من تجربة اليسار العراقي : سفر ومحطات لــ شوكت خزندار

من تجربة اليسار العراقي

في كتابه (سفر ومحطات) يقدمُ لنا المناضلُ العراقي شوكت خزندار موادَ تجربةٍ ضخمة، وليس هذا بغريبٍ على العراقيين الذين إهتموا بتجربتهم السياسية إهتماماً كبيراً رغم الإهمال الطويل الذي جرى لها في عقود سابقة، بسببِ كونها تجربة غنية بالملاحم النضالية وبالأخطاء الجسيمة كذلك وتعكس مستوى من مستويات تطور اليسار العربي في أكثر أشكاله درامية وخصوبة.
كوّنَ الباحثُ المؤلفُ مادتَهُ من عصارةِ حياته، فكان يجمع خيوطها الطيفية من الذكريات والمراجعات، ثم وجد في خضم الصراعات إن مادة تاريخ حزبه؛ الحزب الشيوعي العراقي، هي نفسها تتعرضُ للتشويه والتأويلات المختلفة وللحرق والإزالة.
إستطاع أن يكّونَ هذه المادةَ التي تغدو هي بحدِ ذاتها شهادة نضال، بسببِ إصرارهِ على البقاءِ في التنظيم رغم كل العواصف، وجمع مواد التاريخ من خلال الوثائق، فوجوده في إدارة مهمات التنظيم من طباعة وأرشفة وتنظيم للاجتماعات وللجان التحقيق وغيرها جعلته في قلب الأحداث وفهم القادة والأعضاء ومسار تاريخ الحزب حسب إجتهاده.
وتم ذلك منذ بداية الخمسينيات حتى الثمانينيات من القرن العشرين، وهي فترةُ عقودٍ إشتغلَّ فيها بشكلٍ يومي داخل العراق وخارجه عبر السفر في البلدان العربية والاتحاد السوفيتي وأوربا، وقريباً من قيادة التنظيم وقواعده، فشهدَ صعوده وشهد هبوطه، شاركَ في السجون التي تسلطت عليه، وراقب حملات القمع التي قام بها الحزبُ ضد الآخرين كذلك، عملَ لإنتاجِ ورقهِ المضيءِ لتبصير الناس بأوضاعهم وحقوقهم، وأوقف كتباً ومنشورات هجمت عليها رقاباتُ الأنظمة ورقابة حزبه كذلك.
إنه راوٍ موضوعي بأسلوب ابن البلد الصنايعي، ويقدمُ روايتَهُ التي جمعها بذلك الصبر الأسطوري كمادةٍ قابلة لمختلفِ الطعون، بل يقومُ بعرضِها قبل النشر ليعلق عليها بعضُ رفاقه مؤيدين أو منتقدين عباراته، ويحملُها كلَ هجومه الضاري على قيادة الحزب خاصة الأمين العام السابق لهذا الحزب وهو الأستاذ عزيز محمد وأمينه العام الحالي كذلك الأستاذ حميد موسى وهما معروفان في الساحة السياسية العربية والعالمية.
إن موضوعيته الروائية تكمنُ في تقديمهِ المادةَ الخامَ التي جرتْ فيها الأحداث، وهو فيها شاهد عيان فإذا لم يكن شاهد عيان لا يقوم بعرضها إلا من خلال راوٍ آخر محدد الأسم.
يعرضُ في هذه المذكرات شخصياتٍ شهيرةً كعبدالكريم قاسم وصدام حسين وعبدالسلام عارف إضافة طبعاً لقيادات الحزب الشيوعي العراقي.
وهو ينطلقُ من هذه الإيديولوجية الماركسية – اللينينية التي ثبتَّ تناقضها التركيبي، دون أن يهتم بهذا التناقض التركيبي، والكتاب كُتب قبلَ وبعد إنهيار الاتحاد السوفيتي والرأسماليات الحكومية الشرقية الأخرى.
وهو كشغيلٍ ومالكٍ صغيرٍ عاشَ في ظروفِ العاملين بعيشهم الصعب المحدود وفي تفتح هذا العيش خاصة حين يرتبط بقوى الدولةِ ذات الموارد، وعبر المادة الفكرية الأسلوبية المتاحة لهذه الفئات، وبالتالي فإن ما يرويه هو المادة الخام النضالية التي من الممكن الاستفادة منها لدرس هذه التجربة وما يماثلها كذلك من تجارب.
إن المنطلقَ الفكري يحددُ طبيعةَ المادةَ المعروضة، بل هو يحددُ التجربةَ وتناقضاتها، غيرَ المرئية لمثل هذا الوعي، فهو يبقى على سطوحِ هذه المادة، ويعرضُ تأزماتها وسيرورتها كأخطاءِ قياداتٍ إنتهازية، حادت عن (الحقيقة) المتمثلة بذلك المنطلق الماركسي – اللينيني، وليس أن وعيَهُ لم يقرأ تناقضات الواقع والطبقات والفئات وصراعها.
(الحقيقة) بدأت من لينين وثورته (الإشتراكية)وأقتبسها قائدٌ آخر هو فهد وحاولَ إعادةَ تطبيقها في الواقع العراقي، والاشتراكية قادمة من كارل ماركس بأوربا، يقول الأستاذ شوكت خازندار في تحديده للتجربة الإشتراكية:
(صحيح كان في الاتحاد السوفياتي بطالة مقنعة ولكن في النهاية الكل يعمل ولم نجد إنساناً تحت خط الفقر. ولم نجد أيضاً في الاتحاد السوفياتي مواطن(؟) يبحث عن وجبة طعامه داخل القمامة كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية؟!)، ص222، دار الكنوز، بيروت.
قراءةُ المناضلِ العراقي تقفُ فوق سطوح الظواهر، وسنحاول هنا أن نقرأ تناقضات هذا الوعي عبر هذه العروض للأمثلة مخترقينها نحو السببيات البعيدة، فالعديد من الأفكار تقف عند الظاهر، المرئي المحدود، فكان ينبغي للنص أن يتساءل عن الأسباب العميقة لسقوط (الاشتراكية) ولماذا زالت قيادة العمال ولم يزل الإستغلال وإستمرت هيمنة الإدارات الحكومية البيروقراطية التي تعالت داخل التجربة السوفيتية وتحولت إلى القوارض الداخلية لفائض القيمة العام وحولته إلى منشآت رأسمالية خاصة. كانت السمات الإيجابية التحويلية(الإشتراكية) في بدايات التجربة وبعدئذ ذابت هذه القيادة وذابت الجماعية والسوفيتيات. ولا بد أن نقرأ لاحقاً هذا التداخل بين التجربتين العراقية والسوفيتية، بين ما هو وطني وما هو عالمي، وكيف قادت عمليتا الترابط والتداخل إلى نخر التجربتين معاً.
إذن لم يقتبسْ فهد الاشتراكيةَ لكنه إقتبسَ مشروع الرأسمالية الحكومية الروسية، (حسب شعاره لا نريد اشتراكية ديمقراطية بل نريد شيوعية)، ولنقلْ بشكلٍ آخر إن فئاتٍ وسطى وعاملة عراقية وعربية وعالمية إقتبست هذا الهيكلَ الرأسمالي العام في ذلك الظرف التاريخ الملتبس الدقيق، وأرادت تطبيقه في بلدان أخرى، وجرى ذلك في هذا الحراك التاريخي التعجيلي بنشر الرأسمالية بوسائل سياسية فإدارية حكومية.
يعبرُ مصطلحُ الماركسية – اللينينية عن هذا التركيب المتضاد، الذي أعتبرهُ كاتبُ كتابِ(سفر ومحطات) مفتاحَ فهمٍ وعرضٍ لتجربة الحزب الشيوعي العراقي، لكنه مفتاح كشف تناقضات التجربة ككلِ أيضاً.
فالماركسيةُ في قمتِها الغربيةِ، أي في نضجِها، أداةُ تحليلٍ موضوعية، ولكن اللينينيةَ إنتقائية، ذاتية، شكلتْ شموليةً سياسيةً قافزةً على التحليل الماركسي للمجتمعات الشرقية.
وقد قادت الأحداثُ التاريخيةُ الأليمة المريرة إلى كشفِ التناقض بين المصطلحين، ليس على المستوى الروسي فحسب، بل على المستوى العراقي، وعلى المستوى العالمي كذلك.
لقد أجرتْ الأحداثُ نفسُها عمليةَ التفكيك، لكن العديدَ من العقولِ المناضلة لم تقمْ بذلك، ولهذا نعودُ إلى المنهجيةِ الأولى وقد تمت تنقيتها من بعض الشوائبِ الاستبدادية الشرقية، مستفيدين كذلك من الجوانبِ الإيجابيةِ من التجربةِ الروسية السوفيتية وبقية منظومة الرأسماليات الحكومية ومن التجاربِ النضالية التي عاشت في مناخها وتأثرت بها إيجاباً وسلباً.
ولكن حين يضيع هذا الخيطُ الأساسي فإن موادَ التجربةِ المُفَّكرِ فيها تضيع، وتضطربُ، وأهم هذه المواد هي مادة من يقودُ الحزبَ، وهو هنا الحزب الشيوعي العراقي؟
إن من يقود هو هذه الفئة الوسطى، هذه الخلية الاجتماعية المُسماة برجوازية صغيرة، وهي التي تتلبسُ معاناةَ العمال والعامة وتريدُ أن تحلَ مشكلاتِها، لكن من خلال سيطرتِها ودكتاتوريِتها هي، لكنها تقولُ إنها دكتاتورية العمال.
ولهذا فإن الحراكَ هو حراكُ هذه الفئة، ويختلف مسارُ قيادةِ البرجوازيةِ الصغيرةِ النهضويةِ اليسارية في الاتحاد السوفيتي عن مسارهِ في العراق، لكنهما يتلاقيان، فقد سبقتْ التجربةُ الروسيةُ وكونتْ نظاماً يُحتذى ويَغمرُ بالمساعدات، وهو نظامٌ غيَّرَ البنيةَ الإقطاعيةَ المتخلفة وشكَّل حداثةً كبيرةً من خلال ذلك النظام الرأسمالي الحكومي، وأراد أن يقودَ النظامَ العالمي، غير معترفٍ بأنهُ جزءٌ من النظام الرأسمالي العالمي ومن الجزء النامي فيه.
هو شكلٌ صاعدٌ من الرأسماليةِ العالمية وتوجه لمقاربتِها بسرعة من ضمن قوانينه ومستواه، وهو شكلٌ أولي من إشتراكيةٍ غيرِ مكتملةٍ ظهرتْ قبل الولادة الطبيعية. أي هو طفولةٌ لإشتراكيةٍ مخنوقةٍ بسبب الدكتاتورية وتخلف قوى الإنتاج التي قامَ عليها.
فتكون ذلك في رأسماليةٍ حكومية تناقضتْ بها السبلُ حتى تمزقت من الداخل.
وأخذ الشيوعيون في العالم الثالث وبعض القوى السياسية الغربية هذا النموذج وجُعل مؤسساً طليعياً. وغدت سياساته الداخلية والخارجية جزءٌ لا ينفصل من النموذج، هذا جزءٌ من وعي طبيعي في ذلك الزمن، ولكن غير الطبيعي هو الإستمرار فيه.
ويعرضُ لنا شوكت خزندار مادةً وفيرةً عن هذه التناقضات في الماضي، وأغلبها تصوير لتبعية هذه الفئة المناضلة العراقية للقيادة الروسية، وهو تعبيرٌ عن مصالح هذه الفئة في الانحياز للقوى الحاكمة السائدة في أغلب المراحل.
ثمة جماعة في التنظيم قاربت الموضوعية في رؤيتها وهي جماعةُ (إتحاد الشغيلة)، (1954) التي رأتْ إن النضالَ والبقاءَ في النظام الملكي وتطويره ديمقراطياً بشكلٍ متصاعد ورفض المغامرات السياسية، هو السبيل الصحيح والعقلاني للحزب.
لكن المؤلفَ والجماعات الأخرى صبوا جام نقدهم عليها وحطموها.
ثمة عوامل عديدة لذلك أهمها تصاعد الدور الروسي داخل الحزب، ودور الجماعات القومية والمذهبية في كراهية نظام ذي علاقة قوية بالغرب وغياب قائد عقلاني في النظام الملكي نفسه، وبعدها تفجرَ العنفُ والانقلابات المتعددة حتى وصل العراق إلى فسيفساء سياسية.
صار الحزب يتبع البوصلة الروسية، فكان عبدالكريم قاسم الزعيم الموتور مقبولاً في خريطتها المعقدة عالمياً، والموجهة لزحزحة مصالح الغرب إلى حد معين فقط، وينتبه المؤلف لهذا المأزق الحزبي ويطرح ضرورة تجاوز نظام قاسم وإستبداله بنظام (إشتراكي).
لكن الحزب صار مع السائد والغالب، عالمياً، ووطنياً، فتتوجه الفئةُ الوسطى فيه للاستفادةِ من منحِ ومساعدةِ الحليف، كما تستفيدُ من نظامِ قاسم، الذي تلاعبَ بكلِ القوى السياسية وبقي الحزب الشيوعي يدافع عنه حتى اللحظة الأخيرة بحماقةٍ كبيرة.
وهذه كانت إحدى لحظاتِ الإستنزافِ الكبيرة التي سيكون لها دور في حرق أرضه الخضراء وتصحرها القادم.
راحتْ الفئةُ العليا من الحزبِ تتبعَ قانونَ وجودِها الموضوعي، قانونَ البرجوازيةِ الصغيرة التي تمشي مع الغالبِ السائد وبشرط أن يكون هو المفيد، حتى إذا ذهبَ تبحثُ عن آخر وتلتصقُ به وهكذا دواليك.
وقد تحولتْ القيادةُ السوفيتية إلى رأسماليةٍ حكومية كبرى بعد أن كانت برجوازية صغيرة في بدءِ النظام، وراحتْ تتفسخُ من الداخل بسبب ذلك، فتخلقُ برجوازيات صغيرة وأنظمةً إستغلاليةً في قوالب (الإشتراكية) ومن خلال هذه العلاقات تتشكلُ صلاتٌ ومصالحٌ وفوائدٌ ضمن عالم التبعية (الاشتراكية)، وتغدو الثورة الحقيقية مُجهَّز عليها مسبقاً، والمبادرات النضالية المستقلة متوقفة.
إن هيمنة البرجوازية الصغيرة داخل الحزب الشيوعي العراقي تنمو لتكون برجوازية كبيرة. هذا هو قانونُ الحركةِ الاجتماعية، وفي ظلِ بنيتي الحراك التاريخي المتداخل، بنية المصدر الروسي السوفيتي، والبنية العراقية، اللتين يتفاوت بين تطورهما الزمن، فالبرجوازيةُ الصغيرةُ الروسية بدأت سيطرتَها في بدءِ النظام السوفيتي وأزاحت قيادة العمال، التي ظهرتْ مع تفجر الثورة وبتضحياتهم الكبيرة، وبالتالي قامت تلك الفئة بصناعة إيديولوجية مركبة متناقضة، شمولية، خصيصاً لنظامٍ رأسمالي حكومي، أسمها الماركسية – اللينينية، تعبرُ عن قفزةِ التغيير في الشرق وبأدواتٍ شعبوية دكتاتورية، لكن التركيب هذا كما قلنا يتفككُ بسببِ تناقضاتِ البنية الاجتماعية السوفيتية وحراكها بين ماقبل الرأسمالية وما بعد تأسيسها وتطورها، وتنتقل أصداءُ وشظايا هذه التناقضات للأحزاب الشقيقة ولحركة التحرر الوطني، التي لا تعي بشكل واسع هذه التناقضات في المركز.
ومن هنا فإن السيد شوكت خزندار الذي يؤرخُ لتجربةِ الحزب الشيوعي العراقي يعالجُ من موقعهِ أصداءَ وآثارَ هذه التناقضات دون أن يتغلغلَ لفهم جذورها بين الكيان الحزبي الذي يعيشه والمركز الذي غدا هو الموجه وينقل رؤيته ومشكلاتها إلى الأطراف.
ففجأة بعد وقوف الحزب الشيوعي العراقي المطول مع نظام دكتاتوري فردي مريض هو نظام عبدالكريم قاسم يؤيدُ عمليةَ تصفية للحزب الشيوعي ويقبل أن يذوبَ في كيان أسمه الاتحاد الاشتراكي العربي بقيادة عبدالسلام عارف وأخيه عبدالرحمن، هذا التنظيم الفضفاض العاجز عن أي فعل نضالي.
روجت السياسةُ السوفيتيةُ في هذه السنوات لنمو الأنظمة الرأسمالية الحكومية الوطنية الأقل جذرية منها في عمليات التغيير، وهي سياسةٌ مفيدةٌ إيجابية في حينها لو ركزت على الديمقراطية في هذه الأنظمة وتطورها داخلها كذلك، لكن هذا أمرٌ يخالف طبيعة الرأسمالية الحكومية الروسية نفسها. إذ لم يكن بإمكانها أن تؤيدَ طبيعة ديمقراطية في أنظمةٍ وطنيةٍ تماثلها في السيطرة على المُلكية العامة، فكان لا بد أن تماثلها في شموليتها، ومن هنا طرحتْ القيادةُ السوفيتية وقتذاك تقييماً زائفاً لهذه الأنظمة بإعتبارها أنظمة لا رأسمالية، وهو كما يشير الباحث وغيره تعبير تلفيقي. ولم تقبل أن يتحول نظام مثل العراق إلى نظام (إشتراكي سوفيتي) على طريقتِها لما يمثله ذلك من صراعاتٍ حادةٍ هائلة في المنطقة تجرها لحرب عالمية، فهنا مراكز النفط، أما بلدان مثل اليمن الجنوبي والحبشة فلا تمثل مراكز هائلة للصراع العالمي.
هكذا أخذت التجاربُ والأحزابُ تتكيف حسب أهداف وعلاقات المركز، وتغدو البرجوازية الصغيرة في الحزب العراقي تابعة للبرجوازية الروسية الحكومية، وتنمو في سياقِ التبعية، وتتوقفُ مشارطُ التحليل العميق لديها للواقع المحلي، في كلِ ظرفٍ سياسي رئيسي، كفتراتِ عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف ثم في عهدي البكر وصدام، فغدا عهدُ البعثِ عهدَ الجبهةِ الوطنية، حيث تقزم الحزب الشيوعي وتقلص ثم قُمع بشدة ثم نجا بنفسه من هذه المصيدة الكبرى عبر إستشعار حس الخطر لدى قيادته.
تدهورتْ القيادةُ البرجوازيةُ الحكوميةُ الروسية وتعفنتْ من الداخل، وقامتْ بمغامراتٍ خطيرة على مستويات كثيرة أنهكتْ الاقتصاد ومعيشة الشعب ودهورت الإنتاج، وبطبيعة الحال لا يمكن لقيادة مثل هذه أن تتبصرَ المنزلقَ الخطيرَ الذي يقومُ بهِ صدامُ حسين، فتدعو للانقضاضِ عليه وإزالتهِ وهو في بدءِ تكوينهِ، بل شجعتْ صعودَهُ وغذته.
ثم على إنقاض القيادة الروسية (السوفيتية) ظهرت قيادةٌ أخرى تخلصت من الكثير من هذه الأعباء الاقتصادية والسياسية الخارجية والداخلية، وأوضحت نفسها كنظام رأسمالي عادي.
قامت الحروبُ التي خاضتها القياداتُ الروسية والعراقية في إفغانستان وإيران وفي شمال العراق ثم الكويت بتفجير التناقضات الداخلية في البلدين وتعرية طابعيهما الضارين، وغدت الحربُ كما قيل قاطرة التاريخ لكن للوراء هذه المرة.
لم يستطع المؤلفُ شوكت خازندار أن يربط بين النظامين، ويكشف طبيعة ما سُمي بالنظام الاشتراكي، العالمي والوطني، وغاص في حيثيات التجرب العراقية التفصيلية كأخطاء عزيز محمد وقيادته بحيث مضى في تفاصيل كثيرة أغلبها عام وبعضها شخصي، لكن للأمانة كان الكاتب موثقاً طارحاً الأدلة وحيثيات تفصيلية دقيقة لا تهم بصورة خاصة إلا العراقيين، وكان هذا تعبيراً عن النقص التحليلي الفكري للتجربة، فهو يقف عند سطوح التاريخ العراقي السياسي، بدون كشف الطبقات والفئات والأفكار التي تؤسس كل ذلك ويتوجه مطولاً نحو الأشخاص.
وعموماً فإن درس مثل هذا التاريخ هو لتعميق تحليل التجربة السياسية العراقية والعربية عامة، وتقديم حيثيات كبيرة للأجيال من أجل أن تدرس تاريخها، وتنحت مادة مؤثقة عن قادة أحياء وأموات قدموا الكثير من حياتهم لأجل الناس، بغض النظر عن مدى توفيقهم في هذا، وقدموا ذلك في ظروف قاسية معقدة متشابكة، ولكن لا بد فيها من التأصيل والفرز وتطوير نظرية النضال العربي التقدمي.
5 ــ اليسارُ العراقي يناضلُ بوطنيةٍ ديمقراطية
الحكومة المركزية العراقية التابعة للسياسة الإيرانية تعبر عن طابع الطائفيين اليمينيين غير الوطنيين العاجزين عن الارتفاع للمهام النضالية الوطنية العراقية.
مع انفصام هذه السياسة عن الجماهير العراقية عامة، والتحاقها بطائفة، فإنها انساقتْ وراءَ قواها العليا، خاصة في الأجهزةِ السياسية والمذهبية المستفيدة من هذه الهيمنة واشتغلتْ معاً على سياسةِ الغنائم وسط المذابح وتمزيق خريطة العراق الوطنية.
سياساتُ الطوائفِ لا تقودُ إلا إلى التداخل مع قوى الهيمنة الخارجية وتفتيت الشعب، وتعريض أمنه للخطر، وإدخاله الحرب الأهلية في خاتمة المطاف.
لكن اليسار العراقي اتخذ سياسةً مغايرة «جريئة» مقاتلة، ويعود هذا لتجذر صفوفه في أوساط الشعب المختلفة، من دون أن يجعل مستويات تطوره المختلفة شعبيا، واتساع صفوفه في إقليم من دون الآخر، إلى الغوص في المستنقع الطائفي واستغلال أعداده، فقد بقي وفيا لأطروحاته الوطنية الديمقراطية، وارتكازه على قوى العاملين والمثقفين الشعبيين والرأسمالية الوطنية، ولم يتخل عن تراثه الكفاحي الطويل في الانتماء إلى اليسار والعلمانية، وهذا أهله لأن يقود المعركة التوحيدية الوطنية من دون نسيان مطالب الشعب اليومية في الأجور والغذاء والسكن أو الانسياق وراء القوى الطائفية المتعددة المرتشية التي تدفع الرشا لحرف الطريق الوطني النضالي الواحد.
هذا لا يعني عدم ظهور انتهازيين يساريين استغلوا قومياتهم وطوائفهم ليركبوا الموجات المختلفة المؤشرة على أكل اللحم الشعبي نيئاً، لكنهم يتساقطون بفضل الصلابة الموجودة في تنظيمات لم تنحرف أو أن الانحرافات لم تستطع أن تدخل في عظامها المؤسِّسة وهي تلفظها باستمرار مع تقدمها في التعبير عن الشعب العراقي وليس عن الطوائف.
لقد قامت هذه القوى الطائفية المحافظة على تراث ديني وإرث قومي محافظين، جعلا من القومية الكردية أو الطوائف الإسلامية قوى متجوهرة مطلقة خارج التاريخ، وخارج الصراع الاجتماعي.
إن المذهبيةَ الشيعية المُسيَّسة المحافظة ترفضُ العصرنةَ والديمقراطية والصراع الاجتماعي داخل الطائفة، وهو ذاتهُ التراث السياسي الدموي الذي كرسهُ نظامُ البعث السابق في طائفة أخرى، والذي غدا حجر الزاوية لنظام ولاية الفقيه في إيران، وتنامت على جحافلهِ العامية الأمية لغة العساكرِ الدكتاتورية المُهَّددة للدول الأخرى الزاحفة في داخل أنظمتها المستقلة.
فيما الأكراد يريدون بناء نظام قومي شمولي ويقتطعون من الدول الأخرى أجساماً سياسية يشكلونَ بها دولتَهم الشمولية الشوفينية، وهذا الحلمُ يغدو كابوساً لغيرهم من الأمم ذات الحدود المعترف بها.
وفي سبيل ذلك يقيمون دكتاتوريةً قومية داخل مناطقهم ويحجّمون القوى الأخرى ويقزمونها ويتحالفون مع الطائفيين اليمينيين الشيعة للسيطرة على الأموال العامة ومقدرات الشعب في المركز بغداد، لتصعيد مثل هذه الفئات البيروقراطية السياسية القَبلية القومية الشوفينية الاستغلالية التي تعتاشُ على الجرائم والفساد والعداوات بين البشر والأمم والأديان وغير القادرة على إنتاج وعي عقلاني أو سياسة نضالية.
وفي هذا يدفعون العراق كبلدٍ إلى التمزق، والخراب، بدلاً من أن يناضلوا من أجل سياسة ديمقراطية وطنية عراقية، ويحشدوا قوى الفئات والطبقات المستنيرة لهيكل وطني توحيدي ديمقراطي معاً، يوزع الخيرات الكثيرة على الجميع ويصنع تنمية متوازنة بين المناطق المختلفة، ويجتث الأسسَ الإقطاعية وطفيليات العصور الوسطى التي لاتزال تأكلُ بنهم الجسدَ العراقي المذبوح الممزق.
اليسارُ العراقي يقومُ بذلك في خطوط عريضة عامة، ويدفعُ الشعبَ إلى التوحد ورفض المحاصصات الطائفية ويقوم بالدفاع عن حقوق الجماهير الشعبية الضائعة وسط الانتهازيات الطائفية المختلفة.
وقام في الفترة الأخيرة بنضال صلب واسع من أجل حياة معيشية جيدة للجمهور العام، ومن أجل ديمقراطية ووطنية عراقيتين متجددتين، ومن أجل ثقافة حرة لا يكتم أصواتها الأولياءُ الفاسدون والبيروقراطيون المتحكمون الذين نصبوا أنفسهم إقطاعيين سياسيين إداريين على العراق من خلال التلاعب بديمقراطية شكلانية وهي دكتاتورية طائفية ناقعة في الرجعية.
وهذه الهبة التي قام بها اليسار والليبراليون والوطنيون وراحت تتنامى وسط القمع والمذابح الإرهابية من قبل القاعدة ومن يحركها، أزعجت السلطة اللقيطة المكونة من مجموعات متحدة ومتنازعة من اللصوص، فراحت تقتل أبرز المثقفين العراقيين الذين ناضلوا على مدار عقود لوحدة العراق وتقدمه.
ان اغتيال فنانا مسرحيا صبيحة الجمعة 9 سبتمبر2011 اسمه هادي المهدي فهل كان يحمل رشاشاً؟ بل لأنه كان من أبرز القيادات التي تقود الاحتجاجات على سرقة المال العام والمحاصصة الطائفية وغلاء المعيشة. لم يكن سوى شخصية ثقافية فهل وصلت زمر الطائفيين إلى خنق أي صوت معارض؟
إذا كانوا يغتالون المسرحيين والأدباء فماذا يفعلون في القوى السياسية؟ إن المنطقةَ في خطر بسبب القوى الطائفية الفاشية المتصاعدة من إيران والعراق.

