في إنتاجِ دكتاتوريته الفردية يصعدُ لينين صراعَهُ ضد التعددية في الحزب، فيقسمهُ، ويصعدُ صراعَه ضد التنوع الديمقراطي في الغرب فيغدو الغرب برجوازياً لا بد له من شيوعية نافية له بكليته.

الماديةُ والعلوم

في إنتاجِ دكتاتوريته الفردية يصعدُ لينين صراعَهُ ضد التعددية في الحزب، فيقسمهُ، ويصعدُ صراعَه ضد التنوع الديمقراطي في الغرب فيغدو الغرب برجوازياً لا بد له من شيوعية نافية له بكليته.
لكنه أيضاً يتوغلُ في مجال العلوم ويواجه تعددَ المدارس والتيارات الفلسفية المثالية العقلانية والمادية التجريبية من أجل إكتساح المادية الجدلية للمسرح الفكري. لكن أية مادية جدلية لديه؟
ظهرت في أواخر وأوائل القرن العشرين مدارس وحركات علمية عديدة لا تنطلق من المادية الجدلية بل من وعي علمي مختبري ومن غوص تجريبي في العقل ومن إستخدام اللغة في تحليل منتجات العلوم الطبيعية.
كانت مدرسة(التجريبية المنطقية) تتوجه نحو دراسة الظاهرات الطبيعية بأشكالٍ جزئية تجريبية، حيث تفصلُ الظاهرةَ العامة عن كلية الطبيعة، وتدرس عناصر التجربة، لاستخلاص نتائج موثقة.
تعارضُ هذه المدرسةُ أفكاراً ومسلمات إطلاقية من أجل أن تموضع الدراسة، وتحللَ الشيءَ أو الظاهرة، ولهذا رفضت مفاهيم مثل(المادة) و(الجوهر) معتبرة إياهما آراءً قديمة غير نقدية.
(إن اللون هو موضوعٌ فيزيائي إذا أخذنا بعين الاعتبار تبعيته لمصدر النور الذي ينيره للألوان الأخرى والحرارة والمكان الخ، ولكن إذا أخذنا بعين الاعتبار تبعيته لشبكية العين فأمامنا موضوع نفساني إحساس).
إن التجريبية المنطقية تقوم بدرس هذين الجانبين المواد والأشياء عبر صلاتها بالأحساس والجهاز العقلي البشري:
(إن الصلة بين الحرارة والنار تخص الفيزياء في حين أن الصلة بين(العناصر) وبين الأعصاب تخصُّ الفيزيولوجيا، ولكن لا هذه الصلة ولا تلك توجد بمفردها بل توجد كلتاهما معاً).
هذا ما يقوله الفيلسوف الإلماني ماخ في القرن التاسع عشر والذي ينقله لينين في كتابه(المادية والنقد التجريبي) ص 53، دار التقدم، موسكو.
فيقسم النقدُ التجريبي عمليةَ المعرفةِ المتأتية من العلوم إلى عناصر شيئية، وعناصر تفكيرية.
ويقول مفكر روسي موجزاً هذا(الإحساس مُعطى لنا أصدق من الجوهرية). بمعنى أن المطلقات هي خارج عملية البحث والتحليل للأشياء.
يعبرُ لينين عن إختلافه بطرق هجومية حادة ويقول محدداً وجهة نطره:
(يجب القول إن كثيرين من المثاليين وجميع اللاادريين.. يلقبون الماديين بالميتافيزئيين لإنه يخيل إن الأعتراف بوجود عالم خارجي مستقل عن إدراك الإنسان يعني تخطي حدود التجربة. وسوف نتكلم في حينه عن هذه التعابير وعن خطئها التام من وجهة نظر الماركسية)، ص 64.
لا يحلل لينين بدقة مسألة وصف الماديين بالميتافيزيقية هنا، ويخلطُ بين(إن الأشياء مستقلة عن وعي الإنسان بالمطلق)، وبين أن الأشياءَ ليست مسقلةً عن وعي الإنسان النسبي.
إن إنفصالَ الأشياء والطبيعةِ عن الإنسان هو أمرٌ موضوعي، لاجدال فيه، ولكنها ليست مستقلة عن وعي الإنسان التاريخي حين يتعامل معها ويحللها ويحاول إكتشافها.
وهكذا كان العلماء القدماء لا يفصلون أفكارهم وعقائدهم عن تحليل المواد، في حين وصلت العلوم بين القرنين 19و20 إلى عمليات متقدمة لفصل الوعي الذاتي للباحث عن المادةِ المدروسة.
ومن الممكن بهذا أن يقعَ الماديون في عالم الغيب الاجتماعي السياسي كما سيحدثُ للينين نفسه.
ومن هنا تتعاظمُ أهميةُ هذه القراءة للاحساس، ولتحول الانطباعات إلى معرفة، والتركيز على التجربة، التي لها أدوات ومستويات وتطورات في أجهزتها والتي تغدو ملغيةً لمعلوماتٍ وآراء سابقة نظراً لهذه الصلة بين المُعطى والتجربة.
لهذا تغدو العلومُ الطبيعيةُ منفصلةً عن الفلسفات والأديان والآراء المسبقة، وتغدو الفلسفات مستفيدة من خلاصات هذه العلوم ومستثمرة لها في وجهات نظرها.
من الممكن أن يكون هؤلاء الباحثين مثاليين ودينيين وماديين من مختلف التيارات، بسبب أن نشؤ العلوم في الغرب جاء من وعي مسيحيين ويهود ومؤمنين عامة، وهؤلاء حاولوا الارتقاء بالعلوم وعدم الاصطدام مع أديانهم وحجموا دلالات ونتائج العلوم وربطها بالصراعات الاجتماعية. لكن لينين ينطلق من رؤية حادة لإزالة الأديان والإستغلال بدون وعي علمي حقيقي، فيؤدي لتجربة مغايرة لما يريد.
خذ مثلاً ما يقوله لينين نفسه عن الأثير وعلاقته بالوعي:
(وهذا يعني إنه توجد خارج عنا، بصورة مستقلة عنا وعن إدراكنا، حركة للمادة، مثلاً، موجات الأثير ذات الطول المعين والسرعة المعينة، التي يولد في الانسان، بتأثيرها في شبكة العين، الإحساسُ بهذا اللون أو ذاك)، ص 54.
إن حركة المادة العامة المجردة هذه صحيحة التأثير غير أن(موجات الأثير) هذه غير موجودة في الطبيعة نفسها، أي أن هذا المصطلح من مفردات مدرسة علمية قديمة تم تجاوزها فلم يعد هناك شيءٌ أسمه موجات الأثير! لقد جرت تجارب علمية في أواخر القرن التاسع عشر أثبتت غياب هذا المُسمى، وبدأت نظرياتٌ علمية جديدة، ولكن مع غياب متابعة لينين:
(لقياس سرعة الموجات الكهرومغناطسية، قام ميكلسون ومورلي بإجراء تجربتهما الشهيرة سنة 1881وقد كانت هذه التجربة من أشهر التجارب في القرن التاسع عشر، والتي أدت إلى ثورة علمية لأن نتائجها كانت تعاكس تماما أفكار الباحثين المؤيدين لفكرة الأثير).
بطبيعة الحال إن العديد من باحثي النقدية التجريبية مثاليون ومحافظون وبينهم باحثون مناضلون في نقد وتحليل العالم الطبيعي والاجتماعي كذلك، لكن التعددية وإستثمار العلوم ونتائجها وتطويرها بالنقد يخلق شبكات تحليل واسعة للحياة في مختلف جوانب المعرفة.
يولي لينين أهميةً كبيرة لرجل الدين باركلي بإعتباره مشابهاً بشكل كلي للعلماء الفزيائيين والمنظرين النقديين التجريبيين، أصحاب هذه الفلسفة الجديدة التي قام لينين بمواجهتها في سنة 1908 في كتابه(المادية والنقد التجريبي).
(إن بريكلي يقول بكل جلاء إن المادة(جوهر لا وجود له)، ص 21.
يعتبر لينين ذلك بمثابة(الهجوم المقدس على المادة)!
إن رجل الدين المثالي هذا في تصوره يماثل أرنست ماخ الباحث من القرن التاسع عشر الفيزيائي المعروف.
لكن ثمة فرق هائل بين القس بيركلي والعالم ماخ!
فمن هو بريكلي هذا؟
جورج بيركلي (مارس 1685 – 14 يناير 1753) كان فيلسوفًا بريطانيًا-إيرلنديًا وأسقفا أنجليكانياً يعتبر من أهم مساندي الرؤية الجوهرية في القرن الثامن العشر الميلادي، ادعى بيركلي انه لا يوجد شيء اسمه مادة على الإطلاق وما يراه البشر ويعتبرونه عالمهم المادي لا يعدو أن يكون مجرد فكرة في عقل الله. وهكذا فأن العقل البشري لا يعدو أن يكون بيانا للروح. قلة من فلاسفة اليوم يمتلكون هذه الرؤية المتطرفة، لكن فكرة أن العقل الإنساني، هو جوهر، وهو أكثر علواً ورقياً من مجرد وظائف دماغية، لا تزال مقبولة بشكل واسع. آراء بيركلي هُوجمت، وفي نظر الكثيرين نُسفت)، موسوعة ويكيبيديا.
إذن بيركلي صاحب رؤية دينية متطرفة ألغى من خلالها العالمَ الموضوعي، وأعتبرهُ مجردَ فكرةٍ إلهية، وهو إمتدادٌ للعصور الوسطى والوعي الكَنسي التقليدي، ولهذا فهو يختلفُ إختلافاً كبيراً عن إرنست ماخ الذي عاش في القرن التاسع عشر باحثاً:
(ماخ، إرنست (1838 – 1916م) فيزيائي وعالم نفسي نمساوي درس حركة الأجسام بسرعتها القصوى خلال الغازات، وطوَّر طريقة دقيقة لقياس سرعتها معبرًا عنها بسرعة الصوت. وتعتبر هذه الطريقة مهمة خاصة في مشاكل الطيران الأسرع من الصوت. ظل عمل ماخ مبهماً إلى أن بدأت سرعة المركبة الفضائية تقترب من سرعة الصوت. وبعد ذلك استُخدم مصطلح رقم ماخ مقياساً للسرعة.)، المصدر نفسه.
وهو(يـُذكرُ باسهاماته في الفيزياء مثل رقم ماخ ودراسة موجات الصدم. كفيلسوفٍ للعلوم، فقد كان له تأثير كبير على الإيجابية المنطقية ومن خلال انتقادهِ لنيوتن، الذي مهّد لنسبية أينشتاين).
تتعدد وجهات نظر لينين تجاه ماخ ورؤيته، فيقول (التصور العام للماخيين ضد المادة) ص16،( الأسقف بركلي يساوي الماخيين)، ص35، وأتباعه يحاولون(تمرير المادية خلسة!)، (حاول أن يميل صوب المادية).
إن علماء الطبيعة يقومون بتنحية المُسبقات المختلفة، ومنها الأفكار، والتصورات القديمة عن المكان والزمان والمادة، وقد يقعون في أخطاء فكرية في هذا الهدف، ولكنهم يلجأون لذلك من أجل البحث العلمي، وعملية التنحية تبدو للينين بمثابة خيانة، ومن هنا يقوم ماخ بالبحث الجزئي المتغلغل في الظاهرة المدروسة للوصول إلى معرفتها والسيطرة عليها تقنياً، ثم يقوم بإختراعاته الكبيرة لكن فهمه النظري المادي الجدلي محدود.
(إن افيناريوس ينعتُ بالبحث المطلق ما يعتبرهُ ماخ صلة (العناصر) خارج جسمنا، وينعت بالنسبي ما يعتبره ماخ صلة العناصر التابعة لجسمنا)، المادية ص61.
إن افيناريوس هو عالمٌ مماثلٌ لماخ أقتربَ من رؤيته، وهو يعتبر الطبيعة التي هي العناصر خارج الجسم وبالتالي هي مطلقة، ولن تكون هنا في مجال البحث، لكن العناصرَ التي تدخلُ البحثَ هي متأثرة بوعينا ومستوى إدراكنا فهي نسبية.
كانت ثمة ثورةٌ علميةٌ تجري في أوربا من أجل الإطاحة بمفاهيم الفيزياء التقليدية، ومن أجل تصور جديد للمادة والكون، وهو تصورٌ متراوح متذبذب جزئي محدود لدى كل من ماخ وافيناريوس لكنه يظهرُ بصورته الكبيرة المادية الجدلية لدى انشتاين.
إن التجريبية النقدية المرفوضة عن لينين كانت تغيرُ العلومَ، لكنه كان لا يزالُ مع فكرة موجات الأثير، التي قامتْ تجربةُ العالِمين ميكلسون ومورلي بدحضها، سنة 1881 كما ذكرنا آنفاً في حين كتبَ لينين كتابَه سنة 1908، وطبعَهُ مرة أخرى بعد الثورة الروسية دون تغيير في فهمهِ لموجات الأثير، فتلك التجريبية أكدت أهمية دور العلماء الشخصي وتغييرهم لآراء سائدة مُسّبقة، قَبلية.
في مقابل واحدية الحزب المطلقة وهيمنة الدولة المطلقة يجري كذلك جعل المادية الجدلية مهيمنةً كلية، لكن الدكتاتورية هنا مُصّدعة للعلوم الطبيعية والاجتماعية على نحو خاص.
تتكشف في المساواة بين بريكلي والماخيين والتجريبيين المنطقيين عدم فهم لينين للتطور الاجتماعي الفكري العلمي ومراحله التاريخية ومسائل الديمقراطية وتعددية الاجتهادات الفكرية والفلسفية، ففيما يعكس بيركلي رؤية دينية صوفية رجعية يقوم علماءٌ من الفئات المتوسطة بتطوير العلوم مجتنبين الدينَ والمادية الجدلية الجامدة وقتذاك.

كلمات الاغلفة        

الخطوط العريضة لظهور العلوم

لقد كان تطور الرياضيات في العصر العباسي ملحوظاً في الانتقال من نمط الحساب باليد إلى الحساب العقلي ، وكان هذا يتطلب تبدلاً للأرقام القديمة بمختلف صيغها ، حيث كانت هذه الأرقام المثقلة بالحروف والإضافات تعجز عن متابعة العمليات الكبرى في العد الكمي ، فكانت الأرقام الهندية ، من خلال صيغتيها المشرقية والمغربية ، هي البلورة للوعي الكمي المتزايد لمتابعة العمليات الحسابية المركبة الواقعية ، وكان اكتشاف [ الصفر ] هذا الكم المعدوم ، إنجازاً رياضياً أكثر منه فلسفياً ، لأن العدم الكمي سيؤخذ ككم سلبي متصاعد وليس كمظهر آخر للوجود .
إن تحول أي رقم من الأرقام من الواحد إلى التسعة ، إلى خانات أكبر ، تضيف إلى الرقم الأولي كماً لا نهائياً ، يغدو تحولاً نوعياً للأرقام عبر قدرتها على عكس العمليات المعقدة في الإحصاء الكمي من جانبيه الإيجابي والسلبي .
وتعطينا مسألة دخول الأرقام الهندية إلى الرياضيات العربية فكرة مبسطة عن تداخل العمليات التجارية والثقافية بالعلوم ، فعبر تنامي التجارة في العالم الإسلامي ، وبينه وبين قوى العالم المدنية وقتذاك ، وسيادة المعيار الذهبي والفضي في المشرق والمغرب الإسلاميين ، راح الحساب اليدوي يتحول إلى حساب حديث ، [ فباستخدام النظام العشري – بما فيه الصفر – واستعمال الكسور ، أصبح من السهل إجراء العمليات الحسابية ، مهما تعقدت وتشابكت ، وأمكن تركيب أي عدد سواء أكان كبيراً أم صغيراً ، لا فرق أن يكون عدداً صحيحاً أو كسوراً من عدد صحيح ] ، (3) .
إن الأعداد الصحيحة والكسور ، وتراكيبها المتداخلة تشير إلى التحليل المتنوع المتزايد للكم في شكله المعروف ، أي غير المجهول ، والانتقال من كمه الإيجابي إلى كمه السلبي ، والجمع بين الجانبين ، والقيام بعمليات متداخلة منهما .
ثم تنتقل الرياضيات إلى المستويات الأكثر تركيباً عبر الجبر ، فهنا يصبح الكم المجهول واستخراجه من الكم المعلوم ، طريقة رياضية أخرى للحساب المتوغل في العمليات المجردة .
إن الخوارزمي الُمحتضن من قبل الخليفة المأمون هو الذي قام بهذه الاكتشافات عبر استفادته من الثقافتين الهندية والفارسية ، فيضيفُ ذلك إلى الثقافة العربية عامة ، في القرن الثاني الهجري حيث تجري التطورات الأكبر في ميدان اللغة والثقافة ، فتغدو الرياضيات هي أحد فروع العلم الأكثر استجابة للتطورات ، بحكم تجريديتها وعدم ارتباطها الملموس الواسع بالمادة الطبيعية والاقتصادية ، وقدرتها على النمو المجرد .
ويجري هذا عبر الارتباط كذلك بالثقافة اليونانية التي قدمت المواد الأولية البسيطة في الحساب والجبر ، غير أنها قدمت المادة الأغزر عبر [ الهندسة ] ، فصارت الهندسة الأقليدية مترجمة ومستوعبة عربياً بشكلٍ واسع ، وبدون إضافات كبيرة .
إن الهندسة الأقليدية المركزة على المكان وأبعاده الثلاثة ، ستغدو إضافةً هامة لفرعي الرياضيات السابقين وهما الحساب والجبر ، كما ستدخل في تكوينهيما العضويين ، فتتشكلُ عمليةُ نموٍ مركبة .
لكن الهندسة الأقليدية بتركيزها على أبعاد المكان الثلاثة ، ستعطي الفلسفة أبعاداً محدودة وتقيدها في هذه الأبعاد الظاهرة المتناهية .
وإذا كان الوعي العلمي منذ القرن الهجري الأول أخذ يطرقُ ، ليس كم المادة فقط ، بل أيضاً محتواها الداخلي كيميائياً وفيزيائياً فإنه أخذَ منذ القرن الثاني والثالث الهجريين يندفعُ بقوة لسبر أغوار المادة .
إن الكيمياء والفيزياء أخذتا تتطوران مع تنامي الحرف الصناعية ، حرف الزجاج وصهر المعادن والنسيج الخ ..، وهي الحرفُ التي ازدهرت في زمن الدولة العباسية الأول ، وظهر عدةُ علماء في هذا الزمن كجابر بن حيان في الكيمياء خاصةً :
[ أخذ جابر مادةَ الكيمياء – كما هو معلوم – من مدرسة الإسكندرية التي كانت تقولُ بإمكانية انقلاب العناصر وتحولها بعضها إلى بعض . وأخذ مع هذه الكيمياء فيضاً من الفلسفة الهيلينية والآداب السحرية والتصوف الشرقي والروحية الإيرانية ] ، (4) .
إن جابر بن حيان الذي لم يرتكز على مساندة الدولة في أبحاثه ، بل عبر ارتباطه بالإمام الشيعي البارز جعفر الصادق ، وهكذا كان عمله عبر جهده الفردي وفي فضاء الفكر الإشراقي المعارض ، ومن هنا تلونت استنتاجاته العلمية بدلالات إيديولوجية خاصة .
إن جابر بن حيان في سبيل الوصول إلى صناعة الذهب ، راح يلغي الأفكارَ المتجمدة عن الماهيات الثابتة للأشياء ، من أجل الوصول إلى ميزان [ الطبائع ] ، [ فمن عرف ميزانها عرف كل ما فيها وكيف تركبت ] ، (5) .
إن عمله دخل في تحولات المواد فاكتشف مواداً كيمائية جديدة ، والصناعة هنا تلعبُ دوراً تحويلياً إيجابياً ، فإضافة إلى اكتشافه سلسلة من المواد الكيمائية الجديدة :
[ عرف صناعة استخدام ثاني أوكسيد المنغنيز في صناعة الزجاج ( لإزالة اللون الأخضر أو الأزرق الذي يشوه الزجاج ) . ] ، (6) .
ولجابر بن حيان مجموعة كبيرة من الأبحاث والاكتشافات للمعادن ، (7) تعبر أغلبها عن عمليات صهر وتغيير وتركيب للمعادن ، ويتركز منهجه الفكري على الجمع بين الملاحظات العلمية الدقيقة وبين إقحام الأفلاطونية في البحث العلمي .
وهو يدعو إلى اكتشاف طبائع الأشياء وموازينها ، وكما يقول أحد الباحثين عنه بأن [ العملية الكيماوية عند جابر بن حيان حالة من حالات التأويل ، أي إخفاء الظاهر وإظهار الباطن . إنها عملية نفسية روحية ترمز إلى ارتداد النفس إلى ذاتها ] ، (8) .
إن التناقض بين الجانبين العلمي والإيديولوجي لا يمنع الاكتشافات العلمية لديه وتوصله إلى تركيبات موضوعيةٍ للمادة التي وصل إلى سببياتها الجزئية ، وذلك لأن البحث عن باطن المادة ، عن روحها ، هو بحث عن قوانينها ، مثلما تفعل الحركة الباطنية في البحث عن الباطن في النص الديني ، فتبحث عن الباطن في الواقع وعلاقاتها بالناس .
وإذا تعجز الحركة الباطنية عن الوصول إلى القوانين العامة للتطور والصراع الاجتماعيين ، فإن جابر بن حيان يعجز عن الوصول إلى القوانين العامة لحركة المادة ، لكنه ينجح في اكتشافه قوانين جزئية لتغيرات المادة فيتمكنُ من استخراج الحديد الصلب من خاماته الأولى ، وقد حضّر مجموعةً كبيرة من المواد الكيمائية كأكسيد الزئبق وحمض النتريك الخ..
تبينُ مكتشفاتُ العربِ في الصناعة الإنجازاتَ التي قاموا بها والحدود التي وقفوا عندها ، فإذ تطوروا في صناعة المعادن فإنهم برعوا في صناعة الأسلحة التقليدية :
[ مزج العلماءُ العرب والمسلمون الذهب بالفضة ، واستخدموا القصدير لمنع التأكسد والصدأ في الأواني النحاسية . واستخدموا خبرتهم الكيمائية في صناعة العطور ، ومواد التجميل وصناعة الأقمشة والشموع ، واستخراج الزيوت النباتية ، وتركيب الأدوية ، وصناعة الفولاذ والأسمدة والصابون والزجاج والأواني الزجاجية والمرايا والمصابيح الملونة والبلور . ] ، (9) .
إن كلَ هذه الصناعات وثيقة الصلة بطابع التطور الاجتماعي الذي تهيمنُ عليه الأرستقراطيةُ والفئاتُ الغنية الأخرى ، حيث هي صناعاتٌ استهلاكية لهذه القوى الاجتماعية ، التي تبّذرُ الفائضَ الاقتصادي ، ولهذا فإن الفوائض لا تتوجه للبحوث العلمية أو لتغيير طابع الإنتاج الحرفي ، وهذا يجعل طابع الأبحاث في الكيمياء والفيزياء أغلبها فردياً محضاً .
ولهذا فإن توجه جابر بن حيان لاكتشاف الباطن ، أي لاكتشاف قوانين المادة ، على المستوى الطبيعي ، يعبر عن وعي سحري كذلك بالسيطرة التامة الخارقة على الطبيعة والمجتمع .
وقد سبق أن تناولنا فكر الكندي وإسهاماته في الكيمياء والفيزياء (10) ، ورأينا كيف أن اكتشافاته العلمية تظلُ كذلك في إطار جزئي تقني ، ولم تتحول إلى استنتاجات فلسفية كبيرة ، أي لم يقم بإدغام بحوثه العلمية في نظرة اكتشافية مادية ، مع تمازج هذه البحوث برؤى أسطورية كذلك .
أما في الفيزياء فقد كانت للمسلمين إسهاماتٌ متخصصةٌ متناثرة في علم السوائل وحساب أوزانها النوعية ، وفي الجاذبية ، وكانت لديهم آلات كثيرة للرفع كلها مبنية على قواعد ميكانيكية ، وكانت لديهم اكتشافات للبصريات والضوء وكيفية الأبصار ، نقلت علم الضوء إلى تحول كبير .
[ كما بحث المسلمون في كيفية حدوث قوس قزح ، وسرعة الضوء والصوت ، وعرفوا المغنطيس… وبالجملة كانت المعلومات عن الميكانيكا ، والبصريات والضوء والصوت وخلافها من مباحث علم الطبيعة مبعثرة لا رابط بينها ، وكانت تــُبحث من قبلهم من منظور يستندُ إلى المنهج العقلي والبحث الفلسفي وكان المغلوط فيها أكثر من الصواب ] ، (12) .
توضحُ هذه الفقرات السابقة ضعف الأبحاث في الطبيعة وعدم قراءة قوانين المادة الداخلية ، كما تشيرُ إلى الاستعاضة عن استغلال حركة المادة الداخلية والطاقة باستخدام الحركة الميكانيكية في الروافع ، وهو ما تجسد كذلك في علم الحيل .
إن عدم البروز الكبير في علمي الكيمياء والفيزياء واختلاط أولهما بعلم السحر ، يشير إلى هيمنة الوعي المثالي على العلوم وهو أمر معبر عن قوانين البنية الاجتماعية ، التي تتحكم القوى العليا في إنتاج الوعي وتحديد تطور أشكاله ، وهي كلها أمور متشابكة عرقلت تحول الحرف إلى صناعات .
ولهذا نرى أن علوم الطب والصيدلة والفلك تنمو بشكل كبير ، بسبب الصرف عليها من قبل الطبقات الحاكمة ، فالعلمان الأوليان يرتبطان بصحة هذه الطبقات وبقائها ، كما يرتبط العلم الثالث بسيطرتها ، حيث أن علم النجوم والفلك اعتبر دائماً مُلحقاً بالقصور ، متابعاً لحركة السماء والنجوم المسئولة في رأيهم عن أحداث الأرض وحظوظ البشر .
وفي الطب كان لا بد من البحث بموضوعية عن الأمراض ، وبإلغاء سلسلة طويلة من الخرافات ، وهنا تصبحُ المادةُ الجسمية بلا تدخلٍ خارجي غيبي ، ويتواجد فلاسفةٌ كبارٌ في داخل المباني الاستشفائية ، حيث تقوم هذه بحماية وجودهم الشخصي وتطور ممارستهم الفكرية المتنوعة ، ولا بد في هذه الحالة من تطوير التشخيص الموضوعي للحصول على نتائج مرضية للحكام والأمراء والأغنياء ، ورغم أن الأرواحَ والغيبيات مهيمنةٌ على الفضاء الفكري للمجتمع والتفكير ، إلا أنه لا بد هنا من اكتشافِ الأسباب الموضوعية لمشكلات الأجساد وتكويناتها ، فينفصلُ الجسمُ عن الروح ، ويغدو ذا قوانين مستقلة عن اللامادة ، مثله مثل بقية أشكال المادة ، لكن تبقى السيطرة الأساسية في الكون الثقافي الديني للسماء والأرواح والنصوص الدينية .
ولهذا فإن ثنائية الروح الجسد ، وثنائية السماء والعالم ، لا تعبران عن نقص مستوى العلوم فحسب ، بل عن الضرورة الحتمية لفحص الجسد والعالم بشكل موضوعي تتطلبه الضروراتُ الصحية والإنتاجية .
لكن هذا لا ينفي ، من جهة أخرى ، ضخامة وجود السماء وأفلاكها وكواكبها وعوالم الأرواح والنفس الكلية والعقل الفعال والعقول السبعة والعشرة الخ ..، وسيطرتها على عالم الجسد والمادة .
إن الطب وتابعه علم الصيدلة ينموان باتساعٍ كاشفين سلسلة طويلة من الأمراض والتكوينات العشبية والمادية العلاجية ، ولكن استقلال الروح وهيمنة الغيب يبقيان على علم النجوم والدين كملاذين من نقص هذين العلمين وغيرهما في سيطرة الإنسان على جسده ونفسه وواقعه .

