كلمات الاغلفة        

تجاوز الشيوعية والإقطاع

إن المهمات المركبة التي تواجه الشعوب العربية تحتاج إلى عقليات ديناميكية تتصدى لمثل تلك المهمات المعقدة المتشابكة، التي يضيع فيها النظر القصير، سواء كان يسارياً محنطاً في أرديته العتيقة أم دينياً طائفياً غير قادر على رؤية عصرية ديمقراطية للإسلام.
إن الأوضاع السيئة الكبيرة للأمة العربية، والتخلف السياسي الكبير والفظيع للجمهور العربي، تتطلب إعادة نظر كبيرة فى الأطر السياسية والفكرية المتخشبة وتجميع قوى اجتماعية واسعة من أجل تغيير الأوضاع والبلدان المعرضة للغزو الواسع والبيع ولفوضى المقاييس.
وبادئ ذي بدء فإن تسمية الأحزاب الشيوعية هي تسمية خاطئة أصبحت تدركها هذه الأحزاب نفسها، ولكن الأمر ليس في التسمية فحسب بل في عقلية مدرسية، تجهل الماركسية والإسلام معاً.
فأدواتها المنهجية متكلسة، وواقعها الذي تشتغل عليه لا تفهمه، والجانبان متداخلان، فقد تحجرت أدواتها عند قوالب عامة من (اللينينية) التي استنفدت نفسها، بوصول التجربة الاشتراكية المفترضة إلى كونها رأسمالية دولة متخلفة، وبسبب غياب الأدوات الديمقراطية في الحزب والنظام والمجتمع.
واللينينية التى تفترض القفز على الظروف الموضوعية وعلى التشكيلة الرأسمالية عادت للرأسمالية بصورة سيئة، ولهذا فإن مترادفاتها: الماوية، البولبوتية، الجيفارية، الكاستروية، البكداشية، وكل النسخ الكاريكاتيرية الأخرى في كل بلد، لم تعد صالحة للاستعمال كمنظومة.
وقد كانت الأحزاب الشيوعية العربية هي صدى لهذه الموجة، وقد قامت بجوانب كبيرة إيجابية عبر التصدي للاستعمار، وخلق أدوات النضال الوطني والنقابي، وعبر تضحيات كبيرة. متطلعة أن تقوم بتجارب اشتراكية تقفز بالأقطار العربية من التخلف الفظيع إلى التقدم الصناعي الواسع. ولكن لحسن الحظ ربما أنها لم تصل إلى السلطات فتشوه نفسها.
وحسن الحظ هذا تجلى في أن الدول والحركات الأخرى هي التي غرقت في مستنقع الفساد الحكومي وفي اضطهاد الجمهور أو في تخريب التطور.
وتعطينا التجربة الوحيدة التي قيل بأن الماركسيين حكموا فيها وهي في اليمن الجنوبي، كيف أن الهياكل الاقتصادية والاجتماعية المتوارثة هي التي تهيمن على القوالب النظرية؛ فقواعد القبلية والدولة الشمولية هي التي انتصرت، ولم يستطع (التقدميون) أن يتوغلوا في البنية الاجتماعية المتخلفة؛ بنية الوعي والعائلة، فاستمر الاقطاع الديني والسياسي يعيد نفسه.
أما المنجزات المادية من منشآت فهي ليست دلائل على التطور الذي ينغرس ويبقى في الأرض، فقد قام الفراعنة والبابليون أصحاب دول العبودية العامة بإنشاءات أكثر من ذلك بكثير، وأقام الخلفاء العرب الكثير من الإنجازات العمرانية والعلمية ولكن أين هي الآن؟
كل حضارة مشرقية استغلالية تتوهم بأنها عبر بعض المصانع والأبنية الضخمة قد حققت نهضة حضارية كبرى، ولكن كل نظام دكتاتوري يعتمد على القوة البشرية العاملة المجمعة، وعلى القسر، وعلى الهياكل الاجتماعية المتخلفة الشمولية،
ويستطيع أن يقيم منشآت، هذا ما توهمه الكثير من المثقفين العرب وهم يرون منشآت عبدالناصر بأنها سوف تدوم، ومنشآت صدام حسين الذي ضخ الدم والنفط فيها سواءً بسواء، وبومدين وعلي عنتر والشاه، وغيرهم كثير، وهم مثل من قبلهم من الأباطرة والفراعنة، ينتهون بحروب وصراعات حادة وكوارث.
أما البناء الاجتماعي المتخلف فيستمر في التوارث، ويظل الرجال مهيمنين على الأسرة المحبوسة، وتظل النساء في المطابخ، والجماهير جاهلة، والثقافة للنخبة، والعلوم لا تعلم بشي.
تبدو (الشيوعية) أنها على تناقض كلي ومطلق مع الإقطاع الديني, لكن الشرق ببنيته الإقطاعية الدينية, امتص وأعاد تشكيل كافة الأفكار حسب قوانينه الاجتماعية العتيقة.
لهذا فإن أشكال الأحزاب الشيوعية تقوم باستعادة هياكل الذكورة المسيطرة, وتتحول البنى الحزبية إلى مجرد هياكل سياسية ومحفوظات إيديولوجية, وليست إلى أبنية اجتماعية وسياسية تنشر الحداثة والطليعية الفكرية والاجتماعية في العائلة والقبيلة والطبقة والمجتمع.
في الوعي الفكري العام هناك المادية الجدلية والتاريخية والتي هي أرفع ما انتجه الوعي الإنساني في فهم الطبيعة والمجتمع والوعي نفسه, ولكن هذه الفلسفة المادية العميقة المركبة لا تتكون في هذه الأحزاب حيث يهيمن المثقفون المسيسون الذين لا متلكون داريه بهذه الفلسفة, لهذا تغدو بالنسدبة إليهم مجرد شعارات عامة, وينحصرون في حياة يومية سياسية, ويعملون على مستوى القشرة السياسية دون حفر عميق.
ومن هنا كانت (اللينينية) مفهومة كإنتاج دولة اشتراكية تقفز بالمجتمع المتخلف إلى مرحلة إزالة الطبقات, وهذا الخطأ الفكري العام يقود إلى مماشاة الأحزاب الشيوعية لبنية الإقطاعية الدينية في واقع الأمر, فهذا النهج ليس سوى دكتاتورية فوقية تجاري ما كان يفعله الأباطرة والفراعنة على مدى التاريخ, وبدلاً من التركيز على الممكن السياسي والتاريخي بتقوية الليبرالية وبتحرير المرأة وبغرس التعددية وبإنتاج حرية فكر كبرى, يجري التركيز على الشعارات العامة (الاشتراكية) وهي ليست سوى إبقاء على البنية الاقطاعية الدينية وما يسود فيها من هيمنة ذكورية وبيروقراطية, وهى عملية ستكرس في هذا المجرى السياسي الملوث الأمراض الاجتماعية الخاصة في كل بلد; هيمنة قومية روسية في الاتحاد السوفيتي, أو هيمنة قبلية للقبيلة الفلانية والمنطقة الفلانية في اليمن الجنوبي, وأعطاء العسكر الأثيوبي تبرير عملية السحل للقوميات الأخرى وتدمير حتى المنجزات المحدودة التي أقامها الخ..
أما المادية الجدلية التي اعتبرت لدى مؤسسيها ذروة الوعي البشري المقام على الإنجارات العلمية, والمطلوب منها التحول مع كل تطور فكري, فإنها تماشت مع التعاويذ السحرية والغيبيات الميتافيزيقية, بدلاً من أن تكتشف سيرورة الوعي الديني الذي له قوانين اجتماعية.
وهذا ليس ناتجاً إلا من عدم ترافق الأدوات النظرية ودليل العمل الفكري مع تراكم جهل القواعد الشعبية الحزبية وبيروقراطية القيادة. فالجانبان الأخيران عملا على أضعاف أدوات التحليل العلمية, وهكذا نشأت مؤسسات الدكتاتورية السياسية (الشيوعية) الداخلية المتلائمة مع المضمون العميق للنظام الإقطاعي الديني.
كان طرح الخيار(الاشتراكي) حفاظاً على تلك البنية الاجتماعية الإقطاعية الموروثة وتطويرها فقط في قشرتها السياسية, أي ما مواصلة ما فعله الطغاة القدامى, وإحداث التغيير في ماكينة الدولة, بدلاً من أن يكون في الأسرة, والقبيلة, والقرية والإدارة, و في الوعي والعادات والتقاليد الخ..
أي لم يتوجه التغيير نحو المستوى الاجتماعي المحافظ المتوارث, ومن هنا واصلت الأحزاب التقدمية معايشتها للبناء التقليدي, ومن هنا لم تستطع أن تنتج مادية تاريخية وطنية لكل بلد, فلم تستطع أدواتها النظرية أن تلتحم بتاريخ شعبها, وخاصة في تحليل بناة الفكرية وموروثه, وتقوم بتفكيك العناصر المضيئة عن العناصر المحافظة, وأن تتواصل وتتجاوز التقاليد الكفاحية السابقة الخ..
أن تكلس الإدارات السياسية وتجميد أداة التحليل النظرية واستمرار تدفق الجمهور العامي غير المثقف, إن كل هذه تؤدي إلى انهيار القواعد الفكرية النضالية الصلبة, وتعرض الجماعات التقدمية إلى التآكل الروحي السياسي الداخلي العميق.
لا نستطيع أن نعتبر ستالين نتاجاً فقط لتركز المؤسسات الاقتصادية والعسكرية والسياسية في قبضة مجموعة صغيرة من الأشخاص, بل أيضاً نتاج التربية الفكرية للقوى الطليعية على مدى سنوات كثيرة, أي بسبب تغلغل الهياكل الشمولية الفكرية والاجتماعية لدى البلاشفة.
وهكذا فإن التقدميين العرب خضعوا لهذه السيرورة التاريخية وهم في مواقع المعارضة الطويلة كذلك، وبهذا فإن (الأبوات) والقادة (التاريخيين) تشكل أساسا لهم ماديا وفكريا من جذور المجتمعات الإقطاعية العربية الدينية, ولهذا بدلاً من أن يناضلوا من أجل مجتمعات علمانية ديمقراطية حديثة, ناضلوا من أجل (الاشتراكية).
وعبر الاشتراكية كانوا يخفون ارتباطاتهم المتوارية بالمجتمعات الإقطاعية الدينية, وقيمة هذا الوهم الإيديولوجي إنه يسمح لهم بدكتاتورية, ويبرر هيمنتهم الفردية, ويحول الأحزاب إلى هياكل مُلحقة بشخوصهم (العظيمة).
ومن هنا تنشأ التحالفات اللامبدئية وحفاظهم على الهياكل المحافظة القبلية أو الطائفية, حسب دورها في تعزيز سلطتهم أو قيادتهم.
ولكن مع تكسر هذا الحزب أو البلد (التقدمي) أو المنظومة تظهر البنية الإقطاعية الدينية المتوارية, ويتحول فجأة (الشيوعي) إلى رجل دين يغمر دور العبادة, التى كانت مضللة بصلواته, وبغتة تكتسب التقاليد الدينية الشكلانية الرفعة, ويصاب الجمهور التابع لمثل هذا الوعى السطحي بالهلع والارتباك, وهو الذي كان مأخوذاً بالعبارات المنتفخة الفارغة لهؤلاء الزعماء الفردانيين المتضخمين.
لم يلحظ هؤلاء عملية التآكل في بنية الحزب الفكرية, وإغراقها بالجهل والأعضاء البسطاء, ولا عملية عزل الكوادر المعارضة, ولا حملات التطهير ضد المعارضات التي تتشكل داخل هذا الحزب على مدى سنين, ولا الانشقاقات التي غالباً ما يكون سببها صراع فردي على القيادة, وهكذا فإن تضحيات جسيمة تُجير لمصلحة الزعيم الفرد, وكما يحدث في كل عملية تاريخية استغلالية, فإن الوعي المثالي, من الناحية الفلسفية هو الذي يصعد, أما المادية التاريخية فتشوه, والمادية الجدلية تُلغى, ويصعد الزعيم الشيوعي السابق داخل الدخان الديني الذي كان دائماً يُستغل من قبل الطغاة لخداع الجمهور. ولكن هذه المرة يقوم به القائد (الشيوعي).
ولا يتعلق الأمر بالزعيم الدكتاتوري بل بالجمهور الدكتاتوري كذلك, فهذا الجمهور المناضل جاء من أجل تغيير الأوضاع السيئة ومن أجل تغيير الاستغلال الذي ينوء على كواهله, لكن هذا الجمهور لا يؤخذ كقوة ديمقراطية جماعية, بل كأفراد مفتتين, على خلايا, أو جماعات صغيرة, يتم تبديل قناعاتها الديمقراطية الجنينية المتوارية وتحويلها لخدمة الزعيم.
تقوم الدكتاتورية داخل الحزب باستثمار الدكتاتورية داخل الجمهور الحزبي, فتعلي من ذكوريته, وحياته الأسرية المحافظة, وطاعته, وتلغي من وعيه النقدي, وهذا كله يهيئ للأحكام السياسية الذاتية, أي التي تفصل لخدمة زعيم الحزب وأهدافه, أو لخدمة المجموعة الصغيرة التى تهيمن على مسار الحزب, لا أن تقوم بحفر توجه ديمقراطي عميق في المجتمع يؤصل الوعى التقدمي.
من الممكن أن يلعب الحزب دوراً وطنياً وديمقراطياً كبيراً, وقد تعبت هذه الأحزاب مثل هذا الدور, حين يترافق ومجرى النضال الديمقراطى في البلد المعني, أما حين يجير لكليشهات إيديولوجية فهذا يقود إلى مغامرات سياسية مدمرة, كانخراط التقدميين اللبنانيين في مواجهة تاريخية لإزالة الرأسمالية المسيحية.
أو حين يساير الحزب الدكتاتورية الوطنية ويتخلى عن نهجه الديمقراطي ومهماته التاريخية في تشكيل مجتمع ديمقراطي علماني, كما حدث في مصر, أو ينخرط في لعبة الانقلابات العسكرية كما في السودان, أو التبعية للقوى الطائفية في أقطار أخرى الخ..
حينئذ فإن يافطة الشيوعية والاشتراكية ترفع لإخفاء فشل الحزب في أن يشكل بؤرة ديمقراطية واسعة في البلد, وحينئذٍ تكون الهياكل البيروقراطية قد تمكنت من شل إرادته النضالية, وتغدو مسألة النضال من أجل الاشتراكية لافتة لإخفاء النضال من أجل الديمقراطية داخل الحزب والمجتمع.
وعندما يغدو هدف القيادات الحفاظ على مواقعها, فإنها تملأ المراكز القيادية بالاتباع والعناصر الضعيفة والذيلية ومنعدمي الشخصية والجرأة الفكرية, وتربط خطط الحزب بمصالحها الشخصية فتقود التنظيم إلى سلسلة من الكوارث, وتخرب النضال الديمقراطى في البلد المعني, وتتحالف مع قوى من الضرر الفادح التحالف معها, وتترك قوى ينبغي التحالف معها, وتجير التحالفات مع القوى الدكتاتورية المحلية والعربية والعالمية لتكريس الدكتاتورية داخل الحزب.
لقد أثبتت أحداث القرن العشرين بأن تشكيل الرأسماليات القومية في بلدان الشرق، ليس اشتراكية، ولكنه نمط من أنماط رأسمالية الدولة، وبهذا فإن التجربة العربية التقدمية الراهنة ليست معنية بربط نفسها بتلك التسمية الاشتراكية، ومع هذا فهي معنية بإجراء تحولات اقتصادية واجتماعية كبيرة في حياة الدول والناس، ومن هنا صار نضالها من أجل رأسمالية الدولة مرتبطاً بالديمقراطية، وبقيام برلمانات تراقب المال العام وتقود الحياة السياسية.
ولهذا فإن شعارها من أجل رأسمالية الدولة الديمقراطية الوطنية، حيث يلعب القطاع العام دوراً قيادياً، يترابط ونضالها من أجل إشاعة العلمانية والحداثة في المجتمعات العربية التقليدية. فهو يعبر عن وجهها الاجتماعي الأساسي.
إن هذا المجرى الكفاحي يجعل الأحزاب التقدمية تعيد تشكيل مهماتها التاريخية والمرحلية، على ضوء التحولات الكبرى في العصر.
فالتعاون مع القوى الديمقراطية والليبرالية يبقى هو الشكل الأساسي لتعاونها وتحالفاتها، لأنه يتجه لتكريس بنية اجتماعية علمانية ديمقراطية، وهنا يعني نضالاً مع الحلفاء والأصدقاء، وأحياناً لتفكيك ارتباطاتهما الفكرية والسياسية والاقتصادية بالإقطاع السياسي والديني، وهي الأمور التي تعيق تطورهما الديمقراطي.
وبطبيعة الحال فإن تعبير الليبرالية عن الفئات الوسطى المختلفة يقود إلى تضال في المصالح، كقيام أرباب العمل بتسريح العمال أو تأييد رفع الأسعار وتدني الأجور، فإن الأحزاب التقدمية لا يمكن أن تساير مثل هذه الخطوات، بل تقاومها، ولكن ذلك لا يمكن أن يمنع التعاون التاريخي لتشكيل مجتمع ديمقراطي مشترك.
ولهذا فإن الأحزاب التقدمية لا يمكن أن تقيم علاقات مع القوى الفاشية، ولا بد أن تكون حذرة من القوى السياسية المعبرة عن الإقطاع الطائفي والسياسي، التي تكرس بنى اجتماعية متخلفة ومعيقة لتطور الشعوب العربية. وتتوجه لتفكيك علاقات الفئات الوسطى بالإقطاع، تثقيفاً ونضالاً.
إن جذور القوى التقدمية العربية تبدأ من الثورة المحمدية النهضوية، حيث تشكل التحالف التاريخي بين الفقراء والتجار لتشكيل دولة نهضوية، وثم ربط تقدم الثورة بتطور مصالح الجمهور وتقدمه الفكري. وإذا كان هذا العصر لا يتماشى مع الفتوحات، فهناك فتوحات الإصلاحات الداخلية، وإعادة المال العام إلى أصحابه، وتفجير الطاقات الشعبية.
وبهذا فإن التراث العربي الإسلامي يغدو هو المرجع الرئيسي لنمو القوى التقدمية، محللة ودارسة بموضوعية التكوينات القديمة وأسباب عرقلة تطور الفئات الوسطى والتحديث وحقوق الجمهور، مستفيدة من هذه القراءة الموضوعية لخبراتها النضالية المعاصرة.
إن تشكيل جبهات ديمقراطية موسعة سيكون تعبير؛ عن مدى نجاح القوى التقدمية في أن تلعب دوراً محورياً يؤهلها فيه وعيها المتقدم، وقدرة هياكلها السياسية على الانفتاح والتجدد، ولكونها قادرة على أن تحدد الخطوط الرئيسية للتقدم المنتظر وبدء السير فيه، مع كافة القوى القادرة على التطور الفكري والسياسي الداخلي، أي القادرة على تجاوز دكتاتورياتها التنظيمية والفكرية، وهذا أمر شاق وطويل.
إذن فإن تجاوز (الشيوعية) يعني تجاوز هياكل سياسية وأنماط فكرية متكلسة، ولا علاقة له بتجاوز التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية المستقبلية غير المحددة، مركزين على تجاوز البنى التقليدية الراهنة، وكيفية فهمها وتغييرها.
ولندع لأبناء المستقبل كيف يحددون نضالهم وعالمهم. أما نحن فمسئولون عن زمننا، وكيفية التغلب على صعوباته.

كلمات الاغلفة        

صراع اليسار واليمين في الإسلام

في كل حركة اجتماعية تاريخية تتشكل أجنحة متباينة الرؤية، وكل منها يعتقد بأنه المعبر عن هذه الحركة والقريب من جوهرها ومن مبادئها الأصيلة. وخطورة التباين في الحركات الاجتماعية الدينية أنها تقود إلى تكون المذاهب المتمايزة، وتقسيم المؤمنين على أساس عقيدي، غير قابل للتغيير أو التقريب، لأن كل منها يتمسك بأساسياته التي تكونت عبر عصور طويلة، راكم فيها المؤسسون أشكال الاختلاف، رغم أن هذه هي مجرد بنية عبادية أكثر منها مضامين اجتماعية أو رؤى طبقية أو سياسية متميزة. وفي البدايات فقط ظهرت عمليات التمايز الواضح بين الاتجاهات، ولكنها ظهرت كاتجاهات اجتماعية بارزة، فقد ظهر حزبان واضحان في مجرى تكون الحركة الإسلامية التأسيسية وفي تكون الدولة الإسلامية. فقد تشكلت الحركة الإسلامية برفد واسع من الفقراء ورعاة الصحراء الذين انضموا بشكل كثيف إلى الحركة، وقد جاء الفقراء والعبيد إلى الإسلام في مكة، وكان جزء من ذلك موجهاً إلى ساداتهم الذين أرهقوهم بالاستغلال. كانت القواعد الأساسية للحركة الإسلامية قد تكونت من الفقراء وهذا لم يختلف عن الحركة الدينية المسيحية في باكورة نشأتها، فكلا الحركتين ثورتان مميزتان في تاريخ المشرق.
أما التجار الصغار والمتوسطون فقد جاءوا بشكل أقل، ولكن تم الإخاء بين هذين الرافدين الاجتماعيين، ليكونا عماد الدولة السياسي فيما بعد. كان توجه الإسلام للفقراء قد رافقة هجوم قرآني عنيف على كانزي الذهب، ومستغلي الحاجات الاقتصادية عبر الربا، أكثر الأشكال فظاظة للاستغلال الاقتصادي، وكذلك الغش في البيع، إضافة إلى نقد العادات الاجتماعية المرافقة لهذا الاستغلال كغرور السادة وتعاليهم، واضطهاد النساء وقتل الأطفال وعدم مساعدة الفقراء والعبيد، وجاء تعبير «فك رقبة» ليجعل ملاك العبيد يرتعشون خوفاً على مصالحهم، حيث تقوم أفريقيا بشحن المعذبين إليهم. وكان من شأن ذلك كلة نفورٌ من أصحاب النفوذ والجاه تجاه الدعوة الجديدة، التي كانت بشير ثورة سوف تطيح بعالم كامل من التخلف. ومع هذه المعارضة من أصحاب المصالح الكبرى، الذين أججوا السادة في القبائل الأخرى، حيث قالوا لهم بأن الإسلام يهدف إلى الإطاحة بتجارة مكة ومكانتها كعاصمة للعبادة الدينية وبالتالي التجارية، مما جعل الحركة الإسلامية محصورة في مكة وغير قادرة على فك الحصار حولها مدة ثلاث عشرة سنة.
كانت المرحلة المدنية هي تقويض هذا الحصار والتوجه إلى القبائل العربية، وتحول التحالف بين التجار النهضويين المكيين والفقراء، إلى تحالف متنام مع القبائل العربية الكثيفة، وقد أدى تشكيل الدولة إلى سياسة دقيقة واقعية، لا تنقض مكانة مكة التاريخية والاقتصادية والدينية، بل تعطي ذلك الشكل الوثني المتفرق، مضموناً إسلامياً توحيدياً.
كما أن توسع المدينة ونمو ثروات الصحابة أثبت للملأ أن الحركة الإسلامية لا تتوجه لمصادرة ثرواتهم، وإن كان الاكتناز والاستغلال الربوي مرفوضين، كما أن بقية العلاقات الاقتصادية غير محرمة في الدين الجديد.
وهكذا أخذت مواقف «اليمين المتطرف» وهي المعبرة عن الغلاة من الملأ والذين هم على عداوة شخصية، أو الذين لهم طموحات فردية، بالانحصار والانعزال، في حين تدفق المعتدلون إلي الإسلام مما جعل الموقف السياسي والاجتماعي ينقلب ضد الملأ الدكتاتوري الرافض للإصلاح والتغيير. ولهذا وجدنا قمة الملأ المتمثلة بأبي سفيان بن حرب، وابنة معاوية، حين رأت تجارتها وأرباحها ومكانة مكة الاقتصادية المحورية لا تمس من قبل الدين الجديد، تهاوت معارضتها، وإن كانت رغبتها في السيادة وببقائها على قمة السلطة المكية، ظلت قوية وغدت مكبوتة، ولكنها واصلت المقاومة بأساليب جديدة. إن فتح مكة قد عبر عن انهيار منظومة سياسية واجتماعية، كما عبر من جهة أخرى عن تشكل منظومة سياسية واجتماعية جديدة، كانت لاتزال في طور المخاض التاريخي.
لقد استطاع التحالف الاجتماعي النهضوي أن يشكل السلطة الإسلامية ويعيد تشكيل ملامح الجزيرة العربية، عبر إزالة السلطات القبلية والمناطقية الكثيرة، وراحت السلطة تتركز في المدينة، وغدا لها جيش ينمو بشكل مستمر.
ويُلاحظ على هذا الجيش وهو أداة السلطة الرئيسية، بأن دور القبائل أخذ ينمو ويشكل العامل الأساسي لقوته الضاربة. وهو ينمو حسب مدى قدرة المركز السياسي في تطوير حياته المادية والمعيشية، وهذه لا تأتى إلا عبر الغزوات، حيث أن مسائل الرواتب والأجور، لم تُعرف بعد.
وفيما بعد حين الفتوحات ظهر ديوان العطاء، وقيدت أسماء الجند وظهر سجل بأعطياتهم.
ومن هنا فإن معارك الحركة الإسلامية التي شكلت قوة بشرية عسكرية متنامية قد استدعت قبائل الجزيرة الواسعة، فتشكل رفد بشري هائل على المدن المحدودة، وغاصت كوادر الحركة المثقفة بين جمهور عادي وأمي واسع.
وبهذا فإن ملامح دولة أخذ بالتشكل، وما لبثت الدولة في بضع سنين أن أصبحت دولة أكثر اتساعاً عبر ضم دول مجاورة غنية، فتدفقت الخيرات المادية على الدولة بفضل الجيش وانتصاراته، الأمر الذي جعله يتحول إلى الأداة الأولى الحاسمة للصراع السياسي والاجتماعي.
لكن الفقراء وأبناءهم لم يكونوا بقادة عسكريين، مثل قادة قريش وخاصة الكوادر التي امتلكت تجربة سياسية وعسكرية، الأمر الذي جعلهم يشكلون الضباط والقادة العسكريين المهيمنين على ساحات المعارك، فلمعت أسماؤهم.
وقد أدت إجراءات عمر بن الخطاب العسكرية السريعة إلى اعتماد هؤلاء القادة، وتحولهم إلى أمراء البلدان المفتوحة كيزيد بن أبي سفيان ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وغيرهم، فاستطاعوا أن يشكلوا لهم شعبية بين هؤلاء الجنود العاميين القبليين، وبهذا أخذت الصراعات الجاهلية الاجتماعية بين بطون قريش تتشكل بصورة جديدة إسلامية هذه المرة.
كذلك فإن الإجراءات السياسية لتولي شؤون الحكم ومنصب الخليفة كانت تتشكل بالصدف وبالصراعات العفوية بين المهاجرين والأنصار.
وبطبيعة الحال كان هناك خوف من تولي بني هاشم مقاليد السلطة السياسية إضافة لتوليها مقاليد السلطة الروحية، ولهذا اتفقت بطون قريش المختلفة أو تحالفت ضمنياً لإبعاد بني هاشم عن منصب الخلافة، خوفاً من ذلك التركز للسلطة.
لكن تركز السلطة كان يجري في الواقع عبر تشكل منصب الخليفة الوحيد، مع غياب المجلس التشريعي أو مندوبي القبائل والمناطق، وقد تشكل ذلك بصفة تشاورية عفوية، دون أن يتحول إلى مؤسسة، وكان الجميع يدرك بأن هناك برنامجاً للثورة، هو في التوزيع شبه المتساوي للغنائم الناتجة من الحروب، ومن هنا فلم يكن ثمة إنتاج سائد يحدد طابع هذه المساواة والتوزيع العادل للثروة، ولهذا حين صودرت الأرض الزراعية الكبرى المفتوحة بالقوة صارت ملكاً عاماً للدولة.
لكن هذا البرنامج للثورة لم يكن على هيئة سياسية مكتوبة، يسجل طبيعة السلطة والمجتمع الخ.. لكن هذا البرنامج غير المكتوب ظل معترفاً به لقرون عديدة.
فارتبط كل شيء في الواقع بمنصب الخليفة، مما جعل السلطة الفردية بكل مغرياتها وانحيازاتها للقبلية أو للأرستقراطية، هي البوابة الأساسية لأية تحولات جذرية قد تحدث.
وكان لا بد لهذه التحولات الجذرية أن تحدث بغض النظر عن الشخوص والعائلات والبطون، فهناك قانون موضوعي ينمو في جسد المجتمع العربي المنظم النامي، وهو قانون تفاوت الثروات بين الأشخاص والقبائل والمناطق، وهذا القانون الذي يحدد هذه الكتل المتصارعة اجتماعياً والذي سيتمظهر سياسياً، حين يلغي جهاز الدولة الوليد بثقله مع إحدى الفروع القبلية والقوى الاجتماعية.
وقد كان تجار قريش الكبار وحتى أثناء المعارك الحربية والتحولات التاريخية، ولدى الوثنيين القرشيين أم المسلمين، يواصلون عمليات البيع والشراء بلا توقف، فيكدسون الأرباح الوفيرة، والتي ازدادت تدفقاً بعد توحد الجزيرة العربية ثم انهالت انهيالاً بعد الفتوحات الواسعة.
كانت أغلبية فترات الخلفاء الراشدين تمثل عملية التوزيع العادل للفيء الناتج من الغزوات وحروب الفتح، لنظراً للرفد الشعبي الواسع للدولة في تشكلها وحروبها وانطلاقها خارج حدود الجزيرة العربية.
فلم يزل الأساس النبوي لتوزيع الفيء مستمراً، أي تحويل الغنائم إلى خمسة أخماس، لكن هذا الأساس تغير جزئياً مع ظهور الملكية العامة للأرض، ورفض عمر بن الخطاب توزيعها على الأساس السابق.
فلم يحصل المقاتلون وهم الجمهور الأساسي للدولة والمجتمع العربي الوليد، إلا على الفيء المباشر للحروب.
وحين تولى عثمان بن عفان وولى أقاربه على الأمصار وقربهم من بيت المال، أخذ هذا التوزيع العام للفيء يختل وازداد مع تملك أقربائه حكم الولايات الغنية.
لقد كان انقسام المجتمع بين كبار أصحاب الثروات والفقراء يسير بقوة، وحتى لو تولى شخصٌ آخر غير عثمان فإن التاريخ سوف يكرر سيناريوهاته وربما مع تغيير الشخوص والمواعيد. ولكن عثمان حدد الشريحة الاجتماعية التي كانت أكثر من غيرها نمواً ودهاءً في تولي المناصب، وقد رأينا كيف كان أكثر هؤلاء ممن عرفوا بدهاة العرب، وكوادرها العسكرية والسياسية.
وكان توجس عمر بن الخطاب من بني هاشم وخوفه من استئثارهم بكل السلطات، قد جعل بني أمية يتسربون إلى داخل قنوات السلطة. وكان عمر يعتقد بأن من الصعوبة نزع بني هاشم من السلطة إذا تولوها، ويسهل ذلك مع فروع قريش الأخرى. وفي هذا التصور جانب من الصحة، فحتى بني أمية تم القضاء عليهم بسهولة بعكس الحكم الديني الطويل لبني العباس.
ومع ذلك فان عدم وجود مؤسسات سياسية للعامة جعل منصب الخليفة المطلق هو المشكلة الاساسية في الصراع الاجتماعي.
فقانون تدفق الثروات على قسم صغير، وارتفاع مكانة اقليم واحد هو الحجاز، كان سيجعل القوى الأخرى والأقاليم في صراع مع هذا المركز الطالع بقوة.
وقد أوضحت أحداث «الفتنة الكبرى» كل هذه الإشكاليات من غياب للمؤسسة السياسية المشاركة مع الخليفة، إلى اختلال توزيع الثروات، إلى بدء تحكم الرجال في الحياة الاجتماعية وحرمان النساء من المشاركة السياسية على عكس الفترة السابقة الخ..
وهكذا راح الفاتحون المجاهدون يحصلون على الفتات، بينما تكدست الأموال والثروات في جيوب بني أمية والأشراف في الحجاز.
ونستطيع أن نقول هنا إن الأشراف بدأوا صياغة التاريخ الإسلامي حسب مصالحهم منذ هذه الفترة، ولكن عبر مصالح منقسمة وتضادات لم يفهموها حينئذٍ.
لقد انفجرت في أحداث الفتنة كل هذه التناقضات، وهي لم تكن بشكل ثورة سلمية أو على هيئة احتجاج حضاري، بل تحولت من حصار للخليفة الكهل إلى تحد لسلطته، ثم إلى هجوم عليه وقتله بطريقة بشعة.
وأدى هذا القتل المنفر والاحتقار حتى لجثة الخليفة السابق ورميها بطريقة غير إنسانية، إلى انفجار العواطف من القريبين منه، سواء كانوا أهله أم أصدقاءه، كما أن المقاتلين الثائرين القادمين من الأمصار، الذين حاصروا الخليفة طويلاً، لم يُعرف منهم المدسوسون المغرضون، أو النزيهون، فقد أخذتهم الحمية الحادة، والتشنج، فغدت العامة الهائجة تحكم العاصمة!
هذه العواطف الحادة فجرت الموقفين الاجتماعي والسياسي، اللذين كانت تتراكم فيهما الثروات عند أناس، والذين لم يعودوا بقابلين الرجوع إلى صرامة عمر بن الخطاب، خاصة من قبل فروع الأشراف المختلفة، ورجال الدين الذين منعهم عمر من تحويل علمهم بالإسلام إلى تجارة بالدين فانفلتوا إلى الأمصار يجمعون النقود، أو يقدمون المعرفة غير المغرضة، وكل أولئك الولاة الذين جعلوا الولاية خزانة للسلب والنهب، وكل هذه الشرائح عّدت عهد عثمان بن عفان عهد الانفتاح واللين.
ولهذا فإن كل هؤلاء ارتعبوا من المحاسبة القادمة من الخليفة الذي عينه هؤلاء العامة الثائرون وهو الذي حاولوا إبعاده عن السلطة فاستطاعوا إلى هذه اللحظة الثورية التي انفلتت فيها الأمور من ساستهم، وهو الآن على رأس الدولة، وهو الإمام علي بن أبي طالب.
وقد كانت المهام ثقيلة جداً على الخليفة الجديد، وهي تتمثل كلها في إعادة الأمور إلى ما كانت عليه من توزيع عادل للفيء وعودة الثروات المسروقة، وفصل الفاسدين من الولاة، وهي كلها تمثل انقلاباً سياسياً واجتماعياً، كان من الصعب القبول به من قبل الأطراف المتضررة منه أو من تطبيقه.
كان انفجار الموقف السياسي في عهد علي بن أبي طالب، يعكس صراعاً اجتماعياً حاداً بين الكتل الاجتماعية المتباينة وبين الأمصار، فالثائرون الذين عبروا عن بعض العامة عبروا كذلك عن كراهية مبطنة عميقة ضد قريش وضد الدولة، واختلطت الأحقاد الاجتماعية بالأحقاد القبلية والمناطقية، وكذلك بالضغائن الشخصية، وكل هذه لم تُعرف في حينها بل تكشفت عبر مسار الصراع.
وكان لا بد أن يترك هذا الموقف الانفعالي الحاد أثره في أشراف الحجاز الذين تخوفوا من انفلات الأمن، وبطش «الرعاع» ، وكون منصب الخليفة غدا مُهاناً من قبل معتدين لم يتم عقابهم.
كذلك فقد وضع هؤلاء الثائرون مفاتيح السلطة بيد الإمام علي الذي كان من المدافعين عن الخليفة السابق، ومن الرافضين للفوضى، والتصفية الدموية الشخصية. فتولى الإمام مقاليد الدولة في أسوأ الظروف، وكان من الممكن أن يتولى قضية قتل عثمان بطريقة عادلة لو كانت الأمور غير ما هي عليه الآن من فوضى ومن تمردات كثيرة وخطيرة على جسم الدولة الموحد..
ولكن المعارضين لحكمه، لم يكونوا يقبلون أن يتولى السلطة أساساً، فكل ما فعلوه خلال سنوات عثمان سيكون عرضة للمحاسبة الدقيقة، وسوف يُنتزعَّون من ولاياتهم وترجع أموالٌ وتصادر ثروات أخذوها بغير حق شرعي، ولم يكن الإمام مستعداً لأي نوع من المساومات السياسية والاجتماعية.
ويعني كل ذلك بأن سلطة جديدة تتشكل تريد تغيير الخريطة الاقتصادية والسياسية للسنوات السابقة، ولو لجأت للقوة في تنفيذ قراراتها.
ومن هنا ركز المعارضون للسلطة على مقتل الخليفة السابق، لكي يجعلوا حركتهم السياسية الهادفة للدفاع عن مصالحهم شرعية، وذات سند قانوني. فإذا كان قتلة الخليفة لم تطبق الحدود عليهم فأي دولة ستكون هذه ?!
ومع ذلك فلم يكونوا يقبلون مناقشة أية قضية أخرى قبل هذه! ولسان حالهم يقول أما أن تطبق الحدود على «جماعتك» وإلا هي الحرب!
ومن الملاحظ بأن أغلبية فروع قريش أحست بالخطر السياسي والاجتماعي، فها هي مكانة الأشراف تتزعزع، ومكانة الحجاز السياسية الكبيرة تتدنى، لينتقل الخليفة إلى جنوب العراق.
لكن عقاب قتله الخليفة عثمان كان متعذراً لأسباب قانونية وسياسية، فالقتلة كانوا ضمن جمهور غفير كله مشارك في عملية الحصار والمداهمة، ومعاقبة كل هذا الجمهور أمر غير ممكن.
لكن السبب السياسي كان وراء هذا الإغفال للبحث عن القتلة في تلك اللحظة. فلم يكن بإمكان الخليفة الجديد وهو يريد إدارة الدولة وإحقاق الحق الشرعي الذي يؤمن به، وليس معه جنود أو جيش غير هؤلاء العامة الثائرين أنفسهم، أن يقوم باعتقال هؤلاء الجنود أنفسهم. فكيف و بأي جهاز؟!
لقد كان مطلب أشراف قريش إذن هو تجريده من القوة العسكرية التي تلتف حوله، وليس أحقاق الحق إذن. أما قولهم بأن جيش معاوية أو غيره مستعد لمساعدة الخليفة الجديد على الاقتصاص من قتلة عثمان، فهو لإيقاع الفتنة بينه وبين أنصاره، ثم لتجريده من السلطة.
إذن لقد كانت الأنانية الاجتماعية والرغبة في الحفاظ على الامتيازات هي وراء التمردات المختلفة، وكذلك كان الطمع في السلطة كما فعل الزبير بن العوام وطلحة اللذان قادا تمرداً اولياً ضد الخليفة المنتخب، بعد أن عجزا بشكل شرعي عن الوصول إلى الحكم!
وهكذا كان هناك تطرف إلى اليمين وتطرف إلى اليسار، أي أن قوى استغلالية صعّدت الموقف السياسي المشحون، ودفعته للمواجهات العنيفة، أملاً في هدم السلطة الجديدة، وكذلك فإن الملتفين حول الإمام كانوا جماعات متعددة المشارب، يستهدف البعض منها مصالحه الشخصية والفئوية، والبعض منها يستهدف التمرد على عاصمة الدولة، ورفض إمامة قريش.
لقد عبرت أحداث «الفتنة الكبرى» إذن عن طيف من المواقف الاجتماعية والسياسية المتصارعة الذي يعبر عن مواقف عائلات الأشراف المتنفذة، وجماعات المناطق والأمصار المختلفة. وكل هؤلاء لبسوا لبوس الإسلام والدفاع عن الحق.
وهناك أناس اعتزلوا الصراع تماماً، رافضين الانضمام إلى أي جهة من الجهات المتصارعة بالكلام والسيوف.
ومن الواضح بأن قضايا الصراع الاجتماعي والسياسي لم تكن لها قنوات شرعية، وكان منصب الخليفة الوحيد مع غياب هيئات شورى منتخبة من القبائل والمناطق، من أهم الأسباب في وصول الصراع السياسي إلى الصراع العسكري الواسع.
فالمتخاصمون لم يجلسوا على مائدة واحدة ليتحاوروا، ولم تكن ثمة هيئات سياسية وقضائية، ولا حتى شرطة متخصصة في حماية المسئولين، ومع ذلك فإن هذا الصراع السريع الحاد العاطفي، قرر مصير المسلمين لمئات السنين الأخرى.
كانت هناك قوتان تدفعان بقوة للمواجهة: عامة متوترة تريد ثروات، وأشراف متوجسون خائفون مندفعون للمواجهة.
لكن جيش الدولة الذي مثل الشرعية وأغلبية الناس لم ينتصر مع ذلك، وليس الأمر يعود إلى خدعة التحكيم بل الأمور تعود لكثيرين من هؤلاء العامة الذين التحقوا بالجيش وبالفتوح، والذين تناوشتهم نزعتان متضادتان؛ نزعة الرغبة في الحصول على الأموال وتغيير المعيشة بأسرع الطرق، وهم من عامة الجيش والبدو الذين جعلوا التمرد وسيلة للحصول على أموال الفيء والأغنياء.
وهناك النزعة الأخرى نزعة التقشف والزهد، وهي التي برزت لدى الخوارج بشكل واضح فيما بعد، ولدى طائفة القراء، وهذه النزعة غريبة على المسلمين، ولكنها ظهرت لدى هؤلاء الفقراء ليزايدوا في مسألة الإيمان، ويبرروا تطلعهم للسلطة، لأنهم أتقياء وأنقياء.
ولم يتوجه الامام علي لتوزيع الأسلاب والغنائم، أو يحاول توجيه جيشه نحو المكاسب المادية، التي غالباً ما تكون لدى العامة هي الوسيلة الأساسية لانخراطهم في العمليات العسكرية، ولعدم تقاعسهم، كما حدث بشكل مستمر في جيشه، المكون من الكثير من هؤلاء، والذين لم تدفعهم المسائل المثالية المجردة للوقوف معه.
ولهذا فإن جيشه الذي كان منتصراً دوماً، نظراً لروحه المعنوية الكبيرة، ودفاعه عن الجانب المضيء من الصراع، راح يتحلل. ولم تكن القضايا الفكرية المثارة بين الإمام وبين هؤلاء المتسائلين والمتمردين، تعود فقط لقلة الانضباط والطاعة، بل كانت تخفي وراءها عدم توجه جيش الإمام علي للغنائم وغياب ذلك التوزيع للهبات والمكاسب الذي كان شيئاً مشروعاً في معارك المسلمين ضد أعدائهم.
ولم يكن القائد الأخلاقي المثالي ليقبل بأن تكون قضيته ضد الأشرار والمنافقين موضع مساومة أو من أجل منافع عابرة.
ولهذا راح جيشه يتفكك، ثم وقعت فيه تمردات، وليس خافياً دور بعض عملاء الأمويين ووجود طابور خامس، وعملهم من توسيع شقة الخلاف وتحويل الحوارات المطولة إلى فتنة دموية.
كان جيش الدولة الثورية بلا انضباط وكان ما يوحده هو الفكرة، فإذا تفككت الفكرة انهار الجيش.
وكان قائد الأشراف معاوية ماهراً في تدبير المناورات السياسية، واستخدام المنافع المادية باتساع، وتكوين الخيوط السرية التآمرية، ومع هذا لم يستطع أن يهزم ذلك الجيش الشعبي الثائر الذي هزمه مراراً ولجأ إلى الخداع من أجل أن يتجنب هزمة نهائية.

