في مناقشته لندوة بالكويت عن الحضارة العربية تحت اسم كتابه (أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية) يتطرق مهدي عامل إلى حاضر الأمة العربية وماضيها ويطرح بعض الأطروحات محللا التاريخ عبر مناقشة الكتاب والمفكرين الذين ساهموا في الندوة.
ثمة مقولة رئيسية يعتمد عليها المفكر الراحل مهدي عامل وهي أن الأنظمة العربية أنظمة رأسمالية تسود فيها البرجوازية (الكولونيالية) هذه البرجوازية السائدة تؤكد التخلف والتبعية وهي تتويج لـ (التطور) العربي خلال قرون.
(إن الحاضر العربي هو الصورة الحاضرة التي تظهر فيها بنيته السابقة. لأن عناصر البنية ظلت فيها لم تتغير) ص45، (أما أن يكون هذا التاريخ الذي تكونت فيه البنية الاجتماعية للواقع العربي الحاضر يرجع إلى ما قبل عشرة قرون خلت، أي إلى العصر العباسي أو أواخر العصر الأموي فهذا مالا نختلف فيه جذرياً مع الدكتور مصطفى شاكر)، ص45.
يتصور مهدي عامل التاريخ العربي الإسلامي كحقبة سابقة مختلفة عن التاريخ الإمبريالي الراهن حيث التبعية للاستعمار، فتكون البنية مختلفة عن ذلك العصر، فغدت جزءًا من النظام الرأسمالي العالمي وغدت (البرجوازيات العربية هي الحاكمة) ولا ينقضها سوى الطبقات الشعبية العاملة التي تقدر على القطع مع العصر الإمبريالي عبر الاشتراكية.
هذه اللغة الهيجلية المخلوطة بماركسية مشوشة تجرد التاريخ إلى حقبتين وتطرح مقولات مجردة تنسفه.
إن أزمة التخلف تتكشف عن حقيقتها الفعلية كأزمة هذه البنية من علاقات الانتاج الكولونيالية التي هي العائق البنيوي لتطور القوى المنتجة)، ص 51
وفيما الأستاذة الباحثون المنتَقدون في الندوة يطرحون كون المجتمع العربي متخلفاً وأن النموذج المعقول والممكن هو النموذج الغربي الرأسمالي الحديث، يقول مهدي عامل إن هذا الانتقال والتحقق غير ممكن.
مسار وعي مهدي عامل يتوجه نحو اختراع تشكيلات حيث يرى ظهور التشكيلة الكولونيالية حيث يتوحد التخلف العربي برأسمالية تابعة، تنقضها ثوراتٌ اشتراكية.
هذا الاختراع تسببه أفكار الماركسية اللينينية حيث يمكن عبرها اصطناع التشكيلات والقفز عليها.
وبالتالي فإن السياق العربي الإسلامي الإقطاعي يتم القفز عليه وعدم درسه. فما دامت تحولت الأوضاع العربية في مختلف السيطرة البرجوازيات الكولونيالية فلا بد من القطع معها عبر الثورات الاشتراكية وسيطرة العمال.
ومن هنا فهناك عدم قراءة للجذور العربية الدينية الاجتماعية، فلماذا تحدث تحولاتٌ في بعض فترات التاريخ العربي كالفترة النبوية المكية والفترة الأموية الأولى ثم الفترة العباسية؟ ولماذا تظهر حقبٌ أخرى تنقطع فيها النهضات؟
سياق فكر مهدي لا يتابع ذلك، وهذا في سبيل اختراع التشكيلة عنده. ولهذا لا يعر مسار التاريخ العربي الإسلامي، وكيف تظهر فترات التحول العربية الثلاث السابقات الذكر لكون المجتمع يظهر فيه إقطاعٌ مؤسس تحديثي مع فئات برجوازية ذات مصادر مالية، والفترة النبوية الراشدية هي سيطرة سياسية عليا متناغمة مع توسع فئات تجارية وعاملة تخلق النمو التجاري السياسي العريض، وهذا ما حدث في الفترتين التاليتين الأموية والعباسية ولكن من خلال سيطرة إقطاع أسري عائلي، وهذا الإقطاع حين يتوسع ويلتهم فوائض الحرف والزراعة تتقلص عملياتُ عودة الفوائض للانتاج فتحدث الأزمات والتخلف.
والقانون غير المكتشف هنا هو دراسة العلاقة بين هذه التحالفات التاريخية، ومستوى ظهور الفائض الاقتصادي، ومدى عودته أو عودة أجزاء منه للإنتاج، وكم هي عمليات إعادة الإنتاج، وعلاقاتها بالتقنيات والعلوم، وبتحول الطبقات المنتجة في مختلف التشكيلات.
وهذا له علاقة بالعصر الحديث العربي الإسلامي الذي لم يقم بعمليات تغييرات واسعة لهذا الأساس الاجتماعي الديني، وحين تظهر ملامح رأسمالية حديثة من الداخل البنيوي أو من التأثيرات الخارجية فإنها لا تستطيع القيام بتغيير جذري لهذه البنى، وبهذا فإن أساس الأنظمة العربية هو أساس إقطاعي مع ملامح رأسمالية ضئيلة، والصراع بينهما يتحدد خلال طبيعة كل بنية، ومدى سيطرة الكل الإقطاعي أو التوسع الرأسمالي الهادم للإقطاع.
لهذا فإن القول بوجود بنية كولونيالية أمرٌ يفتقد إلى التحليل المادي التاريخي.
إن درس تناقضات البنية الاجتماعية يحتاج إلى الجمع بين قراءة التاريخ الماضوي، والتحولات المعاصرة معاً
ولهذا فإن وجود برجوازية تابعة تمنع القطع مع التبعية الاستعمارية هو أمر غير صحيح، وبهذا فإن التحالفات البرجوازية العمالية ضرورية لهذا القطع ومن أجل التحرر لتشكيل بُنى مستقلة يظل فيها العنصران البرجوازي والعمالي مختلفين متعاونين مشكلين لبنية تتحدد بإنتاجها هي البنية الرأسمالية الديمقراطية الحديثة.
ولهذا لا يمنع من تعدد رؤى الطبقتين وهو أمر يتشكل في سياق النظام الوطني الرأسمالي، وتتشكل قدرته على القطع مع التبعية الرأسمالية بمدى تطور الانتاج وإعادة تشكيل مختلف القطاعات الاقتصادية الوطنية المستقلة.
(يقولون: التخلف يكمن في علاقات الانتاج التقليدية القبلية الإقطاعية الدينية السابقة على عصر الرأسمالية ولا تزال هي العلاقات السائدة في الحياة الاقتصادية والسياسية والفكرية العربية. إذن يبقى العصر هو الحل أمامنا ومستقبلنا)، ص 56
هذا ما يقوله مثقفو البرجوازيات العربية في الندوة ولكنه أوهام بحسب وعي مهدي عامل.
ويؤكد مهدي أن أساس التخلف والعلة هو في هذه الأفكار البرجوازية ونقضها بالمنطق الثوري العمالي هو الطريق الحقيقي للتحول.
هذا المنطق يقطع السياق الموضوعي للتحالف البرجوازي العمالي العربي، ويقطعه لسياقات أخرى مغامرة.
إن التحولات التحديثية الجنينية تُرفض من قبل مهدي عامل، وهذا ما يتيح للقوى الدينية الطائفية والمحافظة سياق العمل والتغلغل والتصدي للحداثة، وكسر التحالف التحديثي، لإنشاء التحالف المتخلف الظلامي فقوى الحداثة تتزعزع، والبرجوازيات حسب قول مهدي عامل تابعات إذن التحالفات الدينية والفوضوية والمغامرة هي التي يتاح لها الظهور والنمو بحسب هذا المنطق.
التنوير الحديث وأقسامه
رتبط التنوير فى التاريخ العربى الكلاسيكي بأحجام واستقلالية الفئات المتوسطة، التى لم تستطع أن تتحول إلى طبقات برجوازية حرة، وتعيد تشكيل المجتمع التقليدي العربي، وقد واجهتها ذات الإشكالية فى العصر الحديث,، ولهذا كانت دائماً تابعة لأشكال الإقطاع السياسى أو الدينى أو كليهما معاً.
ولهذا كان التنويريون الأوائل: عبدالرحمن الكواكبي، ورفاعة الطهطاوي، وغيرهما، والتنويرون فى الزمن المتوسط كطه حسين والعقاد ونجيب محفوظ ولويس عوض، وكذلك التنويرون المعاصرون الذى مالوا لليسار كمحمود أمين العالم وهادي العلوي ورفعت السعيد وجورج طرابيشي وغيرهم.
تواجههم ذات الإشكالية وهى الموقف من التشكيلتين: الإقطاعية الآفلة والرأسمالية الصاعدة، فاتسم الموقف بالتعقيد وعدم الوضوح والإجابات القافزة على الظروف، إلا من بعض الاستثناءات.
وإذا كانت بعض المظاهر الحضارية المجلوبة من الغرب محل ترحيب، فقد كان الترحيب بها من قبلهم، خارج السؤال المحوري، لأن هذه المظاهر حين ترُكب فى بنية إقطاعية لا يعود لها مجرى تحويلي كما لو كانت فى بنيتها الأصلية التى نبتت فيها بشكل موضوعى.
ونريد أن نركز الآن على التنوير عند التقدميين، وهل كان إصافةً للمجرى التنويرى السابق، الذى رأيناه يتصدع بسبب عدم إجابته عن السؤال المحوري، وبالتالي عدم تنامي تحليلاته للبنية الاقطاعية وتردد أدواته فى سبر أغوارها.
فمع اعتراف التقدميين العرب بوجود تشكيلتين متداخلتين في تاريخ الأمة العربية المعاصرة، فإنهم عدوا البنية المعاصرة رأسمالية ذات بقايا اقطاعية، وهذه البقايا لا تحتاج إلى تغييرات جوهرية ولعل الزمن يتكفل بالقضاء عليها.
لكن أحداً لم يتكلم كيف انتصرت البنية الرأسمالية وبأية ثورات، وكيف حدثت الرأسمالية من دون انتصار القوى الرأسمالية ووصولها للسلطة وبالتالي تبدل البُنى الاجتماعية وانتشار ثقافة التحديث بشكل واسع وشعبى؟!
وحين فاجأتهم تيارات التدين احتاروا في تسميتها، فمنهم من أسماها التيارات الأصولية، وآخرون أسموها التيارات الدينية المتشددة، أو الإسلامية المتطرفة.. الخ.
وعزوا انتشارها لأسباب تقنية أو عابرة أو مناطقية، أي أنها ليست جزءاً جوهراً من بُنية إقطاعية تقليدية، حيث إنهم عدوا التشكيلة انتهت عملياً.
ويعبر ذلك عن عدم وعي بالتاريخ العربي الإسلامي، وبمراحله وبناه الاجتماعية، ومستويات البنية الاجتماعية الواحدة.
وقد قاد هذا الموقف إلى أخطاء جسيمة على المستوى السياسى، لأن القوى التقدمية منذ بدء تشكيلها لم تتخذ استراتيجية واضحة صلبة تجاه مسألة التشكيلتين، حدث نشأت فى أجواء ايديولوجية معادية للرأسمالية، وعبر مناخ المنظومة الاشتراكية الذى روّج لوعى ايديولوجى غير علمى. وبالتالي تم تجاهل القوانين الموضوعية لتطور التشكلات، وبسبب ذلك فإن أي عمل سياسى فى ضوء هذا الوعى يغدو كارثياً.
إي أن الخطة الموضوعية في هكذا مجتمعات متخلفة تلتزم بتنمية أدنى الأشكال النضالية وإحداث تراكم تنويرى وديمقراطى طويل الأمد، يؤدي إلى تغيير التشكيلة الإقطاعية.
ولهذا فإن أي خطة لتأييد المغامرات السياسية والانقلابات الثورية الدكتاتورية، مثلها مثل رفض إحداث التراكمية الديمقراطية والنضالية الطويلة، تؤديان الى تغييرات على مستوى النخبة الحاكمة فحسب أو إحداث تحولات فوقية، وبالتالي لا تحدث عملية الانتقال من تشكيله إلى تشكيلة أخرى، أي أن الجماهير تبقى في ذات التخلف، والاقطاع السياسى والدينى يستمران فى الهيمنة عليها.
وبعد أن بات جلياً فشل مشروعات القفز عدنا إلى نقطة الصفر الحضارية. وبعد أن وضح سراب الاشتراكية العربية والمشروعات القومبة التعجيلية التي استعارت القمصان الفاشية، عدنا إلى الاحتلالات وطلب المعونة الدولية لإنقاذنا مما نحن فيه.
وكانت العودة المفاجئة للحديث عن التنوير، وإعادة طبع رفاعة الطهطهاوي والكواكبى.. الخ. وانتشرت مهرجانات التنوير، ولكن هل طرحنا الأسئلة الجوهرية؟ هل استطعنا تجاوز قرن من الضياع الفكرى؟!
استعان التنويرون الأوائل والمتوسطون بالترسانة الفكرية الغربية على درجات من القبول والهضم والتطبيق, وهي ايضاً تجسد مستويات انفتاح وتحرر الفئات الوسطى من الهيمنة الإقطاعية, ولكن التنويرين المعاصرين الذين مالوا لليسار, والذين هم ايضاً جزء من الفئات الوسطى, قطعوا العلاقة مع مسار التنوير, وطرحوا تجاوزه عبر نشر الفكر الاشتراكي, الذي رأوه باعتباره مرحلة نوعية قطعية مع الفكر البرجوازي.
كانت هذه العملية قد نشأ ت كما قلنا بسبب الضباب الفكري الذي سببته ثورة أكتوبر سنة 1٩17, والتي أعلنت الانتقال إلى الاشتراكية.
أي أن الفكر الاشتراكي الروسي هو أيضاً لم يطرح على نفسه السؤال المحوري: هل يقوم بثورته للانتقال من الرأسمالية أم من الإقطاع؟ أي هل ثورته هي ثورة ديمقراطية برجوازية أم ثورة ضد البرجوازية ومن أجل الانتقال الى الاشتراكية؟
إن هذا التشوش الايديولوجي ليس نتاج فرد أو جماعة صغيرة فقط, بقدر ما هو وريث منظومات الاستبداد الشرقية الطويلة, والذي تكرس فكرياً بشكل مذاهب دينية كرست الإقطاع.
ولكن الآثار الرهيبة التي أصابت البلدان (الاشتراكية) بسبب خطأ الإجابة عن ذلك السؤال المحوري, لم يكن بحجم الآثار المدمرة التي اصابت الدول والوعي والتنظيمات العربية, فلقد كانت روسيا وبلدان اوربا الشرقية ذات دول مركزية ولها قواعد حضارية, ولهذا فقد هيأت نفسها عملياً للانتقال الى الرأسمالية بصورة أكبر من بلدان العالم الثالث الأخرى.
ولهذا عندما أعاد السؤال طرح نفسه بصورة البيروسترويكا الجورباتشفية, كانت الأمور قد وصلت الى الانهيار.
لقد كشفت عملية البناء والهدم, ليس فقط خطورة البناء على فكرة خاطئة, وهي الزعم بتجاوز التشكيلة الرأسمالية, بل الخراب الناتج عن تجاهل القوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي. وبغض النظر عن المنجزات الاقتصادية والاجتماعية التي تحققت فكم الدمار الأرواح وانتشار مناخ الاستبداد الذي دمر ثقافة الحرية, وهي المناخات التي هيأت انتصار نمط رأسمالية العصابات والسلبية.. الخ. والتي لا يمكن تجاوزها إلا بالنضال في أطرها وإصلاح الخرابين: خراب رأسمالية الدولة الدكتاتورية ورأسمالية الدولة المافيوية.
لقد تحقق التنوير اليساري في ظل هذين المناخين الفكري والسياسى, ولهذا نجد أن النصف الأول من القرن العشرين, كان مقصوراً بقوة على التنوير الليبرالي بشقيه المبكر والوسيط, ومع اتساع دور دول رأسمالية الدولة القومية الدكتاتورية (ما سُمي بالمعسكر الاشتراكي), أخذ نمطها في الانتشار في الثقافة العربية, عبر الأحزاب الشيوعية العربية والاشتراكية والقومية ودور النشر والمجلات التابعة لها.
ولهذا كانت فترة القطع مع مرحلتي التنويير السابقتين, مؤشراً ليس فقط على تغييب التنامى في التنوير العربى, بل حدوث عملية قطع خارجية, قيصرية لجسم غير حامل, وبدلاً من تنمية العناصر الجنينية في الوعي الليبرالي والديمقراطي العربي, تم القفز الى مهمات سياسية وثقافية أكبر بدون وجود قواعد صناعية وموضوعية لمثل هذه القفزات وخاصة في صفوف الجمهور.