الحرفية والرؤى الفكرية

انبثق معظمُ المفكرين والفلاسفة وممثلو الحركات الاجتماعية من الفئات الوسطى ، ولا يقود هذا الانبثاق بالضرورة إلى تعبير عن هذه الفئات ، فهذا يعود لمواقف هؤلاء المفكرين والفلاسفة .
إذا نظرنا لمعظم المنتجين المفكرين وجدنا بصمات الحرف والمناطق الريفية أو الفقيرة تعلم نشأتهم كالعلاف والنظّام والحلاج والإسكافي والغزالي والباقلاني الخ.. ، وتدل هذه النشأة كذلك على طابع الفئات الوسطى الصغيرة عادةً المنتجة والمطحونة ، وعلى المستوى التقني السائد ، وينعكسُ هذا المستوى التقني على طابع التفكير .
يقول الباقلاني وهو يثبت أولية الإله :
[ فوجب أن تكون صور العالم وحركات الفلك متعلقة بصانع صنعها ، إذ كانت ألطفَ وأعجب صنعاً من سائر ما يتعذر وجوده من صانع الحركات والتصويرات ] ، (13) .
إن دليلَ الصانع هو دليل تضربه الحركاتُ الدينية في إثبات الخالق ، وهو مستقى من طابع الحرف ، حيث لا توجدُ طاولةٌ أو بابٌ دون نجار ، فتغدو الطبيعة الموضوعية مثل الطبيعة المصنوعة بشرياً ، فكلتاهما لا بد أن تكونا مخلوقتين ، استنتاجاً من البشري المرئي على الغيبي غير المرئي ، وهذا المنطق الصوري ، يتوافق هنا مع صناعة يدوية تقوم بتركيب أجزاء المواد بعضها ببعض لإنتاج أداة ما .
إن المنطق الصوري هو منطق شكلي يقيس المتشابهات في شكلها الظاهري ، ويقيم تضادات لا تقبل التداخل ، ولا يعرف النمو النوعي المنبثق من تراكم سابق في المادة والأشياء ، ويستنتج من فكر المقابلة غير الجدلي استنتاجات كبرى متضادة كلياً ، والإنسان الحرفي الرجل هنا الذي صنع البيت وركب الباب ، ووضع القنديل ليضيء ليلاً ، عكس تصوراته على الكون وعملية خلقه ، فهو كالإله ركّبَ سقفَ البيت وصنع القنديل والكرسي والطاولة وجعل المرأة تابعة له ، وكل ذلك في عدة أيام ، ثم استراح في اليوم السابع ، (14) .
وتقوده معلوماتــُهُ الجديدة عن الكون إلى إدغامها بهذه الرؤية الحرفية وكما غدت السماء شكلاً للسلطة السياسية ، فكذلك صارت شكلاً للسلطة الفكرية عبر العلوم المنتجة بهذه الأدوات الفكرية .
إن فكرة الصناعة الحرفية البشرية تــُطرح على أكبر الأجسام وهو الكون كما تطرح على أصغر الأجسام . يقول أبو هذيل العلاف :
[إن الجسم يجوز أن يفرقه الله سبحانه ويبطل ما فيه من الاجتماع حتى يصير جزءاً لا يتجزأ ، وأن الجزء الذي لا يتجزأ لا طول له ، ولا عرض ، ولا عمق ، ولا اجتماع فيه ولا افتراق ، وإنه يجوز أن يجامع غيره ، وأن الخردلة يجوز أن تتجزأ نصفين ثم أربعة ، ثم ثمانية ، إلى أن يصير كل جزء منها لا يتجزأ ] ، (15) .
إن أبا هذيل يناقش قضايا عميقة ، ويبحث في قضايا تكوين المادة ، لكنه كما يحددُ سقفَ الكون بالسماوات السبع ، فهو يحددُ سقفَ الجزء الذي لا يتجزأ الذي لا بد أن يصلَ إلى حدٍ معين ويقف عنده ، وهنا يطرح [ الخردلة ] هذه النبتة الزراعية المنتجة بشرياً ، والتي يفلقها إلى أجزاء فيقف تكوينها الظاهري عند حد معين لا يتجاوزه .
إن أبا هذيل لا يمتلك مختبرات ولا أجهزة لكي يغوص في تكوين هذه الخردلة ، مكتفياً بنظره ، وتعطيه هذه القدرة الحرفية والإيمان الديني المسبق ، استنتاجات ليس عن تكوين الخردلة بل عن تكوين المادة عموماً . لقد قفز من الخردلة إلى المادة الكونية التي لا بد أن تقف عند حد معين .
بطبيعة الحال لو كان يمتلك تلك الأجهزة ، وهي تعبرُ عن عصرٍ آخر ، لربما غير من رأيه الديني الواقف عند ذلك المستوى الحرفي .
إن أبا هذيل يرى المادة وهي ساكنة ، جامدة ، مُـقطعة بالأصابع البشرية ، ومرئية بالنظر المجرد ، فلا يرى أنها متحركة ، وأن لها حركة داخلية غير مرئية ، ومن هنا قطع سيرورتها الطبيعية ، أي لم ير كيف كانت قبل ذلك كجزء من النبات ، وتطورت بقوانينه ، وأنها الآن وهي بين أصابعه تتحلل وتعود لجزئيات صغيرة غير مرئية .
وحتى لو أن الرائي هو النظّام فإنه سيرى الخردلة وهي تتجزأ ولكنه سيراها بشكل عقلي بأنها سوف تتجزأ إلى مالا نهاية ، بحكم وعيه العقلي المسبق ، في حين سيرى الكون واقفاً عند حد معين من النمو ، فتغدو اللانهائية في جهة واحدة . حيث لا تسعفه أدوات البصر للنظر إلى الكون البعيد .
وهكذا فإن المنتجين الفكريين ستكون آراؤهم العقليةُ واتجاهاتهم الفكرية متلونةً تجاه معرفة الأشياء ، لكن هذه المهن والمواقف ومدى قربها من الأشياء ، ستؤدي إلى أفكار أكثر تطوراً .
ولهذا فإن المهن التي يمارسها الفلاسفة قد تطورت ، فثمة مسافة بين أبي هذيل العلاف وبين ابن سينا ، ليس لأن الأول لم تكن لديه مهنة محددة ، وإنه كان شبه مقتلع من جذوره الاقتصادية و [القومية] ، وأن الآخر كان في بيئة اجتماعية أكثر تماسكاً وقوة وتجذراً [ قومياً ] ، وإنه كان صاحبَ مهنةٍ راسخة هي مهنة الطب التي يحتاج إليها الناس بشدة ، ليس هذا فحسب بل أنه كان أقرب إلى العلوم والمواد المدروسة ، فكان يقوم بالعلاج والتشريح ، وكانت تحيطه موادٌ ثقافية أكبر وأعمق ، أي كان العقل [ الفعال ] ، ليس المتواجد في السماء ، بل الـُمنتّج على الأرض والذي يمثل التراكم الثقافي ، ذا كثافة أكبر سمحت له أن يتوصل إلى نظرة أكثر عمقاً واتساعاً من أبي هذيل العلاف ، فأصبح العالمُ المادي لا نهائياً في سيرورته العامة ، ومسيطراً عليه إلهياً ، أي محكوم سياسياً من قبل مركزٍ ما . أي أنه قام بالجمع بين مادة خالدة ، وأبنية دينية متحكمة في الوجود البشري .
أي أن تطور الفكر الفلسفي لن يتوقف على المهن الحرفية فقط ، فهي وجهٌ بسيط يقدم مواداً أولية محدودة ، ولكنه يعتمد أيضاً على التطور الثقافي عامة الُمحتضن من قبل قوى اجتماعية واسعة ، تتراوح بين جذور قومية لم تتكشف بعد ، وفئات وسطى طامحة ، وقوى تقليدية لا تزال مهيمنةً وبقوة على الفضاء الاجتماعي .
وفي حين كانت علوم الكيمياء والفيزياء والرياضيات لا تجد اهتماماً حكومياً كبيراً كانت علوم الطب والفلك والهندسة تلقى ذلك الاهتمام ، وهو أمر ترسخ منذ العصر القديم .
فنجد دور العلاج والمستشفيات التي تقام في المدن يوضع على رأسها أطباء كبار . ومن سيرة الرازي نقرأ :
[ عـُين رئيساً لأطباء مستشفى الري ، ثم عهد إليه بتدبير مستشفى بغداد ] ، (16) ، كذلك أنشأ المأمون فريقاً لقياس محيط الأرض بسبب تضارب القدماء فيه فأراد [حسم هذا الخلاف والوصول إلى القياس الدقيق ، فأمر بعمل الآلات واختيار موضع لهذه المساحة ] ، ( 17) ، في حين لما أراد البيروني في زمنٍ ووضعٍ آخر أن يتحقق من دقةِ هذا القياس قام بعمل فردي شاق .
إن كلَ هذه الظروف الاجتماعية والثقافية المتداخلة قد جعلت العلومَ مشتتةً ، فاقتربت من قوانين حركة الأجسام الكبيرة الخارجية ، المتاح رؤيتها والتعامل معها ، في حين بقي الفضاء الخارجي وداخل المادة ، نائيين عن هذه العلوم .
كذلك فإن العلوم تبعت حركة السيطرة الاجتماعية وطبيعة الصرف السياسي ، فتجسدت التطبيقات لها في بناء القصور والمساجد والمستشفيات والصيدلة ومشروعات الري .
ولم تنمُ العلومُ الإنسانية غير الدينية وغير اللغوية والأدبية نمواً كبيراً بل بدأت في أواخر هذا العصر عبر ابن خلدون وتلامذته في الانفصال عن هيمنة العلوم الدينية وبدأت تستكشف قوانين الاجتماع والتاريخ .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر :

(1) : (سوسيولوجيا الفكر الإسلامي، محمود إسماعيل، مصدر سابق ، ص44، ج 3 ) .
(2) : ( راجع الفصول التي كتبت عن أسباب ظهور التفكير الفلسفي وأعمال الجاحظ والكندي في الجزء الثاني من هذا المشروع ) .
(3) : ( الجامع في تاريخ العلوم عند العرب ، الدكتور محمد عبدالرحمن مرحبا ، منشورات عويدات ، ط 2 1988 ، ص 388 ) .
(4) : ( المصدر السابق ، ص 315 ) .
(5) : (قول جابر بن حيان ، استناداً للمصدر السابق ، ص 316 ) .
(6) : ( المصدر السابق ، ص 320 ) .
(7) : ( راجع قائمة مكتشفاته في الصناعة الكيمائية في ص 462 من العلوم عند العرب في الموسوعة العربية العالمية ، مجلد 16 ، مصدر سابق ) .
(8) : ( الجامع في تاريخ .. ، ص 318 ) .
(9) : ( الموسوعة العربية العالمية ، ص 460 ) .
(10) : ( راجع الجزء الثاني من هذا المشروع ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، فصل الكندي ) .
(11) ( الموسوعة العربية العالمية ، ص 464 ) .
(12) : ( السابق ، نفس الصفحة ) .
(13) : ( مذاهب الإسلاميين ، عبدالرحمن بدوي ، 602 )
(14) : ( راجع العهد القديم ، سفر التكوين ) .
(15) : ( مذاهب الإسلاميين ، ص 182 ) .
(16) : ( الجامع في تاريخ العلوم ، ص 259 ) .
(17) : ( السابق ، ص 434 ) .

جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

العلوم والإنتاج والفلسفة

لم يعرف العرب وهم في جزيرتهم شيئاً مهماً من العلوم الطبيعية والرياضية ، وقد حثهم الإسلام على دراسة ظواهر الطبيعة من كائنات وحيوانات ونبات ، وكذلك من ضرورة النظر داخل الإنسان وأجزائه وظواهره .
وقد بدأت الصلة بالعلوم عبر الترجمة النادرة في زمن الأمويين ، واتسعت في القرون التالية ، عبر العلاقة بالثقافة اليونانية ، وكذلك الثقافة الهندية ، اللتين غدتا المصدرين القريبين من الحضارة العربية، جغرافياً وتاريخاً .
وتتعلق إمكانيات التطور العلمي ليس فقط بالاحتكاك ولكن بالقدرة على الدراسة الموضوعية في ظاهرات الطبيعة ، أي أن يستطيع العقل تحليل الأشياء بدون عقبات أيديولوجية وسياسية .
ولكن القوى المهيمنة وقد اتخذت السقف الفكري الديني الذي ركبته على مستوى النظام السياسي ، معياراً لمدى توغل الوعي في قراءة الطبيعة ، حدت من تطور العلوم باعتبارها مضادة للدين ككل .
إن السقف السياسي – الفكري للنظام الاجتماعي ، يتحدد بهيمنة المركز على الملكيات الزراعية الواسعة ، وتأتي الحرف والتجارة ، تبعاً وكنتائج لهذه السيطرة على الزراعة وقوى إنتاجها ، ونظراً لأن الزراعة تقوم على ركود طويل لقوى الإنتاج ، وتبعية شبه مطلقة لقوى الطبيعة ، فكان هذا عائقاً أساسياً ومستمراً لتطور العلوم وبالتالي لتطور المجتمع والفلسفة .
ولهذا فإن تطورات العلوم تغدو متقطعة ، لارتكازها أولاً على حاجات الأرستقراطية الحاكمة من أبنية ومعالجة وصناعات ضرورية ومكملة لهذا البذخ .
إن السقف السياسي لتطور العلوم يغدو واضحاً بارتباطها اللامباشر بقوى الإنتاج ، فهي تغدو تابعة للعالم الزراعي / الحرفي المهيمن المتواري ، الذي يعيق تقدمها المتواصل .
لكن السقف السياسي للنظام يتواشج ويتداخل مع سقفه الديني ، فقد تركز الوعي الديني التابع للحكام هنا على الحفاظ على ذلك السقف الإنتاجي الراكد ، ولهذا فإن هيمنة هذا النظام السياسي الديني ، كانت تعني الحفاظ على مستوى من الفهم النصوصي المحدود والضيق للقرآن والسنة ، أي الحفاظ على مستوى تطور متدنٍ للعلوم ، خوفاً من اختراقه لسيطرتها على الحياة السياسية والاجتماعية .
ولهذا كان الفهم المتزايد تطوراً للقرآن والسنة ، يتعاضد والفهم المتزايد للفلسفة والعلوم . وكان الاثنان يشقان طريقاً لزحزحة تلك السيطرة السياسية الاقتصادية على قوى الإنتاج الزراعية .
وهي سيطرة واسعة من حيث الجغرافيا ، حيث الحدود الإمبراطورية ، لكنها سيطرة ضيقة من حيث القوة الطبقية ، فهي أرستقراطيات بغداد على وجه الخصوص ، ولهذا كانت الحركة التاريخية التالية هي حل هذا التناقض .
إن الحقبة الأولى من النهضة العربية الإسلامية المواكبة لزمن الدولة العباسية الأولى : 132 / 332 ، يتمثل في تصادم نزعتا التجديد والمحافظة بقوة شديدة .
إن القوى المحافظة تقوم بجعل ثقافة العرب البدوية وكأنها مطابقة لمستوى الإسلام وإمكانياته المعرفية . ولهذا تقوم بنقل ثقافة العرب اللغوية والأدبية والدينية بشكل حرفي من أجل عدم تطويرها من قبل الأمم المتحضرة المحكومة من قبل العرب . ويمكن أن نرى مدرسة الكوفة النحوية والحفاظ على عمود الشعر والارتباط الصارم بتقاليد العرب والنصوصية الفقهية الشديدة والتمسك بالأساطير والخرافات كتنويعات على هذه المحافظة ، التي ووجهت بعمليات تجديد وتفسير عقلي متنوع وكفاحات جماهيرية .
إن تطور الدولة العباسية هو ذاته قد فرض تقدم العلوم المختلفة في القرن الثاني الهجري ، ولكن ذلك يرتبط بمستوى الإمكانيات الموضوعية للتطور التي يحددها أسلوب الإنتاج .
وكان تشكل إمبراطورية واسعة بعاصمة هائلة هي بغداد ، قد أدى إلى تضخم عوائل الأشراف التي كثرت حاجاتها لبناء القصور وأدوات المتع والشفاء ، كما أدى إلى اتساع الفئات الوسطى التجارية والحرفية والإدارية والفقهية ، التي كانت لها هي الأخرى مستويات معيشة جيدة . وكل هذه التطورات المادية كانت بحاجة ماسة إلى تطور علوم الطب والصيدلة والرياضيات والهندسة والفيزياء والكيمياء.
وإذا كان للدولة مصلحة في إزالة الإيديولوجيات الوثنية والتعددية التجسيمية ، فإن هذا أوجد فضاءً فكرياً مساعداً كذلك على نمو العلوم الرياضية والطبيعية ، في حدودها الدنيا أولاً .
فلم تنبثق العلوم من قوى الإنتاج مباشرة ، بل عبر الترجمات من مصادر المعرفة الإنسانية المختلفة اليونانية والهندية والفارسية، ولهذا نجد في هذا العصر السالف الذكر والتوصيف ، العلماء الفرديين ذوي العلوم الوحيدة أو المتقاربة ، كالخوارزمي المتوفى سنة 232 هـ ( الذي صنف كتابه الهام في ” الجبر والمقابلة ” الذي أفاد منه سائر علماء عصره) ، (1) .
ويُلاحظ هنا إن هذا الطابع الفردي للعلم ، أي المتخصص في علم بعينه ، أو في علوم متقاربة ، قد سبق ظهور الفلسفة ، أي إن مقولات الفلسفة لم تدخل بعد في هذه العلوم ، سواء كان دخولها إيجابياً أم سلبياً ، لأن ظهور الفلسفة سيكون تتويجاً لتطور العلوم .
ولهذا كانت عملية نمو العلوم تتم بدوافع فردية وباجتهادات خاصة ، وبدون علاقة مباشرة بأجهزة الدولة ، فلا يكون لهذه العلوم سقف إيديولوجي ما ، لكن بعض العلماء لا يجد من إمكانية لتطور علمه بدون (رعاية) ما من قبل الدولة كما حدث للخوارزمي في هذا الزمن والأزمان التالية بشكل عام .
كما يُلاحظ في هذا العصر أيضاً ضخامة التقدم الذي حققته العلوم الإنسانية (الأدبية) ، بخلاف العلوم الرياضية والطبيعية التي كانت جنيناً داخل رحم المرحلة .
والعلوم الإنسانية المقصودة في هذا العصر هي العلوم الأقرب للثقافة ، كالنحو والصرف والبيان وقواعد الموسيقى ، نظراً للحجم الكبير من الثقافة العربية الدينية الخام المنقولة من عصر سابق ، والتي قام الوعي بالاشتغال عليها حفظاً ورصداً وتحليلاً .
كما أن العصر كان قريباً من المرحلة السابقة ، الإسلامية التأسيسية والأموية ، ولهذا فإن العلوم الطبيعية لم تحض بمشتغلين كثيرين في هذا الزمن .
لكننا نستطيع أن نلحظ لدى المفكرين فيه بدايات تفكير موضوعي في الكائنات والأشياء والحيوان والإنسان ، فالمعتزلة في طريق بحثهم عن مسئولية الإنسان عن أفعاله ، راحوا يفكرون في الأفعال البشرية وتوالدها ، وفي الطبيعة وأشيائها وفي التاريخ ومسئولية الإنسان فيه . وأبدع كبار مفكريهم ومنهم الجاحظ قراءة فيها الكثير من الملاحظات الدقيقة عن عالم الحيوان ، (2) .
إن صغر حجم العلوم الطبيعية ، بخلاف الرياضيات التي شهدت مولدها ونموها الكبير ، يعود لطبيعة الثقافة الأدبية والنظرية المهيمنة ، في هذا العصر ، ولبداية نمو التفكير النظري ، الذي سيبدأ فلسفياً مع الكندي في أواخر القرن الثاني الهجري وبداية القرن الثالث ، والذي هو يمثل زمن سقوط العصر العباسي الأول ، ذي الدولة المركزية ، ومجيء العصر العباسي الثاني، عصر الدويلات .

