للعقل العربي الحديث قصةُ تكونٍ، ونسميه عقلاً، بهذا التجريد، لأنه أراد أن يكون بهذه الصفة، وصفة العقل تعني بأنه يستخدم السببية في قراءة الظواهر، فالعقل هنا منهج في فحص الأشياء واكتشاف قوانينها.

البنية والوعي

اختلف مع العديد من المفكرين حول رؤيتهم لمسار المجتمعات العربية الإسلامية الراهنة، ولاسيما مع المفكر اللبناني الراحل مهدي عامل في مفهومه عن [أسلوب الإنتاج الكولونيالي]، الذي أراد أن يجعله توصيفاً لمجتمعات العالم الثالث التي منها مجتمعاتنا.
وقد استفاد مهدي عامل من تطورات الفكر الماركسي في فرنسا، وخاصة تطورات البنيوية الوظيفية على يد غولدمان وآلتوسير، اللذين ركزا على مفهوم [البنية]، باعتبار كل مجتمع بنية خاصة لها قوانين تشكلها، غير المنفصلة عن قوانين تطور التشكيلة الاجتماعية ـ الاقتصادية التي تضم مجموعة من المجتمعات، والبنية ذات مستويات ثلاثة: اقتصادية وأيديولوجية وسياسية، وهي مستويات متداخلة، كل منها له أهميته التكوينية في مسار البنية، وبهذا ينتهي ذلك الفصل التعسفي بين الاقتصادي والفكري والسياسي.
وقد طبق مهدي عامل هذا المفهوم على مجتمعات العالم الثالث، رافضاً إنها مجتمعات إقطاعية أو رأسمالية، أو فقط مجتمعات تابعة، مقترحاً أسلوباً جديداً للإنتاج هو الأسلوب الكولونيالي، فهي مجتمعات تابعة، غير قادرة على إنتاج بورجوازية وطنية قادرة على تشكيل مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية.
وبطبيعة الحال هذه المقولة تكمل الوعي اللينيني باستباق قيادة البرجوازية وقيام العمال بتشكيل هذه الثورة.ويواصل مهدي عامل ذلك قائلاً بأنها تابعة للرأسمالية الأقوى، وبالتالي لا يمكن أن تقوم بعملية القطع في بنية التبعية.
وفي رأيي فإن مهدي عامل لم ينطلق من درس تطور المجتمعات العربية الإسلامية، أي ما هي أساليب الإنتاج في دول المشرق الذي صار عربياً، وكيف ظهر الإسلام وفي أي بنية وما هي تطورات هذه البنية.
إذا أخذنا مثالاً بسيطاً على مفهوم البنية، فنقول عن سلطة الاحتلال الإنكليزية في الدول العربية في بدايات القرن العشرين، هل كانت سلطة رأسمالية أم إقطاعية؟
إن قانون البنية هنا يقول بأن البنية الاجتماعية لها قوانينها الداخلية، وهي التي تستقبل المؤثرات الخارجية وتعيد تشكيلها داخلياً، فنحن قد نأخذ أداة غربية متقدمة ولكن شروط وجودها في بنيتنا الوطنية تعيد تشكيلها حسب قوانينها، فالتلفزيون المنتج يغدو عندنا أداة ترفيه، وكذلك فإن قائد الاحتلال البريطاني الذي يسجن من يقوم بتعدد الزوجات في إنكلترا حين تدوس أقدامه أرضاً عربية يقبل بهذا التعدد.
وكذلك فإن كافة المنتجات الثقافية والاقتصادية تخضع لإعادة التشكيل داخل البنية، فيغدو المستعمر البريطاني رئيساً لسلطة إقطاعية.وتغدو عمليات التحديث الرأسمالي المحدودة غالباً في بنية إقطاعية مهيمنة.لكن هذا الإقطاع عرف سيرورة خاصة تمثل تطور المجتمعات العربية الإسلامية، التي تغدو فيها المذهبية شكلاً دينياً محافظاً للصراع الاجتماعي.
ولهذا فإن تكون الفئات المتوسطة في مجتمعاتنا هو تكون تابع أولاً للإقطاع، فتبعيتها للإقطاع هو الذي يجعلها تابعةً للإمبريالية.إن عدم تجذر الخطاب الفكري والسياسي للفئات المتوسطة، يعود لهذه التبعية المركبة.
لو أخذنا المجتمع اللبناني كمثال لقرأناه بوصفه مجتمعاً إقطاعياً مذهبياً نموذجياً.فكافة الشرائح التي تبدو قوى برجوازية هي قوى لإقطاعية مذهبية ودينية مختلفة.الحزب الاشتراكي التقدمي هو يافطة للإقطاع الدرزي والمهيمنين فيه، أي أن الشريحة المتوسطة في الطائفة الدرزية لم تستطع أن تغير الإقطاع المهيمن عليها، أي أن تغدو جزءً من طبقة برجوازية قائدة، وهذا يحتاج لشروط اقتصادية، عبر تعاضدها مع الشرائح الوسطى في الطوائف الأخرى، وفكرية عبر إزاحة الوعي الطائفي المهيمن في الفكر السياسي الدرزي وغير الدرزي، وبقراءة نقدية للوعي الدرزي باعتباره إحباطاً للنضال الثوري عند الفلاحين المسلمين في العصر الوسيط وهيمنة للإقطاعيين على إنتاج هذا الوعي والسيطرة على الفلاحين الذي تقسموا وفقدوا قدرتهم على الكفاح الطبقي العام، وهو أمر يُعاد إنتاجه في المجتمع الإقطاعي اللبناني الحديث، عبر مستوى آخر من تطور البنية وتداخلها مع الهيمنة الأجنبية.
ويمكننا أن نأخذ الوعي الفرنسي الملبنن كنموذج يواصل متابعة المسألة على صعيد الوعي، ونرى كيف إن وعي الثورة الفرنسية المستورد إلى لبنان تحول إلى كهنوت، أي أنه لم تستطع أفكار ديدرو وفولتير وجان جاك روسو أن تطيح بسيطرة الكنيسة والملالي على الوعي. فلماذا صار ميخيائيل نعيمة صوفياً؟ ولماذا ترنحت الثورة الرومانتيكية عند جبران خليل جبران؟ ولماذا صار الحزب الشيوعي اللبناني تابعاً لحركة القوى المذهبية عوضاً أن يقود معركة لتشكيل مجتمع حديث لا طائفي؟ أي كيف غدت الماركسية ديناً وعقيدة ؟ أي لماذا لم تستطع الفئات الوسطى والشعبية فيه أن تغدو علمانية؟ أي لماذا ابتعدت أدوات مهدي عامل من الحفر والهدم للمجتمع الإقطاعي اللبناني الطائفي كتشكيلة حقيقية وليس كمجتمع كولونيالي؟
تكمن الإجابات في الحفر المزدوج الماضوي والحديث، عبر دراسات ملموسة في تكوينات المجتمعات وتطوراتها الخاصة، أي تحولها من كيانات داخل الإمبراطورية الإسلامية إلى كيانات وطنية، وكيف تمت التطورات والصراعات القديمة والحديثة، وكيف ومتى حدثت التغيرات في البُنى الإقطاعية في كل بلد بلد، وفي المستويات الثلاثة السابقة الذكر، وهل وصلت هذه التغيرات إلى الخروج من التشكيلة؟
إننا في لحظة تاريخية فكرية كبيرة هي إعادة لصياغة المفاهيم وانقلابها، وتاريخنا كله موضوع للحوار، لأن كتلته الجامدة صارت تعيق أمة كبيرة عن المشي في الكوكب الأرضي.

البنية العربية التقليدية
تكونها وسير ورتها

على مدى قرن التنوير العربي الأول المتشكل من أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وحتى جهود التنوير الراهنة التي تشكل المحاولة العربية الثانية للخروج من الحياة المتخلفة التقليدية، لم يعرف الباحثون والمناضلون ما هو الوضع الأساسي الذي يريدون إخراج الأمم الإسلامية والشعوب العربية منه.
لقد وُضعت مصطلحات محددة عديدة لتحديد البنى الاجتماعية العربية فى الزمن الأخير للوعي العربي النهضوي، حيث إن زمن النهضة الأول لم يبلور مصطلحاً محدداً للماضي الحاضر الذي يريد تجاوزه، وفي هذا اللاتحديد ضباب نظري واجتماعي، يعكس رؤى طلائع الفئات الوسطى العربية حينذاك وهي تتصور إمكانية التطابق البسيط مع الغرب من جهة ومع التراث من جهة أخرى.
أي أن وعي هذه الطلائع كان يأخذ الأفكار التجديدية والنهضوية كتكوينات فكرية واجتماعية خارج التشكيلات الاقتصادية/ الاجتماعية؛ باعتبارها عناصر مستقلة محايدة يمكن استخراجها من الأنظمة الاجتماعية المعاصرة أو الماضية، وزرعها في التاريخ العربي الراهن وقتذاك. ولهذا كانت التعبيرات المتداولة في هذا الوعي كقولهم: نأخذ من الغرب ومن التراث ما هو مفيد، أو كعملهم لفكرة الأحياء، فكل تيار يركز على إحياء أو الدعوة والدعاية للفصيل أو للتيارات (القريبة) منه.
ولم تختلف ممارسات طلائع الفئات الوسطى في الزمن (القومي) و(الاشتراكى)، لكن مناطق الاستيراد الفكري والاجتماعي اتجهت إلى مناطق وبلدان أخرى، تشكلت فيها رأسماليات الدولة القومية بأشكال متعددة (تجربة الاتحاد السوفيتي والتجارب الفاشية)، ولهذا فإن هذه الممارسات لم تتجه إلى التوصيف الموضوعي للبُنى الاجتماعية العربية.
ولكن فى هذا الزمن بدأت مفردة البناء التقليدي الماضوي تُطرح بصورة أكبر من الفترة التنويرية الأولى، واقترب مثقفو الفئات الوسطى لليبرالية من توصيف ماهية البناء التقليدي الموروث، لكن اسرار هذه التقليدية لم تحل.
لقد طرح الدكتور شاكر مصطفى مسألة البناء (التقليدي) الذي بدا قريباً من نظام اجتماعي وسياسي متداخل، فهو يحيل المنظومة التقليدية إلى عناصر هي الباقية من سيرورة التراث وهذه العناصر الأساسية الباقية تتجسد فى أربعة جوانب:
أ – طرق الإنتاح المادي ب – تكوين نظام السلطة ج – طبيعة العلاقات الاجتماعية د – قيم الفكر التراثية.
لكن هذه العناصر تبقى عناصر وبقايا لتاريخ، كما أنها غير مترابطة فى تكوين، أي لا تمثل بُنى اجماعية يتم تتجاوزها عبر بُنى مختلفة مغايرة، أي أن المسألة ليست مسألة تشكيلة اقتصادية اجتماعية، فيمكن الانتقال منها إلى البناء الحديث دون عملية قطع بنيوي. أي دون الحاجة إلى ثورة. ونجد استخدام مفردة أو مصطلح (تقليدي) بوفرة في قاموس النهضويين والليبراليين العرب والإسلاميين المتأخرين، لكن هذا المصطلح يُوضع فى إطار مجرد, وبدون قراءة لسيرورته التاريخية والاجتماعية.
ولهذا صار الوعي الطليعى لمثقفي الفئات الوسطى العربية هو المجابهة بين الحديث والتقليدي، وهذا في حد ذاته يعبر عن محاولة هذه القوى وتوحدها فى رفض الكابوس المتزايد لسيطرة البُنى التقليدية.
لكن هذا الصراع احتد في العقود الأخيرة من القرن العشرين، ولم تعد البُنى التقليدية مجرد قراءة للماضي أو محاولة لتأبيده، بل غدت كتلاً بشرية ضخمة تهدر في الشوارع ومعارك دموية وانقلابات؛ وهنا أخذت المصطلحات تضطرب، فمصطلح (تقليدي) لم يعد كافياً لتوصيف مثل هذه الحركات السياسية الماضوية، فظهر تصطلح (الأصولية) المنقول من الصحافة الغربية غير الدقيقة، أي باعتبار هذه الحركات السياسية التقليدية تمثل الأصول الإسلامية، وباعتباره مصطلحاً تبخيسياً، في حين إنه يعتبر مدحاً من وجهة نظر التاريخ الديني.
وقام الوعى اليساري للفئات الوسطى العربية بطرح مصطلحات مختلفة، مثل (حركات الإسلام السياسي)؛ وهو اصطلاح يمكن أن يضم حركات الخوارج والقرامطة وإرهابيي الجزائر، والمتصوفة الذين قاتلوا الصليبين دفاعاً عن الأرض العربية، كما أنه يمثل نظرة قاصرة لمستويات البنية المتداخلة التقليدية حيث الحدود ذائبة بين السياسي والاجتماعي والإيديولوجى!
وتم طرح تسميات أخرى كالحركات الإرهابية الدينية وهذا المصطلح يمكن أن يضم السيخ والهندوس والبوذيين المتطرفين كذلك!
إذن كان عجز الوعي العربي بأشكاله المختلفة عن الوصول إلى توصيف للبناء التقليدي العربى، يتمظهر في اضطراب المصطلحات، وهى العملية التي راحت تغلي مع اشتداد الصراعات السياسية حين عبرت البُنى التقليدية بأنها ليست ماضية فحسب بل حاضرا مهاجما ومسلحا بأقوى الأسلحة.
لقد عبرت آراء الأحزاب الاشتراكية والشيوعية العربية وهي تعكس وعي الفئات الوسطى ذات التوجهات اليسارية، عن اقتراب من البنية التقليدية، عبر توصيفها بـ(الإقطاع)، ولكن الإقطاع لديها هو إقطاع اقتصادي يتمظهر في الملكية الزراعية الكبيرة خاصة، ولم تقم بقراءة الإقطاع كتشكيلة اقتصادية اجتماعية، ويكمن في هذا التحاقها الثقافي والسياسي بـ(رأسمالية الدولة القومية) الروسية أو الصينية اللتين خرقتا مسألة التشكيلات وتطورها الموضوعي، وبالتالي عجزت عن إنتاج وعي تقدمي عربي، أي أنها قامت باستعارة طرق قومية مختلفة عن ظروفها الحاصة. (راجع تحليلاتنا لمواقف
هادي العلوي ومهدي عامل وغيرهما في مقالات سابقة).
وبطبيعة الحال فإن الأمر ليس رفض مصطلحاتٍ مجردة، بل هو رفض يتأسس من تكوينات سياسية اجتماعية شمولية تقليدية، لديها يافطات (تقدمية) غير أن البناء الفكري والاجتماعي شيء مختلف.
ولكن أيضاً حين نقول إن البنية العربية السابقة والراهنة بنية إقطاعية فهذا لا يكفى، أي أنه ينبغي علينا أن نرى السيرورة الخاصة لـ(إقطاعنا).
ولهذا عندما نقوم بتوصيف البنى الإقطاعية العربية، لن ننسى بأنها وريثة الأنظمة العبودية المعممة في المشرق (الرافدية، المصرية، الفينيقية الخ)، وهي نقطة عجز الوعي العربي التقدمي عن حلها، فهو لا يرى جذور هذه البُنى الإقطاعية العربية، في الزمن السابق البعيد كذلك، مثلما يجهل سيرورتها في الماضى القريب والحاضر، لأن تكون البُنى متداخلا ومركبا.
وإذا كانت جذور تكون البُنى الإقطاعية يتشكل مع الإسلام في الجزيرة العربية فهذا سيعطي لهذه البنى مستوى اجتماعياً وثقافياً معيناً، وبدون ظروف الجزيرة العربية الصحراوية المنعزلة عن أنظمة العبودية العامة في المشرق حينذاك، ما كان بإمكان هؤلاء الرعاة النمو والتحشد، وما كان بإمكانهم رفد المشرق العجوز بعلاقات إنتاج جديدة.
ولهذا كان نمو الإسلام مرتكزاً على إرث الرعاة، مع تشذيب المناطق المتطرفة منه؛ وإنهاضه، وفي مناخ التكون الاجتماعي التأسيسي ذاك كانت مسألة التشكيلة الاقتصادية / الاجتماعية مفتوحة، بين الماضي المشاعي المنهار، وعبودية خاصة، أي عبودية قائمة على استخدام العبيد الخاص، وليس العبودية الفرعونية القائمة على عبودية شعب باسره، لأن ظروف العرب الرحل رفضت ذلك.
وفي الإسلام الأول حدثت عمليات إقطاع، أي توزيع ملكيات أرض على المقاتلين المسلمين بعد انتصاراتهم على الوثنيين، ولكن هذا الإقطاع ليس هو الإقطاع المقصود لاحقاً، فهو إقطاع خاص، وهو أشبه بتبديل ملكيات خاصة.
ومن هنا تشكل التوزيع الإسلامي الأول للثروة، والذي يمكن أن نسميه التوزيع القرآني للثروة المُصادرة، حسب الآية من سورة الأنفال، ورغم ان الدولة الإسلامية الناشئة هي التي تقوم به، إلا أن الدولة ذاتها لا تملك ملكية عامة. كما أن أكبر أجهزة الدولة وهو الجيش قائم على التطوع، والأجرة ليست سوى الغنيمة التي تُؤخذ بعد الانتصار في المعارك، أما بقية أجهزة الدولة: السجون، والشرطة، المراكز الإقليمية للأجهزة فلم تر النور بعد.
لهذا فإن الدولة لم تتكون إلا بشكل جنيني، وأدت عمليات إعادة توزيع الثروات، وارتفاع مكانة الصحابة الفقراء والقبائل المسلمة المعدمة إلى مخاض اجتماعي مفتوح لعدة احتمالات تاريخية.
ومع عمليات الفتوح والانتقال إلى المناطق الزراعية الشمالية وانهيار الأنظمة العبودية الُمعمّمة، وصعود مكانة القبائل الرعوية العربية، أخذت قوى الأشراف الحجازية في الصعود الاجتماعي والسياسي مجدداً بعد سقوطها كملأ مهيمن فى نهاية المرحلة الوثنية.
ونستطيع أن نعتبر حروب الردة الحادة التي شُنت على القبائل المرتدة، وتدفق خيرات البلدان المغزوة، ونمو آلة دولة الخلافة، خاصة قوى الجيش، وتشكل الاستخبارات التي عملت في هذه المرحلة لمراقبة الولاة، وفيما بعد لمراقبة الناس، إن كل هذا قد جعل أفكار المساواة والكفاح الاجتماعي لدى نفر من الصحابة غير قادرة على التجذر في الحياة الاجتماعية التي انقلبت تمام الانقلاب بعد مرحلة الشظف والفقر السابقة.
بل إن هذا النفر لم يكن قادراً على تشكيل آليات سياسية لمجابهة صعود قوى الأشراف المتسلطة، والتي كانت ذات خبرات كبيرة في معرفة الأمم المجاورة وطرق التعامل معها، وقد كانت متمرسة في أساليب الحياة السياسية والعسكرية المسيطرة، في حين كان ذلك النفر من الصحابة يشكل طرقه (الشعبية) في التعامل مع شعوب البلدان المفتوحة.
وقد تشكلت أغلب المميزات السابقة المذكورة فى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، ولكن أهم ما تكون مع ذلك الصعود لقوى الأشراف في الحياة السياسية، هو ظهور الملكية العامة لوسائل الإنتاج تحت الإدارة الإسلامية العربية.
ومن المعروف كيف كانت سمات عدالة التوزيع للثروة المصادرة في عهد عمر بين العرب، وهو أمر بدا له غير متناقض مع تقريبه لمن يسمون بدهاة العرب، وأبناء الأشراف المحنكين، حيث كان يرى الاستفادة منهم فى حكم البلدان المفتوحة، ولكن ذلك ترافق وتشكل مع تكون الملكية العامة للدولة فى القطاع الزراعي، الذي وُضع الأساس للاقطاع.
ان هذه السمات المتضادة، بين عدالة توزيع ثروة للعرب وتشكيل دولة مركزية قوية، كانتا تكملان بعضهما في عهده، أي أن التوزيع على العرب فقط، يفترض مصادرتها من الاقوام الاخرى، وبالتالي كان لا بد من وجود دولة قوية، ولكن وجود الدولة القوية لا بد أن يرتد على العرب أنفسهم فيما بعد. في حين كان ذلك النفر من الصحابة يريد إضعاف الدولة لصالح الناس، وهما نهجان غامضان في هذه المرحلة وسيتبلوران لاحقاً.
إن عمر بن الخطاب وقف طويلاً أمام تشكل القطاع العام الإسلامي في الأرض الزراعية، وتحويل الأراضى الصوافي إلى ملكية عامة للمسلمين، فهذا يخالف التوزيع القرآني للثروة كما بينا سابقا. فالتوزيع القرآني يعتمد على نشر الملكيات الخاصة، ولا يُلحق هذه الأملاك بجهاز الدولة، كما سيفعل عمر فى هذه اللحظة التاريخية الفاصلة والخطيرة، وهذا الأمر يتضح في هذا ألماثور الإسلامى: (روى أبوعبيدة القاسم بن سلام بسنده إلى ابراهيم التيمي وابن الماجشون قال: لما أفتتح المسلمون السواد قالوا لعمر(بن الخطاب): أقسمه بيننا فإنا فتحناه عنوة! فأبى وقال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ وأخاف ان قسمته أن تفاسدوا بينكم فى المياه.. ولكنني أحبسه لله وللمسلمين. قال أبوعبيدة: أراه أراد أن تكون فيئاً للمسلمين ما تناسلوا يرثه قرن بعد قرن..).
ان هذه المخاطبة الجماهيرية من المقاتلين لعمر بضرورة توزيع الأرض العامة على المقاتلين، كانت تؤكد وجود تغيير جوهري فى طبيعة العلاقات الاقتصادية من قبل الخليفة، الذي أراد أن تكون الأرض الزراعية (الصوافى) ملكاً عاماً، وليس للمقاتلين فحسب، وهذا ما سيسمى لاحقاً بالفيء الإسلامى.
لقد تكون هنا المستوى الاقتصادي العام للاقطاع، أي تمت استعادة طريقة الدول المشرقية القدمة فى وضع الأملاك الزراعية الكبرى فى يد الدولة، التي هى ملكية خاصة للأسر الأرستقراطية، ولكن عمر أخضع التوزيع لحاجات الجمهور العربي. ومن جهة أخرى حين قرّب أفراد النخبة الحجازية التى كانت تدير الدول بكفاءة، خوفاً من عمر وتحسباً للمسقبل،
فقد تم وضع الأساس لتشكل الإقطاع الاقتصادي العام.
اذن ظهرت أملاكٌ كبرى عامة تخضع للدولة الإسلامية وإدارتها، ولنطالع هنا ما هو مضمروليس ظاهرا فحسب، أي أن الإقطاع الاقتصادي العام الموجه لصالح العرب المسلمين عامة، كان يشكل بداية لنقيضه، وهو الإقطاع الموجه لفائدة الأسر الخاصة. من حيث ان توزيع الفائض الاقتصادي الموضوع في يد الدولة وإدارتها، يظل توزيعاً، وليس إنتاجاً، أي أن الأرض الزراعية والعلاقات الإنتاجية فيها، ستبقى كما كانت سابقاً، من حيث وجود دولة متعالية مستغلة تجبي الخراج أو الفائض لمصلحة أسر عليا، وإذا كان التوزيع يجري الأن فى عهد عمر وعلي بن أبي طالب لاحقاً بشكل عادل للعرب، فهو يتعلق فقط بالفائض وتوزيعه وليس في اعادة تشكيل علاقات الإنتاج.
أي أن عمر لو قام بتوزيع الأرض على المقاتلين وتحولت إلى ملكيات خاصة، فسيكون التغيير قد وصل إلى علاقات الإنتاج، وبالتالي ستبقى الدولة إدارة سياسية وليس ادارة اقتصادية كذلك. أي سوف يتكسر طابعها الشمولي.
ان وضع الأساس الاقتصادي للدولة الإقطاعية الشمولية سيزداد درجة أخرى فى عهد عثمان بن عفان الخليفة الراشد الثالث، فالمضمون الاقتصادي العميق للدولة المسيطرة والذي بدأ سابقاً، أخذ يكتسب فى عهد هذا الخليفة مضموناً سياسياً كذلك، فإدارة الدولة انتقلت تدريجياً من إدارة عامة تشاورية، إلى إدارة أسرية، فآل مروان هيمنوا على بيت مال المسلمين، وبنى سفيان أصبحت لديهم أقوى الاقاليم الإسلامية المفتوحة.
لكن عامة العرب المسلمين لم تزل لديها بعدُ قوىً عسكرية وسياسية مؤثرة، وهو أمر تجلى فيما سُمى بـ(الفتنة الكبرى). حيث حاول العامةُ إعادة تشكيل الدولة الإسلامية الوليدة لصاحهم، لكن عوائل الأشراف الحجازيين انتفضت بأشكال مختلفة ضد هذه العملية السياسية والاجتماعية الخطيرة.
ولم تستطع الفئة التجارية الوسطى المتحالفة مع الفقراء الثائرين فى هذه المرحلة ان تستوعب البرنامج النبوي الذي تشكل فى المرحلة التأسيسية الأولى للإسلام، وتطوره، خاصة في مسألة التوزيع القرآني للثروة، وكان عدم الاستيعاب هذا والتردد، كفيلاً بتفكك أولاً جبهة الحكم ثم تفجر حروبها التي سهلت للأرستقراطية الأموية هذه المرة، العودة ثانية للسلطة وقد اكتملت دوائرها.
مع سيطرة الأمويين على مقاليد السلطة السياسية أمكنهم أن يضعوا أيديهم على الثروة الاقتصادية العامة، أي أن الإقطاع العام صار إقطاعاً أسرياً خاصاً . ولم يحدث ذلك دون مقاومة ضارية من عامة المسلمين، الذين صار ينضم إليهم الموالي والذميون، أي شعوب الإمم المحكومه من قبل العرب.
وتعتبر انتفاضات الخوارج والإمام الحسين بن علي والتوابين وأهل الكوفة جزءا من عمليات الاحتجاج الواسعة على تغيير طابع التوزيع للثروة واحتكار السلطة، لكن الطابع الإقطاعي للملكية العامة والسلطه قد ترسخ في هذا العصر.
وأدى رسوخ هذا الطابع في الميدان الاقتصادي والسياسي إلى انتقاله إلى الميدان الاجتماعي والثقافي.
فعبر سيطرة الأشراف على الثروة العامة، وهو ما كان يناقض الأحلام الشعبية بالمساواة، والإرث النبوي والراشدي، أخذ الأمويون يرتكزون على الإرث الرعوي الأرستقراطي وتكريسه, فاحيوا المظاهر القبلية المتعصبة بشكل شديد، وروجوا لشعر العداوات القبلية بين الفروع العربية المختلفة، وخاصة بين المضريين واليمانيين الخ..
كان الارتكاز على الإرث الرعوي وإفراغ الدورة الإسلامية التأسيسية من مضمونها النهضوي يجريان معاً، لتشكيل بنية
اجتماعية ثقافية اقطاعية، ومن هنا كان استنادهم على النصوصية الدينية الُمفرغّة من تلك المضامين النهضوية التحولية.
ونظراً لتنامي الثروات لدى هذه القوى الأرستقراطية، من جلب هائل للرقيق والجواري وسرقة واسعة للأمم، فقد تم التركيز في الآلة الدينية المسيطرة على الأشكال، والعبادات، والوحدة الظاهرية المجردة للمؤمنين والإعلاء التعصبي للقبائل، وغُيبت أساسيات الثورة. لكن الوعي الديني المعارض استمر في الوجود وإبراز جوانب مضمونية جوهرية في الإسلام، ووضع بعض الأئمه أساسيات للاحتهاد والقياس لتطوير النصوص الدينية، وابعادها عن السيطرة الإيديولوجية المطلقة للأمويين.
أي أن الوعي الديني راح ينقسم في هذه المرحلة بشكل فرق وأسر متتفذة، إلا أن الوعي المعارض هذا قبل بالأساسيات العامة لنظام الإقطاع المتكون، حيث لم تقم الفرق المعارضة وهي القدرية والمعتزلة والزيدية في هذه الحقبة، حين وصلت إلى السلطة أو إلى التأثير الثوري الواسع، بتفكيك ملكية الدولة العامة ووقف العبودية الخاصة المتنامية باتساع هائل ووضع حد لعبودية النساء التي تنامت مع تدفق الثروات على الرجال العرب وأرستقراطيات الموالي.
فعلى الرغم من المعارضة الواسعة والضارية أحياناً إلا أن الفرق غدت جزءا من تكوين الإقطاع.
ولدينا هنا شكلان من المعارضة وهي معارضة أسر الأشراف وأهمها المعارضة الشيعية، وتنويعاتها والتي هي بداهة مع نظام إقطاعي بديل عن الراهن تكون هي على رأسه، وكذلك الخوارج الذين قادتهم نصوصيتهم الحرفية إلى إقطاع آخر، في المناطق الصحراوية التي خضعت لحكمهم.
وهناك المعارضة التى تشكلت من الفئات الوسطى المدنية التي قامت على القبول بالنظام الإقطاعي وسلطته، نظراً لالتحاقها بخدمته أو تشكلت بفيض تدفق ماله، وهذه هي المعارضة التي ستشكل الأنواع الأدبية والفكرية المتعددة، التي ستعيش في الفضاء السياسي والفكري للنظام الإقطاعي، وستمتد من المطابقة التامة مع النظام الاجتماعي إلى طرح أشكال الإصلاح المحدودة داخله. وسواء كان ذلك من المذاهب السنية القياسية الاجتهادية أو من المذاهب غير الاجتهادية، إلى
التيارات الصوفية المضادة للعقل، إلى التيارات الفكرية (العقلية) الخ..
إن كل التشكيلات الفكرية والأدبية هي خاضعة للمدينة التي يحكمها الإقطاع السياسي العربي ثم اللاعربي.
إذا كان الإقطاع قد تمكن من المستوى السياسي للنظام الاجتماعي بعد أن سيطر على البناء الاقتصادي، فلا بد أن نعرف كيف سيطر في المستوى الاجتماعى. لقد قامت حركة العرب التاريخية على نشاط القبائل، والجانب المفيد أن هذه القبائل الحرة قد تمكنت من دك أنظمة العبودية العامة المتكلسة القديمة، إلا أن الجانب السلبي أنها نقلت تراثها الرعوي الاجتماعى والثقافى وقامت بجعله مطلقاً. وهذا قد بدأ بالأشكال الاجتماعية الأسرية؛ عبر جعل القبيلة هي أساس التكوين المدني، حيث تقسم الأحياء السكنية حسب أفخاذ القبائل، وتتشكل السلطة المدنية من زعماء الشيوخ القبليين، وهوالأمر الذي قاد إلى هيمنتهم على أجواء المدن الإسلامية المبكرة. ويقوم شيوخ القبائل المدنيين بنقل السلطة الإقطاعية من مستواها السياسي إلى مستواها الاجتماعي، عبر منع أي مظاهر للحرية الاجتماعية، وعبر الولاء للخلفاء، وإلحاق المدن بسلطتهم المطلقة، سواء كانت سياسية أو دينية أو إيديولوجية. هكذا تغدو المدن والأحياء جزءا من النسيج الإقطاعي، إلا أن المدن قابلة للتطور التحديثي النسبي، عبر انتشار التجارة والحرف والثقافة والاجتماع، ولهذا فإن القبيلة كتكوين اسري واسع لا تصمد للزمن، بل هي تتفكك، وتقترب من التحول إلى طبقات، حيث يحدث الفرز الاجتماعي بين الشيوخ المهيمنين على القبيلة والمرتبطين بالسلطة، وبين جمهورها الواسع. ولكن ذوبان القبيلة المطلق لا يتحقق لكون المدينة تعيش دائماً على السلطة الإقطاعية المهيمنة وعلى الرفد الصحراوي والرعوي المستمر عبر الزمن، إلا أن الجانب الأكبر
من نفوذ الإقطاع القبلي الاجتماعي، يتحقق عبر الأسرة الأبوية، فهذه الخلية الدنيا من القبيلة تقوم بالاحتفاظ بموروثاتها القرابية والاجتماعية والفكرية، عبر هيمنة الأب الذي يغدو وجهاً للسلطة النكورية المطلقة، وعبر تنحية النساء من النشاط الاجتماعي والسياسي، وعبر إعادة ضخ الوعي الديني المشكل حسب هيمنة السلطة. تغدوالمدينة الإسلامية المشكلة بسيطرة القوة السياسية والعسكرية، تعيد إنتاج ذاتها عبر التاريخ، سواء عبر الرفد المستمر من القوى الرعوية: الأتراك، والأكراد، وعرب الجزيرة، والأمازيغ (البربر) والألبان الخ..، وفي العصر الحديث عبر الجيوش والقوى العسكرية البدوية والقروية، أي أن القوة العسكرية السياسية تتحكم في الإنتهاج العام الزراعي، الذي يغدو في العصر الراهن الملكية
العامة للمعادن والبترول والفوسفات الخ..، وهكذا فإن الفرق المعارضة للعصرين الأموي والعباسي تقوم على معارضة الأسر والجماعات المتحكمة في النظام الإقطاعي لا معارضة النظام الإقطاعي نفسه، فهي جزء من نسيج هذا النظام وهي تقوم بإعادة إنتاج له، من مواقعها الجغرافية والسكانية والفقهية المختلفة، فتضخ الحياة المؤقتة في عظامه المتيبسان بشكل متلاحق، فالإسماعيليون والمعتزلة والإثناعشرية والقرامطة الخ..
يعيدون تشكيل الأنظمة الإقطاعية في عملهم ومناطقهم وإرثهم. إن القوى المعارضة تغدورقوى سياسية إقطاعية، لكونها لا تعمل لتغيير النظام الإقطاعي، بل على الوصول للسلطة فيه، وبالتالي تقوم باستثمار آلياته لمصالح لأسر المسيطرة. وحين كان الإقطاع العام مركزياً اي موجهاً من قبل عاصمة ما، المدينة، الكوفة، بغداد، قرطبة، كان الوعي الديني عاماً، ومع دخول الذميين في الإسلام وتحولهم إلى معارضات وطنية و(قومية) مضمرة، راح الوعي الديني الإقطاعي ينمو في اتجاهين، اتجاه مع السلطة العامة المسيطرة، واتجاه مع المعارضات الإقليمية المتعددة.
في الاتجاه الأول العروبى الُمضمر والقبلي وذي الإرث الصحراوي الأكبر، والذي أخذ يرتبط أكثر فأكثر مع الدولة المركزية أولاً ثم الدول الإقليمية، التي قمعت أشكاله القياسية المتحررة والناقدة، وحولته إلى أشكال دينية تابعة لها، وهو ما مثل المذاهب السنية المختلفة، وغدا مضمونه في الحفاظ على النصوصية على درجات دون إنجازات الثورات المتحققة. والاتجاه الثاني الأممي المضمر، والذي تداخل والإرث الديني القديم لشعوب المشرق الزراعي، ومثلته الإماميات المختلفة، والمسيحية العربية. ولكن كافة الاتجاهات لم تتجذر في البادية أو الزراعة، لأنها عكست القوى السياسية المسيطرة في هذه التكوينات الاجتماعية والبشرية، ولهذا ليس ثمة سوى خلافات نصوصية وحفريات قديمة، حيث إن كافة القوى السياسية المذهبية لم تنسلخ من النظام الإقطاعي.
لقد شكل الإقطاع العام المركزي لامذهبية، ولكن الإقطاع اللامركزي والمتفتت، شكل الإقطاع المذهبي الذي نعيشه حتى اليوم.
إن الأمر يعود لأسلوب الأنتاج الذي تحكم في حركة التاريخ العربية حين خرج العرب من صحرائهم ليس لديهم تشكيلة اقتصادية واجتماعية محددة، وكان التاريخ العالمي يتوجه نحو المنظومة الإقطاعية، كما فعل أقران العرب القبليين في جرمانيا والذين غزوا روما العبودية ونقلوا القسم الغربي من الإمبراطورية الرومانية إلى عصر الإقطاع. وتكفل العربُ
بنقل القسم الشرقي منها إلى ذات المنظومة.
إن أساليب الإنتاج في العالم الشرقي عامة والوطن العربي خاصة تنمو بشكل خاص، ولم تنفع أساليب المطابقة التي حاول
البعض إجراءها مع أوربا في الحصول على نتائج فكرية وسياسيه خصبة.
وهذا لا يتعلق بالتشكيلات الكبرى للبشرية فهي واحدة، ولكن أشكال التطبيق القارية والقومية هي أشكال خاصة، والخصوصية تتعلق بالسمات الأولى المترسخة والتي تتمظهر بعدئذٍ في الأشكال الإنتاجية البشرية المشتركة.
وأهم خصوصية هي تدخل الدولة وتناسجها مع أسلوب الإنتاج؛ سواء كان في العبودية أم الإقطاع. ويبدو إن الرأسمالية
العربية لن تكون بعيدة عن ذلك.
إلا أن ملكية الدولة العامة غالباً ما شكلت ضباباً فكرياً للباحثين، ولهذا فإن ملكية الدولة في عهد الخلفاء الراشدين اعتبرها بعض الكتاب [اشتراكية] أو كما فعل آخرون تجاه الملكية العامة للقرامطة فاعتبروها (شيوعية!)، وهكذا فإن ملكية الدولة العامة الراهنة في الدول العربية اعتبرها البعض تحولاً إلى الرأسمالية.
ولكن أثبتت الملكية العامة للدول العربية بأنها لا تشكل رأسمالية، بل تعيد إنتاج العلاقات الإقطاعية، ورأسمالية الدولة كما
جرت في الاتحاد السوفيتي وكما تجري في الصين حاليا ليست لتحقيق الاشتراكية بل لتجاوز الإقطاع، ولكن لأنها دول شرقية، والدولة المالكة للإنتاج هي إرث تاريخي فيها، فقد التبس المضمون التاريخي التحولي فيها، حتى على المشاركين في التجربة، لكن التغيرات العاصفة فيها بينت المضمون الحقيقي للتحول.
لكن رأسمالية الدولة القومية في الصين وروسيا تمكنتا من إنجازمهام التحول من الإقطاع، وهذا بخلاف العالم العربي. فرأسمالية الدولة الوطنية هنا لديمومة الإقطاع وليس لتجاوزه. وهذا هو الالتباس الفكري التاريخي لدى العرب كما حدث
للالتباس الروسي بشان تحولهم إلى الاشتراكية، في حين كانوا يحققون انتقالاً للرأسمالية بشروط هيمنة الدولة البيروقراطية.
إذن نحن في سيرورة الإقطاع المذهبي كما تشكل تاريخياً، أي أن الأقاليم العربية التي تتفتت تحولت إلى دول إقطاعية مذهبية، وإقطاعية مذهبية بمعنى أنها عاجزة عن أن تكون إسلامية عامة، مما يولد الصراعات المذهبية وعنفها. وهي لن تتحول إلى إسلامية عامة إلا بالعلمانية وهذه شروطها الديمقراطية. أي يعني بأن تخرج من أسلوب الإنتاج الإقطاعي، وتفكك العلاقة بين الحكم والثروة، بين المذهب والسيطرة السياسية والاقتصادية.
أما رأسمالية الدولة فتحددها هنا كيفية إدارة الدولة، أي كيف يتوجه الخراج الجديد، لإعادة إنتاج بسيطة وتجديديه محدودة أم للخروج من أسلوب الإنتاج العتيق؟
ولكن الذي يحدث حاليا ان الخراج الجديد يتوجه لإعادة إنتاج النظام الإقطاعي المذهبي، مما يعني المزيد من النمو والصراع بين الحركات الإقطاعية المذهبية المختلفة، وهي التي لها بنية ايديولوجية لها مقاييسها المضادة للعصر والحداثة. فمسألة الاعتدال والتطرف هنا نسبية، فهي تنطلق من معايير ناتجة من القرون الوسطى، من عصر الإقطاع الديني التي لا تعرف مسائل القانون الدولي وحقوق الإنسان الحديثة، ولا الوطن والدولة الحديثة اللادينية، التي هي تابعة لمعايير العصر البرجوازي الحديث. ولهذا فإن الفروق بين الدول والحركات والتصورات الإقطاعية المذهبية هي كمية وليست نوعية.
أي أن الأمر يتطلب التحول إلى تشكيلة جديدة هي تشكيلة العصر الرأسمالي بكافة معاييرها، وهو أمر يتطلب نضالاً سياسياً و فكرياً قوياً تحديثياً شاملاً لفك الارتباط مع النظام الإقطاعي المذهبي وحركاته وتصوراته.

