تروتسكي والثورة الدائمة

لا يمكن قراءة دراما القرن العشرين من دون شخصيات كبيرة مثل لينين وتروتسكي وستالين وغيرهم، هؤلاء الذين انشغلوا بالمصير البشري، وأرادوا تغييرَ الأنظمة الاستغلالية، وإيجاد مستقبل جديد للإنسان.
ومنذ شبابه الأول انخرط تروتسكي في النشاط السياسي والأحزاب والثورات والسجون، وكان من مؤسسي الثورة الروسية سنة 1917 ومن بناة رأسمالية الدولة ومن ضحاياها كذلك.
هل هو المزاجُ الحاد الذي شكّل شخصيةَ تروتسكي أم حالات التقلب الدائمة أم التركيزُ على ثيمةٍ نظرية والتمسك بها وهي مُحاطة بتحليلاتٍ قاصرة وخاطئة؟
يجمعُ تروتسكي بين الرومانسية والثورة:
(ولكن مهما تكن ظروف موتي، فإني سوف أموت وانا متمسك بإيمان لا يتزعزع بالغد الشيوعي. إن هذا الإيمان بالإنسان وبغده يزوّدني، حتى في هذا الوقت، بقدرة على المقاومة لا يستطيع أي دين أن يوفرها إني أستطيع أن أرى شريطا من العشب الأخضر على حافة الجدار، والسماء الزرقاء الصافية فوقه، والشمس في كل مكان. إن الحياة لجميلة فلتطهرها الأجيال القادمة من كل شرّ واضطهاد وعنف، ولتتمتع بها إلى أقصى حد.
لغةُ التطهرِ وتحويل السياسة إلى رؤيةٍ أعلى من الدين، ومجيء القيامة القادمة الجميلة هي تعبيرٌ عن الحماس الداخلي المتوهج، وفرض الذات الفياضة المشاعر على الواقع المقروء بذاتٍ مركزية متضخمة.
إن صراعات القوى السياسية الروسية مهمة لمعرفة النسق الداخلي المتصاعد لرؤيةِ تروتسكي، ورؤية الايديولوجيات المختلفة المعبرة في بداية القرن العشرين سواءً في الغرب أم في روسيا.
البلشفية والمنشفية هما الحالتان السياستان اللتان استقل عنهما تروتسكي، فالحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي منقسمٌ حول طرق التطور السياسية، فهل يمشي في الطريق الغربي الديمقراطي الرأسمالي الحداثي أم يؤسس الطريق الاشتراكي؟
في البداية لم تكن الأسئلةُ والإجاباتُ والآراء واضحة، فالميراثُ الماركسي نفسهُ غامض، فهل هو رؤية ديمقراطية تتغلغلُ في المجتمعات وتغيرها عبر الأدوات الموجودة من دون قفزات، أم تؤسس دولة شمولية تفرض التحول (الاشتراكي) المفترض؟ وما هو حجم هذا التحول وهل يبقى في أطره القومية أم يتحول لتغيير عالمي؟
الفئاتُ البرجوازيةُ الصغيرة الروسية بخيارِها الاشتراكي عبرتْ عن طموحاتِها للاستيلاءِ على سلطةِ نظامٍ إقطاعي يتطورُ رأسمالياً، سواءً من خلال نمو تدريجي تحديثي ديمقراطي أم عبر الاستيلاء بالقوة وفرض تطور صارم من جهاز الدولة الذي سوف تقف فوقه.
إن هذه الفئات تصورتْ نفسَها معبرةً عن العمال، فهو حزب عمالي، أي يمثل العمال قواعده المفترضة، وهي القائدة بتياراتها المختلفة.
إذاً الرؤية النخبوية أتاحت لها أن تفرضَ الخيارَ الاشتراكي بشكل برامجي مسبق، فهي تعيش حالات دكتاتورية عبر إنزال نفوذها وشخوصها، وتتباين هي هنا عن المسيحية التي أرادت أن تغلغلَ نموذجَها الحلمي عبر التسامح والرحمة فما استطاعت، لكون المسيحية هي كذلك اندمجت في أنظمةٍ شموليةٍ وغدت جزءًا من بناها الاجتماعية.
فتلك الفئات الوسطى الصغيرة المثقفة السياسية الروسية في تناقضها بين التطور الاشتراكي الديمقراطي السلمي وبين التطور العنيف، هي كلها تعيشُ رؤى نخبوية، لكن ثمة فرقا كبيرا بين نمو الفكرة بالجدل والديمقراطية والاختلاف، وبين نموها بالقوة، وهذا يؤدي لأن يكون الحزب المنشفي مؤيداً للتعددية ونمو الديمقراطية فيما يعبرُ الحزبُ البلشفي عن القوةِ والدكتاتورية الحادة.
ولم تكن روسيا قادرةً على النمو عبر الديمقراطية، فميراثُها الإقطاعي الضخم والتخلف والأمية لم تُغيرْ بشكلٍ تدريجي خلال العقود السابقة، وقد تفجرتْ في لحظة الحرب العالمية الأولى حيث انفلتت هذه التناقضات دفعة واحدة على مسرح التاريخ الدامي وطلبتْ حلولاً سريعة.
تغدو رؤيةُ تروتسكي المضادةِ لكلا التوجهين البلشفي والمنشفي، نابعةً من قبول كلتا وجهتي النظر بالاشتراكية(الديمقراطية).
فعبرَ تروتسكي لن تكونَ الثورةُ سوى عنف وقوى(شعبية) متصاعدة تحطمُ النظامَ الروسي. فتغدو الديمقراطية هنا غريبةً بالنسبةِ إليه، ولكن ميراثَ الحركةِ السياسية الاشتراكية هذه يرتكز على الديمقراطية التي تعني تطوير النظام القيصري نحو الاشتراكية الديمقراطية.
لم يضعْ التياران المنقسمان هذه الاشتراكيةَ محلَ النقد والتحليل المعمق، ولم يريا نظراتهما كتعبيرٍ عن فئاتٍ برجوازية صغيرة تريد فرض نظام من فوق، فيما القوى الغربية الاشتراكية المماثلة غير قادرة على وضع الاشتراكية موضع التطبيق.
كان لينين أكثر مقاربةً إيديولوجية نفعيةً لهذا الخيار، فرؤيتُهُ لبناءِ الحزب البلشفي بطريقةٍ قوية دكتاتورية، كان يلغي هذه الديمقراطية عبر سنواتٍ متدرجة من عمله، ويؤدلج الوضع الروسي الذي كان يسير نحو الرأسمالية كما في جداله مع (الشعبيين) الذين رفضوا وجودَ تطورٍ رأسمالي حسب تصاعد دكتاتوريته الشخصية الحزبية العامة المتداخلة، وما كان يقيمهُ الحزبُ الآخر(المنشفي) من عملٍ ديمقراطي متدرج لم يكن يتماشى مع الظروف الشديدة التخلف، ومع ضعفِ القوى الليبرالية في النضال من أجل الديمقراطية، لهذا كان الحزب القوي هو الذي يصعد. والحزبُ القويلا يضمُ حوله بعض العمال ثم يوسعُ حضورَه، ويصبحُ آلةً كآلةِ الدولة.
