعاملة الليبرالية والمتنورة، وبهذا فإن المفكرين والكتاب والأدباء تأثروا بهذا المنحى المتناقض، وعبرَ الفلاسفة عن تدهور العقلانية كما لدى شيلنغ، ومحدودية العقلانية وفرديتها لدى الفيلسوف كانط، وتضخمتْ الفرديةُ لدى فيخته، ورغم الجدلية العظيمة لهيجل ففلسفته ذات بناء اسطوري، وكيريغارد أسس الوجودية الصوفية حيث الفرد محور الوجود ولكن عبر نقد الدين كهيمنة خارجية على الإنسان، وكان لاسال زعيم العمال (الاشتراكي) يعتبر الإمبراطور هو القائد النقابي للعمال. ورغم هذا التخلف الثقافي فقد تعملقتْ ألمانيا صناعيا وبحثتْ بشهوةٍ عارمة عن الأسواق، وأصبح صناعيوها يفضلون الغزو ودعم الاستعمار ويفضلون الدكتاتور بدلا من تعزيز الديمقراطية. ولم تكن الحركة الاشتراكية الديمقراطية حسب رأيي وليست حسب رأي لوكاش جدلية تركيبية في تصوراتها فكان ينبغي أن تطور الرأسمالية وتنقدها معا، وتركز في إزالة بقايا الإقطاع وتكون جبهة عريضة ضد التخلف ولثقافة قومية ديمقراطية. وقد أدى تطرف روزا لكسمبروغ بعكس ما يقول لوكاش في كتابه(التاريخ والوعي الطبقي) وتوجهها لأقصى اليسار إلى بتر التحالف الاشتراكي الديمقراطي وصعود الثقافة النازية وخداعها للجمهور عبر جمعها بين الاشتراكية الزائفة والهوس الوطني الديني، وبهذا فإن أقصى اليسار في روسيا وألمانيا صعّدا النازية من حيث لا يدريان. ظل لوكاش عقودا في الاتحاد السوفيتي، ولم أقرأ له تحليلا نقديا عنه، وقد صار ضمن وزراء ثورة المجر ضد السيطرة الروسية عام 1956 وهو تحول مضاد وعظيم، خاصة لشخصية جورج لوكاش وبعد ذلك عاش في الغرب يثري الدراسات الفكرية والأدبية من خلال وجهة نظره. هذه لمحاتٌ محدودة من عوالم جورج لوكاش الواسعة.
إن السببيات شاملةٌ واحدةٌ لكلِ فكرةٍ كبيرة؛ للأديان والمذاهب والمدارس الفكرية، وتتلخصُ في مدى قدرة الفكرة في نموها الايجابي على أن تكون مرشدةً للتقدم الإنساني، وفي جانبها السلبي حين تعوق هذا التقدم وتكرسُ نفسَها لوقفه والأسوأ لمحاربته. في صدام الأماميات والحنبلية في بغداد أواخر العصر العباسي الثاني، يتشكل قوسا القوميتين المحافظتين الفارسية والعربية البدوية الصحراوية. الأولى تستعين بثقافة اللاعقل، بهيمنة النجوم والكواكب المتحدة بالأرواح وقوى البشرية المفارقة التي غدت مهيمنة من السماء، وبطقوس الزراعة القديمة، عبر ثقافة الندب وتعذيب الذات، والثانية تستعينُ بحرفية النصوص المقدسة الكلية، حيث كل حرفٍ حتى لو إمتلأ بالخرافة يغدو حقيقة. كانت الثقافة الإسلامية أمام منحيين كبيرين متضادين. لم تستطع ثقافة العقل والعلوم والنقد أن تخترق الحجب المعتمة، وثمة مستويان إجتماعيان يصطدمان: الملاكُ الكبارُ في فارس يستعيدون السيطرةَ على الأراضي، ويتغلغلون في الخلافة العربية: بني بويه المؤثرون هم رموزُ هذه المرحلة. البدو والأعراب الذين ملأوا المدينة العاصمة يجدون أنفسهم امام سيطرات غير عربية: فارسية وتركية، وخاصة الفرس الذين يصارعونهم كثيراً على حدود الأرض وهم أصحاب السلطان. تنفجر الحنبليةُ بكراهية شديدة للعقلانية وللتحليل والفلسفة، ويصرخ قائلهم:(من تنمطق فقد تزندق!). والمفكرون الفرس يوغلون في الماورائيات، ويعودون لتقاليد الشعوب القديمة في كسر الجدران بين الحس والغيب. وتتدفق الصوفياتُ كشكلٍ بارزٍ للاعقلانية وتحلُ الأرواح الغيبية في الأجسام البشرية المحدودة وتصعد نحو السماء للذوبان في المطلق! في المدارس اللاعقلانية وقتذاك هجومٌ سياسي على العروبة وجسدِها الاجتماعي الملموس وهو هؤلاء البدو الذين لم يستطيعوا أن يتطوروا ولم يستوعبوا الفلسفة العربية في جنونها المتصاعد. ولهذا هم يستعيدون الأحكامَ المبسطة للشريعة؛ إستخدام الحدود وتطبيقها الصارم والعودة للتقاليد البدوية، وعدم الاجتهاد والتحليل، ومقاومة الغزاة المختلفين مع الملة، وضد أي أناس يدخلون الأفكار (المنحلة) و(الفاسدة). هنا يحدث الافتراقُ بين الجزيرة العربية وفارس. بين الحنابلةِ والشيعة. ولكنهم جميعاً يتفقون على الأحكام الحرفية الحدودية فيما يتعلق بقطع إيدي اللصوص البسطاء وترك الحرامية الكبار الذين يملكون الإقطاعيات الواسعة ويشنون الحروب. كلُ فكرة تتجمدُ عن خلقِ التقدم تركزُ على الأشكال، والكلية الصارمة، وأن لا ثمة تناقض وتعدد في مبناها، وأنها كانت ولا تزال هي نفسها منذ أن ظهرتْ حتى يوم القيامة، وتجعلُ أتباعَها يعيشون في أشكالِها العبادية بصرامة، وترفضُ الاجتهادَ والممكنَ والاحتمالات والسيرورة والتغير، أي تخاف أن يتوجه أتباعها للتحللِ من قيودها الصارمة، والاجتهاد في تفسيراتها، وتبصر التقدمَ الذي يجيءُ من جهات أخرى، ودرسه ورؤية مدى الاستفادة منه. الفكرةُ في طورِها الأولِ حين تكون مناضلةً لتغيير أحوال الناس لا تكون مثل هذا، لا بد لها من قيود ما، وضبط للاتباع بأشكال، لكنها تكون متفائلة، فرحة، منفتحة، لأن الانتصارات والممكنات القادمة التحولية تجعلها ثوريةً فاعلة في عالمها وتقدم لجماعتها عيشاً جديداً متطوراً، فترفض التطرفَ وتحب الحلول الوسط والاجتهادات التي توسعُ ذلك التقدم. الفكرة حين تصبح زنزانةً تجعل مبادئها شكلية، تناور عن المضمون والاحتمال والممكن والاجتهاد والانفتاح على الآخرين والاستفادة من إيجابياتهم، تخافُ من التقدم، وتغذي التعصب، والعداوة. الفكرة حين تصبح إمتيازات للبعض، وإستغلالاً وطنياً أو عالمياً تبتعد عن كشف الحقائق، ودرس الظروف العامة بموضوعية، وتنزلق نحو دهاليز غريبة، فتضخم جزئيات لدرجة تحويلها لجبال، وتنفخُ من شخصيات مريضة لأنها تغذيها بالوجود، وسواء كانت الفكرة هي الوجودية أو الماركسية أو المذهبية الدينية أو الليبرالية، وتغدو قوى المصلحة القديمة دائماً معرقلة لتطور ذات الفكرة. الليبرالية تغدو دعوة للحرية في المشروع الخاص، لكن مع خنق المشروع الخاص العالمي الغربي لتطور الكرة الأرضية المتنوع تغدو الليبرالية فكرة واحدة ومشروعاً خاصاً فوضوياً مسيطراً رافضاً للمشروع العام التخطيطي المنسجم مع التقدم. الماركسية تغدو أداة للحرية وحقوق العاملين ثم تغدو زنزانة لهم حين تصيرُ بيروقراطية إستغلالية. الفكرة تغدو متطورة حين تكون على علاقة وثيقة ديمقراطية بالناس، تتغذى من أسئلتهم ونقدهم، وتوسع من فهمها لتكتشف جوانب جديدة من التقدم الذي لا يتوقف.