وتجسد ذلك فيما تجسد في عمليات تجاوز الفئات الوسطى, وهي العملية التي تعبر عن فكرة تجاوز الرأسمالية في الحياة العربية, وبالتالي تجاوز أحزابها وعمليات تنويرها, وعدم خلق التراكم التنويري معها, وكان المطروح الافتراضي أكبر من ذلك عبر تشكيل جبهة ديمقراطية تعزز التصنيع والحريات والعلمانية.. الخ.
لكن النموذج الاشتراكي المستورد, خاصة مع سيطرة نسخته الستالينية, كان يقلل من شأن دعم البرجوازيات الوطنية والثقافة الديمقراطية عامة, لأنه وليد الاستبداد.
اذا كان قد هيمن نموذج التنوير الديمقراطي المستورد من الغرب الرأسمالي, في النصف الأول من القرن العشرين العربي, فإنه قد هيمن نموذج التنوير الاستبدادي من الغرب الاشتراكي في النصف الثاني من القرن العشرين العربي.
وكلا الموديلين لم يكونا ممكنين, لأنهما يحرثان في أرض غير أرضهما, أي انهما يغدوان جزءاً من بنية إقطاعية تعيد تخريبهما وتشويههما, وبالتالي يفشلان في تغييرها.
أي أنهما لا يقومان بقراءة القوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي في هذه البنية, قوانين تطور البُنى الإقطاعية الدينية التي استمرت ألف سنة.انهما يجلبان شيئاً من الجاهز, ويقومان بحشره في الواقع الاجتماعي, بدلاً من دراسة هذا الواقع الاجتماعي ورؤية مساراته الإصلاحية الممكنة, وحشد الجهود النضالية لإنجاحها.
ولهذا فنحن في بداية القرن الواحد والعشرين نقف فوق أرض حطمتها المشروعات المستوردة. ولا بد لنا من إعادة النظر العميقة في كل ذلك.
سنرى في وجهات النظر اليسارية البارزة اجتهادات ثمينة لقراءات عميقة ومتعددة للواقع العربي, لا بد أن ناخذها لأهميتها في فحص التراث والبُنى العربية التاريخية, فهنا جهود كبيرة لأعادة النظر في قراءة التراث, فأعمال حسين مروة وهادي العلوي والجابري وجورج طرابيشي والطيب تزيني ومحمود أمين العالم وغيرهم, هامة ولعبت دوراً انعطافياً في الثقافة العربية, ويتشكل التنوير العربي الحديث على الارتكاز على هذه الجهود وجهود من سبقوهم, وفحصها جميعاً ونقدها, والأضافة اليها.
ان عملية الفرز هذه صعبة ومعقدة, لأنها تستند الى فحص ما هو موضوعي عن الاسقاطات الايديولوجية والقفزات الخيالية, وعن النظرات الواحدية, حيث انتشرت الاستقطابية بين الرأسمالية والاشتراكية.
لهذا فإن ما هو ثمين يتعلق بقدرة التنوير اليساري بأطيافه على الوصول الى استنتاجات موضوعية عن التطور العربي, فالذي يقدمه هادي العلوي من حيثيات دقيقة عن تطور البنية الدينية الإسلامية, أي ما يتعلق بحرفها وأفكارها وفرقها ومذاهبها وشخوصها.. الخ. هو فحص هام وعميق ويسند الباحثين التنويريين الجدد في فض الغلاف الأيديولوجي الذي ركبه هادي العلوي والذي يعوق تثمين الاستنتاجات والتحليلات التي قام بها.
وتحدث عملية مركبة من فحص التراث ومسار التاريخ العربي ومن قراءة اسقاطات المؤلف المعاصر وأسبابها, وما إذا كانت ناتجة من مشروعه السياسي المعاصر التسريعي نحو اليسار أو نحو اليمين في حالة الارتدادات التي تنشأ عقب فشل المشروع الأول كحالة جورج طرابيشي.
فقد أدت الاحتفالات العربية التنويرية, وهي ردة فعل على تغييب التنوير في المرحلة السابقة, الى الكفر بأهمية الاشتراكية وحياة الجمهور الشعبي, فتحدث عمليات ارتدادية واسعة, تنعكس على تقوم التطور, وتؤدي الى تثمين أي تطور رأسمالي, دون فحص علاقاته بتغيير البنية الأساسية, إضافةً الى عمليات الاستيراد الجديدة لآخر الموديلات المنهجية, والتي تقوم القراءة الاسترادية والترجمة بالدور الأساسي فيها.
وبطبيعة الحال هذه تقود إلى تصلب يساري مقابل ومضاد, عجز عن تكوين رؤية تحليلية للواقع, ومكتفياً بقشور ايديولوجية تودي الى المزيد من الهزائم الفكرية والسياسية.
ان التنوير اليساري يمثل مرحلة أخرى من التطور الفكري التنويري, وهوغالباً ما يمثل جهود المفكرين المتنمين فكرياً للجمهور الشعبي المستغل, لكنه لا يعبر عن لحظة قطع مع التطور الفكري الديمقراطي السابق, بل هو جزء من هذه العملية المعقدة المركبة لقوى اجتماعية متعددة تعمل على تجاوز التشكيلة الاقطاعية, ولكن من مواقع مختلفة, وبأدوات نظرية متباينة, وقد أدت الخسائر المشتركة لهذه المواقع, إلى رؤية المشترك الديمقراطي, بدلاً من رؤية الاختلاف كما جرى في المرحلة السابقة.
تنوير هادي العلوي
المثقف العربي الكبير الراحل هادي العلوي من الذين كرسوا أنفسهم لتحليل التراث العربي تحليلاً موضوعياً كاشفاً لجذوره وأبعاده الفكرية والسياسية، في مشروع ضخم موزع على مجموعات من الكتب.
وهادي العلوي هو امتداد لـ(المدرسة) العراقية في بحث التراث العربي، حيث تغلبت على المدرسة المصرية بغزارة إنتاجها وتواصلها، خلال القرن العشرين كله، بسبب تجذر دراسة تاريخ العرب والإسلام في هذا البلد، إذا عرفنا ان العلامة جواد علي قد وضع أسس البحث الموضوعي لهذا التاريخ في مجلداته الكبيرة العشرة عن تاريخ العرب قبل الإسلام. ولكن كعادة العراق فإن العملية تقوم على جهود أفراد أبطال، بسبب فترات القمع الواسعة في هذا البلد.
ويمكن اعتبار حسين مروة هو استمرار لهذه المدرسة بسبب دراسته الطويلة في النجف والعراق، لكن الفحص الواسع والدقيق لهذا التراث حققه هادي العلوي، بشخصه الوحيد المستقل، وكأنه أكاديمية كاملة، وفي ظروف معيشية بالغة القسوة، وفي حياة مليئة بالنفي والتشرد. لا يمكن استعراض عشرات الكتب التي صنفها في حياته، حيث كرس نفسه كلياً للبحث والكتابة وانقطع عن الوظائف، ولم يقبل أجوراً أو مكافآت من جهة رسمية أو خاصة، وعاش نباتياً في حياة زهد وتضحية نادرة.
أهم ما يمكن ملاحظته على قراءاته للتاريخ والتراث العربي هو رجوعه للمصادر القديمة، واعتماده عليها، للوصول إلى رأي دقيق حول أي مسألة فقهية أو سياسية أو فكرية أو اقتصادية أو ثقافية أو لغوية، أي بكل هذا التعدد الاختصاصي المعقد والمركب.
فمسألة الشورى يطرحها بالصورة التالية، فالشورى معناها لديه: «حق مجموع المسلمين في اختيار الخليفة، واستخدمت من قبل المعارضة في كفاحها من أجل خلافة يرضى عنها الجمهور. وانتقلت فكرة الشورى بهذا المعنى إلى الفقه فعدت الخلافة غير شرعية إذا استندت إلى القهر والغلبة.. وهذا رأي أغلبية الفقهاء، وقد شذت عنه فرقتان: الحنابلة الذين أجازوا أن تكون الخلافة بالقهر والغلبة، والشيعة الذين قيدوا الخلافة بالنص» من كتابه (خلاصات في السياسة والفكر السياسي في الإسلام).
في هذه المسألة المحورية في كل مجتمع يقول العلوي: «إن الفقهاء المسلمين تتبعوا بدقة شروط أهل الحل والعقد الذين يشاورهم الحاكم المُنتخب، ويلزمهم ثلاثة شروط: العدالة، والعلم الذي يتوصل إلى معرفة من يستحق الإمامة، والرأي والتدبير المفضيان إلى حسن الاختيار».
وهنا يقول الفخر الرازي: إن أهل الحل والعقد هم العلماء وهم أولو الأمر المطلوب طاعتهم، وأما طاعة الأمراء والسلاطين فغير واجبة، (غير أن الفقهاء عدلوا في العصور المتأخرة عن هذا المبدأ فعدوا الشورى حقاً خاصاً بالاشراف والأعيان الذين منحوا صفة أهل الحل والعقد)، نفس المصدر، ص 48.
ولذا كان تثبيت النظام الوراثي صعباً حسب رأي العلوي في تاريخ المسلمين (وقد عانى معاوية صعوبات جمة في تثبيت حق الوراثة للخليفة وعد إجراؤه في تعيين ولده يزيد ولياً للعهد عودة إلى دين الهرقلية والكسروية، أي إلى الملكية).
وهنا يقدم العلوي مراجعه في هذه المسألة: الاستيعاب لابن عبدالبر، والأغاني، والخوارزمي في مقتل الحسين وكتابه الإمامة والسياسة.
وحتى خلافة عمر بن عبدالعزيز رآها الفقهاء بأنها تشكلت بطريقة خاطئة عبر كونه ولياً للعهد، وقد استخلف بإرادة سليمان بن عبدالملك، ولكن كما يضيف العلوي مستشهداً بسفيان الثوري: (أخذ عمر الخلافة بغير حق ثم استحقها بالعدل).
يحدد هادي العلوي الكسروية التي رفضها فقهاء المسلمين بأنها تتعين بالأمور التالية:
1ـ التصرف الشخصي بالأموال العامة. 2 ـ القتل الكيفي. 3 ـ الانهماك في الملذات. 4 ـ تضييع أمور الرعية والتعالي عليها، المصدر السابق، ص53.
ولكن لماذا تراجع الفقهاء والتيارات السياسية الدينية عن معارضتهم الحازمة للاستغلال والدولة الاستبدادية؟
يقول هادي العلوي: إن ولاية العهد التي كانت مرفوضة في أغلبية الفقه الإسلامي حظيت باعتراف بعض الفقهاء في القرن الخامس الهجري.
(وقد سبق هذا الاعتراف أخذ الفرق المعارضة بنظام ولاية العهد في حالات وصولها إلى السلطة كدولة الادارسة التي أقامتها الزيدية في المغرب والدولة الفاطمية التي أقامتها الإسماعيلية في مصر، ص.55
وهنا ينعطف العلوي ليناقش الوضع العام في التاريخ الإسلامي:
يلاحظ أنجلز أن الحركات الاجتماعية التي قامت في الإسلام تتراجع عن أهدافها كلما وصلت إلى السلطة. والأمثلة التي ذُكرت أعلاه تبرهن على صواب تشخيصه. ولكن لهذا الحكم استثناءات مهمة يمكن أن نتعرف عليها في شخصيات حاكمة مثل علي بن أبي طالب وعمر بن عبدالعزيز أو يزيد الناقص وفي حركة القرامطة في العراق والبحرين نموذج في غاية الوضوح للسلطة التي تتقيد ببرامج الحركة، الهامش ص 55 .
وهنا يمكننا أن نتصور وننتقل إلى تصورات عامة لدى العلوي عن التاريخ العربي الإسلامي، فالقول: إن الحركات الدينية تتراجع عن أهدافها حالما تصل إلى السلطة يبقى حديثاً عاماً غامضاً سواء من فريدريك أنجلز أو من هادي العلوي نفسه، الذي أيد الحكم ثم قدم استثناءات تتمثل في شخوص هامة في هذا التاريخ، ثم انعطف إلى أحكام عامة تنظيرية له فقال: (على أن تشخيص أنجلز لمصائر الحركات الاجتماعية في الإسلام يمكن أن يكون له مدلول آخر في ضوء نظريته ونظرية ماركس حول الوضع الآسيوي، وهو هنا يلمس ما فصله ابن خلدون من خضوع التاريخ (الإسلامي) للدورات. ويمكن بالاستناد على هذه النظريات في الواقع حل إشكالات كثيرة في تاريخ تطور الشرق دون اللجوء على التخطئة الاعتباطية لعلماء عظام)، (فصول من التاريخ الإسلامي، ص 55، 56، الهامش 22).
هنا نعثر على لمحات متقطعة لتصور العلوي عن عموميات التاريخ الإسلامي، الذي لم يقدمه، لأنه كان متوغلاً في الجزئيات والأوضاع الملموسة للظاهرات، فهو لم يناقش مسائل مثل أسلوب الإنتاج الذي ينطبق على التاريخ الإسلامي، وفي العبارات السابقة نلمح ذلك.
والواقع أن حديث أنجلز حول التاريخ الإسلامي غير ممكن الاعتماد عليه بسبب عدم إطلاعه الكافي على مواده ومصادره، وتدور فكرته على أن الصراع الاجتماعي في العصر الوسيط يتخذ له طابعاً دينياً، وبالتالي فإن الصراعات المذهبية هي صراع طبقي بالضرورة، ولكن أنجلز يقصد هنا إن أشكال الوعي في العصور السابقة مرتبطة بزمنها، وليس من الضروري نقل ذات الأساليب إلى العصر الحديث، الذي يقوم فيه الوعي التقدمي بإزالة القشرية المثالية عن الصراعات الاجتماعية ويبرزها واضحة نقية باعتبارها صراعات اجتماعية من دون عباءتها التي اختبأت تحتها طوال العصور القديمة السحرية أو الدينية فيما بعد.
وسنجد أن مفكرين وحركات تستخدم مقولة أنجلز الواردة أعلاه بشكل خاطىء ويضر بالحركات السياسية التقدمية المعاصرة.
أما قول العلوي: إن تشخيص أنجلز يمكن أن يكون له مدلول آخر حول نظريته حول أسلوب الإنتاج الآسيوي، فهنا يتضح عدم وضوح فكرة هادي العلوي لهذه المسائل المركبة عن أسلوب الإنتاج في العالم الإسلامي. فأسلوب الإنتاج الآسيوي هو تعبير خاطىء وعدم حل للغز أسلوب الإنتاج في التاريخ العربي الإسلامي. إنه تعبير يضيعُ فرادة التاريخ العربي، وهذا ما وقع فيه حسين مروة في تشخيصه لهذا الأسلوب.
وقد أوضحنا في مواضع سابقة بماذا تعبر الفترة الجزيرية من التاريخ العربي الإسلامي، ثم الفترة التي تليها وهي فترة النظام الإقطاعي العام التي تبدأ من عصر عمر بن الخطاب، التي لم تنفجر فيها الصراعات الاجتماعية، مع صدى الفتوحات المالي والتوزيع العادل للفيء بين العرب، وفي العصر الأموي والعباسي يتشكل نظام الإقطاع المذهبي المستمر إلى يومنا هذا.
رأينا كيف كان تردد مقولات هادي العلوي حول أسلوب الإنتاج، تعبيراً عن عدم الوصول إلى تعميمات نظرية عن تطور التاريخ العربي الإسلامي. فحديث أنجلز عن أشكال الوعي الدينية التي تعكس صراعات اجتماعية، لا تفضي إلى اكتشاف أسلوب الإنتاج العربي، كذلك فإن (أسلوب الإنتاج الآسيوي) هو خرافة أخرى في عملية البلبلة النظرية لهذا الاكتشاف، أما تطرق هادي العلوي إلى رأي ابن خلدون وإن أنجلز يلمس ما فصله ابن خلدون، فنجد هنا سلسلة من الارتباكات الفكرية، وعلينا أن نفكك خيوطها واحدة واحدة.