البربر والإسلام

كان فتح العرب المسلمين لمنطقة شمال أفريقيا والأندلس شيئاً مختلفاً عن فتحهم الشام والعراق ومصر، فإذا كان فتحهم المنطقة الأخيرة لم يستغرق سوى بضعة شهور، فإن شمال أفريقيا استغرق فتحه سبعين سنة من الحروب ومن اشتعال الثورات.
ولم يحدث ذلك بسبب بعد المسافة فقط بين مركز الدولة الإسلامية في دمشق، حيث كانت العاصمة السياسية للأمويين التي أطلقت السيول العسكرية، بل أيضاً بسبب الطبيعة البدوية الحرة لشعب شمال أفريقيا، الذي كان جله السكاني من القبائل التي أطلق عليها الرومان التعبير القدحي: البربر!
وإذا كانت لم تعرف حتى الآن الأصول الدقيقة الحاسمة لهذا الشعب؛ الذي يرجح تكونه من شعب أفريقي قديم، إلا أن تسمية البربر كانت تشير إلى طبيعة اجتماعية معينة في هذا الشعب القبائلي الصحراوي، هي عدم التمدن والبقاء في مرحلة البربرية إلى زمن الرومان ثم العرب.
ومن هنا حين جاء العربُ فاتحين كان شريط التمدن ضيقاً في شمال أفريقيا، فهو يحاذي السواحل والمدن القليلة التي تشكلت فيها، وخاصة في القسم المسمى بإقليم أفريقيا وهو تونس المعاصرة، وقد كانت الجالية الرومية متركزة في مدن الساحل، وكانت تعيش طائفة من سكان المغرب تسمى الأفارقة ومفردها أفريقي، ويطلق هذا اللفظ على مزيج من البربر والأجناس التي حكمت أفريقيا وأجزاء من ساحل المغرب . وهم جنسٌ يختلف عن البربر بعض الشيء، فهم حضر مستقرون ما بين زُراع وتجار ورعاة في النادر (حسين مؤنس، معالم تاريخ المغرب والأندلس، دار ومطابع المستقبل، ص 28).
أما القسم الأعظم من السكان فيعيش في الصحارى والجبال والواحات والقرى، وينقسم السكان الرعاة إلى نمطين من البربر، البربر البدو يسمون بالنتر وهم من «زخم» الهجرات الأفريقية، وبربر البرانس، وهم البربر الأصليون الأقرب لمنطقة حوض البحر الأبيض المتوسط .
إن ضخامة الحجم السكاني البدوي ووجود درجتين من البداوة: بداوة أقرب إلى التحضر، وبداوة أقرب إلى الصحراء، ستنعكس على التحولات الاجتماعية والسياسية التالية، حيث يشكل بربر البرانس الدول الأكثر تحضراً ، فيما سيتوجه النمط الأخر من البربر نحو التأثير في العالم الأفريقي الجنوبي.
إن عدم وجود قوى مدنية واسعة في شمال أفريقيا، جعل القوى القبلية هي القوى المحركة للتطور والتاريخ، فالمدن لا تعدو سوى مضارب قبلية تمت منذ وقت وجيز، ولا تلعب دوراً كبيراً في السيطرة على الحياة السياسية والفكرية، في حين يغدو الحراك القبلي ومن يوجه القبائل الكبرى هو الذي يتحكم في الحركة التاريخية ويكون الدول ويصنع مصائر السياسة.
ولهذا فإن العرب الفاتحين كانت مهمتهم سهلة أمام الرومان، وهم قوى الاحتلال غير المترسخة التي تعيش على الشريط الساحلي، ومن هنا كان كسر الرومان قد تم في مدة وجيزة، ولكن تغلغل العرب في عروق الخريطة المغاربية وضعهم وجهاً لوجه أمام البربر، أمام القوى السكانية الكثيفة التي تعيش في تضاريس أكثرها تضاريس جبلية وعرة وفيها واحات ومناطق زراعية خصبة، وبعدها صحارى شاسعة.
لم يعد التناقض هنا هو بين العرب البدو وسكان المناطق الزراعية القديمة ذوي الجذور الحضارية الموغلة في القدم كما هو الحال في صراعهم في المشرق العربي، بل إن صراعهم هنا هو صراعهم مع أنفسهم، مع بدو من نمطهم تماماً، بدو أحرار لا يقبلون الهيمنة الأجنبية ولم يعرفوها من قبل !
ولهذا فإن الصراع هنا اتخذ شكلاً معقداً مركباً. فالبربر لأول حرة يرون قوماً بنفس تركيبهم الاجتماعي، أي المستند إلى الأفخاذ القبلية، والعادات الرعوية، ومن هنا لم يجدوا في القوانين الدينية الاجتماعية المختلفة أي تناقض مع تركيبتهم الموروثة، فكأنها قوانينهم ولكن صيغت باشكال دينية جديدة.
إن عدم اختلاف البُنى العشائرية العربية وقوانينها الاجتماعية والتي تجسدت دينياً في الشرع الإسلامي، عن البنى الاجتماعية لأهل شمال أفريقيا البربر، عبرت عن كون الشعبين العربي والبربري كانا يعيشان في مرحلة تاريخية اجتماعية واحدة، ولهذا فإن البطريركية (العادات القبلية الأبوية) ستضع قواعد اجتماعية تحتية أساسية لوحدتهما التاريخية.
وبالتالى كان العرب القبليون يمكن أن يذوبوا في التكوين القبائلي البربري، وأن يصاهروا القبائل أو أن يحالفوها، دون أن تشعر القبائل البربرية بتناقض اجتماعى كبير بينها وبين الفاتحين، ولهذا كان للشعبين أن يعملا معاً بدون تناقض حاد في المستوى الاجتماعي، وأن يبنيا تطوراً سياسياً مشتركاً، بخلاف التكوينات الرومانية والمسيحية، حيث قامت هذه بتجاوز المستوى القبلى الرعوي، وتبدلت أنماط العائلة فيها، حيث أصبحت العائلة الأبوية وحيدة الزوجة، وهي أنماط لم تكن تتلاءم مع الرعاة ذوي الظروف الصحراوية القاسية.
لكن هذه الوحدة الاجتماعية الضمنية لم تكن تصل إلى المستوى الفكري والسياسي، فالعرب أصبحوا مؤمنين بإله واحد هو رمز لوحدتهم وتطورهم التاريخي المستقل، كما أن هذا الإيمان انعكس في منظومة قانونية وتشريعية جعلت مرحلتهم البدوية وأفقها النهضوي مكرسة دينياً، وهو أمر يشير إلى كونهم قطعوا مرحلة ما قبل التاريخ ودخلوا التاريخ والحضارة بتكوين موحد.
في حين إن البربر لم يقطعوا بعد هذه البوابة، ولا يزال تكوينهم الأساسي صحراوياً في ما قبل الحضارة. ولهذا كان الإسلام هنا هو تشكيل هذه البوابة للبربر لكي يعبروا مرحلة تاريخية كاملة، ويشكلوا الحضارة، أي أن يقوموا بالانتقال من الصحارى إلى المدن، ليتسع ذلك الشريط النهضوي الضيق، وتتكاثر المراكز المدنية.
إن صورة الإله الواحد التي حملها العرب للبربر والمكرسة قرآناً وثقافة ولغة عربية، كانت تحملُ في طياتها من ضمن ما تحمله، منجزات التاريخ المشرقي الحضاري الغائر، وهي المنجزات التي لن تظهر في لحظة الصدام بين هذين الشعبين البدويين وهما يتصارعان في المساحة الجغرافية الواحدة، أحدهما طارئ والآخر أصيل، أحدهما يهجم أسلحته وبطرق إداراته السياسية المختلفة، بما تحمله من توجهات اجتماعية متناقضة، والآخر لا يعرف طبيعة هؤلاء الغزاة الجدد وأهدافهم، بشكل عميق، ويقوم بالدفاع عن أراضيه كأي قبائل يتم غزوها .
كذلك فإن العرب وهم يقتحمون شمال أفريقيا لم يعطوا أنفسهم فرصة كافية للتأثير الفكري وفهم المنطقة والإمساك بمفاتيحها القبلية السكانية المؤثرة، وقد حسبوا البربر بنفس قياس الرومان الطارئين على المنطقة، لكنهم وجدوا خصماً مختلفاً.
كذلك انقسم الفتح العربي إلى طريقتين أساسيتين تعكسان تبدل الطبيعة القيادية الاجتماعية السياسية للفاتحين، فقد كانت الدفعات الأولى من الفتح تحمل أثر المرحلة النبوية والراشدية، حيث كان نشر الإسلام أقوى من الرغبة في الغنائم والسيطرة وحيث البحث عن تشكيل التحالفات الأخوية أكثر من البحث عن خدم وعبيد !
ومن هنا عبرت نماذج بعض القادة الفاتحين عن أثر المرحلة النبوية / الراشدية في العلاقات الإنسانية، كما تجسد ذلك في فوج (العبادلة)، كعبدالله بن عمرو بن العاص وعبدالله بن عمر الخ.. وشخصية قائد شمال أفريقيا البارز عقبة بن نافع.
إن طبيعة القائد الفاتح هنا هي طبيعة مسالمة وليست وحشية، وهو فقيه وزاهد ومجاهد حتى التضحية الكلية بالحياة، وهذه كلها تعكس طبيعة الأثر النبوي الراشدي، الذي أخذ يتضاءل مع تغير الطبيعة الاجتماعية والسياسية لقيادة الفتح وانتقالها لأرستقراطية بني أمية والتي ركزت على الجوانب النفعية والاستغلالية، وهي الجوانب التي وسعت من مقاومة البربر ثم فجرتها .
ولهذا فإن انتقال الكثير من البربر إلى الإسلام حتى في بداية الفتح يعكس شعورهم الباطني بالتآلف مع أخوتهم العرب، والذين طالما انتشروا في المنطقة عبر موجات في أولها كان الكنعانيون، وكذلك لتلك الطبيعة الاجتماعية المساواتية الزاهدة للقيادة، ولعملية التحرير التي يقوم بها العرب نيابة عن البربر لبلدهم.
وفيما بعد حين استلم قادة آخرون زمام العمليات العسكرية، ووضعوا أعينهم على الأسلاب والغنائم والخراج، والبقاء في أعين السلطة المركزية بما يتم الدفع لها من جوارٍ وعبيد وثروات، فإن المقاومة العابرة راحت تتحول إلى ثورات عاصفة !
ومع كل ذلك فإن أسلمة شمال أفريقيا وفتحها الوطيد قد تم بعد ثمانين سنة !
رغم الجوانب العرضية للعلاقات بين العرب والبربر، فقد حدث انتقال البربر للإسلام، بشكل واسع وكلي، وتوارت العبادات الوثنية، ووجد البربر في الإسلام شكلاً فكرياً ناجزاً معبراً عن نقلهم للوحدة «القومية»، حيث فتحَ البابَ لعمليات التوحيد القبائلية وتشكيل الدول المغاربية الكبيرة.
وإذا كان الجانب الديني التوحيدي قد وجد صياغته في الحراك المذهبي، فإن الجانب السحري، وبقاع الممارسات ما قبل الدينية الكبرى، قد ظل موجوداً في الوعي العام، خاصة الشعبي الرعوي المتخلف منه.
ومن هنا سنجد أن التطور الفكري، سواء كان بشكل الحراك المذهبي أم بنمو اشكال الوعي المتطورة من علوم وفلسفة، سيبقى متاخراً عن منطقة المشرق العربي الإسلامي، فإذا كان القرن الأول الهجري قد أنجز فيه المشرقيون الخطوطَ الأولى للتيارات الفكرية كالقدرية والاعتزال وأخذ القرن الثاني يطورُ المذاهب الفقهية الكبرى كالمالكية والحنفية والجعفرية، فإن المسلمين في شمال أفريقيا، كانوا خلال هذين القرنين لايزالون بعدُ في عملية تأسيس الوعي الديني الأولى، وعند نقل المذاهب الفقهية البدوية من المشرق.
علينا أن نتتبع الحراك الاجتماعي الإسلامي الشمال أفريقي، فقد عجزت الثورات البربرية بالقيادات الوثنية من السحرة أو القبائل المرتدة، أن تنتصر على العرب، ليس فقط لوجود المدد العسكري المستمر من العواصم السياسية، كدمشق في المرحلة الأولى وبغداد في الوقت التالي، بل لان قسماً كبيراً من البربر اندمج في العملية السياسية الثقافية العسكرية الإسلامية، وغدت المرحلة الوثنية تقع وراء تطوره التاريخي، وأدت عملية تنامي المدن، وانتشار اللغة العربية والإسلام، وانخراط القبائل البربرية في الفتوحات الإسلامية بما فيها من تطور لمستواهم المعيشي وتبدل لمواقعهم الاجتماعية والجغرافية، إلى جعل العودة إلى الوثنية بما فيها من تعددية كبيرة مفتتة للصفوف القبلية والوشائج الحضرية الوطنية المتصاعدة، أمراً غير ممكن ومدمرا.
ولهذا فإن الشكل الديني التوحيدي الإسلامي أخذ يتبلور ككيان حضاري يصهر مختلف المجموعات القبلية في تكوينات كبرى تجمع طاقات العمل.
لكن التضاد بين الفاتحين والبربر كان لايزال قوياً في القرن الثاني الهجري، رغم انتهاء شكل المواجهة العسكرية بين المؤمنين والوثنيين، حيث أخذ يظهر كصراع بين المؤمنين والمؤمنين، في ظل الدين الواحد، فإذا كان المذهب الفقهي لدى البربر لم يتبلور بعد، لكون تنظيماتهم الاجتماعية المستقلة لم تتوطد في ظل الحضارة الجديدة، فإن الأهداف الاستقلالية عن الفاتحين وبلورة كيان إسلامي بربري، قد أدت إلى توجههم إلى المذاهب المشرقية الإسلامية الحربية، أي إلى مذاهب الخوارج تحديداً، فهذه المذاهب هي التي تلائم تكوينهم الاجتماعي، وتنفس عن معارضتهم للمركز السياسي الاستغلالي.
كانت ألوان المذاهب الخوارجية تعبر عن درجات صراعهم مع المركز، فالخوارج الأزارقة والصفرية، الذين يكفرون بقية المسلمين ويستحلون أعراضهم ودماءهم، قد حصلوا على مواقع مهمة في شمال أفريقيا خلال القرن الثاني الهجري، وكان هذا تعبيراً عن ذلك الصراع الغائر العميق.
وأتاحت بيئة شمال أفريقيا المليئة بالجبال ذات المواقع الصعبة والملائمة لحروب العصابات والوديان الخصبة والصحارى، إمكانيات كبيرة لانتشار فرق الخوارج المختلفة، خاصة في قسم المغرب الأوسط، وهو ما يُعرف بالجزائر الآن.
وأدت فرق الخوارج دورها السياسي في تقوية شعور الاستقلال، والاختلاف ضمن التنوع الإسلامي، كما شكلت تجارب اجتماعية لهذه القبائل، عبر الاحتفاظ بملكياتها المشاعية المشتركة وطابعها البدوي المستقل وبمصالحها التجارية المتنامية.
لم تستطع فرقتا الخوارج الحادتين وهما الأزارقة والصفرية أن تصمدا طويلاً لقيامها على التكفير والمواجهات العسكرية المستمرة ضد بقية المسلمين، ولهذا فإن انبثاق فرقة الأباضية وانتشارها في شمال أفريقيا كان حلاً اجتماعياً وسطاً، وبداية انتقال شمال أفريقيا إلى مذاهب السنة.
لقد خففت الأباضية من المواجهة مع العرب، ورفضت التكفير والمواجهات العسكرية مع بقية المسلمين، وطرحت استقلالاً فقهياً معتدلاً .
لكن المذاهب الخارجية التي وعدت البربر بالعدالة وبالشورى لم تستطع في تجاربها أن تخلق شورى الحكم، فتشكيل حكومات أفراد مهيمنين من القبيلة، وعودة نمط شيوخ القبيلة المتفردين بالحكم والثروة، قد دمر نموذج الدولة الخوارجية النزيهة لدى الوجدان الشعبي، وكمثال على ذلك دولة (الرستمية الخارجية الإباضية) في المغرب الأوسط، الجزائر .
وهكذا فإن نمط الدول الخوارجية لم يستطع أن يصمد داخلياً بنمو الصراعات الاجتماعية داخله وعجز ايديولوجيته عن ضبط الصراع الاجتماعي، أو عن تقديم صيغة معقولة للتمدن، ولا أن يصمد في وجه تيارات الإسلام المعتدل التي راحت تنتشر بشكل واسع.
فالصيغ الخوارحية التي تقدم فورمة أيديولوجية لا تقبل الاجتهاد والقياس لتطوير الفقه، وبالتالي وضع تصرفات (الرعية) في زنزانة اجتماعية تعرقل النمو المستمر للبربر من المرحلة البربرية إلى مرحلة التوسع الحضاري.
وهكذا فإن المرحلة الحضارية للبربر وافقت الفقه المالكي بدرجة خاصة، فاتساع الاجتهاد الحنفي الذي وافق العاصمة البغدادية العالمية، لم يكن على مقاس منطقة شمال أفريقيا، التي وافقها الاجتهاد المالكي والذي كان قفزة على التشدد الخوارجي .
وقد ترافقت عوامل فردية خاصة كذلك لنمو المذهب المالكي في شمال أفريقيا، وهو ظهور رعيل فقهي مالكي كبير دون غيره من المذاهب اكتسب سعة الصدر والمرونة والبعد عن دسائس وصفائر السياسة، عبر مجتهدين كرسوا أنفسهم له، خاصة أسد بن الفرات، وحينئذٍ لم تكن بقية المذاهب السنية الأخرى قد ظهرت أو اكتسبت حضوراً، ولهذا ظل مسلمو شمال أفريقيا في المذهب المالكي حتى يومنا هذا، وعبر الاجتهاد فإن المذهب المالكي نفسه أخذ يتطور بشكل أكبر من وجوده في المشرق العربي الإسلامي كذلك.
إن الفقهاء الموالك راحوا يكرسون أنفسهم لعملهم الفقهي بشكل خاص، وليس بالانشغال السياسي والقفز للحكم، وتقديم مشورات اجتهادية للحكام والمسلمين، وترافق ذلك مع نشوء الدول (الوطنية) في شمال أفريقيا، كدولة الأغالبة، التي وجدت في هذا النوع من الفقه مرونة مفيدة لتطور المدينة الحضاري.
ولا يتناقض مع هذا أن شرائح الفقهاء راحت تنقسم بين شريحة اقتربت من الحكام والإدارات، وأخذت تفصل البدلات الخاصة للحكومات المختلفة، وشريحة الفقهاء الفقراء، التي ارتبطت أكثر بالقوى الشعبية وتحسست ألامها كما حدث في الثورة الشعبية بالأندلس والتي شارك فيها فقهاء المذهب المالكي البسطاء والجمهور ضد دكتاتورية الحكم بن هشام سنة 190هـ.
لكن تطور الوعي في الأندلس مختلف عن تطوره في شمال أفريقيا، ففي الأخيرة لعبت القبائل دور الحراك الاجتماعي والسياسي.
كان ظهور الدول المستقلة في شمال أفريقيا كالأغالبة والأدارسة تعبيراً عن قيام الجسم الشعبي البربري بالانفصال عن سيرورة المشرق السياسية المركزية، وأخذه الاستقلال في إدارة بلدانه، بعد أن اتسع الشريط المدني، وحدثت عمليات نهضة واسعة، وظهرت المدن الكبيرة، وقام البربر وسكان شمال أفريقيا العرب بفتح الأندلس والدخول في قارة أوربا.
إن التضادات لم تعد مؤثرة بين العرب الفاتحين والسكان الأصليين، فالعرب صاروا جزء من النسيج العام الذي يعرف بالعرب البلديين، لكن ظلت الأرستقراطية المسيطرة على الحكم موجودة في تجارب الدول خاصة دولة الأندلس الأموية، وهي تقوم بتكريس سيطرة نمط خاص من العرب كالعرب الشاميين، وانقسم العرب إلى عرب قيسية ويمانية ونشأت بين القسمين حروب، كما أن هؤلاء العرب كانوا في تضاد مع البربر، وكل جماعة كانت تصارع الأخرى!
لكن الحراك الأساسي في شمال أفريقيا ظل في يد البربر، وبدأت القبائل الكبرى في الزحف على الحكم، وهكذا فإن دولة المرابطين ثم دولة الموحدين كانتا تقومان على قبائل معينة كبرى تعادي قبائل بربرية أخرى.
ولهذا حين يرسم المؤرخون ان هذه الدول ذات طابع ديني أو مذهبي خاص، وقد استوحى البربر هذا من تجارب المشرقيين، فإن الدولة الفاطمية التي أسسها عبدالله الشيعي ارتكزت على استثارة قبائل كتامة والاستعانة بها للحكم، وتكوين مقر لجنين الدولة، ثم القيام بغزوات تجلب الغنائم للقبيلة، فيحدث توسعها الحربى والسكانى.
وهذا النمط المستوحى من الثورة الإسلامية التأسيسية، حيث الراية الفكرية المميزة ثم الغزوات الجالبة للغنائم، ومن ثم يتم حشد القبائل والهجوم على المركز السياسي الذي يكون قد نخر سياسياً واقتصادياً؛ ولكن الفارق هنا بين هذه المشاريع والثورة المحمدية، هو أن قادة التحولات المغاربية القبلية، كانوا بلا مشروع نهضوي عميق.
أي ان تحويل البدو إلى غزاة عبر راية مذهبية معينة، تغدو هي الحقيقة المطلقة في ذهن أصحاب المشاريع الطائفية، كان لا يؤدي إلا إلى تكوين دولة للقبيلة / الطائفة، لا إلى مجتمع للمواطنين، وبعد ذلك فإن القبيلة المسيطرة تتفسخ بين إدارة غنية فاسدة وجمهور مغبون، لتأتي قبيلة أخرى وهكذا.
وهكذا فإن دولة المرابطين التي جاءت تتويجاً لصعود الدور البربري القبائلي الواسع، ارتكزت على قبائل صنهاجة الصحراء، وهي قبائل كثيفة العدد تعيش على الرعي والقليل من الزراعة. وقد بحث شيوخها عن راية أيديولوجية فوجدوها في الداعية الديني عبدالله ياسين، الذي كون فرق المرابطين وجعل قبائل صنهاجة المتعددة تنتشر وتغزو ثم تحتل المغرب والأندلس وتكون دولة كبرى.
ولا تختلف دولة المرابطين عن دولة الموحدين إلا بكون الزعيم الايديولوجى لها محمد بن تومرت قد بالغ في صفاته الدينية وإنه المهدي المنتظر، ومع ذلك فدعوته أقرب للحنبلية المتشددة، ومن أجل ان يضرب دولة المرابطين المنفتحة اجتماعياً والمالكية، ولكن الصراع القبلي كان هو المحرك لمحمد بن تومرت ليقيم دولة الموحدين، أكبر دولة بربرية في التاريخ، تمتد من ليبيا إلى الأندلس!
لقد ارتكز محمد بن تومرت على قبائل المصادمة أوسع الوعاء السكاني البربري، والتي هجمت على دولة المرابطين وإزالتها . واعتمدت الدولة على تنظيمات دينية سياسية دقيقة، فثمة روابط لمجالس العشرة والخمسين تحكم الجمهور الواسع، وتغدو على نمط الحزب الواحد الحاكم، لكن في نسيج قبائلى كبير.
لم تستطع التجربة البربرية الإسلامية أن تصل إلى دولة المواطنة والصراع الاجتماعي المدني، بل ارتكزت على الصراع القبلي المذهبي، الذي راح يتحول إلى نزيف دمر الدول كلها، وهزم العرب في الأندلس، دون أن تستطيع هذه التجارب السياسية الاجتماعية على مدى عدة قرون أن تراكم تجربة حضارية كبيرة.
لقد استخدمت القبائل الرايات الدينية المختلفة كواجهات لسيطرتها، غير سامحة للتكوينات الاجتماعية الداخلية، والانقسام الاجتماعي المدني الحديث أن تظهر تذع وتنمو، وهو أمر جعل التجربة المدنية تعود باستمرار إلى نقطة الصفر. ولكن مع تدمير الموارد المحدودة الناتجة من الزراعة والحرف والتجارة.
وهذا أمر جعل البداوة تعيد إنتاج نفسها بشكل دائم.

في ذكرى وفاته الثامنة : عبدالله خليفة يحيى في أدبه

فيصل عبدالحسن

كاتب من العراق

الروائي البحريني عبدالله خليفة عاش مواطناً عادياً ورحل أميراً

 ظهرت الكثير من التأثيرات المعيشية للناس في فكر الروائي البحريني عبدالله خليفة (1948ــ 2014) في السنوات التالية لعام 1999، فقد وجدنا الكثير من أفكاره الأولى عن أهمية الرواية، ودورها الثقافي والتأريخي عبر روايته ”الينابيع“ وهي تتحدث عن العام 1934 الذي مرَّ بالبحرين وكان فيه تغيير جذري لحياة الناس من حياة العيش على بيع اللؤلؤ المستخرج من قيعان البحر إلى استخراج النفط وبيعه، وفي هذا العام الذي لم يعد الغوص في البحر للحصول على اللؤلؤ هو ثروة البحرين الوحيدة بل أصبح البترول في هذه السنة مصدراً من مصادر رخائها.

   كتب المترجم والقاص مهدي عبدالله في احد كتبه عن تأريخ البحرين قائلاً ”لقد بدأ استخراج البترول عام 1934 بإنتاجية ضعيفة تصل إلى ثمانية ملايين برميل سنوياً، وكانت الشركة المنتفعة (بابكو) تدفع 5.3 روبية عن كل طن من النفط المصدر للخارج، وقد بلغ مجموع ما دفعته خلال عامي 1947/1948 مبلغ 319000 جنيه إسترليني“ ص60 ، وأنه ”تبع تخفيض قيمة روبية الخليج في يونيه 1966 واتخذت حكومة أبو ظبي الدينار البحريني كعملة قانونية لها، وزود مجلس نقد البحرين تلك الإمارة بأوراق النقد والمسكوكات، لمقابلة احتياجاتها من النقد بما قيمته 1987000 دينار بحريني”(1)

    مما يدلل على التنظيم الحسابي والمالي العالي المستوى، للبحرين في ذلك الوقت، وقد تضمنت رواية الينابيع لعبد الله خليفة من خلال السرد الأدبي، ومن خلال شخصيات روائية ستبقى تعيش طويلاً في خيال من يقرأ الرواية، بل وستدهشه العديد من الصور القلمية التاريخية، التي ابدعها الكاتب عبدالله خليفة، وهي تؤرشف لحياة أهل البحرين، وتضع أمام القارئ صوراً نابضة بالحياة من ذلك الماضي، وما صوره من حياة أهله، ويبدو أن الروائي لم يعتمد فقط على الميثلوجيا الشعبية البحرينية، وما عاشه هو أو ما سمعه من أبيه وجده، وأهله من ذكريات عن تلك الأيام بل اعتمد الكاتب في الكثير من الأحيان على أرشيف الدول الأجنبية، الخاص بالبحرين، فترجم عنه، ووضعه أمامنا بعد صياغته كنصوص أدبية رفيعة، كما في رواية الكاتب ”ذهب مع النفط“ أو ”عنترة يعود للجزيرة“ والروائي يقول لنا عن ذلك الماضي مالم يستطع التأريخ روايته.

قراءات معمقة

  الروائي عبدالله خليفة الذي بدأ مع الفكر والأدب في مرحلة مبكرة من حياته، لم يكن محافظاً أو متزمتاً في قراءاته لجهة فكرية معينة وكان حراً في الاختيار..

  ولذا فقد استطاع أن يفكك في احد كتبه(2) عوالم نجيب محفوظ الروائية برؤية نقدية انطباعية، وقراءة متأنية للأوضاع السياسية التي كانت سائدة في مصر، وقد وضع يده على الهياكل التقنية والفكرية لهذه الروايات.

   وقد حدثنا عبدالله خليفة عن تلك المرحلة فقال: ”لكن لم نجد محفوظ ماركسياً، فهو يحن كثيراً لعهد الوفد، ويعتبر البرجوازية النهضوية هي المثال، وكنا نرى ذلك حينئذ باعتباره ارتداداً وتخلفاً، فكيف يغدو مثل هذا الروائي مهماً ومركزياً في دائرة النقد؟!“ (3)

  ونقل لنا مدى الحيرة التي وقع فيها دارسو أدب نجيب محفوظ، وهو بالطبع واحد منهم كقارىء وأديب متأثر بما سلكه وكتبه هذا الأديب المصري الكبير، كما أننا نلمس مما جاء في كتابه عما اعتقده هو شخصياً عن مرحلة حكم جمال عبدالناصر التي تعتبر مرحلة هيكلية مهمة في تشكيل الوعي السياسي، والثقافي لدى العديد من المثقفين العرب يقول الروائي عبدالله خليفة عن ذلك:  ”كانت هذه إشكالية ضخمة وكبيرة على وعينا، وكان المضمون المحفوظي هو نفسه محيراً، فهو يرفرف على الحارات ويعرض معاناة حميدة وعباس في ”زقاق المدق“ واختفاء الأب وضرره على العائلة في ”بداية ونهاية“.(4)

نجيب محفوظ

   وربما ما لمسناه من اهتمام الكاتب عبدالله خليفة بدراسة تفاصيل شائقة في تفسيره الموضوعي لتلك الأسباب، ومبررات انتقال الكاتب نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية، سنجد الجهد الدؤوب في البحث عن خيوط ذلك التحول الدراماتيكي فيما بعد في كتابات عبد الله خليفة ذاته، الروائية والقصصية.

   فهو يروي لنا كيف تعرف على أدب نجيب محفوظ، وفكره الروائي في مرحلة مبكرة من انشغاله بالعمل الأدبي، فيقول:  ”اخذ نجيب محفوظ يظهر لي شيئاً فشيئاً عبر أفلام السينما أولاً، وكان يخيل لي إنه مثل الروائيين والكتاب العرب الآخرين، الذين لم أكن متحمساً لقراءتهم مثل إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي، واعمال طه حسين القصصية“(5)

    واستطاع عبدالله خليفة أن يفكك كل عمل روائي لنجيب محفوظ على حدة في فصول كتابه، كما لو كان يدرس تجربته ليفيد منها هو ذاته قبل عرض نتائج ما توصل إليه إلى قراءه، عبر دراسته المتأنية لشخصيات كل عمل من اعمال نجيب محفوظ روائياً كان أو قصصياً، متتبعاً التقنيات الروائية التي استخدمها صاحب جائزة نوبل، فهو يقول عن تلك الفترة المبكرة من حياته في مقدمة الكتاب:

  ”وقد كان توجه الناقد غالي شكري في كتابه (المنتمي في أدب نجيب محفوظ) للربط بين نجيب محفوظ وخاله (المثقف الموسوعي المصري المعروف سلامة موسى) وكشف علاقة التأثر بين الروائي والباحث.“

   بمثل هذه الحلقات رحت اتكشف طبيعة الشخوص الروائية المحورية، وبعض جوانب المضمون المتواري، المعرض للحقبة الناصرية، والذي لم يكن مفهوماً لدينا حينئذ، فنحن نفهم النظام الناصري باعتباره نظاماً يمثل اشتراكية البرجوازية الصغيرة، كما هي المقولات  السائدة في تلك الفترة، ومن هنا كنا نعارضه“.(6) نقد العسكر.

   ثم نقل لنا تأثيرات فيلم ”القاهرة ثلاثين“ على جيل كامل من المثقفين العرب، خصوصاً وأن سيناريو الفيلم كتبه لطفي الخولي، الذي رأس مجلة ”الطليعة المصرية“ المعروفة بخطها اليساري المعروف في ذلك الوقت.

  يقول عبدالله خليفة عن صدمته بهذه الرواية بعد قراءتها:  ”وحين قرأنا الرواية وهي كما عنونها محفوظ نفسه بـ(القاهرة الجديدة)  لم نجد ذلك الحجم اليساري، الذي أضافه لطفي الخولي إلى الفيلم، ووجدنا الرواية تتركز على بطل اللاموقف، والذي يكرر دائما كلمة (طظ) كما في لغة الرواية وهي بالعامية (طز).

  وراحت الروايات والأفلام تزيد حيرتنا حول نجيب محفوظ وحدد عبدالله خليفة سبب هذه الحيرة بقوله:  ”نجيب محفوظ ناقد مستمر لنظام العسكر الوطني، وخاصة في رواية مثل (ميرامار) التي يشكل حكايتها من أصوات روائية متعددة.

   ”منها الماركسي المرتد، والانتهازي، و(الاشتراكي) الحكومي الفاسد، والصحفي العجوز الوفدي، فكنت أقول نجيب محفوظ مع من؟ واتوجه إلى أن ذلك الصحفي العجوز الوفدي واتساءل إن كان هو صوت نجيب محفوظ الخاص؟“

في الوقت الذي أثار نجيب محفوظ الحيرة في جيل مثقف كامل، فإن لأدب محفوظ ميزة حددها الروائي عبدالله خليفة بقوله:  ”لكن جرأته في نقد النظام وعدم انسياقه مع الجوقة المتعددة المعزوفات، والتي تسوق للنظام وتنقد أخطاءه لكن باعتبارها اخطاء التجربة الاشتراكية، كما كان يفعل محمود أمين العالم، ولطفي الخولي وغيرهما!