كلمات الاغلفة        

ثقافة العطالة العقلية

 ツ ثقافة العطالة العقلية ⇦ العام

لا شك أن المجتمعات الصغيرة ذات إنتاجية فكرية أقل، خاصة إذا ارتبطت بمناطق متصحرة أو ذات تاريخ نازف من الهجرة والانغلاق.

في مجتمع مثل العراق لم تستطع قوى القمع الرهيب على مدى نصف قرن أو أكثر، أن تعطل قواه العقلية عن الإنتاج، لأن مثقفيه في التيارات الحديثة السياسية كانوا ينتجون، رغم أن ربط الإنتاج الفكري بالسياسة أضر بعمق هذه التيارات في الرؤية وكشف الحياة والتاريخ.

لهذا نجد أن رواد النهضة العربية الذين ظهروا في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، اصدروا موسوعات حفرية، مثل جواد علي الذي كان كتابه “تاريخ العرب قبل الإسلام” في عشرة أجزاء هو المرجع الرئيسي لمن أراد أن يعرف كيف كانت الجزيرة العربية قبل الإسلام، والذي لم يقم فيه بتعميمات تاريخية، بل قام يرصد عبر الأدلة ما كان قبل الإسلام، من دون قفزات وافتراضات خيالية كما فعل آخرون في الفترة الأخيرة.

وعيب التيارات التي نشأت بعد عصر الرواد أنها – إضافة إلى ما قلناه عن الربط السريع والآلي بين السياسة وشتى ظواهر الحياة – أنها لم تطور ثقافة الرواد الموسوعية الليبرالية النهضوية.

لقد كانت الأرض بكراً وعمل هؤلاء في مشاغلهم على إنتاج البنية التحتية للعقلانية العربية التراثية، ووضع الأسس الأولى للأنواع الأدبية، فجاءتْ التياراتُ السياسية من يساريين وقوميين ودينيين، بأدلجةِ الثقافة، وجعل كل شيء خاضعاً للسياسة، وبدلاً من إنتاج الموسوعة صار إنتاج الدراسة ثم المقالة ثم العمود الصحفي.

حتى في الأطروحات الفكرية والتراثية خضعت الثقافة لهذه الأدلجة الوقتية، المتحولة، المتضاربة، المتضادة، القشورية.

لم يكن بإمكان مثل هذه الثقافة أن تنتقل من القشرة إلى الأعماق، فغدا الإنتاج، مثل الفئات المنتجة، طافيا فوق تيارات الحياة السياسية القوية، خاضعا لتقلباتها وجزئياتها وشعاراتها.

وفي حين كان الرواد مرتبطين بمشروع الحداثة العالمي، ذي المشتركات بين الشرق والغرب، خضعت التيارات الجديدة للصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب، فغدت أصداء لشمولياته المختلفة، وبهذا عجزت عن مراكمة أشياء كبيرة متصاعدة.

فيما كانت الثقافة التأسيسية تستبصر التأثير في مدى مرحلة تاريخية كاملة رأت الثقافة الراهنة التأثير في الراهن، وفي التقلبات السياسية.

وفيما رأت الأولى تغيير المجتمع رأت الثانية الوصول إلى السلطة بأسرع طريق.

غاب الخط الاستراتيجي النهضوي عن هذه الثقافة فدخلت في القفز على الواقع وسببيات الفنون والآداب.

وكما كانت مغامرات العسكريين فوق البنى الاجتماعية ولم تكن تحولاً تغييراً عميقاً من داخلها، كذلك كانت الثقافة والإنتاجات الأدبية والفنية، لكن هناك آداباً تعسرت على القفزة العسكرية ومن ثم الدينية والأنظمة الغريبة التي نتجت عن قوى التحولات، وهي الأنواع الأدبية التي اتصلت خاصة بالإنتاج الفردي الذي كان من الصعب على الدبابة أن تصل إلى سده، ولهذا فإن الرواية والقصة القصيرة والقصيدة استطاعت أن تهرب بجلدها الفني وتحقق تطوراتها من دون أن تتمكن بطبيعة الحال من التمثل العميق الواسع للواقع.

ولهذا فإن الفنون الجماهيرية هي التي تعرضت للتدهور؛ خاصة المسرح، المسلسل الدرامي المسلسل الإذاعي، ولحق بها الشعر الجماهيري، لأن انكفاءات الشعر الداخلية ظلت متوهجة.

إن الرواية ككائن أدبي مركب وعميق وناءٍ عن الرقابة غير الفنون (الهشة) المعرضة للاختراق والمنع وإعادة الإنتاج كما تريد السلطات، بأشكال شديدة التنوع والخبث.

في الأدب والفن عموماً كانت أضرار الأفكار الشمولية الشرقية، المرتبطة بصعود الرأسماليات الحكومية المتعددة الأنواع (ماركسية، وقومية، ووطنية، ودينية)، أقل تضرراً من الرؤى الفكرية والسياسية. ولهذا كانت المرحلة السابقة، مرحلة الشموليات القومية، مرحلة أدبية، فالتفكير السياسي تغلف بالصور والأخيلة والرموز.

لكن الكثير من التشوهات تنتج عن الوعي السائد في المرحلة، وعي القفزات والمغامرات، وهو وعي يعكس أفكار الأمم الشرقية في رفضها الهيمنة الخارجية، في زمن تطور اقتصاداتها الضعيفة، ومن هنا كان الرفض الواسع لليبرالية الديمقراطية الوطنية، وهي كانت الحاضنة الواسعة لتفتحها التدريجي، فاشتغلت الفئات الوسطى الصغيرة على القفزات في السياسة والثقافة.

والمرحلة الليبرالية الجديدة الآن تأتي ليس من خلال تراكم واسع تم في السابق، في كل حقول المعرفة والثقافة، بل تأتي في زمن فوضوي، وسوف يزداد فوضوية، مع انهيار آخر الأنظمة الشمولية الشرقية، التي لا تعطي فرصة للقوى الداخلية الليبرالية فيها أن تتنفس، وتشق طريق التطور الديمقراطي وسط مفردات الدين والقومية المتصلبة.

إن المرحلة الليبرالية الجديدة تشهد فسيفساء من الكواكب السياسية المحطمة سابقاً، والمتناثرة في الأجواء، وغدا الغرب الحكومي المتسع شرقاً هو اللاعب الأكبر، سواء كانت شركات عابرة للقارات اصبحت حكومات، أو من قبل الحكومات التي لم تعد ممثلة كلية لتلك الشركات، ولهذا فإن مهمات الثقافة العربية السياسية والفكرية والإبداعية خاصة مع تحطم آخر الكواكب الشرقية الشمولية وتناثر بقاياها ومعاركها في الأجواء تغدو رهيبة.

 ツ ثقافة العطالة العقلية ⇦ غياب الحاضنات

على الرغم من قسوة المرحلة العسكرية والقومية السياسية فإنها كانت حاضنة كبيرة للثقافة العربية. وهذا لا ينفي أنها دمغت المرحلة بميسمها ووجهت حتى الترجمات في مناخات معينة.

وحتى الأحزاب التقدمية والقومية لعبت هذا الدور، ودعمت الوعي والإنتاج، فحركت الكثير من النتاجات وتبنت العديد من الرموز.

لكن هذه القوى كلها دخلت في عالم (المتخيل)، وهو عالم ذاتي تشكله حسبما تريد، لا يرتبط بقوانين الواقع، وهو إسقاطات بين الجنان والكوابيس، والهام ان من يشكلون هذا العالم المتخيل هم من فئات لم تشتغل في الإنتاج العقلي وكلما قرأته روايات ومسرحيات ومقالات، لكن جاءت من أجل أن تنظم حياة (الأمة) وتقودها للتطور الهائل الذي تستبصره، ومن خلال أدوات القوة، ومن هنا فهي تفتقد القدرة على أن تلعب دوراً لتطور الثقافات العقلية والآداب والفنون، وهي تضع حداً للثقافة الليبرالية الديمقراطية السابقة، القادرة على جلاء التنوعات وإيجاد الفضاءات المتنوعة في الفكر خاصة، وجعل الأنواع الأدبية والفنية تتصارع وتتعاون وتثري الثقافة في كل بلد.

ولهذا فإن القطع مع الثقافة الليبرالية السابقة أبرز الأنواع المقولبة حسبما تشتهي السلطات، والحركات، ولهذا فإن التحليلات في الرواية أو في المسرحية التي كانت الطلائع في عمليات الاستكشاف الاجتماعي والإنساني والإبداعي، صارت منمطة، وذات سقف تعبيري لا تتجاوزه، وأمام هذا الجدار كان يتم تسلل من خلال الثقافة الغربية لكسر هذه الأنماط فانتشرت ثقافة اللامعقول والسريالية وغيرهما لهز تصلب هذه الثقافة.

ومع انكسار الحاضنات الثقافية القومية تهدمت القطاعات العامة وسيطرت ثقافة الأسواق، وأدت الدخول وتباينها بين المناطق العربية، تفاوت التطور بين مناطق ذات قدم في الإنتاج ومؤسسات مهمة، وبين مناطق تملك النقود فقط، وبين مناطق تعرضت للحروب الأهلية والخارجية، ومناطق ذات سلام طويل لم يخل من تطرف إرهابي، وفي ثقافة فقدت ما سبق لها أن وطدته من تحليلات اجتماعية سطحية غالباً، وتجريبية محدودة، ومع سيطرة الأسواق اقتحمت البضائعُ الأجنبية ميادين الثقافة الجماهيرية، وتلاشت تلك المظلة القومية الحاضنة، مع مجيء مظلات عالمية متعددة، وغدت العروض والفنون والمهرجانات والكتب والاحتفالات مرتبطة بتسييس وطني أو حكومي، يراعي طرائق العرض الهيلوودي، من إبراز للنجوم، ومن الحصول على بركات الآباء السياسيين والماليين، رغم غياب الجماهير عن هذه المهرجانات المكلفة للميزانيات المنتوفة من كل جانب، ولهذا كان لابد من إدخال الشركات والمؤسسات المالية لترفع بأعمدتها هذه الأشباح الثقافية إلى عروض المسارح الخلابة.

كما أن الأجهزة الإعلامية الجماهيرية من تلفزيون وصحافة قامت بأدوارها لتحويل هذه الأشباح إلى رموز، فكانت الشمولياتُ النامية في نسيج المجتمعات (الليبرالية) العربية الجديدة لها طرق مختلفة عن الأنظمة السابقة، فأبرزتْ التعددية الثقافية بين ثقافة مرعيةٍ رسمياً ومن الأموالِ العامة والخاصة، وبين ثقافات شعبية متعددة مركونة في الظل ومُعطى لها سبل التطور على نفقاتها الخاصة، وهي ليس لها موارد، بشرط ألا تخترق الخطوط الحمراء السياسية والدينية والجنسية. ولهذا فإن الثقافات الدينية ذات الموارد تتغلب على الثقافات العصرية المعوزة من جهةٍ أخرى.

الثقافة السائدة ليبرالية هشة، مثل الوعي الليبرالي الذي قفز فجأة، من دون أن يقيم صلة حتى بماضيه العربي السابق، وهو يستندُ غالباً إلى دعم خاص مقتدر، كما يستند إلى الكرم الحكومي كذلك، وإلى بعض الحريات التي غدت إجبارية في عالم اليوم كالمواقع والاتصالات الحديثة عموماً. فصارت المراكزُ الثقافية الكثيرة مثل دكاكين المرحلة المتشابهة الوفيرة، مع غياب الملكيات الحكومية المنتجة المغيرة للتخلف.

ومن هنا فإن الثقافات الليبرالية الحكومية، الحرة الاستبدادية، تتماثل ووسائل الإنتاج، بائعة المواد الخام من دون تصنيع حقيقي، ولهذا فإن تلك الثقافات لا تصنعُ شيئاً، هي منتجة المواد الاستهلاكية والفقاقيع بدرجة أساسية، أما التصنيع الثقيل في الثقافة فهو لا يحصل على الموارد لكي يشتغل بأقل طاقته.

وهذا لا يعني توقف الروائيين والقصاصين والمسرحيين والشعراء والمفكرين عن الإنتاج، بل يعني أن ما ينتجونه لا يظهر في السوق أولاً، فهم غير قادرين على الوصول لمواد العيش الضرورية والاجتماعية لكي تعطيهم طاقة الإنتاج، ثانياً إن ما ينتجونه لا يتم تداوله بتوسع في السوق، لغياب شروط إعادة الإنتاج الوطني الموسع، سواء في الموارد الاقتصادية العامة الضائعة، أو في غياب المنتجين، أي البشر العاديين العاملين، لأن الإنتاجَ العربي السائد يغيبُهم عنه، فإنتاجُ المواد الخام وتصنيعها لا يتيح ثورة اقتصادية، وبالتالي لا ينتجُ ثورة ثقافية، فتتحجمُ أعدادُ القراء وتتقزم.

كما أن المواقع الحكومية – الليبرالية – الدينية تشكل الاقتصادات الاستهلاكية فلا تحتاج إلا إلى قشور الثقافات المختلفة، مثل اللوحات غير الكاشفة للآلام أو السجاجيد المستوردة، والديكورات الأخرى، فيصير المنتج الثقافي جزءاً من ذلك، كالمسلسلات والأفلام، وروايات الجيب وغيرها.

أو للثقافات القديمة الدينية الاستهلاكية أي الموجهة للعبادات أساساً، وللمأثورات المستعادة، وهي لها مساراها الحرفي والمالي.

فكما فقدت الثقافة العربية ركائزها الكبيرة الرافدة وهي القطاعات العامة التصنيعية، وبالتالي فقدت الحاضن الكبير، على مستويي تصنيع الكتاب وإنتاج القراء، دخلتْ عالمَ الأسواق وهي تبيعُ قوة عملها في السوق المزدحم والمشترون نادرون.

في مثل هذا السوق ذي الأسعار الغالية تتضاعف خسارة المنتجين الثقافيين، فهم يبيعون قوى إنتاجهم بشكل زهيد، أو لا يحصلون على أي ثمن، لأن الإنتاج الثقافي في عالم الليبرالية الهشة تضحية من الكتاب سرقة من أصحاب دور النشر، ولهذا يتدهور الإنتاج الوطني على كل صعيد: الحرف والصناعة الكبيرة وصناعة الإنتاج العقلاني.

 ツ ثقافة العطالة العقلية ⇦ غياب التراكم

لعبت الأيديولوجيات القومية والتقدمية أدوارها في إعطاء فاعلية أكبر للثقافة والفكر العربيين، رغم رفضها لليبرالية، وبالتالي عدم خلقها التراكمية القومية الديمقراطية التحديثية المطلوبة، عبر جعل أي مادة فكرية أو أدبية ذات جذور في الواقع، وهذه الجذور قد تصل لتاريخ القوم وما سائد فيه من فهم، أو تتوجه لجذور الواقع الراهنة وصراعاته الاجتماعية، مما جعل أي مادة معروضة، تتشبع بقوى الحياة الخلاقة.

والنزعتان السابقتان تمثلان الاتجاهين القومي والماركسي، باعتبارهما أكثر الاتجاهات حضوراً فقط على مستوى المرحلة السابقة، وهما يتماثلان في التصدي للاتجاه الليبرالي، حيث ان الأخير بعكسهما يسير نحو إيجاد مجتمع تعددي، ديمقراطي، فيما هما يسيران نحو مجتمع شمولي مضاد للغرب المهيمن، وفي افتراضهما أن التعددية تقود للتبعية، فيرونها بشكل آلي، وتقود عملية القطع مع الغرب إلى مشكلات فكرية عميقة.

وتقود الشمولية بطبيعتها إلى تصفية الآخر، وهما يمثلان نمو رأسمالية الحكومات العربية في أول تجلياتها الغامضة السديمية وهي تخرجُ من رحم القرون الوسطى، وفي البدء تتلاقح هذه الرأسمالية الحكومية مع الليبرالية، في زمن صعود الرأسمال الخاص التجاري خاصة، لكن الليبرالية وهي تنشئ مجتمعات ديمقراطية جنينية تبقى في دوائر الإصلاح الاقتصادي العام، وفي شعارات التنوير المجرد، بسبب طبيعة هذا الرأسمال وعدم وجود مشروع جذري له، وبالتالي فإنه يفقد حراكه ويتواصل صعود القوى الشعبية ذات المدارك البسيطة لحل المعضلات الكبرى بصور اختزالية شعارية، لتنشئ المجتمعات الشمولية العسكرية ذات الاتجاهات السابقة الذكر.

هنا تظهر الرأسمالياتُ الحكومية العربية بتوجهاتِ الوطنية والقومية والماركسية، لتقوم ببناء بعض أسس القواعد الاقتصادية الكبيرة.