إن أنجلز في طرحه للمادية التاريخية، لم يعرف آراء ابن خلدون للأسف، ولكن ابن خلدون من جهته لم يصل إلى المادية التاريخية. فابن خلدون تجاوز كثيراً مؤرخي عصره في مقدمته التي حدد فيها عوامل بشرية لتطور العمران، ولكنه رأى (القانون) العام في صراع البداوة والحضارة، ولم يأخذ صراع أهل الوبر وأهل المدر، الرعاة من جهة، وأهل القرى والمدن من جهة أخرى، كعملية مركبة داخلة في أسلوب الإنتاج، فأسلوب الإنتاج الإقطاعي الذي لم يتبلور بشكل ناجز في المرحلة الجزيرية الإسلامية، أسسه العرب البدو وهم يطيحون بأنظمة العبودية المعممة، المتشكلة منذ فجر التاريخ، لأن التمايزات الطبقية المتحجرة لم تتجذر فيهم كبدو عاشوا حياة حرة، وبهذا فإن الأمر ليس فقط لأنهم بدو استطاعوا أن يستولوا على المدن، ويغيروها، بل لأنهم يحملون أسلوباً جديداً للإنتاج، وإلا كيف نفسر مرحلة أخرى قام فيها البدو: بنو هلال والقرامطة بالغزو لكن لم تحصل سوى آثار الخراب؟! أي أن هؤلاء الأخيرين لم يستطيعوا أن يشكلوا أسلوب إنتاج جديد. فهنا كان أسلوب الإنتاج الإقطاعي قد تمزق واهترأ. ان ابن خلدون يقدم لنا مواد ثمينة لاكتشاف كل ذلك، ولكنه يقف عند الموجات السطحية للتاريخ، عند الملامح الأولى لها، بدلاً من رؤية خطوط القارات، وكان ذلك شيئاً مبهراً في زمنه.
ويحاول المؤرخون و(المفكرون) الوقوف عند هذه الخلطة غير المتفاعلة بين آراء ابن خلدون وبين خطوط عريضة تائهة من المادية التاريخية، فتفسد الخلطة بقسميها.
لكن هادي العلوي لم يستهدف مثل هذه الخلطات، ويكفي المقطع المستشهد به السابق، ليوضح عملية الحيرة الفكرية التي وقع فيها ليصل إلى استنتاجات متقاطعة.
إن التحليل العميق للتاريخ لا يمكن أن يصل إلى قوانين التطور الموضوعية إذا كانت هناك ظلال ايديولوجية معاصرة. أي أن الباحث وهو يحلل التاريخ عليه أن يتجرد من المواقف الضيقة لحزبه، أو التي تنبع من ذاته، ويكتشفه في سيرورته الحقيقية، بغض النظر عن مدى تعاطفه مع الفرقاء المتصارعين في الماضي والحاضر.
والعلوي يمتلك تعاطفاً قوياً وحاداً مع الفقراء وثوراتهم حتى لو كانت سلبية، ويكره الأغنياء وأعمالهم حتى لو كانت إيجابية. وقد انعكست روحية الزاهد الثائر على مواقفه من الشخصيات ومن التاريخ والحركات الفكرية والاجتماعية. ولهذا فإنه ضد الرأسمالية، ويطرح تجاوزها والقفز عليها، ويريد من المناضلين أن يكونوا مجموعة من الزاهدين المتصوفين.
هنا يتداخل الذاتي الشخصي مع الذاتي الحزبي، فرفض الرأسمالية والعيشة بطرقها، يندمج مع الفكرة الشيوعية لهذه المرحلة برفض الرأسمالية والقفز عليها للوصول إلى الاشتراكية، أي يتداخل المسار العراقي بالمسار الروسي، وتُطرح شخصيات عراقية كنموذج للينين، ويأخذ المسار الشيوعي العراقي المسار الشيوعي الروسي، ومن هنا يغدو التراث العربي لوحة لظهور الكفاح الطبقي المتواصل ضد الاستغلال، ويحدث غبشٌ خاص حول العمليات الموضوعية للانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية.
وبهذه المنهجية المضادة لقراءة القوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي، فإن المواد الثمينة والدقيقة في رصد الوقائع الجزئية والظاهرات التحليلية الملموسة، سوف تتشوش مواقعها بعدم رصد اللوحة العامة لمسار التاريخ. أي لعدم رؤية لماذا عجز التاريخ العربي الإسلامي عن إنتاج الرأسمالية والحداثة؟
فقراءة هذا العجز تقود إلى اكتشاف علل التخلف، وخاصة البُنى الاجتماعية الراهنة.
تنوير لويس عوض
مثل الناقد والباحث لويس عوض شخصية ليبرالية متماسكة ونضالية على مدى عقود القرن العشرين المهمة عربياً 1914 – 1990.
كان مولده من أسرة مصرية مسيحية ريفية من الشرائح الوسطى، حيث كان الأب موظفا وذا انتماء سياسي عاطفي لحزب الوفد، وجه ابنه نحو الثقافة الإنجليزية. وقد استكمل الابن هذا المشوار عبر دخوله الجامعة واختياره الأدب الإنجليزي ميداناً لتخصصه، وكان معلموه هم أساتذة التنوير والليبرالية الفكرية كطه حسين والعقاد وسلامة موسى.
يعبر لويس عوض بشكل نموذجي عن المثقف الليبرالي الذي كرس نفسه لاستلهام الثورة البرجوازية الأوروبية ونقل تأثيراتها إلى الشرق، وهو بهذا يشارك الرعيل الأول الذي خاض النضال الديمقراطي والوطني منذ بداية القرن العشرين، وأسس تجربة الوفد وتجلياتها السياسية والفكرية المختلفة.
لقد عمل لويس على نقل تأثيرات الثورة الديمقراطية في الوعي والثقافة بشكل خاص، حيث كان معظم إنتاجه أدبياً، ثم توسع في ستينيات القرن 20 لقضايا تطور الفكر المصري ومسائل الاشتراكية وغيرها.
تظللت ليبراليته وخطه الفكري السياسي بنشأته في الطائفة القبطية، وأسرته المنتمية إلى الفئات الوسطى، والمحاطة بمجتمع إسلامي ريفي، تهيمن عليه العلاقات الإقطاعية الدينية، والتي غدت في وعي لويس عوض بأنها (الإسلام).
وبهذا غدت العائلة المسيحية، ومن ورائها العالم الغربي المسيحي، التحديثي، الرأسمالي، هو البديل لمجتمع شرقي ديني إقطاعي، متخلف.
إن البدائل هي الحداثة والعلمانية والديمقراطية، و لا بد في سبيل ذلك من إزاحة هذا المجتمع الديني المتخلف الإسلامي واستبداله مجتمع النهضة والحداثة.
تتكون هذه التناقضات المطلقة بين التكوين الشرقي الإسلامي المتخلف غير العلماني وغير الديمقراطي، وبين التكوين الحديث الغربي المسيحي، من قضايا الاضطهاد التي واجهها المسيحيون في الريف المصري خاصة، يقول في مذكراته: «كنت أسمع هذا الكلام نحو 1923 وأنا في الثامنة من عمري فحفر في وجداني وعقلي آثاراً عميقة وعمق وعيي السياسي للمسالة الطائفية في مصر وخارج مصر.» ويقول لويس عوض: «إن أسماء أسرته مشتقة من التوراة والإنجيل»، ويسيطر عليه على الرغم من عقلانيته وعلمانيته: «إن بعض أفراد العوضية يحسون إحساساً عميقاً ليس فقط بفرعونيتهم ولكن أيضاً بأنهم من نسل ملوك مصر القديمة، وأنا شخصياً ورغم عقلانيتي الشديدة استسلم أحياناً لهذا الوهم..»، (اعترافات لويس عوض، أحمد محمد عطية، أخبار الخليج، 24/7/1990).
إن هذا الصراع الذي يعبر عنه لويس عوض هو نتاج الصراع الاجتماعي الذي جرى في مصر، وخاصة في الريف، من توغل العرب وخاصة القبائل الرعوية، محمية من الأنظمة الاستبدادية للاستيلاء على أراضي الفلاحين الأقباط، وهو الصراع الذي اتخذ طابعاً دينياً، عبر الهجوم على الأقباط ومظاهر عبادتهم، ولجوء الأقباط إلى التمترس في دينهم، دفاعاً عن أرضهم ومصاحهم وتطورهم الروحي المستقل.
واذا كانت المدن المصرية التي ينشأ ويختلط فيها المسلمون والأقباط، فإنها لا تغدو مدينة برجوازية حرة، تبعد الدين عن السلطة، فهي مدن إدارية للإقطاع المذهبي ولهذا فإن لويس عوض يحمل رفضاً لهذا المضمون العميق من الصراع، ولكنه يأخذ في وعيه الصراع بين الإسلام اعتباره ديناً للرعاة وكمنظور متخلف وبين الحداثة القادمة من الغرب المسيحي، كصراع مطلق. إن العرب والبدو والإسلام يأخذون في وعيهم طابعاً واحداً مطلقاً، كما يأخذ الغرب والعلمانية والحداثة طابعاً مطلقاً آخر، وليس بالإمكان لقاء الجانبين.
إن لويس عوض يعد من هذه الفئات من الشرائح الوسطى المسيحية التي بدأت برفض الاقطاع الديني، القادم من بلاد العرب، وقد أخذت هذه الشرائح في بداية القرن العشرين تكون مزيجاً مصرياً مشتركاً في علمانية غامضة الملامح الفكرية والاجتماعية، ولهذا فإن التكوينين الديني والقومي يبقيان غامضين في برنامج حزب الوفد، الذي لا يتغلغل في جذور هذه العلمانية، طارحاً فكرة القومية المصرية، أو الشخصية الفرعونية، وهي كلها محولات أيديولوجية لتشكيل تحالف من شرائح «الطبقة الوسطى» مبهمة الملامح الفكرية.
إن الرعيل النهضوي المصري يتكون في هذا المناخ، وخاصة الجيل الذي أعقب ثورة 1919 والذي كان لويس عوض ونجيب محفوظ وغيرهما منه، وليست روايات محفوظ وأعمال لويس عوض بعيدة عن أصدائه.
ونلاحظ هنا ان العودة إلى التاريخ الفرعوني أو الاقتباس واستلهام الغرب الديمقراطي، لدى هؤلاء في هذه المرحلة، يستبعدان التاريخ العربي الاسلامي، فتمثل تلك الحقب القديمة أو الحديثة، مقصاً لإزالة الحقبة العربية الإسلامية، باعتبارها علة مصر وأساس تخلفها.
إن هذا الوعي لا يشير إلى وجود نهضات عربية ما، وبالتالي لا يرى مراحل واتجاهات وطبقات في التاريخ والوعي العربي الإسلامي، ويحيل هذه التلاوين إلى وجود واحد هو الاقطاع الديني. إن اتجاه نجيب محفوظ ولويس عوض وسلامة موسى إلى التغييب الكلي للزمن العربي الإسلامي، سوف يقابله مستقبلا الحضور الكلي للزمن العربي الإسلامي ممثلا في العقاد وطه حسين وغيرهما.
إن الشرائح الوسطى المصرية في وصولها ومشاركتها في السلطة منذ العشرينيات، أخذت تفقد طابعها العلماني والتحديثي، وليس ذلك لأسباب فكرية محضة، بل لعوامل اقتصادية واجتماعية متنامية في صفوفها، حيث أخذ حزب الوفد يضم أكثر فأكثر شرائح من الطبقة الاقطاعية، وغدت طبقة الأعيان مؤثرة في قراراته وتراجعت فئات «الأفندية».
إن هذا انعكس على توجهات الوفد. التي تراجعت شعاراته العلمانية، وراح النفوذ الديني يتغلغل إلى صفوفه.
لقد أصبحت المعركة لكسب أصوات المسلمين وهم الأكثرية مسألة حيوية للأحزاب والقوى الحاكمة. وقد توجه الاستعمار والسراي الملكي (الاقطاع الحاكم السياسي بجناحيه!) إلى استغلال الاسلام ضد الوفد والحداثة والعلمانية، أي بتحريك الاقطاع الديني الاجتماعي لوقف تصاعد نمو الفئات الوسطى. لكن الوفد دخل المعركة بلا مفكرين يغوصون بعمق في تضادات الموقف وتركيبه.
ومن الممكن أن نرى في آراء لويس عوض نفسه، لوحة تكشف هذه القضية وتلاوينها.
لقد وقف ضد توجهات طه حسين والعقاد ومحمد حسين هيكل لقراءة الإسلام. وقف ضد قراءاتهم جميعاً، ليس لأن هذه القراءات جميعها تمثل موقفاً معادياً للحداثة، بل لأنها تقرأ الاسلام.
إن قراءة الإسلام حسب هذا الطرح ،«العلماني» تمثل نكوصاً نحو التخلف، وهنا نرى مثالاً عن التضادات المطلقة لوعي لويس عوض. ولكن هذه القراءات عن الاسلام متباينة في اجتهاداتها، ففي حين مثلت قراءتا العقاد ومحمد حسين هيكل وعياً يمينياً لتوظيف الإسلام لمصالح القوى الأرستقراطية في المجتمع، مثلت قراءة طه حسين رؤية تقدمية عبر كشفها الصراع الاجتماعي بين العرب وانحيازها إلى القوى المضطهدة والتقدم خاصة في كتابه «الفتنة الكبرى». وبهذا فإن لويس عوض قد وضع الإسلام كما تضعه القوى المحافظة كوعي لمصلحة المستبدين، أي فقد القراءة الموضوعية لرؤية الإسلام في مساره الحقيقي المركب، أي أن العداءين الديني والشخصي تغلبا على العقل في شخص لويس عوض. وهذا المسار الذي كرسه سلامة موسى، لم يستطع لويس عوض رؤيته أيضاً في إبداع نجيب محفوظ، الذي غادر مرحلته التاريخية الروائية، وغادر مرحلته الفرعونية كذلك، حين كتب «الثلاثية». لقد مثلت الروايات التاريخية عند نجيب محفوظ بطولة الفرعون، في حين مثلت الثلاثية بطولة الشعب.
نستطيع ان نقول عن انقلاب لويس عوض على العقاد إنه يمثل مسيرة طبيعية في مسيرة وعيه الديمقراطي، فالعقاد في بدء حياته الفكرية كان هو صوت الدستور والحرية، ولكن منذ سنة 1935 دخل «فأصبح حرباً عواناً على الدستور وحكم الشعب والمدافع الأول عن حكم الصفوة، وتوقف عدائه للإنجليز… وتقارب مع الملك فاروق حتى قال فيه شعراً ونثراً… وأعلنها حرباً عواناً على مجانية التعليم وعلى مطالب العمال والفلاحين..» (أوراق العمر، المصدر السابق، الحلقة الثالثة).
إذاً فإن تضاده مع العقاد يبقى واضحاً، حيث استمر لويس عوض في خطه الوطني والديمقراطي، لكن تضاده مع طه حسين الذي اتخذ مسيرة مضادة للعقاد، والذي بدأ حياته الفكرية السياسية بالهجوم على سعد زغلول: زعيم الرعاع كما وصفه، ثم تحول إلى مناضل ووزير وفدي، هو الذي يكشف طبيعة تنوير لويس عوض الغربي المستورد وغير المتجذر في الإرث الوطني المسيحي الإسلامي.
فعلى عكس لويس عوض قام طه حسين بكشف بعض تناقضات التاريخ العربي الإسلامي، منحازاً إلى جانب التقدم والمضطهدين فيه، في بعض أعماله الأساسية، أي أنه دخل في صميم تغيير جوانب من البنية الاقطاعية الموروثة. أي أن طه حسين من جهته، لم يطرح في الثقافة أو السياسة، ضرورة تغيير جذري للمنظومة الاقطاعية.
إن اتخاذ لويس عوض موقفاً معادياً بشكل جوهري للبنية التاريخية التي شكلها العرب في المنطقة، يجعل تحليلاته واستنتاجاته لنتائج وتطورات هذا التاريخ، غير موضوعية.
ففي رفضه للشعر العربي الكلاسيكي يرفضه بشكل مطلق، معلناً وفاته بعد وفاة أحمد شوقي. وهذه العملية ليست بحثاً مشروعاً عن تطور في الشكل الشعري العربي، ولكنها تتجاوزها إلى محاولة إلغاء النوع الشعري العربي، عبر العودة إلى العامية ونقل أشكال شعرية غربية متعالية على سيرورة تطور الشعر العربي، تجد بعض حيثياتها في قصيدة إليوت. يقول أحد الباحثين عن عمله الشعري والنقدي: «محاولته التنظير وأثر ثقافته الغربية وطغيانها عليه، بحيث جرفه ذلك إلى كثير من التطرف والتعصب اللذين ــ بالإضافة إلى أنه لم يكن شاعراً ــ أديا به إلى إخفاق دعوته وإلى محدودية أثر ديوانه، بسبب ركاكة ورداءة النماذج الشعرية التي نظمها من ناحية، ومن ناحية أخرى بسبب نظم كثير من هذه النماذج بالعامية، كذلك بسبب تكلف كثير من النماذج واثقالها بالإشارات والألفاظ الأجنبية من ناحية ثالثة»، (بحث حسني محمود في مؤتمر المشروع الثقافي للويس عوض، القاهرة، بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيله).
