أرشيف التصنيف: عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

يوسف يتيم : دراسة تطبيقية لرواية الجذوة على ضوء المنهج الواقعي

بدون عنوان

بقلم : يوسف عبدالله يتيم

هذه الدراسة نشرت في مجلة الكاتب العربي العدد الرابع من السنة الاولى ديسمبر 1982 دمشق .

أعدها ونشرها على موقع عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي: عيسا خليفة البوفلاسة.

تذكر أنك ضيف وليس لص

تمهيد :

تنتمي رواية «الجذوة»* إلى اللون الأدبي المسمى «بالرواية القصيرة» . Novelette وليس إلى الرواية بمعناها الدقيق أي بمعناها الملحمي، فالجذوة رواية من حيث كونها تحتوي على عناصر الرواية من جهة ، عندما تطمح في تقديم بانوراما أو نظرة شاملة لمرحلة أو لمراحل محددة من حياة بعض الشخوص (ولا سيما العامل فرج الشماس وابنه شاهين والحارس مشعل الياس ورحيم غزوان وميرزا عجب والمدير العام) ، حيث تعكس هذه الشخصيات وبشكل متفاوت وبدرجات مختلفة ، متباينة ، مرحلة محددة من مراحل تطور مجتمعنا ، بدءاً بمنتصف الخمسينات، مروراً بالستينات. وقد تجلت تلك المرحلة على مستوى الشخصيات في فرج الشماس، مشعل الياس والمدير العام على وجه التحديد، بينما عبرت – وبحدود معينة – شخصيات مثل شاهين فرج ورحيم غزوان وميرزا عجب – وإلى حد معين، السكرتيرة رجاء عن فترة زمنية في تلك المرحلة بدءاً من منتصف الستينات إلى بداية السبعينات. وغني عن البيان، فإن تلك المرحلة وفي فترات زمنية محددة، كانت حبلى بالأحداث والتحولات النوعية في بنية مجتمع ما بعد اكتشاف النفط ، حيث نشأت علاقات اقتصادية واجتماعية جديدة في أحشاء المجتمع القبلى ــ الإقطاعي الذي تفتتت وتحللت علاقاته بالتدرج وبفعل قوانين التطور الاجتماعي حيث أخذت تنمو العلاقات الرأسمالية المتقدمة تاريخياً على علاقات ذلك المجتمع القبلي الأمر الذي أدى إلى تشكل مجتمع شبه رأسمالي بعد استخراج النفط ، تحددت ملامح تطوره اللاحق على طريق التطور الرأسمالي بشكل أوضح بعد دخول الشركات المتعددة القوميات والبنوك الأجنبية وتزايد مشروعات الإنتاج الرأسمالية واتساع رقعة نشاطها الاقتصادي داخل البلاد. الأمر الذي تمخض عنه نشوء قوى اجتماعية جديدة كالعمال والرأسمالية الوطنية تحالفت نارت لتهشيم أسس المجتمع القبلي القديم وتناقضت فيما بينها تارة أخرى وذلك طبقاً تقارب أو تباعد مصالحها الاقتصادية والاجتماعية، وقد تجلى ذلك التناقض في الصدامات والمعارك الاجتماعية التي عصفت بالمجتمع في الخمسينات والستينات وعلى مشارف السبعينات. وقد طرأت على بنية المجتمع ــ ولاسيما في منتصف السبعينات ــ تغيرات سريعة وجديدة كنتاج لتلك المعارك الاجتماعية خففت نسبياً من هذه الصدامات الاجتماعية السابقة وقد تمثلت تلك التغيرات في الانتعاش النسبي للاقتصاد بشكل عام . وما كان من الممكن تمثل ظواهر الوحدة والصراع بدقة وتجلى قانون تطابق وتناقض علاقات وقوى الإنتاج الرئيسية في المجتمع وانعكاس تلك الظواهر وذلك القانون في الوعي الاجتماعي. إلا بعد انقضاء المرحلة المذكورة أعلاه . (ولسنا هنا بصدد تأريخ تلك المرحلة. وهذه الدراسة لا تطمح إلى أبعد من بحث رواية الجذوة وكذلك وضع مقدمات نظرية عامة، ميتودولوجية لاستيعاب ظاهرة الرواية ووضع بعض الأسس المنهجية لدراسة الظاهرة المذكورة في الحركة الأدبية البحرينية في المرحلة الراهنة) .

ان الاشارة العابرة هنا لظواهر الوحدة والصراع تومىء إلى أن بعض أحداث رواية الجذوة وملامح الشخصية تفصح ــ بهذه الدرجة أو تلك ــ عن تجلي الظاهرة المعنية وبصرف النظر عن وضوح أو غموض ذلك التجلي ودرجات انعكاسه في الوعي الاجتماعي لشخوص الجذوة.

من هنا، واذا ما وضعنا في عين الاعتبار طرح الرواية إلى التعبير عن مرحلة أو مراحل من حياة مجتمعنا، وبجانب تجلي الظاهرة الاجتماعية المشار إليها ويغض النظر عن درجة التجلي تلك . فإننا سنجد في الجذوة ما يتيح لنا القول بطابعها الروائي من جهة. أما من جهة أخرى فسنرى فيما بعد أن الجذوة تنتقي أو تنتزع لقطات سريعة ومكثفة من حياة شخصيات أخرى ظهرت لنا إما في شكل نماذج مكملة للنموذج الأصلي (أي للأب فرج وابنه شاهين) أو في صورة شخصيات هامشية عادية لا تعبر عن مرحلة بأسرها أو عن فئة محددة من الناس وبخصائصها وقسماتها المشتركة وذلك إذا ما وضعنا في عين الاعتبار مبدأ (النمذجة) كعنصر ضروري في بناء العمل الروائي . . هذه الشخصيات هي على وجه التحديد والدقة ــ سعد مختار وعنتر السجان وأبومحمد، والتي لم تربطها روابط عليّة سببية بالحدث الروائي . وسنأتي على ذلك بالتفصيل فيما بعد.

وهذا الأمر يخلق في هذه الرواية القصيرة ميلا للجمع بين خصائص شكلين من أشكال القصة (أي القصة القصيرة والقصة الطويلة). ان الميل العام أو النزوع نحو خلق بانوراما لحياة النماذج عبر الحدث والفعل ، والرغبة الجامحة في تغطية حياة كاملة أو مرحلة معينة من حياة الشخصية ومصيرها التاريخي ، وبصرف النظر عن درجة التحقق والتجسد المادي لتلك الرغبة في العمل الروائي، يشكل سبباً رئيسياً في الانعطاف نحو الرواية القصيرة بشكل عام . كما أن المتتبع عن كثب للاتجاهات الأدبية الأخيرة ، سيجد أن هذه الاتجاهات تبحث عن أشكال وأساليب فنية جديدة في النثر . «لقد أضحى البطل النموذج الملحمي شائعاً على نحو متزايد بحيث أصبحت القصة ــ النثر دون ذلك النموذج غير مقنعة. وهذه هي إحدى أوجه أو سمات الرواية القصيرة المعاصرة . وهي تخلق جاذبية استثنائية خاصة في تصوير الحياة . . في تعقدها ، غناها وتنوعها»(1)** كما يقول الناقد الأكاديمي «سافا دانجلرف» . وهذا هو السبب الآخر للانعطاف نحو الرواية القصيرة في أدب البلدان النامية وبما فيها بلادنا . ولعل من الدواعي البارزة في التوجه نحو الرواية القصيرة هو عدم قدرة القصة القصيرة بمساحتها المألوفة على رصد وتصوير مرحلة أو مراحل متعددة من حياة البطل ــ النموذج وبالتالي على تفريغ التجربة الذاتية والخبرة الحياتية للأديب .

يجيب مؤلف الجذوة ــ محمد عبدالملك ــ على سؤال ما إذا كانت القصة القصيرة قد ضاقت بطموحاته نحو الرواية ، بأن القصة القصيرة ، «ضاقت ليس بطموحاته بقدر ما ضاقت بحمل أعباء النفس . فالفرد منا كما يقول ــ يشعر بالصلب ودبيب المسامير في راحتيه وطرقات حادة تأتي إليه من أكثر من مكان ويواصل «كيف أستطيع أن أقول كل شيء في قصة قصيرة وكيف أقول كل الأشياء دفعة واحدة . . .»،(2) (انتهى كلام المؤلف).

ان الانتقال الى كتابة الرواية ليس بالأمر الهين أو البسيط ، فالمسألة ــ ولا سيما في طور ولادة الرواية ونشوئها في البلد المعني ــ مرهونة بعوامل عدة . أهمها الموهبة الفنية في الكتابة القصصية والروائية . هذا العامل الذي يمكن تلمس بصماته حتى الآن عند كل من أدبائنا الشباب : محمد عبدالملك. عبـدالله خلـيفة ، أمين صالح وخلف احمد خلف ، وذلك دون المبالغة في تضخيم ذلك العامل أو التقليل من شأنه (ان الحديث يدور هنا عن الكتابة الرواية في مرحلة تطور الحركة الأدبية في اللحظة الراهنة أي في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات) ، وبجانب تلك العامل الحاسم توجد عوامل أخرى ليست أقل أهمية من عامل الموهبة الفنية وصدق الانفعال بالحياة، ويأتي على رأس تلك العوامل: الثقافة الأدبية والفنية العالية بما تنطوي عليه من مهارة ومراس وخبرة بالتكتيك الفني ودرجة محددة من الوعي الاجتماعي بحركة تطور المجتمع عامة والقوى الاجتماعية الفاعلة والمؤثرة فيه . . . تطور مجتمعنا بالذات ، والإمساك بقوانين تلك الحركة وظواهر الوحدة والصراع ودرجة تجليهما في المرحلة المعنية ، تآلفهما وتناقضهما الجدليين . اضافة الى تجميع المادة الحياتية ومعرفة كيفية التقاط ما هو هام وجوهري في الحياة الاجتماعية واستبعاد ما هو تفصيلي . . عادي . . رتيب ، عبر اكتشاف الحلقات المهمة والرئيسية في ذلك التفصيلي العادي . . الرتيب ، أي الحلقات المساعدة أو الموصلة وبشكل فني إلى ما هو هام ، نموذجي وجوهري . ومن الواضح أن هناك فرق شاسع بين الإدراك المعرفي ، على المستوى النظري لهذه المهمة الصعبة وبين تجسدها وتجليها المادي الحي المتحقق في العمل الروائي على المستوى التطبيقي .

أن عصرنا الراهن هو عصر التجريد الفني والجمالي . عصر الاكتشاف والخلق الإبداعي ، هذا الأمر يجعل من هذا الفن (أي الرواية القصيرة) شكلا نمونجياً ينبغي أن تتجلى من خلاله عملية التجريد الفني ليس بشكل نمطي . معمم . مجرد من المادة الحياتية أو مفرغ من الحياة كما هي معاشة أو الشخوص الواقعية وصراعات الحياة الحقيقية من جهة ، ولا بعرض ما هو رتيب عادي وتصوير كل شاردة وواردة في حياة البطل ــ النموذج أو التفاصيل الموغلة في ثانويتها.

إن نقطة البدء في الإبداع الروائي هنا ينبغي ان تنطلق من حياة مجتمعنا ذاتها ومن الأحداث والوقائع الحياتية الفعلية ، ودون ذلك لا يمكن أن تتأسس الفكرة الفنية الأولية أو أن تتكامل على شكل صورة فنية . ولا يمكن أن يتأسس الفن الروائي دون أن يكون أديبنا قد مر مسبقاً بتجربة ذاتية وستحصل ذخيرة من الانطباعات المتنوعة ، هذا الأمر الذي سيشكل بالنسبة له مخزوناً من الصور الفنية و أشكالا متعددة من الإبداع الفني . تلك هي نقطة البدء في كتابة الرواية.

بيد أن معرفة الأحداث والوقائع الحياتية لا تكفي وحدها لأن تخلق لنا في العمل الروائي صور فنية دون إشراك الخيال . وهذه صفة هامة للموهبة . ويمكننا أن نتلمس هذه الصفة وبعض خطوطها لدى بعض كتاب القصة القصيرة في البحرين.

إن الإلمام بدقائق التنميط في الفن ومعرفة سبل النمذجة يعد أمراً ضرورياً لا يمكن تخطيه ، تجاوزه أو القفز عليه في كتابة النص الروائي . وعندما يكون أمام كاتب الرواية نموذج واقعي للصورة الفنية التي يطمح في تشكيلها أو إنشائها ، سيشعر حتماً بضرورة وجود خيال مبدع كشرط أساسي وجوهري في بناء العمل الروائي . فالصورة الفنية لا تصف لنا النموذج أو البطل كزيد أو عمرو من الناس . أن الصورة الفنية تكتسب محتوى أغنى وأعمق من شكل البطل أو النموذج الموجود في الحياة الحقيقية والتي تطمح تلك الصورة في عكسه وتصويره . بيد أن ذلك لا ينبغي أن يختلط بفكرة أخرى مناقضة ، تتمثل في الابتعاد عن الحياة وصراعاتها الحقيقية ورسم صور و أشكال مختلفة . . باهتة ، لا هوية لها ، وبعيدة عن تربتها الاجتماعية أو عن المنطق الداخلي للواقع المحلي المعاش .

يقول أحد النقاد في هذا الصدد بأن «الموهبة عند الفنان تعبر عن ذاتها في قدرة صاحبها على التقاط الجوهري والأهم . وعلى تركيز انتباهه على العمليات والوقائع الحياتية الأشمل في إظهارها لمعنى ما يعكس . وامكانية هذا النوع من التعميم موجودة في الحياة نفسها . فالقضية هي أنه توجد في كل ظواهر الواقع (بما في ذلك الإنسان) إلى جانب الملامح الذاتية المتفردة ، سمات عامة توحدها في مجموعات متفاوتة في كبرها . فكل واحد منا هو إنسان ذو قوام خارجي وداخلي خاص به وحده . لكنه توجد في أخلاقنا الى جانب ذلك، ملامح نشترك فيها مع أناس آخرين من نفس مهنتنا ووضعنا الاجتماعي وقوميتنا وأخيراً مع الإنسان بوجه عام . ولهذا السبب تتوفر عند الأديب وهو يتحدث عن إنسان ما محدد ، إمكانية التعميم في صورة ذلك الإنسان ملامح وخصائص يشترك فيها أناس كثيرون أو حتى كل الناس . وهذا التعميم من خلال الصورة الفنية المتفردة يسمى «نمذجة»(3).

أن الواقعية الجديدة وبوصفها منهج حي متطور لا تتحقق في خلع الرمز على فكرة عامة مجردة ولا عن طريق تقريرها وتوضيحها بمثال فردي وصورة مشخصة انما بإظهار العام في المفرد . . . في الخاص ومن خلاله . فالنمطية والتجريد في النمذجة والابتعاد عن تصوير الحياة الحقيقية بكل آلامها ومآسيها . . وبكل أفراحها وأعراسها ، إنما هي نزعة تتوحد مع تيار آخر نقيض لها هـو التسجيلية والتقريرية في تصورهما المشوه لقوانين التعميم والنمذجة في الأدب الواقعي . . ومن هنا تنشأ ضرورة العمل بدأب ودون منافحة أو مواربة لتجاوز التقريرية وضد الشحوب والعبث في الفن على حد سواء ، بهدف إرساء أسس واضحة لتطوير حركتنا الأدبية وانتشالها من المراوحة في مكان واحد وكسر جمودها والتصدي لمحاولات التحجر والانغلاق والتكلس .

إن من الخواص الرئيسية للرواية القصيرة عامة هو أن الأحداث فيها تتطور وتتنامى وفقاً لتسلسلها الزمني المتواصل والنظر للزمن كوحدة غير متقطعة ، وكخاصية موضوعية مستقلة عن وعي الذات عامة وعن وعي الأديب وشخوص عمله الروائي بشكل خاص . ولا يمكن تصور الرواية القصيرة دون وجود ما يسمى بمبدأ «الكرونيكاليتي»، Chronicality (أي عرض الأحداث طبقاً لتسلسلها وتعاقبها وتتاليها الزمني بشكل متواصل)، هذا الجانب الحيوي نجده واضحاً عند كتاب الرواية القصيرة الواقعيين الذين انتهجوا هذا الشكل الفني منذ تورجينيف الى آيتماتوف وكيزين كوليف ، وفالنتين راسبوتين وغيرهم من كتاب الرواية القصيرة الواقعية في مختلف الآداب العالمية المعروفة .

