في إنتاجِ دكتاتوريته الفردية يصعدُ لينين صراعَهُ ضد التعددية في الحزب، فيقسمهُ، ويصعدُ صراعَه ضد التنوع الديمقراطي في الغرب فيغدو الغرب برجوازياً لا بد له من شيوعية نافية له بكليته.

كتب ومؤلفات عبـــــــدالله خلــــــــيفة متوفر في مكتبة صوفيا بالمحرق

   الكتاب                                                                   السعـر      

1 – عقاب قاتل.        ……………………………………………………………  4,5 دينار

2 – اغتصاب كوكب.   ………………………………………………………….     3 دينار                                        3 – رسائل جمال عبدالناصر السرية  ……………………………………………   4 دينار

4 – حورية البحر.  ……………………………………………………………….  4 دينار

5 – طريق اللؤلؤ.  ………………………………………………………………… 4 دينار

6 – رأس الحسين.  ……………………………………………………………….  4 دينار

7 – ابنُ السيد.   …………………………………………………………………..  4 دينار

8 –  ألماس والأبنوس. ……………………………………………………………  4 دينار

9 – ثمن الروح.  …………………………………………………………………..  4 دينار

10 – بورتريه قصاب. …………………………………………………………..   4  دينار

11 – مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني. ……………………………………………    4 دينار

12 – شاعرُ الضياء. …………………………………………………………..    4 دينار

13 – خَليجُ الأرواحِ الضَائعةِ. …………………………………………………  4,5 دينار

14 – هُدهُد سليمان. …………………………………………………………….  4 دينار

15 – الكسيحُ ينهض. ……………………………………………………………  4 دينار

16 – أنطولوجيا الحمير. ………………………………………………………..  4 دينار

17 – إنهم يهزون الأرض!  …………………………………………………….  4 دينار

18 – ضوء المعتزلة. …………………………………………………………  4,5 دينار

19 – سهرة.  ……………………………………………………………………  3 دينار

20 – جنون النخيل. ……………………………………………………………..  3 دينار

21 – سيد الضريح. ……………………………………………………………..  3 دينار

22 – دهشة الساحر. …………………………………………………………….  3 دينار

23 – نشيد البحر. ……………………………………………………………….  3 دينار

24 – الأعمال الروائية الكاملة، المجلد الأول. …………………………………..  5 دينار

25 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، جزء(1) – (2)  ……….  5 دينار

26 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، جزء(3)  ……………  5 دينار

27 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، جزء(4)  …………….  6 دينار

28 – عالم قاسم حداد الشعري. …………………………………………………  4 دينار        

29 – تطور الأنواع الأدبية العربية. …………………………………………..  5 دينار

30 –  رأس المال الحكومي الشرقي. ………………………………………….  5 دينار   

31 – صراع الطوائف والطبقات. …………………………………………….. 5 دينار     

32 – الملعون سيرة وحوارات وما كتب عنه. …………………………………. 4 دينار

كتب ومؤلفات عبـــــــدالله خلــــــــيفة متوفر في مكتبة صوفيا بالمحرق

الدين بين الشكل والمضمون

الدين مثل غيره من الظواهر الاجتماعية له شكل ومضمون، وقد احتار الناس عبر التاريخ بين الأديان كمظاهر خارجية، وكمضامين اجتماعية وأخلاقية روحية. وكافة الأديان كانت ثورات في البداية، استهدفت تغييرحياة الناس، وتجاوز ظلم فئة واستغلال طبقة الخ..

لكن الأديان مثلها مثل الثورات لا يمكن أن تخضع لتأثير فئة ما كل التاريخ، وكثير من اللصوص والمستغلين الذين حاولت أن تجرفهم هذه الثورات الاجتماعية التي لبست لباس الوعي الديني، استطاعوا أن يتغلغلوا في أجهزة هذه الثورة، وفي شرابين هذا الدين أو ذاك.

وهكذا فإن القوى المستغلة عبر التاريخ تقوم بإعادة تفسير الدين، أو أنها تخفي مضامينة الحقيقية، أو تجرد أهدافه الاجتماعية الملموسة من طابعها السياسي والطبقي، وتركز على المظاهر الخارجية، والجوانب التي لا توجه الأسئلة إلى سيطرتها واستغلالها.

وقد احتارت الحركات الاجتماعية الإسلامية والمفكرون الإسلاميون في جذور الطابع الاجتماعي للإسلام، ولم يصلوا إلى أنه ثورة اجتماعية نهضوية تمت بأدوات عصرها، فقد قام بعضهم برفض العبادات وشكل بعضهم تنظيمات من حلقات وهياكل سياسية معقدة، يدخل فيها المريد من الخلية الدنيا ويصعد درجات حتى يصل إلى قمة التنظيم السياسي الديني، وحينذاك تتكشف له (الحقائق) التي لا تُقال له وهو في سن صغيرة وفي مكانة فكرية دنيا.

في حين شكل الصوفيون المسلمون درجات من المعرفة الصوفية يتدرج في سلالمها المريد، وتتفتح أمامه (الحقائق) بقدر ما ينزع عنه من ثياب الدنيا والعرض الزائل، ويتقدم في الحضرة القدسية.

المناضلون الإسلاميون الأوائل كانوا يحاولون البحث عن جوهر للدين خارج النضال الاجتماعي والصراع السياسي ضد المستغلين؛ فيجدونه في العزلة المطلقة والتجويع الذاتي للنفس والبعد المطلق عن الشهوات كرد فعل على الغرق في الشهوات والماديات التي تقوم له الطبقات الحاكمة.

وحتى الحركات الدينية التي وصفها المؤرخون بالحركات الاجتماعية، لم تصل إلى جوهر الدين، كحركة سياسية نهضوية تتطلب شروطاً خاصة، وحولوا الدين إلى مغامرات حربية وحملات للسلب والنهب، في حين غرقت الأكثرية المؤمنة في الاعتقال السياسي للحكام الجائرين، غائصة في أوحال العمل ومستنقعات الزراعة وكهوف الحرف، بينما كانت ثمار جهودها تضيع في الليل الطويل.

يتحول هذا الصراع بين الشكل والمضمون في الأديان إلى جنون أحياناً حينما يقوم بعض المغامرين برفض الدين جملة وتفصيلا، أو يبتكرون مذاهب من رؤاهم الذاتية ويصنعون جناناً موهومة.

أو تتحول إلى كوابيس اجتماعية حين يقوم الباباوات والملالي باحتكار الأقوال المقدسة وتفسيرها وتحديد من يدخل الجنان ومن يخرج منها.

أما التفسير الديمقراطي العصري للصراع بين الشكل والمضمون فى الدين فقد قام على ترك المؤمنين في عالمهم الديني الخاص، وأخرج المنطقة السياسية العامة منه، وجعلها ميداناً للتنافس السياسي والصراع الانتخابي.

فنهضة الأمم وتقدمها وتغيير حياتها صارت رهناً ببرامجها السياسية، ولم يعد أحدٌ يُسمح له باحتكار الحقيقة الدينية، أو أن يستخدمها في عمله السياسي، إلا لأن الدين صار ملكية عامة وتراثاً، غير مسموح بزجه في الصراعات السياسية.

إن هذه العملية العصرية أخرجت الدين لأول مرة من التداول السياسي التجاري؛ وأصبح المؤمن يذهب للكنيسة ويصوت للحزب اليساري أو اليميني حسب ما يراه من دور لهذا الحزب أو ذاك في قضاياه الاقتصادية والاجتماعية.

ولأول مرة في التاريخ يعطى للدين مكانته المقدسة واحترامه، ولا يؤجر لخدمة الاستغلال السياسي والاجتماعي.

قصة أول مايو

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

الرفيق المناضل محمد أمين محمدي رحل يوم الجمعة  7  يونيو 2024

لم يكن ثمة من يعمل لتحويل أول مايو إلى احتفال بحريني، فهذا الاحتفال يشير إلى تكريم طبقة لم تحصل سوى على أشد أنواع العمل قسوة، وأقلها أجوراً..

ولهذا مرت جل سنوات الخمسينيات وأغلب سنوات الستينيات من دون اهتمام بعيد العمال العالمي, رغم بداية الحضور السياسي المكثف للعمال في الحركة الوطنية, حيث كانت الطبقة التي رفعت الزعماء الى اهدافهم, ومنذ الستينيات أخذت طلائع العمال بالتعبير عن الطبقة كطبقة مستقلة لها مصالحها المتميزة عن عموم الطبقات الوطنية.

وكنا كطلبة أو مثقفين في تنظيم عبر عن حركة العمال وهو جبهة التحرير الوطني, لم نكن ندخل في خصوصيات الطبقة وعالمها اليومي, وصنوف صراعها المعيشي على الأرض المتفجرة بالعرق, والدم, بين الآلات والدخان. أما الجيل القديم جيل الغوص الذي كان قاعدة الصناعة والأعمال اليدوية فكان بالكاد يعرف ماذا تعني نضالية الطبقة العاملة الحديثة!

وكان هذا من نصيب شباب العمال وقتذاك الذي أمتلك نصيباً من المعرفة, وزجت به ظروف الفقر والاستغلال تحت سيارات الشحن والنقل وفي (سالم الخطر) وعرف أفران الموت الصاهرة. خاصة شباب مدرسة بابكو الفنية التي ازدهر فيها الوعي التقدمي خلافاً لإرادة الشركة وطابع عمالها المسالم المسترخي في ظل امتيازات تفصله عن بقية العمال.

كانت الحورة كغيرها من الأحياء الشعبية تضج بحركة هذا الشباب, وكان العامل محمد أمين الذي عمل في بابكو طويلاً, من العمال الشباب المهتم منذ أواخر الستينيات من القرن الميلادي الماضي, بقضايا العمال المعيشية والعملية, وقد خطرت له هذه الفكرة البسيطة بأن يكرس جزءاً من وقته لتعريف العمال بقصة أول مايو, وأي مراجع لجريدتي الأضواء وصدى الأسبوع في تلك السنوات سيجد أسم محمد أمين أو أي أسم مستعار, يتعمد الكتابة قبيل شهر مايو عن حدث أول مايو وكيف ظهرت المناسبة بعد أحداث أمريكا والتعسف ضد العمال الذي جرى في نهاية القرن التاسع عشر. لكن هذه التعريفات والكتابة لم تحول المناسبة الى فعل احتفالي, ولهذا فقد تحول محمد أمين إلى التنظيم لكي ينتبه المثقفون والعمال للمناسبة ويجعلوها تسري بين العمال, ولهذا أقترح كتابة ملصقات صغيرة شعارية ورسومات تعلق في الشركات والمصانع عن المناسبة. هنا تحولت الفكرة من فكرة فردية إلى انخراط حشد من العمال الشباب والطلبة في الكتابة والرسم وتوزيع الملصقات والمنشورات عن اول مايو, ومن المجموعة الصغيرة إلى أن غدت الفكرة تضم عدداً كبيراً من العمال.

وبدلاً من شباب عمال بابكو المتميزين دخل عمال شركات المقاولات والشركات الصغيرة الذين كانوا رئة العمال في التحركات, حيث كانت الأجور الهابطة وعدم وجود عمل ثابت, تجعلهم يجمعون بين الإضرابات والدعاية النقابية وليدخل مطلب أول مايو أجازة محسوبة.

وتوجهت الملصقات إلى التعبير عن المشكلات الرئيسية للعمال كالعمل من أجل تحديد ساعات العمل أو المطلب التاريخي بتحديد الحد الأدنى للأجور الخ..

تم نقل الشعار الى احتفالات حقيقية فيما بعد, لكن يوم العمل ظل بلا إجازة فتجري الاحتفالات بشكل ليلي, ومن خلال تجمع حشود العمال, وتحولت الفكرة في التنظيم الى مطلب سياسي ضمن المطالب المدرجة عن الديمقراطية.

وهكذا حين تشكل أول مجلس منتخب رفعت كتلة الشعب مطلباً بضرورة تحويل أول مايو إلى يوم إجازة, أسوةٍ بمختلف بلدان العالم.

وتم الاعتراض على هذا المقترح من قبل كتلٍ متعددة بالقول أن أول مايو لا يندرج في اعياد المسلمين كعيد الحج والفطر, وحين احتج نواب كتلة الشعب بأن البلد تحتفل بعيد الاستقلال, وهو ليس عيداً دينيا, تحكم التصويت بإجهاض المقترح.

ورغم دخول البلد في عواصف الانقلاب على المجلس المنتخب وتوسع البناء الاقتصادي وانهمار العمالة الاجنبية فان المناسبة أفلتت من يد النخب الصغيرة وغدت مناسبة شعبية يتم الاحتفال بها بأشكال غير رسمية, رغم غياب النقابات وسرية المنظمات.

وفي السنوات القليلة الماضية لم يحتج البلد إلى صراعات ومناشدات لكي يتحول أول مايو إلى اجازة, بل غدا ذلك بعد أن ذاب الجليد, لكن لا يزال بعيداً أن يكون عيدا بهيجاً يحتفي به أغلب العمال ولهذا فانضمام أغلبية العمال ينتظر تحوله من يوم اجازة وتذكير سياسي إلى أن يكون عيداً احتفالياً سعيداً.

محمد امين محمدي

جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

الديمقراطية والتقليدية

الديمقراطية من جهة، والأنظمة والحركات التقليدية من جهةٍ أخرى، في حالةِ تضادٍ لا يمكن التوفيق بينها.

الديمقراطية حداثة، ووطنية، وعلمانية، وديمقراطية وتقدمية.

والتقليدية طائفية، ودينية، وشمولية، ونظرتها الوطنية ملتبسة وأفقها التاريخي غائم وشائك!

كيف سيحاولون التوفيقَ بين هذه المتناقضاتِ وإلى متى؟

أي نظامِ يطبقُ هذين التوجهين المتضادين سيجدُ نفسه بين طرق شتى متعاكسة تحفر في كيانه من جهات مختلفة، وسيحاولُ أن يوفقَ وينشىءُ الفلسفةَ التوفيفيةَ بين الثلج والنار، بين الشرق الإقطاعي والغرب الحداثي الرأسمالي، بين العالم الطائفي والعالم العلماني، بين أناس يقولون ان المرجعية للمذهب، وأناس يقولون إن المرجعية للشعب، أناسٌ أدلجوا الأديانَ وحولوها إلى حصالات للعيش على حساب الفقراء، وأناس يريدون بصيصاً من النور لسياسة حرة تخدم الشعب ولا تفرق بين الطوائف، وتغدو المرجعية للدساتير المصونة.

حين تقوي الديمقراطيةُ المفترضةُ القوى التقليديةَ فسوف تتمردُ على الديمقراطية حين تتطور وتقترب من السمات العالمية، وتقلص من نفوذها، لكن بعد أن قويت وامتدت لجذور الحياة الاجتماعية السياسية.

يجب عدم الاعتماد على مرجعياتِ وزارات الخارجية الأمريكية والبريطانية في لحظاتٍ مقطوعةٍ من لحظاتِ سياساتها المتبدلة دوماً بحسب ظروفها ومصالحها، وليس بحسب المرجعية الغربية الديمقراطية العلمانية ومصالح الجماهير الشعبية في تلك الدول كذلك.

فالبرلماناتُ تفوزُ فيها عادةً القوى اليمينية الممثلة للشركات الكبرى وهذه تريدُ نفطاً رخيصاً وأسواقاً مفتوحةً وقطاعات عامة مهدمةً وغيرَ ديمقراطية، فتدعو البلدان العربية لسياساتٍ (ديمقراطية) مبنيةٍ على حراكِها السياسي المؤقت، أي أن تخففَ الصراعات بها بشكلٍ راهن عابر، حتى تقوم بمهماتِ شراء النفط الرخيص، وتغدو أسواقاً مفتوحة، وأن تُحضرَ منها الرساميل الكبيرة وأن ترتبط بعملتها، ولا تنظرُ نظرةً بعيدةَ المدى من أجلِ الاستقرار الطويل الأمد وإلى تطور هذه البلدان وإلى نمو تحديثها وازدهار صناعاتها. فهي ديمقراطيةٌ غربية تسويقية استنزافية للعملات الوطنية والخزائن الناضبة يوماً بعد يوم!

ولا توجدُ من جهةٍ أخرى سياساتٌ وطنيةٌ بعيدةُ المدى في الدول العربية الإسلامية، تثمنُ هذه الجوانبَ التكتيكية الغربية(الديقراطية) لكن أن ترى أبعد منها وتضعها في مرحلتها وتحدد القوى الراهنة المستفيدة منها والمؤثرة فيها، وتشكلُ استراتيجياتها الخاصة القائمة على سياسةٍ علمانية ديمقراطية متدرجة شعبية في بلدانها، وأن تسحبَ عملاتها من تحت مظلة الدولار، وتعمل على إيجاد سلة من العملات، وإنشاء ترسانة من الذهب في خزائنها، وتطور بلدانها صناعياً تحديثياً تقنياً معاصراً، وتتخلص تدريجياً من العمالات الأجنبية الاستنزافية، وتطور عمالاتها الوطنية.

السياسة العلمانية الديمقراطية استراتيجية بعيدة المدى تقوي اللحمة بين الدول العربية والإسلامية، وتعمل على إيجاد سوق إسلامية عالمية، وشيئاً فشيئاً تقلصُ مساحات الاستثمار السياسي الاجتماعي في الأديان، ولكن من دون توسيع مجالات الرأسماليات الخاصة والعمالة المحلية المتقدمة، تحدث إشكاليات الصراعات الدينية السياسية.

بطبيعة الحال مثل هذه السياسات مسألة تشكلها تياراتٌ فكرية وسياسية عبر سنوات والخطورة أن يكون ذلك من خلال الصراعات الداخلية الضارية.

كلُ شيءٍ يتغير إن التناقضَ هو أساسُ حياة البشر، وبدون تناقض يزول البشر.

كلُ شيءٍ يتغير

يقول البعض بأن هذه الأشكالَ والتجاربَ الفنية والأدبية العظيمة باقيةٌ إلى الأبد، وليس تلك الأشكال والتجارب الدنيا، فهي إلى زوال.

وهذه الأنظمةُ أبديةٌ وتلك ليست أبدية.

ولكن منذ قرون وهناك أقوالٌ تتحدثُ عن زوال الأدب الأغريقي الذي ظهر قبل ميلاد المسيح بقرون وملئته عوالم السحر، ومع هذا فهو مستمر ويشكلُ متعاً وذائقة، وكذلك الأدب الجاهلي، وكانوا يقولون بأن هذا الأدبَ إلى زوال لأنه مصاحبٌ للوثنية ومع هذا يستمر.

الحديث عن زوالِ تجارب دخلتْ عالمَ الأدب والفنون، حديث يتصور بإمكانية وضع خطوط مطلقة بين الرؤى والأنواع الأدبية والفنية والفلسفات السياسية والدينية.

لكن حتى الفنون التهريجية والروايات البوليسية والأغاني الماجنة ما زالت تعيش، وستبقى.

نعم العالم يرتقي لكن بصعوبات شتى ويظل نسبياً.

وتغدو تطبيق هذه التصورات في عالم السياسة والفكر والمعتقدات محفوفاً بالمخاطر، وتغدو الآراء المثالية صعبة التطبيق، ولهذا من الصعب تصديق تصورات مثل الديمقراطية الخالصة النقية المعلبة في زجاجات، لأن الديمقراطيةَ ترتبطُ دائماً بالدكتاتورية، فالديمقراطيةُ الخالصةُ خيالٌ مثالي، إنها تتطور ضد الديمقراطية لكن هل سوف تخلص منها نهائياً؟

هذا مرتبطٌ بتاريخ البشرية ككل، وقد قيل بأنه حالما تزول الدكتاتورية تزول الديمقراطية معها. لأننا حينذاك لسنا بحاجة لأجهزة القهر والضبط، ولكن متى سوف يحدث ذلك ومتى ستخلو المجتمعات من الإختلاف؟

لا أحد يعلم.

إن التناقضَ هو أساسُ حياة البشر، وبدون تناقض يزول البشر.

ولهذا فإن أفكار الجنان تبقى مفتوحة كذلك للتناقضات.

يقولون بوجودِ الإنسان اللاحيواني، ولكن الإنسانَ مركبٌ من إنسان وحيوان. فأين هذا الإنسان الذي يخلو من بعضِ مادةِ الحيوان؟

والآخرة حين تنقسم إلى جنة ونار تغدو تناقضاً حاداً، أي ليس فيها تناقضٌ جدلي يمشي على مواد البشر، فلا يمكن أن لا يفكر أهلُ الجنانِ بعذاب أهل النيران، ولا يمكن أن يصبرَ أهلُ النار على عذاباتهم إلى الأبد؟ لا بد أن ثمة علاقة.

وربما تحدث صراعاتٌ وتداخلات ويتشكلُ تاريخ.

وقد تصور شاعر عراقي قصةً خياليةً تمردية لأهل النار!

وهل يمكن أن تكونَ هناك شيوعية ويتوقفَ التاريخ؟ كيف سيتشكل كلُ هؤلاء البشرِ في نمطٍ واحد؟ ألن تحدث سرقات؟ ألن يرتد كثيرون للملكية الخاصة؟ هل سوف تزول الأنانية بشكل مطلق؟ هل يمكن ذلك؟

تاريخٌ بلا تناقض يغدو ناقصاً أو خيالياً، تاريخٌ بلا مستويات متعددة يغدو سطحياً، وبشر بلا صراعات وتناقضات بشر يعيشون في عالم غير واقعي.

ومن هنا فإن الثقافةَ الرفيعةَ لا يمكن أن تكونَ وحدها في الميدان، فليس الأديب صاحب البيان العظيم وحده الموجود في العالم، كما أن الممثل الهزلي سيكونُ مع الممثلِ منتج الأفلام والمسرحيات الواقعية والشعرية.

قالوا بأن الممثلَ الكوميدي الذي تحبهُ العامةُ (الجاهلة) سوف يزول لكنه لم يزل، ويظهر عامةٌ آخرون يحبونه، ويبقى وربما زاد جمهوره عن السابق، فيما تلقص أو زاد جمهور الممثل المثقف.

هناك مستويات من الواقع والبشر والثقافة والسياسة مرتبطة بتناقضاتٍ ومستوياتٍ بشرية لا تُحل ولا تُصهر في نسخةٍ واحدة، أو تُوضع في ثلاجة فكرية وسياسية وتبقى هناك.

بدون التنوع والتناقض والصيرورة ولا نهائية التاريخ البشري وغموضه المستمر ومفآجاته التي لا تنضب تزولُ الحياة.

قالوا بأن الرأسماليةَ الغربيةَ هي خاتمةُ المطاف للتطور التحديثي في العالم.

الآن لدينا رأسماليات آسيوية ذات تطورات أكثر خصوبة من الرأسماليات الغربية، ولم تشكلْ حروباً، ولم تعش على نهب الشعوب، لديها عناصر إنسانية أكبر، وسيكون لذلك تأثيره في التحولات القادمة وفي ديمقراطيتها التي لا تخلو من دكتاتوريات.

ولهذا فإن نماذجَ الإشتراكية لن تنضب من التاريخ، ستتكرر وتتعدل، وتتداخل مع الأشكال الأخرى.

سابقاً قالوا أن الالكترون هو نهاية المادة لكن ظهر أن المادةَ لا نهاية لها، مثل الكون الذي نراه كوناً واحداً، والقادمون سيرونه أكواناً.

ولهذا فإن إعتقالَ الوعي في الزنزانات السياسية والثقافية المؤدلجة يجعلهُ محنطاً جامداً، يدهوره ويدهور علاقاته بالبشر مصدر طاقاته وتحولاته، وتغدو القدرات السياسية قصيرة، والآفاق مغلقة، فيما العالم لا ينفد من التطورات.

كلُ شيءٍ يتغير إن التناقضَ هو أساسُ حياة البشر، وبدون تناقض يزول البشر.

«الإسلام السياسي» كمصطلح غربي        

جاء مصطلحُ (الإسلام السياسي) في العقود الأخيرة من القرن العشرين معبراً عن الرؤى الغربية السياسية في معالجة تاريخ المسلمين المعاصر خاصة.

وهو يعكس عقلية المواجهة للحركات المذهبية المحافظة المتطرفة، لكن أُخذ ذلك بشكل تعميمي، وهو يغدو في الأدبيات العربية الشرقية كتعبير أدبي سياسي موجه ضد الحركات الدينية المعاصرة.