تتوارى هنا كذلك فكرة رفض الجسم العربي الثقافي بكليته. ولكن حتى هذه الفكرة تحتاج إلى غوص في النوع الشعري وفى الواقع، إنتاجاً وتحليلاً، وهذا ما لم يفعله، ولهذا فان النوع الشعري البديل لكل النوع الشعري العربي لم يتجذر، لأنه مغامرة في الهواء.
إن لويس عوض وهو يعيد إنتاج علمانية سلامة موسى المغربة، أي التي لا تتغلغل في الإرث العربي الإسلامي المسيحي، لكي تحصل على مواقع متجذرة في الانواع الفنية، لا يستطيع أن يكونها، لأن ذلك يفترض عكس ما يريد وهو دخوله إلى الجسم العربي الإسلامي المرفوض لديه. أي ايجاد ديالكتيك داخل هذا الواقع والتراث، ومن دون وجود سمات متضادة، يستحيل حدوث صراع ونمو وتجاوز.
إذا أخذنا رأياً سياسياً مباشراً منه هنا، سنأخذ رأيه في أحمد شوقي، بعد أن نضج وكتب ذلك في كتابه السابق ذكره، فيقول عنه: «وقد بلغ من سخافة أحمد شوقي انه أنشد في تمجيد انتصار مصطفى كمال في معركة جاليبولي:
الله أكبر في الفتح من عجبِ يا خالد الترك جدد خالد العربِ
فحاول إحياء رموز الفتوحات الإسلامية في وصف قائد معركة وطنية بحت، اشتهر بعلمانيته المتطرفة وبأنه صاحب الدعوة الطوارنية الذي صفى فكرة الجامعة الإسلامية عندما صفى الامبراطورية العثمانية والخلافة العثمانية وادار ظهره للعرب الذين قاتلوا تركيا تحت لواء الإنجليز في الجزيرة العربية، ص 227.
إن أحمد شوقي ينطلق في قصيدته من موقف تقليدي في رؤيته للإسلام وتاريخه، ولكنه يراه كشكل تحرري من الغزاة الغربيين وغيرهم، ولهذا يمدح كمال اتاتورك كقائد وطني تحرري مسلم، وكان يُفترض في علمانية اتاتورك أن لا تناقض إسلاميته، ولكنها كانت علمانية (مغربة) أي على نمط غربي شكلاني، أي أنها تأخذ العلمانية كأشكال في جوانب رئيسية منها، ولا تتجذر في الواقع الإسلامي، أي أنها لا تفصل بين الدين كسيطرة اقطاعية وسلاطينية، والدين ككفاح شعبي.
ولهذا فإن ذهاب أتاتورك الجيد إلى أوروبا لم يكن يناقض فكرة الجامعة الإسلامية، وحتى من الناحية الاقتصادية العملية كان التوجه بشكل كلي غرباً مضراً على المدى البعيد.
ولكن العلمنة التي يصفها لويس عوض بأنها (بحتة) هي استمرار لنهج الإدارة العسكرية الاقطاعية التركية في التوجه الشكلي للحداثة دون رفدها بثورة ديمقراطية اجتماعية توزع الأرض على الفلاحين وتشكل تعددية الخ…
ويقول لويس عوض: إنه كان متحمساً لقصيدة شوقي في شبابه، ولكنه الآن يحكم عليها بالحكم السابق، وهذا يوضح إن أحكامه الفكرية لم تتجذر تجاه شوقي وتجاه العلمانية.
ومن هنا نقرأ نقده لثلاثية نجيب محفوظ السابق الحديث عنها، وهي التي تمثل خطاً مضاداً للويس عوض، فمحفوظ انعطف بأدواته التحليلية إلى الرواية، وإذا كان الزمن الفرعوني ظل لديه كقبس متوارٍ، إلا أن الشعب أخذ يحتل ساحة وعيه الفكرية، وقد راحت الفئات الوسطى، والوفد وسعد زغلول، تحتل مكانة القيادة لهذه الساحة، وبهذا فان الواقع الحي راح يفرض هيبته على الوعي المسبق. وفى موضوع الثلاثية، فإنها نقد واسع للنظام الإقطاعي بسلطته المتعددة: الإنجليز، والقصر، والاقطاع المنزلي الذي مثله السيد أحمد عبدالجواد، ويغدو التفكك السياسي على مستوى البلد، متوازياً مع التفكك الإقطاعي داخل منزل السيد أحمد. ويترافق ذلك مع صعود الفئات الوسطى، بشرائحها الايديولوجية. السياسية المختلفة: الوفد، الاخوان، الماركسيون.
لكن لويس عوض استغرب من عدم ظهور ثورة 23 بصورة حرفية في الثلاثية، وكأنه يريد صورة فتوغرافية وليس تجسيداً عميقاً لتحولات جوهرية. وبهذا فإن الوعي التحديثي العلماني لدى محفوظ يتغلغل في مادة الواقع، أخذاً في مشرطه المسلمين والمسيحيين والطبقات والوعي المختلف في نسيج وطني متباين. وبهذا مثل ذلك شكلا مغايراً لعلمانية لويس عوض المتغربة.
نكتشف عبر الجوانب الإيجابية التي طرحها لويس عوض عبر العلمانية والديمقراطية والتحديث التي أصر عليها، جوانب أخرى تمثل نقصاً هي بمثابة الإشكاليات التي عاشتها هذه المفاهيم.
وتعود مختلف هذه الإشكاليات إلى موقف لويس عوض الوطني المتشدد، الذي يرى مصر في نسيج تاريخي وثقافي ولغوي مختلف عن العرب، ومنفصل كلياً عنهم.
ففي كتابه «مقدمة في فقه اللغة العربية»، والصادر عن دار سينا للنشر، 1980، ط 2، يوضح آراءه، فيقول: إن العرب ليسوا من الجزيرة العربية بل هم مهاجرون من منطقة القوقاز، وبالتالي هم آريون، وجذور لغتهم من اللغات الهندو- أوروبية، وإن مصر وشعبها قبلهم، وإنهم هم الذي اثروا عليهم وطوروهم. وإن الكثير من كلمات اللغة المصرية دخلت العربية.
والواقع ان الآراء مختلفة في أصل العرب، فهناك نظرية تقول بمثل ما يقول لويس عوض، وهناك نظريات أخرى تقول بسكنهم الجزيرة وإن الشعوب السامية كالبابليين والكنعانيين هم من الجزيرة العربية، وهي أمور أكدتها الآثار والأبحاث المختلفة، أما الأصل البعيد الذي يستغرق آلاف السنين فهو أمر جائز لكنه غير مبرهن عليه. لكن من الغريب أن نجعل هذا الأصل البعيد جذراً لاختلافات اجتماعية وسياسية ودينية راهنة.
أما الأمر المؤكد والعياني والذي ينكره لويس عوض فهو ان العرب المسلمين لعبوا دوراً تحويلياً نهضوياً كبيراً أعادوا به تشكيل المنطقة، وجعلوا المسيحية الشرقية جزءاً من التشكيلة الاجتماعية الإسلامية العامة، أي من البناء الحضاري التعددي والمتنوع في المنطقة، كالعديد من المكونات الأخرى: اليهودية، والزنجية والهندية، التي تم ضمها واستيعابها في قوانين حضارة العصر الوسيط، التي عرفت الإدغام والضم، أكثر من التداخل الديمقراطي، والتلاقح العضوي.
ولم يتحول كتاب «فقه اللغة العربية» إلى قراءة لهذه الحضارة العربية الإسلامية المسيحية الخ.. بل هو يعيد إنتاج الصراعات الدينية بشكل (علمي) حديث، ويتجلى هنا ذلك التضاد المطلق الذي أشرنا اليه منذ البدء، وهو التضاد بين العرب والإسلام من جهة وبين الحضارة والحداثة من جهة أخرى، وهو يدخل في القطب الأخير مصر، حيث هي أيضاً في تضاد مع العرب، ولكنه لا يدخل زمنها العربي الإسلامي الوسيط ليحلله ويكشف عناصره المتضادة، بل هو ينفيه كلياً.
أما التحليلات الموسعة فهي لحضارة الغرب التي نثمن اهتمامه بها ونقله لآثارها الإنسانية العظيمة، وخاصة للعصر التنويري الذي انشغل به لويس عوض وقدم عنه كتاباً هاماً، لكنه لم يأخذ كذلك الفكر الغربي كتكوينات متضادة، فهو يقف عند فكر عصر النهضة، ولا يقوم بتحليل العصر الامبريالي الغربي.
وهو اذ ينتمي لتيار الاشتراكية الديمقراطية الغربية، فهو يغدو رائداً لمسيرته الديمقراطية الاجتماعية، والتي تتجلى بتاريخه السابق في العهد الملكي، كذلك باستمرار نضاله من أجل الديمقراطية في العهد الجمهوري العسكري، والتي يدفع فيها من عمره سجناً وحصاراً معيشياً وغربة، ولكنه لم يتنازل عن آرائه فضرب مثالاً عظيماً للأجيال.
وتمثل عملية اعتناقه للفكر الاشتراكي الديمقراطي كذلك استباقاً لتحولات العالم والمنطقة، وهذه تحتاج إلى دراسة متفحصة في الواقع، لأنه في سنواته الأخيرة قدم مجموعة من الأعمال الفكرية التي تتناول تيارات العصر الحديث وجوانبه الأدبية.
ولهذا فإنها بحاجة إلى وقفة أخرى.
وعموماً فإن القراءة للجوانب الإيجابية والسلبية تستهدف الوصول إلى صورة موضوعية عن رائد كبير للوعي (العربي) الحديث.
تحديث نجيب محفوظ
يرى نجيب محفوظ التيارات الفكرية وتاريخ المنطقة الديني من خلال الحارة المصرية، فهي المستودع الذي تعيش فيه تمثلات الفلسفة العالمية وانعكاساتها وحكايات الأنبياء وأصداء صراعات العالم.
ولهذا فتاريخ العرب وحضارتهم لا تتشكل عبر أعمال خاصة، بل هى موجودة كأصداء فى شخوص الحارة حين تظهر نماذج الدينيين. وقد سبق لمحفوظ أن ساير السينما المصرية في تصور العرب باعتبارهم البدو الذين يعيشون في صحراء سيناء، كما فعل في الفيلم الشهير الذي أعده كسيناريو للسينما باسم (عنترة وعبلة) في أواخر الأربعينيات، وهكذا كانت قبائل الجاهلية تتكلم باللهجة البدوية لعرب سيناء!
ومن هنا كانت رموز التراث التي تظهر لأبطال الحارة أثناء صراعاتهم الداخلية والعامة كما جرى الأمر في رواية (ثرثرة فوق النيل)، فهي رموز من التراث الفرعوني، الذي هو باعث للهمة وللنهوض (القومي). وفي الوعي المصري الليبرالي كان التفريق بين الوطني والقومي غير واضح.
إن رواية (ثرثرة..) تواصل خط الرواية الفلسفية الذي اتبعه محفوظ، وبطلها الرئيسي هو إنسان مسطول (أنيس زكي)، ويعيش مع شلته فوق ظهر عوامة على النيل، وهي رموز واضحة لمصر أو للقاهرة على وجه الخصوص، ولكن اختيار بطل مسطول ولديه ماض وطني مقموع أو مغيب، هو شكل التجلي للرؤية الليبرالية المقموعة في العهد الناصري، والتي تبحث عن انثيالاتها وتداعياتها من خلال مونولوج البطل المسطول وجماعته من المدمنين السكارى
الغارقين في المتع والنشوات و(الأنس).
وفى حين كان الخارج يتحدث عن معارك (الاشتراكية) والتأميم، وإزالة الطبقات وضرورة تطوير الوعي، كان الأمر في العوامة يجري على نقيض ذلك، حيث كان تغييب الوعي وسحقه، والانقطاع عن معارك الخارج كليةً.
بل إن الخارج نفسه كان متناقضاً ففي حين يتم الحديث عن فوارق الطبقات كانت الطرقات تكتظ بالسيارات الخاصة، ص72.
فلماذا كان هذا التباين الشديد بين الخارج والداخل، بين ما يجري في الدولة وما يجري في العوامة (مصر) ؟ ما الذي يوحد (الاشتراكية) بالحشيش ؟!
ان البطل المركزي الذي تجري الرواية حول تداعياته هو موظف عتيق، يشبه فى عمره ووظيفته الكاتب محفوظ نفسه، ولكنه لا يكاد يفيق من إدمانة سواء في العوامة أم خارجها، وتجري الانثيالات في أحيان عديدة حول الماضي وأمجاده، في حين ان الحاضر هو كابوس!
كابوسية الحاضر تتجلى في الشخوص التي تحضر العوامة وتمارس طقوس الغياب والفرح الفارغ، وهي شخصيات طفح بها واقع العوامة المصرية في ظل الدكتاتورية الوطنية العسكرية، فهي نماذج من الكتاب والصحفيين والفنانين والفنانات المتسلقين والانتهازيين، الذين خلوا من أي فكر أو فن عميق، حيث يمارسون ترديد الشعارات عن الاشتراكية والتقدم في الخارج، ويمارسون تذويب ما بقي من شخصياتهم في دخان الحشيش، وقد غدت العوامة غرزة من الغرز؛ وكأن مصر قد منع فيها التفكير وانطفأت جذوة الوعي والحوار.
إن النقد العميق للشمولية، والذي يجري من جهة السلب فقط؛ والذي يقارن بعهد الحريات الفكرية السابق الغائب في ومضات لا تكاد تُسمع في هذيان البطل، أو بعهد النهضة الفرعونية، ان هذا التقد يتخفى ويتوارى كثيراً، فهو الصوت الديمقراطي الروائي شبه الوحيد في علم الصحافة الرسمية الجماهيرية (حيث تُنشر الرواية على حلقات في جريدة الأهرام: المتحدث الرسمي بلسان الانقلابيين العسكريين).
إن عدم رؤية نجيب محفوظ أي جانب إيجابي في ثورة يوليو 52؛ هو بطبيعة الحال عملية ناتجة من المنهج الفني التجريدي العام، الذي يقولب التجربة الإنسانية في قوالب رمزية متضادة، أي ليس هو منهج تحليلي فني يغوص في تضادات التجربة الملموسة، بل هو يسقط عليها آليات وعيه الليبرالية في تضاداتها المطلقة فهناك: اما حرية وإما استبداد، اما ديمقراطية وإما دكتاتورية، اما تقدم وإما تخلف الخ، أي لا يرى ان هذه التضادات ليست مطلقة، بل متداخلة، وان الإيجابي والسلبي في كيان واحد متصارع، وان مصر ليست عوامة فقط بل مصنع وسد ومعارك، تقدم وفساد… الخ.
ولهذا نرى البطل المحوري ذا الماضي الوطني، وهو صدى سوف يتكرر بشكل عام، ينسحب كلية من الصراع، ويتلاشى وعيه في سحابة كثيفة من المخدر.
لكن ليس هذا التصوير السلبي مطلقاً، فشخصية صحفية شابة ناقدة وواعية (سمارة بهجت)، تتغلغل في هذه العوامة وتفضح رموزها، ولكن الفضح يتجه لكي يستعيدوا وعيهم ويناضلوا، ولكن بأي اتجاه؟
بالضد من هذه الشخصيات السلبية والفاقدة للوعي، هناك حارس العوامة (عم عبدة)، تلك الشخصية الشعبية المتوارية واللغز، التي تمسك بيديها حبال هذه العوامة وتستطيع أن تدعها تغرق في النيل، وهى رمز لشخصية الشعب، وجذوره المصرية القديمة، ولتنوع هذا الشعب وعمره المديد وتضاداته الأخلاقية وصبره ونضاله اليومي الصبور الدؤوب، بعكس فئات وسطى عديدة ثقافية غارقة في التفاهة.
وفي هذه الرواية الساخرة الناقدة هناك عشرات من الموتيفات التي ترجع لتاريخ مصر القديمة، وكلها تنثال من خلال لا وعي الحشاش الأكبر أنيس زكي، فيجمع محفوظ النقد المرير بالضحك والفرجة، وهي تقنية شديدة المكر.
لهذا فإن شخصية الدكتاتور هي الحاضرة كثيراً في تداعيات أنيس زكي، وهو شخصية مثقفة مولعة بالتاريخ، ولهذا فلا تناقض بين عمليات استرجاعها لشخصيات وكلمات مثل نيرون والفاشية والفرعون الطاغية.
يقول فى أحد السطور: إنه لم يكن عجيباً أن يعبد المصريون فرعون ولكن العجيب أن فرعون آمن بأنه اله، ص23 .