وقد حدث تلاقح فكري بين هذه الاتجاهات من دون أن يكون عميقاً، وقد كان الاتجاه الماركسي الأوسع في بناء الثقافة العربية وتجذير ارتباطها في الواقع وتاريخ الأمة العربية، وحين ترنحت رأسمالياتُ الدول كونت ليبرالية سطحية، لا تستند إلى تاريخ متجذر سابق وإنما هي شعارات عن الحرية والتعددية والشفافية مع استمرار السيطرات الحكومية الواسعة، وبالتالي فقد رئي الواقع السابق ومفرداته بذات النظرة.

فحول الاشتراكية تمت رؤيتها كسقوط، فقد رأت(المعسكر الاشتراكي)، باعتباره عالماً اشتراكياً متوجهاً لإزالة الطبقات ذات الوجود الخالد، وانه قد فشل وانتهى. وبالتالي فإن النظرات لاستعادة هذا العالم غير ممكنة، والعالم كله عالم رأسمالي بحت.

إن الرأسماليات العربية الحكومية لم تحافظ على الهيكل الاقتصادي الصناعي العام ولم تقم بتطويره، وساحت الليبرالية من ثقوبه وفساده، ورددت القطاعات الخاصة ذلك.

فلم تقم الليبرالية العربية لا باستعادة تاريخها ودرسه، ولا بالمحافظة على القطاع العام وتنميته باعتباره أداة إزالة التخلف، فإذا كانت الاتجاهات القومية والتقدمية شكلت القطاعات العامة وضربت الليبرالية، فتقوم الليبرالية هذه بتصفية حساباتها مع القطاع العام ومع الفكرين القومي والتقدمي، فترجعُ لقشور الواقع وجزئيات التحليل والشعارات المفصولة عن النسيج العربي وتاريخيته.

هذا على المستوى السياسي يشكل قادة إما متصلبين وإما بلا ملامح قومية تقدمية، قادة مفرغين من وعي الأبنية الاجتماعية، ذوي اختصاصات محدودة معزولة.

قادة إما رافضين بشكل كلي لأي خصخصة في القطاع العام وإما مستعدين لبيعه. وكتاباً يوميين يرددون الشعارات الليبرالية المهمة لكن من دون تحليلات معمقة، خاصة فيما يتعلق بالاستفادة من الاتجاهات العربية الأخرى. فتظهر تلك الرأسمالية المجردة من دون درسها ونقد تجربتها عربياً.

أما على مستوى رؤية الأبنية الاقتصادية الحالية، واكتشاف أنها رأسماليات حكومية ولم تكن اشتراكية، على المستويين العالمي والقومي، فهي قراءة غير ممكنة بطبيعة الحال، لكون اكتشاف التاريخ العالمي يحتاج إلى مادية تاريخية متطورة.

إن التيارات المختلفة عموماً في تركيزها في صراعاتها الخاصة وإيجاد المجابهات بينها، هي مظاهر لتخلف الأبنية العربية التقليدية في إنشائها لرأسماليات حكومية شمولية، في مسارات اقتصاد بيع المواد الخام وتصنيعها الجزئي في أغلب الأحوال.

وبالتالي من الصعب في مثل هذا الوعي ظهور قادة لديهم القدرة على فهم ما هو المطلوب للتطور الوطني في كل بلد عربي، والمطلوب على المستوى القومي، وإنشاء التناغم التحديثي التصنيعي بين القطاعين العام والخاص، واستثمار الرساميل لتغيير البُنى الاقتصادية المتخلفة في الأرياف، والانتقال لتعليم مواكب للثورة التقنية، وغيرها من المهام العامة الكبرى، التي هي رؤى ناتجة عن تراكم الخبرات العربية المريرة السابقة، التي ركزت في التناحر الايديولوجي، وهو تعبيرٌ عن تناحر القطاعات الاقتصادية وعدم وجود تعاون استراتيجي لإحداثِ نهضة وطنية شاملة، يلعبُ فيها اليسارُ واليمين، القطاعُ العامُ والقطاع الخاص، دوريهما لتشكيل تلك النهضة التصنيعية المشتركة، كلٌ من موقعهِ الاجتماعي، ومن رؤاه، وبالتالي فإن للثقافة القومية والتقدمية، والليبرالية، لها مسارات مشتركة، ومتقاطعة كذلك، سوف يعمقها مسار الديمقراطيات الوطنية.

ويتمثل غياب التراكم بصورة أشد حدة في نشوء التيارات الدينية التي تريد أن تبدأ مما قبل المرحلة الليبرالية العربية قبل مائة سنة!

وعلى هذا الصعيد تنشأ مشكلات أكثر خطورة، لكون التيارات الدينية تمثل كذلك القنوات غير الصناعية، والعديد من أشكال رأس المال المالي، وهي أشكالٌ عولمية، تتوجه للاستثمار الخارجي غالباً، مما يجعل النصوص الدينية المستخدمة من قبلها نصوصا شكلانية دينية، أي أنها لا تصنعُ رأس المال الاقتصادي، ولا تكتشف مضامين النصوص الدينية، فيقود ذلك للمزيد من الفوضى الاقتصادية والانقطاع عن الجذور والقوى العربية الأخرى السابقة والراهنة.

هذا التكوين الفكري المؤسس المضطرب المتمزق للثقافة العامة هو المشكل للثقافة العقلية العاطلة في الوقت الراهن.

الاتجاهات المثالية في الفلسفية العربية الإسلامية : التطور الفلسفي العربي الحديث المبكر

إذا أخذنا سلسلةَ التطورات التي حدثت خلال القرنين الأخيرين، فسنجد ثلاثة فترات كبرى :–
الأولى : تمثلت في استيعاب المنجزات الغربية .
الثانية : في تشكيل تجارب لرأسمالية دولة شمولية، توهمت إمكانية تجاوز العصر الرأسمالي.
الثالثة : عودة متدهورة للفترة الليبرالية الأولى مع عودة كذلك للإقطاعين السياسي والديني الشموليين.
كان النهضويون الأوائل في القرنين الــ 19 والــ 20 يتصورون أن التماثل مع الغرب هو كفيل بخلق النهضة، وحين تزعزع هذا الوهم راح الدينيون يتصورون وهماً آخر هو استرجاع الفترة الأولى من العصر الإسلامي.
أي أن دراسة العصرين العربيين السابقين ورؤية تضادهما والخروج بتركيب منهما، وفي ظل ثقافة الحداثة المسيطرة، كان يمكن أن يكشف للعقول قوانين التطور الاجتماعي، وبالتالي يؤدي إلى التحكم فيها.
إن عصرنا العربي الإسلامي الراهن هو عصر التركيب، للعصرين العربيين السابقين، تداخل معهما ونفي لهما معاً. إنه عصر نفي النفي. وهو لهذا عصر التمثل العميق للحداثة العربية على مر الزمن والصعود بها إلى لحظة نوعية جديدة مقاربة لمستوياتها العالمية.
فأخذ إنجازات الثورة المحمدية، والجوانب الإيجابية من نضال الفئات الوسطى التحديثية في العصر النهضوي الأموي – العباسي السابق، وتشكيل نضال نهضوي للفئات الوسطى المتحالفة مع العاملين بشروط الحداثة المعاصرة.
وهكذا فإن إنجازات التحالف الشعبي الديمقراطي الإسلامي النهضوي الجريء في اقتحامه العالم، يضاف إلى تراكمية الثقافة الفكرية الموسوعية والانفتاح وعقلنة الفقه وعصرنته، وقد تم كل ذلك بوعي ديني مثالي مسيطر على أجهزة الحكم، تعبيراً عن القوى العليا مرة في تحالفها مع العاملين ومرة في انقطاعها عن التحالف مع العاملين.
وبهذا فإن طيفاً اجتماعياً واسعاً لابد أن يتشكل ليعيد إنتاج الحضارة العربية المستقلة الحديثة، وهذا التحالف الذي في جوهره تحالف الفئات الوسطى والعاملين، له مضمون اجتماعي هو إعادة تغيير طابع الدولة، في ملكيتها الاقتصادية الشاملة، وفي مذهبيتها السائدة المتحكمة، وفي تحرير كافة هذه الجموع من الدولة الإقطاعية – المذهبية، وفي خلق طبقات وسطى وطبقات عاملة حرة، تتداول السلطة حسب برامجها المقبولة للجمهور.
وعملية إجراء الإصلاحات في جسم الدولة – المجتمع الاقتصادي والديني والاجتماعي والسياسي، يعتمدُ على سلسلة من الإصلاحات في ظاهرات الوعي المختلفة.
إن جسم الدولة – المجتمع الذي يعيش النظام الإقطاعي المذهبي، يعيش المفردات الدينية الشمولية، كخلفية متحكمة فيه عبر القرون.
وإذا كانت صورة الإله الواحد المتدخلة في كل شيء التي زرعتها الأنظمة الاستغلالية فتلك صناعة الحاكم الواحد الذي يهيمن على السلطة – المجتمع زاعماً أنه شبه إله!
وقد قامت الفلسفات في العصر الوسيط الإسلامي بخلق وسائط غيبية متعددة في المشرق الإسلامي، ثم في المغرب أخذت نتخلصُ من هذه الوسائط بحيث غدت فلسفة ابن باجة — ابن رشد تشق الطريق نحو مثالية موضوعية.
لقد استغرقت العملية بين التكوين الديني الصوري القصصي الميثولوجي الحكمي، وبين تكون الفلسفة المثالية بمعمارها التعددي المفاهيمي عدة قرون، ثم إلى أن تكون مثالية موضوعية جنينية في الأندلس على بضعة قرون أخرى. وهذه المثالية الموضوعية الجنينية ترحلت إلى أوروبا لتبدأ رحلة جديدة في بُنى اجتماعية مختلفة مشكلة الرشدية المقاتلة المرفوضة من قبل الكنيسة ولكن التي وضعت الأساس لهدم هذه الكنيسة الشمولي.
فكأن الانتصار العربي الإسلامي في أوروبا!
وحين وصلت الفلسفةُ من أوروبا إلى العالم الإسلامي محملةٍ بكل هذا الزخم التحولي المتضافر الداخلي، فإنها لم تُفهم من قبل الجيل الأدبي، جيل التنوير الأول؛ فقد كان تاريخ أوروبا الوسيط والنهضوي والمعاصر معروضاً أمامه، بشكلٍ غامض، بحيثيات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية، فكانت الوقائع الاجتماعية المباشرة كمظاهر التقدم في مختلف جوانب الحياة هي الطافحة على سطح الوعي النخبوي، وهذا ما كان يمثل له صدمة على صعيد أنه كان عبر موروثه يعتبرُ نفسَه محورَ العالم والبقعةَ الأكثرَ حضارةٍ فيها، ودينه يمثل أرقى تكون فكري عرفه الإنسان.
ومن هنا كان وعيه ينقلُ وقائعَ الحياة والثقافة بعناصرها المشتتة متقبلاً المظاهر الحديثة الأكثر وظيفيةٍ ونفعيةٍ والتي تغدو عبر التجارة مستخدمةٍ في حياته، محتفظاً ببنائه التقليدي المحافظ، حيث يعبرُ هذا الاحتفاظ عن جانبي الاستخدام الوظيفي وبقاء أسس النظام التقليدي التي تسيطر عليه القوى العليا، ومهما كانت التغيرات السياسية التبدلية في هذه القمة فإنها لم تغير هذا البناء، إن لم تحافظ عليه بقوة أشد.
من هنا كان الوعي التنويري أدبياً ثقافياً تقنياً عاماً، لا يستطيع أن يطرح المنظور الفلسفي، وأن يشكل نظرات عامة إلى الوجود، حيث ان وجوده الاجتماعي هو ذاته مقلق وغير مفهوم.
فكان عليه أن يعي أساسيات وجوده الوطني أولاً، أي أن يقوم بخلقِ لحمةٍ في بنائه السياسي التابع والمتخلف، وهو أمرٌ يجعل البنى العربية والإسلامية المفتتة تقومُ ولهذا فإن الاحتكاك بأوروبا كان يتيحُ استخدام بعض الأسس السياسية الاجتماعية الأوروبية في العمل لتشكيل هذه البنى، وكل بنية عربية وإسلامية لها ظروفها وسيرورتها الخاصة، والمتداخلة مع السيرورات الأخرى كذلك.
إذن كان الوعى وهو يشكلُ البنية التقليدية – المحدثة، يمر بمرحلة التأثر الأوروبي – والعودة إلى الماضي، عبر استخدام مفهوم النهضة، وهو الذي كان يتيح استعارة الأشكال الأوروبية وتركيبها فوق الجسد القديم، مع الزعم بأنه يتحدث، فهو يغرف من الماضي المجيد، وكذلك يستفيد من الخبرة الأوروبية، التي كانت (وليدة التأثير العربي).
ولكن لم يكن يدرس هذا التداخل العربي – الغربي في سيرورته التاريخية المعقدة والمتوارية، أي أن يدرس رحلة المثالية الموضوعية وتبدلاتها العميقة في أوروبا، من الرشدية المُلاحقة إلى الديكارتية المنفصلة كثيراً عن تقاليد الفلسفة الدينية للعصر الوسيط.
إن ثمة عدة قرون أخرى بين الرشدية الملاحقة وبين الديكارتية، وهذه السيرورة لن تُدرس عبر هذا الوعي الأدبي – الفني وهو يقابل أمثاله في الإنتاجين الأوروبي والعربي القديم، لكن هذا الدرس المتعدد الأشكال سوف يضع مادة ثقافية كبيرة للمرحلة التالية وهي مرحلة الوعي الفلسفي.
وهناك عناصرٌ فلسفية مشتتة في داخل هذه المرحلة، فكان التأكيد على الخلق الإلهي للعالم، يتداخل مع الإيمان بالضرورات الموضوعية للوجود، وهو أمر يشير إلى هذه الثنائية بين الجذور المتواصلة الحضور، أي بين النظام المحافظ بألوهيته المطلقة، وبحكامه المطلقين، وببنائه الاجتماعي الذكوري – الأرستقراطي وثقافته السحرية – الدينية، وبين ضرورات التحديث التقنية.
فكان التقنيون فوق الجسد المحافظ يستوردون المنجزات البنائية والتقنية والأدبية والديكورية الخ.. إن فكرة الخلق الإلهي والسببية المحدودة، تتماثل وعملية التداخل العربي – الغربي في مرحلة الاستعمار والتجارة وإنتاج المواد الخام، فهما تتيحان الحفاظ على النظام التقليدي بأسسه الدينية، وأيضاً تطوير بعض الجوانب في الحياة الأكثر إلحاحاً كتغيير الحرف ونمط المدن والإدارة ونظم التعليم الخ.. لكن عمليات التغيير تتجه إلى جوانب أكثر عمقاً بطبيعة تطور الحياة، وسواء بسبب من اهتراء القديم، أم من هجوم الجديد، وهذا يمكن ملاحظته في تعمق الأشكال الأدبية كالقصة والرواية والمسرح، وتوجهها نحو عمليات تحليل الواقع بصورٍ متزايدة، وكذلك عمليات اتساع العلوم ونمو تخصصاتها، والتبدل المستمر بين حجم الزراعة وحجم الصناعة، واستعادة المدن العربيةِ دورها النهضوي، وبدء إلحاق الريف والبادية بتحولاتها.
ومن هنا فالسببية سوف تتزايد عملياتها في الوعي، وتصبح الظواهرُ المشتتة في الوعى التنويري الأولي أكثر ترابطاً؛ فلم تعد العملية استلال عنصر وحيد من التراث، أو من الغرب، بل أخذت عمليات النظرة التركيبية بين الثقافة والوجود الاجتماعي والتاريخي، تتشكل في العقل النهضوي الجديد، وأصبح العالم العربي الإسلامي بتطوراته الكبرى مرئياً في هذا العقل، ولكن في ظاهراته الفكرية الروحية المستقلة عن البنى الاجتماعية التي يتشكل فيها.
يمكن هنا أن تتشكل لمحاتٌ من العرض الاجتماعي، لكن الوعي يظل مستقلاً، وبه سبيياته الداخلية المترابطة الأعمق، والمنفصلة عن البنى الاجتماعية.
هنا علينا أن ندرس الصراع بين المثالية الموضوعية الدينية والمادية الجدلية، كتعبير عن طفولية الوعي الفلسفي في الجانبين. من جانب عجز المثالية الموضوعية عن النمو وكشف الواقع، وقفزة المادية الجدلية للريادة الكشفية، وإخفاقها في ذلك، عبر حدوث فجوة كبيرة بين المادية الجدلية والمادية التاريخية.

كل الأشجار

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: يقطف اللوز من الشجرة


كل أشجار التواريخ لها موسمها
تذبل في الوقت وتمضي
بعد أن تكسر في داخلها كل مشاوير الحراك
كل نفس ولها موعدها
للعودة الكبرى إلى بيت السموات
وبدء الرحلة الأخرى هناك
أيها الراحل عبدالله عن عيني وأرضي
كيف لي أن التقي بالصوت والصورة
يا من زرع الخطوة للحورة
ألقاك كما كنت قديماً
في زوايا شرفة المقهى
أو الحانة
أو في رجفة الحرف المنامي أراك.
واقفاً مثل السؤال
تسحب الحلم وتسقيه عراجين سناك
يا صديقي في الصبا الأول
عبدالله خليفه
يا ندى (اللينات)١
يا صوت مواويل السعفْ
ربما تذكر أياماً زرعناها على بحر القضيبية٢
كان الوقت طفلاً
ينظر (العين)٣ التي لم تتوقفْ
عن أغانيها وكنا
ل( الكرنيلة) نمشي كالسؤالات
ونصطاد السراطين لكي نطلقها في الماء البعيد
وكبرنا وتباعدنا وعدنا
مرة أخرى لحلم الفقراء
اتفقنا حول (جوركي) في انتماء الأم للأرض
وأيضاً اتفقنا
في روائي الداخل في نفسية الإنسان
أعني دوستوفسكي
واختلفنا في نوايا (مايكوفسكي)
ابتعدنا والتقينا
أجل أن نخلق وقتاً أممياً
تسبح الفرحة في شطآنه صبح مساء
التقينا
نجمع الغيمة في الكلمة
نعطي السجن معناه
نغني لسرور
(نحن حبات البذار
نحن لا ننجو جميعاً
حينما يأتي الربيع
غير أنا كلنا لسنا نموت)
آه عبدالله.. لماذا
قبل أن تنهي مشاريعك
في الدنيا تموت
ليغطي حلمنا الطفلي إعصار السكوت
أنت في الرحلة للعودة كالأنهار تجري
تاركاً كل محبيك
يشتاقون للأسئلة الكبرى التي
ليس لها صوتٌ سواك
للقضيبية عبدالله أن تبكي
كما تبكي الينابيع إذا جفت خلاياها
ولم يبق من الماضي عشيش أو بيوت
أنت تمضي لبساتين سماك
ربما في قادم الأيام لن نقدر عبدالله نراك
إنما ثق يا صديقي
أن أيامك ما كانت سوى زرع الزهور
سوف تبقى في أراضينا
وفي أحلى أغانينا وفي قلب المحبين
كما يبقى صدى الناي بروح الكون
أو تبقى على الأرض حكايات العطور.

شعر : علي الشرقاوي

١- حارة ٢- مدينة ٣- عين الماء

كيف تلاشتْ النصوصُ الحكيمة؟

عبـــــــدالله خلــــــــيفة كيف تلاشتْ النصوصُ الحكيمة؟

فرضت الثقافةُ العربيةُ الدينية التقليدية نفسَها على واقع الشعوب والأمم الإسلامية في العصر الحديث. ولم تستطعْ أن تقيمَ ثقافةً ديمقراطية عقلانية إنسانية بسببِ هيمنةِ الشمولية والذاتية المتطرفة فيها.
القيمُ النضاليةُ للجماعةِ المتساوية الحقوق، المُعليةُ للموضوعية أُزيحت جانباً، وتصاعدَ التكريسُ للأفراد الخارقين المرتفعين فوق الجماعة.
وإذا بدا إن ثمة تقديساً للكائنات النجومية ولرموزِ الحجر والقوى المفارقة اللاطبيعية واللاإنسانية فهو وعي شمولي، يلغي الذاتَ الجماعيةَ الديمقراطية الحرة لزمنِ التأسيس في مقابلِ الخضوعِ للكياناتِ السياسية الاستغلالية البيروقراطية المتحكمة في مصائر الناس.
الذاتيةُ المتطرفةُ وليست الذاتية العقلانية المنتجة المبدعة في ظل العلاقة الديمقراطية بالجماعةِ هي التي فرضتْ نفسَها، ولهذا هي تقزمُ الذواتَ الأخرى، وإذا تمردوا سحقتهم، وإذا أبدعوا قصتْ أجنحةَ الإبداعِ عن الطيران الخلاق وجعلتْ الكائنَ السامي يزحفُ على الأرض من أجل الدراهم.
تقود هذه الذاتية للاعقلانية، إلى عدم سيرِ السياسة بشكلٍ حكيم، يراعي التطور، ويقرأ المشكلات، وإلى إستنزافِ المواردِ حيث تحيطُ الخزانةُ بشخصِ الآمرِ المسيطر على الموارد، بهذه الذاتِ التي تجعل الوجودَ خاضعاً لها، وليس أن تكون هي خاضعةٌ للقانون وعقلانية توزيع الفوائض، ولهذا فإن النصوصَ الحكيمة تتلاشى فعلياً من التداول العقلي، وتسود النصوصُ التي تقضي على العقلانية، ومن هنا تظهرُ عبادةُ النجوم، حيث تُلحقُ مصائرُ البشرِ بكائناتٍ طبيعيةٍ لا علاقة لها بالمصير البشري، أو لسيادةِ القبور والأشباح والأرواح.
أو بنصوصٍ تفقدُ القدرةَ على النطقِ المباشر، وتُؤدلجُ وتنتشرُ مجلداتٌ لفحصِ جزئياتٍ هامشيةٍ فيها ويُترك الجوهرُ وهو العلاقاتُ الموضوعيةُ الحرة التي شكلها الناسُ المكافحون في الزمن الديمقراطي السابق.
تضخمُ الذات المهيمنة في الواقع العربي المسيطرة على الموارد يقود إلى(تشبيح) المواطنين العرب على مر التاريخ. وإلى إنتشارِ الثقافة الانتهازية، ثقافة النظرة الجزئية المقطوعة السياق عن الكل، حيث يغدو الجزءُ منفصلاً عن كل القضية والمشكلة وتصوير الشخصية، وتقطع السيرورة التاريخية الاجتماعية للقضية والمشاهد والشخوص عن جذورِها ونتائجها، فتتضاءل الذواتُ الحقيقية، أي البشر العاديين المنتجين لتظهر الشخوصُ اللامنتجة سائدةً، ولتنتشر ثقافة القطع والقطيع والتعليق في الفضاء الخارجي حيث تُربط هذه الشخوص الفارغة بالنجوم والكواكب والأرواح الخالدة.
كلما ذُبلَّ النصُ إرتفع صاحبهُ، وكلما خبتْ القصيدةُ إرتفع الممدوح والمادح في هذا الفراغ الاجتماعي المتحلل النازف للثروة، ولكن كما إنتشرت ثقافة الزيف والنفاق فإن كتاباً موضوعين وجدوا وعاشوا قرب التراب والترابيين، وهم ندرة لكن يجمعون الكلمة بالحقيقة، ويرون ما وراء الظواهر، والأشباح، ويحللون المشاهدَ المرئية، ويكشفون العلاقات الحقيقية، ويرون الصلات بين إنتفاخ البالونات وتدهور الاقتصاد، وجفاف الأرض وكثرة الخراج وإنتشار التفاهة في الشخوص والذل والعجز عن الانتاج والخوف وتدمير القوى الداخلية الخلاقة عند الشخوص، فيدرسون العمران الثقافي الحقيقي الذي يضمر لحساب العمران المادي البذخي للأقليات.
وجاء العربُ في العصر الحديث بنفس سمات الماضي، وخلال قرن كامل كانت الثوراتُ من أجل أفراد كبار يتحولون إلى نجوم أخرى معلقة في الترميز المقدس، ويقومون بعرقلة التجديد الذي أدعوا قيادته، ولم يرفعوا الذل عن أعناق الجماهير، بل تركوهم يتسولون ويعيشون بلا ثقافة إنسانية، معلية للذوات، فجاء العسكر والشموليات تتويجاً للنجوم وصارت على الأكتاف وتثقب العقول، وبهذه الثقافة الساحقة للتميز المعلية للذوات الكبرى خاضوا الثورات، فظهرت أعماق الجماهير خالية من الذوات القيادية المبدعة، وإنكشف تاريخ من الانسحاق وحاول الفيضان الجماهيري الذائب الملامح المعدوم البصيرة العقلانية الحديثة أن يتلمس طريقه في الظلام ويصعد أقرب الجلادين إلى أجساده، وينتخب أكثر الحرامية دهاءً، فانتقل من عبادة الشخوص إلى عبادة النصوص، وما زال يتخبط، وهو يحتاج لعقود طويلة لكي يرى والخارج من الكهوف يحتاج إلى تبصر الكهوف التي خرج منها ودخل إليها.