ظهور المادية الجدلية

الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، صدر الجزء الأول والثاني معاً بمجلد واحد، في ستمائة صفحة، ويعرضُ فيه المقدمات الفكرية والاجتماعية لظهور الإسلام والفلسفة العربية، 2005.
– الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الثالث، وهو يتناول تشكل الفلسفة العربية عند أبرز ممثليها من الفارابي حتى ابن رشد .
– الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، الجزء الرابع، تطور الفكر العربي الحديث، وهو يتناول تكون الفلسفة العربية الحديثة في مصر خاصة والبلدان العربية عامة، منذ الإمام محمد عبده وبقية النهضويين والمجددين ووقوفاً عند زكي نجيب محمود ويوسف كرم وغيرهما من منتجي الخطابات الفلسفية العربية المعاصرة.

لم يكن لدى الفلسفات الغربية وهي تخرج من العصر الوسيط الديني المسيحي سوى الاعتماد على فلسفة أرسطو مادةً ومنهجا، وكانت التطورات الصناعية والتحولات المختلفة تدفع العلوم نحو استيعاب مختلف للحركة، وقد قام ديكارت ونيوتن بطرح مفهوم جديد للحركة هو الفلسفة الميكانيكية، وقد رأينا الفلسفة العربية الإسلامية السابقة وهي تستعين بمنهج أرسطو ذاته ورؤيته لفهم الحركة فكان أقصى جهد لها هو فهم حركة الأجسام في المكان.
ولكن الأدوات والمعلومات التي توفرت في العصر الأوروبي الجديد، التي قام بها غاليلو وكوبرنيكس وغيرهما من العلماء أتاحت فهم حركة الكواكب والشمس بطريقة مختلفة عن السائد في العصر القديم، مما جعل ميكانيكا فهم الأجسام الكبيرة تسيطر على الوعي العام بالحركة. وقد تمظهرت هذه لدى نيوتن بقوانين الجاذبية. وحددت هذه الفلسفة ميكانيكا الأجسام عموماً حيث الحركة في المكان- الزمان تقوم على قوانين مادية محضة، أي قوانين من داخل المادة، ولكن الداخل هنا بمعنى حركة الأشياء، فظل التناقض المادي الجسمي الخارجي الآلي هو المسيطر على فهم هذه الحركة الأبدية العامة، لكن كان لا بد من وجود مصدر لظهور هذه الحركة فكان الإله. وهنا تتآلف الفلسفة الميكانيكية مع الدين بإعطائه إشارة خلق الساعة الكونية، وتوقيتها، وربما إنهائها، لكنها كذلك تفصل الحركة عن عمليات خلق الكون الغيبية، وأدى طرحها بأن الشمس مركز المجموعة الشمسية وتكون المجموعة من سديم، إلى توجه العلوم نحو إعادة النظر في المعطيات الفكرية الأرسطية بشأن مصدر الحركة وبشأن الطبقات السفلى من تاريخ الكون والمادة، وبالتالي يفتح الآفاق لقراءة الظاهرات المادية الصغرى والمواد والكائنات المختلفة.
وهكذا فإن الفلسفة الميكانيكية وهي تنشئُ العلومَ الحديثة كانت تتعرضُ هي نفسها للزوال. فهذه الفلسفة الميكانيكية بتطبيقها على مجالات الحركة في أجسام أصغر، وظاهرات ذات تحولات مركبة كعمر طبقات الأرض وكيفية احتراق المواد وكيفية ظهور أنواع الأحياء لم تستطع أن تصنع إجابات علمية. كان تطبيقها على هذه الظاهرات يقوم على إرجاع عنصر التحول إلى عوامل خارجية وإلى غازات غير محددة، لكن تطورَ الصناعة الكبير كان يخضع هذه المواد المجهولة إلى الكشف، فغدت عوامل تحول المادة الفيزيائية والكيميائية تقوم على الذرات والجزيئيات الداخلية، وبدا يظهر أن المادة تتحول إلى طاقة والطاقة تتحول إلى مادة، وان قانون بقاء المادة قانون علمي أساسي.
أظهرت الجيولوجيا أن طبقات الأرض لها تحولات طويلة وأنها لا تتوقف عن الحركة. المواد كعناصر محددة تكشفت وظهر لتكوينها ولتمازجها قوانين محددة. تم اكتشاف تطور الخلية الحية، وأن أنواع الأحياء نتاج تطور تاريخي طويل.
إن كل أنواع الحركة هذه مغاير للحركة الميكانيكية وقوانينها، وكان ذلك يستدعي قيام فلسفة جديدة، تكشفُ الطبيعةَ المعقدة المركبة للحركة وأنواعها في كل أقسام العلوم الطبيعية والاجتماعية كذلك، والأخيرة قد دخلها زلزال التحول أيضا، وكان ظهور فلسفة جديدة يستدعي تفكيك الارتباط بين الفلسفة الميكانيكية والدين، ولكن أخذت المعضلة هذه تتعقد مع ارتباطها بالصراعات الفكرية والسياسية، حيث يلعب الدين التقليدي دوراً محوريا.
إن كشف أنواع الحركة في الأجسام الطبيعية من داخلها، وهو أمر يتناقض مع الفكر الديني التقليدي حيث الحركات قادمة من الغيب، قد ترافق مع تفكيك السلطات الدكتاتورية الدينية والسياسية، فأخذ «الشعب» ينتزع السلطات وراح المنورون يجدون في البناء الاجتماعي قوانين تطوره الداخلية بمعزل عن المؤثرات الخارجية الغيبية.
إن تركيز السلطة في البرلمان هو أشبه باكتشاف قوانين الحركة في المادة، والمادة هذه الكينونة المحتقرة من قبل الفلسفة الأرسطية والدينية السابقة غدت هي بؤرة الوجود.
إن رؤية أسباب التحولات داخل المادة الطبيعية والاجتماعية والبشرية، كان يعني صراعاً طبقياً بين المنتصرين على الإقطاع السياسي- الديني الحاكم، فقد ظهر جناحان للمنتصرين، الجناح البرجوازي الذي آلت السلطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إليه، والجمهور العمالي الذي كان عليه أن يعمل بشكل شاق وفي ظروف متدنية من أجل أن تنتصر وتحكم البرجوازية.
لهذا فإن هذا الانقسام الطبقي انعكس على فهم الحركة وفهم الفلسفة، وأخذت القوى البرجوازية تتحالف مع الأقسام الثقافية الدينية والمثقفين التقنيين من أجل إعادة صياغة الفلسفة بحيث تتوارى لغتها الثورية السابقة، ويتم كشف الحركة في المادة، من أجل أن تستمر العلوم الطبيعية والمصانع، دون أن يكون لهذا الكشف دلالات على الصراع الطبقي الدائر.
بدأت هذه الحركة الارتدادية التقنية الفلسفية في البلد الذي انتصرت فيه البرجوازية أولاً وهو إنجلترا، فظهر جان لوك وديفيد هيوم وجون ستيوارت ميل وصاغوا فلسفةً تعتمد على إنكار وجود قوانين موضوعية في المادة، المستقلة عن الوعي، بل قالوا انه لا يوجد سوى الحس البشري وهو الذي يدرك، والعملية العلمية تدور في مجال هذا الحس فقط، وما هو خارجه ليس في بؤرة الوعي. وعضدت ألمانيا هذه الفلسفة لأسباب تاريخية، فالبرجوازية كانت متخلفة عن قريناتها في البلدان الأوربية الأخرى، وقد ساندت الإقطاع البروسي العسكري، فتأسست فيها فلسفاتٌ متضادة كثيرا، منها الكانتية ومؤسسها عمانويل كانت وهو نفسه العالم الذي اكتشف السديم في المجرة وطرح تصوراً لكيفية نمو المجموعة الشمسية، حيث ركز هو الآخر على كون المعرفة حسية بدرجة أولى، ولكنه أكد موضوعية المعرفة وطرائق الوصول إليها، دون الوصول الكلي للحقيقة لأنه ستبقى أجزاء من الظاهرات خارج الكشف. أما الفلسفات المادية والجدلية فقد تنامت هي الأخرى في ألمانيا، فظهر الجدل لدى هيجل، ولكن جدل هيجل مبنيٌ على كون الفكرة المطلقة أو الروح هي التي تقومُ بالحركة، فهي فكرة مطلقة غيبية لكنها في حركة تالية تتحد بالطبيعة وفي حركة ثالثة تتحد بالعقل، وهذه التحولات الثلاثة تشير إلى حركة الفئات الوسطى الألمانية عبر منظور هيجل المتواري، حيث تنفصل عن الفكر الديني والسلطة المطلقة وتتحد بالمادة الطبيعية والفكرية، ثم تتوجُ في العقل الذي هو أيضاً الدولة البروسية!
إن الفئات الوسطى بالمنظور الهيجلي استطاعت أن تنفصل عن الدولة- الدين ولكن ليس بشكل كلي، فتتمظهر في حركة «الروح». وهذا أسلوب فلسفي يوناني وشرقي قديم. ولكن ما يهم هنا هو طريقة الروح في التحول عبر موقف أول الذي يتم تجاوزه في حركة نفي مضادة، لأن الروح تعيش حالة صراع وتناقض، فتحل حالةُ تركيبٍ وتجاوز للنقيضين في موقف جديد، ولكن الموقف الجديد يستتبع وجود تناقض آخر يؤدي إلى حركة جديدة وهكذا. هذا المنهج الجدلي كان اختراعاً ألمانيا، أي ظهر في حالة ألمانيا الإقطاعية المتخلفة عن برجوازيات التحول الكبرى، وفي وجود الفئات الوسطى التي لم تتشكلْ كطبقةٍ قيادية، ومن هنا فالجدل يظهرُ في شكلٍ ديني مثالي موضوعي، فهناك الفكرةُ المطلقة أو الروح وهي المعبرة عن الطبقات العليا المسيطرة، لكنها تلتحم بالطبيعة والمادة المعبرة عن الطبقات الشعبية، وفي هذا السديم الفكري الاجتماعي، المعبر عن حالة ألمانيا القلقة، تدور فلسفةُ هيجل، منهجها الجدلي ثوري، وغلافها الفكري محافظ، وبين الثلاثينيات والأربعينيات من تاريخ ألمانيا وأوروبا في القرن التاسع عشر، تنفجرُ ألمانيا وتنفجر فلسفة هيجل معاً!
لم تحصل ألمانيا على فرصة تاريخية مطولة كي تشكل تحولها الديمقراطي، والبرجوازية تمشي في حضانة عسكرية من قبل الدولة، وجاء هيجل بجدله التحولي ليطرح منهجاً مهماً في فهم وتفعيل الحركة على مختلف الأصعدة، فانتقلت قيادة الحركة الاجتماعية إلى الفئات البرجوازية الصغيرة، ومنها ظهر فورباخ بماديته النافية لمثالية هيجل، وظهر اليسار الهيجلي، وهي قوى حاولت دفع البرجوازية لكي تنقض على الإقطاع دون فائدة.
وهذا هو ميلاد الماركسية. تشكلت في لحظتها الأولية تلك كنقيض للطبقتين الإقطاعية والبرجوازية معا. أي اندفعت نحو العمال كملاذ أخير من الجمود السياسي الاجتماعي. وهنا كانت أشبه بصرخة سياسية أكثر منها علما. ومن هذه الصرخات سوف يرى لينين الماركسية. وهذه القضية ستبقى مشكلة كونية للبلدان المتخلفة عن البلدان المتقدمة ولرغبتها القومية الحادة في اللحاق بالمتقدمين.
كانت عقلية «البيان الشيوعي» المكتوب من قبل ماركس وإنجلز تطرح تصوراً كونياً لقرون قادمة وليس لحل إشكاليات الصراع الطبقي الراهن في ألمانيا نفسها، فكانت ألمانيا بحاجة إلى تشكيل تحالف برجوازي- عمالي يبعد القوى الإقطاعية العسكرية المتطرفة عن السلطة وليس لإزاحة البرجوازية التي لم تكن تحكم!
إن لغة المثقفين المنتمين للبرجوازية الصغيرة يسقطون هنا وعيهم السياسي التحويلي على الواقع الموضوعي فيطرحون مهمات غير ممكنة سياسيا، في إطار إيديولوجي مُسقط، وبطبيعة الحال يطرحون ذلك كصوت للطبقة العاملة، وهذا على المدى التاريخي صحيح، لكنه في الواقع الراهن غير واقعي، وتداخل المدى التاريخي واللحظات السياسية الراهنة، بمهماتها العملية الكبيرة، لا يتطابق ويتداخل بصورة جدلية، فهيمنة الطبقات العاملة تتم بعد قرون من التراكم السياسي والاقتصادي والثقافي لكنها كمهمة مرحلية غير ممكنة. وترتبت على لغة أقصى اليسار بمظاهرها الاجتماعية وثورتها هذه توجه البرجوازية الألمانية نحو أقصى اليمين، كذلك فإن ذهاب ماركس- أنجلز للعيش في إنجلترا أضفى على لغتهما الثورية العاطفية الألمانية بعداً أكثر موضوعية، وبدأت عمليات الاكتشاف العلمي العميقة للرأسمالية والعلوم، التي حصيلتها كتب موسوعية مثل «رأس المال» و«جدل الطبيعة» وغيرهما، لكن الاستنتاجات ظلت في الإطار التاريخي العام وليس داخل صراعات البنى الرأسمالية الوطنية بمختلف مستوياتها وليس البحث كذلك في كيفية التغلب على الدوائر المتطرفة سياسياً وفكريا.
إن انتصار البرجوازيات الكبيرة في الأقطار الرأسمالية الرئيسية تحقق بفضل انتصار أسلوب الإنتاج الرأسمالي وتوسعه العالمي وتدفق فيوضه على الفئات المالكة والوسطى، وأعطت ألمانيا نموذج الجمع بين الفكر الإقطاعي السابق والفكر البرجوازي التابع فكان الجمع بين أشكال الفكر الدينية والصوفية واللاعقلانية وبين أشكال من العقل والليبرالية المحدودة والمهيمن عليها وهي الثقافة البرجوازية- الإقطاعية الهجينة التي ترتبت على قيام البروسية البسمركية في السيطرة على البرجوازية الخاضعة. ومن هنا رأينا ألمانيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وهي تتخلى عن الجدل الهيجلي وتروجُ فيها الكانتية والكانتية الجديدة والوضعية المنطقية والتجريبية. يقول جورج لوكاش: «إن جدل هيجل حين يحاول السيطرة على هذه المسائل في منظور تاريخي، هو ذروة الفلسفة البرجوازية. إنه يمثل أقوى مشروع حاولته للتغلب على هذه المعضلات الجديدة: محاولة صهر طريقة قادرة على ضمان الفكر الإنساني كاقتراب لا محدود وانعكاس للواقع بالواقع نفسه»، «تحطيم العقل، جزء 1، ص 76 – 77».
إن مشروع هيجل يظل مشروع فئات برجوازية لم تتشكل كطبقة قائدة لعملية التحول، ولهذا هو مفكّكٌ بين منهج جديد وبناء تقليدي، وتخلي هذه الفئات عن الجدل واتجاهها للعلموية الوضعية، لكشف المادة الجزئية المحدودة المنقطعة عن قوانين بنية المادة الطبيعية والاجتماعية، فهي هنا تمثل البرجوازية التي تدير المصانع المحتاجة للتقنية، في حين أن اتجاهها للاعقلانية والصوفية وفلسفات الحياة هي للسيطرة على الوعي العام وإدارة الدولة والمجتمع، وهذا الانقسام بين وضعية علموية تجريبية وكانتية وبين فلسفة الحياة المتجهة للفاشية، جانبان يتكاملان يعبران عن هذا التزاوج الإقطاعي- البرجوازي وقد تحول إلى طبقة سائدة ذات أصول بروسية عسكرية وبرجوازية نهمة للاستيلاء على المستعمرات.