اقترابُ تروتسكي من الحزب البلشفي في الحرب العالمية الأولى وانضمامه إليه يعودُ لكون هذا الحزب قد تصاعدت نزعة الدكتاتورية (الثورية) العنيفة فيه، وغدا معبراً كذلك عن ذات تروتسكي الذي لم يستطعْ إيجاد مؤيدين حوله، بسبب أن أفكاره لم تكن مجسَّدةً في شكلٍ تنظيمي مؤثر.
في هذه الفترة راحت أفكارُ تروتسكي حول الثورة الدائمة تتضح وتتبلور، ويكون جزءًا من البلاشفة
تعودُ أفكارُ تروتسكي عن الثورة الدائمة الى اضطرابِ أفكارِ الاشتراكية عن المستقبل البشري.
فالثورات الغربية التي ظهرت في أوروبا الغربية وشكلتْ عالمَ الحداثة المعاصر وقادت التحولات البشرية في هذا العصر لم تحل مشكلات الإنسانية، وجلبت استعماراً نهبَ الكرةَ الأرضية، وفجرتْ حروباً بين الدول الغربية المتصارعة حول الغنائم وكانت هي المستعمرات وشعوبها.
وبالتأكيد سوف تكون هذه التجربة مرفوضة، وكان الرفض يتجسد بكلمة الاشتراكية كما يتجسد بشكل الاسلام أو المسيحية عند شعوب أخرى، تعبرُ بأديانها عن رفضها الالتحاق بهذه التجربة القائدة غير مميزين بين التراث الديمقراطي الإنساني للغرب القائد لتجربة البشرية المعاصرة، وبين تجربةِ الغرب الاستعمارية.
ولهذا كانت الاشتراكية الديمقراطية في روسيا، لأن المسيحية لم تكن خياراً وهي معبرة عن القيصرية كذلك، ولم توجدْ تجاوزاً فكرياً.
هذه الاشتراكية كانت معبرة عن الفئات الصغيرة الاجتماعية التي وجدت في الغرب حضوراً وإمكانات متعددة رغم اختلافها فيه، لكن هذه الفئات كانت مخنوقةً في روسيا القيصرية.
في الغرب وجدت حضورَها وارتفاعها للسلطات وإمكانية التغيير المتدرج، فتداخلتْ مع الطبقاتِ الحاكمة، وتأثرتْ بها وصعدتْ في صفوفها عبر السياسة والاقتصاد والثقافة، ومن هنا فإن الاشتراكية لديها تدريجية إصلاحية بعيدة المدى، فيما لم تكن هذه الخياراتُ موجودةً لدى الفئات الوسطى الصغيرة الروسية، ذات القدرة على الصراع والتأليف والتضحية والقفز بين المعسكرات وركوب الموجات التي تعيش ظروفاً مأوساوية كذلك كما هي حال تروتسكي نفسه، وفي ذات الوقت تغدو إمكاناتُ العلومِ الاجتماعية وقدرات الناس العقلانية محدودة.
ويبدو تروتسكي نموذجياً في التعبير عن هذا الرفض للغرب، الذي يعني لديه الاستمرار في رفض الديمقراطية، وتفضيل الدكتاتورية كطريق ثوري، ولهذا فإن الثورات الرأسمالية الديمقراطية في الغرب يجب أن تواصل النمو لتكون ثورات اشتراكية في تحريضه، فيما الثورة الروسية يجب أن تتحول من ثورة رأسمالية في فبراير 1917 إلى ثورة اشتراكية في العام نفسه.
حرقُ المراحلِ التاريخيةِ هذه يتكونُ لدى تروتسكي كقوانين أزليةٍ للتاريخ البشري المعاصر، فالظروف الاقتصادية والقومية المختلفة لكل شعب، وظروف الشرق المتخلفة عن ظروف الغرب المتقدمة، لا تعني شيئاً له وسط الصراعات الاجتماعية المتماثلة والمتقاربة، فهي كلها تُحلُ بمفتاحٍ واحدٍ هو الثورة الدائمة.
عدم رؤية أن هذه الاشتراكية كما تبدت في الطفولة الروسية السياسية، عبر غياب التحليل بكونها نزعات مسقطة على الواقع، وكون التحول من ثورة رأسمالية قاصرة وعاجزة عن القيام بإصلاحاتٍ اقتصادية واجتماعية عميقة حين انفجرتْ بشكلٍ شعبي بسبب مجزرة الحرب العالمية ونقص المواد الغذائية وانفجار المجاعات، ثم تحولها لانقلاب عسكري في أكتوبر من ذلك العام التاريخي الكابوسي توجه لحل هذه المهام بأسلوب القوة الذي فُرخَ على مدى سنوات، هي كلها تدورُ في ذات الأسلوب الرأسمالي.
في الثورةِ الأولى قام التحولُ عبر فئات المناشفة والرأسماليين وقوى الفلاحين الأغنياء الذين لم يناضلوا عبر عقود لتصعيد هذا النموذج الديمقراطي، فخطفهُ منهم البلاشفةُ وحولوهُ إلى نظامٍ عسكري شمولي لرأسماليةِ دولةٍ منتجة موزعةٍ للأراضي على الفلاحين لكن لم تستطع توفير السلام بل انفجرت الحربُ الأهلية المروعة وذهب الملايين ضحايا لها.
لم يستطع تروتسكي أن يدرك قانونية التشكيلة الرأسمالية لكنه أحسّ بضرورة الثورة العالمية وأن تجاوز الرأسمالية لا يتم إلا بشكل بشري كوني، وأن أي ثورة في الشرق سوف تكون رأسمالية دولة وهو ما حدث في الاتحاد السوفيتي، لكنه لم يدرك أن ذلك بحاجةٍ الى وقتٍ طويل حتى تنتشر الرأسمالية المتطورة في كل بقاع الأرض، لكن الحل الذي طرحه هو انتحار، حيث اقترح نشر الثورة في كل مكان، وهو أمر يقود لسلسلة من الحروب الكارثية.
هذه التجربة مهمة لقوى النضال العربية خاصة وهي تواجه ذات الأسئلة والمصير الحائر للثورات، وحيث تلعب الرومانسية الدينية الدور الأكبر، إذا غابتْ قراءةُ قوانين التشكيلةِ الرأسمالية، كما غابتْ عن تروتسكي وراح يحولُ السياسةَ إلى مغامرات عسكرية ويصعد قوى الجيش والبيروقراطية ويضع مقدرات الشعوب في ايد قليلة في المكتب السياسي، حتى قامت الدكتاتورية الشخصية لستالين لتطرده ثم تقتله في نهاية المطاف.