جاءَ التعبيرُ الغربي كجزءٍ من الحملة السياسية ضد حركات مناوئة للعصر، تضع تصفية الآثار التحديثية الحضارية في الشرق، جنباً لجنب مع سياسات الدول الغربية المتدخلة في شؤون وبلدان المسلمين، رغم أن هناك مستويات متعددة من التطور الاجتماعي الإسلامي في هذه العملية، فهناك قوى صحراوية بدوية وريفية عاشت على الألغاء ومن قوى مدنية إستوعبت تقاليد حضارية حديثة ودعت للنمو المتدرج وبضرورة إستيعاب الديمقراطية على مراحل، ولا يمكن إلا قراءة هذه الخطابات ونقد بعضها ودعم الآخر مع تطور العمليات السياسية والاقتصادية التحديثية المشتركة بين الغرب والمسلمين، للوصول لقواسم مشتركة وعمليات تعاون أعمق.

أما ذاك التعبير الغربي وهو تعبير(الإسلام السياسي) فهو قد خضعَ لرؤيةٍ إيديولوجية إستصالية عامة، خاصة عندما إنتقل لقوى ليبرالية ويسارية عربية ليس لها جذور شعبية وديمقراطية.

وقد قامت تطوراتُ العرب والمسلمين الحديثة على مساندة الغرب الإقتصادية والفكرية في الواقع، ومثلت الدراساتُ الغربية في ثقافة وتاريخ الإسلام الشيءَ الكثير، وعكف مئاتُ العلماء الغربيين على فحص مخطوطات إسلامية قديمة وكرسوا أعمارهم لذلك بين الأقطار المتباعدة وبين الكراهية وقلة المساعدات!

وقد فهمتْ الأتجاهاتُ غيرُ الإنسانيةِ في المنطقة ذلكَ كنوعٍ من التآمر والإستغلال، وتوظيفاً للقراءات في عمليات التفرقة بين المسلمين، وربما كان ذلك موجوداً في بعض التحقيقات والرؤى، لكن العملية الثقافية الغربية لدراسةِ الإسلام كانت مفيدة جداً، وتمثل نقلة كبرى تمت الإستفادة منها والتجاوز لها كذلك.

في ذلك الدرس للتاريخ لم يكن ثمة التعميم الراهن (الإسلام السياسي)، وقد كان الدينُ مجموعةً من العمليات الإجتماعية المُسيّسة عموماً، وبالتالي فإن هذا التعميمَ الراهنَ وهو الإسلامُ السياسي المقصودُ به الحركات المحافظة المضادة للعصر، لم يأت من عمليات تحليل الحركات السياسية الاجتماعية الإسلامية الكثيرة كالمعتزلة والقدرية والأشاعرة والقرامطة والمذاهب الإسلامية التي نشأت في أجواء محافظة ولكن عملت على حفظ هياكل الأمم الإسلامية، بل جاء من اللغة الصحفية لهذه الأيام، لأن الكتاب الغربيين المعاصرين إنعزلوا عن نتاج الغرب الهائل نفسه المعالج للإسلام، وجاءوا من الحكومات أو من الصحف أو من شركات النفوذ، فلم يرتكزوا على نتاجات الغرب الديمقراطية في معالجاته للتاريخ ولثقافات الأمم. أي هو إصطلاح نتاج تبسيط، ومؤامرات وصراعات سياسية راهنة لا يجوز أن يُؤخذ لمواقف سياسية عميقة. هو جزءٌ من اللغو لا من التحليل.

الآن حين غدت المعركة سياسية مباشرة بين حركات دينية مضادة للحداثة، وبين حركات تحديثية، علمانية متغربة، جاءَ هذا المصطلحُ المجردُ، رغبةً في عزل هذا الكم الهائل من التعصب والتخلف عن جمهور قراءة الصحف لكن بأدواتٍ غير علمية.

إستعمال هذا المصطلح جاءَ من حركاتٍ ليبراليةٍ ويسارية غيرِ ذاتِ حفرٍ في التاريخ والواقع، وكجزءٍ من الإستيراد الشكلاني، غير النقدي، وتعبيراً عن هشاشة الفئات الوسطى التحديثية غير الصناعية، وتذبذبها بين القوى التقليدية الحكومية والدينية التي لم تؤسس نهضات عربية إسلامية إنسانية متجذرة متطورة.

هو الصراع بين حركات سياسية من الفئات الوسطى نفسها، لكن المتسمة بقلةِ التبصر السياسي، وبمحدوديةِ المعارف، وبالحدية الغربية أو بالحدية الدينية المتصادمتين عبر هذا المصطلح، وهو أمرٌ يكشف ضعف البرامج السياسية لهذه الفئات وتراقصه على الأحداث اليومية بدون تبصر مستقبلي أو معرفة بحال الأمة العربية خاصة وبالأمم الإسلامية عامة، وتبعيات هذه الفئات لقراءات الدول الخارجية غالباً، ولرؤيةِ جهةٍ واحدةٍ من التطور، ولغياب الجدلية التضفيرية بين الأوطان والعصر، بين الأديان والتحديث، بين الشعوب وهذه الفئات الوسطى التي هي نتاجُ البيروقراطيات الحكومية والتجارة الصغيرة الدكاكينة.

والأسوأ إنه يعبر من جهةٍ أخرى عن العامةِ الضحلةِ الوعي، المقسَّمة طائفياً، التي يشكلُ حراكُها ضرراً على نفسها، أكثر من الفوائد التي تجنيها من تسيسها المخرب لعالمها، فهي كل يوم تغوص في الفوضى ويدفعها تعصبها للمزيد من الأزمات.

ويزيد إستخدام مصطلح الإسلام السياسي من هذه الأضرار، لأنه يبعد هذه العامة عن القراءات الموضوعية، ويشحنها بالعدائية للحداثة، ويعمق طائفيتها، بدلاً من تقرأ الإسلام والعصر على ضوء آخر.

جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

إشكاليات التطور السياسي في السودان

كان السودان أثيراً على قلوب العرب وخاصة التقدميين منهم، حيث كان واعداً بتطورات إيجابية كبيرة، كانت ثمة أسماء أسطورية تلتهب في فترة السبعينيات من القرن العشرين، وكان البلد ينزف بين إنتفاضاته الشعبية العظيمة وإنقلاباته الدموية المؤلمة.
حتى أخذتْ عقولنُا تستبصرُ التطورات الماضية بأشكالٍ جديدة، فقاربنا تعقيدات تطور العالم، ولم تعدْ الصيغُ المبسطةُ بقادرةٍ على فهم الواقع المعقد.
وحين نقرأ الآن أدبيات الأحزاب التقدمية والقومية نجد إن الكثيرَ من اللغةِ القديمة لم يتغير، وحتى عمليات التحليل والنقد الذاتية لم تصل إلى أغوارِ التجارب التي نُسفتْ والتي غَامرت والتي تَجمدت.
اقرأ الآن تجربةَ التقدميين السودانيين في السبعينيات فأجد الحيثيات باقية. في سنوات السبعينيات تابعتُ بأسى المجازرَ التي قامَ بها جعفر النميري. كان كتابُ فؤاد مطر، هذا الصحفي الذكي، وهو بأسم (الحزب الشيوعي السوداني نحروه أم إنتحر؟)، وثيقة بالغة الأهمية لكيفيةِ إشتغالِ الصحفي وغوصهِ في تاريخٍ حي، يتدفق بالدماء على أرض الواقع المتأجج بالصراعات، جامعاً بين الحيثيات الحياتية النارية والقراءة الفكرية والوثائق، بين يوميات جعفر النميري في دهسِ المعارضة الدينية في جزيرة آبا وتحويلها إلى مقبرة واسعة، وإنقضاضه على الحكم كأنهُ وليٌّ مقدسٌ نزلَ بدبابةٍ من السماء، وبين براءةِ اليسار وطزاجته وعنفوانه وشموليته الغائرة الخطرة وشموخه وذهابه للمشانق مرفوع الرأس.
حين يحلل الباحثون هذه المجازر وهذه الهبات المندفعة نحو الأعالي بشكلٍ أسطوري، لا يقرأون السببية البسيطة التي كشفها تاريخُ القرن العشرين، وهي أن الثورةَ الاشتراكية في العالم الثالث الراهن هي حلم، وحلم خطر إذا حاول أن يمشي على قدمين في أرض الواقع، ويصبح كابوساً إذا ركب على دبابة. والسؤال المركزي حقيقةً هو هل يستطيع اليسار أن يتجاوز الإقطاع؟!!
سنجد إن جعفر النميري والمناضل الشهيد عبدالخالق محجوب متضادين، لكن ثمة أشياء خطرة جمعت بينهما. لقد كان مشروعُ الإشتراكية يسري في العظامِ السياسية للأمين العام للحزب الشيوعي، صحيح إنه أخذهُ كتتويجٍ لثورةٍ وطنيةٍ ديمقراطية، لكن هنا هي المشكلة.
في تقييمه لإنقلاب مايو 1969 الذي قام به جعفر النميري، والذي إندفع بقوة وسرعة لكي يكون نظاماً شمولياً متغلغلاً في كلِ شيء، وجامعاً كل السلطات العسكرية والأمنية والسياسية والثقافية بين يديه، تحدث الأمين العام للحزب عبدالخالق محجوب عن قوتين بارزتين أخذتا تهيمنان على مسرحِ السودان السياسي، وهما قوة البرجوازية الصغيرة الممثلة بالضباط الذين تولوا السلطة، وبقوة الطبقة العاملة التي تمثل طليعة الثورة الحقيقية وطليعة العاملين حسب تصوره.
جاءَ في بيان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي صبيحة يوم الإنقلاب 25 مايو1969 ما يلي:
(ماجري صباح هذا اليوم انقلاب عسكري وليس عملاً شعبياً مسلحاً قامت به قوى الجبهة الوطنية الديمقراطية عن طريق قسمها المسلح، وأصبحت السلطة تتشكلُ من فئة البورجوازية الصغيرة.
يبني الحزبُ موقفَهُ من هذه السلطة على أساس: دعمها وحمايتها امام خطر الثورة المضادة، وأن يحتفظ الحزب بقدراته الايجابية في نقد وكشف مناهج البورجوازية الصغيرة وتطلعاتها غير المؤسسة لنقل قيادة الثورة من يد الطبقة العاملة الى يدها، فالبورجوازية الصغيرة ليس في استطاعتها السير بحركة الثورة الديمقراطية بطريقة متصلة.).
إن هذا التقييمَ يحشرُ العمليةَ السياسية في ممر إجتماعي ضيق خاطئ، فالصراع ليس بين طبقتين، بل هو في طبقة واحدة هي البرجوازية الصغيرة نفسها، فهؤلاء العسكريون والسياسيون المتحدون على التغيير هم شرائح من هذه الطبقة، والحزب الشيوعي هنا إحدى هذه الشرائح، لكنه يتوهم إيديولوجياً بأنه ممثل الطبقة العاملة، وبالتالي هو يستطيع دون سواه أن يحدد الطريق الاشتراكي، لأنه ممثل العمال. وهل العمال يريدون الاشتراكية أو يفهمونها؟ وأية شروط موضوعية من تصنيع واسع وغيره من الظروف يؤهل السودان الإقطاعي الزراعي – الديني، الممزق لمثل هذه الأحلام التي تنسجها النخب؟
هذه النخبُ نسجتْ هذه التصورات الإيديولوجية بعد عجزِ ممثلي القوى الاجتماعية التقليدية عن فتح طريق النهضة الصناعية والديمقراطية للشعب، نظراً لارتكاز القوى التقيدية كحزب الأمة على الملكية الزراعية الإقطاعية وعلى الطوائف والقبائل والشركات والبنوك المالية الطافحة فوق جسدٍ إقتصادي إقطاعي متخلف، ممزق، مركزي!
وحين يتقدم الحزب الشيوعي بين هذا الكم الشعبي البسيط العائش في إقتصاد ما قبل رأسمالي بشكل واسع، ليقوده إلى الإشتراكية يؤكد عدم نضجه السياسي.
صحيح إنه قال إنه يعمل لتنمية العناصر النضالية الديمقراطية تتويجاً للانتقال إلى الإشتراكية لكنه قال كذلك بأن ثمة (مأزق للتطور الرأسمالي في السودان)، وإنه قادر على إزاحة ممثلي البرجوازية الصغيرة بعد حمايتها وتصويب خطواتها، مما يعبر عن وصايته على الثورة الشعبية، واحتمالات تطورها، وهو أمر يجعل الدكتاتور العسكري الأرعن يزداد رعونة!
إن الخطاب السياسي للحزب بالتوجه إلى الإشتراكية هو الخطابُ المسبب لأزمة المرحلة، وبطبيعة الحال هناك الدعم السوفيتي لمثل هذه المغامرات، وهو أمرٌ يجعلُ القوى التقليدية تضطربُ وتتحركُ في مغامرات لوقف هذا التعدي على (الملكية الخاصة) وعلى (الدين)، وهي إثارات لتحريض الدول الأخرى خاصة مصر التي بدأتْ تنتقلُ لحكم السادات في ظلِ ذلك البرزخ التحولي الهدام من عبدالناصر للسادات، ولذا كانت أحداث جزيرة آبا وتطبيقات النميري للاشتراكية العسكرية وإستغلاله لشعارات الحزب الشيوعي لضربه وسحب البساط من تحت أقدامه مدعاةً لمراجعة هذا الخط وتغييره.
إن كل هذه الإستراتيجية تقودُ إلى فك العلاقات مع الحلفاء وعدم تصعيد عناصر الديمقراطية والنهضوية الصغيرة والدخول في سيناريوهات القفزات والمذابح!
لقد كان السودان قريباً من مغامرة (الإشتراكية) التي صعَّدها الحزبُ الشيوعي السوداني بحسنِ نية، وإستغلها جعفر النميري بسوءِ نية.
وقد كان كان المسرحُ الستيني العربي مهيئاً لمجموعةٍ من هذه المغامراتِ الخطرة، التي ألحقتْ أضراراً فادحةً بعملياتِ التطور الاجتماعي الديمقراطية.
كان هناك صراعٌ فكري في الحزب الشيوعي السوداني نفسه، فقد ظهرَ فيه صراعُ البلاشفة والمناشفة! صراعُ المناضلين المعتمدين على سواعد الجماهير العاملة وعبر نضالها حتى تغدو السلطة تتويجاً لهذا الكفاح، وهذا هو التوجه البلشفي. في حين يمضي التوجه المنشفي للاستعانة بالانقلابيين العسكريين وبالقوى العليا من أجل الإسراع بالتحولات!
يتصور التقدميون السودانيون أنفسهم هنا إنهم في دولةٍ شبهِ صناعيةٍ شبهِ متطورةٍ، ويصعدون على المسرح التاريخي وكلٌ منهم لبسَ عباءاتٍ تاريخيةً مهيبة، لكي يقفزَ إلى دورهِ العظيم ويحققَ الإشتراكية! وقد نسوا المهمات الحقيقية البسيطة والعظيمة والصعبة جداً كذلك في مثل هذا الواقع الشديد التخلف.
يتصور عبدالخالق محجوب بأنه لينين آخر، وإنه سوف يهزمُ المنحرفين والانتهازيين داخلَ الحزب، ليجمع مختلف القوى ويحقق الثورة المنتظرة الديمقراطية أولاً ثم الاشتراكية ثانياً على السياق السوفيتي.
لكن الدكتاتور النميري تشبع بأدبيات المرحلة بشكلٍ أكثرَ سرعةً وخفة وفجاجة وفساداً، فقد خطفَ (الثورة) المزعومةَ من خصمهِ اللدود، ثم راح يقفز بها من كارثة إلى أخرى، ففي الذكرى السنوية الأولى لانقلابهِ قام بالتأميمات لكافةِ الشركات الكبرى والعديد من المتاجر والدكاكين. وبهذا فقد حقق الإشتراكية كما يتوهم وقد أعطته هذه التأميمات مزيداً من القوة والتمدد وكسب الانتهازيين.
وهذه مثل ثنائيات أخرى كثنائية الحزب الشيوعي العراقي والبعث. أو بن بيلا وبومدين، أو ثنائية عبدالناصر واليسار المصري الخ.
ولم يعارضْ الحزبُ الشيوعي فكرةَ الإشتراكية أصلاً، بل عارضَ سوءَ تطبيقاتِها ولعدمِ قيامِها على أسسٍ قانونية معتدلة، ولحدوثِ الفساد الكبير فيها، وكأنه لو طبقها الحزب نفسه لاستطاع أن ينجو بها، ويأخذها إلى التطبيق الصحيح.
دون أن يقرأ بأن فكرةَ الاشتراكية نفسها غيرُ ممكنة في مجتمعات شرقية متخلفة ، وإستبدادية، ودينية غير عقلانية، وغير رأسمالية متطورة!
وهو أمرٌ يعودُ للقراءة الماركسية – اللينينية الدينية المقدسة.
فلحظةُ عبدالخالق محجوب هي لحظةٌ إستعاديةٌ لينينية، وهي قابُ قوسين أو أدنى من الثورة العمالية الموعودة، أي أنه على العكس كان ينبغي قلب مثل هذه اللحظة، وضرورة نقد هذه الفكرة وإستمرارا النضال الديمقراطية من أجل سودان رأسمالي ديمقراطي موحد متطور، فخلق مثل هذه التراكمات الديمقراطية هو الذي سوف يطور الحلفاء ويوجه التغيير نحو الظروف الإقطاعية السائدة، ويوجه العمل لتغيير الثقافة الدينية والسحرية، ونشر التعليم والتصنيع، ومحو الأمية، وتغيير حياة الأغلبية الفقيرة.
لقد رأينا إنه في الوقت الذي وجدنا جماهير الإقطاع الديني تحتشد للدفاع عن زعمائها وتلبية لنداءاتها في تلك الجزيرة المجزرة، أو في ما تلاها من أنشطة سياسية ختامها كان ثورة الإنقاذ الكارثية، في حين إنه حين ذبح الزعماء التقدميين، أو قيام فصيل منهم بإنقلاب ضد النميري عبر إنقلاب هاشم العطا وإفشاله لم نلحظ حراكاً وأسعاً للجماهير العمالية طليعة الثورة الاشتراكية؟!
كانت التحركات الكثيفة للجمهور الديني الذي لم يشتغل عليه التقدميون وتركوه غنيمة وفريسة للإقطاع، هي الكثيفة، وهي التي أكدت نفسها وصعّدت جماعاتها لتستغلَ فراغَ غياب التقدميين الحاد والمأساوي، وكذلك رأينا صعود القطعات العسكرية، والطائرات المصرية والليبيية التي ضربتْ الانقلابَ وأعادت النميري في حلةٍ جديدةٍ من الوحشية، وبهذا فقد قدمت القيادةُ الحزبيةُ الشيوعيةُ طلائعَها التي تعبتْ في تشكيلها عبر عقود وجبةً سهلةً للقطعات الحربية الأجنبية المتدخلة المغيرة ولجماعات النميري التي حُررت من الأسر السهل.
فيما تُركت الأرض السودانية الاجتماعية للقوى المذهبية والإقطاعية والعسكرية، دون أن يكون ثمة تنظيم تنويري ديمقراطي يوجه الناس نحو حل المشكلات المحورية مثل الطائفية والأمية وأشد حالات الفقر والفساد وتنمية الوحدة الوطنية والليبرالية والديمقراطية.
إن الهزائم والانكسارات السياسية الحادة لها نتائج وخيمة فيما بعد وهي تتطلبُ جهوداً وتضحياتٍ أكبرَ لتجاوزِها، وخاصةً على مستوى تطوير الرؤى، فتجاوز النسخة الماركسية الاستيرادية يتطلبُ قراءاتٍ عميقةً للواقع، ودراسةَ الإسلام والمسيحية وخلقَ مستويات إجتماعية عقلانية ديمقراطية فيهما مع إستمرار المادية الجدلية في نشاطها الإنتاجي البحثي السياسي، وبضرورة تطوير القوى المنتجة الخاصة والعامة، فلم تعدْ الدولةُ السودانية مثلما كانت في فضاءٍ عسكري محض، بل غدت دولةً شمولية ذات ملكية إنتاجية وقوة إقتصادية وإجتماعية هامة مثل العديد من الدول الشرقية التي تجاوزت فضاء الستينيات (الحر) بُعيد الاستقلال، ويحتاج تجاوز شموليتها إلى صعود كبير للرأسمالية الخاصة المنتجة، ووحدة المنتجين.