أشكال الوعي في البنية التقليدية العربية

إذا كانت البُنى العربية التقليدية بُنى إقطاع ديني، لكون الدين هو الشكل الوحيد المناسب لظهور وتجلي صراعات هذا التاريخ البشري الخاص، فإن هذا الإقطاع الديني يصير إقطاعاً مذهبياً، أي يقوم فيه العرب المسلمون بالصراع بينهم وبين أنفسهم كقوى ومستويات اجتماعية عبر المذاهب، وبينهم وبين الأديان الأخرى عبر الدين العام.
ولهذا فإن كافة مستويات البنية التقليدية تغدو مُسيسة، فلا توجد حركات دينية غير سياسية، ولا يغدو الدين الشعبي الجماهيري كذلك غير مسيس.
ومن هنا فإن هناك إقطاعاً دينياً سياسياً يهيمن على البنية التقليدية، وهو يشكل الأنظمة السياسية عبر التاريخ، ومن هنا كذلك فلا توجد مدينة عربية إسلامية حرة، أي ديمقراطية وحداثية، لأنها كلها خاضعة للإقطاع السياسي المتحكم عبر التاريخ، وهنا الفارق بين مدننا وبين المدينة الغربية البرجوازية التي نمت كمدينة حرة، فهذه الأخيرة قد نشأت في عملية تاريخية لتغيير سلطة الإقطاع الديني والسياسي، أي لتحويل مجمل البنية التقليدية، عبر الفصل بين الدين والدولة، وجعل المدينة حرة من سلطة دينية سياسية مُسبّقة.
والأمر ليس تحرير المجتمع من الدين، ولكن تحرير الدين من الدكتاتورية السياسية. وتحرير السياسة من الدكتاتورية الدينية.
ولهذا فإن علينا أن لا نرى فترات ازدهار المدن العربية الإسلامية بالتجارة وببعض الحرية الفكرية والسياسية باعتبارها انقطاعاً عن الهيمنة الإقطاعية المستبدة، أو تحولاً نوعياً فيها وانتقالاً إلى كونها مدناً حرة، كما يوهمنا الكتاب السطحيون، حين يتحدثون عن فترات النهضة في الدولة العباسية أو في العصر الحديث، بل الأمر لا يعدو أن يكون وفرة مالية لدى الإقطاع السياسي تتيح له تحريك الحياة الثقافية والفكرية باتجاه مصالحه.
إن الإقطاع السياسي المهيمن على أجهزة الدولة العليا يتيح للإقطاع الديني الهيمنة على المستويات الاجتماعية، خاصة على وضع القبيلة / الأسرة ومورثاتها الذكورية والثـقافة الجماهيرية، وغالباً ما يحدث الصراع بين الإقطاع السياسي الحاكم والإقطاع الاجتماعي، وكلاهما يحكمان مستويات البنية المتعددة، حين تنضب موارد الدولة أو تضيع في قنوات وشرايين الدول الفاسدة.
ولهذا فحين يستولي المأمون على السلطة من أخيه الأمين، أو حين يستولي الضباط الأحرار على الحكم في مصر، فإن البنية الإقطاعية / المذهبية لا تتغير، والمدينة الحرة لا تنشأ، فدور الدولة المركزي وهيمنتها على الأملاك العامة، وسلطتها المكرسة غيباً لا تتبدل.
وحين يقاوم الإقطاعُ الديني المأمونَ بسبب عمليات تحديثه فذلك لأن يصرف المال العام على بطانته، المجلوبة أغلبها من فارس، ولهذا فإن الإقطاع الديني المتحكم في البنية الاجتماعية وأغلبه عرب وجدوا أنفسهم بمنأى عن السلطة السياسية والمال العام، يصارع هذا التحكم ويتخذ من قضية خلق القرآن مظهراً للصراع على غنائم الحكم.وحين يقوم الواثق بانقلابه فإن شيئاً من الاستغلال والفساد لم يتغير، غير أنه قرب رجالات الإقطاع الديني وأجزل لهم العطاء.ولأن بطانة الإقطاع فارسية، إمامية، زيدية، اعتزالية، تزدهر لدى عامة بغداد المذاهب السنية.
ولهذا أيضاً حين يقوم الضباط الأحرار بانقلابهم ويحدثون إصلاحات مهمة فإنهم لا يخلقون مدينة حرة، لأن هيمنتهم على المال العام تتصاعد ويغدو جهاز الدولة تابعاً لفئة صغيرة تتحكم في كيفية توزيع الثروة، ونظراً لدور قيادتها الوطنية المناضلة فإن مشروعات شعبية كثيرة تتحقق، ووصول جانب من المال العام للشعب، لم يكن يعني أن يكون هذا المال تحت إدارته، فقنوات الدولة المهيمنة هي التي تظل تتحكم فيه، وبالتدريج ينتقل إلى جيوبها.
إن البنية الإقطاعية الدينية لم تتغير، وكان توغل الدولة وهيمنتها داخل المستويات الاجتماعية واتجاهها لدمقرطة وتحديث الأسرة، باعثاً لاصطدامها مع الإقطاع الديني المهيمن في هذه المستويات.
إن الشعب لا يستطيع أن يكون حراً مع دولة دكتاتورية، حتى لو فرشت الأرض ذهباً تحت أقدامه.
إن كافة العناصر الفكرية التي تولدت داخل البنية العربية التقليدية أو التي جاءت من خلال التأثيرات الأجنبية عبر اليونان أو الهند أو الفرس في القرون السابقة، أو الأفكار الحديثة التي جاءت من الغرب الرأسمالي أو الشرق (الاشتراكي)، كلها خضعت لقوانين هذه البنية الإقطاعية، التي نحت عناصر وأبقت عناصر، تبعاً لوظيفيتها الخاصة.
بل وحتى الثورة المحمدية التي كانت سابقة قبل تشكل هذه البنية التقليدية تم إبعاد عناصر منها جوهرية، رغم إن تلك الثورة هي التي تمثـل مشروعية هذه البنية التقليدية حسب وعي هذه البنية نفسها .
إن قوانين الثورة المحمدية الثلاثة تم تجاهلها، وهي التحالف بين التجار المتوسطين والعاملين، وربط تطور الثورة بتقدم الجمهور المادي والمعيشي والثقافي، ووجود برنامج نهضوي تحولي ل (لأمة).
والفارق بين لحظة الثورة المحمدية ووجود مدينة حرة في الجزيرة العربية، وبين زمن البنية التقليدية، هو فارق التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية، حيث أن العرب الرعاة الأحرار لم يهيمن عليهم نظام استغلالي سواء عبودياً كان أم إقطاعياً، ولكنهم حين انتقلوا إلى الشمال العربي، وحدثت تحولات اقتصادية وسياسية كبيرة، دخلوا في المنظومة الإقطاعية، متجاوزين العبودية كتشكيلة اقتصادية اجتماعية، لكن ظلت العبودية تتجرر أذيالها الثقيلة.
وحينئذٍ، أي في زمن الإقطاع، فإن كافة الأفكار الُمصنعة محلياً أم المستوردة مناطقياً وعالمياً، خضعت لقوانين البنية وتطورها.
إن كافة التيارات المعارضة والدول لم تستطع إعادة إنتاج الثورة المحمدية في الظروف الجديدة. فالأعمال البطولية للأئمة والمغامرات الفردية ثم الانتفاضات عجزت عن الوصول لمفاتيح تلك الثورة، فالقدريون والمعتزلة لم يفهموا أهمية التحالف بين التجار والعامة، ولم يعرفوا كيف يربطون بين ثورتهم النخبوية وجمهور الفلاحين عبر تغيير طابع ملكية الأرض أو الخراج ، وحتى عندما أخذ العوامُ دوراً كبيراً في أعمال القرامطة والزنج فإنهم كانوا عواماً لصوصاً ولم يطرحوا برنامجاً لإزالة اللصوصية من هيمنة الدولة الإقطاعية.
ونستطيع أن نعرف لماذا انتصر معاوية بن أبي سفيان سياسياً على جيش الدولة الشعبية لأن هذا الجيش لم يربط انتصاراته بتوزيع الغنائم والمكاسب على الجنود والجمهور، في حين كان معسكر معاوية يغدق العطايا عليهم. وكذلك لم يكن لجيش السلطة الشعبية برنامج تحولي جديد، وبهذا تخلى جيش السلطة الشعبية عن قوانين الثورة المحمدية وبالتالي هُزم.
ولهذا حين كان الخلفاء (المتنورون) يطرحون سياسة ثقافية جديدة نهضوية لم تكن تنجح هذه السياسة، بسبب أنها تقوم على استغلال بشع للجمهور المنتج، فإذا كان هذا الجمهور أمياً، وخرافياً في وعيه، فإنه سيتأثر بالسياط والدجل أكثر منه بالقراطيس ذات الثمن الغالي التي ينسخها النساخ بصعوبة وتنتشر بين نخبة محدودة، فالتنوير لا بد أن يترابط وتحرر الجمهور من الأمية والفقر الشديد، وكيف يتحرر من ذلك دون تغيير جوهري في شروط الإنتاج؟
ولهذا فإن تقارب الدينان المسيحية الشرقية والإسلام، وتقارب المذاهب المهيمنة سياسياً، وغربة الفلسفة وضياع المتصوفين، لا يعود للعناصر الثورية والديمقراطية الجنينية فيها، بل لقدرة البنية المحافظة على انتزاع تلك العناصر وإخفائها في ركام من الاغتراب والنصوصية الشكلانية، بدلاً من توظيفها في مرحلة جديدة. أي عدم القدرة على ربطها بنضال الجمهور وتقدمه.
إن بقاء نموذج الثورة المحمدية ملهماً للعرب والمسلمين يعود لقدرتها على نقلهم من تشكيلة إلى أخرى، واتساع التحالف الاجتماعي المتحقق بين التجار النهضويين والكادحين، وطرح برنامج تحولي لأغلبية القطاعات.
وفي العصر الحديث قامت الليبرالية المستوردة من الغرب ببعض الجوانب التطورية في هذا الجانب،حيث رأينا تحالف الفئات الوسطى والعاملين، وتم طرح برنامج نهضوي لكن الليبرالية عجزت عن هدم البنية الإقطاعية، ورأت في الإقطاع الديني بأنه هو الإسلام، فعجزت عن رؤية جذوره في الثورة المحمدية، أي عجزت عن رؤية جذورها كليبرالية في المرحلة الثورية الإسلامية التأسيسية.
وهذا يعود لغربتها الغربية، أي بسبب نقلها الميكانيكي لأدوات معرفية وسياسية مستوردة، فهي لا تنقل مناهج بل أشكالاً فوقية غير متجذرة في الأرض، أي تستورد أشكالاً برلمانية وأشكالاً حزبية الخ.. لكن هذه في وجودها غير المنقول ،ليست أشكالاً، هذه بنية متكاملة، فالأمر ليس في نقل قلب سليم إلى جسم مريض، بل في تغيير الجسم كله.
وطبيعة النقل الشكلية لدى الفئات المتوسطة يعود لطبيعتها الاقتصادية / الاجتماعية. أي على كونها فئات تجارية ، زراعية، عقارية وإلى صناعية بدرجة أساسية. وهي من هنا تقوم بتشكيل فلسفة انتقائية، نفعية، وليس فلسفة تحولية جذرية.
إن الوعي الليبرالي وأشكاله الفكرية المتعددة، من فلسفة سياسية وأدب وفن وعلوم، عجزت عن التنوير والتحويل الاجتماعي والثقافي للجمهور العربي، وبقيت الهياكل الإقطاعية الدينية متحكمة فيه، مما أدى إلى أزمة هذا الأشكال الفكرية النهضوية.
أي أن القضايا الاقتصادية والاجتماعية للثورة الديمقراطية لم تتحقق، مثل حرية الفلاحين والنساء والدين. وبقي الإقطاع الديني مهيمناً على الوعي.
إن الفارق بين الثورة المحمدية والثورة الليبرالية العربية الأولى الحديثة، رغم إن الطابع التجاري كان مشتركاً بين تكوينيهما الاجتماعيين القياديين، هو في قدرة الأولى في الاستناد إلى الجذور الفكرية للمنطقة، أي قيامها بإعادة إنتاج للفكر (الوطني التحرري) المحلي المناطقي، لكن الليبرالية المعاصرة لم تفعل سوى نقل المنتجات الغربية. أو العودة إلى حمى الإقطاع المذهبي، عبر قيام كل فئات وسطى عربية إسلامية، بالارتكاز إلى إرثها المحلي الضيق. فمرة تلجأ إلى سوق مسيطر عليها غرباً، ومرة تلجأ إلى إقطاع مهيمن عليها و(مقطع) لسوقها الواسعة الُمفترضة.والشكلان لا يقودان إلى تراكم، تحتاجه إعادة تشكيل الهياكل التقليدية المعرقلة لنمو رأسمالي تحولي جذري.
وهكذا يغدو الإقطاع الديني حين يكون مسيحية شرقية، أو مذهبية إسلامية، مصمماً على تقطيع أوصال الأمة، أي أن شبكات المذاهب تعود إلى عرقلة نمو سوق موحدة وطنياً وعربياً، في حين إنها ترتكز على الإسلام، دون أن تعي إنها ترتكز على الإقطاع. أي أنها بعدُ لا تكتشف جذورها المتصلة بالثورة المحمدية.
حين عجزت أشكال الليبرالية العربية الحديثة الأولى عن حل مهام التحديث والتحرر، برزت رأسماليات الدولة العربية المختلفة، وفي الزمن الأول كانت متجهة إلى اليسار وأدبياته، والآن إلى اليمين وأدبياته.
قامت رأسماليات الدولة في المرحلة الأولى (ناصريون، قوميون ، بعثيون، جبهويون جزائريون، استقلاليون تونسيون الخ..)، على وعي الهيمنة الحكومية، فجعلوا من ماكينة الدولة في كل قطر وسيلة لتشكيل الرأسمال الصناعي المفقود، معضلة العرب الأولى، وقد قادت هذه إلى سلسلة من نظريات التدخل الحكومي في الاقتصاد والحياة الاجتماعية والفكرية.
لقد أفرزت في المجال الفكري مجموعات من الأفكار المؤيدة للشمولية، وقادت في النهاية إلى هيمنة الأفراد المطلقين، ومن ثم العودة إلى وعي الإقطاع السياسي/ الديني. إن الوحدات الوطنية لم تتشكل، والتصنيع الشامل لم يتحقق وتحول إلى مديونيات كبيرة، وواصلت الثقافة الجماهيرية رحلة الخرافة والأمية وعادت الأشكال القديمة في الإبداع الخ..
لم تستطع رأسمالية الدولة اليسارية أن تـُنجز ما وعدت به، لأن وعيها رفض مجابهة الإقطاع السياسي / الديني، بل أنها ورثت أشغاله الاقتصادية والاجتماعية والإيديولوجية، فتملكت الموارد وحددت أهداف النصوص الدينية على هواها السياسي.
إن رفضها لتحويل التصنيع الثقيل إلى قوة أساسية في الاقتصاد الوطني، يعود لارتكازها على فئات وسطى استغلالية، هي الفئات البيروقراطية والعسكرية المتنفذة، التي ترفض التضحيات وإعادة تشكيل الاقتصاد والحياة الاجتماعية والثقافية بشكل جذري، مما قاد مع غياب الرقابة الشعبية إلى تدهور القواعد الصناعية التي شكلتها، وإلى بعث حركات الإقطاع المذهبية المختلفة، التي بنت نموها في هذه الأقطار (اليسارية) على العداء للحداثة والتقدم، ومرتكزة على الأخطاء والهزائم التي واكبت هذه الأنظمة في بعض معاركها ونظامها.
ولا يمكن أخذ هذه اللوحة بعين الاعتبار دون رؤية صعود رأسماليات الدولة (اليمينية) حيث أتاحت الثروة النفطية ومحاصرة وهزيمة رأسماليات الدولة في العالم الشرقي، صعود هذه الأنماط من رأسماليات الدولة اليمينية المكرسة لتقوية العلاقات ما قبل الرأسمالية أي للإقطاع، وكذلك للرأسمالية الغربية.
وخدمة رأسماليات الدولة هذه لهذين الجانبين المتناقضين، حدثت بسبب ضعف الهياكل الاقتصادية في هذه الدول، الصحراوية والريفية، مما قاد إلى كونها سوقاً للبضائع العسكرية، والاقتصادية الأخرى، ورأس مالاً مالياً لخدمة التصنيع الغربي، وأدت إلى ازدهار أشكال رأسمال غير الصناعي، وبالتالي عودة البذخ الأسطوري للخلفاء والنخب اللاهية والفاسدة سياسياً وذوقياً، مما أدى إلى إنهاك القطاعات العامة الحكومية وتحميل الشعوب فاتورة الحروب والفساد والاستغلال .
وقد قاد هذا إلى هيمنة أشكال وعي قديمة كان يبدو للوعي السطحي بأنها انتهت، وكذلك تم اسيراد أشكال الحداثة الغربية الفارغة من المضامين التحويلية. وقد انتصر عربياً نموذج رأسمالية الدولة اليمينية المكرسة لعودة الإقطاع المذهبي، فظهر أمير المؤمنين في أفغانستان والكثير من أمراء المؤمنين، ليتحول البرنامج الطائفي إلى حقائق دموية.
إنه كلما تخلى الإقطاع الديني عن قوانين الثورة المحمدية كلما أو غل في التطرف ضد الحداثة وتقدم المسلمين، أي حين يزداد شكلانية وتعصباً. فكلما تنامى تخلفاً في مواقعه الصحراوية والريفية كلما أزداد تقوقعاً وعداءً، وحين يتحد أكثر بقوة الإقطاع السياسي الحاكم الذي حصل على موارد وفيرة، فإنه يزداد ضراوة في الدفاع عن امتيازاته واستغلاله للجمهور. بل أيضاً يتطلع إلى الوصول للحكم.
إن الانقطاع عن تقاليد الثورة المحمدية قادت إلى الأحكام الحرفية والنصوصية الجزئية المبتورة عن سياق العصرين، ولهذا فإن مذاهب اللاقياس التي هيمن الإقطاع فيها بقوة، تغدو مثل مذاهب القياس التي لم تنتصر فيها الثورة النهضوية. ومع تنامي قوة الإقطاع الديني فإنه يزحف على كل ظاهرات الوعي والثقافة ليعيد ربطها لأحكام سيطرته.
مهما حدثت من أعمال نهضوية وتنويرية واقتصاد مخطط واقتصاد دولة فإن بنية الإقطاع لم تتبدل.أي حين يعتمد الآن على رأسمالية دولة جديدة وتنوير آخر فإن الأمر لن يغير من أسس البنية. لا يمكن إلا الخروج عن طريق تأسيس بنية اجتماعية جديدة أسسها العلمانية والديمقراطية والحرية الاجتماعية كنظام متكامل.
وقد تغلغلت بُنى النظام التقليدي في الأحزاب الليبرالية و(الاشتراكية) و(الشيوعية)، فرفض بعض هذه الجماعات التحول إلى النظام الحديث، ربطها بأنظمة الإقطاع المختلفة، وطرحها عملية القفز على الرأسمالية كانت دفاعاً عن وشائجها مع البنية التقليدية الطائفية، ولهذا أخذت مفرداتها الديمقراطية تتهاوى، فتصبح الأنظمة الجمهورية ملكية، والديمقراطية المركزية تصبح مركزية، والقادة السياسيون الوطنيون يصبحون أبوات وقادة طوائف، وتغدو القوالب الفكرية المستوردة غير قادرة إلى التحول إلى مناهج بحث تلتحم بالبنى العربية تحليلاً واكتشافاً .ويترنح الشعر الحديث، ويعود الشعر التقليدي وتغدو الأنواع الأدبية والفنية من أدب قصصي أو مسرحي أو فنون تشكيلية نخبوية منعزلة.

البنية الاجتماعية والتراث

يستمر التراث القديم لأن البنية الاجتماعية التي شكلته مستمرة حتى الآن. فالذين يريدون تغييرالتراث، اي جعل الموروث المتجدد والمعاد إنتاجه متغيراً وذا صياغة جديدة، عليهم تغيير البنية الاجتماعية.
لقد ورثنا سلطة متسلطة منذ أقدم العصور، وهي التي تتدخل في كل شيء في حياة المواطن، ومع هذا فإنها لا تعطي إلا الذي يتبعها، وينساق وراء مشروعاتها، التي تكون نهضة أحياناً لأنها تمتلك بعض النقود التي تصرفها علي مشروعات البناء، والتي تكون أحياناً دماراً بانسياقها وراء الحروب.
لكن هذه السلطة هي التي تقرر صرف الثروات وتحديد الأخلاق والواجبات الخ.. السلطة هي التي تحدد تشكيل الجماعات الاجتماعية، من تجعله باذحاً ومن تجعله فقيراً. من تجعله فوق السحاب ومن تجعله تحت الثرى.
ومن هنا فهي سلطة أبوية، متحدة بالجهازالسياسي المطلق، ذكورية، تستند علي العضلات، لأنها تقوم علي التمتع بفوائض الطبيعة وانتاجها القريب، وليس على أساس تصنيعها.
ولهذا شكلت السلطات المتعاقبة علي مر التاريخ، وهي تقوم بنسخ ذواتها وتكرار أنماطها الأساسية، وعياً دينياً تقليدياً، هو هو في شتى المذاهب والديانات، يقوم علي جعل السلطة المطلقة ورمزها أو رموزها، متدخلة في كل شيء في حياة المواطن، فهو مراقب حتي في بيته، أو تحت فراشه، خاضع للثواب إذا تقرب منها، خاضع للعقاب إذا تمرد عليها، وهناك ناموس للتقرب وللتمرد.
الدول المهيمنة على الأرزاق، مهيمنة علي المقادير والأقدار، تحدد أحجام الحياة والموت، أي متى تكثر المواليد إذا استغلت بكثرة وأرادت أن تخوض حروباً، ومتى تتخلص من المواليد إذا دخلتها فعلاً، أو إذا تقلص بيت المال.
بيتُ المال له حاكمٌ مطلق، لا يُسال كم فيه وكم صرف منه، وكم بقي منه، فهو يهب من يشاء أملاكاً، أو يأخذها منه، أو يحدد أحجام الفئات المستفيدة والمتضررة، فكل شيء مرهون بإرادته..
الآداب والفنون والعلوم والفلسفات تدور حول هذا المركز المطلق، فالمستويات الفكرية والاجتماعية من البنية الاجتماعية، مُشكلة حسب تلك المعانى والدلالات، فهى ليست صدىً مباشراً ولكنها متشربة بعروقها الداخلية، يضخُ لها نفس الدم، فتموت العلوم والآداب إذا غضب وليُ النعم، وتزدهر إذا تكرم وأعطى، فُتقاس عهود النهضة بابتساماته، وكرمه، وتقاس عهود التخلف بغيابه وانتشار البخلاء والضعاف والقساة من الحكام.
والشعب ليس شعباً بل قطيعاً مربوطاً بحظيرة الحكم، يعيش طوال عصوره منتظراً طلوع المخلص، أي حاكماً عادلاً أبدياً مطلقاً من خياله الصافى، ولكن المُكّدر بنفس الطين التراثي، فهذا المنتظر العادل المخلص هو فرد ذكر أيضاً، لأنه فى الثقافة الاستبدادية الذكورية العريقة لا يمكن أن يكون المخلص امرأة، لأن الإنتاج لا يزال بالعضلات، ولهذا فإن الشعب
المربوط عند حظيرة النظام الاجتماعي التاريخي يحلم بفرد آخر، ينجز الانتقال من عصر الظلم إلى عصر العدالة. دون أن يطرأ على الإنتاج تغيرات ما، لأن البنية التقليدية تقوم على اقتصاد زراعي ورعوي وحرفي أو صناعي حكومي، فلا تقوم بتغيير ثوري في العلاقات الاجتماعية، والأبنية الفكرية.
في البنية الاجتماعية العربية الحالية يستمر الحاكم في السيطرة علي موارد الثروة، فيستمر التراث القديم، فرغم غياب الإبل والخيول وتراجع دور الزراعة، إلا ان ولي النعم لا يزال يتعامل بثروة باطن الأرض مثلما تعامل مع ثروة سطح الأرض، فتغير شكل الثروة وليس الإنتاج الذي يتداولها، تبدلت الفواكه والخضراوات، بالماس والفوسفات والزيت.
ومن هنا فإن أشكال الحياة الفكرية والاجتماعية العتيقة تواصل الحياة، ويستمرالموتى في تحديد طرق الحياة لأجيال الأجهزة الكومبيوترية، مثلما عاش قرناؤهم السابقون والعلماء والشعراء تابعين لبيت المال وتتشكل نظرياتهم وقصائدهم في ظلاله.
البنية الاجتماعية القديمة تستمر فتعيد إنتاج حياتها الأولي بتكييف قليل، ولهذا فان تغيير التراث يبدأ من تغيير البنية التي صنعته علي مدى آلاف السنين، وهذه عملية مغايرة وطويلة.