إن انعدام التعلق والترابط الكرونولوجي للزمن الروائي ، أمر يتعذر فهمه بحيث أنه «يستحيل على كاتب الرواية، كما يقول إدوارد مورجان فوستر ، إنكار الزمن في بنية عمله الروائي»(4)، ويواصل الناقد قوله مؤكداً على أن العنصر الأساسي للرواية هو وجود قصة وهذه القصة هي حكاية مؤلفة من أحداث منسقة في تسلسل زمني «وذلك في تعليق له على موضوع الكرونولوجيا في رواية «والتر سكوت»، (جامع الآثار) The Antiquery وفي تقييمه لموضوع الزمن وتفتيت التسلسل الزمني عند الروائية «جيرترود ستين Gertrude Stein» وبصرف النظر عن صحة تعريف فوستر للرواية ، فإن تأكيده على الطابع الكرونولوجي أي التسلسل والتعاقب الزمني لأحداث الرواية ، وهو أمر لا يحتمل الجدل .

إن المصير التاريخي المأساوي لشخصية فرج الشماس في رواية الجذوة تعكس الى حد ما تعقد ظروف المرحلة التاريخية الملموسة. كما أن الأهداف العامة التي تسعى إلى تحقيقها شخصيات الجذوة من البحث عن الحقيقة . والكفاح من أجل الخير ومقاومة الشرور الاجتماعية . هذه الأهداف الإنسانية الرفيعة تجلت لنا في الرواية المذكورة على أنها أهداف بعيدة المنال في الظروف الحالية الراهنة.

إن المصير التراجيدي للشخصية يلعب هنا دوراً خاصاً في فترات التحول الاجتماعي اذ أنه يعكس تعقد وصعوبة المشاكل التي يطرحها الزمن والتاريخ على افضل الناس والتي يتعذر حلها في الوقت الراهن.

هكذا مثلا كان وعي «هاملت» للمأزق المأساوي لوضعه في هذا العالم ، الذي بدا له بشكل سجن ضخم ، حيث أحس بالعالم احساس رجل ذي نزعة انسانية قرر ان يدخل في مواجهة غير متكافئة مع هذا العالم .

هكذا ينبعث لنا موت انسان كفرج الشماس والمصائر التاريخية للشخصيات الأخرى كانهيار لقيم إنسانية هائلة قوامها الصدق ، والعفوية والرغبة الجامحة في نشر الخير الاجتماعي . إن هذا الموت لذلك الانسان وهذا الانهيار لتلك القيم إنما تثير فينا شعوراً بأن هذه القوة العظيمة الهائلة من الأفكار والمشاعر الإنسانية لم تذهب عبثاً . فالمأساة هنا قادرة على أن تعبر عن الإيمان العميق بالإنسان وبمستقبله . «قال لي القمر ما سيقوله لأحفادي ، أن الضوء جميل ، والليل الدامس مقبرة رهيبة. لغة الريح واحدة ايضاً : أن الشر تجتاحه العواصف مع الأيام »(5).

تتناول هذه الدراسة رواية الجذوة من الجوانب التالية : الجانب التفسيري والجانب التحليلي والأساسي التقييمي ، وبما تنطوي عليه تلك الجوانب من تفكيك للرواية وتحليلها لعناصرها الرئيسية والمتمثلة في المقاطع المختلفة . فهي من هذه الناحية تنصب على التكوين البنيوي للنص الروائي من حيث تحديد الشخصيات والحدث أو الأحداث الرئيسية والأسلوب والعلاقات البنيوية المكانية والزمانية وكذلك علاقات التماثل والتناقض. ثم يمتد هذا التناول ليشمل دراسة الرواية المعنية من وجهة النظر الروائية من حيث البؤر والمحاور المتعددة كبؤرة السرد الروائي وبؤرة عنصر التشويق وبؤرة الشخصية وملامحها الرئيسية ومبدأ النمذجة والترتيب الكرونولوجي لأحداث الرواية ودراسة الخبرة الحياتية ومدى التجربة الذاتية ، مع إخضاع تلك الجوانب لمنهج الإبداع الفني، وذلك بهدف تجاوز وتخطي الميل الانطباعي ــ التأثري والنظرات الذاتية والأحادية الجانب في دراسة نص العمل الأدبي وبالتالي تأسيس الخطوات المنهجية الأولى اللازمة والضرورية لمواجهة أزمة النقد المزمنة في حركتنا الأدبية والتي وبدونها سيظل نتاج أدبائنا الشباب عرضة للمزاجية وتغليب الذاتية على المنهج . ولا تدعي هذه الدراسة بأن خطواتها المنهجية قد استكملت مقوماتها في دراسة النص الأدبي ، ذلك لأن المنهج نفسه لا يتأسس دفعة واحدة ودون مقدمات ، إنما عبر المعاناة والمعايشة الحقيقية للنص . . وعبر التطبيق وبما ينطوي عليه من اخفاق تارة والكشف عن حقائق جزئية في النص تارة أخرى . إن المنهج في هذه الحالة غير موجود، ولكنه يتشكل . . يتأسس . . ويشق طريقه الى حيز الوجود .

البحث الأول :

الهيكل العام للعلاقات البنيوية في «الجذوة»:

1 ــ بنية المقاطع من حيث الشكل :

تتألف بنية نص رواية الجذوة من إحدى وعشرين مقطعاً ، وتتعدد في داخل المشهد العام للرواية تنقلات الذاكرة في الزمن . بحيث أن الرواية في بنائها العام هي حصيلة التراكم الكمي لمجموع التداعيات وتنقلات الذاكرة . كما تتعدد هذه التداعيات والتنقلات ليس لتشييد البناء العام للرواية فحسب . إنما لتؤسس الإطار العام لكل مشهد على حدة وضمن المقطع الواحد أيضاً . لنأخذ على سبيل المثال «المقطع الثاني»، وهو اطول مقطع من حيث تعدد الموضوعات وتداعيات الذاكرة عند الراوي في حجمها الكمي . فهذا المقطع يتألف من خمسة وعشرين مشهداً جزئياً تقع في ست صفحات فقط . وهذه المشاهد الخاطفة والتداعيات تأتي إما في صورة ، سؤال وجواب : مثل، س : ما الفرق بين العادي والخارق ج ــ انهم يضحكون من القلب وهذا فعل خارق/ أو في شكل حوار بين متحاورين مستترين كما في المثال التالي :

ــ …………….

ــ لم يمت مخموراً .

ــ كانت آثار ثقوب في ظهره .

ــ المقاول .

ــ لا أعلم ، لم يمت مخموراً .

أو كما في المثال التالي :

ــ هل جاء الى العمل.

ــ لماذا شاهين فرج .

ــ لأنه الرأس .

ــ هو موجود !!

أو على هيئة نبرة الصوت الثالث وتداعي الذكريات وانثيالها في مخيلة الشخصية الرئيسية :

ــ « أنا عشيق زوجة المقاول» ص 10.

ــ «بوسع الإنسان أن يكون خارقاً يوماً ما» ص 12.

ــ «من أجلي لا تشارك» ص 13.

و ــ « بيت لليلة الواحدة . . .».

أو على شكل حوار بين شخصية مستترة ، هي الراوي ، وأخرى غير مستترة ، كما في الحوار التالي :

قال مشعل الياس :

ــ أتحب التغيير .

ــ للأفضل .

ــ سيشاركك الحجرة مهرب .

ــ مخدرات .

ــ شاب من عمرك .

ــ أي شيطان !

ــ ما أسمه

ــ رحيم غزوان . . . الخ

أو في حالة تنقل الذاكرة في الزمان والمكان كما في الصورة التالية :

ــ رحيم غزوان ، يعمل في الطيران/ أول جملة على صفحة 14.

ــ لكنه لا يعمل في الطيران . / آخر جملة على صفحة 15.

ــ قبل سنوات ، أما في السنوات الأخيرة . . . ص 16.

ــ معاً في زنزانة واحدة . ص 16.

أو في اعتماد السرد على لسان الراوي، كما في المثال التالي من نفس المقطع : (هو يعرف الحقيقة «أي رحيم غزوان»، وكل مال حدث . نحن من حارة واحدة ، ذهب اليهم بنفسه ، وعاد معهم بنفسه . أشار إلى البيت . كان ليلا وبرداً . كنت خلف النافذة ، أرقب جري الكلاب ونباحها من وراء النافذة ، سمعت أبي يغني ثم يشخر . داهمني الرجال . . .)

وهكذا تستمر الأسئلة والأجوبة تتدافع ، اللقطات والمشاهد الخاطفة كما لو أنها لقطات ومشاهد سينمائية سريعة التنقل . وتداعيات الذاكرة لا تكف عن الانثيال في المقاطع الأولى والوسطى من الرواية . ثم لا تلبث أن تتضاءل تدريجياً في النهاية ، فيبدأ السرد القصصي في التزايد ، بدءاً من المقطع السادس عشر ، ذلك وإن تخللت المقاطع الأخيرة ، الحوارات وتداعيات الذاكرة أحياناً .

إن المؤلف يقوم هنا بمحاولة تطبيق ما يسمى بالمونتاج الروائي حيث يسعى الى القيام بعملية توحيد وممازجة المشاهد الجزئية للأحداث عن طريق ارسال لقطات سينمائية سريعة التنقل في عملية توصيل المشهد العام للحدث الرئيسي .

إن هذه القضية ترتبط بمسألة ما إذا كان الكاتب يعرف جيداً كيف أن أي تغير في هيكل أو في بنية الرواية وإن أي تنويع في الأسلوب ، سيعمل على تغيير الاستجابة الكلية عند القارئ . فمثلا لنرى كيف أن اديباً كهمنغواي في أحد قصصه (القتلة ــ The Killers) وحيث لجأ إلى أسلوب المونتاج القصصي قد اختلط أسلوبه الواضح والبسيط والواقعي بمشاهد وومضات سينمائية فكان على تلك المشاهد أن تجتمع وتتوحد فيما بينها في عملية توصيل المشهد العام للعالم حسبما يراه الكاتب»(6). إن الصعوبة هنا تكمن في القدرة على توحيد المشاهد الجزئية في توصيل المشهد العام وليس في مسألة مشروعية تطبيق أسلوب المونتاج أو عدم تطبيقه .

2 ــ الِشخصيات :

تتجلى لنا الشخصيات في رواية الجذوة على النحو التالي :

أ ــ شخصيات رئيسية هي : فرج الشماس والمقاول ثم شاهين فرج ورحيم غزوان ، مشعل الياس والمدير العام .

ب ــ شخصيات ثانوية مكملة للنماذج الأصلية وهي: زوجة المقاول وعشيقة شاهين فرج ثم ميرزا عجب والسكرتيرة رجاء وأم شاهين .

ج ــ الشخصيات ذات الأهمية بالنسبة للراوي والمقطوعة الصلة بالحدث الروائي وهي: سعد مختار وابومحمد وعنتر السجان .

3 ــ الحدث الرئيسي :

يتلخص الحدث الرئيسي في أن علاقة تناحرية عدائية تنشأ بين المقاول وبين العامل فرج الشماس ، سنأتي على ذكر أسبابها فيما بعد ، يدفع المقاول بامرأة تصدم فرج الشماس في حادثة سيارة ، يموت من جرائها فرج الشماس بشكل مأساوي . ورغم كثرة شهود العيان ، لا يجرؤ أحد على الشهادة برؤيته للجرم ، وعندما يظهر الشاهد (وهو الرجل الغريب ظاهراً ــ شاهين فرج الابن واقعاً ) ويعلن عن شهادته وعن رؤيته للحادث ومعرفته بالمجرم ، فيدخل هو في السجن وليس المجرم وحيث يتعاطف الشرطي مع الفتاة ويتهم شاهين فرج بالحديث عن أعراض الناس وعلى ذلك يتحول شاهين فرج من شاهد على مقتل والده، إلى متهم بالقذف في عرض المومس التي دهست والده في الحادثة المذكورة .

وهناك في الرواية حدث آخر مماثل للحدث الرئيسي حيث يسقط أحد العمال من احدى طوابق عمارة ، فيموت بنفس الطريقة التي مات بها فرج الشماس . . أي عن طريق الغدر والتخطيط المسبق للجريمة مع الإيحاء في كلا الجريمتين بأن هذا العامل وكذلك فرج الشماس قد وافتهما المنية بشكل طبيعي ، وبسبب كونهما مخموران وليس بحكم التدبير وسبق الإصرار على ارتكاب الجرم .

4 ــ الأسلوب :

يتسم أسلوب الرواية بالبساطة والوضوح التقريري مع استخدام الجمل والعبارات القصيرة والبسيطة التي تسود في مجمل مقاطع الرواية ، إلا فيما ندر حيث تأتي الجمل المركبة والمعقدة في سياق السرد وعلى نحو طفيف . وفي المقاطع الأولى يكثر الحوار وتتعدد التداعيات مع تداخل نسبي للسرد في المقاطع التي يسودها الحوار ويمكن تمثيل ذلك بالصيغة التالية: (حوار/ حوار/ حوار / سرد / حوار / حوار / سرد / حوار / حوار) ، وبالعكس ، ففي المقطع الأخير من الرواية يتزايد السرد ويقل الحوار تدريجياً ويمكن تمثيل ذلك في صيغة:

(سرد / سرد / سرد / حوار / سرد / سرد / حوار / سرد / سرد) .

وفي أثناء الحوار نجد أن الشخصيات تتحدث عن بعضها كحوار مشعل الياس مع شاهين فرج عن والده ، وكذلك حديث المدير العام مع الابن عن الأب وعن نفسه. وأيضاً حديث الأم مع ابنها عن والده ، الأمر الذي يؤكد أن الراوي ( شاهين فرج) ليست لديه المعلومات الكافية عن تاريخ حياة والده .

أما في حالة السرد ، فيتولى الراوي نفسه الحديث عن الشخصيات الأخرى كحديثه ووجهة نظره في ميرزا عجب وفي سعد مختار وعنتر السجان وأبي محمد . أما في حالة مثول الشخوص وحضورها وجهاً لوجه ، فإن الحوار في هذه الحالة، ينعقد مباشرة فيما بينها ودون وساطة شخص ثالث .

أما الصوت الثالث في الرواية فيتجلى لنا على شكل تداعيات في ذاكرة الراوي ، تعود به الى أحداث سابقة وتبرز على هيئة ارتجاع فني Cut-back يفتت ويقطع التسلسل الزمني بإيراد أحداث وصور أو مشاهد وقعت في الزمن الماضي . وتظهر تلك التداعيات في الرواية بين الحين والآخر في جمل وعبارات موضوعة بين هلالين صغيرين . وهذه التداعيات في مجملها تعيد نفسها في ذاكرة الراوي . . بعضها يتمركز في بؤرة الشعور وتومئ إلى ذات الراوي ، وبعضها الآخر يراجع الى هامش الشعور ، بحيث أن صيغتها الدلالية المجسدة في الكلمات والجمل والعبارات المختلفة ، تشير إلى الآخر وليس الى ذات الراوي .

وقد بلغ حاصل التراكمات الكمية 101 تداعياً وذلك فيما يتعلق بالرواية ككل . وإذا ما استثنينا المقاطع الأخيرة من 16 – 21 والتي تشكل في حد ذاتها بؤرة تجمع أو مركز الحدث الروائي وهي التي يتناقص فيها عدد التراكمات الكمية لتداعيات الذاكرة ، فإننا سنجد أن ذلك التراكم يتزايد بشكل ملحوظ في المقطع الثاني والثالث وكذلك في المقطعين الرابع عشر والخامس عشر .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رقم المقطع عدد التداعيات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 – 3

2 – 9

3 – 8

4 – 6

5 – 5

6 – –

7 – –

8 – 7

9 – 2

10 – 7

11 – 4

12 – 4

13 – 6

14 – 13

15 – 9

16- 6

17 – 5

18 – –

19 – 1

20 – 2

21 – 4

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع التراكمات الكمية ــ 101

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

5 ــ العلاقات البنيوية في نص رواية الجذوة :

أ – علاقات التماثل والتناقض البنيوية :

وتتوزع هذه العلاقات على مستويين: مستوى الحدث ومستوى الشخوص . فعلى مستوى الحدث نجد أن ثمة حدثين متماثلين . . أي وفاة فرج الشماس ووفاة العامل الذي سقط من العمارة . وتتجلى تماثلية الحدثين في العبارات والجمل التالية من المقطع الحادي والعشرون (21):

ــ ميتة الرجل تشبه ميتة أبي .