#السودان #عبدالخالق_محجوب #الحزب_الشيوعي_السوداني Sudan#

حراكُ الأديانِ

حراكُ الأديانِ

خريطةٌ عامة
    بدتْ الساحةُ الدوليةُ في القرن العشرين متجهةً للصراع بين الليبرالية المسيحية والإشتراكية الماركسية، وكان صراعاً ضارياً، يؤكدُ فيه الطرفُ الليبراليُّ الغربي على نشرِ العلاقاتِ الرأسمالية والتحالفات العسكرية المسيِّجة لجسدِ المعسكر الإشتراكي المُحَّاصر، النازفِ في بقعٍ كبيرةٍ تُضربُ بالطائرات وتُمنع عنها البضائعُ المتطورةُ والإختراعات، وتقطعُ خطوطَ إمداداتِها عن الشعوب المستعمَّرة المتطلعةِ للحرية.
كان العالمُ الغربي يستنزفُ العالمَ الفقير المقطع، وتتضخمُ ثرواته، وتنأى طبقاتهُ الوسطى عن الإحتجاجِ وعن إنتاج ثقافة الحفر الاجتماعي ضد الإستغلال القاري والإستغلال العالمي، وتتوزعُ ثقافتهُ بين ليبرالية رأسمالية علمانية ذات تشجيع للأديان، التي هي أداةُ تخديرٍ كما ترى للجمهور العامل الذي لم تتوصلْ قطاعاتهُ التحتية للماركسية، التي غدتْ هي الخطرُ العالمي، المؤججُ لنضالاتِ شعوبِ المستعمرات، وفي ذاتِ الوقت كانت ثقافةُ هذه الطبقاتِ الوسطى المتعددة التراكيب تنتجُ نزعاتٍ جديدةً من النقدِ للرأسمالية، ولهذا النظامِ المالي المهيمنِ المُستَّلِب، لكن عبر مدارس مناسبة لهذه الجماعات المالكة – العاملة. ولكن غدا الألحادُ ومفارقةُ الأديانِ سمةً ظاهرةً واسعةً في الثقافة الغربية العليا، غير الثقافة السوداء، ثقافة الجنس وأفلام الرعب وثقافة المخدرات وغناء الحشيش والإبر، أو ثقافة الكنائس الواسعة الإنتشار خاصةً في الطبقاتِ الفقيرةِ والمناطقِ والقارات التي لم تنهضْ بعدُ بشكلٍ صناعيٍّ واسعٍ كأمريكا اللاتينية.
وكانت الأديانُ عامة لدى الشعوب خارج العالم الغربي هاجعةً، مولودةً في العالم الحديث الاستعماري بطفوليةِ النصوص القديمة الشعائرية، فالتعليمُ محدودٌ فيها، وأغلبهُ نصوصي تحفيظي، والتجارةُ ضئيلةٌ، والصناعةُ معدومةٌ، وكانت الليبراليةُ بحاجةٍ لطبقاتٍ وسطى تحملُها، فهي لا تمشي على الأرضِ بدون الدكاكين الواسعة والوكالات العامرة بالبضائعِ المستوردة، وبدون الورشِ والمصانع الخاصة، وبدون الصناعيين والتجار والمسارح والسينما، ومن هنا فنفخُ الغربِ الاستعماري وقتذاك لليبراليةِ كان يجري في رمادٍ بارد.
كان المطلوب في العالم الشرقي وغير الغربي عامة، أدوات فكرية سياسية تعبئُ الجمهورَ الواسع، وتدفعهُ للنضال، وتكسير سيطرة الغرب، وتجرُ الملايينَ للصناعة، وتنشرُ الخطوطَ العريضة للعلوم، وتحطمُ نومَ الأرياف فلم يكن أفضلَ من الإيديولوجية الماركسية، فالعمالُ موجودون وإن لم يكونوا عمال صناعة، والفقراء يملأون الآفاق الريفية خاصة وحارات المدن.
إندفعتْ هذه الشعاراتُ تكتسحُ القاراتَ الفقيرةَ، أعطتها مفاتيح سهلةً للتصدي للغرب، منعتْ أفكارَها الليبراليةَ والدينيةَ من التوغلِ في الشعوب، أدعتْ تجاوزَ الغرب وحضارته العريقة، رغم إنها إحدى نتاجاتهِ، وفي كلِ مرحلةٍ كانت الأفكارُ الغربيةُ المُجدِّدة عموماً هي أدواتُ إشعال المصانع الشرقية الخربة، لكن الماركسيةَ المستوردة تمت شرقنتها، وغدتْ إستبداديةً غيرَ ديمقراطية، ومسطحةً، فعاملتْ الأديانَ بطريقةٍ فظة، وتوافقَ نشر أفكارها مع منعِ التعددياتِ والقراءاتِ المختلفةِ وبفرضِ الملكية العامة البيروقراطية وصعود القيادات المُبَّسطةِ للأفكار، وغير العميقة، والمتقلقلة فلسفياً.
هذا الواقعُ الشرقي وغير الغربي عموماً تغير في بضعةِ عقود، نشأتْ كتلٌ سياسيةٌ ضخمةٌ متحررة؛ عدةُ ملياراتٍ من البشر إنتزعتْ أثمنَّ ما لدى الغرب من مستعمرات، كان نضالاً أسطوريا وضعَ تاريخاً جديداً للبشريةً.
المدنُ في الشرقِ إتسعتْ وتضخمتْ بالسكان، إنتشرتْ المدارسُ والمتاجر والمصانع، الفئات الوسطى شبه المعدومة إتسعتْ بشكلٍ هائل، لم تعد الدول ذات الملكيات العامة الشاملة مقبولة، قدراتها على تطوير قوى الإنتاج تحجمت، لم تستطع تطوير المصالح الخاصة في الإنتاج، عجزتْ عن خلقِ المبادراتِ الذاتية، بدأتْ الإشتراكيةُ الحكوميةُ التي حولتْ نفسَها لإلهٍ قادرٍ على كلِ شيء تتأزم، والرأمسالية القومية المستبدة هي الأخرى لم تغدُ ناجحة كلياً، والفئاتُ الوسطى الظاهرة في كلِ مكان من العالم الشرقي توجهتْ نحو تعزيزِ مصالحها والاهتمام بالحريات الخاصة، ونحتْ لتصعيدِ تقاليدها الخاصة وتاريخها الماضي، إنبعثتْ عملياتُ واسعةٌ لتجديد الإرث بشكلٍ لم يسبق له مثيل.
إن الأجيالَ المبكرةَ الأولى التي ذهبتْ للغرب من أجل الدراسة والتي صار منها الوزراء والمسئولون في عهود الإستعمار وأوائل الإستقلال، توقفتْ عن ذلك الرحيل الواسع، فنشأتْ جامعاتٌ وطنيةٌ في كل مكان، وذلك التبتل للغربِ والصلاة في محرابهِ بشكلٍ رومانسي توقف، أصبحتْ الرحلاتُ تتصاعد للواقع المحلي، أُضيتْ الشموع للرموز الوطنية والدينية.
كان عالماً مختلفاً عن ذلك العالم الذي تشكل في بداية القرن العشرين، الأمم الشرقية تكونت بشكل جديد، ذلك الفقر السحيق وأمية الملايين تغيرت، فلم يعدْ التسطيحُ مقبولاً، ولم يعدْ الإستيرادُ مُهيمناً كما في السنواتِ البكرِ للعقولِ الخاليةِ، التي كانت فيها الأديانُ الشرقيةُ مغيبةً أو أشكالاً مسطحةً من العبادات، دخلتْ الملايينُ الجديدةُ وهي تحلقُ بتراثِها الخاص، والقوى المالكةُ الخاصةُ الواسعة الإنتشار رأت في الماركسية عدواً لدوداً بدلاً من الصديق الحميم السابق.
بدأ عهدٌ دينيٌّ واسعٌ مختلف.
غدت الأممُ الشرقيةُ والعالمُ غيرُ الغربي المتطورِ عموماً أمام واقع جديد، واقع تطورتْ فيه الرأسمالياتُ الخاصةُ التي راحتْ تزيحُ الرأسمالياتِ الحكوميةَ كليةَ السيطرة، والفئاتُ الوسطى إنتجتْ أجيالاً شابةً في ثقافةٍ دينيةٍ موروثة، والاشتراكيةُ لم تعدْ نموذجاً، إن الاشتراكيةَ ذات النمط الشرقي البيروقراطي غدتْ متخلفةً، والماركسيةُ تنمطتْ وتجمدت عبر قراءاتِها المدرسية وبمستوياتِ العمال اليدويين، وعملياتُ بعثِ ماضي الشعوب والأمم القديمة ذات الحضارات المزدهرة السابقة توسعتْ كثيراً، وتفككَ النموذجُ الإشتراكي إلى قومياتهِ الأولى، وإن دولاً مجهولة بلا خرائط ظهرتْ في أفريقيا وقارات أخرى، وحدث إزدهارٌ لم يسبقْ له مثيل للصناعاتِ والتجارة والتقنيات، اليابان قادتْ إلى تشكيلِ رأسمالياتٍ مزدهرةٍ في شرق وجنوب آسيا، والنموذجُ الرأسمالي المتطورُ إندمجَ مع رأسمالياتٍ حكومية خففتْ من مركزيتِها ومن هيمنتِها، فتضخمتْ التجاربُ الرأسماليةُ الحرةُ بشكلٍ واسع في الشرق الأقصى، وراحتْ تقارب الرأسمالية الغربية العريقة بسرعة غير معروفة في التاريخ، فبدأت التجاربُ الإقتصاديةُ الشرقية تتخطى المعدلات العالمية في النمو.
نموذجا الصين والهند صعدا بشكلٍ خرافي وأحاطا نفسيهما بدوائر من الجزرِ القاريةِ المتسارعةِ النمو كماليزيا وكوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وغيرها.
العالمُ الإسلامي الشرق أوسطي الأفريقي ظلَّ في ركودهِ التاريخي، من خلالِ حكوماتٍ مركزيةٍ مهيمنة على الاقتصاد والثقافة والأنفاس، وفي الدول الغنية منها توجيهٌ للثروات نحو الخارج، والفقيرة نحو الفساد والتحنط السياسي.
إختلفتْ لوحاتُ الأديانِ عن العقودِ السابقة عبر هذا الحراك الاجتماعي الهائل، فإذا كانت الماركسية تراجعت بشكل كبير وضعفت مواقع الطبقات العاملة، فإن المذاهبَ المحافظةَ صعدتْ بقوة بسبب صعود هذه الفئات الوسطى الريفية والتي جاءت من القرى أو تنامت ثرواتها في المدن، وقادها تعليمها الديني إلى تطويعِ المذاهب للسياسة، خاصة وأن الطبقات المسيطرة كانت تستند إلى الأفكار الغربية أو الشرقية (الإشتراكية)، فمضت نحو حراك الشعوب الديني المتصاعد، تستثمره في نمو سيطرتها وملئها الأجهزة الحكومية والمؤسسات السياسية المختلفة.
تحرك العالم عن صراع الماركسية والليبرالية الغربية وهو نموذج الحرب الباردة، إلى صراع الأديان المحافظة والليبرالية والماركسية، وهو ثالوث هائل متداخل معقد ومركب.
في الغرب المتطور (أوربا الغربية وأمريكا الشمالية) لم يعد للأديان من تأثير كبير، فإن النخبَ السياسية والفكرية تعتمد الأفكار العلمانية المختلفة، وحصلت الأفكارُ اليسارية على بعض التقدم بسببِ زوال الحرب الباردة، وظلت الأفكارُ الديمقراطية الليبرالية المعبرة عن الطبقات الحاكمة مهيمنة كالقرون السابقة.
في بقية العالم الشرقي وغير الغربي كان حراكُ الثالوث الفكري هو المنتشر، وكان إنبعاث الأديان الأكبر يعبرُ عن ظاهراتٍ معقدة، تبدو شديدة التناقض مع طبيعة العصر العلمية المتصاعدة، لكنها غير غريبة في الواقع فملايين من الجماهير الريفية زحفت إلى المدن، وتوسعت هذه المدن وازداد عدد سكانها بشكل هائل، وكانت إزاحة النفوذ الغربي يعني لهذه الجماهير العودة لتقاليدها الدينية، كما أن تآكلَ التجارب الاشتراكية فاقم هذه الظاهرات، وغدت الأديان والأفكار القومية هي أدواتُ الحراك الاجتماعي لجماهير العالم الشرقي، وأحياناً تندمج هذه الأفكار والأديان وأحياناً تنفصل، ففي حالاتِ ضعفِ الأفكار القومية فإن المذاهبَ الدينية هي التي تلعب الدور الأساسي والعكس صحيح.
غدا أصحاب المؤسسات الاقتصادية الخاصة والعامة هم الذين يهيمنون على المسرح السياسي، وهؤلاء أقرب للأفكار الدينية والقومية.
إن هيمنة الأديان المحافظة يعني هيمنة للإقطاعين الديني والسياسي، وبروز الليبرالية بأشكالها المتعددة يعني تصاعد نفوذ الفئات الوسطى التجارية والصناعية، والتداخلات بين الدين والليبرالية يعني تداخل الإقطاع والبرجوازية بأشكالٍ ونسبٍ معبرةٍ عن أحجامِها المتباينة في الاقتصادِ والحكم وعن تعاونهما أو صراعهما، والأنتصار الساحق للعلمانية والليبرالية يعني هيمنة نفوذ البرجوازية السياسي وإنتشار العلاقات الرأسمالية بشكلٍ كبيرٍ في الحياة الاجتماعية، ونفوذ الماركسية كجنوب الهند والصين أو جنوب أفريقيا يعني تصاعد دور الطبقات الشعبية والأفكار الاشتراكية. لكن الألحادَ الواسع نجده فقط في الغرب بينما ينتشر الإيمانُ المتعددُ الأشكال بالأديان السماوية والأرواحية وعبادات الأسلاف وبالرموز المقدسة والكائنات المجسدة في العالم الشرقي. ويتقارب الصينيون والهندوس والمسلمون في أعدادهم المليارية ويختلفون في توجهاتِهم الدينية كثيراً.
هذه الخطوطُ العريضةُ العامة جداً لها تلويناتٌ في القارات والبلدان بأشكالٍ ملموسةٍ متلونة، فلكلِ بلدٍ خريطته الخاصة وتجربته، وثمة مجموعةُ بلدانٍ تمثل أمة لها خطوطٌ متقاربة، وثمة قارة تشتركُ في خصائص دينيةٍ وفكرية وثمة بلدان تنفردُ بتجاربِها المميزةِ تماماً عن البلدان الأخرى.
فالأديانُ ليست حراكاً إجتماعياً محضاً بل هي قراراتٌ فردية روحية وأنشطةٌ سياسيةٌ معينة وعملياتُ ترويجٍ ودعاية، وهي هيمناتٌ حكوميةٌ شديدةٌ أو مرتخية، أو هي تجري في حريات كبيرة، وهي تعبيرٌ عن آلاف السنين من التفكير والحياة الاجتماعية.

خفوت الكونفوشيوسية
إن قرونَ التشكيلةِ الرأسمالية التي بدأتْ من القرن السابع عشر والثامن عشر الأوربيين عديدة، وإذ تعتمدُ على الإنتاجِ والسوق، فهي غربياً عالمياً مزدهرةٌ مهيمنةٌ في القرنين التاليين حتى رغم تفكك الأسواق الوطنية الأوربية لكن السوقَ تغدو عالميةً بفضلِ المستعمرات، وهذه كلها جعلتْ الأسلوبَ الرأسمالي كونياً، ووجدتْ الأممُ الشرقيةُ نفسَها تترسملُ بتوسعٍ، حسبَ قوةِ كلِ أمة، والقوةُ هنا تعني قدرة أفكارها على تحويلِ موادِها الخام وقواها البشرية الإنتاجية إلى صناعةٍ، وتأتي في القمةِ من ذلك الأفكارُ السياسيةُ والأفكارُ الدينية.
الأممُ الموحَّدةُ التي هي أسواقٌ كبرى، وتصعدُ بسرعةٍ أكبر من الأممِ الممزقةِ سياسياً ودينياً، وسنجدُ الدياناتِ تمثيلاً مُبكراً للأسواق. فالدياناتُ الكبرى هي تشكيلُ سوقٍ عالمية، في ظلِ العبوديةِ والإقطاع، أي في ظلِ مستويات إجتماعية محدودة تمنعُ من تعميمِ السلع سواءً في المادة أم في قوة العضلات البشرية.
إن الديانةَ الصينيةَ الكبرى وهي: الكونفوشيوسية تشكلُ دولةً هائلةً خلال عشرين قرناً، خلقتْ المقدمةَ الاجتماعيةَ للرأسماليةِ الحديثة الصينية، فلم تحتج (الشيوعية) أي الرأسمالية الحكومية الصينية بمرحلتيها الماوية والبرجوازية الشمولية الراهنة سوى أن تشكلَ علمانيةً هادئة ثم تُطلقُ طاقاتِ الأمةِ الموحَّدة.
كذلك فإن هذه الأمةَ المنعزلةَ المستقلة تجمعُ وتحفظُ قواهَا المنتجةَ البشريةَ ولا تبعثرُها بالحروبِ والغزوات، فتقمعُ الحراكَ البدويَّ الاستلابي للشعوب، فيها وخارجها، وتحضرُ سكانَها، وتمنعُ الغزوات الخارجية، فالحروبُ البدويةُ ما هي إلا سرقة البضائع من الغير.
إن سور الصين العظيم وتقليل الزوجات ونشر الزراعة والمبادئ الكونفوشسية هي التحضيراتُ الطويلةُ الكبرى للرأسمالية الهائلة الراهنة. إنها تكريسُ إنتاجِ البضائعِ الذي كان شغلُ أمةٍ مسالمة صبورة عاملة.
مثلها مثل الهندوسية وهي غابةٌ من الأفكارِ والعباداتِ ومع ذلك شكلتْ أمةً موحَّدة وغاندي العميق الفكر دمجَ بين الهندوسيةِ والرأسماليةِ الديمقراطية فتفجرتْ الهندُ سوقاً وصناعات وتقدماً بدون خسائر بشرية مريرةً.
أكثر من مليار عدد كل من الصينيين والهندوس والمسلمين والمسيحيين الغربيين وكلٌ منها قاعدة لتشكلِ أسواقٍ كبرى. لكن الوحدةَ القومية أو السوق المشتركة، هي الفيصلُ في ذلك. فإذا كان أصحابُ الديانةِ مفتتين ولا يشكلون سوقاً موحَّدة فإن المليارَ مثل المليون.
إن السوقَ القوميةَ الكبرى تعني إن سلبيات التخلف الاجتماعي من ضعفِ التقنيات لدى العمال أو إستمرار العمل النسائي البيتي المتخلف أو ضعف التعليم، لا تمنعُ النهضةَ الصناعيةَ الواسعة، لكونها سوف تتغلبُ عليها بشكلٍ تدريجي وفي ظلِ نموٍّ إقتصادي متصاعد.
إذا نظرنا لكونفوشيوس سنجدُ منهجيتَهُ ترتكزُ على خلقِ النظام السلمي الصارم المنتج وفي ظلِ قياداتٍ حكومية قوية، وفي ذلك الزمنِ من التداخلِ بين تشكيلتين متخلفتين راكدتين هما العبودية والإقطاع، لم يكن ثمة أفق سوى هيمنة هؤلاء السادة الأمراء والملوك مع إبراز الفضائل الممكنة التي تجعلُ النظامَ يستمرُ بقوةٍ وبإزدهار، ولم يكن بإمكانِ الفيلسوف الصيني أن يربطَ هذه الفضائل – الرذائل بأسلوبِ الإنتاج، الذي كان يقودهُ السادةُ إلى الهدرِ وبالتالي كان يقوضُ الاستقرارَ على المدى الطويل وهو قد تصور أن الفضائل الأخلاقية المجردة تصنع المعجزات، لكن بدون إزالة للبنية الاجتماعية المتخلفة فإن الفضائلَ المجردة لا تصنع شيئاً كبيراً ومستمراً. لكنه حاول أن يوجه هذه الطبقة المسيطرة إلى التفتح وبُعد النظر والإيثار وإلى توسعِ أفقِ معرفتِها بالاهتمام بالعلوم والموسيقى والأدب. وهي توجيهاتٌ هُزمتْ في زمنه، فكان شخصيةً مُهَّمشة، لكن ما طرحهُ صمدَ في زمنية غباء هذه الطبقات المرفهة الفاسدة ثم وُجدت في هذه الأخلاقية والثقافة صمامَ أمانٍ لنظامِها الاجتماعي، وتمثل تراكماً إجتماعياً ثقافياً يوجه موارد إقتصادية للبناء.
في خضم التاريخ الصيني تحققتْ إختراعاتٌ هامةٌ للبشرية عامة مثل صناعة الورق وصناعة البارود، وصناعة الحرير وصناعات حرفية أخرى عديدة.
لقد أرسى كونفوشيوس دعائم للحضارة الصينية، التي تهيمنُ عليها طبقةٌ عليا، ذاتُ بصيرةٍ وطنيةٍ غريزية، تتجسدُ أخلاقياً وثقافياً عبر مجموعةٍ من الفضائل التي تعني السلام ونبذ الفتوحات والاهتمام بالعمل البسيط المنتج، وهي قُدمت كخميرة للمتنورين والنهضويين الصينيين في بداية الحداثة.
في كتاب صموئيل هنتنغتون (صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي)، يقول بأن النموَّ الصناعيَّ الصيني لم يتوقفْ خلال القرون الأخيرة منذ القرن السابع عشر، وأظنهُ يعني الحِرفَ وليس الصناعات الحديثة.
إن هؤلاء المتنورين الذين قُدمت لهم الصين موحَّدة ذات جذور نبذوا الكونفوشيوسية بداية القرن العشرين وأعلنوا الجمهورية والعلمانية والأفكار التقدمية، بسبب أن هذه الفلسفة التي حُولت إلى ديانةٍ محافظةٍ متصلبة تبرر بناء تقليدياً، فلم تعد مجدية، ورأوا إنه لا بد من مقوماتٍ فكرية وإجتماعية أخرى وجديدة، لكن بحثهم ظل يجري تحت المظلة ، تحت مظلة الكونفوشيوسية مظلة الصراع والنضال الأخلاقيين، وكان تنويرُهم تنويراً فكرياً محضاً لم يتغلغل في أساسيات الإنتاج، وأدتْ مؤسساتُهم السياسيةُ إلى إستمرارِ النظام القديم بدون تغيير جذري في وقتٍ هجمتْ فيه الرأسماليةُ العالمية على كلِ إنحاء الأرض.
إن الأشكالَ العامةَ العبادية المظهريةَ للصين القديمة تزدادُ إهتراءً، الكلماتُ المثالية لكونفوشيوس لا تقدر أن تجمل النظام الإقطاعي البشع، وكانت الكثيرُ من مشكلات النظام تقعُ فوق رؤوسِ أحد الشباب الثوري وهو ماوتسي تونغ الذي تقدمَ لتغييرِ كل تلك القرون!
تذكر سيرتهُ الحزبيةُ الرسميةُ ما يلي:
(وقد لجأ النظامُ الإقطاعي المتوحش السائد آنذاك إلى الايديولوجيا الأكثر تسلطاً المبنية على تعاليم كونفوشيوس لإيجادِ شرعيته. هذه الايديولوجيا التي تهدفُ قبل كل شيء إلى قمعِ ظهورِ أية فكرة جديدة ودفع الشعب إلى القبول بوضعه، إذ تعتبر أن العائلةَ وكل العلاقات الاجتماعية ينبغي أن تتلاءم مع تراتبٍ دقيق. لكن ماو تسي تونغ كان قد حسم مبكراً مع التقاليد وتمردَ عليها، وهكذا عارضَ الممارسة الكونفوشيوسية التي تتيحُ للآباءِ أن يختاروا الأزواجَ لبناتهم، لتتحولن مذ ذاك إلى إماءٍ لأزواجهن وآبائهم. ومنذ أن كان ماو لم يتجاوز بعد سن الثالثة عشرة، رتب له والدهُ زواجاً بفتاةٍ عمرها تسع عشرة سنة لتعملَ كخادمةٍ له، حتى يصبح هذا الزواج تاماً، لكن ماو رفض نهائياً قرارَ والده.).
هذا الرفض في الواقع لعلاقاتِ الزواج التقليدية كان يعبرُ عن إصطدامٍ عميق مع تلك الأفكار المحافظة التي تجمدت لكونفوشيوس وإيذاناً بدخولِ علاقاتٍ ديمقراطية في الخلية الأولى للمجتمعوهي الأسرة، ثم يجري توسيعها لترفض كل أشكال السلطة الفوقية ثم تتبنى الماركسية لكن من خلال آرائه الخاصة.
نستطيع أن نقولَ إن ثمةَ قشرةً ماركسيةً هنا وتحتها اللب وهو القومية الصينية العريقة، وراح ماو عبر العقود التاليةِ يكيفُ هذه الماركسية المستوردة مع الطموحات القومية للفلاحين الصينيين، وعلى ضوءِ قراراتهِ الحادةِ التسريعية كان يشكلُ التاريخَ المستقلَ الجديدَ للصين. كان هو مركز القرار والدكتاتور القادم، غير القابلِ بوجودِ سلطةٍ أخرى، وعبر القوة الفلاحية العسكرية التي حصلت على الأرض غير الخاصة كان يهدمُ القوى الأخرى بذكاءٍ عسكري كبير.
إن تشكيلَ دولةٍ قومية بدون طبقةٍ برجوازية أمرٌ عسير، وتشكيلها من خلال طبقة فلاحين متخلفة أمر أكثر عسراً، وعبر حرب عصابات ضارية تتويجٌ عنيفٌ لكلِ تلك المغامرات المركبة! لكنها كانت إختزالاً للتاريخ على طريقة روسيا ومن خلال خصوصية قومية.
خلافاً لكونفوشيوس الواسع الأفق المثالي الحالم المتسامح ظهرَ ثوري هائجٌ باسم الشعبِ وكرسَ نظاماً ذا ملكياتٍ عامةٍ وصناعاتٍ شعبيةٍ صغيرة واسعة ذات فقر تقني رهيب، وهو صاحبُ فقرٍ نظري كذلك لأن ما يعمله وفي تصوره هو إزالة للطبقةِ الغنية وإنه يهدمُ البرجوازيةَ(غيرَ الموجودة) بشكلٍ مطلق، في حين كان هو المؤسسُ للبرجوازيةِ الحكوميةِ الشمولية القادمةِ بتوسعٍ هائل.
يقود النظامُ الجديدُ إلى خلقِ أسرةٍ حديثةٍ بالقوة، وتُنشر ثقافة حديثة، ويتم إبعاد كلي لصيغة الدين الماضوية عبر صياغة دين جديد، معلب؛ المساواة بين الأجناس والقوميات، إلغاء الذكورة المستبدة، إلغاء هيمنة ملاك الأرض، إطلاق قوى الشعب العاملة الخ هذه كلها شكلت صين جديدة.
هنا نرى إن الهدمَ (الشيوعي) للدين، وهو إجراءاتٌ كاسحة بيروقراطية بمنعِ الدين، على غرارِ إجراءاتِ لينين وستالين، تزيلُ نفسَها بعد عقود، لأن البيروقراطية ليست عقلانية فكرية تحليلية تتغلغل شعبياً، كما أن الديانة الماضوية البعيدة كانت قد إختنقت إجتماعياً في الواقع، ومع تغيير العلاقات الاجتماعية الاستبدادية فإن تلك الصيغ المحافظة الدينية تتبدل.
إن الألحادَ الماوي مثل الإيمان التقليدي هما وجهان لعملةِ الإستبداد، فنظراً لنقصِ الثقافةِ العلمية الديمقراطية لدى الجانبين وعدم حصول تغيير ديمقراطي شعبي طويل تظهرُ نسخٌ عسكرية وطنية وعبر ماو يتم التعجيل الرهيب بمسيرةِ النهضة، وتُقدسُ الشخصيات: كونفوشيوس، بوذا، ماو، أعضاء المكتب السياسي، تاريخ الثورة، الحزب وأدبياته، تُحنطُ ولا تنقد بشكل علمي.
إنها تخلقُ رأسماليةً ذاتَ مستويين؛ رأسمالية حكومية مسيطرة، ورأسمالية خاصة طالعة من أمها الفاسدة السابقة، لأن الاشتراكيةَ فوق بيئةٍ متخلفةٍ لا تُُنتجُ سوى رأسمالية حكومية بيروقراطية متناقضة، ونظراً لضخامةِ السوق البشريةِ الصينية وخلق آليات تعاون دقيقة متطورة بين الرأسماليتين العامة والخاصة، فإن التجربةَ تحققُ تقدماً كبيراً وهي تتجاوزُ ماو وتبسيطاتهِ الاقتصادية والفكرية.
تستردُ الكونفوشيوسية بعضَ جذورِها المتيبسة القديمة، والقيادات الجديدة ما بعد ماو لا تطلقُ حريات الأديان، لكونها يمكن أن تقودَ إلى حراكٍ سياسي فوضوي في بلدٍ هائل ذي قوميات وأديانٍ متعددة، رغم حماية قومية الهان الكبرى للهيكلِ البشري الرهيب. كما أنها تجلبُ بعضَ العاداتِ الغربيةِ الحضارية رغبةً في التحديث، لكنها لا تقدرُ على الإنتقالِ للديمقراطية الغربية، فيحدث حراكٌ ديني غامضٌ عبر إستعادات النزعات الروحانية القديمة في أمةٍ لا تستطيع أن تنتقلَ للرأسماليةِ الغربيةِ الديمقراطية ببساطةٍ بسببِ أن الطبقتين البرجوازية والعمالية متداخلتين بشكلٍ مركبٍ صعب الانفكاك بدون كوارثٍ إجتماعية، ولهذا فإن ظهورَ الكونفوشيوسية ربما يخففُ من هذا الإحتدام الطبقي الصراعي الداخلي، ومن التفاوتِ الهائلِ والمتصاعدِ بين الأغنياء والفقراء، خاصةً إنها تدعو للتضحيةِ والفضائل لكن الأساسَ الاجتماعي الذي ظهرتْ عليه مجدداً هو أساسٌ صراعي متضادٌ كذلك، وهو مفيدٌ بعض الشيء لعدمِ وصولِ الأطرافِ الاجتماعية إلى نزاعاتٍ دموية تخلقُ فوضى وطنية – عالمية، مع ضرورة رجوع الثقافة السياسية لأساسياتِ الحضارة المتقدمة الحديثة.