البُنى والأزمات

حين تتفتق بنية اجتماعية ضيقة وتتداخل مع تحولات مناطقية كبرى يظهر ذلك في سير الشخصيات والجماعات وتحدث تحولات غير مفهومة.
في زمن الامبراطورية الرومانية وفي مدينة القدس بدأ مخاض لتغيير عالمي. يتمظهر ذلك في عجز النجارين عن مواصلة أعمالهم وتحولهم لعاطلين ومشردين. يمكن رؤية سيرة يوسف النجار هنا كمثال.
كانت أحوال الاستغلال متفاقمة والنزيف يتوجه لروما، وأهل المنطقة بحاجة لمقاومة سياسية تحررية ونظام جديد.
اليهودية هي الدين السائد غير الأممي الضيق، وتنشأ المسيحية في هذه الظروف، النشأة متداخلة مع اليهودية التي اعتبرت التكوين الجديد جزء منها، وحاولت تهويد الجماعة الجديدة الطالعة بغموض.
أصرت على عودتها للطقوس والأشكال القديمة فيما هذه تخرج منها.
النجارة حرفة تتداخل فيها هندسة ورياضيات ولكنها لا تصل لمستوى علم حينئذٍ، ويمكن أن ينفك النجار عن مهنته ويدخل في الوعي الديني السائد.
حاصرت اليهوديةُ المسيحيةَ الوليدة طلبت منها البقاء في طقوسها والأختتان وعدم أكل لحم الخنزير وعدم التداخل مع الشعوب الوثنية، لكن الأزمة السياسية الاجتماعية بحاجة لأيديولوجيا أممية، بطرس الرسول قاوم ذلك وركز جهوده على الانفصال عن اليهودية.
نزعتان سائدتان كانتا تتصارعان، نزعة صوفية ميتافيزيقية توجه فهم المشكلات نحو الغيب، فلا حاجة لتحليل ومعرفة قضايا الناس، ويكفي هذه المشاعر الدينية الفياضة الصاخبة ضد الامبراطورية والتي تتحول لمعارك دموية.
ولهذا فإن عمليات الغيب والتغييب تتكاثر، تشد الجمهور للدخول في مواجهات، وتدخل الجمهور الأممي من غير الملل المعروفة في بوتقتها.
النزعة المعرفية المتأثرة بالفلسفة الإغريقية تحاول القيام بقراءة مختلفة، لكنها نزعة مثقفين نخبويين.
المسيحية الوليدة تتمكن من الانشقاق، ينفتح الدين الجديد على الشعوب، تفك قيود عديدة، ويصبح المسيحيون أعداء يُحاربون.
تتغلب الصوفية والميتافيزيقيا على الفهم العقلاني البسيط، تغدو الشخصيات الطالعة في الخضم المضطرب تعبيراً عن اضطراب مشرقي واسع، فالشعوب فقدت قواها الانتاجية، بعد النزيف المستمر لروما وحملاتها العسكرية التي لا تتوقف، والاضطرابات تؤدي إلى انهيار الامبراطورية الرومانية في قسمها الشرقي وتحولها للمسيحية، والتي تغدو أشكالها الرسمية والكنائسية مختلفة عن الزمن النهضوي التحولي الأول.
يستولي الأمراء والإقطاعيين على السلطة ويقننوا المسيحية في مؤتمرات وعقود تاريخية.
الضباب الإيديولوجي أعقبه تغلغل الطبقات العليا في السيطرة على الطبقات السفلى، وتمت إعادة الاستغلال بأشكال دينية جديدة.
فيا بقيت اليهودية دين منحصر في جماعات مغلقة إنفتحت المسيحية على المشرقيين والعالم وغدت ذات توجهين مشرقي وتوجه شمالي غربي راحا يتصارعان كذلك!

الوعي الديني والبنية الاجتماعية

لقد نما الإسلام عبر التضاريس الطبيعية والاجتماعية المتداخلة المركبة، وقد رأينا كيف كان الطابع معقداً ومتضاداً عبر تأثير الرعاة والصحراء على المدن ونموها، ولأن هذه المدن تتشكل بقيادة الطبقة المسيطرة، وليست باعتبارها سوقاً، حيث يأتي السوق كمُلحق وليس كقوة قائدة، فقد قام الأشراف بتراثهم الرعوي والمحافظ بتثبيت هذه الأسس الاجتماعية والفكرية للماضي، مع استلال مضمونه الكفاحي، أو جعله أشكالاً أو عادات مُفرغة من المضمون التقدمي.
فالقبيلة والأسرة الأبوية التي كانت نمطاً اجتماعياً مهيمناً في البداوة تم سحبها إلى فضاء المدينة الاجتماعي، وغدت أفخاذ هذه القبائل تغدو أحياءً، وبالتالي كان هناك قواعد مادية بشرية واقتصادية لإعادة إنتاج الموروث البدوي. ونجد ذلك من الكوفة في عصر عمر بن الخطاب حتى مدينة المحرق البحرينية في القرن العشرين.
إن الإقطاع السياسي الحاكم يتحول على مستوى الحياة الاجتماعية إلى إقطاع أسري أبوي، وكذلك إلى عبودية إذا كان ثمة علاقات رق، أو استخدام للخدم العبيد والجواري.
وبطبيعة الحال، فإن المدينة المقامة بإرادة سلطوية، تقوم بتنمية التجارة والصرافة الخ، وتتحدد العمليات المالية هنا بمدى موارد السلطة وكيفيات الصرف. وهذا من جانب معين يقوم بتفكيك الإقطاع الأسري، عبر تطور وعي هذه الأسر، لكنه لا يقضي على الإقطاع الُمرحّل من العصر البدوي الذكوري القبلي السابق، إلى المدن، ويتوقف الأمر هنا على الموارد التي تدخل السوق والحرف وما إذا كانت تتجه للتوسع الخ..
فالمدينة ليست مدينة برجوازية بل مدينة إقطاعية، تنشأ فيها قطاعات رأسمالية محدودة ومرتبطة بالسلطة أو بحاجات الناس البسيطة. ولهذا لا تستطيع أن تغدو مدينة برجوازية إلا عبر تغيير السلطة.
لكن القبائل أو الأفخاذ وقد غدت مؤسسة حاكمة، تتمركز فيها السلطة والثروة، تقوم بتأبيد التراث الذي ارتكزت عليه في الحكم، وهنا يمكن أن نرى عدة مراحل لعلمية التثبيت تلك، فالزمن الراشدي الأموي العباسي يثبت الأسر القرشية بإرثها العربي، وهنا كانت عملية استعادة الإرث العربي الإسلامي ذات صياغة عربية بدوية تحديثية، دون أن تتخلى عن الأسس الاجتماعية القبلية والذكورية والأرستقراطية، أي أن المدن أصبحت مضارب جديدة عبر هيمنة شيخ القبيلة الذي صار خليفة، وهذا الجانب الأساسي لن يتم التخلي عنه في أية تطورات متنامية، أي أن الإقطاع السياسي الحاكم، يكرس مستوى اجتماعياً ملائماً لقيادته. وهذا المستوى الاجتماعي من البُنية هو الذي يقوم الدين بتشكيله.الدين الذي سُحبت منه المواقف الأساسية في الثورة التأسيسية: التوجه نحو التحديث، وتحالف التجار والقوى العاملة، وتغيير التاريخ بالارتكاز على تطور حياة الجمهور المعيشية.
ولكن لأن الصراعات السياسية والفكرية تجري في المستوى السياسي فإن المستوى الاجتماعي يتكرس من كل الفرقاء المتصارعين السياسيين.أي أن تعدد الزوجات وعقوبات العنف واستخدام العبيد والحجر على النساء وتبعية الوعي والثقافة للقصور الحاكمة الخ.. إن هذا المستوى الاجتماعي لن يكون محط خلاف بين الفرق الدينية، التي أخذت تتحول إلى مذاهب بدءً من القرن الثاني الهجري.
فالتحول إلى مذاهب لم يكن يصب في إعادة تشكيل هذه المستويات الاجتماعية المتحجرة، لأن المسيطرين على إنتاج المذاهب انفصلوا عن العاملين، وغدت لهم مصلحة مشتركة في الإبقاء على تخلف وتبعية المنتجين. ومن هنا نرى تضادهم مع مضمون الثورة الإسلامية التأسيسية، ولهذا يركزون على الشكل لدرجة التعصب والعنف.
ولهذا فإن خلافات المذهبيين تغدو شكليةً أكثر فأكثر، مثل كيفية الوضؤ، أو الوقوف في الصلاة، وإذا كان المستوى الإيديولوجي يبدو متضاداً، عبر الاستناد على النص المستقل عن الأئمة أو الموروث عنهم، فإن هذا المستوى الفكري يتحول هو الآخر إلى أشكال مُفرغّة من بحث القضايا الجوهرية للتحول مثل الملكية العامة والخراج والاستغلال الخ..
وهكذا فإن الإقطاع السياسي وقد أسس الدولة المركزية، أو الذي انفصل عنها، فإنه يقوم لا بتكريس حكمه السياسي فحسب، بل بتكريس المستوى الاجتماعي، التقليدي، الذي تهدف ديمومته إلى إعادة إنتاج الطاعة لدى الجمهور المستلب الإرادة.
ويلعب الوعي دور الوساطة بين المستوى السياسي والمستوى الاجتماعي، فالمثقفون الذين ينتجون الوعي والمرتبطون بالأشراف وخدمتهم، يصوغون المبادئ الدينية ويحيلونها إلى أشكال، أي يقومون بنزع وظيفتها التحويلية الأولى، ومواقفها الموجهة ضد الملكية الاستغلالية، ويركزونها على العبادات والمعاملات والعقيدة، ومن ثم تزداد بُعداً حتى عن هذا المستوى، أي تتحول إلى محض عبادات وتستوعب أكثر فأكثر المراحل السابقة للدين كالسحر والخرافة القديمة. [راجع هنا حديث أبن الماجشون عن قرار عمر بن الخطاب بجعل ملكية الأراضي الخراجية المفتوحة ملكاً لعامة المسلمين.]
وبطبيعة الحال فإن صياغات المثقفين لمستويات الوعي الدينية في كل مرحلة تختلف، لكونها مرتبطة بمدى قوة الدولة وطابعها وكيفية توزيعها لثمار العمل، ولكن إذا حللنا هذه الصياغات بدءً من نهاية القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث فنجد ما قلناه سابقاً من بروز التمذهب الذي كرس البنية الإقطاعية بمستوييها السياسي والاجتماعي. وكان دور المثقفين المذهبيين المتعددين هو تكريس هذا الاختلاف عبر الأشكال الدينية التي تناسب بدلات القوى المسيطرة المتعددة الألوان..
ولهذا سيختلفون حول كيفية الصلوات وعدد الكواكب والنجوم والأرواح التي تهيمن على الفضاء الروحي، ولكن سيتفقون على استغلال العبيد والنساء.
وتغدو الاختلافات بين المجموعات الإقطاعية السياسية والدينية منصبة على الأشكال، وهي تحولها إلى أدوات للحكم أو لمعارضة الحكم ولكن ليس لتغيير أوضاع الجمهور.
إن هذا يستنزف البشر والنص الديني معاً، فالمدينة الإقطاعية الدينية وهي تدمر الريف والبادية بشكل مستمر، باستغلالهما وتفتيتهما، تقوم بتدمير نفسها أيضاً، بتوجه السلطات البذخية فيها، فلا تنهض الصناعة، ولا تلتحم بالعلوم، وتغدو قوة المدينة الاقتصادية مركزة على التجارة والإنشاء اللذين يصبان في البذخ، مما يجعل المدينة على مرور الوقت تنهار من الداخل وتفقد سيطرتها على الخارج.
فالتضخم المتواصل في عدد سكانها، والذي يكون من التوالد غير الطبيعي في العائلات الأرستقراطية، والذي يتكون بسبب الشهوات والفراغ، أو بسبب النزوح المستمر من الريف والبادية، أو بسبب تكوين فرق الارتزاق العسكري، أو بسبب التضخم السكاني المستمر في القرية والصحراء والذي يتشكل لأسباب إنتاجية ولمواجهة قسوة الطبيعة وتخلف الإنتاج وهيمنة الرجال كذلك.
إن النص الديني الموجه عبر هيمنة مثقفي الأشراف وخدمهم الفكريين، يضمرُ على مستوى المضمون، لفقدان الركائز الاجتماعية التي تغذيه بالحياة، فبدلاً من التحالف بين التجار المكيين والعبيد والفقراء، كما كان الإسلام في ثورته الأولى ، يتبدل إلى خضوع التجار للأرستقراطيات اللاهية، وبالتالي يغدو الهجوم على الملأ المكي القديم هجوماً شخصياً أو إيمانياً محضاً مقطوع الجذور بدلالاته الاجتماعية، أو أن التحالف الكفاحي بين التجار والعبيد والفقراء كما كان سابقاً والذين غدوا جميعاً صحابة ثورية، يصير الآن في العصر العباسي الأول وما يليه، تبعية تجار للقصور، أو استغلال نهم للفقراء.
وفي حين كان الإسلام الأول يعتمد على تغيير التاريخ من خلال مصلحة الجمهور ومشاركته، بغض النظر عن المستوى الذي تجلى فيه ذلك الاستخدام والتغيير، فإن المذاهب والفرق الدينية تقوم على تجميد التاريخ واستغلال الجمهور لمصالح شخصية ومن أجل الوثوب إلى الحكم الذي يعيد إنتاج التخلف.
إن هذا يؤدي إلى غربة النص عن مضمونه، أي عن الظاهرات التحويلية الشعبية التي تشكل في مجراها، فيزداد النص تركيزاً على أشكاله الخارجية، ويعادي أكثر فأكثر عمليات التحويل الحديث و(العدالة).
ومن هنا كانت مسيرة فرق المعارضة الدينية المتوجهة لقراءة النص كنص غيبي، تتدهور بشكل مستمر، فالقدرية تضمحل، والمعتزلة تُضرب فتتحول إلى شخوص تابعة للسلطة المستغلة، والزيدية تغدو نائية وموجهة لحكم الأشراف في المناطق البعيدة كاليمن والمغرب وشمال إيران، والإماميات تتحول إلى معارضة ساكنة متوارية، عبر بدايات الإثنا عشرية، أو معارضة متنامية تصل للسلطة في القرن الثالث الهجري عبر الإسماعيلية، ولكن هذه القيادة والانتصارات فيما بعد تكون من خلال قيادة الأشراف وليس التجار، وكذلك يتم استغلال الفقراء ولا يقوم التحالف الثوري معهم، وتصير العمليات برمتها وثوباً للسلطة من أجل هذه العائلات وترفها.
وهذا ما يجعل النص الديني مستمراً في غربته عن مضمونه، فيتفكك، أي يتحول إلى مذاهب.أي إلى تفسيرات تائهة في أشكاله وحروفه المقطوعة الصلة بجذوره.
التحول إلى مذاهب تعني إن ثمة حقائق متعارضة في الدين، أي أن هناك حقيقة دينية، وهناك محاولة قوية أو محاولات للقضاء على هذه الحقيقة الدينية، التي تعنى لدى المثقفين أو الجمهور العدالة والسعادة في الدارين.
إن أساس الانقسام في الوعي الديني ناتج عن انقسام اجتماعي في صفوف المؤمنين، فهناك أقسام غدت مُلتحقة أو تابعة للسلطة، وهناك أقسام تجد نفسها مستغلة بشكل أساسي وبالتالي تصطف في المعارضة.إن القسم الأول ينطبق على الرعاة الذين شكلوا وهيمنوا على المدن وصاروا جنوداً وإدارات ثم عامة موالية أو ثائرة على السلطة، ثم رُفدوا بالعوام العسكر الترك والأكراد الخ، فغدوا هم التربة الاجتماعية للمذاهب السنية. والتكوين الرعوي الواسع وقوة المدن والسلطات المنبثقة عنها، هي ما جعلت لهذه المذاهب السيادة الكبيرة على المنطقة المشرقية من العالم الإسلامي، في حين كانت له السيادة المطلقة في الإقليم الغربي، نظراً لتجذر الطابع الرعوي فيه.
إن القسم الزراعي الذي واجه هؤلاء الرعاة وادغم معهم أو صارعهم، تحمل عبء الاستغلال الأكبر، ونظراً لذلك أخذ هذا القسم بالمذاهب المعارضة، في مخاض معقد (قومي) واجتماعي وثقافي فداخله قوس من المذاهب الإمامية والمسيحية. وتداخل المذاهب الإمامية بالمذاهب المسيحية والإرث القديم أنتج العديد من الظواهر المشتركة.
وبطبيعة الحال يغدو القانون الاجتماعي هو هو، سواء على المستوى المركزي حين انتقل العرب إلى الإمبراطورية، أو في أزمنة التفكك، ففضاء مكة والجزيرة العربية الاجتماعي الذي لم يشكله الحكم الاستبدادي، هو غير المشرق الزراعي الشمالي المشكل على أساس العبودية العامة منذ فجر التاريخ.
إن كل قسم في الوعي الديني يقول إن الحقيقة الدينية معه، ولكن كما رأينا فإن النص الديني يُفرغ باستمرار من محتواه، وتنتقل هذه العملية التفريغية إلى المذاهب، فتغدو الاختلافات ليس من أجل الوصول إلى المضمون الثوري المُضيّع، بل إلى الاختلاف حول الأشكال المتباينة.
وبطبيعة الحال تمتلك الأديان آلية لمواجهة عدم تحقق الوعود الاجتماعية الدنيوية بالإحالة على الغيب، أو بروز عقبات شيطانية الخ..
وتزداد هذه العملية تعقيداً وشكلانية مع ازدياد الاختلافات، وتزداد عملياً الغربات الدينية المختلفة، وهذا ما يفتح مجالاً للمعرفة الحدسية، بعد أن فشلت أدوات النصوص الحرفية في اكتشاف مضمون العقيدة التحويلي.
وهنا تبدأ مرحلة مفارقة لمرحلة الاعتماد على النصوصية، التي أنتجت عقلاً دينياً تابعاً لها، بأشكال مختلفة، عبر كل المذاهب السابقة، أي تبدأ المرحلة الصوفية والفلسفية في الوعي الديني.وتقوم الصوفية على إنكار سياق النص، علىإنه ظاهر، وبالتالي فإن الحقيقة لا تكمن في الظاهر، بل في الباطن، ولكن هذا الباطن لا تجسده الصوفية نضالاً اجتماعياً، وتحالفاً أساسياً بين التجار والفقراء، بين الطبقة الوسطى والمنتجين، تجاوزاً للبنية الإقطاعية، بل تقيم دكتاتورية غيبية للقطب على المريدين، وتصبح هذه الدكتاتورية شديدة التنوع والتشظي بفعل الشطحات والمجاهدات الداخلية الغامضة للأقطاب، ويذكرنا هذا بتشظيات الخوارج، وإن كان بصورة مضادة.
أما المذاهب الفلسفية الدينية فأكثر تعقيداً، وقد أتاح القسم [العقلاني] منها إمكانية قراءة الطبيعة والمجتمع قراءة موضوعية بأدوات الزمن، لكن غيبيته في القسم الميتافيزيقي، تتشارك مع المذاهب الدينية الأخرى وخاصة الإمامية منها.ولكن لأن الفلسفة الدينية غدت مقطوعة التحليل بالسياق الاجتماعي التاريخي، وارتبطت بالتبعية لشرائح من طبقات الأشراف المختلفة، فقد أصابها ما أصاب الحركات المعارضة التي تجمدت عند هذا الأفق نفسه، كالقرامطة والإسماعيلية والدروز والزيدية الخ..
وبطبيعة الحال، كان كل هذا يشتغل في فضاء نظام إقطاعي زراعي حرفي بسيط، كانت إمكانيات التجاوز التقني والصناعي والعلمي، معدومة فيه.
إن اعتماد قسم من النص الديني على امتداده النصوصي، باعتبار إن هذا الامتداد النصوصي يقوده إلى النص المنبع القادم من النور الغيبي، يغدو بالنسبة إليه شرط الحقيقة الدينية، بغض النظر عن ملاءمتها للعصر أو تناقضها مع العقل أو أهميتها للتطور.
إن النص في هذه الحالة يغدو رجوعياً باستمرار، ولكن ليس إلى جوهر العملية الثورية الإسلامية الأولى، وهنا تحدث غربتان على مستوى الماضي وعلى مستوى الحاضر.
فهو يغدو غريباً تجاه الماضي، فلا يفهم سببيات الثورة الإسلامية وشروطها، أي عمليات تفاعلها الاجتماعية والسياسية والعسكرية مع الجمهور، ليس لشيء سوى لموقفه المحافظ وتبعيته لقوى القهر والاستغلال في زمنه، ولهذا يقوم بإعادة النص المفرغ من دلالاته الثورية إلى زمنه، لكي يمنع اكتشاف هذا المضمون.
تتحول هذه العملية إلى حلقة مفرغة، فتزداد عمليات التدمير الذاتي والشكلانية النصوصية والشطحات والخرافات، أو النصوصية الحرفية الميتة الخ..
إن شروط التغيير وهي تحويل نظام الملكية العامة التابعة لأسر الأشراف، وتحرير الفلاحين والمرأة والعبيد، كانت هي أساس وجود هذه الأنظمة والتيارات، وبالتالي كانت إمكانية تشكل ثورة ديمقراطية معدومة، وكان وجود طبقة برجوازية حرة صناعية مستحيلاً، فراح العالم الإقطاعي الديني يعيد إنتاج نفسه على نحو تفتتي ومأساوي بشكل مستمر، حتى جاء الأتراك والصفويون وأقاموا نظامي الإقطاع المذهبيين الشاملين بنفس الأسس القديمة حتى العصر الحديث.