كانت تلك الجرأة  تجعلنا نحدس فقط بوجود شيء متميز عند محفوظ وإنه غير الآخرين.“(7)

الراوية التاريخية

وعبر دراسة ما كتبه محفوظ من روايات تاريخية هي ”عبث الأقدار- رادوبيس-كفاح طيبة“، نجد في الفصل الأول بحثاً موسعاً عن مرحلة ”الرواية التاريخية“ وبالرغم من البداية التي يعلن فيها الكاتب بان نجيب محفوظ  هو أهم كاتب روائي عربي، ”بل ومؤسس هذه الرواية“(8)

فإنه يشير أيضاً إلى أن ”الروايات التاريخية التي كتبها محفوظ إلى أنها ليست شوامخه الروائية بل هي تجاربه الأولى في تشكيل الرواية العربية“.

 ومن خلال أربعة عشر فصلاً استطاع عبدالله خليفة أن يضع أمام قرائه فلسفة وفكر نجيب محفوظ، الذي كان بين مد وجزر الوضع السياسي في بلده والعالم، واستطاع طوال فترة وجوده في هذا العالم أن يخلق تعادلية حلم توفيق الحكيم، الكاتب المصري الذي نادى بها في مجموعة رواياته ومسرحياته.

التي تقول بضرورة ربط الاشتراكية بالإسلام والعلوم بالأديان، من دون أن نقلد الأوربيين الذين وجدوا أن الحل في حكم بلدانهم، يكمن في علمنة الدولة، وفصل الدين عن السياسة.

وفي الفصل الثاني من كتابه ذاك تناول الكاتب البناء الفضفاض في رواية ”زقاق المدق“ وربط بين بنائها والواقع المصري في ذلك الوقت فقال ”أن علاقة البناء في زقاق المدق بالبناء الروائي التاريخي هو في سيطرة العام الوطني على الكل الاجتماعي.

فسيطرة الفراعنة على الحياة هو نتاج مصريتهم، وحين بدأت الفئات الوسطى في عهد الوفد بالتعبير عن الكل الوطني، غدا هذا الكل بوحدة مختلفة عن وحدة الزمن الفرعوني، فلم يعد يقبل تقسيم، ونزاع تهديمي داخل هذا الكل، لكن هذا الكل موجه للحداثة وللتطور، فهو يواجه كذلك تخلفه الداخلي، ويطور من ذاته.“ (9) وهذا ما تعلمه عبدالله خليفه ووضعه في اعتباره وهو يكتب تاريخ بلاده البحرين في العديد من رواياته وقصصه.

رَحَلَ الأمير !

   لقد جعلنا الروائي عبدالله خليفة نحيط بالجانب الإنساني فيما حدث، ونقل لنا ما طرأ على أخلاق الناس وحياتهم من تغييرات في سلوكهم وثقافتهم، ورؤاهم الفكرية، وتبلور احلامهم عن غد أفضل لهم ولأسرهم ولأحفادهم مع بزوغ الثروة الجديدة المكتشفة حديثاً في البحرين، والتذكير هنا ضروري بأن الجهد المبذول في هكذا نوع من التسجيل التاريخي الأدبي، صعب جداً ومرهق لأنه، لا يعتمد على التسلسل السنوي للأحداث بل يعتمد على ذائقة الكاتب  كمحب للتأريخ، وراوية لما حدث في هذا البلد من احداث، وتحويل كل ذلك فيما بعد إلى نص أدبي له تقنياته وإشكاليته النصية وشكله الصارم كقصة أو رواية.

   يقول عبدالله خليفة في احد الحوارات التي أجريت معه قبل شهور قليلة من وفاته، حول هدفه الحقيقي من كتابة الرواية وهي الجنس الأدبي الأصعب في الكتابة الأدبية: فقال ”عاشت الكتابةُ لدي كنضالٍ فكري سياسي، فالقصصُ القصيرةُ التي كتبتُها بدايةً كانت طلقات، ثم تغيرتْ إلى نيران تجربةٍ طويلة، فعشتُ في مختلف المحن، بدءًا من العمل السياسي، والسجن، والبطالة، والعمل الصحفي اليومي الصعب. وتوجهتُ لقراءةِ تطور بلدي عبر هذه التجارب، فقرأتُ تاريخَه، وحياة منطقته، وإرثه الفكري، وصراعاته، فأنشأتُ أعمالاً عديدة سيحكم عليها النقاد والقراء.“(10)

  وقد صدق الكاتب فيما قال، فقد أزال الأقنعة وفضح الظالمين في رواياته ومجاميعه القصصية، فهو لم يدخر أي جهد للكتابة عن الفوراق الطبقية في المجتمع، وعن أولئك الذين استحوذوا على فرص كثيرة، وجنوا ثروات كبيرة من دون أن يقدموا للبحرين وأهلها شيئاً مفيداً، وقد كانت سنوات السجن الست التي قضاها عبدالله خليفة في احد سجون البلاد، من أقسى سنوات حياته، وبطالته التي عاشها عقب فترة السجن لفترة طويلة أَزال الأقنعة في رواياته وقصصه ومقالاته، وأشر فيها مَنْ يستحوذ على فرص الحياة بدعاوى الأخلاص للحاكم والوطنية الكاذبة، والتقرب من الأغنياء، وأصحاب القرار، لقد عاش مواطناً بحرينياً عادياً، ورحل أميراً للروائيين في البحرين، كما وصفه احد النقاد في حفلة التأبين، كما كان أحمد شوقي أميراً للشعراء في الثلاثينات من القرن الماضي.

  حياة الروائي عبدالله خليفة الصعبة التي عاشها بين المهمشين، جعلته يلتقي بالكثير من النماذج الإنسانية، التي عاشت تجارب مريرة، وسجل الكاتب كل ما عرفه من هؤلاء، الذين التقاهم في اسوأ الظروف، وأكثرها قسوة، سواء من التقاهم في السجن أو في قاع المجتمع البحريني، فقد ظهروا جميعاً في رواياته وقصصه المنشورة، والتي تربو على أكثر من ثلاثين عملاً روائياً ومجموعة قصصية بوجوههم الكالحة وعيونهم الدامعة، ونفوسهم الحاقدة على من ظلمهم، وحاول من خلال ما كتب عنهم أن يؤدي رسالته، ويوصل أصواتهم إلى العلن لمعالجة اوضاعهم، ورفع الحيف عنهم، وهي رسالته التي آمن بها كأديب وصحفي انتمى إلى فقراء البحرين الذين عاش معهم، ومن أجلهم عمره القصير، ونشر الراحل أيضاً العديد من الكتب في الفلسفة والنقد الأدبي وعلم الاجتماع.

  أخبرني الكاتب عبدالله خليفة قبل وفاته بأسبوعين في إتصال هاتفي جرى بيني وبينه، أنه عاش حزيناً لمعاناته وأهله، وما أصابه من أمراض، وهي بسبب ما عاشه أثناء فترة سجنه وبطالته، وعيشه مع المهمشين والفقراء، لكنه سيموت سعيداً لأنه نشر كل هذا العدد من الروايات والقصص والكتب الفكرية، التي روى فيها كل ما حدث في بلاده، وثبت فيها شهادته الصادقة عما عاشه الناس، فقد كان يظن أنه لن يخرج من السجن مطلقا،ً وأنه سيموت في الزنزانة جراء تفشي الأمراض بين المساجين والظروف المعيشية السيئة لتلك الزنزانات، ومعاملة الحراس الغلاظ المكلفين بحراسة المساجين، ولن يرى كتاباً واحداً مطبوعاً له، مما فكر بكتابته خلال ليالى السجن الطويلة .

  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش ومصادر

 (1)”نكهة الماضي“ المؤلف مهدي عبدالله / الكتاب صادر عن وزارة الإعلام في البحرين/المطبعة الحكومية – 2007 عدد الصفحات 159 من القطع الكبير.

 (2) نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية/عبدالله خليفة/الدار العربية للعلوم ناشرون- منشورات الاختلاف/الجزائر العاصمة-الجزائر/ط1 2007 ..216 صفحة قطع متوسط.

(3) المرجع السابق ص9

(4) المرجع السابق ص 10

(5) المرجع السابق ص 8

(6) المرجع السابق ص 9

(7) المرجع السابق ص 10

(8) المرجع السابق ص 17

(9) المرجع السابق ص45

(10)جريدة اخبار الخليج البحرينية /العدد13364 / تاريخ النشر:25  أكتوبر 2014/ أجرى الحوار علي الستراوي/ نشر الحوار بعنوان: الروائي البحريني عبدالله خليفة قبل رحيله: المحن مؤذيةٌ وصعبة، وهي قد تكسرُ البشرَ وخـــاصة المبدعين والمثـــــقفين !

الكتابة وعي الذات

الكاتب البحريني عبدالله خليفة (1948ــ 2014) يُعد بحق أحد أهم الروائيين في أدب القصة القصيرة والرواية الحديثتين في الوطن العربي، فقد تابعت إبداعه القصصي والروائي منذ ستة عشر عاماً، وكتبت ونشرت الدراسات والقراءات عن أغلب ما إبدعه في مجال القصة والرواية في المجلات الثقافية العربية المُحكمة، كمجلتي نزوى والبحرين الثقافيتين الفصليتين، وفي الصحافة الثقافية اليومية والأسبوعية، وربطتني به صداقة أدبية وزمالة عمل في ثقافية جريدة أخبار الخليج البحرينية، التي يشرف على صفحتيها الأسبوعية وإلى يوم وفاته يرحمه الله تعالى في يوم 21 أكتوبر 2014.

هذه التجربة القرائية في إبداعه هي حصيلة صداقة أديبين، اضعها في هذا البحث بين يدي القارئ المتخصص والقارئ العادي، لمعرفة لماذا ازدوجت المقاييس في تقنيات الفن القصصي والروائي لدى هذا المبدع، وعدنا من جديد نقرأ روايات هي في الحقيقة قريبة جداً من تقنيات كتابة السيرة بل هي تلبس لبوسها في احيان كثيرة مع المحافظة على قناع هنا، وهناك لشخصياتها، بدافع حياء كاتبها العربي من إشارة النقد لهذه الحياة المسرودة في المتن القصصي أو الروائي، وليس سراً، فقد اُستل هذا القناع من تقنيات وآليات العمل الروائي.

تجربة عبدالله خليفة في الكتابة الأدبية، كنموذج لهذا الضرب من الكتابة الجديدة، هي أظهار إيجابيات التقنيات التي استخدمها الكاتب، وسلبياتها على مجمل تجربة الكاتب الإبداعية، متوخياً أن تكون دراستي منتمية إلى حقل الدراسات الثقافية أكثر مما هي منتمية إلى حقل البحوث الأكاديمية التقليدية، والأطروحات الجامعية الصارمة، لإبراز تجربة الكاتب كمؤشر دال على التغييرات الكبرى التي اصابت أدبنا الروائي والقصصي، خصوصاً بما يتعلق ببحثي عن مزايا الكتابة الجديدة، وصعوبات كتابتها، والنماذج المطروحة في القصة القصيرة والرواية، التي كتبها هذا الكاتب، ونجحت في استيعاب هذه التحولات الكبرى في الأدب الغربي، والتي درست تقنياتها ومادتها دراسة معمقة في العديد من مقالاتي المنشورة طوال ثلاثين عاماً من نشاطي الثقافي والأدبي المتخصص.

وكان بحثي ليس بعيداً عن حياة كتابها وسيرهم الذاتية، وما عاشوه من تجارب حياتية مختلفة، فالكتابة الجديدة لا تختلف كثيراً عن حياة كتابها، وما عاشوه من تجارب بل أنها في بعض الأحيان هي حيواتهم، مسجلة سطراً بسطر وكلمة بكلمة، وكأنما تقرأ سجلاً لاعترافاتهم بما عاشوه من تجارب سياسية، واجتماعية في فترة إحباطهم، وفشلهم أو بعد نجاحهم، وفي بعض الاحيان تقترب صفحات تلك الكتابات الأدبية – قصصية وروائية- جداً من تفصيلات المدونات اليومية لأي مثقف أنتظم في تدوين ما يحصل في حياته يومياً، إلى درجة أنهم اضطروا لفتح الأدراج عن رسائلهم الغرامية، التي كتبوها لحبيباتهم في فترة من فترات حياتهم ونشروا رسائل حميمية تلقوها من اصدقائهم و أهلهم، وكما كتبت عن ذلك في نماذج قصصية وروائية كثيرة أجنبية وعربية.

فقد امتلأت قصص مجموعتين قصصيتين لعبدالله خليفة بهذا النوع من القصص التي تحكي محكيات من حياة كاتبها، فنجد في مجموعته « سهرة » التي صدرت عام 1994 و«دهشة الساحر» التي صدرت عام 1997 الكثير من القصص التي تحكي عن معاناة كاتب وصحفي في بداية طريقه إلى الكتابة والنشر، وهو يعيش وسط عائلة بحرينية متوسطة الحال، وعلى عادة هكذا عائلات في شرقنا لا ترى في الأدب وكتابته غير ضياع الوقت والجهد، وأن ابنهم إن استمر في هكذا ولع، فإنه ضائع لا محالة، وليس أمامه غير طريق الفقر والحاجة، وأن لا طائل يأتي من وراء حرفة الأدب والكتابة، وبعض العائلات ترى في نبوغ أولادها في هذا الجانب نقصاً في العقل والمواهب، وكارثة ألمت بها لأنها رُزقت بفرد لا يستطيع أن يقف على رجليه وحده، وسيبقى عالة عليها، وبدلاً من أن يكون عوناً لها في مواجهة الحاجة والفقر، فقد صار مصدر قلق لها وعاهة دائمة في النسيج العائلي.

كتابة للتغيير

وهذا ما نلمسه في الكثير من قصص المجموعتين للكاتب عبدالله خليفة إلى جانب النشاط الفكري والسياسي لأبطال قصص أخرى نستقرئ منها حياة كاتبها في بواكير شبابه حين كان ناشطاً فكرياً في سنوات الدراسة الثانوية، وناشطاً سياسياً فيما بعد في المعهد العالي للمعلمين.(1)

فقصص مثل: السفر، سهرة، قبضة تراب، الطوفان، وغيرها من قصص المجموعتين كما سنرى في فصول لاحقة من الكتاب كتبها الكاتب من وهج تجربته الشخصية، فهي سرود عن حياة الفقراء من العمال واصحاب حرفتي الصيد والغوص من الباحثين عن رزقهم في صيد السمك أو الِلؤلؤ أو عمال حفر آبار النفط المياومين، والصحفيين المتعاونين مع الصحف الفقيرة، التي لا تكاد أن تغطي ثمن مطبوعاتها، وتتخذ هيئات تحريرها من الصحافة وسيلة لحسم الصراع السياسي مع خصومها الطبقيين أو من يعادونهم فكرياً وسياسياً.

القصة لدى هذا الكاتب كما الرواية والمقال السياسي، وكل هذا النتاج الأدبي والفكري لبس لبوس الحياة الشخصية لكاتبها، وحكت القصص والروايات عن همومه الفكرية والسياسية والأجتماعية، وكل هذه الهموم لم تكن معزولة كما سنرى عن هموم المواطن العادي، ولا عن تطلعاته في البحرين والوطن العربي عامة، صحيح أن الفقراء والمحتاجين الذين كتب عنهم عبدالله خليفة لا يقرأون ما كتب عنهم، وهو يعرف هذا، فهو يكتب عنهم وليس لهم، أنه يكتب على أمل التغيير لاحوالهم والتخفيف عن معاناتهم من قبل الحكومات واصحاب الشأن السياسي، ألتزاماً منه بما يفرضه عليه واجب الوفاء لأهله، ومن عاش معهم وعانى معهم وبسبيلهم طوال سنوات عمره، والناقد يجد في «المسرود» وهو نتاج اللحمة بين حياة الكاتب والمكتوب عنه، وهذا المسرود الذي بين أيدينا هو خير حقل لدراسة كتابات الحساسية الجديدة في الأدب العربي في مجالي القصة والرواية.

أن الروايات التي نشرها الكاتب عبدالله خليفة كالينابيع، الأقلف، ذهب مع النفط، عنترة يعود إلى الجزيرة، عقاب قاتل، اغتصاب كوكب، ساعة ظهور الأرواح، محمد ثائراً، علي بن أبي طالب شهيداً، وغيرها من الروايات والمجموعات القصصية حبلى بموضوعات جديدة على القارىء شكلاً ومضموناً، فقد ضمن رواياته معرفة فلسفية واقتصادية وسياسية ونفسية وميثولوجية، وتاريخية، ومعرفة السارد في هذه الروايات مساوية لمعرفة الكاتب، فالسارد تبعاً لهذا لديه قضية فكرية وسياسية، وجمالية يريد توصيلها إلينا عبر ــ فن كلي ــ هو فن الرواية كما هو معروف هذا الفن النصي نقدياً والرواية من كُلِيَاتَهْا تجمع بين اعطافها جميع فنون القول، وهي خير مبحث لمن اراد البحث في حياة كاتبها والمجتمع الذي كتبت عنه وله، هذا في المضمون، أما في الشكل، فكتابات عبدالله خليفة الروائية والقصصية جمعت بين الأساليب التقريرية والبلاغية الجمالية القائمة على الاستعارة والمجاز، والإيقاع، والرمز والإشارة، ولذلك فكتابات هذه الكاتب المهم حملت للمتابع ما يحتاجه للكتابة عن هذه التجارب الأدبية، وكاتبها، وفرز ما احرزته من نجاحات أو اخفاقات لتطوير الأدب القصصي والروائي البحريني والخليجي والعربي عامة شكلاً ومضموناً.

نجيب محفوظ

لقد قرأ عبدالله خليفة اعمال نجيب محفوظ قراءات تمثلية، فقد وضع نصب عينيه تجربة هذا الكاتب الكبير في الكتابة والحياة، ونجد ذلك واضحاً في كتابه الذي نشره عن إبداع نجيب محفوظ واستخلص منه حقائق كثيرة عن الإبداع لدى هذا الكاتب المصري، فكتب عنه قائلاً: «أن انتقال نجيب محفوظ من التاريخية إلى المرحلة الاجتماعية كان من دواعي التطور المديني والاجتماعي، الذي طرأ على الحياة في مصر، وذلك التنوع في الحياة، الذي حاول محفوظ أن يتابعه عبر لوحات وقصص متتابعة تبدو كل واحدة من هذه القصص مستقلة بذاتها. «وكتب عن رواية «بداية ونهاية»، معتمداً على التحليل الجزئي وتشكيل التعميمات الواردة في الرواية .. ومستنتجاً الإسقاطات السياسية على الرواية.

فقال:«الإسقاط السياسي من حزب الفئات الوسطى المصرية على الرواية والشخصية، تعبير عن عجز حيثياتها الفنية من إنتاج تصور ديمقراطي نضالي من داخلها، لكون الشخصيات تابعة للإقطاع سلباً وإيجاباً.»(2).

وحرص عبدالله خليفة على تفكيك شخصيات الرواية متتبعاً مصائرهم، ومحدداً الثغرات الفنية الموجودة في حيواتهم، وذلك من خلال حالات النكوص في بنية الثائر الفردي، الذي يريد تغيير المجتمع وفق إرادته وفهمه الشخصي للدوافع الذاتية للمحيطين به.

وفهمه القاصر لبنية وتحرك المجتمع من حوله، وقد اختار الروائي عبدالله خليفة في رواياته كالينابيع، وساعة ظهور الأرواح، وذهب مع النفط تقنيات لم يستخدمها نجيب محفوظ في سروده الواقعية، فقد حدثنا عبدالله خليفة عن الماء العذب، كما جاء في روايات وقصص الواقعية السحرية، لماركيز وأستورياس وبورخس، فالماء في البحرين قديماً كان يستخرج من قاع البحر المالح، وهذه المفارقة الواقعية نجدها أيضاً في الواقع، كما تشير كتب التاريخ عن البحرين، فقد جاء أن «الكثير من الأشخاص أكدوا للمؤرخ نيبور الذي يروي عنه من سجلوا تاريخ البحرين وجود ينابيع مياه عذبة (كواكب) على عمق قامتين ونصف قامة في البحر(القامة تساوي 6 اقدام لقياس العمق) على بعد مسافة قصيرة من الشاطئ، وان الصيادين دائما يغوصون إلى ذلك العمق لملء جرارهم»(3)

وتناول عبدالله خليفة بالدراسة في احد فصول كتابه، البناء الفلسفي والفني في عمل نجيب محفوظ الملحمي «أولاد حارتنا» الذي كان سبباً في أن ينال نجيب محفوظ في التسعينات طعنة سكين في رقبته من احد المتطرفين الإسلاميين منعته من الكتابة لفترة طويلة، وكان سبب كل الإشكالات التي حدثت مع هذه الرواية هو تجسيد الكاتب الأنبياء على نبينا وآله وعليهم أفضل الصلوات والسلام في شخصيات روائية، وكذلك كونها «تتحدث عن قصص الأديان السماوية في المنطقة»..(4)

عودة عنترة

روايات عبدالله خليفة التي امتلأت بالكثير مما اعتنقه أبطاله من الفكر الديني المتشدد، وما واجههم به من أبطال لا يؤمنون بالفكر الديني كحل لمشاكل الناس، كما في روايته الأخيرة «عقاب قاتل» وقد تقبل المجتمع البحريني المتسامح الكثير من طروحات الروائي الفكرية للروائي عبدالله خليفة بتفهم عميق، وأريحية قل مثيلها في المجتمعات العربية والإسلامية، والمجتمع البحريني، كما تشير كتب التاريخ مجتمع منفتح على الأفكار، وكل جديد بحكم استقباله للأجانب من كافة بقاع الأرض وصهرهم في عاداته وتقاليده، وقد ثبت تاريخياً عن بدايات تنظيم شؤون الأجانب في البحرين» فخلال عام 1956 أصدرت الحكومة البحرانية إعلانين (أمرين) يتعلقان بالأجانب القاطنين في البحرين الإعلان الأول يدعو جميع اصحاب الفنادق و(الخانات) بتزويد الشرطة، وسلطات الجوازات كل شهر بتفاصيل الأشخاص المقيمين، لديهم وجنسياتهم إما الإعلان الثاني، فكان يمنع أي أجنبي من فتح دكان أو محل تجاري قبل الحصول على ترخيص من الحكومة بذلك.»(5)

وكذلك فإن البحراني له قابلية كبيرة على التسامح والعيش بسلام ومحبة مع جيرانه، لذالك فهو من القديم مجتمع قليل الجرائم ويشير تاريخ البحرين إلى هذه الحقيقة، ففي عام كامل هو عام 1966 لم تقترف فيه سوى ثماني جرائم قتل، واحد عشر محاولة قتل و41 جريمة عقاقير خطرة و298 جريمة مسكرات، في الوقت الذي كانت تسجل في دول العالم في ذلك الوقت نسبة لعدد السكان مئات جرائم القتل، ومثلها في أبواب اقتراف الجرائم الأخرى، ويسجل عن احوال المحاكم البحرينية أنها في عامي 1929 و1930 نظرت خلال سنتي 1929 و1930 في عدد من القضايا التي كشفت عن حالة مزرية جداً للأمور، فالكثير من النساء والأطفال، تمت سرقتهم وخداعهم على يد أشخاص من المفترض إن يكونوا حارسين لمصالحهم، وراعين لأملاكهم، وفي حالات عديدة كان المواطنون على علم بالحقائق، لكن لا احد منهم اعتبر من واجبه إخبار المحكمة بها ولم يكن الأشخاص المسروقين غير قادرين على الشكوىّ»(6)

القارة الكبيرة

رصد الروائي عبدالله خليفة في روايته الينابيع(7) التي صدرت في طبعة كاملة، ومنقحة قبل وفاته بشهور قليلة تاريخ البحرين ابتداء من القرن الثامن عشر، والتاسع عشر وانتهاء بأيام الهاتف النقال الحالية، وجعل خليفة بطله محمد العوّاد مدخلاً لعصر التنوير، وبداية لتاريخ التدخل الأوربي المباشر في شؤون المنطقة العربية ومنها البحرين .

ومن البديهيات المعروفة أن كل بلد في العالم بحاجة ماسة إلى ملحمة أدبية، فكرية، فلسفية، وحكائية تؤرخ تكوينه السياسي، وتكوين شرائحه الأجتماعية، ونضوجه، وتسجل ماضيه الإنساني خلال قرن أو اكثر.

المادة التاريخية التي صنع منها الروائي عبدالله خليفة روايته الينابيع مادة غزيرة جداً، فقد بذل الكاتب جهداً كبيراً في لملمتها، لإعطائها صيغة قصصية، خبرية، تفيد في رسم صورة كاملة لمشهد البحرين في العقود الستة الماضية، وهي العقود التي يمكن الرجوع إليها من خلال توثيقها السابق بالصورة، والأسماء نقلاً عن جرائد، ومجلات، وسجلات قديمة للحكومة، في وقت كانت هناك قلة في توفر وسائل التسجيل كالصحافة (ومثلما يرد في كتاب احد مؤرخي البحرين أن الجريدة الوحيدة في البحرين كانت جريدة الأضواء الأسبوعية عام 1965) كما أن التصوير والتسجيل الصوتي كانا قليليين، وكذلك الإذاعي (تحدث المؤرخ ذاته عن إدخال أول آلة كاتبة لمرسلة ــ تلبرنتر- تابعة لوكالة أنباء «رويتر» في البحرين عام 1966 وبذلك اصبح بمقدور إذاعة البحرين تقديم آخر الأنباء، وقد سبقت إذاعات خليجية أخرى في نشراتها الإخبارية، كذلك وسعت فيما بعد مكتبتها السمعية، فصار عدد أشرطتها الغنائية حوالي 500 أغنية جديدة من أغاني البحرين والخليج).»(8)

وإذا لم يكن هناك ما يلبي هذه الحاجة الضرورية لأدب بلد ما، فالبلد سيبحث عمن يؤرخ له، ويبقى ينتظر ولادة المبدع المطلوب ونبوغه لأنجاز هذا العمل الأدبي، فالبلدان الحية بحاجة ماسة لمن يسجل ذاكرتها الإنسانية في كل مراحلها التاريخية.

فنجد في عصرنا الحديث الكثير من هذه النماذج الأدبية الكبيرة إبداعياً، التي آخت بين فن الرواية الحديثة، كما كتبها المحدثون في هذا الصنف الأدبي، والملحمة التي كتبت في اللغات الأخرى شعراً منذ قديم الزمان.

ومن النماذج العربية نقرأ ثلاثية محمد ديب في الجزائر «الدار الكبيرة، الحريق، النول»، وأولاد حارتنا في مصر، لنجيب محفوظ، ومن العراق رباعية النخلة والجيران، وخمسة أصوات، والمخاض، والقربان، لغائب طعمة فرمان.

ومن السودان خماسية الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال، عرس الزين، مريود، ضو البيت، ودومة ود حامد، وغيرها من التجارب الروائية الرائدة في الوطن العربي والعالم.

اللؤلؤ المزيف

رواية الينابيع للروائي عبدالله خليفة رواية متشعبة الموضوعات، غنية بالفلكلور البحريني والخليجي، وهي أيضاً تنهل من التاريخ السياسي للبحرين، وتقرأ اجتماعياً واقتصادياً التحولات الديموغرافية في البلاد عبر امتلاك الأراضي ووسائل الثروة والسلطة.

ويعود بنا في هذه الرواية إلى تاريخ البحرين في سنة 1856م ليستفد في روايته مما تُرجم من سجلات الحكومة البريطانية في بومباي في تلك السنة، وما حددته سجلاتها عن الجغرافية السياسية للبحرين، فأوردت أرقاماً لعدد سفن الغوص في البحرين، فذكر صاحب كتاب نكهة الماضي: « يقدر عدد سفن الغوص 1400 سفينة كبيرة الحجم و300 متوسطة الحجم و400 صغيرة» وحددت تلك السجلات دخل البحرين، فأوردت «تبلغ إيرادات الجزيرة 100 ألف تومان سنويا ويصل إيراد اللؤلؤ إلى 100 ألف تومان أيضا» ومعنى هذا أن البحرين كانت تعيش على ما تصدره من اللؤلؤ، ولؤلؤ البحرين كما جاء في الكتاب» رغم انه ليس شديد البياض كلؤلؤ سيلان واليابان إلا إنه أكبر حجماً، وشكله أكثر انتظاماً، ويميل لونه إلى الصفرة، لكنه يمتاز بأنه يحتفظ بلونه الذهبي بينما يفقد اللؤلؤ الأكثر بياضاً الكثير من لمعانه، لدى حفظه في الدول الحارة على وجه الخصوص» (9)

ابتداء من امتلاك سفن البحث عن اللؤلؤ، في زمن ازدهار هذه التجارة في البحرين ودول الخليج العربي، وحتى أفولها بسبب اللؤلؤ المزيف الذي جاء من اليابان، وانتشر في أسواق الزينة، وأفقد اللؤلؤ الحقيقي سوقه وقيمته الأولى.

وكذلك أرخت الرواية لظهور ثروة النفط والغاز في البحرين، مما مهد لتحولات سياسية واجتماعية هامة في المجتمع البحريني.

أدت بدورها إلى تغييرات اجتماعية جذرية في بنيات المجتمع وطرائق معيشته، وصاحبتها تطورات في الشخصية الخليجية غيرت سلوكه، وتطلعاته نحو العالم ونظرته للتقدم العلمي، وطبيعة الحياة وتقدمها في المجتمعات الأكثر تطوراً وغنىً، ويرد في مقطع مؤثر من الرواية فقرات نصية عن اكتشاف أول بئر نفط «الذي نعته الروائي في روايته بالماء الأسود، وأفرد له جزءاً كبيراً من السرد الروائي.

«المهندسون والموظفون يعانقون بعضهم البعض، ويهتفون، وتصيح الآلات المعدنية مرسلة لغتها العجيبة عبر الفضاء، ويجمع الأوروبيون كرات من المارد الأسود الممزق المتناثر على التربة، ويجرون بها نحو مكاتبهم» ص 199 وباكتشاف النفط تمّد أعمدة الكهرباء لأول مرة في شوارع المنامة، ويدهش اهلها من رؤية أضواء المصابيح الكهربائية.

أزمنة وأمكنة

وابتداء من الجزء الأول في الرواية المعنون بـ«الصوت» والجزء الثاني «الماء الأسود» يهيىء الروائي، للجزء الأخير من الرواية «الفيضان»، بسرد التحولات الكبرى في حياة أهل البحرين.

وذلك من خلال شخصية محمد العوّاد، الذي يتمرد على سلطة الأب والعائلة، ويقرر أن يصبح مغنياً في عصر يعتبر أهله الغناء عاراً، ومثلبة، وفي العادة لا تتشرف أية عائلة معروفة في البلاد بأنتماء المغني إليها في ذلك الزمن القبلي.

فيعيش حياته مبعداً عن كنف العائلة منبوذاً من جنتهم، باحثاً في أنغام عوده عن بحرين جديدة تتناغم مع تطلعاته الفنية، وحلمه الدائم بلقاء حبيبته ميّ، التي يحيل بينها وبينه، وضعها الطبقي الجديد بزواجها من متنفذ غني، فتحيل بينها وبينه أسوار وأسوار.

ولكن بالرغم من هذه الأسوار العالية إلا ان صوته من خلال أغنياته، التي يغنيها في الأعراس، والحفلات تصل إلى سمع هذه الحبيبة الحلم.

لقد امتدت احداث الرواية «الملحمة» إلى أمكنة عديدة كالمنامة والمحرق، وبومبى ودلهي ودمشق، وشملت أزمنة عديدة ابتداء من زمن القحط بسبب تغير نمط الأقتصاد على نحو مفاجىء في البحرين بفقدان اللؤلؤ لسوقه، واسعاره الحقيقية.

ومجييء الميجر البريطاني بيلي وتبشيره للناس بإنهم «لن يكونوا عبيداً بعد الآن» ص 31 إلى فترة الرخاء والعمران بأكتشاف النفط .

كائنات حقيقية

وتتضمن الرواية مشاهد أدبية وصفية قل مثيلها في الأدب الروائي العربي، اتسمت بالشعرية الخالصة، وقد بناها الروائي بحذق الفنان وتأني المفكر وحرفية النقاش الماهر، والشاعر الملهم مؤسساً على الصور الشعرية، وليس على الحدث الدرامي المتنامي في السرد مبانيه التخيلية، ولا أدري كم من الوقت والجهد استغرقت كل صفحة من النثر الجيد في هذه الرواية من مبدعها ؟

كما أن تأملات أبطال الراوية العميقة والصادقة تشي بأنهم كائنات حقيقية، أخذ عنهم الكاتب كل ما تفوهوا به أو فكروا به، وما صادفهم من حوادث ومصاعب وكوارث، وقدمهم للقارىء بمشاهد ساخنة، كأنما حدثت قبل وقت قصير لا قبل مائة سنة أو أكثر.

ذلك ما نشعره على توالي الصفحات وعلى امتداد 400 صفحة من القطع الكبير عن عشق محمد العوّاد المستحيل لميّ التي اقترنت بأحد المتنفذين، وعلاقته الموازية بأنثى أخرى، والتي كانت مجرد علاقة حسية «علاقته بفيّ» التي حملت منه سفاحاً.

ورفض الأقتران بها مبرراً ذلك الرفض بقوله الساخر «أنا فنان احلم أن اصعد إلى النجوم لا لأعيش بين بول الصغار!!» ص 65 بالرغم من حب فيّ له، لكنها اضطرت للزواج من النواخذة الكهل سعيد المناعي درءاً للفضيحة ص71 .

العربي الكادح

أن وراء رواية «الينابيع» هماً وطنياً عميقاً يتلخص بسؤال الهوية، والبحث عن حلول لمعايشة التحولات الكبرى التي تمر بالعالم، وتفرض شروطها الموضوعية على أهل البلاد، وحاكميهم لمواكبة التقدم، وبناء مجتمع العدل والرفاهية والمستقبل الأفضل للأجيال القادمة.

والينابيع واقعية تنسج نسيجها من الطبقات الكادحة في المجتمع البحريني، فتنقل لنا حياة الصيادين، وأقنان الأرض، وعمال النفط المياومين والمشردين وفناني الهامش.

وتحاول الرواية من خلال ذلك بناء النموذج العربي للكادح، الذي يراوح بين مفاهيمه البرجوازية المتوسطة، والقيم الطبقية، التي استقاها في الكثير من عاداته وتصرفاته بشكل مغلوط عن الفكر الأشتراكي العالمي.

فنرى تذبذب محمد العوّاد الفكري حين يدخل قصر معذبه، وسارق حبيبته ميّ، فيرى القصر متلألئاً بالأنوار وحشود العباءات والثياب البيض والخيول، التي ملأت الساحات وبنادق العرضة حين راح اصحابها يطلقون النار على المساء الهابط بقوة فوق الشطآن المقبوضة الروح» ص 174

فنسمعه يردد في منللوج ما ينم على ندمه على ماضيه، فهو حين تأتيه الفرصة لدخول بيت احد المتنفذين يشعر بالمهانة ويتذكر «كيف كان يُجر إلى القلعة ويوضع في زنزانة مع اللصوص والقتلة، وكيف كان يهان من قبل أي شرطي جلف، لأنه غنى كلمات عن الحرية، التي سرعان ما تخلى عنها اصحابها» ص183

جمعة بن العبد

أن الحكي السردي في الرواية ينفتح على عوالم تخيليية متشعبة، ويحمل في مضامينه المختلفة دعوات للتعايش بين الثقافات والديانات، ونبذ التطرف، والأستغلال الطبقي، والجهل والتخلف.

إذ بالرغم من أن الدعوة للتحديث في المجتمع البحريني الناشئ بدرت من أجانب كالميجر البريطاني بيلي، وسكرتيره جون سميث «الذي ادعى أنه عالم آثار دنماركي جاء ليبحث في آثار ديلمون وتاريخها ..» ص 104.

الذي يعجب بأهل البلاد وتقاليدهم، ويعتبر أن حياتهم أفضل بكثير من حياة الغربيين فيقول عنهم» انهم يتصرفون ببساطة مذهلة، يجلسون على الأرض وتندفع أيديهم في الأرز يكورونه ويقذفونه في أفواههم، ويحكون القصص والأشعار طوال الليل عند الشطآن، وفي الساحات الرملية.

وتسمع أصوات مضاجعاتهم من وراء السعف الرقيق، وكل إنسان يسلم على الآخر الغريب ويصادقه في دقائق، ويدعوه إلى أكله، فيقبل الآخر دون خجل» ص 186

وعادات زوجته مارجريت، «المدمنة على قراءة مسرحيات شكسبير ومارلو وقصص ديكنز وبلزاك وتولستوي والمهتمة بأساطير الشرق» ص 185 إلا ان سرعان ما يتلقف بعض أبناء البحرين هذه الدعوة ويدعون إليها.

ومن هؤلاء جمعة بن العبد الذي «يفخر بالحرية في بلاد الميجر الأجنبية» ص 38 والذي يتلقف دعوة المستر بيلي للتحرر من ديون المرابين والتجار الذين كانوا يستعبدون الناس بديونهم التي لا تنتهي بسبب الربا، وعدم ايفاء رحلات صيد اللؤلؤ بسداد الديون المتراكمة على الصيادين والفقراء العاملين في صيد اللؤلؤ.

يقول مستر بيلي للناس «ستحصلون على كل شيء. لن تكونوا عبيداً بعد الآن . ألقوا بهذه الأوراق الحقيرة التي سجلوا فيها الزوّر والديون والقيود» ص 31.

حب الكاتب لبلاده

ولا يكتفي الروائي بايراد مبادرة هذا الانجليزي بل يسرد ممارساته الحداثية داخل مجتمع البحرين البدائي قبل اكثر من قرن، فهو يمارس فعلاً حداثياً لم يسبقه إليه احد في البلاد حين يدخل للبلاد السيارة إلى البحرين لأول مرة، فتحدث ردة فعل عنيفة عند أغلب الناس، الذي اعتادوا على الجمل والفرس والعربة، التي تجرها الخيول، والحمير في تنقلاتهم.

فيقول الروائي واصفاً تلك الدهشة وعدم تصديق الناس لما يرونه حين « يدخل الميجر بيلي السيارة أول مرة إلى البلاد فيندهش الناس لرؤيا هذا الكائن المعدني الذي يسير من دون حيوانات تجره، كأنما الجان تحركه من دون أن يراها أحد» ص 67، ويسرد مسيرة مستر بيلي، الغرائبية في مجتمع أمي بدأ ينهض ببطء من كبوة التخلف والفقر وحتى نهايته المفجعة» عندما اصيب بطلق ناري من مجهول فيما بعد.