جمعية التجديد الثقافي

عبـــــــدالله خلــــــــيفة السيرة الذاتية

منذ أن ظهرت جماعة التجديد من أقبية السجن المكلل بالمعاناة وهي محط اشتباه عند الغالبية العظمى من الجماعات السياسية الشيعية، بسبب النشأة الغامضة للجماعة في أتون السجن ودعوتها لأشياء جديدة لا تتوافق مع الجو السياسي العاطفي الساخن لدى هذه الأغلبية. ظل أصل النشأة غامضاً، لكون الجماعة لم تصدر شيئا تاريخيا بهذا الصدد، فظهرت شائعات كثيرة أغلبها يربطُ الجماعةَ بمؤامرة بهدف زعزعة الصف الشيعي المتماسك الموحد. واعتبرت هذه الشائعات أن تكوينَ جماعةٍ سياسية تزعمُ الاتصالَ بالمهدي وأنها طليعة لقدومه العظيم، هو خطة مدبرة دقيقة، ولكن ما قـُدم من قبل الرافضين لهذا التشكل لا يعدو أشياء عجائبية لا يصدقها العقل، مثل أن زعيم الجماعة كان يُظهر معجزات بالاتفاق مع إدارة السجن، لكي يرتفع في نظر اتباعه القلة وقتذاك، الذين تضاعف عددهم بعد الخروج من السجن.
وإذا كان ذلك صحيحاً على هذا الافتراض فإنه من الصعب التصديق بأن هذه الجماعة هي مؤامرة بهذه الطريقة، فقد توجهت لإنتاج الفكر وإصدار الكتب وعقد الندوات وتوفير أجواء من البحث، من دون أن تكون كل هذه الثمار المتنوعة بمثابة (مؤامرة). ولا يمكن لمشعوذ مهما كانت قدراته أن يخلق تيارا فكريا. وإذا قال معارضو جماعة التجديد: إنها مؤامرة موجهة لتفتيت الصف الشيعي فإننا لم نجد شيئاً مسيئاً للشيعة أو لغيرهم من المسلمين في هذه الأدبيات.
أما إذا قيل: إنها جماعة موالية للسلطة فلماذا لا يُسمح بظهور جماعات سياسية موالية للسلطة؟ ولماذا لا تظهر جماعاتٌ أخرى محافظة معارضة؟ لكن لا توجد كذلك أدلة على موقف سياسي محدد لجماعة التجديد، فهي أقرب لجماعة فكرية تتسم بمرونة سياسية وببعد نظر ثقافي ولا تحشرُ نفسَها في زاوية، صحيح أن أطروحاتها الاجتماعية ضد الفقر والبطالة والاستغلال غير مرئية، لكن ذلك أيضاً هو موقف اجتماعي هي حرة في انتهاجه. والمهم هنا أنها تدعو إلى أفكار بالكلمة وهذا هو المميز، أما المواقف الفكرية فلها حساب مختلف.
إنها تطرح الاختلاف وتجتهد في البحث وهذا لا يضر أحداً لأن القضاء على الفكرة يتم بالفكرة لا بالقبضات القوية والعصي. وتبدو الجماعات الكبيرة المعادية لجماعة التجديد في وضعها الفكري المحافظ غير راغبة في اثارة أي جدل فكري، وهي تغلق الأبواب في بحث تاريخ الأديان والأفكار، وهذا ليس من حقها، بل من واجبها إطلاق حرية البحث حتى فيما يتعلق بالمذهب الشيعي نفسه، فهو ملكٌ للمسلمين وليس فقط حكراً عليها.
لكن جماعة التجديد في كتبها وأوراق بحوثها الكثيرة ومقالات أعضائها تتجنب الصراعات وتمتنع عن الإثارة كما هو الحاصل في بقية التيارات، ربما لإدراكها صعوبة مثل هذه الإثارة في وسط ديني محافظ، كما أن خطوات التجديد في الوعي الديني بحاجة إلى الحصافة وبعُد النظر والهدوء، فهذه مقدسات الناس وليست تجارة بضائع، وهو ما التزمت به الجماعة.
وهي لها حق الاجتهاد والتأويل في الموروث الديني من دون أن تلزم غيرها به كذلك. ونريد من يتهم هذه الجماعة بذلك أن يضع بين أيدينا دليلاً على إساءة الجماعة لرمز من الرموز الدينية، أو تحقيرها لعبادة وسوى ذلك من الأدلة، أما الاتهامات الجزافية فهو أمر خطر.
ان التركيز في لفظ (السفارة) وان الجماعة تزعم الاتصال بالمهدي عليه السلام وانها تمهد لعودته وغير هذا من الافتراضات، فلا يوجد دليل ملموس حول ذلك. لكن إذا خرجت الجماعات من أفق هذا التفكير النصوصي، ورأت ان رمزية المهدي أوسع من هذه المحدودية، وأنها رمزية خلقت ثورات فكرية وخصباً جدلياً وثقافياً كبيرين، فكم من ثائر قال ذلك، وكم من حركات في التاريخ الإسلامي الطويل نشأت على هذا التداخل بين الغيبي والواقعي، بل ان التاريخ الثقافي الشيعي نفسه مليء بمثل هذه الحركات.
وفي الثقافة السنية اندلعت ثورات كبرى وتشكلت مقاومة وطنية باسم المهدي، وكل هذا بسبب هذه الرمزية المتعددة الآفاق والاحتمالات، فيجب ألا تـُؤخذ بحرفية نصوصية وبانعدام للخيال الخصب والتأويل. ومن المؤكد أن رمزية الاتصال تعني تشكيل موقف سياسي ويجد القائمون على احتكار المعنى الرمزي أنه يجب ألا ينازعهم منازعٌ في هذا الاحتكار، ثم تم تحويل الصراع مع جماعة التجديد إلى هذه الجزئية الصغيرة وتم شحن العواطف حولها، ونسيان الجوانب الثقافية الأخرى، مما يؤدي إلى تحريض البسطاء الذين لا يعرفون أن المسألة ثقافية واجتماعية كبيرة، ذات أبعاد معقدة ومركبة، فيتم التركيز في تفصيل هدم المقدس والاعتداء على حرمة الدين. وحتى لو أن جماعة التجديد توجهت لهذا الهدم المزعوم فهل تستطيع أن تفعل شيئاً؟ هل تستطيع أن تزيل حجراً واحداً من هذا الإيمان؟ بطبيعة الحال هذا غير ممكن، ولهذا ما الداعي للخوف والتناحر؟

مشروع جمعية التجديد

حين أصدرت جمعية التجديد الثقافي مشروعها في عدة كتب تحت اسم «عندما نطق السراة»، أبهرتني الجمعية بهذا النتاج الثقافي، فلأول مرة يقوم مثقفون بحرينيون بإنتاج عمل فكري ثقافي واسع، خلافاً لكل الجمعيات السياسية التي دأبت على إنتاج الشعارات وتعطيل العقل المنتج الناقد، فلم يظهر لها إنتاج فكري متميز خلال العقود السابقة، وهو أمر كان يدل على سيطرة العفوية والتلقائية السياسيتين، في حين أن جمعية التجديد التي اختارت الظل قامت بما عجز عنه أولو القوة والبأس في هذا المضمار الفكري.
فهي قد مضت إلى أكثر جوانب الفكر صعوبة وهو مناقشة الأسس الفكرية التي قامت عليها هذه المنطقة، خاصة أديانها، سواء كانت القديمة المتمثلة في الأساطير والديانات ما قبل التوحيدية، أو مناقشة الأديان السماوية، وقمتها العربية: الإسلام.
وقد ظهر ذلك فيى شكل ملتبس، أي عبر كتب بلا أسماء كُتاب، وقد خيل إلي أن جماعة التجديد تعيد إنتاج عمل إخوان الصفا، الذين قاموا في العصر العباسي بكتابة بحوثهم من خلال اسم جماعي، حذراً من السلطات السياسية والمذهبية المتعددة الجامدة الواقفة ضد كل تجديد.
ولكن هذا الحذر لا معنى له في العصر الراهن، بل من شأنه إخفاء جهود الباحثين، وتطورهم الفكري داخل جماعتهم، وإسهام كل منهم، ومعرفة المتقدم البارز من المشارك البسيط الخ.. وبالتالي تحديد خطوط التطور الفكري العميقة والإسهامات في بلورتها.
قرأت بعضاً من هذه الكتب، فوجدتُ نظرات مثيرة ومحاولة جريئة لتجاوز تناقضات المراحل الفكرية، فتلك الهوة بين ما قبل الأديان، وعالم الأديان، ما بين أسطورة مثل جلجامش أو تموز، وبين رموز الأديان التي لم يقبل الفكر الديني مناقشتها، بل إنه اعتبر العالمَ الفكري القديم عالماً وثنياً جديراً فقط باطمس والإلغاء، إن هذه النظرة الدينية التقليدية تم نسفها في مطبوعات جمعية التجديد .
كذلك فإن الخلاف الطويل بين الدينيين عامة سواء كانوا يهوداً أم مسلمين الذين يرجعون أصل الأنسان إلى السماء، وبين العلميين الذين يرجعون التطور إلى ظروف البيئة البحتة من دون تدخل غيبي، قامت الجمعية كذلك بإيجاد مخرج له هو الآخر.
وسلسلة التخريجات لبؤر التضاد الحاد بين الوعي الديني والوعي العلمي، تمتد إلى إلغاء التضاد بين الدين والعلم، وبين الشريعة والحداثة الخ..
ومهما كانت طبيعة هذه التخريجات فهي تغدو بادئ ذي بدء مبعث تقدير بأن أناساً مجهولين (لم يشيروا إلى أسمائهم تواضعاً) قاموا بهذه المأثرة، وهي الدخول في قضايا المنطقة التراثية بكل الغامها وقاموا بالبحث الطويل الموسع فيها.
وهي مأثرة بالنسبة إلينا نحن البحرينيين أن يقوم مواطنون لنا بمثل هذا الجهد الفكري الطويل والعميق وبنكران ذات وبتوجيه الوعي نحو التحديث والتطور مع وجود كل دوائر التعصب والإلغاء.
والدهشة تتشكل بسبب أن المثقفين في جمعية التجديد لم تظهر لهم أبحاث مستقلة سابقة، أو لم يُعرف لديهم باحثون نشروا كتباً في هذه الجوانب العويصة حسب علمنا، التي تحتاج إلى سنوات طويلة من القراءة والبحث، ثم فجأة تصدر كتبٌ موسوعية تحلل الخليقة في مراحلها القديمة كافة معتمدة على التراث الديني، فذلك أمر يدعو إلى العجب بأوسع معانيه.
لأن التجديد يحتاج إلى تراكم ثقافي وتجريب وشخوص كتابية محددة، وإسهامات أولية وتعديلات وأخطاء وخبرة الخ.. أما أن يظهر مشروع هكذا ناجز خاصة في طوره الديني القديم المتعلق بالأديان وتاريخ المنطقة، فهو أمر يحتاج إلى حيثيات وتأريخ وأدلة.
والمؤكد أن بعضاً من جماعة التجديد عاشت في السجن؛ فقرأت كثيراً وتأملت، فالسجن مدرسة كبرى، وهذا المنحى التجديدي المعارض للسيطرة الدينية التقليدية، لا يتشكل إلا في مثل هذه المناخات، وأنا لا أنكر حتى عمليات الهرطقة التي تحدث كثيراً في المجموعات الدينية، حين تزعم الاتصال بالغيب الألهي؛ بهذا الشكل أو ذاك، فهذه ثورات وطفرات معبرة عن صراعات في الوعي الديني، يبحث من خلالها عن استقلاله الفكري، ويكوّن فيها جماعته المميزة ثم ينخرطُ في السيرورة القانونية للفكر الديني نفسه مع معارضته التي حصل عليها بتضحياته.
إن جماعة التجديد إذن دخلت منطقة مليئة بانواع الألغام كافة، فحين اختارت الانفصال عن التفكير المذهبي السائد في جماعتها، اختارت الصراع والاختلاف، وبالتالي شكلت انشقاقاً، ومهما كانت خلفية وجذور هذا الانشقاق، فلا بد أن تكون له رؤيته، فهل هو انشقاق لتحطيم الجماعة أم هو لتطويرها؟ هل هو عمل نضالي لتغيير حياة الجمهور من تخلف واستغلال وعبودية ثقافية أم هو لتكريس هذه الجوانب؟
وبطبيعة الحال فإن الانشقاقات والصراعات الدينية الفكرية غالباً ما تقوم على أرضية الفكر الديني الواحد، فهي لا تنفصل عنه، بل تشكل رؤيةٍ جديدة داخله، وياخذها التيارُ السائد باعتبارها جريمةٍ وتمزيقاً للجماعة، في حين يعتبرها التيار الآخرعملاً تغييراً ونهضويأً واتساعاً لأفق الجماعة بطرح بدائل أخرى.
والجماعةُ التقليدية هنا لا تواجه انشقاقاً على مستوى الفصائل السياسية، التى هي متعددة، بل تواجه انشقاقاً في الرؤية المذهبية ذاتها، في كيفية رؤية العقيدة، فتراه الجماعةُ المنشقةُ باعتباره إصلاحاً على طريقة مارتن لوثر البروتستانتى في مواجهة كنيسة البابا، في حين تراه الجماعة التقليدية انحرافاً وخطراً على الإيمان والعقيدة وتحول مارتن من مصلح إلى كافر ومنبوذ!
ونحن علينا أن ندرس، لا أن نحابي أحد الطرفين، فالدرس الموضوعي يقيد الجانبين.
ولهذا فإن الجانب القديم، جانب القوى الدينية السائدة، يرى عمل المنشقين، ذا طابع سياسي تفكيكي للجماعة، هدفه زعزعة الطائفة، في موقفها السياسي المتحد. فيغدو لديها تاريخ الجماعة المنشقة، وهي هنا جماعة التجديد، جماعة (مندسة مغرضة)، فتدخل عمليات التصوير البوليسية لتاريخ الجماعة المنشقة، وأنها مجرد زرع، لا أصول ولا جذور لها في تاريخ الطائفة. وأنها هي الجماعة الأصيلة النابتة في الشرعية (وهناك مسلسل قصصي في هذا).
وعمليات التصوير البوليسية هذه، لا تستطيع أن تبرر مهما تشكلت بدلة حقيقية أو موهومة، نمو جماعةٍ فكرية ما، فكلُ الجماعات المنشقة وكلُ الأحزاب التي صارت ظاهرات كبرى فيما بعد، كانت جماعات منشقة، وكل الملل والنحل، كانت في بدئها انحرافاً، ومهما كان الزرع اصطناعياً فإنه إذا وجد تربةٍ موضوعية للنمو سوف ينمو، فالمشكلة تعود الى التربة نفسها، وتقبلها للأفكار المنشقة واحتضانها لها!
ونحن لا ندافع عن عمليات الزرع في أجسامنا السياسية التي هي متعددة وكثيرة، بل نقول إنها لا تبرر نمو الفكرة وتوسعها.
وبطبيعة الحال فإن خيارات الجماعة الجديدة لا يمكن أن تفلت من الصراع السياسي الذي ظهرت فيه، فإن التجديد إذا اختارت الاقتراب من الليبرالية السياسية، ومن طرح سياسة وطنية لا طائفية، فهذا أمر يظل يُدرس فى إطار هذه الليبرالية الدينية، وإذا اختارت الطرح العقلاني فهذا يظل مدروساً في ظل هذه الدائرة، فتظل الخيارات السياسية في نهاية المطاف هي التي تحدد مدى عمق هذه الليبرالية، هل هي تصطدم بالقوى المتنفذة في الثروة العامة؟ هل تدافع عن الطبقات المحرومة؟ وفي أي عمق واتجاه تشكل ليبرالتها الدينية هذه هل هي بالانفصال عن الدوائر البيروقراطية الاستغلالية أم معها؟ هل تفضح الفساد أم تدافع عنه حتى بالسكوت؟
إننا لا يمكن أن نضع جماعةٍ ما في دائرة مغلقة، فنحكم عليها بالخيانة الأزلية، أو النظافة المطلقة، فالجماعات الفكرية السياسية خاضعة لحراك لا يتوقف، فقد تبدأ جماعةٌ بالوطنية وتنتهي بالطائفية أو العكس، وقد تبدأ جماعةٌ بالدفاع عن المستضعفين وتنتهي كجلادين لهؤلاء المستضعفين أنفسهم! ويتحدد موقفنا من أي جماعة عبر شريط ممارستها الطويل، وكيف تصوب برامجها تعبيراً عن القوى الشعبية ومطالبها، فهل تغوص نحو المضمون النضالي للجمهور أم سوف ترتدي عباءات اللغة والمذهب لتدافع عن اللصوص؟
ومن هنا إذا أردنا معرفة مضمون أي جماعة فعلينا أن نقوم بقراءة وثائقها، وهذه جماعة أصدرت كتباً فعلينا بقراءتها قبل أن ندمغها، بل علينا أن ننتظر تطور مفاهيمها ونرى ممارستها على الأرض.
علينا أن ندخل إلى صلب رؤية جمعية التجديد في بعض القضايا الكبرى التى طرحتها في كتبها، والتي عنونتها بعنوان رئيسي وهو (عندما نطق السراة)، ففي أحد كتبها وهو بعنوان (التوحيد: عقيدة الأمة منذ آدم)، ترفض الجمعيةُ الفكرةَ الموضوعية المنتشرة في أغلبية كتب البحوث بأن الإنسان تدرج طويلاً حتى وصل إلى عبادة الآلهة ثم الإله الواحد، وتصر في هذا الكتاب على أن الإنسان كان توحيديا حتى وهو في أول ظهوره وتخلفه، وهى تفند دراسات الباحثين التحديثيين العرب والأجانب بهذا الصدد كإسماعيل مظهر أو عباس محمود العقاد أو محمد شحرور. يقول العقاد حسب استشهاد الجمعية: (يعرف علماءُ المقابلة بين الأديان ثلاثةَ أطوارٍ عامة مرت بها الأممُ البدائية في اعتقادها بالآلهة والأرباب، وهي دور التعدد، ودور التمييز والترجيح، ودور الوحدانية)، (ص ١٤ – 15)، ويضيف العقاد حسب استشهاد الجمعية رابطاً الأديان بظروف الحياة الاجتماعية: (ترقي الإنسانُ في العقائد كما ترقى في العلوم والصناعات. فكانت عقائدهُ الأولى مساويةٍ لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته، فليست أوائل العلم والصناعة بأرقى من أوائل الديانات والعبادات)، ص 14.
ثم تفند الجمعيةُ أقوالَ العقاد فتقول: (فالعقيدة في نظر العقاد إنتاج بشري وليست وحياً سماوياً، تطورت الوحدانية بمرور الأزمان كما تطورت العلوم!)، ص16 .
وهي هنا لم تفهم الوحي والتطور كما عرضهما العقاد والمثاليون الموسوعيون عموماً، فالوحي لا يتشكل في الهواء، بل هو يتمظهرُ ويتجسدُ في البشر واللغة المحددة وفي الظروف والصراعات البشرية؛ وهو جدل اجتماعي بين الغيب والإنسان، بين النبوة والجماعة، بين الإله والواقع الخ..
لكن الجمعية تضع الأفكار الدينية في المطلق، بلا جذور اجتماعية وبلا تاريخ. وتركز على قراءة التاريخ الغيبي في النصوص الدينية المفصولة عن زمانها ومكانها. ثم تحاول أن تجد كذلك جوانبَ إيجابية وتقدمية داخل هذه النصوص المقطوعة الصلة بالبناء الاجتماعي.
فالتوحيد لديها كان موجوداً حتى عند الإنسان البدائي، وهو نظرٌ لا يصمد لأي تاريخ ثقافي، وهي ترى التوحيدَ وكأنه هو التاريخ الديني العربي وحده، لكنها كالباحثين القوميين الخياليين تعتبر أغلب سكان المنطقة عرباً وأن حضاراتها عربية، وهو أمر لا يصمد للتحليل الموضوعي كذلك؛ وهو فهمٌ روج له العروبيون المتطرفون ويعتبر أحمد داود الكاتب السوري المتعدد المواهب نموذجاً له، والجمعية تستشهد به كثيراً.
نقول الجمعيةُ (هكذا بدأت حياة الإنسان على هذه الأرض بالتوحيد لله الواحد الأحد)، واستمرت عقيدة التوحيد في هذه الأمة (حين تحولت من حياة الكهوف والتقاط الثمر، إلى استئناس الحيوانات و تدجينها بالرعي)، ص٢٦.
فأي أمة هذه؟! فلم توجد أي أمة عربية أو غير عربية حينئذٍ، بل جماعات بدائية متوحشة، وقبائل صغيرة، تعبدُ الأرواحَ والحيوانات الخ.. وبعد آلاف السنين بدأت رحلة الحضارة وتشكلت الأديان بتعددية آلهتها.
إن هذا ما تطرحه البحوث وقد أصبحت بديهية لا يجادل فيها أحد. ثم تدخل الجمعيةُ آيات القرآن في هذا المسار الخيالي الذي تشكله بصورة غير موضوعية. وهي تظن أن آيات القرآن هذه تنقض ما أجمعت عليه التواريخ والعلوم. في حين أن آيات القرآن المتعلقة بالتوحيد تتحدث عن تاريخ العرب في المنطقة وفي الجزيرة العربية فقط، حيث بدأ التوحيد في قمة الحضارة المصرية والذي تأثر به اليهود وشكلوا منه ديانة توحيدية، انعطفت إلى الجزيرة العربية وبدأ التوحيد حينئذٍ.
لكن حتى هذا المسار المعروف تحاول أن تنقضه جمعية التجديد في كتابها هذا، فالمصريون كانوا موحدين في تصورها منذ البداية وهي تستنكر ما هو بديهى بسخرية فكأن الباحثين زعموا على حد قولها: (إن الحضارات العربية القديمة في مصر أو بابل تعجُ بالآلهة والأوثان كالإغريق والرومان!). لكن هذه بديهية لا يبادل فيها طالب.
ولديها على العكس إن الفراعنة والبابليين كانوا موحدين، فلم الحاجة إذاً إلى الأديان السماوية وهي التتويج للسابقين؟! إنها تستند الى جمل صغيرة مقطوعة السياق من باحث أو اثنين لتعضيد ذلك الكلام غير الدقيق.
يتراوح خطاب جمعية التجديد الفكري بين تكريس النصوصية الغيبية وبين الآراء العلمية والنقدية الوامضة.
فهي تقول في مقاربة مع المنهجية الموضوعية:
( لقد نص «فرانسيس بيكون» على فكرة أن الإنسان لن يستطيع السيطرة على الطبيعة إلا عن طريق اكتشافها بالعلم، ولكن لكي يفعل ذلك ينبغي أن يخضع لها! بمعنى آخر: لكي نفهم القوانين التي تتحكم بالطبيعة ينبغي أن ندع الطبيعة تتكلم لا أن نتكلم عنها)، مفاتح القرآن والعقل، ص 8 -86.
وتكمل الجمعية في تلخيص مهم (القرآن والطبيعة والأنفس، أمرٌ واحدٌ، آيات ينبغي الخضوع لاكتشافها).
إن هذه الفقرة الجيدة وغيرها المماثلة هي اقتراب من مدرسة تقنين الطبيعة المخلوقة للذات الإلهية، بخلاف مدرسة الخلق الإلهي المستمر للطبيعة. وكلاهما مدرستان مثاليتان، لكن الأولى تؤمن بوجود قوانين موضوعية للطبيعة والوعي والوجود (مثالية موضوعية)، ومن أعلامها ابن رشد في حين أن الأخرى ترفض ذلك، وترفض وجود قوانين موضوعية ومن أعلامها الغزالي (مثالية ذاتية).
وفكر الجمعية حائرٌ بين المدرستين، فهو فكرُ يحاول أن يبحث عن موضوعية الوجود، ثم يضيف عليها الكثير من الغيبيات والإسقاطات المعاصرة من العلوم الحديثة مما يلغي تلك الموضوعية.
فهي تؤمن بوجود تطور موضوعي للوعي الديني وكذلك لا تؤمن بوجود مثل التطور.
فبرفضها وجود سببيات موضوعية للتطور الديني يصبح تاريخ الأديان بلا قيمة، كما لا تصبح هناك قوانين موضوعية لتطور الإسلام، فالمندائيون (الصابئة) والحنفاء هم شكل آخر للإسلام، وليس أن الإسلام تتويج لهذه الحركات التوحيدية المحدودة الجزئية، لأنه غدا ثورة شعبية. وبالتالي كذلك لا توجد تباينات في البناء بين حكم الخلفاء الراشدين والحكومات الشمولية التالية، وبالتالي لا يُفهم تباينات خطاب الإمام علي الثوري الشعبي الجلي عن خطابات الأئمة والفقهاء المحاصرين بين أشداق الاستبداد في المراحل التالية والذين غاصوا في الغيبيات الشديدة بسبب ذلك.
فنتيجة لقيام الجمعية بفصل الأديان والمذاهب عن جذورها وأبنيتها وكون الخطابات الدينية والفكرية هي جزء من حركة صراع اجتماعي، لا تستطيع جمعية التجديد الانتقال العميق الكلي من المثالية الذاتية إلي المثالية الموضوعية.
هنا يمكن الاستفادة من فكر هيجل، الفيلسوف المثالي المؤمن ولكن الدارس بشكل موضوعي للأديان وتطوراتها.
فلتطور الإنسان ككائن بيولوجي قوانين، ولتطور الأديان قوانين، ولتطور المذاهب والمجتمعات قوانين، ومن دون الدرس الموضوعي المستقل عن الكتب الدينية وعن المأثور الشعبي عامة، لا يمكن الانتقال إلى العلوم الحديثة التي لها شروط مختلفة عن الوعي الثقافي للعصور السابقة. وبعد التجذر في هذه العلوم يمكن مراجعة المأثور والنظر له بشكل موضوعي.
هذه الحيرة الانتقالية بين المثالية الذاتية والمثالية الموضوعية تعبر كذلك عن جانب مختلف عن الحركات المذهبية التقليدية السائدة التي تتجمد عند المثالية الذاتية، فلا تبحث عن سببيات موضوعية للتطور الديني، فتعبر بهذا عن كتل سياسية شمولية، ترفض البحث والديمقراطية، وتعيد إنتاج النص الديني كما كان في المرحلة التقليدية التي سيطر فيها الإقطاع بشكل كلي، ومن هنا نجد الحركات التقليدية تناوئ أي حركة تغيير وزعزعة للقوى التقليدية المسيطرة على الجماعة، فأي تحرك سياسي لدى هذه القوى التقليدية يتم ولكن تحت هيمنتها، فهي تستفيد من الأدوات الديمقراطية لنشر سيطرتها الاستبدادية، بخلاف جمعية التجديد التي تقوم بالتساؤل حول تاريخ الوعي الديني هذا وتقوم بالبحث فيه، رافضة جزءا وقابلة بجزء، حسب منهجها الذي بعد لم يتصلب فلسفياً، ولكنها في مراحلها الأولي فعلينا أن ننتظر ونتيح لها الوقت.

