مهدي عامل والوعي بالتاريخ

التنوير الحديث وأقسامه

تنوير هادي العلوي

المثقف العربي الكبير الراحل هادي العلوي من الذين كرسوا أنفسهم لتحليل التراث العربي تحليلاً موضوعياً كاشفاً لجذوره وأبعاده الفكرية والسياسية، في مشروع ضخم موزع على مجموعات من الكتب.
وهادي العلوي هو امتداد لـ(المدرسة) العراقية في بحث التراث العربي، حيث تغلبت على المدرسة المصرية بغزارة إنتاجها وتواصلها، خلال القرن العشرين كله، بسبب تجذر دراسة تاريخ العرب والإسلام في هذا البلد، إذا عرفنا ان العلامة جواد علي قد وضع أسس البحث الموضوعي لهذا التاريخ في مجلداته الكبيرة العشرة عن تاريخ العرب قبل الإسلام. ولكن كعادة العراق فإن العملية تقوم على جهود أفراد أبطال، بسبب فترات القمع الواسعة في هذا البلد.
ويمكن اعتبار حسين مروة هو استمرار لهذه المدرسة بسبب دراسته الطويلة في النجف والعراق، لكن الفحص الواسع والدقيق لهذا التراث حققه هادي العلوي، بشخصه الوحيد المستقل، وكأنه أكاديمية كاملة، وفي ظروف معيشية بالغة القسوة، وفي حياة مليئة بالنفي والتشرد. لا يمكن استعراض عشرات الكتب التي صنفها في حياته، حيث كرس نفسه كلياً للبحث والكتابة وانقطع عن الوظائف، ولم يقبل أجوراً أو مكافآت من جهة رسمية أو خاصة، وعاش نباتياً في حياة زهد وتضحية نادرة.
أهم ما يمكن ملاحظته على قراءاته للتاريخ والتراث العربي هو رجوعه للمصادر القديمة، واعتماده عليها، للوصول إلى رأي دقيق حول أي مسألة فقهية أو سياسية أو فكرية أو اقتصادية أو ثقافية أو لغوية، أي بكل هذا التعدد الاختصاصي المعقد والمركب.
فمسألة الشورى يطرحها بالصورة التالية، فالشورى معناها لديه: «حق مجموع المسلمين في اختيار الخليفة، واستخدمت من قبل المعارضة في كفاحها من أجل خلافة يرضى عنها الجمهور. وانتقلت فكرة الشورى بهذا المعنى إلى الفقه فعدت الخلافة غير شرعية إذا استندت إلى القهر والغلبة.. وهذا رأي أغلبية الفقهاء، وقد شذت عنه فرقتان: الحنابلة الذين أجازوا أن تكون الخلافة بالقهر والغلبة، والشيعة الذين قيدوا الخلافة بالنص» من كتابه (خلاصات في السياسة والفكر السياسي في الإسلام).
في هذه المسألة المحورية في كل مجتمع يقول العلوي: «إن الفقهاء المسلمين تتبعوا بدقة شروط أهل الحل والعقد الذين يشاورهم الحاكم المُنتخب، ويلزمهم ثلاثة شروط: العدالة، والعلم الذي يتوصل إلى معرفة من يستحق الإمامة، والرأي والتدبير المفضيان إلى حسن الاختيار».
وهنا يقول الفخر الرازي: إن أهل الحل والعقد هم العلماء وهم أولو الأمر المطلوب طاعتهم، وأما طاعة الأمراء والسلاطين فغير واجبة، (غير أن الفقهاء عدلوا في العصور المتأخرة عن هذا المبدأ فعدوا الشورى حقاً خاصاً بالاشراف والأعيان الذين منحوا صفة أهل الحل والعقد)، نفس المصدر، ص 48.
ولذا كان تثبيت النظام الوراثي صعباً حسب رأي العلوي في تاريخ المسلمين (وقد عانى معاوية صعوبات جمة في تثبيت حق الوراثة للخليفة وعد إجراؤه في تعيين ولده يزيد ولياً للعهد عودة إلى دين الهرقلية والكسروية، أي إلى الملكية).
وهنا يقدم العلوي مراجعه في هذه المسألة: الاستيعاب لابن عبدالبر، والأغاني، والخوارزمي في مقتل الحسين وكتابه الإمامة والسياسة.
وحتى خلافة عمر بن عبدالعزيز رآها الفقهاء بأنها تشكلت بطريقة خاطئة عبر كونه ولياً للعهد، وقد استخلف بإرادة سليمان بن عبدالملك، ولكن كما يضيف العلوي مستشهداً بسفيان الثوري: (أخذ عمر الخلافة بغير حق ثم استحقها بالعدل).
يحدد هادي العلوي الكسروية التي رفضها فقهاء المسلمين بأنها تتعين بالأمور التالية:
1ـ التصرف الشخصي بالأموال العامة. 2 ـ القتل الكيفي. 3 ـ الانهماك في الملذات. 4 ـ تضييع أمور الرعية والتعالي عليها، المصدر السابق، ص53.
ولكن لماذا تراجع الفقهاء والتيارات السياسية الدينية عن معارضتهم الحازمة للاستغلال والدولة الاستبدادية؟