رواية الينابيع لعبدالله خليفة عمل روائي كبير رسم مسارات إنسانية لعشرات الأبطال من الناس العاديين من البحرين عاشوا حياتهم في قاع المجتمع، وآخرين في اعلى قمة المجتمع، والرواية تؤثر كثيراً في القارئ، الذي لم يعرف عن البحرين من قبل كثيراً وتجعله يفكر، ويعيد التفكير في الكثير من مسلماته السابقة عن بلاد صغيرة جغرافياً، بنفوسها القليلة نسبة للبلدان الأخرى، لكنه سيجدها في رواية الينابيع بلاداً كبيرة جداً وأكبر بكثير من قارة بأهلها وتاريخها، وحب كاتب الرواية لها.

الخاتمة

الكتابة عن عالم المبدع البحريني عبدالله خليفة الروائي والقصصي، مهمة عسيرة، لكنها في الوقت ذاته زاخرة بالمعرفة، وهي معرفة ليس محددة بعالم القص وحده بل هي أيضاً إطلالة على المجتمع البحريني في ستينات القرن الماضي وسبعيناته وثمانيناته وتسعيناته من خلال النماذج الواقعية التي طرحها الروائي البحريني عبدالله خليفة في خمس مجموعات قصصية، وعشرات الروايات.

واعماله الأدبية في هذين اللونين تُعتبر في النقد الأدبي من أهم الروايات والقصص في السرد البحريني والخليجي عموماً، وبأعماله الأدبية المتعددة استطاع أن يحدد شكل وموضوعات تطور هذا اللون الأدبي في مجمل الحركة الأدبية البحرينية والعربية خلال عقدين من الزمان.

ان الكتابة النقدية التي اتبعها الكاتب عبدالله خليفة في كتابه النقدي «الراوي في عالم محمد عبدالملك القصصي»(10) وضع تجارب غيره في كتابة القصة القصيرة ضمن مفهوم نقدي محدد يتعلق بمهمة الراوي، وهذه المهمة قديمة جداً، ولها أصولها في مفاهيم النقد العربي القديم، لكن الباحث تابعها في قصص محمد عبد الملك بشكل حداثي، ونقل لنا من خلال تسمية «الراوي» ما جاء في النص النقدي الحديث باسم السارد، وما يرويه من حكايات بالمسرود وهي في الوقت ذاته دراسة ميدانية استفاد منها خليفة في تطوير أساليبه في السرد الروائي.

وقد كانت تجربة القاص محمد عبد الملك محط متابعة الروائي عبدالله خليفة منذ نشره أولى قصصه التي كانت بعنوان «رحلة الصقور» التي نشرها في جريدة الأضواء البحرينية في أواخر مارس من عام 1967 ولكن هذه القصة الستينية لم يضمها المؤلف عبد الملك إلى مجموعته الأولى التي صدرت بعنوان « موت صاحب العربة» ولا في مجموعاته الأربع التالية، مما أكد لعبدالله خليفة أنها تجربة أولى في الكتابة القصصية، للقاص، وأنه في قصص مجموعته الأولى تجاوز تلك القصة بقصص أكثر نضجاً منها، واعتبر عبدالله خليفة في كتابه «إن ظهور القصة القصيرة الجديدة في البحرين في نهاية الستينات عبر عن البداية الشاقة لهذا الفن في المنطقة»(11)

ومن جهة أخرى فقد تابع عبدالله خليفة كتابة الرواية لدى روائي مصري متميز هو نجيب محفوظ، ودرس دراسة ميدانية عميقة جميع اعماله في الرواية، ومن خلال تلك الدراسة المعمقة أصدر كتاباً نقدياً مهماً لعبدالله خليفة بعنوان «نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية»(12)

لقد اعتبر عبدالله خليفة أن بعض قصص المجموعة الأولى لمحمد عبد الملك اهتمت كثيراً بالوصف الخارجي والسرد التقريري، وجمعت بين واقعية الحدث والتعبير عن الشخصيات المعذبة، والمطحونة كما جاء في الهامش ص 6، واعطى غائية بحثه بقوله «أن اختيارنا لهذا الكاتب ولهذه القضايا الفنية هي عملية حفر مغايرة للمناهج النقدية، التي لا تولي تشكل المدرسة الواقعية أهمية كبيرة»(13)، فالباحث في المجاميع القصصية تناول القص الواقعي بالنقد بأسس نقدية أدبية مستوحاة من النظرية أشتراكية ورؤيتها للأدب والثقافة أو ماسماه النقاد في السبعينات من القرن الماضي» الواقعية النقدية «التي تأثرت كثيراً بتبني طروحات اليسار في النقد الأدبي، لما يتطلبه الواقع العربي، الذي لا يتطابق مع التقسيمات، التي عرفها المجتمع الرأسمالي من تمايز في الطبقات، بل تداخلت الفئات الاجتماعية.

وهذا المبحث أخذ من عبدالله خليفة صفحات كثيرة في الفصل الأول من الكتاب، وضع فيه أوليات تاريخية لبزوغ هذا الفن الأدبي في الأدب البحريني، الذي يعتبر الأدب في تلك السنوات هو الشعر وروايته ونقده، وقد أشار إلى تجربة «إبراهيم العريض» كشاعر وكاتب مسرحية وملحمة شعرية(14) وذكر أيضاً أن الصحافة البحرينية نشرت عدداً من القصص القصيرة بأسماء رمزية أو نشرت تلك القصص غفلاً من الأسماء، لأن الكثيرين في المجتمع كانوا ينظرون لمن يكتب هذا اللون من الكتابة الأدبية بنظرة الأستخفاف، وعبر عبدالله خليفة عن تلك النظرة بقوله «أن الميراث التقليدي الذكوري السائد نظر إلى فن القصة بصورة متدنية»(15)

وبالرغم من النتيجة الواقعية التي توصل إليها عبدالله خليفة في دراسته لواقع القصة البحرينية إلا أنه ظل مؤمناً بقدرات القاص الموهوب على فرض نفسه على هذه النظرة القاصرة للقاص والروائي في المجتمع البحريني في ستينات القرن الماضي.

وتناول عبدالله خليفة كذلك بدايات ناضجة في تجارب قصاصين أوائل في البحرين في الخمسينات، كأحمد كمال، علي سيار، ووصف قصصهم بأن بعضها كان يتضمن «مبالغات ميلودرامية»(16) ولم يكتف بما لديه من مجموعات قصصية للقاص بل كان يستشهد بحوارات أجراها مع القاص محمد عبدالملك وكلما غمضت عليه قضية من قضايا البحث، فكان يضع إجابة القاص، ويشكل منها مادة لإجابات رآها مهمة لأنارة موضوع بحثه ــ فن الرواي ــ لدى هذا القاص للوصول إلى نتائج، حول هوية الراوي، متسائلاً إن كان الراوي في القصص المعروضة للبحث هو القاص نفسه؟ لكنه كان يستشكل ذلك بقوله أن بعض القصص كتبت بضمير المخاطب، أو بضمير المتحدث «أنا» أو بشخص الطفل الذي رأى الواقعة، ليرويها بعد ذلك القاص بلسان الراوي العليم(17).

وتضمن كتابه النقدي ذاك ثمانية فصول وتوطئة وخاتمة، ففي الفصل الثاني تناول ملامح عامة لتطور القصة في البحرين(18) وابتداء من الفصل الثالث، وحتى الفصل الثامن تناول بالدراسة خمس مجموعات قصصية للقاص محمد عبد الملك هي، «موت صاحب العربة»(19)،«نحن نحب الشمس»(20) «ثقوب في رئة المدينة»(21)

واسنتتج من خلال دراسته لهذه المجموعات، ان أسلوب الراوي يتطور مع التطورات الاجتماعية، التي تحدث في البحرين، منذ التحولات الأقتصادية الكبرى، التي حدثت باكتشاف البترول كمحرك اقتصادي بارز في المملكة، ونمو الطابع الأستهلاكي عند الناس، واحتكاكهم بقوميات أخرى من خلال السفر أو من خلال العمالة الوافدة، مما جعلت القاص يطور أساليب القص، لكنه بقي يجسد الواقعية في قصصه في أغلب مجموعاته القصصية، التي تنتصر للإنسان وقضاياه لتحقيق احلامه.

أن كتابة نقد النقد من أصعب الكتابات في النقد الأدبي العربي، لما يتطلبه هذا الضرب من الكتابة من مقدرة على معرفة بالمنقود معرفة كلية، وبأصول النقد وأساليبه ومدارسه وما آلت إليه آخر مدارسه الحديثة، ولذلك فقد بذل القاص والروائي عبدالله خليفة جهوداً كبيرة في ميدان غير ميدانه الحقيقي، فهو قاص وروائي، وكاتب مقال رأي صحفي، لكنه أنبرى لدراسة نصوص غيره ليصل إلى النموذج الخلاق، أو إلى النموذج الذي يختاره لبناء عالمه الروائي والقصصي الخاص به، الذي ينم عن موقف فكري وابداعي في ذات الوقت، فعبدالله خليفة كان مفكراً وصاحب رأي وقد وضع إبداعه الأدبي في خدمة عبدالله خليفة المفكر والمؤمن بالناس لتغيير الحياة نحو الأحسن وجعل حياة الناس أكثر سعادة وكتب أدباً خالداً تعتز به الأجيال القادمة وتأخذ العبرة مما جاء فيه، وتطور أساليبها في الحياة وتذوق الجمال، وجعل الحياة أكثر غنائية بالثقافة والأدب والفنون.

—————————–

هوامش ومصادر

(1) عبدالله خليفة.. الروائي المنحاز لمعذبي الأرض/ مقال لعلي الشرقاوي في جريدة الوطن البحرينية في 27 سبتمبر 2014.

 (2) المصدر السابق ص71 وص52 وص59.

(3) «نكهة الماضي» ص 46المؤلف مهدي عبدالله / الكتاب صادر عن وزارة الإعلام في البحرين/المطبعة الحكومية- 2007 عدد الصفحات 159 من القطع الكبير.

(4) ص85 «نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية/عبدالله خليفة/الدار العربية للعلوم ناشرون-منشورات الاختلاف/الجزائر العاصمة-الجزائر/ط1 2007 ..216 صفحة قطع متوسط»

(5) ص33 «نكهة الماضي» المؤلف مهدي عبدالله / الكتاب صادر عن وزارة الإعلام في البحرين/المطبعة الحكومية-2007 عدد الصفحات 159 من القطع الكبير.

(6) ص 38 المصدر السابق.

 (7) صدرت رواية الينابيع عن دار الأنتشار العربي / بيروت / لبنان/ ط1 عام 2012 عدد الصفحات من القطع الكبير 400 صفحة.

(8) ص43«نكهة الماضي» المؤلف مهدي عبدالله / الكتاب صادر عن وزارة الإعلام في البحرين/المطبعة الحكومية-2007 عدد الصفحات 159 من القطع الكبير.

(9) ص43 و ص29 المصدر السابق

(10) ص5 الراوي في عالم محمد عبدالملك القصصي/ المؤلف: عبدالله خليفة، صدرعن المؤسسة العربية للدراسات والنشر / بيروت ــ لبنان.

(11) ص6 المصدر السابق.

(12) نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية/عبدالله خليفة/الدار العربية للعلوم ناشرون-منشورات الاختلاف/الجزائر العاصمة-الجزائر/ط1 2007.

(13) ص7 الراوي في عالم محمد عبدالملك القصصي/ المؤلف: عبدالله خليفة، صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر / بيروت ــ لبنان.

(14)ص 11 المصدر السابق. (15)ص12 المصدر السابق. (16) ص17 المصدر السابق. (17) ص 26 المصدر السابق. (18)ص29 المصدر السابق. (19) ص45 المصدر السابق. (20)ص99 المصدر السابق.

 (21) ص139، «السياج» ص163 و«رأس العروسة»  ص187 المصدر السابق.

عبدالله خليفة  وتماثيله وفضيلة أن تقول لا في بعض الأحيان!

      رواية «التماثيل» التي صدرت مؤخرا للروائي البحريني عبدالله خليفة، تؤشر لنا مدى أهمية هذا الجنس الأدبي في فهم المجتمع، البحريني، خاصة والمجتمع العربي عامة، الذي ينتمي إليه الروائي ويعبر عنه أدبيا، فالرواية التي يكتبها عبد الله خليفة تحيلنا دائما إلى الحلم، والنظر إلى الواقع من خلال حلم ثري بالصور تبدو من خلاله تفاعلات المجتمع البحريني، وتطور مزاج الناس، وصعود مفاهيم اجتماعية معينة واندثار مفاهيم سابقة كانت سائدة، كما أن الوجوه دائمة التغير والمواقف كذلك، ولا شيء ثابت على حاله مطلقا، وثمة حركة دينامكية، تحرك الأبطال والمصائر، انه يعطيك صورا من واقع الحياة البحرينية لا كما هي بل كما تنبت الأرض الأشجار المثمرة من مكوناتها الأولية، فترى برتقالا وكمثرى وتمرا برحيا، وأوراقا خضراء وزهورا يانعة، وكل ذلك أتى من تراب الأرض، وعرق الناس.

وذلك ما يفعله الفنان الصادق، الحقيقي مع نفسه ومع فنه، شكلا ومضمونا، انه يأخذ مكونات رواياته من شخصيات الحياة البحرينية البسيطة، ويملأها بالآمال والأحلام، وحب الحياة، ثم يجعلها تعيش حياتها، وسط المطامع وصراعات المجتمع، ويضعها على الورق كما هي في نقائها وخبثها، فقرها وغناها، بساطتها وعقدها النفسية، ولا يفوته أن يضع جملة ساخرة هنا ونكتة هناك، وهو يسخر دائما من أبطاله ومن الناس، ومن الحياة، خيرها وشرها.

كتابة عبدالله خليفة الفكهة، تجعلنا نقف أمام مبدع استطاع عبر السخرية، والنكتة، والمفارقة الاجتماعية، والتعليق الفكه، أن ينقل لنا أراءه بالحياة وموقفه من الخير والشر في المجتمع، فهو على سبيل المثال يقدم لنا صديقه ياسين كافود في رواية التماثيل تقديما كاريكاتيرا، فانظر كيف قدمه للقارئ: “كان ياسين كافود غريبا وظهر فجأة إلينا كأنه غدا ممسوسا. صحيح إنه كان طفلا نزقا، كثير الحب للأكل وسرقة البيض والكعك من الدكاكين، لكن أن يظهر بغتة هادئا، صامتا، وينزوي عند الشاطئ، ويتوارى في غرفته، ويدمن القراءة، فهذه كلها كانت علامات لدينا على الخبل”! (ص 5)، أو قوله عنه حين اختار دراسة الطب البيطري في جامعة خارج البحرين: “وسمعت أن بعض أصحابنا حاولوا ثنيه عن هذا التخصص، حيث لم يكن يرسل حينا طائرا أو حيوانا ما إلى العلاج، بل إلى المسلخ أو القدر، ولعل ذلك بسبب شقاوة طفولته وكثرة قتله للقطط والكلاب في الحارة، حيث كان يتفنن في شنقها”! (ص9) أو وهو يصف والده: “لم يكن أبي ذا قيمة في المجتمع، فعامل بسيط أمي ماذا يمكن أن يقدم لابنه”؟ (ص11) أو قول مسؤوله في العمل في المحاكم، وهو يوصيه عن حكمة العمل في وظيفة حكومية: “دعك من كل هذه السوالف، وركز على قبض المعاش آخر الشهر وكفى بالله حسيبا… ثم طوي بشته تحت ساعده وخرج كطائر الفينيق”. (ص12) أو قوله عن يومه الأول في الوظيفة الحكومية: “كان للوظيفة دوي مخيف في حياتي، ويوم أن قبلت واستعددت للخروج لأول نهار عمل، كان اخوتي وأمي وأبي في لحظة تجل تاريخية، أحاطوني من كل جهة، ونظروا لثوبي، وعلقوا على غترتي التي لم تكن مكوية بشدة، وأعطوني عطرا وورقة مالية صغيرة، بعد أن قدموا لي لأول مرة فطورا، ولم يتعاركوا معي”!! (ص15)، أو قوله عن بدرية البدينة التي ستكون المرأة الأولى التي تبيعه الهوى العابر، عند غياب زوجها: “رأيت بدرية تتحامل على نفسها لكي تعبر مسطحا مائيا صغيرا. قلت في نفسي “هذه امرأة تصلح لمثل هذا الشتاء الكئيب”!! (ص17) وهذه البدرية ستكون في السنوات القادمة هي ونسلها من الإناث العمود الفقري لحياته الجنسية، إذ لا يعرف غير نسلها من بنات حواء ليقيم معه علاقة، كأنها لعنة صبت فوق رأسه، يقول عن لقائها الأول بها: “وقد حسبت بدرية أنها معجبة بفتوتي وفحولتي دون خلق الله أجمعين، ولكن المرأة حين تمكنت من الانفراد بها قرب مزبلة الحي، فاجأتني بالسؤال عن السعر، بل طرحت سعرا مرتفعا، وأنا الذي كنت أتسلل إلى غابة الأكواخ وأدفع أقل من نصف روبية وأعتبره قيمة عالية، فإذا بها تطالب بخمس روبيات دفعة واحدة، وهي بذات البرميل من الشحم واللحم المتكدس” (ص19).

ونرى من خلال تتابع الأحداث في الرواية تطور المجتمع البحريني، وتقدمه المادي، بسبب طفرة أسعار النفط في السبعينيات من القرن الماضي، وبروز ظواهر اجتماعية جديدة كمجيء العمال والوافدين من دول آسيوية وعربية للعمل في البحرين، ومن خلال انتشار العمارة والبناء العمودي في البلاد، واختفاء البيوت الصغيرة التي كانت تؤوي العائلات الفقيرة في الخمسينيات والستينيات، وبدلها صارت بنايات من عدة طوابق مؤجرة للعمال الوافدين.

تنقسم الرواية إلى 42 فصلا، والكاتب يستخدم تقنيات روائية متعددة في عمله، فهو يستخدم السيرة الذاتية، فتبدو الرواية كما لو كانت سيرة لحسان يوسف تحكي حياته من الطفولة حتى بلوغه الكهولة لتختم بدخول السجن في قضية تؤدي بصاحبها إلى الإعدام أو السجن المؤبد، وهي أيضا سيرة لياسين كافود غير مكتملة، تحكي صعوده وتحولاته الدراماتيكية من بطل في مجموعة ثورية لم يسمها المؤلف إلى سارق آثار، ومن كاتب تهمه أحوال الناس، ويرغب في جعل حياتهم أفضل مما هي، إلى صاحب مؤسسة صحفية ودار نشر، واعتماده أهم قواعد الميكافيلية الفلسفية والبرجماتية في إدارتها وشعاره الأوحد: الغاية تبرر الوسيلة، وحتى نهاية السيرة، كذلك استخدم الكاتب تقنيات الرواية – اللارواية، فالرواية لا تنهج أي المناهج الروائية المعروفة، بل هي أقرب إلى اليوميات التي يرويها راو عارف بكل شيء، فهو يكلمنا عن وجهة نظره حول الآخرين، ولم يسمح لأحد غيره أن يحدث القراء عن وجهة نظر مغايرة، فنحن لم نعرف من “نرجس” زوجة ياسين دوافع خيانتها لزوجها مع حسان حين كان في السجن وهل أحبته حقا؟! أم الموضوع برمته من خيال حسان، ولا نعرف أيضا ما هي مبرراتها لقبولها به زوجا لابنتها ندى وهو أب أخيها علي منها! والأخير هو ثمرة الخيانة التي وقعت والزوج في السجن، وكذلك استخدم الكاتب في نصه ما يسمى المتواليات القصصية، ضمن النسيج العام للعمل، فهناك قصة علي البحراني الموغلة في القدم، وقصة عبدالحسين العارف بأمكنة الآثار وخرائطها وأسرار تواريخها ومواقعها، حتى تصير هذه المعرفة وبالا عليه فيقضي بالسجن على يد ياسين كافود بدس السم له، أسمعه يخاطب ولده كريم عبد الحسين: ” ماذا فعلت لك؟ لم أقتل أباك بل ياسين هو الذي فعل، دس مواد كيمياوية في أكله، وقلت لك ذلك ولكنك لم تصدقني وقدتني إلى الخرابة” (ص182) والكاتب يستخدم المنللوج الطويل، الذي يحيلك إلى لغة الحلم، ويستخدم الدايلوج، المشبع بكلمات دارجة بحرينية، كأنما ينقلك من تحليقك في السماء إلى أرض الواقع الصلبة.

والرواية، التي أزعم أنها من نوع روايات “الحساسية الجديدة”، التي كتبها كتاب مثل إدوار خراط في نصه الرائع “يا بنات الإسكندرية” و”رامة والتنين”* وأميل حبيبي في نصه “المتشائل” وغيرهما. وأزعم أن الكاتب تجاوز أساليب هذه الحساسية ونجح في نقل القارئ إلى عالم غريب غير معهود، لم يسبق لكاتب عربي آخر أن كتب عنه، أو حكى فيه عن مصير الإنسان، الذي لا يستطيع أن يقول لا للمغريات التي تعرض عليه، ولا يعرف فضاءل أن يقول لا في بعض الأحيان، فلو انه قال: “لا” لياسين كافود منذ أول لحظة طلب فيها منه خدمة، لتجنب كل المصائب التي أحاطت به وأحالت حياته إلى جحيم حقيقي.

تبدأ رواية “التماثيل” بـ “حسان يوسف” ابن العائلة البحرينية الفقيرة، وهو يبحث عن حياة أفضل، له ولعائلته، وتنتهي الرواية به، وقد عاش حياة كاملة في وحل الحياة، فقد عاش موظفا صغيرا في توثيق المحاكم ثم طرد من عمله بعمل خسيس من صديقه ياسين، ودخوله السجن، ومن عابر لذة مع امرأة هوى غليظة تخون زوجها، “بدرية” إلى عشيق لابنتها المتزوجة من صديقه ياسين، ويتردى أكثر من ذلك فيصير زوجا لابنتها ندى، التي أنجبت له فاتن، وهي بعمر بناته، وهناك شك مرير لديه بأنها أخت “علي” ابنه من أمها، ويقضي حياته من سجن إلى آخر ومن تهمة إلى أخرى، وانتهى في النهاية نهاية تراجيدية في المستشفى، والشرطة تلقي عليه القبض بتهم عديدة، أولها الإرهاب وآخرها سرقة أموال، وحيازة لقى وآثار تاريخية تعود للبلاد.

وكما قاده صديق طفولته وشبابه ياسين كافود، إلى ما هو عليه من وضع سيئ، فإنه يطل عليه أيضا في نهاية الرواية كما يفعل الشيطان عادة قبل الموت ليعرض عليه أن ينقذه، مقابل ما يريد أن يمليه عليه، انه يشبه الشيطان الذي يطلب روح من يوشك على الموت ليغلق بوجهه الأمل الأخير برحمة وغفران من الله تعالى، أسمعه يقول له وهو في المستشفى، والشرطة تحيط به: “اندفع نحوي ياسين.. السلامة يا أخي.. لن يخرجك أحد من هذه الحبسة سواي. أصبحت عنقك مهددة الآن. لدي مشروع لا يمكنك إلا أن ترحب به في مثل وضعك البائس من كل جهة.. هذه آخر فرصة لك.. لدي أوراق”.. (ص183) وياسين كافود الذي اشتهر فيما بعد بياسين الفينيقي، قاد صديقه السابق إلى الضياع التام وخسران وظيفته البسيطة بنشر ما كان يزوده له من معلومات عن ملكيات العقارات وأصحابها، في مقالاته وبعد ذلك بنشر مقال باسم صاحبه الصريح، مما دفع إدارة المحاكم للتحقيق معه وطرده من عمله، كموثق في المحكمة، وبعد ذلك أدخله السجن بتهمة بيع الآثار.

رواية تماثيل من الأعمال المتميزة للروائي الرائد عبدالله خليفة، وقد استطاع أن يحرك لقراء روايته الناس الذين عاشوا في البحرين في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن السابق، والذين غابوا في طيات الماضي، وجعل القارئ كأنما يتابع فيلما، بلغة تصويرية شفافة ومقاطع نثرية تقترب في وصفها للشخصيات إلى شخصيات حقيقية، لايزال قسم منهم يعيشون ويمارسون حيواتهم، بعضهم تحول من السيئ إلى الأحسن والقسم الآخر بقي على حاله متبوعا بإدانة الكاتب ورفضه له.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التماثيل/ رواية عبدالله خليفة/ منشورات الاختلاف/ الدار العربية – ناشرون/ الجزائر العاصمة – الجزائر ط1 2007 قطع متوسط 182 صفحة.

انظر البحث حول روايات الحساسية الجديدة، في مقال للدكتور عبدالمالك أشهبون بعنوان “إدوار خراط وقضايا تجنيس النصوص السردية” مجلة العلوم الإنسانية العدد 16/17 سنة 2009 / الصادرة عن كلية الآداب جامعة البحرين ص.40

ذهب مع النفط ..

محاولة للتصالح مع الماضي والمستقبل !

تنهل رواية “ذهب مع النفط” (1) للروائي البحريني عبد الله خليفة، من واقعنا العربي، في الخمسينات والستينات، وما أفرزته الثروة النفطية في دول الخليج العربي من تشكيل لأشكال الحياة، وما فرضته من تعامل وعلاقات بين الناس في هذه البلدان، كعلاقتهم بالفكر السياسي، وكذلك فهمهم المزدوج لهذا الفكر، والتباس الكثير من العلاقات بين السلطة السياسية والفرد، طوال تلك العقود من القرن الماضي بسبب الحرب الباردة، السابقة بين القطبين العالميين، القطب الاشتراكي والرأسمالي، وانعكاس ذلك الصراع على منطقة الخليج العربي، باعتبارها مركز الصراع العالمي على الثروة النفطية، وخضوع المعسكرين للمفهوم الأقتصادي- السياسي الكلاسيكي المتعارف عليه:  من يضع اليد على منطقة  الخليج من المعسكرين، سيضع خصمه تحت رحمته أن شاء خنق اقتصاده، وإن شاء أطلق له آفاق التطور والحياة والرفاه الاقتصادي.

بدا الروائي في عمله الجديد، وكأنه بوضع مشابه لأزمة بطله “سلمان أحمد سلمان”، فهو يعيش هذه الشخصية، بكل تعقيداتها النفسية، وظروفها السياسية والاجتماعية، ويتعاطف معها إلى درجة التماهي، يقول آ.أ.ريتشاردز عن ابتكار المتشابهات في الأدب:  ” أن القدرة على رؤية المتشابهات موهبة يمتلكها بعض الناس دون البعض”(2) والغوص في أعمق ما في أزمة البطل من تناقض، واختلاف، ويصل في فصول من الرواية إلى درجة الرفض، فسلمان يرفض سلمان، حد الإفناء، فهو شخصية فريدة في الأدب العربي، وفي أدب عبد الله خليفة ذاته، ولم اقرأ لهذا الكاتب مثيلا لهذه الشخصية على كثرة ما قرأت له من روايات وقصص، وأعتبر نفسي من المتابعين لأدب هذا الكاتب(3) فشخصية سلمان  في الرواية غير منتمية لواقعها أولا، وغير منتمية لذاتها ثانيا، وقد فاقت (اللامنتمي) في مفهوم الكاتب الانجليزي كولن ولسون  – لوصف الانقطاع الاجتماعي في المجتمعات الغربية-  بأنها غير منتمية لنفسها أيضا، بل هي تنفي ذاتها، وترفضها، وتشعر بالعار من كل ما تقوم به من أفعال، ولا تستطيع أن تحدد ماذا تريد من واقعها أو ما هو حلمها؟!  الذي من أجله لا تزال تعيش، وتأمل بتحقيق وجودها من خلاله.

 تقنيات الرواية

تنتمي تقنيات الراوية، إلى ما تعارف عليه النقاد برواية السيرة، الذاتية، فالروائي مع بطله الرئيسي، في رحلة كشف، مستمرة من خلال فصول قصيرة، تستخدم فيها كل وسائل الروي، الدايلوج والمنللوج، الذي يستخدمه بطريقة مؤثرة في العمل حيث يكون ” للمونولوجات الذاتية- والنقل المباشر، ويكون تأثيرها القوي عندما تستخدم طرائق البوح الشخصي لصالح رسم منسجم، ومتناغم للشخصية بين صوت السارد، وصوت أناه في الماضي، وبصيغ تمهيدية تنزاح عن الصيغ المألوفة، ويتراكب منظوراهما لما هو قادم من العالم الخارجي، وبصيغ تركيبية غامضة أو غير مكتملة والعالم الداخلي للشخصية ” (4) وكذلك الوصف الصوري السينمائي(5) والسرد Narration الذي ينتمي في بعض فصول الرواية المؤثرة، إلى الرواية الفرنسية الجديدة، التي بدأها الآن روب غرييه، والروائية فرانسوز ساغان، وغيرهما، حيث الوصف الشيئي، لما يحيط بالبطل من أشياء، لرسم الأجواء النفسية، وتحولات الواقع حول الأبطال، ورصد تلك التحولات من خلال سيرة الشخصيات المحيطة بالشخصية الرئيسية المحبطة بصنيعها في هذا العالم، حيث يتحول السارد، من خلال الحوار مع الذات إلى واصف أيضا لباقي الشخصيات، ومتحدثا باسمهم، وبالرغم من استخدام الكاتب الوصف الواقعي والشخصيات والأحداث الواقعية، لكنه يصل في نهاية الراوية إلى ما نسميه بالخيال الروائي  Fiction Novelist ومتاهات الرواية اللاواعية، خصوصا في وصفه لكارثة لم تحصل في الواقع، ولم تسجل من قبل كحدث تأريخي في منطقتنا العربية، من خلال، الغرق الكلي لدولة عربية بكامل شعبها في البحر، والتي يتحدث عنها الكاتب في روايته، وأن الانتقال من واقعية نقدية، إلى الراوية الفنتازية، ورواية الواقعية السحرية، التي اشتهر بها كتاب أمريكا الجنوبية كأمثال أستورياس، وبورخس، وماركيز، وغيرهم، هي محاولة من الكاتب لتعميم النموذج الذي طرحه في روايته، وجعله شموليا لا ملامح وطن خاص له، أو لما حدث على أرضه من أحداث واقعية في متنه الروائي.

عصر النفط

يضعنا أسم الرواية في تماس مباشر مع الحدث الرئيسي للرواية، بل أن اسم الرواية، هو العتبة الحقيقية، للمتن الروائي، حيث تضعنا هذه العتبة أمام أسئلة عديدة منها، من هذا الذي ذهب مع النفط ؟!  هل هو الوطن الذي غرق تحت البحر؟!  أم شاهين وهيمنته، السلطوية، الذي يوجه رسالة صوتية في نهاية الرواية من منفى أوربي بعيد ؟!  أم ذهاب ذكورة سلمان أثناء التعذيب، خلال فترة اكتشاف النفط، وذهاب هذه الذكورة يعني بمفهومنا الشرقي للذكورة، ذهابا بيولوجيا للشخص المعني في العمل الروائي ؟!  تبدو صفحات الرواية الأولى من ” ذهب مع النفط ” توطئة لعمل روائي طويل، يحكي عن فترة الخمسينات والستينات، من القرن الماضي ليحكي لنا عن علاقة المواطن العربي، الأكثر وعيا،  بحكومته المحافظة في ظل، صراع دولي مصيري، بين دول الشرق والغرب، حول (النفط) الثروة الأستراتييجة، التي اعتبرت السبب الأول في عدم استطاعة الألمان، ودول المحور الفوز في الحرب العالمية الثانية (1939-1945) لافتقارهم لهذا المنتج الاستراتيجي بكميات كافية، والتي حبي الله بها وطننا العربي بوفرة، حيث بدأت أولى حقوله الأكثر غزارة في العالم في منطقة الخليج العربي تكتشف في العشرينات، والثلاثينات من القرن الماضي، ليكتشف بعد ذلك بعقدين في مناطق أخرى من الوطن العربي.

في صفحات (التوطئة) من الرواية، نجد سلمان أحمد سلمان ضحية السياسة، والمعتقل السابق، والذي أغدق عليه الوضع الاقتصادي النفطي الجديد، مميزات الرفاه المعيشي، لا يزال غير سعيد بل ومهدد وجوده بسبب تطرف ابنه الديني، والرواية تبدأ بـمعزى هذا الابن، وضياع الأب في أحزانه، وإدمانه الشراب ومفردات الرفاه الجديد، الذي يحتقره سلمان في دخيلته أشد الاحتقار، لكنه يعيشه بكل تفاصيله اليومية: “تشنج.  التلفزيون أخرس. الخدم يمشون على رؤوس أصابعهم.  الفضاء أسود. الريف المليء بالفلل والقصور والحدائق، ذو الأنوار الساطعة، لا يراه.  “(6) ويقول معبرا عن ذلك الرفاه الموجع للرأس:  ” ويحاول أن ينهض لكنه لا يستطيع، ويتذكر حشد الخادمات اللواتي كن فئات متعددة بعضها يطبخ وبعضها يغسل وبعضها يتلوى على السرير.  الآن عليه أن يدفع فواتيرهن المتأخرة وتكاليف إجازاتهن”(7)  ويصف منصور صديق سلمان:  ” الأستاذ الكبير سلمان احمد سلمان الذي كتب المقالات والأبحاث عن الفقه والعقل وأصول المحاكمات والقانون الدولي ينهار، ويترك العزاء ويشرب ويشرب بدون خروج؟  ” وبالرغم من كل هذا الوصف إلا أن سلمان لا يشعر بالأمان الاقتصادي ” فالمبدع أو المفكر الذي يعيش في مجتمع، وأسرة ويطلب منه أن يقدم العون والرعاية الصحية والمادية لنفسه وأسرته أو لمن يعول، ولكننا لا نجد على مر التاريخ البشري والعربي خاصة إلا حفنة معدودة من المفكرين والمبدعين استطاعت أن تستمد من هذه المهنة كفايتها المادية “(8) ويقول عنه سلمان للتعريف بصديقه:  ” هذا منصور يعرفه ولا يعرفه، استحما في بركة السجن واصطادا السرطانات للعشاء المحاصر وراء الأسلاك وحين خرجا ظل منصور يعلك الجمل نفسها، ويدخن الشيشة كل يوم  ” (9)

    ومن بداية متن الرواية وحتى نهايتها، يشعر القارئ بالضياع مع سلمان، إذ يضع الكاتب بين أيدينا شريحة اجتماعية متكاملة من الطبقة الوسطى، التي عانت شظف العيش قبل اكتشاف النفط، ثم تغيرت حياتها بعد اكتشافه، ليصير العمل السياسي هدفها، وهي تبحث عن أجوبة لمعنى أن تحيا، وهي في تصادم مباشر ومستمر مع من يمثل رجل السلطة، في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، الذي يمثله المسؤول الحكومي  شاهين، السياسي الذي لديه نفوذه السلطوي، وتجارته، ووضعه المميز في المجتمع، وقتذاك، وشخصيات أخرى مركزية في الرواية كفريدة زوجة سلمان، وابنه أحمد، وأبو سلمان عامل الصباغة، الذي يموت، وهو بكامل صحته بسب سوسة نخرت خشب السلم الذي يعمل عليه، فسقط وهو يتسلق درجاته من شاهق في أحد الأيام،  فاقدا حياته، وأم سلمان التي يقعدها مرض السكر، ويجعلها شبحا ثقيلا، وهي  تدور على كرسيها في أنحاء البيت، راوية بوجودها السينوغرافي في الرواية عصر ما قبل النفط وأخلاقه وأساليب تفكيره.

روايات وقصص لعبدالله خليفة

من شخصيات الروايات السابقة للكاتب عبد الله خليفة، التي تتشابه من بعض الجوانب، مع الشخصية الرئيسية ” سلمان أحمد سلمان ” في رواية ” ذهب مع النفط ” شخصية “حسان يوسف” في رواية التماثيل، (10) بينما تقترب شخصية ” شاهين” في ذهب مع النفط من شخصية “ياسين كافود” فكلاهما شخصيتان تستغلان ظروف التحولات بعد اكتشاف النفط  في دول الخليج، وتستخدمان كل الوسائل الأخلاقية، وغير الأخلاقية للاغتناء، وتأكيد وجودهما من خلال ظلم المحيطين بهما، ففي رواية “التماثيل” كما في رواية “الأقلف” للكاتب وقصص كثيرة من مجموعته “دهشة الساحر” حملها متن المجموعة التي صدرت عام 1997 وقصة (نجمة الصباح) وهي أقرب القصص لما نرمي إليه في دراستنا، ونجمة الصباح، في القصة، هو أسم الجريدة التي يعمل فيها بطل القصة الذي يجرده الكاتب حتى من أسمه، كإشارة ذكية على الانسحاق التام لمهنة الصحافة التي كانت في بدايتها في سنوات الخمسينات، والستينات من القرن الماضي في دولنا العربية: (اثنتان وثلاثون سنة وأنا اعمل في جريدة نجمة الصباح.  كان مكانها في البدء شقة صغيرة وسط السوق.  كانت نوافذ الغرف القليلة الضيقة، التي نعمل فيها، تسرب ضجة المارة والباعة، فترتجف صيحات المشترين، وأبواق الدراجات والسيارات على أوراقنا، يمتلئ المكان بدخان السجائر والعربات وروائح المأكولات الشعبية الساخنة، ويندفع ألينا الصغار لحمل الإعداد، والقراء يفيضون من ينابيع كلامهم. )(11) وهنا يخدع الكاتب بمكر عجيب، قراءه بهذه البداية الضاجة بالحياة، ومفردات الكفاح اليومي الجاد، لصحفي يعمل في جريدة يومية، ولكنها ليست إلا بداية لجذب انتباه القارئ والإمساك به، خصوصا وان الكاتب ينوي أن يفضح حياة كاملة لرئيس تحرير جريدته، الذي بدأ مناضلا يدافع عن حقوق الناس، ويعيش حياة حميمية مع صحفيي جريدته، ويشاركهم حياتهم البسيطة المتعففة ثم تتغير حياته بتغيير مقر الجريدة من شقة صغيرة وسط السوق، ببناية جديدة كبيرة فيها السكرتيرات، ووسائل الراحة، وو..  ويتحول إلى رجل سمين بالكاد يستطيع المشي على رجليه، فيعزل طريقه إلى غرفته عن طريق مصعد خاص، وهي أشارة ذكية أخرى للتحول، الفكري والحياتي عن الناس وهمومهم، والاكتفاء بحاجات الذات وحدها، ولم يره  أحد بعد ذلك إلا فيما ندر، ولا يسمع إلا من خلال أسلاك الهاتف والأوراق، وتحولت كلماته الهادرة فيما سلف إلى كلمات هادئة، ناعمة وأيضا إلى جمل مبتورة !  وعن ماضي رئيس تحرير حين كان ملتحما بقضايا الناس، عندما كان مقر جريدته وسط السوق،  يحدثنا الراوي:  “كانت الأحذية تدوس فوق الأوراق والبقايا .  تحدق في وجوهنا باحثة عن مسامير مضيئة، أو وشم سحري،تقلقل الطاولات التي تئن بضراوة.   وتكاد الأحذية أن تدوس أقدامنا، لكنها تتكاثف وتنهمر فوق باب راشد العلي.  نراه مخفورا بوجوه صلدة، ومسدسات لامعة، يبتسم إلينا ويسخر” ذاهب إلى وجبة خفيفة فهل يريد أحد شيئا ؟  “ويعود بعد ساعات أو أسابيع، منتفخ الوجه، كدماته الواضحة لها إضاءات زرقاء، وخطوط خده كالكثبان محملة بآثار الجنازير الحديدية، والقبل الضارية على حد تعبيره.”(12) أن السمات العامة لرئيس التحرير، هي ذاتها من جوانب كثيرة، السمات الشخصية لياسين كافود في التماثيل وشخصية شاهين في ذهب مع النفط، والكاتب في كل مرة ينظر لموضوع الظلم الاجتماعي وتوزيع الثروة، وقراءة المستقبل في بلداننا العربية من خلال، ما تنتجه مجتمعاتنا من ظواهر وملابسات، ويؤشر عبر تلك الشخصيات المحورية في مجتمعاتنا مناطق الخلل.     