ــ مدفوع . المقاول نسج الرواية كاملة ، دفع له الأجر ، وأبي . . مخموراً.

ــ نفس الصوت ــ نفس الفم ــ نفس الوجه / و ــ منذ سنوات وهو في غابة السكر . . لماذا الآن .

أن علاقة التماثل المذكورة هي علاقة جوهرية، أما علاقة التباين بين ذينك الحدثين فهي علاقة ثانوية تتمثل في أن فرج الشماس مات على أثر صدمة سيارة بينما مات العامل من جراء إسقاطه من احدى طوابق عمارة . كما أن علاقة التماثل تلك تعني تكرار حدثين متشابهين ينسج إحداها الآخر .

أما على مستوى الشخوص ، فتقع علاقات التماثل بين شخصيتين رئيسيتين هما:

فرج الشماس (الأب) وشاهين فرج (الابن) ، حيث تجمع بينهما روابط وصلات عديدة ليست فقط صلة القرابة . إنما أيضاً التشابه في الموقع الاجتماعي ، فالأول عامل والثاني كذلك ، وأيضاً فيما يتعلق بالتجانس الثقافي وكذلك التقارب على مستوى التكوين النفسي السيكولوجي ، بحيث أن كلا الشخصيتين تنسخ إحداهما الأخرى ، فلا نكاد نتعرف على علاقات التمايز والتفرد بينهما .

ومن أمثلة الصيغ الدلالية الموحية بذلك التماثل بين الشخصيتين المذكورتين ، تلك العبارات والجمل التي ترد بين الحين والآخر في الرواية. فمثلا يقول مشعل الياس لشاهين فرج: «أنت صورة منه»، أي أن شاهين فرج (الابن) نسخة عن أبيه فرج الشماس ص 8 وفي المقطع الثاني ، حيث يطالع الابن صورته في علبة البيرة ويقول « في العلبة وجه أبي» ص 10 وأيضاً عندما يروي المدير العام لشاهين فرج عن مكانة والده بين العمال ، موضحاً تقارب تلك المكانة ، حيث يقول « ــ أنت رأس الجميع و ــ كان أبوك رأسنا» ص 191 / و ــ ما في رأسك في رأسه ص 24 … الخ .

أما علاقات التناقض، فتتجلى على شكل صراع خارجي حاد بين فرج الشماس والمقاول، يتجسد في هيئة تعارض تناحري وصراع بين شخصيتين، ينجم في الظاهر عن دوافع وبواعث شخصية خاصة ويفضي إلى فاجعة مأساوية تمثلت في موت فرج الشماس عن طريق الغدر. ثم لا يلبث هذا الصراع أن يعيد نفسه ويتكرر للمرة الأخرى ، متجلياً في المرة التالية على شكل تناقض بين شاهين فرج (الاين) وبين رحيم غزوان ، ثم تتسع رقعة هذا التناقض لتنتقل من حالة صراع بين شخصين الى صراع عام شامل بين من يصنع الخيرات المادية بعرق الجبين وبيع قوة العمل وبين من يقطف ثمار هذه الخيرات دون جهد . . بين الخير الاجتماعي مجسماً في شخصيات مثل: شاهين فرج ، السكرتيرة رجاء وميرزا عجب وغيرها من شخصيات والتي عكست إلى حد كبير، مشاعر النبل والإنسانية المشوبة بالكبرياء والاباء جنباً إلى جنب مع العفوية والصدق ، الطيبة وصفاء النفس وحب الايثار والرغبة الجامحة في التفاني من جهة وبين الشر الاجتماعي مجسماً في شخصية رحيم غزوان وبما انطوت عليه هذه الشخصية من مظاهر الخنوع والجبن، الجشع والغطرسة والوشاية والغدر، الخسة والدناءة، الأنانية وحب الذات من جهة أخرى .

كما تجلت علاقات التناقض المذكورة على شكل صراع داخلي بين الأفكار والعواطف على مستوى الشخصية الواحدة: ومن أمثلة ذلك الصراع ، التوتر والاضطراب الداخلي عند مشعل الياس، هذا الحارس الذي رغم كراهيته للبنادق والسجون، نجده يرتدي البزة العسكرية ويحرس السجون . فهو يكره البزة ، بينما يضطر في الوقت نفسه الى ارتدائها بحثاً عن لقمة العيش تارة وبفعل الخوف تارة أخرى ، وتنسحب علاقات الصراع الداخلي تلك على المديرالعام أيضاً . . بين تذكره واستعادته للماضي عندما كان فارساً قديماً وبين وضعه في اللحظة الراهنة وبوصفه مديراً عاماً . لنستمع إليه وهو يحادث شاهين فرج : «كنا نسميها فترة النهوض الأولى ، والعسكر يملأون الأرض والسماء ، أحذية أجنبية ، صادقت أباك ، كنا نزحف ، وجهي ووجهه ، من فوقنا كان غبار وجند وخيل . تصور كيف كان يتم التعارف بين جيلنا في الماضي ، في الظلام ارتمت راية ممزقة وسنابك خيل ، أنا لم ازحف صدقني ، ولم أتخل عن إيماني ، لكن الأمور بدت مستحيلة وما يتم من حولي لا يصدر من هذا المكتب» ص 45، وأيضاً عندما يبدي المدير العام تعاطفه مع شاهين فرج حيث يقول :

ــ أنت طيب .

ــ يؤلمني موت أبيك بهذه الطريقة ص 33 .

أي بطريقة الغدر . فالمدير العام يعرف جيداً أن فرج الشماس مات ميتة غير طبيعية إلا أنه يلوذ بالصمت . . دون أن يكون له حول أو قوة ، وكذلك عندما يصفع رحيم غزوان السكرتيرة رجاء على وجهها ، حيث يدافع المدير العام عن نفسه أمام شاهين فرج ، مؤكداً له بأنه ليس هو السبب في كل ما يدور ، لنستمع الى هذا الحوار بين المدير العام وبين شاهين فرج حول رحيم غزوان :

شاهين : يقول بأنك تعطيه الأوامر .

المدير : يكذب .

شاهين : وإنه منفذ لقراراتك . مهدد بالفصل من قبلك .

المدير : يكذب . هل تصدق انساناً يضرب امرأة . أنا المدير العام لكني حائر .

هكذا يقع المدير العام فريسة للصراع الداخلي والتوتر والاضطراب والحيرة ويظل يحوم في أسر ذلك الصراع ، فهو يعرف الحقيقة ، لكنه لا يقوى على البوح بها ويبدي تعاطفه مع قوى الخير ، لكنه لا يجرؤ على مقارعة الشر أو الاصطدام به ، فيظل حبيساً للخوف وللموقع الاجتماعي الذي يتبوؤه في اللحظة الراهنة والمصير التاريخي الذي آلت إليه شخصيته بفعل اصطفافه الاجتماعي الحاضر .

وعلى هذا النحو يبرز لنا الصراع الداخلي على مستوى الشخصية الواحدة وتتكشف لنا علاقات التماثل و التناقض على مستوى الحدث والشخصيات في العمل الروائي المعني .

تجليات المكان في رواية «الجذوة»

تتعدد العلاقات المكانية في رواية الجذوة بتعدد المشاهد الجزئية وتنقلات ذاكرة الراوي في الأماكن المتعددة والعودة إليها مرة أخرى . ففي المقطع الأول نلتقي بمشعل الياس والراوي على ظهر قارب في البحر ، وفي المقطع الثاني تنقلنا ذاكرة الراوي الى الطائرة في الجو حيث تتجه به الى بلاد أخرى ولا يعرف وجهته ، وفي المقطع الثالث تنقلنا الرواية إلى بيت أم شاهين ، وفي المقطع الرابع تعود الذاكرة بالراوي إلى السجن ، وفي المقطع الخامس نتعرف على المصنع حيث الإضراب وعلى مكتب المدير العام حيث يدور الحديث بين شاهين فرج والمدير العام ، وفي المقطع السادس تتعين وجهة الراوي الطريد التي لم تكن واضحة في المقطع الثاني . فتتحدد بشكل أوضح ، فنلتقي به في المنفى أو في الغربة حيث تنثال ذكرياته حول المقهى ، وفي المقطع السابع يتحدد لنا المكان على انه الشارع ، حيث يقع الحدث الرئيسي عندما تدهس السيارة البيضاء فرج الشماس وهو فوق عربته الحمالة، وتتمازج الأماكن في المقطع حيث ننتقل للمرة الأخرى إلى المصنع عندما يهرب رحيم غزوان ويتوارى في المدينة وكذلك في المقطع الثامن، حيث يظل المصنع هو المكان الرئيس، وفي المقطع التاسع نعود مرة أخرى الى مكتب المدير العام، وفي المقطع العاشر تنثال ذكريات الراوي حول «ابومحمد» صاحب المقهى في الغربة في إحدى دول الخليج . وفي المقاطع التالية تتكرر الأماكن ذاتها فتنتقل ذاكرة الراوي بين المخفر والسجن والمصنع . . الخ ٠ وعلى هذا النحو تتعدد تنقلات الذاكرة في المكان براً وبحراً وجواً . . في الوطن وفي المنفى . . في السجن وفي المصنع . . في الشارع وفي المخفر ، وذلك تبعاً للتصميم العام للرواية والتي اعتمدت أساساً تعددية المشاهد الجزئية المختلفة ، الأمر الذي ترتب عليه ، وكنتيجة طبيعية ، الإيغال في تجزئة المكان على النحو المذكور. وربما كانت علاقة المؤلف بالمكان هي علاقة حسية محض تعني بالمكان المحدد ، المعين والملموس دون أن ترقى للعناية بحيز المكان الروائي . وهذه العلاقة تعكس من الناحية الاجتماعية، ارتباط المؤلف والراوي وشخوص الرواية على حد سواء وشدة تعلقهم وانتمائهم لهذا التراب المحلي بالذات ولهذا الشعب ولهذه الأرض بالذات، أما من الناحية الجمالية الفنية، تبقى الأماكن من حيث الصيغة الدلالية، إشارات ومسميات واقعية لا تخضع لنظام الترميز والتجريد الذهني ، فالبحر هو البحر الواقعي الذي لا يومئ إلى أبعد من ذلك والسجن هو السجن بجدرانه الأربعة والمصنع هو المصنع ، والشارع هو الشارع كسائر شوارع المدينة وكذلك الطائرة وهكذا دواليك . ها هنا نجد أن المكان المحدد الملموس والجزئي لا يتحول إلى مكان واسع شامل. إن حل هذه المسألة في الأدب ، يرتبط الى حد كبير، بضرورة استيعاب العلاقة الجدلية القائمة بين الخاص والعام ، بين المكان المحدد الملموس والمكان الروائي بطابعه الشمولي العام ، وذلك ليس بتجريد الأمكنة الجزئية من خواصها الحسية برمتها، ولا والإيغال في تجسيد تعددية تلك الأمكنة، إنما بالاصطفاء الدقيق للمكان ذى الإيحاءات الدلالية والإشارات الرمزية التي تكشف عن الصفات والخواص المشتركة بين الأمكنة المتعددة وبما يتسق مع طبيعة الحدث الروائي . ومن الواضح أن إنجاز هذه المهمة المعقدة ، يستلزم معرفة فلسفية عميقة للمكان على المستوى النظري بشكل عام وقدرة فنية في تجسيد المكان الروائي بشكل فني جمالي على المستوى التطبيقي بشكل خاص .

رواية «الجذوة» وبعض قضايا التكنيك الفني في الإبداع الروائي:

1 ــ تجليات بؤرة السرد الروائي :

لا تعتمد الجذوة في أسلوب سردها الروائي على المؤلف كضمير للمتكلم ، إنما على الراوي كضمير للمتكلم ، والراوي بالنسبة للمؤلف هنا هو ضمير الغائب «هو» أي شاهين فرج . . . بحيث أن السرد الروائي يعول على أسلوب ما يسمى بـ«المؤلف المحيط علماً بالشخصية» ، فالكاتب المؤلف أخذ على عاتقه ، عرض ما يعتمل في ذاكرة الشخصية (شاهين فرج) مع الكشف عن بعض ملامحها وذبذباتها النفسية وكذلك بعض الشخوص الأخرى (كالمدير العام والحارس مشعل الياس)، ولكن دون أن يتمكن من تقصي الدوافع أو البواعث النفسية المحركة لأفعالها وسلوكها. وهذه الطريقة (أي طريقة المؤلف المحيط علماً بالشخصية) يقتصر فيها عمل المؤلف على النفاذ والتغلغل في معرفة ما يدور في ذاكرة إحدى الشخصيات الرئيسية، بينما يجري عرض وتقديم المظاهر السلوكية الخارجية للشخصيات الأخرى وهي هنا على سبيل المثال لا الحصر (زوجة المقاول ، ميرزا عجيب ، أبومحمد . . . الخ) ، بشكل موضوعي أي بطريقة المؤلف ــ المراقب ، وقد عرقلت هذه الطريقة إمكانية التوغل الداخلي لمعرنة الملامح النفسية لدى الشخصية ، ومن هنا فان مؤلف رواية الجذوة اعتمد على محاولة المزج بين طريقتين في السرد الروائي ، أي أسلوب المؤلف ــ المحيط علماً بالشخصية وطريقة المولف ــ المراقب .

وعلى ذلك، فإن «الأنا» المحورية المتكررة في الرواية تفصح على نحو جلي عن ضمير الغائب «هو» أي شاهين فرج ، هذا «الهو» الذي استحال على يد المؤلف إلى «أنا» معبرة عن الآخر وليس من شخصية المؤلف . فالراوي هنا هو ليس المؤلف ، إنما الشخصية الرئيسية الراوية التي تستحضر الماضي عن طريق التداعيات وومضات الفلاش باك الموزعة على المقاطع المختلفة للرواية مستهدفة في ذلك بناء الإطار الكلي والموقف الدرامى العام . إن الخبرة الحياتية هنا ، تتكشف لنا على أنها خبرة الراوي معبر عنها بلسان المؤلف .

وفي رأينا فإن المؤلف اعتمد الطريقتين المذكورتين لاعتبارات محددة . فهو من جهة يبدو عليماً ، مدركاً لجوانب شخصية الراوي ( شاهين فرج ) ، الأمر الذي هيأ له أن يترك هذه الشخصية تتصرف ، تفعل وتنفعل ، تتحرك . . تصارع وتشارك في أحداث الرواية، بل إن المظاهر والقسمات البيولوجية والجسدية للشخصية الراوية تراجعت تماماً الى الظل، الى درجة انك لن تجد أية وصفة أو كلمة أو عبارة تومئ إلى القسمات الجسدية الخارجية لهذه الشخصية . هنا يتحول المؤلف الى كاتب يحيط علماً بالشخصية ويتعرف على عالمها الداخلي ويكشف ذبذباتها وتحولاتها النفسية . وهنا أيضاً تتكشف لنا قدرة المؤلف على تصوير الشخصية وهي تعمل ، فهو لم يخبرنا بشكل تقريري عن شخصية فرج شاهين ، بل بدت لنا هذه الشخصية من خلال أفعالها وتوجهها السلوكي .