يقول هادي العلوي: إن ولاية العهد التي كانت مرفوضة في أغلبية الفقه الإسلامي حظيت باعتراف بعض الفقهاء في القرن الخامس الهجري.
(وقد سبق هذا الاعتراف أخذ الفرق المعارضة بنظام ولاية العهد في حالات وصولها إلى السلطة كدولة الادارسة التي أقامتها الزيدية في المغرب والدولة الفاطمية التي أقامتها الإسماعيلية في مصر، ص.55
وهنا ينعطف العلوي ليناقش الوضع العام في التاريخ الإسلامي:
يلاحظ أنجلز أن الحركات الاجتماعية التي قامت في الإسلام تتراجع عن أهدافها كلما وصلت إلى السلطة. والأمثلة التي ذُكرت أعلاه تبرهن على صواب تشخيصه. ولكن لهذا الحكم استثناءات مهمة يمكن أن نتعرف عليها في شخصيات حاكمة مثل علي بن أبي طالب وعمر بن عبدالعزيز أو يزيد الناقص وفي حركة القرامطة في العراق والبحرين نموذج في غاية الوضوح للسلطة التي تتقيد ببرامج الحركة، الهامش ص 55 .
وهنا يمكننا أن نتصور وننتقل إلى تصورات عامة لدى العلوي عن التاريخ العربي الإسلامي، فالقول: إن الحركات الدينية تتراجع عن أهدافها حالما تصل إلى السلطة يبقى حديثاً عاماً غامضاً سواء من فريدريك أنجلز أو من هادي العلوي نفسه، الذي أيد الحكم ثم قدم استثناءات تتمثل في شخوص هامة في هذا التاريخ، ثم انعطف إلى أحكام عامة تنظيرية له فقال: (على أن تشخيص أنجلز لمصائر الحركات الاجتماعية في الإسلام يمكن أن يكون له مدلول آخر في ضوء نظريته ونظرية ماركس حول الوضع الآسيوي، وهو هنا يلمس ما فصله ابن خلدون من خضوع التاريخ (الإسلامي) للدورات. ويمكن بالاستناد على هذه النظريات في الواقع حل إشكالات كثيرة في تاريخ تطور الشرق دون اللجوء على التخطئة الاعتباطية لعلماء عظام)، (فصول من التاريخ الإسلامي، ص 55، 56، الهامش 22).
هنا نعثر على لمحات متقطعة لتصور العلوي عن عموميات التاريخ الإسلامي، الذي لم يقدمه، لأنه كان متوغلاً في الجزئيات والأوضاع الملموسة للظاهرات، فهو لم يناقش مسائل مثل أسلوب الإنتاج الذي ينطبق على التاريخ الإسلامي، وفي العبارات السابقة نلمح ذلك.
والواقع أن حديث أنجلز حول التاريخ الإسلامي غير ممكن الاعتماد عليه بسبب عدم إطلاعه الكافي على مواده ومصادره، وتدور فكرته على أن الصراع الاجتماعي في العصر الوسيط يتخذ له طابعاً دينياً، وبالتالي فإن الصراعات المذهبية هي صراع طبقي بالضرورة، ولكن أنجلز يقصد هنا إن أشكال الوعي في العصور السابقة مرتبطة بزمنها، وليس من الضروري نقل ذات الأساليب إلى العصر الحديث، الذي يقوم فيه الوعي التقدمي بإزالة القشرية المثالية عن الصراعات الاجتماعية ويبرزها واضحة نقية باعتبارها صراعات اجتماعية من دون عباءتها التي اختبأت تحتها طوال العصور القديمة السحرية أو الدينية فيما بعد.
وسنجد أن مفكرين وحركات تستخدم مقولة أنجلز الواردة أعلاه بشكل خاطىء ويضر بالحركات السياسية التقدمية المعاصرة.
أما قول العلوي: إن تشخيص أنجلز يمكن أن يكون له مدلول آخر حول نظريته حول أسلوب الإنتاج الآسيوي، فهنا يتضح عدم وضوح فكرة هادي العلوي لهذه المسائل المركبة عن أسلوب الإنتاج في العالم الإسلامي. فأسلوب الإنتاج الآسيوي هو تعبير خاطىء وعدم حل للغز أسلوب الإنتاج في التاريخ العربي الإسلامي. إنه تعبير يضيعُ فرادة التاريخ العربي، وهذا ما وقع فيه حسين مروة في تشخيصه لهذا الأسلوب.
وقد أوضحنا في مواضع سابقة بماذا تعبر الفترة الجزيرية من التاريخ العربي الإسلامي، ثم الفترة التي تليها وهي فترة النظام الإقطاعي العام التي تبدأ من عصر عمر بن الخطاب، التي لم تنفجر فيها الصراعات الاجتماعية، مع صدى الفتوحات المالي والتوزيع العادل للفيء بين العرب، وفي العصر الأموي والعباسي يتشكل نظام الإقطاع المذهبي المستمر إلى يومنا هذا.