رواية «ذهب مع النفط» والتصالح مع الماضي:

لم تبق شخصية سجين «شرق المتوسط» رواية عبد الرحمن منيف وحدها تمثل بشاعة حياة السجين السياسي العربي، في المعتقل، بل جاءت هذه الرواية لتضيف نموذجا آخر أكثر تأليما للوجدان، والضمير الإنساني، فقد أضر التعذيب والمعاملة القاسية في السجن بطل رواية «ذهب مع النفط» كثيرا حتى أنه خسر رجولته، ولم تفد بعد ذلك كل ما حاوله البطل لاستعادة هذه الرجولة من زيارات مكوكية للأطباء، ووصفات الدواء المختلفة: «الآلام مضنية والأسئلة والدهشة اكبر منها، لأن ما فعله لا يستحق كل هذا العنف. بضعة اجتماعات وبيانات في اتحاد الطلبة في الخارج. لكن الرجلين كانا مستميتين في تمزيقه، الضربات على الخصيتين كانت مروعة، سقط بعدها وخيط طويل من الدم كان ينهمر من قضيبه»(12) وينقل لنا الروائي الصورة، الكالحة، التي بناها المعتقل السابق عن عدوه شاهين، في أيام عذابه السابقة: «ليس ثمة وجه يراه سوى شاهين، كل يوم يغرز فيه نصاله، ويتصور نفسه ذاهبا إليه مخفيا خنجرا في ثيابه..»(13) إلا أن تلك الصورة العدائية تتغير إلى نقيضها، حالما يطلق سراحه فيصير مستشارا قانونيا لشاهين، وكاتبا ليومياته في تصالح أليم مع الماضي، لا يخلو من حقد متأصل إلى درجة الشيزوفرونيا المرضية، والماسوشية التي يحرص المريض بها على تأليم الذات، واهانتها، أقصى درجات الاهانة للحصول على الراحة المؤقتة والتصالح المرضي مع النفس، والمحيط من حوله مبررا ذلك بالحصول على منافع مالية، واعتبارية من علاقته بمن تسبب في آلامه السابقة.

 تقول فريدة معاتبة زوجها سلمان، الذي لم يعد كما كان قبل الاعتقال: «كل مرة تقول ذلك، وتدفعني إلى السرير وتتعرى وتكتسحني بالقبل ولا شيء يحدث…»(14) لتجعلنا في قلب الأزمة الروحية للأسرة التي تزعزعت بهذا التغيير البيولوجي للزوج، الذي يعقبه تغير مواز في علاقة سلمان بشاهين فيقول واصفا جلاده، على أمل التصالح مع الماضي، لتغيير الحاضر، والحصول على نوع من التعايش في ظل المصالحة بين النقائض التي تبدو مستحيلة: « ليس ثمة كرم من أي نوع يا سلمان، سوى عمله الخاص، وحتى السيارة اشتراها من هذا العمل المتدفق عليه بالمال، لكن أن يسلمه شيئا أو يفتح له كنزا فهذا أشبه بحلم، وعليه أن يعاود الركض في قاعات المحاكم وصالات الرقص والشرب يقتنص المتخلفين عن الدفع» (15)

الأقنعة في الرواية

يستخدم الروائي عددا من الأقنعة في روايته، وذلك ليضعنا أمام مستويات مختلفة للحدث الرئيسي، فالابن أحمد هو صورة من الأب سلمان، وفريدة هي صورة أنثوية أخرى لزوجها سلمان في بحثها عن الحياة السوية، والتي ليس في داخلها ما ينبئ على روح التضحية الحقيقية بل هي حالما تكتشف عجز زوجها الجنسي بعد مغادرته السجن، وبعد فترة قصيرة من ذلك الاكتشاف، تقرر الطلاق منه والاقتران بآخر، وقد اعتقلت هي أيضا فيما بعد بسبب عثور الشرطة على أسلحة وأعتدة تعود لابنها المتطرف، في بيتها، الذي تعيش فيه مع زوجها الجديد، فهي صورة أنثوية للزوج السابق سلمان، الذي يعتقد أيضا في قرارة نفسه أنه لم يفعل شيئا خطيرا ليعتقل، أما الابن الذي لا يجده القارئ إلا من خلال والده وما ينقله عنه من أفكار وصور وأخبار، نجده صورة مجسمة لشباب الأب، ماعدا النزعة الدينية، فلدى الأب نزعة باخوسية مهيمنة، ومحبة شديدة لمتع الحياة، وفهم واقعي لمجرى الأحداث من حوله، ونجد ذلك مقلوبا في القناع المستخدم كابن في العمل الروائي: «سمع سلمان أصوات حياة في البيت. منذ مدة طويلة لم يكن هناك سوى أنين الحجر. ولغو الحياة يصدر من حجرة الابن. على العتبة حشد من النعال والأحذية المتهرئة. هذه بشارة الجنون»(16) القناع الآخر المستخدم في الرواية قناع شاهين، فهو الوجه الآخر لرغبات سلمان المدفونة في صميم وجدانه، ولكي يستطيع الأخبار عن أدق أسراره، التي يعرفها سلمان، فقد ابتكر في الرواية تسجيل سيرة لحياة شاهين، يحكي فيها كل ما عاشه شاهين أثناء مراحل حياته المختلفة، ويتساءل شاهين وهو متوتر الأعصاب في أحد فصول الرواية: « ماذا فعلت بكتاب حياتي؟

لم أنجزه. كتبت بعض الفصول الأولى.

هل القصاصات القليلة التي قدمتها تسميها فصولا ؟!

هي بداية مشروع كبير».(17)

الموجة الجديدة

 تتميز رواية «ذهب مع النفط» بتعدد أقنعة السارد، وتنوع الرؤى المطروحة في المتن الروائي، إلى درجة التصادم، وكذلك تنوع التقنيات المستخدمة فمن السيرة/ لا سيرة، إلى الرواية /لا رواية، حيث يتداخل السرد باليوميات، والتاريخي بالمعاش، والأسطوري بالواقعي السحري، وهي تقع ضمن رواية الموجة الجديدة في الأدب العربي(18) حيث لا نجد بينها وبين الأجناس الأدبية المستعملة، فاصلا فهي أيضا متواليات قصصية، وتجد فيها كل شروط القصص المستقلة، لكل فصل من فصولها أو لكل عدد من فصولها، ويربط بين فصولها شخوص يعيدون حكاية ما عاشوه في كل مرة بشكل مختلف، ويمكن اعتبار هذه الرواية من الروايات القليلة التي كتبها الروائي عبدالله خليفة، وهو يضع في اهتمامه أن يكتب نصا روائيا متميزا، ينهل من التاريخ، من دون أن يلتزم بأحداثه، ومن السياسة من دون أن يلتزم بمحدداتها المعروفة، وقد وضع نصب عينيه أن يجعل مداد قلمه، يكتب عن أزمة الإنسان في معايشته، لمتغيرات الواقع السريعة في بلداننا، وكفاحه الدائم للتأقلم مع الواقع، من اجل أن تستمر الحياة، والرواية بالرغم من دراماتيكية أحداثها فهي دعوة للحياة والتصالح مع الذات لصنع المستقبل القادم، وأيضا هي إدانة له باستقراء روائي تنبؤي لما سيحصل في العقود القادمة!

ـــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش وإحالات

رواية ” ذهب مع النفط”/ عبد الله خليفة /الانتشار العربي/ بيروت – لبنان ط1 2010

ص91  فلسفة البلاغة/ أيفور أرمسترونغ ريتشاردز/ ترجمة: سعيد الغانمي-د.ناصر حلاوي/أفريقيا الشرق2002 الدار البيضاء-المغرب.

يمكن مراجعة ما نشره كاتب المقال عن أعمال الروائي عبد الله خليفة السابقة:  رواية الأقلف لعبد الله خليفة حاضر وماضي الكبت الجنسي والتطرف الديني في دول الخليج -القدس العربي العدد 5518 في 27 شباط (فبراير) 2007 – رواية رأس الحسين…رواية إحداثية لعبد الله خليفة عن مأساة كربلاء/ أخبار الخليج/البحرين/ العدد 11271 في 31 يناير 2009 – قراءة في أعمال الكاتب البحريني عبد الله خليفة عن الكاميرا والفلاش باك والحوار بين الذات والأخر -القدس العربي العدد 6238 في 25 حزيران(يونيو) 2009

ص157  لا وعي النص–حسن المودن/دراسة نقدية/المطبعة والوراقة الوطنية-مراكش-المغرب2002.

” لفهم العلاقة بين الصورة السينمائية واستخدامها كتقنية في العمل الروائي راجع ص103 تحت عنوان نسق السرد والنوع الفيلمي من كتاب الخطاب السينمائي من الكلمة إلى الصورة/ طاهر عبد مسلم/ دار الشؤون الثقافية العامة/2005 بغداد- العراق”

(6) ص5… رواية ” ذهب مع النفط”/ عبد الله خليفة /الانتشار العربي/ بيروت – لبنان ط1 2010

(7)  رواية ذهب مع النفط  ص7.

(8) ص116/ الحكمة الضائعة / الإبداع والاضطراب النفسي والمجتمع/ تاليف د. عبد الستار ابراهيم/عالم المعرفة 280/الكويت2002.

(9) رواية ذهب مع النفط  ص 8.

 (10) يمكن مراجعة مقالي عن رواية عبد الله خليفة التماثيل بعنوان:  تماثيل عبد الله خليفة، وفضيلة أن تقول لا في بعض الأحيان ..  رواية لا تنهج المناهج الروائية المعروفة- القدس العربي العدد 6430 في 10 شباط (فبراير) 2010.

(11) ص83  من مجموعة ” دهشة الساحر ” عبد الله خليفة /دار الحوار للنشر والتوزيع /سوريا /اللاذقية/ 1997

(12) ص84  المصدر السابق.  وأنظر مقالي حول هذه القصة وغيرها من قصص المجموعة للكاتب عبد الله خليفة في المقال المنشور –  قصتان مؤسستان للقصة البحرينية الحديثة/ أخبار الخليج العدد 11383 في 23 مايو 2009-

) رواية ذهب مع النفط ص20.

(14) رواية ذهب مع النفط ص 30.

(15) رواية ذهب مع النفط ص 71.

(16) رواية ذهب مع النفط ص98.

(17) رواية ذهب مع النفط ص107.

(18) ويمكن قراءة المزيد عن هذه الموجة في البحث المنشور حول روايات الحساسية الجديدة، في مقال للدكتور عبدالمالك أشهبون بعنوان «إدوار خراط وقضايا تجنيس النصوص السردية» مجلة العلوم الإنسانية العدد 16/17 سنة 2009 / الصادرة عن كلية الآداب جامعة البحرين ص40.

الاقلف لعبدالله خليفة: حاضر وماضي الكبت الجنسي والتطرف الديني في دول الخليج

تعود سنة الختان إلي النبي إبراهيم عليه السلام، والختان ميثاق بينه وبين الخالق، وقد ورد ذلك الميثاق في التوراة في النص القائل: ـ وقال الله لإبراهيم: أما أنت فتحفظ عهدي بيني وبينكم، يخـتـتن كل منكم، فتختنون في لحم غرلتكم، فيكون علامة عهد بيني وبينكم، فيكون عهدي في لحمكم عهد أبديا.

يضعنا الكاتب البحريني عبدالله خليفة في روايته الجديدة الأقلف في إشكالية الصراع العقائدي ـ الديني ـ مع الآخر وما حمله المستعمر الأجنبي لمنطقتنا العربية بداية القرن الماضي مما كان يعتقده ضروريا لتكريس وجوده في منطقتنا لفترة طويلة، فاستخدم الإرساليات التبشيرية، التي باشرت أعمالها من خلال تقديم المساعدات الإنسانية لسكان المناطق، وأغلب تلك الإرساليات جاءت علي شكل بعثات صحية وتعليمية لمساعدة السكان العرب ومن خلال عملها ذلك كانت تحتك بهم فكريا وعقائديا لتغيير قناعاتهم الدينية والفكرية، بالرغم من أن القائمين علي تلك الإرساليات ـ كما يخبرنا الروائي في متنه الروائي ـ غير مؤمنين بما يقومون به من فعل عقائدي وأن عملهم كان ستارا لتكريس وجود دولهم الاستعماري في المنطقة من خلال البحث عن أتباع محليين يمكن تجنيدهم بمختلف وسائل الإغراء، ومن بين تلك الإغراءات، استخدام الجنس من خلال توظيف الممرضات الأوروبيات الجميلات للتــأثير علي الشباب المحليين من السكـــان العرب وتغيير قناعاتهــم الدينية، كما في حالة علاقـــــة يحيي ـ بطل الرواية ـ و ميري الممرضة في مستشفي الإرسالية الأمريكية واللقاءات الغرامية التي كان يشجعها تومسون الكنائسي والطبيب بالمستشفي بيحيي المشرد الذي لا أصل له ولا عائلة، فتجد فيه ميري النموذج الأمثل، للتنصير، وتأتي الرمزية العالية في الرواية عندما يشير الــــــروائي إشــــارة دالة إلي هذا النموذج الروائي، الطفل يحيي الذي وجد نفســـــه بحالة لم تكن مألوفة في مجتمعه، فهو لم يختن كباقي الأطفال في الحي الذي يعيش فيه، فهو أقلف، لا ينتمي إلي ميثولوجيا وعقائد ـ أهل حيه ـ الذين يعتقدون بنجاسته بسبب ذلك.

التطرف الديني

وعبدالله خليفة عندما اختار بطله من عامة الناس ومن أكثر الطبقات بؤسا فقد كان يختار النموذج الذي يصلح لممارسة التغيير الديني عليه (التنصير)، فيحيي لقيط وجدته عجوز صماء وبكماء ـ والكاتب هنا يشير إلي أن لا تأثير للتربية العائلية علي بطله ـ وأننا أمام (نموذج خام) يمكن أن يقع تحت تأثير جميع المؤثرات الفكرية المستقبلية، وحدبت عليه هذه العجوز بعطفها وأطعمته ممــــا تلتقــــط كل يوم من المزابل، وكبر يحيي في كوخ يقع بين أكواخ تمـــــتلئ بعبيد سابقين، وفرق الرقص ومنازل الشـــــاذين وشلل القمار والرجال الازكرت ليتراءى له البحر من الشرق وإلي غرب كوخه تمتد مستنـــــقعات وأكواخ متناثرة وبنايات قلــــيلة ومقابر غريبة ـ ص 5 ـ وبالرغــــم من أن دولة البحريـــــن، جغـرافيا ليست لها مساحة كبيرة وشعبها قليل العدد، وعادة تكون البلدان الكبيرة هي الأكثر مادة للروائي حيث يكون متنه الروائي غنيا بالأحداث والشخصيات والصراعات وتشابك المصالح، إلا أن ـ عبد الله خليفة استطاع أن يجد مادة مضطرمة بالتصادمات الفكرية كصراع الأديان من جهة، وصراع الدين الواحد من خلال معتنقيه، وعادة يكون الصراع بين المتطرف دينيا وبين معارضيه من الديانة ذاتها ومعاناة الإنسان العربي بسبب تراكم أحقاب من التخلف، الثقافي والسياسي، والكبت العام الذي يعانيه الشاب العربي في حاجاته الجسدية والنفسية، وبالرغم من محدودية الأجواء التي ينتقل بها بطل الرواية، والتي لا تتعدي الأميال القليلة، التي هي مساحة عالمه الجغرافي إلا أننا شعرنا ـ بسبب استخدام الكاتب للغة شعرية في السرد وحتي في الحوار ـ اننا إزاء مساحة جغرافية مترامية الأطراف، وفي مجتمع ضاج بالمتغيرات والصراعات والحيوات والمستجدات السريعة وصرخة البطل، توضح لنا مدي الأزمة التي عاناها الكاتب ليكتب لنا نصا كـ الأقلف يعتمد الكثير من وجهات النظر المتعارضة، واستمع إلي صرخة البطل، التي هي في وجه من الأوجه صرخة الكاتب ذاته : أنا لا أنتمي إلي هذا الخوص الكالح، ولقضاء الحاجة في الخلاء، وللأبواب الواقفة علي زجاجات تئن، ونهارات رمضان المقفرة، ولحرق جثث الأطفال بالأسياخ ـ ص 85 ـ ويصاب سكان الحي الذين يعيش بينهم يحيي بالذهول عندما يعرفون بتنصيره، فتسأله عائشة المبروكة مدهوشة :

ـ هل سيعطونك أرضا وبيتا عندما تصير نصرانيا؟

ـ أبــدا ! !

ـ إذن لماذا تعذب نفسك، الناس هنا لا يفهمون ! ـ ص 90 ـ

ومن محاسن المصادفات إني وقعت علي بحث قيم كتبه الروائي عبد الله خليفة بعنــــــوان تطور الوعي الديني في المشرق القديم ہ عالج فيه تطور الوعي الديني في المشـــرق القديم الذي صار فيما بعد وعينا العربي، وقد تناول جوانب البني الاجتماعية والفكــرية وتداخل الظروف الجغرافية بالسيسوتاريخي، ولقد أضاء لي البحث جوانب من أسئلة فكرية كنت أواجهها وأنا أقرأ نصه الروائي، الأقلف ، فمثلا كانت هناك معركة فكرية خفـــية تقع بين (تومسون) مدير المستشفي والذي كان غارقا في جداول خسائر المستشفي المتفاقمة، فعطايا الكنائس البعيدة والمؤمنين فيما وراء البحار شحيحة والمرضي يتدفقون ولا أمل لبروز صور ساطعة لمسلمين يتنصرون وإيمان (ميري) التي كرهت أن يتسرب الإيمان من جداول الربح والخسارة، وأن الحب العميق الذي تعتقده في الإيمان المسيحي غدا سلعة ! والسلعة في العادة تشتري وتباع… والمتابع يري هنا مشكلة حقيقية في فهم البعض للهدف الحقيقي من وراء التنصير للشعوب الأخري التي لها إرثها الديني والعقائدي، وهنا اجتزئ هذا النص من البحث الذي نشره مؤلف الرواية، كأنما يقدم للقارئ الجانب النظري الذي أقام عليه عوالم روايته الإشكالية، فهو يقول فيما يشبه السرد التاريخي لأصل الصراع بين أصحاب الديانة الواحدة : وقد استمر الغليان المسيحي في المشرق، مركز إنتاج الفكر الديني، وظهرت حركات المعارضة المسيحية الكبيرة فيه، مما يعبر عن صراع المصالح، صراع الطبقات، لم توقفه المظلة التسامحية، وعبرت السنطورية عن مهاجمة قلب العقيدة الرسمية التي شكلتها الدولة، فألغت التثليث الإلهي، وهذا ما فعلته الفكرة الأريوسية بإنكار أن يكون المسيح إلها*. ـ وللظاهرة أسبابها التاريخية، فهي كما جاء في كتاب العصور الوسطي للدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور إن حرية الفكر كانت معدومة في الغرب الأوربي في القرن الثاني عشر أو في العصور الوسطي، فالواقع أن هذه الحرية ظلت أقل مما تصورها البعض عليه، وكل ما هنالك هو أن الناس كانوا أحرارا في تفكيرهم وكتاباتهم داخل نطاق تعاليم الكنيسة.

لمـاذا ؟ لمـاذا ؟

تتشابك المصائر في رواية الأقلف إلي حد أن ميري التي تحمل من يحيي تقرر ترك مستشفي الإرسالية لتعيش مع يحيي في كوخ خاص بهما، رافضة إملاءات تومسون عليها بالرغم من أنها في البداية كانت مشاركة رئيسية في المؤامرة التنصيرية ليحيي، واستمع إليها تأمر يحيي ص 71 : ستحمل الصليب في رقبتك وتجهر بدعوتك.. ولن نتحمل نحن أية مسؤولية، لم نخدعك، لم نغرك، وقد تخرج من المستشفي ومن الكنيسة ولا تراني … ، وقد أصابته هذه الكلمات بالوجع، مما اضطرته أن يصرخ: لماذا؟ لماذا؟ فهو من جهة يريد (ميري) ولا يريد أن يكون أي شيء في الدنيا حاجزا بينهما، وهو مستعد لدفع الثمن المطلوب لذلك، فهي صارت تعني له الحياة بمباهجها الحسية والدنيوية الأخري : كالمأكل والمشرب والملبس، وكان ثمة فكر معارض في أعماقه يرفض الذي تطلبه منه ميري، كأنما كان يستمع لمن يتلو عليه آية القرآن الكريم التي يقول فيها الله تعالي : وإذ قال عيسي ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد، فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين *، لذلك جاءت (لماذا) علي لسانه شديدة المرارة والإدانة لما يحدث، وبالرغم من أن مواقف (يحيي) كانت رخوة أمام الإغراءات إلا أنه ولأسباب غير واضحة في النص الروائي أثر بميري أكثر مما أثرت هي به، فهي لم تتخلص من حملها منه بالرغم من الشروط القاسية التي وضعوها لها لتمارس عملها في مستشفي الإرسالية، اسمع تومسون يخبرها بواجباتها ص 111 : ـ أنت يا ميري راهبة قبل أن تكوني ممرضة، لم نحضرك هنا لتقيمي علاقات غرامية فاضحة وشائنة ! منذ أن جيء بهذا الشاب وأنت ملتصقة به.. يمكن أن أبرر علاقتك به قبل أن يتحول، ولكن ما فائدة ذلك الآن؟ .

لقد تعرض (يحيي) للاغتيال من قبل صديقه (إسحاق) بعد أن طعنه بالسكين لأنه بدل دينه، وصار نصرانيا، وهذه التضحية لم تحرك شيئا في نفس تومسون ولكنها غيرت ميـــــري، وفضحت دعاة التنصير أمامها، فالغاية لم تكن دينية خالصة، إنها شيء آخر، إنها مزيج من ترسيخ الاستعمار في البلدان المستعمرة واستغفال الناس في عقائدهم، اسمع يحيي يعاتب ميري ص 129 : ثمة أفكار غريبة شكاكة رهيبة تدور في ذهني لقد صدقتك وإلهك.. ولكنني الآن أشك في كل شيء… أنت لست راهبة الآن.. أنت عشيقة رجل شكاك، لديه كلمة طيبة للبشر .

لقد لخص العلاقة بينهما، فهي ليست مخلصة لروحه، إنها ليست إلا عشيقة تنام في حضنه… لم تفهم التوراة ولا الإنجيل ولا القرآن، ومثلها مثل جماعة المستشفي الذين قال فيهم القرآن الكريم مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمينہہ

مستويـات الروايـــة

الأقلف رواية مبنية علي عدة مستويات، المستوي الأول يقارن الروائي فيه بين اهتمامنا كمسلمين بحياة القطيع وتمجيدها ومنع من يحيد عن القطيع من دون الاهتمام الإنساني بالفرد وبين الغربيين الذين يرون أن القطيع لا يأتي إلا من وحدات بنائية مفردها ـ الفرد ـ الذي يجب أن ينال عنايتهم، والمستوي الثاني يأتي من العلاقة المتشابكة التي إحدي بؤرها حاجات الإنسان وفكره من جهة ومصيره المرتبط بحالة وطنه، ومستوي الصراع الثالث في الرواية يركز علي إدانة التطـــرف بكل أنواعه، فهو يدين ما فعــله المتطرفون حين أحرقوا كـــــوخ يحيي لأنه صار نصرانيا، فلم يــــصب ولكن جدته (مربيته البكمـاء) تعرضــــــت لإصابات خطــــــيرة بسبب الحريق المدبر ص 118 جدته كــــــتلة من الفحم والجمر والألم، آهاتها تكهرب جسمه كله والمستـشفي كائن عليل عاجز ويدينهــــــــم بشخص صديقه إسحاق الذي حاول قتــــله قبل ذلك طعنا بالسكين فأصــــابه بجروح خطيرة، أما المســتـوي الأخير في المعالجة الروائية فقد جاء من خلال متابعة ما يحدث في الشارع من أحداث ونقرأ عن ذلك في ص 161 البذلة تتحد بالرماد، والوجه يسبح في الدخان، والروح تتشكل من الحزن الجارف، والقدمان تتسربان بعيدا عن الحشود الهائجة.. الجسر الرابط بين المدينتين ممتلئ بالعابرين والهاربين والجرحي وفي هذه الفوضي يضطر إلي ترك ابنته من (ميري) لمصيرها ويتساءل متألما ص 168 كيف يتخلي عن صغيرته الآن، ويدعها مثلما تركته أمه للصدفة، وللأيدي العابرة وللمحطات غير المرئية المتوقعة للزمن .

رواية الأقلف للروائي البحريني عبد الله خليفة إعادة تشكيل لماضي وحاضر الكبت الجنسي والتطرف الديني في دول الخليج العربي و ليس فقط في البحرين او لواقع الإنسان المعزول والمحبط الذي لا يملك شيئا لمصيره بل وحتي لأولئك الذين يعتقدون أنهم ملكوا مصائر وأرواح الناس وأفكارهم واكتشفوا في النهاية أنهم ساهموا في لعبة الحياة خيرها وشرها فقط من دون أن يغيروا شيئا في حيوات غيرهم.

رواية بحرينية تدقّ جرس الإنذار لحماية الأسرة الخليجية

نجح الكاتب الراحل عبدالله خليفة (1948 /2014)، ضمن روايته ”اغتصاب كوكب“ في نقل الواقع الأسري الخليجي إلى القارئ من خلال طرحه سير عائلات بحرينية فقيرة، وجاءت معالجاته لأوضاعها من خلال تقاليد الأدب ”الاجتماعي“ الفودفيلي. وهذا النوع من الأدب يركز على السلوك الاجتماعي، وما يبدر من الأفراد من ردود أفعال حول التناقضات الفكرية والسياسية التي يعيشونها.

والرواية تقع في 118 صفحة من القطع المتوسط، وهي قصيرة بالنسبة إلى رواياته الطويلة السابقة. فقد أصدر عبدالله خليفة طوال مسيرته الإبداعية في العشرين سنة الماضية أعمالا روائية من مئات الصفحات.

اغتصاب كوكب

يقدم لنا الكاتب في رواية ”اغتصاب كوكب“ العائلة بتقاليدها وتراثها القيمي، ويضعنا على ميثولوجيا لا تزال تقاوم للبقاء بالرغم من ظروف الأزمة التي يمر بها العالم.

فعلاقات الإخوة والحب العائلي والأنساق الأبوية، التي تعيشها الأسرة، لا تزال تقاوم لتبقى في ظل أزمة أخلاقية وفلسفية يعيشها العالم بالطول والعرض. بالرغم من انتماء عبدالله خليفة إلى المجتمع البحريني كأديب معروف، بل كأول روائي في المملكة، إلا أنه كان مفكرا وصاحب رؤية سياسية وفلسفية، وكثيرا ما اصطدمت رؤاه بآراء وتوجهات معارضين له. ولو كان حيا لعانى كثيرا من ردود الأفعال في طرحه لإشكالية نصية في هذه الرواية تعتبر من التابوات، فالجنس أحد هذه التابوات، في مجتمع محافظ كالبحرين.

فإشكالية الاغتصاب في الوسط العائلي، التي طرحها في هذه الرواية، جعلت إزميله يغور عميقا في جسد الأسرة الأبوية، لينحت فيها أخدودا عميقا.

لم يسرد الكاتب حادثة اغتصاب كوكب من قبل السيد عمران، خطيبة أخيه إسماعيل في بداية الرواية، لمجرد الإثارة بل جاءت بداية مُنفرة، ليبني عليها أحداثا أفقية وعمودية.

يرسم عبدالله خليفة نفسية المُغتصب، وهو يخطط لفعلته، ويصف هذه الرغبة المريضة بـ”عالم كوكب يسيطر عليه يجعل أظافره الحادة تتقلص وروحه تصعد للنجوم“. وليس الاغتصاب الإشكالية النصية الوحيدة في الرواية بل هي تعبير مادي للفكر، المُعبر عن براغماتية – نَفْعِيَّة- سيطرت على سلوكات الشخوص.

أبسن ومحفوظ

الشخصيات في الرواية، سواء، كانت من المتدينين كالشيخ مصطفى وعمران وسكينة، والسائق جعفر، أو من غير المتدينين كمنصور والد عمران وإسماعيل وكوكب والصحفي أحمد، ومريم أخت عمران، التي  ”رأتها كوكب في فندق مشبوه مع سائح أجنبي“، وعدنان اليساري، زوج كوكب السابق، الذي قُتل في ظروف غامضة. يروي السارد ظروف مقتله ”استلف نقودا وماطل في دفعها، فقُتل في مشاجرة بعد أن دفعه الدائن، فسقط على أرض حجرية“.

مبادئ عدنان أثرت في الكثيرين من المحيطين به ”لنستمتع بالحياة، كم مرة سنعيش؟“ وهذا ما فعله الصحفي أحمد أيضا ويشير إليه بـ”غاب طويلا عن البلاد، وحين عاد انعزل في فيلا مع عائلته الصغيرة “.

الروائي وهو يبني شخصياته: كوكب وإسماعيل وعمران، اقتفى آثار نورا في مسرحية بيت الدمية لهنريك أبسن. فكوكب تطلق صرختها عبر مقولة نورا في المسرحية ”لا بدّ للإنسان أن يكون كما يريد، وليس كما يريد له الآخرون، ذاتي ملكي وعليّ أن أعيش لأجلها“.

المرأة الأرستقراطية

ملامح شخصية كوكب من المرأة الأرستقراطية، التي لا تعير اهتماما لحب المقامر، في رواية دوستويفسكي الشهيرة، وكذلك لها ملامح إحسان زوجة محجوب عبدالدايم في رواية ”القاهرة الجديدة“ لنجيب محفوظ. والرواية تحكي سيرة عائلة تعمل في الأرض، فالأب منصور يعمل فلاحا في أرض أجداده التي اغتصبت منهم.

كما طرحت الرواية ثيمتين من خلال المونولوجات غير المباشرة، والسرد المباشر: الثيمة الأولى تدور حول اغتصاب كوكب، وما تبع ذلك من انهيار للعلاقة بين الأخوين عمران وإسماعيل، والثيمة الثانية مهدت لانهيار العائلة، وتدور حول اغتصاب أرض العائلة، وخلط الدين بالسياسة.

ورتب الكاتب لتدهور عمران الأخلاقي، بسبب فرض والده عليه الدراسة الدينية خارج البحرين، بدلا من الانخراط في الجامعة، التي كان يرغب في الانتماء إليها واستأثره بدار العائلة، وتحويلها إلى عمارات لتأجيرها للعمال الأجانب، والانحدار الأخلاقي للمعلمة كوكب بعد اغتصابها من خلال علاقاتها المشبوهة بالرجال.

رواية اغتصاب كوكب تثير أكثر من سؤال حول مصير الأخلاق، ودور الدين، والتأثير السلبي لمن يعتمده في غير محلّه، كاشتغال سياسي على المجتمع. أطلق من خلالها كاتبها الراحل عبدالله خليفة جرس الإنذار لحماية الأسرة الخليجية من خطر البراغماتية والتطرف الديني، وأثارهما السيئة على السلم الاجتماعي.

رواية «محمد ثائرا» أعادت

الحياة لعادات وميثولوجيا مندثرة

ما انتهت إليه رواية «محمد ثائرا» للروائي البحريني عبدالله خليفة، كشف للقارئ الكثير مما لم يعرفه الكثيرون عن السيرة النبوية الشريفة، فالرسول المنتصر هو وجيشه الصغير في موقعة بدر الكبرى وقفوا على البئر، التي ألقوا فيها جثث عتاة قريش وكفارها، بعد قتلهم في معركة بدر الكبرى، ليقول لهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس. هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟» سؤال مرعب تردد صداه في أبهاء البئر التي غاضت ماؤها، وابتلع رمله جثث الكافرين، والروائي يعود بالزمن إلى أربعة عشر قرنا من السنين، فيعيش القارئ نبض حياة الناس في مكة المكرمة لحظة ولادة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، حتى بعثته المطهرة، وقد تميزت الرواية بنثر راق، فوصف الروائي حياة المجتمع الطبقي في مكة قبل البعثة النبوية المشرفة، ونقل القارئ إلى ذلك المحيط الصحراوي، بقيظه وقره، وجوع فقرائه وغنى أغنيائه، وما كان يقع من ظلم على العبيد والإماء والفقراء، والنساء، حتى تشعر بأن الراوي عاش مع هؤلاء القوم، وشاركهم صخبهم في ناديهم، وعبثهم في خيام ذوات الرايات الحمر على أطراف مكة، ورأى كيف توأد البنات، ونقل لنا سيرة محمد بن عبدالله، الغلام اليتيم، وهو يرعى الغنم في وديان مكة، ليساعد عمه في كلف الحياة، وقد كان العم كثير العيال، وما كان يفكر فيه، وهو يرعى غنمه ليتعلم بعد ذلك كيف يرعى الناس، فقد جعلها الله تعالى مهنة لرسوله الموعود يتدرب فيها على ما هيئ له من عظيم الأمور القادمة.

يقسم الروائي عبدالله خليفة سرده في هذه الرواية إلى خمسة وخمسين فصلا قصيرا، وهو التكنيك الذي دأب على استخدامه في معظم رواياته السابقة، ابتداء من الأقلف، التماثيل، ذهب مع النفط، وروايات أخرى غيرها من التي تناولت سيرة الخلفاء الراشدين، وقد أعطت هذه التقنية الروائية للكاتب حرية التنقل السريع بين شخصيات روايته، كما يفعل عادة كتاب السيناريو السينمائي، مما يعطي القارئ صورة شاملة عن الحدث في أماكن عدة في زمن متقارب، كما يتيح معرفة واسعة لدخيلة كل شخصية، ولم يبتعد الروائي عن السيرة الحقيقية لأبطاله بالرغم من أن الرواية غير محكومة بالتوثيق، وغير مسؤولة عن صدق ما ترويه من أحداث، فهي تنقل رؤية الكاتب، حول موضوع مهم آثره على غيره، ليقول لنا عبر ما يمتلكه من فن روائي، ما عجزت عن قوله باقي الفنون البلاغية.

والرواية العربية التي بدأت تميل في عقدها الأخير إلى تسجيل السيرة، وروايتها، إن كانت سيرة الكاتب ذاته، أو سيرة لشخصية مهمة تماهى معها الكاتب، وجعلها تعيش حلمه في الانعتاق من واقع ما، والحلم بواقع آخر أكثر حرية فيه لشخوصه، وهذا بالضبط ما فعله الروائي في هذه الرواية، فنقرأ في الرواية شخصية الرسول الكريم الثورية، التي جاءت في زمن راكد، تتقاسمه امبراطوريتان قويتان هما الامبراطوريتان الفارسية والرومانية، وبينهما مكة البلد الفقير النائي، القليل الموارد، في صحراء جزيرة العرب القاحلة، وقد زهد في احتلاله الفرس والرومان لأنه شحيح الموارد، قاسي الطبيعة، لقد استطاع الكاتب عبر مونولوجات مركزة في داخل الشخصيات، وحوارات بين شخصيات الرواية، وتقنيات روائية سردية، أن يوضح لنا هذا الجانب الثوري في شخصية الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.

يتفاعل السارد والمحكي عنه والمتلقي في صنع أحداث الرواية، فمرة يتحدث السارد فيروي حتى نشعر بأن السارد شخصية من ضمن العمل الروائي ثم يلوح في لحظة ما خلال القراءة أن السارد هو الروائي ذاته، وفي الحقيقة هذه الطريقة من السرد تجعلك في يقظة دائمة، لمتابعة الشخصيات في لحظات تأزمها الذي تعيشه، وتنبهر بشخصيات كالسيدة خديجة الكبرى رضي الله عنها، التي كانت أميرة بحق من أميرات مكة، وكانت قد وضعت جميع أملاكها وأموالها تحت قدمي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لخدمة الدين الجديد، حتى انها في مرة من المرات طرحت ما تملك من مصوغات ذهبية، وحلي ثمينة على الأرض فغطت المسافة بينها وبين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وكانت لكي تنظر إليه تميل برأسها إلى جانب التل الذي صنعته تلك المجوهرات، لكي لا تحرم من رؤية وجه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بسبب تل الجواهر ودنانير الذهب والفضة ذاك، وكانت تقول له، اموالي تحت قدميك فتصرف بها ما شئت.

وفي مقطع مؤثر من الرواية يروي الرسول لزوجته خديجة الكبرى عن الرسالة التي كلف بها من الله تعالى، فتقول له، مصدقة ما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم «والله إنك لرجل خير، تصل أهلك وتعطف على الناس، فأنت الجدير بالنبوة، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله» ص.١٤٣

وتنقل لنا الرواية ما نقلته قريش عن الرسول من شائعات كاذبة لتبرير غرورهم، وصلفهم وتمسكهم بشركهم، فادعوا أن الرسول الكريم عاد إلى شركهم ومجد ألهتهم، واخترعوا له قولا قاله، ووصفا مجد به أصنامهم، بقوله انها الغرانيق العلا، ص ١٧٥ ولكن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، الذي لا يقول إلا ما يوحى إليه من واحد أحد، هيهات أن يقول هذا القول، الذي يدحض رسالته التوحيدية، فانبرى لهم مكذبا ومعه الصحابة، الذين امنوا بمحمد ورسالته السامية.