في إنتاجِ دكتاتوريته الفردية يصعدُ لينين صراعَهُ ضد التعددية في الحزب، فيقسمهُ، ويصعدُ صراعَه ضد التنوع الديمقراطي في الغرب فيغدو الغرب برجوازياً لا بد له من شيوعية نافية له بكليته.

فلسفة الحداثة

لم يكن لدى الفلسفات الغربية وهي تخرج من العصر الوسيط الديني المسيحي سوى الاعتماد على فلسفة أرسطو مادةً ومنهجا وكانت التطورات الصناعية والتحولات المختلفة تدفع العلوم نحو استيعاب مختلف للحركة، وقد قام ديكارت ونيوتن بطرح مفهوم جديد للحركة هو الفلسفة الميكانيكية، وقد استعانت الفلسفة العربية الإسلامية السابقة بذات منهج أرسطو ورؤيته لفهم الحركة فكان أقصى جهد لها هو فهم حركة الأجسام في المكان. ولكن الأدوات والمعلومات التي توافرت في العصر الأوروبي الجديد، التي قام بها غاليلو وكوبرنيكس وغيرهما من العلماء أتاحت فهم حركة الكواكب والشمس بطريقة مختلفة عن السائد في العصر القديم، مما جعل ميكانيكا فهم الأجسام الكبيرة تسيطرُ على الوعي العام بالحركة. وقد تمظهرت هذه لدى نيوتن بقوانين الجاذبية. وحددت هذه الفلسفة ميكانيكا الأجسام عموماً حيث الحركة في المكان – الزمان تقوم على قوانين مادية محضة، أي على قوانين من داخل المادة، ولكن الداخل هنا بمعنى حركة الأشياء، فظل التناقض المادي الجسمي الخارجي الآلي هو المسيطر على فهم هذه الحركة الأبدية العامة، لكن كان لابد من وجود مصدر لظهور هذه الحركة فكان الإله.
وهنا تتآلف الفلسفة الميكانيكية مع الدين بإعطائه إشارة إيجاد الساعة الكونية، وتوقيتها، وربما إنهائها، لكنها كذلك تفصل الحركة عن عمليات خلق الكون الغيبية، وأدى طرحها بأن الشمس مركز المجموعة الشمسية وتكون المجموعة من سديم، إلى توجه العلوم نحو إعادة النظر في المعطيات الفكرية الأرسطية بشأن مصدر الحركة وبشأن الطبقات السفلى من تاريخ الكون والمادة، وبالتالي يفتح الآفاق لقراءة الظاهرات المادية الأصغر والمواد والكائنات المختلفة. وهكذا فإن الفلسفة الميكانيكية وهي تنشئُ العلومَ الحديثة كانت تتعرضُ هي نفسها للزوال.
فهذه الفلسفة الميكانيكية بتطبيقها على مجالات الحركة في أجسام أصغر، وعلى ظاهرات ذات تحولات مركبة كعمر طبقات الأرض وكيفية احتراق المواد وكيفية ظهور أنواع الأحياء لم تستطع أن تصنع إجابات علمية بحسب مستوى منهجها. كان تطبيقها على هذه الظاهرات يقوم على إرجاع عنصر التحول إلى عوامل خارجيةٍ وإلى غازات غير محددة، لكن تطورَ الصناعة الكبير كان يخضع هذه المواد المجهولة إلى الكشف، فغدت عواملُ تحول المادة الفيزيائية والكيميائية تقوم على الذرات والجزئيات الداخلية، وبدأ يظهر ان المادةَ تتحولُ إلى طاقة والطاقة تتحول إلى مادة، وان قانون بقاء المادة قانون علمي أساسي.
أظهرت الجيولوجيا أن طبقات الأرض لها تحولات طويلة وأنها لا تتوقف عن الحركة. إن المواد كعناصر محددة تكشفت وظهر لتكوينها ولتمازجها قوانين محددة. تم اكتشاف تطور الخلية الحية، وأن أنواع الأحياء نتاج تطور تاريخي طويل.
إن كل أنواع الحركة هذه مغاير للحركة الميكانيكية وقوانينها، وكان ذلك يستدعي قيام فلسفة جديدة، تكشفُ الطبيعةَ المعقدة المركبة للحركة وأنواعها في كل أقسام العلوم الطبيعية والاجتماعية كذلك، والأخيرة قد دخلها زلزال التحول أيضا، وكان ظهور فلسفة جديدة يستدعي تفكيك الارتباط بين الفلسفة الميكانيكية والدين، ولكن أخذت المعضلة هذه تتعقد مع ارتباطها بالصراعات الفكرية والسياسية، حيث يلعب الدين التقليدي دوراً محورياً.
إن كشف أنواع الحركة في الأجسام الطبيعية من داخلها، وهو أمر يتناقض مع الفكر الديني التقليدي حيث الحركات قادمة من الغيب، وقد ترافق هذا مع تفكيك السلطات الدكتاتورية الدينية والسياسية، فأخذ (الشعب) ينتزع السلطات وراح المنورون يجدون في البناء الاجتماعي قوانين تطوره الداخلية بمعزل عن المؤثرات الخارجية الغيبية. إن تركيز السلطة في البرلمان هو أشبه باكتشاف قوانين الحركة في المادة، والمادة هذه الكينونة المحتقرة من قبل الفلسفة الأرسطية والدينية السابقة غدت هي بؤرة الوجود. لكن رؤية أسباب التحولات داخل المادة الطبيعية والاجتماعية والبشرية، كان يعني صراعاً طبقياً بين المنتصرين على الإقطاع السياسي – الديني الحاكم، فقد ظهر جناحان للمنتصرين؛ الجناح البرجوازي الذي آلت السلطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية إليه، والجمهور العمالي الذي كان عليه أن يعمل بشكل شاق وفي ظروف متدنية من أجل أن تنتصر وتحكم البرجوازية.
لهذا فإن هذا الانقسام الطبقي انعكس على فهم الحركة وفهم الفلسفة، وأخذت القوى البرجوازية تتحالف مع الأقسام الثقافية الدينية والمثقفين التقنيين من أجل إعادة صياغة الفلسفة بحيث تتوارى لغتها الثورية السابقة، ويتم كشف الحركة في المادة، من أجل أن تستمر العلوم الطبيعية والمصانع، من دون أن يكون لهذا الكشف دلالات على الصراع الطبقي الدائر.
بدأت هذه الحركة الارتدادية التقنية الفلسفية في البلد الذي انتصرت فيه البرجوازية أولاً وهو إنجلترا، فظهر جان لوك وديفيد هيوم وجون ستيوارت ميل وصاغ الأولان فلسفةً تعتمد على إنكار وجود قوانين موضوعية في المادة، المستقلة عن الوعي، بل قالوا انه لا يوجد سوى الحس البشري وهو الذي يُدرك، والعملية العلمية تدور في مجال هذا الحس فقط، وما هو خارجه ليس في بؤرة الوعي. وعضدت ألمانيا هذه الفلسفة لأسباب تاريخية، فالبرجوازية كانت متخلفة عن قريناتها في البلدان الأوروبية الأخرى، وقد ساندت الإقطاع البروسي العسكري، فتأسست فيها فلسفاتٌ متضادة كثيرا، منها الكانتية ومؤسسها عمانويل كانت وهو نفسه العالم الذي اكتشف السديم في المجرة وطرح تصوراً لكيفية نمو المجموعة الشمسية، حيث ركز هو الآخر في كون المعرفة حسية بدرجة أولى، ولكنه أكد موضوعية المعرفة وطرق الوصول إليها، من دون الوصول الكلي للحقيقة لأنه ستبقى أجزاء من الظاهرات خارج الكشف. أما الفلسفات المادية والجدلية فقد تنامت هي الأخرى في ألمانيا، فظهر الجدل لدى هيجل، ولكن جدل هيجل مبنيٌ على كون الفكرة المطلقة أو الروح هي التي تقومُ بالحركة، فهي فكرة مطلقة غيبية لكنها في حركة تالية تتحد بالطبيعة وفي حركة ثالثة تتحد بالعقل، وهذه التحولات الثلاثة تشير إلى حركة الفئات الوسطى الألمانية عبر منظور هيجل المتواري، حيث تنفصل عن الفكر الديني والسلطة المطلقة وتتحد بالمادة الطبيعية والفكرية، ثم تتوجُ في العقل الذي هو أيضاً الدولة البروسية!
إن الفئات الوسطى بالمنظور الهيجلي استطاعت أن تنفصل عن الدولة – الدين ولكن ليس بشكل كلي، فتتمظهر في حركة (الروح). وهذا أسلوب فلسفي يوناني وشرقي قديم . ولكن ما يهم هنا هو طريقة الروح في التحول عبر موقف أول الذي يتم تجاوزه في حركة نفي مضادة، لأن الروح تعيش حالة صراع وتناقض، فتحل حالةُ تركيبٍ وتجاوز للنقيضين في موقف جديد، ولكن الموقف الجديد يستتبع وجود تناقض آخر يؤدي إلى حركة جديدة وهكذا.
هذا المنهج الجدلي كان اختراعاً ألمانيا، أي ظهر في حالة ألمانيا الإقطاعية المتخلفة عن برجوازيات التحول الكبرى، وفي وجود الفئات الوسطى التي لم تتشكلْ كطبقةٍ قيادية، ومن هنا فالجدل يظهرُ في شكلٍ ديني مثالي موضوعي، فهناك الفكرةُ المطلقة أو الروح وهي المعبرة عن الطبقات العليا المسيطرة، لكنها تلتحم بالطبيعة والمادة المعبرة عن الطبقات الشعبية، وفي هذا السديم الفكري الاجتماعي، المعبر عن حالة ألمانيا القلقة، تدور فلسفةُ هيجل، منهجها الجدلي ثوري، وغلافها الفكري محافظ، وبين الثلاثينيات والأربعينيات من تاريخ ألمانيا وأوروبا في القرن التاسع عشر، تنفجرُ ألمانيا وتنفجر فلسفة هيجل معاً !
لم تحصل ألمانيا على فرصة تاريخية مطولة كي تشكل تحولها الديمقراطي، والبرجوازية تمشي في حضانة عسكرية من قبل الدولة، وجاء هيجل بجدله التحولي ليطرح منهجاً مهماً في فهم وتفعيل الحركة على مختلف الأصعدة، فانتقلت قيادة الحركة الاجتماعية إلى الفئات البرجوازية الصغيرة، ومنها ظهر فورباخ بماديته النافية لمثالية هيجل، وظهر اليسار الهيجلي، وهي قوى حاولت دفع البرجوازية لكي تنقض على الإقطاع من دون فائدة.
وهذا هو ميلاد الماركسية. تشكلت في لحظتها الأولية تلك كنقيض للطبقتين الإقطاعية والبرجوازية معاً. أي اندفعت نحو العمال كملاذ أخير من الجمود السياسي الاجتماعي . وهنا كانت أشبه بصرخة سياسية أكثر منها علماً . ومن هذه الصرخات سوف يرى لينين الماركسية . وهذه القضية ستبقى مشكلة كونية للبلدان المتخلفة عن البلدان المتقدمة ولرغبتها القومية الحادة في اللحاق بالمتقدمين .
كانت عقلية (البيان الشيوعي) المكتوب من قبل ماركس وإنجلز تطرح تصوراً كونياً لقرون قادمة وليس لحل إشكاليات الصراع الطبقي الراهن في ألمانيا نفسها، فكانت ألمانيا بحاجة إلى تشكيل تحالف برجوازي -عمالي يبعد القوى الإقطاعية العسكرية المتطرفة عن السلطة وليس لإزاحة البرجوازية التي لم تكن تحكم!
إن لغة المثقفين المنتمين للبرجوازية الصغيرة يسقطون هنا وعيهم السياسي التحويلي على الواقع الموضوعي فيطرحون مهمات غير ممكنةٍ سياسيا، في إطار ايديولوجي مُسقط، وبطبيعة الحال يطرحون ذلك كصوتٍ للطبقة العاملة، وهذا على المدى التاريخي صحيح، لكنه في الواقع الراهن غير واقعي، وتداخل المدى التاريخي واللحظات السياسية الراهنة، بمهماتها العملية الكبيرة، لا يتطابق ويتداخل بصورة جدلية، فهيمنة الطبقة العاملة تتم بعد قرون من التراكم السياسي والاقتصادي والثقافي لكنها كمهمةٍ مرحلية غير ممكنة .
وترتبت على لغةِ أقصى اليسار بمظاهرها الاجتماعية وثورتها هذه توجه البرجوازية الألمانية نحو أقصى اليمين، كذلك فإن ذهاب ماركس – أنجلز للعيش في إنجلترا أضفى على لغتهما الثورية العاطفية الألمانية بعداً أكثر موضوعية، وبدأت عمليات الاكتشاف العلمي العميقة للرأسمالية والعلوم، التي كانت حصيلتها كتب موسوعية مثل (رأس المال) و(جدل الطبيعة) وغيرهما، لكن الاستنتاجات ظلت في الإطار التاريخي العام وليس داخل صراعات البنى الرأسمالية الوطنية بمختلف مستوياتها وليس البحث كذلك في كيفية التغلب على الدوائر المتطرفة سياسياً وفكرياً .
إن انتصارَ البرجوازيات الكبيرة في الأقطار الرأسمالية الرئيسية تحقق بفضل انتصار أسلوب الإنتاج الرأسمالي وتوسعه العالمي وتدفق فيوضه على الفئات المالكة والوسطى، وأعطت ألمانيا نموذجَ الجمع بين الفكر الإقطاعي السابق والفكر البرجوازي التابع فكان الجمع بين أشكال الفكر الدينية والصوفية واللاعقلانية وبين أشكال من العقل والليبرالية المحدودة والمهيمن عليها وهي الثقافة البرجوازية – الإقطاعية الهجينة التي ترتبت على قيام البروسية البسمركية في السيطرة على البرجوازية الخاضعة.
ومن هنا رأينا ألمانيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وهي تتخلى عن الجدل الهيجلي وتروجُ فيها الكانتية والكانتية الجديدة والوضعية المنطقية والتجريبية.
يقول جورج لوكاش:
(إن جدل هيجل حين يحاول السيطرة على هذه المسائل في منظور تاريخي، هو ذروة الفلسفة البرجوازية . إنه يمثل أقوى مشروع حاولته للتغلب على هذه المعضلات الجديدة : محاولة صهر طريقة قادرة على ضمان الفكر الإنساني كاقتراب لا محدود وانعكاس للواقع بالواقع نفسه).
إن مشروع هيجل يظل مشروع فئات برجوازية لم تتشكل كطبقة قائدة لعملية التحول، ولهذا فهو مفككٌ بين منهجٍ جديد وبناء تقليدي، وتخلي هذه الفئات عنه واتجاهها للعلموية الوضعية، لكشف المادة الجزئية المحدودة المنقطعة عن قوانين بنية المادة الطبيعية والاجتماعية، فهي هنا تمثلُ البرجوازية التي تدير المصانع المحتاجة إلى التقنية، في حين أن اتجاهها للاعقلانية والصوفية وفلسفات الحياة هي للسيطرة على الوعي العام وإدارة الدولة والمجتمع، وهذا الانقسام بين وضعية علموية تجريبية وكانتية وبين فلسفة الحياة المتجهة للفاشية، جانبان يتكاملان يعبران عن هذا التزاوج الإقطاعي – البرجوازي وقد تحول إلى طبقة سائدة ذات أصول بروسية عسكرية وبرجوازية نهمة للاستيلاء على المستعمرات .
وكذلك فإن هذا الملمحَ تحول إلى كل البرجوازيات المسيطرة على الدول الرأسمالية الكبرى بأشكالٍ مختلفة تعكس تطورات الصراع الاجتماعي الفكري، حيث التجريبية والكانتية والوضعية المنطقية تنتجها البرجوازية الصغيرة أو الفئات المتوسطة عموماً في الجامعات كما أنها هي نفسها تنتجُ الفكرَ الديني المحافظ للهيمنة على الجمهور خارج الميدان الثقافي التخصصي التقني، مثلما هي تنتج الأدب والفن (الأسودين) للتجارة وإنتاج اللاعقلانية.
لقد تشكلت هذه العملية خلال تسليم الإقطاع القديم مفاتيح السلطة للبرجوازية وخلال نمو الاستعمار، وبالتالي تمت عمليات إبقاء الأديان التقليدية ومستوياتها المحافظة اللاعقلانية داخل وخارج الدول الغربية، وهكذا فإن الوعي الجدلي المتجه للقراءة العميقة للبنى الطبيعية والاجتماعية والفكرية، تم إبعاده عن الثقافة السائدة تلك بكل تراكيبها وطبقاتها المتعددة المتضادة كذلك.
إن عمليات الوعي الكلية لرؤية الظاهرات وكشف قوانينها تم التخلي عنها، وراح الوعي السائدُ يفككُ ويجزئ أي ظاهرة، ويحشرها داخل الحس، أو يحيلها إلى جزء حيوي من الذات، التي لا تكشفُ سببيات عميقة، كما يفعل المنهجُ الظاهري (الفينومينولوجي) أو كما تفعل الوجوديةُ في إحالةِ الوجودِ العام إلى ذاتٍ فردية يسيلُ وعيها في عمليات منقطعة عن سبر البنية التي تعيش فيها.

كلُ شيءٍ يتغير إن التناقضَ هو أساسُ حياة البشر، وبدون تناقض يزول البشر.

التسجيل المغلوط (الاستعمار البرتغالي)

حين تريد أن تكتشف مقاومة الشعوب في منطقة الخليج والجزيرة العربية للاستعمار البرتغالي فلا تعثر على  مواد مهمة، بل هي نتفٌ صغيرة ضائعة متناثرة.

في حين إن البرتغاليين سجلوا الكثير جداً من الواقع لكن من خلال رؤيتهم الخاصة، باعتبار أن ما يقومون به هو إبادة لجنسٍ متخلف (بربري) هو جنس المسلمين، ولهذا فإنهم في كتبهم يسجلون المذابح التي تجري ضد هذا الجنس الذي يستحق الإبادة!

وحين تقرأ السجل الضخم لــ(أفونسو دلبوكيرك) باجزائه الأربعة والصادر عن المجمع الثقافي بأبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، وعبر ترجمة عظيمة للمترجم الدكتور عبدالرحمن عبدالله الشيخ، فتذهل كيف يقومون بتسجيل كل شيء في هذه الرحلات الدموية، لكن لأعمالهم ولدورهم الحضاري، دون أي مواد للشعوب المهاجَّمة، فلا تعرف أية مدن وقرى جرى إزالتها من على الخريطة!

ومع ذلك فهي موادٌ من الممكن استفادة الباحثين منها لتاريخ المنطقة المجدبة بدرس تطورها العمراني البشري العام.

وتوضح هذه الموسوعة التاريخية المكرسة لهذا القبطان الجزار، التناقضات السياسية التي حدثت في تلك الأزمنة ومواقف الدول الكبيرة: فارس والدولة العثمانية الزاحفة لالتهام المشرق ونضالات شعوب الخليج في ذلك الحين، وهي نضالات بطولية غير مسجلة لا تاريخياً ولا أدبياً.

ونظراً للقوة الهائلة للبرتغاليين قياساً بدول المنطقة المفككة والمتخلفة والدمار الهائل حسب المذكرات المسجلة عن القبطان سيء الذكر والذي سببوه في المدن، فإن مملكة فارس في ذلك الوقت لم تجد سوى التقارب مع البرتغاليين على ما فيه من فداحة دينية وتاريخية.