#عبدالله_خليفة #أفق #مقالات_على_اخبار_الحليج

مأساةُ الشعبِ السوري بين القوميات – (1 أغسطس 2012)
قام السياسيون في سوريا خلال عقود بغرس تيار القومية العربية، ولم يشكلوها من خلال قراءة البنى الاجتماعية وتحليلها، بل كشعارٍ للفئات الوسطى الصغيرة غير القادرة … [المزيد]

تحديدُ (عصرنا) – (31 يوليو 2012)
من الصعوبةِ بمكان تحديد مواقعنا الموضوعية على خريطة الزمن، فالبشريةُ الغربية في زمنيتِها الخاصة العالمية ويدخلُ فيها من يدخلُ في التصنيع والتحديث والديمقراطية، … [المزيد]

الثورة السورية.. تفتيتُ صخرةِ الجيش – (30 يوليو 2012)
تفجرتْ أحداثُ الثورة السورية بشكلٍ عاصف خلال الأسابيع الأخيرة، فقد أخذ الجيشُ السوري الحر زمامَ المبادرة وقام بعمليات هجومية واسعة. والملاحظُ ان الحدود … [المزيد]

الإخوانُ المصريون من الأيديولوجيا إلى الحكم (2-2) – (29 يوليو 2012)
تتحكم البُنيةُ الاجتماعيةُ في أي خطاب سياسي، وما حمله الإخوان من أفكارٍ وشعارات على مدى عقود يخضعُ الآن لقانونية البنية الاجتماعية المتحكمة في النصوص … [المزيد]

الإخوانُ المصريون من الآيديولوجيا للحكم (1-2) – (28 يوليو 2012)
الفئاتُ الوسطى الصغيرة كالأطباء والمهندسين التي مثلتْ لعقودٍ بُنية الإخوان المسلمين التنظيمية تحركتْ من آيديولوجيا استعادة الخلافة الإسلامية، وتطبيق الشريعة، … [المزيد]

تراجعُ الخيالِ الاشتراكي (2-2) – (27 يوليو 2012)
عبرت السياسةُ الاقتصاديةُ الجديدة في روسيا في سنواتِ العشرينيات من القرن العشرين عن تحول الدولة الثورية ذات الحلم الاشتراكي بزوالِ الطبقاتِ وإزالة البرجوازية … [المزيد]

تراجعُ الخيالِ الاشتراكي(1-2) – (26 يوليو 2012)
بعد سنواتٍ حارقة من تطبيق ما سُمي بمرحلة الاقتصاد الشيوعي (١٩١٧-١٩٢٠) الذي كان هيمنةً حكومية واسعة على الفائض الاقتصادي في الريف والمدينة، والذي أدى لعسكرةِ الدولة … [المزيد]

الثنائيةُ الحادةُ – (25 يوليو 2012)
مع خروجِ العربِ من العصور الوسطى الذي يجري حالياً والذي يكلفُ حروباً اجتماعية هي حروبٌ دينيةٌ في شكلها، وثوراتٌ ضد رأسماليات الدول الشمولية في جوهرها، تظهرُ … [المزيد]

تحديثٌ عربيٌّ جديدٌ – (24 يوليو 2012)
فشلَ التحديثُ العباسي بسببِ هدر الأموال العامة على الشؤون الخاصة. الأمةُ العربيةُ المقسمة الدولِ؛ ذات المستويات المختلفة والهموم المشتركة والمسار التاريخي … [المزيد]

نقدُ المغامرةِ التاريخية (2-2) – (23 يوليو 2012)
تصوير لينين الثورةَ الديمقراطيةَ القومية الروسية بأنها ثورةٌ اشتراكية هي جزءٌ من المتخيّل الحزبي، بسببِ الخلط بين بعض المهمات الديمقراطية الضرورية لتطور … [المزيد]
نقدُ المغامرةِ التاريخية (1-2) – (22 يوليو 2012)
يعومُ لينين مصطلحات السياسةِ بشكلٍ غير تاريخي، ويلغي طابعَها الطبقي، وفي كتابه(مرض الطفولة اليساري) يقوم بتقييمِ تجربةِ حزب البلاشفة باعتبارها نموذجاً … [المزيد]

بدأَ بالصراخ وانتهى بالصمت – (21 يوليو 2012)
منظوماتُ التحولاتِ القومية الاجتماعية العالمية بدأت كلها بالصراخ، وعبرَ شعاراتٍ حادة صاخبة، وتم الترويج لها عربياً، وقد شكلتْ نهضاتٌ قومية حكومية داستْ … [المزيد]

الحريقُ – (20 يوليو 2012)
كانت سحابةً سوداء هائلة في سماء المنامة، الوقت قبيل العصر، وهو موعدٌ ترفيهي خاص لحارقي العجلات في الشوارع، لكن السحابة تظهر من بعيد عملاقةً ضخمة، متجهة … [المزيد]

الإخوان المنشأ والتطور – (19 يوليو 2012)
تقلبتْ الأحوالُ والأهوالُ بهذه الحركةِ الطالعةِ من القفار ، وحين كان البدو يظهرون على مسرح القتال في صحارى التاريخ ، فكيف يتم جعلهم بناةَ حضارةٍ حديثة؟في … [المزيد]

صعوباتُ التراكمِ في الخليج بالقرن الـ 19 – (18 يوليو 2012)
في منتصف القرن التاسع عشر بعد دخول قبائل العتوب شواطئ الخليج لعدة عقودٍ مضتْ ظهرت قوةٌ اقتصادية أساسها استخراج اللؤلؤ.جَرت العلاقاتُ المالية جنباً إلى جنب … [المزيد]

صراعُ المحورين والثقافة الديمقراطية – (17 يوليو 2012)
صراع محور الدول العربية ومحور إيران سوريا دخل لحظات حاسمة في بؤرة مركزية له، وغدت المذبحة في سوريا تعرية رهيبة لثقافة فاشية ليست لديها أي رحمة بالإنسانية.الدول … [المزيد]

المقارباتُ الديمقراطيةُ مطلوبةٌ – (16 يوليو 2012)
يعبرُ المذهبيون السياسيون المؤدلجونَ للإسلامِ عن مواقف الارتباط بالدول رغم أنهم ينتمون إلى فئاتٍ اجتماعية صغيرة وإلى طبقات عاملة شعبية.لم يستطع هؤلاء خلال … [المزيد]

بين قطبينِ اجتماعيين مختلفين – (15 يوليو 2012)
تعبرُ حالات تفتت صفوفِ البرجوازياتِ الصغيرة بين الاقطاعين السياسي والديني عن الموروثِ الشمولي في الاتجاهات السياسية العربية وعدم قدرتها على إيجادِ ثقافةٍ تنويريةٍ … [المزيد]

الدينُ والاشتراكية (2-2) – (14 يوليو 2012)
مع تطور الاشتراكية من نزعةٍ شمولية إلى توجهات ديمقراطية متعددة، ظهرت دراساتٌ واتجاهات مختلفة فيها، لقراءة الظاهرة الدينية المعقدة.تم تجاوز النظرة الهيجلية … [المزيد]

الدينُ والاشتراكية (1-2) – (13 يوليو 2012)
الدينُ هو سياسة عليا مقدسة، فرموزهُ تعبرُ عن وجود سياسة مطلقة لشعب من الشعوب تتجسد عبر تلك الرموز، المشحونة بالدلالة والآمال وتكوين عالم سعيد غير منظور ومنظور … [المزيد]
ديمقراطيةٌ من دون برجوازية – (12 يوليو 2012)
يستمر العربُ في التجريبِ السياسي مهدرين السنوات والجهود.وتعطينا الانتخابات التي جرت في عدد من الدول العربية هذه الذبذبات المتعددة بين العودة للوراء والقفز … [المزيد]

الطريقُ الجنوني للديمقراطية – (11 يوليو 2012)
الصعود الديمقراطي للدينيين إلى السلطات والسيطرة على مقاليد الدول بطرائق عنيفة يعبر عن نصف قرن أو أكثر من التدهور الاجتماعي السياسي.لم يظهر هذا الصعود بلا … [المزيد]

التنويرُ الاجتماعي – (10 يوليو 2012)
انتصرتْ التشكيلةُ الرأسمالية رغم كل الأحلام والوعود والخروج إلى الماضي والقفز على الحاضر نحو مستقبل موهوم.انتصر الغربُ على الشرق، انتصرتْ الرأسمالية على … [المزيد]

مشكلاتُ الفوائضِ الاقتصادية في الدول الخليجية – (9 يوليو 2012)
يعطي حراكُ الموادِ الخام المختلفة تكريراً وصناعاتٍ جانبي الأرباح والأجور، وبشكلٍ أساسيٍّ من خلالِ عمليات إدارية سياسية وتجارية.الفوائضُ الاقتصادية بجانبها … [المزيد]

تداخلُ الاشتراكياتِ الخيالية – (8 يوليو 2012)
لم توجد فواصلٌ بين التصورات الاشتراكية المختلفة، فالتقسيم بين الاشتراكية الخيالية والاشتراكية العلمية تهاوى، لأن الاشتراكية كنظام اجتماعي غير قابل للوجود … [المزيد]

التثقيفُ الذاتي والحقيقة – (7 يوليو 2012)
كما توحدت أفكارُ القرامطة والفرق الدينية المختلفة في أثناء التطبيقات التاريخية، وتحولت ليمين حاكم تقليدي، وزالت التفاصيلُ بينها، ولم يعد ثمة فرقٌ بين من يسرق … [المزيد]

تفكيكُ وحدةِ العمال – (6 يوليو 2012)
لوحظ لسنوات سابقة نهج مختلف في نقابة عمال ألبا عن نهج قيادة نقابات العمال البحرينية، التي تمثل أغلبية النقابات والحراك العمالي البحريني منذ سنوات التحول السياسي.وهذا … [المزيد]

تدويرُ رأسِ المال الوطني – (5 يوليو 2012)
تعطينا مصر نموذجاً لبدايةِ الصراع على تدويرِ رأس المال الوطني بين الفرقاء الاجتماعيين المختلفين، فالجيشُ كمؤسسةٍ اقتصادية سياسية عسكرية يمتلكُ جانباً كبيراً … [المزيد]

اشتراكيةُ الفقرِ واشتراكيةُ الغنى – (4 يوليو 2012)
كل الحركاتِ الاجتماعية الدينية وغير الدينية عرفت تحالفات الفقراء والأغنياء المؤقتة لتشكيل عوالم وأنظمة جديدة: اليهود في زحفهم المشترك نحو فلسطين أقاموا تعاوناً … [المزيد]

التحركات الاجتماعية والاقتصاد – (3 يوليو 2012)
تفاقمت الظروف الاقتصادية سوءاً في الكثير من بلدان العالم وخاصة البلدان العربية الفقيرة، لقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة ٨% خلال السنوات القليلة الماضية … [المزيد]
الثورةُ السوريةُ.. بطولةُ شعبٍ – (2 يوليو 2012)
تتناثر النداءاتُ وصرخاتُ الاحتجاج وإستعراضاتُ القوةِ والتهديداتُ للنظام السوري في الهواء، وبقيتْ رأسمالياتُ الدولِ الدكتاتورية العسكرية في روسيا وإيران والصين … [المزيد]

تحولاتُ العاملين بأجرٍ في الخليج (3-3) – (1 يوليو 2012)
أقيمتْ التحولاتُ الاقتصادية الاجتماعية على استخراجِ النفط وتشغيلهِ وتغدو تحولات المجتمعات وتطورها وحياتها مرتبطة بهذا الاستخراج وتوسيعه وربطه بموادٍ أخرى، … [المزيد]

تحولاتُ العاملين بأجر في الخليج (2 – 3) – (30 يونيو 2012)
تطورات المواد الخام إذ تعتمد على تطورات الصناعة العالمية فإنها كذلك تعتمد على فائض القيمة الناتج من الصناعة ومدى قدرته على إعادة الإنتاج العادية والموسعة.فإذا … [المزيد]

تحولاتُ العاملين بأجرٍ في الخليج (1) – (29 يونيو 2012)
بين عقدي الستينيات والسبعينيات في الخليج ثمة منعطفٌ كبير، فقد كان بيعُ النفط يتملا بأسعارٍ متدنية، في حين حدثتْ الانعطافةُ بين هذين العقدين.النفطُ بمشتقاتهِ … [المزيد]

القرنُ السادس عشر والسابعُ عشر العربيان – (28 يونيو 2012)
لم يستطع العربُ دخولَ عصر الثورة الصناعية، إنهم يعيشون فيما قبل ذلك، لكن بشكلٍ مختلف عن الغرب، بدرجةٍ أرقى من جانب البنية التحتية وأكثر تخلفاً في جانب البنية … [المزيد]

انتقالُ الصراعِ المصري داخل الدولة – (27 يونيو 2012)
عبرت نماذجُ الدول العربية في مرحلة الانتقال من الشمولية إلى الديمقراطية، من سيطرةِ طبقةٍ على المُلكية العامة إلى تعددِ هذه السيطرة بتوزعها على النخب الغنية، … [المزيد]

النشأة المبكرة للتحديث – (26 يونيو 2012)
خلال قرنين اضطربتْ التطوراتُ في الأمم الإسلامية والشرقية عامة للخروج من التخلف والاستبداد، وانتصرتْ فيها مشروعاتُ التسريع الشمولية ثم أعادتها لنقط البدايات … [المزيد]

الدولةُ والدكتاتوريةُ الروسية( 2-2) – (25 يونيو 2012)
في محاولتهِ لإقامةِ دكتاتوريته يتلاعبُ لينين بالنصوصِ الماركسية والحيثيات التاريخية، فالدولةُ كقوةٍ تمثل الطبقة السائدة هذا معنى معروف وشائع، ولكن القوى السياسية … [المزيد]

الدولةُ والدكتاتوريةُ الروسية (1-2) – (24 يونيو 2012)
يضعُ لينين تعريفَ المفكر فريديريك أنجلز بدايةً لكتابهِ(الدولة والثورة)، الذي يُعرفُ الدولةَ في كتابهِ (الملكية الخاصة والعائلة والدولة) بأنها تنشأ: (لكيلا تقوم … [المزيد]

الصراعُ بين التقليديين في ذروتهِ بمصر – (23 يونيو 2012)
الصراع بين المجلس العسكري والإخوان المسلمين يتكرر مرة أخرى بعد أزمة مارس سنة ١٩٥٤، كأن البلد لم يتطور وكأن التقاليدَ الديمقراطية لم تَسُدْ بين الجانبين.هو عقابُ … [المزيد]
تطور مشترك للديمقراطية في المنطقة – (22 يونيو 2012)
إن تطور الديمقراطية الواعد مشترك بين شعوب الجزيرة العربية والعراق وإيران، فلقد تشكلتْ رأسماليات الدولِ بأشكال متسارعة، وغدتْ هي المهيمنة على الثروات النفطية … [المزيد]

مناضلون بلا قواعد – (21 يونيو 2012)
تتشكل الجماعاتُ الديمقراطيةُ والماركسية فوق الحماسة واللغة الاستيرادية الفكرية القادمة من مناطق متطورة إلى مناطق أقل تطوراً. مثلما غذت توده اليسارَ البحريني … [المزيد]

الزلزالُ السوفيتي والانهيارُ العربي – (20 يونيو 2012)
حين انهار الاتحاد السوفيتي قال لي رفيقي عن اليسار (أنا لم أعدْ سوى شيعي). وقال لي رفيقي عن اليمين (انتهى كل شيء، أنا لستُ سوى سني).سنواتٌ كثيرةٌ مرت وأدواتُ التحليلِ … [المزيد]

الاشتراكيةُ من حلمٍ إلى كابوس (2-2) – (19 يونيو 2012) إ
ن لينين عبر طرحه لخطه في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي كان يريد القضاء على البرجوازية والرأسمالية عبر التحالفات الاجتماعية والسياسية في حدود سنوات قصيرة، … [المزيد]

الاشتراكية من حلم إلى كابوس (1- 2) – (18 يونيو 2012)
تبرزُ دكتاتوريةُ لينين بشكل أكثر وضوحا في الطرح السياسي، حيث تكمنُ البؤرةُ الرئيسية لعمله الفكري عامة، فرغم انه ينطلق في السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر … [المزيد]

مصر والعجزُ عن تشكيلِ طبقةٍ وسطى حرة – (17 يونيو 2012)
عجزت النخبُ السياسيةُ والعسكرية والفكرية المصرية عن الانتقال لمرحلةٍ ديمقراطية حقيقية، وتواجه في خلال ذلك جناحي الطبقةِ الوسطى المتمثلين في المجلس العسكري … [المزيد]

من رأسماليةِ الدولةِ إلى الرأسماليةِ الحرةِ – (16 يوليو 2012)
على مدى عقود ثرثر وخربَ البرجوازيون الصغار مسارات التطور العربية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحاولوا ابتكار أنظمةً والقفز على المسارات الموضوعية للتطور، … [المزيد]

الماديةُ والعلوم (2-2) – (15 يونيو 2012)
يولي لينين أهميةً كبيرة لرجل الدين باركلي باعتباره مشابهاً بشكل كلي للعلماء الفيزيائيين والمنظرين النقديين التجريبيين، أصحاب هذه الفلسفة الجديدة التي قام لينين … [المزيد]

الماديةُ والعلوم (1) – (14 يونيو 2012)
في إنتاجِ دكتاتوريته الفردية يصعدُ لينين صراعَهُ ضد التعددية في الحزب، فيقسمهُ، ويصعدُ صراعَه ضد التنوع الديمقراطي في الغرب فيغدو الغرب برجوازياً لابد له من … [المزيد]

إلتقاءُ الطائفيين بـ (اليساريين) – (13 يونيو 2012)
تدهور وعي المجموعات المعارضة يعودُ إلى تدهور حركاتها السياسية على مدى نصف قرن.لقد كانت الماركسية أداةً تحليلية نقدية موضوعية ديمقراطية معبرة عن مصالح القوى … [المزيد]
رأسمالياتُ الدول العالمية – (12 يونيو 2012)
تطورت رأسمالياتُ الدول في العالم بشكلٍ عاصف خلال القرن العشرين، ووجدناها في دول أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين وألمانيا،(أغلب أعضاء مجلس الأمن الذين … [المزيد]

الاستعمارُ والديمقراطيةُ (2-2) – (11 يونيو 2012)
يقدم لنا عنوانُ كتابِ (الاستعمار أعلى مراحل الرأسمالية) نهايةً تامةً راهنة للرأسمالية، فالاستعمارُ يمثلُ تفسخ الرأسمالية على المستويين الغربي والشرقي، في الأول … [المزيد]

الاستعمارُ والديمقراطية (1-2) – (10 يونيو 2012)
لابد من فهمِ أعمق للأفكارِ الاشتراكية في مرحلتيها السابقة الشمولية والراهنة الديمقراطية الجنينية المتصاعدة، فنشوء الرأسمالية له مراحل، وقد حددَ لينين في كتابه … [المزيد]

التحديثُ من قلبِ المدن – (9 يونيو 2012)
إذا كانت المدنُ العربية الإسلامية قد عجزتْ عن تشكيلِ الحداثة فهذا بسببِ عجزها عن تأسيس أسلوبِ إنتاجٍ جديد. إنتاجُ الغربِ للحداثةِ تأسس من خلالِ ظهورِ مدنٍ … [المزيد]