لقد أحب الروائي عبدالله خليفة شخصياته الروائية حبا جما، وتابع شؤونهم الصغيرة والكبيرة في المتن الروائي مما خلق ألفة حقيقية بين القارئ، وما تعيشه الشخصيات من أحداث، فشخصيات مثل ميسرة، خادم خديجة الكبرى وبلال وعمار بن ياسر، وأبي طالب، وورقة بن نوفل، شخصيات تشعرها تتنفس على الورق، وتعيش الأحداث كأنما تؤدي دورها، الذي قامت به قبل قرون، ولكنها تؤديه هذه المرة على الورق، مخلوقات تتألم وتحلم، وتعيش حلمها، وتصنع نصر الثورة على ما تعيشه قريش من وثنية، وتردي حياة معظم الناس الاجتماعية في ظل بطشهم وظلمهم، للفقراء والعبيد، وانعدام الكرامة الإنسانية للإماء والنساء عامة في ظل جاهليتهم، وفي الجانب الآخر نرى شخصيات كهشام بن الحكم، أبوسفيان، المغيرة، وهم يتنافسون لكي يصير أحدهم ملكا على مكة، ويسافر ابوسفيان ومعه المغيرة إلى بلاد فارس، ويقابلان كسرى على أمل أن يعترف بأحدهما ملكا على مكة من دون ان يكلف نفسه احتلال مكة، وقد حملا إليه هدية، هي «التمر واليقط وسط ضحكات حاشية كسرى» ص ٦٥ لبؤس الهدية، وقلة قيمتها لدى الامبراطور الفارسي، الذي اخبرهما بزهده في بلادهما، وهي الصحراء التي لا ضرع فيها ولا ماء ولا كلأ ولا وجه حسن، واهدى كلا منهما ثوبا، وسط سخرية الحاشية بالتاجرين العربيين.

تبدأ الرواية بولادة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وتتناول حياته في مكة قبل البعثة النبوية المشرفة وبعدها وصراعه مع المشركين في مكة وبعد ذلك هجرته إلى المدينة المنورة، وصراعه وأصحابه في المدينة المنورة مع اليهود والمنافقين، وتتوقف أحداث الرواية بعد معركة بدر الكبرى، وانتصار المسلمين فيها، وتنتهي بجملة معبرة عما حدث بعد ذلك، ومؤشرة لانتصار كبير حققه المسلمون فيما بعد «فتح مكة، ومشى في الملك العريض فقيرا بسيطا عادلا» ص.٢٢٣

رواية «محمد ثائرا» إحدى أهم الروايات التي كتبها عبدالله خليفة، فقد أعادت الحياة لعادات وميثولوجيا مندثرة، كما أن موضوعها السهل والصعب في الوقت نفسه، يصعب على الكثيرين ممن كتبوا الفن الروائي في الوطن العربي، فإعادة الحياة كما فعل عبدالله خليفة في هذه الرواية، لمجتمعات مضى على اندثار عاداتها، ومثولوجياتها، وما كان يعيشه أهل مكة في الجاهلية من أحوال وأفكار وقيم، لهي مهمة عسيرة حقا، وتتطلب من الروائي بحثا دؤوبا لما كتب عن تلك المرحلة، وما كان يعيشه الناس في تلك العهود البعيدة، ومن مزايا الرواية الأخرى أن عبدالله خليفة جعلنا نتلمس شخصية الثائر على القيم القديمة، والظلم الاجتماعي في شخصية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، كما انه استطاع أن يجسد الروح الإنسانية، والأخلاق النبيلة التي اتصف بها الرسول الكريم خلال صراعه مع أعدائه من مشركي قريش.

علي بن أبي طالب شهيداً

شخصية تاريخية في المتخيل السـردي

تتناول رواية علي بن أبي طالب شهيداً للروائي البحريني عبد الله خليفة فترة من التأريخ الإسلامي وسير رجاله غمضت تفاصيلها على الكثيرين، ولم يقتصرالغموض، وأختلاف الروايات على الناس العاديين فقط بل غمضت حتى على الباحثين في شؤون تلك الفترة.

وبالرغم من الكرازيما التأريخية المشعة، لشخصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، التي تناولتها الرواية، وبالرغم من مهارات الروائي الروائية، المشهود له بها، ولغته المؤدية، فقد كتب من قبل رواياته المهمة محمد ثائرا، رأس الحسين، التماثيل، ذهب مع النفط، الأقلف، الينابيع، وغيرها من الروايات والمجموعات القصصية.

إلا أنه في هذه الرواية ظل مغلول القلم، لأنه تعامل مع شخصية كبيرة لا تحيط بها الكلمات، وكان الروائي حائراً لا يعرف من أي جهة يتناول هذا الطود الشامخ.

بسبب سعة أبعاد شخصية الإمام علي، وقوة تأثير سيرته في صنع التأريخ إلى يومنا الحالي، وهكذا شخصية مؤثرة تدخل على العمل الروائي ستحيله حتماً إلى سيرة، مهما أجتهد الكاتب في جعلها كما يريد رواية، تحتمل أحداثها الخيال، والإبداع الأدبي.

مجازفة كبرى

لقد خاض الكاتب بحراً غائر الأعماق، واسع الضفاف، كثير المخاطر، مملوءاً باللؤلؤ والمرجان، والأحجار الكريمة، والأمواج الخطرة، والأسرار، وبأختياره شخصية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، ليكتب عنها فإنه أختار الطريق الأصعب في كتابة الرواية.

فهي أولاً وأخيراً مجازفة كتابية كبرى، لا يجرؤ على الكتابة في شؤونها إلا قلة من العارفين في تأريخ الدعوة الإسلامية، والمتابعين لحيوات أوائل الدعاة إلى التوحيد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقدم على هذا العمل إلا أديب كثير الجرأة واسع الثقافة تجشم عبور المصاعب والمزالق الخطيرة.

ولا تهمه في قول كلمة الحق لومة لائم، وكتابة من هذا النوع، فإنها إمّا ترفع كاتبها إلى ذرى الإبداع أو تطيح به إلى مهاوي اللعن والرجم من قبل كثيرين.

لقد وضعنا الروائي منذ الصفحات الأولى للرواية إمام إشكالية حقيقية، هي قرب الإمام من رسول الله صلى الله عليه وسلم، منذ طفولته، وألتصاقه به، فهو قد كبر في بيت الرسول، وتعلم منه، مما جعل له الكرازيما الدينية والحياتية، المعروفة لنا على مر التأريخ.

وربما ما طرحه النص وما هدف إليه، ويمكننا ان نتناوله كثيمة رئيسية للأحداث، هو ما جاء في بداية الرواية التي يقول فيها منذ كان فتى وهو يقاتل، منذ أن ضحك القريشيون عليه، وهو يرد على النبي صلى الله عليه وسلم حين سأل متصفحاً الوجوه بين عصبتهم من معي ؟ فهتف هو أنا معك ص8

سيف مسموم

فالثيمة الرئيسة في الرواية تتناول هذا الجانب العقائدي والحياتي لشخصية الإمام علي عليه السلام من خلال قوله أنا معك يا رسول الله وهذه المعية هي التي رسمت بقية حياة الإمام في الحياة والرواية.

وما أسبغته على شخصيته من رضا البعض، وحسد الآخرين، الذي تحول إلى بغض وعداوة، والرواية تتناول في خمسة وستين فصلاً حياة الإمام علي منذ طفولته وحتى أستشهاده، بضربة غادرة من سيف مسموم لأبن ملجم أثناء تأديته لصلاة الفجر في مسجد الكوفة خلال شهر رمضان من عام 40 هجرية، بعد أن أغرته قطام بالزواج منها وطلبت أن يكون دم علي عليه السلام مهرها.

وهذه القطام من الخوارج امتلأت بروح العداوة للإمام علي عليه السلام بسبب فقدها لأخيها وأبيها في معركة النهروان، التي خاضها جيش الإمام ضد الخوارج، الذين خرجوا على جيشه بعد التحكيم أثناء معركة صفين ضد جيش معاوية بن أبي سفيان والي دمشق في ذلك الوقت.

وتعددت قراءات الروائي عبد الله خليفة لشخصية الإمام في رواية شهادته، وذلك من خلال، نثر بارع وجمل قصيرة مؤثرة، ووصف شييء، ذكرنا بعين الكاميرا، التي تنقل الأحداث، وما يدور في المدن والبوادي والمداشر من خلال فصول نثرية قصيرة كتبت بروح الشعر.

الفتنة

ومن هذه القراءات، نقرأ الإمام كفدائي يحمي رسول الله بالنوم في فراشه ليلة هجرته المشرفة إلى المدينة المنورة، وأعتماد الرسول عليه صلى الله عليه وسلم برد أمانات أهل مكة، التي كانت مؤمنة لدى الرسول الكريم لهم قبل هجرته.

وهي قراءة مستقبلية لحياة الإمام عليه السلام كأمين على عقيدة المسلمين وأموال الناس، لأنه جعل حياته فداء لرسول الله أو بمعنى آخر جعل نفسه فداء للدين الاسلامي من خلال فدائه لحياة الرسول وصار أميناً على أموال الناس، أي على حياتهم الدنيوية، التي تركها الرسول صلى الله عليه وسلم في عهدته.

يمر على هذه القراءات من خلال حوار أو سرد أو يرد تضمينا في الرواية، ويقرأ ما عاشه الإمام من ظروف أجتماعية وثقافية وتأريخية مختلفة قبل الهجرة وحتى نهاية العقد الرابع الهجري.

ونقرأ في تلك الفترة ظروف الفتنة إلتي أدت إلى أستشهاد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأرسال الإمام علي عليه السلام لولديه الحسن والحسين عليهما السلام للدفاع عن عثمان رضي الله عنه، وأجتماع المسلمين على مبايعة الإمام علي خليفة للمسلمين بعد تمنع منه على قبولها.

ورسم الروائي بالكلمات المؤامرات والدسائس التي حيكت في المدينة المنورة لخلق الفتنة بين المسلمين بعد أستشهاد الخليفة الثالث، فيقول قال بن عامر نعم ، نعم ولكن من نحن؟ نريد وجوها كبيرة من الصحابة، يثيرونها معنا، ودون معاوية والزبير بن العوام وطلحة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، فلن تستعر النار ص31

الحكم والمال

وتقع حرب الجمل، وبعد ذلك حرب صفين بين معاوية الطامح بالخلافة وعمر بن العاص من جهة وجيش الامام علي عليه السلام، ويؤكد الكاتب عدم تكفير الإمام لخصومه، وأعتبرهم مجرد عصاة لحق طاعة أمير المؤمنين.

ويستخدم الروائي تقنيات المنللوج والدايلوج بمهارة، وينتقل من رسم أجواء المعارك، وما يدور فيها إلى ما يدور في خيام المحاربين ليلا من أحاديث، وينتقل بالقارىء إلى مدن البصرة ودمشق والكوفة، لينقل له من خلال أزقة هذه المدن وحواريها ما يدور على لسان العامة من أحاديث وتعليقات.

ولا تهدأ المؤامرات في مختلف أنحاء الجزيرة العربية والشام، والعراق منذ تولي أمر المسلمين الإمام علي عليه السلام، ويحلل الروائي أسباب ذلك على لسان أحد أبطال الرواية الناس لن يكونوا مع علي، الناس تافهون، متكالبون على المال، ينشدون للصلوات، يصومون بصبر، لكنهم عبيد للثروة والحكم ص173

وقد سأل رجل عليا كرم الله وجهه ما بال المسلمين أختلفوا عليك، ولم يختلفوا على أبي بكر وعمر؟ فقال لأن أبا بكر وعمر كانا واليين على مثلي، وأنا اليوم وال على مثلك.

وما قاله الإمام واضح لا يحتاج إلى تفسير كثير، أن الوازع الديني عند الناس ضعف، وتكالبت النفوس على المغانم، وطمحت إلى السلطة، والحكم من أجل جمع المال، والتمتع بمباهج الحياة.

الغياب

لقد تشابكت المصائر في الرواية جهينة، عمار بن ياسر، الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام، الأشتر والي مصر وأحد أصحاب الإمام علي، الذي سُمم في البادية ومات قبل أن يصل مصر، لتقع مصر غنيمة سهلة بيد عمر بن العاص ويصير واليها.

ويذهب والي البصرة عبد الله بن عباس في أوج فتنة الخوارج إلى الحج، تاركا المدينة للمتآمرين، أمثال بن ملجم وجماعته لتعيث في المدينة، وتؤلب الناس على عصيان الخليفة الشرعي.

نقلت الرواية بمنللوج طويل ما كان يفكر فيه الإمام علي عليه السلام عقب إصابته يفكر كيف أنه قاوم كل هذه السنين وسار مسافات شاسعة في فجاج الأرض، والعمل والعلم، ولم يزالوا بعد لا يقرأونه ؟ ثم غاب 268 ص، وهو الفعل الأخير الذي أختتم به الكاتب روايته، وهي خاتمة في غاية الرمزية والروعة، تليق بشخصية كبيرة كشخصية الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.

ويروى أن الحسن عليه السلام صبيحة تلك الليلة خرج ينعى للناس خليفة المسلمين أيها الناس انه قتل فيكم رجل كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يبعثه، فيكتنفه جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فلا ينثني حتى يفتح الله له . وما ترك لأهله غب أستشهاده إلا ثلاثمائة درهم .

روي أن معاوية سأل ذات مرة ضرار الصدائي أن يصف له علي بن أبي طالب، فقال الصدائي تتفجر الحكمة من جوانبه والعلم من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان والله غزير العبرة، طويل الفكرة.

يحاسب نفسه إذا خلا، ويقلب كفيه على ما مضى، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، يعظم أهل الدين ويحب المساكين، وأشهد لقد رآيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل في محرابه قابضا على لحيته.

يتململ تململ الملدوغ، ويبكي بكاء الحزين، ويقول يا دنيا غري غيري، إلي تعرضت أم إليك تشوقت، هيهات هيهات قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك حقير. آه من قلة الزاد وبعد السفر، ووحشة الطريق. فبكى معاوية، وقال رحم الله أبا الحسن، فوالله لقد كان كذلك .

رواية حداثية لعبدالله خليفة عن مأساة كربلاء!!

روى عبدالملك بن عمر الليثي في احد المجالس عن اضطرابات العهد الأموي وفتنه فقال: رأيت رأس الحسين بن علي رضي الله عنهما بالكوفة في دار الإمارة بين يدي عبيد الله بن زياد، ثم رأيت رأس ابن زياد بين يدي المختار الثقفي، ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير رضي الله عنهما، ثم رأيت رأس مصعب بين يدي عبدالملك بن مروان!!

حركة الرؤوس وتناوبها في العرض تطورت فيما بعد وما عادت في عصر الدولة العباسية تحمل على الرماح كما في العهد الأموي!! بل استخدمت لحفظها صناديق خشبية صغيرة مزخرفة بأجمل الزخارف ويحملها فارسان!! وتنقل تلك الصناديق إلى مجالس الخلفاء ثم تفتح في مجالسهم ووصل التطور بعد ذلك إلى تسجيل لحظات القتل بأفلام الفيديو وعرضها فيما بعد لإثبات ما قام به القاتل لينال جائزة ولي النعمة!!

رواية (رأس الحسين) للروائي البحريني عبدالله خليفة نهلت من هذا التاريخ الدامي برؤية عصرية (حداثية) لما يحدث في أيامنا الحالية وقد كتب الروائي روايته مستفيدا من القالب السردي والحواري الذي يتيحه فن الرواية، وكذلك اللغة السينمائية،لتغطية أحداث امتدت لأربعين يوما بواحدة وأربعين لوحة سردية، هي كل ما تضمنته الرواية من سرود، وإذا استثنينا اللوحة الأولى التي تبدأ بذبح الشهيد بسيف الشمر بن ذي جوشن أحد قواد عبدالله بن زياد الذي انتدب من خليفة الأمويين يزيد لمحاربة الحسين عليه السلام، فيكون لكل ليلة من ليالي حمل الرأس إلى دمشق ومعها سبايا العلويين حتى اختفاء الرأس الشريف، لوحة أدبية سردية لكل يوم من أنفس ما قرأت في أدب الرواية العربية الحديثة!!

وأعجب كيف تمر رواية كهذه من دون اهتمام نقدي مهم، ويبدو لي أن هذا كان لسببين الأول أن الكاتب من إحدى دول الخليج التي ينظر إليها على أنها لا تنجب مبدعين، وأنها مكان لتصدير النفط فقط!! والسبب الثاني أن الموضوع الذي بنى عليه الكاتب روايته موضوع خطير، وقد كان ظاهرة سياسية واجتماعية لتحول النظام العربي من حكم الشورى إلى حكم بني أمية الوراثي، الذي لا يزال حتى هذا اليوم مدعاة للجدل والاختلاف بالرغم من مضي أكثر من ثلاثة عشر قرنا على ذلك التحول السياسي وما تبعه من إراقة دماء المسلمين وتشرذمهم وتحولات اجتماعية في بقعة واسعة من الأرض انتشرت فوقها الدعوة الإسلامية.

لقد كان من بين السبايا الذين حملوا في قافلة لم تمر في تاريخ العرب أحزن من مرورها على قلوب من رأوها تمر بهم من أهل القرى والمداشر التي مرت بها القافلة: رباب زوجة الحسين الشهيد عليه السلام وأخته السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب عليهما السلام وما تبقى من أبناء الإمام الحسين: زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام، وما تبقى من أطفال ونساء شهداء العلويين في كربلاء في يوم العاشر من محرم عام 63 هجرية ليعرضوا على خليفة الأمويين يزيد بن معاوية، لإثبات قتل الثائرين بالدليل القاطع وللحصول على جائزة الخليفة الأموي..

تتناول الرواية هذه الحقبة الدامية من التأريخ الإسلامي، وهي فترة تحول لنظام كامل استمر من هجرة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة وحتى نهاية العصر الراشدي باستشهاد آخر الخلفاء الراشدين على بن أبي طالب كرم الله وجهه واستتباب الأمر لمعاوية بن أبي سفيان والي دمشق الذي أنشق على الخليفة الشرعي، وتولى الخلافة بعد تنازل سبط علي بن أبي طالب الحسن رضى الله عنهما عن الخلافة لغريم أبيه حقنا لدماء المسلمين.

الرواية تبدو لنا كعمل فني له شروطه الموضوعية الداخلية المتعلقة بالشكل الذي تبنى عليه وكذلك على الآليات التي عمل عليها الكاتب ليقول لنا شيئا عما يحدث في عمله سلبا أو إيجابا موافقة لما يحدث أو رفضا، وتشعر بكل ذلك من لغة الخطاب الروائي وحمولاته وطرائقه في طرح أرائه، وتشعر به من توتر الحوار بين الشخصيات، والمنلوجات التي تدور في داخل كل عنصر داخل العمل الروائي، ومن خلال عين الكاميرا التي تنتقل بك من مشهد إلى آخر لتوضيح أمر ما أو لمواصلة السرد الحكائي من خلال لغة وصفية متقنة تجسد لك ما يحدث، ومقربة لك وسائل اتخاذ القرار مع أو ضد ما يحدث ومن بعيد ومن دون تدخل مباشر في ما يحدث.

ويبدو أن صعوبات جمة رافقت الكاتب في عمله الروائي المهم منها أنها تنهل من الموروث التاريخي الذي يعود بالقارئ إلى الوراء لأكثر من ثلاثة عشر قرنا وعلى الكاتب أن لا يجعل القارئ يتأثر بالتاريخي ليهيمن عليه تماما بل يشرك الفعل الروائي في التأثير حتى يبقى العمل إلى النهاية عملا فنيا وليس عملا تسجيليا يحكي وقائع التأريخ المعروفة. لكن الروائي وفق تماما في جهده الكبير وأعطانا رواية حقيقية تنهل من وعاء التاريخ الضخم وتصهر فيه الأفكار المعاصرة عن الظلم والتضحية ودور الكلمة المقاتلة في دحض الباطل وكشف زيفه.

شخصيات كالمهرج والشمر بن ذي جوشن ومعاوية الثاني بن يزيد ولي عهد يزيد وهند زوجة يزيد التي لم تحتمل ما فعل الأمويون بالحسين الشهيد وأهله ومن استشهد معه فأقدمت على الانتحار بإلقاء نفسها من فوق أعلى جدار في قصر الخلافة، وذلك الكشف الأدبي لدواخل شخصية يزيد بن معاوية التي تتذبذب بين حسيتها كشخصية تميل للحياة بمباهجها ملغية دورها الآخر المطلوب منها كخليفة للمسلمين ودوره المفروض كولي لأمورهم وبين منافسة بقية كبار الأمويين الذين ينتظرون فرصة سانحة لتجريده من ولاية أمر المسلمين لفخذ آخر من بني أمية،وكان أمله أن يختفي إلى الأبد ما حدث للحسين عليه السلام ويطويه التاريخ بسرعة ولا يذكره أحد!! يقول عن ذلك يزيد في ص169: لابد أن يحدث كل شيء بلا ضجة.. وتختفي السيرة وينقطع القص، لا بد أن ينهي حدث الحسين هذا إلى الأبد.. يطويه من ذاكرة الأجيال، يختفي وكأنه لم يكن، الروايات يختفين واحدة بعد واحدة، ومشاهد الموت والقتل والعطش تتوارى من ذاكرة البشر!!) ولكن لا يختفي شيء وهذه الرواية تحكي مجددا ما دار في ذلك العهد البعيد، يقول الحاجب لسيده يزيد بن معاوية عن الشمر قاتل الحسين عليه السلام:

– سيدي ذلك الشمر العراقي لا يزال يعود كل يوم يطلب مالا وجهه في المدينة يثير كل الذكريات الكريهة، إنه شبه مخبول وصار يثرثر في المجالس ويروي بطولاته.

يأمره يزيد:

– اضربوه وأرجعوه إلى العراق، ليتوار هذا الشمر هناك في احد البيوت..!!!

أما حمزة الذي كان مهرجا في اللوحة الأولى من الرواية ليزيد وذهب في الحملة التي وجهت لحرب الحسين عليه السلام فقد عاد برجل واحدة من المعركة وقد تحول إلى راو لفجيعة ذبح الحسين وأبنائه وإخوته رضي الله عنهم جميعا، وقد صار كما تصفه اللوحة 40 في الرواية :حمزة يعمل ستارة وشموعا وظلالا ويحرك عليها خيالات يزعم أنها يزيد والشمر والحسين ويقوم بإثارة الناس، وقد أمسكه الحراس ووضعوه في الحبس..

الصراع التراجيدي الذي يشعر به ابنه معاوية الثاني وولي عهده يجعله يحاول اغتيال أبيه انتقاما للحسين عليه السلام ولكنه لا ينجح فيسجنه الأب في أكثر سجون دمشق أذى ووحشة!!

رواية (رأس الحسين) عمل روائي مهم، كتب بلغة شفافة وتمكن واضح في فهم آليات الرواية الحديثة وصهر الروائي كل ما له علاقة بالحادثة التاريخية في متنه السردي واستطاع كاتبه عبدالله خليفة أن يجعلنا نقتنع أننا نقرأ حوادث معاصرة تحدث كل يوم وكما يحدث في الرواية رأس الحسين حين تحدث الرأس المقطوعة عما ينبغي أن تكون حياة الناس وما ينبغي لهم أن يفعلوا ليقفوا في وجوه الظالمين كما أنها حدثتنا بلغة معاصرة وفن راق عما يحدث اليوم وما ينبغي فعله، في عالمنا الحالي المترامي لثائرين ورجال رفضوا الظلم ولم يرضوا بما قسمه لهم زمنهم الأغبر من نوائب ورزايا وفضلوا الشهادة على العيش الذليل!! ولهذه الأسباب وغيرها يمكن الإجابة عن سؤال ملح: لماذا لم يرحب برواية رأس الحسين لعبد الله خليفة كما يجب؟!!

في اعمال الكاتب البحريني عبدالله خليفة: عن الكاميرا والفلاش باك والحوار بين الذات والأخر

يطل علينا (شريف) بطل قصة (الخنفساء)، من مكان جلوسه، وهو ينظر إلى الحياة التي عاشها نظرة مودع لهذه الحياة المقززة: (يجلس شريف في حنجرة احد الأزقة الجانبية، باديا كتمثال نصفي للانتظار والصبر والدهاء، جالسا فوق صندوق فواكه فارغ، حاشرا ساقيه داخله، مشعلا سيجارة لا تكاد تنطفئ، محدقا في الشارع المضيء بعين، وفي الزقاق بالعين الأخرى). وهذا الشريف يذكرنا ببطل آخر لقصة أخيرة، حملها متن مجموعة (دهشة الساحر) للكاتب نفسه، صدرت عام 1997 اسمها (نجمة الصباح )، ونجمة الصباح، في القصة، هو اسم الجريدة التي يعمل فيها بطل القصة الذي يجرده الكاتب حتى من اسمه كإشارة ذكية على الانسحاق التام: ( اثنتان وثلاثون سنة وأنا اعمل في جريدة ‘نجمة الصباح’. كان مكانها في البدء شقة صغيرة وسط السوق. كانت نوافذ الغرف القليلة الضيقة، التي نعمل فيها، تسرب ضجة المارة والباعة، فترتجف صيحات المشترين وأبواق الدراجات والسيارات على أوراقنا، يمتلئ المكان بدخان السجائر والعربات وروائح المأكولات الشعبية الساخنة، ويندفع الينا الصغار لحمل الاعداد، والقراء يفيضون من ينابيع كلامهم). ص83 وهنا يخدع الكاتب بمكر عجيب، قراءه بهذه البداية الضاجة بالحياة ومفردات الكفاح اليومي الجاد، لصحافي يعمل في جريدة يومية، وأنها ليست إلا بداية لجذب انتباه القارئ والإمساك به، لئلا يفر منه، إلى اهتمام آخر، خصوصا وان الكاتب ينوي أن يفضح حياة كاملة لرئيس تحرير جريدته! الذي بدأ مناضلا يدافع عن حقوق الناس، ويعيش حياة حميمية مع صحافيي جريدته ويشاركهم حياتهم البسيطة المتعففة ثم تتغير حياته بتغيير مقر الجريدة من شقة صغيرة وسط السوق، ببناية جديدة كبيرة فيها السكرتيرات، ووسائل الراحة، وو.. ويتحول إلى رجل سمين بالكاد يستطيع المشي على رجليه، فيعزل طريقه إلى غرفته عن طريق مصعد خاص، وهي اشارة ذكية أخرى للتحول الفكري والحياتي عن الناس وهمومهم، والاكتفاء بحاجات الذات وحدها، ولم يره أحد بعد ذلك إلا فيما ندر، ولا يسمع إلا من خلال أسلاك الهاتف والأوراق، وتحولت كلماته الهادرة فيما سلف إلى كلمات هادئة، ناعمة وأيضا إلى جمل مبتورة.

وعن ماضي رئيس تحرير حين كان ملتحما بقضايا الناس،عندما كان مقر جريدته وسط السوق، يحدثنا الراوي: (كانت الأحذية تدوس فوق الأوراق والبقايا.تحدق في وجوهنا باحثة عن مسامير مضيئة، أو وشم سحري، تقلقل الطاولات التي تئن بضراوة. وتكاد الأحذية أن تدوس أقدامنا، لكنها تتكاثف وتنهمر فوق باب راشد العلي. نراه مخفورا بوجوه صلدة، ومسدسات لامعة، يبتسم إلينا ويسخر’ذاهب إلى وجبة خفيفة فهل يريد أحد شيئا؟’

ويعود بعد ساعات أو أسابيع، منتفخ الوجه، كدماته الواضحة لها إضاءات زرقاء، وخطوط خده كالكثبان محملة بآثار الجنازير الحديدية، والقبل الضارية على حد تعبيره.) ص84

الرجل الخنفساء (شريف) الذي يحمل الاسم الذي لا يدل على مضمونه! كعادة (عبد الله خليفة) في كثير من قصصه القصيرة، وبالذات في مجموعتيه: (دهشة الساحر)1997 و ( سهرة ) 1994 وغيرها مما كتبه هذا القاص،فالتسميات تحمل وظيفة فضح عكسية، فراشد العلي، ليس راشدا في النهاية، ببيعه مبادئه لقاء مبنى كبير، وسكرتيرات ومجموعة من الراقصات والمشبوهين، عند باب غرفة مكتبه، و’شريف’ بطل قصة الخنفساء، ليس شريفا في سلوكه العام المجتمعي، بالرغم من تعاطف القاص معه في مأساة توحده وإحباطه، وعجزه بفعل بلوغه الستين من العمر وهو بلا ولد ولا تلد، وكلما احتاج مالا اتصل بمن كان رفيقا له في أيام الشباب، وهدده بالفضح، ولأنه سيء السمعة فان أولئك الأصدقاء القدماء يبعثون له بالمال اتقاء لشره وشر فضح مغامراتهم حين كانوا شبابا.

يقول عنه السارد: (لا يدع سيارة تهربُ من نظراته. هذه تـُنزلُ امرأة قرب زقاق، وتلك تضع كتلةً كبيرة مغطاة من علب البيرة التي تـُباع في السوق السوداء، فرمضان قادم، وثمة شاحنة ورجال غامضون ينزلون في أحد الدروب، وبعدها ستنزلُ أسعارُ الحشيش! لا يستطيع أن يشرب، كما في ربيعهِ الأول، حيث سكب أنهاراً من الزجاجات ذوات المياه البيضاء الناصعة، والآن يكتفي بزجاجة واحدة مع دجاجة مشوية).

ويحدثنا الراوي متهكما من حياة بطله السابقة: (وما أروع تلك الليلات! حين يلبسُ ثوبه، ويضع عقاله الفخم، مخفياً إطلالات صلعته المهيبة بعدئذ، ومتعطرا، وغازياً لأحدَ البيوت الغامضة في غابةِ الأكواخ الواسعة، محدقاً في وجوه الشباب والنسوة.. تدورُ الكؤوس، ويتصاعدُ الغناءُ كاللهبِ في الأجسادِ المنهكةِ عشقا، وتتعانقُ النظراتُ والرغبات، ويندلعُ الحريقُ قرب الفجر، فتغدو الأجسادُ النازفة طيوراً تسبحُ في الملكوت!) واضحة لهجة التهكم من ضحايا الحريق الذين سيغدون طيورا سابحة في الملكوت! وربما لبطل القصة (شريف) يد فيما حصل للضحايا!!

في قصة نجمة الصباح، ‘سامر’ الذي لا يسامر أحدا من رفاق أبيه السابقين، الابن الذي يرث أباه ‘راشد العلي’ ويؤول كل شيء إليه، وتؤول إليه حتى العزلة التي فرضها أبوه على نفسه، يحدثنا بطل القصة الصحافي، الذي بلغ به الإحباط والتهميش، أن الكاتب تركه من دون اسم، فهو ذاكرة، مجرد ذاكرة تروي ما حدث بكثير من الألم والحسرة والشعور بالفجيعة، تقول لنا تلك الذاكرة متحدثة عن ‘سامر’ حين كان طفلا: كان العلي يقود ابنه إلينا الآن. كان سامر قطعة من القمر، وحلوى متنقلة، لكنه لا يتكلم، لا يضحك، لا يصرخ كالأطفال، يمشي وراء أبيه، كالظل المقطوع، ويبكي إذا كلمه احد، ولذا لم يكن احد يلمس تلك المزهرية الشفافة). ص86

يستخدم القاص في قصتيه آليات قص مدهشة ومتنوعة: عين الكاميرا، الفلاش باك بعودة مدروسة للماضي لتزيد من تأثير وقع النهاية على القارئ، الدايلوغ مع الذات والآخر، ومحاولة خلق ذاكرة صورية بين أول مفتتح للقصة، وآخر كلمة فيها، لطرح التجربة كاملة للمتلقي، ومن كل جهات الرصد الممكنة لأبطاله! نستمتع كثيرا باستعادات الصحافي لحياته السابقة، في ‘نجمة الصباح’، حتى حين يتخذ القرار بقتل رئيس التحرير الجديد ‘سامر’، الذي وجده في حفل ماجن يرتدي ملابس النساء، ويرقص وسط حلقة من مضاغ اللبان، المصفقين بتمايل، وهو ينحني ويقترب من أفواههم وأيديهم ويغني..ص 89 واستعادات الراوي لحياة ‘شريف’ السابقة في قصة ‘الخنفساء’ التي يقول فيها: وما أكثر ما اشتغل في النهار ليوفر ثمن اللذة في الليل. تعب البحرُ من مجاديفه وعرقه وضربات أقدامه. هلكت أسماكٌ لا تحصى من حرابهِ وبطشه. لم يحب البحر، ولعله لم يحب أحداً أو شيئاً سوى نفسه، وحتى نفسه كرهها كثيرا، وأرادَ أن يبطشَ بها، لولا أنه فضل شاي الصباح وخدود الفتية.

وتعبَ البرُ منه أيضا، كلُّ قطعةِ حجر رأتْ هذا الجسدَ القصيرَ القوي الباحثَ عن أعشاشِ الطيور منحشراً في المزابل يستخرجُ أي قطعةٍ تــُباع، ملتقطاً أي صبي يلقيهِ في بيع المسروقات..

ظل سنوات طويلة محني الظهر فوق الملابس المكرمشة. المكواة الساخنة هي صديقتهُ العريقة. رحلتْ كلُ الأيام ولم يجن أي ثروة، تبخرَ كلّ المال، رغم حرصهِ الشديد عليه، يضعهُ في أمكنةٍ لا يستطيع الجنُ الأزرقُ الوصول إليها، في مروحة، تحت بلاطة، في تلفزيون، في دجاجة متجمدة.

ان المصير للبطلين، في القصتين واحد فالصحافي، في ‘نجمة الصباح’ الذي يبدو أن مجيء سامر كرئيس جديد للتحرير، بدلا عن أبيه والذي، أعاد سيرة أبيه الأخيرة في الانعزال عن محرريه، واتصاله بهم عبر الأسلاك والسعاة والكوابيس، حتى حدوث هزة في المبنى، وعن هذه الهزة التي نراها بشكل صور متتابعة على حياة، ذلك الصحافي من خلال، وحدته في بيته، وتنبئنا ضمنا بطرد تعسفي من العمل لهذا الصحافي بالرغم من عدم التصريح، بذلك الفعل بل نجده عبر اشارات عديدة يحملها النص، وهي طريقة اعتمدها الكاتب في الكثير من قصصه لزيادة الوقع الدرامي على الحدث، الذي يبقى في ذهن القارئ وهو بين الشك واليقين، وبالضبط كالحادثة الأخيرة في القصة، حين يطلق الصحافي النار على’ سامر’ الذي يرقص وسط حفلة للماجنين ثم تتداخل لغة الحلم بالواقع، فيقول: كنت أطلق بجنون وهذيان وصراخ وأود أن أصحو من النوم والكابوس !! ويجد القارئ أن ما مر به البطل كان كابوسا- ولكن يخيب ظنه عندما يكمل القاص المشهد ـ لكن المرئيات الصلدة كانت تتفجر أمام عيني مثل الدم!!-

فيبقى القارئ بين شك ويقين بين كابوس، أو مرئيات صلدة (صلبة) حقيقة!! ويمكن أن تلمس لأنها صلبة!! تتفجر أمام عينيه مثل الدم، وشريف في الخنفساء، الذي لا يألو كاتب القصة جهدا لتبرئته والوقوف معه ضدا لاحتقاره لذاته، من خلال فضحه الشخصية، المعارضة التي يحترمها المجتمع وجعلها في صدارته الاجتماعية،’مطر’ الذي يستعين بشريف دائما لقضاء احتياجاته غير الملائمة، لما يظهره للناس، ويعيشه في مجتمعه، ممثلا للعفة والشرف، والزوج المخلص لزوجتين، يقول السارد عن هذه العلاقة : (غالباً ما يتسلل مطرٌ من الأزقة الجانبية، فيسمع دقات الباب فجأة، ويرى ابتسامته المطاطية:

– أحتاج الغرفة لساعةٍ واحدة، اذهبْ واشربْ!

يعطيه بضع دنانير فينتفخ فرحاً، ويجرجرُ ساقيه فوق الأرض، متطلعاً بلهفة إلى السيارة، حيث لا بد أن يرى قمراً منيراً، ولكن المرأة دائماً ما تتغطى بعباءتها، سالبة منه حتى هذه الفرصة، ويظل مختفياً وراء الجدار، فيراها تنزل معه، يدخلان، فيهتف:

ـ يا فراشي السعيد!

وفي إحدى الليالي حين يأتي مطر بواحدة جميلة، يستجديه ‘شريف’ بذل حقيقي:

-انني تعب جداً ومحروم، أنت صديق عزيز وتقدر!

يكاد مطر يخنقه:

– ابحث لك عن امرأة في مستواك يا جحش.

ان النهاية التي ينتهيها ‘شريف في الخنفساء هي ذاتها النهاية التي ينتهيها الصحافي في ‘نجمة الصباح’ الأول بكابوس القتل، والآخر بحريق هائل يحدثه ‘شريف’ انتقاما من حياته الهامشية في مجتمع يقدر المظاهر ويفتتن بها، أنظر النهاية: (وأطاحَ بزجاجته فجأة، انهارتْ وصبتْ روحَها على البساط الذي امتص كل شيء، وبدا أن الفتية يحيطون به من كل جهة، ويروح يتحسس عظامهم البارزة، ويصاب بقشعريرة حادة.

يسمع غمغمة الرجال. يرى شعراً كثيفاً في لمعات ضوء الشارع. ثم يرى نوراً هائلاً مباغتاً ويدوي صوت عنيف، وتندفع النيران حوله، ويُغلق بابُ الغرفة بقوة.

مصيران متشابهان في قصتين لعبد الله خليفة يفصل بينهما أكثر من 12عاما، فالقصتان تحكيان ألم الإنسان وخيبته واحباطاته المتكررة بواقعه، ورغبته العارمة بتغيير ما عاشه، فهل يعيد عبد الله خليفة كتابة قصة واحدة مهما كتب من قصص جديدة ؟!! لقد قال بورخس عن ذلك أن الكاتب يعيد كتابة حكايته كل مرة، ووجدنا نجيب محفوظ يتحدث دائما في قصصه القصيرة الواقعية عن البطل المهزوم والمأزوم الذي يكون متفقا مع العالم الخارجي، شكلا والمختلف معه في الجوهر، وكذلك فعل يوسف إدريس في معظم قصصه التي حاول أن يؤطر قصصه بواقعية نقدية كانت سائدة في ذلك الوقت، وقبلهم جميعا فعل يحيى حقي وهو يعيد قص حكاية الفلاح المصري، الذي تدهشه المدينة غربية (أوروبية) أو مصرية، ويبدو أن القاص الرائد عبد الله خليفة الذي يعتبر أحد أهم من أبدع في كتابة القصة الواقعية، التي تنتمي للبحرين وشخوصها يتميزون عن غيرهم من أهل الخليج، فهم ينبضون على الورق بصدقهم، وأسلوبهم الخاص في الحياة وفي تعاملهم مع الواقع البحريني، ونقد جوانبه السلبية بأسلوب هادئ، وفكه، لكنه جدي ومؤثر، وفاعل لخلق ومضة نجاح في توصيل فكرة قصصية إلى قارئ متتبع، إنهما بحق قصتان مؤسستان في سجل القصة البحرينية الحديثة.