وهنا بالضبط تكمن القيمة الفنية في اللجوء إلى طريقة المؤلف المحيط علماً بالشخصية . هذا من جهة ، أما الوجه الآخر للعملة . . فيتجلى لنا في اضطرار المؤلف إلى استخدام أسلوب «المؤلف المراقب» بالنسبة لشخصية فرج الشماس المؤلف هنا ــ عندما يكون غير محيط بالشخصية يتحول إلى مؤلف ــ مراقب يخبرنا أخباراً تقريرياً تسجيلياً عن الشخصية ويصف لنا ملامحها الجسدية ، ولا تتحقق له إمكانية التوغل والنفاذ إلى العالم الداخلي لهذه الشخصية ، إلا في المقطع العشرين من الرواية. لقد ظهرت شخصية فرح الشماس في أغلب مقاطع الرواية الأخرى بشكل استاتيكي، يجري تطويع وصفها عن طريق الأخبار والتقرير وذلك بعكس شخصية الابن شاهين فرج . أن قدرت المؤلف في السرد الروائي تتجلى لنا، ليس عندما يتحول الى مؤلف ــ مراقب للأحداث والشخوص، إنما عندما يترك الشخصية تتحرك في إطار حدث معين ويفسح لها المجال لأن تفعل وتنفعل أن خلال تنامي ذلك الحدث وبلوغه الذروة . لنأخذ على سبيل المثال طريقة المؤلف عندما وضع نفس شخصية فرج الشماس في حدث محدد. حيث تجلت لنا شخصيته الملموسة والمتفردة من جهة ، وتكشفت ملامحها النفسية العامة . . هذه الملامح ، في المقطع المشار إليه ، لم تعبر عن شخصية فرج الشماس وحده فحسب ، وإنما تخطت ذلك إلى الافصاح عن ملامح وقسمات فئة واسعة من الناس ، عن طبقة ، بل أكاد أقول عن شعب بأسره، من جهة أخرى. وهنا أيضاً تتجلى لنا قدرة المؤلف على ربط الخاص بالعام وكشف الصلة بين ما هو عادي عرضي وبين ما هو عام نموذجي. وليت المؤلف دأب على تصوير شخصية فرج الشماس في أغلب مقاطع الرواية على ذلك النحو الذي تجلت فيه هذه الشخصية في المقطع العشرين من الرواية (من ص 101 ــ 105) وسنأتي في مكان آخر على دراسة ذلك لدى التعرض لملامح الشخصية في الجذوة .

وهكذا، تتضح لنا قدرة محمد عبدالملك في السرد الروائي، عندما يكون مؤلفاً عليماً بالشخصية، محيطاً بأبرز خصائصها وبواعثها ودوافعها النفسية، وليس عندما يكون مؤلفاً مراقباً. ويمكننا أن نعثر على جذور هذه المسألة في المجموعات القصصية السابقة .

فمن أمثلة تطبيق المؤلف لأسلوب (المؤلف ــ المراقب)، قصة «الرحلة» من مجموعة «ثقوب في رئة المدينة»، حيث ينيط المؤلف ــ المراقب شخص بدران الحسيني بمهمة السرد القصصي حول الشخصية الرئيسية (مرجان السعيد) فتبرز الشخصية والحال هذه، على نحو ساكن، فهى لا تنطق ولا تتحاور، فلا نكاد نتعرف الا على مظاهرها الخارجية الجسمانية، دون أن يتيح لنا المؤلف إمكانية التوغل والنفاذ في الشخصية وسبر أغوارها. وربما كان سبب ذلك أن المؤلف لم يتعرف عن كثب وبنفسه على الشخصية ، إنما قام بعملية تجميع معلومات عامة حول الشخصية من خلال راو آخر . ومن هنا أيضاً يظهر لنا أن استخدام المؤلف لتلك الطريقة في السرد القصصي، شكل عاملا معوقاً أضعف البناء الفني للشخصية ، أما من أمثلة تطبيق الكاتب لأسلوب «المؤلف المحيط علماً بالشخصية» فيمكن أن نعثر عليه في مجموعة «نحن نحب الشمس» لنقرأ مثلا قصة «في القرن العشرين» فالمؤلف هنا يعرف جيداً شخصية «عثمان أحمد ثاني». وفي حديث شخصي مع الكاتب. أوضح من خلاله أنه كان على معرفة وثيقة بالشخصية المذكورة ، امتدت قرابة ثلاثة عشر سنة. هكذا فإن معرفة الكاتب الضاربة الجذور للشخصية الحقيقية في الحياة اليومية، هي أولى الخطوات وهي المنطلق الرئيسي الذين يمكن الكاتب من تجسيد وتصوير تلك الشخصية وبنائها على نحو فني في العمل الأدبي ، وربما كان هذا هو السبب الجوهري الذي أتاح للقصة المذكورة من بين الكثير من قصص المؤلف ، أن تحقق درجة محددة من النضج الفني والقصصي في الشكل والمضمون . لقد وجد الكاتب نفسه ــ بوعي منه أو بدون وعي ــ أمام أسلوب فني في السرد القصصي مثل عنصراً حيوياً في تعزيز وتقوية واغناء البناء الفني للشخصية في القصة المذكورة .

وهكذا، وبناءٍ على ما تقدم، يمكننا ان نصل الى خلاصة عامة تتمثل في أن الجذوة مثلت في سردها الروائي مزيجاً من طريقتين (أي أسلوب المؤلف ــ المراقب والمؤلف المحيط علماً بالشخصية) بحيث شكل الأسلوب الأول نقطة ضعف وأعاق البناء الفني للشخصية، بينما مثل الأسلوب الثاني عنصراً فعالا في طريقة السرد الروائي وفي البناء الفني للشخصية بشكل عام .

2 ــ انعكاس بؤرة الاهتمام :

المقصود هنا بهذه البؤرة هي الكيفية التي يتجلى فيها عنصر الاهتمام كعنصر رئيسي من عناصر العمل الروائي، والذي يعمل على شد وجذب انتباه القارئ ، إذ أن فضول القارئ وحبه للاستطلاع يعد أمراً مركباً معقداً ، فهو يضع دائماً في مخيلته مجموعة من التساؤلات . . ويطمح لأن تجيب الرواية على مجموعة الأسئلة المطروحة فيها بحيث تأتي الإجابة على تلك الأسئلة على نحو مباشر وتشكل الرواية بأسرها الاجابة الاجمالية العامة من خلال حركة الشخوص وفعلها عبر تنامي الحدث الروائي وبلوغه الأوج أو الذروة . ان الاجابات لا يمكن أن تفصح عن نفسها دفعة واحدة ، ودون مقدمات ، إنما في لحظات معينة في مجرى تطور الحدث الروائي . وهناك مستويات مختلفة متباينة لمختلف الأسئلة المطروحة في الرواية. فليست جميع الأسئلة ذات أهمية واحدة متساوية فثمة أسئلة جوهرية تتصل بالحدث الرئيسي ، وهناك أسئلة هامشية ومكملة للنوع الأول من الأسئلة. أن الجذوة وبوصفها رواية قصيرة لا تحتمل ذلك التزاحم والتعدد والتلون في الأسئلة . إذ أن ثمة فرق شاسع بين الطموح النظري للإجابة على الأسئلة الفلسفية الكبرى وبين التجسيد الفني للاجابات في العمل الروائي وعلى المستوى التطبيقي . فرواية «الجذوة» – أساساً – ومستوى وعي الشخوص ومجرى الحدث فيها ليس من المفترض لها أن تتجاوز الإجابة على أكثر من الأسئلة التالية: من قتل فرج الشماس ؟ ولماذا المقاول بالذات قتل فرج الشماس بالذات ؟ ولماذا اضطر الحارس القروي (مشعل الياس) على ارتداء البزة العسكرية ، وكذلك لماذا لم يواصل المدير العام المسيرة الطويلة ولم انطفأ في قلبه لهيب الجذوة ؟ . هذه هي الأسئلة المحورية في رواية الجذوة ونبضها الجوهري . ويمكن ملاحظة أن الرواية تقدم إجابات محددة واضحة على تلك الأسئلة وفي لحظات معينة من تطور الحدث الروائي وعلى لسان شخصيات الرواية. بيد أن ثمة أسئلة أخرى قام المؤلف باقحامها على شخصيات عمله، دون مراعاة درجة الوعي الاجتماعي الذي تتمتع به تلك الشخوص . لنأخذ على سبيل المثال بروز التساؤل: ما هي الحقيقة ؟ بين الحين والآخر في الرواية . نحن نعرف جيداً أن المؤلف يشير بسؤاله هذا إلى حقيقة جزئية هي: من قتل فرج الشماس ؟ إلا أن تكرار السؤال بصيغة: ما هي الحقيقة ؟ وعلى هذا النحو يفيد بحقيقة أخرى كلية جوهرية ، تتعلق بماهية الوجود البشري ، أن بروز السؤال على هذا النحو الفلسفي ، إنما يشكل قفزة على حجم العمل الروائي المعني وطبيعة الحدث المعطي في الرواية المعنية .

هناك أيضاً اسئلة فلسفية أخرى تظهر لنا في الرواية بين الفينة والأخرى مثل: من ينادي ومن يلبي النداء ؟ من يملك هذه الدنيا ، ومن يخلق هذه الدنيا ؟ ما الفرق بين العادي والخارق ؟ ما هو الثابت وما هو المتحول ؟ أن الرواية تجيب على التساؤل الأول والى حد ما على التساؤل الأخير بيد أنها لم ترق للاجابة على الأسئلة ذات الطابع الفلسفي: مثلا عندما يبرز السؤال: ما الفرق بين العادي والخارق ؟ . يشير لنا المؤلف بأنه «بوسع الإنسان أن يكون خارقاً في لحظة من حياته» ، ويقدم لنا مثالا على ذلك عندما يدور الحديث عن رجاء السكرتيرة حيث يطلب منها رحيم غزوان الاتصال بالشرطة فترفض طلبه هذا قائلة له ان ذلك خارج اختصاصها ، فيصفعها على وجهها فيصف لنا الراوي شعوره تجاه موقف رجاء (كانت رائعة ، لم أر في حياتي اثمن من هذه الدموع ، تبذلها المرأة دفاعاً عن كرامتها ومن أجل الناس). هل هذا هو الفرق بين المادي والخارق في الظواهر الاجتماعية الكبرى ؟ أليس في ذلك تبسيطاً لمعنى ما هو خارق واستثنائي في ظواهر المجتمع ؟ إذ أن ما قامت به هذه الفتاة يعبر عن ظاهرة الشموخ ، والكبرياء والإباء بوصفها ظاهرة عامة يتميز بها هذا الشعب ، ولا يفصح ذلك عن حالة خارقة استثنائية في تاريخ تطور مجتمعنا. أن بؤرة الاهتمام في العمل الروائي تستلزم الانتقاء الواضع للأسئلة الرئيسية والتريث في صياغة الأسئلة وخلق شكل من الانسجام والتوافق بين حجم السؤال المطروح وطبيعة الاجابة عليه .

تعبر كثرة الأسئلة وتراكمها الكمي في رواية الجذوة عن عدم عناية الكاتب بالبناء الفني لبؤرة الاهتمام في الكتابة الروائية. إذ يشترط أن تتميز بؤرة الاهتمام وبناؤها العام بالقدرة على تركيز انتباهنا وشد اذهاننا الى اسئلة محددة دون سواها بحيث تكون الرواية بأسرها هي الاجابة الاجمالية على تلك الأسئلة. لقد بلغ حاصل مجموع الأسئلة الرئيسية والثانوية الموزعة على المقاطع المختلفة في الرواية ما يربو على الثلاثمائة وخمسين سؤالا ، الأمر الذي يوحي لنا بأن الكاتب لم يول أدني أهمية لضرورة تقليص عدد الأسئلة وحصرها بما يتسق مع الحدث الروائي ومستوى تصرف الشخوص ووعيها الاجتماعي .

تعكس بؤرة الاهتمام في رواية الجذوة ــ على مستوى بناء الشكل الفني ــ حداثة الخبرة بالكتابة الروائية وعدم استكمال المقومات الفنية الرئيسية .

3 ــ تجليات بؤرة الشخصية :

المقصود هنا ببؤرة الشخصية هي مجموعة الوشائج والعلاقات التي تربط بين شخوص العمل الروائي من جهة، وصلة تلك الشخوص وعلاقتها بالحدث الروائي من جهة أخرى ، وكذلك جدلية النظر لتعالق وارتباط أو تباعد وانفصام الشخوص عن الحدث الرئيسي في الرواية . من هنا فإنه يصعب النظر إلى الشخوص بمعزل عن الحدث الروائي ، وبؤرة الشخصية تعني أيضاً رواية من هذه ؟ فالرواية ليست مجرد أحداث محددة أو حدث معين . فالحدث ينطوي على أهمية محددة بالنسبة لبعض الشخوص أو مجموعة منها ، بيد أن أهمية الحدث ومدلوله ليس متساوياً بالنسبة لجميع الشخوص الروائية وذلك على الرغم من ارتباطه بمجموعة معينة منها ، كما أن انفصام أية شخصية في الرواية عن الحدث الرئيسي وانعدام دورها التشييدي والوظائفي في بناء الحدث يعني من الناحية الفنية الإخلال بالأساس البنائي للعمل الإبداعي. ومع التأكيد على ضرورة أهمية الشخوص المختلفة بالنسبة للحدث الروائي ، فإن هذه الأهمية تبرز في العمل الروائي بنسب متفاوتة فيما بين الشخوص وتفرز شخصية واحدة يكون الحدث الروائي بالنسبة لها أهم ، وعلى صلة أوثق بها من صلة الحدث في مدلوله وأهميته بالنسبة للشخوص الأخرى ، ولكن ليس معنى ذلك ، أن الحدث أو الأحداث الرئيسية ينظر إليها بعين الشخصية الرئيسية وحدها . هكذا ، فيما نعتقد ، ينبغي أن تتجلى العلاقة الجدلية بين الشخصية والحدث الروائيين . وهذا هو المقصود ببؤرة الشخصية .

كيف تجلت بؤرة الشخصية تلك وعلاقة الشخوص بالحدث الروائي في الجذوة ؟

نلتقي في «الجذوة» بحدث رئيسي هو تآمر المقاول واغتياله للعامل فرج الشماس ، كما نتعرف على حدث آخر مماثل للحدث الرئيسي وهو سقوط أحد العمال من احدى طوابق عمارة . . حيث يتماثل هذا الحدث مع الحدث الرئيسي في الجوهر . . فسقوط هذا العامل وموته جاء بنفس طريقة موت فرج الشماس . . أي بالغدر والتآمر . بيد أن الذي يعنينا هنا هو الحدث الرئيسي . لهذا الحدث ، تنعكس أهميته بالنسبة لشخصية الراوي (شاهين فرج أي الابن) بدرجة كبيرة ، رغم أن محور هذه الأهمية يشمل المدير العام والحارس مشعل الياس . إذن فالحدث الرئيسي مهم أيضاً بالنسبة لتلك الشخصيتين ، وكذلك للشخصيات التي اشتركت في الحدث أو أدت بشكل أو بآخر وظيفة في بناء الحدث . فإذا كان الحدث هو مقتل فرج الشماس ، فان المخطط لجريمة القتل (أي المقاول) ومنفذ الجريمة (أي المرأة التي تقود السيارة البيضاء) ، وكذلك أسباب ودوافع الجريمة وبواعثها الأساسية ، التي تمثلت في أن فرج الشماس وهو عشيق زوجة المقاول يفضح المقاول أمام العمال بالكشف عن ذلك السر، بعد أن يهدده المقاول بالطرد عن العمل ، بسبب ان فرج الشماس يحرض العمال ويقرأ عليهم قصائد تحريضية ضد الوضع القائم في المصنع .