الإسلامُ ثورةُ التجار

الرعب من الحب

الرعب من الحب

الاصطدامات بين طريقتي التفكير المحافظ والتفكير التقدمي حتمية وطبيعية، ويجب عدم الفزع منها.
وإذا كانت تدور حول العلاقات الأسرية وعمليات التحرر فهي تمثل منطقة الصدام التاريخية الاجتماعية الطويلة الأمد، فالمحافظون يعملون على استقرار العلاقات الاجتماعية الماضية في مجال الأسرة، ويكافحون بشدة أية قفزة نحو تفكيك وهدم هذه العلاقات المستقرة، ويعتقدون بأن الأسرة على النمط الغربي، وأن الحريات المفتوحة التي يدعو لها التقدميون، هي كلها دمار للمجتمع لأنها تقضي على خلية الصمود الإسلامي فيه وهي الأسرة المحافظة.
علينا أولاً أن نحترم هذا الفهم ونقدره، ففيه جانب هام لأن أسرة متماسكة متحابة، وكذلك تنامي علاقات صحية داخلها، هو كذلك هدف التحديثيين، فهم لا يريدون تخريب الأسرة وإشاعة قيم الأنحلال، لكنهم يرفضون عمليات التقييد الحادة والتربية السيئة المحابية لاستبداد الذكور وأضطهاد النساء، حيث يحدث انقسام أخلاقي أكبر هو نتاج مقولة أن الذكور يستطيعون فعل ما يشاؤون في حين أن الإناث لا يحق لهن أي نوع من الحرية، حتى لقد غدت الأسرة (المحافظة) وهي الهدف السامي لدى الجميع منخورة وتجري فيها عمليات خراب داخلية عميقة دون أن يتم ملاحظة ذلك!
وعلينا أن نعترف كذلك بأن (أغلب) التحديثيين هم محافظون، وإن قالوا بأنهم مع التحديث وحرية المرأة. ومصداق ذلك بأنهم يعاملون زوجاتهم وبناتهم بنفس أسلوب المحافظين الذين ينتقدونهم، فهم يقمعون نساءهم، ويظهرون في التجمعات العامة بدون زوجاتهم وبناتهم، وربما يمنعهونهن كذلك من التطور الخاص، ويفضلون إنزوائهن في البيوت!
فهناك في الواقع رعب عام من تحرر المرأة، وهي حالة موضوعية لها علاقة بتعقيد التطور، فالتطور الاقتصادي كبير في حين أن التطور الاجتماعي شديد البطء. وهذا التطور الاقتصادي يُحدث حالات حادة من التفكك ومن الأصطدام بين الشرائع والقيم، كما أنه يقود الكثير من القوى العاملة إلى الفقر وبالتالي إلى دفع بناتهم إلى العمل، مع الخوف من تلوثهن في هذه الأوساط الجديدة الغريبة غير المسيطر عليها وطنياً وأخلاقياً.
كما أن النساء يمتلكن فوق قوة عملهن قوى سحرية أخرى قادرة على القفز فوق قيم العمل والصبر والتضحية، ولكن هذا القفز لا يؤدي سوى إلى تفكك العائلات، وأستشراء الأنانية، وإلى قيم أخرى مبتذلة.
إن الذكور يلعبون من جهات متضادة دور تقييد الأسرة ودور تفسخها كذلك، فهم كآباء يتشددون لكنهم لايتشددون بنفس القوة إذا كان الأمر يتعلق بغير عوائلهم. وهذه الحالة الأخيرة تزداد مع عوالم الأغراء والحرية والاختلاط، وبالتالي تجد الذكور المحافظين والتحدثيين هم المتواجدون في التجمعات العامة، على تباين أصنافها، وهم كلهم يقلصون من تواجد النساء، ربما لوجود رؤية مشتركة لدى الجميع بأن الغريزة هي المسيطرة عليهم، أما القشور الدينية والتحديثية فهي طلاء خارجي.
إن هذا واقع موضوعي لا يمكن تجاوزه بسهولة، ويحتاج لسنوات طويلة من تأصل قيم اجتماعية مشتركة، تجمع بين الجذور الدينية الأخلاقية الرفيعة وقيم الحضارة الحديثة المساواتية والتحررية، وهو أمر يحتاج إلى مد الجسور بين هذه التيارات التي تسعى لتطور المجتمع، كل من زاويته.

السحر والدين

السحر والدين

موضوعا السحر والدين واسعان جداً، ولكننا نقصد هنا الأسباب التي أدت إلى بقاء السحر بل وأنتشاره بقوةٍ في العقود الأخيرة، حتى صار للسحرة بدل البيوت المخفية محطات فضاء ذات تأثير شعبي واسع!
إن السحر والدين تربطهما وشائج وصلات قوية، فكلاهما يعتمدان على الغيبيات، فهما مرحلتان من التفكير البشري اللتان لهما أسباب موضوعية، وإذا كان السحر هو المرحلة البدائية من التفكير البشري في البحث عن الأسباب، فالدين مرحلة تالية وأعلى منه للبحث عن هذه الأسباب كذلك!
فالبشر لا يختلقون أسباب التفكير بل هي تكون نتاج تطورهم الصعب وسط ظروف الطبيعة القاسية ووسط صرعاتهم الضارية كذلك!
وما يحيط بهم من ظروف وأحداث فيها السيء وفيها المفرح لا يفهمونه كل الفهم، ولهذا يلجأون لقوى أخرى من خارج وسطهم البسيط لكي تعينهم على هذا الفهم وعلى التأثير فيها والتغلب عليها!
وتتباين استجاباتهم لهذه القوى حسب مداركهم وظروفهم العامة والشخصية، وحتى صاحب النفوذ والقدرة الهائلة يحتاج للسحرة لا لشيء سوى إنه فقد القدرة على السيطرة على الأوضاع والتنبؤ بالمصير، فيتوجه المعتصم الحكاكم ذو النفوذ الهائل للاستعانة بالمنجمين، في حين إن أخاه المأمون كرس حكم العقل الديني!
وحتى لو جاء العالم ذو الإمكانيات العلمية الكبيرة لا يستطيع أن يفهم كلَ شيء، وأن يتنبأ بالمصائر، وأن يعرف تطورات الدول والأحداث بدقة، فهو يمكن أن يعرض ملامح عامة، لكن التطورات والأحداث لا يحيط بها كل وعي مهما كانت سحريته أو تدينه أوعلميته!
والمجتمعات تتباين في تطورها فإذا حدثت الأزمات الحادة وكثرت الظروف السيئة عليهم أو داهمتهم أمراضٌ خطيرة لجؤا إلى نوع ما من التفكير بأنواعه الثلاثة السابقة الذكر، حسب مستوى معارفهم، وحسب تطور حياتهم، فالمتخلفون جداً والمأزومون يختارون السحر، مثل الذي يلجأ للفانوس السحري وبساط الريح والنفث في العقد والتمائم والأحجبة وغيرها، يستعين بها من أجل تجاوز الخطر وخلق الظرف الملائم له، وعادة يجري ذلك في المستويات الشعبية، التي لا حظ لها من دين عقلي أو من علوم، أو تكون الحالة قد وصلت في الإنسان أو المجتمع إلى درجة الإطاحة بكل ثوابت العقل!
إن الإنسان المأزوم جداً أو المجتمع شديد التخلف أو المأزوم جداً كذلك يلجأ للحل الأخير المتدني، وهو إزاحة العقل بشكليه الديني أو العلمي.
إن علينا أن نحترم هذه الأشكال الثلاثة الكبرى من التفكير البشري، فهي وليدة حالة الإنسان الموضوعية، فكم من مثقف حين يعجز عن حل تناقضاته الداخلية أو حين أستفحل به المرض الخطير، قد لجأ إلى مشعوذ أوساحر، وكم من عالمٍ راح يكلم قبور أهله!