حين تكف النساءُ عن ولادةِ الأبطال، ويتشاجر الرعيانُ الرواةُ على أثمانِ الأحمال فوق ظهورِهم، ويتوارى منشدو العرضاتِ والأغنياتِ والقصائد وراء مساومات وبنادق وبضائع رخيصة في جبال القرى والأرياف والبوادي، تعقرُّ النسوةُ عن الخصب والحناجرُ عن صوغِ الملاحم! يعسسُّ الشاعرُ في الظلماتِ مستأجراً قارباً من بَحارٍ فقير يحملٌ آلةً طابعةً كتبتْ منشورات وطنية وأعمالاً أدبية، وكلما أوغلَّ البحارُ في التيه البحري طالب الشاعر الشاب المتدفق بالعواطف الفياضة بالمزيد، حتى أستوى البحرُ تلالاً وهضاباً، ولم يعد ثمة نسمة، أو بصيص من عود كبريت مشتعل، حينئذٍ أنزلَ الشاعرُ الآلةَ الطابعةَ في جوف المياه، والبحارُ يقول له: أليس من الأفضل أن أحتفظ بها في بيتي حتى تكتب عليها أعمالك العظيمة أو يوصل المناضلون الكلمةَ بها للشعب؟ فيرد لا! حين تتحول الآلةُ الكاتبة وهي المشتراة براتب موظف فقير في أزمنة الشظف في السبعينيات إلى سمٍّ للسمك، يتحول الشاعر لمخربٍ للبيئة، وللشجاعة في الحي الشعبي الذي عبدَ بطولات المبدعين الخياليين. ذهب الشاعر للسجن بعد صرخة أطلقها في الشارع وقد إنتفخ إنتفاخاً عظيماً، وحصل على بضعة أكف بين الجدران فتاب، وزاد وزنه الكثير من الأرطال، ثم خرج وقد أمحت من ذاكرته صور ما قبل السجن ولكنه لم يترك الشعر الذي صارت فيه الكلمات مثل النمل، الصغير، الدقيق، المنفصل عن البشر والحرائق الاجتماعية. (غنمي غنمي ما أجملها في موكبِها نحو المسلخ!). ملأ الشاعرُ السجنَ ضجيجاً، وحولَّ الأعشابَ لسجائر، وقراطيسَ السجائر لنصوص تمتدُّ من السقف للأرض، وبدا أنه عملاق يصلُ للجبال وهو يمشي على السطح البشري المثقوب، لكنه حمل الزنزانةَ داخله، فلا يظهر فيها ثائر ولا رغيف محروق، ولا زقاق بائس. حين يُضربُ الشاعرُ على رأسه الطفولي ويفقدُ شبابَه الثقافي وتعليمه الروحي ويجثمُّ في الزنزانة مثل الصخور، ولا يبكي، ولا يفجع، ولا ينقد، ولا يَدخلُ أعماقَه ليقرأ روحَه ويمزق وينشر خيباته ويجسدُ ضياع َزوجته وأطفاله ورفاقه ويرفع أصابعه بعلامة التغيير والصمود البلاستيكية الدائمة، يتحول الشعرُ لرماد مستمر تذروه الرياح. حين يصير الشاعرُ مطرقةً تردد الهتافات في المناسبات فلا تظهر زوجة جريحة له، ولا ابنة ثائرة، ولا رفاق خونة، تتساقط المرئياتُ والملصقاتُ من على جدار البطولة الزائف. الشعرُ ذروة البلاغة السحرية المتغلغلة في عظام الناس، والتحليل الضوئي للشر والخير، للبطولة والهزيمة، هو مرايا الضؤ وهي تكشفُ جراح البشر، يدٌ رفيقة تنتشل ضحايا الغواصين من بين الأجداث والزجاجات الفارغة للسفن وعلب المراكب الأجنبية التي تسكر فوق الموج والزيت والدم والأشرعة ومن بين المجاديف التي قاومت قنابل الاحتلال، فيعثر على خيط من المقاومة عبر الجثث المتحللة. الشاعر الكبير يُلقى في الزنزانة سنيناً ويقوم السجانون بمحو ذاكرته والصور من عينيه وروحه، ويُغرق في براميل من المرتجعات والمخلفات البشرية والقيء لكن صور الناس وتجارب البشر تزدهرُ في أعماقه وتزهو عبر السنين وتتطور في خروجه وبكشفه ونقده لما يحيطُ به وتتجسد في عروض مسرحية وملاحم مكثفة. وتصبح علاقته بزوجته مرئية بتفاصيلها ونضبها ثم ببرودها، فلا يخشى الشاعر من عرض عواطفه المتبدلة، وعرض البلد التي إستضافته مُنتقَّدة، ناقصة. فلماذا بقي الشاعرُ التركي الأسطورة يفيضُّ من مادة النور والنار؟ الشاعر الصغير يتحلل، ويتحول لفسيفساء من أشياء، لا رابط لها في معاناة، الأفكارُ الكبرى تصيرُ حشراتٍ زاحفةً في تضاريس يومية مقطوعة الصلات والحياة بالنار الاجتماعية التي تسري لدى البنائين. كثير ما يموت الشعر العربي لأنه شعر حضري سريع التكون، معانيه مرتبطة بمعاناة سريعة قليلة ضحلة، لا تصل لفلسفة، ويبقى على سطح عاطفة يومية، يصعب عليه أن يقيم علاقات مع رموز تراثية وصراعات إجتماعية، ويغدو فردياً محضاً بلا إشتغالات الفرد العميقة من وجود ومجتمع وكفاح. حين تتجمد يد الطليعة الشاعر عن الاتصال بالألم البشري ينطفئ ذلك التنور مصدر العلاقة بالانتاج الخصب. حين يقطع الشعرُ علاقاته بالتناقض الاجتماعي الروحي الفلسفي يلغي القطبيةَ الكهربائية مشعلة الصور ويصير فحماً لكنه لا يصلح لبرد الشتاء ولا حر الصيف. يعيشُ الشعر على الخصال العالية، على التضحيات الجسام، على البطولات الملحمية، وحين نفتقده نتأسى على حال الأمة. (نثرٌ يعوي في وادينا أسرعْ أسرعْ يا راعينا)!