رأينا كيف كان تردد مقولات هادي العلوي حول أسلوب الإنتاج، تعبيراً عن عدم الوصول إلى تعميمات نظرية عن تطور التاريخ العربي الإسلامي. فحديث أنجلز عن أشكال الوعي الدينية التي تعكس صراعات اجتماعية، لا تفضي إلى اكتشاف أسلوب الإنتاج العربي، كذلك فإن (أسلوب الإنتاج الآسيوي) هو خرافة أخرى في عملية البلبلة النظرية لهذا الاكتشاف، أما تطرق هادي العلوي إلى رأي ابن خلدون وإن أنجلز يلمس ما فصله ابن خلدون، فنجد هنا سلسلة من الارتباكات الفكرية، وعلينا أن نفكك خيوطها واحدة واحدة.
إن أنجلز في طرحه للمادية التاريخية، لم يعرف آراء ابن خلدون للأسف، ولكن ابن خلدون من جهته لم يصل إلى المادية التاريخية. فابن خلدون تجاوز كثيراً مؤرخي عصره في مقدمته التي حدد فيها عوامل بشرية لتطور العمران، ولكنه رأى (القانون) العام في صراع البداوة والحضارة، ولم يأخذ صراع أهل الوبر وأهل المدر، الرعاة من جهة، وأهل القرى والمدن من جهة أخرى، كعملية مركبة داخلة في أسلوب الإنتاج، فأسلوب الإنتاج الإقطاعي الذي لم يتبلور بشكل ناجز في المرحلة الجزيرية الإسلامية، أسسه العرب البدو وهم يطيحون بأنظمة العبودية المعممة، المتشكلة منذ فجر التاريخ، لأن التمايزات الطبقية المتحجرة لم تتجذر فيهم كبدو عاشوا حياة حرة، وبهذا فإن الأمر ليس فقط لأنهم بدو استطاعوا أن يستولوا على المدن، ويغيروها، بل لأنهم يحملون أسلوباً جديداً للإنتاج، وإلا كيف نفسر مرحلة أخرى قام فيها البدو: بنو هلال والقرامطة بالغزو لكن لم تحصل سوى آثار الخراب؟! أي أن هؤلاء الأخيرين لم يستطيعوا أن يشكلوا أسلوب إنتاج جديد. فهنا كان أسلوب الإنتاج الإقطاعي قد تمزق واهترأ. ان ابن خلدون يقدم لنا مواد ثمينة لاكتشاف كل ذلك، ولكنه يقف عند الموجات السطحية للتاريخ، عند الملامح الأولى لها، بدلاً من رؤية خطوط القارات، وكان ذلك شيئاً مبهراً في زمنه.
ويحاول المؤرخون و(المفكرون) الوقوف عند هذه الخلطة غير المتفاعلة بين آراء ابن خلدون وبين خطوط عريضة تائهة من المادية التاريخية، فتفسد الخلطة بقسميها.
لكن هادي العلوي لم يستهدف مثل هذه الخلطات، ويكفي المقطع المستشهد به السابق، ليوضح عملية الحيرة الفكرية التي وقع فيها ليصل إلى استنتاجات متقاطعة.
إن التحليل العميق للتاريخ لا يمكن أن يصل إلى قوانين التطور الموضوعية إذا كانت هناك ظلال ايديولوجية معاصرة. أي أن الباحث وهو يحلل التاريخ عليه أن يتجرد من المواقف الضيقة لحزبه، أو التي تنبع من ذاته، ويكتشفه في سيرورته الحقيقية، بغض النظر عن مدى تعاطفه مع الفرقاء المتصارعين في الماضي والحاضر.
والعلوي يمتلك تعاطفاً قوياً وحاداً مع الفقراء وثوراتهم حتى لو كانت سلبية، ويكره الأغنياء وأعمالهم حتى لو كانت إيجابية. وقد انعكست روحية الزاهد الثائر على مواقفه من الشخصيات ومن التاريخ والحركات الفكرية والاجتماعية. ولهذا فإنه ضد الرأسمالية، ويطرح تجاوزها والقفز عليها، ويريد من المناضلين أن يكونوا مجموعة من الزاهدين المتصوفين.
هنا يتداخل الذاتي الشخصي مع الذاتي الحزبي، فرفض الرأسمالية والعيشة بطرقها، يندمج مع الفكرة الشيوعية لهذه المرحلة برفض الرأسمالية والقفز عليها للوصول إلى الاشتراكية، أي يتداخل المسار العراقي بالمسار الروسي، وتُطرح شخصيات عراقية كنموذج للينين، ويأخذ المسار الشيوعي العراقي المسار الشيوعي الروسي، ومن هنا يغدو التراث العربي لوحة لظهور الكفاح الطبقي المتواصل ضد الاستغلال، ويحدث غبشٌ خاص حول العمليات الموضوعية للانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية.
وبهذه المنهجية المضادة لقراءة القوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي، فإن المواد الثمينة والدقيقة في رصد الوقائع الجزئية والظاهرات التحليلية الملموسة، سوف تتشوش مواقعها بعدم رصد اللوحة العامة لمسار التاريخ. أي لعدم رؤية لماذا عجز التاريخ العربي الإسلامي عن إنتاج الرأسمالية والحداثة؟
فقراءة هذا العجز تقود إلى اكتشاف علل التخلف، وخاصة البُنى الاجتماعية الراهنة.