جورج لوكاش وتحطيم العقل

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : جورج لوكاش وتحطيم العقل

هو من كبارِ المفكرين والنقاد الماركسيين خلال القرن العشرين (1885-1973)، وُلدَ في المجر وتنقلَ بين دول أوروبا، حاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة واشتغل بالتدريس، وغدا عضواً بالحزب الشيوعي المجري منذ عشرينيات القرن العشرين، وألف الكثيرَ من الكتب التي غدت مراجعَ في الفلسفة والأدب والنقد في العالم.
أهم كتبه هي عن ألمانيا، نظراً لعيشه الطويل فيها فكتب عن غوته وهيجل، وقد عبرَ كتابهُ (تحطيم العقل) بثلاثة أجزاء عن دراسةٍ عميقة مطولة لكل شخصية فكرية في ألمانيا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، منطلقاً في الكتاب من رؤية عميقة حللت أسباب ظهور اللاعقلانية في الثقافة الألمانية وتجليات ذلك لدى الفلاسفة إلى أن ظهرت بشكل دموي لدى هتلر، يمكن رؤية بعض المشابهة بين التطور الألماني والعربي الإسلامي.
برغم هذه الثقافة فإن جورج لوكاش يحلل التحولات السياسية في روسيا والانقلاب الاجتماعي السياسي سنة 1917 بأشكال معينة لم تصمد لغربلة التاريخ، وفي كتابه السابق(تحطيم العقل) يحضرُ قادةُ البلشفية خلال أسطر سريعة جداً، وهو كتابٌ صدر سنة 1952، وهي مسافة زمنية كبيرة عن الحدث الروسي، لكي يراجع لكن المراجعة وقتذاك لم تحدث، وتحدث بشكل عاصف لاحقاً.
ساهم في كتابة تأبينية بشكل مقالة كتبها بعد وفاة لينين قائد التحول السياسي الروسي.
(يقولون إن لينين كان رجلا سياسياً روسيا كبيرا، ولكنه كان يفتقر، حتى يكون زعيم البروليتاريا العالمية، إلى حسِّ التمييزِ الذي كان سيتيحُ له أن يدركَ الفارقَ بين روسيا والبلدان الرأسمالية المتقدمة)، كتاب لينين، دار الحقيقة، تقديم جورج طرابيشي.
ويرد لوكاش بأن هذا النقد ينطبق على ماركس نفسه، الذي استخلص من تحليل المصانع في إنجلترا رؤية رأس المال التي عممها على العالم كله.
يعرض لوكاش هنا جانبين مختلفين فدراسةُ ماركس لرأس المال كانت بحثية طويلة لاستخلاص قوانين بنية رأس المال، في أكثر البلدان الرأسمالية تقدماً، وليس تطبيقاً لتجربة سياسية، في حين كان عمل لينين قيادة انقلاب لإنشاء نظام اشتراكي.
الأول اكتشف بمساعدة أبحاث علماء اقتصاديين سبقوه قوانينَ بُنية اقتصادية، ولكن لينين لم يكتشف قوانين بنية اقتصاد اشتراكي يريد تطبيقها، بل لجأ للتجريب عبر سنوات.
بين بحث الأول في الرأسمالية وتطورها، وبين نقض الثاني للرأسمالية التي لم تتطور في روسيا هوةٌ كبيرة.
ولو كانت قوانين البناء الاشتراكي موجودة واضحة لكان ماركس طبقها بنفسه، ولهذا فإن الاشتراكيين الغربيين بدءًا من الألمان كتبوا وتصارعوا فكرياً وسياسياً لمعرفة كيف يتم نفي الرأسمالية وتجاوزها من دون الاتفاق بينهم.
بعد وفاة ماركس ظل أنجلز يحدد كيفية تجاوز الرأسمالية من خلال النضال الديمقراطي الإصلاحي الطويل، بتغيير حياة العمال والحصول على مكاسب وتطور الحياة الثقافية والاجتماعية لمجموع الشعب، وهو الخيار الذي تكرس بعد ذلك في حزب الاشتراكية الديمقراطية الألماني المتواصل النمو، والذي حدثت له أزمةٌ في الحرب العالمية الأولى بسبب خسائر الحرب الكارثية وخيانة قادة من الحزب ووقوفهم مع الدولة والحرب.
وقد تعددت رؤى الماركسيين الألمان للاشتراكية ففي (البيان الشيوعي)دعوة لإسقاط الرأسمالية كلية، وفي برنامج الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني في السبعينيات من القرن التاسع عشر دعوة لبعض التأميمات والإصلاحات من خلال سيطرة الطبقة العاملة على الحكم، وهو البرنامج الذي ظل حتى رفضتهُ جماعةُ (سبارتاكوس) مطالبةً بالعودة للبيان الشيوعي وإسقاط الرأسمالية كلياً في ألمانيا بقيادة روزا لكسمبورغ سنة 1914، وبعد سنوات قامت الثورة في ألمانيا وهُزمت وقتلتْ روزا وكارل ليبنخت زعيما الثورة.
إن رؤية الاشتراكية لدى الماركسيين غير واضحة ومحددة، لأن الاشتراكية غير واضحة، وثمة فرق كبير بين تغيير نظام عبر الثورة أو الانقلاب والقيام بالتأميمات، وبين إزالة التشكيلة الرأسمالية وهو الأمر الذي لم يدرسوه. فتغيير نظام واحد أو عدة أنظمة بتلك الإجراءات لا يبني اشتراكية التي هي تشكيلةٌ بشرية، كإزالة العبودية وهي تشكيلةٌ عالمية لم تزل إلا عبر مئات السنين من خلال حراك الشعوب الطويل المتقطع المتواصل.
في معظم كتابات لوكاش يتوجه للغة ماركس الهيجلية، ويعتبر هيجل مصدراً أساسياً لماركس وللماركسية، كما في كتابه (التاريخ والوعي الطبقي)، وكذلك معظم كتاباته بما فيها مقالته عن لينين التي خلطت بين دراسة بنية وصناعة نظام عبر مفردات شعرية:
(استشفَ عالم الرأسمالية الأكبر من خلال العالم الأصغر وهو المصنع الإنجليزي ومسلماته وشروطه الاجتماعية وكذلك من خلال الميول التاريخية التي أفضت إلى ولادته وتلك التي تجعل وجوده أمراً غير مؤكد على الدوام).
هذه اللغة الاستشفافية وعبر قراءة الميول هي لغة رومانسية سوف يدمجها لوكاش مع وعي نظري هيجلي ماركسي مختلط، يصل فيه للذرى حيناً ويغمض فيه أحياناً عدة.
قرأ جورج لوكاش تجربةَ ألمانيا الاجتماعية السياسية بعمق خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، دارسا خيط الأفكار الدينية والقومية الشمولية والصوفية التي وَجهتْ النخبَ والكثير من أفراد الشعب نحو القبول بهتلر قائدا منتخبا، فكيف تدهور وعي الشعب كي ينتخب هتلر الذي قادهُ لمذابح الحروب العالمية وحطم البلاد؟
إن مسارات تحول النهضة في ألمانيا تختلف عن تحول النهضة في بريطانيا وهولندا، الرائدتين في الحداثة، فحسب طرح لوكاش ان حروب الإصلاح الديني التي وُجهت لهزيمةِ البابوية الرجعية ممثلة الإقطاع المركزي أدتْ إلى جانبين مختلفين؛ فقد تطور واتحد كلٌّ من بريطانيا وهولندا، وانفصلتا عن الإقطاع الديني وشكلتا التجربة الرأسمالية الجديدة، فيما تفتت ألمانيا لدويلاتٍ صغيرة ومقاطعات لا يربطها هيكلٌ اقتصادي.
استمرت ألمانيا مفككة وإقطاعية عامة ويجري فيها تصنيعٌ رأسمالي محدود حتى انفجار الثورة الفرنسية، وهجمة نابليون عليها وتغييره لها لكن عبر غزو وفرض إرادة أجنبية مكروهة.
وقد تعقدت مهمةُ القوى الديمقراطية الألمانية المحدودة ومواقف الكتاب الكبار تجاه التطوير الفرنسي الاحتلالي وتجاه النضال القومي التحريري، خاصة مع قيام القوى الإقطاعية القديمة بقيادة معركة التحرير والهجوم ضد الاشعاع الفرنسي الديمقراطي.
وتصاعد بعد ذلك دورُ النبلاء والضباط الكبار الألمان عبر بسمارك والعائلة الملكية في توحيد ألمانيا وتقدمها، ونشر ثقافة رجعية كذلك في صفوف الشعب.
وقد ظلت ألمانيا في القرن التاسع عشر حتى أوائل القرن العشرين متضادة التركيب، فهي تتقدم بصور سريعة في الصناعة حتى غدت هي الدولة الصناعية الأوروبية الأولى في بداية القرن العشرين متخطية الدول الصناعية الكبيرة متقاربة مع الولايات المتحدة.
في حين أنها في مسائل التطور الاجتماعي كانت متخلفة، فجسمُ الإداريين العسكريين الكبار كان لايزال مهيمنا على الحياة السياسية الاجتماعية، والمُلكيات الزراعية الكبيرة سائدة في الأرياف، وكان لاتزال ثمة أقاليم مفككة، وثقافةُ المسكنةِ وضيق الأفق وغياب المنظورات التنويرية والديمقراطية سائدة بين الجمهور.
أدى هذا إلى ضخامة القوى المالكة المحافظة وتغلبها على الطبقات البرجوازية والعاملة الليبرالية والمتنورة، وبهذا فإن المفكرين والكتاب والأدباء تأثروا بهذا المنحى المتناقض، وعبرَ الفلاسفة عن تدهور العقلانية كما لدى شيلنغ، ومحدودية العقلانية وفرديتها لدى الفيلسوف كانط، وتضخمتْ الفرديةُ لدى فيخته، ورغم الجدلية العظيمة لهيجل ففلسفته ذات بناء اسطوري، وكيريغارد أسس الوجودية الصوفية حيث الفرد محور الوجود ولكن عبر نقد الدين كهيمنة خارجية على الإنسان، وكان لاسال زعيم العمال (الاشتراكي) يعتبر الإمبراطور هو القائد النقابي للعمال.
ورغم هذا التخلف الثقافي فقد تعملقتْ ألمانيا صناعيا وبحثتْ بشهوةٍ عارمة عن الأسواق، وأصبح صناعيوها يفضلون الغزو ودعم الاستعمار ويفضلون الدكتاتور بدلا من تعزيز الديمقراطية.
ولم تكن الحركة الاشتراكية الديمقراطية حسب رأيي وليست حسب رأي لوكاش جدلية تركيبية في تصوراتها فكان ينبغي أن تطور الرأسمالية وتنقدها معا، وتركز في إزالة بقايا الإقطاع وتكون جبهة عريضة ضد التخلف ولثقافة قومية ديمقراطية. وقد أدى تطرف روزا لكسمبروغ بعكس ما يقول لوكاش في كتابه(التاريخ والوعي الطبقي) وتوجهها لأقصى اليسار إلى بتر التحالف الاشتراكي الديمقراطي وصعود الثقافة النازية وخداعها للجمهور عبر جمعها بين الاشتراكية الزائفة والهوس الوطني الديني، وبهذا فإن أقصى اليسار في روسيا وألمانيا صعّدا النازية من حيث لا يدريان.
ظل لوكاش عقودا في الاتحاد السوفيتي، ولم أقرأ له تحليلا نقديا عنه، وقد صار ضمن وزراء ثورة المجر ضد السيطرة الروسية عام 1956 وهو تحول مضاد وعظيم، خاصة لشخصية جورج لوكاش وبعد ذلك عاش في الغرب يثري الدراسات الفكرية والأدبية من خلال وجهة نظره.
هذه لمحاتٌ محدودة من عوالم جورج لوكاش الواسعة.