ويواصل نقد التجربة:
(كل قلم يكتب عن الاشتراكية على حين تحلم أكثرية الكاتبين بالاقتناء والإثراء وليالي الأنس في المعمورة. .)،56.
ويبكي فرعون وهو في أسر قمبيز الفارسي الغازي قائلاً عن أحد جنوده: هذا الرجل! طالما شهدته وهو في أوج أبهته فعز عليّ أن أراه وهو يرسف في الأغلال!
وياتى البديل على شكل ساخر بأن يقوم هؤلاء الحشاشون بتنظيم أنفسهم وكيف يحققون الاشتراكية على أسس شعبية ديمقراطية لا زيف فيها ولا قهر..، ص 100.
ويوجه محفوظ خطاباً غير مباشر في الرواية إلى جمال عبدالناصر حيث يقول على لسان حكيم مصري قديم:
(ما هذا الذي حدث في مصر/ إن النيل لا يزال يأتي بفيضانه / إن من كان يملك أضحى الآن من الأثرياء) ثم تأتي الرسالة:
(لديك الحكمة والبصيرة والعدالة/ ولكنك تترك الفساد ينهش البلاد/ انظر كيف تمتهن أوامرك / وهل لك أن تأمر حتى يأتيك من يحدثك بالحقيقة ؟) ص 126.
ويتضح المنهج الترميزي التجريدي في تصويره للشعب من خلال نموذج بواب العوامة، فوضع الشعب داخل قالب شخصية متفردة، مهما كانت عملقتها، لا يستطيع أن يكشف دورها الحقيقي وتناقضاتها وتراكم الوعي والمواقف فيها.
ولكن هكذا كان الشعب لدى محفوظ خلفية لمواقف الفئات الوسطى، حيث تكمن القيادة لديها.
إن الرواية التي انعكس فيها تاريخ المنطقة الديني هي رواية (أولاد حارتنا)، وهي الرواية التي أثارت الضجة، وكما نرى فإن وجود كلمة حارتنا، يشير إلى أن هذا التمثُل المستمر للواقع أو للتاريخ الديني والفكري، عبر الحارة وموتيفاتها وأجوائها. وهو أمر سيكرره محفوظ أيضاً في روايته (الحرافيش).
وموتيفات الحارة الشعبية كمهنها وأوقافها ومقابرها… الخ، هي عملية تحليل طبقية أخذ محفوظ يشكلها بدءاً من رواية (زقاق المدق)، ونظراً لتركيزه على الفئات الوسطى، التي لها دور محوري قيادي يعكس الرؤية الليبرالية التى يؤمن بها، فقد جعل هذه الفئات فى مقدمة المشهد الروائي، وتمثل خياراتها الأخلاقية والفكرية جوهر الصراع الروائي.
لكن العملية الروائية بتوسعها المستمر لتحليل أزمة هذه الفئات الوسطى، وعجزها عن إعادة تشكيل المجتمع المتخلف باتجاه الحداثة والتقدم، كان لا بد للكاتب من البحث عن سر فشلها، وهنا لا بد من بحث علاقاتها مع الشعب العامل، مادة هذه الفئات الوسطى البشرية، في إعادة تشكيل الحارة المتخلفة، أو عوامة الغياب.
لكن محفوظ نفسه لا يمتلك تجربة في التعامل مع العمال والفلاحين، فى مصانعهم وحقولهم، ولهذا فقد راح يحللهم من خلال شخوصهم التي دخلت الحارة. ولهذا فإن المادة البشرية المتنامية عنهم تأخذ في التوسع والتبدل، لكنهم يظلون كجمهور خلفي، أو كرمز للشعب أو التاريخ القديم، فلا يتدخلون كقوة اجتماعية فاعلة مغيرة لنماذج الفئات الوسطى الحائرة والمتصارعة.
إن اتساع وجودهم نلحظه في الثلاثية بدلاً من الروايات التاريخية التي كان فيها الشعب أشبه بالعدم، ثم يتنامى هذا الحضور في الروايات الكبيرة (الملحمية): أولاد حارتنا، والحرافيش.
ولكن تظهر موتيفات الحارة هنا لكى تعوض غياب التحليل الاجتماعي والاقتصادي في الأعمال السابقة، فتركيز محفوظ على مسألة (الوقف) فى هاتين الروايتين الملحميتين، لا يشير فقط إلى الجذور الاقتصادية للصراع الطبقي، بل أيضاً إلى عملية التضفير بين نضال الفئات الوسطى والجمهور الشعبى، الذي سرقت منه هذه الأوقاف ووضعت في خدمة الأقليات المستمرة في إنتاج وجودها عبر التاريخ.
وتطرح هذه الرواية معضلات التطور في المنطقة بشكل رمزي، وهنا نرى خروج محفوظ من المادة المصرية المحضة، ولكنه جعل تطور الوعي الدينى يمر من خلال عدسة هذه الحارة المصرية، وهكذا فإن المثقفين الذين يظهرون تباعاً: أدهم، وجبل، ورفاعة، وقاسم، وعرفه، يشكلون علاقة نضالية مع سكان الحارة الفقراء، ويقيمون تصحيحاً لوضع (الوقف) الذي احتكرته القلة الظالمة.
ولكن العلاقة التي يقيمونها مع الجمهور هي التي تتيح لبعضهم أن ينتصر، ويسحق (الفتوات)، ولا نعرف أسباب هذه التكرارية في البعث، أي في تكرار ظهور الشخصيات الفاعلة، وفي غياب الإرادة والفعل لدى الجمهور الذي يظل مادةً للفعل التاريخي لشخصيات الفئات الوسطى.
نقول الفئات الوسطى، على الرغم من كون الرواية تقوم بإعادة إنتاج للتاريخ الديني من خلال التمثل المجازي، والقناعي، والرمزي، فهي لا تناقشن فقط التاريخ الديني، بل أيضاً وجود الأديان في الحارة المصرية كذلك.
إن وجود الشخصيات المثقفة الفاعلة يجري في مشهدية الحارة، وبالتالي من أجل تغيير السلطة والإنتاج، الذي يأخذ سمة مجردة هي (الوقف).
والوقف والأحباس هي الأملاك التي تُوضع من قبل السابقين للصرف على الفقراء والمحتاجين، وهي بالتالي لا ترقى كرمز إلى مسألة قوى الأنتاج، بل هي ذاتها ملكيات تشير إلى عالم الملكية الإقطاعية الدينية، الذي هو عقبة أمام تطور العلاقات الاقتصادية الحديثة.
ولكن الرمز هنا يشير إلى الملكية العامة، بشكل مجرد، أي بشكل مُنتزع منه الجذور التاريخية، ليوضع في دورات تاريخية مجردة هي الأخرى، وإن أُلصق بها بعض السمات التاريخية الملموسة، لتعطي الشخصية الفنية مماثلةً خارجية ترميزية للشخصية الحقيقية التاريخية.
وهذه المماثلة الخارجية الترميزية أفقرت الشخصية الفنية، كما قامت بتكرارها، عبر تكرار أنماطها ومعاركها من أجل الوقف نفسه.
إن الوسط وهو الحارة لا يتغير، كما أن أهل الحارة، أي الشعب الذي كان يُفترض فيه تراكم هذه التجربة التاريخية الثرة، لا يتغير ويظل في موقعه التحتي، كمادة طينية تنتظر المثقف الفاعل.
وهكذا فإن هذه الرواية القائمة على التخطيطات الترميزية فقدت المادة الحية، ولعلها أظهرت إشكالية المنهج الفني القائم على التجريدات المطلقة الُمعممّة.
لدينا مجموعة مركبة من الملاحظات حول رواية «أولاد حارتنا»، فهنا لأول مرة في سياق الوعي الليبرالي المصري، المتحدر من سلامة موسى ولويس عوض، نجد عمليات التحليل للتاريخ الديني في المنطقة؛ وتاريخ الإسلام بصفة خاصة، ولأول مرة يجري اعتبار الإسلام ثورة تمثل استمرارية للنضال الثوري الذي قام به الأنبياء، وبالتالي حدثت انعطافة عن التفكير الليبرالي السابق، الذي وضع الميراث النضالي الديني في سلة التخلف.
لا شك أن هذه الانعطافة المحفوظية تشير إلى الريادة والطليعية اللتين قامت بهما الرواية الواقعية عند محفوظ في الحفر تحت أساسيات الحارة المصرية، ورؤية أنها جزء من تاريخ المنطقة.
كذلك فإن هذه الرؤية استطاعت النفاذ إلى عملية الصراع الاجتماعي الذي خاضته الأديان في بواكيرها ضد الاستغلال، ثم تمكن القوى المستغلة من إعادة الأمور إلى سابق عهدها .
لكن الرواية تعجز عن الإجابة عن أسئلة جوهرية في رؤية مسار هذه الأديان، وتلاوينها وتياراتها وتعبيرها عن مناطق وقوى معقدة، فتقوم بنسخها في «موتيفات» عامة، تجعلها هياكل شاحبة أمام الأصل الحي والغني بالألوان.
وهنا تكشفت طريقة محفوظ الروائية الترميزية التي تضع الأفكار فوق هياكل عظمية من الشخوص، حيث يقوم وعي القارىء بالمقارنة المستمرة بين الأصل والنسخة المحفوظية لتاريخ الأديان.
من جهة أخرى، تبين هذه الرواية دور المرجعية الغربية التحديثية ودورها المركزي في وعي نجيب محفوظ، فسلسلة الأديان تنتهي بـ«عرفة» الذي يرمز لدور العلم وتغلبه على دور الأديان، واعتباره البديل الحديث عنها، ولكنه لا يقوم بتغيير الحارة عبر الكفاح السلمي بل عبر العنف والديناميت، وهو ما يشير كذلك إلى ارتباط عرفة بالماركسية، وقيامها بالتغيير عبر الصراع المسلح ضد الأنظمة القديمة، لكن عرفة يخلي السبيل إلى رمز علمي وثوري آخر يعقد التصالح مع الميراث الديني ويقوم بالنضال السلمي؛ وهو ما يشير إلى نزعة الديمقراطية الاشتراكية التي انتهى إليها نجيب محفوظ وتياره الفكري التنويري في مصر، أي تيار سلامة موسى ولويس عوض. وهو تيار بقي ثقافياً نادراً في وسط تيارات الشمولية الاستبدادية العنيفة المنتشرة.
ولكن محفوظا تجاوز التيار «الفرعوني» العازل لتاريخ مصر عن المنطقة، رابطاً الأخيرة بتطور الفكر في العالم، مما يشير إلى تجاوز الرواية الواقعية المحفوظية الدوائر المغلقة الوطنية والإقليمية الضيقة، وإذا كان ذلك قد جرى بتخطيطية روائية ترميزية، إلا أن أسلوب الرواية النوعي، القائم على العرض المشوق، ولغة البساطة، قد جعل من التجاوز المحفوظي الفكري حدثاً واسع النطاق، مما فتح للوعي التنويري والنهضوي إمكانيات تجاوز التناقضات الفكرية المطلقة القائمة بين الأديان والحداثة، بين الماضي والمستقبل.
وهكذا فإن هذا التجاوز الذي تم بادوات الرواية، سوف يتشكل فى دوائر الوعي الأخرى عبر أدواتها الخاصة، وسيقوم مفكرون آخرون بوضع الحارة ليس كجسم جغرافي فقط، بل ايضاً كجسم تاريخي مركب، متعدد الحارات عبر المناطق والمراحل والقوى الاجتماعية، وعبر التراكم والتقاطع الفكريين، أي سيتحول إلى بحث اجتماعي وثقافي ولغوي واسع الاجتهادات.
لكن تبقى الخلاصة المحفوظية، هذا الحدس الفني العميق، عملية رائدة في تاريخ الوعي في المنطقة، وقد حاول عبر «أولاد حارتنا» أن يستعيد بساطة وحيوية وعظمة الكتب الدينية؛ التي يتجلى فيها الأسلوب السهل والعميق وذو الآثار التاريخية الكبرى.
إن المثقف التنويري عبر نجيب محفوظ وصل إلى الخلاصات الكبرى، ونستطيع أن نعده أحد «أولاد حارتنا» الذي واصل فعل الرسالات العظيمة بنكرانها لذاتها وتضحيتها ودفاعها عن الوقف المسروق ونضالها لتطوير حياة العاملين.
تنوير نجيب محفوظ
الكاتب والروائي العربي نجيب محفوظ من رواد التنوير القلائل الذين اتخذوا شكل الرواية وسيلة للتفكير العميق في شئون الحياة الاجتماعية المصرية والعربية، وإذا كان قد بدأ في الثلاثينيات كتاباته الفلسفية فسرعان ما تركها مركزاً على العمل الإبداعي؛ بادئاً هذه الحياة بمجموعة من القصص القصيرة (همس الجنون) ثم رواياته التاريخية الثلاث: عبث الأقدار – رادوبيس – كفاح طيبة.
اتخذت الروايات الثلاث تاريخ مصر القديم الفرعوني مادة لها، وكان هذا تعييراً عن المنحى الليبرالي المتجاوز للفترة العربية الإسلامية، باعتبارها فترة التخلف حسب رؤية المنحى الليبرالي التنويري الذي شكله سلامة موسى ولويس عوض، والذي كان نجيب محفوظ قريباً من نفسه الفكري، فيلاحظ في الثلاثية، الرواية الكبرى في عمل محفوظ، تخصيصه لسلامة موسى فصلاً، وذلك حين يلتقي كمال عبدالجواد، بطل الرواية المثقف والباحث عن الحقيقة، رئيس تحرير مجلة كانت تعني إحدى المطبوعات التي أصدرها سلامة موسى.
وكان صوت التنويرية العلمانية (المتغربة) قد تردد بشكل متقطع في العديد من الشخصيات الثانوية، على سبيل المثال في (خان الخليلي) حيث المثقف الذي يردد أسماء ماركس وفرويد ودارون..
كانت هذه التنويرية الليبرالية تنمو في أعمال نجيب محفوظ بصورة دائبة، وتعبر الروايات التاريخية الثلاث سابقة الذكر، عن المنحى الوطني المصري الذي تشكل في بدء القرن، حيث مصر هي شخصية تاريخية قائمة بذاتها، وليس جزءاً من المحيط العربي، وهي تطمح عبر فئاتها الوسطى النامية إلى الالتحاق بالضفاف الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، ومغادرة عالم التخلف بتاريخها الثر، وقد ربطت الفئات الوسطى هذه العملية الانتقالية بالتحرر من الاستعمار البريطاني والسراي الملكي التركي، والعائلات التركية والشركسية الإقطاعية.
لكن القوى الإقطاعية المختلفة: السلطة البريطانية والملكية والإقطاع الديني، قاومت الفئات الوسطى الليبرالية وحزب الوفد وتجليات الحداثة المتنوعة. وروايات نجيب محفوظ هي لوحة واسعة لهذا الصراع الذي خاضته هذه الفئات من أجل التحديث والوصول للسلطة وبرجزة المجتمع المصري التقليدي.
ولهذا نستطيع أن نقسم أدب محفوظ إلى ثلاث مراحل، المرحلة الأولى هي مرحلة الثورة والصعود، والمرحلة الثانية هي مرحلة الهزيمة والانكفاء، التي ترافقت مع مجيء ثورة ٢٣ يوليو، والمرحلة الثالثة هي مرحلة العودة للحلم.
ومن هنا كانت الروايات التاريخية هي بداية هذا الصعود لصوت الفئات الوسطى المصرية لتشكيل عالمها، ولكن نجيب محفوظ باتخاذه مادة تاريخية من التاريخ القديم، كان يشكل تضاد؛ مع حلمه وتجسيداته، فهذا التاريخ الفرعوني يكاد يخلو من وجود فئات وسطى مستقلة عن الهيمنة الفرعونية الاستبدادية، ولهذا فإن محفوظ أضفى صفات وطنية وإنسانية على الحكام الفراعنة.
أن إضفاء نجيب محفوظ صفات الوحدة الوطنية الصلبة على جسم المجتمع المصري القديم, وجعل الحكام الفراعنة ملتحمين بالناس, وبتصويره عدم وجود تناقضات داخلية في جسم هذا المجتمع, كان يضفى طابعاً رومانسياً على التاريخ الوطنى, كصدى للعملية السياسية الجارية في وقته.
كذلك كان يقوم بعملية نقد للجسم الإقطاعى الذي تكدس فوق الجسد الوطنى المصري على مر التاريخ, سواء بتجاهله للتاريخ العربى, أم بنقده للسيطرة البريطانية التركية على مصر.