هل هي ثوراتٌ أم غزوات؟ – (8 يونيو 2012)
لم يستطع العربُ إنتاجَ ثورةٍ تجديديةٍ في علاقاتِ الانتاج غير الثورة الإسلامية التأسيسية، لكونها صنعتْ برنامجاً تحويلياً في علاقات الانتاج، وعبرَ العامةِ والتجار … [المزيد]

العوامُ الخطرون – (7 يونيو 2012)
صحيح إن الشعبَ هو الذي يصنعُ التاريخَ، لكنهُ يصنعهُ من مواد معينة وفي ظروفٍ خاصة، وفي صناعة تاريخ الشرق الحديث واجهنا دائماً ثوريين عاصفين يقفزون المراحل ولا … [المزيد]

فئاتٌ صغيرة تابعة – (6 يونيو 2012)
في البلدان المنقسمة طائفياً وقومياً كالعراق والبحرين ولبنان لعبت الفئات البرجوازية الصغيرة في الحراك السياسي مفجرة الألفاظ الثورية الهائلة لكن دون قدرة على … [المزيد]

الناصريون والساداتيون – (5 يونيو 2012)
عبر الانقسام في قادة انقلاب يوليو ٥٢ عن مسائل اجتماعية وشخصية متداخلة. الهيمنةُ الفرديةُ للرئيس جمال عبدالناصر عبرت عن حس وطني تقدمي بلا وعي ديمقراطي عميق، وتشكلت … [المزيد]

قفزتان ونموذجٌ يحترق – (4 يونيو 2012)
في مشهد ذبح الشعب السوري يتماثل موقفا روسيا وإيران، في مفارقةٍ تاريخية ظاهرية لكنها تعبر عن حقيقة موضوعية.رأسماليتا دولة استغلاليتان شموليتان عنيفتان كل … [المزيد]

الرأسماليةُ العربية وقضايا الديمقراطية (2 -2) – (3 يونيو 2012)
تتبلور يوماً بعد يوم طرق التطور الديمقراطية وتشق طرقها في الكثبان المحافظة، وغدت مسألة توجيه الدخل الوطني العام نحو التحولات الديمقراطية مسألةً محورية.فإما … [المزيد
الرأسمالية العربية وقضايا الديمقراطية (1-2) – (2 يونيو 2012)
يمكن القول: إننا انتقلنا عبر الثورات العربية إلى إمكانياتِ الرأسمالية العربية الحرة كنظامٍ سياسي – اقتصادي، ولكن هذا لا ينطبقُ على الجميع وبالتالي فإن أغلبيةَ … [المزيد]

أسبابُ عجزِ القوميةِ الفارسية عن التطور الديمقراطي – (1 يونيو 2012)
تشبه القومية الفارسية في لحظتها التاريخية الراهنة العصبية القومية العربية في زمن الخمسينيات. حيث المركز العسكري الشمولي في هياجه السياسي، يحركُ صخبَ الجماهير … [المزيد]

أحمد شفيق طيارُ التحول الاجتماعي – (31 مايو 2012)
عبرَ مرشحو رئاسة الجمهورية المصرية عن عدم قدرة الطبقة المتوسطة على تشكيل تيار سياسي فكري عام، وتناثرتْ أجنحتُها في كل اتجاه. توزعها الأساسي بين قطاع عامٍ خرب … [المزيد]

رياضُ الترك رمزاً (2-2) – (30 مايو 2012)
يترك رياض الترك بعد خروجه الثاني من السجن الشعارات واللافتات المعلبة ولا يدلي بتصريحاتٍ حادةٍ كما فعل بعد خروجه الأول واصطياد النظام له، بل دخلَ في العمل السري … [المزيد]

رياضُ الترك رمزا – (29 مايو 2012)
المناضلُ رياض الترك من أهم رموز الثورة السورية، في سيرتهِ وجذورهِ وأفكارهِ المتنامية وعيا، نموذجٌ تألقَّ داخله الشعبُ وتكوّن.وضعهُ النظامُ الدكتاتوري عقدين … [المزيد]

مع الرأسماليةِ الحرة يمينٌ ويسارٌ جديدان – (28 مايو 2012)
مع تكون البُنى الرأسماليةِ الحرة تتشكل طبقاتٌ مختلفة عن بُنى رأسمالياتِ الدول الشمولية.إن تكوين رأسمالية الدولة بالتأميمات أو تقزيمها بالخصخصة، ليسا سوى … [المزيد]

الشيوعيون العربُ والثورة السورية (2-2) – (27 مايو 2012)
هناك عيناتٌ من مواقف لأحزابٍ شيوعية رفضت الهجمة الفاشية على الشعب السوري، وأغلبها فصائلٌ راحتْ تنشقُ عن المستنقع الطائفي الذي يصورُ نفسه تقدميا. يقول تنظيمٌ … [المزيد]

الشيوعيون العربُ والثورة السورية (1-2) – (26 مايو 2012)
صارت الثورة السورية مفصلا تاريخيا لتحديد تطور الاتجاهات الرأسمالية الحكومية المستوردة من الخارج أو الطالعة حديثا.الأحزابُ الشيوعية العربية لم تستطع تطويرَ … [المزيد]

فصل المذاهب عن السياسة الحديثة – (25 مايو 2012)
مثلما تواجه الثقافة السياسية الدينية مشكلات التطور الاجتماعية والاقتصادية بعد الثورات العربية كذلك عاشت إيران تواجه المعضلات نفسها واختارت الدكتاتورية طريقاً.ليس … [المزيد]

الإخوانُ المسلمون في سوريا (2-2) – (24 مايو 2012)
تأتي جماعةُ الإخوان المسلمين في سوريا كغيرِها من المسلمين السنة فتعيشُ على ما هو سائدٌ في التاريخ، فضخامةُ عدد السنة في سوريا والمحيط العربي تجعل من التطور التاريخي … [المزيد]

اقرأ المزيد ومقالات أخرى… عدد الصفحات: ٢١١٢٣٤٥٦٧٨٩١٠١١١٢١٣١٤١٥١٦١٧١٨١٩٢٠٢١

تآكل التحديثيين ونتائجه

كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة

#المنبر_التقدمي

ما الذي جعل دعاة النضال والنور ينطفئون؟ لماذا خرست ألسنتُهم وانطفأت مصابيحُهم وشحبت كلماتُهم أو غرقت في الظلام؟
وإذا نظروا نظروا إلى جهة واحدة كأن عيونهم ازورت وبصائرهم احولت؟
ما الذي جعل أصحاب الفولاذ سقيناه والحرس الفتي ورجل في أمة والشرارات و٥ مارس وأمة تُبعث مجدداً ينطفئون وكأن الزحف العظيم الهادر بالقضاء على الفقر والظلم والاستغلال تبخر في الهواء وكأنه لم يكن بل تحول إلى كوابيس؟
لماذا جعلوا لوحاتهم ملأى بالألوان الرخيصة تندلق عليها براميل من المطر المعتم وقصصهم لا أبطال فيها ثم تموت في الأدراج التاريخية المقطوعة الألسنة؟ أين الهتاف بشعب واحد، وأمة واحدة من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر؟
ليس هو عمى الألوان بل هو غياب الفهم، والمراهنة على البيروقراطية كي تحل كل مشكلات العاملين والحالمين، البيروقراطية الحمراء أو السوداء أو الخضراء، ورؤية أن من هو قرب البيروقراطية سيكون من الفائزين الغانمين، لكنه في الخلايا الفقيرة في الحارات والقرى سيتعرض للمعاناة والتجارب المريرة وسيظل يحلم بانتصار البيروقراطية، وأن من الساحات الحمراء والخضراء والسوداء سوف يأتي النصر.
لكن البيروقراطية في كل مكان تتخلى عن العاملين والتجار الصناعيين، والبيروقراطية تعرف لوائحها وموظفيها وغنائمها وغنهما، ولكنها لا تعرف سكان الحارات البسطاء الذين يكدحون من أجل لقمة العيش، وتنظيف الطرق من القمامات الكثيفة والدخان والأمراض وضحايا التعطل.
يقولون علينا بالتغلغل في البيروقراطية وتغيير الأنظمة من فوق، لكنهم مع السنين هم الذين تغيروا والبيروقراطية لم تتغير، بل اتسعت أملاكها، وهم الذين اندثرت أحلامُهم وتقلصت رؤاهم وصدأت سيوفُهم وتبخرت كلماتُهم (وتشخبت) لوحاتهم وبارت مسرحياتُهم، واختفت أشعارهم ونسخت بياناتُهم حتى غدت معروفة قبل أن تُذكر وتطبع ثم تلقى في سلال المهملات التاريخية.
ويفاجأون ويصدمون عبر هذه الذاكرات التي لا تحفظ شيئاً ولا تحفر في شيء، ويذهلون كيف أن الموظف الثائر تحول إلى لص؟! وكيف أن الساحة الخضراء حيث الجماهير موعودة بالجنان والسلطة الأبدية الحرة تغدو مكان اعدام المناضلين، ومركز شواء البشر والمدن والقرى؟
ومنذ زمن بعيد والموظف يسرق حبات القمح ويبيعها في السوق السوداء، ويبني الفلل ويبيعها ويحول الجزر إلى مدن لهو ويؤجر الغابات على الشركات، حتى إذا أعلن انتماءه للبيروقراطية المالية صعقوا وأصيبوا بالسكتات اللسانية الدماغية، وهم الذين أخذوا حبيبات من الذهب وخيوطا من الدم الشعبي في جيوبهم السرية.
عاشوا على المعلبات الفاسدة، من هذه الدكاكين التي تتاجر بالجمل الثورية، ولا تهمهم طبيعة هذه المعلبات ومن أين تأتي طالما أنها معلبات فاسدة، ومنتهية الصلاحية النضالية، وتسمم الحارات الشعبية، بل تحولها إلى حرائق وحروب ودمار.
المطالعات لجهة واحدة، ورؤية ابليس الملعون فيها دائماً، كأن رؤوسهم شُدت بجنازير، وكأن العين الثانية زجاجية أو موقوفة عن الرؤية، ووراءها شحنة من العاطفة الهائجة، والأقدام مُسمَّرة على الكراسي البيروقراطية، سواء أكانت حمراء أم سوداء أم خضراء، والدفع عبر العلاقات والتداخلات والمسامرات والحفلات وتحت الطاولات، فإذا موظف البيروقرطية هو مالك المتجر الجديد ورئيس تحرير جريدة الإعلانات المثقلة، وصاحب الشركة ومالك أرض في قرية المعدمين، وعضو البرلمان الراقد سياسياً وحزبياً، فيُصرخُ في وجهه: أين النضال والجمل النارية؟ فيقول يا عم دعنا نأكل عيشاً!
موظفُ البيروقراطية الحمراء والسوداء والخضراء وكل الألوان وكل المستويات والجهات التي تتجدد على ظهور العاملين متاجرة بعضلاتهم وحناجرهم وأدمغتهم، تتركهم في التاريخ وفي السجون وفي مراحل الجزر وفي الانعطافات المذهلة في الأحداث معلقين على حبال أو متساقطين في قعر المستنقعات الاجتماعية والسياسية، وفي العوز الروحي الثقافي العميق والعوز المادي.
وفي كل حين لابد أن يظهر مغفلو العمال والفلاحين هذه المادة الأزلية في التجارة الثورية، حيث لم يسهر عليهم آباء وأمهات متعلمون، وتركوهم في دجى الصراع الطبقي بلا مصابيح وبلا كتب، تركوهم لاستغلال أولاد الذوات وأصحاب العيارة النضالية من سيكونون موظفين في البيروقراطية الحمراء والسوداء والخضراء، ومن سيتعاركون على مقاعدها ويتبادلون أدوار سحل الشعوب فيها، وخدمة بيروقراطيات الدفع السريع أو المؤجل حسب الميزان التجاري لكل مرحلة.

اليسار في البحرين والانتهازية

عبـــــــدالله خلـــــــيفة
‏‏‏‏‏‏كاتب وروائي
𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆
𝖆𝖚𝖙𝖍𝖔𝖗 𝖔𝖋 𝖘𝖙𝖔𝖗𝖎𝖊𝖘 𝖆𝖓𝖉 𝖓𝖔𝖛𝖊𝖑𝖘
21.10.2014 | 1.3.1948

#المنبر_التقدمي

البورجوازيون الصغار الانتهازيون

هم أساسُ العيارة والجمبزة والانتهازية وتخريب التطور، المنافقون المعاصرون، لهم في كل حزب موقع، ولهم في كل ثورة نصيب، ولهم في كل ثورة مضادة نصيب، وهم مع الفقراء والأغنياء، وهم مع اليسار واليمين، وهم مع الدينيين ومع الملحدين، وهم مع الحكم وأعدائه، وهم مع الحقيقة والباطل، كيفما شئت والمهم أن تدفع!

المهم أن تغذيهم بالأموال، أو بالشهرة والمجاملة والنفخ، فالأموال والجوائز والعطايا والكراسي تغذي النشاط الفكري لديهم، تجعل مكوناتهم العقلية فجأة تتفتق بالاكتشافات المبهرة، والثلاجات المليئة باللحوم والسيارات والأراضي.

هم متخلفون في الفكر وإنتاج الكتب، نتاجهم مزيف، ليس فيه أي تحليل للصراعات الطبقية المعاصرة، لأنهم يرفضون أن يتخذوا موقفاً بين الفقراء والأغنياء، بين العمال والإقطاع والبرجوازية، عيارون جدد، ثم يتشدقون بالكثير مع الخرافات الحديثة والقديمة، وهم جبناء انتهازيون يهتمون كثيراً بجيوبهم، وليس بالدفاع عن الحقيقة والناس. من هنا لا يتعمقون في المعارك الاجتماعية والسياسية، فكيف يواصلون ذلك وفيها قطع أرزاقهم الوفيرة؟

فتجد دائماً أن كلماتهم تنصب في اتجاه معين وحيد، مستمر أبدي، لا يتحول ولا يتبدل، وكأنهم آلات ممغنطة وكائنات موجهة، تقرأهم وأنت في البيت دون الحاجة للقراءة، يخافون من أي توجه آخر، مدارون إلكترونياً من أقمار صناعية ومن مخافر كونية، كأنهم وُضعوا على سكك الحديد، لا يلتفتون يمنة أو يسرة، يدافعون عن حكومات، أو عن اتجاهات سائدة بالشعرة مهما ناوروا أو أدعوا، ولهم البنوك والمعاشات والكراسي والجوائز والمنافع والمناصب   والبلاعات، فهي أفكار مدفوع لها سلفاً، وهي كتابات مأجورة مقدماً، وسخافات لانفع فيها وضررها كثير على العقول.

بين عشية وضحاها يتقلب البرجوازيون الصغار الانتهازيون، من العلمانية والثورة التقدمية إلى مساندة التخريف الديني، التخريف الديني والشعوذة وليس إلى  تصحيح هذه المفاهيم وإنتاج عقلانية دينية مفيدة مهما كانت كذلك مصائبها، وينتقلون من الدعوة للثورة العمالية وانتفاضات الكادحين إلى خدمة الملالي والمجرمين المطاردين دولياًً، وتبرير الأرهاب بكل اشكاله لكن دون أن تصيب حصالاتهم وعائلاتهم المقدسة أي ضرر، ويعملون لخدمة الطائفيين وأجهزة الاستخبارات للدول القومية والدينية الدكتاتورية، (يا إلهي كيف يبيع هؤلاء الناسُ أنفسَهم بين عشية وضحاها ؟!).

والأدباء واللامبدعون لهم نصيبهم الكبير الوافر من هذه الانتهازية، وقد كنا ننتظر نضالهم وفضحهم للاستغلال وجلب العمالة الأجنبية الرثة والتصدي للدكتاتوريات وحكومات السرقة، في قصصهم وأشعارهم ورواياتهم، ولكن لا خبر جاءَ ولا نشرٌ نزل!

لكنهم يتعللون أن الأدب والفن ساميان لا يتلوثان بهذا الأسفاف الشعبي، وأنهما نائيان عن المادة، وعن الجمهور البسيط ومحدودية إدراكه وسذاجة مفاهيمه، ومع هذا فنجد أنهم مشغولون بالمادة الذهبية كثيراً، خاصة في شراء اللوحات وكسب الجوائز وطباعة الكتب مجاناً والحصول على تذاكر السفر وحضور المهرجانات بأبهة، ويقولون إن ليس لهم علاقة بالأجور والسفاف الدنيوية فهم من مادة صوفية أثيرية تضحوية خالدة إلا إذا انخفضت مرتباتهم الكبيرة، فسوف يجأرون بالشكوى كثيراً، لقد جفت أشعارهم ولوحاتهم وكتباتهم فقد نأوا عن نضال الشعب، وصارت الكلمة هي الحصالة، وصار الموقف تبعاً لأسعار البورصة، وقل أعطني شيئاً أكتب لك ما تشاء، ثم صار الهراءُ الشعري المادة السماوية التي منها يمتحون كل سخافاتهم وأعمالهم المسرحية والفنية وبراءتهم من دم يوسف! دم الشهداء والمناضلين! وتجدهم يهرجون في المسرح وفي الكتابة وفي السياسة ويظنون أن القراء والمشاهدين جهلة لا يعرفون ما وصلوا إليه من إنحدار ومن عجز عن المقاومة! هل إفادتهم كلماتهم ولوحاتهم وأصنامهم شيئاً إلا ما هو عابر؟

ولا يقل مواطنوهم وأقران السؤ الآخرون (الدينيون) عن هذا المثال (المشع)، بل لقد سبقوهم في العيارة والنصب على السذج، وهؤلاء تاجروا في الدين وهذه من أعظم الكبائر، وجعلوه مصيدة وحصالة فبئس ما يصنعون! إلا من ناضل  جاهراً قوياً من أجل حقوق الناس لا تهمه في الحق لومة لائم وإذا صار لا يُدفع له شيء واصل طريقه، وليس نضاله متوقف على دخله الرفيع، أو على رئيس وكرسي بائس!

البرجوازيون الصغار الانتهازيون ليس لهم من مال كبير يحفظهم من السؤال، ولا من موقف متجذر يرفعهم عن الانحدار، ولا من عمق الفكر ما يسمو بهم عن التسول، ولا من عمق الدين ما ينأى بهم عن التجارة بما هو ثمين لا يُقدر بمال!

خسروا الموقف وهو جوهر الشخصية وتراكمها الأخلاقي الرفيع وقدرتها على النمو والتأصيل والتحليل والبقاء الشامخ والنقد الشجاع الذي لا يطلب مكأفاة ولا رعاية من لصوص، ولا تقدير من الحقير ذي الجاه والمال.

انتهازيةُ التحديثيين

تعددت علاقات فئات البرجوازية الصغيرة بالإقطاع وهي تعتمد على طبيعة العصر ونمط الإنتاج. حين نقرأ كيف يتدهور وعي هؤلاء ويتراجعون من الحداثة إلى المحافظة والطائفية  فلا بد من قراءة ثقافة المرحلة، وزمنية الإقطاع السياسي فحين تكون الدولةُ العربية أقوى من نفوذ رجال الدين ممثلي الإقطاع الديني، هنا تكون لديها من الموارد ما يكفي لشراء ذمم هؤلاء وحين تفقدها يلجأون لغيرها.

 إن توجه مجموعات و- لا نقول تيارات فكرية سياسية- إلى النفخ في الجماعات الدينية الطائفية بشكل كبير ثم التراخي عن ذلك بسبب قلة الدفع المالي لها من الجماعات الدينية التي صارت هي الممول الكبير يوضح طبيعة التدخلات السياسية الفوقية والأجنبية وحرف هذه الجماعات عن التجذر في أرضها والتغلغل في تحليله ودرسه وكتابة بحوث وبرامج  مؤصلة لقضاياه.

إن هذا الوعي المسطح التجهيلي يقود الناس للكوارث، سواء في اختياراتهم التشريعية أم في نضالاتهم اليومية المجمدة عموماً، ولهذا فإن مبدأية التحديثيين وتوجههم لنشر الخيارات الفكرية الوطنية والديمقراطية والتقدمية غدت طوق النجاة.

أثبتت المرحلة خطورة الانتهازية والكوارث التي سببتها والحصاد المالي الشخصي لبعض قياداتها التي لعبت على الحبال واختارت الدوائر الرسمية وعطائها فكانت مع الطائفيين ساعة صعودهم ومع المال والنفوذ ساعة قوته.

ونجد في انتقالاتها الجغرافية والحياتية والعملية غياباً لأي وعي متجذر وما هي سوى شعارات زائفة كتحبيذ الاشتراكية والدعوة إليها وأصحاب الدعوة همهم جمع المال!

وما تزال قواعد هذه الجماعات غير قادرة على النقد وطرد الانتهازيين من صفوفها وما تزال تعطي لهذه الوجوه المتراقصة على الحبال السياسية مكاناً مهماً.

وهكذا نرى الأشكالَ الاجتماعية من البرجوازية الصغيرة كيف تتذبذب حسب تدفق البحر الاجتماعي، فحين تكون الدولة العربية قوية وذات موارد وتجزل لهم العطاء يؤيدون الكل التحديثي من التطور،  ويعادون الموجات الدينية، حتى إذا بدأت الموازين تختل وضعفت مواردُ الدولة العربية وتفاقمت أزماتُها انتشر الجرادُ الطائفي يأكلُ الحقولَ ويشيعُ القحطَ في الحياة وراحت هذه الفئاتُ نفسها تصعد يافطات مختلفة، تؤيد العودة للوراء وهدم التطور الوطني والحداثة والعلمانية.

وإذا كان الجماعات الدينية القديمة قد فككت الجماهيرَ العربية وقسمتها إلى فسيفساء وأهلتها للسيطرات الأجنبية فهذا ما يقوم به الطائفيون المعاصرون وتوابعهم من البرجوازيين الصغار الانتهازيين المتذبذبين، الذين وجدناهم في مرحلة يرفعون شعارات الثورات العمالية الحمراء والبندقية وسحق الأديان ولا يحللون أزمات الدول وعدم ضبطها للتطور والقيام بإصلاحات جذرية لصالح الجماهير العربية منساقين مع التدهور العام في وعي هذه الجماهير مكرسين التخلف فيها.