إذن جميع الشخصيات المذكورة لها صلة وثيقة بالحدث الرئيسي ، تنجذب نحوه وتعمل على تشكيله وتشييده ، وإذا ما أمعنا النظر في حقيقة أن الراوي (شاهين فرج). هو ابن فرج الشماس ، ضحية جريمة القتل وهو في الوقت نفسه عامل في مصنع ، يدأب هذا الراوي على تشكيل الخيط الرئيسي الذي يوحد الحدث الروائي بحدث آخر هو الإضراب بعد وقوع الجريمة وكشف لنا عن العلاقات العلية والسببية القائمة بين الحدثين . . أحدهما سبب والآخر نتيجة . وفي المصنع نتعرف على شخصيات محددة مثل المدير العام والسكرتيرة رجاء وميرزا عجب ورحيم غزوان . ونعرف أيضاً ان اغلب هؤلاء من حارة واحدة ولا بد أنهم يعرفون بشكل أو بآخر عن حادثة الاغتيال ، وبعضهم يعرف فرج الشماس والبعض الآخر يعرف الابن شاهين فرج . هكذا يمكننا هنا أيضاً أن نؤسس صلة أو علاقة بين الحدث الرئيسي والشخوص المذكورة . وفي السجن نلتقي بالراوي ورحيم غزوان ومشعل الياس ونعرف من خلال زيارة ام شاهين لابنها . . أن هناك علاقة بين الراوي وبين عشيقة ما ، لم تأت لمقابلته. وفي مقطع آخر نعرف أيضاً أن هذه العشيقة كانت تشترط على شاهين فرج بأن حبها له مرهون بتخليه عن العمال، فيرفض شاهين فرج ذلك الشرط . وهكذا تقع هذه العشيقة فريسة لحب المال والخيانة عندما وتتعرف على رحيم غزوان وتشي بفرح شاهين ، وعلى ذلك يتمكن المؤلف من تشييد علاقة بين الشخوص وبين الحدث الرئيسي . وهنا يمكننا أن نعثر على الخيوط الموحدة ، وبنسب متفاوتة بين الشخصيات وعلاقتها بالحدث الروائي وحياكة النسيج العام للرواية ، كما تتضح قدرة المؤلف على خلق وحدة عضوية وتعالق متماسك لبناء الحدث في صلته بالشخوص . . هذا من جهة .

بيد أننا نلحظ من جهة أخرى ، تجلي خرق ذلك المبدأ في تشييد البناء المعماري للحدث الروائي في علاقته بالشخصيات وصلتها به .

ويظهر لنا ذلك من خلال بروز انفصام بعض الشخصيات ووجودها المستقل عن الحدث الروائي ذلك على الرغم من أن صلة ما أو علاقة ما ، تربط بينها وبين الراوي ، إلا أن جسور تلك الصلة أو العلاقة لا تمتد لتتعالق وتتحابك بالحدث الروائي .

وهذه الشخصيات على وجه التحديد والترتيب هي: سعد مختار والشيخ عنتر السجان وابو محمد .

يتعرف فرج شاهين على سعد مختار والشيخ عنتر السجان في السجن . بينما يتعرف على أبي محمد في الغربة ، في إحدى دول الخليج . اننا هنا نريد أن نكشف عن صلة هذه الشخصيات بالحدث الروائي أو بعدها وانفصالها عنه . سعد مختار هو «قلب الأسد ، عنيف مكابر ، يقفز صخور الجبل بأكياس الإسمنت الثقيلة . . يتألم ، وعندما يأتيه السجناء يرحل طائر آلامه» انظر الرواية ص 63 ، وهو الذي يكور القماشة المربوطة بخيط طويل ويرميها في برميل ، فتسقط في الخمر ويسحب القماشة الى الزنزانة ليشرب من عصيرها السجناء وينتشون ص 94 ، وسعد مختار هو صانع العود الخشبي من خيوط النايلون وهو الذي يقود حملة الطرب في السجن ويعربد صوته ثم يسكن على أصوات أحذية الحراس ، ص 95 . هنا لا نلمس سوى الولع بالتفاصيل والتسجيل الدقيق للوقائع ، بينما لا نعثر على الصلة المفترضة بين شخصية سعد مختار وبين الحدث الرئيسي أو الأحداث الأخرى في الرواية ، صحيح أن ثمة صلة ما تنعقد بين سعد مختار وبين الراوي ، فقد يكون دور سعد مختار هنا هو تعريف شاهين فرج على الخمرة ولكن هذه الصلة لا تكفي وحدها لتقييم علاقة وظائفية بين الشخصية والحدث الروائي. وتنسحب نفس المسألة على شخصية عنتر السجان اذ ان كل ما نعرفه عن عنتر السجان هو انه «عشق امرأة تزوجت غيره ثم ماتت في حادث. لم ينقطع من زيارة قبرها عدة ليال ، ثم رآه حارس المقبرة يحفر القبر ، ويمزق الكفن ، ويقبل الجثة . ثم أغمي عليه واقتضب حديثه بعد ذلك وعاش اعزباً يكره النساء ولا يخرج الى الشارع» (انظر الرواية ص 63)، و«الشيخ عنتر يضرب القيد بنشوة أو حزن ولكنه يستمتع بالرنين ويفتح فمه الذي يشبه قفل الزنزانة . المطرقة امضى في يده ، لكنه الأقوى» ( نفس الصفحة ) ، وانه هو «الذي يشعل النار والجمر ويقلبه بمطواة من حديد . . وهو من يعطي اشارة البدء للحياة» ( ص 73) ، ويرى الراوي ان عروق يديه وارتفاع الرقبة والعينين المليئتين بماء السنين والعجز دامعتين بلا سبب» ( ص 73) ، وفي عينيه الدامعتين شرارة غضب مجهولة (ص 74 ) ، ويكتشف «أن قدرة الشيخ عنتر على الحديث رائعة وشعر بالطلاقة والحياة تتجسد بين فتحة شفتيه ، وينزاح عبء القيد والظلام والأسوار حين تتناهى إليه نبرات صوت الشيخ عنتر» (ص 75) ، هذا الذي ينشغل «بالقيد والذي إذا ما توقفت تحت أنظاره أقدام طليقة يحكم القيد وإذا شاهد القيد في الإقدام فلن يستريح إلا بقتله» (ص 75) ، والشيخ عنتر هو السجان وهو أيضاً من يطلق سراح شاهين فرج بعد أن تأتيه الأوامر . وعلى ذلك، فإننا هنا لا نرى اية صلة تربط بين عنتر السجان وبين الحدث الروائي الأساسي . أن تصوير شخصيتي كل من سعد مختار وعنتر السجان جاء كنتيجة للحالة النفسية التي اعترت الراوي وهو في السجن . وهذا التصوير جاء كانعكاس مباشر بسيط يعبر عن شدة انفعال الراوي وتأثره بالمرئيات الحسية الظاهرية ، وشدة تعلق المؤلف بوصف الظواهر الجزئية وتعقبها. وربما كان المقطع الخامس عشر ، والذي يظهر فيه الشيخ عنتر السجان كشخصية رئيسية في إطار المقطع نفسه ، يصلح لأن يكون قصة قصيرة حول النموذج المذكور . وكذلك فإن المقطع التاسع عشر والذي تبرز فيه شخصية سعد مختار ، كشخصية متفردة ، يمكن أن يشكل بدوره قصة قصيرة أخرى ، بيد أن الشخصيتين المذكورتين لم يجر توظيفهما لخدمة بناء الحدث الروائي ، فهما لا تتشكلان عن طريق الحدث الرئيسي ولا تعملان على تشييده وتأسيسه ، بحيث أن صلتهما بالحدث الروائي بدت مقطوعة مبتورة عدا أن هذه الصلة انعقدت بينهما وبين الراوي نفسه . وكما نوهنا من قبل بأن هذه الصلة لا تكفي وحدها لأن تقيم وتؤسس علاقة وظائفية بينها وبين الحدث الروائي ، ولعل ذلك هو ما يفسر لنا أيضاً جنينية العمل الروائي الذي نحن بصدده والذي لم يتخلص بعد من آثار وبصمات القصة القصيرة . وهذا هو الأمر الذي يؤكد الميل للجمع بين خصائص شكلين من أشكال القصة (أي القصة القصيرة والقصة الطويلة) ، كما ذكرنا في البحث الأول من هذه الدراسة .

إن الخلاصة ذاتها تنطبق بنفس الدرجة على شخصية أبي محمد .

يسعى الراوي إلى تجسيد فكرة وحدة و تناقض الأضداد متمثلا في ذلك بشخصيتي كل من عنتر السجان وأبي محمد . فقد عرفنا أن عنتر السجان يحب القيود ، أما أبا محمد صاحب المقهى ، فهو يبحث عن الزبائن وعن النقود . نكتشف محاولة الراوي في تجسيد وحدة وتناقض الأضداد في المقطع العشرين، حيث يتثال تداع محدد في ذاكرة الراوي:

«الشيخ عنتر يطرق ساعد القيد» (ص 99)، ويجري تشبيه أبي محمد بالشيخ عنتر . «فشبهما قريب، هذا أبومحمد . كيس النقود المربوط في وسطه بخيط» (ص 48) . إذن ، عرفنا أن القيد يشير الى عنتر السجان والنقود تومئ إلى أبي محمد . يقول الراوي: «نفس رنين القيد ، النقود ، يفعل الشيخ عنتر هذا بطريقة أخرى ، النقود قيد والقيد نقود، الأصل واحد، حديد يصهر ويعشقه البشر ، هناك من يحب القيد وهناك من يحب النقود ، الكل يسعون إلى شيئين مختلفين ومتحدين ، نقيضين تماماً لكن أصلهما واحد ، كل يرى سعادته في أن يودع جسده وقلبه أمانة للمال أو القيد» (ص 48) .

وإذا كان الأمر يتعلق بتجسيده فكرة وحدة وتناقض الأضداد على هذا النحو ، فإن هذا الأمر قد يخدم توظيفه – والى حد ما – التجسيد الفني للفكرة ، أما اذا كان الأمر مرتبطاً ببؤرة الشخصية وعلاقة شخصية أبي محمد بالحدث الروائي فهذه قضية أخرى . لم تجد لنفسها تعبيراً واضحاً في الرواية . فعندما يجري الحديث عن شخصية أبي محمد فى المقطع العشرين ص 99 ، لا نعثر إلا على جملة واحدة جاءت في شكل تداع في ذاكرة الراوي لتذكرنا بشخصية فرج الشماس ، توحي صيغتها الدلالية بأن هناك خاصية مشتركة بين فرج الشماس وأبي محمد وهذه الخاصية هي عنصر الكبرياء والشموخ عند كلا الشخصيتين .

يقول الراوي «فرج الشماس لم يمت في مفكرتي ، أراه يتحرك في نظرات أبي محمد داخل المقهى وهو يتغنى بصمت بلغة كبرياء عنيدة» .

أن هذه العبارة الأخيرة . . أي «بلغة كبرياء عنيدة» هي التي توحد بين أبي محمد وشخصية فرج الشماس ذلك العامل الصلب المكابر والعنيد ، ومن الواضح أن إبراز صفة محددة عند شخصيتين وتجسيدها ، قد يخدم مبدأ النمذجة شريطة أن توضع الشخصية في مواقف نموذجية. وهذا أمر آخر يختلف كلية عن موضوع بؤرة الشخصية . أن شخصية أبي محمد لم تندغم في الحدث الرئيسي بأي شكل من الأشكال بل إن صلتها بالحدث لا قيمة لها من وجهة النظر التكنيكية .

وخلاصة القول أن بؤرة الشخصية في رواية «الجذوة» ظهرت لنا على مستويين وانطوت على طابع مزدوج فيما يتعلق بالمهارة الفنية ووظائفها الجمالية ، فهناك شخوص اندغمت بالحدث الروائي ولعبت دوراً رئيسياً في تشكله ونموه ، الأمر الذي أفصح عن قدرة المؤلف ومهارته الفنية في خلق وشائج وعلاقات تربط شخوص عمله الروائي فيما بينها وفي علاقتها بالحدث الرئيسي، وثمة شخوص أخرى ظهرت بشكل مستقل ، منفصل . . فلم يوجد بينها وبين الحدث صلات وعلاقات مجسدة ملموسة ، وهذا الأمر يشير الى حداثة الخبرة الفنية وجنينيتها في كتابة العمل الروائي المعني .

0

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* الجذوة – رواية – 1980

** جميع المراجع والهوامش سقطت في الاصل من المجلة !

الثلاثة الكبار

يحتاج الشباب العربي إلى بعض الكبسولات الثقافية السريعة من أجل قراءة الخطوط الفكرية العريضة في العالم المتقدم، وأسباب تطور قدراته الاجتماعية والسياسية.

 وقد اعتمد الغرب في تطوره حديثاً على ثلاثة مفكرين كبار لعبوا دور النقلة، والانعطافة الفكرية له، وهم تشارلس داروين مكتشف نظرية التطور، وكارل ماركس مكتشف نظرية فائض القيمة، وسيجموند فرويد مكتشف نظرية اللاوعي.

 وليس المهم الآن هو تفنيد بعض جوانب أفكارهم، فقد تجاوزت الأبحاث العديد من أفكارهم، ولكن المهم أنهم وضعوا الأساس الفكري للمناهج العلمية في درس الظاهرات الطبيعية والاجتماعية والنفسية.

 يتحد الثلاثة الكبار هؤلاء في اعتماد الدرس الطويل، والبحث المضني للوصول إلى حقائق التطور في حقول مختلفة، ومترابطة في كونها تكشف جوانب مختلفة من حياة الإنسان.

 وكذلك في اعتمادهم على أنفسهم للوصول إلى هذه الحقائق، حيث كان اعتمادهم على جهدهم الذاتي الخاص، وشقهم طرقاً جديدة كانت مرفوضة من قبل مجتمعاتهم التي عاشوا فيها، بل تمت مناوأتهم ورفض أفكارهم لسنوات طويلة، غير أن تطور العلوم الاجتماعية والطبيعية قد أثبت صحة أفكارهم، وكون بحوثهم تصدر عن نزعات موضوعية وقراءات مدققة في الجوانب التي درسوها.

 تعبر أبحاثهم عن ثلاثة مستويات لقراءة الإنسان، فداروين بحث عن تطور الأنواع، واكتشف ارتباط الكائنات النباتية والحيوانية في سلم من التطور، انطلاقاً من الأسماك التي بدلت عيونها الثلاث إلى عينين، وطورت أجهزة التنفس فيها، إلى الحيوانات البرمائية، إلى الحيوانات الثديية المتعددة.

 توجه داروين إلى بحث سببيات التطور العميقة التي رجح حدوثها في التكيف مع البيئة والصراع بين الأنواع المتخلفة والأنواع المتطورة، كما حدث للإنسان القرد وانتصار الإنسان العاقل عليه.

 في اكتشاف داروين العلمي لتطور الإنسان ظهر عصر جديد من رؤية الحياة البشرية كظاهرات تخضع لقوانين وسببيات عميقة، وبهذا تم إعادة وضع الإنسان إلى بيئته، ورؤية الظروف الموضوعية التي شكلته، من أجل مزيد من التطور الخلاق المستقبلي في قدراته. وهذه العلمية في قراءة التطور البيولوجي انتقلت إلى صعيد التطور الاجتماعي والتاريخي، حيث اكتشف ماركس حلقات التطور التاريخية وأساليب الإنتاج التي مرت بها البشرية، ودرس على مدى ثلاثين سنة أسلوب الأنتاج الحالي وقوانين تطوره في البقعة التاريخية التي نضج فيها، وهي الغرب الحديث. ولكن ماركس لم يأخذ بعين الاعتبار كون الغرب كبقعة تطورية خاصة، لا تستطيع أن تصل إلى نهايتها التحولية، بدون العالم المتخلف التابع لها. وهكذا فإن انتشار أسلوب الإنتاج الرأسمالي عالمياً سيخضع سيرورة طويلة معقدة، لم تكن المواد العلمية المتاحة في زمنه إلا أدلة على الماضي وعلى حقبة الولادة لهذا الأسلوب من الإنتاج. وتعكس طبيعة الاستنتاجات السياسية له مشكلات الفقر والاستغلال للبروليتاريا الصناعية في زمنه. ومن هنا كان لينين يعبر عن مشكلات البلدان المتخلفة في محاولاتها للحاق بالتطور الرأسمالي، وقد بدا له ذلك كمحاولة أخيرة لصنع التاريخ.