ولكن هذا النقد تم بلبس الملابس التاريخية, وهنا كانت الأدوات الفنية تنمو بالتداخل والصراع والتعاون مع الرؤية التي كانت في غبش الظهور والتشكل.
ولهذا جاءت مرحلة الرواية الاجتماعية المعاصرة، أي حين تم ترك الموضوعات التاريخية القديمة، وبدأ بتحليل المجتمع المعاصر. وهذه المرحلة هى التى استمرت طوال تاريخه الفنى إلا من عودة وامضة للتاريخ الفرعوني مرة أخرى.
وقد بدأت المرحلة الاجتماعية بشخصيات مركزية من الفئات الوسطى، وهى بؤرة الفاعلية الكفاحية لهذا المجتمع وللطبقة الوسطى التى هى في سيرورة الممكن، وليس التشكل الناجز, وإلا ما كان هذا الأدب.
ومن هنا كانت عمليات تحليل هذه الفئات ونقدها لتقوم مهمتها التاريخية في تشكيل مجتمع الحداثة, لتكون (طبقة) طليعية, فإذا تتبعنا روايات مثل: القاهرة الجديدة، وزقاق المدق، وبداية ونهاية، فسنجد عرض الشخوص السلبية والإيجابية بين هذه الفئات المضطربة في توجهاتها, التى تقع الشخصية السلبية في بؤرة العرض الفنى فيها , وهى التى يتوجه العرض لتحليلها وتبيان فشل طريقها, كما حدث لمحجوب عبدالدايم في القاهرة الجديدة الذي كان تجسيداً للانتهازية الفاقعة في بيع ذاته للوصول إلى الثروة والمناصب, والذي أسس لنفسه مبادئ عدمية هى تعبير عن الالتحاق بالإقطاع الحاكم المخرب للذمم والنفوس, وعدم شق طريق نهضوي تترافق فيه الكرامة بالحرية والديمقراطية.
وإذ يُعطى نجيب محفوظ أطيافاً من شخصيات مرافقة للبطل المركزي, غالباً ما تعكس أطياف التيارات في الفئات الوسطى, فإنه لا يقوم بتحليلها, بل يجعلها كمرايا تبين الجوانب المضادة عند الشخصية الرئيسية.
فحميدة في زقاق المدق هي الانتهازية والذاتية المريضة التى تبيع جسمها هذه المرة للوصول إلى حياة مرفهة, حتى لو كانت بين أحضان الجنود الإنجليز وقواديهم.
لكن الطريق الكفاحى الشعبى يتجسد فى عباس الحلو, الحلاق البسيط الذي يريد ان يتزوج حميدة, ورغم سطحية الترميز هنا بين حميدة ومصر, وعباس والمستقبل, فإن محفوظا لا يقوم بالتحليلات المعمقة في الصراع الاجتماعى, أي لا يرينا كيف يمكن أن يتطور عباس هذه الشخصية الشعبية ليصبح رمزاً نضالياً, فيعتمد هنا على الخطوط الاجتماعية العامة المنمطة والشخوص.
وهذه العملية تعبر عن نظرة محفوظ المنبثقة من الفئات الوسطى التى ترى ذاتها مركز الفعل, في حين أن الشعب والقوى الفقيرة تظل مادة للفعل القادم من الخارج.
وهذا ما نراه أيضاً في (بداية ونهاية) حيث العائلة التى مثل الفئات الوسطى, واتجاهاتها الاجتماعية المحدودة هذه المرة, ولكن الفئات الوسطى هنا تدخل طور أزمة شديدة, حيث موت الأب يعنى شبه انهيار للعائلة, التي تجد نفسها أمام سبل الخيارات الاجتماعية, بين موقف انتهازي تسلقى يمثله الأخ الأصغر الذي يصبح ضابطا, وبين موقف الأخ الأوسط الذي يواصل سيرة عباس الحلو وسيرة الكدح الصابر المتواضع النبيل.
لكن اتجاه الانتهازية والرخص والغرور المتمثل في الأخ الضابط وأخته نفيسة التى تبيع جسمها, يقوم بتدمير العائلة مجدداً.
أن هذه الروايات المتعددة التى استغرق نجيب محفوظ في كتابتها عشرين سنة تبين عملية التفكير الفنى المتواصل في مادة الحياة, الذي بدأ بنسج العلاقة بين فكر التنوير والناس, حيث لا يصبح الشعب مادة مجردة بل شخصيات حية, وصراعات اجتماعية, فكيف يحدث التقدم وكيف تنتصر إرادة التغيير لديه؟
يُلاحظ في هذه المادة الروائية الاجتماعية التصاقها بمادة ملموسة وبحيثيات حياتية اجتماعية, أكثر منها مادةً سياسية وفكرية, فالاتجاهات السياسية والفكرية لا تظهر, إلا كأصداء بعيدة خافتة.
لكنننا نستطيع أن نرى مادة الوعى المتنور في تصوير العلاقات المتضادة بين الشخوص, و في الانهيارات المستمرة في الوعى الانتهازي, وفي تصعيد نماذج الإنسان البسيط من هذه الفئات الوسطى كنموذج للعمل والتضحية والصمود.
أن محفوظا لا يحشر الأسئلة الكبرى الفكرية والفلسفية في هذه النماذج, ولكن هذه الأسئلة غائرة في عملها وموقفها المجسد, كذلك فإن التيارات تحصل على رموزها من الشخوص العرضية غالباً, فالرمزان الدينى والتقدمى باطيافهما, هما منتشران دون أن يكون لهما حضور حقيقى. فقط النموذج المركزي القادم من الفئات الوسطى وهو أمل تكون الحداثة, هو الذي يحاور الشعب سلباً أم إيجاباً, ويحاوره عبر الأمثولة التي يقدمها وليس بالعلاقة النضالية معه.
عبرت ثلاثية نجيب محفوظ وهي (بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية)، عن التطبيق الملحمي الواسع للعناصر الفنية والفكرية السابقة الذكر.
فمحفوظ يعرض الفئات الوسطى، بل يختار عائلة كاملة هي عائلة تاجر متوسط، ليعرض نماذجها وعلاقاتها الاجتماعية والسياسية والفكرية. وهناك التمثل الرمزي الذي غالباً ما يشكله الكاتب بين مادته الفنية، والتطورين الاجتماعي والسياسي، فهذه العائلة تعبر عن حالة البلد في خلال نصف قرن من التطور، وكما تتعرض السلطة الدكتاتورية للاهتزاز والضعف الشديد، كذلك فإن سلطة احمد عبدالجواد الأب في هذه العائلة، تتعرض هي الأخرى للضعف وبداية الهزيمة.
إن محفوظ هنا استطاع أن يجسد النظام الإقطاعي بمستوياته المتعددة، السياسية في النظام الملكي وفي الأرستقراطية، وفي الهيمنة الذكورية الاستبدادية المتجسدة في تسلط الأب، وتدهور أوضاع المرأة، وهيمنة المفاهيم الفكرية المتخلفة.
إذن فإن الإقطاع بمستوييه السياسي والاجتماعي في طريق الأفول.
يقيّم محفوظ الشخصيات والأحداث التاريخية ليس من خلال عرضها والدخول فيها، بل من خلال انعكاساتها على العائلة المحورية، فهكذا يظهر التاريخ دائماً خارج العائلة، لكنها تتأثر بأحداثه، وإذا كان فهمي الابن المسيس للأب، يغدو شهيداً ورمزاً للكفاح الوطني، فإن العائلة لا تشارك في صنع التاريخ، وهنا فنحن أمام عائلة من الفئات الوسطى، يغمرها التاريخ شيئاً فشيئاً، حيث تتفكك علاقاتها الإقطاعية وتتسرب إليها المفاهيم والعلاقات الحديثة. لكن العلاقات القديمة لا تزول، والعلاقات الحديثة لا تنتصر كلياً. فالمسألة ماخوذة على أساس النضال الوطني الديمقراطي العام الذي نسمع به أو نراه أحياناً، ولكنه ليس سوى أحد روافد الرواية.
ومحفوظ في هذه الرواية متفائل بفاعلية العلاقات الحديثة المتوغلة بقوة في البناء الاجتماعي، ويتضح هذا من تغير ظروف المرأة ومواقفها، وبروز نموذج. تقدمي فيها، لكنه أيضاً لا يغفل صعود التيارات الدينية كذلك.
أما ما يمثل بؤرة الرواية فهو الشخصية المثقفة المتنورة المحورية: كمال عبدالجواد، هذه الشخصية التي هي ابن الدكتاتور العائلي، أحمد عبدالجواد، ولكنها هي النقيض الذي ينمو، وهي رمز الفئات الوسطى الحائرة المتذبذبة في تشكيل مجتمع الحداثة.
إننا نشهد في الرواية تتبع طفولة هذه الشخصية، وشبابها وبدء كهولتها، وكيف تتزعزع عملية اعتقادها بالأطر الدينية التقليدية، مشرئبة إلى الأفكار والنظريات الحديثة، ودون معالجة نقدية وجدلية بالإرث الإسلامي المسيحي، بل عبر الانقطاع عنهما، ولكن عبر حيرة طويلة.
ويتوجه كمال عبدالجواد لحب عايدة، النموذج الأرستقراطي، وهي العلاقة الرمزية المباشرة، للعلاقة بين الفئات الوسطى والأرستقراطية، والتطلع إلى الذوبان فيها، واعتبارها هي الحل بديلاً عن تكوين الفئات الوسطى شخصيتها المستقلة وتحولها إلى قوة اجتماعية مهيمنة، ولكن هذا التطلع يفشل لأن عايدة تتوجه لابن طبقتها.
وبعد سنوات يشارك كمال في جنازة دون أن يعرف الميت، فيتضح أن الميت هو عايدة نفسها. لقد ماتت الأرستقراطية كأفق شخصي لكمال وللفئات الوسطى. وهي نبوءة متسرعة من نجيب محفوظ.
وتتحول أخت عايدة الصغيرة بعد أن تهاوت مكانة أسرة عايدة الاجتماعية، وصارت جزءاً من الفئات الوسطى، إلى مهوى جديد لعاطفة كمال ولكن فرق السن يحول دون ذلك.
ويتضح في كمال الجانب الفكري والرمزي لمخاض الطبقة الوسطى كحاملة للنظام الجديد، ولكن هذا المخاض لا يبدو داخلياً إلا على شكل فكري بعيد الصلة عن تحليل الواقع والإرث الفكري والاجتماعي الديني، حيث إن الكاتب نفسه لا تتمثل لديه الحداثة إلا عبر (التغرب) أي باستيراد الموديل الغربي الجاهز، وليس من خلال إنتاج الحداثة بالصراع في بنية اجتماعية مصرية، لها مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية والإيديولوجية.
كذلك يغدو مخاض كمال التأملي والنخبوي، وهو منهج نجيب محفوظ نفسه، نائياً عن تحليل الصراعات الاجتماعية والمشاركة بها، مما يقود على مستوى مصائر البنية الاجتماعية إلى التفاؤل بالتقدم الحثيث للفئات الوسطى لاستلام زمام التاريخ المصري.
إن أسرة أحمد عبدالجواد التي تتسع بالمصاهرة تنتج شخصيات تنتمي إلى تيارات دينية (الإخوان) وتيارات تقدمية (الماركسيون)، ومن الملاحظ ان محفوظ يجعل هذين التيارين ينبثقان من العائلة، التي تشير رمزياً للمجتمع والناس عموماً، ولكنها تشير كذلك إلى الطبقة الوسطى. والرؤية المحفوظية تطابق بينهما.
وقيام عائلة أحمد عبدالجواد بإفراز هذين التيارين الشموليين من داخلها الواعد بالديمقراطية والحداثة، بدلاً من أن يصبح كمال عبدالجواد هو النموذج، مما يعبر عن الأزمة الاجتماعية المتصاعدة، وعدم قدرة تيار الفئات الوسطى الليبرالى على تقديم المظلة الفكرية التي تستظل التيارات الأخرى تحتها، فلا يملك تصوراً ديمقراطياً عن الإسلام يسحب البساط من تحت أقدام التيار الديني الشمولي، ولا يستطيع تقديم الإصلاحات الواسعة لجذب الفلاحين والعمال إلى صفوفه.
وهذا يتبلور في نهج حزب الوفد وتأملية كمال عبدالجواد سواء بسواء.
تنويرية نجيب محفوظ الديمقراطية الحداثية تتحول على مستوى الفن إلى ترميز فكري – اجتماعي، وهذا الترميز يتحول في نهاية المرحلة إلى قالب. وبين حيوية الترميز وامتلائه بالمادة الحياتية، وبين تيبسه وتحوله إلى هيكل عظمي، يقع مشوار محفوظ الأكثر خصوبة .
ونحن إن نركز هنا على التنوير وجذوره ودلالاته السياسية، لا بد لنا من رؤية الترميز وخطوطه العريضة. فكما رأينا صاغ محفوظ بنيته الفنية على أساس تطوير فاعلية الفئات الوسطى للتحول إلى قوة تغيير للمجتمع التقليدي، وعبر شخوص تصارع قيماً متضادة، فهناك الوطن أوالاحتلال، الحداثة أو التخلف، العلم أو الدين، الحرية أو الاستبداد.. الخ.
وقد شكل الوعي العربي التحديثي بناءه على شكل متضادات شبه مطلقة كالسابقة، أي عدم قدرته على التضفير العميق بينها، وهذا الوعي الذي استظلت به بنية محفوظ الفنية، ولكن هذه الرموز لم تنفصل عن البناء الاجتماعي، فكمال الذي يرمز للوطن الحديث المتشكل تقابله عايدة التي ترمز للأرستقراطية الآفلة، ولكن الترميز لا يخلو هنا من شحنات شخصية واجتماعية ملموسة تكاد تغيب الرمز.
وهكذا يؤسس محفوظ رؤيته للتيارات ونموها وصراعها على شكل شخوص متضادة، وكانت لديه مشروعات روائية قبل ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ لكنه توقف عنها وبدأ مسيرة فنية مختلفة.
إن انتكاسة مشروع محفوظ هنا يعود لأن التحليل الذي اعتمد عليه في رؤية تطور المجتمع المصري من خلال الثلاثية، والتي كانت آخر عمل في السلسلة السابقة، ثبت خطأه، وأن انتصار الطريق الليبرالي الديمقراطي، وصعود البرجوازية كطبقة تعيد تشكيل النظام التقليدي، لم يتحقق بل لقد وثبت التيارات الشمولية من الفئات الوسطى نفسها الى السلطة وشكلت مساراً شمولياً ووطنياً وأطاحت بالتراكم الليبرالي والديمقراطي السابق.
هذا ما يمكن أن يبعث على الحيرة و الاضطراب الفكري والفني عبر المسار التفاؤلى المحفوظي السابق ذكره. إن تناقضات الفئات الوسطى برزت على السطح التاريخي، وانفجرت التناقضات الداخلية في عائلة السيد أحمد عبدالجواد. وكانت أزمة مارس ١٩٥٤ هي ذروة الصراع, وحسم فريق العسكر الوطني الشمولي المعركة لصالحه.
فماذا يفعل الروائى الليبرالى النهضوي من الرعيل الأول، هل يتخلى عن مساره وينضم للطبالين الكثيرين أم يواصل الحفر لرؤيته بأدوات تعبيرية مختلفة؟
إن تطابق سنوات أزمة الخيار السياسي لمصر وتوقف محفوظ عن الكتابة يشير إلى البحث عن اًسلوب جديد لتجسيد المعاني القديمة، ولهذا فإن الأسلوب الملحمي النقدي الواسع للثلاثية، الذي يظفر بين التشخيص الكبير والترميز، والذي يحوي صراع الطبقات بشكل مكشوف، هذا الأسلوب لا بد أن يتبدل علي ضوء المرحلة العسكرية التي لم تكتف ببوليسها الواسع ورقابتها بل بجمهورها العاطفي الهائج.
فإذن كان الاختمار المحفوظي من أجل إذكاء الأدوات التعبيرية الديمقراطية في زمن دكتاتوري، ولهذا تبدل التحليل الواسع والنفس الملحمي، نحو ضمور الروح الملحمية والتحليلية الواسعة، إلي الكثافة التعبيرية واتساع الرمز، ومع تبدل الموضوعات وبقاء البنية الترمزية الاجتماعية السابقة، بنية التحديث والديمقراطية.
يواصل نجيب محفوظ نقد النظام الوطني الاستبدادي عبر طرق فنية طورت أسلوبه التعبيري.