اليهودية كدكتاتورية شرقية
لم تتشكل تجربة حضارية ديمقراطية كبرى راسخة عميقة متوارثة لدى قبائل اليهود المشتتة عبر خرائط الأرض. ثمة قدراتٌ فذةٌ تراكمتْ في مجال العلاقات التجارية والنقدية، فنجد القبائل اليهودية وهي تخرجُ من أحضانِ التجمعاتِ القرابية المتماسكة المنغلقة لا تندمجُ بالمجتمعاتِ الحضارية شبهِ الرأسمالية وشبهِ الديمقراطية في المدن والدول التي تنزحُ إليها.
وسواءً كان ذلك بنزوحِ القبائل من فلسطين إلى مصر أو إلى بابل، فإن التجمعَ التحديثي شبه الرأسمالي أو المُـقاربِ للحداثةِ في ذلك الزمن، يبقى منعزلاً عن الإندماج. إن القبليةَ الدموية السلالية تبقى مهيمنةً على العلاقاتِ الماليةِ البضائعية، وتعيدُ فوائضَها إلى أحضانِ الجماعة القبلية – الدينية المتماسكة.
هناك جوانبٌ عقيدية تتأس من البذور الأسرية والقبلية، برفضِ الإندماجِ مع (الأغيار). فهناك اليهودُ وهناك الأغيار. ولا مجالَ للخلطِ والأختلاط والتداخل والنمو المشترك. ومن هنا تغدو العقيدة مشبعة بالتفاصيل الخاصة المميزة؛ في رسم الوجود، في ذكر السلالة والأنبياء والحكايات الحقيقية والخيالية والمحرمات والطقوس، لكي تبقى القبيلة – الشعب، في وصاية الكهنة.
لعل بعض الاختراقات المحدودة أو الواسعة تمت لهذه العرقية الزرقاء، المتعالية فوق الشعوب، ولا يعقل أطلاقاً أن يحتفظ أي عرقٍ بنقائهِ الأبدي.
ونلاحظُ هذه العقيدةَ بعدمِ الإندماجِ مع الأغيارِ حتى في الرمزياتِ القصصيةِ المقدسة للأديان، فالقائدُ اليهودي يتاجر ويجمعُ ثروةً ويصلُ لمنصبٍ كبيرٍ في الدولة، لكنه لا يختلطُ بالخاصةِ أو العامة الأهلية في البلد الذي إرتفعَ فيه من الحضيض لذروة عالية، والعلاقة الأسرية تقومُ على إستدعاءِ أهله، وجلبهم للبلد الغريب، ويرفضُ العلاقةَ الجنسيةَ الانصهاريةَ مع هؤلاء الذين إحتضنوه!
إن تجميعَ المال بصورةٍ مقترة متراكمة، والعيش في القواقعِ الاجتماعية أو الزرائبِ السياسية، والتمدد المستمر نحو عروقِ الذهب والفضة، نحو الأمكنة التي تتفجر فيها الثروات هي خصائص البقاء والصعود الاجتماعيين.
وكذلك الحفاظ على القرائبية لكونها تحتفظُ بتراكمِ رأس المال، والأختلاطُ مع الأغيارِ يزيلُ ليس الدم النقي بل عروق الذهب التي تشتهي أن تصيرَ جبالاً!
في التبعثر الشرقي لليهود يُلاحظ هذا السكن القريب من الأسواق، والتواجد في المدن، لكن أبداً لا يحدث ذوبان، ولا تقومُ المدنُ بإعادةِ تفكيكِ القبيلة، ولا تتحول إلى فئات وسطى ضمن طبقة برجوازية حداثية، تقومُ بتغييرِ بلدٍ ما.
إن الفئات اليهودية المالية تنسحبُ من عملياتِ التوحدِ الديمقراطي سواءً كانت الوطنية التحررية أو الرأسمالية الديمقراطية الصاهرة لكلِ دينٍ وطائفةٍ في كل إجتماعي موحد.
وهناك عناصرٌ ديمقراطيةٌ وإنسانيةٌ يهوديةٌ عديدةٌ وهامةٌ وملفتة للنظر بتاريخِها النضالي أو العلمي أو الثقافي، لكنها تبقى مجردَ عناصرَ فرديةٍ غيرِ قادرةٍ على تحويلِ مجموع القبيلة – الدينية – المالية، فلا هي منتجةٌ لوعيٍّ يهودي ديمقراطي إنساني كلي، ولا هي قادرة على الصمود بفرديتِها المميزةِ داخل عالم القبيلة المالية المتقوقعة. فتُهزمُ أو تتبنى ديناً آخر أو فكرةً مغايرة، أو تعيشُ منعزلة.
بطبيعة الحال لعبَ الموقعُ الذي إنبثقَ منه اليهودُ وهو فلسطين في خلقِ ذاكرةِ التجمعِ الخيالية الأسطورية والواقعية عبر تاريخ الشتات، كرمزيةٍ للبقاء الموحد.
لقد كان الترحالُ الأوليُّ في التاريخِ المبكرِ للقبائل الشديدة المحافظة بحثاً عن موقعٍ خصبٍ بعيد عن سنابك الإمبراطوريات الداهسة لها، وكان حلمُ النهرِ الخصب والأرض الخضراء هو الجنة الأرضية التي تريدها.
لكنها في ذلك الموقع، في أرضِ فلسطين نفسها، الجنة الموعودة، حلم الأجداد والآباء، رأتْ الكوارثَ الساحقة لها!
مرة أخرى حافظتْ على مصارعةِ الأغيار، ورفضِ الإندماج بالشعوب، ورفض تقاليدها وميراثها، وفي العمقِ كان هناك توظيفٌ لذلك التراث وإستلالهِ من نسيجهِ المغاير، والتزواج الخفي والإختلاط غير المكتوب في سيرة القبيلة – الشعب الذهبية النقية.
هذا التاريخُ الإنفصالي الصراعي مع الشعوب ربما تضَخمَّ وتوسع كثيراً في مملكةِ الخزر، الواقعة قرب بحر قزوين، هذه التجربة اليهودية التي حاولتْ الإندماجَ في شعوب الشرق وتنامت في التاريخ بشكلٍ كبيرٍ ومتحضر، لكن الخلايا السرطانية كانت موجودة كذلك.
في هذه التجربةِ التاريخيةِ الكبيرة نجدُ إن القياداتِ اليهوديةَ لم تستطعْ أن تستثمرَ هذا الموقعَ ومواردَهُ الكبيرةَ والشعوبَ الخام التي كانت تقدم قوى عملٍ ضخمة، بسببِ عدم قدرتها على خلقِ نسيجٍ توحيدي عقائدي أو ثقافي منفتح، وفي حين حقق المسلمون ذلك بإنفتاحهم على الشعوب الوثنية ودمجها في حضارتهم، تهاوتْ تجربةُ مملكةِ الخزر، يقول باحثٌ عربي ملخصاً هذه التجربة الفريدة:
(ومن المؤكد أن الخزر لم يكونوا عِرقاً واحداً أو ينتمون إلى قبيلة معينة، ولكنهم تجمع سياسي وعسكري من الشعوب والقبائل، وكانت اليهودية التي تجمع دينياً بين قادتهم ونخبهم الحاكمة والمؤثرة، فكان اليهود الخزر ينتمون إلى أعراق وشعوب وقبائل متعددة، فقد كانوا هم أيضاً تجمعاً نخبوياً يشملُ قيادات ونخب الخزر أنفسهم)،(تاريخ يهود الخزر، عرض إبراهيم غرابية).
إن النخبَ اليهوديةَ لم تكن قادرةً على صهرِ الشعوب التي تحكمها، لغيابِ الفكرة المنفتحة الإنسانية، غير العَرقِية، وتقوم الشعوب الأخرى بصهرها فيها.
وهنا يظهرُ العصابُ الأسطوري، تتفجرُ صور فلسطين، الجنةُ الأرضية الصاهرة لما هو مشتت، وتظهرُ مشروعاتُ العودةِ التي تبقي القبيلة الذهبية الغيبية موحَّدةً تحكمُ نفسَها وتطردُ الأغيارَ من بينها!
لم يستطع اليهودُ بعد إنهيارِ مملكة الخزر أن يشكلوا دولةً أخرى، وقاد إنهيارُ المملكةِ إلى شمِّ روائحِ النقودِ الزكيةِ المنبعثة من خرافِ أوربا المُعَّدةِ للذبحِ الرأسمالي، فكانت الدولةُ العثمانية وغزوها وكان الإستيلاءُ الذي قامت به على أجزاءٍ من شرقِ أوربا، والقبائلُ اليهودية تسيحُ مع حملاتِ العثمانيين المحتاجين دوماً للصرافةِ اليهودية، وكان التغلغلُ والدخولُ في شرايينِ القارةِ – المستقبل، حيث ستصيرُ اليهوديةُ ديناً مالياً لكلِ الشعوب.
هذه القارةُ كان من مصيرِها أن تجعلَ من الرأسماليةِ ديانةً مقدسة، وأن تحولَ اليهودي إلى المواطنِ الأوحدِ النموذجي، وقد صبرَ اليهود في إستغلالِ عروقِ القارةِ الإقطاعية الأوربية المريضةِ مثل إستغلالهم إمبراطورية الرجل المريض العثمانية المفلسة تدريجياً، فكان الذهبُ ينتقلُ من الشرقِ للغرب، فتغلغلوا في عروقِ أوربا وأمتص رأسُ المال الربوي اليهودي عروقَ الناس والفلاحين المعدمين وحولها إلى مانيفاكتورات ومشاغلَ ومصانعَ وبنوك!
إن الدور التأسيسي للرأسمال الربوي اليهودي في تاريخ أوربا التحديثي كان مهماً بغضِ النظرِ عن الأساطير والوقائعِ الدموية الحقيقية، وسواءً كان ذلك في تاجر البندقية أم في كتاب كفاحي لهتلر، ولكن التجارَ اليهود وهم يشاركون في نهضة أوربا الرأسمالية الحديثة، رفضوا أن يندمجوا فيها، فما زالتْ القبيلةُ الربويةُ الموحَّدةُ ترفضُ أن تذوبَ في الأغيار، وما زالتْ الفوائضُ تعلي من شأنِ القبيلة، الذي صار(غيتو) الآن وهو الحي اليهودي المنعزل عن المدينة القروسطية الأوربية الرأسمالية المتحولة للحداثة والتي تقودُ العالمَ!
وإذا تفككت الأحياء الدينية والقبلية الأخرى فإن الغيتو لم يتفكك، وإذا تفكك إحتفظ سكانه بتقاربهم الديني. إن رؤوساء القبائل والعائلات يخلون المكان أكثر وأكثر للكهنة والسياسيين المؤدلجين للعقيدة.
وقد رفض بإصرار هذا الحي أن يذوبَ في الكل الأوربي الديمقراطي، لقد أعطتهُ الرأسماليةُ الغربيةُ كلَ إمكانيات أن يتفتحَ إستغلالياً وأن تزدهرَ ينابيعُ الفضةِ والذهب من حوله، رغم قيام الرأسمالية المسيحية بإدراكِ الفضائلِ اليهودية الإستغلالية فيما بعد، وأعترافها مؤخراً بأنها قامتْ على هذا الربا اليهودي العريق! لكنه من جانبه رفضَ أن يلغيَّ ذاتَهُ، أن يلغيَّ القبيلةَ – الماليةَ- الرأسمالية الكونيةَ الآن!
هذا التوحدُ تشكلَّ رمزياً تقديسياً منذ العصر الوسيط نفسه، بين المسيحية واليهودية. المسيحيةُ التي حاولتْ أن تجاملَ اليهودية وأن تقولَ أنها جزءٌ من العهدِ القديم(التوراة)، وأنها إمتدادٌ لتاريخِ اليهودِ النضالي المقدس، لم يعترفْ بها اليهود. ويَصعبُ لفئةٍ مجهولةٍ أن تصعدَ إلى مسرحِ الديانةِ المبجلِ بدون أن تكون لها سمعة مشرفة معروفة متجذرة. فالتصقتْ المسيحيةُ باليهودية، وتشكلَّ الكتابُ المقدسُ من جزأين، يهودي ومسيحي، التوارة والأنجيل، السِفر القديم والسِفر الجديد، وكأن القَدرَ المالي قد جمعَ الديانتين في رحلةٍ إستغلالية مشتركةٍ لشعوبِ الأرض، والمسيحيون إذ يشدون أنفسَهم للروابطِ القديمة، وللأساطير التي تم تشكيلها في المشرق العربي، فهم مرابون جددٌ يتحولون لرأسماليين يستغلون العمال والفقراء في أوربا وأمريكا ثم في العالم بأسره، وتشكلتْ مع اليهودية المالية روابطُ المصانع والبنوك، وهي الأساسُ الحديثُ لوحدةِ الكتاب المقدس بجزأيه القديم والجديد.
وفي حين كانت المسيحية تنتقل للعلمانية والدول الموحّدة وتذوبُ الأعراقَ والمذاهبَ في كلٍ موحدٍ وتبعدُ الأديانَ عن أن تكون سياسةً حكوميةً مهيمنةً وتغدو أهلية مهمة كذلك، فتحتفظ بوحدة الطبقة الحاكمة، ولا تبعد الأديانَ عن دورها الإيديولوجي لتخدير عامة الشعب حسب بفهمها، وسواءً كان ذلك على مستوى كل بلد أو على مستوى قارات الغرب الثلاث، لكن كانت اليهوديةُ السياسيةُ متشبثةً بذاتِها العليا ثم تظهرُ بأسم الصهيونية، رافضةً هذا الذوبان.
في التوحدِ الغيبي على مستوى النصوص الدينية ثمة إبقاء للجمهور العامل المسيحي أو اليهودي في ظلماتِ الماضي الجميلة، إبقاءً لما لا تستطيع الرأسماليةُ الحديثةُ أن تحققهُ من أحلامٍ عظيمةٍ في العيش السعيد، فتقدمُ له أساطيرَ عن بناءِ الكون وعن الآباء المؤسسين والأنبياء العظام الذين صنعوا هذه الحضارة المشتركة اليهودية – المسيحية، وتخلق ثقافة مشتركة، ذات ترميز لأهمية القوى العليا الإستغلالية ودورها الوحيد في التاريخ، والتي تغدو مؤسساتها موضع هيمنة وسؤدد وبخور عابق بروائح القداسة، والمرتبطة بالقوى الماروائية الأبدية.
وفيما تدورُ في الواقعِ الأرضي معاركٌ ماليةٌ نجسة، فإن اليهوديةَ لم تعترفْ بكلِ هذه الثقافةِ الأوربيةِ المسيحية، وبمحاولاتِ إلتصاق الأخيرة الملوث بها، خائفةً بشكلٍ متزايدٍ من إبتلاعِها من قبل الديمقراطية المسيحية، وتذويب اليهود في بخور المواطنة المجرد. وفيما كان المسيحيون يقولون إن اليهودَ قتلة المسيح كانوا في ذات الوقت يتمسحون بأذيالهم.
أخذت اليهوديةُ السياسيةُ تستغلُ كلَ أخطاء الديمقراطية الأوربية، خاصة المذابح التي كانت تجري هنا وهناك ضد اليهود. فتطورُ الرأسماليةِ الأوربية في الدول الإقطاعية – خاصة في شرق أوربا – كان يجري على عظامِ المرابين وكنوزِهم المخبأة، مثلما كان خلفاءُ الدولةِ العباسية يجددون الميزانيات المنهوبة من قبلهم، عبر المداهمات لليهود والتجار عموماً.
إن عدمَ إندماجِ اليهوديةِ في المسيحية السياسية المنتصرة لا يعني عدم تأثرها بالحداثة، فثمة مسحةٌ حداثيةٌ جرتْ لها، والكثيرُ من اليهود كانوا عمالاً ودخلوا الأحزاب الاشتراكية والنقابات، وشاركَ الرأسماليون اليهود في صنعِ الحضارة الغربية الرأسمالية في مرحلتها البنكية التوسعية، لكن قوى كبيرة ظلت في الجيتو، ظلت في عالمِ الطقوسِ الدينية وفي التماسكِ الاجتماعي اليهودي الصلد كسورٍ كبيرٍ لمنعِ هجمات القوى الأخرى.
وكانت هجماتُ القوى الأخرى مستمرةً بشراسةٍ ضد اليهود، لأتخاذِهم مبرراً لتفاقم الإستغلال، ولزيادةِ مشكلاتِ الاقتصاد والفقر، فكان البوليسُ القيصري الروسي يقومُ بمذابح لهم، وحولَّ هتلر ذلك العملَ البوليسي الدموي إلى فلسفةٍ مروعة له!
تنصلتْ اليهوديةُ الغربية – الأوربية – الأمريكية من ثمنِ الحداثة الذي لا بد من دفعه داخل صفوفها. فلا هي تستسيغُ بطبيعةِ الحال الأفكارَ الإشتراكية المتصاعدة بحكمِ إهتمامها الكبير بتنامي النقود، وترفضُ بقوةٍ كذلك سحبَ قواعدها العمالية والاجتماعية من وحدانية الشعب الديني المقدس.
وإذا كانت الرأسمالياتُ الغربيةُ مقبولةً بعض الشيء إلا أنها تقوم بتذويب اليهود في هذه العلمانية الاجتماعية المتصاعدة التي تطفئُ الأديانَ والمذاهبَ المتحجرةَ إجتماعياً تدريجياً في ثقافةٍ بشريةٍ ديمقراطيةٍ موضوعية موحدة.
كما أن المجازرَ الرهيبةَ التي حدثتْ في العصر الحديث الأوربي لليهود، خاصةً حمامات الدم في ألمانيا، أعطتها مبرراً لذلك البقاء الموحَّد، وفلسطينُ الأسطورةِ تظهرُ بقوةٍ في زمنِ المجازر وسياساتِ الفشلِ والعجز عن التوحد السياسي في كيان، وهي المتوحدة مع العهدِ القديم الرافض للتاريخ الحديث.
كما أن الصهيونيةَ كحركةٍ سياسية اعتمدت بقوةٍ سياسةَ رفضِ الأغيارِ الدينيةِ العتيقة الأسطورية، كإنقطاعٍ كلي عن البشرية، وعن تدفقِ الديمقراطيةِ الحضارية الكونية التي أخذتْ توحدُ العالم.
وبهذا فإن الهجرةَ إلى فلسطين باتتْ هي الخيارُ من مجملِ التناقضات التي يحياها اليهودُ كقوى منغلقةٍ، عجزتْ في عصرِ الديمقراطيةِ عن الديمقراطية، وحلقتْ بطائرةِ القبيلة الذهبية في أرضِ ما قبل الرأسمالية التحديثية، ما قبل العلمانية، وحطتْ على أجسادِ الفلسطينيين التي إحترقتْ وتفتتْ وتشردتْ من هذا الهبوطِ الأسطوري التحديثي الدموي.
إن روؤساءَ العشائر تراجعوا في خضمِ تحولاتِ اليهود، وتصاعدَ بشكلٍ واسعٍ جداً دورُ رجالِ الدين والسياسيين(الوطنيين)، ثم ظهر على الأرض المقدسة، أرض السلام، الدور الأبرز للجنرالات المهيمنين سفاكي الدماء.
إن العقيدةَ الوطنيةَ الإسرائيلية يكمنُ في قلبِها هذا الإنغلاقُ الجنسي، ذلك الغيتو الذي حَملَ من أزقةِ أوربا إلى المشرق العربي، (الاشتراكيةَ) و(الرأسماليةَ) اللتين هما يهوديتان، فهنا لهما معنيان مغايران، فهنا هما ترضعان كلتاهما من حليب رفض الأغيار والعنصرية، بشكلين متفاوتين كماً.
في التأسيس الأولي الذي أُقيم على إستلهامِ ثقافةِ العدو الهتلري، ظهرتْ المستعمراتُ لتُصَّعد قوةَ العمل عند اليهودي الربوي، فتحولتْ أرضُ المعيادِ لنهضةِ الرأسمالية، والشركات الخاصة.
وصعدتْ إسرائيلُ بقوةٍ خلال عقود ضد حركات التحرر العربية و(الإشتراكية) العالمية لتغدو عملاقاً رأسمالياً صغيراً خارج الغرب، ولتؤدي دور المرابي المناطقي اليهودي البخيل الدموي التابع للرأسمال المسيحي الذي صار أمبرياليةً، وهي تقفُ على علاقاتٍ دكتاتوريةٍ متأرحجةٍ بين رفضِ الأغيارِ وطردِهم وسحقِهم وعزلهم ثم نفيهم، وبين علاقات تعاون بشرية مترددة متقلبة.
إن الشعب – القبيلة المالية التي أوجدتْ لها مكاناً مشتركاً تخافُ باستمرار من التمزقِ، من الذوبانِ في الأغيار، ويصبحُ الفلسطينيون حتى بوجودهم الجسماني المتكاثر مشكلةً كبيرة. إن تجربةَ مملكةِ الخزر تم تجاوزها عبر هذا المشروع، لكن ما زال الأغيارُ يحيطون بالمملكة، ويتغلغلون فيها.
لم تتغلغلْ العلاقاتُ الديمقراطيةُ الإنسانية في الوجودِ الاجتماعي اليهودي العميق ويمثل تحالفُ الحاخامات والجنرالات والشركات البُنى الإستغلالية التي تراكمتْ رساميلُها الماديةُ والثقافية وعلاقاتُها الدولية هيمنةً على العمال اليهود والشعب الفلسطيني، وخوفاً من تفكك هذه السيطرة وتفكك اليهودية الجوهرية المنغلقة في قوقعتها الأبدية.
يقول إسرائيل شاحاك العالمُ الإسرائيلي المناضلُ الديمقراطي في كتابهِ التاريخ اليهودي:(في سنة 1985، اعتمد الكنيست بأغلبية ساحقة، قانوناً دستورياً، يعذرُ المشاركةَ في الانتخابات البرلمانية على كلِ حزبٍ يعارضُ صراحةً في برنامجهِ مبدأ “يهودية الدولة”، أو يقترحُ تعديله بطرقٍ ديمقراطية. فإسرائيل لليهود؛ ولهم فقط، حيثما وجدوا).
مضت قرونٌ طويلة وهذه القبائل مُنغلقة ومضطَّهدة ومكروهة وهي تعتمدُ الإستغلالَ الأقصى في حياتها الاجتماعية، تحملُ في عروقها بذور الرأسمالية بدون إنفتاحها وعلمانيتها، تجثمُ دائماً على ضفاف الحضارات، وتزدهر في الأمبريالية بدون أن تتخلى عن قوقعتها، وتريد في أقصى يمينها أن تطرد بقايا الفلسطنيين من أرضهم فهم يلوثون نقاءَ الدم اليهودي، لكنها في الواقع تؤجل المعركة الاجتماعية بينها وبين العمال اليهود أنفسهم، بينها وبين الوعي الديمقراطي العلماني الإنساني، حيث يُسحب تداول الأديان من السياسة، وحيث البشر متساوون أمام القانون العالمي.
أعطت مجموعاتٌ من المنظمات الفلسطينية والعربية لمشروع الغيتو اليهودي بعضَ دفقِ الحياة والمساعدة وهي تقول أنها تناضل ضده، لكن عبر توحيد (العنصرية) اليهودية، فلم يفرقوا بين مكوناتها الاجتماعية ويشتغلوا على أنسنتها، وجعلوها تلتحم، لكونهم هم أيضاً غير ديمقراطيين وعنصريين كذلك، لكن تبقى العنصريةُ اليهودية متفوقةً بسببِ التقنيات والرأسمال الكبير المتجذر في الأرض الذي شكلَّ شعباً صغيراً متقدماً، ومن أسرٍ صغيرةٍ غيرِ باذخةٍ، ومن قدراتٍ علمية وصناعية كبيرة.