علامات في الوعي الحديث

للعقل العربي الحديث قصةُ تكونٍ، ونسميه عقلاً، بهذا التجريد، لأنه أراد أن يكون بهذه الصفة، وصفة العقل تعني بأنه يستخدم السببية في قراءة الظواهر، فالعقل هنا منهج في فحص الأشياء واكتشاف قوانينها.
وهذا الاستيرادُ من الغرب لكلمة العقل، وطرق استخدامها، هو جزء من مناهج الفئات الوسطى العربية وهي تستعير من قاموس قريناتها الغربية، أدوات لمماثلة تجربتها وتحقيق سياق نهضوي مشابه.
وقد عبر ديكارت في بدء العصر الحديث عن منهجية العقل هذه قائلاً :
[أنا أفكر إذن أنا موجود].
وإذا قمنا بقراءة لهذه الأنا، فهي ليست أنا فردية محضة، بل أنا المثقف الفرنسي في بدء الحداثة، وهو يحاول أن يجد سياقاً مبرراً لتطور الوعي خارج الدين، فالوعي البرجوازي هنا يتشكل بين عالم العصر الوسيط الغارب، والعصر الحديث الذي لم يتشكل كلياً بعدُ. ونحن سنأخذ وعي ديكارت في هذا الفصل كوعي اجتماعي عام مؤجلين رؤية تفاصيل هذا الوعي عبر تداخله لاحقاً مع تطور الوعي العربي وهو يخرج من مرحلته الأدبية إلى مرحلته الفلسفية، حيث ذاك تكون المقارنات داخلية معبرة عن أبنية فلسفية عبر العصور ولكن هنا لا نزال في الأفق العربي الثقافي الأدبي عموماً. فهنا ديكارت مجرد أداة معرفية هي الشك.
وعيُ ديكارت يقول أنا أفكر معرفياً خارج الدين، إذن أنا كفكر حديث موجود، ولكن تفكيري يخرج من [الأنا]، من هذه الطبقة الحديثة الفردية، التي لم تعلن بعد العلمانية الكلية، ولا تزال بعدُ بين الدين والحداثة، بين وعي العصور الوسطى العقلي، ووعي الحداثة العقلي الجديد، .
إنه عقلٌ حديث لا يرفض كلياً العقل الديني القديم، ومن هنا يكون دليل ظهور تفكيره وجود الله، ولهذا يقول لو لم يكن الله موجوداً لم أستطع أن أفكر، فلأنني أفكر فمعنى هذا إن الله موجود.
إن عقل الحداثة البرجوازي وهو يسوق فرديته، لا ينسلخ هنا من البنية الاجتماعية الإقطاعية التي لا تزال مهيمنة، في النظام الملكي وفي سلطة الكنيسة الكبيرة، ولكون عقل الحداثة البرجوازي الفرنسي هذا لم يصبح بعد عملاقاً، كما سيجري الحال في القرون التالية بعد القرن السابع عشر هذا، بعد تراكم مشروعاته، فإنه يستمد شرعيته من الماضي، فأنا ديكارت هي تعبير عن الفئات الوسطى التي لم تصبح بعد طبقةً قائدةً لمشروع الحداثة، أي أن شرائح هذه الطبقة لم تزل بعدُ مبعثرةً، في تكوينات تجارية، وعقارية، وصناعية، ولم تصبح الثورة الصناعية والعلمية قوة لإنتاج الرأسمال الصناعي العملاق.
ولهذا فإن صيغة [أنا أفكر..] تعبر عن العقل النظري، عن عدم تلاقح العقل بالمعمل، عن ضعف التحام الفئات البرجوازية الفرنسية، ومثقفيها، بالإنتاج الصناعي.
أنا أفكر وليس أنا أعمل، أو أصنع، فأنا موجود، أي أنني جنين الطبقة البرجوازية أتشكل عبر هذا الوعي العقلي، معطياً الكنيسة والملكية حصتيهما من المصداقية العقلية، فلهما مشروعية العقل الديني السياسي القديم، ولكنني أنا جنين الطبقة القادمة، لي مشروعية وعيي، واعترف لهما بأساس الوجود الاجتماعي الإيديولوجي.
يعبر العقلُ البرجوازي الفرنسي في ميلادهِ الديكارتي، عن مستواه التقني المحدود، حيث لا تتناسجُ هنا أدواتُ العقل والمعمل، وبينهما هوةٌ سببها مستوى تطور الصناعة الفرنسي المحدود قياساً بجارتها القائدة إنجلترا وزميلتها التابعة هولندا، حيث بدأ المشروع الصناعي الواسع، حيث انتجت إنجلترا [فرنسيس بيكون] لا ديكارت.
بين منهجي الفيلسوفين مستوى التطور الصناعي العلمي المتداخل، فعندما يقول ديكارت أنا أفكر، يقصد تفكيره المستقل في المكتب، ورؤيته الفردية، الباحثة عن الأسباب في ظواهر طبيعية واجتماعية مدروسة بشكل نظري عقلي، معزول عن شبكة الطبيعة والمجتمع.
يواصل ديكارت منهجية العقل الباحث السابق في القرون السابقة، ولكنه يفصله عن العقل الديني، وهو لا يفصله ليربطه ب [التجريب] بل بالتحليل والبحث النظري، فتعبر جملة أنا أفكر، أي أنا فكرٌ عقليٌ مستقل عن الدين الذي له منهج مختلف في قراءة الطبيعة، فمنهجي، يقول ديكارت، منهجٌ عقلي مستقل، يبحث في الظواهر بموضوعية، وبلا سببيات مُسبقة، وهو يكتشفها داخلها عبر البحث والتأمل، الذي هو المصداقية الأساسية في العقل.
لكن العقل العربي ( البرجوازي ) لم يبدأ ديكارتياً، بل كانت جملته :
[أنا أستورد.. إذن أنا موجود!].
لم يكن نصيب فرنسيس بيكون المفكر البريطاني وهو يؤسس منهجية علمية في الحضارة الغربية، كنصيب ديكارت، في عمليات الاستيراد العقلي العربي، فقد حظي الأخير باهتمام كبير في هذا الوعي وهو يحاول أن يردد صرخة ديكارت :
[أنا أفكر إذن أنا موجود!].
لا يعود ذلك إن العقلَ المصري الحديث، وهو بؤرةُ العقل العربي في وقت تشكله، لم يعرف بيكون، أو أن العلاقات الثقافية الفرنسية – المصرية وهي العلاقة التي تشكل بها الوعيُ الحديث المصري وهو يرى العالم كانت كبيرة، بل أن الأمور تعود إلى جوانب أكثر تعقيداً.
لقد كانت اللغة الإنكليزية أكثر حضوراً في الترجمة والبحث، وكانت الهيمنة البريطانية قوية على العقل المصري والعربي عموماً.
ونقصد بالعقل هنا، طريقة تفكير الشرائح الوسطى العربية التي استعارت لفظة العقل، لتجعلها بديلاً عن لفظة الوعي، ولتجعلها بهذا لغة تجريدية، تــُصادرُ بها عملياتَ البحثِ الملموسة والموضوعية في البُـنـى الاجتماعية.
لكن مع هذه السيطرة البريطانية السياسية، فإن الوعي البرجوازي المصري وهو يتشكلُ في مخاضهِ الفكري، كان يتوجه إلى النموذج الفرنسي لا النموذج البريطاني في تشييد منهجية البحث. ومن هنا قال عميد الأدب العربي، طه حسين يقول : أنا أفكر إذن أنا موجود، وأعلن تبنيه لمنهجية الشك.
لكننا قبل أن نقرأ طه حسين في مقولته الديكارتية الإيجادية، علينا أن نعرف لماذا رفضوا فرنسيس بيكون؟
إن فرنسيس بيكون هو أبن الحداثة البريطانية، ومنذ سنة 1600 بدأ ظهور منهج فكري جديد في تاريخ العالم وهو [المنهج التجريبي].
[وكان العصر الحديث هو الذي ظهرت فيه أعظم المذاهب التجريبية، أعني مذاهب فرانسيس بيكن، وجون لوك، وديفد هيوم]،(30).
ويقوم هذا المذهب التجريبي على اعتبار الإدراك الحسي هو مصدر المعرفة ومعيارها النهائي، فجان لوك يعتبر ذهن الإنسان صفحة بيضاء حين يُولد. ولكن بيكون لم يقصر المعرفة على التجارب بل اعتبر العقلَ أداةَ تحليلٍ وجمع تالية للتجربة، وبهذا وضع الوعي الحديث على أساس متين.
لقد عد بيكون الفلسفات السابقة بأنها أشبه ببيوت العناكب، فهي تصنعُ بيوتها من داخل نسيجها، في حين إن الفلسفةَ العلمية الحديثة هي مثل النحل، تصنع بيوتها من خلال رحيق الطبيعة وعبر التجربة.
إن فلاسفةَ التجريب الإنكليز هم ظواهر إنسانية عقلية هي حصيلة للتطور الصناعي والعلمي البريطاني، وقد بدأت عملياتُ التصنيع في بريطانيا مبكراً، ولم تظهر هنا صرخة ديكارت أنا أفكر إذن أنا موجود، بل صرخة مختلفة، هي أنا أصنع فأنا موجود.
وبدلاً من مثقفي فرنسا العقليين الذين يفكرون من خلال مكاتبهم، ويتابعون الفلسفات العقلية القديمة، كفلسفة أرسطو، التي كانت نادرة التجريب، وقائمة على التأمل، فإن المفكرين البريطانيين اندفعوا للمعامل يحّكمونها في دراسة المواد.
إذن فإن فرنسيس بيكون وجان لوك بدأا في تشريح أفكار البشر الفلسفية العقلية النظرية، فبدأت منظومات التأمل الميتافيزيقية والسحرية في الانهيار.
ولا بد هنا من أخذ دور العالم الإيطالي الكبير جاليلو جاليلي الذي سدد الضربات الهامة للمنظومة الفلكية العتيقة التي جعلت الأرض محور الكون، وحددت السماء عبر منظور خرافي، لكن بلد جاليلو (إيطاليا) لم تستمر في عملية الثورة العلمية، حيث أخذت بؤرة الثورة تنتقل إلى غرب أوربا.
إن انتقال الوعي العلمي التجريبي إلى بريطانيا التي كانت المعمل الأول للثورة الصناعية هو الذي فجر عصر الحداثة. ولهذا كان فرنسيس بيكون مؤسس المنهج التجريبي، وهو المنهج التي أثبتت القرون التالية إنه الأهم في إنتاج (عقل) حديث.
لقد وضعت المدرسةُ البريطانية ما يسمى بالعقل الحديث لدراسة المادة عبر المعامل، وحينئذٍ لم يكن المجتمع قد أُدخل في هذه الدراسة، فتركزت العملية العلمية على فحص المواد الطبيعية.
وبدلاً من فلسفة العصور الوسطى الدينية التي ربطت قوانين المادة من خارجها، بدأ الوعي الحديث باكتشاف قوانين المادة من داخلها. وهنا أخذت فروعُ العلوم الطبيعية : الكيمياء والفيزياء والرياضيات، في التحول إلى قيادة للوعي المعاصر. لقد اتسعت الاكتشافاتُ والاختراعات في هذه الفترة، وخاصة اكتشاف إسحاق نيوتن لقانون الجاذبية، الذي تداخلت فيه الفيزياء والقوانين الرياضية، فبدأ الاحتلال البشري العلمي للسماء، أي للمجموعة الشمسية، أي في المساحات الكبرى التي يمكن تطبيق قوانين حركية ميكانيكية واسعة عليها، وكان في هذا الاحتلال إعادة لجعل قوانين الطبيعة داخلها.
لقد سدد نيوتن ضربات حاسمة إلى منظومات العصر الوسيط الفلكية، وللآراء أرسطو عن هيمنة فلك ما تحت القمر، وأرواح الكواكب وهيمنة النجوم الخ..
لقد أعطى القرنان السابع عشر والثامن عشر مادة علمية ضخمة في كشف المادة والمكان، الأمر الذي أدى إلى تطور هائل للصناعة المترافقة مع الكشوف الجغرافية واتساع العالم الغربي جغرافياً واجتماعياً، ولكن في القرن التاسع عشر بدأ الفكر التاريخي بالنمو والتبلور عبر دارون وماركس والعديد من العلماء الآخرين، فلم تعد المادة الطبيعية فقط هي المدروسة بل المادة الاجتماعية، التي بدأ تطبيق قوانين مختلفة على دراستها.
وإذا كان المنهجان العقلي والتجريبي هما السائدان في الوعي البرجوازي، الذي رفض القراءة التاريخية والاجتماعية لتطور الوعي والتاريخ، فإن هذا كان يعبر عن تحييد العلوم وابعادها عن الصراع الاجتماعي الدائر في المجتمع الغربي، وبين المجتمعات الغربية والعالم المستعمر.
إن ديكارت وبيكون يظلان يمثلان الخطين الأولين للمنهج العقلي والتجريبي والميكانيكي في هذا الوعي، ولكنهما سيمتزجان في توليفات تالية، وسنجد تداخلاتهما في مناهج مختلفة، كمنهج ماركس الذي جمع بينهما وعبر قراءة التطور التاريخي للمادة المدروسة، فالبضاعة لديه تتحول إلى الجرثومة الأولية لتضادات الأسلوب الرأسمالي للإنتاج، والذي يقومُ بدراسة قوانين ظهورها ونموها، مستعيناً بالإحصاءات الدقيقة عن هذا التطور الاقتصادي التاريخي المركب وذلك في كتابه [رأس المال]. وهنا نجد إنجازات العلوم التجريبية البريطانية المتمثلة في الاقتصاد السياسي البريطاني، الذي يقوم بفحص وتشريح الاشتراكية الخيالية الفرنسية بالأخص، ويدمرها عبر التحليل الموضوعي للحياة الاقتصادية. هذا لا يعني إن ماركس لم تكن لديه استنتاجات سياسية مُسبّقة فرضها على البحث العلمي كذلك إضافة لتباين مراحل تطور فكره : مرحلة الشباب، فمرحلة أقصى اليسار، ثم مرحلة النضج الأخيرة.
لكن العلومَ، حسب رؤى البرجوازيات الأوربية، أخذت تدخلُ في أزمةٍ عميقة. فالمناهجُ الاستقرائية تركز على المادة المفصولة عن شبكتها الطبيعية، وتعجز القوانين الميكانيكية عن قراءة الحركة الدقيقة للجزئيات، وأخذت الاحتمالية الكلية واللادرية، وخاصة شكوكية الفيلسوف البريطاني ديفيد هيوم، عن الاعتراف بقانونية وموضوعية قراءة المادة، في تشكيل أزمة ثقة بالعلوم.
إن فلسفة أنا أفكر إذن أنا موجود، دخلت فى ازمة اجتماعية
وتاريخية، فالبرجوازية الأوروبية غدت تصارع الطبقات العاملة في
بلدانها، التي تحفزت لتسلم السلطة، والحروب بين هذه
البرجوازيات دمرت «العقل» وخاصة في المذبحة الإنسانية الكبرى: الحرب العالمية الأولى.
إذن حين قال طه حسين : أنا أشك إذن أنا موجود، كانت صيغةً أقل قوة من صيغة ديكارت : أنا أفكر إذن أنا موجود!
وطه حسين لم يعلنها صراحة بأنه موجود كأنا طبقية برجوازية تؤسس عصر النهضة العربي الحديث، وشكوكيته هنا القادمة من عصر ديكارت والمتأثرة بخطاه، سارت إذن في المنهج العقلي، المتصف بضعف التجريب، والمعتمد على التحليل العقلي الصرف، بما يسود فيه من فضاء فكري مهيمن، ومتوجهاً إلى الأدب وهو ليس ميداناً حاسماً في المواجهة مع التراث المحافظ، حيث توجه ديكارت إلى الفلسفة، وهي الميدانُ الحاسم في الصراع الفكري، ولهذا فإن طه حسين كان ذا عدة أدبية بدرجة أولى، لكن التأثيرات الفلسفية المضمرة كانت موجودة في هذا الأدب عبر تسرب الاتجاه الميكانيكي والوضعي والجدلي الواقعي لكن ليس فيها منهج حاسم.
أنا أشك إذن أنا موجود، اعتبرها طه حسين طريقة لإعادة إنتاج عقل عربي حديث، يقومُ في البدايةِ باستعمال الشك وتوسيعه في كافة ظاهرات البحث والدرس، وقد اعتقد إن استخدام هذا المنهج وتطبيقه على ظاهرات الثقافة كفيل بتوسيع استخدامه في كافة القراءات للمجتمع العربي المتخلف.
لكن زمان ديكارت كان قد انقضى عليه أكثر من قرنين، انطلقت فيه مناهج أخرى، وفي العقل البرجوازي نفسه، كان المنهج التجريبي قد انتزع مكان الصدارة.كذلك كان المنهج الدارويني الاجتماعي والمنهج المادي التاريخي والجدلي الماركسي، قد اثبتا حضورهما في الوعي الحديث.
إن عودة طه حسين إلى ديكارت، يؤكدهُ المسارُ العربي التقليدي الراكد، الذي لم تهزهُ الثورةُ الصناعية، وحين بدأت مصرُ الدخول فيه، عبرته من خلال الصناعات الاستهلاكية : السكر، والنسيج الخ.
ولم يكن لطه حسين علاقة بالمناهج التجريبية أو بالمادية التاريخية، وقد صارع بقوة المناهج الأزهرية المتخلفة في درس التراث، وكان هذا الصراع الفكري المنهجي هو الذي يؤسس نظرته إلى العالم، فهذه [التجربة] الشخصية كانت المعمل لإنتاج وعيه.
كان [الشيخ] التقليدي ماثل في وعيه، وهو الذي يراه كعائق أمام تحديث العلوم، لكنه أخذ الشيخ الديني كطرائق في البحث، وكأساليب في درس التراث، وليس كبُنية اجتماعية عتيقة، أي كجزء من منظومة سياسية تقليدية هيمنت على المسلمين، ولهذا فقد شهر سيفه أي قلمه في وجه هذا الشيخ المفصول عن النسيج الاجتماعي، وعن منظومةِ الإقطاع الغارزة حرابها في الجسد الاجتماعي، وحين كان يكتبُ عن أبي العلاء المعري، فقد اتخذ صنوه من العصر العربي القديم، ليس للاشتراك في العاهة الجسدية والتغلب عليها فقط، بل لمستوى الوعي المتقارب بين الرجلين، المعري في عصره العربي الإقطاعي المتفتت، وطه حسين في عصره العربي الإقطاعي المتفتت والمتُكون مجدداً.
وإذا كانت الشكوكية والسخرية والنقد المرير اليائس قد ظللت فيلسوف معرة النعمان، فإن الشكوكية البناءة المتفائلة ستكون النسيج الروحي لعميد الأدب، وهو يحاول أن يُخرج الأمة من الظلام إلى النور، مثلما هو يشكل خطاه على الأرض الدامسة، جامعاً بين فرنسا الحرة وإعادة تشكيل مصر الحرة.
وقد بينت معركة كتاب [في الشعر الجاهلي] طابع منهجية أنا أفكر المصرية التي أنتجها طه حسين. فالشك قاده إلى التشكيك المعقول بصحة الشعر العربي الجاهلي، لكن هذا الشك لم تسنده قراءات اجتماعية واقتصادية في بنية العرب الجاهلية قبل الإسلام، فقد أخذ الظواهر التعبيرية وإشكالياتها الحقيقية في معزل عن اللوحة الاجتماعية التاريخية المتكاملة. فأصدر حكمه بعدم حقيقية هذا الشعر الجاهلي. وقد عبر المنهج الشكوكي هنا عن قراءة عقلية فنية وفكرية غير غائصة في الجذور الاجتماعية للشعر والنثر الجاهليين، فجاءت أحكامهُ غير دقيقة علمياً. فكان للمنهج العقلي الشكوكي هنا نتائج مضادة للجوانب التي يبتغيها من نشر المنهج العقلي الباحث. لكن أسئلة طه حسين المهمة والكبيرة أدت إلى بداية البحوث في تاريخ العرب، والتي سينجزها باحثون آخرون. في حين ظل هو على عناده من مسألة الشعر الجاهلي المنحول، فأضاع فرصة في قراءة جذور التكون الإسلامي.
وفي وقت صدور الدراسة اتخذت القوى السياسية المصرية المتصارعة الكتاب القنبلة – والذي لم يهتم الرأي العام فيه إلا بجمل صغيرة تشكك في بعض النبوات، والتي حُذفت في الطبعات التالية للكتاب – اتخذت من الكتاب أداة لتسوية حساباتها السياسية.
فخطة القصر الملكي والاستعمار بتقوية الجماعات المذهبية واضعاف حزب الوفد، اصطادت الكتاب وحرضت الجماعات المتعصبة فما كان من حزب الوفد إلا أن هاجم المؤلف (الموتور)، وبهذا دخل حزب البورجوازية المصرية في سلسلة الدفاع عن النظام الإقطاعي الديني، بدلاً من أن يقود معركة العلمانية والديمقراطية بعمق.
بينت معركةُ كتاب (الشعر الجاهلي) المعسكرات الاجتماعية والسياسية والتي ستدخل معركة التحديث العربية بتردداتها وإنجازاتها وهزائمها، وهو هيكلٌ عامٌ اجتماعي واقتصادي لم يتغير نوعياً خلال القرن العشرين بل وربما أزداد ميلاً صوب المحافظين، بسب اكتشاف الثروة النفطية في المناطق الأقل تطوراً من العالم العربي.
ولكن يهمنا هنا استلال الخيط الفكري العقلي التحديثي وهو يتكون في المواد الاجتماعية البسيطة.
فطه حسين بتقديمه هذه اللوحة التشكيكية في التراث العربي الجاهلي، انطلق من أسئلة موضوعية بدون قراءة مادية تاريخية للعصر المدروس، بل من جانب رؤية مُسبّقة في اعتماد منهج الشك، ورفض المادة الوفيرة التي تؤكد صحة نسبة كبيرة من هذا الشعر إلى عصره. لكن الأهم في كل ذلك هو اعتماد الدراسة على جوانب فكرية مفصولة عن سياقها التاريخي في الماضي والحاضر، وبالتالي عدم تلاقح مذهب الشك مع أدوات البحث التاريخي الموضوعية، واكتشاف سياق التطور العربي، وأهمية الإسلام كثورة تجديدية في حينها، وأهمية رؤية دور مكة التجاري البرجوازي كمدينة تحاول أن تشكل عالماً نهضوياً، تم إدخاله بعد هذا مع تكون الإقطاع وتطوراته في عمليات الفتوح وبسبب آثارها الاقتصادية. أي أن الأدب الجاهلي كان يعكس جذور دور طبقة برجوازية (حرة) كانت تعيد تشكيل مجتمع أبوي، يدخل تواً العصر الطبقي.
أي أن الفئات البرجوازية المصرية التي دخلت العصر الحديث كمثيلتها القرشية المكية، دخلته وهي تابعة للبرجوازية البريطانية، ومتداخلة مع الإقطاع السياسي الملكي الحاكم والديني، فلم تستطع أن تطلق صرخة ديكارت : أنا أفكر إذن أنا موجود!
بل كانت كلمة طه حسين أنا أشك، فأنا حائر، تائهٌ بين الطرق الاجتماعية.
إن الفئات الوسطى المصرية كانت كلمتها في الواقع : أنا استورد واصدر، وليس أنا أصنع فأنا موجود، فكانت معامل التجريب نادرة، وكان الفكر العقلي الذي تنتجه طالعاً تواً من الأزهر، فلم يستطع أن يقرأ حاجاتها الموضوعية، وأن يقود معركتها التحديثية.
لنلقي نظرةً تشخيصيةً حول فكرته عن العقل.
إن اقتراب طه حسين من الفكر الفلسفي نجده في الصفحات الأولى من كتابه : ( مستقبل الثقافة في مصر ) الذي يقدمُ فيه خطةً عامة لتغييرِ نظام التعليم في مصر، والجمعُ بين هذا الفكرِ النظري العام وقضيةِ التعليم تحديداً، هو قمةُ عمل النهضويين (العلمانيين)، الذين اقتصروا على البثِ الثقافي وليس العمل السياسي والاجتماعي المباشر، حيث صعّد طه حسين تدريجياً التنويرَ الأدبي ليغدو نضالاً سياسياً تبلور عند التعليم، وذلك بسبب تصور التنويريين المثالي عموماً بكونِ الثقافةِ هي أداةُ تغيير التخلف، لكن هذه الثقافة مصاغةٌ داخل آليات بنية الإقطاع المذهبي وليس لاجتثاث هذه البــُنية مما يؤدي بهذه الثقافة نفسها أن تكرس تلك البنية لا أن تهدمها كما كانوا يتصورون.
ولهذا فإن منطلقات عميدِ الأدب طه حسين شبهِ الفلسفية في مقدمة هذا الكتاب تتطابقُ وخطته لتغيير التعليم في مصر التي أعلنها في هذا الكتاب سنة 1938 ثم طبق أساسياتها حين صار وزيراً للتعليم في حكومة الوفد بعد ذلك.
وفي هذه المنطلقات فإن مسألة (العقل) تغدو بؤرةً مركزيةً في عمليةِ إنتاجِ المفاهيم وتطبيقها، ولهذا يقول :
(فهل العقل المصري شرقي التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء، أم هل هو غربي التصور والإدراك والفهم والحكم على الأشياء؟ وبعبارة موجزةٍ جلية أيهما أيسر على العقل المصري : أن يفهمَ الرجلَ الصيني أو الياباني، أو أن يفهم الرجلَ الفرنسي أو الإنجليزي؟)، (31).
ـــــــــــــــــــــــ
انظر كل ذلك عبــدالله خلـــــيفة: الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث، وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة ، 2015.

جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

ألمانيا والعرب المعاصرون

لم تُكتشفْ العلةُ الرئيسيةُ في مجرى التاريخ الألماني في القرن التاسع عشر، فيُقال بأن ثمة بقايا إقطاعية هيمنتْ على ألمانيا وهي تتطورُ باتجاهِ رأسماليةٍ واسعة.
أكبرُ منظرٍ لهذا التاريخ كارل ماركس، وهو مؤسسُ ما يُعرف بالماركسية التي طرحتْ البرنامجَ الإشتراكيَّ الفوري للتغلبِ على التناقضات في سيرورةِ المجتمعات الاستغلالية، والحلُ الفوري رافقَ تجربة الشباب الفكرية السياسية عنده، وإستمر حتى مرحلة النضج بأشكالٍ متواريةٍ ثم أدركَ فشلَ الحل الفوري هذا دون أن يعالجه نقدياً بشكلٍ موسع فتركَ ثغرةً كبيرةً في فكره إستغلها لنين فيما بعد بإنشاءِ دكتاتوريتهِ النهضوية الرأسمالية الحكومية الشاملة.
لكن نحن الآن في قراءةِ تلك العلة المركزية لأزمةِ ألمانيا لا أزمة روسيا، وومن خلال علاقة الأزمة الألمانية بالأزمة العربية، يقولُ باحثٌ مصري:
(تنتشر أفكار ماركس حول ألمانيا عبر جميع مؤلفاته ابتداء من مخطوطات فترة الشباب مثل “مساهمة في نقد فلسفة الحق لهيجل” ومروراً “ببؤس الفلسفة” و”الأيديولوجيا الألمانية” وحتى “رأس المال”. وفي كل هذه المؤلفات يتناول ماركس ألمانيا باعتبارها مجتمعاً لم يلحق بعد بالتقدم الرأسمالي المتحقق في إنجلترا وفرنسا، وأنها سوف تواجه حتماً التناقضات التي يواجهها المجتمع الإنجليزي والفرنسي. وتتضمن تحليلات ماركس توقعاً بأن الثورة التي ستحدث في ألمانيا سوف تكون ثورة اشتراكية لا بورجوازية)، أشرف منصور، نظرية الارتكاس الثقافي، الحوار المتمدن.
هنا نجدُ أن ماركس نفسه لم يُطبقْ فكرةَ التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية التي إبتكرُها هو نفسه، فنحن لا نعرفُ بالضبط هل ألمانيا مجتمعٌ إقطاعي أم رأسمالي؟ هل حدثتْ عمليةُ القطعِ البنيويةِ لتغدوَ ألمانيا رأسماليةً وتعبرُ التشكيلةَ الإقطاعية؟
(والمشكلة التي تواجه ألمانيا مزدوجة، فهي لا تعاني من تطور الإنتاج الرأسمالي وحسب، بل من تأخر هذا التطور في نفس الوقت، أي من بقايا الإقطاع والأعباء الأرستقراطية الموروثة، وسلسلة طويلة من الأمراض الوراثية” الناشئة عن التفسخ المتصل لأساليب الإنتاج المتخلفة”. والحقيقة أن الثورة الاشتراكية هي حل ماركس لتناقضات أسلوب الإنتاج الرأسمالي في المناطق المتقدمة والمناطق المتخلفة على السواء، أي في المركز والأطراف معاً.)، المصدر السابق.
ضاعتْ عمليةُ التحديدِ البنيوية هنا بمفردات مثل (تعاني من بقايا الإقطاع والأعباء الارستقراطية الموروثة)، لكن سلطة بسمارك لم تكن من بقايا الإقطاع، لقد كانتْ سلطةً إقطاعيةً عسكريةً سياسية مهيمنة جبارة، وفي ذات الوقت تقوم بتحويل ألمانيا للرأسمالية، عبر تملك الإقطاعيين للإنتاج الحديث ورسملة الريف.
إن عمليةَ التغيير من الإقطاعِ لسيطرةِ الرأسماليةِ الكلية لم تحدثْ إلا عبر عقود طويلة، خاصة بعد الهزيمة الكلية للهتلرية، ففي الوقت الذي ترسملتْ الحياةُ الاقتصاديةُ بقيتْ الأشكالُ الإقطاعية الإيديولوجية والسياسية في البناء الفوقي قوية؛ إنه تناقضٌ بنيوي حادٌ أدى لكوارث.
إن التشكيلةَ الإقطاعيةَ لا تنهارُ كليةً، والتشكيلةُ الرأسماليةُ لا تظهرُ دفعةً واحدة، وإذا كانت قد إستغرقتْ في البلدِ المؤسسِ للرأسمالية وهو إنجلترا عدةَ قرون، فإن التسارعَ في الدولِ الأخرى المقاربةِ للإنتاجِ الرأسمالي الحديث كان مصيرياً لها، ذلك بفعلِ الصراعات والتأثيراتِ المشتركةِ وكون هذه البلدان في منظومةٍ مسيحية تاريخية واحدة مشتركة منذ عهد (الإصلاح).
ومن هنا فإن إنهيارَ الإقطاعِ بثقافتهِ وأسسهِ السياسية إحتاجَ لعقودٍ فيما كانت القاعدةُ الإنتاجيةُ تنمو بسرعةٍ أكبر، وهذه العمليةُ المركبةُ إحتاجتْ إلى فوائضٍ ماليةٍ كبيرة لم تكن متأتيةً بوفرةٍ لدى ألمانيا المفككة ثم الموَّحدة وغير الحاصلة على مستعمرات، فكان لجؤها للحروبِ من أجلِ إعادةِ تقسيمِ المستعمرات وتسريع التطور الرأسمالي الداخلي لتكونَ في مستوى إنجلترا وفرنسا المتقدمتين عنها بمراحل.
كانت الحربُ العالميةُ الأولى وألمانيا أقربُ بقوةٍ للإقطاع لكن هذه الحرب نفسها زادتها تأزماً وتقطيعاً وإحتلالاً في جسدِها الجغرافي الوطني نفسه، فكانت القفزةُ في الصناعةِ وفي الانضباط العسكري العمالي والتطور في العلوم التقنية ردة فعل كبرى.
كانت الهتلريةُ تتويجاً لهذه التناقضات الرهيبة. فالرأسماليةُ الألمانيةُ تزدادُ تطوراً وبها رغبةٌ عارمةٌ دراكولية في إبتلاع المستعمرات وهي تضعُ المعاطفَ الفكريةَ المحافظة على جسمها، فكانت الشهيةُ للأسواق وعسكرة البرجوازية الحاكمة المتحولة من إرثٍ إقطاعي متجذر بها، تقذفُ بها بعيداً عن الديمقراطية والأنسنة الفكرية، فكان الصليبُ المعقوفُ بديلاً عن الرحمة.
وهنا نستطيع أن نضعَ المدارسَ الفلسفية الألمانية في مناخها التطوري الاجتماعي الواضح، كنتاجاتٍ متأثرةٍ بهاتين القدمين الموزعتين بين الإقطاع والرأسمالية، بين الفكر الديني المحافظ، والحداثة المهَّشمة، بين القوميةِ الدموية وضحالة التنوير الديمقراطي العلماني الألماني.
فليست فلسفةُ شوبنهاور التشاؤمية وأفكارُ نيتشه الفاشية وذورةُ الانهيار العقلي في تصوراتِ العنصرية الآرية الهتلرية، إلا حلقات التأزم الفكري والتوغل في الرجعية الفكرية والتصادم مع تيارات الأنسنة، أي التخلي عن أفكار البرجوازية الديمقراطية العلمانية وهي أفكارٌ لم تستطعْ ألمانيا إنتاجَها في ظلِ هذا التطورِ المتسارعِ والمزاحمة مع الرأسماليتين الكبيرتين البريطانية والفرنسية اللتين أحتلتا أغلبَ العالم ثم تبعتهما الرأسماليةُ الأمريكيةُ فيما الإقطاع الروسي مهيمنٌ على ثلثِ الكرة الأرضية وهو ما أدى إلى تشكيل تجربةٌ رأسماليةٌ مغايرة شرقية إستندتْ على تناقضاتِ ماركس الشاب وإلى عدمِ تحديدهِ الصارمِ في كهولته لخطِ التطورِ الراهن وقتذاك للبشرية الغربية.
ليست المشابهة بين ألمانيا والعالم العربي المفتت دولاً وشعوباً سوى مشابهات محدودة، فرغم أن ألمانيا كانت مفتتة في أوائل القرن التاسع عشر، إلا أنها كانت ضمن سيرورة الدول المسيحية الغربية التي كونت إيديولوجيات الإصلاح البروتستنانتي، كبريطانيا وهولندا الرائدتين في النمو الرأسمالي، كذلك كان تسارع الصناعة الخاصة فيها كبيراً بخلاف العالم العربي، وهو ما أهل ألمانيا أن تَكونَ قوةً صناعيةً كبرى، لكن الغلافَ الإقطاعي السياسي – الإيديولوجي عرقلَ ذلك لفترة سابقة طويلة نسبياً، حتى إذا هيمنَّ على ألمانيا الموحَّدةِ عبر جيوش بسمارك سرّعَ بالتطور الرأسمالي الاقتصادي الخاص عبر أملاك النبلاء!
إنها تجربةٌ خاصةٌ بالشعب الألماني لا يمكن نسخها، بسبب ظروفها الموضوعية الاقتصادية المتقدمة قياساً للشعوب العربية، فإذا حاولت قوى سياسية وإجتماعية عربية تقليدها فهي تنتزعُ بعضَ الجوانب من خيوط الإيديولوجيات القومية الفاشية، وتغدو (الأمة العربية فوق الجميع) مهزلةً فيما كانت لدى الألمان مأساةً.
وقامت التجاربُ العربيةُ الشمولية العسكرية القومية والدينية المذهبية على إستيرادات جزئية متضاربة، لفقدان طبقة توحيدية قومية صارمة كنبلاء بسمارك، خلقت الوحدة القومية والعسكرية ولكنها جذرت البرجوازية الخاصة، صحيح إن هذه البرجوازية ظهرتْ من ضلوع هؤلاء النبلاء الشموليين لكنها أسست صناعة متقدمة.
فيما تعددتْ مساراتُ الفئاتِ الحاكمة العسكرية بين إشتراكية حكومية يرثها الضباطُ غير الأحرار من ذوي الثقافة المتخلفة قياساً حتى بالمعايير الألمانية، إلى إبقاء التخلف الريفي وسيطرة الإقطاع الزراعي، وتجميد حريات النساء وإبقاء النصوصية الدينية الصفراء.
فلا يمكن مقارنة البرجوازية النبيلة الألمانية أو النبلاء المتبرجزين الألمان، بفئاتٍ ريفية عسكرية عربية متخلفة ظلت إقطاعية مذهبية دينية لم تطرح حتى شكلاً توحيدياً إسلامياً بمجاراة البروتستانت، وهي لم تؤسسْ نهضةً كاسحةً تشمل كافة القطاعات وتكون رأسمالية بحتة فلم يوجدْ بسمارك عربي أبداً حتى هذه اللحظة.
كما أن الأمة العربية من جهةٍ أخرى غير الأمة الألمانية، فهي شعوب دينية قاربتْ الحداثة قبل الألمان، لكن قضايا التصنيع والعلوم لم تُنجزْ لديها، وفي عهد التبعية للاستعمار الغربي مُنعت من التنصيع، والأنظمة التي نشأت فيها لم تقارب لا البسماركية الرأسمالية الخاصة العسكرية ولا التنمية الرأسمالية الغربية الحرة أو الهندية واليابانية، ولا التنمية الحكومية الرأسمالية الشاملة على طريقة روسيا والصين.
فهي أمةُ التفتت والضياع البرامجي، وما الإشارات في تجربتها لألمانيا فهي مثل إشاراتها الكثيرة لروسيا السوفيتية والصين الماوية، وأمريكا البرجماتية، تأخذُ من كل تجربة شعرة على كثرة دولها وجماعاتها ومذاهبها، دون أن تحول هذه الشعرة إلى نظام.
فلم توجد وتتكرس تجارب تتجذر في أرض الحداثة والحرية والتصنيع وتلقي بالتخلف للوراء.
وما نشؤ طالبان والقاعدة وغيرهما سوى علامات واضحة على العجز البرامجي.
ألمانيا كانت صغيرة قياساً للعالم العربي، وذات مقدمات نهوضية أكبر، وحولها بسمارك لمدارس ومصانع عسكرية، فيما العالم العربية يحتاج لأنظمةٍ ديمقراطية ليبرالية تنمو بأشكالٍ متعددة متعاضدة، وتنشرُ العلاقات الرأسمالية الصناعية التحولية في الأرياف، وتجذبُ النساءَ للصناعة، والرأسمالية التجارية والمالية للإنتاج المتطور.
وفيما يتعلق بالأشكال الثقافية فإن العرب لهم تاريخ زاخر في الثقافة الإنسانية والعقلانية، كما أن الأشكال العنفية المتعصبة تنعزلُ يوماً بعد يوم.
إن للأمةِ العربيةِ تطورٌ خاص فريد في البشرية، وهي لن تنسخ تجارب الأمم الأخرى بل ستولدُ نموذجَها الإبداعي التاريخي الخاص، بنشاط مناضليها وشعوبها.
فمع تولد دول ديمقراطية رأسمالية عامة وخاصة بشكلٍ تدريجي وحسب مصالح شعوبها وطبقاتها ستلتئم أجزاؤها وتطور تبادلاتها وإنتاجها وتوسع صلاتها السياسية التوحيدية.

جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

تحقيبٌ إجتماعي لفلسفةِ ألمانيا

خروجُ الفلسفةِ الألمانية من الشكلِ الديني لم يتم كالفلسفاتِ الأوربية في البلدان المتطورة رأسمالياً في القرن التاسع عشر، فلسلسلةُ فلسفاتِ كانط وفيخه وهيجل وشوبنهور وغيرهم حتى القرن العشرين لم تكن سوى فكرة الدين السماوية المطلقة مهيمنةً على هذه الفلسفاتِ الأرضية الذليلة أمام الأكليروس، الشكلُ فكرةٌ فوقيةٌ تهيمنُّ على البشرِ والأرض وسيرورة الأفكار.
الفكرةُ المطلقةُ الهيجلية السرمديةُ المتحولة في الوجود البشري المتنوعِ التاريخي التي تنمو جدلياً أوضحُ شكلٍ فلسفي للدين، وللمثالية، في زمنِ الحداثةِ الرأسمالية التي كانت تُعبدُ الدروبَ للحرية الاجتماعية والسياسية في غرب أوربا للحريات.
الإقطاعُ المهيمن بصورةٍ طويلة مطلقة، ومكّون الإمارات الألمانية الكثيرة، الموّحدةِ عبر دولة كبيرة متخلفة عن جيرانها، والمتجسدُ في الدين، والمعرقل لوجود وتطور البرجوازية في القرن التاسع الألماني، هو مشكل هذه الفلسفات.
قيمةُ الفردِ ودوره المستقل هو بؤرةُ هذا العصر الأوربي لكنه معرقلٌ في ألمانيا، ويتجسدُ ذلك في الفلسفات التي هي ذورةُ فهم البشر للعصر والمجتمع، وقد كان الفيلسوفُ عمانويل كانط هو مفتتحُ هذه الفلسفات التي هزّتْ البشريةَ بإتساعِها وديمومتها ومغامراتها الخطيرة كذلك، لكن الذات عند كانط نجدها ذاتاً فردية محصورة، غيرَ محلِّلةٍ للمكان والزمان الموضوعين، المجردين، والمجسدين في جسم ألمانيا الإقطاعي، وتغدو معرفتها جزئيةً، مُركزةً على ظاهر الشيء، على ظاهر ألمانيا، ويفلتُ الشيءُ في ذاته من المعرفة، وتغدو ألمانيا ذاتاً فردية شاحبةً مقزمة، مجهولة السيرورة التاريخية والتشكل الاجتماعي، والدولةُ الإمبراطورية تفردُ عليها أجنحةَ النسور.
وفيخته الفيلسوف التالي يجعل الفردَ محارةً لا تستقبلُ حتى ذرات الرمل، فلا تخصبُ لؤلؤاً ولا كسراً لبرجزية ذاتية متوقعة في نفسها، غير قادرة على العبور للآخر، وللتغيير الاجتماعي السياسي. وقد صرخَ به طالبٌ حين رمى حجراً على نافذته بإن القوقعة إخُترقت وأن الذات مفتوحة على العالم الخارجي!
هيغل أراد أن يعممَ العمليات التاريخيةَ الكلية في الوجود والمجتمع، عبر حركاتٍ جدلية مُسبقة الصنع من ذاته، ومن خلال عباءة الفكرة المطلقة، حيث تغدو هذه الفكرة هي الدين والدولة وقد تجسدتْ في صناعِها من الإقطاعيين البروسيين هؤلاء الطغاةُ الذين يُختتم بهم هتلر ومحارقُهُ عالمَ ألمانيا القديم.
البرجوازي الصغير المجسدُ في هيغل وهم دائماً صناع الأفكار المتذبذبة، ليس منتمياً لبرجوازية صناعيةٍ محولةٍ للمجتمع الإقطاعي، فهو يعطي مكونات الدين والدولة الإقطاعيين الحركة وسيطرةَ الأعالي والرتب العليا، ويعطي التطورَ الاجتماعي الموضوعي مساراته المختلفة بدون لبهِ من الصراع الاجتماعي.
قدمٌ في اليمين وقدمٌ في اليسار، ولهذا كان ظهورُ اليساريين الهيجليين إنشقاقاً بين البرجوازية غير الناضجة إقتصادياً وسياسياً وبين العامةِ غير المتبلورةِ في طبقةٍ عاملةٍ مستقلة.
ولهذا كانت ثورة 1848 بلا طبقة حقيقية قائدة، كانت الطبقاتُ البرجوازية قد إنتصرتْ في البلدان الرأسمالية المتقدمة، ولكنها عاجزة في ألمانيا حيث تلحفت البرجوازية أرديةَ الإقطاع الثقيلة وهيّمن عليها الضباطُ البروسيين الكبار ورجال الدين المحافظين الذين قادوا توحيدَ ألمانيا بعد ذلك، ليفرض الإقطاعُ سيطرتَه حتى يأتي هتلر فينفجر هذا التحالفُ وتُدمر ألمانيا.
تأخر البرجوازية الألمانية في توحيدِ البلد وتثويره إقتصادياً صناعياً وإجتماعياً فكرياً وغياب تعاونها مع العمال سياسياً وإقتصادياً، أدى إلى هذا الهجين الاجتماعي السياسي المضطرب، وإلى هذه الفلسفات المركزة على الشكل، وعلى القوى العليا المهيمنة، وعلى الأنا المعزولة عن شلالات التحولات الاجتماعية، وعلى تصاعد الأشكال الدينية الشاحبة فكرياً، وأدوات التحليل الظاهرية غير الغائصة في الأعماق ومضامين الظاهرات، والمركزة على السطوح، والتي تغدو الثورات فيها بعد ذلك مغامرات وفوضى، وإنقلابات فاشية قاتلة مدمرة.
يشابهُ التطورُ الألماني التطورَ في بعض الدول العربية والإسلامية حيث التطور الرأسمالي المُعرقل بالإقطاع، والذي يتأزم شيئاً فشيئاً حتى يغدو إنفجارات ويتوجه للانتحار عبر الحروب، عاجزاً عن تطوير بناه الاقتصادية عبر الحداثة والتصنيع الواسع ونشر التنوير والديمقراطية والسلام الاجتماعي.