في روايات مثل (اللص والكلاب) و(السمان والخريف) و(الطريق).. الخ. نجد هذه الكثافة والرموز المتغلغلة في بنية الحدث وفي الشخوص. ففي اللص والكلاب, نرى سعيد مهران اللص يهاجم معلمه المثقف السابق رؤوف علوان الذي صار قطباً في القوى الصاعدة, وكما رأينا فالبنية الرمزية الاجتماعية هنا تشير إلى كون الطبقات الفقيرة التي زعم رؤوف علوان النضال من أجلها, لا تزال مضطهدة ومسروقة, ولكنها الآن تُسرق من قبل رؤوف علوان, وبقية (الكلاب).
وكل الرواية الخادعة للبوليس الشمولي تتركز في الصراع بين سعيد مهران ورؤوف علوان في الحقيقة, والذي موهه محفوظ بأشكال عدة من الكلاب, ولكن الصراع بين اللص الشريف والحرامية الجدد غير الشرفاء هو لب الرواية.
ففي الوقت الذي تحاول الطبقات الفقيرة فيه الحصول على الثروة بنفس الأسلوب الذي اتبعته تلك القوى التي وثبت إلى السلطة, فإنها تُسجن وتقتل.
ولهذا فإن الذين وثبوا للسلطة بأساليب العنف والتضليل الإعلامي يقاومون سعيد مهران الذي يلجأ إلى أساليب العنف أيضاً ولكن من أجل الحق.
أن محفوط هنا في سبيل انتقاد السلطة الشمولية يلجأ إلى حيثية حقيقية متمثلة في قصة السفاح الشهيرة, ويقود منولوج البطل سعيد مهران في كشف تختلف أنواع الكلاب, الذين خانوا صيغة التعايش الزوجية السابقة, ( عليش ونبوية), والجدد.
وتعبر رواية (السمان والخريف) عن هذه الثيمة الرمزية بشكل أوضح وأكثر اتساقاً, فبطل الرواية تحيله حكومة الثورة العسكرية إلى التقاعد السياسي, مثلما تحل حزبه الوفد.
وتكشف فصول الرواية كيف ان الفئات الوسطى تتصارع على السلطة بشكل محموم, والتي يعبر عنها محفوظ عادة بالترميز فخطيبة عيسى البطل الوفدي, تتخلى عنه وترتبط بنافسه العائلي الذي يصعد في السلطة الجديدة.
ويتشرد عيسى ويحل زمن الخريف عليه ويذهب إلى الاسكندرية حيث يلتقي امرأة بسيطة ويعاشرها وحين تحمل منه يطردها. وفيما بعد يكتشف ان طفلتها تحمل ملامحه الجسدية بشكل مدهش.
وقـد عبر ت هـذه العلاقة عن العلاقة الترميزية بين قوى الليبرالية الديمقراطية والناس, حيث التخاطب غير قانوني والثمرة محرمة, والرمز الطليعى يعيش زمن الخريف بين التحلل والنضال.
تكشف هذه الرواية استمرار البنية الرمزية الاجتماعية وقد ضمر جانبها التحليلي الاجتماعي, وتمركُز الطليعية في نموذج وحيد مفصول عن الجماهير, ومتقوقع في ذاته, مما يؤثر في بنية السرد والشخوص, فتلجأ إلى الشعرية اللغوية والتأملات الداخلية المفصولة عن وهج الصراع الاجتماعي.
وهذا ما يمكن متابعته في (الشحاذ) ايضاً, حيث عمر الحمزاوي يكتشف أن استمراره في وظيفة المحاماة الناجحة التي أغنته مالياً, قد أفقرته روحياً, لغياب أي قضية عنده, ولا يوضح محفوظ الأسباب المباشرة لغياب الانتماء والخصوبة الداخلية, بل يدع بطله يهجر هذه الحياة البرجوازية غير المشكّلة للطبقة الطليعية لمجتمع الحداثة, و في غيابات وهجرات معاكسة لما ينبغي أن يكون, كالاتجاه نحو اللذائذ الجنسية المتنوعة والواسعة, والتي تتكشف عن خواء, وكذلك الاتجاه المعاكس أي الاتجاه نحو التصوف وترك اللذة والحس كلياً, مما يقوده إلى الغيبوبة والهذيان وشبه الجنون.
في حين ان زميله النضالي الذي خرج من سجن النظام العسكري يواصل الكفاح ويتزوج ابنة عمر, في تعبير تزاوجي آخر عن الخصوبة السياسية والفكرية, ولكن في النهاية يتم مهاجمة هذا المناضل الذي لجأ إلى قريبه عمر في عزلته, تعبيراً عن كون النظام الشمولي تتوحد مصائر الهاربين والمنتمين في قبضته.
في رواية (الطريق) يواصل نفس الرؤية بثيمات أخرى, ولكنه في رواية (ميرامار) التي تدور في بنسيون صغير, يواجه مباشرة النظام عبر تناقضات اجتماعية صارخة من شخوص تمثل عمليات التفسخ التي تنتهي إلى الجريمة.
ويُلاحظ أن محفوظ لم يصور النظام الوطني بأي إيجابية لافتة, فلم تعبر ريشته عمليات البناء الضخمة الجارية, مركزاً على غياب الحرية السياسية, وهذا يعود لمنهجه الفني الفكري ذي التضادات المطلقة والذي لا يظفر بينها بتكوين اجتماعي حقيقي.
تحتاج هذه الحلقات التي تدخل ربما في لب عمل نجيب محفوظ المتواري كثيراً عن النقاد الذين يسحبونه نحو ايديولوجياتهم أكثر مما يفسرون نصوصه, إلى وقفة أخرى
عبـــــــدالله خلــــــــيفة الأعمال الروائية والقصصية والتاريخية والنقدية الكاملة في 10 مجلدات
مراجعةٌ للعنفِ الديني

تتشكلُ الدياناتُ القديمةِ على أساسِ القبلية ونموها، التي تبعد عنا الآلاف من السنين، ولكن لا تزالُ مستمرةً فينا، ولهذا فإن صورَ هذه الألوهياتِ المؤَّسسةِ للدياناتِ تتبدلُ بين لحظاتٍ مجردةٍ إلى لحظاتٍ ملموسة تندمجُ في التواريخ وتضاريس البلدان والشعوب.
(أنا يهوه. تراءيتُ لإبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ إلهاً قديراً. وأما اسمي يهوه فما أعلمتهم به. وعاهدتهم على أن أعطيهم أرضَ كنعان، التي تغربوا فيها)، (الخروج 6:6-4).
إن تبدلَ الأسماء هو جزءٌ من تطورِ القبيلة، هو إنعكاسٌ لأطوار الترحل والبحث في زمن ما قبل الحضارة، ثم يأتي دخولها في الحضارة، وتأثرها ببعضِ مرتكزاتها، فتتوجه القبيلةُ للسياسةِ، وتصبحُ القبيلةَ – الدولةَ، وهي إذ تمارسُ ضَبطاً على شعبها الداخلي، ولا نعرفُ حتى الآن أشكاله، تواجهُ عنفاً خارجياً من قبل الدولةِ المصرية، التي تتوجسُ من كثافةِ تجمعِ هذه القبائلِ اليهودية العاملة في أرضِها التي بلغت أكثر من نصفِ مليون إنسان.
الرسالةُ الدينيةُ وصورُ الإلهِ المُنتَّجةِ والقيادة الدينية في هذا الظرف الصراعي، كلها تعبيرٌ عن نموِّ القبائل اليهوديةِ وتضخم السلطة فيها، أي إن الانقسام والصراع والانشقاق مراحل لذلك التطور السياسي الكامن، ولهذا فإن الصورَ الألوهيةَ تعبيرٌ عن هذا التبلور للسلطةِ السياسية المتصاعدة.
إن مرحلةَ الخروجِ تُظهرُ تجريبيةً قبلية دينية سياسية لم تتبلور طويلاً في أسس الحضارة ولا في نص، ولا في عقلية متبلورة بل تعيشُ ترحالية مضنية، ولكن الهدف السياسي موجود وساخن:
(فاعمل بما أنا آمركَ بهِ اليوم. ها أنا أطردُ من أمامكم الأموريين والكنعانيين والحثيين والفرزيين والحِويين واليبوسيين. لا تعاهدوا سكانَ الأرضِ التي أنتم سائرون إليها، لئلا يكون ذلك شركاً لكم، بل اهدموا مذابحَهم وحطموا أصنامَهم، واقطعوا غاباتهم المقدسة لآلهتهم. لا تسجدوا لإلهٍ آخر لأني أنا يهوه إلهٌ غيور. لا تعاهدوا سكانَ تلك الأرض لئلا يدعوكم حين يعبدون آلهتهم ويذبحون لهم فتأكلون من ذبائحهم.(الخروج 34: 11 – 15).
تقومُ أولوياتُ سلطةِ القبيلةِ – الدولةِ على العنف، عبر إزاحة الأقوام الأخرى، وعدم الذوبان في تقاليدِها الدينية والاجتماعية، وعبر هدم مؤسساتها، أي بكلمةٍ واحدة سحق الآخر المختلف، وإذا بقي حياً حراً فيجب من وجهة نظر هذه السلطة عدم التعايش معه.
هناك مسافة كبرى بين القبيلةِ المنتجةِ للعنفِ والزاحفة نحو إقامةِ سلطة على أرض وبين تحققها، فلاب د من فترة قبل السلطة وتتكرسُ فيها نظرتها، وهي رؤيةٌ عامةٌ للشعوب القبلية والأمم، ومن ها فصورُ الإلهِ سوف تصاب بالتعديلات المستمرة لكي تلائم نمو مضامينها الاجتماعية من جهة، وإختلافها عن الشعوب الأخرى من جهة ثانية.
فعلى حسب تقاليد القبائل اليهودية الوثنية، والتي لم تستطعْ العيش الحضاري في مصر لأسبابِ تخلفِ هذه القبائل، فإنها تواصل عبادة أربابها الوثنية القديمة، لكن المرويات اليهوديةَ الرسمية لا تخبرنُا بحالةِ هذه القبائل العبادية الحقيقية، إنها تقدمُ لنا هذه القبائلَ بصورةٍ تجريديةٍ مقدسة، نورانية، رغم بعض الاعترافات الوامضة، التي هي أشبه بفلتاتِ اللسان لكن المعبرة عما هو متوارٍ حقيقي في تاريخها السابق.
إن المرويات القصصية الشعرية اليهودية تقدمُ لنا البطلَ الرمزي هذا، والسماءُ تشاركهُ في صنعِ التاريخ، وتآزرهُ ضد أعدائه، مثل أي بطلٍ محظوظ ديني أو أسطوري، لكن هذه المؤازرة تتم بأدواتِ الوعي السحرية، ومستويات تطوره في النقل وكسب الغذاء والسلاح ورعي الحيوان.
ولكن الواقعَ الموضوعيَّ يختلفُ عن ما يصورهُ البطلُ عن نفسه، أو ما كتبهُ آخرون بعد أزمنةٍ بعيدة، وهم يكيفون تلك التواريخَ لزمنِهم، وينزعون منها أشياءَ كثيرةً هي خارج سياق التوحيد الديني الذي صاغوهُ تَميزاً سياسياً عن غيرهم، لتظلَّ السلطةُ فيهم، ولكي لا يذوبون في الشعوبِ الأخرى، فتذوبُ دولتُهم القبليةُ التي أسسوها، وهو ما ستفعلهُ الشعوبُ الأخرى كذلك وهي تتأثرُ بهِم وتصارعهم، وتطورُ تجربتَها السياسيةَ الخاصة وتشكل دولها.
من هنا شكلت القبائل اليهودية رمزية مقدسة نقية لتاريخها السابق، حيث الآباء يصارعون الحياة الوثنية ويختارون طريقاً آخر، ومن هنا يتم تصويرهم بشكل فردي رومانسي في تلك البيئة الصحراوية القبلية المتخلفة.
وهو أمرٌ مستحيل ومن هنا فلا يمكن أن تكون القبائل اليهودية في مصر غير وثنية، خاصة إن البيئة نفسها تعتمد على تعدد الآلهة وصورها وكثرة المعبودات.
ومن هنا فإن الأسماء المقدسة السابقة تلك تعبير عن هذا التاريخ المتواري، وعن القبائل والجماعات المترحلة والتي لم تكتسبْ تاريخَ عنف سياسي كبير مدون خاصةً، وحين ظهرتْ الكلمةُ المؤسسةُ:(إسرائيل) ظهر مصطلح الصراع العنفي هذا، فالإسم هنا هو عن الإله والإنسان في حالة الصراع العنيف.
إن التجربةَ اليهوديةَ أعطتنا مواداً واضحةً مكتوبة لكيفيةِ التشكل والنمو للبناء القامع العنيف، ثم للانهيار الداخلي الذي سيكون من فعل غزاة آخرين لليهود فيما بعد. وقد بينتْ التجربةُ كيف أن سياسةَ القبائل الساعية للسيطرةِ على مناطق قبائل وشعوب أخرى تعتمد على القوة الدموية، وهو عنفٌ تصورهُ بشكلٍ ديني مقدس، كما تُظهرهُ صورُ الإلهِ المؤسسِ لمثل هذه السياسات، فتلك الصورة الألوهية الراهنة وقتذاك هي المشكلة للعنف، لا أن البشرَ وهم الكهنة والأمراء الكبار هم الذين يصيغونها في لحظة سياسية صعودية لمشروعهم السياسي.
إن الأديانَ القبليةَ تقومُ في المشرق على العنف لأنها تطرحُ التوسعَ وتشكيل دول فاتحة، فيما أن الأديانَ المدنيةَ تقومُ على خلاف ذلك، عبر الدعوة والحوار.
اليهوديةُ شكلٌ مجسدٌ لذلك، ولهذا حالما غدتْ القبائلُ اليهودية قوةً عدديةً كبيرةً وهي تنزحُ من مصر مرعبةً المصريين من تناميها هذا، توجهتْ نحو مناطق الفراغ السياسي، لكنه لم توجدْ مناطقُ فراغٍ، لأن الأرضَ ممتلئةٌ بالشعوب:
(اسمعْ يا شعب إسرائيل. أنتَ اليوم تعبرُ نهرَ الأردن لتدخل وترث شعوباً أكثر وأعظم منك.. فأعلمْ اليوم أن يهوه إلهك يعبرُ أمامك كنارٍ آكلة. هو يدمرُهم ويخضعُهم أمامك، فتطردهم وتبيدهم سريعاً كما علمك يهوه)،(التثنية 9: 1 – 6).
من المؤكد إن هذه الصياغات العنيفة هي صياغاتٌ تاليةٌ عن التجربةِ القبلية اليهودية التوسعية، والتي تمتْ بذات الأساليب المروعة، وهي أساليبٌ كانت منتشرةً بين الدول والقبائل في الحروب في ذلك الزمان ولم يفعل اليهود سوى كتابتها وتسجيلها على أنفسهم، لكن أن تكون هي صياغاتٌ مقدسةٌ مؤبدةٌ عند المؤمنين بها حتى يومنا هذا، فهي التي تمثلُ مجموعةً من الإشكالياتِ الدينية والتاريخية.
لقد تمت فعلاً عمليات الحرق للمدن والإعدامات الواسعة للقبائل والرجال والنساء ونصوص التوراة تعطينا تفاصيل دقيقة عليها، ولكننا نقول بأن الصياغات الأدبية تمت في مراحل تالية ورغم إخضاعِها للتأنقِ في الكتابةِ لكن الحوداثَ الرهيبةَ ظلتْ محفورةً بين سطورِها مؤكدةً إياها حتى وهي مكتوبة بإسم إله.
إن الكهنةَ اليهودَ في مرحلةِ الأسرِ البابلي أو بعد ذلك يكتبون تفاصيلَ العنف، خاصةً في المراحل الكتابية الأولى:
(فنفخَ الكهنةُ في الأبواق، فهتف الشعبُ عند سماعِ صوتها هتافاً شديداً، فسقط السورُ في مكانه. فاقتحمَ الشعبُ المدينةَ، لا يلوي أحدُهم على شيءٍ واستولوا عليها. وقتلوا بحدِ السيفِ إكراماً للربِ جميعَ ما في المدينة من رجالٍ ونساءٍ وأطفال وشيوخ، حتى البقر والغنم والحمير)،(يشوع 6: 20 -21).
الكهنةُ والشعب المخدر بالشعارات الدينية، علاقةٌ تاريخية قديمة بين منتجي النصوص والممسوسين بها، وإستخدام الموسيقى وأدوات التأثير النفسي الحربي والشعارات والشعائر، كلها بغرضِ القيام بالعمليات الحربية الإبادية للخصم، لتنمو العملية السياسية وهي تحرقُ الأعداء.