اليهودُ من التراث إلى الواقع
ظهر اليهودُ والعربُ وبعضُ الأقوام الأخرى في منطقة المشرق كقبائل نازحة بدوية باحثةٍ عن المناطق النهرية الخصبة، لكن ذلك لم يحدثْ في أول النزوح بل بعد مئات السنين.
في حراكِ اليهودِ المتوجهِ نحو البلدان الخصبةِ كانوا في البدءِ قبائل بلا هوية محددة، بل كانوا يشكلون هويتهم، عبر الاحتكاك بالحضارات والأقوام الراسخة في المنطقة، ولهذا كان عبورُهُم المستمرُ الذي أعطاهم فيما بعد اسم العبرانيين، مثلما أعطى العربَ تعبيرهم، يَتسمُ بالبحثِ عن المنافع والخصبِ لكنهم كانوا بداةً غلاظاً.
رؤوساءُ العشائر الكبار اتخذوا لهم أسماء تاريخية وهم: إبرام، وإسحاق ويعقوب.
عبّرَ حراكُ العشائرِ اليهوديةِ عن البحث عن المناطق الفارغةِ من السكان والشعوب الكبيرة مثلهم مثل شعوب كثيرة مترحلة وَجدت في منطقة الأنهار هذه قبلة إقتصادية، ولكنهم دائماً كانوا يجدون الأمكنةَ مليئةً، وأقل الأماكن من الشعوب الكبيرة كانت الصحارى فكانت شمالُ الجزيرة العربية هي الامتدادُ التاريخي لهم. وهي تمضي من جنوب العراق حتى سيناء والصحراء المصرية الشرقية. بل وحتى هذا المكان الكبير الوسع الشظف كان فيه العرب أقرانهم والمتداخلين المتصارعين معهم، والذين انحدورا للجنوب، وهناك العماليق كذلك، أما مناطق الخصب في العراق وفلسطين وسوريا ومصر فكان الدخول فيها عسيراً، وقد تم إقتحامها والصراع مع الكنعانيين في حران وأريحا لكن السيادة والعيش الرغد لم يأتيا.
القلة العددية لمؤسسي العبرانيين فيما بعد، والبداوة، والترحال، وهجمات الأقوام الأخرى، جعلتهم على هامش الحضارات التي قاربوها.
والجثومُ على الحدودِ المصريةِ من قبل هذه القبائل كانت البدايةُ الفعليةُ للتاريخِ اليهودي كما سيُعرفُ لاحقاً. لهذا كان التاريخُ السابقُ المليءُ بشذراتِ القصص هو مجردُ بدايةٍ غامضة، وإفتتاحية شبه مجهولة، وكان تاريخاً غائب الملامح رغم أن التأصيلَ اللاحقَ سوف يضخمه.
لهذا كان ظهورُ النبي موسى واقعياً في المسار التاريخي الحقيقي هنا، فهذه الأقوامُ من الرعاةِ والخدم وأصحاب المهن الدنيا الجاثمة على هامش الدولة المصرية، من الصعب أن يظهرَ فيها مثقفٌ بارزٌ بمستوى موسى، ولهذا كان موسى مصرياً بكلِ شخصه، كما يدلُ عليه اسمهُ وثقافته، أما التهويدُ الطفوليُّ له فقد جاءَ لاحقاً. فهو في اللغةِ المصريةِ القديمة بمعنى(وليد).
وثمة فترةٌ مهمةٌ بين ظهورهِ التاريخي وبين ظهوره الواقعي، حيث كان قد تزوج صفوره ابنة الكاهن في أرض الميدانيين وهي في المنطقة القريبة من التجمع السكاني الكبير للعبريين، وانجب منها ولدين وكَبُرا وتداخلت حياتهما بالحدث التاريخي، مما يُعطي مساحة زمنية للتداخل العميق مع هذه الحشود المهمشة.
وهذا السردُ الذاتي تداخلَ مع التحولاتِ التاريخية على الجانبين المصري والعبري. حيث أن الحضارةَ المصريةَ كانت في حالةِ مخاضٍ متنقلة من الوثنيةِ التعددية الكثيفة إلى التوحيد، وكانت تلك هي لحظة إخناتون التوحيدية الفاشلة، وتوجه موسى للتوحيد ومفارقته أرض مصر وحمل هذه الأقوام لرسالة التوحيد. انهما جانبان وحدا الذاتي والموضوعي، لكن حشود المرويات وألغاز التاريخ والنظريات، كلها تشوشُ هذه اللحظة المركبة المعقدة.
لكن توحيد موسى ورسالته وتحميلها لشعب وثني من قبائل صغيرة فقيرة في خضم إمبراطوريات المشرق، يظل لغزاً كبيراً. لكن الجانبين المتضادين، موسى والعبريين، ظلا يتصارعان، فأن نقل الثقافة المصرية التوحيدية البازغة لقبائل بربرية كانت عملية غير ممكنة عملياً، لكنها غدت مهمة قرون، وقد بدت المرويات الموسوية الموجهة لتثقيف وتديين هذه القبائل غير محبوكة على الجسد القبلي المفتت البدائي الذي ظلتْ الأرضُ الموعودةُ التي تفيضُ لبناً وعسلاً هي الوجهة التي تشده دون سواها.
إن التاريخَ اليهودي يبدأ هنا بإستخدام اسم الإله (يهوه)، إن النبي موسى هو الذي صاغهُ على جسم هذه القبائل ورَكّبَ موادَهُ الشعائرية والعبادية وأنتج بعضَ مواده الفكرية الدينية، لكي تصهرَ الكيان المفَّتتَ في كلٍ موّحد، وجاء اسمُ الإلهِ مفارقاً لإرث القبائل، ولكن الاسم القديم التجسيدي الطالع من ثقافةِ الخصوبة الزراعية الوثنية لم يعد ملائماً، فجاء اسمُ الإلهِ الجديدِ المُجرد، غيرِ المرتبطِ بالموروثِ الزراعي الخصوبي وعاداته، ويحملُ طابعَ القوة والتحدي ويجلجلُ بتراثِ منطقة البراكين لشمال الجزيرة العربية، مما يُعطي شجاعةً لهذه القبائل المُداسة على الشارع العام للأمم، ويدفعها للأرض الموعودة. ومن المؤكد إن إعادة تكوين ديانة أمر يحتاج لوقت طويل. كما أن الأرض الموعودة مليئة بالسكان المدافعين عنها، ولهذا قيل أن ثمة تيهاً قد حدث لأربعين سنة، وهو ليس تهياً بل هو تكون للدين الجديد العام دون إنفصال كلي عن القديم، كما أن ذلك كان عجزاً عن الدخول إلى فلسطين وتراكماً للمواليد وإستعداداً صعباً للغزو!أدت ظروفُ النشأةِ اليهودية وصغرِ حجمِ السكان وسيطرة رجال دين غرباء على العبرانيين، إلى حكمٍ سياسي مفكك، فاللاويون وهم رجالُ الدين المجلوبين من مصر شكلوا طبقةً مسيطرة شبه أجنبية، إستغلتْ السكانَ العاملين حتى إنتفضوا عليها وإستبدلوها بعصرِ الملوك الذي لم يكن أفضل.
مثّل طابعُ الدينِ اليهودي أولَ حكم ديني عميق الاستبداد، يمركزُ قوة سكانية صغيرة محدودة المعرفة والجذور في المنطقة في مواجهة شعوب واسعة وثنية، فكان لا بد أن يتوقع بقوة، وفي زمن إنكسار الدولة عبر الغزو العراقي، أتيح لرجال الدين الجدد في بابل أن يعيدوا صياغةَ اليهودية بحيث تتجذر في تراثِ المنطقة الخصوبية بدون أوثانها، فكانت إعادةُ نظرٍ شاملة مؤدلجة مسيسة إستلهمت التراث المناطقي الواسع الضارب في الجذور عبر مسحة تهويدية قُدمت فيما بعد للعالم المسيحي.
لكن بعد هذا كان زمنُ الشتات، الذي ترسختْ فيه القوقعةُ الدينيةُ لدرجة العصاب اليومي، وكل هذا العصاب يجري من أجل العودة لفلسطين الأرض التي تفيض لبناً وعسلاً، أرض الأجداد والتاريخ(العظيم) الذي زُخرف وبُولغ في عظمته وبطولاته.
التقوقعُ خلقَ رغبةً عارمة في تشكيل وطن قومي ديني، مفارق للبشرية، أتاحته القدرة اليهودية في تكوين رأس المال، لكن حين ظهر الوطن ظهر كقوقعة محصنة معادية للمحيط، وبقاؤه ك(جيتو) كان لا بد أن يهيمن عليه رجالُ الدين المتعصبين المنتجين لهذا المجتمع عبر عدة آلاف سنة، فكان لا يمكن أن يكون علمانياً، وأن يغدو ديمقراطياً يقبل بتنوع المواطنين الديني.
ونظراً لنشأته العسكرية فإنه إعادَ إنتاجَ نفس موديل الزمن القديم، حيث الهيمنة العسكرية- الدينية المتداخلة، وهذا هو ذات التركيب للمجتمعات المتعصبة والفاشية، حيث العرق أو المذهب هو المحدِّدُ لتكوين الدولة الإلهية أو الطائفة المنصورة.
لكن الإنشاء من قبل الرأسمال الكبير المتكون في ذروة الغرب كرّسَ من الخارج شكلاً حداثياً متطوراً، وهو بناءٌ إقتصادي متطورٌ لكن عبر شكلٍ سياسي إيديولوجي يعودُ لقرون غابرة ويفرضُ نفسَهُ بهذا التسلط التراثي المرعب، فالمضمونُ لم يغير الشكل والشكلُ يخربُ المضمون. وكأن الرأسمالَ الأمريكي عادَ لبيتِ أيل ويغتسلُ تحت مطر إلهِ البراكين.
الطابعُ العسكري الديني المحافظ العنيفُ المكرّسُ في الماضي والحاضر، وسببُ خرابِ الحكم القديم هو نفسه يزعزعُ إسرائيل المعاصرة، حيث قاد ويقود لتكاليف رهيبةٍ على كل جبهات النزاع فلم يؤدِ التطور الاقتصادي لرفاهية السكان المنتظرة، ولم تغدُ أرضُ الحلم التي تفيضُ عسلاً ولبناً، بل هي أرضُ الحروب والخصومات المستمرة، وإرتفاع تكاليف المعيشة بحيث أن ثمن شقة في يافا يصل إلى مائة وخمسين ألفاً من الدولارت.
التقوقع الداخلي الذي لم تهزمه الحداثة والديمقراطية، ما زال مصراً على الأنا المطلقة المتحدثة مع الإلهِ وحيدةً دون الأغيار، لكن الصراعات الاجتماعية ومطالب الأغلبية العاملة تكسرُ جزءً من هذا الإنكفاء التاريخي، وها هي تثور مثل العرب سكان العالم الثالث، تطالبُ بأقل بكثير من تلك الأرض الحلم، تطالب بالإسكان وتخفيض الأسعار.
ويتضح النهجُ اليميني المتطرف أكثر في عدم القبول بالعيش المشترك مع الفلسطينيين في دولةٍ علمانية واحدة أو في بلدين منفصلين، وتحميل الفلسطينيين تكاليف الأزمة الاجتماعية الناشئة من سلسلة طويلة من الحروب بتوسيع المستعمرات وحصار غزة.
ولم يستطع التكون الحداثي أن يفرض تحولاً في هذه الثقافة الدينية الرجعية المتكلسة بل هي التي تخترقُ التيارات الحداثية الظاهرية وتحيلها لأشكال أخرى من المقاربة الدينية.
فكلما كانت التربية المحافظة مسيطرة منذ الطفولة في أشكال حادة عصابية فإنها تحيلُ المواطنَ الحداثي إلى كائنٍ يعودُ يومياً لعصور الهامشية على حدود مصر ويمضي (التيه) في سيناء ويعيشُ الكراهيةَ الدائمة للأمم الأجنبية. ولهذا فإن اليسار الحكومي يشترك مع اليمين الديني المتطرف في حكومة واحدة تغتصبُ الأرضَ وتحيل الاقتصاد إلى إقتصاد عسكري يقع عبئهُ على السكان الذين لا يجدون قوة سياسية كبيرة ترفض إقتصاد الحرب ودولة الدين العسكرية.