تنوير لويس عوض

تحديث نجيب محفوظ

تنوير نجيب محفوظ

عبدالله خليفة الأعمال الكاملة

عبـــــــدالله خلــــــــيفة الأعمال الروائية والقصصية والتاريخية والنقدية الكاملة في 10 مجلدات

مراجعةٌ للعنفِ الديني

تتشكلُ الدياناتُ القديمةِ على أساسِ القبلية ونموها، التي تبعد عنا الآلاف من السنين، ولكن لا تزالُ مستمرةً فينا، ولهذا فإن صورَ هذه الألوهياتِ المؤَّسسةِ للدياناتِ تتبدلُ بين لحظاتٍ مجردةٍ إلى لحظاتٍ ملموسة تندمجُ في التواريخ وتضاريس البلدان والشعوب.
(أنا يهوه. تراءيتُ لإبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ إلهاً قديراً. وأما اسمي يهوه فما أعلمتهم به. وعاهدتهم على أن أعطيهم أرضَ كنعان، التي تغربوا فيها)، (الخروج 6:6-4).
إن تبدلَ الأسماء هو جزءٌ من تطورِ القبيلة، هو إنعكاسٌ لأطوار الترحل والبحث في زمن ما قبل الحضارة، ثم يأتي دخولها في الحضارة، وتأثرها ببعضِ مرتكزاتها، فتتوجه القبيلةُ للسياسةِ، وتصبحُ القبيلةَ – الدولةَ، وهي إذ تمارسُ ضَبطاً على شعبها الداخلي، ولا نعرفُ حتى الآن أشكاله، تواجهُ عنفاً خارجياً من قبل الدولةِ المصرية، التي تتوجسُ من كثافةِ تجمعِ هذه القبائلِ اليهودية العاملة في أرضِها التي بلغت أكثر من نصفِ مليون إنسان.
الرسالةُ الدينيةُ وصورُ الإلهِ المُنتَّجةِ والقيادة الدينية في هذا الظرف الصراعي، كلها تعبيرٌ عن نموِّ القبائل اليهوديةِ وتضخم السلطة فيها، أي إن الانقسام والصراع والانشقاق مراحل لذلك التطور السياسي الكامن، ولهذا فإن الصورَ الألوهيةَ تعبيرٌ عن هذا التبلور للسلطةِ السياسية المتصاعدة.
إن مرحلةَ الخروجِ تُظهرُ تجريبيةً قبلية دينية سياسية لم تتبلور طويلاً في أسس الحضارة ولا في نص، ولا في عقلية متبلورة بل تعيشُ ترحالية مضنية، ولكن الهدف السياسي موجود وساخن:
(فاعمل بما أنا آمركَ بهِ اليوم. ها أنا أطردُ من أمامكم الأموريين والكنعانيين والحثيين والفرزيين والحِويين واليبوسيين. لا تعاهدوا سكانَ الأرضِ التي أنتم سائرون إليها، لئلا يكون ذلك شركاً لكم، بل اهدموا مذابحَهم وحطموا أصنامَهم، واقطعوا غاباتهم المقدسة لآلهتهم. لا تسجدوا لإلهٍ آخر لأني أنا يهوه إلهٌ غيور. لا تعاهدوا سكانَ تلك الأرض لئلا يدعوكم حين يعبدون آلهتهم ويذبحون لهم فتأكلون من ذبائحهم.(الخروج 34: 11 – 15).
تقومُ أولوياتُ سلطةِ القبيلةِ – الدولةِ على العنف، عبر إزاحة الأقوام الأخرى، وعدم الذوبان في تقاليدِها الدينية والاجتماعية، وعبر هدم مؤسساتها، أي بكلمةٍ واحدة سحق الآخر المختلف، وإذا بقي حياً حراً فيجب من وجهة نظر هذه السلطة عدم التعايش معه.
هناك مسافة كبرى بين القبيلةِ المنتجةِ للعنفِ والزاحفة نحو إقامةِ سلطة على أرض وبين تحققها، فلاب د من فترة قبل السلطة وتتكرسُ فيها نظرتها، وهي رؤيةٌ عامةٌ للشعوب القبلية والأمم، ومن ها فصورُ الإلهِ سوف تصاب بالتعديلات المستمرة لكي تلائم نمو مضامينها الاجتماعية من جهة، وإختلافها عن الشعوب الأخرى من جهة ثانية.
فعلى حسب تقاليد القبائل اليهودية الوثنية، والتي لم تستطعْ العيش الحضاري في مصر لأسبابِ تخلفِ هذه القبائل، فإنها تواصل عبادة أربابها الوثنية القديمة، لكن المرويات اليهوديةَ الرسمية لا تخبرنُا بحالةِ هذه القبائل العبادية الحقيقية، إنها تقدمُ لنا هذه القبائلَ بصورةٍ تجريديةٍ مقدسة، نورانية، رغم بعض الاعترافات الوامضة، التي هي أشبه بفلتاتِ اللسان لكن المعبرة عما هو متوارٍ حقيقي في تاريخها السابق.