ABDULLA KHALIFA
WRITER AND NOVELIST FROM BAHRAIN
♦ Abdulla Khalifa Al Buflasa (born March 1, 1948 in Gudaibiya, Manama, Bahrain – died October 21, 2014 in Manama, Bahrain) is a Bahraini left-wing novelist and columnist.
♦ Upbringing and Education: Albuflasa was born in 1948 in the Gudaibiya area of the Bahraini capital, Manama. He studied at the Teachers Institute.
♦ Career career: He worked as a teacher after graduating from the Teachers’ Institute.
♦ He joined the ranks of the National Liberation Front – Bahrain in the 1960s and became active in its ranks. He was arrested in 1975 and dismissed from his job and released from prison in 1981.
♦ He wrote short stories and novels since the late 1960s and has various contributions in literary criticism. He also works as a columnist for the Gulf News newspaper.
♦ Member of the Union of Arab Writers in Syria.
♦ Contributed to the conferences of the Arab Writers Union, and the first conference was in 1975 held the Algerian Republic and presented the search for the evolution of the short story in Bahrain I subscribe to it, and participated in the Conference of the Arab Writers ‘ Union in Tunis in 2002, research under the cursed n (The roots of violence in contemporary Arab life), He participated in a conference in the Arab Republic of Egypt in 2003, and a research under the title (Arab intellectual between freedom and tyranny). And many Arab literary conferences.
♦ Since 1981 he has worked in the social and cultural Press in the Bahrain and Gulf newspapers, and has been published in several Arab periodicals.
♦ He wrote articles and political and social studies on the history of Bahrain and the development of the short story.
كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة
يقولُ بأنه توقف عن الكتابة الأدبية التي بدأ بها، وكانت هي فرحة عمره، وتفجر روحه! ثم صارت الكتابة سلماً للحصول على المنافع، ويقول بأنه نجحَ في حياته العملية، فقد أنشأ بيتاً بفضل تلك الكتابات التي يغلبُ عليها التصبيغ، وصارت لديه حياة منزلية محترمة! بين أن يكون الإنسان واعداً في الكتابة والخلق الإبداعي، ثم يتحول إلى سمسار كلمات، هوة كبيرة، بسبب أن كتابة الإبداع احتاجت منه أن ينغمر في حياة الناس وآلامهم، وأن يكتوي بمعاناة جعلته يقدر أخلاقياً قيمة الكلمة، وأن لا تهمه المنافع المادية إلا بقدرِ أن تغدو معاشاً يجدد خلاياه على المقاومة والبحث والقراءة! لكن حين صارت الكتابة سلقاً، وتحبيراً لأوراق المدائح المستمرة، فصار المبدعُ خادماً، وغدا المناضل سمساراً، وأصبح التفكير في المردود المادي مهيمناً، فلم تعد المشكلات والقضايا والبشر لها أهمية بقدر ما تملأ جيبه وتكون له سلالم للصعود! ولهذا لم تعد القصة التي كان يتحرق إلى صناعتها مهمة، وصار يقول (الناس لا تقرأ ، الكتب كاسدة ، لماذا نضحي من أجل أناسٍ لا يفهون . يا أخي البشر حيوانات كلُ يعمل من أجل جلده ورزقه فدع عنك المثاليات!). وكل ما نجح وأزداد ثراءً أنحط أكثر، صار مثل الطبل الأجوف، كلماته هي نفسها، غير قادر على صناعة أي جديد، لا يعبأ بقراءة، ولا يهتم بأحداث حارقة.. بل صار المهم لديه الاهتمام بأخبار الفنانين والفنانات، باعتبارها ذروة اهتمام المجتمع، ومحل القضايا الساخنة فيه! فأين ذهب كتاب المساكين لدستويفسكي أو الحرب والسلام وعناقيد الغضب، كلها بيعت في السوق ، ولعجبه فقد اشتراها الناس بأغلفتها الممزقة! صارت شعاراته مثيرة للقرف: أكذب، أكذب حتى يحبك الناس! طبلْ لأصحاب النفوذ وكنْ تحت أجنحتهم الوارفة بالخير حتى تتساقط عليك أوراق الملكية والثلاجات والغسالات! ماذا أفادنا الكادحين والمناضلين، لكن الذهب عند ملكات الجمال، والتذاكر المجانية لدى المقاولين الذين لا يصنعون بيوتاً مطابقة للمواصفات، ولدى مدراء البنوك الذين حين تمدحهم يقدمون لك قروضاً بلا ضمانات! وسعْ نشاطك في هذه الأوراق الصحفية، وقابل المتنفذين والمدراء وأصنع إعلانات تحريرية، وأخباراً نجومية، وأحط نفسك بهالة إعلامية وباقة من الورد الجورية، فيزدهرُ دربُك بالمعاشات التقاعدية المبكرة وتتجاوز صفوف المنتظرين في الطوابير الإسكانية! إذا أردت أن تكون رقماً كما يضيف قولاً فأركض إلى أي دعوة، وأصنع اهتماماً بكل رغوة، وأصنع قلماً مثل جذع نخلة وأكتب به مدحاً وإذا كانت لديك موهبة الشعر فأكتب قصائد فهي التي تفتح الدروب للموائد! والعجيب أن المتحدث رغم كل ما حباه إياه الوضع فهو حين يكتب أحدهم قصة يُصاب بغصة، ويروح ينشر كلاماً قديماً وبأغلفة مثيرة، ويجلس مع المؤلفين ويناقش بحرارة مسائل الروح العليا والأخلاق الكبرى، فهو يحس بأن الصدق أهم، وأن عظمة الماضي أهم من انحطاط الحاضر، وأن كل الأبهة لا تساوي كلمة صادقة من قارئ!