الطبقة العاملة الهندية في البحرين

الرفيق عبدالله خليفة

كتب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة

يزيد عدد أفراد الطبقة العاملة الهندية في البحرين على ثلاثمائة ألف، فيُعتبرون أكبر قوة سكانية منتجة.
وقد ذكرتْ وزيرة الشؤون الاجتماعية البحرينية أنه على (الرغم من مساحة البحرين التي تبلغ 740 كيلومترا مربعا فإن العمالة التعاقدية التي تردُ البحرينَ من آسيا وخاصة الهند تمثلُ خمسين بالمائة من عدد السكان، البالغ مليون نسمة، كما تشكلُ العمالةُ التعاقدية من النساء 31 في المائة من عدد العمالة الأجنبية)، الوسط، 3 ديسمبر، .2009
وتقول وكالة فرانس برس:(ووفق أرقام رسمية فان عدد العمال الاجانب في البحرين يصل الى 270 الفاً غالبيتهم الساحقة من الهنود وهم يعتبرون عمالاً غير مهرة).
تعبرُ هذه الأرقامُ المتضاربة المتنوعة بين المسئولين والمستثمرين والصحافة، كما سنرى بشكل أوضح لاحقاً، عن عدم الدقة في تسجيل هذه الظاهرة الاجتماعية (المائعة)، وهي الدجاجة الكبيرة التي تفقسُ البيضَ الذهبي لقوى الاستثمار المتنوع، ونحن هنا في بداية المشكلة حيث لا تمتلكُ الأجهزة المختصة سجلاً دقيقاً كاملاً عن هؤلاء البشر، من هم؟ وما هي أسماؤهم الحقيقية غير المزورة بشتى طرق التحايل، ومدى صحة البيانات التي يقدمونها؟ وأين سيعملون؟ وماذا سيكون دخلهم الفعلي؟ ومن هو رب العمل الثابت؟ وما هي شروط السكن؟ وغير هذا من جوانب تعبر عن الوجود الغامض الكبير لهذه الظاهرة البشرية.
إن وجود الإحصائيات الدقيقة والدراسات عنها في جوانب هذه الظاهرة كافة، هي التي سوف تعطينا إمكانية فهمها أولاً والسيطرة عليها ثانياً، من قبل مختلف الفرقاء الوطنيين والإنسانيين كذلك.
تقدم جمعية المقاولين البحرينية أرقاماً أخرى ولكنها مهمة لمقاربة أعداد العمالة الأجنبية وتوزيعاتها الاقتصادية الهيكلية العامة:
(حسب الإحصائيات المتوافرة لدى جمعية المقاولين البحرينية فإن إجمالي العمالة الأجنبية في مملكة البحرين يصل إلى 500 ألف عامل موزعين على 270 ألف عامل من الهنود الذين يعمل منهم 200 ألف في قطاع المقاولات والإنشاءات و70 ألفا في مختلف القطاعات الأخرى، و230 ألف عامل ما بين العمالة الباكستانية والبنغالية الذين يعملون في قطاع المقاولات والإنشاءات.
عموماً يبلغُ العددُ الأجمالي للطبقة العاملة الهندية في الخليج 12 مليون فرد، ويحولون مالياً ما قيمتهُ 26 مليار دولار سنوياً ويعتبر هذا الدخل مهماً بشكل كبير للاقتصاد الهندي حسبما ذكره الخبير الاقتصادي حسين المهدي، لكنه يمثل نزيفاً اقتصادياً حسبما يفترضه كاتب هذه السطور.
من الواضح ان ثمة ضخامة (غريبة) في أعداد العمال الأجانب في قطاع الإنشاءات، فهم يشكلون أغلبية العمال الأجانب عامة، وهذا تعبيرٌ كذلك عن البُنى التحتية التي لا تتوقف ولا تصلُ إلى أن تكون بُنى تحتية راسخة ودائمة فهي تتغيرُ وتصيرُ غير أساسية بعد بضع سنوات أو حتى بضعة شهور، وهي موقعُ العمال الأجانب الرئيسي ومنبع التداخل بين الرأسمال الحكومي والرأسمال الخاص، ومن المؤكد انها كذلك تمثل البقعة الاقتصادية التي لا تتمتع بشفافية كافية.
من خلال الرصد الاجتماعي الأولي نجد ان ثمة أربع شرائح أساسية من العمال الهنود في البحرين، الأولى هي الشريحة التي تعمل بلا أجر محدد، وهي فئة سائبة، غير معروفة أحوالها في الدخول إلى البلد، وأغلبها من النساء اللواتي يعملن في المنازل و الفنادق والخدمة، ويستقدمهن أزواج أو اخوة ويتركونهن يعملن في تلك البيوت والمؤسسات، ويحصلن على أجور أو إكراميات من الزبائن، وليست لهن أي حقوق، ويعشن مع أهلهن في بيوت جماعية.
أما الشريحة الثانية فهي البروليتاريا المعدمة وأجورها لا تزيد على خمسين ديناراً، وتأتي للعمل في أشغال متدنية، بأشكالٍ كثيرةٍ متعددة، ولدى الرساميل الصغيرة المتنوعة كذلك.
والشريحة الثالثة وهي العمال الأفضل أجوراً والأقرب لأن يكونوا فنيين وتقنيين، وهم يقتربون من أجر يبلغ مائتي دينار، لكن الإيجار والطعام يقتطعان جزءاً كبيراً من تلك الأجور.
والشريحة الرابعة هم الإداريون والفنيون المتعاقدون من شركات وبنوك، وأجورهم أعلى، وذوو عيش أفضل.
أكبر الشرائح عدداً هي الثلاثُ الأوَل، وهو أمرٌ يعبرُ عن الطابع (المتدني) لمهنية هذه العمالة.
إضافة لهذه الفئات الثابتة من العمال الهنود سنجدُ العمالَ غير الثابتين وهم عمال المقاولات والمشروعات الإنشائية المؤقتة الذين يعملون في ظروف عمل سيئة وقاسية، وهم أغلبية العمال الأجانب عامة والهنود خاصة، وهذه الفئة المتجمعة في أماكنِ عملٍ وإنتاج كبيرة، والمرتبطة بعقود، مغايرة للعمال الهنود المتناثرين كعمال خدمة وعمال أجانب في محيط بحريني، ولهذا استطاع أولئك العمال تغيير أجورهم وظروفهم بسرعة أكبر، وقاموا بإضرابات مؤثرة في أرباب العمل سواء كانوا شركات خاصة أو قوى أرباب عمل مرتبطة بالوزارات.
إن تشكل الطبقة العاملة الهندية في البحرين له تاريخ طويل، فقد تشكلت علاقات اقتصادية وسياسية مع الولايات المصدرة للطاقة البشرية المنتجة الهندية منذ عقود طويلة، خاصة ولاية كيرالا، التي قدمت عمالاً ذوي مستوى سياسي أكثر تطوراً من بقية العمال الأجانب.
ثم توسعت العلاقات مع العمال الأجانب وتدفقت بصور كبيرة، وشكلت البُنى التحتية المتغيرة دائماً، والإنجازات الكبرى في البنايات والمعمار العمراني، ووصلت كذلك إلى الفوضوية والاستغلال الكبير وإلى عدم التخطيط، وسنرى صوراً من ذلك لاحقاً.

إذا كانت الأرقامُ بشأنِ أعداد العمال وأجورهم تسبحُ في غموضٍ كبير، فإن الأرباح الناتجة عن أعمالهم تقع في الجانب المعتم من القمر.
وقد حاولتْ العمالةُ الهندية تغيير أجورها المتدنية للوصول إلى مبلغ مائة دينار كحد أدنى للرواتب خاصة في قطاع الإنشاءات والمقاولات، وهو الجسم العمالي المنهك في عمل صعب وخطر.
في إحدى المواجهات الاجتماعية بين المقاولين وعمال بناء الجزر والإنشاءات السياحية الخرافية، طالب العمالُ بتغييرِ رواتبهم إلى مائة دينار شهرياً فقط ولا غير.
يقولُ أحدُ المقاولين إن عدد العمال الذين يعملون في شركته من الهنود يبلغ 800 عامل ومعهم 300 عامل بحريني، وان توقف العمال يوما واحدا يؤدي إلى خسائر تبلغ 150 ألف دينار، ويذكر أن أغلب أعماله(مشاريع عامة للحكومة).
ضخامةُ أموالٍ تُستثمر في مثل هذه القطاعات البنائية الدائمة والمتبدلة التي لا تنتهي فهي (الحلابة الكبيرة للميزانية)، وأجور هزيلة للعمال ومخاطر العمل لا تتوقف، فلماذا التناقض الحاد؟
ولعل مقاربة السفير الهندي لأوضاع العمال الهنود تعطينا صورة تقريبية لأوضاعهم:
(أشار السفير إلى أن “حصة الهند من العمالة الأجنبية في منطقة الخليج هي الأكبر مقارنة ببقية الجنسيات، إلا أنها تعتبر الأقل في البحرين، حيث لا يتعدى حجمها 350 ألف مواطن هندي، 280 ألفا منهم عمال، فيما تقدر العمالة في السعودية بـ 15 مليون شخص.
واعتبر ان ما نسبته 90% من العمالة التي تصل إلى البحرين غير مؤهلة وتعمل في القطاعات التي ليست بحاجة إلى مؤهلات ومهارات عالية)، (جريدة الوقت).
هذه إحصائيات أخرى وأرقام مختلفة، فكل جهة لديها أرقامها بشأن هذه الظاهرة العائمة، وعلينا هنا أن نرى كيفية تجريد ظاهرة العمال من طبيعتهم الإنسانية، فهم مجردُ قوى ومواد خام تُنقل من بلدٍ إلى آخر، فلا نعرفُ الجهات التي تقومُ بعملية النقل المتدنية هذه، وكيف تستفيد من مثل هذا الشحن العائم، وكيف لا يتم تحديد أجورهم من البداية، أي قبل شحنهم، وكيف يُسمح بذلك؟!
(وقدّر السفير جوزيف عدد الشكاوى العمالية التي تلقتها الوزارة في السنوات الثلاث الماضية بـ “10 آلاف و500 شكوى”، مستدركاً “إلا أننا سعينا إلى حل ما يقارب الـ90% منها، فيما تبقى النسبة المتبقية في أروقة المحاكم ونعتقد أنها في طريقها للحل”.
وأشار إلى أن “أغلب الشكاوى تتركز في قطاع الإنشاءات، وهي عدم دفع الأجور بانتظام أو عدم دفعها مطلقاً، أما في بقية القطاعات فهناك شكاوى ولكن أقل حجماً”، المصدر السابق.
فليس ان تلك السلع لا ترفعُ أجورها لدى القوى الإنشائية والمقاولاتية المتنفذة بل ان هذه الأجور لا تدفع في كثير من الأحيان!
وتضيع أوقات العمال بين أروقة المحاكم والبحث عن أجورهم وبين العمل المنهك.
و يضيف سعادة السفير الهندي:
“هناك جهود تبذلها الحكومة الهندية لتوعية العمال قبل وصولهم إلى الدول المستقبلة للعمالة، عبر النشرات الإعلانية في التلفزيون والإذاعة التي تؤكد لهم بضرورة الذهاب إلى المحاكم من أجل تحصيل حقوقهم في حالة انتهاكها والتنسيق مع السفارة، إلا أن الهند تبقى بلداً كبيراً ومساحاته شاسعة، فضلاً عن وجود ما يقارب 280 لغة ولهجة رسمية، وبالتالي من الصعوبة تغطية جميع هذه الفئات”.
أي أن تحصيل حقوقهم ومعيشتهم تبقى صعبة على ضفتي البلدين المصدر والمستقبل، وأغلب الروايات تعيدُ ذلك للقوى المتنفذة في هذه المجتمعات التي لديها قدرة على جلب العمالة عبر التأشيرات الحرة، واستغلالها في الأسواق بشتى الطرق، وهذا جانب لم يتم توضيحه من خلال الصحافة والبرلمان والبلديات حتى الآن.
ولا تعتمد هذه القوى المتنفذة على معايير محددة إلا معيار المنفعة وتحصيل الأرباح.
في حين ان تعامل الشركات الكبيرة خاصة مع هؤلاء العمال يتم من خلال العقود، وتحديد الحقوق، وينطبق هذا بشكل خاص على العمالة الماهرة والموظفين الإداريين، وتظهر المناطق المعتمة في حياة البروليتاريا، هذه الفئات المحدودة الأجور والحقوق، وتتحجم حقوقهم في الشركات الصغيرة، وتضيع أو تصغر في عالم التأشيرات الحرة ولدى أرباب العمل الأفراد والصغار ولدى أصحاب العمل في الزراعة وفي البيوت.
أما في الجوانب النقابية والسياسية فهي تعكس حالة القوى الاجتماعية البحرينية، وتبدو نظرة الخوف من وجود هؤلاء العمال الأجانب، بدوافع دينية وقومية، فتتصور جماعاتٌ معينة ان هؤلاء العمال الأجانب يمثلون خطراً على الوجود القومي أو على الوضع الديني، وهو أمرٌ فيه بعض الصواب مع غياب الاستراتيجية السياسية في التعامل مع هؤلاء البشر المستخدمين بأشكال استغلالية فظة، وذوي تضارب مع السكان في العقيدة والعادات والتقاليد ومستويات العيش، فهم يسعون للتجذر في هذه المجتمعات والوصول إلى حياة أفضل، وهذه أمور يترتب عليها نمو لغاتهم وحقوقهم وحصولهم على مواقع عيش وسكن وحقوق نقابية وسياسية، فتحدث صراعات بين الأهالي وهؤلاء العمال على مواد العيش، وعلى الحقوق.
لكن في المجال النقابي وفي الرؤية السياسية تغدو هذه نظرات ضيقة، لكون الدفاع النقابي عن حقوق هؤلاء العمال، وتحسين مساكنهم وأجورهم، يؤدي إلى تطور أوضاعهم المادية والاجتماعية، ويؤدي إلى تقلص وجودهم الكثيف وحضورهم غير المنظم والفوضوي. وبدلاً من أن يجري الصراع بين العمال أنفسهم ينبغي أن توضع الكرة في ملاعب الوزارات والشركات وأرباب العمل المسؤولين عن استيراد هؤلاء العمال وتكديس الأرباح من عملهم.
إن غياب درس حياة هؤلاء العمال يقود إلى مواقف سياسية محدودة كما نرى في البرلمان ووزارة العمل والنقابات

كلُ شيءٍ يتغير إن التناقضَ هو أساسُ حياة البشر، وبدون تناقض يزول البشر.

صراع الطوائف والطبقات في إسرائيل

≣ يعبر قيامُ إسرائيل عن مجموعة كبيرة من التناقضات السياسية والثقافية، فقد أُقيم المشروعُ من قبل الحركة الصهيونية، التي ظهرتْ في الغرب، ومثلتْ مستوىً دينياً واجتماعياً مغايراً لبقية اليهود في العالم، وخاصة اليهود الشرقيين، فسيطر ما يُسمى (الإشكناز) على مقاليد السلطة وغدوا طبقة مميزة تناهض أي قوة اجتماعية تحاول الصعود.
منذ البداية كان مشروع إسرائيل متضاداً فقد أقامه اليهود العلمانيون المفترضون، فهو مشروع ديني بقيادة رأسمالية غربية يهودية، علمانية، فظهرت دولة حديثة دينية معاً، فهي لا تنتمي للعلمانية ولا للدين، وهي خليط غريب بينهما.
إن النسيج الديني نفسه لا يقوم على دولة متوارثة ذات تقاليد متنامية، فلم تكن ثمة دولة، ولا تراكم تجربة سياسية حكومية، بل قامت على أحلام وذكريات امتدت لقرون مديدة، فكيف يتحقق نسيج ديني موحد بناء على تاريخ الشتات الطويل؟!
لو أن اليهود الشرقيين قادوا بناء الدولة لجاءت الدولة دولة شرقية متخلفة، لكن اليهود الغربيين قاموا بهذه العملية ونقلوا المشروعات الغربية إلى إسرائيل، وهذا كفل لهم كذلك ليس القيادة الروحية فحسب بل القيادتين الاقتصادية والسياسية.
ومع هذا فإن اليهود الغربيين العلمانيين والتحديثيين قليلو الارتباط بالتقاليد الدينية اليهودية الصارمة، مما خلق تضاداً عميقاً بينهم وبين اليهود الشرقيين المُبعدين عن السلطة والامتيازات الاقتصادية، فقام هؤلاء باستثارة التقاليد الدينية وتجذيرها في الدولة العلمانية المفترضة.
إن هذا الصراع الاجتماعي بين يهود الغرب ويهود الشرق ينعكسُ دينياً، بين شكلين من تبني اليهودية، أي بين يهودية تحديثية وبين يهودية تقليدية.
تناقضات العلمانية واليهودية عميقة، فقد تأسس النظام على أساس سلطة الحاخامات في تحديد من هو اليهودي، واشترطوا شروطاً صعبة ومن أهمها أن يكون اليهودي من أسرة يهودية، وعن طريق أم يهودية، وهو أمرٌ من الصعوبة تحقيقه، خاصة لليهود الشرقيين الذين كان الكثير منهم مسيحيين.
تحديد السكان وأصولهم، وجعل هذه الأصول هي المسيطرة سياسياً، يجعل الدولة دينية غير علمانية، في حين ان ماكينة عمل الدولة تعتمد على الانتخابات الحرة والأحزاب المتصارعة، وهي آلية غربية ديمقراطية.
إن هذه الشروط وطرق العمل السياسي الأساسية تجعل أحزاب الأشكيناز هي المسيطرة، لكنها تؤدي كذلك إلى ردود فعل الأحزاب الدينية الشرقية وتصاعد دورها، فظهر بين اليهود الشرقيين حزب (شاس) المؤثر الذي يمنع الأحزاب العلمانية من التفرد بالسلطة.
فلا يُعرف حقيقة هل إسرائيل دولة علمانية أم دينية، أهي شرقية أم غربية؟
لكن الثروة توحد القوى الرأسمالية فيها سواء أكانت تنتحب كثيراً عند جدار المبكى أم كانت لا تراه إلا في الصور.
ومع تجذرها الرأسمالي الكبير، وقد كان اليهود منذ زمن الكنعانيين رأسماليين في الشرق ثم في الغرب، فإن الصراع لا يدور عن توزيع الثروة فقط، بل أيضاً حول أنصبة الطوائف في حصص الحكم، والأمران يتداخلان ويعينان بعضهما بعضا، الثروة تقود للحكم والحكم يقوي الثروة.
هل تؤدي التقاليد الدينية القوية في الدولة إلى الرجوع للبنى الإقطاعية الشرقية؟
هذا غير ممكن، سواء بجذور اليهود التاريخية التجارية، أو بسبب تعاظم الدور الرأسمالي في دولة أقيمت على أساس صناعي غربي متطور، ولكن مع هذا فإن التقاليد الدينية وتدني مستويات اليهود القادمين من الشرق، تجعل الميراث المحافظ موجوداً بقوة، ويؤججه الصراعُ مع العرب خاصة.
إذاً فإن التناقض الأساسي في الدولة الإسرائيلية هو تناقض ديني بين اليهود الغربيين (الإشكيناز) واليهود الشرقيين (الإسفارديم).
ولماذا لا يحدث التناقض الطبقي هنا ويغدو هو محرك الحياة السياسية؟
هذا يعود إلى ان قيادتي الطائفتين قيادات في الطبقة الرأسمالية الحاكمة نفسها، لكن عبر مستويات اقتصادية واجتماعية متباينة، وبتقاليد مختلفة، تمثل المكونين الأساسيين للسكان، القادمين من الغرب، وللسكان القادمين من الشرق، وهما ذوا مستويين مختلفين رأسماليين، أي أن تطور الرأسمالية اليهودية في الغرب متطور عن مستوى الرأسمالية في الشرق.
ومع هذا فإن المستويين المختلفين اجتماعياً بدرجات معينة يشكلان اختلافات سياسية قوية، فتدخل في الصراع عوامل أخرى كاستثمار العمال في الانتخابات والاستفادة من التقاليد الدينية من أجل الوصول للكراسي على طريقة الجماعات الطائفية في العالم الإسلامي تماماً.
ومن هنا فإن العلمانية تتدمر مرة أخرى فتغدو الدولة دينية ليس على مستوى القمة الحاخامية فقط بل على مستوى القواعد السياسية، في حين ان الدولة صناعية.
وهذا أمرٌ يعود لطبيعة تشكيل الدولة القصير نسبياً، وزراعتها داخل غابة تراثية أسطورية، وعودتها للشرق جسماً وبقسمٍ كبيرٍ من السكان، فالقمة الصناعية رأسمالية متطورة والقاعدة شرقية تقليدية.
بل ان الأمر لا يقتصر على هذا، فوجودُ دولةٍ متغربة عن منطقتها وغازية على جسم سياسي لا يعود إليها، ويقوم هذا الغازي نفسه بغزو آخر يحتل فيه أراضي عربية جديدة، إن ذلك كله يعيده إلى تاريخ الاستعمار الغربي وطريقة الاحتلالات القديمة وهو ما يظهر في حركة الاستيطان.
(فيما تلعب حركة غوش أمونيم المتطرفة التي تعتبر أحد امتدادات الحاخام المتطرف مئير كهانا دورا عنصريا مميزا، وهي التي جندت الدين في خدمة الاستيطان، ولهذا فهي في صراع مع جميع الحكومات من أجل الحصول على امتيازاتها الخاصة في دعم المستوطنات والوجود الاستيطاني في الضفة والقطاع والقدس الشرقية.)، (من كتاب الهامشيون في إسرائيل، د. أسعد غانم).
وتمثل حركة الاستيطان استغلال الدين لغايات اقتصادية وسياسية واضحة، فالحركات الشرقية الدينية تقوم بإلهاب المشاعر الدينية من أجل أغراضها.
إن صراع العلمانية والحركة الدينية قديم في النشاط السياسي لليهود، ففي العصر الحديث وخاصة في أوروبا الغربية ومع هزيمة الأنظمة الإقطاعية الدينية المسيحية أخذت الطائفة اليهودية تطرحُ بقوةٍ على نفسها مسألة الهوية الدينية في عصر علماني غربي هائل؛ فإلى أين تتجه وماذا تكون في عصر الحداثة والاستعمار؟ وهو سؤالٌ مصيري تم طرحه في عقر دار الغرب المتوجه للسيطرة على العالم وحوز كنوزه، وكانت نتائج السؤال خطيرة جداً على وضع اليهود وعلى أمم أخرى لم يكن لها علاقة بذلك السؤال وذلك اللعاب السائل على الثروات، خاصة على اليهودي الشيلوكي الذي يتحين الفرصة للهبر من اللحم. ظهرَ إتجاهٌ علماني قوي في الجماعات اليهودية يطرح حلاً فردياً على كل يهودي؛ (كن يهودياً في بيتك وحداثياً علمانياً في العالم الخارجي).
وهو اتجاهٌ تنويري بين اليهود المثقفين، لكن لا يتطابق مع أوضاع اليهود عامة، فهناك ملايين من اليهود خارج هذه الأسئلة وتعيش عالماً تقليدياً سواء في الشرق أم الغرب. وهكذا فإن حركة علمانية تولدت عبر الثقافة الديمقراطية الغربية السائدة، راحت تدعو إلى العيش التحديثي في الغرب نفسه، وعدم الذوبان كذلك في علمانيته. وكان لها مرادفٌ ديني عند اليهود المتدينين الرافضين للدخول في السياسة والزج باليهود في مشروعات الاستعمار. لكن قوى أخرى تمثل اتجاهات متطرفة رأت ضرورة استمرار الحي اليهودي المنفصل (الجيتو) عن المدنية الغربية الرأسمالية المتطورة التي راحت تزيلُ الأحياءَ الدينية والمذهبية الخاصة، في كلٍ اجتماعي لا يعرف الهوية الدينية بل يعرف الهوية المواطنية، لكن الرأسماليات الغربية كذلك لم تـُزلْ جذورَ حكوماتها المسيحية بطبيعة الحال، وبهذا فإن مشروعات الغزو الاستعماري الغربية قوت الدينية التبشيرية والساحقة لشعوب العالم الثالث (الوثنية)! فكانت تلك العلمانية الغربية – اليهودية مبتورة وزائفة. كان هناك لقاءٌ غيرُ مقدسٍ بين ديانتين سماويتين وصارتا استعماريتين! وبهذا فإن الاتجاهات اليهودية المتطرفة وجدت في نمو الاستعمار قوة جديدة لتصاعد دورها، وخاصة أن بعض اليهود أسسوا شركات كبيرة، بحاجة للتوسع والمواد الخام والمستعمرات! هكذا التحمت حركة (التنوير) اليهودية بالحركة الصهيونية وشكلتا الجسمَ السياسي للأشكناز الذين يديرون الدولة العبرية، فلم يُعدْ اليهودي يهودياً فقط في بيته بل في شارعه ومستعمراته وأراضيه! إن قيادة هذه (الطائفة) بالمعنى السياسي للدولة كما تم توضيحه سابقاً، نقلت اليهودَ إلى مغامرةٍ سياسية عالمية محفوفة بالكثير من المخاطر على الشعوب وعلى اليهود أنفسهم، ولم تستطع أن تكون إسرائيل (جيتو) مناطقيا، منفصلا عن محيطها، ولم يستطع اليهود الغربيون أن يكونوا هم كل سكانها، فحدثت تلك التناقضات السكانية والسياسية المتعددة. فانتقلت السياسة اليهودية من محدودية الجيتو السياسية إلى الذيلية للسياسة الغربية (المسيحية)! وكلتا السياستين التوسعيتين قطعتا جذورهما بالديانتين كديانتين إنسانيتين مازال لهما هذا الطابع عند اتباعهما الذين لم يتلوثوا بجراثيم التوسع، وحتى في إسرائيل ظهر أناسٌ لم يشاركوا في صياغة وتنفيذ هذه السياسات، لكن أدخلوا في جوها وغـُسلت أدمغتهم بفعل عوامل كثيرة. فغدت حركة التنوير اليهودية ظلاماً يرفض أن يتغلغل لتحليل الدين وجذوره، ويكتشف في اليهود بشراً مثل غيرهم، فأحاطت بهم الأسلاك الشائكة الثقافية، وتفجرت حروبُ الاقتحام والاستعمار والاستغلال فعجزوا عن التنور والتماهي مع بقية البشر المسالمين حتى ظهرت حركة سلام إسرائيلية تعارض ذلك التاريخ الدامي. كذلك فإن اليهود الشرقيين الذين تعكزوا عليهم من أجل تضخيم العدد السكاني، جعلوهم في المرتبة السكانية الثانية، فالثالثة يحتلها العرب. ففيما يقيم رأسماليو الإشكناز في إسرائيل في المدن المتطورة ويحصلون على ظروف عيش باذخة، يعيشُ الكثيرُ من اليهود الشرقيين في ظروف الفقر والتمييز. (ويتعرض اليهود الشرقيون إلى محنة واضحة على الصعيد الاجتماعي أيضا، فهم معزولون في أحياء قذرة وفقيرة في إسرائيل، إذ يسكن الكثير منهم في مساكن العرب القديمة التي تم هجرها بسبب النكبة، في الوقت الذي يسكن فيه اليهود الأشكناز في أحياء جديدة راقية بعيدة عن أماكن القاذورات والمناطق الصناعية وفضلاتها، إضافة إلى فوارق في التعليم أيضا.)، (المصدر؛ الهامشيون في دولة إسرائيل). وعبر هذا الفقر والمحدودية الثقافية تستثمر قوى التطرف السياسي الإسرائيلي مثل هذه الأوضاع لخلق حركات يمينية متطرفة، كما ظهر حزب (ليكود) الذي هيمن على السياسة الإسرائيلية خلال سنوات عديدة، وهو أمرٌ يشاركهم فيه جيرانهم العرب كذلك. لقد تنامت الانقساماتُ العميقة في المجتمع الإسرائيلي بفضل سياسة السلام العربية واليهودية، والصراعات الداخلية بين القوى السياسية والدينية: (وهكذا عكست الخريطة السياسية والبرلمانية لأول مرة وبشكل جلي التعددية الإثنية والثقافية في المجتمع الإسرائيلي التي كبتتها الصهيونية لعقود طويلة، وحصرتها في ثلاثة اتجاهات رئيسية هي الصهيونية العمالية ويمثلها حزب العمل، والصهيونية المراجعة ويمثلها حزب الليكود، والصهيونية الدينية ويمثلها حزب المفدال. وكان سلوك هذه الأحزاب الإثنية قطاعيا لدرجة كبيرة، خاصة في أمور مثل اقتسام موازنة الدولة، والصراع على وزارة التعليم بين المتدينين والعلمانيين، والصراع على وزارة الداخلية بين «الروس» – كمهاجرين جدد يريدون تأكيد حقهم في المواطنة على أساس المشاركة في المصير- والمتدينين الأرثوذكس الذين يريدون تحديد هوية المواطن بناء على يهوديته التي يفتقر إليها «الروس».. وهو ما جعل قضايا الصراع الداخلي تحتدم بشدة حول أولويات اجتماعية وثقافية بدت للمحلل بصورة لم تكن بهذا الجلاء في وقت من الأوقات.) موقع إسلام أون لاين. وكما هيمن الاتجاهُ الغربي الإشكنازي السابق الذكر على ميلاد إسرائيل الصهيونية خلال نصف قرن فإن الاتجاهات غير الصهيونية أخذت تتصاعد بقوة لتبدأ تاريخ إسرائيل غير الصهيونية، فمنذ القديم كان هناك قسم من اليهود غير موافق على تشكيل دولة خاصة باليهود، ويعتبرها محرقة تقوم بجمع اليهود لإبادتهم، وهذا الخوف أو الوعي الإنساني، جعل هذا القسم يتعاون مع الحضور العربي الفلسطيني. وقد تكون هذه المخاوف نبوءة ما تجعل قسماً كبيراً من اليهود يتوجهون لسياسة السلام التي بدأت تؤتي ثمارها لولا التطرف المذهبي. كذلك كان اليهود الروس غير المعترف بديانتهم يتطرفون بالدفاع عن هذه اليهودية ولكنهم في عملهم السياسي ينسفون الصهيونية، بقيامهم بخلق مجتمع الإثنيات ذات المصالح المشتركة ويرفضون سيطرة يهود الغرب وعبرهم تم إلغاء تحكم حزبي العمل والليكود في إسرائيل لتظهر خريطة سياسة مختلفة تماماً. وعلى عكس الشائع المتصور فقد لعبتْ السياساتُ العربية القومية والدينية المتطرفة دورها في تقوية المجتمع الإسرائيلي وسياسة حكوماته التوسعية، فمنذ حرب التحرير البائسة سنة 1948حتى آخر الحروب كانت الكوارث تتالى على المجتمعات العربية، وكانت إسرائيل تمتن علاقاتها مع الغرب وتستجلب مساعداته وتعتبر نفسها أداته الحربية، لكن سياسة السلام العربية قلصت هامش المناورة هذا، وجعلت القوى الإسرائيلية تتصارع بقوة، وأوجدت جنين دولة فلسطينية لولا عودة سياسة التطرف الدينية مرة أخرى .
هناك صعوباتٌ شديدة في تشكل مواقف مشتركة للطبقات العاملة في كل من إسرائيل وفلسطين المتداخلتين، فالطبقة الحاكمة في إسرائيل تستغلُ كلاً من البلدين وجمهورهما العامل بضراوة. وفي إسرائيل فإن الطبقة الحاكمة المكونة من سياسيين من قوى علمانية ودينية ثرية تركز في سياسة السيطرة على الضفة وغزة وعدم استقلال فلسطين إلا بشروط مجحفة، فيما تستغل القوى العاملة في إسرائيل المكونة من يهود وعرب.
في حوار أجراه اليساريون العرب المغاربة مع عضو حزب شيوعي إسرائيلي من النمط التروتسكي، يقول: (لقد تغير المجتمع الإسرائيلي كثيرا جدا خلال السنوات الأخيرة. لقد مر وقتٌ كانت فيه إسرائيل قادرة على ضمان التشغيل الكامل وتحسين شروط عيش الشعب الساكن فيها. أما الآن فالبطالة تجاوزت نسبة 10%. الحكومة تعمل دائما على الاقتطاع من النفقات الاجتماعية. هاجمت أنظمة التقاعد، التعليم، الصحة وغيرها. وقد صرنا الآن نرى المتسولين في شوارع إسرائيل! والهوة بين الغني والفقير تتصاعد. إن إسرائيل مجتمع طبقي، مثلها مثل أي بلد آخر. توجد فيه طبقة عاملة، مكونة من اليهود ومن العرب. وتوجد فيه أيضا طبقة سائدة. وهناك صراع طبقي كما يظهر من خلال العديد من الإضرابات)، (حيفا، 18 يوليو 2006).
تحول الحكوماتُ الإسرائيلية المتعاقبة الوضع الفلسطيني وخاصة التطرف فيه لأداة سيطرة عسكرية واستغلال، وعبر الادعاء بكون الفلسطينيين يشكلون خطراً وجودياً على إسرائيل فقد تفاقمت النفقات العسكرية بشكل هائل واقتطعت من عيش الناس، وبهذا فقد غدا حل القضية الفلسطينية ومشاكلها لدى الجمهور الإسرائيلي قضية محورية في حياته وأيدت السياسة السلمية وضغطت في اتجاهها لكن ظهرت جهاتٌ عربية أخرى تواصل تبرير الميزانية العسكرية الخيالية باستمرار المواجهة العنيفة. يقول السياسي اليساري الإسرائيلي: ( إن المسألة القومية تعقد بشكل هائل مهمتنا هنا. فبينما الطبقة العاملة في إسرائيل طبقة مضطهدة من طرف طبقتها السائدة نفسها، فإن إسرائيل كدولة تضطهد شعباً بأسره، أي الشعب الفلسطيني. وطالما بقي الشعب الفلسطيني مضطهداً فإنه لن تكون هناك أي حرية حقيقية للعمال الإسرائيليين. إن النضال من أجل حقوق الشعب الفلسطيني هو جزء لا يتجزأ من نضال العمال الإسرائيليين من أجل تحررهم الخاص).
إن الأوضاع متداخلة بقوة بين فلسطين وإسرائيل، وأي نمو لنضال القوى العاملة في إسرائيل يتطلب التوحد مع نضال الشعب الفلسطيني، والخروج من دوامة الوعي الديني العنصري، في كلا الجانبين، ونجد أن قوى عديدة في الجانبين بدأت تتخذ مواقف عقلانية ومتقاربة، لكن القوى القومية والدينية المتطرفة لا تزال كذلك ذات حضور قوي وتمنع فريقي السلام من العمل المشترك. وإذا قامت القوى الديمقراطية في فلسطين بتطوير وعيها السلمي منذ الرئيس السابق ياسر عرفات ومواصلة أبومازن هذا الخط، فإن هناك ضعفاً كبيراً في الجانب الإسرائيلي لهذا التوجه بسبب ما قلناه من الإرث الشمولي الغائر في الحركة الصهيونية، وبسبب استغلال الجمهور العامل الإسرائيلي والفلسطيني، وخاصة في الجانب العربي لما يتم دفعه من أجور رخيصة لهؤلاء العمال قياساً حتى بالعمال الإسرائيليين، كذلك فإن بقاء التوتر بين الجانبين يجعل القوى المسيطرة العسكرية – الصناعية في قمة المجتمع متحالفة مع الحاخامات! لقد كان التصور الأساسي للمجتمع الإسرائيلي بأن يكون قاعدة سكانية عسكرية في حالة طوارئ مستمرة وعمالاً مفرغين من وعيهم العمالي الإنساني وخاضعين للحركة الصهيونية، وهذا يتطلب سياسة مواجهة دائمة، وإذا لم يوجد طرف يواجه إسرائيل فلا بد من خلقه وتوتيره حتى يندفع للمواجهة! كانت سياسة السلام مؤثرة ومزعجة للأوساط الإسرائيلية الحاكمة، ولهذا تكرست بقوة في سنوات المواجهة، والآن تقوم بمساعدتها القوى والأوساط الدينية والقومية العربية والإسلامية المتطرفة، وتعطيها المبررات لزيادة الإنفاق العسكري وطلب المساعدات وتصوير إسرائيل المحاصرة المخنوقة! ومن هنا فإسرائيل الحاكمة تعمل على بقاء الحد الأدنى من سياسة المواجهة المتوترة كذلك تقوم بالابتزاز في مفاوضات السلام، بحيث تكسب من الجانبين.
وهنا فكلما زادت الأطراف العربية في سياسة السلام ورفضت التنازلات المصيرية، وتوقفت عن سياسة العنف وحركت قوى السلام واليسار الإسرائيليتين فقدت تلك القوى الحاكمة الإسرائيلية أوراقها. خاصة ان هذه السياسة العدوانية الاستعمارية العتيقة تواجه برفض جمهور متسع من الأقليات اليهودية المضطهدة التي تريد العيش وزيادة دخولها بدلاً من أن تموت في حروب مستمرة لهذه الدولة – القاعدة العسكرية. فتبدل الطابع الصهيوني للدولة العنصرية وضخامة الوجود العربي فيها الذي يبلغ 16% من مجموع السكان داخل إسرائيل، أي حوالي مليون عربي، وتمرد اليهود الشرقيين واتساع رقعة اليسار الانتخابات وفي الوجود السياسي عامة. لقد كانت الأحزاب المعارضة في القسم العربي قليلة ولكن مع تزايد تأثير القوى المتشددة فقد ظهر الكثير من الأحزاب وقسمت الأصوات العربية.