الأفكار والتقدم

إن السببيات شاملةٌ واحدةٌ لكلِ فكرةٍ كبيرة؛ للأديان والمذاهب والمدارس الفكرية، وتتلخصُ في مدى قدرة الفكرة في نموها الايجابي على أن تكون مرشدةً للتقدم الإنساني، وفي جانبها السلبي حين تعوق هذا التقدم وتكرسُ نفسَها لوقفه والأسوأ لمحاربته.
في صدام الأماميات والحنبلية في بغداد أواخر العصر العباسي الثاني، يتشكل قوسا القوميتين المحافظتين الفارسية والعربية البدوية الصحراوية.
الأولى تستعين بثقافة اللاعقل، بهيمنة النجوم والكواكب المتحدة بالأرواح وقوى البشرية المفارقة التي غدت مهيمنة من السماء، وبطقوس الزراعة القديمة، عبر ثقافة الندب وتعذيب الذات، والثانية تستعينُ بحرفية النصوص المقدسة الكلية، حيث كل حرفٍ حتى لو إمتلأ بالخرافة يغدو حقيقة.
كانت الثقافة الإسلامية أمام منحيين كبيرين متضادين.
لم تستطع ثقافة العقل والعلوم والنقد أن تخترق الحجب المعتمة، وثمة مستويان إجتماعيان يصطدمان:
الملاكُ الكبارُ في فارس يستعيدون السيطرةَ على الأراضي، ويتغلغلون في الخلافة العربية: بني بويه المؤثرون هم رموزُ هذه المرحلة.
البدو والأعراب الذين ملأوا المدينة العاصمة يجدون أنفسهم امام سيطرات غير عربية: فارسية وتركية، وخاصة الفرس الذين يصارعونهم كثيراً على حدود الأرض وهم أصحاب السلطان.
تنفجر الحنبليةُ بكراهية شديدة للعقلانية وللتحليل والفلسفة، ويصرخ قائلهم:(من تنمطق فقد تزندق!). والمفكرون الفرس يوغلون في الماورائيات، ويعودون لتقاليد الشعوب القديمة في كسر الجدران بين الحس والغيب. وتتدفق الصوفياتُ كشكلٍ بارزٍ للاعقلانية وتحلُ الأرواح الغيبية في الأجسام البشرية المحدودة وتصعد نحو السماء للذوبان في المطلق!
في المدارس اللاعقلانية وقتذاك هجومٌ سياسي على العروبة وجسدِها الاجتماعي الملموس وهو هؤلاء البدو الذين لم يستطيعوا أن يتطوروا ولم يستوعبوا الفلسفة العربية في جنونها المتصاعد.
ولهذا هم يستعيدون الأحكامَ المبسطة للشريعة؛ إستخدام الحدود وتطبيقها الصارم والعودة للتقاليد البدوية، وعدم الاجتهاد والتحليل، ومقاومة الغزاة المختلفين مع الملة، وضد أي أناس يدخلون الأفكار (المنحلة) و(الفاسدة).
هنا يحدث الافتراقُ بين الجزيرة العربية وفارس. بين الحنابلةِ والشيعة.
ولكنهم جميعاً يتفقون على الأحكام الحرفية الحدودية فيما يتعلق بقطع إيدي اللصوص البسطاء وترك الحرامية الكبار الذين يملكون الإقطاعيات الواسعة ويشنون الحروب.
كلُ فكرة تتجمدُ عن خلقِ التقدم تركزُ على الأشكال، والكلية الصارمة، وأن لا ثمة تناقض وتعدد في مبناها، وأنها كانت ولا تزال هي نفسها منذ أن ظهرتْ حتى يوم القيامة، وتجعلُ أتباعَها يعيشون في أشكالِها العبادية بصرامة، وترفضُ الاجتهادَ والممكنَ والاحتمالات والسيرورة والتغير، أي تخاف أن يتوجه أتباعها للتحللِ من قيودها الصارمة، والاجتهاد في تفسيراتها، وتبصر التقدمَ الذي يجيءُ من جهات أخرى، ودرسه ورؤية مدى الاستفادة منه.
الفكرةُ في طورِها الأولِ حين تكون مناضلةً لتغيير أحوال الناس لا تكون مثل هذا، لا بد لها من قيود ما، وضبط للاتباع بأشكال، لكنها تكون متفائلة، فرحة، منفتحة، لأن الانتصارات والممكنات القادمة التحولية تجعلها ثوريةً فاعلة في عالمها وتقدم لجماعتها عيشاً جديداً متطوراً، فترفض التطرفَ وتحب الحلول الوسط والاجتهادات التي توسعُ ذلك التقدم.
الفكرة حين تصبح زنزانةً تجعل مبادئها شكلية، تناور عن المضمون والاحتمال والممكن والاجتهاد والانفتاح على الآخرين والاستفادة من إيجابياتهم، تخافُ من التقدم، وتغذي التعصب، والعداوة.
الفكرة حين تصبح إمتيازات للبعض، وإستغلالاً وطنياً أو عالمياً تبتعد عن كشف الحقائق، ودرس الظروف العامة بموضوعية، وتنزلق نحو دهاليز غريبة، فتضخم جزئيات لدرجة تحويلها لجبال، وتنفخُ من شخصيات مريضة لأنها تغذيها بالوجود، وسواء كانت الفكرة هي الوجودية أو الماركسية أو المذهبية الدينية أو الليبرالية، وتغدو قوى المصلحة القديمة دائماً معرقلة لتطور ذات الفكرة.
الليبرالية تغدو دعوة للحرية في المشروع الخاص، لكن مع خنق المشروع الخاص العالمي الغربي لتطور الكرة الأرضية المتنوع تغدو الليبرالية فكرة واحدة ومشروعاً خاصاً فوضوياً مسيطراً رافضاً للمشروع العام التخطيطي المنسجم مع التقدم.
الماركسية تغدو أداة للحرية وحقوق العاملين ثم تغدو زنزانة لهم حين تصيرُ بيروقراطية إستغلالية.
الفكرة تغدو متطورة حين تكون على علاقة وثيقة ديمقراطية بالناس، تتغذى من أسئلتهم ونقدهم، وتوسع من فهمها لتكتشف جوانب جديدة من التقدم الذي لا يتوقف.