فقد كان الأتراك يزحفون من جهة ثانية على العراق وفارس نفسها، مسببين مجازر أخرى، ففي مدينة إيرانية قتل خمسون ألف إنسان.

وهذا قد فجر الصراع الطائفي بين الإيرانيين والأتراك على أوسع أبوابه، بدلاً من اختيار التعاون والتصدي المشترك لعدو واحد!

ومع هذا الزحف الهائل العثماني من تركيا إلى كل البلدان العربية، فإن مقاومتهم للبرتغاليين كانت محدودة جداً، وقد جرت بالنيابة عبر المماليك في مصر أو من خلال تأييد العرب في الخليج، لكن هذه الأمبراطورية العثمانية الشاسعة لم تشكل صراعاً جدياً مع الاستعمار الاستيطاني البرتغالي المتخلف.

هذه هي الظروف للتعاون الفارسي البرتغالي في ذلك الحين، ولترك دولة إيران حينذاك للبرتغاليين إمكانية التوسع في الخليج واحتلال القطيف والبحرين، وقاومت الشعوب الصغيرة بضراوة هذا التمدد المسلح، رغم إن مملكة هرمز وقتذاك وهي المطلة على بوابة الخليج قامت بقيادة ثورة عارمة ضد البرتغاليين.

وقد قام ممثلو السكان وبمختلف طوائفهم بالتوجه لقادة الدولة العثمانية لمساعدتهم ضد هذا الزحف، والتقوا بهم في بغداد خاصة، لكن المساعدات كانت ضئيلة، ولكن هذا كان تعبيراً عن وحدات وطنية فذة ضد أول استعمار، وترى كيف توجه ممثلو البحرين والقطيف بوفودهم للدولة العثمانية من أجل مساعدتهم في التصدي لذلك الاقتحام الشرس.

لكن الدولة التركية بقيت مستولية على البر ولم تطور نفسها للتصدي لموجات الاستعمار المتزايدة والمتطورة أكثر فأكثر.

في هذه الحقبة التاريخية تم اعتماد تسمية البحرين لجزر أوال، وغدت مناطق شرق الجزيرة كالقطيف والأحساء ذات أسماء خاصة، وهو أمر يشير إلى التوسع السكاني لهذه المناطق وتفكك وحدتها السابقة.

عموماً فإن تزوير التاريخ صار عادياً وكثيراً ما يبقى في حين لا تقدم القوى النضالية العقلانية رؤيتها في الأحداث تاركة الأمر لقوى التدخل الأجنبي وللمزورين من كل لون.

للعقل العربي الحديث قصةُ تكونٍ، ونسميه عقلاً، بهذا التجريد، لأنه أراد أن يكون بهذه الصفة، وصفة العقل تعني بأنه يستخدم السببية في قراءة الظواهر، فالعقل هنا منهج في فحص الأشياء واكتشاف قوانينها.

السودان بحاجة إلى الديمقراطية والسلام

أن الحكومات العسكرية المتتالية والحركات الدينية الطائفية والمحافظة رفضت الخيارات البرلمانية وصعدتْ على ظهور الشاحنات العسكرية إلى السلطة.
منذ إبراهيم عبود والعسكريون يحاولون ما لا يقدرون عليه، إخضاع هذا الشعب الطيب والبسيط والصبور والمكافح، وكل مرة يأتي عسكري كبيرٌ ينقلُ البلدَ لأزمة كبيرة ويصعدهُ تلة أخرى مليئة بالنار والدم.
نتذكر إبراهيم عبود وقمعه الشرس، ثم الثورة الشعبية التي أطاحت به وشعارها: اذهبوا أيها العسكر لثكناتكم. لكن العسكريين لم يتعلموا.
إنهم لا يذهبون، فيزداد الاهتراء والتمزق في الخريطة الوطنية. وهذا القفز إلى خشبة المسرح السياسي العالية كانت توفرها الأفكارُ الشمولية القادمة من الدول العربية وتتغلغل بين صغار الضباط الذين يقفزون على مستوياتهم الفكرية البسيطة والفقيرة ودرجاتهم الصغيرة، ليتحولوا إلى حكام لبلد كبير.
إن القفزة العسكرية الانقلابية تمثل أفكار المقامرة بمصائر الناس، وليس هي مثل حزب عريق يراكم التجارب والنضالات ويجعل الشعب يتطور ويغير نفسه، فهي تصعد مغامرين محدودي التبصر بالسياسة لا يعرفون سبل التطور ويقررون قرارات خطرة تلحق أضراراً جسيمة، وربما تكون السلطات السابقة قد سمحت لهم بالصعود وربما سمنتهم بعض الوقت فأكلوها.
والأفكار الانقلابية المشبعة بالبهارات القومية الزائفة كان يُلاحظ لدى التيارات الوطنية السودانية عمليات تغلغلها في الساحة السياسية، ونشرها بالأموال، وقد عبرتْ تلك التيارات منذ الستينيات عن خشيتها من هذين التسلل والفرض لهذه الأفكار، التي كانت إحدى الشخصيات التي تجسدت بها كالدكتاتور السابق جعفر النميري، الذي قام بإنجازات دموية كبيرة، والذي قفز هو الآخر على حزب الأمة وعلى الانتخابات والدستور، ثم أراد أن يعجن التيارات السودانية كلها في عجينة واحدة، ملغياً الاختلافات الفكرية والسياسية، وأنشأ ما سُمي الاتحاد الاشتراكي، وقد فرضه بالقوة، وساعده تصاعد دور الحكومات الشمولية في مصر وليبيا خاصة.
كانت نتائج الأفكار الشمولية (القومية) انها بدأت تمزيق خريطة السودان. كان السودانيون شعباً ذا عفوية سياسية وطنية متوحدة، لكن الأطروحات القومية والدينية المتعصبة، جعلت الجنوبيين المسيحيين يشعرون بالخوف من نزعات الشمال الجديدة، خاصة أنهم عاشوا الاضطهاد أكثر من غيرهم على مدى التاريخ.
وكلما ازدادت قبضة الشمال العسكرية تفكك السودان، وهو أمرٌ على النقيض من الشعارات التوحيدية التي تتفجر مع كل بلاغ عسكري من الخرطوم، وكان الشعب ليس بحاجة إلى البلاغات بل إلى السكك الحديدية والأعمال والتجارة والمساواة بين أقاليمه وقومياته وأديانه.
وزادت الحركاتُ المتاجرة في الإسلام الثقافةَ الشمولية العسكرية غنىً دمويا، وتفكيكا لخريطة البلاد التي كان يوحدها الرعاة والفلاحون ورجال الدين الشعبيون والقبائل والعساكر البسطاء، ولم تكن بحاجةٍ إلى الدبابات من أجل ذلك، كما أن هذه الحركات المتاجرة في الدين زادت أهل الجنوب والمناطق المختلفة، خوفاً فحملوا السلاح، ثم انتشرت النار في بقية الأقاليم.
كلما جاء فصيل عسكري وعد الشعب بالكثير من الانجازات والتغييرات، وقد جاء العسكر في الفترة الأخيرة فكانوا تتويجاً لذلك التاريخ المكفهر.
تصارع العسكريون الدينيون الحاكمون فيما بينهم وراح كلُ قسم يزايد على الآخر فيما يقدمه من مكاسب للشعب، وتصارعوا مع قوى الأقاليم المنفرطة من السيطرة الحكومية، وراحوا يجمعون خيرات النفط من دون إصلاحات معيشية بسيطة للجمهور.
الحل هو أن يتركَ العسكرُ الحكمَ، ويعود الحكم المدني، ويُزال استغلال الإسلام للتجارة السياسية، وتجرى انتخابات ديمقراطية على ما كان يجري من انتخابات في السودان في عصره الديمقراطي الشفاف البسيط قبل عهود العسكر، مع إجراء التطورات الضرورية بعد كل هذه التحولات والكوارث.
بطبيعة الحال لن يحدث ذلك ولن يخرج العسكر وهم الضباط الكبار في الواقع وليس الجنود المساكين الذين يسوقونهم لمعارك لا دخل لهم فيها.
كانت «إنجازات» حكومات العسكر كثيرة على أهل السودان؛ فقد صار الإقليم الغني سلة العرب الغذائية محلاً للمجاعات، وتشرد كثيرٌ من سكانه، وافتقروا أشد الفقر، وتصارعوا أحزاباً وأدياناً ومناطق، وسمحوا بالتدخلات الأجنبية من كل حدب وصوب، وبكل لون وطريقة.
ستكون هي النتيجة الأخيرة من هذا الفصل حين يعترف العسكريون بعجزهم وينسحبون تاركين لأهل السياسة الوطنية تدبر أمر السودان من أجل إصلاحه وإعادته إلى طريق الديمقراطية والسلام

#السودان

إعدام مؤلف

مسرحية فكاهية من فصل واحد

المشهد الأول

تتقدم المذيعة إلى مقدمة الخشبة وهي تحمل الميكروفون وتقول :
ـــ المذيعة : يسرني أيها السيدات والسادة تقديم المؤلف البارز الأستاذ حمدون الأعرج ، وهو مبدعٌ غنيٌ عن التعريف ، فقد ملأ الآفاق بصوته ، وجلجل في الفضاءات باسمه وبشخصياته وبرواياته ، حتى إستحق العديدَ من الجوائز وصال وجال في الأقطار !
هل يمكن يا أستاذ حمدون أن تلخص لنا مشوارك الأدبي ولو بكلمات موجزة ونحن واثقون بأن هذا التلخيص لن يستطيع بأي حال من الأحوال أن يطفئ ظمأ المشاهدين ، أو أن يحيطَ بكل إبداعاتك الخصبة ؟
ـــ حمدون : في الواقع لقد كانت انطلاقتي الأولى من خلال حرب العصابات ، أو بالأحرى من خلال الدعوة لحرب العصابات ، وكنتُ متحمساً بشدة في ذلك الوقت لإزالة عوالم الظلم بقوة السلاح ، فأنا لم أؤمن مطلقاً بأن السادة الجالسين على خزائن الفضة واللؤلؤ والزيت يمكن أن يتنازلوا للفقراء بهذه الجبال من الأطعمة والقصور والمعادن ، وانطلقنا بقوة . .
ـــ المذيعة: أين انطلقتم يا أستاذ حمدون في جبال الجمهورية أم إلى أمكنة اللهو والشراب ؟
ـــ حمدون: بل انطلقنا في الكتابة يا أختي ، إن المسألة لم تصل إلى مستوى الرصاص الفعلي . دَعونا ، ونَشرنا المؤلفات ، وتخاصمنا ، وتضاربنا في البارات، والحارات ، والنقابات ، لكن لحسن الحظ لم نطلقْ رصاصةً واحدة ، وكل الذي حدث أنه في التدريب أطلق علي أحد الرفاق – لا بارك الله فيه – رصاصةً على ساقي فأصبت بعرجٍ ولهذا سُميت بذلك ، وكان اسمي مختلفاً . . فقد كان اسمي حمدون النبيه ، وذلك يعود لا للنباهة بل لأني من مواليد جزيرة النبيه صالح !
ـــ المذيعة: وبعد ذلك هل واصلت التدريب الأعرج ، أقصد التدريب على عرجٍ ؟
ـــ حمدون: لحسن الحظ قام رئيس الجمهورية السابق ، حفظه الله ، بل أسكنه فسيح جنانه ، بحركةِ هجومٍ سريعةٍ علينا ، وتم إلقاء القبض على كل تلك المجموعة التي لم تقاتل إلا باللسان . وتم تنقيعنا في المحابس المختلفة ، فبعضنا سكن قممَ الجبال المغطاة بالثلوج ، في عز الشتاء ، وآخرون تم إلقائهم في صحراءِ جهنم ، المعروفة في جنوب بلادنا ، العامرة بكل ألوان الطيف العقابي.
ـــ المذيعة: وهل كانت المعاملة حسنة وحصلتم على هدايا عيد الميلاد والحج؟
ـــ حمدون: كانت المعاملة في منتهى الشكل الحضاري ، فقد كنا نأكل ونكتب ونقرأ الكتبَ وننام مع حبيباتنا ونشربُ العصائر المختلفة ونذهب ليلةً واحدة إلى أفضل فنادق خمس نجوم في البلد و(.. هامساً : كل ذلك في الحلم !) . . و . . نكتب رسائل مفتوحة إلى أهلنا ، ونتعشى في الساعة الرابعة عصراً ، ونصادقُ العدسَ مصادقةً أبدية.
ـــ المذيعة: وبعد هذه المعاملة الحضارية هل واصلتم دعوتكم المتطرفة إلى حمل السلاح ، أم قلتم وداعاً للسلاح؟
ـــ حمدون: في الواقع أن رئيس الجمهورية كان في منتهى الذكاء والطيبة والمرونة والحنكة السياسية ، فاستدعانا جميعاً وراح يحدثنا بلغةِ أهل الفكر والعلم ، فسألنا : هل قرأتم كتاب (رأس المال) لكارل ماركس؟ فأجبنا جميعاً : أننا لم نقرأ كتاب رأس المال ، وقال بعضنا همساً لم يصل إلى أذن الرئيس المعطوبة : كيف نقرأ كتاباً يحضُ على جمع المال ونحن ضد المال؟ فقال الرئيس: كيف تريدون أن تحطموا دولة رأسمالية دون أن تقرأوا رأس المال؟ لهذا فأنا أعطيكم مهلةً تاريخية لتعودوا إلى بيوتكم وتقرأوا هذا الكتاب وتصارعوننا بعلم ودراية لا بجهل وقلة رباية ، على شرط أن توقعوا تعهداً بالتخلي عن درب السلاح الذي لم يضر سوى زميلكم الأعرج وحده!
فقلتُ لرئيس الجمهورية بشموخ: بما أنني الوحيد المتضرر من هذه الحرب الأهلية فإنني سوف أوقع على هذا التعهد وأمتنع كلياً عن استخدام السلاح ضد دولتي الحبيبة ووطني الغالي!
وعانقني رئيسُ الجمهورية بقوةٍ وحب أبوي وفتح لي أبواب العمل والمجد! ومنذ ذلك الوقت كتبنا الروايات والمقالات وتركنا حرب العصابات!