في مصر يُسمى الفهلوي في الجزيرة العربية يُسمى العيار. يمكن أن نصادفه في الحياة الشعبية كإنسانٍ عامي له قدرة على التلون والخداع الساذجين البسيطين، لكن في الحياة الفكرية والسياسية فإنه يضعُ طبقاتٍ مركبةً من المظاهر لكنها لا تستطيع أن تموه شخصَه لأن الانتهازي واضح الملامح غير متجذرٍ في الناس والمبادئ. انتصار هذه الشخصية العامة في الحياة العربية يعبرُ عن غياب مواقف الطبقاتِ الكبرى الصانعة للتقدم، فلم تستطع القوى التحويلية أن تصنعَ حفرياتٍ أخلاقيةً وفكرية وسياسية صلبة، ولهذا فإن قادةً سرعان ما يتحولون من يسار متطرف إلى يمين متطرف. من تكريس مبادئ الحداثة والعلمنة والديمقراطية إلى تكريس التقليدية والطائفية والاستبداد، أو دحر مبادئ الليبرالية والاستقلال إلى السير مع القوى السائدة. هذه الهشاشة في المواقف والشخوص تستدعي الحفر المعرفي في طبيعة هذا النموذج ولماذا يستطيع أن يستمر في التقلب واستغلال اللحظات السياسية والأجهزة والتيارات وأن يحيط نفسه بمجموعةٍ أو مجموعات حسب المواقع والظروف. المبادئ الفكرية الكبيرة كالمادية والمثالية، والماركسية والليبرالية، والوطنية والقومية، لا وجودَ لها في هذه الكائنات التي تعيش على سطوح الوزارات والسفارات والتقلبات والقوى المؤثرة المفيدة ذاتياً، التي تستغلُ عطايا وفوائدَ مرحلية لا تتجذر في تجربةِ شعب من أجل الحرية، أو تجربة حزب من أجل صناعة فكر ومواقف، ولكن بقاء هؤلاء في مجموعات يشير إلى تأصل الفساد الفكري الأخلاقي. والشعوب العربية تعيش في مفارق طرق حادة مخيفة وأية شعرة فكرية سياسية تدفعها لمواقف خطرة، فتريد حسماً في الانتماء للتغيير والتقدم فكيف حين تتلاعب هذه الشخوص الفقاقيع في مصير تيار سياسي أو شعب أو دولة؟ كيف يمكن التقلب بين الوطنية إلى المحافظة الطائفية وإستغلال دين جماعة للصعود الذاتي؟ إنه تاريخٌ متجذر من (العيارة)، كان العيارون في الزمن العباسي شطاراً ومدافعين عن الكرامة والناس، كانوا ينفصلون عن الغَمر العادي ويؤكدون ذواتاً مستقلة وشخصيات رفيعة، في حين أن معاصريهم إندسوا في التيارات المضيئة من أجل علاقات بسفارات وعطايا دول وخربوا الأزهار النضالية التي تتعب الشعوبُ في إنتاجها من أراضي السبخ والصبار. إن الانقلابات الحادة من اليسار إلى الطائفية لا معقولة، مثلما تحول الليبرالي إلى تأييد الاستبداد ومسايرة المناقصات المفيدة في الصعود التجاري السياسي كارثة، واستمرار الديني في خداع الناس باسم الإسلام لكي يصعد تجارياً وسياسياً بدلاً أن يحارب أخلاقياً الشرورَ كارثةً وخيمة. هنا الكتابة وتسجيل المواقف العميقة معيارا، فالجمل المائعة تاريخياً وعدم كتابة البحوث الكاشف لمختلف الظروف تلاعباً. التدمير في المبادئ والحياة الفكرية والأخلاقية له عواقب أكبر من الأزمات الاقتصادية وخسائر الطوفان، هو هدم للحياة الاجتماعية والسياسية، وتقطيع لشرايين الجماعات. الشبكة الجماهيرية الشعبية هي المسؤولة عن استمرار هذه النماذج، هي تشاطرها في بعض جوانبها، وتصمت عن أخطائها، أو تعيش لامبالاة تجاه قضايا الوطن والشعب دون أن ترفع صوتها وتوقف السلبيات بشراً وظاهرات.
صراعُنا مع التطرفِ اليساري قديمٌ كما أوضحنا سابقاً، وهذا اليسار المتطرف نشأ على الانتهازية عبر الكادر الأوحد المنتفخ بعظمته، وعلى تأثير قومي شمولي بلا ثقافة عميقة ولا ديمقراطية تنظيمية، الذي يستغلُ الشبابَ وتضحياتهم لزعامته، ويتعامل مع كل الجهات الخارجية التي تفيده وتملأُ جيبه، والشباب حين يعترفون يواصلون النضال ثانية، وبعد سلسلة من الانهيارات يواصلون النضالَ ثالثة ورابعة، فالكادر بعيد عن المخاطر مؤمن عائلته ورصيده، وليس ثمة نقد ذاتي لكل هذه المغامرات والاعترافات والانهيارات. إذًا هو تاريخٌ صعّد نموذجاً يستعيرُ أي شيء فكري وأي مقولة سياسية من أجل ذاته الشمولية المركزية، ثم من أجل الجماعة التي هي أداته. لم يعدْ السياسي هو الذي يفيدُ الناسَ بل الناس عليهم أن يخدموا السياسي المتضخم، وبهذا ينسحبُ الناسُ من التنظيم الذي أله نفسه، بل أله الثلةَ المهيمنة التي محورت التنظيم حول ذاتها. إذًا كل شيء يمكن أن يُباع في هذه السوق، أية طماطم شيوعية، وأية بطاطا قومية، ولا بأس أخيراً من اللحى الدينية المستعارة من المتحف الإيراني. والأداةُ الرئيسيةُ في هذه السوق هي الصراخُ الايديولوجي، أن تعلنَ أشدَّ الجمل الثورية حدةً وانفجاراً، وبعد أن تمزقت الجماعة وانحصرت فإن الزعيمَ المتضخمَ يبحثُ عن كباش فداء جدد، عن ضحايا في معمله الذي لا يتوقف عن حشر الشباب بين أسنانِ آلاتهِ التي لا تشبعُ من الدمِ البحريني، ليقدمها في سبيل القضية التي تتلون حسب التسعيرة. الماوية في السبعينيات والثورة الحمراء القادمة من الصين، هي الخلاصُ الوحيدُ، وما عداها خيانة، وإذا لم تطلقْ الرصاصَ على الطبقة الحاكمة فأنت خائن لئيم عميل. الثورةُ من الأريافِ سوف تكتسحُ المدنَ البرجوازية الحقيرة وينتصر العمال والفلاحون. هذا ما يصرخُ بهِ ثوري السبعينيات في مقعده الأثير والشبابُ العماني يذوي بعيداً. يصرخ: البرلمان البحريني في السبعينيات من القرن العشرين أداة لضرب النضال الوطني ومن يشارك فيه انتهازي خائن. ثم تبلعُ السجونُ المناضلين لتذوبهم فمن بقي بعد كل هذا الجيش العرمرم من الجمل الثورية الماحقة؟ وتنفتح السجونُ ويظهر البرلمانُ مجدداً في أوائل القرن الحادي والعشرين تظهر النقابات والنشرات المسموح بها وتعطي الصحافةُ مساحاتٍ للمعارضة والنقد، لكن بطلَ الجمل الثورية مستمرٌ ولابد أن يصرخَ ويحرقَ الورقَ ويهاجمَ كلَ جهة ويرفض البرلمان ويسكت عن النقابات التي اعتقلها ومنعها من النضال لأجل العمال، والنشرة لا يعرف كيف يكتبها بحرفية صحفية وكيف يطورها بل يعتبر الصراخ والشعارات الفاقعة هي الصحافة وليس كتابة التحليلات والدراسات عن الواقع الطري سياسيا. يفتقد فضيلة الصبر والمعرفة الموضوعية وقدرات التحليل ويريد أن يصل إلى الكرسي بأي شكل وأي ثمن، ورجاءً أن يكون ذلك بسرعة وإلا حطم الرؤوس بجمله الهائلة مثل الجبال. الآن وصل إلى التحولات الجديدة في البحرين وقد ذابت الجماعةُ وتحلل اليسار المراهق فمن في الساحة يخدمُ عظمته؟ إنهم الشباب الطائفي المتخلف في الوعي السياسي، الذي يجهل ما هي إيران والطبقات والعروبة والبرلمان والنقابات والسياسة. بعد تعب الكادر المنتفخ مع جماعات العروبة القومية والأقحاح العرب والعداء الشرس لإيران واعتبار الدين نفاية اجتماعية، يتحول إلى كائن آخر، فجأة يرتدي عمامةً ويعظمُ المذهبيةَ وينحني للتربة المقدسة، وبسرعة البرق من دون أن ترتجف في رأسهِ شعرةٌ إيديولوجية واحدة. فجأة يصبحُ الدينُ قوةً سياسية مفيدةً ومهمة في النضال الطبقي وكان أفيون الشعوب وتدمر أمكنته. ويصبح الهجوم الشعاراتي الناري متأججاً في أول ساعة ديمقراطية في البلد بعد خريف طويل. ومن يدعو إلى الصبر والمرحلية والتأني هو خائن لقضية الجماهير. ويصرخ ثانيةً: لا يمكن الاعتماد على البرجوازية الجبانة التي يجب أن تسقط بالضربة الريفية الجبارة. الدكتاتورية اليسارية المتطرفة لا تعترف بالواقع والصراعات الاجتماعية الموضوعية، ولا بالخليج المليء بالنفط والمداخيل والعمالة الأجنبية وتريد أن تحوله لجمهورية حمراء مرة وسوداء مرة أخرى. فهي تسقط رغباتها الذاتية، وأهمها رغبة الزعيم المنتفخ في العلو فوق الجميع، إن التنظيم فوق الجميع، بل الزعيم فوق الجميع. لماذا لا يكون البلد فوق الجميع، وتتم قراءة وضعه وتطوير الإمكانيات التحولية بشكل عقلاني؟ لا، هذا خطاب انتهازي، والزعيم تكوّن في فترة عاطفية قومية حادة لا مكان فيها إلا للزعيم وحده على المسرح أو يكون متوهجاً بارزاً على المسرح، لا أن يكون في الهامش. هذه هي اللوحة العامة لمشهدية الخطاب اليساري المراهق، ولكن لنأخذ لغته التعبيرية من خلال ممثله المتواري قحطان راشد فهذه الشخصية غير متضخمة، ومتوارية، ولكن مسلوبة الوعي العقلاني بفضل التاريخ المتضخم للدكتاتورية التنظيمية لم تجعل أحداً يفكر بشكل سليم ولم تعقد مؤتمراً ديمقراطياً فيه تعددية وصراع ضد الشمولية التنظيمية، ولم يكتب أحدٌ مراجعة للتاريخ الاستبدادي للتنظيم. وعلى الرغم من كل هذه اللغة الصارخة وجبال الكلمات التي تتساقط على الطبقات الاستغلالية فإن من ينهزم للأسف هو ممثل الثورية البطولية المتضخمة، والقوى الأخرى الاستغلالية تتسع وتكبر، وكلما انطلقت الصواريخُ الناريةُ في الفضاءِ تساقطتْ الأحجارُ على رؤوسِ أبناء الطبقات الكادحة. وكلما انتفخ الزعيمُ كالبالون الضخم في الهواء امتلأت السجونُ وتحول مناضلون للانتهازية والزحف من أجل المادة واختبأوا في كلماتهم المنتفخة عن الواقع الحي. (أقرأ مجرى التاريخ. دول تحولت في مجرى الرأسمالية خلال عقدين، ودول راوحت في الاستبداد (قرونا). أنا أفهم الطبقة ليس بمعزل عن الواقع البحريني، وإنما من تربته التي تشربت من مياه عذاري التي سقت بعضها وبخلت على غيره). هكذا يعلمنا قحطان راشد فهم الواقع، يقفز من موضوعة إلى موضوعة أخرى، كأنه ينط على حبال، فبدلاً من درس الرأسمالية الخارقة هذه التي تقفز خلال عقدين والرأسمالية المتحجرة التي تتطور خلال قرون، معطياً نماذج على ذلك، وقراءة تحليلية لهذا الفارق الرهيب الذي لم يسمعْ بهِ أحدٌ سواه، يقفزُ إلى مثل شعبي محلي عن عذاري التي تسقي البعيد وتدع القريب كأنه يدلل من خلال براهين دامغة على مقولاتٍ اجتماعية معقدة. وبطبيعةِ الحالِ الهجوم مخصص كالعادة على البحرين ودول مجلس التعاون المتحجرة خلال قرون عن التطور الرأسمالي. حسنا جدا إذا كان الأخ عضو اليسار بدأ يفهم الإمكانيات الموضوعية للواقع، ولكن للأسف فإنه يلغي موضوعية التحليل منذ البداية، حين يخطئ في حسبة (بسيطة) فنحن عشنا الرأسمالية قروناً، لعله تصور أن الحوار يدور عن بريطانيا العظمى التي وحدها عبرتْ قروناً في الرأسمالية، أما نحن فلمدة عقود قليلة، وكنا بلداناً صحراوية، ولاتزال أقسام اجتماعية ترفض الحداثة وتعيش في علاقات اجتماعية تقليدية. لكن كيف يلغي ببساطة زمنية القرون، فهذا هو بسبب الحدة العاطفية التي تلغي مكونات الواقع الموضوعية من زمن وطبقات وهياكل إنتاج. وتضعُ مشاعرَها الحادةَ الصارخةَ مكان المدد الحقيقية والأشياء، ثم يقفز الأخ إلى توزيع الخيرات، فإذا كنا في الرأسمالية قروناً فنحن لا نوزعُ بشكلٍ عادل، كأن المضي في الرأسمالية يؤدي إلى حتميةَ التوزيع العادل. لم يقم بتحديد رأسمالية القرون هذه الموجودة في ذهنه فقط، وعلى أساسِ حسابها يخرجُ سيوفَهُ البروليتارية ليضربَ القوى المعادية. (شعبنا رغم صغره فإنه متعدد الانتماء الثقافي، ولن أستهزئ بأي كان، وهو نتاج ثقافة الواقع السائد الذي فرضته سلطة استبدادية رأت في ثقافة الأديان ما يساعدها على بقائها، وهي ليست معزولة عن التوجهات الغربية، وماركس ولينين لم يقولا بنقاوة الطبقات)، المصدر السابق. نحتاج إلى صبر طويل لكي نفهم هذه العبارات، ولكن لنرتب المسائلَ بشكلٍ آخر، فقد قفز الأخ قحطان من تحليل رأسمالية القرون الجامدة المتكلسة إلى الشعب البحريني وكيف أنه متعدد الثقافات، وكيف للرأسمالية أن تعطي تعددية ثقافات؟ وما دخل هذا بالسابق؟ أنت يا صاحبي لم تحلل الرأسمالية التي قلتها، وسيروة التطور البحريني خلال القرن العشرين حين ظهرتْ الفئاتُ الوسطى بشكلٍ بسيط من الدكاكين والغوص البحري الرهيب طارحة وعيا وطنيا نهضويا بسيطا، ثم لم تقدر على تعميق ذلك وعبر حركة هيئة في الخمسينيات قفزتْ على التطور الإصلاحي التدريجي نحو الحرائق، لم تصبرْ ومن بعضِ خلاياها المريضةِ تكونتْ حركة القوميين بتطرفها، وعصبيتها، وهي التي سلمتْ تلك الجراثيم لكم لترفعوها إلى العُلا، وحين حدثت زمنيةُ الاستقلال والمجلس الوطني تكونتْ بذورٌ جديدةٌ ولكن حل البرلمان وتأجيج المذهبية السياسية كانا هما الخطآن اللذان تشيرُ إليهما سعادتك، ولكنك قفزتْ قفزاتٍ ايديولوجيةً مغرضةً نحو ماركس ولينين وهذا الكلام المؤدلج المستهلك الذي لا تعرف أعماقه. ولماذا حدثت هذه القفزاتُ في سردك يا سيدي؟ لأنك لا تريد الدرس الموضوعي للحدث السياسي، تريدُ إدخالَ الفكرة الأثيرة والترياق الجديد مثل الحرائق في الخمسينيات والثورة الحمراء في السبعينيات، داخل الفوضى الفكرية المؤدلجة المبتورة السياق، التي تضع فيها قنبلة التنظيم الطفولي. لم تشر إلى أن دور العبادة كالمساجد والحسينيات على أي حشود وأفكار تشكلت، والتنظيمات الطائفية التي انبثقت من الخلايا الخارجية واستغلت منابرنا المقدسة من أجل سياساتها الاستغلالية اليمينية والمشبوهة، فهذا التكون من قبل هذه التنظيمات هو الذي استغل المنابر الدينية وقسَّم الشعبَ وانحرف به، وإذ قامت جهةٌ أخرى بهذا فلماذا لم تقوموا بالتوحيد ورفض الأشكال السياسية الطائفية وعمقتم وجودها؟ لماذا السكوت عن الخزي في تاريخكم؟ وجاء زمنُ التغييرات السياسية في بداية القرن الجديد ولم تخرجْ هذه التنظيمات الطائفية عن استغلال هذه المنابر، فهي تكونت بشكل تاريخي بشكل التأثير الخارجي ولم تأت من الفراغ الذي تحاول أن تهومَ القارئ به، جاءتْ من تواريخ سياسية في مراكز اقليمية ولم تنزل من السماء. إذًا، كان تطورنا في ظل الرأسمالية عقودا عدة قليلة، وتسارعت مع اكتشاف النفط وإنتاجه، وبدخوله المحدودة لدينا التي زادت في السبعينيات، وغيرت البنية الاجتماعية قليلاً، لكن الأدوات الديمقراطية لم تستمر خاصة البرلمان في السبعينيات الذي كان من الممكن أن يقوم برقابة فعالة على عملية التوزيع هذه، وجاء البرلمان في أوائل القرن الحادي والعشرين ليواصل المهمة، ولا يمكن للقوى السياسية العقلانية سوى أن تجذر هذه العملية، لأن الرأسمالية المحدودة التطور وفي كل أطوارها تحتاج إلى رقابة شعبية فعالة، ولكن هذا ما رفضتموه في طفوليتكم السياسية في كلتا المرحلتين وأيدتم الشمولية بشكل خفي، عبر نشر الفوضى والمواقف العصبية والجمل الثورية الفارغة، فلماذا فقدان الذاكرة وادعاء نضالات غير موجودة؟ يستمر قحطان راشد في تحليلاته الاجتماعية الاقتصادية قائلاً: (والتحولات البنيوية شوهت الطبقات أكثر وعملت على تغييرها قسراً عن واقعها استناداً إلى العمالة الأجنبية، ولا يغرنك المركز المالي لأنه مبني على رمال، والمكتسبات الاقتصادية تتآكل بتآكل النفط)، الحوار المتمدن. ما علاقة هذا كله ببؤرة القضية وهي ذيليةُ اليسارِ المغامر للطائفيين اليمينيين وكيف نطور تجربتنا الوطنية المناطقية الخليجية؟! ومع ذلك هي وجهة نظر مفيدة يمكن مناقشتها، رغم استنادها إلى تقطيع وبتر جوانب التحليل، فهل تريد من التحولات الرأسمالية في نظام تقليدي أن يخلق لوحات جمالية، وهي بُنيةٌ نشأتْ في علاقة تحول من الإقطاع إلى الرأسمالية؟ وتقوم الرأسمالية الحكومية بإدارة هذه العمليات الاقتصادية بصورة مطلقة رُفضت من قبل القوى السياسية داخل برلمان 73، وتصحح عبر برلمان 2000؟ العمليات الاقتصادية حين تقوم من خلال إدارة رأسمالية الدولة بشكل أساسي تحدث فيها اختلالات كبيرة، وهذه عمليةٌ لابد من تصحيحها عبر النضالات البرلمانية والنقابية والفكرية السياسية وبأشكال عقلانية، وهذا ما شرعت فيه القوى السياسية التي تعمل بشكل نقدي مع مرحلة التحولات. البحرين ودول الخليج تحتاج إلى عمليات إصلاح عميقة في مسألة هيمنة رأسماليات الدول على الاقتصادات، بحيث تحدث عمليات توزيع عادلة لدخول الوطنية على الطبقات والأقاليم والمشروعات العامة والخاصة الصغيرة ووزارات الخدمات بشكل خاص، ولكن هذا يتطلب كتابات وتحليلات عقلانية ومناقشات واستجوابات ومشاريع برلمانية ترصد أين تقع الأخطاء وكيف يمكن تصحيحها وأين الخلل في البناءات الاقتصادية لهذه الدول، وليس مثل هذه التعبيرات العامة الخاوية من رصد عياني وتحليل محدد مفيد! وخاصة عبر استخدام الكلمة المفتاح من قبل الأخ قحطان وهي كلمة (الريع) حيث تُستخدم بكثرة كلمة دول الريع النفطية حتى تغدو كأنها تشكيلة اقتصادية مستقلة، والريع ليس سوى شكل من أشكال فائض القيمة وليس هو الكل، والفوائض المالية بحاجة إلى دراسات وتشخيص لرؤية كيفية توزيعها وكيف تطرح القوى التحديثية التوزيع الأمثل، أما تحويل كلمة الريع إلى شكلٍ شيطاني فهو كلام مؤدلج يُقصد منه تضييع القضايا. لا تقوم القوى المشاركة في العملية السياسية بالتطبيل للدولة ولدول الخليج، بقدر ما تبحث عن الأخطاء وتشخصها وتطالب بتصليحها وتثمن الانجازات وتطلب بتوسيعها. كلامٌ مثل (سلطة عشائرية متحالفة مع برجوازيات ريعية طفيلية فقدت الأساس الموضوعي لخلق رأسمالية خاصة). أنت تعيش يا قحطان ويفترض بحسب اسمك في الجزيرة العربية وحيث سلطات شيوخ القبائل تمتد إلى أكثر من ثلاثين ألف سنة، في هذه الصحاري الواسعة، وبنت هياكل اجتماعية ودينية وسياسية، وهرب الناس من هذه الصحاري وفجأة تفجرت ثروات وانقلبت الأحوال، فهل يمكن بالعبارات الطفولية اليسارية فهم مثل هذه الأوضاع وتغييرها لمجرد أنك حفظت تعبير الدول الريعية الفقير في مضمونه ورحت تردده بشكل ببغائي؟ كلامك أعلاه لا يستقيم مع بعضه بعضا، فأي رأسمالية حكومية تنشئ أعمالاً رأسمالية خاصة لها ولابد أن تخضع للقانون والمراقبة الديمقراطية وخاصة في الوقت الراهن، والرأسمالية الخاصة موجودة قبل النفط في الرأسمالية التجارية والحرف ثم هناك الرأسمالية الصناعية التي ظهرت لاحقاً، وهي أجزاء من بنية رأسمالية غير مكتملة وغير متضافرة، ونحن نقرأ ذلك ونتابعه ونؤثر فيه كما هو مفترض. ودور القوى السياسية الكشف عن هذه العمليات الاقتصادية السياسية وتحليلها ونقدها وتحويلها إلى نشاط سياسي برلماني ونشاط نقابي، مما يجعل الإصلاحات تتراكم والرأسمالية الوطنية والطبقات العاملة الوطنية تكتمل في بناءٍ كلي مُراقبٍ وموجهٍ من أجل جميع القوى الاجتماعية. لكن أن نتكلم بأسلوب مثل هذا: (التحولات البنيوية شوهت الاقتصاد)، فهل هذه لغة بحث؟ ليست البحرين ودول الخليج إلا تحولات لمجتمعات تقليدية نحو الحداثة والرأسمالية بسرعة، وتجري فيها الكثير من التجاوزات والتشوهات والانجازات الكبيرة في غضون أعوام قليلة وليست قروناً بحسب لغة الحساب لديك، ودور القوى السياسية الوطنية درسها ونقدها وتصحيحها. أما التشابكات مع القوى الغربية فهي لابد منها بحسب التطور التاريخي السابق الراهن وكذلك لا بد من تحليلها ورؤية تدفق العمليات المالية وفوائدها أو ضررها على التحولات الرأسمالية في الخليج والوطن العربي ككل، وكيف نحولها إلى تنمية خليجية وعربية وعالمية كذلك. وهناك سلسلة من القراءات حول هذه النقطة مثل الكتابات عن العملة وفك الارتباط بالدولار وبيع النفط وإقامة نظام نقدي خليجي وغير هذا، وهو المسار العقلاني أما أن نصرخ بعبارات المقر الحزبي ودكتاتوريته وفقره النظري السياسي فهذا غير مفيد له، وإن كان هو جزءٌ من عقليته الكسولة التي تستغلُ الفقراءَ وتهيجُ فيهم العنفَ والبلادةَ العقلية والشعارات النارية، وقد وجدت في شباب الريف مادةً خصبة في ذلك، لكي تظهر بمظهر الزعامة المنتفخة كما هي في تاريخها. أما الصبر على درس الأوضاع وإعطائنا دراسات حول هذا الريع الشيطاني وكيف يتجسد في شتى هياكل الاقتصاد وكيف نغيره، فهذا ما لا تقدر عليه المراهقة اليسارية فيكفي أن تقول حتى يتبعها الناس إلى جهنم. ما الذي جمعَ الماوي بالقروي؟ من كوّنَ العلاقةَ بين الملحدِ الرافض الفوضوي للأديان مع المذهبي السياسي العدو اللدود للإلحاد والتقدم الاشتراكي خاصة؟ ما الذي ربطَ الشامي بالمغربي غيرُ كوابيسَ سياسيةٍ تجمعتْ وانقضتْ على الشعوب؟ المصادفات تعبرُ عن سببيات، وأكثر السببيات المُشكِّلة للدكتاتوريةِ السياسيةِ التنظيمية في الشرق هي الفرديةُ السياسيةُ الجامحة، ففي مجتمعاتٍ محافظةٍ لم تتبلور فيها طبقاتٌ ديمقراطيةٌ برجوازية وعمالية، يغدو حراكُ الفئاتِ البرجوازية الصغيرة هو المشكلُ للاتجاهاتِ السياسيةِ حسب الظرف التاريخي والبُنى الاجتماعية في كلِ مجتمع، فحين ينحرفُ شخصٌ في إيران عن الاثني عشرية وتطورِها المحافظ السلمي المتعقل للظروفِ الحديثةِ شيئاً فشيئاً نحو ولايةِ الفقيه تحدثُ قفزةٌ غيرُ مبرَّرة، تدخلُ أقساماً خاصة الجماهير الأمية الفقيرة والأفراد الانتهازيين الطموحين في مغامرات سياسية واجتماعية خطرة عبر هيجان الشعارات، من دون أن تكون القفزةُ نتاجَ حواراتٍ عميقةٍ وخياراتٍ شعبية بل تفرضُ ذاتَها بالمصادفات العمياءِ كأعاصير الطبيعة. وبحسب رؤية القائد المنتفخ بإلهامه الفردي الجامحِ وتجاوزه لتعقل السابقين والراهنين، يجرى تأبيد التخلف الماضي الطائفي في عصر الحداثة وسيطرة العسكر، مع دفع الإيرانيين نحو هوةٍ لم يتوضح قرارُها بعد. ولهذا فإن دائرةَ الجنونِ تتسعُ وتصلُ إلى بلدان أخرى، تورطُ شعوباً لم يكن لها علاقة بالأعصار. وتجيءُ للسيد قحطان راشد في محرق البحرين وقد انتفختْ جماعتهُ بالريش الشمولي نفسه، فمنذ الخمسينيات والصراخُ هو اللغةُ السائدةُ في التداول السياسي، وفي العقود الأخيرة من القرن العشرين لم يبق من الجماهير سوى السيد قحطان وثلة صغيرة، وهو يستفيدُ بشكلٍ كبيرٍ من الريع النفطي البحريني والخليجي في الوزارات التي يشتغلُ فيها، ولكنه يرسلُ المنشورات الثورية الرهيبة من نافذته، أو يعقد جلسات صغيرة في مجلسه العامر يستضيفُ خاصةً شبابَ القرى المتدين المتعطش كثيراً للثورة كل يوم. إيقاعٌ إيراني مضطرب أعطى نموذجاً لصعود برجوازي صغير وإلغائه لقانونية الثورة وتحويلها لاستبداد عام خطر، لم يطورْ مذهبيتَهُ الاجتماعية ويحدثها، ويشكلُ تطورا ديمقراطيا تدريجيا، بل سحبَ الشعبَ وقربهُ عند فوهة بركان وصنع الأسلحةَ والعديدَ من الأشياء ووضعَ شريطاً لاصقاً على فم الشعب، فتداخلَ الإمامُ وهتلر في هوسٍ مذهبي قومي، ينتظرُ لحظةَ الصفر الانفجارية. القومي المحرقي البحريني لم يطور فكره القومي عبر الديمقراطية، وساح فوق الماوية، التي هي تشويه للماركسية ولا تعترفُ بقانونيةِ التحولات وبالقوانين التاريخية للتطور أكثر سوءًا من اللينينية، بل تُعلي البرجوازيَّ الصغيرَ كإلهٍ يقيمُ الاشتراكيةَ حسبما يشاء. من هاتين الذاتين الرافضتين لقانونيات التطور في المذاهب والمجتمعات اللتين تجعلان هوسَهما السياسي قوةً إجبارية على الناس، تكوّن الحلفُ غيرُ المقدس، تكونتْ الانتهازيةُ الفاقعة، بين الماوي والطائفي. الماوي الذي فقد أنصاره يطمح إلى ضحايا جدد يرفعون شخصَهُ العظيم، والريفي يبحث عن فئات مدنية يلحقها بسيطرته، لتعبر عن هدفه في إقامة دولة الولي الفقيه بشكل مموه. هنا تحدث تناقضاتٌ لا مفر منها، اليساري يخطبُ بين الرجال الملتحين ولا يرى امرأةً واحدة، وهو يرددُ آخر صيحة ثورية، المذهبيون يفرضون سيطرتهم على الأحياء والقرى الفقيرة عبر المؤسسات العبادية والعاطفة الصاخبة ويفرضون سطوةً دكتاتوريةً متخلفة ليقيموا