بعثُ المسيحيةِ في روسيا
هناك حراكان أساسيان في الشرق: حراكُ الأديانِ وحراك الأمم، وهناك الحراك المتواري الخادم لهما وهو حراكُ الطبقات.
حين يتعارض وحين يتوافق الحراكان تتشكلُ النهضات والأزمات والتطورات المختلفة في سديمٍ غامضٍ متناقض يعتمدُ حسمه على مستوى تطور الطلائع السياسية والفكرية وفهمها الديمقراطي أو قولبتها الشمولية لقوانين البُنى الاجتماعية.
في روسيا مثالٌ دقيقٌ على ذلك، إن الإنبعاثَ القومي الروسي كان متوارياً متداخلاً مع المسيحية، وكان إختيارُ الأرثوذكسية عبر مئات السنين بدءً من النهضة الإقطاعية والتوسع الملكي الروسي خاصة، وتعانقها مع القيصرية، ليس حدثاً عفوياً.
لقد قام المذهبُ بإستجلاء القومية بشكلٍ باطني حدسي، ثم صعدتْ القيصريةُ، وجعلتَ المذهبَ القائد التابع تحت سلطتها. وهذا يعبر عن ضخامة الملكيات بين الجانبين وهيمنة السياسة على الدين، فحراكُ السياسةِ أخطر وأكثر أنانية.
نزلت قبائلٌ من منطقة شمال أوربا واتحدت بالعناصر السلافية وشكلتْ القوميةَ الروسيةَ التي غدت الكنيسةُ الأرثوذكسية مظلتَها العبادية، وغدت القيصريةُ مطورتَها السياسية، وكان طردُ المغول بدايةً كبرى لهذا التوحد، ثم تنامتْ السيطرةُ على شعوبِ آسيا المسلمة، فوجدتْ القيصريةُ نفسَها مهيمنةً على دينين كبيرين عظيمين هما المسيحية والإسلام.
إن المذهبَ الأرثوذكسي بحدِ ذاتهِ يمثلُ حراكاً خاصاً في المسيحيات، فهناك مسيحيتان أخريان البروستانتية والكاثوليكية، تهيمنانِ على أوربا وأمريكا الشمالية والجنوبية وأصقاعٍ أخرى عديدةٍ في الشرق، وهما تمثلان درجتين من التطور الرأسمالي المتقدمِ أو المتخلفِ أكثر من التطور في الأرثوذكسية، التي هي الأكثر محافظةً، نتيجةً لارتباطِها بالدولِ الأكثر إستبدادية في العالم وتعبيرها عن الإقطاع الشرقي المسيحي الحكومي المطلق.
ولهذا فإن التطورَ القومي الروسي كان أسرع من التطور الديني الروسي.
لقد كان تصاعدُ الأدواتِ السياسية ميزةً فريدةً لروسيا كما أنه مثلَّ مشكلاتٍ لها كذلك، فقد قامتْ بتحرير روسيا من الغزاة وخلقتْ أمبراطوريةً كبرى وجذبتْ شعوباً مسلمة ومسيحية إلى سيطرتها ولكن كل ذلك عبر القوة، ثم شعرتْ بضعفِ تطورِها، وبتخلفِها عن أوربا، فتركتْ الشرقَ وجاورتْ متعلمةً من أوربا، وشجعتْ الأفكارَ التحديثية وقزمتْ بعضَ الشيء من الكنيسة، لكن هذا اللحاق لم يصلْ بها إلى نهضةٍ صناعية مماثلة للغرب.
وكانت السياسةُ قد صعدتْ الليبرالية والماركسية، وغدتا هما الأداتان المنتظرتان للحداثةِ المنتظرة، لكن كم التخلف الإقطاعي وضخامة المشكلات الاجتماعية، ورغبة بعضِ النخب في الركض الحضاري، جعلت من الماركسيةِ هي العاصفة لاجتياحِ عالمٍ متكلسٍ من الإقطاع القيصري ومن الإقطاع الكنائسي معاً.
هذا الاجتياحُ السريعُ أدى إلى نقلِ روسيا ومعها الشعوب المُلحقة إلى رأسمالية حكومية متقدمة، قامتْ بمهماتٍ تحويلية ضخمة، كان من أهمها تشكيل الصناعات الكبرى وتغيير وضع الشعوب الثقافي وتحرير النساء من الهيمنة الذكورية المطلقة والمساهمة الأبرز في هدم نظام الاستعمار العالمي.
إن روسيا جرّتْ معها عالماً شرقياً إسلامياً متخلفاً نقلتهُ بدرجاتٍ كبيرة إلى الحداثة، فثمة دينان كبيران يجريان مع تجربةِ الاتحاد السوفيتي تم السيطرة عليهما من أجل التسريع التحديثي المؤلم القاسي العظيم في ذات الوقت!
كانت المسيحيةُ هي الاكثرُ حضوراً وهي المؤسسةُ لروسيا العالمية هذه، فيما كان الإسلامُ هو الملحقُ بهذه التجربة، ويمثل شعوباً بسيطة شعرتْ بالسعادة للأخ الروسي البلشفي الكبير وهو يتوحد معها وينقلها لعالم متقدم.
تحولت الدكتاتوريةُ في المجال السياسي إلى دكتاتوريةٍ إيديولوجية باطشةٍ بالأديان خاصة الأرثوذكسية العمود الفكري للنظام القيصري الذي لم يحتجْ هدمهُ إلا إلى ذبحِ العائلة المالكة الصغيرة، فيما المذهب المسيحي له ذو جذور عريقة وهو مؤسسُ روسيا الفكري فبقي ضارباً في الجذور التحتية للشعب. وبسببِ التخطيطيةِ المجردة والقوالبِ المفروضةِ من فوق وعبر الدهس البيروقراطي تحولتْ الماركسية إلى الدين التحديثي المفروض، وإلى قوالب حديدية فكريةٍ منزلة، وبالتالي فإن (الدين) الحكومي الشمولي كان إنعكاساً لسحقٍ سياسي للمُلكيات وإختزالاً متعسفاً للتطورِ وللتنوع، بدلاً من التدرجِ الصبورِ وخلق جدلية بين المُلكيات العامة والخاصة، وإستثمار الديمقراطية على نحوٍ متقدمٍ تاريخي طويل متدرج بدلاً من التعسف السريع، وكانتْ هذه الملامحُ موجودةً كبذورٍ لدى لينين في العشرينيات من القرن العشرين خاصةً في برنامجهِ المُسمى(السياسة الاقتصادية الجديدة: النيب) لكن الدكتاتوريةَ المتصاعدة إختزلتْ كلَ شيء.
ولهذا نجد إن النزعات الديمقراطية والليبرالية داخل المجتمع الروسي ضعيفة في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وكانت ضخامةُ الدولةِ الهائلةِ تعبيراً عن عجزِ القوى الشعبية عن خلقِ تطورٍ ديمقراطي جماهيري، فظهرتْ قيصريةٌ(إشتراكية) قامتْ بمهماتِ التغيير الحداثي بالرعبِ الدموي، عبر سحقِ عالم الإقطاع بصورةٍ ضارية دموية وكذا سحق عالم البرجوازية المحدودة مما أنعكس على القمع البيروقراطي للأديان دون قدرة أبدية على فعل ذلك، وبالتالي فإنها لم تُصعد الشعب العادي لقيادة المسرح ولا أن تنشرَ الفكرَ الديمقراطي.
كان إنهيارُ الاتحادِ السوفيتي يعبرُ عن الصيغةِ غيرِ المنسجمةِ بين النهضةِ الحديثةِ والدكتاتورية، بين إزالةِ الأديان وإعلاء شأن الجماهير، بين الإشتراكية كذروةٍ للتطورِ الإنساني والبيروقراطية المتصاعدة الجاثمة عليه، بين الأخاء الأممي وتقدير الديانات البشرية وبين التعسف، بين الماركسية كإحدى قمم المعرفة الحديثة وبين الحكم البوليسي المدمر المقولب لها.
لقد تنطع الشرقُ المتخلفُ للمهماتِ البشريةِ الكبرى فجمعَ بين الإنجازاتِ العظيمة والمشكلات المؤلمة.
المواقف تجاه الأديان كانت إحدى المحكات الكبرى لذلك، وبينما وجدت الصين دينين محايدين خافتين بعيدين عن النزاعات السياسية الضارية، جابهتْ روسيا الارذكوسية المتشبثة بالسلطة وبرعاياها الكثيرين. لكن السلطة الجديدة لا تعرف التدرج والديمقراطية فتقوم بتصفيتها بشكلٍ إداري ساحق:
(أممّت جميع الأراضي التي تملكها الكنيسة إلى جانب جميع المدارس المذهبية. وبعد ذلك بقليل صدر مشروع القرار في الفصل بين الكنيسة والدولة. واستناداً إلى هذا المشروع، قامت السلطات المحلية بأعمالِ نهبٍ وعنف).
ليس ثمة حدودٌ هنا بين قانون فصلِ الدينِ عن الدولةِ وبين عملياتِ القمعِ ضد الكنائس والمساجد، ففي حين يمثل الجانب الأول تقدماً في مسار الدولة، يمثل الآخر تقهقهراً وإعتداءً، وتصاعدت الموجةُ مع تنامي الدكتاتورية التي لم تُردْ أن تتعايشَ مع القوى الاجتماعية الأخرى والمتجسدةِ عبرَ الأحزاب والأديان، فغدتْ هي المحتكرُ الأولُ والأخير للثروتين المادية والروحية.
فازدهرت معسكرات الإعتقال ومن سنة 1924 حتى سنة 1934 وهي فترةُ صعود الستالينية الهوجاء دُمرت ألوفُ الكنائس وأُحرقتْ الكتبُ الدينية ولم تبقْ أي مدرسةٍ دينية منذ 1925.
رغم الانجازات المادية الكبيرة للثورة فإن غياب التنوع، وهمينة البيروقراطية كان له مفعول ثقافي سيء وهو إنتشار الخواء الفكري وحدوث الاغتراب وبقاء المسيحية في الظل المتواري لدى الجمهور الشعبي وإنتشار المسكرات وعدم تصاعد الفاعليات الاجتماعية بعد عهد الثورة التضحوية حيث قام الملايين بالإنشاءات الكبرى بأجورٍ زهيدة، وتحولت الإدارات إلى قوى البرجوازية الطفيلية الكامنة، ومن هنا سوف تظهرُ البرجوازيات العلنيةُ المنتفخةُ بأموالِ الفساد في كلِ جمهورياتِ الاتحاد السوفيتي المتفتتة.
هذا أمرٌ طبيعي في كلِ ثورة تفتقدُ إنشاء القنوات الديمقراطية، ولا تقوم بالعلمانية، جاعلةً للأديانِ مسارات حرة، وللسياسات مساراتها المستقلة، وعبر هذا المسار الصدامي بين الماركسية الحكومية والمسيحية تشكلتْ أجيالٌ خاويةٌ من الجانبين، فالصيغ الماركسية البيروقراطية تلك ليست قادرةً على التحليلات المركبة وفهم تحجر قوى الإنتاج البشرية والمادية، لكونها غير ديمقراطية على المستويين، في حين أن المسيحيةَ بقيتْ شكلانيةً شعائرية، ومع هزيمة الأولى صعدت مرة أخرى بذات شعائريتها الصعبة من حيث اللغة والعادات. وهذا أمرٌ أتاحَ للمسيحيات الأخرى غزو روسيا مع تصاعد رأس المال الأجنبي.
بالنسبة للمسلمين كانت العمليات لا تختلف في العالم الآسيوي الأكثر جموداً في فهم الظواهر الدينية، وكان القهرُ هو نفسه، لكن ردود الفعل هنا أكثر حدة لدى الشعوب الأقل تطوراً كالشيشان، ولكون المظلة التقدمية المشتركة للأديان والقوميات سقطت، وإنقسم الناسُ بشكلين كبيرين إلى مسيحيين ومسلمين، لكن بقيتْ القومية هي المشكلةُ للنزاعاتِ بدرجةٍ كبيرة، وحدثتْ كوارثٌ رهيبةٌ بعودة الصراعات الدينية والقومية.
ورثت الطبقاتُ البرجوازية الحكوميةُ جسمَ الاتحادِ السوفيتي المُفككِ، وحركتْ عجلات التطور الاقتصادية بشكلٍ هائلٍ وتغيرتْ الخدمات لكن أغلب التطورات جرتْ لمصلحة القوى الثرية الجديدة، وتفاقمتْ المشكلاتُ الاجتماعيةُ والاقتصادية على الطبقاتِ العاملة، وإنطلقتْ المعاهد الدينية والكنائس والمساجد بحرية، وأعيدت موادٌ دينية للتعليم بشكلٍ متنوع حسب عقائد وآراء الطلبة.
كان هذا الحراكُ على المستويين الاجتماعي والروحي يستهدفان تكريس سيطرة الطبقات الجديدة، وهيمنة أحزابها، لكن نجد أن الثقافة الدينية لم تعد قادرةً على فعلِ أشياءٍ كبيرة في الساحاتِ الاجتماعية والسياسية والفكرية خاصة في روسيا والجمهوريات الأوربية السوفيتية السابقة، وإنبعثت بالشكل الإيماني التقليدي، وأستخدمت من أجل تصعيد الأحزاب القومية، وعرقلة عودة اليسار السابق، الذي لم يتطور قسمٌ كبيرٌ منه ولم ينتقل للاشتراكية الديمقراطية. أي أن إعادة النظر الديمقراطي في ذلك التاريخ السابق الهائل المهيمن يحتاج إلى ثقافة جديدة ونضالات معاصرة.
يُنتظر أن يحدثَ هذا الجمعُ الجدلي في التاريخ القادم بين الحفاظ على مصالح الأغلبية الشعبية والتطور الإنتاجي المتقدم وإحترام عقائد الشعوب.
وهكذا فإن بعثَ المسيحية في روسيا لم تكن له آثار سياسية كبيرة، وإذا كانت السلطاتُ قد إستغلتهُ لتأسيسِ سلطةٍ جديدة فهو لم يحجبْ المشكلات العميقة لفترتي الدكتاتورية بشكلِها السوفيتي، وبشكلها الرأسمالي الحكومي الراهن، وما تزال الثقافةُ الروحيةُ بكافةِ صورِها غريبة عن الناس، شكلانية في أغلبها، وفُقدت مؤسساتٌ ثقافية كبيرة عبر هذا الدهس التجاري الراهن.
ذبولُ المسيحيةِ في الغرب
الأديانُ حصيلةُ حضاراتِ الشعوب والأمم، إنها قوى ومداركٌ وعاداتٌ ونضالاتٌ إرتبطتْ بأزمنةٍ موغلة في القدم، وحددتْ أشكالَ السلطات والعلاقات الاجتماعية والخيال البشري وحدوده، وشكلتْ روابطَ ضروريةً لكيفيةِ التغييرِ والثبات الاجتماعيين من الفرد المحض مروراً بالأسرة حتى الكيان السياسي العام.
كانت راياتُ الشعوب للوحدة والحرية والإستقلال والتقدم، وكانت أدواتٌ لقوى الإقلياتِ الحاكمةِ تستغلُها في تثبيتِ أمتيازاتها وتفسرُها بطرائقِها التي لا تنفد.
في الغرب الذي صعدتْ فيه إراداتُ الشعوبِ لمستوى الذروةِ وقد ساهمت الكنائسُ في هذا الصعود، مثلما إندغمتْ مع قوى الإقلية كذلك بشكلٍ مطولٍ جداً في العصور الوسطى الغربية، هذا الغرب تطورَ في بناه الاقتصاديةِ والثقافية لدرجةٍ أخذ ينفصلُ عن بنيةِ الأديانِ العتيقة، إن بقاءَ الأقلياتِ الحاكمة في تثبيتِ الدين وبقاء أقسام من الطبقاتِ العاملة في ظل هذا الوعي، يمثلان التكريسَ السياسيَّ القديم، والبقاءَ ضمن البناء الثقافي المحدود. إن مسارَ إستخدامِ الدين كأداةٍ للتخديرِ الاجتماعي لم يعدْ مفيداً للطبقةِ العليا رغم بقاء طرقها القديمة في إعتبار الدين مانعة الصواعق الاجتماعية، كما أن قوى البسطاءِ غير الملتحمين بمنجزاتِ الثقافة المتطورة يتواصلون على ما في الدين من مضامين إنسانية بسيطة ومن رحمة ومساعدة ومن تصدٍ لمخاوف مستمرة من المجهول ومن الكوارث المحيطة بهذه الطبقات الشعبية المطحونة.
أما بالنسبة للمثقفين والفئاتِ المميزة الميسورة فهي فئاتٌ إنفصلتْ عن الشقاءِ المادي الذي كان علامة الارتكاز الأولى للأديان، وعن المحدوديةِ الروحيةِ كذلك، كما أن مستوياتِ معرفتِها تناقضتْ بشدةٍ مع معارفِ الأديان ومع مادتها الفكرية القائمة على الغيبياتِ والصورِ المفارقة وعلى الأشكالِ التي غدتْ لامعقولةً لها، فهي تكرسُ العلومَ وثوراتها الجديدة وتكتشفُ آفاقاً هائلةً من المعارف في كلِ مجالاتِ المعرفة، ولهذا فإنها لا تتفقُ مع تلك المادةِ الهائلةِ البشرية الفكرية – الاجتماعية الدينية التي تجمعتْ خلال ألوف السنين، لكنها لا تفارقُها من حيث التشريح ومن حيث إكتشاف سببياتِ نشوئِها بتلك الأشكالِ وأدوارها وتداخلها مع الأشكالِ الأخرى من الوعي والوجود الاجتماعيين البشريين ومن حيث إعتبارها تراثاً مؤسساً قيماً في عصوره. فهي لا تستهينُ بها، ولا تحتقرها، وتجعل للبشر مستويات متعددة مستقلة من الآراءِ والإراداتِ والتنوعِ الذي يحترمُ بعضهُ بعضاً رغم الاختلاف ويناضلُ مع بعضهِ البعض لأجلِ قضايا الناس الذين لا زالوا مهددين بالاستغلال والقهر والحروب.
في سنة 1957 أصدر الفيلسوفُ البريطاني برتراند رسل كتابَهُ؛ (لماذا لستُ مسيحياً؟) محدداً أسبابَ إلحاده؛ (في الكتاب المذكور عالج راسّل المحاورَ التي جعلتْ المنظومةَ اللاّهوتيةَ في الدّين المسيحي، ولواحقها المؤسّسية السّلطوية، غير قابلة للتعايش مع العقلانية والدّيمقراطية، اللّتين تطبعان الفكر والمجتمعات الحديثة)، (نقلاً عن عزالدين عناية، موقع أنفاس من دراسته الكنيسة ومكاره الحداثة).
إن الإنفصامَ بين بُنية الأديانِ القائمةِ على وعيٍّ أسطوري للعالم، وبين بُنيةِ المدارسِ الفكرية الحديثة، إنفصامٌ غيرُ قابلٍ للالتحام، ومتضاد بقوة، وإذا كانت ظروفُ التخلفِ والفقرِ ومحدودية الثقافة العلمية في الشرق تجعلُ من الأديانِ ظاهراتٍ قديمةً متماشيةً مع مستويات المجتمعات، فإن ذلك غير موجود في الغرب، فيتسعُ التناقضُ بينهما بشكلٍ حاد، ولكن آليات الثقافة والديمقراطية والتنوع تمنع الأصدام الجاهلي.
(ففي مطلع العام الماضي نشرتْ مجلّةُ “عالمَ الأديان” الفرنسيّة ملفّاً خاصاً عن الكاثوليكية في فرنسا، التي درجَ نعتُها بمقولةِ الكاردينال لانجينيو سنة 1896 “فرنسا، البنتُ الكبرى للكنيسة”، بينتْ فيه أن تلك الرّيادة في الغرب، دبّ فيها تراجعٌ مذهلٌ، منذ الثّورة الفرنسية ومنذ إعلان قانون فصل الدّولة عن الكنيسة سنة 1905، وذلك لعدّة أسبابٍ: منها النزوح عن الأرياف وثورة العوائد وتصاعد الفردانية، ويتواصل ذلك الانحدار بدون توقّف حتى الرّاهن.
مازالت ممارسة الشّعائر بشكلٍ منتظمٍ المقياس الأكثر رواجاً في قياسِ التديّن، وفي الحالةِ الفرنسية تشهدُ انخفاضاً لافتاً، فهي لم تعن سوى 10% من الفرنسيين خلال 2006. والاعتقاد في الله الذي بقي تقريباً مستقرّاً حتى منتهى السّتينيات، حوالي 75%، تنازل إلى 52% مع 2006. كما أن 7% فقط يرون أنّ الكاثوليكية هي الدّين الصّحيح فحسب، وارتفع عدد الذين يقولون أنهم “بدون دين”، حيث بلغوا 31%. ويزدادُ تباعدُ النّاسِ من المؤسّسةِ الدّينية، خصوصاً حين يتعلّق الأمر بمسائلَ ذاتِ صلةٍ بالأخلاقِ والانضباط، إذ نجد 81% مع زواج رجال الدّين، و79% كذلك مع ترقية النّساء للمناصب الدّينية. خسر إكليروس الكنيسة تقريباً كافة سلطته الأدبية على المؤمنين في فرنسا.) السابق.
نستطيع أن نقول بأن السلطةَ الكنسية خاصةً في الكاثوليكية تمازجتْ بقوةٍ مع الإقطاع القروسطي، وغدا تفككها من هيمنته محدوداً، وكان صدور القوانين العلمانية وإنفكاك السلطتين السياسية والدينية سنة 1905 تعبيراً عن التفارق بين البنية الحديثة والبنية التقليدية وإنه وصلَ سياسياً رسمياً إلى الذروة، لكونِ السلطةِ الرسمية وجدتْ نفسَها مسئولةً عن إدارةِ مجتمعٍ حديث ولكونِ أفرادهِ مواطنين لا دينيين، فهي غيرُ معنيةٍ بإيمانهم، بل بمواطنتِهم، فيغدو الإيمانُ أو اللاإيمان من قراراتِهم الشخصية، في حين أن الكنيسة غير معنية بالمواطنين بل بالمؤمنين، وهي تقوم بالحفاظ على البنية الاجتماعية القديمة الموروثة من آلاف السنين، سواءً من حيث العلاقات الاجتماعية التقليدية أو من حيث الأفكار، فهي كيانٌ غيرُ ديمقراطي في مجتمعٍ ديمقراطي، ومن هنا كان عدمُ صراعِها مع الفاشيات الأروبيات، ومسالمتها لها، لكن علاقاتها لا تنقطع مع الدول الحديثة فهناك محطاتٌ إلتقاء كبيرة لوجود أسس مشتركة بينهما.
تعبر المذاهبُ المسيحية الكبرى عن تباينات الأمم الغربية – الشرقية المعتنقة لهذه الديانة، وتعبر ما تُسمى بالأديان السماوية الثلاثة عن منهجيةٍ مغايرةٍ لبقيةِ الأديان في العالم، في تشكيلاتٍ فكريةٍ – تعبيريةٍ – إجتماعيةٍ تاريخية تمثلُ منطقةَ المشرقِ(العربي)، وهي تتويجٌ للحضاراتِ القديمة في ذاتِ المنطقة، فحملتْ العلاقةَ الوطيدةَ بالسلطاتِ وبالهيمنةِ على الشعوبِ وبالمركزيةِ ورفض التعددية، وبالتغلغلِ في حياتِها، إيجاباً وسلباً، وحملتْ هذه المضامينَ الغائرةَ فيها إلى مختلفِ بقاعِ الأرض التي رُحلتْ إليها عبرَ حراكِ الشعوب، وكلٌ من خلالِ مساراته المركبة.
لقد نشأتْ ضدَ الفرعنةِ وإصطبغتْ بها عبر الأنظمة، وغدت تكويناتٍ شموليةً، أخذ بعضُها يتفككُ في الغرب، بسببِ تحوله الديمقراطي، عبر الليبرالية والبروتستناتية، التي رحلتْ للمواقعِ الأكثر رأسماليةً، وفي المناطقِ الأقل تطوراً سادتْ الكاثوليكية، خاصةً في جنوب أوربا وفي أمريكا اللاتينية، رغم أن بلدين كفرنسا وإيطاليا متطورين رأسمالياً ظلا أساسيين مهمين للكاثوليكية.
إن هذين المذهبين أقرب للديانتين المنفصلتين، رغم المظلة المشتركة، ومنهما نشأتْ مذاهبٌ كثيرةٌ حسب الإيقاعات المعقدة لهذه الدول وحراكها.
إذا كانت البروتستانتية قد فككتْ علاقات الدين بالسلطة فإنها كذلك راحتْ تفككُ هيمنةَ الكنيسةِ على الناس، لكن من دون الخروج عن الثقافة الدينية المسيحية نفسها. فهم(لا يؤمنون إلا بالكتابِ المقدس فقط، ولا يقبلون كلَ القوانين الكنسية، ولا المجامع المقدسة وقراراتها، ولا يلتزمون بتعاليم الآباء. وبالتالى لا يقبلون كلَ ما قدمهُ التقليدُ من نُظمٍ كنسيةٍ.)،(عن موقعٍ كنائسي قبطي).
إن الاختلافات الاجتماعية وعمليات التغيير الفكرية التي جرت فككتْ العلاقات السلطوية للمسيحية، وجعلتها مستقلةً خاضعةً لحريةِ الفرد، أي قامتْ ببرجزتها، في حين بقيتْ المذاهبُ الأخرى خاضعةً للكنائس كسلطة إجتماعية شمولية.
إن طائفةَ (المحتجين) هذه وهي البروتستانتية تحركتْ بشكلٍ أكبر في الأوساط التحديثية، رغم أن بعضَ شيعِها تتعصبُ بشدةٍ في مسائل معينة حسب إيقاعات التطور التاريخي التي جرتْ لها، فهي مذهبياتٌ معقدةٌ لا يمكن دمغها بصورةٍ كلية. لكن المناخَ العامَ هو إستمرار الحريات وتوسعها فيها، فراحت البروتستانتيةُ تتقبلُ الكهانةَ النسوية مثلاً، وتتغاضى عن مسائل أخلاقية شائكة، وتخضع للسوق وتطوراته.
لكون البروتستانتية إرتبطت بالدول الأكثر ديمقراطية فقد أصابتها عدوى هذه الديمقراطية دون أن تتخلى بطبيعةِ الحال عن الانتماء للغرب وللرأسمالية وعن دعم اليمين، لكن في الدول الكاثوليكية كان إنتماء الكنيسة لليمين المحافظ أقوى، ودعمت قوى اليمين الرجعي، وفي أمريكا اللاتينية إرتبطت بالدول الإقطاعية ودعمت الأنظمة الشمولية، وظهرتْ نزعاتٌ قليلةٌ إنتمتْ للفلاحين فيما عُرف بلاهوت التحرير.
(استشعرَ الرّاهب لويجي جيوساني (1922-2005) مؤسّسُ حركة “تناول وتحرير” في إيطاليا تواري المعنى اللاّهوتي والوجودي في المسيحيّةِ المعاصرة، برغمِ نفاذِ هيمنتِها في المجال السّياسي، كما الشأن في إيطاليا عبر “الديمقراطية المسيحية”)،(عن الكنيسة ومكاره الحداثة، السابق). والمقصودُ بالديمقراطيةِ المسيحية هنا هو أحزابُ اليمين التي هي علمانية ولكن جذورَها الشعبية دينية.
وفي أمريكا الجنوبية يتزايد إنتشار البروتستانتية والأفكار الديمقراطية واليسارية عموماً وتتراجعُ الكاثوليكية، بسببِ عملياتِ التغييرِ الواسعةِ التي تجري بعد زوال الأنظمة الشمولية فيها.
في فرنسا التقدمية العلمانية عموماً لا تستطيعُ الديانةُ هنا أن تؤثرَ بشكلٍ كبير، بخلافِ إيطاليا مقر البابوية، تقول(عالمة الاجتماع الدّيني الفرنسية دانيالي هرفيي ليجي، المهتمة بمصائرِ المسيحية في المجتمعاتِ الغربية، في كتابِها: “نحو مسيحية جديدة” ترى أنّ أزمةَ الكاثوليكية التي صارتْ أثراً جليّاً، تتلخّصُ في عدمِ قدرتِها على طرحِ خطابٍ مقنع للنّاس، وما عادت طرفاً في المشهد الثّقافي الفرنسي، فهي متّهمةٌ بقدامتِها في وعي الجسد، والأخلاق، والعادات، وليس لها الأدوات الثقافيّة في مستوى الزّمن الحالي.)،(السابق).
إن تباينَ مستوياتِ التطورِ الاجتماعي بين القارات والمناطق قادتْ إلى تشكيلاتٍ ثلاثٍ كبرى في المسيحية تعكسُ هذا التطور المتباين، وحدوث ذلك في المسيحية بشكلٍ كبيرٍ وواضح هو لكونها تواجدتْ في أكثر البلدان حداثةً، وذلك لا ينفصلُ أيضاً عن الجذور القومية لكلِ مجموعة، ولا عن مصالحها التاريخية، ويغدو ذلك كله فضاءً وسوقاً.
أما التوحدُ العالمي الأوسعُ فهو كذلك مرتبطٌ بتضاؤلِ الرأسمالية القومية وبنشؤ الرأسماليات الكبرى المندمجة وذوبان الأمم في بعضها، ونمو الحريات والأفكار التحديثية وذلك من شأنه أن يلقي بظلاله كذلك على المذاهب الكبرى المسيحية.
ثمة حراكٌ عالمي هائل في المسيحية مثل إنفصال الكنائس في العالم النامي وبحثها عن مصالح شعوبها، وحدوث تمردات وبحوث في ما هو ممنوع ومسكوت عنه، وتجري عودة لدراسة المسيحية الأولى ذات التاريخ المشاعي الخ.
عموماً إنهما شكلان من الرؤى الكبرى البشرية؛ الديانات والحداثة، كلٌ منها ينتمي لعصورٍ مختلفة، ويتواجد الشكلان بالضرورةِ الحتمية بتداخلِ المراحلِ والتشكيلاتِ التاريخية، ويتفارقان ويتصارعان. لكن ليس ثمة ذوبان بين الشكلين اللذين إكتسبا سمات جوهرية منفصلة لكلٍ منهما.

الأديانُ أكبرُ من الأنظمة
تقوم الأنظمة دائماً بتمثيل عنيف ومستبد للأديان، تقول بأنها الوحيدة الممثلة للديانة، وما عداها هرطقات أو انحرفات.
هي محاولاتٌ عنيفة عاطفية، وفكرية، ومتشنجة أو عقلانية مدعية، أوتعصبية قاتلة، أو إلحادية مضادة ساحقة، وغير هذا من المحاولات لتمثل الأديان أو نفيها.
لكن الأديان أكبر من الأنظمة.
والمسألة تعود لسر بسيط هو أن مؤسسي الأديان كانوا أصحاب تضحية، ودمجوا تضحياتهم في الرموز الدينية.
ومن الجهة المعاكسة كان مشيدو الأنظمة قوى إستغلال وقهر للأغلبية من السكان.
فكان مشيدو الأنظمة يسحبون الأديان لتلائم أسرة أنظمتهم، فإذا زادت الأديانُ قطعوا أطرافها وإذا تقصلت سحبوها بأدوات الجر الثقيلة من مثقفين وجلادين.
والغريب هو أن الأديان تغلبت في حضورها على الأنظمة الفكرية الحديثة المنتجة في الغرب.
وقد قامت تلك الأديان الناشئة في الأزمان القديمة على أبطال فرديين كبار، رهنوا أنفسهم لتضحية جسيمة، وطرحوا نموذجاً للعلاقات الاجتماعية يتجاوز عصرهم، وفيه بذرة مهمة للتعاون الإنساني الكبير مثل قول الأنجيل والقرآن معاً بأن الأرضَ يورثها الله للفقراء والعبيد، وهو قول يتفق مع البيان الشيوعي ياعمال العالم اتحدوا!
الأنبياء والأئمة والمجاهدين والمضحين على مر العصور قاوموا في أزمنتهم قوى الاستغلال، فكان هذا هو الخالد الباقي في الأفكار والأديان، وهي أقوالٌ عامة تصلح لكل زمان ومكان، ومع هذا فهي مجردة، غير محددة بخطط تناسب كل العصور، رغم أن الرسالات الدينية في زمنها حددتْ الموقفَ السياسيَّ الدقيق في عصورها.
ومهما تضاربت الأقوالُ في المسيح ومهما كثرت الروايات والمذاهب وتعددت الاجتهادات، فإن القصة تقومُ على رجلٍ مضح، قال بعضهم أنه صُلب لأنه ابن الإله، وقال آخرون بأنه إنسان وصُلب، وقال آخرون بأنه لم يُصلبْ لأن الله نجاه، وقال آخرون وآخرون كثيراً من الروايات.
لكنهم اتفقوا جميعاً بأنه إنسانٌ مضح، لم يقل أحد بأنه مزور أو كاذب، أو إستغلالي، وانشأ شركة ليلتهم أموال المودعين، أو انشأ دولة جعل أموالها في جيبه.
أخذت الناس على مر العصور تضحيته الرمزية، لكن التابعين له والمؤسسين الدول باسمه، لم يصلوا إلى نموذج تضحيته، والصليبُ دليلُ المعاناة، فالشوك والجراح والوقوف المقيد على الخشب الصلد، ليس سوى أمثولة للمعاناة في اقصى حالاتها، ليس سوى رمز للتضحية، فدع عنك المماحكاة في حقيقتها، فما هي سوى صورة للإنسان المعذب في كل العصور، والضحية والرمز القائد للذوبان والامتثال لقوى البطش.
فهذه الصورة للصليب الكنائسي المعاصر ثبت علمياً إنها غير دقيقة، ولا تتطابق مع نماذج الصلبان الذين يتم الإعدام عليها في ذلك العصر وبمقاييس الخشب ونسبه وبأجسام المصلوبين عليه!
ولكن ليس المهم الحيثيات الصغيرة الملموسة، ولا الخيالات الشعبية، المصاحبة لظاهرات خطيرة مثل هذه لا تتكرر سوى في قرون.
وهي قرونٌ فاصلة بين عهود وعهود، فيها نهضة وتحولات لم تكن من قبل.
بل المهم هو المضمون العميق المجسد في كائن بشري يرفض خيارات المتع والسعادة الشخصية والجهل والسير وراء قطعان الذل ليطرح شيئاً آخر فيه ثورة خطيرة في العلاقات الاجتماعية، وفيه إزالة للإمبراطورية الرومانية وأنظمتها المتعسفة التي تقهر عشرات الملايين من الناس.
وكلما زادت الأنظمة إستغلالاً وبشاعة في تمثلها للرموز الدينية زادت تلك الرموز من توهجهها وتحديها لمن يتمثلها!
الأنظمة والجماعات الدينية السائدة تطرح الرموز الدينية المضحية وهي غير قادرة على التضحية بل على جمع الأموال من الناس وتراكمها للمتع!
وهذا يُحدث شروخاً عميقة مثلما أن المعلم يعلم الفضيلة ثم يعتدي على تلامذته!
من يتصدى لتعليم نماذج التضحية يُرى للجمهور وهو يحول بيته أو قصره إلى مخزن هائل للسلع، وهو يضع الحراس لحمايتها والكلاب لتتشم أي متسلل إليها،، ويحول الميزانية لصالحه ولصالح جماعته، ثم يمضي لمراكز العبادة ليحرق البخور ويعلن اللصوص والملحدين بالعقيدة والمفسرين الخطرين لها، والناسخين لفحواها!
وقد وجدت الأنظمة الغربية أن إبعاد الكنيسة عن السياسة هو أمر جيد، لكن تم ذلك للسيطرة على أراضي الكنيسة التي كانت أكبر الأملاك الزراعية، ومن أجل أن تكون مجالاً لاستثمار الحكام الجدد وأصحاب رؤوس الأموال، لكن الدين يجب أن يظل في صيغه العبادية، المحددة من قبل الكنائس لكي تنتشر الفضيلة!
لم يستطع الحكام الغربيون وطبقاتهم المالكة أن يكونوا في مستوى رموز الديانة التضحوية، والغيبية، والأمثولة المطلوبة لتواريخ البشر الراهنة والمستقبلية، وهم يعمقون الاستثمار الرأسمالي الواسع النطاق في بلدانهم وفي الكرة الأرضية قاطبة.
الاستغلال الرأسمالي هو تطور وكوارث ومشكلات، وهو تقدمٌ مصحوب بالألم وبالنجاح وبقوى التصحيح المتابعة للأخطاء، وهو يماثل على نحو ما رمز المصلوب، المرتفع والنموذج، لكن الرأسمالية تعجز عن المطابقة مع رمز المصلوب المضحي بكل شيء، ولهذا فإيديولوجيات الرأسمالية الحديثة تزول وتستمر الديانة.
كذلك فإن الديانة ذات حضور شعبي، وفي عمقها رمز إشتراكي يقول بضرورة زوال الاستغلال والملكية الخاصة لوسائل إنتاج الحياة والبقاء، وأن البشر يجب أن يتساووا ويعيشوا سعداء، ولكن ذلك يتطلب تطور قوى الإستغلال حيناً وقوى النضال ضد الإستغلال حيناً آخر وأبداً.