لماذا يموتُ الشعرُ؟!

عبـــــــدالله خلــــــــيفة :  لماذا يموتُ الشعرُ؟!

حين تكف النساءُ عن ولادةِ الأبطال، ويتشاجر الرعيانُ الرواةُ على أثمانِ الأحمال فوق ظهورِهم، ويتوارى منشدو العرضاتِ والأغنياتِ والقصائد وراء مساومات وبنادق وبضائع رخيصة في جبال القرى والأرياف والبوادي، تعقرُّ النسوةُ عن الخصب والحناجرُ عن صوغِ الملاحم!
يعسسُّ الشاعرُ في الظلماتِ مستأجراً قارباً من بَحارٍ فقير يحملٌ آلةً طابعةً كتبتْ منشورات وطنية وأعمالاً أدبية، وكلما أوغلَّ البحارُ في التيه البحري طالب الشاعر الشاب المتدفق بالعواطف الفياضة بالمزيد، حتى أستوى البحرُ تلالاً وهضاباً، ولم يعد ثمة نسمة، أو بصيص من عود كبريت مشتعل، حينئذٍ أنزلَ الشاعرُ الآلةَ الطابعةَ في جوف المياه، والبحارُ يقول له: أليس من الأفضل أن أحتفظ بها في بيتي حتى تكتب عليها أعمالك العظيمة أو يوصل المناضلون الكلمةَ بها للشعب؟ فيرد لا!
حين تتحول الآلةُ الكاتبة وهي المشتراة براتب موظف فقير في أزمنة الشظف في السبعينيات إلى سمٍّ للسمك، يتحول الشاعر لمخربٍ للبيئة، وللشجاعة في الحي الشعبي الذي عبدَ بطولات المبدعين الخياليين.
ذهب الشاعر للسجن بعد صرخة أطلقها في الشارع وقد إنتفخ إنتفاخاً عظيماً، وحصل على بضعة أكف بين الجدران فتاب، وزاد وزنه الكثير من الأرطال، ثم خرج وقد أمحت من ذاكرته صور ما قبل السجن ولكنه لم يترك الشعر الذي صارت فيه الكلمات مثل النمل، الصغير، الدقيق، المنفصل عن البشر والحرائق الاجتماعية.
(غنمي غنمي ما أجملها في موكبِها نحو المسلخ!).
ملأ الشاعرُ السجنَ ضجيجاً، وحولَّ الأعشابَ لسجائر، وقراطيسَ السجائر لنصوص تمتدُّ من السقف للأرض، وبدا أنه عملاق يصلُ للجبال وهو يمشي على السطح البشري المثقوب، لكنه حمل الزنزانةَ داخله، فلا يظهر فيها ثائر ولا رغيف محروق، ولا زقاق بائس.
حين يُضربُ الشاعرُ على رأسه الطفولي ويفقدُ شبابَه الثقافي وتعليمه الروحي ويجثمُّ في الزنزانة مثل الصخور، ولا يبكي، ولا يفجع، ولا ينقد، ولا يَدخلُ أعماقَه ليقرأ روحَه ويمزق وينشر خيباته ويجسدُ ضياع َزوجته وأطفاله ورفاقه ويرفع أصابعه بعلامة التغيير والصمود البلاستيكية الدائمة، يتحول الشعرُ لرماد مستمر تذروه الرياح.
حين يصير الشاعرُ مطرقةً تردد الهتافات في المناسبات فلا تظهر زوجة جريحة له، ولا ابنة ثائرة، ولا رفاق خونة، تتساقط المرئياتُ والملصقاتُ من على جدار البطولة الزائف.
الشعرُ ذروة البلاغة السحرية المتغلغلة في عظام الناس، والتحليل الضوئي للشر والخير، للبطولة والهزيمة، هو مرايا الضؤ وهي تكشفُ جراح البشر، يدٌ رفيقة تنتشل ضحايا الغواصين من بين الأجداث والزجاجات الفارغة للسفن وعلب المراكب الأجنبية التي تسكر فوق الموج والزيت والدم والأشرعة ومن بين المجاديف التي قاومت قنابل الاحتلال، فيعثر على خيط من المقاومة عبر الجثث المتحللة.
الشاعر الكبير يُلقى في الزنزانة سنيناً ويقوم السجانون بمحو ذاكرته والصور من عينيه وروحه، ويُغرق في براميل من المرتجعات والمخلفات البشرية والقيء لكن صور الناس وتجارب البشر تزدهرُ في أعماقه وتزهو عبر السنين وتتطور في خروجه وبكشفه ونقده لما يحيطُ به وتتجسد في عروض مسرحية وملاحم مكثفة. وتصبح علاقته بزوجته مرئية بتفاصيلها ونضبها ثم ببرودها، فلا يخشى الشاعر من عرض عواطفه المتبدلة، وعرض البلد التي إستضافته مُنتقَّدة، ناقصة. فلماذا بقي الشاعرُ التركي الأسطورة يفيضُّ من مادة النور والنار؟
الشاعر الصغير يتحلل، ويتحول لفسيفساء من أشياء، لا رابط لها في معاناة، الأفكارُ الكبرى تصيرُ حشراتٍ زاحفةً في تضاريس يومية مقطوعة الصلات والحياة بالنار الاجتماعية التي تسري لدى البنائين.
كثير ما يموت الشعر العربي لأنه شعر حضري سريع التكون، معانيه مرتبطة بمعاناة سريعة قليلة ضحلة، لا تصل لفلسفة، ويبقى على سطح عاطفة يومية، يصعب عليه أن يقيم علاقات مع رموز تراثية وصراعات إجتماعية، ويغدو فردياً محضاً بلا إشتغالات الفرد العميقة من وجود ومجتمع وكفاح.
حين تتجمد يد الطليعة الشاعر عن الاتصال بالألم البشري ينطفئ ذلك التنور مصدر العلاقة بالانتاج الخصب.
حين يقطع الشعرُ علاقاته بالتناقض الاجتماعي الروحي الفلسفي يلغي القطبيةَ الكهربائية مشعلة الصور ويصير فحماً لكنه لا يصلح لبرد الشتاء ولا حر الصيف.
يعيشُ الشعر على الخصال العالية، على التضحيات الجسام، على البطولات الملحمية، وحين نفتقده نتأسى على حال الأمة.
(نثرٌ يعوي في وادينا أسرعْ أسرعْ يا راعينا)!