في الزمن الراهن كذلك يتصاعد الشكلُ اللاعقلاني من الوعي والتطور، فلا تعرف الجماهير كيف تغير، وتتدفق جماهيرٌ متخلفة في الدرس والعمل على المدن وتطرح مستويات فهمها المتخلفة.

وتقود هذه المعارضات وطرح البرامج المحافظة إلى انقسام الناس وتأييد الفوضى وعدم التوحد، وتتوجه فئات البرجوازية الصغيرة لتأييد الصاعد الذي يزداد طائفية وتخلفاً وتفكيكاً للصفوف والعودة للوراء.

هكذا تنقسم النقابات والمعارضة والأشكال التوحيدية في العمل السياسي وتتوجه فئاتُ البرجوازية الصغيرة لتأييد اللاعقل في المعارضة أو الموالاة، ويغدو الإقطاع الديني هو الأقوى ولهذا نرى الاقسام بين الدول الإسلامية بمنحيين، طائفيين رئيسيين خطرين متصادمين.

ويغدو الخروج من العصر الحديث وتمزيق البلدان ونشر الفوضى والتخلف والحروب هو البرنامج الحقيقي لهؤلاء الذين يركبون الموجات ولا يقدمون حفراً عميقاً في الحياة ولا يضحون بل يريدون الناس هم الذين يضحون من أجلهم. ومن هنا نجدهم يقيمون علاقات مشبوهة مع كل الجهات حسب الفوائد التي يجنونها.

انتهازيةٌ نموذجيةٌ

منذ أن أخطأ بعضٌ من أفراد الجيل الوطني القديم في التحالف مع الطائفيين، نظراً لهشاشة جذورهم الفكرية السياسية العلمانية الوطنية، والأعشاب الضارة تتالى من هذا المنبت.

قام الجيل بتضحياته ومغامراته وكان من الضروري نقده، لكن الحالة النموذجية الانتهازية رغم تكرارها لأهمية العقلانية والهدوء التحليلي وبعد النظر تروح تصرخ هائجة وتحيل الموقف وتشريح الجيل القديم لحالةِ تشنجٍ شخصية بدلاً من تطبيق تلك المفردات الكبيرة في الموضوعية والعلمية لكون القائل الناقد لا يعجبها ولا يقترب من مستنقعها وانتهازيها.

ويمكن أن يستفيد بعض المتعلمين من خلفياتهم السابقة، ويتلاعبوا أكثر بقضايا النضال بدلاً من تجاوز الجيل القديم الذي لم تتح له فرص الدراسة الأكاديمية.

 خلطهم بين العمل السياسي والدين يغدو تلاعباً، فهم من المتعبدين ومن الانتهازيين. فأي جهة تجلب مصلحة ذاتية يمكن تسويقها. من حقك أن تصلي لكن ليس من حقك أن تلغي تاريخ التيار الوطني في العلمانية وفصل الدين عن السياسة!

حين يغدو الصراع السياسي الطائفي حالة اشتباك عامة يجري تصويرة كثورة وجر الوطنيين إليه، وحين يفشل يتبدل القناع، وتـُفضل المصلحة الخاصة. ولا تـُنقد هذه الأخطاء وتـُحلل بل تـُترك للاستفادة من غموضها!

حتى كوارث الشعب العارمة لا تنجو من الفلتر المصلحي الذي يقضم بعض خيراتها رغم الضحايا والكوارث!

كتاباتٌ هزيلة تستفيد من أي موقع، ويهمها التراكم المالي لا النقدي، لا تقوم بتجذير أي تحليل، وتحاول التقليل من شأن الكتابات الوطنية التقدمية وتخريب حتى أسماء أصحابها والتصغير من نتاجاتهم والتعتيم على وجودهم بأشكال صبيانية.

هذا الحقد نتاج تضخم ذاتي وإعطاء هذه الذات الهزيلة فكرياً مقاماً رفيعاً، فهي يجب أن تكون القائد الأول والزعيم المعترف به رغم الهزال الفكري والتلاعب السياسي وغياب النتاج الموضوعي الدارس للبنى الاجتماعية والصراعات الطبقية.

تخريب التيار هو جزء من المصلحة الذاتية فكلما كثر العميان المتخبطون في الليل السياسي كلما وجدت هذه الذات فرصاً للتلاعب بمصير الوطن والناس.

هي جزء من هذا الخراب الذي أمتد عقوداً وهو خريف اليسار حيث لا جدل عميق ولا شخصيات تؤصل الماضي وتصعد بإنجازاته، فهي مشغولة بمنافعها واستغلالها للماضي والحاضر، أو هي جامدة لا تقرأ وتدرس.

  قوانين الانتهازية

للانتهازية سواء كانت يسارية أم يمينية، علمانية أم دينية، في السلطة أو في المعارضة، قوانين مشتركة.

وقد عمل الانتهازيون في صفوف اليسار طويلاً لعدم توحده، ولتضارب شخوصه ورموزه وقواعده، ولعدم إنتاج فكر مستقل له، بهدف عدم وجود قوانين موضوعية لفكره ولكيانه على الأرض تحاسبهم، وبالتالي يمكنهم التحرك واستغلال تلك القواعد المهلهلة، لمصالحهم الشخصية.

وهكذا هم اليوم يتعكزون على الدينيين أو على جماعات صغيرة شخصية وعديمة الوعي، من أجل وصولهم لكراسي السلطة بشتى أنواعها، وللثروة. فذلك النخر داخل الحركة اليسارية لإطفاء جذوة وعيها وعدساتها الضوئية الاجتماعية، من أجل حركتهم الفردية، وسطوتهم، وعلامات هؤلاء الفارقة هي الغرور والتضخم الشخصي وبث العداوة بين اليسار وربطه بالقوى المحافظة السياسية والدينية وقطف ثمار الثروة.

وهذا ما يقوم به الجيل الجديد من الانتهازية داخل الحركات الدينية، فهو يصعد على تضحياتها، وقواعدها، ولا يقوم بكشف قوانين الثقافة الإسلامية، عبر درس تجربتها، وأسباب انهيار حضاراتها، وتناقضات حركاتها، وكيفية توحدها بالجماهير العاملة، من أجل أن تظل القواعد عمياء، والتنظيمات بلا قوانين ديمقراطية، ولا يتم التفريق بين المضحين والشهداء وبين اللصوص.

إن انتهازيي اليسار يريدون أن يصعدوا إلى البرلمان والسلطة دون تيارات قوية على الأرض، يضحون من أجل زرعها وتكوين عقليتها الديمقراطية بل لعبوا دوراً كبيراً في تمزيقها، فيتعكزون على تضحيات غيرهم، الذي لا يوصلهم إلا بشروط هي أن ينكروا وعيهم اليساري، ويصيروا أفراداً لا يعبرون عن فكر.

 وبين انتهازيي اليمين الديني وأولئك علامات مشتركة، هي أن الانتهازيين في الحركات الدينية وقد استندوا على قواعد منتفخة كماً، عاطلة من الوعي كيفاً، يحبذون هذا النوع من الانتهازية اليسارية، فالدم واحد، وهم يقولون لقواعدهم نريد مثل هؤلاء الذين يعطلون قوانين الوعي والديمقراطية، وهم يعيدون إنتاج هذا النمط داخل حركاتهم، لأنهم غير قادرين على إنتاج ثقافة إسلامية ديمقراطية، تفترض الوحدة والعودة لجذور النضال الموضوعية والاستناد على حركة الجمهور المنظم المسئول السائل.

وكما عانت حركة اليسار من الانتهازية في صفوفها فسوف تعاني الحركات الدينية من الانتهازية في صفوفها سواءً بسواء، فهؤلاء يضعون نظاراتهم المكبرة على الكراسي والثروة، ولم يكن لديهم إنتاج فكري يحدد خطواتهم على الأرض، وبالتالي تغدو حركاتهم دائماً ذاتية كيفية اعتباطية، بلا دستور يؤطرها، ولا قانون يضبطها، ولا قواعد تحاسب عليها.

ولهذا تعتمد الحركات المصنفة بهذا الشكل على عدم خلق النتاج الفكري المؤطر المـُنتج بشكل طليعي والمُناقش بشكل جماهيري بل تعتمد على فلتات الزعيم دام ظله.

فهم يومٌ في أقصى اليسار وهم يومٌ آخر في أقصى اليمين، فلماذا جرى هذا الانتقال العنيف؟ وأين ذهبت التضحيات وكيف ضاعت ساعات العمل والجهود والزمان فهذا كله لا يهم والمهم أن الزعيم جاءته علامة، وحضرت له خاطرة بارقة عظيمة، فحول مسار القطيع.

وهذا الأمر نفسه في الدولة، فالانتهازية موجودة في كل مكان، والانتهازيون الحكوميون لا يريدون أن تكون للدولة قواعد، تحدد تقاسم الثروة وكيفية إجراء المناقصات وكيف تـُحدد الميزانية بشكل علمي وكيف تنـُاقش بشكل شعبي، ولا يريدون أن تـُعرف دخول الشركات وأين تذهب، وأن يظل هناك الخيط السري لتوزيع الثروة للبعض، وهم مثلهم مثل بقية الانتهازيين يقودون المجتمع للهلاك في سبيل صالحهم.

تتفق هذه القوى كلها  على إبقاء لعبة السياسة في أيديها، وكيفية توزيع الأدوار بينها، وتغذية بعضها بعضاً، وفي النهاية يبقى العمال عمالاً ومحدودي دخل بينما يصعد الانتهازيون ويحصلون على الفلل والبيوت والأرصدة ويذهبون للمؤتمرات ويصدرون الكتب عن إنجازاتهم ونضالهم الكبير من أجل الجماهير!

الانتهازية والموضوعية

من الصعب أن يكون الانتهازي موضوعياً، فهو يرى الجهة التي يستفيد منها كأعظم الجهات، والجهة التي يخسر منها كأسواء الجهات، ولهذا لا يرى أي جانب إيجابي في الجهة التي تعارض مصلحته، ولا يرى أن الجهة التي يستفيد منها تسبب الأضرار للآخرين.

وحين تصبح المصلحة الذاتية مُسيرةً لوجهات النظر الفكرية والسياسية، يتشابك الذاتي والموضوعي، وتضيع الحقيقة !

ولهذا حين تصطف جمعيات عديدة مع الدولة لأنها تستفيد منها، وتختفي لغة النقد الموضوعي منها، حيث إذا رأت شيئاً سلبياً من الدولة صمتت، وإذا رأت شيئاً إيجابياً اندفعت تلهج بالمكاسب والمآثر.

وعلى العكس حين ترى شيئاً إيجابياً في الخصوم تسكت، ولا تشير إلى هذا الإيجابي وكأنه لم يكن، وحين ترى شيئاً سلبياً تندفع لإصدار البيانات والتصريحات.

بطبيعة الحال هم يستخدمون هنا لغة تتظاهر بالموضوعية، والصدق والوطنية، والحفاظ على مصالح الشعب العليا وضرورة رؤية التقدم والتسامح الخ..!

وتفعل الجمعيات الأخرى ذات الأمر ، وتتبع نفس الخط، ولكن لمصلحة مختلفة. فإذا قامت الدولة بشيء إيجابي سكتت، أو تحدثت عن النواقص الكبيرة في هذا الإنجاز، وتصبح أحياناً التحولات المهمة في الحياة السياسية بعد عقود الجفاف وكأنها تخلو من أي شيء إيجابي في المسائل المفصلية للحياة السياسية.

وحين يقوم أصدقاؤها بأعمال ما ترفعها إلى السماء، ولا تشير إلى أي جانب سلبي، وخطر على الحياة السياسية والاجتماعية، وكأنها تقدم هؤلاء كأنهم حملان أو غزلان، ولا ترى عمليات التحشيد السلبية أو تراكم الجهل في الجمهور وعدم تبصيره بالحقائق عن هذه الظواهر، فقط لأنها ظواهر صديقة، فصديقي منفوخ كالبالون وعدوي مخسوف إلى أسفل سافلين !

إن الرؤية الذاتية هنا، سواء عند مناصري الدولة الأشداء أو خصومها الأشداء، لا تنتج حالة سياسية وثقافية صحية، ولا تكون وعياً موضوعياً يتراكم عند الناس، بل تقوم على ثقافة الشحن الانتهازية التي لا تتبصر الطرق ومنعرجاتها القادمة، ويقودها سائق مسرعٌ لا يفكر سوى بالوصول إلى وجبته الساخنة، ولا يهتم بالمارة وإشارات المرور !

ولكن يظهر من هذه الحالات الذاتية المصلحية أناسٌ يتبصرون بموضوعية الأشياء، ويغدون أكثر حكمة وعقلاً، ويقومون بتغيير زوايا رؤيتهم ويكتشفون في خصومهم نقاطاً إيجابية، وفي أصدقائهم نقاطاً سلبية.

وعلى مدى نشاط هؤلاء الموضوعيين وتجميعهم للقوى السياسية، وتركيزهم على السلبي أياً كان مصدره، والإيجابي أياً كان منفذه، تتوقف العمليات السياسية والفكرية والتغييرات واتجاهها.

وكلما أزداد عدد هؤلاء في مختلف الجمعيات والتيارات وناضلوا بجرأة من أجل الموضوعية الفكرية والأمانة السياسية، كلما ترسخت خطوط العقلانية والدفاع عن المصلحة العامة، ويزداد انحصار أولئك الذين يكرسون مصالحهم الخاصة، باعتبارها هي الوطن والحقيقة والمستقبل.

لكن هؤلاء الذاتيين المصلحيين ليسوا ضعافاً، بل هم أقوياء، ويستمدون قوتهم أساساً من تفكك الموضوعيين وأصحاب النزاهة، ومن قلة المدافعين عن المصلحة العامة بشكل مستقيم وكلي، لكن النضال السياسي يعتمد على التغلب على هؤلاء بأدوات الوضوح والكشف والتعاون بين مختلف العناصر النزيهة.

إن الانتهازية تتكشف عبر التحليل الواسع والموضوعي وعبر النضال المشترك لتعرية الأقنعة المختلفة.

أسباب الانتهازية في اليسار

تعود أسباب انتشار الانتهازية في اليسار إلى عجزه الفكري عن التحليل، وفي الحياة السياسية تمثل تلك انتهازية من قبل القوى القيادية فيه، لمشاركة قوى الاستغلال في شيء من غنائم المال العام.

وهكذا يتم غض النظر عن جوانب والتركيز على جوانب، بهدف إظهار حسن النوايا سواء للإقطاع المذهبي أو السياسي، بحيث تبدو وجهة النظر المساقة متفقة مع نضال الشعب والديمقراطية والوطنية الخ، لكن من يطلقها يحسب حساباً طبقياً استثمارياً فهو يهدف لخدمة مصلحته.

حين يهاجم الدينيين بقسوة فهو يقصد هنا إظهار نفسه تحديثياً رسمياً وإنه يصلح للارتفاع إلى مقام الموظفين الكبار، وحين يهاجم الرسميين بقسوة مماثلة يريد مغازلة الدينيين لكي يصعدوه إلى مراتبهم العلية.

وتتشكل هنا أقسام جزئية أخرى داخلية ضمن هذا التعدد السياسي والطائفي المتنوع، فهذا يغازل طائفة وآخر يغازل طائفة وثالث يغازل جناحاً في السلطة وآخر يغازل جناحاً آخر، وخامس يغازل جناحاً في الجماعة المذهبية المنشقة وهكذا دواليك يقوم هؤلاء بجرنا إلى الخراب الطائفي..

وبدلاً من نشر الوعي الديمقراطي بين الناس كوعي أساسي يجري نشر الوعي الشمولي وتغليب العناصر الانتهازية..

إن الذين أيدوا إنجازات التحولات نسوا سلبياتها لأنهم قبضوا ثمن السكوت عن السلبي وركزوا على الإيجابي..!

والذين ركزوا على السلبي سرعان ما قفزوا لاستثمار إيجابياتها دون ذكر هذه الإيجابيات، لأن الجمهور الذي صنعوا وعيه على كراهية النظام لا يستسيغ مثل هذه القفزة البهلوانية!

وهو إذ يريد معارضة السياسة السائدة يريد تحولات في رواتبه ومساكنه وأحجام عمالته، لكن الذين يتسلقون على نضاله ومشاعره يريدون الوصول لأهدافهم الخاصة مع بعض البهارات النقدية.

وإذ استطاعت قوى اليمين أن تزيف تحركاتها الاستغلالية تحت غطاء كثيف من البخور الديني، لكن قوى اليسار تاهت ووضحت انقساماتها القائمة على الأهداف الذاتية، فشاركت في التقسيم الطائفي وتعميقه بين فئات الشعب المختلفة.

وصار الوصول للكراسي بديلاً عن إنتاج ثقافة سياسية ديمقراطية تحديثية توزع على كافة السكان، لأن التقلبات في السيرك السياسي كانت كبيرة لا تتيح خلق وعي، فيظهر  موقف حاد ثم يعقبه موقف مناقض، ولا تردم الهوة بين الموقفين من خلال مواقف عقلانية صبورة في كل المواقف.

وهذا كله يفتت جبهة المعارضة وجمهورها الذي يبدأ بالانحسار والتشتت والتمزق وربما التضارب مستقبلاً!

وظهر هناك اتجاهان أساسيان في اليسار الاتجاه الأول هو اتجاه انتهازي، ويتوجه لدعم اليمين الديني، مقابل رشوة سياسية، واليمين الديني أثبت خواء تجربته السياسية سواء لدى المقاطعين أم المشاركين، بل وخطورة تسيده على القوائم والكراسي، لما يقود إليه من أخطار.

والاتجاه الثاني حائر متصارع متذبذب، بين حدة في الهجوم على التيارات الدينية اليمينية، وبين الخشوع لهجومها الخطر على التقدم الوطني.

والاتجاهان يكملان بعضهما، وهما نتاج خطة خفية مشتركة، تمهد الدروب للمتطرفين الدينيين لكي يتقاتلوا ويخربوا..

 ضعف اليسار وانتشار الانتهازية

 وهاتان السمتان تمثلان وجهي العملة، فقوة اليمين المذهبي تستندُ إلى ضعف اليسار وضعف اليسار يقود إلى قوة اليمين الطائفي بفصائله المختلفة.

 والفئاتُ الوسطى المرتكزة على هذا الوعي اليميني المنتشر تقود بالضرورة إلى التهاون في قضايا العمال والموظفين عموماً، فالوعي المذهبي السياسي غير ملتزم بأي برنامج لمصلحة الشغيلة، وهو عبر هذا الغموض الاجتماعي يصَّعدُ بعض افراده لحيازة المكاسب.

 إن الوعي المذهبي السياسي كوعي انتهازي عميق يحتاج إلى مثل هذا الغموض لعدم الارتباط بالقوى الشعبية وتغيير أوضاعها الاجتماعية، ولبقائها في خدمته.

 ويجرى هنا استغلال الإسلام لخلق مثل هذا الدخان الاجتماعي لتصعيد الانتهازيين.

 وبالتأكيد يجرى ذلك عبر الطائفية وليس عبر التوحيد الإسلامي.

 فنحن نتمنى أن يسيروا على درب عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب في مكافحة الاستغلال، ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داود؟

 والطائفية بحد ذاتها إعلان عن توسع تمزيق الشعب وتوسيع هذا التمزيق إلى مستويات سياسية عليا.

 وضعف اليسار هو الوجه الآخر لقوة اليمين، فاليسار بذيليته لقوى الطائفية، قام بتمزيق صفوفه، لعدم قدرته على الارتقاء إلى مهمات الإسلام التوحيدية، والوطنية، والإنسانية، وتبعيته للطائفيين.

 وتمزيق صفوفه تشكل لملاحقته الشعبية السطحية لهذه القوى، وبدغدغة عواطف الجمهور الجاهل بمصالحه، الذي يقود نفسه للكوارث، كما تشكل ذلك بالضعف التنظيمي الداخلي والصراعات الذاتية، التي شكلها أفرادٌ مرضى معقدون منفصمون عن معارك الناس، ومهووسون بذواتهم الفارغة المريضة. إن طرد هؤلاء من صفوف اليسار صار مهمة ملحة للقواعد بأسرع وقت ممكن.

 ومن هنا فالوعي الوطني الذي علامته البارزة هو اليسار في هذه المرحلة والمرحلة السابقة، لم يجد ممثلين بارزين له. ومن هنا ستتواصل اللعبة الذاتية في استخدام قضايا الناس لتعبئة الجيوب.

 كما يتضح ذلك في ضخامة أعداد المستقلين، الذين لم يحسموا الخيار التاريخي بالصراع الوطني ضد الطائفيين وضد الاستغلال على أغلبية الناس والعاملين؛ والذين يتمسحون بأذيال الطائفيين لتصعيدهم إلى الكراسي، وليس في نضالهم من أجل مصالح الجمهور، التي تترابط مع النضال الوطني ومع قيادة اليسار في هذه المرحلة من التاريخ.

 وأقول اليسار لأن الفئات الغنية العليا صمتت عن الكفاح خلال العقود السابقة، ومن يحمل خطها الآن في المعركة، لم يثبت موقفه بشكل ملموس ومتجذر في الأرض.

 ومن الواضح أن قوى التضحية تضعف مع ضخامة الجهل الشعبي، ولهذا فمن الصعوبة في هذه المرحلة هزيمة القوى الطائفية، لكن يجب عدم الاعتماد عليها حتى في هذه المرحلة؛ وبضرورة عدم خداع الناس بأن هؤلاء سيفعلون أشياء مهمة؛ والخوف أن يفجروا معارك مجانية داخل البرلمان، فنرجو أن يواصلوا التعقل الذي بدأوه مؤخراً بالركون للوحدة الوطنية والنضال السلمي الداخلي المتأني. وتتضاعف المسئولية في الخليج مع طرح الملف النووي الإيراني وما سوف يحدثه من كوارث على المنطقة.

 إن ظهور برلمان وطني توحيدي يكرس نفسه للولاء الوطني ولا يكون تابعاً لقوة سياسية خارجية يصعد الأزمات والصراعات تبعاً لريموت كنترولها، هو الخندق الأساسي الذي يجب أن نصطف فيه، مدافعين عن التطور الديمقراطي الداخلي في أي بلد، وبضرورة رفض التدخلات الأجنبية وإعطاء الشعوب حقوقها كذلك.