ديمقراطية وطنية. اليساري الهائم من أجل كرسي يرفضون إعطاءه إياه في مناطقهم المذهبية الانتخابية المغلقة، فتحصل كوابيس داخلية فيه، يُحضرُ نسوةً ناضلن طويلاً من أجل حرية المرأة والدينيون يقيمون مظاهرةً فيها نساء كذلك لكن من أجل منع أي قانون عصري للأسرة وحرية النساء. شيئاً فشيئاً يتم تصعيد الأزمة وتوسيعها في كل مناطق البلد عبر نقل المظاهرات الطائفية لمناطق المدن، بعد أن رفضوا كليا تغيير طابع تنظيماتهم السياسية الطائفية، والاندماج في الوعي الديمقراطي البحريني العربي الحديث، واستغلال أقسام من الطبقة العاملة لتنفيذ المشروع بخداعها من خلال المقولات النظرية التي يدبجها السيدُ قحطان وأمثاله. المكتسبات مثل التنظيمات السياسية والنقابية والثقافية والبرلمانية كلها حولوها للمشروع الطائفي السياسي وتصعيده بالتناغم مع المايسترو الإيراني، واليساري مثل السيد قحطان راشد ينفي هذه الأبعاد كل يوم، حتى لو صارت وثائق، ثم يقوم بتفسيرها عبر اقتصاد العولمة والريع النفطي، مع الاقرار بعدم وجود أي مكسب للجماهير من نواب ونقابيي الجماعة، لكن ربما تطورت وسائل النضال من حرق المستشفيات ومراكز البريد والمحال التجارية في تسعينيات القرن العشرين إلى تكسير المزابل وإلقاء السوائل والمواد الخطرة في الشوارع في القرن الحادي والعشرين، لقد حدث تقدمٌ ديمقراطي يقوم الزعماء المنتفخون بذواتهم، بعد تشكيل جماعات شمولية لهم تكرسهم، بإعلانات قوية لخدمة الشعوب، لكن الذات المحورية تلعب دورا مهما تصعيديا نحو البروز والتحكم. الجماعات هي ذاتها من يكرس خروق القوانين الموضوعية للتطور، وقوانين الديمقراطية داخل التنظيمات، بحجج السرية أو المركزية أو اللحمة الوطنية أو رفض الصراع الاجتماعي، ومن هنا تنشأ الإجراءات القافزة على التطور والتحالفات غير المبنية على أسس موضوعية. الزعيم الفردي المتضخم في الدول الشرقية يقفز على التطور والديمقراطية ونشر الاضطرابات في التحولات. الحديث عن الشعب غير حقيقي لأن الطائفةَ هي التي يتم التكلم باسمها، من أجل تكوين وباء طائفي مهيج للمشاعر، لكن طبقة صغيرة استغلالية هي التي تسيطر على الاقتصاد والسياسة. أدت الفردية المتضخمة الشمولية والطائفية إلى تقزم الشعب الفارسي والشعوب الأخرى المنضوية في دولته، وهذا ما حدث للشعوب الأخرى التي أصابتها الميكروبات نفسها. إن التنظيم اليساري الذي دخلت فيه هذه الجراثيم يعني ان قوانين الحداثة هزمت فيه أو في طريقها للهزيمة، إن تحالف الفئات الوسطى والعمال القوى الديمقراطية المؤسسة للحداثة انفرطَ عقدُها، ولم تشكلْ ثقافةً ديمقراطية متجذرة في هياكل التنظيم أو المجتمع أو الدولة حسب الحالات، وهذا بسبب أن الزعيم أو الفئة المسيطرة جعلت أهواءها وجنون عظمتها بديلاً للقانون التحديثي الديمقراطي. ولاية الفقيه قفزت على مشروع التطور التحديثي في إيران وهدمت التحالف بين الفئة الوسطى والعمال نحو الدكتاتورية، وتفاقمت الدكتاتورية نحو الدكتاتورية العسكرية الخطرة، وراحت تصدر أمراضها للخارج عجزاً منها عن العودة للتحالف الديمقراطي النهضوي داخل إيران، والسيد قحطان راشد هزمتْ الدكتاتوريةُ الشخصيةُ داخل تنظيمه العقلانيةَ الديمقراطيةَ وتراكمَ العناصرِ الواعيةِ الحكيمة، وجعلت من أنانيتها سياسةً، فتمزقُ اليسارَ بحسب ما تراه من مطامع، وتضربُ بعرض الحائط تنامي الوعي الليبرالي لدى التجار، وتجري نحو الريفيين المتخلفين في الوعي الذين تم اصطيادهم سياسيا من قبل الدكتاتورية الإيرانية، ودخلوا في مغامراتها، وخرقوا قوانين التطور الديمقراطي في بلدهم، عبر العبارات المنتفخة نفسها المرتفعة عن الواقع. تجربةُ تنظيمٍ له مدة نصف قرن وتجربة تنظيم آخر له أسابيع عدة تنتجان العنب الحامض نفسه، لأن الزعيمَ المهيمنَ بذاتهِ وأهوائهِ منع تراكم التجربة الديمقراطية وغيّب النقد والنقد الذاتي وحوّل هذه الثقافةَ لجماعةٍ من صحبه يحرقون البخور له. ولهذا فإن التنظيمَ اليساري لا يقرأ التجربةَ الإيرانية ولا يدرسها وهو المفترض أن يكونَ حريصاً على شعبه، مجنباً إياه المغامرات والكوارث، لكن كيف له ذلك وهو مشغول بعظمته؟ مثله مثل هؤلاء الأطفال السياسيين في التنظيمات الطائفية الذين وجدوها فرصةً من السماءِ أن يظهروا على المسرحِ السياسي في تمثيلياتٍ فاشلة من إعداد المخرج المذهبي الشمولي، وهم يَخرجون من قراءةِ كتب التفاسير الغامضة والفقه الجزئي يسألون عن حلال أكل اللحوم المستوردة وحرامها، إلى أن يقرروا مصيرَ شعبٍ بين ليلةٍ وضحاها. ومن المستحيل أن يتفضلَ عليهم السيد قحطان راشد بشرحِ أفكارهِ عن الريع النفطي وهو يسبحُ في بركةِ خيره، ويتخفى بأسمائهِ المستعارةِ تجنباً للحسدِ العمالي، لكنه من الممكن أن يقفَ بين حشدِ الذكور الريفيين يهاجمُ التسلطَ ويدافع عن حرية الشعب، في كلمات مفصلة لبذلة الدكتاتور الريفي وباسمه الحقيقي هذه المرة، عساه أن يتفضلَ عليه بمقعدٍ في دولته القادمة، مثلما فعل أقرانه في إيران الشاه. ولن يقرأَ اليساري الذيلي للطائفي، الماوي المستأجرُ للريفي الأحمق، أي دراساتٍ تُكتبُ عن تفاقم الفاشية في إيران ومخاطرها على حياة الشعب الإيراني وشعوب الخليج والعراق، فهو مشدودُ البصر لناحيةٍ لا يرى سواها، وهي الصعود إلى السلطة حتى لو بين الخرائب. سيقول إن كل ذلك من أجل الشعب وليس من أجلي أنا، أنا لست سوى مناضل من أجل الشعب. وكيف استطاع أن يجمعَ النقودَ من بين الأجهزة الحكومية والشركات الخاصة والعامة ويُضخمُ ثروتَهُ من الجمل الثورية الماحقة لكل شيطان رجيم فهي العبقرية السياسية التي تتلاعب بالبيضة والحجر، وبالعلم والسحر، وبأي شيء من أجل أن تخدم الشعب أولاً!!