جريدة النور

على الرابط أدناه …..

https://alnnour.com/?p=50050

على الرابط أدناه …..

http://www.alraafed.com/2017/08/17/11679/

  كتب  الرفيق : حسن جاسم رضي

نفعية في الكتابة

◇ من مواليد القضيبية - البحرين. ◇ خريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى سنة 1974. ◇ اعتقل من سنة 1975 إلى 1981. ◇ عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعية والثقافية في الصحف البحرينية والخليجية، ونشر في العديد من الدوريات العربية. ◇ عضو اتحاد الكتاب العرب بسوريا. ◇ ساهم في مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب، وأول مؤتمر أشترك فيه كان سنة 1975 الذي عقد بالجمهورية الجزائرية وقدم فيه بحثاً عن تطور القصة القصيرة في البحرين، وشارك في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب بتونس سنة 2002، ببحث تحت عنوان «جذور العنف في الحياة العربية المعاصرة»، وشارك في مؤتمر بجمهورية مصر العربية سنة 2003، وببحث تحت عنوان «المثقف العربي بين الحرية والاستبداد» وذلك باتحاد الكتاب المصريين. والعديد من المؤتمرات الادبية العربية. ◇ منذ سنة 1966 مارس عبــدالله خلــيفة كتابة القصة القصيرة بشكل مكثف وواسع أكثر من بقية الأعمال الأدبية والفكرية التي كان يمازجها مع هذا الإنتاج، حيث ترابطت لديه الكتابة بشتى أنواعها: مقالة، ودراسة، وقصة، ونقد. ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي قام بطبع نتاجه القصصي والروائي والفكري في دور النشر العربية المختلفة.
ABDULLA KHALIFA WRITER AND NOVELIST FROM BAHRAIN ♦ Abdulla Khalifa Al Buflasa (born March 1, 1948 in Gudaibiya, Manama, Bahrain – died October 21, 2014 in Manama, Bahrain) is a Bahraini left-wing novelist and columnist. ♦ Upbringing and Education: Albuflasa was born in 1948 in the Gudaibiya area of the Bahraini capital, Manama. He studied at the Teachers Institute. ♦ Career career: He worked as a teacher after graduating from the Teachers’ Institute. ♦ He joined the ranks of the National Liberation Front – Bahrain in the 1960s and became active in its ranks. He was arrested in 1975 and dismissed from his job and released from prison in 1981. ♦ He wrote short stories and novels since the late 1960s and has various contributions in literary criticism. He also works as a columnist for the Gulf News newspaper. ♦ Member of the Union of Arab Writers in Syria. ♦ Contributed to the conferences of the Arab Writers Union, and the first conference was in 1975 held the Algerian Republic and presented the search for the evolution of the short story in Bahrain I subscribe to it, and participated in the Conference of the Arab Writers ‘ Union in Tunis in 2002, research under the cursed n (The roots of violence in contemporary Arab life), He participated in a conference in the Arab Republic of Egypt in 2003, and a research under the title (Arab intellectual between freedom and tyranny). And many Arab literary conferences. ♦ Since 1981 he has worked in the social and cultural Press in the Bahrain and Gulf newspapers, and has been published in several Arab periodicals. ♦ He wrote articles and political and social studies on the history of Bahrain and the development of the short story.