المشهد الثاني

(المؤلف يفتحُ بابَ شقته الواسعة وحين يشعل الضوء يفاجئ بهجوم واسع النطاق تقوم به مجموعة من الشخصيات الغريبة الأشكال ، ويجد زوجته مربوطةً على كرسي وفمها مغلق بقطعة من الستارة الممزقة).
المؤلف: ما هذا يا سادة ؟ كيف دخلتم إلى شقتي؟ ليس معي (cash many) هنا ولكنني مستعدٌ لكتابة شيك على مصرفي ، بل شيك على بياض كذلك ، ولكن أرجو أن تزيحوا قبضاتكم الثقيلة عن جسمي!
الرجل – الضفدع: (وهو يجره إلى وسط القاعة) لا يا سيد نحن لسنا من اللصوص ولا القتلة ، بل نحن شخصيات مهمة في هذا المجتمع ، ولنا وضعنا الأخلاقي والقانوني الكبير ، لولا بعض التصرفات غير اللائقة التي قام بها أحدُ الأفراد المحسوبين على النخبة المثقفة !
المؤلف : تصرفاتٌ لائقة أو غير لائقة ما ذنبي أنا أن تمسكني من عنقي وتمنع الهواء عن رئتي . .
المرأة – الحية: (وهي تتقدمُ زاحفةً على الأرض) كيف . . وأنت ذلك الشخص المقصود ؟ ! أنت من أجرمت بحقنا !
المؤلف : يا سيدتي الزاحفة أنتم ربما أخطأتم في المنزل أو المنطقة أو القارة ربما فأنا لم أشتغل أبداً في برنامج الأسلحة الكيمائية أو الجرثومية ، ولم أساهم أبداً في تصنيع القنبلة النووية العربية.
الرجل – الضفدع: هل هي إهانة جديدة توجهها إلينا أيها السيد المؤلف ، هل تتصور إننا بقايا حرب جرثومية ما ، أو نتاج قبلة مجنونة من إرهابي ، لا! أيها السيد المؤلف نحن ضحاياك!
المرأة – الحية: نحن نتاجُ قبحِكَ الروحي!
الرجل – التابوت: (وهو يمد رأسه بوهن) نحن ثمرة خيانتك!
المؤلف: ما هذا ، ما هذا؟ تقتحمون بيتي وتسدون فم زوجتي الذي لم يُسد أبداً رغم كل محاولاتي في عدة سنوات ولو لمرة واحدة ، فهل أنتم مندوبو مسرح حديقة الحيوان التي سحبتُ نصي منها حيث لا يمكن أن أقبل بأقل من خمسين ألف دولار أمريكي ، ولهذا أرسلتكم كمسوخٍ وبقايا الحيوانات النافقة والمتضورة جوعاً والتي أعلنتْ الإضرابَ عن الطعام أكثر من عشر مرات احتجاجاً على الوساخة وعدم دفع الأجور وتشغيل حيوانات من بلاد أخرى ، لأجل اختطافي وتوقيع العقد بالقوة وتحت تهديد إغلاق الأفواه؟!
الرجل – الضفدع: أنظرْ! أنظر! (وهو يقربه من وجه المرأة – الحية) تمعنْ في هذه المرأة جيداً ، ألم ترها من قبل؟
المؤلف: آه . . نعم . . نعم . . رأيتها مرةً واحدة في كابوسي الأول عندما كنتُ في السجن ، نعم أنها أم الخضر والليف وعشيقة الأخطبوط.
الرجل – الضفدع (وهو يضغطُ عليه بشدة) تمعنْ فيها ، أنظرْ إلى جمالِها الذي كان هنا ولم يُعدْ موجوداً ، أليستْ هذه هي حصة بنت بلال ، التي كانت جميلة القد ، هيفاء ، ذات طلة بهية ، ونظرة أقحوانية ، وخلفية عربية ، وكانت راحلة بعيداً فغازلها الشابُ الوسيم ابن البلد الشعبي ، الذي أغتسلَ في زيتِ تشحيم السيارات ، وتطهرَ بطمي الحارات ، وأنشد أجمل البيانات ، فهجرتْ أوربا الخضراء وجاءت إليه تسعى ، واستراحت في صدره ، أليست هي؟!
المؤلف: يا سيد أنا لا أتذكر . . أيُّ مسخٍ هذه ، أنا صنعتُ آلاف الشخصيات ، مدينةً كبرى ، فمن أتذكرُ ومن؟ ثم كيف يُعقلُ هذا كله؟
الرجل – الضفدع: تطلعْ إليها ، هذه التي كانت غضةً بريئة ، نجمةً وردية في السماء ، ثم حولتَ زوجَها الرائع الذي لم يستطع أن ينضم إلى هجمتنا هذه ، بسبب انتحاره بغاز الأعصاب ، إلى مدمنِ هيروين بلا أي منطقٍ وبلا أي تبرير فني أو موضوعي ، وتحولت الخليةُ الشعبية التي كان من الممكن أن تتحولَ إلى الأساسِ الصالح للمجتمع إلى نزيفٍ يومي ، وعراكٍ بالنعال وعلب الطماطم وبزجاجات الكحول الفارغة لحسن الحظ ، وبدلاً من تلاقي الخضرة الأوربية والأرض اليابسة العربية ، صارا جرادتين متعاركتين على قشور الفول السوداني بعد كلِ سهرة تصلُ إلى الفجر ، فكان يغرزُ فيها أظافره وكلماته حتى صارت بهذا التشوه ، أإلى هذه الدرجة قمتَ بتشويهها وهي . . التي كانت . . والتي حصلت على ترشيح لمسابقة جمال الكون!
(تحاولُ زوجةُ المؤلف أن تتملص من قيودها وتصدر أصوات : ما . . ما . . ، لكن المؤلف الذي يتطلع إليها ، يبعد نظره عنها ، ويتكلم).
المؤلف: الآن بدأتُ أتذكر . . ثم غدت مثل الليمونة التي تــُركت في الشمس عشر سنوات ، فتغضن وجهُهُا وصارت مثل الساحرةَ التي تركبُ المقشةَ ، ولكن الأهم ما فيها هو حبها الهائل للنقود والجوائز والبيوت ، وللرجال الذين يهربون منها كما يهربون من الجدري والسرطان! أتذكرها الآن . . يا رجل قلْ أنها أم أحمد . . ملكة الموت في قصتي (الشريدة) ، لماذا هذا اللف والدوران؟
المرأة – الحية: (صارخة) أهكذا يصورون النساءَ يا حقير؟ أليس لديك أية رحمة؟ أهكذا تفعلُ بي وتتركني وتقطعُ التسلسلَ المنطقي العقلاني في القصة ولا تترك الرجلَ الذي هامَ بي يقبلني ويضمني في آخر لقطة؟ كنتُ أتحرق شوقاً لتلك القبلة واللمة يا ظالم!
الرجل – الضفدع: أنظرْ . . ومن تلك المأساةِ الرهيبة نتجت هذه المرأةُ ، هذا المسخ . . كان أفضل لمكانتك الأدبية أن تــُطبقَ على عنقها وتخمد أنفاسها!
المؤلف: الحق معك في هذه الجملة.
الرجل – الضفدع: وأنا . . ألم تنتبه إلى شخصي . . أنظرْ ماذا فعلتَ بي؟
المؤلف: ماذا بك أنتَ أيضاً؟ أرى رجلاً ذا عنقٍ طويل وفمٍ واسع وله عينان جاحظتان مكتنزتان بالمعنى والعمق.
الرجل – الضفدع: ألم تبصرني جيداً ؟ أنا كنتُ رفيقك في حربِ العصابات المأسوف على شبابها ، نزحفُ معاً ، ونقبلُ البنادقَ كحبِ أمٍ لأطفالها ، وكنا نهاجمُ معاً الصالونات الأدبية بالطماطم الخائسة والجملِ الملتهبة ، ونقدمُ الحارات الجائعةَ على أطباقٍ من لهب ، ونسحبُ شخوصَ العتالين وباعةَ الخضار المتنقلين والحمارين إلى قصورِ السادة وأفران المطابع ، ومخادع الملكات المتوجات بالعملة الصعبة ، فتجرجرنا الشرطةُ الثقافية وترمينا في الزنزانات والبلاعات الفائضة بالجثث المقتولة من أهل الحارة ، ويضعون في آذاننا الرصاصَ السائل فيطلع عصافيرَ وورداً ومنشورات.
ألا تتذكرني؟ أنا رفيقك في المطبعة ، وفي زقاقِ الهتاف ، رفيقك في الجوع الدائم ، حيث السنارات الممتدة في بحرٍ بخيل ، وحيث السرطانات تأكلُ أصابعَنا ، والأشباحُ تحرقُ أوراقَنا ، ألا تذكرني أنا الذي حميتُ ظهرك في البرد وفي الظلام.
المؤلف: وماذا بعد دوختني يا أخي؟!
الرجل – الضفدع: بعد كل هذه الرفقة النضالية العظيمة تحولني إلى آلةٍ حيوانية ، إلى حصالةٍ نقودية ، إلى نقنقةٍ ورقية، ليس لدي سوى أن أمضغَ الورقَ وأخرجه ، أمضغُ الورقَ وأحوله إلى ورق ، فأنا جالسٌ في بركةِ وحل واسعة ، وأنق ، أمد يدي وآخذُ النقود ، شحاذ مائيٌ ضفدعي ، الورقُ يطلعُ بلا توقف ولكلِ حرفٍ ثمن ، ولكلِ كلمةٍ شيك ، ولكلِ عبارةٍ سهم ، ولكل كتاب صك ، وأنا لا أشبع من الورق الذي لا يُشبّع ولا يُؤكّل ، جائعٌ دائماً ، معذبٌ للغذاء الطبيعي ، كلُ لوزة تتحول إلى ورقة ، وكلُ موزةٍ تغدو قرضةً ، وكلُ تمرةٍ تصيرُ غصة ، وكلُ قبلةٍ تصيرُ قرصةً، وآه من القرصات، فكلُ فقيرٍ يمر يقرصني ، وكل شاعر حقير يرفسني ، وكلُ كلبٍ ينبحُ يبولُ في البركة ويُظمئُني ، وأنا لا أتوقف عن النق، والدق والرتق للورق ، أحسبُ كلَ صفحةٍ سوف تصفحُ عني فإذا بها تصفعني ، وأرى كلَ بياضٍ كالسماءِ فإذا هو برصٌ يلبسُني.
فآه يا خالقي وصديقي وقاتلي كيف حولتني إلى ضفدع وأنا مشروع بلبل؟!
(يبكي فتظهر دموعٌ ورقية كثيرة) .
المؤلف: أنا . . أنا . . صدقني لا أعرف ، هذا هو سر الإبداع ، يأتيك من حيث لا تدري ، ويُشعلُكَ وأنت في عز الحر ، ويوقظك في عمق الليل ، ويطيحُ بعقلك ، ويفجرُ براكينك الخامدة . .
الرجل – الضفدع: لكن أنا . . أنا كنتُ فكرةً نارية ، أركبُ رصاصةً منطلقة إلى النجوم ثم أصيرُ دودةً في تفاحة عفنة ، كيف ؟ !
المؤلف: (يخاطبهُ هامساً وبحذر) لقد أعطيتكَ حريةً ، قلتُ لك تعلمْ ، تحركْ ، أخلقْ، أمشِ على الأرض الحقيقية بهضابها وحفرها ، أنا لم أُرد أن تكون آلةً بيدي ، بل شخصيةً من لحم ودم ، فرحتَ أنت تزحف على بطنك وتتلقى الركلات والعملات ، لا يهمك سوى إرضاء زوجتك التي لا تشبع من الفساتين والعشاق والرحلات وصرتَ حتى لا تشتهي أن تراها، عجّزت وقبحت وغدت ثرثارة مجنونة ، فاتسعت عيونك من البحلقة في التقارير والوجوه والأزقة ، واتسعت آذناك للصمت المرهف ، ونسيتَ حفيف الأشجار وموسيقى العصافير . . !
الرجل – الضفدع: أنا . . ألم تكن أنت الذي تسكتُ عن أخطائي ؟ ألم تكن أنت الذي أبتكر فكرةَ الحيلة ، وقلتَ أن الأدب حيلة، والفكر حيلة ، والشعر حيلة ، والزواج حيلة ، والحياة كلها حيلة ! وأنك من الممكن أن تعيش في مغارة اللصوص وقلبك مع علي بابا ، أن تأكلَ العيش الأصفر في قصر يزيد وروحك مع الحسين ؟ !
المؤلف : نعم قلتُ ذلك ، ولكن الحيلة التي لا تحولك إلى وحل ، وأن يجثم المقاوم الخفي داخلك ، وأن تظل أسلحتك فاتكةً رغم تراكم الغبار عليها ، وأن تعرف متى ترقصُ ومتى تقرص . .
الرجل – الضفدع: (مقاطعاً) ومتى تهرب ومتى تسكت والمذابح وسيول الدماء تنهمرُ حولك ومتى تختفي كفقاعة وتظهرُ كبالونٍ ملون في السماء ، ينفجر من قرصةِ ظفرِ طفلٍ ، حتى ظن الناسُ إنك شبح وكاتبٌ أجنبي مترجَّم . .
المؤلف: (منزعجاً) . . ! ؟
الرجل – الضفدع: تعلمتُ هذا منك بجدارة ، اختفيتُ ، تواريتُ ، توحلتُ ، متُ ، توحدتُ بالورق ، أنا كنتُ أيضاً أحتال، راكمتُ ورقَ البنكونت ، تحايلتُ ، مدحتُ الفئران والسعالي والكلاب وكلَ من يضع في جيبي ورقة ، ولم تكن تشتمني ، أو تريني شيئاً آخر ، تحتضنني ، تفتح ذراعيك لي ، تدعني أراقبُ الناسَ ، أكتب الورق عنهم ، حتى اتسعت عيناي وصارتا حفرتين من الرماد !
المؤلف : هذا اختيارك أنت ، ليس لي دخل بقراراتك وانهيارك ، كانت فيك خصالُ الضعف منذ البداية . .
الرجل – الضفدع: وأنت استغللتَ هذه الخصال ، استثمرتها ببشاعة ، تحايلتَ على روحي ، تعكزتَ على ضعفي ، فرحتَ بخلقي ، وتشوهاتي ، وتطوراتي ، التي حصرتها في جاذبيتك ، حاربتُ عنكَ حروباً لم تخضها ، وكل لحظةٍ أحاول فيها الخروج من ثيابك تعيدني إلى حصارك . . لم تجعلني مرةً واحدة أثور ، أخرج من البيت ومن سيطرة زوجتي وأهاجر ، لم تجعلني مرة واحدة أحتفي ببطل حقيقي . . (ملتفتاً إلى الشخصيات الأخرى) أنظرْ . . كل هذه الشخوص الآلية ، والمعطلة ، والمنسحقة ، والمنسحبة ، والمنفلشة ، كل هؤلاء المجانين ، وضاربي الودع والإبر، وأعضاء جمعيات الكيف . أنظر ْ . . هذا شخص يرتعش طوال الحياة ، يهتز بلا توقف ، به مسٌ كهربائي فلا هو يضيء ولا هو يحترق . . كلُ هؤلاء نتاج عقليتك العظيمة ، مملكةٌ كلها معطلةٌ من الفعل والخلق ، مجرد آلات تتحرك قليلاً ثم تتوقف، جذوع نخلٍ تمدُ سعفاتها اليابسات في الطرق وتتسول الرطب . .
وأنظرْ خاصةً إلى ذاك ، تعال يا سالم غانم !
الرجل – التابوت: إن مأساتي كبيرة يا صاحبي ، فقد بدأتُ حالماً كبيراً ، وكانت بي طاقة هائلة على الصدق والفعل ، لم توجد مظاهرة لم أشترك فيها ، غيرت الكثيرين من أهل حارتي ، الذين غدوا شجعاناً ، لكن هذا الرجل المؤلف بذر في نفسي بذرة سيئة ، لا أعرف كيف تسللت وانغرست ونمت حتى أكلتني فصرتُ من خشبٍ . إنها بذرةُ الكذب . يقول أكذب ، فعملنا يتطلب الكذب ، أعترف للشرطة فلا يهم ذلك ، والمهم أن تخرج مناضلاً نظيفاً ، المهم أن تصْدقَ مع رفاقك فقط ، قلْ للشرطة ما يحدث فلا يهمنا ذلك ، فرحتُ أكذب وأناضل وأعترف وتكدست الاعترافات ، وأناضل ، وأكذب ، أقبع في الزنازين وأخرج كأني لم أفعل خطأً ، أعود إلى أهل حارتي وأنا البطل المنتفخ ، وتنتشرُ القصائد والأغاني عني ، يصنعون لي تماثيل ، يجري الأطفالُ من طريقي إذا دخلت الزقاق ويقف الرجال ، وأنا محشو في داخلي بالتبن ، عملاق أسمر يسير في الشوارع كمارد ، ومرة واثنتين وعشر ، حتى اعتادت الزنازين على لحمي ، وتغذت طيورُ السجن من عظامي ، مات أهلي ، تشرد ربعي وهو يقول لي أكذب ! أدخلُ وأخرج والمنشار يحفر عقلي ، ويذيبُ لغتي وضميري وكلماتي ، هرب الناسُ مني ، ولم يعد لي أصدقاء ، وهو يقولُ لي أكذب ، اختفت المواعينُ والأسماك والطيورُ والقطط من بيتي ، وقبضاتُ الشرطة تدقُ الباب ، ورحتُ ارتعب ، أزحفُ تحت السرير ، وأرى الأحذيةَ القوية ، ويصدمُ رأسي بالجدار ، وأختفي في الدولاب ، اتغطى بالملابس ، أكتمُ أنفاسي وأنا أسمعهم يتقدمون لاعتقالي ، أكادُ أختنق من الحر والغازات ، وهم يتقدمون ، ويدقون على دولاب الثياب ويهمسون : أين القطة الحلوة؟ أين العفريت الصغير ؟مشيتُ ، تعريتُ ، تظاهرتُ بالجنون ، وهم لا يتركونني ، نزلتُ البحرَ عارياً وهم لا يتركونني ، وهو يقول لي أكذب ، حملتُ دولابَ الملابس فوق ظهري ، كلما سمعتُ صفارةً وضعته واختفيت فيه ، حتى حولته إلى تابوت!
الزوجة: ( لا تزال تمأ مىء وتضطرب ) . . آ . . آ . .م م م م . .!
الرجل – الضفدع: أزيحوا الستارة عن أسنانها قليلاً !
الزوجة: (وهي تنفجر) وأنا . . أنا لا تعطونني فرصة لأشرح خيبتي مع هذا الرجل، تزوجني وأنا وردة ، طفلةً تحبو على رمل الشعر ، كتب فيني أجمل الكلمات ثم حبسني في البيت ، ملأ المنزل بالعيال ، صرتُ آلة ، في كل سبعة شهور أنجب ولداً ، وهو يغيب كل ليلةٍ في الحانات ، وكل شهر في سفر ، ولقاءات دائمة مع المعجبين والمعجبات ، وتوقيع الكتب والقبل ، والجلسات مع أصدقاء الفكر والمزة والمعسل ، ثم صار عنيناً! . . .
الرجل – الضفدع: أغلقوا فمها ، فلا نريد فضائح عائلية .

المشهد الثالث

(تنطفئ الأنوارُ كليةً ، يحدثُ ظلامٌ دامس ، تظهر عينان مضيئتان ، تبصبصان في كل الاتجاهات ، يتحركُ الجسمُ الكثيف السواد في المكان ، تــُضاء الأنوارُ فجأة وتضبطُ الرجلَ – الفأر وهو يمسك مخطوطةً !
المرأة – الحية: من هذا ، أي حيوان غريب . . ؟
الرجل – الفأر: (وهو يرتعشُ) أنا حيوان . . يا بنت آوى . .
الرجل – الضفدع: ماذا تفعل يا كريم الآن ؟ أهذا عملٌ جديد لك ؟ !
الرجل – الفأر: (وهو مذعور) كلا ، كلا !
الرجل – الضفدع: ولكنني أرى عملاً جديداً لك ، لماذا تخاف ؟ أنت مبدعٌ كبير وصاحب إنجازات . . (يلتفتُ إلى المؤلف) هذا ضحية أخرى من ضحاياك ، كتلةٌ من الأعصاب المهتزة التي تعيش في الغيران ، هناك الضوء الشحيح لها ، هناك تخطُ كلماتها برعبٍ ، وهي تلتفتُ في كل لحظة ، مثل عصفور يحطُ من فوق جدار على سطحٍ مليءٍ بالأولادِ الأشقياء ، وهو شديد الجوع ولا توجد سوى كسرة خبز .. لكن العصفورَ يحطُ ويتلقى الحصى والبصاقَ ، ويخطفُ الكسرةَ ، ويعود العصفورُ فأراً في غاره ، جسدهُ دامٍ ، ويروحُ يخطُ ويتلفتُ ، يغرسُ كلمةً ، ويتلفتُ . .
(يتقدم نحوه) حدثنا عن تجربتك يا كريم ، قلْ قصتك مع المؤلف . .
الرجل – الفأر: أنا أتحدث ؟ أقول قصتي . . ؟ ما هذا الهراء ! أنا ليست لي أي قصة ، أنا مواطن مسالم ، لا أتعدى إشارات المرور ، أذهب إلى عملي بانتظام ، كل رؤسائي يشكرونني ، لا أكتب أي شيء ، أنام منذ الساعة التاسعة ، ولا أحلم ، لا أشارك في العرائض . .
الرجل – الضفدع: لا أحد غريب هنا يا كريم ، فأنظرْ إلى هذا الرجل ، ألا تعرفه ؟ ألا تشعرُ بشيءٍ تجاهه ؟
الرجل – الفأر: (يحدقُ بخوفٍ وكره نحو المؤلف ويدمدم !) .
الرجل – الضفدع: هيا دعْ روحك تنطلق . خففوا الأضواء يا سادة ، ركزوا عليه وكأنه يعيش في غاره وحيداً ، وليطلق شحناته الكهربائية!
الرجل – الفأر: كنا صديقين حميمين ، كان يشعر تجاهي دون مخلوقاته الأخرى بودٍ عميق ، كان يحضرُ إليّ في قلبِ حارتنا المليئة بالصغار الشياطين ، لنناقش فوق السطح كيفيةَ الاستيلاء على المدينة ، وكيف نحررُ خزائنَ البنوك من الأنانية والوحدة ، كان يعطيني بعضَ المنشورات لأوزعها في الحارة ، وهو يعرفُ إنني أموتُ من الخوف ، وبعد أن أُلقي بضعَ أوراق في مزبلةٍ أو فوق جدارٍ وأهرب هرباً سريعاً ، أتجمدُ على سريري وأتقلب ، كلُ دقةٍ أحسبها قدوماً للشرطة ، وكل نفخة هواء أظنها هجوماً عسكرياً ، ومرةً كنت أمشي في ممر مظلمٍ وأردتُ أن أسربَ منشوراً من شقِ نافذةٍ خشبية قديمة ، فإذا بها تــُفتح وأرى رجلاً ذا وجه ضخم وشوارب بحجم مكنسة هائلة ، تجمدتُ برعب وحركت المنشور قليلاً قليلاً حتى أدخلته في فمه المفتوح ، وبعدئذ تبخرتُ . .
المؤلف : هذه واقعة لم أعرفها من قبل . . كيف تخفي عني الوقائع هكذا؟
الرجل – الفأر: كنتُ أرتعش في حضوره ، أكاد أنطقُ بالكلمات وأصيحُ : يا سيدي أنا رجلٌ جبان ، لكن حين أراه وأسمع كلماته أقطع شريطي الداخلي . يقولُ : لا تخفْ أبداً ، الشجاعة لم تــُصنع معنا منذ طفولتنا ، بل نصنعها نحن بمواقفنا الصغيرة المتراكمة ، تنمو معنا ، مع ازديادِ غضبنا وتساؤلاتنا وتحدياتنا ، تتشكلُ بين الجدران وفي الظلام وفي التعذيب وفي الحب وفي الإيمان ، شجاعتنا تزدهرُ مع لغتنا ، مع الضوءِ الذي نتوجه إليه ، مع المستقبلِ الذي نخرجهُ من الأفق كشمسٍ كبيرة عظيمة . مع الأطفال الذين ندافع عن حليبهم غير الملوث. كنتُ أحبُ هذه الكلمات، كنتُ أتطلعُ إليه مبهوراً .
وذاتَ يومٍ قال لي: لك موعد تجريبي مع الشجاعة . اليوم ستولدُ . ووضعَ في يدي كيساً . أرتجفتُ . لكنني تماسكتُ . قال: هذه قنبلة ، أضربْ مركزاً للأعداء! ارتعبتُ ، كدتُ أموت ُ ، صعقتُ . . نمت . . صحوتُ . . شرقتُ بالماء . . تنبهتُ إلى موعد إلقاء القنبلة . . تنملَّ جسمي ، مددتُ يدي إلى الكيس ، لم أجده ، فرحتُ ، لكنني وجدتُ أكياساً عدة تحت سريري ، تحسستها ، أخذتُ واحداً وأنا أهتز ، وضعتُ قدمي في نعلِ أمي ، سرتُ ، أتذكر كلماته وهي تدفعني : الشجاعة تعلمٌ وموقفٌ وتراكم نفسي ، أضيعُ بين الأزقة ، أجدُ الخبازَ أمامي لا مركز الشرطة ، يسألني الخباز : ماذا تريد يا كريم ؟ ألم تأخذ أمك الخبز قبل قليل ؟ ! فأقول : بل أريدُ زجاجةً من هذه العجائن الفارسية البحرية الشهية ، فيناولني زجاجة تضاف إلى زجاجتي، فأتخيلُ نفسي أسبحُ في بحرٍ واسع عميق وأنا مرفوع بعدة زجاجات فارغة، والموجُ يتلاطمُ حولي ..
وأخيراً وجدتُ مركز الشرطة أمامي ، والظلام يلفهُ ، ولا توجد سوى هسهسة الجنادب ، ووأوأة العصافير النائمة ، وصحتُ في نفسي: لتكن الشجاعة اليوم وليس غداً! وألقيتُ الزجاجةَ التي انفجرت وأصدرت روائح رهيبة ، وتراكض الناس ورائي وهم يسدون أنوفهم ، حتى ألقوا القبض علي . .
تخشبتُ في الزنزانة ، جثمتُ أياماً لا أتحرك ، لا أشرب ، لا أتبول ، لا أعرف ، اعترفتُ ، كتبتُ كلاماً كثيراً يملأ غرفةً، منذ أن ولدتني أمي ، كيف سرقتُ أول فلس ، كيف نظرتُ لبنتِ الجيران ، كيف ضربني المعلم ، كيف كنتُ أتبول في فراشي وضربات أمي ، وعجزي عن ملامسة أي امرأة ، وحبي للظلام ، ولكني لم أتكلم عنه ، عن معلمي الكبير ، أخفيته في ظلمات خوفي ، أحسستُ إنني أقوم هنا بفعلٍ عظيم ، رغم إنني وُضعتُ في قبرٍ لمدىً طويل ، وفي كلِ تلك اللحظات الطويلة المرهقة لم يسأل عني أبداً . .
المؤلف: كيف أسألُ عنك ، أين ضوابط العمل السري؟!
الرجل – الفأر: خرجتُ متهدماً ، كلُ ظلٍ أعتبره شرطياً ، كلُ نأمةٍ أحسبها كبسة ، أكتبُ ، أكتبُ كثيراً ، ولا أعرف ماذا أقول أخفي أفكاري عن أفكاري ، وألاحظ عيني وهي تراقبُ رأسي ، رِجْلٌ تمشي في اليمين ورجل تمشي في اليسار ، عدة أشخاص يتصادمون في جسمي ، أنا ثائرٌ على الثوريين ، صاخبٌ على النائمين ، في هذه اللحظة وأنا حطام ، أجثم في غرفة فيها بعض الضوء ، جاءني وقال : دعنا من الماضي ، إن الثوريين لا ييأسون ، بعد فشل الثورة العاشرة يفكرون بالثورة العشرين ، فصرختُ فيه : أنا بعد سنين من السجن لم يبق لي شيء ، لا أعرف عملاً ، ولا مدخرات لي، وبيت الأهل القديم بعته وسددتُ ديوني ، وليس لي سوى هذه اليد تكتب ، هذه العروق الأخيرة تتحدى الجوعَ والظلام والحزن! فقال: لندعها تكتب ، لندعها تستغل إمكانياتها ، أكتب وأعطني وأنا أنشر . . أجبته: لكنني لا أكتب . . قال: أحضرْ خربشاتك وأنا أعدلها . لا تخفْ! صحتُ : ليس ليّ خربشات! أعطيته وورقي ، وصار يظهرُ باسمه ، وانتظر نقودي بلا فائدة ، اتصل به فيقول ليس لديك حتى الآن حساب في البنك ، ويضيف : أين القصة التي وعدتني بها؟ يحضر رجلٌ من الوطاويط ، يدقُ على باب غرفتي ، يقول : ماذا تفعل يا كريم ، أتكتب ، ماذا تكتب؟ أجيب: أقسم بالله العلي العظيم إنني لا أكتب . تتسللُ يداه إلى ثيابي ، فيظهرُ ورقٌ ، تتسللُ إلى جلدي فتقفز قصةٌ ، أختبئ تحت السرير فأرى وطواطاً مسترخياً يبصُ في عيني ، أحفرُ في الجدار ، أصنعُ سرداباً ، أحفرُ الكلمات: فيأتيني صوتُ المؤلف الذي لا يؤلف: ماذا تفعل عندك يا كريم؟!
الرجل – الضفدع: والآن نقدمُ لكم الضحية الأخيرة المعاكسة ، المرأة – البالون!
المرأة – البالون: (حين تتقدم تنفجرُ بالوناتٌ عدة) أيها الحضور الكريم يطيبُ لي أن أتقدم مدافعةً عن هذا الكاتب المغبون، الرجل الذي وقف مع النساء دائماً ، فأنا على سبيل المثال لا الحصر ، كنتٌ كاتبةٌ غضة ، مبتدئة ، لا اعرف شيئاً من فنون الكتابة ، فأخذ بيدي على سلمِ المجد ، قدمني إلى الصحافة والتلفزيون ، كتبَ نقداً بناءً عن أشعاري ، عرضوني في الندوات، طبعوا لي طبعات فاخرة ، نلتُ جوائز كبيرة ، عملتُ مقابلةً مع أمرئ القيس ، ومقابلةً مع أبي نواس رغم أنه لم يكن مهتماً بي كثيراً دون أن أعرف الأسباب ، حين أذهب إلى المهرجانات الجميع يلتفُ حولي ، صار الكثير من النقاد يكتبُ عني ، وأنا أقول إنني لا أستحق كل هذا المديح ، فأنا امرأة موضوعية عصرية ، صحيح إن جمالي وأنوثتي البارزة تلعبان دوراً كبيراً في ذلك ، لكنني أوجهُ النقادَ إلى الاهتمام بالجانب الفني الحقيقي ، وأنه من الضروري أن يبتعدوا عن المؤثرات الشخصية ، حتى جاء أحدُ المسعورين الحاقدين وزعم إن ما أكتبه ليس سوى هراء نثري ، ورفع قضية على المجلس الثقافي لدينا لكثرة إرسالي ضمن الوفود الثقافية ، وترشيحي لأكبر جائزة أدبية دولية ، ولطباعة كتبي العديدة ، وجعلي سفيرة دائمة للثقافة ومندوبة الدولة الفكرية في الأمم المتحدة ، لكن كل هذه الحملة المسعورة من الناقد المذكور ، (والسبب إن زوجته شمطاء ، وعبرَّ لي مراراً عن وده ، لكنني لم أعطه وجهاً) ، لم تستطع النيل مني ، بفضل هذا المؤلف العظيم الماثل أمامكم ظلماً ، فهو الذي تقدم للدفاع عني ، بعد أن راح يصنع المقدمات الجميلة لدواويني ويفاتحني بنقد مسبق حولها ، فصرتُ أتقدم بشكل مهول ، وأخرسُ كلَ الألسنة الحاقدة!
المؤلف: (يصفقُ بحماس . . لوحده) .