إن المرويات القصصية الشعرية اليهودية تقدمُ لنا البطلَ الرمزي هذا، والسماءُ تشاركهُ في صنعِ التاريخ، وتآزرهُ ضد أعدائه، مثل أي بطلٍ محظوظ ديني أو أسطوري، لكن هذه المؤازرة تتم بأدواتِ الوعي السحرية، ومستويات تطوره في النقل وكسب الغذاء والسلاح ورعي الحيوان.
ولكن الواقعَ الموضوعيَّ يختلفُ عن ما يصورهُ البطلُ عن نفسه، أو ما كتبهُ آخرون بعد أزمنةٍ بعيدة، وهم يكيفون تلك التواريخَ لزمنِهم، وينزعون منها أشياءَ كثيرةً هي خارج سياق التوحيد الديني الذي صاغوهُ تَميزاً سياسياً عن غيرهم، لتظلَّ السلطةُ فيهم، ولكي لا يذوبون في الشعوبِ الأخرى، فتذوبُ دولتُهم القبليةُ التي أسسوها، وهو ما ستفعلهُ الشعوبُ الأخرى كذلك وهي تتأثرُ بهِم وتصارعهم، وتطورُ تجربتَها السياسيةَ الخاصة وتشكل دولها.
من هنا شكلت القبائل اليهودية رمزية مقدسة نقية لتاريخها السابق، حيث الآباء يصارعون الحياة الوثنية ويختارون طريقاً آخر، ومن هنا يتم تصويرهم بشكل فردي رومانسي في تلك البيئة الصحراوية القبلية المتخلفة.
وهو أمرٌ مستحيل ومن هنا فلا يمكن أن تكون القبائل اليهودية في مصر غير وثنية، خاصة إن البيئة نفسها تعتمد على تعدد الآلهة وصورها وكثرة المعبودات.
ومن هنا فإن الأسماء المقدسة السابقة تلك تعبير عن هذا التاريخ المتواري، وعن القبائل والجماعات المترحلة والتي لم تكتسبْ تاريخَ عنف سياسي كبير مدون خاصةً، وحين ظهرتْ الكلمةُ المؤسسةُ:(إسرائيل) ظهر مصطلح الصراع العنفي هذا، فالإسم هنا هو عن الإله والإنسان في حالة الصراع العنيف.
إن التجربةَ اليهوديةَ أعطتنا مواداً واضحةً مكتوبة لكيفيةِ التشكل والنمو للبناء القامع العنيف، ثم للانهيار الداخلي الذي سيكون من فعل غزاة آخرين لليهود فيما بعد. وقد بينتْ التجربةُ كيف أن سياسةَ القبائل الساعية للسيطرةِ على مناطق قبائل وشعوب أخرى تعتمد على القوة الدموية، وهو عنفٌ تصورهُ بشكلٍ ديني مقدس، كما تُظهرهُ صورُ الإلهِ المؤسسِ لمثل هذه السياسات، فتلك الصورة الألوهية الراهنة وقتذاك هي المشكلة للعنف، لا أن البشرَ وهم الكهنة والأمراء الكبار هم الذين يصيغونها في لحظة سياسية صعودية لمشروعهم السياسي.
إن الأديانَ القبليةَ تقومُ في المشرق على العنف لأنها تطرحُ التوسعَ وتشكيل دول فاتحة، فيما أن الأديانَ المدنيةَ تقومُ على خلاف ذلك، عبر الدعوة والحوار.
اليهوديةُ شكلٌ مجسدٌ لذلك، ولهذا حالما غدتْ القبائلُ اليهودية قوةً عدديةً كبيرةً وهي تنزحُ من مصر مرعبةً المصريين من تناميها هذا، توجهتْ نحو مناطق الفراغ السياسي، لكنه لم توجدْ مناطقُ فراغٍ، لأن الأرضَ ممتلئةٌ بالشعوب:
(اسمعْ يا شعب إسرائيل. أنتَ اليوم تعبرُ نهرَ الأردن لتدخل وترث شعوباً أكثر وأعظم منك.. فأعلمْ اليوم أن يهوه إلهك يعبرُ أمامك كنارٍ آكلة. هو يدمرُهم ويخضعُهم أمامك، فتطردهم وتبيدهم سريعاً كما علمك يهوه)،(التثنية 9: 1 – 6).
من المؤكد إن هذه الصياغات العنيفة هي صياغاتٌ تاليةٌ عن التجربةِ القبلية اليهودية التوسعية، والتي تمتْ بذات الأساليب المروعة، وهي أساليبٌ كانت منتشرةً بين الدول والقبائل في الحروب في ذلك الزمان ولم يفعل اليهود سوى كتابتها وتسجيلها على أنفسهم، لكن أن تكون هي صياغاتٌ مقدسةٌ مؤبدةٌ عند المؤمنين بها حتى يومنا هذا، فهي التي تمثلُ مجموعةً من الإشكالياتِ الدينية والتاريخية.