الأديان السماوية والتطور
تربت أغلبية البشرية على ما أُنتج في المنطقة العربية من مثل وأفكار، وقد تطورت تلك المناطق تطوراً كبيراً وظلت المنطقة العربية في تخلفها المريع!
الحضارات الأولى، عشرات الآلاف من السنين، وتجارب هائلة وعمت الإنسانية ثورات هائلة من ما أُنتج في هذه المنطقة، وظلت المنطقة العربية في ماضيها.
اليهودية والمسيحية والإسلام، الأديان الشقيقة، التي تكملُ بعضها بعضاً، ميراث الإنتاج الروحي الطويل، هي نفسها تعيش في عداء مستحكم!
لماذا؟ لماذا؟
لماذا الأشقاء تعادوا، ونبات السماء صار خناجر وسيوفاً؟
هل كان هذا من أفكار الأديان أم أن السلطات وقوى الإستغلال فرقت بين الأخوة؟!
يقولون إن مصادر الأديان هي نبع زلازل وخير، فلماذا تكدرت؟ هل لأنها خالطت الأرض العكرة وتطورات الشعوب في دولها وصراعاتها السياسية ومناحي حياتها في التجارة والسلطان والغزو؟
اليهودية أول الأديان السماوية وأقلها حضوراً من حيث الكم، وأقواها حضوراً من حيث الكيف!؟
اليهودية بدأت رعاةً وصارت فلاحين قليلين وتجاراً كثيرين وصيارفة وأصحاب بنوك مناطقية فعالمية!
نظراً لإنحباسها الشعوبي لم تصبحْ كماً هائلاً، كانت تهتمُ بالكيف المتطور، استعلتْ على الشعوب الوثنية البدائية لغايةٍ كبيرة هي أن تكون فوق الشعوب.
الكثيرُ من طقوسِها الدينيةِ هي بغرضِ أن تكونَ أقلية متطورة وسط حشود متخلفة لكي تستثمرَها ولكي تتطور هي فوقها!
علمتها تجاربُ الألمِ والمعاناةِ والأسر أن تركز على عناصر التفوق وهي التجارة المتطورة والثقافة.
ورغم مئات السنين من الاضطهاد لم تتخل عن بنائها الاجتماعي القائم على الأسرة الصغيرة والعمل بالمال ودراسة كتبها وتنقيحها باستمرار، والإضافة إليها.
ومن هنا توسعتْ خارج المنطقة العربية البدوية ذات الأسرة الكبيرة تبحث عن شرايين التجارة العالمية واتجاهاتها، فتلاقت مع المسيحية بشكل كبير، رغم قيام المسيحية باضطهادها.
والمسيحية التي نشأت متجاورة مع اليهودية تركزت على الفلاحين، أصحاب الأرض، ذوي التقاليد القديمة، الذين كانت أقدامهم في الزراعة أكثر من الاقتصاد المالي والفائدة، وتقاربوا مع اليهودية في الأسرة الصغيرة، وابتعدوا عن عالم القبيلة، وكان الثالوث الإلهي هو جزء من عالم الفلاحين التعددي، الذين كانوا طوال قرون الشرق مختلفين عن البدو ذوي الإله الواحد الصارم.
ثم كان الإسلام هو الملائم لجمهور الشرق البدوي الواسع، الممتد من الصين حتى أفريقيا، حيث الصحارى الكبرى، وحيث العائلة الواسعة، والرجل المسيطر متعدد الزوجات، والمعارض للفائدة المالية التي تمزق العائلة الواحدة.
كلُ دينٍ مثلَّ مجموعات بشرية معينة، وتقاليد وظروف، الاقتصاد الرعوي الواسع في هذه المنطقة الصحراوية الهائلة أهلَّ الإسلام ليكون دين المنطقة التي وعى تقاليد أهلها ومثل حياتهم وطور عناصرها التجارية والثقافية العقلانية لكن دون أن تتمكن المنطقة من خلق القفزة الحضارية الحديثة، والمسيحية تركزت في المناطق الزراعية والمدنية ثم رحلت بأكبر قواها البشرية والثقافية إلى أوربا، واليهودية تنامت في عالم المدن التجارية حتى وجدت من الغرب السوق التي ازدهرت فيها كل خصالها المالية.
وبعد الغزوات والحروب المشتركة بين هذه الأديان الشقيقة، وهي فترة من العداء والكراهية والخسائر المشتركة، والتلاقح الثقافي كذلك، حلت فترة مختلفة، تكشف أسباب الأطماع والإستغلال وبدأ التفكير في السلام والتآخي!
الحضارة المسيحية – اليهودية غدت هي الحضارة الرأسمالية المسيطرة، والتي صار نموذجها هو المحتذى في كل الدنيا، العناصر المتضافرة من الملكية الفردية والإنتاج الحديث والأسرة والثقافة الإنسانية والديمقراطية هي تتويج تاريخ المشرق، وقد تشكل خارجه.
ولكن المكان الذي نتجت فيه وتطورت منه جاءتْ لتسيطر عليه ودخلت في حروب ضارية معه!
وهو بفقره وتخلفه عاجز عن اللحاق بها.
وفيما يتكاثر المسلمون وتضيق بهم المدن يهاجر مسيحيون ويضيق بهم التعصب الديني، فيما ينحصر اليهودية في دولة مسلحة متوسعة!
كل الزمن السابق، تاريخ قرون العداء اللامجدي، يتجسد بأشكال سياسية مضرة، ولهذا فإن التعايش السلمي وإغلاق صفحات الحروب والعداوة صار ضرورة، خاصة للأغلبية الشعبية من مسلمين ومسيحيين ويهود التي هي ضحايا تجار المعارك والإستغلال والعداوات الدينية والقومية!

الخيال والواقع في الأديان
تعتمدُ الأديانُ على الخيالِ غالباً، لأنها تشكلت منذ أكثر من أربعين ألف سنة على فكرتي الأرواح الخيرة والأرواح الشريرة، فهذا السديمُ من الصورِ والمعاني يشتبكُ غالباً بالواقعِ ومشكلاتهِ من حروبٍ وأمراضٍ وصيدٍ وزواج الخ.
بداياتُ الأديان هي بداياتُ الانتقالِ للحضارة، وهي لا تعدو أن تكون 1% من التاريخ البشري، وقبلها ملايينٌ من التاريخِ المجهول للإنسان، حسب ما يقول فراس السواح.
ولهذا فإن فرزَ الجمادِ من الروح كانت ثورةً فكرية كبرى! حيث انفصل عن الإنسان عن الحجر والنهر والغابة ولكن ليس بشكل كلي، فإلى مدى طويل ستظل الأشياءُ ذات قوى روحية أو أرواحية، وسيظلُ الإنسانُ هذا الكائنَ الهشَ المعلقَ في خشبةِ الوجودِ السائرة في الأنهار.
وتتوجه الإراداتُ البشرية لطلب المساعدة من هذه الأرواح، مرة بالخير ومرة بالشر، وتصيرُ الآلهةُ نمطين مثلهما، آلهة تحكمُ بالخير وللخير، وأخرى للشر وبالشر.
وهذه المعاني العامة سنجدُها لدى البوذيين أو الهنود الحمر. وكلما تطورتْ الحضارةُ تخضعُ الأفكارَ الدينيةَ للتقاليد والمواصفات الإجتماعية وللمؤسسات السياسية.
ونظراً لكونِ الأفكار الدينيةِ متصلةً بعالمِ الأرواح فهي تبقى غامضةً، متعددةَ الرؤى، مختلفةَ التفاسير، ويتيحُ لها ذلك النموَّ التاريخيَّ، العقلاني مرة، وغير العقلاني مرة أخرى. وأن تقع في قبضاتٍ مختلفة، وإرادات متناقضة، وتصيرُ مرة للبناء ومرة للهدم.
ليس في عالم الأرواح تجريب وبرهان، ويقول صانعو الأديان إنهم يسمعون أصواتاً، وأن نداءات تأتيهم، وإن رسائلَ بُعثتْ لهم، وآخرون يقولون إنهم شاهدوا أحلاماً، وكل هذا يجري في السديم الغامض، في عالم الأرواح، حتى تبدأ الكتابة الملموسة للدين من خلال الكلمات، والقوانين، سواءً كانت في ورقٍ أو حجر، ويتحولُ الغموضُ الخارجيُّ الفوقي السماوي أو الأرضي، إلى جماعةٍ أو إلى نصوصٍ أو عبادات أو أوامر ونواهٍ إجتماعية.
عالمُ الأرواح الذي يتم التراسلُ معهُ أرضياً وبشرياً والمتسم بالغموضِ واللاتحدد من المتسحيل أن يعطي رسالةً واحدةً، وكما أن الأرضَ ذاتَ خرائطٍ وأصواتٍ مختلفة، فكذلك فإن الرسائلَ تتباين، وتتعددُ الأديان.
يعزلُ عالمَ الأرواح مع تصاعد المؤسسات الدينية والسياسية، إن عالم الأرواح الغامض لا بد من السيطرة عليه إجتماعياً، وأن يكون الدين مؤسسةً ثم مؤسسات، حسب تنازع القوى والمؤمنين أو تآلفهم، إن الأرواحَ الخيرةَ هي التي تتجسدُ في المؤسسة الدينية، لأن الدينَ في غاياتهِ الأولى كان بهدف خير، فقد كانت الرسائل الدينية تظهر لدى قادة روحيين مضحين، يشقون طرقاً لتطور البشر. فالرسالةُ في حدِ ذاتها تضحية، وبطولة، ولكنها تصيرُ مؤسسةً، وتنحازُ لهذا الطرف الاجتماعي أو ذاك، فينقسم الدينُ ويصير مذاهب وحركات سياسية وإختلافات.
الركائز الأولى للدين من ألوهية وإنقسام للأرض والسماء والدنيا والآخرة وغيرها من ركائز تصورية كبرى، هي ركائزٌ عرفتها البشريةُ كلها، حتى دون أن تتشكلَ علاقاتٌ مباشرةٌ بين بعضِها البعض، وهي تقومُ على أساسِ التضاداتِ الكبرى في الحياةِ البشريةِ غيرِ الممكنِ ردمها أو إزالتها. التناقضُ بين الحياة والموت، وهو أكثر التناقضاتِ رهبةً وبقاءً للجنس البشري والحيواني عامة. التناقضُ بين الوجودِ والعدمِ هو من أكثرِ المناطقِ خصوبةً لإنتاجِ الوعي الديني، والأفكار عامة، وهو الذي بدأَ تحريكَ الوعي باتجاه أن يكون الكائنُ النسبي مطلقاً، والعابرُ أبدياً.
وكذلك هناك التناقضُ بين الأرضِ والسماءِ، وهو شكلٌ آخر للتناقضِ بين الإنسانِ والوجود، ثم التناقضُ بين الحاكم والمحكوم وهو التناقضُ المولدُ للحركةِ الاجتماعية، ويتداخلُ مع التناقضين السابقين في توليدِ التصوراتِ وفي نسجِها بين الخالد والعابر، بين الفقير والغني، بين اللاموجود والموجود.
تنقشع ضبابيةُ الأرواح لدى المؤسسات، التي تحيلُ الدينَ لنصوصية قانونية وراءها العقوبات والسجون، والتقاليد، والحلال والحرام، وعلى مدى وجود العناصر العقلانية القارئة للآلام البشرية وحاجات العاملين أو عدم وجودها، تتحدد تطورات الأديان، بين ازدياد للعقلانية أو هجوم للجنون، فالحياة الاجتماعية تولد سلاسلَ من التطورات الدينية واللادينية، من الفرق المتبصرة أو (من الهلوسات)، ومن التخصصات الدينية المدققة العاكفة على التطور التدريجي، ومن النصوصية الجامدة المريضة، ومن هجوم الفرق السياسية على الدين وإختطافه من حياته العبادية العادية، إلى حماية الدين بإبعاده عن التجارة والحروب السياسية.

الأديانُ والتحولاتُ
تختلف العناصرُ الفكريةُ الاجتماعية في الأديان حسب ظهورها التاريخي والمهمات التي أدتها في تأسيسها، ثم تحول أو بقاء هذه العناصر في المراحل التالية لتطور هذه الأديان.
هذا يعتمدُ على البُنى الاجتماعية التي تدخلُ فيها، وتتأثرُ بأجوائِها، فرغم تباين تلك العناصر بين الدينيين المسيحي والإسلامي فإنها تعرضتْ لتأثيراتِ البُنى المختلفة والعصور.
فقد كان عنصرُ العنف مرفوضاً ومنتفياً في نشأةِ وظهور المسيحية، لأن الإمبراطوريةَ الرومانية كانت قائمةً على العنف الوحشي ضد الشعوب ولهذا عبرتْ المسيحيةُ عن التسامحِ والمحبة والإخاء بين الشعوب المتعددة، وهي القيم التي وضعت حداً لتلك الإمبراطورية في خاتمة المطاف ولكن بأساليب عنيفة!
إلغاءُ التسامحِ المطلق وإعادةُ العنف للمسيحية جرى بسببِ حاجاتِ الأنظمة والقوى السياسية للعنف كأداةٍ للسيطرة والحروب.
كان الأمرُ مغايراً بالنسبة للإسلام الذي إعتمد الحرب ضد الوثنيين ثم أساساً للفتوحات. وإستُثمرت هذه النشأةَ الأنظمةُ الاستغلالية والحركاتُ المتعصبة فيما بعد لتؤسسَّ منها رؤيةً مطلقة تبررُ ما تقوم به أعمال سياسية ذات مصالح ذاتية.
ومن هنا تباينت أوضاعُ مذاهب المسيحية حيال النهضةِ والتحولاتِ الديمقراطية في زمنِ الافتراق عن العصور الوسطى، ففي الوقت الذي كانت فيه البروتستانتية تقفُ مع الإصلاح وضد هيمنة البابا الحاكم المطلق على رأس الإقطاع الدنيوي البغيض ولكن الثمين، فإنها في ألمانيا إختلفت عن غيرها من الدول التي سارعت للتوحد القومي والنمو الرأسمالي، فقد تلكأتْ قدرتُها على التوحيد القومي، ونقد الكنيسة، فيما أن الكاثوليكية وهي المذهب المحافظ تبدلتْ أوضاعها في فرنسا مركز الحركة الثورية الأوربية، التي كانت ذات تطور إقتصادي أكبر من ألمانيا وفجرت التحول في قلب أوربا والعالم، ثم صار لها نفوذٌ إستعماري كبير.
هكذا فإن العناصرَ الفكريةَ الاجتماعية داخل الأديان ثم داخل المذاهب التي تنمو من خلال الإختلافات الدينية المعبرة عن صراعات إجتماعية عميقة في المجتمعات، تخضع للبُنى الاجتماعية في البلدان الكبيرة المؤثرة على التطور السياسي.
ولكن السياقَ الاستعماري لكلا البلدين فرنسا وألمانيا، أخضع البلدين لسيرورته.
ففيما فرنسا كانت متمتعة بالمستعمرات وتمارس عنفها داخلها، وتصمتْ الكاثوليكية فيها عن المجازر، كانت البروتستانتية في ألمانيا لا تستجيب لطموحات رجال الأعمال الشرسين الذين فقدوا حتى مستعمرات دولتهم بعد الحرب العالمية الأولى، وتولد تعصبٌ قومي تجسدَ في هتلرية الصليب المعقوف بدلاً من الصليب العادي. وقد دخلتْ العناصرِ القومية الشمولية من هذه الثقافة الألمانية في بعض الحركات القومية والدينية العربية والإسلامية.
في المذاهب الإسلامية الراهنة وعلاقاتها بالثورات والصراعات يغدو التوجه للنضالات السلمية مميزاً، فظهور هذه النضالات وتدفق الملايين عبرها أتاح التوحيد للشعوب، وأظهر الدينيون من الإسلاميين والمسيحيين تعاونهم المشترك لبناء بلدان مختلفة، رغم أن خطابات إسلامية عديدة لا تزال في القراءات العنيفة.
وقد تبدل حراكُ المذاهب خلال العقود الأخيرة، خاصة داخل المذهبين الإسلاميين الكبيرين، ففيما عُرف أحدهما بالمحافظة والوقوف مع بعض السلطات، أتجه الثاني للثورات، وتأييد التحولات، لكن هذا الأمر تغير الآن ففيما الأول تحول عن المحافظة وشارك في الثورات، تحول الآخر إلى المحافظة ويشارك بعضُ جماعاته في قمع ثورة عربية كبيرة.
لعل الإطلاق هنا غير دقيق فقد ظهرت تياراتٌ سياسية متعددة من المذهبين، والأمر هنا يعتمد على مواقف التيارات داخل الأنظمة السياسية، ودورها في تنمية عناصر ديمقراطية فكرية وإجتماعية أم لا.
فنجد إن تيارات مذهب واحد تتباين في مواقفها، وأن القسمين الليبرالي والمحافظ موجدان ولكن مشاركتهما في التغييرات العاصفة متباينة، فيما أن المذهب الآخر حين سيطرت على حركاته دولةٌ واحدة فقدت تياراته زخمها التحولي.
تعددية المذاهب ومقاربتها للحراك الاجتماعي ممكنة مع تبدل (البابوية)، وسيطرةُ المركز الواحد، تقل لكنها لا تزول لأن الدول تنشىءُ مراكزَ جديدة لتوجيه المذاهب والتيارات السياسية المنبثقة عنها.
وعلى مدى تطور التحولات الاجتماعية والسياسية القادمة وإنبثاق دول ديمقراطية مدنية، ستجد المذاهبُ والمرجعياتُ إستقلالَها وعودتها للبحوث وقراءة التاريخ والفقه، وسوف تخلق التأثير العميق، وتتطور بشكل أكبر من زمنية خضوعها للدول الشمولية التي وجهتها وجهات واحدة ضيقة.

الفنون في الأديان
أضطر العرب المسلمون في نقلتهم الحضارية بين الجزيرة البدوية الصعبة ذات التاريخ المرير وإحتلالهم للشمال الزراعي الغني أن يختزلوا الكثير من المظاهر الحضرية ويشكلوا سمات حضرية خاصة بهم دون أن تكون هذه السمات متناسقة تمام التناسق.
من الجوانب البارزة في هذا الموقف الرسمي من الفنون، والموقف الرسمي هو الموقف المسجل في الوثائق الدينية المعتمدة للأنظمة السياسية التي تتالت بعد هذا.
كانت الشعوب القديمة الوثنية بطبيعة دياناتها تقدس الفنون، فهي مدار حياتها، فالإنتاج كالبذر والحصاد والصيد وبالتالي الأعراس والولادات والختان كلها تجري من خلال فنون الشعر والغناء والرسم والنحت، ولكن هذه الفنون تجري بتقديس الآلهة لهذه الشعوب، فهي جزءٌ من حياتها وإحتفالاتها.
وقد وجد العربُ المسلمون أنفسَهم مع قدومِهم لمسرح التاريخ في المنطقة بشكلٍ متأخر، أنهم يحاربون الوثنيات بقوة، وهي التي تمثل تعدديات الدول وتنوعها وسلطات المدن والقبائل والشعوب المتختلفة. ولم يكن مستواهم الثقافي في ذلك الوقت يتيح التمييز الدقيق والفصل بين ما هو وثني وما هو فني إنساني.
فلم يفصلوا بين محاربتهم للوثنية ومحاربتهم للفنون، التي كانت هي مندمجة فيها، بحكم التطور الطويل السابق، فظلت الأحكامُ الفقهية في الأجيال التالية دون معرفة العلل فيها، ثم تغيرت الظروفُ الوثنية المرتبطة بتلك الفنون، لكن الأحكامَ الفقيهة بقيتْ على حالها!
كان الساحرُ قديماً هو الفنان النحات والشاعر والراقص والصياد، ثم تخصصت صفاته في فنانين متنوعين، فالشاعر المغني أنفصل عن الساحر، ثم أن الشاعر كذلك أنفصل عن المغني وعن رجل الدين، لكنه انفصال غير تام وحاسم، فالثلاثة في علاقة متداخلة، كأشكال متقاربة من الثقافة، نظراً لأن الموسيقى والقداسة تجمعها.
فهذه هي كلها في عرف القدماء نتاج السماء أو وادي عبقر أو الروح أو الألهام، فرجل الدين يصنع الشعر ويغنيه ويؤثر من خلاله على الجمهور.
ومن هنا بقيت في الكنيسة المسيحية علاقة رجل الدين بالغناء، فهو إن لم يتحول إلى مغنٍ تماماً فهو ينشد، أو يقرأ بموسيقية ما، ويضعُ آلة موسيقية في الكنيسة، ويدعو المؤمنين للترتيل معه، أو الإنشاد أو الغناء.
المسيحيون كسكان مناطق زراعية متحضرة قديمة، لم ينشئوا دولة بسرعة العرب المسلمين، ولهذا احتفظوا بتقاليد فيها وثنية وتعددية إلهية وتراث موسيقي قديم، وأنتقلت تدريجياً إلى أوربا وبعد قرون ومع البعث النهضوي والترجمات الإغريقية تحولت إلى نهضة جديدة عالمية.
أما العرب فعلى العكس أرادوا أزالة المظاهر الوثنية بقوةٍ وسرعةٍ حتى لا تتفكك دولتهم الطرية، فعارضوا أي تذكير بالماضي حتى لو كان فنياً وإحتفالياً فرحاً، وكان يمكن لهذه الاحتفاليات والمظاهر الوثنية أن ترتبط كذلك بمعارضاتِ الشعوبِ ومؤامرات الأمبراطوريات الكبيرة المهزومة في ساحات القتال.
وفيما بعد حين زالت تلك المظاهر التاريخية السلبية المؤقتة، لم يكن بإمكان الفقه الحكومي المتصلب أن يقرأ ذلك على ضوء التحولات، وبقي في الموقف الرسمي وخاصة في الاتجاهات السنية، وكلما زاد في بدويته وشكلانيته قل تعليله للتاريخ الاجتماعي الديني.
لكن الشعوب الإسلامية لم تكن تعبأ بالموقف الرسمي الديني، فقد كانت شعوباً أدبية وفنية بحكم تقاليدها الطويلة وتجاربها الإنسانية، فانتشرت الفنون والآداب على نحو هائل فيها، فكانت أكثر الشعوب إنتاجاً وقتذاك في التراث الإنساني.
وقد حافظت كذلك على الوحدانية، لكن العلاقة بين رجل الدين والفنون ظلت متضادة، فحافظ رجلُ الدينِ المسلم على طبيعةِ الراهب المتشددة فيما يتعلق بالفنون في زمن الفتوح الإسلامية، أي ذلك الراهب المجافي للغناء والفنون عامة، خاصة الحركية منها والمرتبطة بالرقص فهذه أشد اقتراباً من الماضي الملغوم، الماضي المرتبط بالفنون المذمومة، والشهوات، وفقدان الوعي، من أجل أن لا ينزلق إليها المؤمن ولا يهوى في الوثنية، رغم أنها جميعاً غدت لا علاقة لها بذلك الماضي البعيد، وأن المسلمين انتصروا منذ زمن بعيد وأن تلك الروح الحربية لم تعد ابنة زمانها. لكن روح الأحكام العرفية مستمرة خاصة مع حكم المناطق العربية المحررة من هيمنة الدول السابقة، والتي كانت تزدهر بالفنون الوثنية لكن بعد إستقرار الفتح العربي تلاشت، وبحثت الفنونُ العربية الإسلامية عن الجمع بين التوحيد والفرح والرقص والتشكيل والمسرح والموسيقى.
لكن موقف الرجل الدين التقليدي أستمر وظلت معاداته للفنون قائمة حتى بعد زوال أسبابها. فهو يعارض كافة أنواع الفنون حتى لو كانت التجريدية منها وغير المرتبطة بالحراك الجسمي المبتذل، والمصعدة للنفس والروح في حالات إنسانية راقية. فيبدو له إن الفنون تخفي ورآها أوثاناً.
وهذا يعود لاستمرار الأحكام التقليدية الفقهية طوال قرون سيطرات الأسر الخاصة.
لكن ذلك يغدو مستحيلاً خاصة في العصر الحديث فالموسيقى تملأ الحياة والسياسة والعالم، والموسيقى لا بد أن تدخل في كل مكان، ومن هنا تنازل رجل الدين التقليدي للموسيقى الحربية أن تدخل عالمه، فهي تماثل روحه القتالية المستمرة، فاستعان بها للأناشيد والجنائز.
ولا شك أن قضية إدخال الموسيقى في الفرح والاحتفال ستظل هاجساً، وقضية خطيرة، بسبب انتشار الثقافة الغربية وأعتماد الموسيقى والفنون كمناخ إحتفالي اجتماعي جذاب، لكن هذه الثقافة تختلط فيها الجوانب العظيمة والجوانب المبتذلة، كما تغدو وسيلة إجتماعية لنشر المخدرات والجريمة في بعض الملتقيات. ومن هنا ضرورة الفصل بين هذه الأنواع وعدم التعميم.
                           