 أما فرويد فقد اكتشف قوانين اللاوعي، وهي تلك الطبقة المتوارية من العقل والشعور الإنساني، باعتبارها القعر العميق للنفس، ومن خلال منهج التحليل النفسي، حيث توجه إلى اختراق الطبقات الشعورية الفوقية للوصول إلى جذور الأزمات في الحياة الشعورية وأسباب الاضطرابات. وإذا كان قد اعتبر العامل الجنسي بمثابة العامل الوحيد الكلي، إلا أن هذا لا يقلل من شأن اكتشافه، الذي فتح أفاق الدراسات النفسية العميقة على مصراعيها، وبهذا تكون الأنسانية قد وصلت إلى الاكتشافات الكبرى لفحص جذورها البيولوجية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية.

ثقافةُ الديمقراطيةِ المتكسرة

في زمنيةِ الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين يجري محلياً (وعربياً بشكل ما) تصدع وعي الديمقراطية العربي في السياسة والثقافة ويأتي ذلك بشكل أساسي من تهافت اليسار، فاليسارُ هو الذي يلعب الدور المحوري في تشكيل الأنواع الفكرية والثقافية الوطنية، لأنه يقود التقدم في البلدان النامية.

الانهيارُ الاشتراكي في المركز يكونُ غير واضح، لكن بعض أجندتهِ نجدُها في الصراعاتِ بين أنواع اليسار، فظهور اليسار الطفولي المزايد هو من الجوانب الرئيسية يظهر في بدء إنهيار هذه الثقافة.

تُطرحُ في الجدالات السياسية مزايدةٌ على طرق النضال، ويعلو صوت البندقية الزائف، حيث لا نار ولا دخان، وفجأة تنتشرُ صورُ جيفارا وماو وكاسترو، تغدو هذه الصور لدى اليسار الطفولي ضباباً فكرياً لضرب العقلانية، ولتصعيدِ جملٍ نارية، ويجري الإستهزاء بالطرق العقلانية في النمو السياسي، وما يترتبُ عليها من تحليلاتٍ فكرية للواقع، والغوص في تاريخه، وإكتشاف البنية الاجتماعية له.

يجري النقاشُ حول طرق النضال بأشكالٍ حماسية غير عقلانية تبطنُ رفضَ طرق التحليل الموضوعية، وهذا ينعكس في هلامية الأشكال الفكرية والأدبية والفنية التي تتجمد عند ذلك الصراع السياسي السطحي.

حين نقرأ القصص والقصائد والمقالات نجدُ هيمنةَ التسطيح، والتوجه للموضات الأدبية الفكرية الغربية معاً، مثل تدفق الأشكال السريالية واللامعقول ويتحول هربرت ماركوز إلى مفكر نموذجي ليسار المغامرة، وتحصل الوجودية والبنوية على مؤيدين مهمين.

كان هربرت ماركوز يركز على المجتمع (الصناعي)، وبهذا الشكل المجرد يتمكنُ من تلافي تحليل قوانين المجتمع الرأسمالي الغربي، وتغدو ثيمة ماركوز وجيفارا وماو هي بحد ذاتها موترةً لليسار (السوفيتي) وإبتعاده عن قراءات التحليل الموضوعية الأكثر نفاذاً في تجارب رأسماليات الدول الشرقية التي لعبتْ أدواراً في تأجيج الجمل الثورية ثم في كسرها.

عزف اليسار الطفولي على التطرف يقابلهُ فقرٌ في التحليل والإنتاج الفكري والانتاج الإبداعي عامة، فكان اليسارُ بشقيه يمثلان ضرباً ضد نمو العقلانية وتحولها لتحليلات موضوعية للواقع. 

كان ذلك في مصلحة الأبقاء على السطحية في الوعي والعفوية والانتقائية، ومن هنا لائمتْ المقالةُ القصيرةُ هذا الوعي المسطح، التي تتحول في السر إلى بيانات زاعقة، تفتقد عمق السياسة البعيدة المدى.

كما يحدث الآن لورثةِ هذا اليسار المتعثر في أشراكِ الشموليات أي للمذهبيين السياسيين، الذين يعجزون عن دراسة الإسلام وسيرورته التاريخية، وأكتشاف آفاق تطور الأمم الإسلامية فتغدو لديهم المقالة القصيرة الانتقائية الهزيلة الوعي منشوراً زاعقاً في حالة الرافضين وبخوراً حارقاً لدى غير الرافضين، بسبب الرغبة في الحصول على مكاسب سياسية وإجتماعية سريعة.

ووجود هذين الصنفين المذهبيين السياسيين من الوعي المتضادين، والمتماثلين في جوهر سطحيتهما، وبروزهما يعبر عن الاستمرارية في تكوينات الوعي السطحي لدى البرجوازية الصغيرة المتعلمة مع تبدل البنية الاجتماعية. فالخطابُ اليساري السطحي يتلوهُ خطابٌ مذهبي سطحي.

في سيطرة المقالة القصيرة والمنشور وغياب الكتاب التحليلي والأنواع الواسعة من الأدب كالرواية والمسرحية والدارسة النقدية، صفة مشتركة، فهؤلاء المنتجون العجولون هم أناسٌ لا يزرعون بعمق ولكن يريدون ثماراً سريعةً باهرة.

رأسُ المالِ الصغير هذه هي عاداتهُ التاريخية، سواءً في الماركسية وهي تأخذُ أشكالاً طفولية تختزلُ تعقيدَ الاقتصادِ والطبقات وتريدُ القضاءَ بلمح البصر على التشكيلة الرأسمالية العالمية، أو في الوعي الديني وهو يأخذُ قسماتٍ طائفيةً ويتبعُ دولاً شمولية ويريد سحق الأنظمة بمفرقعات الأطفال أو بحلبها وتكوين رأسمال طفيلي ويصير شركة إسلامية مقفلة.

رأس المال الكبير لا يشارك في عمليات إنتاج الوعي والثقافة ويبقى في بنوكه وشركاته الكبيرة ليكون رأس المال العابر للحدود، والذي يعيشُ حالاتٍ دينيةً شكلانية خاصة في المجتمعات الاسلامية غير الديمقراطية.

من هنا فإن اليسارَ المغامرَ بصراخهِ المستمر كان يعطل التحليل، واليسار السوفيتي كان يردُ في حدودِ التقليديةِ النظرية المحنطة في المركز. 

في الدول العربية الأخرى ذات الثقل السكان بخلاف دول الخليج يتمكن النتاج الثقافي من النمو الواسع، لكن الفكر النظري التحليلي الكاشف لمسارات التطور هو في حالةِ موت سريرية، والنماذج النادرة متأثرة بمناخ تشويه الأفكار الكبرى التقدمية.

وحين ينهار اليسار فكرياً وسياسياً ينهار الهيكل العظمي للوعي العميق، حيث أخذ هذا اليسار الشرقي على عاتقه أن يكون طليعة للعمال وحفار قبور للرأسمالية معاً، وهي مهمتان مستحيلتان في التاريخ القريب لأن كل مهمة ضد الأخرى.

إنها لغةُ محفوظاتٍ لم تعد قادرة على الفهم والتحليل، وأصبحت مشوشة أكثر فأكثر نظراً لفقدان البوصلة، وصارت التطورات غير مفهومة بالنسبة لها، وحالات الضياع هذه ستطلقُ لغةً ليبرالية إنتقائية مصلحية، أو لغة يساريةً إنتهازية.

إرتبطتْ الثقافةُ البحرينية بقوةٍ بالتيارات السياسية وربما بشكلٍ ميانيكي مباشر، بسبب محدودية البناء الثقافي.

إرتبط تطور الوعي السياسي بالحقبِ الاجتماعية، فالوعي اليساري البحريني نشأ في ظلال تدفق منجزات الليبرالية البسيطة لهيئة الاتحاد الوطني، ولم تستطع هذه الاستمرار بأن تجذر المستويات الثقافية البسيطة التي نشأتْ معها وواصلتها هي.

منذ حراك الاربعينيات حتى الاستقلال إنتعشتْ الأفكارُ الليبرالية بدون جذورٍ عميقة، ونستطيع أن نقول بأنها ثمارُ أصحاب ومثقفي الوكالات التجارية، هؤلاء الذين كانوا بداية البرجوازية التي إبتعدتْ عن النتاج الفكري السياسي، وكان حريق الخمسينيات الناصري قد وضع حداً لتطورها نحو الليبرالية والديمقراطية.

وجاء اليسارُ السوفيتي واليسار الماوي وحركةُ القوميين العرب لترثَ بقايا الجمهور المتحمس للحركة الوطنية. اليسار هو العمود الفقري للمرحلة بسبب ما يمتلكه من منهجيةٍ فكريةٍ تحليلية للواقع والاقتراب من بعض جوانبه الموضوعية، التي تمثلت خاصة في التركيز على وحدة الشعب وتطوير حرياته، لكن الموقفَ تجاه الليبرالية والبرجوازية كان محدوداً.

إن السوفييت مصدري ومنتجي هذا الخط عالمياً لم يحققوا ديمقراطية، وبدت إرادة القوة لديهم هي الحل للتقدم، وكان هذا يمثل تدهوراً في أداة التحليل، ونتائجُها الواقعية وخيمةٌ على الصعيدين العالمي والبحريني.

لأنه ليس ثمة بديل عن الليبرالية كمحطةٍ رئيسيةٍ إفتتاحية طويلة الأمد لخلق كافةِ أشكال الوعي والتيارات الفكرية في العالم الثالث ومشروعات الدول الديمقراطية.

لكن المشروعَ السوفيتي تغلغلَّ في العالم الثالث بقوة، حيث ثمة تُربٌ لم تحرثْ لنضال ديمقراطي، وهي تربٌ قابلةٌ لكل أشكال الشموليات، فجاءت الشموليات ترثُ بعضها البعض.

أي أن كل الثقافات السوفيتية والناصرية والقومية كانت نتاجات دول شمولية قطعتْ تطورَ الديمقراطية في بلدانها، وأمكن لها في البحرين أن تتحرك خاصة فيما قبل الاستقلال، أي فيما قبل ظهور رأسمالية الدولة المحلية، لكنها لم تستطع أن تستمر بعد ذلك. فما كان لتلك التيارات أن تنشئ ثقافة ديمقراطية واسعة الانتشار.

فالوجودُ البريطاني أعطاها إمكانيةَ أن تكون مستوردةً للبضائع المادية لا الفكرية السياسية. وبعض الحريات والحضور الشعبي المدني كانت كافية لتخلق ثقافة ليبرالية ويسارية قبل ظهور رأسمالية الدولة المحلية وبعد ذلك شحبت هذه الإمكانية.

وبغض النظر عن هشاشة الثقافة في البحرين في تلك السنوات إلا أن القوانين الموضوعية للتطور الثقافي الاجتماعي متقاربة في البلدان العربية. فتجد إن إنهيارات الليبرالية واليسار مرتبطة بصعود رأسماليات دولة شمولية في كل بلد، وهي ذاتها المنعشة لوعي الطوائف المُسيّس.

كانت القصص والقصائد والمقالات النقدية والسياسية البحرينية بسيطة، وركزت على موضوعات إجتماعية جزئية، وتراكمت المحاولات حتى غدت في السبعينيات وما بعده تحولات نوعية.

لكن المسارين المعبرين عن التناقض في الوعي اليساري كانا حصيلة البناء الداخلي المضطرب، فاتجاهُ تطوير الحريات والسلام والنمو العقلاني الذي مثلهُ اليسار ُ (السوفيتي)، وإتجاه اليسار الماوي الداعي للعنف وحرق المراحل وتصفية البرجوازية، لم يُقابل بعمق في الأطروحات المقابلة للتخلي بشكلٍ عميق عن الشمولية والمركزية السوفيتية، ودعم الليبرالية ودعم البرجوازية الوطنية.

في الثقافة كان الأمر في الاتجاه الأول يؤدي لخلق تراكمات في الآداب والفنون والفكر، والاهتمام بقوانين الأنواع الأدبية والفنية والفكرية والاشتغال عليها، وهذا كان له تطورات في الأدب الواقعي، فيما الاتجاه الآخر عمل على الأدب الحداثي التجريبي ورفض القوانين الموضوعية في الحياة السياسية وأشكال الوعي. فالسياسة تغدو إنفجاراً، والكتابة تصير هذياناً، وتيارات العنف هي البوصلة، وبالتالي فإن التيارين ومساهماتهما كانت بسيطة لمقاربة الديمقراطية والليبرالية وقوت النقد الشعبي الحاد غالباً.

كانت هزيمةُ الليبرالية هي هزيمةُ الديمقراطية وتطورها في البحرين وفي الشرق عامة، فلقد كان توسعُ الرأسماليةِ يتمُّ بأشكالٍ شمولية، ولا تنفتحُ الطرقُ لظهورِ برجوازيات حرة تلعب الدور الأساسي في الاقتصاد، وبالتالي فإن إنعكاسات ذلك قويةٌ على الوعي والثقافة خاصة.

الرؤى السوفيتية والماويةُ كقائدتين للنضالات الاجتماعية عبّرَ خلافُهما عن صراعٍ قومي، فتكشف طابعاهما الرأسماليان الشموليان، وبهذا لم يستطع تيارا اليسار الأساسيان البحرينيان أن يتوحدا أو ينقدا نفسيهما ويتحررا من القيود التي تكبلهما. المعارك والضربات وغياب الرؤية البعيدة هدمت القوى البسيطة التي تشكلتْ عبرَ عقودٍ صعبة ضارية.

على مستوى الثقافة تطورتْ الواقعيةُ في ميدانِ القصةِ القصيرة والرواية والمسرح، وتنامتْ التجريبيةُ الأدبية خاصة في مجال القصيدة والقصة القصيرة لحيزهما المكثفين القابلين للتجارب ولتداخل السرد بالغنائية، وغدا المسرح غنياً بتجارب مختلفة في ميادين العروض الواقعية والتاريخية والتجريبية، وبرز النقد في عرض التجارب الإبداعية وكشف المسارات القريبة من تأثيرات الواقع، لكنه لم يستمر في تعميق إكتشافه لنمو الأنواع الأدبية والفنية.

حين نرى تداخل الثقافة بالتيارات السياسية الاجتماعية نجد إن التيارين السياسيين البارزين اللذين وهنت قوتهما الاجتماعية، لم يؤثر إنحسارهما على الثقافة التي راحت تستقلُ عن الميدان الاجتماعي السياسي المباشر، وبدأت الأنواعُ المختلفةُ تأخذُ إستقلالَها النسبي.

لكن زخم الحركة الاجتماعية السياسية كان له تأثيره البعيد المدى، خاصةً في إبتعاد بعض التجارب عن خطوطها الأولى وعدم تعميق التجربة ورفد الأجيال الجديدة بمكتسابتها الليبرالية والديمقراطية وتطويرها مع تحولات البنية الاجتماعية وإنقلاب العلاقات فيها.

فالتطور التحديثي الموعود بزخمه الليبرالي العقلاني لم يحدث، وتدهور وضع الحركات الاجتماعية من الناحية الفكرية وعادَ المجتمعُ للوراء في عقليته السياسية، وكانت تبعية (اليسار) للحركات المذهبية السياسية التي إستثمرتْ عمليةَ الانهيار الفكري السياسي في أشكالٍ خطيرة من المغامرات المكلفة على الناس أدت إلى إضطراباتٍ عميقةٍ لم يتم الخروج منها لحد الآن.

لقد بيّن ذلك هشاشة الوعي الذي أعتمد على القفزات لا على النمو الليبرالي الديمقراطي المتدرج، بحيث غدت الجملُ الصاخبة وغياب تجميع القوى التحديثية بديلاً عن التحليلات المعمقة وتأصيل التحررية، ولم تحصل الثقافة هنا على دعم من اليسار الذائب في العفوية والمنفعية ولا على إهتمام من الجمهور السياسي المذهبي المتصاعد الحضور في الحياة الاجتماعية، ولا على مساندة الأجهزة الحكومية.

لقد عادت المقاييسُ القديمةُ للثقافة لما قبل فترة حركة الهيئة، أي للقصة العائلية الساذجة، ولمسرح منوعات التسلية، وتنامى الأدب خاصة في الريف الذي يضجُ بأزمته غير المحلولة ودون أن تتمكن التجارب من إضافة تحول مهم للثقافة الأدبية.