لقد تمت فعلاً عمليات الحرق للمدن والإعدامات الواسعة للقبائل والرجال والنساء ونصوص التوراة تعطينا تفاصيل دقيقة عليها، ولكننا نقول بأن الصياغات الأدبية تمت في مراحل تالية ورغم إخضاعِها للتأنقِ في الكتابةِ لكن الحوداثَ الرهيبةَ ظلتْ محفورةً بين سطورِها مؤكدةً إياها حتى وهي مكتوبة بإسم إله.
إن الكهنةَ اليهودَ في مرحلةِ الأسرِ البابلي أو بعد ذلك يكتبون تفاصيلَ العنف، خاصةً في المراحل الكتابية الأولى:
(فنفخَ الكهنةُ في الأبواق، فهتف الشعبُ عند سماعِ صوتها هتافاً شديداً، فسقط السورُ في مكانه. فاقتحمَ الشعبُ المدينةَ، لا يلوي أحدُهم على شيءٍ واستولوا عليها. وقتلوا بحدِ السيفِ إكراماً للربِ جميعَ ما في المدينة من رجالٍ ونساءٍ وأطفال وشيوخ، حتى البقر والغنم والحمير)،(يشوع 6: 20 -21).
الكهنةُ والشعب المخدر بالشعارات الدينية، علاقةٌ تاريخية قديمة بين منتجي النصوص والممسوسين بها، وإستخدام الموسيقى وأدوات التأثير النفسي الحربي والشعارات والشعائر، كلها بغرضِ القيام بالعمليات الحربية الإبادية للخصم، لتنمو العملية السياسية وهي تحرقُ الأعداء.
تسبق العملياتَ الحربيةَ الجوانبُ العباديةُ، فهي المقدماتُ الضروريةُ للتخديرِ والتمكنِ من تحويل البشر من كائناتٍ مسالمة إلى كائنات وحشية، ولهذا فإن كلَ جماعةٍ تصنعُ أدواتها العبادية المميزة، والجماعةُ اليهوديةُ أثناء الخروج من مصر إحتاجتْ لسنوات عديدة لإحداثِ عملياتِ الغسل للعبادات السابقة وإحلال العبادات الجديدة، وجعلها تحوطُ بالبشر في كلِ ناحية، غير قادرين على الإفلات من جزئياتها الكثيرة في الصلواتِ والأحكام والفرائض الإنسانية والطقوس، بحيث تنشىء العقيدةُ سياجاً ملتفاً حول الكائن البشري، توجههُ نحو الخضوع للكهنةِ ورجال الدين والأمراء العاملين لخدمةِ أهداف سياسية معينة.
وأخذت العقيدةُ اليهودية المصاغةُ في فترة الخروج مناخَ الزمن العبودي المطلق، ويتجلى ذلك في صورة الإله المهيمن الكلي في هذا الزمن، الذي هو سيفٌ وبرقٌ وصواعق من السماء، هو روح القبيلة التي فقدت قدراتها العسكرية وتمت عسكرتها، وخلق الأناشيد الحربية فيها، ومناخُ العبودية المطلقة جاء من الحكومات السائدة وقتذاك، حكومات الفاتحين الشرسين وإبادة الخصم وتحويل الشعوب إلى ارقاء.
ومن هنا عملت المسيحيةُ على كسرِ إيقاعِ هذا العنف الوحشي، وجاءت الأناجيلُ متفرقةً متعددةً مختلفة، لتعارض الغزو والحروب والعبودية المطلقة فتؤنسن السياسة، لكن مسارها التاريخي قاد إلى هيمنة الإمبراطورية الرومانية عليها، ثم دُمجَ العهدُ القديم(التوراة وكتبها) بالعهدِ الجديد وهو الأناجيلُ المُعترفُ بها من قبلِ كنيسة روما. فبقيتْ الأقسامُ العسكريةُ اليهودية المفعمةُ بأجواءِ المذابح والعنف الوحشي في الكتاب المقدس المشترك، وغدت تلك الأقسامُ مادةً ثقافيةً مبجلةً لدى الملايين من المسيحيين خاصة وعلى مر العصور، لأن اليهود يقدسونها من باب أولى، وهو أمرٌ شكلَ الثقافةَ الاستعمارية المشتركة فيما بعد، وغذا العنف ضد الشعوب في العالم الثالث.
أفــــــــــــــــــق
عبـــــــدالله خلــــــــيفة