كلُ شيءٍ يتغير إن التناقضَ هو أساسُ حياة البشر، وبدون تناقض يزول البشر.

المترحلون في الحداثة

عربٌ وعبريون، ساميون غامضون، جاءوا لمنطقةِ الشرقِ الأوسط في قديم الزمان، العرب نزلوا للبوادي الشاسعة وضاعوا فيها قروناً.

والعبريون توجهوا للحضارات الكبرى بين النيل والفرات، وصاروا سجناء الحضارتين، وكتبوا حلماً أن يملكوا من النيل إلى الفرات؛ حضارةٌ طردتهم وحضارة حبستهم.

العابرون المترحلون، البدو في عرقهم العميق، في هدمِ دولتِهم العابرة كتبوا كتاباً باقياً في الزمان على مرِ العصور، هو جوهرُ الحضارةِ الذي لم يصنعوه في العمارةِ والجند، نسجوا خيوطاً من قصصِ وسحرِ وأساطير وتقدم الحضارتين جعلتهم سادةً خرافيين على مدى الزمن، وكان الكتابُ مستعاراً.

لكن الذي أسسَّ التوراةَ هو الذهب، فهذه قبائلٌ توحدتْ برأسِ المال وهو طفلٌ جنينٌ في بطن أمه الرأسمالية الشرقية، في التشرد والضياع وإستغلال الشعوب وأسواطها التي تنزلُ على ظهر هذه القبائل المتمدنة، كان الذهب قوة ًوسيفاً بتاراً، ووراء الذهب كان العمل البشري المُستغَّل، لهذه الشعوب والأمم التي تعملُ وتنتجُ وتكتشف وتتصارع، مضيعةً ثرواتها في غمضة عين.

 الملوك والأمراء والرؤساء يتلاعبون بالثروات، ويبعثرونها على القصور والمحظيات وسماع المديح، واليهود يعيشون في أزقة نائية عن الصراعات البذخية الضارية، والجميع يحتاج إلى صبرهم وعملهم وخزنهم للمال. كانوا هم الملوكُ المتوارون وراء السراب السياسي للشعوب.

لم يشكلوا إمبراطوريات تحول جبالَ الذهب إلى ديون، بل حولوا الديونَ لجبالٍ من الذهب.

فيما كان أشقائهم العرب ينحدرون للبداوةِ ويعيشون فيها مخلدين. وفي ومضةِ الإسلامِ والنهضةِ طار العربُ بعضَ السنين فوق الصحارى، واستأجروا الشعوبَ لكي تعملَ عنهم، وشكلوا لحظات معرفية عظيمة منفصلة عن الصحراء ثم ما لبثوا أن صحروا المدن.

وكان الذهبُ يتسربُ لليهود المتوارين عن ظهور الخيل والعاملين في النقش وحك المعدنين الثمين والرخيص، والسير وراء الحرف والحريات الاقتصادية.

في العصر الحديث تواجه العربُ والعبرانيون بعدَ طول إفتراق، عدةُ آلافٍ من السنين لأبناءِ العم لم تُغيرْ لغتيهما الصارمتين الأسطوريتين المتقاربتين الموجودتين في الكتب المقدسة.

ولكن شتان بين حالٍ وحال.

حشودٌ هائلةٌ بين المشرقِ والمغرب، شعوبٌ كبيرة تواجه العبرانيين وقد تركوا الترحال وتخندقوا في دولة، ولم يتفقوا على عيشٍ مشترك، العبرانيون جاءوا فوق بوارج وطائرات وبنوك الأمم المتقدمة. إن أممَ الذهبِ إستوتْ أنظمةً وهيمنةً على الشعوب، والعربُ بقوا في صحاريهم وخنادقهم، وإنتُزعتْ أراضيهم وثرواتهم الشحيحة.

العبرانيون تجسدَّ فيهم تاريخُ العمل والعربُ تجسد فيهم تاريخُ الكسل.

رغم إحتفاظ العبراني بقداسةِ الإله والصلوات والأعياد المعقدة التركيب والمغرقة في الفذلكةِ العبادية، فقد كان شديد العملية، وقد عبرتْ أممُ الرأسماليةِ الغربية في عبادتِها الجامحةِ للنقود والإنتاج والهيمنة عن مكنونِ ذاتهِ العميقة الخالدة،

فيما العربي ضائعٌ، كسولٌ، خريجُ المقاهي والغرزات، يجمعُ شيئاً من المال ليبعثره على ملذاته أو يقدم الإحسانَ الوفير للأمم التي تنهبه، لا يزال مترحلاً غير مستقر، وطنه خيمة، وصندوق نقوده غيمة،

وجد العبراني دولةً يُظهرُ فيها عقدَهُ التاريخية، تاريخُ الذل الطويل يتحولُ إلى إذلال لأي شعبٍ يقعُ تحت قبضته، كما واصل الإنحناء لإله الرعود الباطش، وإستطاع بنفعية جبارة أن ينتزع الأرباح من ظهور الشعوب طوال أيام الأسبوع ويخصص السبت فقط لربه. 

إنه شعب الكيف ذي النوعية المتقدمة.

وهناك شعوب الكم الهائلة ولكن ذات النوعية المحدودة.

بلد صغير في مواجهة بلدان عدة غير قادرة على وقف رعونته.

وعي العربي السائد لا يُفكك، ينتظرُ الغيبَ يشتغلُ عنه، ولهذا يكثرُ من القراءات الدينية، والبدوي الكامن في روحه ينتظر الحديقة المليئة بالجواري والغذاء والمياه المتنوعة، وحوّلَ برميل النفط لبركة سباحة ورقد تحت الشجرة يعيد مواويل الرعاة.

إعتبر النفط غيباً، ونشر ديكورات وأكسسورات التدين، فإنتشرت دكاكينُ اللحى والبساط السحري والتمائم والجوامع، ورغم كل هذه الجهود الجبارة لم يستطع أن يلاحق العبراني الذي ليس لديه آبار نفط ولا مناجم حديد.

الثورة المحمدية

مؤسسُ ديانةٍ، وقائدُ ثورة
تكرُ العصورُ وأسمكَ نورٌ يغمرُ البشر، وليس ثمة نبيٌ ولا وصيٌ ولا ولي ضحى كما ضحيت، وعانى كما عانيت، وأبلى كما أبليت، ونقل أمته من الحضيض إلى شاهق القمم!
من استطاع أن يفعل مثلك، في ربع قرن حولت هؤلاء الفقراء الضائعين في بيداء التاريخ إلى حكماء وفلاسفة، وهادمو عروش راسخة على القهر، فبنوا حضارةً تمتدُ من الصحراء إلى القارات المسكونة وكادوا أن يمسكوا القمر ؟
من تحمل كل هذا الألم ؟ من خاض كل هذه الحروب وصاغ البيان وعلم الإنسان وإذا ارتجف الناس في حضرته قال إن أمه كانت امرأة عادية تأكل القديد ؟
من استطاع أن يقود مساكين الصحارى ليتملكوا الجنان، ويأخذهم إلى جهات العلوم، وينثر في أيديهم الفضة كما ينثر الحكمة، ويبقى هو في بيته البسيط وحتى همسه يغدو مسموعاً في الشارع ؟
ليس اللباس ولا الشعر ولا الصولجان من أخدته إلى العلى بل هذه الروح المتوثبة المشتعلة لهدم الاصنام ورموز العبادة البشرية الوضيعة ولهذه التجارة بالضلوع البشرية، وقدته لهذه الينابيع المتدفقة من التضحية والشجاعة التي تنتقل إلى الملايين كالكهرباء فتفجرُ طاقاتها وتوزع محطات نورها عبر العصور!
وهذه الثقافة العميقة العريقة وهذا التجميع المدهش لقوى البشر المتضادة الممزقة، وتحويلها إلى سيل بناءٍ، وهذا الصدر المفتوح لكل نأمة بشرية، ولكل خلجةٍ إنسانية ولكل وجعٍ فلا يضيق ولا يهدأ..
وامتد عذابك إلي أسرتك، وراح لصوص التراث والحكم، يسرقون ثمار ثورتك، ويحملوننا وزر عذاب أهلك، فامتد حيطُ الدم إلى نحورنا وعروقنا وضمائرنا، وليس لنا إلا أن نناضل ضد رموز الشر والاستغلال لنسترد كرامة النبوة والأسرة النبيلة!
فى عظمتك الباقية عبر العصور نستلهمُ حرفاً أو كلمة، لعلنا نضيءٌ كهفاً، وقد أطبقت علينا الظلماتُ، وصرنا أسرى لأناس سرقوا تراثك، وأناس كرهوا سيرتك، أولئك حبسوا ماضينا، وهؤلاء اعتقلوا حاضرنا، وليس لنا سوى المستقبل نوحدُ فيه صفوفنا علنا نتحرر ونفجر نهضة عظمي كما فعلت..
سُرقت كنوزنا حتى اصحبنا عرايا بين الأمم، وتماثيلنا ونفطنا وأرضنا مباعة بأرخص الأثمان، يأكلون من أكتافنا ويضحكون على تراثنا، وهذه الملايين قادرة أن تصنع شيئاً جديداً للإنسانية رغم أن عرافى الكذب اجتمعوا على نفى خصوبتها ودورها التاريخي..
وليس بيننا رجلٌ أو امرأة يرتفعُ إلى ظلٍ من قامتك فيوحدُ الملايين الجاهزة لكل تضحية، والرموز الشاحبة انحشرت في ثقوب الحصالات والتبعية والطوائف رافضةٍ التوحيد الذي أعلنته مبدأُ، وكرسوا التفريقَ وباعوا كل شيء من أجل فللهم وقصورهم وخزائن طوائفهم ووضعوا ملياراتنا المسروقة في شركات الإغارة على مخيماتنا وارواحنا وأكواخنا..
لكن الملايين تصعد للمعرفة والاكتشاف، وتنخرط في المصهر الثوري المحمدي الإنساني الكوني، تكتشف علاقاتها بالجمهور الفقير المستعبد، أصل الطاقة المولدة لكل ثورة، وتحول خموله ومعاناته إلى نشاط وعلم وفلسفة، مثلما حولت عظمتك عماراً وبلالاً قادةٍ كباراً..
نمضى على حبك، ونستلهم سيرتك، ونمشي على خطى ثورتك، ونفصل مؤقتاً الديانة عن الثورة، لنوحدهما في تكوبنٍ جديد، يكرس الديانة كحياة اجتماعية، ويعمق الثورة كنظامٍ سياسي ليصهر مجموعات المسلمين والعرب في تكوين حديث يقفز إلى ذرى الحداثة والعلوم والنهضة كما فعلت وفجرت طاقة هذه الأمم وعبرت بالإنسانية صحارى كبرى!

الثورة المحمدية والإقطاع الدينى
تشكلت الثورة المحمدية على أرضية شعبية بدوية لا تعرف مؤسسات الكهنوت، ولم يسبق للعرب أن شكلوا مؤسسات دينية متوحدة مع قوى القهر والاستغلال، إلا بشكل هلامي وضبابي عبر دور مكة المقدس، والتى كانت تحتفي بأصنام القبائل العربية، وبدأ كهنوتٌ غامض يظهر في بني هاشم ماعتبارهم أهل الرفادة وسقاية الحجيج والاعتناء بالكعبة.
ولكن هذه المؤسسة الدينية لم تتبلور في شكل سياسى متوحد مع الدولة حدث لم يكن ثمة دولة، ولا مؤسساتها المنظمة من جيش وشرطة، إلا إذا كان الأحابيش وهم قوة عسكرية صغيرة لدى ملأ قريش يمثلون أهمية وسط القبائل المسلحة.
ولهذا حين ظهر الإسلام تخوف من تحول بعض المؤمنين إلى رجال دين، يتحولون إلى مؤسسة دينية على طريقة اليهود والمسيحيين، ومن هنا كان شعار «لا كهنوت فى الإسلام» واضحاً قوياً حتى أن عهد الخلفاء الراشدين وعصر السلف كلاهما مرا ولم تتشكل فيهما مؤسسة دينية، وحتى التعليم الديني والفتاوى والأحكام والقضاء كانت تُجرى دون أن تكون ضمن مؤسسة دينية، ودون مقابل مادى، ورفض السلف تسميات رجال دين أو فقهاء.
بطبيعة الحال غمر العربُ والمسلمون الصحابةَ والسلف في الأمصار بالهدايا، والحب، وهناك من القلة من استغل هذا العطف والاهتمام إلى إثراء، وأخذ جانب من الدينيين يحولُ المعرفةَ الإسلامية إلى رأس مال، وتداخل هذا الاتجاه المصلحى مع نمو أجهزة الدولتين الأموية ثم العباسية، وأخذ الفقه المعارض المرتكز على بحث المال العام وحرية المسلمين والعدالة يتحول إلى فقهٍ موال يتجنب القضايا الكبرى.
ورغم القمع الفظيع والمجازر فإن المجاهدين لأجل توزيع المال العام على الناس، لم ينقطعوا، وتحولت دعواتهم إلى فرق فكرية سياسية، مما جعل الدول توسع دوائر مشاركة رجال الدين في غنائم الاستغلال، وتطارد من يفتى ضدها. لكن حتى هذه الفرق الفكرية السياسية لم تنجُ من الاضطهاد والشراء لضعاف النفوس من داخلها، فأخذت تتحول إلى فرق تنوير فكرية خالية من النضال السياسي الجماهيري، وعجزت عن تطوير أدواتها الفكرية لكشف أوضاع الإمبراطورية القائمة على استغلال الفلاحين والعبيد والناس عامة.
وقد سيطرت الأشكال الدينية المفرغة من المضامين النضالية و المساواتية للفترة الأولى على المناخ الفكري الديني، وغدت أسر الأشراف تحول هذه المادة الدينية إلى وسائل للوثوب إلى السلطة، والنزاع مع القوى السياسية الأخرى.
تحولت أشكال الفقه السياسي للقوى المسيطرة إلى مذاهب كبرى، وقامت بتفتيت المسلمين إلى قوى متنابذة، كما تحولت هذه المذاهب إلى أشكال لصراع الأمم البازغة فى المناخ الديني العام، مثلما كان الصراع بين الأتراك والفرس في إيران على الحكم خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين، لكنه تجسد من خلال صراع المذاهب السنية والإمامية المختلفة.
هكذا دخلت هذه الأشكال الدينية إلى حيز الوجود الاجتماعي اليومي للمسلمين متحولة إلى مؤسسات مهيمنة، تفرض حضورها المطلق على قضايا الحياة الاجتماعية، أي في ميادين العلاقات الأسرية خاصة وطرق التفكير والأحوال الشخصية، حيث أن الدول لم تسمح لها بالوثوب إلى السلطة، وكان هناك تداخل بين المسيطرين على الثروة العامة من حكام ورجال دين.
لم تستطع هذه المؤسسات التي تمازجت والقوى التقليدية المالية والعقارية أن ترى الإسلام التأسيسي كثورة نهضوية وذات قوانين تحالفية مع الفقراء لتشكيل عالم حر، أي قامت بنزع المضمون، وغيبت المسار التاريخي، والدلالات الاجتماعية والسياسية في سبيل الهيمنة.

الثورة المحمدية والديمقراطية المعاصرة
اعتبرت التحولات العربية الإسلامية في القرن الأول الهجري باعتبارها إما نموذجاً سياسياً مطلقاً، وإما أنها لا تصلح كنموذج للتطور السياسي الراهن، والذين يأخذونها كنموذج مطلق لا يعنون أنها ثورة نهضوية، بل يأخذونها كرسالة دينية غيبية مطلقة، وبالتالي يقومون بتجاوز مضمونها السياسي والاجتماعي التحويلي لمجتمع
التخلف والتفكك السابق .
وهذا يعود لانبثاق منطلقاتهم الايديولوجية عن عصر تال على هذه الثورة، وليس بسبب قراءة الظروف السياسية، التي شكلت ديمقراطية مباشرة بين القيادة النهضوية والجمهور الشعبي، حيث لم تكن هناك فترة كافية لترسيخ الدولة، وكذلك بسبب تمازج مهماتها التحويلية للجزيرة العربية بالتصدي للهيمنة الأجنبية على المشرق.
وكان النموذج السياسي القوي في التجربة العربية لا يرتفع عن دور دار الندوة، أو عن الرياسة القرشية التي توجهت للاستبداد، وعن المشيخة القبائلية التي كانت تتخلى تدريجياً عن ديمقراطيتها المباشرة، والذي تمظهر ذلك في ظهور الملوك في بعض القبائل العربية الكبيرة كقبيلة كندة، والتي كان التحالف مع الأجنبي متضمناً في غور تجربتها السياسية كما فعل أمرؤ القيس حين استعان بالروم بعد الثورة ضد طغيان أبيه.
وقد اعتمد الإسلام في تجربته الاجتماعية على التراث العربي السابق، في مجالات كثيرة، ولأن هذا التراث لم يفرز حكماً شعبياً، يمكن أن يرفد المرحلة النبوية النهضوية التحولية، في مخاضها الشعبي والحربي في تغيير الكيان التقليدي المفكك والدموي السابق، فلم تظهر تجربة سياسية انتخابية.
ولكن نستطيع أن نرى بعض البذور الديمقراطية الشعبية في هذه التجربة، عبر عدم تشكل جهاز قمع عسكري موجه ضد الناس، حيث كانت القبائل المنضمة للإسلام هي التي تكون هذا الجهاز.
ومن هنا كان إنشاء الأجهزة المحلية في حكم المناطق، لم يحدث عبر صدامات حادة، بل كان أهالي المنطقة العرب ينضمون للوالي الإسلامي، ويشكلون إدارة محلية، صارت بعد بضع سنوات قليلة قواعد لحرب الفتوح.
وكذلك كان عام الفتوح بلقاءاته المباشرة ومكاشفاته يعبر عن هذه البساطة في تكون السلطة، التي جاءت كتتويج للتقاليد الديمقراطية القبلية الغائرة، والتي إزاحتها الأرستقراطية القبلية المتنامية في الحياة الاجتماعية السابقة.
ولكن من جهة أخرى فإن هذه التقاليد الديمقراطية، التي تركزت على العلاقة المنفتحة والودية والمباشر؛ بين القائد والجمهور، لم تتشكل في مؤسسات، ولم يحولها الخلفاءُ فيما بعد إلى مجلس عام للقبائل؛ لكون عملية الانتخاب غير مقرة لديهم، فالانتخاب عملية مضادة للطابع القبلي، فالقبائل عادةً يمثلها شيوخها، ولا يمكن أن تجري فيها عملية تفكك اجتماعي وسياسي.
ومن هنا نقول بأن تجربة المدينتين النهضويتين اللتين قادتا الثورة، جرتا عبر إلحاق هذه القبائل، عمق الامتداد الشعبي للمدن، بجسم الأحداث المتصاعدة وبالتحويلات الاجتماعية، ولم تكن لديهما فرصة طويلة لتشكيل مدن كاملة الحداثة.
وسرعان ما انقطع التطور بالاندفاع نحو الفتوحات، التي قوت زعماء القبائل والفئات الميسورة بشكل أكبر من القوى الفقيرة، والتي لم يكن لديها مؤسسات.
وإذا كانت الفئات التجارية المكية القرشية التي قادت هذه الثورة، تعتمد أساساً على رأس المال التجاري، فإن هذا الرأس المال قد تكون بفائض هذه القبائل الفقيرة الرعوية، ومناطق الإنتاج الحرفية المحدودة، ومن خلال السوق الكبرى في الشام وفارس، التي تحكمت فيها الدول العظمى في ذلك الوقت .
ولهذا من المستحيل أن يتشكل رأس مال صناعي في ذلك الزمن، رغم أن الإقطاع لم يظهر بعد، ولا تزال الفئات الوسطى هي المسيطرة على الأفق التاريخي.
إن الثورة الاجتماعية الإسلامية إذن تمت بقيادة فئات تجارية طليعية وعبر مدنية حديثة بالنسبة للقبائل والرعاة، وهذا هو المناخ الاجتماعي التاريخي الذي سمح بحدوث عمليات ديمقراطية سياسية واجتماعية كبيرة، لكنها لم تتبلور بهياكل سياسية منتخبة.
وحين تم الانتقال إلى الأقطار الشمالية ذات الإرث العبودي المُعمّم، القائمة على الأنظمة الاستبدادية العريقة، فإن التراث الديمقراطي الشعبي سيبقى لفترة وجيزة، وبعدئذ سنرى المعارك الكبيرة لانتقال السلطة إلى الأشراف، إلى الأرستقراطية، التي كانت مضطرة للحفاظ على الإرث المحمدي شكلاً وتغييبه مضمونياً، عوضاً عن تطوير آلياته الشعبية الجنينية. أما الفرق المعارضة فستناضل للإبقاء على ذلك الإرث، ولكن مع القمع المتواصل وتشكيل الفضاء السياسي والثقافي من خلال وعي الأشراف، فإن القوى المعارضة ذاتها ستلتحق بعالم الأشراف الفكري، والسياسي، وستعجز عن العودة إلى تقاليد الثورة الشعبية السابقة والمتكونة في عالم اجتماعي وتاريخي مغاير.
وتعطي التطورات الاجتماعية والسياسية المعاصرة بعثاً لتلك التقاليد المضمرة دائماً في اللاوعي السياسي العربي، والتي يشوشها الإرسالُ الأرستقراطي، فتغدو تقاليد التجار الأحرار القرشيين مضمرة في تقاليد الديمقراطية الغربية المعاصرة، باعتبارها التتويج الذي حصل على امتداده التاريخي، ولكن في حاضنة غير عربية، وهي حاضنة الصناعة والتقنية والعلوم التي طورت رأس المال ليزيل العوائق الإقطاعية والتقليدية.
ومن هنا تغدو هذه الثمار الغربية، أدوات عربية إسلامية، لتجلية ذلك المضمون الشعبي الديمقراطي العربي القديم، والذي تكدس فوقه تراب القوى اللاديمقراطية على مر العصور السابقة، ولكن هذا التراب هو المؤثر الأساسي، في تشكيل وعي الجمهور العربي، وبناء التقاليد الاجتماعية الراهنة.
وهنا تحدث العملية المعاكسة لفعل القوى المحافظة على مر التاريخ السابق، عبر كشف تغييبها للتقاليد الديمقراطية الشعبية، واستغلالها للثروتين المادية والدينية من أجل خلق عوالم شمولية أبدية، جعلت الفرد العربي والمسلم خارج الفعل التاريخي.
إن الفقه السياسي الديمقراطي لا بد أن يعاضده فقهٌ ديمقراطي اجتماعي، يربط العلاقات بين الجانبين، ويبحث في مدى مشروعية الفقه التقليدي، ومن أين تشكلت أصوله الحقيقية، ودور الحواضن الشمولية في إنتاج وعي معاد لتطور الأمة.
فظهور الديمقراطيات السياسية العامة من برلمان وانتخاب ليس هو إلا الإطار للتغيرات العميقة التي تحفر في بنى العائلة والقبيلة والدولة والجماعات المختلفة، وما دامت هذه البنى الاجتماعية ذات أسس شمولية فلن يكون للتغيرات السياسية العامة تأثيرات بعيدة المدى. حيث هيمنت تقاليد الأشراف التقليدين لا تقاليد التجار المكيين النهضويين.
إن التغيرات التي جرت في الثورة الإسلامية التأسيسية ستجد الآن بعضاً من فضائها المفقود في التاريخ السابق، فالملكية العامة التي وُضعت من أجل (الأمة) ستعاد الآن، والملكية الخاصة الإنتاجية الموزعة والمنتشرة يكثر نموها، ومن هذين الجانبين تجري خلخلة لتقاليد الهيمنة الشمولية على كافة المستويات، وهذا ما يسمح بتطور فقه ديمقراطي تجديدي حديث، يجمع بين الجوانب المشرقة والإيجابية في الإرث السابق، وإنجازات الحداثة التي لا تمسخ شخصية الأفراد وتطورهم الفكري المستقل.

جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

الفكرة ونارها

الفكرة ونارها
لا يمكنك أن تلغي الفكرة بالإجراء، بالموقف الإداري، أو حتى بالعصا!
الفكرة تقاومها فكرة، والكلمة تدحضها كلمة.
في العالم التقليدي الدينار يكبر الرؤوس والسياط تشل الألسنة، والكهوف تقوي الأبصار، ولهذا فإن جرجرة الصحف والكتاب للقضاء ومراكز الشرطة لن يفت في عضد الكلمة بل سيغمر أصحاب الدعاوى بالعار. الكلمة تنمو بالجدل، واحتكاك الكلمات وتصادم الأفكار يولد شرارات المعرفة.
ألا ترى صحفاً في العالم الشرقي المتكلس هي عبارة عن نشرة واحدة؟
ولم تحدث هذه الصحف عقلاً بل جهلاً وتصادماً وانهيارات؟
لقد تداخلت قوى التخلف والمحافظة خلال عقود لشل الكلمة وتحنيطها، وملء صفوفها بالمبتذل والسطحي، وبالتالي تجميد المجتمعات عن التطور.
مرت عقود منذ أن نشأت الصحافة البحرينية نشأة متفردة ترتقي إلى مستوى هام للصحافة العربية، فكانت سياسة وأدباً وتحقيقات عميقة وتشكيلاً لرموز ثقافية وطنية كبيرة كتاباً يصنعون كتباً في شتى الآداب والفنون لا معقوين بالكاد يفكون الخط.
ولهذا فقد ماتت كل الأفكار لأن الفكرة لا تستيقظ إلا بخلافها، والمطبوعة لا تتجلى بدون منافسها.
أما أن كل كلمة تستدعي ناطوراً، وكل مطبوعة تقف خلف سطورها كشافات الاستادات الرياضية فهي تغدو معوقة ونزيلة مستشفى عظام.
أما أن تتزايد القوى الأهلية التي تراقب الكلمة وتطاردها وتتفاقم تدخلاتها فهذا دليل على ضعف فكري لغوي سياسي، فلن يغير الفكرة الأجراء الإداري، أو الخطب العصماء في المؤسسات الأهلية الدينية التي كان ينبغي أن تنتج مثقفين ومبدعين ومتغلغلين في الثقافة العربية.
الفكرة شرارة تتغذى بالفكرة وتغدو ثقافة وعلوماً وحضارة، أما العصا فهي تصنع المستنقعات.

الفكر والحرية
لا يستطيع الفكر أن يكون خصباً بدون أن ينموعبر الحرية، وقد أدت الشموليات التي تحكمت في إنتاج الفكر العربي إلى أن يكون مقيداً، قليل الحفر في عالمه رغم ضخامة ما يتراءى من كتب كثيفة الورق قليلة المعنى.
إن أسر الفكر العربي في التشكيلة التقليدية كان هو الأسر الكبير الخفي لعرقلة نمو هذا الفكر باتجاه تحليل الأبنية الاجتماعية الراهنة. وعلى الرغم من إدعاء العديد من الكتاب بأنهم شكلوا كشوفاً، أو أنهم تجاوزوا المعطيات الفكرية الماضية والراهنة، فإن السؤال المركزي بتحليل البنية الاجتماعية العربية السائدة لم يطرحوه.
هناك اما قفزات إلى الإمام عبر توهم تحقيق الاشتراكية أو توهم تحقيق الليبرالية عبر نموذجها المنجز الغربي، أو توهم تحقيق الإسلام. تعبر الأوهام الثلاثة الرئيسية، عن توجه ممثلي الفئات الوسطى العربية المختلفة، إلى إنتاج نظام خيالي لا يدور إلا في أدمغتهم.
وإنتاج الأوهام بهذه الطريقة يعني أولاً عدم القدرة على تحليل البنية الاجتماعية الراهنة، فهو هروب اما إلى الخلف عبر النموذج الديني وإما الهروب إلى المستقبل عبر النموذجين الغربي والاشتراكي.
كذلك فإن إنتاج الأوهام بهذا الشكل هو ثانياً تعبير عن انتقائية وانتهازية الفئات الوسطى، لكي تتماشى مع القوى السائدة، المتعددة، في مستويات البنية العربية التقليدية.
فالدينيون يدافعون عن البناء التقليدي في هذه البنية سواء كان سياسياً أم اجتماعياً، وإذا حدث صراع واختلاف فهو في المستوى السياسي، كأن يعملوا من أجل تغيير القيادة السياسية وليس البناء الاجتماعي العتيق . فيغدو الصراع هنا ليس لتغيير البنية الاجتماعية ولكن لتغيير الإدارة فيها، أو الحصول على نصيب من الإدارة فيها.
أما الليبراليون فيعملون على تغيير بعض الحريات أو توسيعها في النظام التقليدي، ولهذا فإنهم لا يطرحون النظام التقليدي نفسه على مشرحة التحليل، وهذه الطريقة تفيد الفئات المرتبطة برأس المال الذي نما في النظام التقليدي، ومن هنا يغدو طرحها توظيفياً انتقائياً، حسب المكاسب المترتبة على هذا الطرح في المدى القريب . أي أنها لا ترى خطورة الطرح القصير النظر على تأسيس وتجذير الليبرالية.
أما الوعي الاشتراكي القديم عموماً في المنطقة، فهو يصر على اعتبار النظام التقليدي الراهن نظاماً رأسمالياً طارحاً الخيار الاشتراكي، وهي عملية تقود الوعي الاشتراكي إلى الانتهازية والانتقائية، والالتحاق بالفئات الذيلية للنظام التقليدي على تنوعها. ولهذا لا يجب أن نندهش لتحول البعض إلى الفاشية والطائفية الخ..
أي أن طرح النظام الديمقراطي الحديث الحر على كافة مستويات البنية الاجتماعية، يواجه من قبل القوى التقليدية بأشكال شديدة التنوع. ولهذا فإن الاصطفافات السياسية والصراعات الفكرية تعبر لدى ممثلي الفئات الوسطى المختلفة، عن عدم القدرة على إنتاج الوعي الحديث بشكل عميق وواسع، ومن هنا فإن الفكر لا يستطيع أن ينمو وأن يتجاوز المقالة السياسية والخاطرة الفكرية المحدودة الرؤية.
إن الفكر كي يشكل بناءه العميق يحتاج إلى الغوص في تحليل البنية ورؤية أسباب عجز النظام التقليدي عن إنتاج الحرية، والتحاق الفئات الوسطى المنتجة عادة للوعي، بهذا النظام. فالدينيون التقليديون حين يرفضون الديمقراطية الشاملة فهذا تعبير عن شمولية غائرة في وعيهم، أي أن مقولات الإسلام والألوهية والنبوة والمعجزات والظاهرات التاريخية المختلفة الخ.. لا يستطيعون أن يفهموها بشكل حديث، وهذا الأسر في زنازين الماضي لا ينتج حريةً. أي أنهم لا يستطيعون أن يحرروا المسلمين وهم معتقلون في التاريخ العتيق. كذلك فإن الفرق الأخرى معتقلة في جهات غربية أو شرقية، ولتتحرر تحتاج إلى إنتاج فكري عميق، يقوم بممارسة نقد جذري للحياة، ولهذا فإن الفئات الوسطى بدون تحالفها أو تعاونها مع الجمهور العامل بشكل مشترك لإزالة النظام التقليدي، لا تستطيع أن تحرر نفسها.