إن مهمات النضال الوطني التوحيدي ومعالجة المشكلات الكبيرة من تدني الأجور وسياسة سيادة العمالة الأجنبية وضخامة تلوث البيئة وعدم وجود تخطيط عمراني — اقتصادي متكامل الخ، ان كل هذه المهمات وغيرها يجب أن تكون بؤرة عمل البرلمانيين. لكن توجه المذهبيين السياسيين هو توجه طبقي بخدمة شرائح صغيرة في المجتمع.

الانتهازيون والفوضويون

مع غياب التيارات العقلانية الوطنية الديمقراطية انفتح الباب للفوضويين والانتهازيين للسيطرة على الساحة العقلية المعطلة للجمهور.

انتشار الوعي الديمقراطي توارى بسبب هذا الكم من الفوضويين والمسعورين سياسياً والحمقى فكرياً، فهؤلاء كانت مهمتهم الحقيقيةخلال سنوات عديدة سابقة هي تخريب ساحة النضال، ففي أيام العمل السري كان تجنيد الأعضاء ودفعهم في معارك غير متكافئة، وجر الشباب لأعمال تفوق فهمهم، وكان شعارهم (اعترفْ وأخرجْ من السجن) مما صحر القواعد وغيّب المناضلين والتراكم الديمقراطي والتماسك النضالي والصلابة السياسية والأفق الفكري المنفتح.

أعتمد هؤلاء على لغة الصراخ والانفعال الشديد مما جعل سياسة الحماقة هذه تولد(قادة) فوضويين عنفيين كل قدراتهم تكمن في الصراخ وعدم فهم الواقع والمستقبل، مما أدى إلى انتشار مدرسة الحماقة هذه خاصة في الجيل التالي الذي أجدب يسارياً ووطنياً ووسع من الدينيين الطائفيين الذين أوصلوا هذه الحالة للذروة،  وقسموا المجتمع، وهدموا الفكر والتطور.

ما زال هؤلاء المغامرون الفوضويون يحكمون الصفوف الأولى في الجماعات السياسية، ويكرسون نهج الحماقة حتى بعد أن أُصيب الجيل الأول بالخيبات والاختفاء والهزائم.

هذا صّحر الواقع السياسي من الوعي، ومن رؤية المستقبل والانضباط العقلاني السياسي، وجعل الجملة الحادة الصاخبة، واستعمال الأيدي والألفاظ البذيئة والادعاءات السياسية المراهقة حتى في البرلمان بديلاً عن العقلانية والتراكم السياسي الطويل وتكوين الجماعات المعتدلة المتنفذة ذات المشاريع السياسية وفهم مشكلات الجمهور والبلد والمساهمة في حلها.

هذا مكن الانتهازيين من جهة أخرى من فرش نفوذهم في الواقع السياسي المريض، فهؤلاء لا يملكون أي وعي وأي رغبة في إصلاح المجتمع بقدر ما يسعون لتكوين مصالحهم الخاصة وتكوين شلل الفساد العامة الخاصة.

وقد حصلوا على فرصهم مع غياب العقلانيين والوطنيين المخلصين بعيدي النظر وأصحاب البرامج والثقافة السياسية العميقة فعطلوا البرلمان والصحافة والوعي عامة.

وهكذا بدلاً من دحر الفوضويين واستخدام ما في خطاباتهم من نواة عقلانية وفرزها عن الفوضى والصخب والعنف الذاتي، يقومون برفض كلَ شيء وعدم طرح البديل وعدم التعبير عن مشكلات الناس والمجتمع، مصورين أنفسهم بأنهم دعاة العقل وليس قوى الفساد السفلى المشاركة القارضة للمال العام.

تقوم الفوضوية والانتهازية بدور متكامل مشترك وهو منع الوعي السياسي الناضج من التكون ومن تشكل قوى الإصلاح الشعبية، وتحولها لتيارات مؤثرة.

وبهذا يفقد الجمهور أمل التغيير، وينتشر فيه اليأس ويفرز ذلك قوى التطرف والعنف والجريمة.

بدون النقد وتكوين البديل الإعلامي وطرح النماذج السياسية المركبة الجامعة للنقد والمسئولية التعبيرية والحكمة العملية، فإن هذه النماذج المخربة للعمل السياسي الوطني سوف تنتشر وتمنع التطور مستفيدة من الفوضوية والمراهقة السياسية.

 تفكك الثقافة الفاعلة

حين نرى المسار المؤلم للجماعات التحديثية التي بدأت حادة مخيفة في أطروحاتها ثم انتهت وهي تبحث عن المال بأي صورة، لا بد أن نقوم بدرس ذلك، فهو مسار معقد وقد يتكرر لدى المجموعات الدينية كذلك وربما بطريقة أكثر حدة وتعقيداً.

 لنلاحظ ان الاهتمام بالأشكال والجوانب التحديثية المفصولة عن مضمون تغيير أحوال الناس، أي الاهتمام بالأنا على حساب النحن، وكذلك لغة الهجوم الحادة على الإرث والتقاليد وتوجيه المجابهة بين قوى المعارضة، تماثل الطرح قبل عقود أن حل كل المشكلات يمكن عبر البندقية ولغة النار.

 ولكن مجموعات الفئات الوسطى المعبرة عن تجربة أقصى اليسار، كانت وهي تدفع ثمناً باهظاً من حياتها لمثل هذه الأفكار، لم تتعلم منها أثناء التجربة، وإذا غدا الحرمان مكروهاً، وتطوير وعي الذات الحزبية بالواقع وبالفكر غير ممكن لأسباب كثيرة، لهذا كان الاتجاه نحو النقيض، نحو المال والمراكز والشهرة والصداقة مع الأنظمة والحركات الشمولية ومع المهيمنين بشتى ألوانهم، والمهم خدمة الأنا.

 كان هذا الإفلاس الفكري يتجلى بالوقوف عند المرتكزات الشمولية للنظام الشمولي القديم، (الاتحاد السوفيتي، والصين وكوبا) أو بالارتهان كلياً للتجربة الغربية، وتأتي عدم القدرة على فهم النظام العربي التقليدي الراهن، وتشجيع الأنظمة كذلك لانفتاحية الفئات الوسطى، في التوجه للانتهازية اليمينية هذه المرة، أو التشدق بألفاظ اليسار عبر جمل باترة وامضة؛ مع غياب الموقف التوحيدي لليسار والقوى الديمقراطية عامة..

 إن هذا ينطبق على انهيار أنماط الوعي المستخدمة، كغياب الدراسة العلمية، وتخثر الشعر، وجمود القصة، وشكلانية اللوحة التشكيلية وموتها، وسفر الأغنية الثورية إلى الصمت والتجارة، وانتهازية القانون حسب مواقف الجماعة الخ..

 إن العجز العميق عن التطور يولد أمراض جنون العظمة، وتشجيع الشلل لتخريب الثقافة الوطنية ومعاييرها الموضوعية، وتكريس النجومية وحب المال، وتفكيك الجماعات اليسارية والوطنية عموماً.

 إن الخراب كان كبيراً في العمق، وهو خرابٌ غير مدروس، وغير معروفة آثاره، ولكن ظاهرة العجز عن الفعل، وتكرارية اللغة الميتة، والعودة للمأتمية، والاصطافات اللامبدئية، والعجز عن النقد العميق، هي وغيرها تشير إلى تخثر فعل ممثلي هذه الفئات الوسطى، وعجزهم عن العمل الاجتماعى الفاعل.

 ومن هنا نجد أن الثقافة الرسمية السائدة في بعض الدوائر تشجع على كل ما هو منقطع عن الموقف المبدئي، والاحتفاء بالخارج، ولهذا فهم يشجعون ثقافة من موزمبيق لكن لا يمدون ايديهم للمنتج المنهار المحلي، إلا إذا تخلى عن ثقافته الوطنية المنتجة وتحول إلى أراجوز سياسي أو شعري أو تشكيلي أو مسرحي، فالمهم هو الاستعراضات.

 لغد قامت القوى (التحديثية) بتقزيم بعضها بعضا، فتلك الجماعة تحتكر أغلب جوانب الثقافة المفيدة المدرة للأرباح، ولكن إلى ماذا قاد ذلك؟ إلى التخلي عن نقد الواقع، وعدم قدرة النتاجات ان تعري الأخطاء، وهذا الجانب لم يتغير حتى بعد أن أخذت الدوائر الرسمية تنقد نفسها. وتغدو التحالفات غير مبدئية، فالسياسي الذي ينقد بقوة وحِدة الواقع السياسي، يصمت عن نقد الواقع الثقافي الفاسد، فلم يمتلك منهجين مختلفين؟

المذاهب الإسلامية والتغيير .. عبــدالله خلــيفة

◄المذاهب الإسلامية والتغيير ►


مع غياب الطابع الثوري للإسلام وهيمنة القوى الارستقراطية على الحكم، توجه العامةُ لمختلف ضروب التفسيرات المختلفة والآراء المعارضة حسب الطابع السائد الاجتماعي للأمم الإسلامية، ففي فترةِ تكونِ الدولة الأموية وبداية القهر من قبل السلطة المركزية ظهرتْ النزعاتُ البسيطة والمذاهب الفكرية المختزلة، التي يمكن أن يؤمن بها أي فرد في المجتمع كالقدرية والتجسيمية.
والفرقُ الدينيةُ هي التي تحولتْ بشكلٍ تدريجي طويلٍ لما تُسمى المذاهب، والتي كانت في البدء مجموعة من الأفكار والنزعات المتعددة والمتقطعة، ثم على مر القرون صارتْ هي المذاهبُ المعروفة حالياً: مثل الخوارج، والسنة، والشيعة. وترسختْ على أسسٍ سياسية وفكرية واجتماعية وفقهية.
وقد تداخلت وتعاضدت وتنوعتْ الآراءُ السنيةُ لكبارِ الأئمة لتغدو مؤسسةً لجماعة هي الأكبر فتشكل الطائفة ذات المقاربة النقدية الإصلاحية مع الدول الحاكمة السائدة منذ الدولة الأموية مروراً بالدولة العباسية، ورغم معارضة أئمة السنة لبعض ممارسات الحكام الأوائل لكن التطورَ التاريخي من تثبيتٍ ونفي في بناء المذهب جعل آراءَ هؤلاء الأئمة هي المرجعية للطائفة، عبر وسط عقلي معتدل أكد مرجعية النصوص المقدسة مع قراءة الظروف المتغيرة ودرجات متعددة من الاجتهاد بينها إلى رفض للاجتهاد في المدرسة الأخيرة وهي الحنبلية.
واعتمد هذا المذهب السني عموماً على أساسيات التاريخ المؤسس للمسلمين وعدم رؤية للصراعِ الاجتماعي السياسي فيه، وقبول بما حدث فيه من سيرورة تاريخية، ونقد الأخطاء الممزقةِ للجماعة، وإعتبار تاريخ المسلمين هو تاريخ الجماعة، وما عداه تاريخ منشق عليه.
وعبّر تاريخُ المذاهبِ السنية عامةً عن تاريخ الدول الرسمية وتاريخ الأئمة والفقهاء السائرين على درب الجماعة. ومن خلال فكرة محورية هي أن جماعة المسلمين لا تتصارع داخلها، وأنما الصراعات مؤثرات خارجية أو هي من جماعات خارجة عن الصراط المستقيم وأن الإصلاحَ يتم من داخلها.
وهكذا فإن التحليلات للصراعات الاجتماعية والسياسية جاءت من قبل الباحثين والمفكرين المستقلين أو المنتمين للطوائف كذلك، حيث راح هؤلاء يبحثون عن أسبابِ الصراعاتِ السياسية والاجتماعية، ومن أين جاءت؟ وكيف تطورت؟ ولماذا لم يستطع المسلمون وقفها؟
ولهذا فإن كثيرين نسبوا أحداث (الفتنة الكبرى) إلى شخصيات مُندسةٍ بين المسلمين حملتْ أفكاراً غريبة عليهم كعبدالله بن سبأ وغيره، فلم يقبلوا بفكرة أن المسلمين يمكن أن يختلفوا.
فما دامت النصوصُ المقدسة كاملةً نقيةً فلماذا تحدث الانشقاقاتُ والصراعات؟ فتذهب هذه الآراءُ إلى البحث عن سببياتها خارج البُنى الاجتماعية المتضادة والمتغيرة عبر التاريخ.
وهذا بخلافِ مفكرين ينتمون إلى نفس المذاهب السنية كالجاحظ وابن خلدون وابن رشد وابن طفيل الذين يرجعون الاختلافات والصراعات إلى أفكار ونفسيات مختلفة بين قادة المسلمين الأوائل وإلى ظروف خارجية كذلك كالفتوحات وتبدل العيش.
وهكذا استطاع مفكرون من السنة في ختام العصر الوسيط أن يحللوا بصورةٍ أكثر موضوعية مسار التاريخ الديني للمسلمين.
في حين ظل الخوارج يرون التاريخ الإسلامي الحق متوقفاً عند الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر، وحتى علي إلى قبوله بالتحكيم، وماعدا ذلك فهو تاريخٌ فاسد!
وكوّن الشيعة مذهبيتَهم على مركزيةِ أحقيةِ أهل البيت النبوي بالخلافة، وكون ماعداهم خارج هذا الحق، أو مغتصبين له، فشكلوا نظريةَ الحق الإلهي والأسرة النورانية المتوارثة، وهو شكلٌ تقديسي مزودج شعبي وارستقراطي.
والمذهبياتُ الأخرى تتشكلُ من هذه الآراء المحورية تشدداً أو مرونة، فهي كلها تدورُ على الصراع حول السلطة، ثم تبني عليها أبنية تؤكدها.
الصراعُ حول السلطة هو الذي شكل هذه المذاهب، فهي كانت شظيات من آراء وتواريخ ثم مع تفاقم الصراع حول السلطة، بعد عقودٍ طويلة تحولتْ إلى هياكل مترابطة من الآراء والعبادات والفقه والتاريخ المستقل وإلى طوائف متمايزة.
الدولة العباسية الكبرى في صراعها مع المذهبيات الأخرى من تشيع وخوارج ومزدكية أحستْ بالحاجةِ الموضوعية لتكوين نظرة دينة فقهية ملازمة للدولة الواسعة. وضخامةُ الدولةِ وتنوعها وتطوراتُها غذتْ التعدديةَ في المذهب والحاجة للاجتهاد وعدم الركون للرأي الفقهي الواحد.
فيما كانت المذهبيةُ الشيعيةُ بعدمِ وصولها إلى الحكم توجد خلفاء أئمة رمزيين، يجابهون الأخطاء على الأرض الواقعية ويشيرون إلى العدل الذي لم يتحقق.
ثم جاءتْ الظروفُ التاريخيةُ بنشوء قوميةٍ واعدةٍ هي الفرس ليحدث التلاقح التاريخي المطول التأسيسي بين المذهب الإثناعشري والدول الفارسية، وبهذا تنأى الشيعةُ عن المركز السني المسيطر نحو القواعد الفلاحية والأمة الفارسية التي كانت مُضطَّهدةً من المركز العباسي العربي، المصَّور كتعبير عن السنة، وقد عملت ظروفٌ تاريخية عديدة على نبذِ الفرس للآراء الأمامية الأخرى كالزيدية والإسماعيلية ليتوافقوا مع الاثناعشرية لنضالها السلمي واستخدام التقية ابتعاداً عن بطش الحكام.
لم تسد المذاهب الإسلامية الكبرى المستمرة للوقت الحاضر إلا بعد هزيمة أو زوال المذاهب المعارضة العنفية كالقرامطة والخوارج وتغير مذاهب أخرى وتحولها للطريق السلمي كالزيدية والأباضية.
كان هذان الزوال والتقلص تعبيراً عن عدم وصول الفرق المعارضة الحادة إلى فهم سببيات الثورة الإسلامية المؤسسة، واعتمادها على أشكال عنفية حادة وعلى القبلية، والهيمنة على البسطاء ودفعهم للحروب، وعدم القدرة على صنع دول ديمقراطية نموذجية للمسلمين.
لكن من الجهة الأخرى لم تستطع المذاهب الكبرى الباقية أن تعبر عن نضال الأغلبية الشعبية من المسلمين، وتداخلت مع الحكومات والأنظمة السائدة، ولهذا حدثت الازاحات لأفكار العدالة والانتخاب الديمقراطي للحكام، وتوجهت بعيدا عن تحرير الفلاحين من هيمنة الاقطاع وتغيير ظروف النساء المسحوقات من ظلم الدولِ والرجال، والنضال مع الحرفيين والعمال لتغيير أوضاعهم، وركزت في الفقه الجزئي المتركز في العائلة وأحكام الزواج والمعاملات التجارية والاقتصادية المختلفة.
فشل المذاهب المغامرة ومواكبة المذاهب الكبرى للدول الاستغلالية المختلفة، جعلت الوعي الإسلامي الحائر يبحث عن طرق الخلاص من هذا العالم غير العادل والظالم، ولم يتوجه الفلاسفة والمفكرون وقتذاك في البحث في البنى الاجتماعية الاقتصادية سبب الاختلال والقهر، إلا بشكل حالات جزئية، بل توجهوا في المشرق العربي الإسلامي خاصة إلى التماهي مع النجوم والكواكب وأقدارها وأحكامها، ورأوا أن المصائرَ الأرضية مكتوبة في الأعالي، وأن الانتصارات سوف يكتبها رجال يأتون من الغيب، وكان هذا كله تعبيرا عن فقدان الجماهير العربية الإسلامية المسيحية لنشاطها النضالي، وتفكك الدول وتحولها إلى دويلات واقطاعيات، وإذا جاءت الدول المركزية الكبيرة كالدولة العثمانية والدولة الفارسية فإنها تترك الاقاليم في أوضاعها المستقلة مكتفيةً بالخراج المتوجه للسلطة المركزية التي تحوله للطبقة المسيطرة وللعسكر وبعض الترميمات العامة.
ويلاحظ هنا أن بلدان شمال افريقيا احتفظت بوحدة أكبر من المشرق العربي الإسلامي الذي تفتت بشكل أكبر وغدا مجمعاً للأديان والمذاهب المختلفة، ومن هنا انتشرت الفلسفة العقلية فيه بينما ازدهرت الفلسفات اللاعقلية في المشرق.
فقدَ المسلمون في أثناء الدول الكبيرة ذات الموارد امكانات القيام بتحول حاسم عميق في البُنى الاقتصادية الاجتماعية، المتخلفة الزراعية الإقطاعية، الفاقدة المساواة، وتأسيس المواطنة والحريات العامة، وقد تعايشت المذاهب والأفكار والفلسفات مع هذا الواقع الذي يزدادُ تردياً بقيام الحروب بين الجماعات الإسلامية وبظهور قوى غربية استولت على البحار وإدارة الثروة العالمية.
عبرت المذاهب عن مقاربتين للظروف الطبيعية – الاجتماعية، مقاربة مع تقاليد البدو وانشاء الدول الموحدة وهو ما قارب أهل السنة، ومقاربة أخرى مع تقاليد الفلاحين، وهي ذات الجذور التعددية التفتيتية، فظهرت دول توحيدية ودول مفككة، لكن الجميع نزل للتفتت.
في هذا الانهيار العام صارت للصوفية امكانية الحضور والمقاومة داخل هذا البناء، فهي جزء من انهيار الوعي بتطرفِها في الحاقه بالغيبياتِ الكلية، ولكنها راحت تعارض ابتعاد المذاهب الإسلامية عن الجماهير المسحوقة، وغدت جزءا منها، وسخرت من الحكام ومن البذخ وتدمير الثروة العامة، ولكنها هي ذاتها تحول أقطابها إلى حكام ومسيطرين على العامة، وتجمد الوعي الصوفي في أشكاله المفارقة الشديدة الغيبية، وانعزل عن الواقع ودرسه، فتحولت الصوفية إلى دروشة، وهبت الرياح المعادية ورياح التغيير بعد ذلك في هذا العالم الإسلامي المفتت المحتل في كثير من أجزائه وراح يبحث عن أدوات التفكير الجديدة وأدوات التغيير في ظروف مختلفة.
لم تدرك القوى السياسية والفكرية الدينية المشكلة التي تواجهها في عمليات التغيير في العصر الحديث.
حاولت الامبراطوريات ذات الرداء الديني كالامبراطورية العثمانية والدولة الفارسية والمدرسة الوهابية وغيرها القيام ببعض الإصلاحات داخل النظام الديني القديم، واستمرت في ذلك عقوداً، فيما كان العالم يتوجه للحداثة والقوى الغربية تتوسع وتسيطر عبر مشروع الحداثة هذا، الذي أتاح موارد ضخمة وتنامياً للسيطرة، ووضع الشعوب الأخرى تحت الهيمنة مع إحداثِ تغييراتٍ ضرورية تستكملُ نظام الإستغلال العالمي لها.
الترقيعات والعمليات الشكلانية من الإصلاح والعمليات الجادة من الإصلاح في التركيبة الدينية السياسية الاجتماعية المُستعادةِ من القرون الوسطى، لم تغير واقع الأمم الإسلامية، فابتلعت واستمرت تحت الهيمنة، لكن هذه الهيمنة الغربية نفسها أعطتها بصيصاً من النور.
لقد التبس الأمر على المثقفين المسلمين فلم يدركوا أن الحضارةَ الغربية هي ذروةُ الحضارة البشرية، وأن الاستعمارَ هو حقبةٌ تاريخية (ضرورية) في مسار الإنسانية المعقد، أما التقوقع في الشكل القومي الديني المنقطع عن هذه الذروة فلا يجدي نفعاً، لكنهم مع أخذهم جوانب من الحضارة الغربية ظلوا يرفضون قسماتها الأساسية.
من يسمون بالتنويريين والنهضويين والإسلاميين الحداثيين أخذوا تلك الجوانب التي رأوها إيجابية وفعلوها في الواقع العربي الإسلامي ؟المسيحي، لكنهم بعد عقود إما فشلوا وإما أن من تجاوزهم من الشموليين والعسكريين والمحافظين ألغى صيغ المقاربة الجزئية مع الغرب.
وحده كمال أتاتورك قائد تركيا الخارجة من الامبراطورية العثمانية طرح صيغة بسيطة وهي التماهي مع الغرب والصعود إلى مستواه ما دام هو قمة البشرية الحديثة، وخلال عقود من القمع والتغيير والديمقراطية والانقلابات العسكرية تحققت نبوءة أتاتورك، وغدت تركيا حديثة مع العديد من البقايا القديمة والصراعات الثانوية فيما واصلت الدول العربية والإسلامية طرح أسئلة الحداثة وكيفيتها وهي في مواقع لا تختلفُ كثيراً عن البدايات من تفكك الأبنية وتخلف الأرياف وعبودية النساء وضعف الصناعة وعجز الهياكل السياسية عن مقاربة الديمقراطية.
لم يفهم المسلمون إن الذي بين أيديهم هي أنظمةٌ إقطاعية لم تعد قادرة على الصعود لذروة العصر، إن المجتمع الديني القديم لم يعد من الممكن استمراره، فرغم أن الأهداف السياسية في الثورة الاسلامية تقدمية، لكن البنية التي وقعتْ فيها هذه الثورة أخذتْ الكثيرَ من سلبيات وأشكال تفكير العصور القديمة وعلاقات اللامساواة بين الرجال والنساء وبين الحكام والمحكومين وغيرها، هذه البُنية يجب أن تُزاح كلياً، ويحدث فصل بين الدولة والدين، فتقوم الدولةُ بما يترتبُ عليها من برامج الحداثة العالمية ومن تقدم لمواطنيها ومساواتهم القانونية التامة وإحداث أشكال التعبير الديمقراطية الحرة، فيما يتوجه الدين ومؤسساته لخدمة المؤمنين من خلال أدواته الاجتماعية المحضة.
أما الجمع بين بنية الحداثة وبنية الدين في مؤسسات مشتركة فهو أمرٌ محال، الحداثةُ سلطةٌ جديدة، والدينُ سلطةٌ قديمة، ولا بأس من التعايش الاجتماعي العام لكن ليس من الممكن وجودهما معاً في مؤسسات سياسية عامة مشتركة.
هذه الصيغة الغربية أتاحت تطور البلدان الغربية وتركيا وتغيرت الأديان في الغرب وتقدمت كذلك، وعبرت تركيا عن نموذج لهذا في المحيط الإسلامي.
فيما أن صيغَ التداخلِ بين الدولةِ والدين أخذت الدولَ العربية والإسلامية في دورانٍ تاريخي متعبٍ وفي سلاسل من الانقلابات الدامية والثورات اللامجدية.
تكسرتْ قضبانُ السجون التي أقامها المحافظون السياسيون والدينيون للشعوب، اتسعت دوائر الحرية للافراد والجماعات بشكل لم يسبق له مثيل في بقية العصور، ولم تكن الدول الاشتراكية إلا تجارب أخرى من تحطيم تلك القضبان، بأشكال مغايرة ومتجهة للجذور الاقتصادية وبأشكالٍ سياسية غير ديمقراطية كذلك تجاوزتها فيما بعد، ولكن العالمَ الحداثي الديمقراطي العلماني بروافده المختلفة صبَّ في مجريات واحدة في نهاية القرن العشرين وتجمعت قوى البشرية التحديثية في زلزال.
فهل يمكن أن تقف الشعوب العربية في مؤخرة العالم تراقبُ الأممَ تتوحد وتتعملق وهي مفتتة متخلفة؟ وهي لاتزال تطرح الأسئلة نفسها لما قبل قرنين؟ ولا تزال مخدوعةً؟
وهل تكون التحولات الجارية الآن شيئاً آخر غير السراب العربي المعتاد؟
تجلتْ محاولاتُ المحافظين الدينيين للسيطرة الشمولية على المسلمين من خلالِ شكلين أساسيين هما ولاية الفقيه السني عبر الإخوان المسلمين وولاية الفقيه الشيعي عبر التجربة السياسية الإيرانية.
وعلى عكس أتاتورك وعلى عكس نموذج المقاربة الحقيقية من الغرب الديمقراطي طرحتْ موضوعةُ ولايةِ الفقيه العودة للإسلام، بشكلِ الاسترجاع النصوصي الكامل، من وجهة نظر السنة المحافظين والشيعة المحافظين كذلك رغم التباين بين الجانبين في فهم (الإسلام).
قالتا بأخذ الإسلام كما هو، وجاء ذلك بشكل العودة والذهاب إلى الماضي، واستعادة نمط حكمه وأشكاله العبادية الصارمة، وقد بدأت ولايةُ الفقيهِ السني للإخوان المسلمين تنسج خيوطها الدكتاتورية عبر الارشاد والتعليم والإصلاح من موقع الفئات الوسطى الصغيرة المطحونة في مصر الثلاثينيات، واتخذتْ موقفاً اجتماعياً سياسياً خطيراً متذبذباً، عبر قبول جوانب من الحداثة والتوجه أيضاً إلى النمط الاستبدادي السياسي الاجتماعي بشكل أساسي، بدلاً من أن تتعاون مع جماعة الوفد التحديثية وتشكلان تياراً ديمقراطياً وطنياً مقارباً للغرب محدثاً للتحول، بل تصارعتا، وهذا أدى إلى أن يقفز العسكرُ إلى السلطة ويضرب الجماعتين، ويتذبذب العسكرُ كذلك بين تكريسِ الشمولية وأخذ بعض جوانب الغرب المحدودة، مما أدى إلى انهيار مشروعات نصف الحداثة المصرية هذه ودخول مصر مرحلةَ غموضٍ حضاري وتذبذب إلى الآن.
فمشروع ولاية الفقيه السني دخل لحظة الجمود وعدم القبول الواسع، لكنه سبّب مشكلات كبيرة، عبر استنساخه من قبل الجماعات الدينية الأكثر شمولية والعنفية الارهابية، فغدتْ هذه العودةُ إلى (الإسلام) بصورةٍ حرفية وبأزياء خارجية وبانتحار سياسي كامل.
أما ولايةُ الفقيه الشيعية فأدخلت المسلمين في مخاطر كبرى كذلك، فنظراً إلى عدمِ وجود برنامج حقيقي، وبسبب رفض الإصلاحات الديمقراطية في أوضاع النساء والفلاحين والعمال والثقافة، وجعل السلطة أداةً دكتاتورية، فقد انتهت الولاية لتكون حكراً على المستبدين الدينيين والعسكريين الذين راحوا يغامرون بمصير إيران، وحين ظهرَ سرابُ ولايةِ الفقيه هنا وعدم إنتاجه للجنة الموعودة قاموا بتصديرها للبلدان العربية خاصة، وكان هذا التصدير ينزل بقوة على التكوينات الوطنية في كل بلد بشكلٍ حاد لكون هذا التنزيل لا ينبثق من التجربة الوطنية لكل شعب، فيؤدي إلى تطوره بل يكون هذا النزول سبباً في انشطاره وخوفه من المُصدِّر الإيراني وسياساته، وقد وقع التصدير على العراق وفيه المرجعيةُ الكبرى للشيعةِ في العالم، ووقفتْ المرجعيةُ من دون تأييد إلى أي حزبٍ ومع تغيير ظروف الشعب العراقي السيئة، وهو تأكيد منها أن الأحزاب السنية والشيعية يجب أن تتحد أو أن تترك التجارة السياسية بالمذاهب. وهذا يؤكد عدم صحة مسألة ولاية الفقيه السياسية على الجانبين.
فيما دخل المجتمع الإيراني في أزمة انقسامية لا يعرف كيف يخرجُ منها.
وقد واصل الفقهُ المحافظ في جميع المذاهب الإسلامية حضوره الهادئ البطيء ومتابعة ظروف المسلمين واقتراح الحلول على الأصعدة كافة بشكل جزئي محدود، معبراً في العديد من صوره عن تلاقيه مع السلطات الحاكمة في البلدان الإسلامية التي لم تقم بتحولات عميقة لصالح الجماهير، وظلت الهياكلُ السياسية فاسدة فيها ولم يدعُ هذا الفقهُ إلى تغييرِ ظروف العامة ونشر الديمقراطية والحريات.
إن الديمقراطيةَ العلمانية تحريرٌ للعامة من أسر الفقر والأمية وإيجاد الحرية والتقدم الثقافي، وهي أمور تؤدي عبر الإرادات وأفعالها المتنوعة المضيئة، إلى إعادة اكتشاف الإسلام وإنتاجه في عصر جديد، والتغلغل في الحضارة الحديثة واستثمار إنجازاتها.
وهي عمليةٌ تركيبيةٌ صعبة بدأتْ بعضُ الأحزابِ الجديدة الديمقراطية العلمانية وذات الجذور الإسلامية مقاربتها.
إن الجمعَ بين مستقبلٍ يكادُ يضيع من بين أيدينا وماضٍ عزيز علينا ولاتزال أشكاله العتيقة تخنقنا، مهمةٌ مركبةٌ صعبة جدا ولكن ليست مستحيلة.