الصحراويون والزرع

كلمات الاغلفة        

قال ابن خلدون عن العرب إنهم قوم غير محبين للحضارة، فكلما أسرعوا إلى مكان أسرع الخراب إليه، وحين فتحوا البلدان حولوا جدران القصور إلى أثافٍ توضع تحت القدور للطبخ وألواحها إلى خشب للنار.
هذا الفهم هو مطلق ولكن لو كان ابن خلدون قد قال إن هذا لا ينطبق على كل العرب بل على الأعراب، على (الصحراويين) لكان ذلك أصوب من هذا التعميم.
وقد قال الشاعر الجاهلي امرؤ القيس (ترى بعرَ الأرامِ في عرصاتهِا وقيعانها كأنه حبُ فلفل)، فشبه البعر بالفلفل، ورفع الجماد والبقايا إلى ثمار زرع.
وتجد ان البلدان التي كانت عامرة بالنخيل والشجر والينابيع تتحول بعد سنين أو قرون إلى صحارى من تحكمهم إلى فلوات، كأن الصحراويين يستدرجونها لطبيعتهم الاجتماعية.
المظاهر العابرة من قصور وأسواق ومبانٍ عامرة تصير بعد مدة إلى خرائب، فهم يحملون طبيعتهم الصحراوية أينما يولوا في أقطار الأرض، وكان النداء الرسولي
الذي حفظوه وما استوعبوه والقائل إنه حتى لو جاء يوم القيامة وبيد أحد غصن لابد أن يكمل عمله ويزرعه، والتوجيه الآخر بأن الأرض الخلاء، الصحراء، ملكٌ لمن يزرعها، وليست أراضي مسيجة وأعطيات تـُعطى.
وفي العصور الوسطى وفي المشاعيات الشعبية الإسلامية كثـُر زرع الأرض الصحراوية، وكثرت القرى حتى صارت بالآلاف، والمؤرخون لا يصدقون ذلك ويعتبرونه من الخيال العامي.
وأيضاً هناك تلك الوصايا الجليلة بضرورة أن يتمدن الأعراب ويكفوا عن العودة للبوادي والصحارى، ولكن كانت الرحلة عكسية فهم يذهبون لبلدان متطورة قليلاً ويجعلونها مثلهم.
يحمل الصحراويون بضاعتهم الاجتماعية وهي الأسرة الكبيرة والأولاد الكثيرون، وكراهية العمل اليدوي ووضع النساء في مؤخرة الخيام، وحفظ النصوص وعدم استخدام العقل والحكم المطلق والعراك المستمر على السلطة أساس إنتاج الإبل والغنم والثروة.
المدن التي يؤسسونها قاحلة، كأنها خيام من حجارة وطابوق، لا يفكرون في المياه إلا لشربهم ولدوابهم، والشوارع خالية من مظاهر الجمال، ويفضلون الأشجار البلاستيكية، أو يقلعونها ببساطة ويدفنون بها الشواطئ، فيضاف قتل الشجر مع قتل البحر، ومن أجل أبنية طابوقية كريهة أخرى.
فظهر استيراد الشجر والنباتات الخارجية التي لا تعيش في المناطق الصحرواية.
تظهر بوادر الكوارث الصحراوية مع التوسع اللاعقلاني في الأبنية على حساب الطبيعة، ومن أجل تراكم النقود وتفريغ الإنسان، محاولة تجميع البشر في بقع ضيقة محاصرة هو من أجل بضعة فلوس من تقليص مصاريف الكهرباء والمياه، ولهذا فإن الكهرباء والمياه هما أول من يشوط في هذه السياسة (الذكية) المقتصدة.
في المدن الكبيرة تقاوم الأنهار والزراعة والثقافة العلمية كالقاهرة الزحف الصحراوي، بصعوبة شديدة، تبدو بعض الأشجار كغابات صغيرة في الشوارع، وتحتضن البنايات كالجدائل، وتصحو العصافير فيها في الظهيرة، ونهر النيل يغذي الجميع، والإرث الحضاري القديم والخصب النهري يقاومان رغم كل شيء، لكن التلوث والسياسة النفعية اليومية وتكوين المدن العربية بشكلٍ صحراوي أضعفت القاهرة.
إذا كانت المدن العربية الإسلامية قد تكونت بشكل صحراوي، أي عبر قرارات الفاتحين العرب لتكون المدينة بقرب الصحراء، فإذا هُزمت القوات رجعت إلى البادية كظهير عسكري لا يُهزم، لكن من جاءوا بعدهم حافظوا على الشكل الانتقالي العابر للمدن العربية، مثلما جعلوا الأشياء الانتقالية والملحقات في الدين ومضافاتها السياسية الكسروية والرومانية بديلاً عن الجوهر الاجتماعي النضالي في الدين.
في تجربة بني عبدالقيس القبيلة الكبرى التي استوطنت إقليم البحرين نجد الصحراويين ينتقلون للزراعة والتحضر على مدى أجيال، ويؤسسون القرى والجزر الزراعية ذات التجربة الأخاذة وهم المحاصرون بين البحر والصحراء، غير قادرين على صنع عاصمة عربية كبرى، فالمدينة لديهم ظلت قرية.
لكن كان هذا أحفل بالعطاء، لأن الحراك الاجتماعي من قبل العامة ظل متدفقاً، ومع هذا فإن البدوي حين يغدو فلاحاً، فهو يجلب عادات البدوي فيه، مثل الكسل والعنف والغزو والرغبة في الحصول على الثروة جاهزة، يعمل قليلاً ثم يترك كل شيء للقدر، والنصيب، وقد فارقوا أفكار الجزيرة العربية البدوية لبدوية فلاحية، قدسوا الأشجار لأنها العيش ثم بصقوا عليها لأن العيشَ جاء من مصدر آخر.
ومع هذا فإن الزراعة لم تنهر بفعل كل هذه العوامل، بل تدمرت عبر فعل (الحداثة) الاستعمارية، عبر جلب كل المنتجات من الخارج، ومن دون رؤية القرى البحرينية – البحرانية كمدن، فتضخمت وتغيرت من دون الأسس التي قامت عليها من قبل الفاتحين العرب، فهي ليست مدناً ومع هذا أقحمَ كلَ شيء فيها.
كانت القرية البحرينية هي صديقة النبع والشجرة، في ذلك الحصار الصحراوي الغباري الحار، ولكن الفاتحين الغربيين لم يفهموا سيرورة المدينة الخليجية عامة، كأنهم في مدنهم الباردة في أغلب فصول السنة، رغم أن ثمة جهوداً منهم في الاهتمام بالزرع والخضرة عموماً.
القرية الخليجية محاصرة بفعل البحر والصحراء، مواردها المائية قليلة، وحين حصلت على كمية كبيرة من النقود لم يُخطط توزيعها بشكل عقلاني بل أقحمت القرية في المدينة بشكل حاد، فقامت المدينةُ المقامة بشكل اصطناعي بإزالة القرية الزراعية، وزاد الأمر حدة حين تحولت المدينة الخليجية إلى مدينة عولمية فيها كل أمم العالم واقتصادياته، ومع هذا فإن الطواقم ظلت صحراوية، وظلت تنظر للزرع والماء والبيئة الجميلة كملاحق تافهة بالمدينة العملاقة الخاوية من الحضارة العميقة.
لاحظ كيف انحشرت مدننا الخليجية العربية على رؤوس البر المتغلغلة بين البحر، وهي القرى التي كانت هاربة من الصحراء والتي تحاول الإطلال على التجارة والانفتاح الخارجي مع وجود خلفية زراعية وراءها، لكن العقليات الإدارية حولتها إلى مدن (كبرى) محشورة في البحر وزادتها بضرب البيئة البحرية وترك الصحارى تزحف على المدن من خارجها وداخلها.