حوار مع العفيف الأخضر

الباحث العفيف الأخضر من العقول النقدية المهمة التي نشطتْ الوعي العربي في عمليات كشف الواقع المتعدد البُنى والأنظمة والتراكيب.
وهو له دائماً قراءاتهُ التحليليةُ العميقة وتبدو الآن متباعدةً ونادرةً ولكنها ثمينة، وكان في دراساتٍ سابقةٍ يغوصُ في تعقيداتِ الهياكل الاجتماعية في عموم الشرق كما فعل في دراسة له في مجلة (قضايا فكرية) قبل سنوات، وقد كنتُ قد تابعتُ أولَ ظهورٍ فكري له في كتابِ (العسف)، عن التعذيب في الجزائر، الذي ظهرَ بعد انقلاب بومدين، فرفقتي معه طويلة!
في آخر مقالة له نشرت في موقع (الحوار المتمدن) وهي بعنوان (لماذا إصلاح الإسلام؟)، نقرأ له طرحاً يدعو لإصلاحِ الإسلام ككل عبر رؤيةٍ عامةٍ مجردة لكنها فيها تفاصيل غنية، ونقتطفُ فقرةً من مقالته رغم طولها لكنها مهمة لعرضِ وجهةِ نظرهِ:
(أمام الإسلام اليوم، أعني صناع القرار المسلمين، خياران: المراوحة في المكان أو الإصلاح. المراوحة في المكان أعطت على مرّ السنين حرباً دائمة مع الذات وحرباً مع العالم وحرباً مع العلم وحرباً مع الحداثة. إصلاح الإسلام يطمح إلى مصالحة الإسلام مع نفسه، ومع العالم الذي يعيش فيه، ومع العلم الذي يحقق اكتشافاً مهماً كل دقيقة بعضها يطرح على الوعي الإسلامي التقليدي أسئلة مُحرجة. ومع الحداثة بما هي مؤسسات سياسية وعلوم وقيم إنسانية كونية أي يسلم بسدادها ذوو العقول السليمة أينما كانوا.
مصالحة الإسلام مع نفسه بوضع حدّ للتكفير سواء تكفير المثقفين أو الفرق الإسلامية الأخرى كالمتصوفة والدروز والعلويين والأحمديين والبهائيين والشيعة…. وبوضع حد للحرب السنية – الشيعية الدائمة التي توشك أن تتحول اليوم إلى سباق تسلح نووي بين إيران وجوارها السني حامل لأخطار الحرب النووية وذلك بقبول الفصل بين الديني والسياسي، مصالحة الإسلام مع العالم تتطلب منه إعادة تعريف عميقة لعلاقته به تُنهي تقسيمه إلى دار إسلام موعودة بالتوسع ودار حرب موعودة بـ”الجهاد إلى قيام الساعة” كما يقول حديث للبخاري يَتَلَقنه المراهقون في دروس التربية الإسلامية في عدة بلدان، مصالحة الإسلام مع العلم تقتضي نسيان الإعجاز العلمي في القرآن وقبول الفصل النهائي بين القرآن والبحث العلمي والإبداع الأدبي والفني).
هذه أفكارٌ مهمةٌ لكنها مطروحة في عرض عام مجرد، رغم تخصصيها الخطاب بالتوجه نحو (صناع القرار)، فصناعُ القرارِ عموماً هم جزءٌ كبيرٌ من المشكلة. وتعبيراتٌ مثل تصالح الإسلام مع نفسه تنقلنا إلى مثاليةٍ غيرِ ماديةٍ تماماً.
التجريدُ والتعميمُ في كلامِ العفيف الأخضر يتركزان في رؤيتهِ تاريخ المسلمين المعاصرين كتاريخٍ عام، ليس فيه بُنى اجتماعيةٍ ذاتِ قوانين، وان تغييرَ حالِ المسلمين يتطلبُ رؤية هذه البُنى، ورؤية كيف تتناقض وتنمو أو تتحطم، وبهذا لابد أن نعرف لماذا كان خطابُ الإمام محمد عبده بهذا الشكل دون ذاك؟ لماذا استطاع محمد عبده أن يكون مجتهداً ولم يستطع الأزهرُ ذلك؟ (لقد خصص العفيفُ عبارةً من مقالته عن محمد عبده).
هذا يتطلبُ رؤيةَ تاريخهِ وتاريخَ البنية الاجتماعية التي جاهد فيها، وكيف كان مثقفاً دينياً مستقلاً بسبب خطاب الأفغاني الذي تبناه وكان خطاباً إسلامياً عاماً مستقلاً، وحيث كان الزعيمان منسلخين من وجهة نظر الأنظمة الشرقية الشديدة المحافظة في ذلك الوقت، ومقاربين للحداثةِ الغربيةِ في بعضِ توجهاتها الديمقراطية التنويرية، لكن هذه الوجهات النظر الإصلاحية ظلت فرديةً وفي سياقٍ ديني تقليدي كذلك.
أما الأزهر فكان تابعاً للقوى التقليدية خاصة المَلكية المصرية المحافظة وقتذاك، وقد ابتعدت القوى الدينيةُ المصريةُ عن أفكارِ المُجاهَدين الشيخين، في حين إن هذه الأفكارَ انتقلتْ وتم تبنيها لدى الوفد، وفي سياقٍ فكري مختلف كذلك، فكرست القوى التقليدية المتعددةُ من القصر الملكي والاخوان المسلمين والسيطرة البريطانية، رغم التباين بينها كذلك، نفسَها ضد الوفد وتطوره، أي ضد انتصار خيار الرأسمالية الخاصة المستقلة الديمقراطية.
هذه عينةٌ صغيرةٌ من التاريخ أقتطفُها لقراءةِ السببيات العامة وتعقيد وتركيب أي مرحلة، حيث واجهتْ القوى التقليدية نموَ الرأسمالية الخاصة المجسدة بالوفد، ثم ظهرتْ الرأسماليةُ الحكوميةُ العسكرية المجسدة بثورةِ يوليو لكي تقومَ بإصلاحٍ اقتصادي كبير، لكن الرأسمالية الحكومية ذات الشكل الدكتاتوري تنتهي بكوارث عادة. وتغدو المشكلاتُ الأكثر تعقيداً في مسائل الديمقراطية وقراءة التراث وتغيير الريف وقضايا الفساد ضرائبَ كبيرةً يجب أن تدفعها القوى الاجتماعية في مرحلةٍ تالية.
من هم صناعُ القرارِ في مصر حالياً ؟! وهل يمكن أن يتفقوا على حلولٍ مشتركة؟
إن صناعَ القرار بشكل كبير هم المسيطرون على الرأسمالية الحكومية كما جاءتهم من الفتراتِ السابقة وكما هيمنوا عليها وأضافوا تغييرات و(خصخصة) زادت الاقتصادَ فساداً وضياعاً، وهم يرفضون الانزياحَ عنها وعن فيوضِها المالية خاصةً!
وهناك الاخوان المسلمون كقوى رأسمالية – محافظة ذات جذور زراعية، ومنذ البداية رفضوا الإرث التنويري الديمقراطي من المجاهَدين الكبيرين السالفي الذكر، ومن الوفد كقوةٍ وطنية، ولكنهم في صراعاتهم الراهنة، وغياب الدكتاتورية العسكرية التي شوهت تاريخهم، أخذوا يبحثون عن أشياء جديدة ويجتهدون، لكن دون المقاربة مع الحداثة الغربية الديمقراطية التي يذوبونها بآليةٍ في الاستعمار دون تفريق عميق ودون قراءات مركبة بين الحداثة والاستعمار.
إن تغييبَ الإنجازات الديمقراطية لدى الوفد والرواد يتحدُ مع تغييبِ الإنجازات الديمقراطية لدى الغرب ولدى الثورة الإسلامية التأسيسية كذلك!
إن الترابط مع الاستبداديات الأبوية خاصة داخل الأسرة، وفي الثقافة، وغيابهم عن رأس المال الصناعي، وهيمنتهم على عامةٍ أمية غيرِ قادرةٍ على التطور السياسي، تجعل قدراتهم كمشاركين في المسئوليةِ النهضوية الراهنة تتجهُ لعدمِ تطوير الأحكام الشرعية والأفكار السياسية باتجاه العقلانية والمساواة والأنسنة.
تعتمد أفكار الأستاذ العفيف الأخضر في مقالته الآنفة الذكر (لماذا إصلاح الإسلام؟)، على التجريد العام وعلى أفكار تنويرية مهمة كذلك، لكنها تنمو داخل ذلك التجريد.
لقد وصلنا إلى تحديد بعض القوى السياسية الفاعلة الأساسية في بُنيةٍ عربيةٍ مركزيةٍ هي البنيةُ المصرية النموذجية لعمليةِ استنتاجٍ تظلُ محصورةً بها، ولا يمكن كذلك تعميمها، من أجل رؤية السببيات الكبرى هنا. وقد رأينا أصحابَ القرار الذين دعاهم العفيف الأخضر لكي يقوموا بتجديد الإسلام وتحديثه.
ورأينا كيف أن الرأسمالية الحكومية المصرية والرأسمالية الدينية المحافظة الممثلة بالاخوان المسلمين، غير قادرتين على تجديد الإسلام، لأن الأولى تتشبثُ بالمقاعدِ السلطويةِ وبإدارةِ المال العام للمواطنين، بلا أمانة، والثانية الرأسمالية المحافظة الدينية التي جاءتْ من أموالٍ أخرى نفطية وبنكية، تظلُ تريد محدوديةً في الوعي الديني لدى المودعين الصغار والعامة التابعة الغارقة في إسلام العبادات، من دون تبصر لما هو أبعد من ذلك، أي لمهمات التغيير في البُنى الاجتماعية المختلفة.
في حين أن القوةَ الثالثةَ وهي الرأسمالية الخاصة فهي أقسامٌ مشتتة، متصارعة، لديها أفكارٌ ليبراليةٌ وتجديدية، ولكنها محدودة الشعبية بسبب عدم اشتغالها فيما يشكلُ الأرزاقَ الواسعةَ لدى الجمهور، أي في الرأسمالِ الصناعي، وبالتالي هي تعجزُ عن إنتاجِ الرأسمال الفكري التجديدي.
أما اليسار فهو أقل قدرة سياسية من إحداث التجديد في الإسلام من الناحية السياسية العامة، لاعتمادهِ على عامةٍ محدودة الوعي ولا تشتغلُ بالتجديد الفكري، على الرغم من مقاربة مثقفي اليسار لتجديد الحياة أكثر من غيرهم وأعمق من بقية القوى. ودور اليسار مهم في تجميع القوى السياسية لمعركة العلمانية وتجديد حال المسلمين ومن أجل الحداثة والديمقراطية، بشرط أن يكون هذا اليسار نظيفاً غير مرتبط بقوى استغلال وفساد!
لكي يحدثَ تجديدٌ للإسلام، أي من أجل إبعاد هذه العادات ومستويات الأفكار التي كرستها القوى المحافظةُ خلال القرون السابقة والزمن الحاضر، لابد من التفاعل الديمقراطي بين القوى السياسية السابقة الذكر، وأن يتم إبعاد هذا المستوى المحافظ وهو الذي شكلتهُ في الواقع قوى استغلال المسلمين، عن الحكم، أي ألا تتكرس تلك القوى كقوى دينية، مهيمنة على النصوص، وأن تتجسد كقوى سياسية مجردة من تلك الملكية المقدسة للنصوص.
القوى الرئيسية لا تريد الابتعاد عن مطلق السلطة ومطلق التحدث باسم الدين. ولا بد كمعركة سياسية أساسية أولى من إحداث هذه النقلة التاريخية! الكراسي الدافقة للمال بين الطبقة الرأسمالية البيروقراطية – الدينية، سواء أكانت كراسي عالية أم كراسي برلمانية أم نقابية فاسدة، هي العقبة أمام تجديد الإسلام وتجديد الأوطان من هذا الجمود!
إن العديد من رجال الدين والتجار ومن المثقفين لو حصلوا على فرص للعيش وافتتاح مصانع أو ورش أو جرائد وغيرها من وسائل العمل، لجددوا رؤاهم واجتهدوا لتطوير الأحكام والأفكار ولكن كيف وهيمنة الدول على الأسواق والمال العام عقبة كبرى دون ذلك؟
من هنا تغدو نضالية اليسار الديمقراطي غير المرتبط بالفساد الحكومي والأهلى على السواء، هي القوة الفاعلة لتحليل أي بناء عربي اجتماعي، فلكل بلد عربي خصائصه ودرجة تطوره وتباين أهدافه السياسية القريبة، ومقاربة مختلف القوى بدرجات اقترابها مع مشروع الحداثة السابق الذكر، ومن دون هذا اليسار الفاعل، النشط، المحلل، فإن كل القوى تدخل في عمليات تجريب وفوضى وتراجع، لا تستطيع أن تستكشف الآفاق السياسية المراد السير فيها.
هذا هو الخيار أما أن يجلس أصحاب القرار لكي يتداوالوا أمر تغيير المجتمع، وإصلاح الدين، فأين يمكن أن يجتمعوا وفي أي فضاء مجرد يحدث هذا الاجتماع؟!
إن بلداً عربياً أو إسلامياً له درجة مقاربة مع الحداثة أكبر من بلد آخر، فتونس أقرب للحداثة من السعودية، ومن غير الممكن توحد المهمات في البلدين، لكن هذا لا يمنع أن كل دولة فيهما تبقى هي القوة المسيطرة كثيراً وكبيراً وأن مشروع الحداثة الديمقراطي النوعي غير موجود في البلدين. وبطبيعة الحال كانت قيادة تونس قد اختارت دولة الرأسمالية الخاصة وأنتج هذا الاختيار تحولات اجتماعية ديمقراطية أكبر بكثير من السعودية، والسعودية اختارت الرأسمالية الحكومية المسنودة بعلاقات بدوية وأبوية محافظة، لكن الرأسمالية الخاصة والقوى الليبرالية موجودةٌ وتنمو وتطالبُ بحريات. مثلما أن تونس لاتزال الدولة مهيمنة ورأسماليتها الحكومية هي المسيطرة.
هذا العرضُ العامُ ينفي الجزئيات المقطوعة عن السياقات، أو أنه يضعُها في أمكنتِها المناسبة، فنحن نثمن حريات تونس الفكرية لكن لا نجعلها مطلقة، وأن البلدين القيمين في تجربتيهما تونس والمغرب، لا يعني إنهما مكتملان في مسألة الحريات الجوهرية، فلاتزال أجهزةُ الدول العميقة تملكُ الكثير وتوجهُ الحياةَ كما تريد.
ثم نأتي لمسائل جوهرية أخرى تفضل الأستاذ العفيف الأخضر بطرحِها في مقالته السالفة الذكر “لماذا إصلاح الإسلام؟”، وأهمها أن يقوم الإسلام بحلِ خلافاتهِ وإنهائها عن طريق اجتماع العقلاء من الطوائف لإزالة هذا الصراع الخطر بين السنة والشيعة الذي يكاد أن يتفجر في الخليج والجزيرة العربية.
هي دعوةٌ مطلوبة ومشكورة، وحبذا لو حدثت مثل هذه اللقاءات، وتكرستْ بلقاءاتِ المثقفين والساسة. ولكن تظل هذه دعوة تجريدية كذلك، فكلُ بلدٍ يواجهُ مهماتِ تحولٍ وصراعاتٍ ملموسة ساخنة مميزة ومختلفة، ومن أهم واجبات اليسار الديمقراطي في هذه البلدان فحص هذه الصراعات وتحليلها وتجميع القوى السياسية حول حلولها بغرض إحداث تحولات باتجاه الديمقراطية والسلام والتطور.
فتأجيجُ الصراعاتِ الطائفية السياسية مؤخراً تم بسبب تصاعد دور العسكر الإيراني وتشديد قبضته على السلطة، مما جعلهُ يؤجج المنطقة ويدخلها في حروب، وهو أمرٌ ليس مضرا بطائفة من الطوائف فقط بل هو عملية إضرار بشعوب المنطقة ككل والبشرية كذلك، وهو أمرٌ لا علاقة بالشيعة والسنة، فهو صراع سياسي على السلطة، ولكن هذا الصراع السياسي يتموه بالصراع الطائفي منعاً لكشفه واستمراراً لوجوده.
وفي هذه اللحظة المفصلية ونحن نزحفُ نحو بركان مفتوح بفعلِ مغامراتِ جماعةٍ غير مسئولة، تغدو عملية مساندة القوى الشعبية الإيرانية المطالبة بالديمقراطية والتنمية والسلام في بلدها، من أكثر المهمات أهمية.
إن مقاربات الشيعة والسنة وبقية المذاهب الإسلامية والأفكار الديمقراطية التحديثية، لا تحدثُ في المجرد، ولا عبر اجتماع حكماء معزولين عن قضايا الصراعِ الملتهبة، بل تحدثُ في مثلِ هذه القضايا، تحدثُ من خلال نضالِهم المشترك من أجل الحياة والسلام، من أجل وقف مغامرات العسكريين، ووقف التدخلات الأجنبية في شئون الدول الإسلامية، ورفع أيدي الدول الشمولية في المنطقة عن الموارد والاقتصاد، وبضرورة توزيع الخيرات المادية على المواطنين ككل، مثل توزيعها على أهل صنعاء وصعدة والجنوب بشكل متساو، وبعدم تحكم فصيل في قضايا الحرب والسلم والثروة، وفي ضرورة النضال من أجل إنتاج الدولة الديمقراطية العلمانية ذات الجذور الإسلامية والمسيحية وغير هذا من المهمات المحورية في حياة المسلمين، التي هي قضايا الوجود السياسي الكبير، قضايا الحياة الفاعلة أو التفكك والفوضى.
أما قضايا الحياة الاجتماعية المعبرة عن تخلف حياة المسلمين قرونا طويلة كقضايا العقوبات غير العادلة وتعدد الزوجات وقضية الجهاد وتطبيق الحدود وغيرها من القضايا، فإنها ارتبطت ببنى اجتماعية مختلفة، كانت ثمار ظروفها الخاصة، ونحن نجد انه حتى الحكومات التقليدية تراجع مثل هذه الحدود والقوانين بشكل متدرج، في حين أن الحكومات العسكرية الدكتاتورية تواصل التشدد في قضايا الحدود بغرض السيطرة على الناس وليس الحفاظ على الشريعة.
ويعتبر الجهاد مسألة مهمة في مقاومة الغزاة ولا يمكن شطبه، وهو مختلف عن الغزو وعن الإرهاب، وقد أسس الجهادُ أمم المسلمين المتعددة، ولكنه ليس الغزو ونهب الشعوب.
إن إصلاح الحياة الاجتماعية للمسلمين مسألة متدرجة طويلة تعتمد على نمو فقه ديمقراطي، متنوع، مجتهد يتابع الظروف والحالات الملموسة للبشر ولا يصدر أحكاماً عامة تجريدية متعسفة، مثل وعي القضاة الدارسين لكل حالة، في ضوء المصلحة العامة، والمعيار هو دور الأحكام في تقدم المسلمين.
إن كل قضايانا السياسية والاجتماعية تعتمد على حل قضايانا النظامية التشكيلية، أي انتقالنا من أنظمة شبه إقطاعية – شبه رأسمالية، تهيمنُ عليها كلها أنظمةٌ رأسماليةٌ حكومية بيروقراطية فاسدة، لا تريد الانتقال للرأسمالية الحرة، بطريقة الغرب الحداثية، وأغلبية المعارضات تعيشُ في الأفق الاجتماعي نفسه، ومن دون وجود قوى يسار ديمقراطية ترفض مثل هذا الخيار، وتجمع قوى واسعة للانتقال الحقيقي للديمقراطية، ستظل التغييرات جزئية ترقيعية.
إن التراكمات النضالية السياسية العامة، والنضالات داخل البنى الاجتماعية، تتواصل في الواقع، وسوف تزداد عبر السنوات القادمة، وسوف تحدث تحولات على صعيد الحكم وعلى صعيد مفارقة الأحكام الفقهية المحافظة كذلك، أمم الغرب احتاجت إلى عشرة قرون لتحولها الواسع، ونحن لا نريد أن نصبر بضعة عقود.
إن الحوار مع باحث مثل العفيف الأخضر هو حوار خصب يفجر شرارات المعرفة ويجعل المحاور يتعلم من مناضل كرس عمره من أجل تطور أمته والعالم.

كلمات الاغلفة        

أهمية الديالكتيك!

لم تستطع الحضارة العربية الاسلامية أن تجذر كلمة مثل (الديالكتيك)، وهي التي تعني رؤية التناقضات في الأشياء باعتبار هذه التناقضات هي المحركة للظواهر السياسية والاجتماعية.
فهناك دائماً نظرة إلى جهة وحيدة، وإلى زاوية صغيرة بدلاً من رؤية التضادات والجوانب المتصارعة والجوانب السلبية في الأشياء الإيجابية، والجوانب الايجابية في الأشياء السلبية.
فحتى في الاستعمار هناك جوانب إيجابية، فالاستعمار يقوم على ضرورة، وعلى مستويات من التطور الموضوعي المختلفة بين الشعوب، فهو يشكل قواعد اقتصادية وثقافية مختلفة عن الماضي، وفي حالة الشعوب المتخلفة الضعيفة تحتاج إلى سنوات كي تستوعب هذه القواعد وتتجاوزها، تهضمها من أجل أن تنفي الاستعمار، أن تستوعب منجزاته الحضارية: السكك الحديد، والعلوم والحرية، الخ.. لكي تكون أفضل منه.
أما الفكر الشمولى المنغلق غير الديالكتيكي فيوجه الناس إلى الجانب المضاد إلى كراهية الاستعمار والعودة للتخلف، أي الانحصار في الحياة لما قبل الحداثة، وعدم رؤية التنوع والانحباس في النظرة غير الموضوعية، والعودة لتراث غير علمي، لا يرى خصوبة التناقضات والقراءة الموضوعية للواقع، ويجعل العرب معلقين في فراغ خيالي وعاطفي.
كل شيء سيئ فيه جانب إيجابي، والظواهر الدينية المنغلقة فيها جانب إيجابي كذلك، وهو العودة للجذور وقراءة الماضي وهو سبب التخلف وسبب التقدم أيضاً.
لقد حاول العرب تغيير أنفسهم بالاستيراد دون أن يغيروا البدلات القديمة التي لبسوها طوال قرون. وعودتهم المرضية إلى التراث هي بسبب سيادة النظرات الوحيدة الجانب، بسبب عدم القدرة على الجمع بين الحداثة والجذور، ولهذا يندفعون إلى جهة وحيدة، إلى زقاق مسدود، ثم يندفعون إلى زقاق مسدود آخر، وتدخل في ذلك عمليات سياسية واجتماعية مركبة، لكن النظرة الوحيدة، المنغلقة، هي أنهم لا يرون الماضي كلوحة مليئة بالتناقضات، فهي ليست فردوساً.
كل شيء فيه تناقض، وكل شيء سيئ فيه بذرة خير، وصراعات العرب في القديم موجودة وهم ليسوا خارج التناقضات، والتطور الإسلامي مليء بالتناقضات التي لم يستطع أن يحلها كلها، كما أن التطور الغربي المعاصر مليء بالتناقضات، والأمم تنمو عبر التناقض، تجمع جوانب إيجابية صغيرة وتراكمها، حسب قدراتها الاقتصادية والثقافية.
كان العديد من المثقفين العرب في الماضي يبحثون عن عالم بلا تناقضات، فيرون السماء والكواكب كمكان يخلو من الصراع، فيحاولون التخلص من أجسامهم، التي يعتبرونها أقفاصاً لأرواحهم، لكي تطير هذه الأرواح نحو الحديقة السماوية التي لا صراع فيها!
ولم يختلف الوعي السائد العربي حالياً عن ذلك، حيث يغدو له الماضي كالجنة التي تخلو من التناقض، كالواحة التي تهفو إليها روحه المعذبة من أسر المادة الحديثة، مثل الكهل الذي يحن لطفولته، ولهذا يريد الوعي السائد آراءً لا تناقض فيها، ولا تنمو، وتتعدل، يريد ماركسيةً تخلو من الأخطاء، وأن تكون نقية، مقدسة، ويريد إسلاماً يخلو من التحول والتغيير ونقد الذات، يريد قومية صافية كالنبع يتوحد الفقراء والأغنياء فيها كأسرة رومانسية سعيدة، يريد مجتمعاً لا يعرف التناقضات والصراع، دون أن يدرك أن الكون كله صراع، ولكن الصراع الاجتماعي والثقافي والديني لا بد أن يجري بشكل حضاري تراكمي، تنمو فيه الإنجازات!