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

يقولُ بأنه توقف عن الكتابة الأدبية التي بدأ بها، وكانت هي فرحة عمره، وتفجر روحه!
ثم صارت الكتابة سلماً للحصول على المنافع، ويقول بأنه نجحَ في حياته العملية، فقد أنشأ بيتاً بفضل تلك الكتابات التي يغلبُ عليها التصبيغ، وصارت لديه حياة منزلية محترمة!
بين أن يكون الإنسان واعداً في الكتابة والخلق الإبداعي، ثم يتحول إلى سمسار كلمات، هوة كبيرة، بسبب أن كتابة الإبداع احتاجت منه أن ينغمر في حياة الناس وآلامهم، وأن يكتوي بمعاناة جعلته يقدر أخلاقياً قيمة الكلمة، وأن لا تهمه المنافع المادية إلا بقدرِ أن تغدو معاشاً يجدد خلاياه على المقاومة والبحث والقراءة!
لكن حين صارت الكتابة سلقاً، وتحبيراً لأوراق المدائح المستمرة، فصار المبدعُ خادماً، وغدا المناضل سمساراً، وأصبح التفكير في المردود المادي مهيمناً، فلم تعد المشكلات والقضايا والبشر لها أهمية بقدر ما تملأ جيبه وتكون له سلالم للصعود!
ولهذا لم تعد القصة التي كان يتحرق إلى صناعتها مهمة، وصار يقول (الناس لا تقرأ ، الكتب كاسدة ، لماذا نضحي من أجل أناسٍ لا يفهون . يا أخي البشر حيوانات كلُ يعمل من أجل جلده ورزقه فدع عنك المثاليات!).
وكل ما نجح وأزداد ثراءً أنحط أكثر، صار مثل الطبل الأجوف، كلماته هي نفسها، غير قادر على صناعة أي جديد، لا يعبأ بقراءة، ولا يهتم بأحداث حارقة..
بل صار المهم لديه الاهتمام بأخبار الفنانين والفنانات، باعتبارها ذروة اهتمام المجتمع، ومحل القضايا الساخنة فيه!
فأين ذهب كتاب المساكين لدستويفسكي أو الحرب والسلام وعناقيد الغضب، كلها بيعت في السوق ، ولعجبه فقد اشتراها الناس بأغلفتها الممزقة!
صارت شعاراته مثيرة للقرف:
أكذب، أكذب حتى يحبك الناس! طبلْ لأصحاب النفوذ وكنْ تحت أجنحتهم الوارفة بالخير حتى تتساقط عليك أوراق الملكية والثلاجات والغسالات!
ماذا أفادنا الكادحين والمناضلين، لكن الذهب عند ملكات الجمال، والتذاكر المجانية لدى المقاولين الذين لا يصنعون بيوتاً مطابقة للمواصفات، ولدى مدراء البنوك الذين حين تمدحهم يقدمون لك قروضاً بلا ضمانات!
وسعْ نشاطك في هذه الأوراق الصحفية، وقابل المتنفذين والمدراء وأصنع إعلانات تحريرية، وأخباراً نجومية، وأحط نفسك بهالة إعلامية وباقة من الورد الجورية، فيزدهرُ دربُك بالمعاشات التقاعدية المبكرة وتتجاوز صفوف المنتظرين في الطوابير الإسكانية!
إذا أردت أن تكون رقماً كما يضيف قولاً فأركض إلى أي دعوة، وأصنع اهتماماً بكل رغوة، وأصنع قلماً مثل جذع نخلة وأكتب به مدحاً وإذا كانت لديك موهبة الشعر فأكتب قصائد فهي التي تفتح الدروب للموائد!
والعجيب أن المتحدث رغم كل ما حباه إياه الوضع فهو حين يكتب أحدهم قصة يُصاب بغصة، ويروح ينشر كلاماً قديماً وبأغلفة مثيرة، ويجلس مع المؤلفين ويناقش بحرارة مسائل الروح العليا والأخلاق الكبرى، فهو يحس بأن الصدق أهم، وأن عظمة الماضي أهم من انحطاط الحاضر، وأن كل الأبهة لا تساوي كلمة صادقة من قارئ!

المخادعون

في مصر يُسمى الفهلوي في الجزيرة العربية يُسمى العيار. يمكن أن نصادفه في الحياة الشعبية كإنسانٍ عامي له قدرة على التلون والخداع الساذجين البسيطين، لكن في الحياة الفكرية والسياسية فإنه يضعُ طبقاتٍ مركبةً من المظاهر لكنها لا تستطيع أن تموه شخصَه لأن الانتهازي واضح الملامح غير متجذرٍ في الناس والمبادئ.
انتصار هذه الشخصية العامة في الحياة العربية يعبرُ عن غياب مواقف الطبقاتِ الكبرى الصانعة للتقدم، فلم تستطع القوى التحويلية أن تصنعَ حفرياتٍ أخلاقيةً وفكرية وسياسية صلبة، ولهذا فإن قادةً سرعان ما يتحولون من يسار متطرف إلى يمين متطرف. من تكريس مبادئ الحداثة والعلمنة والديمقراطية إلى تكريس التقليدية والطائفية والاستبداد، أو دحر مبادئ الليبرالية والاستقلال إلى السير مع القوى السائدة.
هذه الهشاشة في المواقف والشخوص تستدعي الحفر المعرفي في طبيعة هذا النموذج ولماذا يستطيع أن يستمر في التقلب واستغلال اللحظات السياسية والأجهزة والتيارات وأن يحيط نفسه بمجموعةٍ أو مجموعات حسب المواقع والظروف.
المبادئ الفكرية الكبيرة كالمادية والمثالية، والماركسية والليبرالية، والوطنية والقومية، لا وجودَ لها في هذه الكائنات التي تعيش على سطوح الوزارات والسفارات والتقلبات والقوى المؤثرة المفيدة ذاتياً، التي تستغلُ عطايا وفوائدَ مرحلية لا تتجذر في تجربةِ شعب من أجل الحرية، أو تجربة حزب من أجل صناعة فكر ومواقف، ولكن بقاء هؤلاء في مجموعات يشير إلى تأصل الفساد الفكري الأخلاقي.
والشعوب العربية تعيش في مفارق طرق حادة مخيفة وأية شعرة فكرية سياسية تدفعها لمواقف خطرة، فتريد حسماً في الانتماء للتغيير والتقدم فكيف حين تتلاعب هذه الشخوص الفقاقيع في مصير تيار سياسي أو شعب أو دولة؟
كيف يمكن التقلب بين الوطنية إلى المحافظة الطائفية وإستغلال دين جماعة للصعود الذاتي؟
إنه تاريخٌ متجذر من (العيارة)، كان العيارون في الزمن العباسي شطاراً ومدافعين عن الكرامة والناس، كانوا ينفصلون عن الغَمر العادي ويؤكدون ذواتاً مستقلة وشخصيات رفيعة، في حين أن معاصريهم إندسوا في التيارات المضيئة من أجل علاقات بسفارات وعطايا دول وخربوا الأزهار النضالية التي تتعب الشعوبُ في إنتاجها من أراضي السبخ والصبار.
إن الانقلابات الحادة من اليسار إلى الطائفية لا معقولة، مثلما تحول الليبرالي إلى تأييد الاستبداد ومسايرة المناقصات المفيدة في الصعود التجاري السياسي كارثة، واستمرار الديني في خداع الناس باسم الإسلام لكي يصعد تجارياً وسياسياً بدلاً أن يحارب أخلاقياً الشرورَ كارثةً وخيمة.
هنا الكتابة وتسجيل المواقف العميقة معيارا، فالجمل المائعة تاريخياً وعدم كتابة البحوث الكاشف لمختلف الظروف تلاعباً.
التدمير في المبادئ والحياة الفكرية والأخلاقية له عواقب أكبر من الأزمات الاقتصادية وخسائر الطوفان، هو هدم للحياة الاجتماعية والسياسية، وتقطيع لشرايين الجماعات.
الشبكة الجماهيرية الشعبية هي المسؤولة عن استمرار هذه النماذج، هي تشاطرها في بعض جوانبها، وتصمت عن أخطائها، أو تعيش لامبالاة تجاه قضايا الوطن والشعب دون أن ترفع صوتها وتوقف السلبيات بشراً وظاهرات.