قانون الإنتاج المطلق

لا يكون الإنتاج الروحي إلا من أجل الناس، وبؤرتهم وقلبهم أصحاب العمل والإنتاج، قوى المعاناة والعطاء.
الفئات المنتجة للثقافة هي فئات وسيطة، لديها بعض الغنى المادي وبعض الغنى الثقافي، وتنمو حسب توجهها للناس، وتضحيتها بغناها الشخصي، لأجل أن تزدهر السعادة والغنى عند الأكثرية المنتجة.
وحتى حين كان المثقف ساحراً في العصور البدائية قبل التاريخ كان يشتغلُ من أجل الصيادين، فيرقص ويغني ويقص من أجل أن يزداد الصيد ويتكاثر الإنتاج ويعم الفرح.
وحين دبت الخلافاتُ بين الناس، وصار العبيدُ والأحرار، والفقراء والأغنياء، ظل قانون الإنتاج الثقافي هو نفسه. هل ينتمي المنتج الثقافي للمنتجين، والمعذبَّين، وللأغلبية المنتجة؟
لكن كان أغلبية المنتجين الثقافيين عبيداً في الروح، يوجهون إنتاجهم لمصلحة الأقلية، وبقي الإنتاج الذي انتمى للناس، وذاب إنتاج النفاق والاستعراض. لقد ظل مكتوباً كذكرى مؤسفة على هدر بعض الناس طاقاتهم من أجل النقود، لا من أجل سموهم الروحي.
أنظرْ يا من غيبت نفسك في طوفان الأشياء كيف أن كلمات التوراة والأنجيل جسدت معاناة أنبياء هربوا من الإستغلال وعسف الدول إلى الصحارى كي ينشئوا دولاً حرة، فتسامت كلماتهم وتواريخهم وتوحدوا مع السعادة العميقة والصلبان والزنزانات.
ولعلك لم تقرأ جيداً القرآن وهو كلماتٌ عن نبي رفض أن يخدم الملأ الاستغلالي وفضلَّ أن يكون مع العبيد والفقراء وغيّرَ التاريخ.
لعلكَ يا منْ غيبتَ نفسك وراء الأشياء تظن إن حمايتك من قبل أصحاب النفوذ سوف تعلي كلماتك الباهتة، أو لأنك مررت بتجربة سجن عاصفة وألم كبيرة سوف يحميك هذا الجبل الطيب من طوفان زحفك نحو المعدن الأصفر، فالناس تعرف استمرار مقاومتك لا تاريخك ذلك وتخليك عن أصلك الطيب.
ومهما جئتَ بأصولٍ حاكمةٍ أو أسرةٍ كريمة أو إنتماء لحزبٍ مناضل قدم الشهداءَ الكثيرين، ومهما كان أقرباؤك وأئمتك من جهابذة في الدين والتاريخ، فإن مقياسك هو شخصك ومدى إنتاجك المضيء ونقدك للأشياء السيئة والظاهرات المخربة للإنتاج وحقوق الأغلبية من العاملين.
لا تقل أسرتي وحزبي وأئمتي وقادتي، بل قل ما هو عملي وموقفي الناقد ودفاعي عن شعبي وكفاحي ضد الأخطاء.
والأديب ليست كلماته بمعزل عن قانون الإنتاج المطلق هذا، الذي يتساوى فيه الأنبياء العظام والشعراء الصعاليك، وهو ميزان الحق، فيظن أنه له فترة يجاهد ويتعذب لكي ينير ثم تأتي له فترة خاصة يتكاسل ويبحث عن المناصب ويغدو رئيس جريدة النفاق.
ميزانك هو كلمتك، مدى تحول قصصك وأشعارك ومسرحياتك ونقدك إلى كشافات تفضح مستنقعات الفساد، لا تقلْ إنني أديب ناشىء أبحث عن سبل التعبير والعيارة، ليشتد عودك وتنضم إلى الحرامية، بل أغمسْ مدادك في معاناة البشر ولا تستجدي الشهرة والمال.
لكن الكثيرين اتخذوا الكلمات مطايا، وهدايا، وضحايا، وقادة الفكر وعباقرة الكلمة غدوا مثالاً سيئاً للنشء، وهذا يحدث كثيراً في التاريخ، عندما تقبضُ الطبقة المسيطرة على الكثير من المال فتستطيع أن ترشو بكثرة، لكن ذلك مؤقت، لأن وفرة المال على هذا النحو لا تدوم، بل تدوم حين تستمع هذه الطبقة للنقاد، وترهفُ جميعُ آذانِها للضربات الكلامية والأدبية والعلمية التي توجه لتبذيرها وفسادها وحينئذ تطور سيطرتها وإنتاجها المشرف على الأفلاس بفضل جوقات النفاق والبذخ.
المال اليوم عندك وغداً عند غيرك ، فتذهب للاستلاف، فلماذا تبيع ماء وجهك وكنت عزيزاً، ولا تحفظ كرامتك وهي من كرامة الأمة والناس؟
لا تقل أصلي وفصلي وحزبي وجماعتي، بل قل هي كلمة الحق أوجهها ضد كل مخطئ ومستغل ومبذر، أرفع بها من يسمو إلى المعالي، وأعصف من خلالها بكل من أهدر ثروة الأمة ونشر الأرهاب وغزا الأخوة والجيران ووسع الاستبداد.
كلمتي هي مع الحق والحقيقة، لا مع الخزائن.
ليست كلمتي مرهونة بمديح النقاد وأن يرضى عني رئيس الجامعة والكلية، فأدبج (الدراسات والأبحاث) كما يشتهي رئيسُ القسم المريض، فأعلي من يرضى عنهم، وأخسفُ الأرضَ بمن يكرههم لكي أحصل على الوظائف والمال، فأي علم هذا الذي يكون ذاتياً وجائراً وغير منصف؟
وكيف تنشأ الحقيقة بين جماعات القول الواحد والصوت الواحد، وجماعات نحن مع الزعيم أينما توجه وكيفما قال؟ وهل تـُدار الأوطان والأحزاب بقول الفرد؟
يتباين الإنتاج الثقافي في كل هذه الأنواع في أشكاله وتعابيره، ويتحد في مضامنيه، وفي عصوره السحيقة والمعاصرة، على بعد المسافات والأشكال والأزمان، فكلمة الحقيقة تشق طرقها بوسائل مختلفة، وهي تنمو من خلال الألم الشعبي، تنور صهر الأشكال ووحدتها وتطورها، وفي الفرح والغنى ظاهرات مقاربة حين تتصل بذلك الهم الإنساني العميق.