نجمة الصباح من مجموعة ‘دهشة الساحر’ عبد الله خليفة /دار الحوار للنشر والتوزيع /سورية /اللاذقية/ 1997

‘الخنفساء’ قصة قصيرة/ عبد الله خليفة / الملحق الثقافي /أخبار الخليج /العدد 11369 في 9 أيار (مايو) 2009.

القصص الأربع الأخيرة للروائي البحريني عبدالله خليفة

…حياة متشظية…

عندما أكملت هذا المقال عن قصص القاص والروائي عبدالله خليفة، قبل عشرة أيام من وفاته يرحمه الله تعالى، اتصلت به هاتفياً لأخبره بما كتبت، وهي عادة اعتدتها خلال السبعة عشر عاماً من صداقتي لهذا الكاتب، لأستئنس بأرائه وأفكاره، إذ كنت مواكباً  لكل ما أصدر طوال العشرين عاماً الماضية، من قصص قصيرة وروايات، لم يجب على إتصالي هو بل إجابني أخوه عيسى، فهجست خوفاً عليه، ولكنني اطمأننت حين طلب مني أن أنتظر لحظات ريثما يسلم الهاتف لأخيه، وتحدثت مع صديقي وأديبنا الكبير عبدالله خليفة، و”أنا مندهش الآن” كيف لرجل بكل هذه الفرح والأمل، والتلعيقات الساخرة إن يموت غب عشرة أيام من هذا الإتصال ؟؟ لا أقول أن صوته كان طبيعياً، ولكنني عزوته إلى كبر السن، وما يلقاه أي كاتب كبير من تعب الكتابة، أخبرته أني أكتب الفصول الأخيرة في الكتاب النقدي الذي بدأت به قبل سنة عن إبداعه الروائي والقصصي، وسألته إن يرسل لي نسخأ من مجموعاته القصصية التي نشرها في نهاية الستينات وبداية السبعينات وهي ناقصة في مكتبتي، فوعدني خيراً.. اخبرته أني كتبت مقالاً عن قصصه الأخيرة التي نشرها في أخبار الخليج، ولم أكن أعني أنها آخر ما سينشره في ثقافية أخبار الخليج من قصص، ولكن ألهام الكتابة ألهمني بهذا، وإن كنت كارهاً للمعنى الآخر أي معنى الموت والفراق.. وكنت اعني فقط التوقف بسبب ما والنشر مجدداً..

 لروح صديقي الكبير عبدالله خليفة، الذي سيبقى في صدورنا نبعاً للمحبة ونبذ الكراهية أهدي هذا المقال عن قصصه الأخيرة، وأقول له، لقد أنتهت معاركك مع الحياة وبقيت في صدورنا وعقولنا ذكرى طيبة لكاتب كبير وصرت ضيفاً عند رب رحيم كبير.

  الواقع المنهار، والعلاقات الهامشية، وحياة الناس التي تتحول بسرعة إلى قهوة مُرّةُ المذاق، لا يستسيغها اصحابها ولا الآخرون، ووحدهم من يبنون على مآسي الناس ثرواتهم يرفلون بالفرح والحياة المتخمة، والحلم بالمستقبل.

 شخصيات قصص عبدالله خليفة الآخيرة مركبة من حيوات صحفيين وكتاب مجهضة احلامهم، كبروا وهم يتجرعون الفقر والبؤس ويتذكرون أيام السجن، وقد غدوا نفوساً ميتة وأكثر موتاً من “نفوس” الكاتب الروسي نيقولاي غوغول في روايته الخالدة “نفوس ميتة” في مجتمع ــ علاقاته هشة ــ  يلهث أفراده وراء الكماليات والبحث عن الحقوق الضائعة، والمعاناة اليومية.

 نساؤه جميلات وذكيات أذابت سنوات العنوسة، والعمل الوظيفي الروتيني جمالهن وذكائهن، وجعلتهن يستعدن  أيامهن الماضية، ناحبات وباكيات على مكاتب الوظائف، وهن يجترّن حكايات مُعادة عن المكياج، وآخر النمائم في أقسام العمل، حالمات بالفارس الذي لا يأتي أبداً، وإذا شاء الحظ الحسن وجاء، فإنه سيكون شيخاً هرماً حطمته السنوات، وأكل كبده الكحول وأتلفت روحه الحياة المُحبطة، التي قضاها في هذه الوظيفة، وذلك العمل، وهو يحاول أن يرضي مديره الفلاني ومسؤوله العلاني لكي لا يقطع أسباب عيشه.

  أما المتزوجات فقد ترهلن وامتلأت أجسادهن بالشحم واللحم، وهن يعشن المعاناة اليومية مع الزوج الباحث عن سعادته في أمكنة خارج بيت الزوجية في البارات ودور اللهو، وديوانيات الأصدقاء، وهن يحكين معاناتهن المريرة مع الأطفال وأمراض أرتفاع السكر وأرتفاع ضغط الدم، ومتطلبات الحياة.

  وضعنا القاص عبدالله خليفة في كل فقرة من فقرات قصصه الأربع في تلك الأزقة الضيقة التي يتذكر من خلالها القاص خليفة طفولته وشبابه في منطقة القضيبية والحورة ورأس الرمان والفاضل والعوضية، حيث بيوت العمال والفقراء من البحارة والصيادين والباحثين عن اللؤلؤ من أهل البحرين في الفترة التي سبقت اكتشاف ثروة النفط، والكاتب سجل في قصصه لمحات من جهاد الأباء في توفير العيش الكريم والتعليم للأبناء، ومن يقرأ القصص يحب الشعب البحريني البسيط والطيب، الذي تآخى أفراده في المسرات والأوجاع.

حياة الكاتب

والقاص هو عبدالله علي خليفة البوفلاسة، الذي ولد عام 1948 في منطقة القضيبية “بيوت العمال” في أسرة عمالية بحرينية، إذ كان والده يعمل في شركة بابكو، وقدعانت عائلته من وفيات الأطفال المتكررة، وكبر الكاتب خليفة وسط عائلة تخاف على أبنائها القليلين من المرض والموت، ولم يبق لديه من عائلته سوى شقيقة وشقيق واحد. 

  بدأ حياته التعليمية في مدرسة القضيبية الابتدائية، يقول عنه صديق طفولته “علي الوادي” في مقال نشره عن حياة عبد الله خليفة في احدى الصحف البحرينية(1) أنه “لم يكن مواظباً على الأنتظام في التعلم، فالأب والأم أميان وكان عبدالله كثير الهروب والتغيب عن المدرسة، وبالرغم من هذا فقد وضع والده نصب عينيه متابعة ولده لأكمال تعليمه، فأكمل الأبن تعليمه الأبتدائي بصعوبة، وأكمل بعد ذلك تعليمه الثانوي، وخلال هذه الفترة برزت مواهبه الأدبية بشكل مبكر، وانهى سنوات معهد المعلمين العالي، وانخرط في العمل السياسي من خلال حزب جبهة التحرير، وسجن لفترة ست سنوات لأسباب سياسية في سجن بجدة، والمنامة، وأحرقت مكتبته أمام عينيه بعد إلقاء القبض عليه، وماتت أمه وهو في السجن.”

حكايات مركبة

  بطل قصته الضمير(2) لا يجد عملاً شريفاً يعيش منه بكرامة في قريته المنعزلة، فيمارس السرقة واعمال الرذيلة ليلاً، وفي الصباح يمارس النفاق الاجتماعي كشاب شريف، فيظهر مع المصلين وشيوخ الجوامع، وجبينه ينقط ورعاً وزهداً في الحياة، وهو ليس وحيداً في هذا التشظي النفسي، والصراع المرير بين احتياجاته التي لا تلبى وفق القانون ولكنها تلبى بالخروج على القانون، وبدل أن يحصل على اللقمة الحلال تصير لقمته حراماً خالصاً، ولكي يبرر سلامة موقفه مع ضميره، يقارن نفسه بشيخ الجامع عبد الباسط، الذي لا يتقي الله تعالى ويفعل ما يفعل في الخفاء، فيقول عنه بمنللوج مؤثر:  ” يلمح الشيخ عبد الباسط ..  أنه متصل برموز السماء..  فلماذا لا يطبق بقبضته على عنقه؟  أهو سر من السماء تعطيه فرصاً لكي يتوب ؟” 

 بطل قصة الضمير يذهب ليلاً ليسرق بيت أحد بخلاء قريته، الذي يعيش في بيت متداع ويخفي أمواله في حفرة في إحدى الغرف، وعندما ينجح بإخراج المال المدفون يواجهه عند الخروج شخص ما من داخل البيت، فيقتله بطعنة سكين وفي لحظة القتل عرف أنه قتل سامي الترابي، ومن المفارقات انه لا يقبض عليه لجرائمه في السرقة، والقتل بل يلقى عليه القبض من قبل الشرطة ظنأً منهم أنه من المشاركين في إحدى المظاهرات المناوئة للحكومة.

 القصة لدى القاص عبد الله خليفة حكاية مركبة من عدة حكايات، ولكنها تقود في النهاية إلى مسلمات سردية تطرح أشكالية المواطن مع السلطة القاهرة التي لا تعطي ولكنها تاخذ، السلطة القامعة الغبية التي لا يهمها ما يحدث من حوادث تخل بالأمن للمواطنين بقدر اهتمامها بالقمع السياسي.

شخصيات عدمية

 وفي قصة “الموت حباً”(3) المهداة إلى ذكرى محمد الماجد، يضعنا القاص أمام أنموذج شاعر كبير، تم تحويله إلى شاعر عدمي، فمن الممارسات التي وقعت عليه وحولته، أنه بالرغم من موهبته الشعرية الكبيرة شغلوه في الجريدة بعمل روتيني لا إبداع فيه، ومثلما عبر السارد عن ذلك العمل ساخراً ” لقد عُين برتبة راد على رسائل القراء ” ” ظن أنه سيعطيه منصباً لكن هاهو يدخل تلة من رسائل القراء ليرد عليها ” ولكي يعيش كباقي خلق الله تعالى، ولأنه مفلس من الأموال عمل عملاً إضافياً بعد الظهر “اعتزل الصخب في غرفة مصرف يعد النقود والأرباح لغيره “.

 وبالرغم من الشخصيات العدمية والمُعقدة في الموت حباً، إلا اننا لا نجد فارقاً كبيراً بين شخصية محمد ومحمود وخميس، ولكن يبقى كل واحد منهم يكمل الآخر في عدميته وعُقده النفسية، يقول محمد متعجباً لزوجته التي أنجبت منه طفلاً:  ” ثمة إبن لي ؟  أنا اللامنتمي صرت أباً ؟  أنا الضائع في هذا الوجود مددت جذوراً في الأرض الواسعة، لم أعد نطفة بل قبيلة ! ” يقول محمود الذي هو كاتب قصة لمحمد :  ” لو أنك أبصرت يا محمد نصيب مدير الاعمال من صاحبتك الساحرة وكيف صار مقاولاً وصرافاً لبكيت على حظوظنا في هذه الجريدة .. لقد حجموا قصتي من أجل إعلانه !!  ” يموت محمود القاص من ضخامة الجسم وكثرة الأكل ومات خميس بحادثة سيارة، ومحمد صار عجوزاً متداعياً بعد أن أدمن على شرب الكحول وأصيب بتشمع الكبد، وتوقف عن إبداعه الشعري الذي كان يبشر بموهبة كبيرة !!

  في قصة “الأسود”(4) يتهكم القاص من حياة بطله الصحفي “إدريس الماجد” الموظف في الإذاعة، الذي يبحث لولده سالم الصحفي عن فرصة زواج من فتاة بيضاء جميلة، لتحسين جينات العائلة، فيطلب من أبنه أن لا يتزوج صديقته الصحفية جوهرة، التي احبها وكان ينوي الزواج منها، لأن سحنتها تميل إلى السواد، والمفارقة أن إدريس الأب ينحدر من سلالة البحارة البسطاء، الذين لوحت وجوههم الشمس، فهو يقول عنهم في منللوج مؤثر “ما زالت النوارس ترفرف والموج يصطخب والحياة تتدفق من تحت الأسلاك الشائكة، والبحارة ما زالوا يصارعون القارب المتغلغل بين الحصى وينزفون الماء ويكسرون أسنان البحر.”

 إلا أن جوهرة كانت مصرة على الزواج من سالم الأبن لأنها علمته النزول إلى الحياة والناس، وأن وجهه لوحته الشمس الآن مثل وجهها، وأنهما ملح الأرض، مهما بلغت ثقافتهما ودرجتهما الوظيفية، وفي القصة الرابعة “عالية ” (5) وضعنا القاص عبد الله خليفة ازاء ما يُحكى على مكاتب الصحفيين بين الصحفيات والصحفيين، فنعيش مع صحفيات عانسات يندبن حظوظهن، وصحفيين تعدت أعمارهم سن الشباب وفاتهم قطار الزواج، نور، هالة، يصف الأخيرة:  ” وجه متناسق، شعر منسرح على جبينها، أنف وفم دقيقان وقامة معتدلة ” فيتذكر كيف أنه طلب فتاة من أبيها للزواج فيما مضى من السنوات، فسأله الأب باحتقار “ومن أنت؟” وغادره، وآخر سأله عن قبيلته، وغادره من دون أن يسمع إجابته، وأزاء هذا الجزء من المجتمع الرافض لذاته،  يعود السارد بذاكرته إلى ماضي البحرين ليعيد تشكيله في الحاضر من خلال تقنية عين الكاميرا السينمائية ” البحارة هياكل عظمية، يلبسون ثيابهم في البراحات الباردة، مسامير السفن الصدئة، الغزاة يغرقون، ثلة في المقاعد الأولى تنهض وتنفض الغبار خلفها “.

 القصص الأربع الأخيرة للراوئي عبدالله خليفة..  حياة متشظية لجميع أبطالها، والقصص نشرتها إحدى الجرائد البحرينية الرئيسية في المملكة البحرينية، وقد رسمت لوحة بانورامية للحياة في المجتمعات الخليجية النفطية، التي شهدت طفرات اقتصادية كبيرة في العقود السبع الأخيرة، ولم تواكبها رؤى متطورة، اجتماعية وثقافية وسياسية شاملة، لمواكبة التغييرات في حياة الناس، ورسم صورة مدروسة لمستقبلهم ومستقبل الأجيال الجديدة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أنظر ما كتبه الكاتب علي الوادي عن حياة الروائي عبد الله خليفة في صحيفة الوسط البحرينية – العدد 1057 – الجمعة 29 يوليو 2005م الموافق 22 جمادى الآخرة 1426هـ.

(2) قصة الضمير نشرت في ثقافية جريدة أخبار الخليج العدد 13154 في 29 مارس 2014.

(3) قصة الموت حباً نشرت في ثقافية جريدة أخبار الخليج العدد 13147في 22 مارس 2014.

(4) قصة الأسود نشرت في ثقافية جريدة أخبار الخليج العدد 13140 في 15 مارس 2014.

 (5) قصة عالية نشرت في ثقافية جريدة أخبار الخليج العدد 13133 في 8 مارس 2014.

الروائي الأول في البحرين عبدالله خليفة

الرواية موقف فني تنمي الوعي ودستويفسكي أسس السمو الأخلاقي

عبدالله خليفة ، الروائي الأول في مملكة البحرين وهي حقيقة معروفة ولا يختلف عليها اثنان من المهتمين بالأدب البحريني، هو مزيج ثقافات قديمة وحديثة ، ونتاج واقع عربي بكل ملابساته، السياسية والثقافية والاجتماعية ، في كتاباته العديدة في المقالة والقصة القصيرة والرواية تجد التماعات الثقافة الموسوعية ، والهضم الإيجابي للفكر العربي منذ ثورات القرامطة، وحتى يومنا هذا، هو في حقيقة الأمر العديد من الفنانين في فنان واحد، ومن يطلع على تجربته الأدبية والثقافية يعيد كل حساباته بشأن واقع الروائي الذي يجب أن يتحدر من مجتمع متعدد الفئات ومتشابك العلاقات مع عمق تاريخي وجغرافي واسع ، فالروائي البحريني يكتب عن مجتمع ـ البحرين ـ الذي لا يمثل طول البلاد بكاملها سوى ساعتين بالسيارة، كما يقول عبدالله خليفة، حيث تقطع البلاد من جنوبها إلى شمالها ، والبلاد عبارة عن مدينة كبيرة وريف موزع على جزر عديدة ، ولكن هذه الجزر احتضنت ثورات القرامطة ، والعديد من حركات الخوارج، فحملت في رحمها تكوينات تاريخية بالغة العمق والتأثير بالحاضر ، والروائي عبدالله خليفة منذ السبعينيات بدأ رحلته مع ألأدب، التقته الزمان وكان هذا الحوار:

البحرين مخزن كبير للموضوعات

◇ يتبادر سؤال منذ البداية، إن البحرين دولة صغيرة وعدد نفوسها محدود، والرواية كما نعرف تحتاج إلى عوالم متشابكة، تاريخ عريض، جغرافيا فسيحة، تفاعلات اجتماعية ونفسية، فكيف تمكنت من كتابة الرواية؟

✧ إن تطور الرواية ونشوءها لا يرجعان إلى أسباب جغرافية وسكانية بالدرجة الأولى، فمصدر الرواية هو التطور الثقافي والفني لمجتمع ما، والذي يتشكل في مدى من التفتح والازدهار الاجتماعي.

وقد مثلت البحرين مدينة متفتحة في عالم صحراوي وبحري قاسٍ، فأخذت تغزل من خيوط التأثيرات الإبداعية، العربية والعالمية، ومن معاناتها العميقة، ابحاثها الروحية المتغلغلة في شبكة اجتماعية مختلفة وهي لديها تاريخا الثر الخاص، الممتد من انتفاضة القرامطة الذين شكلوا أول جمهورية عربية اشتراكية، حتى أزمنة الاسترقاق البحرية والعبودية الأجنبية، من هنا لن تجد أي تيار فكري وسياسي عربي يخلو من ممثليه لدينا، ولن تمر مدرسة أدبية وفنية في العالم دون أن تعطي نتاجاً ما في البحرين، بل إن البحرين تعتبر بؤرة المشكلات والتيارات في الجزيرة العربية، وهي المدينة التي تصنع فيها الخميرة الفكرية والسياسية لشبه الجزيرة لسنوات عديدة سابقة.

وبهذا كله، فإن الرواية قد تأخر ظهورها في البلد، وكانت ثمة عوامل موضوعية وفكرية عديدة أهلتها لصنع الرواية ولكن تكاسل المبدعين وابتعادهم عن الإنتاج الروائي واقتصارهم على كتابة القصة القصيرة جعل ظهورها يتأخر، ولهذا فإنني وجدت كتابتي المستمرة للقصة القصيرة تؤهلني لكتابة الرواية، وتشكيل رواية عربية في الخليج، وليست الرواية تحولاً كمياً في القصة القصيرة، بل هي موقف فني انعطافي كبير، تحدث خلاله انكشافات موسعة في روح ووعي الإنسان ومحيطه.

إن كثرة الأحداث الاجتماعية والسياسية التي مرت بها البحرين هي مخزن دائم للكتابة الروائية، فالتغيرات والثورات والتحولات ليست قليلة، ولكن القضية هي الخروج من السطح الخارجي للحياة السياسية واكتشاف الجوانب العميقة للتطور الروحي والنفسي، بمعنى تمُثل ما هو إنساني في ما هو محلي، وما هو جمالي في ما هو اجتماعي.

عصر الغوص

◇ أنت الروائي الوحيد في البحرين، هل هناك غيرك و مازال في بداية الطريق؟

✧ أنا الروائي الأكثر إنتاجاً في البحرين، لكن لستُ الوحيد، هناك أسماء أخرى: محمد عبدالملك وأمين صالح وفوزية رشيد وفريد رمضان، ولكل منهم رواية أو أكثر، وهم في طريقهم لمواصلة هذا الإنتاج.

◇ إذن لنتعرف على بدايات الروائي عبدالله خليفة..

✧ ولدتُ سنة 1948 بالمنامة عاصمة البحرين، والبلد المكونة من جزر متعددة ، متلاصقة نسبياً، هي عبارة عن مدينة كبيرة تجاورها ضواح وريف وبرية صغيرة، حيث يمكنك قطعها بالسيارة من الشمال إلى الجنوب ـ إذا سُمح لك! ـ بساعة أو ساعتين.

في زمن مولدي كانت أكواخ السعف تملأ المدن والريف، كان وقتئذٍ عصر الغوص، حيث ينزل الرجال في أعماق البحر لاستخراج اللؤلؤ واقتناص قطراته الثمينة، قد شارف على الموت، ووصل عهد الآلة، ومصنع النفط وراحت التجارة تكتسح الحياة، وقد ارتبطت البحرين بمسارات الثقافة العربية دائماً، حيث راحت هذه تستجيب للتطورات الاجتماعية الداخلية، وتشكل مجمل الممارسات السياسية الإبداعية، وقد راح الأدب منذ الأربعينيات يتعلم أسس الأنواع الأدبية والفنية بصعوبة شديدة، نظراً لصغر البلد وقلة السكان واتساع الأمية وغياب التقاليد الثقافية العميقة.

وقد جئتُ في هذا المناخ الجغرافي والأدبي ومنذ أوائل الستينيات جمعت بالكتابة في مجالات القصة القصيرة والنقد الأدبي والمقالة، وقد استطعت عبر السنوات الأولى تشكيل مجموعة قصصية أولى هي [لحن الشتاء] توجهت فيها لتعبير عن قضايا اجتماعية وسياسية ساخنة، بكثافة، وصراخ وغضب!

وفي منتصف العقد، في آب [أغسطس] 1975، حدث انعطاف سياسي حاد، وحل البرلمان، وتم اعتقال مجموعات كبيرة من المثقفين، كنت من ضمنهم، حتى سنة 1981، وفي عقد السبعينيات اشتغلت على القصة القصيرة وتحويلها من خطاب فكري إلى نسيج فني، وشكلت مجموعة قصصية ثانية بعنوان [الرمل والياسمين] التي رأت النور في العقد التالي وبدمشق على يد اتحاد الكتاب العرب سنة 1982، وفي ذات العقد السبعيني، بظروفه الصعبة وأدواته الكتابية الشحيحة، شكلت أول رواية لي بعنوان [اللآلئ] وهي تروي رحلة غوص مدمرة، لمجموعة من رجال البحر الضائعين في الصحراء بعد تحطم سفينتهم، وفي عقد الثمانينيات اشتغلت على أعمال قصصية وروائية عديدة وهي [الهيرات] بمعنى المغاصات و[أغنية الماء والنار] و[القرصان والمدينة] و[نشيد البحر] وهي روايات، و[يوم قائظ] و[سهرة] و[دهشة الساحر] و[جنون النخيل]، وهي مجموعات قصصية، كما ترافق ذلك بأبحاث وقراءات أدبية تقدمت ببعضها إلى مؤتمرات الأدباء العرب أو مؤتمرات الأدباء الإقليمية في المنطقة.

دستويفسكي ونجيب محفوظ

◇ ما هي تأثيرات الكتاب العرب والأجانب على نتاجك الأدبي؟

✧ إضافة إلى القصص البوليسية التي تأثر بها العديد من الكتب فإنني غرقت في قراءة دستويفسكي، ولا زال أعتبره معلماً فنياً وروحياً، مؤسساً لطريق السمو الروحي، ولكن عبر مُـثُل مختلفة.اتقد إن الرواية المثيرة على صعيد الحبكة، المسبوكة في توهج حدثي وشخصاني، والمثيرة على صعيد التشكيل الروحي، هي من اختصاص وتأثير هذا الكاتب، والذي يدعمه الشكل الملحمي عند تولستوي، والمحفور في التضاريس الاجتماعية لدى بلزاك وأميل زولا ونجيب محفوظ، حيث الرواية العالمية، الدرامية، والملحمية   لتمثلها في واقعنا العربي وهنا تجسيد يكمن في السيرورة القومية الخاصة بنا.

الشعر دخل النفق التجريبي

◇ هل حقاً إن عصرنا هو عصر الرواية؟

✧ هو عصر الرواية بامتياز، لكون هذا النوع لفني بؤرة لكافة الأنواع الأدبية الفنية الأخرى، إن فنون المسرح والتلفزيون والسينما، صارت تعتمد عليه، وغدا هذا النوع مرناً وقادراً على استيعاب مختلف تجليات الوعي والمعاناة عبر أشكال ممتعة وتحليلية تكشف مختلف مصائر الأفراد هي طريقة مثيرة للتفكير الخاص والعام، والتمثل المجازي والتسييس المباشر الخ..

وللأسف فإن بروز هذا النوع لا يعني أن يتم إهمال الأنواع الأخرى، وخاصة الشعر، ولكن لكون الكثير من الشعر دخل النفق التجريب الشكلي، والانقطاع عن سيرورات الحياة، فإن الرواية حاولت أن تتصدى لما عجز الشعر عنه، أو لتخلي الشعر عن مهمته الإبداعية المتفجرة الكاشفة.

حياة قصيرة لكنها ممتعة

عبدالله خليفة كاتب رصد يوميات البحارنة لحظة بلحظة

خليفة الذي كان جديرا بعمر ثان

لحن الشتاء الطويل

عبدالله علي خليفة البوفلاسة، ولد عام 1948 في منطقة القضيبية “بيوت العمال” في أسرة عمالية بحرينية متوسطة الحال، كان والده يعمل في شركة بابكو النفطية، وقد عانت عائلته من وفيات الأطفال المتكررة، وكبر الكاتب خليفة وسط عائلة تخاف على أبنائها القليلين من المرض والموت، ولم يبق لديه من عائلته سوى شقيقة وشقيق واحد.

يحكي لنا عن طفولته في قصصه الكثيرة، التي نشرها عبر مجموعاته القصصية “لحن الشتاء” و”الرمل والياسمين” و”يوم قائظ” و”سهرة” و”دهشة الساحر” وغيرها، حكى فيها عن الواقع المنهار الذي عاشه في القضيبية، والعلاقات الهامشية، وحياة الناس التي تتحول بسرعة إلى قهوة مُرّةُ المذاق، لا يستسيغها أصحابها ولا الآخرون، ووحدهم من يبنون على مآسي الناس ثرواتهم، كانوا يرفلون بالفرح والحياة المتخمة، والحلم بالمستقبل السعيد.

جاءت مقالات خليفة السياسية في الحوار المتمدن، وأخبار الخليج، للتعبير عن هموم الناس ومعاناتهم، ورسم في قصصه الأخيرة شخصيات مركبة من حيوات صحفيين، وكتاب مجهضة أحلامهم، كبروا وهم يتجرعون الفقر والبؤس.

وضع خليفة معاناته الذاتية، ورسم لنا بالكلمات مرارات هذه الفترة ونفوساً ميتة، يقشعر لها جلد القارئ وهو يتابع حيواتها الكئيبة على الورق وهي أكثر موتاً من “نفوس” الكاتب الروسي غوغول في روايته الخالدة “نفوس ميتة”.

سياق روائي طريف يصنعه خليفة في \’الأقلف\’ حيث ثمة صبيان لقيطان، امتلآ بالكراهية أو الحب خسرا عمريهما، ليتشكل الحدث الرئيسي في الرواية من هذه العلاقة، التي لم تباركها الكنيسة، ولم يعترف بها الجامع بين بطل الرواية يحيى، والممرضة المسيحية ميري.

أزقة المحرق

يصف عالم الروائي الناقد د. صبري مسلم، وهو يتحدث عن رواية “الأقلف” لعبدالله خليفة، فيكتب في الصفحة الثقافية لأخبار الخليج، “ما إن تشرع بقراءة رواية ‘الأقلف’ حتى يطالعك عنوانها الواخز الذي يصعب نسيانه، ولا سيما أن الأقلف يعكس أكثر من مرجعية”.

ثمة إيحاء معتقدي واجتماعي وجنسي وشعبي لهذه المفردة، التي اختارها الروائي عنواناً لروايته، وأناط البطولة فيها بلقيطين، جعل أحدهما في مواجهة الآخر في سياق روائي طريف “ثمة صبيان لقيطان، امتلآ بالكراهية أو الحبّ خسرا عمريهما” ويتشكل الحدث الرئيسي في الرواية من هذه العلاقة، التي لم تباركها الكنيسة، ولم يعترف بها الجامع بين بطل الرواية يحيى، والممرضة المسيحية ميري، وفي إطار مهاد مكاني واقعي يرتكز على ملامح البيئة المحلية.

ويستظل النص بفضاء زماني مستقى من الماضي القريب إذ تؤرخ الرواية لحدث واقعي وبأسلوب الفنان لا المؤرخ حين يعود إلى الماضي كي يتخذ منه مهاداً زمانياً لروايته المضمّخة بعطور البيئة المحلية ونكهتها وهمومها.

جزيرة المسرات

لقد عبّر خليفة في أعماله القصصية والروائية عن مجتمع، علاقاته هشة، ويلهث أفراده وراء الكماليات والبحث عن الحقوق الضائعة، والمعاناة اليومية ومحاولة العيش بما متاح لها من هامش.

وضعنا القاص عبدالله خليفة في كل فقرة من فقرات قصص مجاميعه في تلك الأزقة الضيقة التي يتذكر من خلالها القاص خليفة طفولته، وشبابه في منطقة القضيبية والحورة ورأس الرمان والفاضل والعوضية، وهي مناطق في البحرين تزدحم فيها بيوت العمال والفقراء من البحارة، والصيادين والباحثين عن اللؤلؤ من أهل البحرين في الفترة التي سبقت اكتشاف ثروة النفط.

سجّل عبدالله خليفة في قصصه لمحات من جهاد الآباء في توفير العيش الكريم والتعليم لأبنائهم، ومن يقرأ قصص الكاتب الراحل يحبّ الشعب البحريني البسيط والطيب، الذي تآخى أفراده في المسرات والأوجاع، نساء قصصه جميلات، ذكيات أذابت سنوات العمل الوظيفي الروتيني جمالهن، وجعلتهن يستعدن أيامهن الماضية، وهن يجتررن حكايات مُعادة عن المكياج، وآخر النمائم في أقسام العمل، حالمات بالفارس الذي لا يأتي أبداً، وإذا شاء الحظ الحسن وجاء، فإنه سيكون شيخاً هرماً حطمته السنوات، أكل كبده الكحول، وأتلفت روحه الحياة المُحبطة، التي قضاها في هذه الوظيفة، وذلك العمل، وهو يحاول أن يرضي مديره الفلاني ومسؤوله العلاني لكي لا يقطع أسباب عيشه.

روايته \’عقاب قاتل\’ تتردد فيها أصداء واضحة من طفولته وصباه في مجتمع أخذ يتحول إلى مجتمع استهلاكي يعيش على تصدير النفط، فقد التقط خليفة أبطال روايته من شريحتي الطبقة الفقيرة والوسطى في المجتمع البحريني

أما المتزوجات في قصصه، فهن مترهلات يعشن المعاناة اليومية مع الزوج الباحث عن سعادته في أمكنة خارج بيت الزوجية في البارات ودور اللهو، وديوانيات الأصدقاء، وهن يحكين معاناتهن المريرة مع الأطفال وأمراض ارتفاع السكر وارتفاع ضغط الدم، ومتطلبات الحياة.

بدأ عبدالله خليفة حياته التعليمية في مدرسة القضيبية الابتدائية، ويقول عن تلك الفترة صديقه علي الوادي في مقال نشره عن حياة عبدالله خليفة في إحدى الصحف البحرينية، إنه “لم يكن مواظباً على الانتظام في التعلم، فالأب والأم أميّان، وكان عبدالله كثير الهروب والتغيب عن المدرسة، وبالرغم من هذا فقد وضع والده نصب عينيه متابعة ولده لإكمال تعليمه”.

فأكمل الابن تعليمه الابتدائي بصعوبة، وأكمل بعد ذلك تعليمه الثانوي، وخلال هذه الفترة برزت مواهبه الأدبية بشكل مبكر، وأنهى سنوات معهد المعلمين العالي، وانخرط في العمل السياسي من خلال حزب جبهة التحرير.

كتب خليفة في راويته “الينابيع” التي صدرت عام 1996 عن قارة واسعة، وليس عن جزيرة صغيرة محددة الجغرافيا اسمها البحرين.

عقاب قاتل

نجد في روايته “عقاب قاتل” التي صدرت في عام وفاته 2014 أصداء واضحة من طفولته وصباه في مجتمع أخذ يتحول إلى مجتمع استهلاكي يعيش على تصدير النفط، فقد التقط خليفة أبطال روايته من شريحتي الطبقة الفقيرة والوسطى في المجتمع البحريني، لينجز نصه الروائي من خلال ما عاشوه، وما فعلوه من أفعال.

وسواء جاءت تلك الأفعال غير أصيلة، أي جاءت كردود أفعال، أو كأفعال ذاتية عبّرت عن اعتقادات اجتماعية، وفكرية تبنتها كل شخصية من شخصيات هاتين الشريحتين.

مقالات خليفة السياسية في الحوار المتمدن، وأخبار الخليج، تعبر عن هموم الناس ومعاناتهم، فهو يرسم في قصصه شخصيات مركبة من حيوات صحفيين، وكتاب مجهضة أحلامهم، كبروا وهم يتجرعون الفقر والبؤس

حدد خليفة معالم شخصية الأمّ في الرواية، كأمّ محدودة الثقافة تعيش في قاع المجتمع، وتعمل خياطة لتعيل ولديها اليتيمين، وهي أرملة لزوج ذي ماض مشين توفّي في بيت امرأة فاسقة، وخلف موته ذكرى موجعة لأسرته، أربكت حياتهم، وخلفت لديهم مشاعر عميقة بالدونية والانكسار في مجتمعهم المحافظ.

ولداها، عقاب وعمر، وفي هذه الأسرة الفقيرة تختلف توجهات الولدين بمضي السنوات، فيتأثر عقاب بالخطاب الديني الإسلامي الأصولي بينما يعيش الأخ الثاني عمر حياته المنفلتة، الأول يتابع المشايخ في المساجد ويتبنى فتاويهم وأفكارهم حول الإسلام، وينظر إلى أخيه كضائع ومرتد عن دينه، بينما كان عمر يقضي نهاراته في التسكع بين بار وآخر ويعود في المساء مخموراً، ويمضي حياته الماجنة في بناء العلاقات المشبوهة مع النساء الأجنبيات، وتربطه أخيراً علاقة حميمة بأجنبية هي”ليزا” التي يرفضها أخوه عقاب، ولا يعترف بعلاقتهما إلا بكونها علاقة زنى لا أكثر.

تلك العلاقة الضدية بين الأخوين أتاحت للسارد فسحة فكرية وتخيليية واسعة وأعطته الحرية في عدم تبنى وجهة نظر أحد الأخوين، أي أنَّ السارد لم يقف مع الضدين، فقد وضعهما على المحك، وفي مواجهة مستمرة، لتحريك أحداث الرواية، وخلق المواقف الدرامية الناتجة عن التعارض المبدئي والحياتي بينهما.

لعبدالله خليفة العديد من الكتب الفكرية منها، “الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية” صدر الجزء الأول والثاني منه في العام 2005 عن المؤسسة العربية في بيروت، وعرض فيه للمقدمات الفكرية والاجتماعية لظهور الإسلام والفلسفة العربية في مجلد أول، وبعد ذلك أصدر مجلداً ثانياً تناول فيه تشكل الفلسفة العربية عند أبرز ممثليها من الفارابي حتى ابن رشد.

مثقف من الخليج

في إحدى قصصه التي نشرها قبل وفاته بأيام قليلة، بعنوان “الضمير” لا يجد البطل عملاً شريفاً يعيش منه بكرامة في قريته المنعزلة، فيمارس السرقة وأعمال الرذيلة ليلاً، وفي الصباح يمارس النفاق الاجتماعي كشاب شريف، فيظهر مع المصلين وشيوخ الجوامع، وجبينه ينقط ورعاً وزهداً في الحياة، وهو ليس وحيداً في هذا التشظي النفسي، والصراع المرير بين احتياجاته التي لا تلبى وفق القانون، ولكنها تلبى بالخروج على القانون، وبدلاً من أن يحصل على اللقمة الحلال، تصير لقمته حراماً خالصاً، ولكي يبرر سلامة موقفه مع ضميره، يقارن نفسه بشيخ الجامع عبدالباسط، الذي لا يتقي الله، ويفعل ما يفعل في الخفاء، فيقول عنه بمونولوج مؤثر “يلمح الشيخ عبدالباسط .. أنه متصل برموز السماء.. فلماذا لا يطبق بقبضته على عنقه؟ أهو سر من السماء تعطيه فرصاً لكي يتوب؟”. غادر عبدالله خليفة عالمنا مبكراً، وهو لا يزال يحلم بالكتابة عن البحرين وتاريخها، كان بحق بحاجة إلى عمر ثان، ليفرح بأصداء نجاح مشروعه الفكري والأدبي.