الماديةُ والعلوم

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

في إنتاجِ دكتاتوريته الفردية يصعدُ لينين صراعَهُ ضد التعددية في الحزب، فيقسمهُ، ويصعدُ صراعَه ضد التنوع الديمقراطي في الغرب فيغدو الغرب برجوازياً لا بد له من شيوعية نافية له بكليته.
لكنه أيضاً يتوغلُ في مجال العلوم ويواجه تعددَ المدارس والتيارات الفلسفية المثالية العقلانية والمادية التجريبية من أجل إكتساح المادية الجدلية للمسرح الفكري. لكن أية مادية جدلية لديه؟
ظهرت في أواخر وأوائل القرن العشرين مدارس وحركات علمية عديدة لا تنطلق من المادية الجدلية بل من وعي علمي مختبري ومن غوص تجريبي في العقل ومن إستخدام اللغة في تحليل منتجات العلوم الطبيعية.
كانت مدرسة(التجريبية المنطقية) تتوجه نحو دراسة الظاهرات الطبيعية بأشكالٍ جزئية تجريبية، حيث تفصلُ الظاهرةَ العامة عن كلية الطبيعة، وتدرس عناصر التجربة، لاستخلاص نتائج موثقة.
تعارضُ هذه المدرسةُ أفكاراً ومسلمات إطلاقية من أجل أن تموضع الدراسة، وتحللَ الشيءَ أو الظاهرة، ولهذا رفضت مفاهيم مثل(المادة) و(الجوهر) معتبرة إياهما آراءً قديمة غير نقدية.
(إن اللون هو موضوعٌ فيزيائي إذا أخذنا بعين الاعتبار تبعيته لمصدر النور الذي ينيره للألوان الأخرى والحرارة والمكان الخ، ولكن إذا أخذنا بعين الاعتبار تبعيته لشبكية العين فأمامنا موضوع نفساني إحساس).
إن التجريبية المنطقية تقوم بدرس هذين الجانبين المواد والأشياء عبر صلاتها بالأحساس والجهاز العقلي البشري:
(إن الصلة بين الحرارة والنار تخص الفيزياء في حين أن الصلة بين(العناصر) وبين الأعصاب تخصُّ الفيزيولوجيا، ولكن لا هذه الصلة ولا تلك توجد بمفردها بل توجد كلتاهما معاً).
هذا ما يقوله الفيلسوف الإلماني ماخ في القرن التاسع عشر والذي ينقله لينين في كتابه(المادية والنقد التجريبي) ص 53، دار التقدم، موسكو.
فيقسم النقدُ التجريبي عمليةَ المعرفةِ المتأتية من العلوم إلى عناصر شيئية، وعناصر تفكيرية.
ويقول مفكر روسي موجزاً هذا(الإحساس مُعطى لنا أصدق من الجوهرية). بمعنى أن المطلقات هي خارج عملية البحث والتحليل للأشياء.
يعبرُ لينين عن إختلافه بطرق هجومية حادة ويقول محدداً وجهة نطره:
(يجب القول إن كثيرين من المثاليين وجميع اللاادريين.. يلقبون الماديين بالميتافيزئيين لإنه يخيل إن الأعتراف بوجود عالم خارجي مستقل عن إدراك الإنسان يعني تخطي حدود التجربة. وسوف نتكلم في حينه عن هذه التعابير وعن خطئها التام من وجهة نظر الماركسية)، ص 64.
لا يحلل لينين بدقة مسألة وصف الماديين بالميتافيزيقية هنا، ويخلطُ بين(إن الأشياء مستقلة عن وعي الإنسان بالمطلق)، وبين أن الأشياءَ ليست مسقلةً عن وعي الإنسان النسبي.
إن إنفصالَ الأشياء والطبيعةِ عن الإنسان هو أمرٌ موضوعي، لاجدال فيه، ولكنها ليست مستقلة عن وعي الإنسان التاريخي حين يتعامل معها ويحللها ويحاول إكتشافها.
وهكذا كان العلماء القدماء لا يفصلون أفكارهم وعقائدهم عن تحليل المواد، في حين وصلت العلوم بين القرنين 19و20 إلى عمليات متقدمة لفصل الوعي الذاتي للباحث عن المادةِ المدروسة.
ومن الممكن بهذا أن يقعَ الماديون في عالم الغيب الاجتماعي السياسي كما سيحدثُ للينين نفسه.
ومن هنا تتعاظمُ أهميةُ هذه القراءة للاحساس، ولتحول الانطباعات إلى معرفة، والتركيز على التجربة، التي لها أدوات ومستويات وتطورات في أجهزتها والتي تغدو ملغيةً لمعلوماتٍ وآراء سابقة نظراً لهذه الصلة بين المُعطى والتجربة.
لهذا تغدو العلومُ الطبيعيةُ منفصلةً عن الفلسفات والأديان والآراء المسبقة، وتغدو الفلسفات مستفيدة من خلاصات هذه العلوم ومستثمرة لها في وجهات نظرها.
من الممكن أن يكون هؤلاء الباحثين مثاليين ودينيين وماديين من مختلف التيارات، بسبب أن نشؤ العلوم في الغرب جاء من وعي مسيحيين ويهود ومؤمنين عامة، وهؤلاء حاولوا الارتقاء بالعلوم وعدم الاصطدام مع أديانهم وحجموا دلالات ونتائج العلوم وربطها بالصراعات الاجتماعية. لكن لينين ينطلق من رؤية حادة لإزالة الأديان والإستغلال بدون وعي علمي حقيقي، فيؤدي لتجربة مغايرة لما يريد.
خذ مثلاً ما يقوله لينين نفسه عن الأثير وعلاقته بالوعي:
(وهذا يعني إنه توجد خارج عنا، بصورة مستقلة عنا وعن إدراكنا، حركة للمادة، مثلاً، موجات الأثير ذات الطول المعين والسرعة المعينة، التي يولد في الانسان، بتأثيرها في شبكة العين، الإحساسُ بهذا اللون أو ذاك)، ص 54.
إن حركة المادة العامة المجردة هذه صحيحة التأثير غير أن(موجات الأثير) هذه غير موجودة في الطبيعة نفسها، أي أن هذا المصطلح من مفردات مدرسة علمية قديمة تم تجاوزها فلم يعد هناك شيءٌ أسمه موجات الأثير! لقد جرت تجارب علمية في أواخر القرن التاسع عشر أثبتت غياب هذا المُسمى، وبدأت نظرياتٌ علمية جديدة، ولكن مع غياب متابعة لينين:
(لقياس سرعة الموجات الكهرومغناطسية، قام ميكلسون ومورلي بإجراء تجربتهما الشهيرة سنة 1881وقد كانت هذه التجربة من أشهر التجارب في القرن التاسع عشر، والتي أدت إلى ثورة علمية لأن نتائجها كانت تعاكس تماما أفكار الباحثين المؤيدين لفكرة الأثير).
بطبيعة الحال إن العديد من باحثي النقدية التجريبية مثاليون ومحافظون وبينهم باحثون مناضلون في نقد وتحليل العالم الطبيعي والاجتماعي كذلك، لكن التعددية وإستثمار العلوم ونتائجها وتطويرها بالنقد يخلق شبكات تحليل واسعة للحياة في مختلف جوانب المعرفة.
يولي لينين أهميةً كبيرة لرجل الدين باركلي بإعتباره مشابهاً بشكل كلي للعلماء الفزيائيين والمنظرين النقديين التجريبيين، أصحاب هذه الفلسفة الجديدة التي قام لينين بمواجهتها في سنة 1908 في كتابه(المادية والنقد التجريبي).
(إن بريكلي يقول بكل جلاء إن المادة(جوهر لا وجود له)، ص 21.
يعتبر لينين ذلك بمثابة(الهجوم المقدس على المادة)!
إن رجل الدين المثالي هذا في تصوره يماثل أرنست ماخ الباحث من القرن التاسع عشر الفيزيائي المعروف.
لكن ثمة فرق هائل بين القس بيركلي والعالم ماخ!
فمن هو بريكلي هذا؟
جورج بيركلي (مارس 1685 – 14 يناير 1753) كان فيلسوفًا بريطانيًا-إيرلنديًا وأسقفا أنجليكانياً يعتبر من أهم مساندي الرؤية الجوهرية في القرن الثامن العشر الميلادي، ادعى بيركلي انه لا يوجد شيء اسمه مادة على الإطلاق وما يراه البشر ويعتبرونه عالمهم المادي لا يعدو أن يكون مجرد فكرة في عقل الله. وهكذا فأن العقل البشري لا يعدو أن يكون بيانا للروح. قلة من فلاسفة اليوم يمتلكون هذه الرؤية المتطرفة، لكن فكرة أن العقل الإنساني، هو جوهر، وهو أكثر علواً ورقياً من مجرد وظائف دماغية، لا تزال مقبولة بشكل واسع. آراء بيركلي هُوجمت، وفي نظر الكثيرين نُسفت)، موسوعة ويكيبيديا.
إذن بيركلي صاحب رؤية دينية متطرفة ألغى من خلالها العالمَ الموضوعي، وأعتبرهُ مجردَ فكرةٍ إلهية، وهو إمتدادٌ للعصور الوسطى والوعي الكَنسي التقليدي، ولهذا فهو يختلفُ إختلافاً كبيراً عن إرنست ماخ الذي عاش في القرن التاسع عشر باحثاً:
(ماخ، إرنست (1838 – 1916م)فيزيائي وعالم نفسي نمساوي درس حركة الأجسام بسرعتها القصوى خلال الغازات، وطوَّر طريقة دقيقة لقياس سرعتها معبرًا عنها بسرعة الصوت. وتعتبر هذه الطريقة مهمة خاصة في مشاكل الطيران الأسرع من الصوت. ظل عمل ماخ مبهماً إلى أن بدأت سرعة المركبة الفضائية تقترب من سرعة الصوت. وبعد ذلك استُخدم مصطلح رقم ماخ مقياساً للسرعة.)، المصدر نفسه.
وهو(يـُذكرُ باسهاماته في الفيزياء مثل رقم ماخ ودراسة موجات الصدم. كفيلسوفٍ للعلوم، فقد كان له تأثير كبير على الإيجابية المنطقية ومن خلال انتقادهِ لنيوتن، الذي مهّد لنسبية أينشتاين).
تتعدد وجهات نظر لينين تجاه ماخ ورؤيته، فيقول(التصور العام للماخيين ضد المادة) ص16،( الأسقف بركلي يساوي الماخيين)، ص35، وأتباعه يحاولون(تمرير المادية خلسة!)، (حاول أن يميل صوب المادية).
إن علماء الطبيعة يقومون بتنحية المُسبقات المختلفة، ومنها الأفكار، والتصورات القديمة عن المكان والزمان والمادة، وقد يقعون في أخطاء فكرية في هذا الهدف، ولكنهم يلجأون لذلك من أجل البحث العلمي، وعملية التنحية تبدو للينين بمثابة خيانة، ومن هنا يقوم ماخ بالبحث الجزئي المتغلغل في الظاهرة المدروسة للوصول إلى معرفتها والسيطرة عليها تقنياً، ثم يقوم بإختراعاته الكبيرة لكن فهمه النظري المادي الجدلي محدود.
(إن افيناريوس ينعتُ بالبحث المطلق ما يعتبرهُ ماخ صلة (العناصر) خارج جسمنا، وينعت بالنسبي ما يعتبره ماخ صلة العناصر التابعة لجسمنا)، المادية ص61.
إن افيناريوس هو عالمٌ مماثلٌ لماخ أقتربَ من رؤيته، وهو يعتبر الطبيعة التي هي العناصر خارج الجسم وبالتالي هي مطلقة، ولن تكون هنا في مجال البحث، لكن العناصرَ التي تدخلُ البحثَ هي متأثرة بوعينا ومستوى إدراكنا فهي نسبية.
كانت ثمة ثورةٌ علميةٌ تجري في أوربا من أجل الإطاحة بمفاهيم الفيزياء التقليدية، ومن أجل تصور جديد للمادة والكون، وهو تصورٌ متراوح متذبذب جزئي محدود لدى كل من ماخ وافيناريوس لكنه يظهرُ بصورته الكبيرة المادية الجدلية لدى انشتاين.
إن التجريبية النقدية المرفوضة عن لينين كانت تغيرُ العلومَ، لكنه كان لا يزالُ مع فكرة موجات الأثير، التي قامتْ تجربةُ العالِمين ميكلسون ومورلي بدحضها، سنة 1881 كما ذكرنا آنفاً في حين كتبَ لينين كتابَه سنة 1908، وطبعَهُ مرة أخرى بعد الثورة الروسية دون تغيير في فهمهِ لموجات الأثير، فتلك التجريبية أكدت أهمية دور العلماء الشخصي وتغييرهم لآراء سائدة مُسّبقة، قَبلية.
في مقابل واحدية الحزب المطلقة وهيمنة الدولة المطلقة يجري كذلك جعل المادية الجدلية مهيمنةً كلية، لكن الدكتاتورية هنا مُصّدعة للعلوم الطبيعية والاجتماعية على نحو خاص.
تتكشف في المساواة بين بريكلي والماخيين والتجريبيين المنطقيين عدم فهم لينين للتطور الاجتماعي الفكري العلمي ومراحله التاريخية ومسائل الديمقراطية وتعددية الاجتهادات الفكرية والفلسفية، ففيما يعكس بيركلي رؤية دينية صوفية رجعية يقوم علماءٌ من الفئات المتوسطة بتطوير العلوم مجتنبين الدينَ والمادية الجدلية الجامدة وقتذاك.