الإنتاجُ الفكري وضياعُهُ
مثل أي إنتاج لا بد له من مادة الحياة، أي من مواد حقيقية، لكن ليس من مطاط وجلود ومياه بل من مشاعر وأفكار وتحليلات إبداعية.
ومثل الإنتاج المادي الإنتاج الثقافي ينحرف، ويصب في أسواق ناضبة من المشترين، ويتورم في إنتاج هزيل رغم المظاهر الخارجية الفاتنة والدعاية الخلابة.
الإنتاج الحقيقي والعميق والمتصل بجذور حالات الإنسان وقضاياه لا يجد له سوقاً مزدهرة؛ لأن المشترين يعيشون هم كذلك في حالات من الغربة والضياع عن الإنتاج الوطني، مهمشون أو فائضون عن الحاجة في أجهزة دول متضخمة في الثانوي، محدودة فيما هو جوهري وغائبة عما هو تصنيعي وتحويلي للتخلف، تشكل استقطابات بين الغنى والفقر، بين المدينة والقرية، بين المادة والثقافة.
ولهذا هم يتراكضون نحو هامشيات الحياة، نحو الماديات التي تهترئ، نحو أوقات التسلية المضيعة للعقل، وتصاب الروحيات بالجفاف واللامبالاة والهامشية واليأس والأحزان والأفراح الفارغة والضياع.
غياب الإنتاجيات الحقيقية في أي بلد يدفعه للأزمات، الذهب يذهب إلى الخارج، والعملة الوطنية تترنح وتتضخم أوراقها وتقل قيمتها، ويتكاثر الوسطاءُ البيروقراطيون الحكوميون وتجار العملة والأجهزة والخدم والتضخم.
في أزمنة الكفاح يجد المنتجون الثقافيون أنفسهم في حالة خصب إبداعي، فهنا توازن بين تحليل الحياة ومعرفة عناصر إنتاجها وقوى تغييرها، ووجود قراء ومشاهدين مشاركين يعتبرون هذا الإنتاج جزءًا من وجودهم الجماعي، ويغدو الشاعر صوت (القبيلة) الحديثة بنضالها ومآسيها وأفراحها، ويغدو القاص كاشفاً للنقاط السلبية والإيجابية في الناس والحياة، يقيم جدل التغيير، يحس القراء أنه بينهم، يراقبهم، يشاركهم، ينفعل بما يحدث لهم، يكشف لهم ما لم يروه، يساعدهم على التطور، يغذونه هم أيضاً بملاحظاتهم، ينفعلون لأخطائه، يصوبون صوره.
ويمكن أن يطير الإنتاج الثقافي نحو التجارب والابتكارات ليكشف مناطق جديدة، ودائماً هناك مشكلة القفزة عن مستوى المتلقين، فقد يتغربُ الإنتاجُ الثقافي، ويعجزُ الناسُ عن فهمه، ويعجز المنتجُ عن الوصول إلى المستهلكين، مثل مواد الإنتاج المادي من فواكه وأزهار وحرير، قد تؤخذ للحريق، ويتم أعدامها من أجل أن يبقى مستوى الأسعار عالياً رغم أن المنتج الثقافي بحاجة إلى أبسط أدوات العيش.
ويمكن كذلك أن يصير الإنتاج الثقافي منحرفاً عن طبيعته، طبيعة التلاقي البشري، وطبيعة التأثير وخلق الجمال في الحياة، فيصيرُ أمراضاً بدلاً من علاج وسمو ومتعة ونضال مشترك. الجمال في الثقافة يصبح القبح في الحياة الاجتماعية!
هنا تزدهر الأشكال الخارجية التي لا ترتبط بحقل منتج، تطلق أشباحاً تسبب الأمراض.
أغلب النقد لا يريد أن يتفاعل مع معارك الحياة، النقاد أغلبهم أساتذة جامعات وموظفون، يتطلعون إلى تحسين مستوى عيشهم وإلى الارتفاع في أجهزة الدول، ولهذا هم يبتكرون النقد الذي لا يكشف الصراعات الاجتماعية، والسياسية، والذي لا يتوغل في أمراض البشر، ويُنزلون على النصوص هياكلَ خارجية تفضي بهم إلى عدم قراءة الواقع ومصائبه ومشاركة الناس التغيير.
مثل ذلك مثل وعي الجامعات العام لا يقيم جدلاً مع البناء الإنتاجي ولا يكشف الهدر الاقتصادي فيه، فلا يريد أن يتعرض هنا لمساءلة الجهات المتحكمة في هذا الإنتاج المادي.
ومع عقم الثقافة يزدهر الجدب والمظاهر الخارجية الخلابة المحدودة المضامين، وتكثر الاستعراضات، والمنتج الذي فقد العلاقة مع الواقع، والذي لا يعني أن يركب «باصاً» ليدون ملاحظاته على التذاكر، بل أن يكشف المشكلات العميقة في الحياة، أي الأزمات الداخلية غير المرئية التي تحيل حياتهم حروباً وفقراً أو بذخاً على حساب المنتجين.
عقم الثقافة يتجسد في صعود التضخمات الروحانية والاستعراضات الصوفية وفي تفاقم كم الإنتاج على حساب كيفه أو غيابه تماماً وهو أمر يعكس فقدان الروح بسبب المادة وتوسع حبسها، ويؤدي لتيبس الكلمة، وعدم ارتعاشاتها بالصراع والتطورات وبالفضح والسخريات وتنوع أشكالها وغياب تجريبيتها النوعية المتغلغلة في حياة الجمهور ودينه وواقعه، في تأمله المفارق ومستنقعات حياته المغمورة بالدماء.
يغدو الإنتاجُ عاقراً حين يكون مرتبطاً بجهات عليا فاسدة أو بمصالح ذاتية متورمة، صادراً عن كليشيهات مسبقة، معدومة التحليلات الموضوعية، وعن فورمات ينتجها أقطاب المذهب، الديني أو السياسي أو الأدبي، أو الفني، أو تحدث بسبب متابعة الموضات المفيدة تجارياً، والتي يتلبسُ بها ادعاءات العملقة والابتكارات المذهلة وهي خاوية.
موجات الثقافة السياسية والأدبية المتصاعدة المتراكمة النمو تتعلق بمدى جرأتها في تحليل الواقع ونقده، وهو الشرط الحاسم في بقاء الكلام أو اندثاره، فإذا تلكأت أو تراجعت يتضح ذلك في النتاج المتكرر العقيم.
ولعل التطرف ومحدودية الثقافة وعدم القراءة الواسعة هي التي تجعل الكتاب والمبدعين ينضبون من دون أن تتفتق عقولهم عن ابتكاراتٍ ومواقف وتجسيدات ذات ذكاء تجمع بين تأصلهم واستفاداتهم من نتاجهم ومن ارتفاع مكانتهم.
وهذا يحدث حين يجدون صيغاً ذكية، فيها الطموحات الشخصية والالتزام بتعرية الواقع الفاسد، والابتكارات الفنية التي تغدو ذات شعبية.

المفكرُ والتحولات
(إن مستوى المفكر إنما تقررهُ قدراتُهُ على ولوجِ مسائل زمنه ورفعها لمستوى التجريد بهذه الدرجة أو تلك مرتكزاً على موقف الطبقة التي ينتمي إليها).
(الاشتراكيات القومية) حطمتْ الفكرَ العربي على مدى العقود السابقة والآن(الرأسماليات الدينية) تجهزُ على البقيةِ الباقية من هذا الفكر.
والفكر المقصود هنا هو عموم ما تنتجه الطبقات الحديثية من فهم للعصر بفضل إختلافها.
الاشتراكياتُ قامتْ على عملقةِ الدولة وتذويب المواطن وسحقه بحيث لم يعد هناك سوى مُحطمين. والمفكرون الأحرار الذين ظهرَ بصيصٌ منهم في مرحلة الليبرالية الديمقراطية الوامضة إختفوا.
لا بد لنا هنا من تأملِ صعود أولئك المفكرين العصاميين الذين كانوا يُقترون على أنفسهم ليشتروا الكتب، ويحصلوا على مواقع في الجرائد ليكتبوا وينوروا ويهتموا بقيم الحداثة. ألم يكونوا خلفاً لأسلافهم(البخلاء) في العصر العباسي، يقتصدون في العيش ليكتبوا؟
لم يربطوا أنفسهم ب(الرعاع) وهم الجزء من الناس المستخدم للتصفيق والسير وراء الشمولياتِ المفترسةِ للفكر، وبحثوا عن المواطنين الأحرار ليخاطبوهم الند للند، وليشكلوا فئات وسطى وعمالية صغيرة متنورة.
لكن زمن الشموليات القومية والدينية كان يصعد في سماء الشرق الملبدة بالغيوم الاجتماعية، وعلى عكس ما أَمِلوا وتمنوا فإن الرعاعَ هم الذين صعدوا وإنتشروا وسيطروا!
الاشتراكيات القومية ليست إشتراكيات وليست قومية، وقد قفز إليها نمطٌ من الرعاع ذوي ملابس براقة وبدوا كأنهم أبناء لفئات محترمة، لكنهم التهموا المؤسسات والأموال العامة، وما فعلهُ المنورون لوصول التنوير والصلابة الأخلاقية والتعفف عن التهالك على المال والغنائم إلى الفئات المتعلمة(فهم لم يطمعوا ولم يفكروا أساساً بالوصول للعامة التي لا تقرأ)، لم يتجذر ولم يؤسس ديمقراطية شعبية بل جاء الاشتراكيون القوميون لينشروا تلك الرذائل وعبادات الأفراد وغدت الجريمة السياسية أساس الحكم حيث ينتشر التعذيب وتُكمم الأفواه وتكتمل دورة سحل الفرد وإهدار كرامته.
الاشتراكية القومية نتاجات للنمطين النازي والستاليني وغدت مسوخاً متعددة متداخلة مع تقاليد العنف العربية في شتى الأقطار.
ومن هنا نجد أن الأدبَ في زمن الاشتراكيات القومية وهو مُفعم بالذل، فإغلبُهُ عن السجون وكيف يُمسخُ الفرد، و(الأبطال) هاربون متوارون ووجوههم الشجاعة مطلمسة، وفهم الواقع محدود معدوم.
الصحافة التي كان يمكن التعويل عليها في نقدِ هذا الواقع المزري هي مشتراةٌ من قبل (الرعاع) الذين تنظفوا وأغتنوا وصاروا أصحاب مؤسسات وخلايا سرطانية تتغلغلُ في المجتمعات العربية ثم صارت في مرحلة لاحقة صحفاً مهاجرة وفضائيات وغيرها.
الجامعات التي كان ينبغي أن يكون همها الأكبر هو إنتاج الفكر الحر غدت مكبلةً بالدراسات المؤدلجة لتبرير الاشتراكية القومية، والأنظمة الوطنية الشمولية المختلفة، حيث يظهر رعاعٌ من نوع آخر مهتم بنزع قوى البحث عن الموضوعية والتحليل العميق الكلي، وكشف الصراعات الاجتماعيات والفكرية ومساراتها وتداخلاتها ومخاطر تغييب درسها على تطور الأمة.
القومية الاشتراكية غدت عربية فكل الأنظمة صارتْ تؤممُ المالَ الشعبي والجهلَ الشعبي لحسابها، ولهذا فإنجازاتُ السحل والانتهازية وشخصية المثقف العضوي الطفيلي في الأجسام السياسية الاجتماعية الفاسدة غدت ظاهرات عربية.
غدا الفكر مشوهاً مرتزقاً لا يحلل كليات المجتمعات والطبقات والتحولات، بل يلتقط خيطاً معزولاً، ويركب عليه إستناجاته المسبقة، وتغدو الأوامر السياسية فوق الفلسفة والمفكر الحر صار موظفاً، والجامعات شُغلتْ في خدمة جلب المناهج القادرة على تشويه البحوث وتوجيهها سياسياً وبيروقراطياً، ولهذا فإن معاول الاشتراكية القومية الوطنية من المحيط إلى الخليج حرثت الأرض جيداً للمثقف الديني الشمولي ذروة التلاعب بالمقدس وتغييب درس تاريخ البشر السابقين بموضوعية، فبدلاتُ الأنظمة والحركات الذكورية هي التي تُركب على جسد القضايا وحالات العالم، وما كان المنورون يسعون لنقده وتغييره غدا هو المهيمن.
فبداية القرن العشرين المبشرة تحولت في نهايته إلى عتمةٍ في آخره. أفكارُ الحريةِ والتحليل الموضوعي الذي لا يحسب حساباً إلا لمادته وتطور بحثه وقامات المنورين الشاهقة تبدلت كلها لكائنات متقزمة تركضُ وراء الرغيف المغموس بالذل وقادة الفكر صاروا موظفين مؤدلجين لكل ما تريدهُ السلطات والأحزاب ولا عجب هنا أن يظهر أناسٌ يعودون للكهوف ويرفضون الحضارة(الكافرة) ويموتون في سبيل أوهام ويعتبرون أبطالاً من قبل البعض رغم عودتهم للكهوف والأطلال ورفضهم للأنوار!

الصراعاتُ الفكريةُ بدلاً من التغيير
التكتلاتُ الاجتماعيةُ الكبيرة تعكس قوى التاريخ والطبقات، لكنها تؤُخذُ بشكلٍ ايديولوجي.
الإقطاعُ (القوى الدينية)، والرأسماليةُ الفردية (الليبرالية) والاشتراكيةُ (العمال)، قوى في حالاتِ نزاعٍ محتدمة لتأكيد مواقعها السياسية في الدول الجديدة.
ولكن هذه القوى ليست مجردة صافية بل متداخلة ويسودُ الوعي الشعاري فيها والمصالحُ الخاصة ولكن تكثر الجماعات المختلطة وتضيع القضايا التنموية الحاسمة في هذه المرحلة الانتقالية.
إن تكوينَ أنظمةٍ رأسمالية ديمقراطية صافية واضحة مسألة صعبة، لأن مختلف القوى تطرح غموضا اجتماعيا، وتعيش على الشعارات والأفكار والعبادات المستثمرة في الصراعات السياسية.
القوى الإقطاعية التي تتمظهر في القوى الدينية المحافظة والجامدة والعسكرية والبيروقراطية هذه لا تريد تحولات في فهمها المتكلس للنصوص ولقواعد السلطة ولا تريد تغيير طبيعة المجتمعات العربية التقليدية.
هناك قوى دينية تعبر عن فئات وسطى رأسمالية تريد تحولات حديثة من دون أن تمس الدين، والدين مصطلح عام من الممكن أدلجته وتفسيره حسب مستويات مصالح هذه القوى، ولهذا تظهر تحالفاتٌ بين القوى الدينية الجامدة وشبه الليبرالية مما يعبر عن الرغبة في الهيمنة على السلطات أكثر من تطوير حياة الناس.
هذا نموذجٌ يختصرُ ما يجري للدائرتين التاليتين الليبرالية والاشتراكية، ولكن ما يحدث هو صعود الرأسمالية بجناحها المنتصر وهو الرأسمالية الخاصة بمؤثراتٍ مذهبية كبيرة، وانتصارُ الرأسمالية لا يعني سوى تزايد الصراعات الاجتماعية وزيادة تراكم الثروات عند أناس معينين وليس كل الناس.
ما يحدث لا علاقة له بالأخلاق والمُثل إلا في شكلها السياسي المجرد، أي ليس هو انتصارُ مملكةِ العدالة والحق والعقل وبقية التعبيرات المجردة الخيالية لقوى التنوير الغربي المثالي في القرن الثامن عشر، بل ما يتحقق هو رأسماليةٌ صرفةٌ متخلفة، ليست فيها قوى إنتاج متطورة، ولا ثقافة متطورة، ولا تنوير طويل، ولا ديقراطية راسخة.
ما نأمله فقط أن تكون متطورة بعض التطور الاقتصادي السياسي المفيد لكل السكان.
إن هذه الرأسمالية الصرفة الديمقراطية العلمانية هي أفضل الشرور، وأقل الخسائر الممكنة، وتتجنب الأوهامَ التي تعششُ في الكثير من العقول باعتبار ان مملكة الحق قد ظهرت، وأن أمام المجتمعات الثائرة تاريخاً من السعادة الطويلة.
أي أن مجتمعا سياسيا يطرح منذ البداية هدفه التنموي وتطوير القوى المنتجة البشرية والمادية وإزالة العراقيل أمامها هو أفضل من الدخول في الصراعات السياسية لأسبابٍ فكرية، أو يبني قصوراً من الرمال الاجتماعية على أراض لم تُحرث بعد للتغيير العميق الديمقراطي.
إن التيارات تطرح مستويات تاريخها وتجربتها، فهناك تخلف في فهم الدين يعبر عن إبقاء العلاقات الإقطاعية التقليدية في مُلكيات الأرض والعقارات وشكل السلطة وبناء العائلة، والتحكم في الثقافة.
وهي لها جذورٌ كبيرةٌ في وعي الناس مما يؤدي إلى الصراعات حول القديم وليس حول الدخول في المستقبل والتحديث.
أو في الدفع برأسماليةٍ استهلاكية فوضوية تؤدي إلى تخبط الأسواق وتدمير قوى الإنتاج الباقية التي عصفتْ بها الرأسمالياتُ الحكومية الشمولية السابقة، عبر قوى رأسمالية سياسية بلا تجربة تخطيطية مستقبلية وتمثل قطاعات المضاربة بالإنتاج واستغلال الفرص في الحكم.
والخيار الثالث الاشتراكي هو تفجر المغامرات الاجتماعية الشعبية نظراً لتبخر الأحلام والوعود الكاذبة لقوى المال والدين بحيث تتحول هذه المغامرات لثورات دامية.
الربيع لابد أن يعقبه خريف، هذا جدلُ التاريخ، وليس هو رومانسية الوعي التي تحيلُ مظهرا طبيعيا لجنة أرضية أبدية لا تتبدل فيها الفصول، ومن هنا يجب درس كيف سيأتي الخريف أعبر هجوم صاعق أم بتطور طبيعي؟
والخريف قادم لا محالة لأن هذه القوى الاجتماعية الثورية المتحدة في زمن لابد ان تتباين مصالحها في زمن آخر، وهي منذ الآن لا تريد أن تكرس تحالفها بشكلٍ دستوري، أو في شكل برامجي مرحلي، بل ان كل قوة تريد أن تستفيد من الأصوات لتفكيرها القوي في الكراسي والنفوذ والامتيازات.
إن نوعيات الساسة والمعبرين الخطابيين للثورات يعيشون في اليومي السياسي، ولم يطرحوا صراع التشكيلات المحتدم وكيفية الوصول إلى الحد الأدنى من التفاهم بين طبقات الثورة.
حين يأتي الخريف مكتسحاً بذور الربيع تضيع الانجازات، ولهذا فإن قوى وسط عميقة تنجح في التنمية الشعبية الواسعة والديمقراطية يمكن أن تمثل استمرار البذور الربيعية، وتجدد سلطتها من دون الحاجة إلى العكاكيز والخداع والقهر.

عدم التطور الفكري وأسبابه
كانوا واعدين بإمكانية تطور فكرية ولكنهم توقفوا ونكصوا للوراء!
هذه معضلة ملازمة للتطور الفكري الذي يتطلب نشاطاً مستمراً وعقلية ديناميكية لا تتوقف عن البحث والتساؤل، وغير مرتبطة بعوائق اجتماعية تمنعها من البحث والتفتح والنقد والإضافة!
قد تعود هذه العوائق إلى عادات شخصية تتوقف تدريجياً عن المتابعة وتعب البحث وتركن للكسل والتوقف والتقطع عن العادات الأولى العملية، وكثيراً ما يكون هذا التوقف مرتبطاً بموقف الذات من نفسها، وتصور بأن ما قدمته فيه الكثير، وأن ما فعلته كان جهداً (خارقاً).
وقد يقود هذا إلى الركون للسهولة في الإنتاج، وعدم خط طرق أخرى، والتوجه إلى وسائل وسبل بحث جديدة، وعدم طرح أفكار مختلفة، وهي مسألة تقود إذا لم تدرس ويتم تجاوزها عبر البحث والقراءة، إلى التوقف عن التطور والركون للوراء، وبالتالي تصبح المادة الفكرية ناضبة من الحيوية ومن الجدية يوماً بعد يوم.
وقد تتشكل عوائق موضوعية لعدم التطور إضافة للجوانب الذاتية السابقة، وهي ارتباط عدم التطور هذا بعوائق إيديولوجية وسياسية، فمهما كان نشاط المنتج أو الباحث أو المثقف فإن هذا النشاط يصطدم بالمحيط الذي يعمل فيه هذا المنتج، فإذا كرر نفس الخطاب خوفاً من الجماعة أو من العائلة أو الهيئة السياسية فإن التراجع للوراء وتدهور الوعي هنا مسألة وقت.
وتقوم الجماعة المتخلفة أو المحافظة بعرقلة تطور أفرادها النشطين نظراً لتلك الإيديولوجية المتوقفة عن التطور والمكرورة على مر السنين، إذا لم تكن في الجماعة أدوات الحوار والبحث الكفيلة بتشجيع الأفراد على التطور والتساؤل، وتنشيط إيديولوجية الجماعة في سبيل فهم أفضل لنفسها، وبهدف استيعاب تغيرات الواقع والتأثير بشكل أفضل على الناس.
وعلى مدى ارتباط هذه الإيديولوجية بأصحاب النفوذ والاتجاهات المندمجة في الدول الجامدة، يتعلق الأمر بتطور الجماعة والأفراد، فهناك جماعات ربطت وجودها بدول في متحجرة في كل الخطوط الفكرية والسياسية، ولم تقم مسافة من الانفصال وخلق حرية ذاتية في العلاقة بالمذهب أو بالأيديولوجية أو بالفكرة الأصلية للجماعة.
وأحياناً تتعلق العوائق بمشكلات ذاتية في الجماعة، بوجود مسيطرين متخلفين عن التطور لا يريدون لأحد تجاوزهم، فحتى الإيديولوجية أو المذهب، فيه إمكانيات للتطور والبحث، ولكن المستوى الوطني أو الإقليمي للفكرة وعملية إنتاجها، مستوى متخلف، بسبب عدم وجود قوى فكر واسعة، أو منابر بحث حرة، وكثافة سيطرة المتخلفين والأميين مما يجعل الفكرة متخلفة حتى عن نظائرها في الدول الأخرى، أو الجماعات المماثلة في مجتمعات مشابهة.
ولهذا نجد الإنشائية غالباً أو الارتداد للوراء، أو تراجع الإنتاج وتدهوره، أو الذهاب لحقول سهلة، ويحدث تناقض حاد بين مجتمعات بدأت تنفض عن نفسها عباءات الغبار وتنطلق فيها عمليات التغيير، في حين أن العقول الثقافية في حالة جمود أو نكوص.
هنا نجد الإيديولوجيات السائدة الشمولية غالباً ما تلعب الدور الأساسي في عدم تطور النشطاء، فهي تخاف من تغييرات في صفوفها حتى لا تفقد مكانتها السياسية، لكن عدم التطور من شأنه أن يضاعف خسائرها السياسية على المدى البعيد.
وعدم التطور الفكري ينعكس على مجالات النشاطات الفكرية والأدبية والفنية والعملية المختلفة، ففي حالة الجمود نجد غياب تلك المعالجات الجديدة وعدم التلاقح مع الواقع بزخمه المتجدد، وانتشار التفتت وجمود الإنتاج الثقافي وعدم بروز تجارب خلاقة الخ..
إن الدكتاتورية في ذات الإنسان أو في جماعته أو مجتمعه هي التي تلعب دور الإعاقة في التطور الفكري.

وحدة فكر النهضة
طرح مشروع التغيير في العراق مسألة أي فكر يهيمن على البلاد ويقودها في مشروعه السياسي .
وقد رأينا نماذج من التناقض الحاد بين التطرف العلماني والتطرف الديني وكل منهما يسعى للتحكم المطلق في الخريطة السياسية والدينية المنوعة .
بدأت القصة حين اندفعت الجماعات الدينية المتطرفة في منع الخمور والهجوم على محلات بيعها وحرق هذه المحلات، وما تسبب ذلك من إزهاق أرواح واعتقال هؤلاء الحارقين، وثمة أناس يعتبرونهم أبطالاً وثمة أناس يعتبرونهم مجرمين، لكن القانون يأخذ مجراه ويعتقل هؤلاء وتنطلق القضية بغض النظر عن الحيثيات الدينية!
وهنا يعمل الفقه المحافظ المنتج في قرون سيطرة الإقطاع الديني على تحويل أية قضية شرعية إلى رافعة ضد التطور والحداثة، سواء كانت قضية خمور أو قضية تحرر نساء أو قضايا حقوق شخصية وممارسات جنسية حرة أو قضية فقراء، مستهدفاً في ذلك الوصول إلى السلطة السياسية المطلقة، إذا وجد إليها سبيلاً، وإذا لم يجد اكتفى بحضوره الكبير فى السلطة الاجتماعية، أي الهيمنة على الحياة اليومية للمؤمنين به. أو أنه يعمل بكافة السبل العسكرية أو السياسية الانتخابية المجيشة بهدير ديني تحريضي طائفي، للوصول إلى السلطة، وتحقيق برنامجه السياسي في هيمنة الملالي المنتمين لمذهبه على الحكم.
ومن الجهة المعاكسة يسعى بعض الفكر العلماني المتطرف إلى تبرير أي جانب من الحقوق الشخصية والحريات، واعتبار الإسلام هو العائق الأكبر أمام تطور وحرية المنطقة!
تقوم الديمقراطية العربية الراهنة المزعومة على استمرار النظام الطائفي الإقطاعي العربي القديم، بدون المناقشة في أن هذا النظام لا يمكن أن ينتج ديمقراطية حقيقية، تعتبر الانعطافة الديمقراطية المنشودة !
أي أن وجود دولة طائفية تهمين على الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية لا يمكن إلا أن يشكل معارضة طائفية مضادة، ولا سبيل لخلق ديمقراطية سوى بتجاوز الكتلتين : كتلة الدولة الطائفية، وكتلة المعارضة الطائفية!
ومن خلال الكتلتين تتشكل فسيفساء سياسية كاذبة في أغلب تلاوينها، فالقوى السياسية المقتربة من الدولة الطائفية تشكل معارضة ديمقراطية ترفض طائفية الدولة واحتكارها للسلطات، وهنا تتنطع هذه القوى في عرض ليبرالية مجردة كاذبة، أي أنها تركز في خطابها على مهاجمة طائفيي المعارضة، لا طائفية الدولة، أي لا تقوم بتحليل موضوعي ينقد كافة الطائفيين سواء الحكوميين والموالين للحكومة أو المعارضين، بل هي تقوم بعملية انتقاء انتهازية، وذلك بأن تعرض خطابات مجردة أو مقطوعة السياق وغير شاملة ودقيقة، وذلك بفرض إشاعة وعي تابع للسلطة الطائفية، التي تقوم بعرض جوانب ليبرالية جزئية من عملها ونشاطها، متغاضية عن الجوانب السيئة، بغرض تبييض صفحتها والدعاية لنهجها السياسي، أو على الأقل إبعاد موظفين وشرائح معينة من سيطرة خطاب المعارضة الطائفي المناوئ.
هذه لقطة صغيرة من الديمقراطية العربية الراهنة !
وفي الجهة المقابلة تركز المعارضة الطائفية على إخفاء طابع معارضتها الطائفي، أي إخفاء هويتها السياسية التي تعني وصولها إلى الحكم، وقلع حكم الطائفة الأخرى، كما يصور لها وعيها السياسي الطائفي.
فهي لا ترى قسمات اجتماعية أو وجود صراع اجتماعي بين الكتلة الساحقة من المواطنين المنتمين لهذا القطر العربي أو ذاك، وبين الكتلة الصغيرة من كبار الملاك وأصحاب الأموال والشركات المهيمنة على جهاز الدولة، وعبره شكلت ثرواتها.
إن الوعي الطائفي المعارض عادة يقوم بتمويه طابع المعركة الاجتماعي، وإخفاء دلالاتها الطبقية، وانعكاساتها السياسية، فيظهر معارضته كما لو كانت هي دفاع عن كل المواطنين، وكما لو كانت هذه المعارضة ستشكل سلطة أخرى غير طائفية، في حين إن المضمون الداخلي الغائر والظاهر يوضح انها جماعة طائفية أخرى، لا تختلف عن طابع السلطة الطائفي !
إذن فلو استمرت هذه العملية وجاءت الطائفة المعارضة للحكم، فإن التغيير سوف يجري في الشكل، أي أن كبار المهيمنون على الطائفة الأخرى هم الذين سيصلون إلى الحكم وبالتالي فإنهم سيمتلكون الشركات والمال العام، وفي حالة كونهم رجال دين فإنهم سوف يمتلكون ثروة البلاد وثروة السماء معاً !
ومن المؤكد إن الليبراليين التابعين للدولة، أي للطائفية الرسمية المسيطرة، أي لوجه الحكم الإقطاعي بوجهه السياسي، لديهم حق في نقد خطاب رجال الدين الشمولي، ولكن هذا الخطاب الديني الشمولي ليس حكراً على رجال الدين الطائفيين المعارضين أو الموالين، بل هو جزءٌ أساسي من خطاب الدولة الطائفية !
فالدولة العربية وغير العربية الدينية تقوم على أساس طائفي، وسواء كانت سنية أم شيعية أم مسيحية، أم شافعية، أم زيدية، أم مالكية الخ.. فإنها تقيم سيطرة المذهب، الذي هو تعبير أيديولوجي عن سيطرة الإقطاع السياسي/ الديني .
أي أن المذهب الإسلامي المعني، لا يمثل حقيقةً كل الطائفة الإسلامية، المفترض أنها هي التي في السلطة بحكم أن المذهب الرسمي للدولة يمثلها، لأن المذهب الرسمي هنا مجرد شكل، خالٍ من التمثيل السياسي للطائفة المعنية التي يقال بأنها هي التي تحكم !
فلو افترضنا جدلاً بأن الطائفة السنية هي التي تحكم في العراق يحكم أن المذهب الرسمي المعتمد في كل الدولة العراقية يقوم على المذهب السني. ولكن أي تحليل بسيط يبين خرافة هذا الوهم الإيديولوجي، في الطائفة السنية لا تحكم العراق، لا من الناحية المذهبية ولا من الناحية السياسية !
فالأحكام الشرعية المتعددة بين المذاهب ليس بينها أي فوارق فكرية أو سياسية جوهرية تقلب كيان المجتمع قلباً اجتماعياً جوهرياً شاملاً، بل هي اختلافات بسيطة حول الوضوء والإرث والصلاة الخ.. أي أن تكريس الدولة العراقية للمذهب السني في المحاكم والحياة العامة، مجرد تكريس لبعض جوانب عبادية شكلية لا تختلف نوعياً عن الممارسات الشيعية والإسماعيلية والزيدية الخ..
أي أن الفروق بين المذاهب الإسلامية مجرد فوارق شكلية، ليس فيها مثلاً اشتراط أن يكون الحاكم منتخباً بالاقتراع السري ! أو من بينها مثلاً أن يكون الحاكم من الكادحين أو من طبقة الصناعيين أو أن تقطع يد الحاكم في حالة السرقة !
وبهذا فإن الحكومات المذهبية المتعاقبة في العالم الإسلامي، لم تكن تجري تغيرات جوهرية ونوعية في حكمها ساعة تبدلاتها الكثيرة والدموية في أكثر الأحيان!
فنحن لا نلحظ تغييراً حين أعقب العباسيون الإماميون الأمويين الانتهازيين الدينيين، أو حين جاء الإسماعيليون لحكم مصر وأطاحوا بالخلافة العباسية، أو حين أطاح صلاح الدين بهم وأقام الدولة على المذاهب السنية، أو حين أطاح الإثناعشرية بالحكم المغولي أو التركي السني ! أو حين صار أهل شمال افريقيا مالكية بعد أن كانوا من الخوارج، وربما كان هذا يعبر عن خضوعهم للسلطة القاسية أكثر من اقتناعهم بالمالكية !
لم يشهد العالم الإسلامي في تحولات الحكومات المذهبية أي تغيير، فأختكِ مثلكِ، لأن الملاك الكبار، الحائزين على الثروات، هم الذين يستبدلون الكراسي، وهم الذين ينعمون بالامتيازات، ولم نجد حين استولى صلاح الدين وأطاح بالإسماعيلية بأن كادحاً مصرياً سنياً حصل على أرض، أو أن الفاتح الكبير والمحرر الكبير قد غير من طبيعة استغلال الفلاحين السنة أو المسيحيين، الذين لم تتغير عليهم كميات الخراج ولا سياط الملتزمين !
ولم نر ان الإثناعشرية حين حُكم باسمها في إيران أيام الدولة الصفوية أو أيام الجمهورية الإسلامية الحالية قد غيرت من وضع الفقراء والفلاحين ولا يزال هؤلاء مستغلين منهوبين للدولة والاقطاع الدنيوي والديني ممنوعين من الإصلاح الزراعي الذي حتى الشاه الراحل قام بتطبيق جزء منه!
فلم يستطع الفرد الشيعي سواء كان في الحكم الطائفي أو المعارضه الطائفية أن يحكم، أو حتى يقترب من السلطة، التي ظلت لأصحاب الملايين والمليارات حالياً!
إذن فإن الحكومات العربية وغير العربية الدينية التي تحكم باسم المذاهب والطوائف لا تمثل حتى الطوائف التي تزعم تمثيلها، وكذلك فإن المعارضات الطائفية التي تزعم تمثيل الطوائف هي لا تمثل الطوائف!
والأمر بسيط لأن الطائفية دكتاتورية !
والأمر يعود أيضاً لهذه الأدلجة التي تمت للمذاهب، ولعمليات تسييسها ولإخفاء مضامينها، عبر السيطرة المستمرة لكبار المتنفذين والأغنياء والمتسلطين عليها، والذين قاموا بشكلنتها، أي بجعلها شكليةً، متمحورة في الأشكال العبادية التي عملوا على تركيز الاختلاف فيها، والمحافظة على هذه الاختلافات بغرض إبقاء سيطرتهم السياسية والاقتصادية على جماهير المسلمين العاملة، واستمرار استغلالهم لها، وإبقائها في ظروف الفقر والعوز والتخلف والفرقة والعداء!
إذن أمام قوى المسلمين المختلفين المنهوبين المستغلين المبعدين دائماً عن الحكم الحقيقي، أن ينسحبوا من عباءات التسييس المذهبي ويتوحدوا!
إن التسييس المذهبي هو دكتاتورية، لأنه رفض لوجود الفقراء والمستغلين، لأنه رفض لكيانهم الاجتماعي المستقل، رفض لوجودهم كقوى اجتماعية مختلفة عن الأغنياء المتحكمين في الطوائف كلها !
فلماذا يخافون أن يتوحد الفقراء سنةً وشيعة ومعتزلة وزيوداً ودروزاً ومسيحيين وعلمانيين وليبراليين وماركسيين ؟
لماذا يشكلنون المذاهب ويجعلونها أشكالاً تخفي سيطرتهم المالية على الأراضي والبنوك والمال العام، ولا يريدون لفقراء المسلمين وعامليهم وفئاتهم التجارية البسيطة أن تتوحد وتدافع عن حقوقها وعن أوضاعها السيئة في الأجور والسكن والصحة والتعليم؟
إن هذا بسبب أن الكثير من المثقفين المسيسين تابعين لمثل هذا الوعي الطائفي الطبقي التابع للكبار .
لماذا جعلوا أقوال الأئمة شكلانية ووسائل بهدف سيطرتهم على البساتين والأسهم والعقارات ؟
لماذا لا يحررون الأئمة من هذه السيطرة ويطرحون برامجهم السياسية والاقتصادية بشكل مكشوف ودون تستر بالمقدس ؟
لماذا لا يجتمعون في طبقة مالكة من شتى المذاهب تطرح برنامجها الاقتصادي والاجتماعي الذي يحفظ ويوضح مصالحها وحتى أن تجذب الناس المختلفين اجتماعياً من خلاله ؟ !
لماذا يزعمون أنهم يتعاركون على الدين والمذاهب وهم يتعاركون على المصالح والكراسي ؟ !
هذا يتطلب نهضويين وديمقراطيين ينبثقون من شتى المذاهب ويؤسسون حركات ديمقراطية عميقة تقوم على هذه الأسس الفكرية!
حركات تقوم بإبعاد المذاهب عن هذا الاستخدام السيئ للمذاهب وتجمع الفرقاء الاجتماعيين كلٌ وأهدافه دون تستر براية مذهبية أو بسلطة طائفية !

جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

السحرية والعقلانية الدينيتان

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

ارتبطتْ التحولاتُ الدينيةُ الأولى بالأشكال السحرية الثقافية المختلفة للشعوب، فكان لا يمكن أن تتشكلَ عملياتُ تحولٍ بدون الاعتمادِ على السحر كأكبرِ قوةٍ ثقافية في التاريخ القديم، وجاءت الأديانُ لترتفع عن هذا المستوى دون قطع العلاقة معها.
لقد جعلت الأديانُ عملياتِ التحولِ الاجتماعية والسياسية مرتبطةً بالآلهة والسماء وإنتزعتْ السلطات من السحرة، المعبرين عن فسيسفاءِ الأرضِ الاجتماعية السياسية الممزقة، وعن موادِ الخبرة البشرية المحدودة، وعلى الغموض الفكري واللغات الرمزية الإحيائية غير الدقيقة.
مثلّتْ الأديانُ ثورات، وتشكلت في إثرها الدولُ الكبيرة والأمبراطوريات، وتنامت العلوم الطبيعية خاصة.
وواجهت الدول الدينية إشكاليات الاعتماد على الزراعة والحرف وهي قوى إنتاج محدودة تظلُ مرتبطة بغيب، ولم تستطع العلوم أن تصل لفهم السببيات العميقة للمادة، أما السببيات المُفكِّكة لتطور المجتمعات فكانت أكثر غياباً. اليونانيون شكلوا أقصى تطور للعقلانية في العالم القديم، بسبب هذه المدن التجارية الحِرفية غيرِ الاستبدادية لكن أرجهلم كانت في عالم العبيد الضيق الذي خنقهم فيما بعد.
في الدول – المدن كان يمكن للتجارة أن تتطور بشكل كبير، وبالتالي فإن الحرفَ إزدهرت، وإزدهارُ الحرفِ يعني إزدهار العلوم الطبيعية، حيث تُخضعُ السلعُ والموادُ المختلفة للفحص ولمعرفةِ كياناتها ولإمكانيات السيطرة عليها وإخضاعها لقوى العمل والعلم البشرية.
هذا يعني إزدهار المعامل والتجارب وظهور العلماء، ويمكننا أن نرى المدنَ العربيةَ الإسلامية التي إزدهرتْ بالتجارة والحرف والزراعة، وهي تشكلُ فئاتٍ من العلماء الدينيين العقلانيين، ويمكنُ معرفةَ حرفِهم من إسمائِهم: النظَّام والخراز والإسكافي الخ.
إن الفئات الوسطى الصغيرة وهي تعملُ في الحرف تشتغلُ في المعرفةِ كذلك، وتنأى بالدينِ عن السحرية، وعن الغيبياتِ، وتروحُ تكتشفُ السببيات القريبة، وتتوغلُ في فهمِ جسد الإنسان والحيوانات والطبيعة، عبرَ الإمكانياتِ التي أتاحتها قوى العمل والفحص، لكن المنظارَ المكبر والتلسكوب وغيرهما من الأدوات لم تُكتشفا، فنأت الموادُ المجهريةُ والكواكب والنجوم عن الإنكشاف للعقل.
إن سدَّ هذه الثغرات المعرفية كان يعني بقاءَ الطبيعةِ مصنوعة، وعدم رؤية الكون كعملياتٍ تحوليةٍ مستمرة، فظلت الطبيعةُ مخلوقةً، وتقوم القوى الغيبيةُ بتشكيلها. وقد تجاوز أرسطو هذه المسألة بقرون عبر رؤية العالم ما تحت القمر وهو خاضعٌ كلياً للسببية، وهو ما تبناه ابن رشد، وصارت(الرشدية) من القوى المُغيرة لأروبا العصور الوسطى ثم عادت إلينا على شكلٍ أكثر تطوراً بأسم العقلانية الأوربية.
إن إمكانية المتكلمين الإسلاميين، وهم المتفلسفون الدينيون، للوصول إلى هذا المستوى اليوناني كانت محدودة. وكان العالمُ الإسلامي يطرحُ مسائلَ أكثر خطورةً من الماضي، من أجل مقاربة ثورة صناعية – علمية، لكن عجزَ المتكلمين والفلاسفةِ فيما بعد عن القيام بذلك يرجعُ لبقاء أسس التفكير السحري، الذي كان يمخرُ عالمَ الوعي الديني. فتقود مفرداتُ الصورِ الإلهيةِ لديهم إلى التوقف عن القيام بتحليلات عميقة للواقع وللطبيعة، فهم يجعلونها أدوات للهيمنة ولإيقاف العقول عن النقد والتحليل ولتجميد حراك الطوائف عن التمدن والديمقراطية والذوبان في أممٍ موحدة. وكان هذا يتعلقُ بفئاتٍ وسطى إرتبطت بالقصور وبالخلفاء وإعطياتهم، فلم يوسعوا دوائرَ التحليل نحو كشف إضطهاد الجمهور، وإختناق الزراعة وجمود الحرف، وهذا من الناحية الفكرية كان يعني جعل النجومَ والسماءَ هي التي تحددُ المصائرَ البشرية، وبترديدِ هذه العبارات المسكونة بالسحر يتوقف الفعلُ والتخطيط البشريين! وكلما ازدادَ التمزقُ كثُرتْ تلك النجوم حتى صارت الآن في الجرائد اليومية تحدد اليوم البشري!
إن وضع العقيدة الإسلامية في الدساتير جزءٌ من ذلك السحر، فتكفي الصور الإلهية لتحفظ الأمة من القدر الشرير، ويمكن للأنظمة أن تفعل ما تشاء وهي بهذه الحماية السماوية، وأن تجلبَ من العمالة ومن الأموال ما تشاء أو تهربَ كلَ ذلك وهي في حماية القدر الكوني، وليس أن الأمور مرتبطة بالتخطيط والتنفيذ البرلمانيين اللذين يحددان حركة الواقع المُراقبَّة لمصلحة الناس.
لم يقم العقلانيون الإسلاميون في الزمن السابق بالارتباط بالحركات الاجتماعية، ولا بتطوير العلوم الاجتماعية، أي بتحليلِ الموادِ التابعة لهذا العالم، وإكتشاف قوانينها الطبيعية والاجتماعية، فيعاونون المنتجين على تغيير علاقات إنتاج متخلفة، ويخلقوا الديمقراطية، ويصلوا لقوانين المادة العميقة، في الذرةِ والكون، وما الذرةُ إلا كونٌ وما الكونُ إلا ذرةٌ، واللانهائيةُ تسودُهما.
إن مستوى السلف يعني الاستفادة من التجربة وليس سحقها، فيتعين الآن درس موادنا، وعقبات تطور الإنتاج، وإقامة علاقات بين حركات التغيير وركائز الواقع، وتغيير المستوى المتخلف من العلوم العربية، والسحر يدل دائماً على الثغرات الكبيرة التي يجب تجاوزها، ومن سماته القدرية، ورفض التجريب والقوننة للظواهر، والأفكار الحظوظية، وغياب التخطيط، وغياب المسئولية البشرية الصارمة، وعبادة الرموز البشرية، والعداء للعلوم.

جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

إعادة إنتاج العفاريت

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

حين تسيطر الأغلبية الشعبية على الموارد العامة يقل حضور العفاريت في الحياة. فهي تعبيرٌ عن عدم سيطرة الإنسان على واقعه الاجتماعي وحياته وأمراضه.
وقد شكلت سورة الجن في القرآن تعبيراً ترميزاً مثالياً عن إلغاء دور العفاريت في حياة المجتمع وإبعادها عنه، بجعلها جزءً من عالم الإسلام، من عالم الخير، فانتهت تدخلاتها الشريرة، وانتهى حضورها في عالم الإنس، وغدت السيطرة لدى الإنسان.
إن الأدوات السياسية والاقتصادية لذلك العصرمحدود الثقافة العلمية، لكن المسيطر على ثروته المادية الموزعة على الأغلبية، تجعل مقاربته مع عالم الجن مقاربة دينية مثالية، فلا تتم إزالتها بل تتم إسلمتها.
ولكن المسلمين في مسيرتهم التالية وبسبب عودة الأغنياء للحكم، وإبعاد الأغلبية عن السيطرة على واقعها الاجتماعي، أعادوا حضور الجن بكثافة، وصار الجن الشرير خاصة هو المهيمن على الفضاء الثقافي.
فكلما فقدَ الإنسانُ السيطرة على واقعهِ، وتاريخهِ، وصار في مهبِ الرياح السياسية، لجأ لما هو خارج وجوده الاجتماعي، واستعان بالقوى الخفية ذات القدرات السحرية لكي تعيدَ له صحته أو ماله أو الأعزاء الذين فقدهم أو الشباب الذي مضى أو لكي تزيل العقم الجسدي والعقم الروحي، ولهذا لا بد من تقديم أعطيات لها مثل القوى الشريرة الاجتماعية وعمليات إسترضائها وخدمتها.
كانت الكلمة القرآنية والثقافية والتوحد الشعبي الواسع هي أدواتهم للسيطرة على الواقع الاجتماعي، لكن الواقع فلت من إيديهم لغياب الأدوات السياسية المناسبة، وجاءت قوى الأغنياء وحكوماتُ الأقلياتِ لتلغي ذلك الانسجامَ بينهم وبين وجودهم الاجتماعي التعاوني.
فراحوا يتصورون تاريخهم السابق كتاريخ من الأساطير ومن التدخلات السحرية العجائبية، فالكائنات والحيوانات والرموز العجيبة كلها هي التي صنعت تاريخهم الذي صنعوه هم بأيديهم، ويتراجع حضورهم الجماعي الذي تمزق فرقاً وأحزاباً.
لا يمنع من هذا إن المسلمين لم يسيطروا على ثقافة الخرافة كلياً، فهي نتاجٌ موغلٌ في القدم، فثقافتهم كانت تؤمن بالرقى والتعاويذ لكن المُسيطرَ عليها بالقرآن، وهو جانبٌ يماثل تحييد الجن وأسلمتها، والجانب التنويري الإسلامي حسمَ الخيارَ في بعض الجوانب، خاصة في تنحية الكائنات العلوية – الأرضية الشريرة، متوافقاً مع الكائنات العلوية الخيرة، والأفكار المثالية الفكرية الغيبية الخيرة الأخرى باعتبار العالم نتاج إله، وهو الذي يحكم الكون بالخير والفترة الأرضية هي فترة مؤقتة تجريبية، وبالتالي فإن الأفكارَ الدينية هي التي تعاونهُ على إستئصال الشر من حياة البشر.
ومع غياب الدولة الشعبية التي ترفدُ هذه التكوينات الفكرية العامة الخيرة، وتصاعد سيطرة الأشرار الاجتماعيين السياسيين الاستغلاليين، فإن الكائنات السحرية الشريرة تنطلق هي الأخرى في الحياة الاجتماعية.
لا يستطيع الإنسان في هذا المجتمع الذي فقدَ فيه الناسُ سيطرتهم على مصادر إنتاجهم، سوى أن يرتعب من كل بوادر الشر والموت والخراب والحروب، ولا يستطيع وعيه أن يفهمَ تاريخَهُ وكيف عجزَ عن السيطرة عليه، وما هي أسبابُ الحروب والأوبئة وسوء العلاقات البشرية، فهذه كلها تخرجُ عن فهمه، ويتصور إن مسبباتها موجودة في كائنات غيبية وفي حيوانات وطيور شريرة:
(العرب مثلا تكني البوم بطائر الخراب، إذ ينظرون إليه على أنه طائر شؤم تنقبض صدورهم لدى سماع صوته ليلا، ويتوهمون جهلاً حدوث مكروه كموتِ عزيز أو خراب ديار، ويصف الكتابُ الأوروبيين بأنهم يرون في صوتِ البوم إعلاناً لموتِ أحد الأشخاص أو أن أحد الناس يعاني في تلك اللحظة من سكرات الموت، ويتوهمون أن البومَ إذا ما حطَّ على سقفِ أحد البيوت أصابه بالشقاء!)، تعليق صحفي على كتاب مُترجم بعنوان (معجم الخرافات).
إن ارتباط البوم بالخرائب الناتجة عادة من كوارث الحروب وخراب العمران التي لها أسباب شتى، تتحول مع تكرارها في مثل هذا الوعي الشعبي العفوي إلى أن تكون هي مصدر الشر.
إن إعطاء الطيور أو الزواحف كالحيات قدرات على التدخل الواسع في الحياة البشرية تتصاعد إلى حد إعطاء الألوان والألبسة والوجوه إمكانية السيطرة على حياة البشر المستقبلية.
فالتطير والطيرة هي رؤية تشاؤمية من بعض الطيور كرؤية الغربان والاستدلال من وجودها على أحداث سيئة سوف تجري في المستقبل، مع ارتباط الغربان بالجثث الناتجة من الحروب خاصة.
ومع فقدان البشر السيطرة على واقعهم يبحثون عن مفاتيح السيطرة والتحكم خارجهم، نظراً لغياب التراكم المعرفي العلمي في حياتهم، وتظهر فئاتٌ متخصصة في مثل هذه الرؤى الغيبية، المستقبلية والمصيرية، وهي تقوم بإنتاج مثل هذا الفهم الخرافي، كشكلٍ آخر من توظيف الخرافة من أجل عيش تلك الفئة المنتجة لهذه الأشكال من الوهم.
تغدو النجومُ والكواكب والأرواح مصدراً لهذه المعرفة المستقبلية مع عجز العقول الأرضية عن التحكم في يومها، فهذه الأشياء خارج الملموس، ولها ظلال وصور لا نهائية وغير محددة، يمكن عن طريقها تسريب الأفكار والتوجيهات والنبؤات وخلق أشكال من التفكير المحتاجة للمعونة الماروائية نظراً لأزماتها المعيشية والسياسية والجسدية والنفسية المختلفة.
وإذا كانت هذه الأشكال السحرية عفوية وواضحة ببساطة فإن جر جوانب من الدين لعمليات سحرية هو الأمر الأكثر صعوبة في الكشف، حيث تجر تلك المناطق الغيبية لإنتاج ممارسات سياسية عامة مضرة بالتطور.
يؤدي ازدياد الاضطرابات في الحياة السياسية العربية إلى طريقين أما إلى توسع السيطرة العقلانية على الاقتصاد وأما السماح للقوى المتنفذة الإستغلالية التلاعب به كما تشاء مصالحها.
طريق السيطرة العقلانية يقود إلى ازدهار العلوم بما فيها علوم فهم الأديان، والثقافة عامة، وإلى إعادة لحمة القوى الشعبية وإمتلاكها لمواردها الاقتصادية، وهي أمورٌ تقود لزعزعة الثقافة السحرية والغيبية فهي ليست سوى إنعكاس لفوضوية الاقتصاد وتهميش العاملين.
أما طريق السيطرة الآخر والذي أنتج أغلب التاريخ الثقافي العربي، فهو يجعلها تزدهر، وهي تستغل مصطلحات الدين ورموزه من أجل إنتاج ثقافة لا تسيطر على واقع، ولا تجعل الجمهور يتحكم في إنتاجه الاقتصادي والخيرات التي يصنعها.
ولهذا كان نمو الموجات الأولى من الحركات الدينية يتم مع نشر السحر بصورةٍ واسعة، وهذا يتجسدُ بجعل العوالم الغيبية متحكمة تحكماً مطلقاً في الكائناتِ البشرية الشبحية، التي تفقدُ أيَّ دورٍ خلاقٍ في تغيير المجتمع بشكلٍ عقلاني مخطط.
ومن هنا فهي تتوجه للجوانب الدينية الغامضة، التي يتداخلُ فيها الواقعُ مع الغيب، وهي تلك العوالم التي حسم الإسلامُ الموقفَ منها، وجعلها سلبية فاقدة التدخل في الحياة البشرية، كالجن والأرواح.
وحتى لو فرض جدلاً بأنها غير موجودة فيزيائياً إلا أنها موجودة في الوعي البشري والوجود الاجتماعي، وهذا لا يغير من دورها.
فهناك إستغلال للمناطق المتراوحة بين الوجود والغيب كالموت، وهي منطقة خطيرة محفوفة بالأسرار والمخاوف، وذلك عبر جعل البشر يرتعدون خوفاً منها، فتتراءى لهم الثعابين والنيران والأرواح المختلفة، التي عادة ما تـُدخل في مثل هذه المناطق البرزخية عبر التعبئة السحرية التصويرية السينمائية بقصد نزع العقلانية من وعي المسلم، ويتحول المؤدلجُ السحريُّ هذا إلى قائد سياسي، يبطشُ بالعقل، ويهمشهُ، ويحيلُ الإنسانَ إلى أداة في يده من أجل المشروعات التي يخطط لها.
كما يقومُ بالتحكم في النصوص الدينية وإعطائها الأهداف التي يريدُها المتمثلة في زوال العقلانية، وإلى اعتبار التاريخ وحركة المجتمع لا تسير بقوانين، وأن الإسلام الأول لم ينتج خطة عقلانية للسيطرة على الاقتصاد، فتغدو منتجات التاريخ والتراث كلها بيدِ المنتج الساحر الحديث التي يوجهها كيفما شاءت مصالحُ الجماعات والدول الإستغلالية التي تتصرف بالمال العام كيفما تشاء.
إن الأغلبية الشعبية الجاهلة والأمية والتي عاشتْ طويلاً في ثقافةِ السحر، يُعادُ السيطرة عليها عبر مثل هذا التداخل بين السحر والدين، فتتحول الآياتُ والجملُ المُنتزَّعة من سياقاتِها إلى أدواتٍ للحكم والحروب والكوارث.
فيمكن للكلمة حسب هذا الفهم أن تحدث الانتصارات في الحروب، ويمكن إستدعاء بعض المنجمين لمعرفة مصير الحرب مع إسرائيل، وإعطاء الجنود مفاتيح الجنان وهم يدوسون على الألغام في جبهات القتال ويفقدون شبابهم، ويغدو أمراء الجماعات هم المحددون لجنس الكفار – سواء كانوا من جنس المسلمين أم من غيرهم – بعد أن التحموا بالذوات العليا، فهم الذين يستطيعون نقل المجتمعات المتخلفة والفقيرة إلى الأسلام الأول عبر دكتاتوريات المجموعات الصغيرة الأرهابية فيقررون الحياة والموت للناس.
إن حصول هذه القيادات على تلك الإمكانيات الخارقة يحيلُ الإسلامَ العقلاني التحديثي عند هؤلاء إلى شعوذةٍ سياسية، فهم قادرون على إقناع الجمهور الحاشد بأن يعود للوراء وأن يكون ضد مصالحه وتقدمه.
وهذا حدث ليس فقط لأن الجمهور جاهل وأمي، لكن لأن الجمهور يأمل في تسوية مشاكله الاقتصادية والاجتماعية الضارية بنفحةٍ سحرية، بتعويذةٍ تقدمُ له العفريتَ الهائل الذي ينقلهُ بين ليلة وضحاها إلى الجنة الأرضية، ويغدو الشباب غير المنتج وغير المشتغل في الصناعة وغير الدارس للعلوم وغير المصنعة في زنازين الدول الشرقية، يريد بلا عمل شاق أن يرى نفسه فجأة بين الحوريات، وأنهار اللذائذ حوله.
تتحول الجماعات الدينية السياسية إلى قوى خارقة ملكتْ السحرَ القادر بين عشية وضحاها على نقل المؤمنين للجنان الأرضية، فإن لم تستطع نقلتهم للجنان الأخروية، ولهذا تتحولُ سياساتـُها لبرامج سياسية فقيرة بفهم المجتمع وبفهم الدين معاً، معتمدة على زرع الأوهام في عقول الناس، فعبر روشتة حكم الأقليات أو الشركات الإسلامية أو شعارات العودة للشريعة، تجعل الناسَ تتصور أن هذه الشعارات قادرة على حل أزماتهم المعيشية في غمضة عين وانتباهتها.
في حين أن أزماتهم وتخلفهم نتاج ((علاقات اقتصادية)) متجذرة بحاجة إلى تحليلات عميقة، ومشروعات طويلة الأمد، فنقل الملكيات العامة الحكومية للناس وإحداث تنميات كبرى، وتوزيع فوائضها للمشروعات والحاجات الأهلية، مسألة تحتاج لعشرات السنين، إذا عملت وتوحدت الجماهير الشعبية وتعلمت وازدهرت بالعلوم.
إن الفانوسَ السحريَّ السياسي غير موجود، وإنه إذا لم يحدث الحراك الإنتاجي وتقلص هيمنات الدول على الاقتصاديات والدخول والعمالة والفوائض، وبقيت الجماهير في أميتها وسحريتها وتخلفها وأعمالها الحرفية المحدودة، لن يحدث أي تقدم، وسوف يزداد الفقر وتتكاثر الأرواح والأشباح.
إذا لم يحدث تعاون واسع بين القوى السياسية الديمقراطية لفهم الواقع الاقتصادي بالدرجة الأولى، وفهم عملياته ودخوله وكيفية تغييره، فلا تفيد أية روشتة أخرى، خاصة الروشتات السحرية.
لم تقم الثقافة الغربية المسيطرة على المنتجين الشرقيين أو الغربيين، بإنتاج ثقافاتهم العقلانية، فمثل هذا الإنتاج يتواكب مع تغيير ملكيات الصناعة الخاصة، التي تفيضُ عليهم بخيراتها، وإذا كانت ثمة عناصر عقلانية فيها، فهي لا تسود ولا تنتشر بشكل جماهيري.
بل توسعت الثقافات الغربية السائدة المعبرة عن أؤلئك المالكين للفوائض الاقتصادية غرباً وشرقاً، في نشر الخرافات وتيارات تغييب الحفر العقلاني.
كانت المدارس (الرفيعة) الأدبية والفنية كالسريالية والدادائية والبنيوية والشكلانية وغيرها تمثل عبادات الأشكال المفرَّغة مما هو حقيقي وما هو إنساني كفاحي، فتتركز على الخطوط والنقط المجردة والبُنى، ويُتم تغييب الإنسان وإزالة وجوده الاجتماعي، وتـُعطى لتلك الأشكال أهمية مساوية لعبادة النجوم والكواكب والأصنام، وتغدو عبادة الأشياء تخريفاً على أساس تحديثي، وتنقل للمنتجين الثقافيين لينشروها ويعطلوا ملكات الحفر النقدي في مجتمعاتهم.
لكن الجمهور العادي لا يفهم مثل هذه المنتجات الصعبة، كما هي مستوياته وظروفه، فتـُسوقُ له الخرافات عبر الأفلام، وتظهر الوحوشُ على هيئات مصاصي دماء وموتى وقوى غامضة تنبعث من الكواكب والقبور والأرواح ويجيء سكان المدارات البعيدة ليحكموا الأرض، ويتشكل أفراد بقوى خارقة، سوبرمان يرفع الطائرات على كتفيه ويحول مسارات الصواريخ في دقائق، وحيوانات قديمة هائلة يتم ظهورها في المدن الحديثة والبشرية تغوص في حروب نووية كارثية وغيرها من السيناريوهات الخرافية المرعبة والمسلية، وتـُحشدُ معها تقنياتٌ رهيبة لتجسيدها وجعلها حقيقية، مثلما يترافق مع ذلك نشر المخدرات وأشكال التسلية الخطرة والأدمان.
وتـُسمم الجامعات والثقافة وعمليات الإنتاج الفكري بالمستوى (الرفيع) فيما يُسمم العامة بالمستوى المتدني، وبهذا تجد ترنح الثقافات العربية من هذه الفؤوس الواسعة الانتشار، فالكثير من الشعر يغدو ذاتياً نرجسياً أو فقاعات، واللوحات تقلد اللاوجود الثقافي الغربي الخ..
ومع بقاء الرأسماليات الحكومية العربية الفاسدة المستنزفة للثروات وللأدمغة، وبقاء الأرياف غير مصنعة، والنساء الأميات يواصلن إنتاج الخرافة، تفيض البلاعات.
وتظهرُ مؤسساتٌ لعبادة الشيطان، ويُقال بأن ذلك جزء من الحرية الدينية، ويُقال بأن الإلهَ أو الشيطان تسميات خيالية مشتركة.
والقضية ليست الحرية هنا ولكنها في إلغاء التراث الإنساني المتمثل في الأديان، وصور الإله والملائكة واليوم الآخر هي رموزٌ لإنتاج الخير في تاريخ الإنسان، جوانبٌ روحية لتوسيع الضمائر وإحيائها في حالة الموات، ولكي لا تغدو الجريمة مبررة، والمذابح محترمة، وحين جاءت الهتلرية أنشأت الصليب المعقوف، صليبٌ يغيبُ التضحية، ويبررُ الحروب والقتل!
وهذا لا يعني جعل الفكر الديني مطية للاستغلال وهيمنة الطبقات والأمم، بل تعني رؤية التاريخ الديني كنضالٍ للإنسان في ظروفٍ فكرية مغايرة لنضاله في ظروف العلوم الحديثة.
وكم يحاول بعضُ المثقفين جعل تاريخ الأديان ومواده وسيلة لاستمرار الخرافة والقهر، ولهذا يشحنونه بما يجعل العقل يطير فوق ظروف الأرض الحقيقية، لتبرير اللاعقلانية.
فيظهر مثقفون يدافعون عن وجود الأرواح والروحانية ويعرضون فشل العلوم والسببيات والقوانين، وفي مواجهة ماديين آليين يريدون سحق الأديان بشكل لا يقل عن لاعقلانية أولئك.
يغدو الوجود صدفة، والخير صدفة، والعقول متاهة.
وفي ذات الوقت تبرز عبادة الشيطان وعبادة الدولار!
وفي ذات الوقت تفقد الكثير من الشعوب سيطرتها على أحوالها وأسواقها، ومعيشتها، وتتشردُ في أركان الأرض بحثاً عن لقمة العيش، حاملة معبوداتها وكتبها الدينية في أرجاء المعمورة، قد تغرق في قوارب أو تتلاشى في مجازر، وتنتفض الأريافُ بحروبٍ طاحنة مخربة لنفسها قبل الآخرين، وتلجأ للقرصنة وحروب العصابات لتأكيد عيشها الذائب في العولمة الرأسمالية الحديثة.
في حين إن كل أدوات الحداثة والعقلانية لم تستطع أن تضع حداً لفوضى الوجود السياسي الراهن، مع ازدهار الأنانيات الطبقية في كل مكان.
يعود الكثيرون للخرافات، ويغدو بند مطاردة السحرة في كل اجتماعات وزارات الدول العربية والإسلامية المخصصة لتنمية العقلانية وبشكلٍ مستمر، دون إلقاء القبض على الفقر والبطالة والجوع والتشرد والهجرة.
ورغم نشر بعض التقنيات في المدارس فإن الطلبة يعودون لصفحات التنجيم وقراءة حظوظهم في الجرائد، بسبب أن الخطط الحكومية لتشغيلهم غير مضمونة.
في هذا الجو العالمي تنتعش زيارات البابا وتحصل المنظمات الدينية على مساحات عمل تخصصها في زيادة نشر اللاعقلانية، وتهاجم الحداثة والعلمانية والديمقراطية سبب مصائب العالم في رأيها، وفي هذا الجو الخرافي الدموي، يبرر مثقفون المجازر بدعوى المقاومة، ويؤججون تصادم الأديان والشعوب، ويعودون لاستحضار السحر والشعوذة وإدراجها في الحياة اليومية.
لا عجب في مثل هذا الجو أن يستعين حملة رسائل الدكتواره بأرواح أسلافهم عبر القبور ويستنجدون بملاحظاتهم الهامة، وتظهر دراساتٌ عن أهمية البصل في أشعار الأمويين، وعن مدى الملوحة في مياه البحار، وتكثر الخطب عن التنوير في قرى ومجمعات قـُطعت عنها الكهرباء، وتلتهم الأغاني تسعين بالمائة من بث الفضائيات العربية، ويظهر قادة السحر في السماء وهم يرشدون الشعوب لكيفية محاربة الأمراض ودحر التخلف وهزيمة الصهيونية.