كما فت في عضد الثقافة المشكلات النوعية في الثقافة نفسها، من عولمة هائلة تغلغلت في كل مكان تقود لمزيد من التسطيح ومن عدم الاستفادة من أهميتها الهائلة، وتفاقمت النخبوية وضعف تنامي الواقعية وغياب تحولها لتيار مؤثر في مجتمع تآكلت فيه ثقافته الوطنية ومستويات القراءة.

من الناحية السياسية الاجتماعية قادت العودة للمذهبية السياسية وقد تغلغلت فيها تأثيراتُ المرجعيات الدينية الإقليمية إلى إنتشار الفسيفساء والفرديات الجامحة وتنامي أشكال ما قبل الحداثة، ولهذا فإن إنجازات هيئات جديدة مثل البرلمان لم تتغلغل في الحياة، وتغدو الحلول مرتبطة بطابع الرأسمالية المحلية والخليجية العربية التي يغيبُ عنها الإنتاجُ الوطني الواسع، المؤسس للعقلانية وتماسك وتطور الجمهور.

لهذا فإن عودة ثقافة العنف والإلغاء غدت موروثاً لبعض الحركات السياسية المذهبية، مع عجز رأسماليات شمولية مناطقية متعددة عن العودة للمسار الليبرالي الديمقراطي المنتج الوطني، وهذا جانبٌ مركبٌ يحتاج كذلك لمتابعة القراءة.

العقل واللاعقل العربيين

ضعفُ العقلِ النقدي

تدهور العقل النقدي في الأنظمة العربية بسببِ عدم قيام المفكرين الكبار والباحثين بدورهم التحليلي الموضوعي لدراسة الحياة العربية، ونقدها بصورة شحاعة وحاسمة.

هؤلاء المفكرون دخلوا السجون وعاركوا الأنظمةَ المستبدة ولكن لم يواصلوا رحلة التشريح النقدية العميقة.

ما هي الأسباب التي تجعل هؤلاء يقطعون رحلات عمرهم المضيئة بإنهيار أخير؟

الفارق بين المنورين الغربيين وبين هؤلاء إن الموسوعيين والفلاسفة الغربيين إنهم واصلوا رحلتهم رغم التشرد والغربة والسجون وبقيت كتبُهم متسقةً في النضال من أجل الديمقراطية والحرية، ولم تثنهم العقبات المختلفة أو الإغراءات.

هل لأن(المعدن) العربي معدنٌ هشٌ لا يستمر في صلابته ويتكشف جوهرهُ في خاتمة المطاف؟

ليست المسألة قدريةً وغيبية بل هي واقعية صرفة.

إن الفارق بين جان جاك روسو المفكر الرومانسي وهو قدرتهِ على التشريح النقدي حتى لجسده الفكري الروحي وكشف عريه. وهو في هذا التشريح لا يعطي فرصة لنفسه للتخاذل.

أو حين يكتب جان جينيه المسرحي المعاصر في القرن العشرين عن نقاط ضعفه بكل صراحة.

لا يتابع المفكرُ العربي أخطاءهُ وتدهور رؤيته وتسلقه على مواسير الأنظمة، وإنقطاع روحه النقدية شيئاً فشيئاً، فيبدو في آخر مسيرته الفكرية منقطعاً عن جرأته الأولى وتعريته للأوضاع السياسية.

إنه يقدم صورةً وردية عن ذاته، لا يعري تراجعاته وأسبابها، فلا يكشف كزوج عقبات الزوجة والعائلة التي حاصرته وأرجعته للوراء، وربما كان امرأةً والعقبات أمامها كثيرة فصمتت عن التخاذل الذي أصيبت به.

ربما يبدأ المفكر من أشكال فلسفية هامة ويكشف رؤى عربية محافظة، عبر فلسفة عالمية، كما فعل محمود أمين العالم، أو عابد الجابري حول الوعي العربي الذي جرده الثاني في بنية العقل العقل العربي، لكن الأول نقل فلسفة روسية شمولية عجزت عن الحفر النقدي في الأنظمة العربية، فماشت أنظمةً رأسمالية حكومية على أساس أنها(الطريق العربي نحو الاشتراكية) والثاني غيّب الصراع الاجتماعي في الأنظمة العربية ولم يدرس تنامي هذا الصراع وأشكاله المعقدة عبر الارتداد الديني للنظام التقليدي، وضعف القوى التحديثية وضعف نقدها للبنى الاجتماعية الراهنة وبالتالي لم تجر المعركة المفترضة للقوى التقليدية الديينة والسياسية.

بعد ذلك تأتي مجرياتُ الحياة الاجتماعية الملموسة للمفكر وصعوده في مؤسسة صحفية أو سياسية وتبدل نمط عيشه ليخفف من حفرياته النقدية وموضوعيته. ثم يرى المتابعون الانهيارَ بشكل فاقع في سنوات لاحقة.

يواجه المفكر والكاتب العربي إغراءات معيشية في مجتمعات بلا قوة حضارية، فالاحزابُ الديمقراطية التحديثية غيرُ ذاتِ جذورٍ شعبية، وقوى التخلف والانتهازية واسعة، والنقابات صفراء، ولا يوجد قراء كثر يقفون معه ويشترون كتبه ودور النشر والمكتبات تسرقه.

كذلك فإن رجال الأعمال الذين يفترض مساندتهم للتنوير والديمقراطية ومساندتهم للمفكرين بتعضيد دور النشر والمجلات الموسوعية كما حدث في غرب أوربا يبتعدون عن هذه المساهمات التي تغذي الفكر وتؤدي لمجابهة التيارات الظلامية.

كان الانسكلوبيدون وهم الكتاب الفقراء ارتفعوا فوق الصحف والمجلات الشعبية وصنعوا الثورات الحديثة، فتعاضادت الأسباب الذاتية في مجالات الصناعة والتجارة ووفي مجالات الفلسفة وغيرت مجرى الإنسانية.

تضحياتٌ من الجانبين المنتجين المادي والثقافي، وبدونها لا تتكون التحولات.

 2 ــ العقل النقدي العربي

تعكز الهجومُ المحافظ الأسطوري في الثقافة العربية السوداء على إعتماد الخرافات سبيلاً للوقوف بعد السقوط والترنح الذي أحدثته الثقافة العربية التحديثية منذ القرن التاسع عشر، منذ الأنظمة الملكية الليبرالية فالأنظمة العسكرية الوطنية والثقافة التنويرية العلمانية تتصاعد بقوة دون أن تقطع بجذورها الإسلامية والقديمة والإنسانية.

كان الحصول على معنى المادة ومعنى العلم وكشف سببيات الوجود لتلك القبائل التي خرجت من الجزيرة العربية أمراً صعباً محفوفاً بالمخاطر لجماعات أمية محدودة الأرث العلمي، والتي إنتجت منها فئات وسطى حرفية وثقافية راحت تتساءل عن معنى الوجود وكيفية فهمه وكيف السيطرة عليه؟

لا تفهم الشعوب الطبيعة والمجتمع بشكلٍ مجرد سحري غيبي تلقائي عجائبي بشكل أساسي، وإن كانت هذه هي المراحلُ الدنيا لتشكلِ العقول، لكنها تتجاوزها، لأنها ذات مستويات دنيا، ولاعتمادها على الحدس وهو أدنى أشكالِ الفكر.

لكن هذه الأشكال الدنيا ملاصقة كثيراً للعرب والمسلمين لأنهم في المستويات الدنيا من الإنتاجين الصناعي والعلمي، ومن هنا فالأشكال الأخرى من السحر والدين تبقى مترافقةً مع هذا التطور ذي المستوى المنخفض.

ومن هنا كانت الجهود الجبارة للعلماء العرب والمسلمين في إنتزاع أسرار الطبيعة والمجتمع، وهم في بدايات الحضارة، وهو أمر مهده علماء اللغة والكلام ثم الفلاسفة، الذي وضعوا جميعاً القواعد الأولى لبناء العقلية العربية الموضوعية النقدية، التي تراكم لبنات المعرفة الموثقة، والتي تكشف خلايا المادة وعمليات التغلغل فيها بشتى أشكال تمظهرها، سواء كانت جسم إنسان أو حيوان أو أشياء مادية بمختلف حالاتها، أو كانت كوكباً أم نجماً.

ولا تنفصلُ العلومُ الإنسانيةُ هنا عن العلوم الطبيعية، بل كانت هي مقدمتها، فتطور علوم النحو والصرف والبيان ودراسة جذور اللغة وحياة العرب الاجتماعية، قاد إلى وضع لغة كبيرة ذات إمكانيات تعبيرية وإشتقاقية حيوية تحت تصرف علماء الطبيعة والطب والفلك والكيمياء.

فتغيرت الرياضيات بداية من تغيير الأرقام إلى جعل الصفر فيها وجعلها بالتالي سهلة ولا نهائية الحساب، لأن المادة لانهائية، وعبر الجبر تم إظهار الكم المجهول من الكم المعلوم، فغدت الرياضيات أداة أخرى، وتطورت الهندسة الأقليدية، خاصة عبر التلاقح مع الثقافة اليونانية، ثم بدأت الكيمياء والفيزياء بالتطور مع تطور الحرف والصناعات.

لكن هل تنفصل العلوم هنا عن الشعوذة خاصة مع هذه النشأة الأولى؟

(أخذ «جابر بن حيان» مادة الكيمياء – كما هو معلوم – من مدرسة الإسكندرية التي كانت تقول بإمكانية انقلاب العناصر وتحولها بعضها إلى بعض، وأخذ مع هذه الكيمياء فيضاً من الفلسفة الهيلينية والآداب السحرية والتصوف والروحية الإيرانية)، (الجامع في تاريخ العلوم عند العرب، الدكتور محمد عبدالرحمن مرحبا، منشورات عويدات ط 2، 1988، ص 315).

إن إمكانيات الوصول إلى الأبعاد المتعددة للمادةِ مسألةٌ مرهونةٌ بقوى الإنتاجِ السائدة في المجتمع وتجلياتها في البحث العلمي خاصة مدى تقدم الحرف ومن ثم وجود معامل الإختبار، وتخصصات العلماء، وأدوات السبر والصهر والتحليل المختلفة.

ولهذا فإن حدوث جدل عميق بين الصناعة والعلوم لم يحدث:

(مزجَ العلماء العرب والمسلمون الذهبَ بالفضة، وإستخدموا القصديرَ منع التأكسد والصدأ في الأواني النحاسية، وإستخدموا خبرتهم الكيمائية في صناعة العطور ومواد التجميل وصناعة الأقمشة والشموع..) الخ، الموسوعة العربية العالمية، ص 460.

لنلاحظ هنا كيف أن منهجيات البحث العقلي كانت محدودة وكذلك فإن توجه الطبقات الحاكمة للاستئثار بجانب كبير من الفيض الإقتصادي، وجه الصناعات نحو الصناعات الاستهلاكية التابعة للقصور والتجار، مثلما أن الحركة الفلسفية لم تقم بتحليلات عميقة للمواد الطبيعية والاجتماعية.

إن المادة هنا باعتبارها مواداً وكواكب ونجوماً، أي مادةً كونيةً، لم تتغلغلْ الأبحاثُ فيها، فجثمت أشكالُ الوعي العربي العلمية على سطوح المواد والعمليات، وهي المواد المقاربة للاستهلاك أو للصحة الجسدية البسيطة، أو للتنجيم، وهو الثقب الأسود الذي إنهالت منه مواد الخرافة الواسعة وبلعت العقول والحضارة العربية.

وحتى شبكة العلوم الطبيعية كانت خاضعة لأهداف الطبقات العليا، فالطب والتنجيم والصيدلة يتم الصرف عليها، في حين لا تحظى علوم أخرى بمثل ذلك.

إن أشكال الوعي من دين وفلسفة وعلوم لم تستطع أن تصل إلى المادة إلا بأشكال محدودة وعجزت عن كشف تنوعاتها والوصول إلى مكوناتها الأصغر، في مختلف تجليات المادة الحية والجامدة على السواء، كما لم تصلْ إلى فهم عمليات المادة الأكثر تطوراً وهي الحياة الاجتماعية البشرية ونتاجها الأعمق وهو الظاهرات الفكرية.

ومن هنا فقدتْ مفاتيحَ إستمرار النهضة والتقدم.

إن أحجام كشف المادة في الحضارتين الكبريين الإغريقية والعربية والحضارات الأخرى كذلك مثل الصينية والهندية، لم تصل إلا لكشف سطوح المادة، لكن في الحضارة الغربية التي تصاعدت منذ القرن الخامس عشر بدأت ظروف جديدة تتشكل، فقد أزيلت الدولة الكلية الإستبدادية وأُبعدت أحجارُ سيطرتِها وهي الأديان الكاتمة على حريات العقول.

لكن ذلك إستغرق زمناً طويلاً وبتفاعل البُنى الاقتصادية والفكرية لكل المجموع النهضوي الغربي، بحيث تم تجاوز الحرفة، بظهور الصناعة اليدوية فالآلية، لأول مرة في التاريخ، وبهذا فإن المادة بمختلف تجلياتها الكونية والأرضية وُضعت تحت أصابع وعيون البشر لتفحصها.

إن الأجسامَ الكبرى كالكواكب والنجوم أُعيد النظر إليها، ورئُيت حركة الأجسام الكوكبية بشكل صحيح، فبدأت المناظير تتجه إلى المواد الأصغر فالأصغر، دون أن يتوقف تحليل المواد الكبرى.

 3 ــ عناصر إنهيار ( العقل) العربي

لا يمكننا القول بوجود تعميم (العقل) المجرد في النظام العربي، بل توجد وجهات نظر سياسية اجتماعية لفئات مسيطرة، أي باعتبار العقل السائد المسيطر آلية سياسية تفتقد العلوم والقراءة المستقبلية وتوجه الواقع إلى الانهيار.

نمط الحكوميين والدينيين هما الشكلان السائدان، هما الشكلان للإقطاع الحكومي والإقطاع الديني العاجزان عن إنتاج رأسمالية ديمقراطية. ولهذا يسود اللاعقل وتتوجه العديد من المجتمعات العربية الدينية لاحتدام التناقضات والفوضى.

جميع المواقف والأشياء تؤخذ من خلال دائرة واحدة أساسية، هي النظرة والبؤرة المصلحية التي تجمع كل التفاصيل، ثمة عقل حكومي وثمة عقل ديني معارض – مؤيد، العقل الحكومي يرى تصرفاته ونهج عمله هو النهج الوحيد، نهج البقاء في الحكم، نهج منع الفوضى من قبل الأطراف الأخرى وخاصة من قبل الطرف الديني المعارض، وهو نهج السياسة الدولية الراهنة، نهج الحداثة القاصرة التابعة، والمصالح العالمية المترابطة لإنتاج رأسماليات متخلفة في جهة ومتطورة مسيطرة في الجهة الأخرى.

العقل الديني النصوصي يرى الأمر غير ذلك، يراه في سيادة نهج الأشكال الدينية، والقراءات المنتزعة من التراث، يراه في بقاء المسلمين مسلمين، لكن كلمة مسلمين المجردة هذه غير موجودة في الواقع المرئي فهناك طوائف. وبالتالي في رؤيته يجب الابتعاد عن الحضارة الغربية عن الحداثة والعولمة، وبقاء الأمة في كيانها المقدس التاريخي.

هو يقود الواقع العاجز عن الرأسمالية المتقدمة إلى الفوضى، واضطراب دول الشرق، وسيطرة الدول والجماعات العسكرية والحروب.

العناصر الفكرية التي يطرحها كلٌّ من الاتجاهين لا تُطرح كعناصر ديمقراطية يمكن الجدل بشأنها وتغييرها وإضافة عناصر أخرى، بل هي رؤية سياسية اجتماعية صلدة قائمة على مؤسسات موضوعية لها جماهير تتأثر بها، وتدخلها في حراك سياسي وفي كيانات حكومية وشعبية واسعة وخطيرة متصادمة. وهي لهذا تصير لاعقلانية، تصير فوضى سياسية، لكونها لا تأخذ مصالح الجمهور والتطور بعين الاعتبار.