تسبق العملياتَ الحربيةَ الجوانبُ العباديةُ، فهي المقدماتُ الضروريةُ للتخديرِ والتمكنِ من تحويل البشر من كائناتٍ مسالمة إلى كائنات وحشية، ولهذا فإن كلَ جماعةٍ تصنعُ أدواتها العبادية المميزة، والجماعةُ اليهوديةُ أثناء الخروج من مصر إحتاجتْ لسنوات عديدة لإحداثِ عملياتِ الغسل للعبادات السابقة وإحلال العبادات الجديدة، وجعلها تحوطُ بالبشر في كلِ ناحية، غير قادرين على الإفلات من جزئياتها الكثيرة في الصلواتِ والأحكام والفرائض الإنسانية والطقوس، بحيث تنشىء العقيدةُ سياجاً ملتفاً حول الكائن البشري، توجههُ نحو الخضوع للكهنةِ ورجال الدين والأمراء العاملين لخدمةِ أهداف سياسية معينة.
وأخذت العقيدةُ اليهودية المصاغةُ في فترة الخروج مناخَ الزمن العبودي المطلق، ويتجلى ذلك في صورة الإله المهيمن الكلي في هذا الزمن، الذي هو سيفٌ وبرقٌ وصواعق من السماء، هو روح القبيلة التي فقدت قدراتها العسكرية وتمت عسكرتها، وخلق الأناشيد الحربية فيها، ومناخُ العبودية المطلقة جاء من الحكومات السائدة وقتذاك، حكومات الفاتحين الشرسين وإبادة الخصم وتحويل الشعوب إلى ارقاء.
ومن هنا عملت المسيحيةُ على كسرِ إيقاعِ هذا العنف الوحشي، وجاءت الأناجيلُ متفرقةً متعددةً مختلفة، لتعارض الغزو والحروب والعبودية المطلقة فتؤنسن السياسة، لكن مسارها التاريخي قاد إلى هيمنة الإمبراطورية الرومانية عليها، ثم دُمجَ العهدُ القديم(التوراة وكتبها) بالعهدِ الجديد وهو الأناجيلُ المُعترفُ بها من قبلِ كنيسة روما. فبقيتْ الأقسامُ العسكريةُ اليهودية المفعمةُ بأجواءِ المذابح والعنف الوحشي في الكتاب المقدس المشترك، وغدت تلك الأقسامُ مادةً ثقافيةً مبجلةً لدى الملايين من المسيحيين خاصة وعلى مر العصور، لأن اليهود يقدسونها من باب أولى، وهو أمرٌ شكلَ الثقافةَ الاستعمارية المشتركة فيما بعد، وغذا العنف ضد الشعوب في العالم الثالث.
أفــــــــــــــــــق
عبـــــــدالله خلــــــــيفة
الصحراويون والزرع

قال ابن خلدون عن العرب إنهم قوم غير محبين للحضارة، فكلما أسرعوا إلى مكان أسرع الخراب إليه، وحين فتحوا البلدان حولوا جدران القصور إلى أثافٍ توضع تحت القدور للطبخ وألواحها إلى خشب للنار.
هذا الفهم هو مطلق ولكن لو كان ابن خلدون قد قال إن هذا لا ينطبق على كل العرب بل على الأعراب، على (الصحراويين) لكان ذلك أصوب من هذا التعميم.
وقد قال الشاعر الجاهلي امرؤ القيس (ترى بعرَ الأرامِ في عرصاتهِا وقيعانها كأنه حبُ فلفل)، فشبه البعر بالفلفل، ورفع الجماد والبقايا إلى ثمار زرع.
وتجد ان البلدان التي كانت عامرة بالنخيل والشجر والينابيع تتحول بعد سنين أو قرون إلى صحارى من تحكمهم إلى فلوات، كأن الصحراويين يستدرجونها لطبيعتهم الاجتماعية.
المظاهر العابرة من قصور وأسواق ومبانٍ عامرة تصير بعد مدة إلى خرائب، فهم يحملون طبيعتهم الصحراوية أينما يولوا في أقطار الأرض، وكان النداء الرسولي
الذي حفظوه وما استوعبوه والقائل إنه حتى لو جاء يوم القيامة وبيد أحد غصن لابد أن يكمل عمله ويزرعه، والتوجيه الآخر بأن الأرض الخلاء، الصحراء، ملكٌ لمن يزرعها، وليست أراضي مسيجة وأعطيات تـُعطى.
وفي العصور الوسطى وفي المشاعيات الشعبية الإسلامية كثـُر زرع الأرض الصحراوية، وكثرت القرى حتى صارت بالآلاف، والمؤرخون لا يصدقون ذلك ويعتبرونه من الخيال العامي.
وأيضاً هناك تلك الوصايا الجليلة بضرورة أن يتمدن الأعراب ويكفوا عن العودة للبوادي والصحارى، ولكن كانت الرحلة عكسية فهم يذهبون لبلدان متطورة قليلاً ويجعلونها مثلهم.
يحمل الصحراويون بضاعتهم الاجتماعية وهي الأسرة الكبيرة والأولاد الكثيرون، وكراهية العمل اليدوي ووضع النساء في مؤخرة الخيام، وحفظ النصوص وعدم استخدام العقل والحكم المطلق والعراك المستمر على السلطة أساس إنتاج الإبل والغنم والثروة.
المدن التي يؤسسونها قاحلة، كأنها خيام من حجارة وطابوق، لا يفكرون في المياه إلا لشربهم ولدوابهم، والشوارع خالية من مظاهر الجمال، ويفضلون الأشجار البلاستيكية، أو يقلعونها ببساطة ويدفنون بها الشواطئ، فيضاف قتل الشجر مع قتل البحر، ومن أجل أبنية طابوقية كريهة أخرى.
فظهر استيراد الشجر والنباتات الخارجية التي لا تعيش في المناطق الصحرواية.
تظهر بوادر الكوارث الصحراوية مع التوسع اللاعقلاني في الأبنية على حساب الطبيعة، ومن أجل تراكم النقود وتفريغ الإنسان، محاولة تجميع البشر في بقع ضيقة محاصرة هو من أجل بضعة فلوس من تقليص مصاريف الكهرباء والمياه، ولهذا فإن الكهرباء والمياه هما أول من يشوط في هذه السياسة (الذكية) المقتصدة.
في المدن الكبيرة تقاوم الأنهار والزراعة والثقافة العلمية كالقاهرة الزحف الصحراوي، بصعوبة شديدة، تبدو بعض الأشجار كغابات صغيرة في الشوارع، وتحتضن البنايات كالجدائل، وتصحو العصافير فيها في الظهيرة، ونهر النيل يغذي الجميع، والإرث الحضاري القديم والخصب النهري يقاومان رغم كل شيء، لكن التلوث والسياسة النفعية اليومية وتكوين المدن العربية بشكلٍ صحراوي أضعفت القاهرة.
إذا كانت المدن العربية الإسلامية قد تكونت بشكل صحراوي، أي عبر قرارات الفاتحين العرب لتكون المدينة بقرب الصحراء، فإذا هُزمت القوات رجعت إلى البادية كظهير عسكري لا يُهزم، لكن من جاءوا بعدهم حافظوا على الشكل الانتقالي العابر للمدن العربية، مثلما جعلوا الأشياء الانتقالية والملحقات في الدين ومضافاتها السياسية الكسروية والرومانية بديلاً عن الجوهر الاجتماعي النضالي في الدين.
في تجربة بني عبدالقيس القبيلة الكبرى التي استوطنت إقليم البحرين نجد الصحراويين ينتقلون للزراعة والتحضر على مدى أجيال، ويؤسسون القرى والجزر الزراعية ذات التجربة الأخاذة وهم المحاصرون بين البحر والصحراء، غير قادرين على صنع عاصمة عربية كبرى، فالمدينة لديهم ظلت قرية.
لكن كان هذا أحفل بالعطاء، لأن الحراك الاجتماعي من قبل العامة ظل متدفقاً، ومع هذا فإن البدوي حين يغدو فلاحاً، فهو يجلب عادات البدوي فيه، مثل الكسل والعنف والغزو والرغبة في الحصول على الثروة جاهزة، يعمل قليلاً ثم يترك كل شيء للقدر، والنصيب، وقد فارقوا أفكار الجزيرة العربية البدوية لبدوية فلاحية، قدسوا الأشجار لأنها العيش ثم بصقوا عليها لأن العيشَ جاء من مصدر آخر.
ومع هذا فإن الزراعة لم تنهر بفعل كل هذه العوامل، بل تدمرت عبر فعل (الحداثة) الاستعمارية، عبر جلب كل المنتجات من الخارج، ومن دون رؤية القرى البحرينية – البحرانية كمدن، فتضخمت وتغيرت من دون الأسس التي قامت عليها من قبل الفاتحين العرب، فهي ليست مدناً ومع هذا أقحمَ كلَ شيء فيها.
كانت القرية البحرينية هي صديقة النبع والشجرة، في ذلك الحصار الصحراوي الغباري الحار، ولكن الفاتحين الغربيين لم يفهموا سيرورة المدينة الخليجية عامة، كأنهم في مدنهم الباردة في أغلب فصول السنة، رغم أن ثمة جهوداً منهم في الاهتمام بالزرع والخضرة عموماً.
القرية الخليجية محاصرة بفعل البحر والصحراء، مواردها المائية قليلة، وحين حصلت على كمية كبيرة من النقود لم يُخطط توزيعها بشكل عقلاني بل أقحمت القرية في المدينة بشكل حاد، فقامت المدينةُ المقامة بشكل اصطناعي بإزالة القرية الزراعية، وزاد الأمر حدة حين تحولت المدينة الخليجية إلى مدينة عولمية فيها كل أمم العالم واقتصادياته، ومع هذا فإن الطواقم ظلت صحراوية، وظلت تنظر للزرع والماء والبيئة الجميلة كملاحق تافهة بالمدينة العملاقة الخاوية من الحضارة العميقة.
لاحظ كيف انحشرت مدننا الخليجية العربية على رؤوس البر المتغلغلة بين البحر، وهي القرى التي كانت هاربة من الصحراء والتي تحاول الإطلال على التجارة والانفتاح الخارجي مع وجود خلفية زراعية وراءها، لكن العقليات الإدارية حولتها إلى مدن (كبرى) محشورة في البحر وزادتها بضرب البيئة البحرية وترك الصحارى تزحف على المدن من خارجها وداخلها.
قانون الإنتاج المطلق
لا يكون الإنتاج الروحي إلا من أجل الناس، وبؤرتهم وقلبهم أصحاب العمل والإنتاج، قوى المعاناة والعطاء.
الفئات المنتجة للثقافة هي فئات وسيطة، لديها بعض الغنى المادي وبعض الغنى الثقافي، وتنمو حسب توجهها للناس، وتضحيتها بغناها الشخصي، لأجل أن تزدهر السعادة والغنى عند الأكثرية المنتجة.
وحتى حين كان المثقف ساحراً في العصور البدائية قبل التاريخ كان يشتغلُ من أجل الصيادين، فيرقص ويغني ويقص من أجل أن يزداد الصيد ويتكاثر الإنتاج ويعم الفرح.
وحين دبت الخلافاتُ بين الناس، وصار العبيدُ والأحرار، والفقراء والأغنياء، ظل قانون الإنتاج الثقافي هو نفسه. هل ينتمي المنتج الثقافي للمنتجين، والمعذبَّين، وللأغلبية المنتجة؟
لكن كان أغلبية المنتجين الثقافيين عبيداً في الروح، يوجهون إنتاجهم لمصلحة الأقلية، وبقي الإنتاج الذي انتمى للناس، وذاب إنتاج النفاق والاستعراض. لقد ظل مكتوباً كذكرى مؤسفة على هدر بعض الناس طاقاتهم من أجل النقود، لا من أجل سموهم الروحي.
أنظرْ يا من غيبت نفسك في طوفان الأشياء كيف أن كلمات التوراة والأنجيل جسدت معاناة أنبياء هربوا من الإستغلال وعسف الدول إلى الصحارى كي ينشئوا دولاً حرة، فتسامت كلماتهم وتواريخهم وتوحدوا مع السعادة العميقة والصلبان والزنزانات.
ولعلك لم تقرأ جيداً القرآن وهو كلماتٌ عن نبي رفض أن يخدم الملأ الاستغلالي وفضلَّ أن يكون مع العبيد والفقراء وغيّرَ التاريخ.
لعلكَ يا منْ غيبتَ نفسك وراء الأشياء تظن إن حمايتك من قبل أصحاب النفوذ سوف تعلي كلماتك الباهتة، أو لأنك مررت بتجربة سجن عاصفة وألم كبيرة سوف يحميك هذا الجبل الطيب من طوفان زحفك نحو المعدن الأصفر، فالناس تعرف استمرار مقاومتك لا تاريخك ذلك وتخليك عن أصلك الطيب.
ومهما جئتَ بأصولٍ حاكمةٍ أو أسرةٍ كريمة أو إنتماء لحزبٍ مناضل قدم الشهداءَ الكثيرين، ومهما كان أقرباؤك وأئمتك من جهابذة في الدين والتاريخ، فإن مقياسك هو شخصك ومدى إنتاجك المضيء ونقدك للأشياء السيئة والظاهرات المخربة للإنتاج وحقوق الأغلبية من العاملين.
لا تقل أسرتي وحزبي وأئمتي وقادتي، بل قل ما هو عملي وموقفي الناقد ودفاعي عن شعبي وكفاحي ضد الأخطاء.
والأديب ليست كلماته بمعزل عن قانون الإنتاج المطلق هذا، الذي يتساوى فيه الأنبياء العظام والشعراء الصعاليك، وهو ميزان الحق، فيظن أنه له فترة يجاهد ويتعذب لكي ينير ثم تأتي له فترة خاصة يتكاسل ويبحث عن المناصب ويغدو رئيس جريدة النفاق.
ميزانك هو كلمتك، مدى تحول قصصك وأشعارك ومسرحياتك ونقدك إلى كشافات تفضح مستنقعات الفساد، لا تقلْ إنني أديب ناشىء أبحث عن سبل التعبير والعيارة، ليشتد عودك وتنضم إلى الحرامية، بل أغمسْ مدادك في معاناة البشر ولا تستجدي الشهرة والمال.
لكن الكثيرين اتخذوا الكلمات مطايا، وهدايا، وضحايا، وقادة الفكر وعباقرة الكلمة غدوا مثالاً سيئاً للنشء، وهذا يحدث كثيراً في التاريخ، عندما تقبضُ الطبقة المسيطرة على الكثير من المال فتستطيع أن ترشو بكثرة، لكن ذلك مؤقت، لأن وفرة المال على هذا النحو لا تدوم، بل تدوم حين تستمع هذه الطبقة للنقاد، وترهفُ جميعُ آذانِها للضربات الكلامية والأدبية والعلمية التي توجه لتبذيرها وفسادها وحينئذ تطور سيطرتها وإنتاجها المشرف على الأفلاس بفضل جوقات النفاق والبذخ.
المال اليوم عندك وغداً عند غيرك ، فتذهب للاستلاف، فلماذا تبيع ماء وجهك وكنت عزيزاً، ولا تحفظ كرامتك وهي من كرامة الأمة والناس؟
لا تقل أصلي وفصلي وحزبي وجماعتي، بل قل هي كلمة الحق أوجهها ضد كل مخطئ ومستغل ومبذر، أرفع بها من يسمو إلى المعالي، وأعصف من خلالها بكل من أهدر ثروة الأمة ونشر الأرهاب وغزا الأخوة والجيران ووسع الاستبداد.
كلمتي هي مع الحق والحقيقة، لا مع الخزائن.
ليست كلمتي مرهونة بمديح النقاد وأن يرضى عني رئيس الجامعة والكلية، فأدبج (الدراسات والأبحاث) كما يشتهي رئيسُ القسم المريض، فأعلي من يرضى عنهم، وأخسفُ الأرضَ بمن يكرههم لكي أحصل على الوظائف والمال، فأي علم هذا الذي يكون ذاتياً وجائراً وغير منصف؟
وكيف تنشأ الحقيقة بين جماعات القول الواحد والصوت الواحد، وجماعات نحن مع الزعيم أينما توجه وكيفما قال؟ وهل تـُدار الأوطان والأحزاب بقول الفرد؟
يتباين الإنتاج الثقافي في كل هذه الأنواع في أشكاله وتعابيره، ويتحد في مضامنيه، وفي عصوره السحيقة والمعاصرة، على بعد المسافات والأشكال والأزمان، فكلمة الحقيقة تشق طرقها بوسائل مختلفة، وهي تنمو من خلال الألم الشعبي، تنور صهر الأشكال ووحدتها وتطورها، وفي الفرح والغنى ظاهرات مقاربة حين تتصل بذلك الهم الإنساني العميق.