المشهد الرابع

(الصالة المنزلية تتحول إلى قاعة محكمة يرأسها أحدُ الأشخاص الجدد ، والمؤلف في القفص ، وثمة حضور من الكائنات المزدوجة: الرجل – الضفدع ، المرأة – الحية ، وأشكال أخرى متعددة من هذه المركبات البشرية – الحيوانية، وثمة لغط وانتظار وتحفز.) .
القاضي: لقد أعطي المؤلف فرصة للدفاع عن نفسه فحضر أحد أهم الكتاب الباحثين للقيام بهذه المهمة .
الناقد – الثعلب: لقد كانت كلُ الوقائع الاتهامية المقدمة عاجزةً عن التفريق بين الإبداع والحقيقة ، فالإبداع لا علاقة له بالحقائق والوقائع الدقيقة في الحياة ، بل هو خيالٌ والمؤلف يصور ما يجري ، وليس هو مسئول عن كون الشخصيات في الحياة كلها ساقطة ومبتذلة ومائعة أخلاقياً ، لقد انهار الناسُ وتدمروا ، والمؤلف الصادق مع نفسه يلتقطُ ما يجري فيهم ويصوره ، هل يخلقُ بشراً من الفراغ؟!
ولأكن صادقاً معكم فأنا نفسي كنتُ مخلوقاً من مخلوقاته الاجتماعية والفنية ، كنتُ أعيش في حارة مكتظةً بالناس ، نهاجمُ ساحلَ البحر ونأكلُ السمكَ الصغير والقواقعَ والمحار وأسماك القرش ، وكنا كلنا في ذاك الوقت مناضلين ، أشداء، وكان المؤلف يزورنا في بيتنا المتداعي ، ويلمحُ فيني بذور النقد ، فأنا لا أبقي نقداً عند أحد ، فكنتُ أهاجمُ الخبازين وأسرقُ نقودَهم الصغيرةَ ، وأخدعُ الشحاذين القلائلَ الذين يمرون في الحارةِ فأقودهم إلى بيوت خالية وأهجم عليهم ، وكان الرفاق يقيمون ليّ محاكمة على الساحل الواسع في ذلك الحين ، فكنتُ أدافعُ عن نفسي بخطب جعلت المؤلفَ يعجبُ من سحر بياني.
ومن ذلك الوقت أخذ يوظفني في تقريض أعماله ، فحين كانت تظهر له قصصه الأولى في الصحافة ، كنتُ أسارعُ بنقدها، فأشرشحها شرشحة مرة ، وبطبيعة الحال من خلال اسم غير اسمي ، ويكون لهذه المقالات صدى مدوٍ ، لأنها كـُتبت بطريقة النقد الذاتي الضعيف المهلهل ، ثم أقوم بعد عدة أيام بالرد على نفسي ، ومن خلال اسمي هذه المرة ، وعبر النقد الرزين فاكشفُ الأخطاءَ الكبيرة التي تعمدتُ بناءها ، ليصمت ذلك الناقد إلى الأبد ، ويختفي كفقاعة.
وبعدئذٍ يكون للمؤلف صيته الواسع! كما تكون لي دعوة على سهرة عامرة وأشياء أخرى.
بطبيعة الحال لم تعجبني دعوة المؤلف لحرب العصابات ، خاصة أنها واكبت ظروفاً غير مؤاتية ، فكنتُ موظفاً متطلعاً إلى منصب مهم في الوزارة ، كما أن جبالنا كلها أشبه بتلالٍ تافهة ، لا توجدُ فيها مغارات ، ولهذا فقد قطعتُ الخيوطَ مع كتاباته وسيرته ، في الظاهر ، أما في الباطن فكنتُ أعلن حبي له خاصة لأصدقائه المقربين جداً . وأقول لعله يكون له شأن في يوم من الأيام، فلماذا أعاديه؟ خاصةً إن حبي له لا يمنع كتابة أطروحة الدكتوراه عن شعراء المجون في العصر العباسي.
وبعد أن خرج ، وأحتل موقعه في الوزارة ، تغير نقدي من الاهتمام بالشعر إلى الاهتمام بالنثر ، ومن قضايا المجون إلى قضايا الثورة ، وهو لم يبخل علي بإهداء مجموعاته وكتابة إهداءات شعرية حميمة ، وحينئذٍ في الواقع رأيتُ موهبة فذةً صقلتها معاناة التجربة المؤلمة ، وأنضجتها نوافذُ الانفتاح والإطلاع.
سيدي القاضي هنا كان عليه أن يعري الحياة التي رآها ، وتلك الشخصيات المحبطة المهزومة التافهة ، هي نتاج خياراتها ، نتاج بذور الضعف مثلي أنا ، الذي أعترف بأنني كنتُ ضعيفاً ، ونفس المؤلف صورني وعراني فغسلني .
بطبيعة الحال لديه عادة خاطئة كبيرة ولا تغتفر لكنه بشر . وأضربُ مثالاً واحداً وهو إنه يقرأ النقد أولاً وقبل النشر ، ويصحح فيه ، وعدة مرات كتبه بنفسه ، وأحياناً يلكمني بقسوة نظراً لبعض الهفوات . لكن كان كريماً ففي كل ندوة وفي كل سفرة كنتُ أحد المدعوين.
القاضي: في الواقع إن كل مزاعم الشخصيات بجناية المؤلف تعتبر باطلة حسب قوانين النقد والإبداع ، ولهذا أنا لا أجد أمامي متهماً ولا قضية!
الرجل – الضفدع: ما هذا الحكم ، هذه مؤامرة! إن في الحياة نماذج فذة ، مثلي أنا الذي تم تشويهي بشكل صارخ ، ولم يقم النقاد المأجورون بفضح ذلك ، بل كانت تقام حفلات ودعوات سفر فيكتبون تقريضاً عظيماً لقبحنا وتفاهتنا ، وربما يكون حتى هذا القاضي مؤامرة مدبرة من وزارة الإعدام!
القاضي: يجب أن تتحلوا بالصبر والشجاعة لتعترفوا بأنكم كنتم شخصيات متعفنة بشكل موضوعي ، خائسة منذ طفولتها، ولم يفعل المؤلف شيئاً سوى أن ترك لها مجال التبرعم والأزهار الشرير.
المرأة – الحية: أتعرفون من هو هذا القاضي أنه بطل قصته (الحصان) الذي حكم المدينة وأخرس أصواتها ، وراح يسربُ النملَ والضفادعَ إلى الأسواق والمنابر!
القاضي: أسكتِ أيتها الشريرة ، سوف أطلق عليكم النار جميعاً!
الشخصيات كلها تندفع بذيولها وخزاناتها ووطاويطها وصرخاتها نحو المؤلف لتخنقه وتتحول إلى زهر وعصافير ونوارس تنطلق في كل اتجاهات المسرح.

وعي محمود إسماعيل

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

الباحث الدكتور محمود إسماعيل هو من القلائل في مصر الذين اعتنوا طويلاً بالبحث في التاريخ والفلسفة العربيين – الإسلاميين ، وكان له منحى مختلف عن الوعي المحافظ الذي ساد الفكر المصري بدءً من عباس محمود العقاد حتى النشار وغيره من الذين أعادوا الوعي الفلسفي لما قبل الشيخ محمد عبده.
من كتبه التي صدرت في حقبة السبعينيات وكان لها تأثير على التأريخ كتابه( الحركات السرية في الإسلام)، الذي طبع في دار روز اليوسف ثم أعيدت طباعته في دور أخرى، ولأول مرة يتجاوز باحثٌ التنميطات الذي ظلت سائدة منذ طه حسين والذي كان كتابه الفتنه الكبرى بجزأيه بداية التحليل الاجتماعي للتاريخ الإسلامي.
وكان هناك نهجان في قراءة الإسلام في مصر، الأول اعتمد على رؤية يمينية تقديسية تبجيلية للتاريخ والفكر الإسلاميين بحيث جعلتهما جوهرين خارج الظروف والصراع، وبالتالي افتقدت الديناميكية ورؤية المسار الموضوعي للمسلمين، وهي قد غذت المجموعات السياسيةَ التي رفضتْ الانتماء الاجتماعي المحدد وجعلت موقفها غامضاً مائعاً بين المجموعات الاجتماعية المتضادة بغرض كسبها والمناورات داخلها. ويمكن ملاحظة ذلك في كتابات العقاد وسيد قطب ومصطفى محمود وغيرهم.
أما الخط الآخر فهو الخط الذي يرفض الإسلام، ويعتبر دخوله إلى مصر ، أو انتماء مصر لهذا التاريخ بمثابة كارثة حضارية، وقد يحدث ذلك بشكل غير مباشر برفض الكتابة عن هذا التاريخ الإسلام جملةً وتفصيلاً، كما فعل لويس عوض، أو الكتابة عنه، ورؤيته كتدهورٍ وتقومُ هذه الكتابات بالعودة إلى التصور الخلدوني السلبي للعرب، أي بأنهم أمة تخلف مطلق، كما يكتب ذلك بمناورات متعددة سيد القمني.
أما الخط الموضوعي التحليلي النقدي فهو الذي أسسه طه حسين، ولكن طه حسين لم يقترب من المادية التاريخية برؤية التاريخ كفعل للقوى الاجتماعية وهذا ما جعل رؤيته للتاريخ مثالية أخلاقية، ولم يستطع من الكتاب المصريين تطوير هذا الخط وتقديم صورة أكثر تطوراً، إلا حين بدأت كتابات محمود إسماعيل بالظهور، لكن محمود إسماعيل كان شبه مجهول في بلده، بسبب أقامته الطويلة في البلدان العربية المختلفة بغرضِ التدريس في جامعاتها وهذا ما أكسبه، من جهةٍ أخرى، احتكاكاً بتطورات الفكر العربي وتلاقحه مع المفاهيم التقدمية.
كما أكسبته هذه الرحلات قراءات عميقة في تواريخ البلدان العربية الوسيطة، ولهذا نرى له عناوين مختلفة عن تاريخ الإسلام في شمال أفريقيا، ومعرفة دقيقة بتحولات البربر والتيارات المذهبية السياسية فيها. كما أن له معرفة دقيقة بالفرق الإسلامية وتحولاتها في المشرق العربي الإسلامي، فكتب عن فرق الشيعة المتعددة.
وفي كتاب ( الحركات السرية في الإسلام )أختار الحركات المعارضة والهادفة للتغيير الاجتماعي، ومن هنا كان طابعها سرياً، وقد افتتح فيه تحليل التاريخ الإسلامي من وجهة نظر كشف تطور الصراع الاجتماعي، ثم ظهر كتابه الأساسي وهو (سيوسيولوجيا الفكر الإسلامي )وهو من أربعة أجزاء يتناول فيها تطور الوعي في التاريخ العربي الإسلامي وكيفية نشأة الفرق والاتجاهات الفكرية والفلسفية المختلفة، مستخدماً أسلوباً سهلاً في العرض، معززاً إياه بمئات المراجع والنصوص، مما يُعتبر مرجعاً لأي دارس لهذه الظواهر.
وإذا كان أسلوبه يمتاز بسلاسة العرض وبساطته نظراً لاستمراره في العملية التدريسية ولثورية أفكاره، إلا أن التبسيطية في النظرة إلى التاريخ الفكري تنتشر لديه في الخطوط العريضة لرؤية هذا التاريخ.
ونستطيع أن نعتبر أهم ما في هذا الكتاب حسب اجتهادي هو قراءته الدقيقة للإقطاع، فإذا كان يعمم كثيراً في رؤية (البرجوازية) ويجعل بعض الأنظمة القديمة كنظمٍ رأسماليةٍ أو أن الرأسمالية انتشرت فيها إلى حدٍ كبير، إلا أنه في رؤية ظاهرات الإقطاع والتخلف، فهو فذ فيقوم بتقديم إحصائيات دقيقة في هذا المجال بحيث لا يمكنك إلا أن تقر له بذلك.

نستطيع أن نقول بأن وعي محمود إسماعيل مثل لحظة فكرية هامة في التاريخ الفكري المصري الحديث، فهو من التقدميين القلائل الذين اهتموا بالسيرورة الاجتماعية للفكر الإسلامي، حيث خلا الفكر المصري الحديث من الاستعانة بالعلوم الحديثة في القراءة الإسلامية، وتوجه الفكر التقدمي المصري إلى الفكر المعاصر أو الثقافة كصنيع محمود أمين العالم أو غالي شكري، كما أن محمود إسماعيل لم يهتم هو الآخر بالفكر المعاصر وبتطور مصر الفكري الحديث، فلم يحدث تلاقحٌ على مستوى النظر بين الجذور والمعاصرة، بين بُنى مصر الوسيطة، وبنى مصر الحديثة.
هذه كانت مظاهر لضعف التيار التقدمي حيث لم تظهر شخصية موسوعية نقدية تستوعب هذه الظاهرات المركبة، فتقرأ قوانين التطور الاجتماعي والفكري على مستوى الماضي والحاضر، وهو ما مكن التيارات اليمينية الشمولية في الوعي الديني، وسواء الإسلامي أم المسيحي، من الهيمنة على قطاعات المثقفين، وتكريس توجهات سياسية غير ديمقراطية، خاصةً إذا ذكرنا بأن معاقل هذا الفكر في الجامعات والمدارس تضخ بشكل مستمر هذا الفكر المحافظ المتخلف في الفضاء الاجتماعي والسياسي، بحيث تراجع التطور في مصر عن بلدان عربية أخرى كانت سابقاً أكثر تخلفاً منها.
وهذا يمكن أن نلاحظه حتى في موسوعة محمود إسماعيل التي توقفت عن فهم مسألة التشكيلات التاريخية، وخاصة مسألتي (الإقطاع والرأسمالية) الحاسمتين في فهم التطور العربي السياسي الراهن، فهو يقسم الفاعلية في التاريخ الاجتماعي الإسلامي بين قوتين متصارعتين هما البرجوازية والإقطاع ، والتطور والحداثة والعلم تأتي من الأولى ، أما القوة الثانية فهي قوة تخلف وارتداد ، وهو حكم صحيح في عموميته الواسعة ، ولكن إلى أي مدى كانت هذه (البرجوازية) برجوازية حقاً ؟ فمعاييره لتحديد البرجوازية غير دقيقة، فهل تكفي فترة من الازدهار التجاري والحرفي لكي نعمم بأنها طبقة برجوازية في حين أنها مجرد فئات وسطى، كما أن تناقضها وتداخلها وتبعيتها للإقطاع كانت مسائل معقدة في التاريخ وتحتاج إلى تحليل لكل فترة وبنية بدون القفز إلى أحكام كبرى.
فإذا كان هذا التحديد للفئات البرجوازية غامضاً، وبالتالي لا يوجد هناك فهم دقيق لأسلوبي الإنتاج، فإن المسائل الفكرية المترتبة على مثل هذه القواعد التحليلية، تغدو محفوفة بالمخاطر النظرية.
في الجزء الثالث ، على سبيل المثال ، وهو المختص بدارسة أفكار الفلاسفة والفرق الفلسفية، يتعرض لمدرسة (أخوان الصفا)، وهي المدرسة الفكرية السرية التي ذاعت أفكارها في العالم الإسلامي عبر التاريخ.
وحول الاختلافات في تاريخ ظهور هذه المدرسة وعن صحته يقول الباحث :[ وعندنا أن ظهور المعلومات الأولى هذه عام 360 هـ لا يخلو من دلالة على ارتباط هذا الظهور بعصر الصحوة البورجوازية الثانية – من حول منتصف القرن الرابع إلى منتصف القرن الخامس الهجري – وهو عصر المد الليبرالي الذي شهد ظهور كيانات سياسية كبرى تمثل في الدولة البويهية والدولة الفاطمية والخلافة الأموية بالأندلس، وهي كيانات ذات طابع بورجوازي حققت الكثير من طموحات إخوان الصفا)، ص179 ، ط 1 ، سينا للنشر.
إن هذه الكلمات العامة عن الصحوة البرجوازية والمد الليبرالي، يجب أخذها بحيطة موضوعية وتدقيق بالغ، فهل يمكن اعتبار عصر الدولة البويهية عصر (صحوة) ، وما معنى الصحوة في سياقات البحث الاجتماعي، وهل الدولة البويهية دولة بورجوازية؟ إن كلمة (صحوة) تقابل النوم، فكأن العلم الاجتماعي يتحول هنا إلى استخدام التعبيرات الفضفاضة المتعلقة بنوم واستيقاظ الفرد، وليس بقراءة تشكل الفئات والطبقات الاجتماعية. فمن المعروف إن الدولة البويهية كونها أمراء فرس زيديون تلاعبوا بالخلفاء العباسيين وحولوهم إلى دمى، وقد عاثوا بميزانية الخلافة على بذخهم ولهوهم، وانحصرت الخلافة حول بغداد ثم بضع دويلات فارسية، وعموماً تحول الأمراء البويهيون إلى إقطاع متحكم في الثروة.
لكن البويهيين سمحوا بظهور وزراء مثقفين كبار لعبوا دوراً كبيراً في تشجيع الفكر والثقافة، لكن النظام الاجتماعي لم يتغير، يقول عبدالعزيز الدوري( فمن آثار سياسة معز الدولة تجاه الأراضي أن ” فسدت المشارب ، وبطلت المصالح، وأتت الجوائح على التناء {الفلاحون} ورقت أحوالهم ) في حين أرتفع دخل أفراد الجيش البويهي المسيطر، (والخلاصة، فإن عصر العصر البويهي كان خالياً من الخدمات الاجتماعية باستثناء الفترة بين369 – 372 ) ، (وكان الفقراء يأكلون الجراد أيضاً، وخاصة في السنين العجاف) ، ( وكانت معيشة البدو صعبة)،(ورأى بعض الوزراء في المصادرة مورداً أساسياً للخزينة وتصرفوا بموجب ذلك) ، راجع الدوري ، تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري.
هكذا غدا هؤلاء الأمراء البويهيون الغزاة إقطاعاً عسكرياً، ينتزع الفوائض عبر الجيش، وهو لا يعرف كيفية توسيع الإنتاج وتحديثه، ولكن ما هي علاقة أخوان الصفا الذين ظهروا في هذه الفترة بالبويهيين وهل كانوا من تأثيراتهم؟
إن اخوان الصفا تجمع ثقافي سري ليس له صلة بالحكام، وهو يتشكل من شرائح الفئات الوسطى المعارضة للاستغلال الإقطاعي، وقد أمكن لهذه الجماعة أن تكتب وتدس كتبها في غيبة من أعين السلطات، واستفادت من صراعاتها الفوقية وغياب ملاحقاتها، فهي إجابة على الأسئلة التي طرحها الإسلام عبر حركاته المختلفة، خاصة حركة الاعتزال، وحركة أخوان الصفا مرتبطة بالتقاليد الكفاحية الفكرية للمناطق العراقية الجنوبية القديمة وهي محاولة لتجاوز عقلانية الاعتزال بصورة مختلفة. وهي تعبر عن شرائح من الفئات الوسطى اعتمدت الثقافة كوسيلة للتغيير الاجتماعي، ورفعت من مكانة الزهد والتصوف كسبيل مسلكي للتغيير السياسي، وحاولت تجميع أغلب المذاهب والأديان في إطار تصوفي مشترك، وكانت لها نظرات مهمة في فهم التاريخ، لكنها لم تستطع أن (برجوازية حرة) فكان هذا يحتاج لتبدل الرأسمال الحرفي على رأسمال صناعي وذلك لم يكن ممكناً حينذاك، وصار ممكناً الآن!
لكن الدكتور محمود إسماعيل بعد هذه الملاحظات العامة يسوق الكثير من الأفكار المتغلغلة في تحليل فكر أخوان الصفا ، بصورة دقيقة متتبعاً تجليات وعيهم في مختلف الظاهرات السياسية والعلمية والفلسفية، بحيث جاءت هذه الملاحظات بغنى مختلف عن التعميمات التي لم ترتبط بها.