عرضٌ ونقدٌ عن أعماله

عبدالله خليفة:
تجربتي في الرواية
عبدالله خليفة:
تجربتي في القصة القصيرة

الفصل الأول
الروايـــــــــة
أنيسة السعدون:
عبدالله خليفة في ضوء تجربته الروائيّة
شوقي بدر يوسف:
عبدالله خليفة روائياً
محمد زيدان:
مستويات السرد عند الروائي عبدالله خليفة.. الدلالة والسياق
عبدالكريم ناصيف:
قضية المرأة في الرواية الخليجية: عبدالله خليفة أنموذجاً
خليل الموسى:
الآخر في روايات عبدالله خليفة
ثناء أنس الوجود:
شعرية الفضاء الحكائي في رواية «الضباب»
مدحت الجيَّار:
الواقع الكابوس في «نشيد البحر»
عبدالله أبوهيف:
رواية «أغنية الماء والنار » لـ عبدالله خليفة
هدية حسين:
الماء والنار وما بينهما
أنور ثابت:
السرد مع الشاعرية.. والقول دون افصاح!
عبدالرزاق جعفر:
قراءة في رواية «أغنية الماء والنار»
عبدالجليل حسن:
«الأقـلف» والبحث عن الذات
زهير ياسين شليبة:
قراءة مغايرة في رواية «الأقـلف»
شادية الترك:
«الأقـلف» رواية من لا يعرف لذاته طريقاً
جعفر حسن:
عبدالله خليفة روائياً
أنيسة السعدون:
جدل الأنا والآخر وقلق الهويّة
أحمد النعيمي:
الأبعاد الدينية في الرواية العربية «الأقلف» نموذجاً
عبدالرحمن التمارة:
سردية الانكسار والانتصار في رواية «التماثيل»
أسماء أبوبكر:
إعادة تشكيل الأسطورة الشعبية في «ساعة ظهور الأرواح»
زهور كرام:
التجريب في رواية «ساعة ظهور الأرواح»
يوسف حسن:
«الينابيع»: ملحمة طويلة ونشيد بطولي
كمال الذيب:
أسئلة الصمت والقهر في الاستفاقة على أوجاع التاريخ!
انتصار البناء :
مفهوم الحرية في رواية الينابيع
وجدان الصائغ:
المتن الشعري في رواية «الينابيع»
صبري مسلم:
«الينابيع» والطابع الملحمي

الفصل الثاني
الروايات التاريخية:
عزالدين جلاوجي:
«رأس الحسين»/ أسئلة التاريخ . . أسئلة الدم
عبدالمجيد زراقط:
التَّحوُّل التاريخي «رأس الحسين»

الفصل الثالث
القصة القصيرة:
باربارا ميتشالاك:
قراءة في أعمال الأديب عبدالله خليفة
فريدة النقاش:
لحن الشتاء وآفاق ربيع مفعم بالشجن
غالية خوجة:
عبدالله خليفة علامة روائية خليجية محورها الإنسان والمكان
محمد عبدالحليم غنيم:
قراءة في 1ــ «سهرة»
الحبيب الدائم ربي:
قراءة في 2 ــ «سهرة»
عبدالمجيد زراقط:
صعاليك الصحراء الجدد! في 3 ــ «سهرة »
محمد معتصم:
صراع القيم في «دهشة الساحر»
جلولي زينب:
جماليات المكان في مجموعة «سيد الضريح»

نحن حبات البذار ـ كتب : عبدالله خليفةنحن حبات البذار ـ كتب : عبدالله خليفة2025-02-18عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي
عبـــــــدالله خلـــــــيفة السيــــرة الذاتيــــةعبـــــــدالله خلـــــــيفة السيــــرة الذاتيــــة2014-11-09عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي
قصص من دلمونقصص من دلمون2025-09-23عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي
المكان في روايات عبدالله خليفة دراسة تحليلية لنماذج مختارةالمكان في روايات عبدالله خليفة دراسة تحليلية لنماذج مختارة2025-09-23عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي
محمد جابر الانصاري في تحولاته الفكريةمحمد جابر الانصاري في تحولاته الفكرية2025-01-06عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي
ملامح 5 لـ عبـــــــدالله خلـــــــيفةملامح 5 لـ عبـــــــدالله خلـــــــيفة2025-05-09عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي
تقدير تاريخ اليسار  - كتب: عبدالله خليفةتقدير تاريخ اليسار  – كتب: عبدالله خليفة2025-02-15عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي
إيران.. إلى أين؟ ... نقد التجربة الإسلامية في إيرانإيران.. إلى أين؟ … نقد التجربة الإسلامية في إيران2023-04-06عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي
عبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏في ضوء تجربته الروائيّةعبـــــــدالله خلــــــــيفة ‏‏‏‏‏‏في ضوء تجربته الروائيّة2014-11-09عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي
عبدالله خليفة .. حياتهعبدالله خليفة .. حياته2023-01-02عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

الرقص ودلالاته الاجتماعية

حين ظهرت الأديان السماوية في المشرق العربي اضطرت وهي تواجه الثقافة الوثنية بفنونها الكثيرة، المتداخلة مع عبادة الأوثان، والمُفككة للمجتمعات، أن ترفض الثقافة القديمة بجملتها، متوجهة نحو عوالم جديدة من التطور الاجتماعي والثقافي.

ولهذا ظهر رجل الدين كإنسان بعيد عن الرقص والفنون عامة، خلافاً لرجال الدين في الكثير من الحضارات، التي تمازج الفن فيها مع الدين.

وعلى الرغم من انتهاء الوثنية وطقوسها وعباداتها، فإن الحذر من الفنون ظل مهيمناً على الوعي الديني الصارم، الذي اخذ يتمسك بالأشكال المقطوعة عن سياقها وأسبابها.

لم تعد الفنون بعد تجذر الأديان السماوية في المشرق وفي العالم مبعثاً للخوف، أو للارتداد إلى الوثنية، ولهذا فإن الكثير من المتدينين والمسلمين عادوا إلى الفنون، وإلى الرقص تحديداً، لأنه فن جماهيري جميل ومفيد صحياً.

وقد تداخلت الفنون حتى مع ظهور الإسلام وانتشاره خاصة في الاحتفالات الجماهيرية في الهجرة وبالمولد النبوي والفتوحات والإسراء والمعراج.

إن الفنون الشعبية الإسلامية فيها الكثير من فنون الرقص الفردي والجماعي، وهي كلها فنون لها دورها في تقوية العلاقات بين الجمهور، وتكريس احتفالاته الزراعية والعسكرية والإنتاجية والاجتماعية المختلفة.

وهناك صورة سيئة للرقص هي ما يعرف بالرقص الشرقي الذي تقوم به الراقصات وهو رقص ظهر في القصور لتسليه الحكام والأغنياء وتأجيج شهواتهم، حيث يُظهر المرأة بصورة قبيحة، وهولا علاقة له بالرقص الحقيقي، ولكنه دائما يُتخذ كأنه الرقص الوحيد لدى العرب! وقد تحول إلى ظاهرة حين استغله أصحاب الحانات والمراقص لجذب الرجال المسلمين المتعطشين والمحرومين لأي مظهر جنسي.

إن انفصال الفنون عن الاختلاط وعن المشاركة الجماعية والفرح قد فتح الباب لهذا المظهر الوضيع من الرقص ومن العرض المبتذل. بعكس الغرب أو بقية المناطق، حيث استمر الاختلاط والرقص الشعبي الجميل والظاهرات الحضارية، وغاب لديهم الرقص الشرقي العربي حيث تقوم الراقصات باستعراض لحمهن!

وتطور الرقص في الغرب على ضوء هذا النمو الحضاري ليتحول إلى فنون الاستعراض المختلفة، كالأوبرا والمسرحيات الغنائية، وهنا نجد الأجسام وأحياناً شبه العارية ولكنها تتحول الى شموع مقدسة، وإلى شعر بشري مجسد، وإلى ذروة من الأخلاق والسمو بعرض الحكايات والقصائد والملاحم المتضافرة والموسيقى السيمفونية الراقية، وهنا على العكس لا يغدو الجسد الراقص إلا سبيلا للتطور الأخلاقي !

ليس للرقص معانيه الجمالية الرفيعة فحسب بل هو أيضاً وسيلة للتربية والعلاج النفسي، وكثير من عقد العرب الاجتماعية والنفسية ناتجة من عدم المشاركة في الرقص، وتغييب الاحتفالات الفرحة، بزيادة السعرات الحرارية في الجسم وتراكم الشحوم والضغوط والعقد النفسية وهيمنة الذكورية من جانب أو الأنوثة من جانب آخر، وعدم وجود الكهرباء الاجتماعية الخلاقة التي تصهر المجموع وتزيل الكثير من الحواجز و السرطانات الفكرية من داخله.

وهذه التربية المعادية للفتون الراقية هي التي جعلت العديد من العرب والمسلمين أثناء زياراتهم للغرب أو الشرق، يتوجهون لعلب الليل غير الصحية، وأماكن العروض المبتذلة، ويتركون المتاحف والمسارح الراقية والمراقص الفنية الجميلة!

كائنات مستأنسة

في الوجود التاريخي المتضاد للكائنات المستأنسة في منطقة الجزيرة والوطن العربي عموماً، خاصة للمصير المختلف بين الحصان والحمار، يتكشف الوضع المتباين كذلك للبشر وللمنتجين والمالكين.

فلم يكن الحصان أبن المنطقة، بل كان غريباً قادماً من مناطق قامت بترويضه واستئناسه، خاصة القوقاز، بل وحتى الجمل لم يكن أبن المنطقة كذلك، ولكن الحصان واجه مصيراً مشرقاً ومتطوراً باستمرار، بسبب الخدمات الحربية التي يقدمها للشعوب في المنطقة، ومن هنا اعتمدته الإمبراطوريات والشعوب البدوية، التي تطور لديها تطوراً كبيراً، فحافظت على سلالاته.

لكن هذا الكائن الجميل والسريع والمرافق الدائم للجيوش، لم يكن يؤدي خدمات إنتاجية، بل كان مرفهاً مدللاً، في حين قام بالدور الإنتاجي بدلاً عنه كائنات مستأنسة أخرى، خاصة الإبل والبقر والثيران والحمير.

وقد ألقى التطور الإنتاجي بثقله على هذه الكائنات الأخيرة لتغدو كلها مقدسة معبودة لدى هذه الشعوب، نظراً للدور المحوري الذي شكلته في الحياة اليومية لهؤلاء الناس.

لكن الإبل والحمير واجهوا أكثر من غيرهم المصير السيئ للمنتجين والعاملين عموماً، فاذا كانت الإبل هي التي أسست الأمة العربية في حفرها لخطوط الصحراء، ولوضعها العلامات الحضارية بين الكثبان والمفازات الضارية، فإن الحمار هو الذي شكل القرى الزراعية، فبدونه لم يكن بالإمكان الحديث عن الحرث والسقي وحمل الغلال والأدوات والصخور، كان الحمار هو الرفيق المستمر للفلاح الشرقي والعربي عبر العصور، ومن هنا كان هذا الكائن المسالم الصابر على العمل والعسف معبوداً في الحضارات القديمة، ولا غرابة في أن ملكاً كبيراً مؤسساً للحضارة وهو [حمورابي] أعلنه إلهاً له!

ولكن مكانة الحمار كانت مرافقة لمكانة الفلاح، والوضعان كانا يتدهوران عبر العصور، في حين كانت مكانة البادية والبدو في ارتفاع مستمر، ولهذا فإن الكائن العسكري الجميل الذي يرافقهم وهو الحصان شهد ارتفاعاً في مكانته الطبقية الحيوانية على بقية مملكته، فتم الاعتناء بسلالاته وتدون أسمائها وصار أرستقراطياً يوضع في أفضل حالة من العيش!

في حين إن الحيوانات التي كانت ترافق البدو الفقراء والفلاحين راحت تتدهور أوضاعها، فحين قامت الجمال بمهامها التاريخية القومية العظيمة، بتأسيس الجزيرة العربية والبوادي المختلفة، ونقلت البخور والثروات والسلع والأشعار والأفكار، انحطت مكانتها وتقلصت أعدادها، وغدت غير شهية للأكل وغير مفيدة للاتصال، فلم تغد سوى كائنات مسكينة للسباق.

أما الحمير فقد واجهت مصيراً مأساوياً بل كارثياً في الواقع. إن العداوة بين البدو والحمير هي قضية تاريخية وجغرافية وسياسية لا تخفى على أحد. وهى ليست قضية جمالية، بل قضية طبقية، لأن الحمير ككائنات ريفية كان عليها أن تواجه مع الفلاحين الغزوات المستمرة على مدى التاريخ للصحراويين، الذين يستولون على القرى وإنتاج الزراعة، مما يتسبب بالتدهور لأسعار الحاصلات الزراعية وظروف الإنتاج المختلفة، وقد نظرت الكتابات التي تُدون في المدن ومن أجل المصالح نظرة احتقار للريفيين وثقافاتهم وحيواناتهم، تعبيراً عن تجميد مستواهم الاجتماعي، وإلحاقهم بالسيادة الدائمة للمدينة والمركز السياسي. ولهذا فإن بعض الأدباء النهضويين الكبار الفلاحين كتوفيق الحكيم حاول أن يلغي هذه الدكتاتورية للحصان على الحمار.

وفي هذا الصراع الاجتماعي الطويل، والذي لم يكن للحمار دخل فيه، أو فهم له، ضاع هذا الكائن الشغيل الصابر في حروب البشر السياسية، وتدهورت سلالاته، وتبدلت ألوانه البيضاء الزاهية، وغرق في المستنقعات والمحاجر وتلاشت أعداده وتناقصت إلى حد يقترب من الانقراض.

وحين جاء أمين الريحاني إلى المنطقة قال في كتابه ملوك العرب إن أفضل الحمير في العالم هي حمير البحرين، ولكن أين هي الآن؟!

عبدالله خليفة الأعمال الكاملة

الأعمال الكاملة لعبـــــــدالله خلــــــــيفة

من الثورة إلى الفضيحة : عبـــــــدالله خلـــــــيفة

مريعٌ أن يقف إنسانٌ مناضلٌ أمام الملأ ويدمر نفسه عبر قوة خارجية مسيطرة عليه، لا تريد سوى أن تذله!

الأساليب الفاشية في إحتقار الإنسان والمسح به أرضاً وتعفير هامته الشامخة بالوحل، هي أفظع ما يمكن أن يهدمَ روحَ الإنسان العظيمة ويلقي كل مـُـثــُل النظام في مزبلة التاريخ، هو وكل ما يمثله.

لا يمكن أن نغفرَ للأنظمةِ التي أذلتْ الإنسانَ الشامخ، ورمزَهَ المثقفَ المناضل، صاحبَ المبادئ والتضحيات الجسام، الكائنَ زهرة الشعب، أن يُحطم ويُداس.

كانت محاكمات النظام الهتلري للمثقفين بداية الحرائق البشرية.

حين صرخ جورجي ديمتروف أمام المحكمة التي اتهمتهُ بحرقِ الرايخستاج إنني لست مشعلاً للحرائق، إنني مناضل! وقامت الهتلرية بعدها بإشعال الكون!

لم تستطعْ قوى التعذيب أن تجعله يعترف بأنه منفذ مؤامرة تصنع حريقاً وكيف للمناضل أن يكون مخرباً؟، وتحولت كلماته الشجاعة إلى خطة نضالية لتوحيد القوى الشعبية على مختلف توجهاتها للتصدي للنظام الهتلري عدو البشرية!

وكذلك فعل بوخارين وهو يواجه ورفاقه قادة الحزب الشيوعي السوفيتي دكتاتورية ستالين الدموية ومؤامراته لذبح الإنسانية والعقلانية في الحزب الشيوعي السوفيتي الذي كان قائد هذه الإنسانية التقدمية!، وصرخ في قضاته الشرطة (لن تستطيعوا هزيمتي وهزيمة الحزب).

وقامت إدارة ماكارثي الأمريكية في أوائل الخمسينيات بمحاكمة المثقفين التقدميين لأنهم يعارضون الحروب والأحلاف وينشرون الأدب المناضل وسجنتهم وطردتهم من وظائفهم في دولة الحريات!

تمتلك الأجهزة المتعالية كل صلفها وغطرستها عبر أدوات التعذيب الحقيرة ضد جسد منعزل متوحد وحيد، لكي تسحقه بالألم وبالكهرباء والتغطيس في المياه الحارة وإدخال الزجاجات في جسمه وتعريض عائلته للخطر، وتستطيع أن تصل إلى إرادته الداخلية وتهزمها، وتدمرُ روحه، لكن القضية لا تنتهي، وتطور الحرية لا يتوقف، والبلد ليس صوتاً واحداً أو جماعة كبيرة، البلد أكبر من فرد وحزب وجماعة! كذلك فإن إهانة الإنسان هو أمضى سلاح لزوالها!

وحين تفعل أية أجهزة ذلك تخرج عن الثورة، وتدخل مزبلة الثورة المضادة، مستنقعَ بناتِ آوى، ووكرِ الذئاب، وينفصلُ المعذبـون والمحاكـمون عن تاريخ الإنسانية، ويخرجون من القيم الدينية والإنسانية ويتحدون مع تاريخ الشياطين والأفاعي.

وكلُ كتـَابِ القيمِ العظيمةِ التي تفعلـُها الثوراتُ وتـُضاف للرصيد البشري من المنجزاتِ والأخلاقِ الرفيعةِ والتضحيات، يُغلق، ويبدأ كتابٌ وضيعٌ، كتابُ المعذبين وأعداء الشعب، وينفتحُ تاريخُ اللصوصِ والمجرمين على مصاريعه الدموية.

هنا ينتكسُ الإنسانُ الشعبي عمود النظام الثوري وتسقط روحهُ في الوحل، ولن يجرؤ على الخروج لتأييد هذا النظام، سيتركهُ لأي ضابط عسكري حقير يركبُ دبابة ويستولي عليه فقد سقط الشعبُ مشكلُ الثورة.

يتركهُ لأي مغامر لأنه فقد القيم العليا، قيم إعلاء الإنسان واعتبار كرامته هي ذروة النضال، لأنه كان يقدم أولادَهُ قرابين ليس من أجل محاكم التفتيش بل من أجل الوطن، ومن أجل الثورة، ومن أجل التغيير ومن الدفاع عن الحدود.

حين يرى الإنسانُ قائدَهُ وقد قـُدم مسحوقاً محطماً معترفاً بجرائم لم يرتكبها، وهي جرائم شريفة، عظيمة، تـُصنع من أجل الوطن والتقدم، لا من أجل هذا الرجل أو ذاك، من أجل حرية إيران وحداثتها وتقدمها، حين يرى ذلك ينهار، فينفتح البابُ للمغامرين العسكريين، وقادة الأجهزة الخفية، خفافيش الدم، لكي يشربوا ما يشاؤون من دماء، وينطلقوا بحروب القتل والمجد الفارغ وإفناء البشر.

هنا يظهرُ الشمرُ بن ذي الجوشن والحجاجُ بن يوسف الثقفي ونابليون وهتلر وستالين فحين تبدأ السواطيرُ في قطعِ أعناق المناضلين تنفتح بواباتُ الجزارين، وتـُداس القيمُ والأخلاق أرفعُ ما كرستهُ الأديانُ والأفكار، ولا يُعد لدم الإنسان وشرفه وعائلته أدنى مكانة.

وإذلال الرموز الذين حملهم هذا الإنسان نفسه لسدة الحكم، هو دولاب لا يتوقف، وآلة جهنمية سوف تطحن كثيرين بمن فيهم المحاكمين والقادة، إن لم ترتفع الأصوات البشرية في كل مكان لمنع ذلك، لمنع سلخ جسد إيران حية تنزفُ أمام المسرح العالمي، منهوشة في كلِ جزءٍ من جسمِها ومدمرة في كل خلية من روحها العظيمة، إن لم تدوِ صرخة ديمتروف البلغاري الشجاع في مواجهة الجلادين وتضع حداً لدركولا برلين لكي لا يصير كونياً ويحرق العالم.

لقد قدم الوطاويطُ عظاماً سياسية هشة، لكي يكسبوا البطولة الجبانة، ويشربوا دماءها أمام عدسات التلفزيون الميتة بكلِ تشفٍ وغرور، ورغم ذلك ذهب ضحايا في الأقبية السرية ماتوا تحت التعذيب، بل قلْ إنهم صمدوا تحت السحق الروحي، وليس كل إنسان قادر على ذلك، وهذه هي سمة الشهداء، لا سمة السياسيين العائشين على المناورات الحزبية والنضال الصالوني.

ومن حق كل إنسان أن يعترف وحتى أن يُهزم محافظاً على حياته وأوضاع أهله، فهذه هي طاقة تحمله، ولكن سوف تسقط روحه القتالية ولا شك في القعر إلى الأبد، ليتحطم على نحو مريع نفسي، وهنا ندرك ماذا تعني الشهادة وشهادة الإمام الحسين خاصة في مثل هذا الظرف، فليس كل من هتف صدق، هنا نعرف ماذا تعني هزيمة الروح وسحقها، ليظهر (البطل) ذليلاً يسعى فقط من أجل البقاء والعيش، يفقد كرامته الكفاحية بؤرة بشريته، وينضم للمُدمرين. ويفتح جهنمَ الانتقام والثأر التي تبلعُ في أحشائها الثورة والثوار.

لكن بالمقابل يفقد الجاني، السوط المسرور بسوائل الدم التي ينتفخُ بها من ظهور المناضلين، والمنتشي بدموعِ الأمهاتِ والزوجات والأرامل! ويصيرُ مجردَ حثالةٍ تاريخية، وجيفة سياسية!

على الأنظمة العربية والإسلامية أن تخرج من هذا التاريخ الفظيع إذا أرادت أن تنظمَ لركبِ الإنسانية، تاريخ الوحشية والتعذيب والجلادين، والاعترافات المزورة وشهادات الزور والإفادات الملفقة المكتوبة بالحبر الدموي البشري، وأن تنظف مخازنها المليئة الرثة من كل هذه الأشباح والوطاويط العائشة على الدم والعظام وتحرقُ على الملأ جبالَ الاعترافات والإفادات والتزوير.

استطاع نظامٌ عربي واحد فقط هو المغرب أن يخرجَ من هذا التاريخ الملوث، تاريخ التعذيب والضحايا وورق الاعترافات المُذلة، وأن يحترمَ آدمية الإنسان، ويلقي بملفات التعذيب وتزوير الإفادات في المحيط الأطلسي، فمتى تفعل ذلك بقية الأنظمة (العربية الإسلامية)؟

#إيران

الروايةُ وبناءُ وطن : عبـــــــدالله خلـــــــيفة

#الرواية_في_البحرين #الرواية_البحرينية

تتداخل الروايةُ والرؤيةُ الفكرية، ولكلِ منهما مستوى وبنية، ولا نستطيع أن نقرأ الرواية مثل الرؤى خارج التاريخ والمراحل.
إن روايات بلزاك مرتبطةٌ بمرحلة متقدمة من التطور الاقتصادي مختلف عن روايات تولستوي التي هي مرتبطة بمستوى آخر، ولهذا فإن معالجات بلزاك للحياة تختلف عن تولستوي الذي عاش في بلد متأخر عن ذلك التطور، ولكل من الروائيين أفكاره الاجتماعية والفنية، فتنمو التجارب الروائية في حقول مختلفة عامة وخاصة.
الآن يلخصون الرؤيةَ في (الإيديولوجية) ولكنها المصطلح الأول ذا عمق أوسع، فالروائي يجسد نظرته في الحياة التي هي تاريخية، فلها زمن تطورت وصُقلت لديه ولها زمن موضوعي إجتماعي حيث تشكلت في تطور الثقافة المحلية.
الزمانُ التاريخي البشري المعاصرُ متشابهٌ حيث بدأت الرأسماليةُ في غرب أوربا وأمتدت إنسانياً، ولهذا نجد الحلقةَ الفرنسية في زمنية بلزاك قد قاومت وتخلصت بشكلٍ كبير من زمنيةِ الإقطاع، وغدت العملياتُ الاقتصادية المالية فاقعة تتحكم في البشر، هذا ماتبرزهُ رواياتُ بلزاك وشكل أحداثاً وشخصيات تتبلور في الحياة.
في حين أن الحلقة الروسية كانت لا تزال تدخل في هذه العلاقات ولا تزال العبوديةُ ورقيق الأرض تثقلُ الحياةَ الاجتماعية العامة بطابعٍ حاد يحيلُها لبؤسٍ واسع، ولهذا نجدُّ الثيمةَ الكبرى في روايات تولستوي هي قضية الأرض والعاملين فيها وعالم الرقيق القديم السائد غير المتزحزح.
وحين نجيء للبحرين والجزيرة العربية لابد من قراءة المرحلة الاجتماعية، حيث لايزال التطور الحديث في أوله، وصراع التحرر والوجود الوطني في بدايته بحيث إن النتاجات الثقافية احتاجت لزمن طويل كي تتشرب رائحة الأرض وتغتني بعناصر ثقافية محلية وعربية، أما النوع الروائي فأحتاج لزمن أطول، إنه بالكاد يتحسسُّ الصراعات الحديثة.
إن هذه المرحلية والدوائر البشرية لا تعني عدم تداخلها فقد يقفزُ تكوينٌ أوروبي في هذه الغضاضة الإبداعية المحلية وينحشرُ داخلَها وسواءً كان ذلك باقتسار أم بتطور داخلي وطني متصاعد، حيث يلبس اللباسُ الوطني العربي الشكلَ الخارجي ويطوعه.
مهمة الناقد هي قراءة هذه المرحلية المتصاعدة، وكيف يتتبعُ تجاربَ الروائيين في تناميها التاريخي، ويمسك خيطَ التطور المتداخل مع تطور البنية الاجتماعية ومدى تطور نظرة الروائي وعلاقاتها بالصراعات الاجتماعية والسياسية والفكرية، وتلك مهمات تحتاجُ إلى تأنٍ شديد وبدون استعجال، وإلا اختلطت الأشياء اختلاطاً شديداً.
وعمليات الدرس النقدية للتجارب الروائية هي لها تاريخ كذلك، ثمة دارسٌ عدته في بدايتها، وتطوره بمدى قدرته على متابعة البلد والمنطقة في تطورهما، لكنه يستعجل ويلقي بمحفوظاته الدراسية على الثقافة، وتنفصل غالباً هذه المجلوبات عن الدرس العميق للرواية، وتتصدر أحكامه الشخصية ملاحظاته، وتتقطع الملاحظات عن مشاهد المسرح الكلية للأعمال، وعن السيرورة التاريخية لتطور الرواية.
الدراسات محدودة ومتقطعة وجزئية لذا فإن الأعمال الواسعة الحفرية لا تزال غير موجودة.
إن تناول أعمال الروائيين في مسارها، وقراءة خيوط التطور فيها هو المؤدي لفهم كل عمل بذاته ووضعه في حلقته، ومن ثم الوصول للتعميمات الفكرية الفنية النابعة من هذه التحليلات المعمقة.
ولهذا فإن قيام أي دارس بمحاولة هذا العرض الكلي للتجارب الروائية تغدو مغامرة محفوفة بالمخاطر خاصة إذا لم يتتبع مرحلية التطور والسياق الاجتماعي الفكري للبلد، وجاءت الأعمال في غير سياق فني، ولم تقرأ التنامي الكتابي.
هذا ينطبق على عمل الدارسة (أنيسة السعدون) في كتابها (الرواية والأيديولوجيا)، من إصدارات وزراة الثقافة البحرينية، وطباعة الدار العربية للدراسات والنشر 2013، فهي أخذت أربع روايات بحرينية مختلفة وقامت بقراءة البناء والأفكار فيها، ولا يربط بين هذه الروايات سوى صدورها عن مؤلفين بحرينيين، وهي منتزعة من لحظات إنتاجية مختلفة، فواحدة هي من أعمال عبدالله خليفة قبل الأخيرة (الينابيع ثلاثة أجزاء ممتدة على أكثر من عقد)، في حين أن الثانية (سلالم الهواء هي لمحمد عبدالملك) وهي من أعماله التالية غير الأولى، مثل الكاتبة الروائية التالية فوزية رشيد (وهي رواية القلق السري)، أما الروائي الأخير وهو أمين صالح فعمله الأول المبكر (أغنية أ.ص).
إن انتزاع هذه الروايات من شريطها الاجتماعي التاريخي وقراءتها وهي منفصلة غير منبثقة من مسار كل كاتب ومسار تطور البلد يطرح مدى قدرة الدراسة – أي دراسة – على التحليل العميق والمقارب للتجربة الروائية والثقافية البحرينية، ومن جهةٍ أخرى فلا بد من الاهتمام بكل عملية نقدية للنتاج المحلي فهي تمثل تضحية من قبل الباحث وجهد يُشكر عليها مهما كانت اجتهاداته.
ليس ثمة ترابطات ومحاور بين الأعمال الروائية التي اتخذتها الدارسة أنيسة السعدون لكتابها (الرواية والأيديولوجيا) غير البحث في الواقع السياسي العام والأفكار العامة للمؤلفين، وهي في مقدمتها تعطينا صورةً قاتمة لواقع الرواية وواقع الثقافة الإبداعية في البلد ككل وتلخصها في فقرات قليلة حاسمة، وبدايتها كون الرواية غير موجودة في الأسواق وغير منتشرة وغير مقروءة وغير منقودة إلا من بضعة كتاب نادرين، وأن هذا جزء من المناخ الثقافي المتردي الذي خلقته الموجةُ الأدبية المعاصرة ذات الخلافات الصراعية المدمرة!
تقول:
(ومما يزيد المشهد تهافتاً مشاركة الكتاب والنقاد أنفسهم في إضعاف الحركة الأدبية والحركة النقدية في البحرين)، ص13، في حين إن ذلك كان كله كان حوارات وكتابات لفحص النتاجات وتحليل الحياة الفكرية والثقافية والصراع حول جذورها ودلالاتها ومصيرها، وقد أدى ذلك لتبلور اتجاهين إبداعيين واقعي وتجريبي، وتغلغل الكتاب في الحركات الاجتماعية وساهموا فيها بالتضحيات وحتى الاستشهاد وبصنع التجارب الشخصية، ومن الطبيعي أن تُجابه النشاطات السياسية والفكرية الوطنية الجريئة هذه بالمصادرات والسجن، وهي جوانب خلقت الحياة الثقافية والسياسية وساهمت في إغناء الأعمال الروائية والنقد، ومن العجب أن تستشهد بآراء واهنة هروبية مختزلة في تحليل تجربة بلدها التاريخية الكلية وبشكل وامض وتملأ الكتاب كذلك بالاستشهادات الأجنبية بشكل مطول واسع.
يعبر هذا التقزيم للرواية في البحرين عن ضعف قراءة التطور التاريخي للرواية حيث ظهرت عبر تطور الصحافة كمحاولات قصصية قصيرة ثم كأعمال روائية مسلسلة ثم ككتب مستقلة.
عملية البحث عن الأجنة الصغيرة للرواية وتطورها كانت غير ممكنة في دراسة سريعة مختزلة طائرة لا تتغلغل في بُنى الواقع المحلي ثم في تجارب الروائيين المتعددة، لتدرس هياكل التجربة ومدى تجذرها في الواقع ومدى نمو قدراتها الفنية.
ومن هنا عملية الاسقاط الأيديولوجي الذاتية التي تلقيها على التجارب، ووجود الأحكام المتناقضة، ففي رواية تعكس وعياً دينياً تقول عنها إنها(واقعية اشتراكية)، في حين أن وجود زمن ديني محافظ يحاول أن يمزج بين العصرين العباسي والحديث بأشكال ضبابية رومانتيكية ينفي إمكانية وعي واقعي اشتراكي يجسد صراع الطبقات البرجوازية والعمالية في نظام رأسمالي متطور!
وإذ تعكس تجربة رواية (أغنية أ. ص) تجربة المؤلف من قصة قصيرة مفككة، تعتمد التداعيات الذاتية الحرة، شديدة التناثر فإنها لا تقوم بتجسيد تجربة شخصية واجتماعية متبلورة تصور واقعاً تاريخياً وذاتياً، ولهذا فإن المؤلف ينمو باتجاه ذلك عبر تجارب رواية أخرى تالية لم تُدرس من قبل المؤلفة، والتجربة الأولى الغضة لا يمكن أن تقود لأحكام كبيرة مثل (هي محصول أفكار أراد أن يبثها الراوي، ويقلب أنحاء النظر بالتأمل، والتحليل والتعليق على قضايا متنوعة انبثاقاً من رؤية ماركسية)، ص 124. فأي رؤية ماركسية تنتج من بناء متناثر لم يخلق هيكلاً حدثياً وشخوصاً؟ والكاتبة على كثرة استشهاداتها بالماركسية لا تعرف أولياتها من حيث هي رؤية تاريخية اجتماعية متنامية ذات قوانين في فهم الواقع والنوع الأدبي الروائي. فهنا تناقض أيديولوجي بين اعتقادات الكاتبة الدينية والرؤية الماركسية، فهي لا تتبنى هذه الرؤية ومع هذا تسقطها على الأعمال الإبداعية دون قراءة داخلية متفهمة.
كراهية التجارب المحلية والتصغير منها تتوسع في قراءتها لرواية (الينابيع)، وعدم استخلاص الدلالات الكلية من البناء وليس من مواقف الشخصيات التي تعكس تجاربها وليس رؤية المؤلف، ونقرأ تعليقاً من كاتب أردني بارز يرد على هذا الجانب وهو الباحث الأكاديمي إبراهيم خليل:
(فكانت رواية عبدالله خليفة (الينابيع) 1998 أولى الروايات التي وضعتها المؤلفة تحت المَجْهر. فشخصية محمد عواد هي الشخصية الرئيسة البارزة، وقد يكون لاسم هذه الشخصية تأثيرهُ في انطباعات القارئ عنها، فالعواد اسمٌ عُرف به لعشقه آلة العود، والموسيقى، والغناء، ولعل هذا هو الذي جعل المؤلف خليفة يعنون القسم الأول من الرواية بالصوت.
وقد واجه العواد هذا الكثير من التضييق الاجتماعي، والاستبعاد الأخلاقي، بسبب تعلقه الشديد بالغناء، والموسيقى، ولا سيما من الجيل الذي نشأ وترعرع في الماضي، وشابتْ رجالاته على عاداتٍ، وتقاليدَ متحجِّرَة، تعد المغني، أو الموسيقي نموذجا منحرفا عن السراط المستقيم، تجبُ محاربته، ونبذه، واستبعاده. والمؤلفة تستخلص – محقة- من هذا الموقف اتخاذ الكاتب عبد الله خليفة من شخصية العواد قناعًا «يدين به الرؤية التقليدية المحافظة ذات التوجه اليميني» (ص 71) وأنَّ هذه الشخصية، بسبب ذلك، تترنَّح بين التقاليد، والتغْيير، موتورة الخطاب، مما يدفع بها دفعًا للبحث عن مكان آخر تلجأ إليه وهو (المحرّق) طمعًا في العثور على ملاذ آمن تستطيع فيه أنْ تنتج ما تشاء من الأغاني، ومن الموسيقى، وتبدع.
بيْدَ أن الرياح لم تجر بما تشتهيه السفن، فيشد الرحال ثانية للهند للغرض ذاته. ومن تتبُّعها الدقيق لمجريات الحكاية تخلص أنيسة السعدون لرأي مؤداه أن شخصية العواد سلبية، لأنها تكتفي بنقد الواقع وبإدراك ما فيه من تداع، وتقفُ عاجزة عنْ تغييره. (ص 75) فالدائرة التي وضع فيها عبدالله خليفة بطله، هذا، دائرة مغلقة، تنتهي بخاتمة تقليديّة ليس فيها بريق نورٍ، ولا بصيص أمل. وتبعًا لذلك فإن النهاية التي تؤول إليها، وهي مصرعها على يدي ابن ميّ زوج الشيخ (حامد) نهاية مأساوية، متوقَّعَة. (ص76).
ولا تفتأ المؤلفة – مع هذا- تؤكِّدُ أن العواد يحتج على ذلك الموقف القمعي، المتهافت، المهزوم. (ص77) ونحن نرى في هذا التوكيد ما يخالف تأكيدها السابق، فالبطل الذي ينتقد الواقع المتأزم مشيرًا لما فيه من انهيارات، لا يُعدّ بطلاً سلبياً، وليس ينتظر من الكاتب الروائي أن يطرح بديلاً لذلك. سواء أكان هذا البديل أفضل ممّا هو كائن، أوْ لم يكن. إذ لو توخَّى الكاتب هذا عامدًا لما حال بينه وبين الوقوع في شرك الأيديولجيا بمعناها الحرفي، ولا بينه وبين الوقوع أيضًا في فخ المباشرة، وتحوُّل الرواية من عمل فني إلى آخر وعظيّ، وهذا ما حذرت منه السعدون في تمهيدها الشيّق.
وقد تتبعتْ المؤلفة تتبُّعًا دقيقا الشخصيات الأخرى في الينابيع كشخصية إبراهيم زويّد، والشيخ محمد، وزهرة، وعلي الابن غير الشرعي للعواد، وبعض الشخصيات الأجنبية، ومنها الميجر بيلي، وجون سميث، وزوجته. ولم يغب عن بال الناقدة وهي ترمي تلك الشخصيات بتهمة السلبية تارة، والتآمر تارة أخرى، والطمع بثروات البحرين من نفط وغيره تاراتٍ أُخر، أن تلتفت للجانب الآخر من الصورة.
فقد ذكرت أن في وجه تلك الشخصيات المستغلّة (بالكسر) فئة مثقفة متعلمة من الشباب تؤمن بقداسة الوطن، وتدين بقضايا الأمة، من نحو: جميل المدهون، وكريم شاكر، وسلمان العكار، وبدر الوزان. وقد صرح جميل في أحد الحوارات، بالنهج الذي عليهم أن يتبعوه.: «دعونا نصنع أشياء رائعة لأرضنا، وقوميتنا المهددة بالانقراض والموت.. بدلا من الدهاليز المعتمة. ومهن الدواوين والخياطة والإمامة». ص 84 فمثل هذه الإشارة تكفي للدفاع عن موقف عبدالله خليفة الذي وُصِمَ ظلمًا بالسلبية. فهو يسلط الأضواء على هاتيك القوى المرشحة للقيام بما من شأنه تغيير الواقع الذي تصوره من خلال شخصية محمد العواد، واقعًا منهارًا مأزومًا فاسدًا. وهذه هي وجهة نظر جورج لوكاش الذي لا يفترض في الكاتب الواقعي أن يكتفي بتصوير الواقع كما هو، فهذا، في رأيه، كاتب طبيعيّ. ولا يفترض فيه أن يقدم حلولا للمشكلات الاجتماعية، والاقتصادية، بحيث يتحول إلى واعظ، فحسبه أنْ يسلط الضوء على القوى الكامنة القادرة على التغيير.
والصحيح أن المؤلفة لم يفتها هذا، فقد نبهت في إشارة مختصرة، وعابرة، على إخفاق هذه الفئة المثقفة المتعلمة في تحقيق ما ينسب للإنجاز لا للأماني. فذكرتْ أن بعض هؤلاء كجميل شاكر، وبدر، وغيرهما.. انكفأوا على ذواتهم، ولم يواصلوا السعي لتحقيق ما يرجونه من إعادة ترتيب البيت البحريني. ولهذا خلصت إلى نتيجة صنفت فيها الرواية تصنيفا ثابتا لا مِرْيَة فيه، ولا جدال، وذلك أنَّ الكاتب يحملُ «رؤية انتقادية أكثر رسوخًا في عالم الرواية- الينابيع- بأفول تباشير التغيير حتى مع فئة الشباب المثقف». (ص 85 ).
إن غياب قراءة تطور الرواية المحلية ومعرفة مساراتها لا شك أنه يؤدي لأحكام مُسقطة متناقضة.