يجب أن تأخذ الرؤية بكليتها، وهي مدعومة أحياناً حتى بالرعب والسلاح والتصفيات، في أقصى تجلياتها وأكثرها مأساوية.

في بقاء الرؤية الحكومية صلدة متغلغلة في الأحزاب والمؤسسات الإدارية، فلا تقيم الحكومات فاصلاً بين مصلحتها الإستراتجية الكبرى وبين مصالحها الأقل شأناً من ذلك. 

نجد إنه حتى في البلدان العربية الأكثر تطوراً من غيرها كمصر أن الحزب الحاكم يعتبر كل الأشياء السياسية والاقتصادية من هيمنته، بل ربما حتى الأمور الثقافية.

ويُضفى هنا على هذه التدخلات في كل شأن مظهرٌ ديمقراطي، باعتبار أن كل ما يجري هو صراع ديمقراطي، بينما الأمر ليس كذلك، وهذا الفرضُ يقودُ إلى خلق (عقل) إجباري، وترديد مانشيتات عامة مصلحية، كعباراتِ (الحرية والليبرالية والحداثة)، وأن الآخرين المعارضين متخلفون عن العصر.

فيما يركز الفريق الآخر على مصطلحات أخرى، هي كذلك تُنزع من تاريخها ومن عموميتها، مثل خروج الآخر عن الملة، وعن مصالح الشعوب والمقاومة الخ.

ويُجير الدينُ ويُدخلُ في المساومات والإقطاعات والقراءات المتحيزة المؤدلجة، وينشأ نمطٌ من المؤدلجين، المراوغين المكرسين لمصلحةٍ واحدة، ولكرسي واحد، في صراع سياسي يتسم بالحدة وضيق الأفق معاً.

هذا الفريق يقتطع كلمات ما، والآخر يقتطع كلمات أخرى مغايرة، والجوهر هو نفسه، الإقتطاعات الجزئية، والتركيز على جوانب الفساد في هذا أو الجمود في ذاك، بشكل كلي، من غير أن الفساد قد يَعمُ، وأن الجمودَ قد يكون موجوداً في الطرف الذي يقول إنه متطور.

تتشكل في هذه الحدة القطعية، والمراوغة الفكرية التعبيرية، لغة الكرسي الواحد، الذي لا يخلق التعددية، والذي لا يُشارك، والذي يخلق البطانات ويحولها إلى سلطات متكاثرة في الشؤون الاجتماعية المتعددة، وهذا يقود إلى تحطيم عناصر العقل السائد هذا، عبر ترديده لأسطوانات وعدم قدرته على التحاليل المتعددة للظاهرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تزداد تعقيداً وتأزماً.

هناك مثل تضخمي كاريكاتيري لهذا؛ حين يقرر المسئولُ الكبيرُ قضايا الفكر والفلسفة والفنون وقوانين الاقتصاد والأزياء والعادات وغيرها، حين يشكل ديناً له كتابه الخالد.

فتقومُ هذه الظاهرةُ بإفساد المثقفين حين يكتبون عن هذا (الفكر العظيم) ومولده ودوره وإنجازاته ويحيون أعياده وتُدعى لهذه الاحتفالات وفود من كل مكان وتُصرف الأموال الوفيرة وينشأ رسلٌ عظامٌ لهذا الفكر العظيم.

وهناك نمط آخر اكثر مرونة لا يشكل هذه الشخصنة المطلقة لكن يرتب أمور مؤسساته السياسية والفكرية بحيث تدور في فلك الفكر (المرن) الذي لا يسمح بنشؤ التحليلات المعمقة في البنية، فتراه يحيل القضايا نحو جوانب أخرى مهمشة.

وقد قال مسئولٌ كبيرٌ في إحدى الدول الإسلامية بضرورة إبعاد العلوم الغربية من فلسفة وعلم إجتماع وتاريخ عن الجامعات في بلده، لقد  شعر هذا المسئول بتضاد عميق بين أدواته المكرسة لنظام شمولي وقوة الأفكار الحديثة الديمقراطية.

ما يحدث من تصلب تجاه الأفكار الحديثة والجهود لتدمير قوتها يعبر عن مرحلة جديدة من الأزمة العربية الإسلامية، ويحدث هذا التدمير سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر. أن يكون الفكر هو نفسه محل هجوم تغدو تلك قضية خطيرة.

هذا التضخم المتوتر يعبر عن تصاعد قضايا السياسة لدرجة الأزمة العامة، بغياب التنازلات والبحث عن حلول ومشاركة الفرقاء المتصارعين في الإدارة.

ثمة أربعة توجهات؛ التوجه الرسمي سواءً حكومياً أم معارضاً، والاتجاه التوفيقي المتلاعب بين الاتجاهين، والتوجه الموضوعي لرؤية البنية الاجتماعية ككل، وتبصر مشكلاتها وحل هذه المشكلات.

4 ــ الوعي العربي والتغيير

تنامت العناصر الديمقراطية في الدولة الإسلامية على مستويي السياسة والوعي بدءً من العصر الأموي، حيث نفى العديد من المثقفين أفكار الشمولية في الوضع الاجتماعي السياسي والفكر، سواءً بالمطالبة بعودة(الفيء) للناس، أو إزالة هيمنة الخلافة الفردية، وتأكيد حرية الإنسان وتقليص صور الألوهية القدرية على الإرادة العامة، لكن وعي بعض الأفراد من الفئات الوسطى أتجه نحو عروض غيبية للقضايا المطروحة، وعدم الربط بين قضايا المال العام والاستبداد السياسي والمسائل الدينية والفقهية. ولم تتشكل حركات تجمع بين هذه المسائل الفكرية والسياسية المنفصلة لكونها فئات ولم تتشكل كطبقة على أساس صناعي، ويعبر ذلك عن تفكك إرادة الفئات الوسطى والعامة المقامة على إنتاج زراعي يتعرض للتآكل وحِرفي يعيش على بذخ الأغنياء.

 لم يكن بإمكان الوعي الديني المثالي التنويري خاصة في علم الكلام المعتزلي أن يشكل تحليلاً لتطور الصراع الاجتماعي، وإستراتيجية موحّدة للفئات الوسطى المنقسمة بين فئاتها وتياراتها، وأن يقرأ الوضع المادي للمجتمع.

إن حركة الأفراد من الفئات الوسطى والشعبية لا تكّون حركة سياسية إجتماعية عامة، بل تتفكك وتضطرب وتغدو مجردةً، ثم تتشكل عبر فئات دينية مدنية منقسمة ذات مناهج متضادة.

فتسيطر مسائلُ الفقه على المساحة الأكبر من الوعي، فالفقه هو مؤسسُ العبادات والعلاقات المادية والروحية، ضمن مواد الماضي والأحكام الشرعية وتطوراتها المختلفة، حيث يسيطر توجهان، الحكم عبر الرأي والحكم عبر النص السابق.

تياران مختلفا النمو خاصة حين تزدهر الفئات الوسطى مع تنامي التجارة والأحوال المادية، فيما مدرسة الحديث تعبر عن إنكفاء ذلك التطور.

هذا الشكل الأولي من الوعي الذي يكّون الخريطة الاجتماعية اليومية، والملامح الأولية للأمم الإسلامية في عالمها الأسري والمادي وعلاقاتها السياسية، يعكس مدى التطور الذي تحقق خلال القرنين الهجريين الأولين لكن هذا التطور تلكأ وتوقف ثم حدث تراجع، ولهذا فنصيبُ مدرسة الرأي يتقلص لحساب مدرسة الحديث، كما أن عالم الحرية والقضاء على الاستبداد وإنتاج حياة الرفاهية لا يتحقق، فيظهر شكلٌ آخر من الوعي هو علم الكلام ليقرأ المشكلة.

إن علم الكلام يتشكل من أجل تحليل تلك المواد الأولية من الفقه والتاريخ الإسلامي، ويحدث فيه نفس الانقسام بين وعي يتوجه للتحليل النقدي المطور وتحليل يؤكد المسلمات السائدة.

إن علم الكلام المعنزلي الرائد يرتبط بمقولات الدين ويطرح أفكاراً جزئية فلسفية، تحلل قضايا مثل القدر والحرية والجبر والذرة والإله وصفاته والقرآن وتكوينه، وغيرها من المسائل التي إرتبطت بالوعي المثالي الجزئي, وقد تباين علم الكلام عن الفقه وبدأ في التحليق فوق التحليل المادي للتاريخ، عبر ذبذبة الفئات الوسطى بين النقد الاجتماعي للسلطات السياسية والدينية وبين مسايرتها. تعبر ذروة وأزمة علم الكلام المعتزلي في مسألة خلق القرآن المتأثرة بالطرحين اليهودي والمسيحي عن طفولية الوعي ومثاليته المغامرة وعدم قدرته المفترضة على قراءة القرآن ككتاب نهضوي تحويلي وبالتالي قراءة تطورات الصراعات الاجتماعية العربية، فبدأ هذا العلم مناضلاً وإنتهى ذيلياً لقوى النظام المناهضة للحرية والتعددية.

وقد حاولت الفلسفة العربية أن تقرأ الإشكالية ذاتها بأدوات أكثر تطوراً وبغني فكري أوسع، لكن الفلسفة هي الأخرى ظلت مثالية دينية لا تقرأ سببيات الحياة الاجتماعية والتاريخ لكنها قاربت بعض ذلك لدى ابن رشد وابن خلدون. الأشكال الفكرية من فقه وعلم كلام وفلسفة عبرت عن تكريس الوعي للمحافظة الاجتماعية والانقسامات المذهبية وضعف تنويره وتثويره.

هذا كان مظهراً لعجز الفئات الوسطى والشعبية عن التغيير من داخل المدن، والتغيير كان يحدث دائماً عبر القبائل المسلحة حتى العصر الحديث التي تركز القوة بين يديها، ولهذا ظهرت الثورة العباسية بقيادة الأشراف وقد تغلغلت وسط الجمهور الخرساني الشعبي، وهو الأمر الذي مثّل لحظة تطور مفصلية وأحدث الفترة التحولية الثانية في حياة المسلمين. ثم جاءت التغييرات التفكيكية عبر القبائل المسلحة ولكن للوراء والمؤدية لتدهور أشكال الوعي حتى إستلمت الجيوش الوطنية عمليات التغيير الحديثة في ظل إشكاليات مماثلة وإنجازات متذبذبة أو متدهورة.

5 ــ العربُ ولحظةٌ جديدةٌ في التاريخ

تخلف العربُ كثيراً عن اللحاق بركبِ التاريخ العالمي، وهذا بسبب إنهم قبائلٌ بدويةٌ إنساحتْ في عروق الأرض وتغلغلتْ في تضاريس الشعوب القديمة، والأديان السابقة، ولم يكن لها تراث غزير متجذر، وهوية صلبة سوى الإسلام واللغة والثقافة. وإذا كان الأولُ مفتوحاً لكل الأمم فإن الثاني والثالث مقصور على العرب.

تشتتُ العربِ في التاريخ والجغرافيا لم يجعلهم قادرين على اللحاق بتدافع الأمم الحديثة على صدارة المسرح العالمي، التي تتطلبُ مركزيةً في التاريخ والجغرافيا، والتي تتحول إلى سوقٍٍ جبارة متحدة، وقوى عاملة بشرية متطورة متعاونة، فالعرب يعيشون في تفكك على مستوى الأنظمة، والأنظمةُ نفسُها مفككة في بُنى إنتاجها، لكن الضغط المتواصل للعولمة وتشكل سوق عالمية كبرى متداخلة بحدة، يجبرُ الأممَ على التوحد، وقد سارعت أممٌ عديدةٌ بتفكيك أشكالها السياسية الفضفاضة القديمة، ومركزةَ أسلوب إنتاجها، وفجرت ثورات إقتصادية داخلها.

الكثيرون لا يعرفون العاصفة الاقتصادية السياسية التي تهدر، وعجزُ العربِ عن إستيعابِ الثورة الاقتصادية التقنية السياسية الديمقراطية، يصيرُ لهم مثل الكوارث القدرية وحروب داحس والغبراء، ويظهر لنا أناس يتكلمون عن الانفجارات الاجتماعية بأسباب واهية كثيرة فهم لا يعرفون التاريخ المعاصر وأسبابه الغائرة.

إن كافة أشكال الهدر الاقتصادية مثل الفساد والبذخ تتحول إلى كوارث على الشعوب العربية، لأنها بحاجة لكل قيمة نقدية من أجل تفجير الثورة الاقتصادية التقنية العلمية التي هي بأمس الحاجة إليها، وهذا الهدر يحس به العمالُ لأنهم لا يرون ما ينتجونه يتوجه لتغيير حياة المنتجين والإنتاج، وهما أساس توحيد العرب ونقلهم للحداثة.

وتداخلت أخطار العولمة وتحدياتها مع فشل التجمعات السياسية الفوقية العربية، وعدم إنجازها المقاربة بين الشعوب العربية وتطوير أوضاعها وتوحيد أسواقها ومواقفها، فأحستْ أمةٌ كاملة بالهوان والضياع، في عصر الأمم الكبرى، ولا عجب أن تقوم شعوبٌ صغيرةٌ بالثورة والتوحد والنضال من أجل أوضاع عمالها وجمهورها الفقير، في وقت توجهت فيه القوى الفوقية للاهتمام بمصالحها المغرقة في الذاتية.

بدون نضال العمال من أجل تطور أوضاعهم، أي تطور مصانعهم ومعرفتهم وإنتاجهم وأسرهم وطبقاتهم ووطنهم، لا يكون ثمة صعود للعرب على مسرح التاريخ المعاصر، الذي هو تاريخ الإنتاج والآلات والأسواق الكبيرة المشتركة وصعود العيش المشترك الأفضل.

كذلك لا يمكن لهذا الصعود أن يتم بدون تطور الملكيات الصناعية الخاصة كفرع محوري للاقتصاد وديمقراطية الرأسماليات الحكومية وبدون تغلغل ثروة المعرفة الحديثة في الجماعات والأفراد وتنامي الصلات الاقتصادية المتطورة بين الدول العربية.

إن العربَ يشكلون صلات تشبه الصلات التي كونتها الشعوب الأوربية في بدء عصر الثورة الصناعية وتشكل الأمم الأوربية وسيادة الحداثة، من حيث تأسيس القواعد الديمقراطية والصناعية، وتوحد كل شعب وتلاقي الصلات القومية بين أمة مفككة تصعد لتكون قارة إنتاجية.

ولهذا فإن نضالات الجماهير العربية الآن من أجلِ أجورِها وأوضاعها وتطور بلدانها الديمقراطي ليست موضةً، أو عمليات فوضوية، بل هي الوحدة القاعدية والتغيير من أسفل، والتوحيد على أسس شعبية عقلانية.

هي عملياتٌ موضوعيةٌ لا تصدر من قرارات وحرائق في البناء والأجساد، بل هي حاجات تتشكل في أعماق الشعوب، وظروفها،  ولا تصدرُ من لجنة مركزية أو من قائد فذ، وهي للتخلص من طفيليات معرقلة لتلك الأهداف.

الغربُ المحافظُ المهيمن وليس الغرب الديمقراطي العمالي، لا يريدُ للأمةِ العربية التوحدَ، وأن تتصاعدَ قوى قواعدها لتطوير رأسماليات منتجة ديمقراطية تبنى أمةً كبيرةً ذاتٍ أسواق هائلة وقوى إنتاجية عظيمة، فتنضمُ للأممِ الروسيةِ واليابانية والصينية والهندية والجنوب شرق آسيوية، التي شكلت قواها المتحدة، وحينئذٍ يتواصل تقلص أسواق الغرب، وتزداد الضربات للأمة العربية لأنها تملك موارد نفطية كبيرة، فتُضربُ من الصهيونية ومن بعض القوى التي يُفترض إنها إسلامية وعربية.

لكن العديد من مراكز الأمة العربية ما زالت راقدة، لم تتشكل فيها السببيات التي تشكلت في تونس من حيث عدم الهيمنة الكلية للإدارة الحكومية الاقتصادية السياسية، ووجود قوى عمالية وبورجوازية خاصة حرة واسعة، وثقافة علمانية إسلامية ديمقراطية، لكن ذلك يحدث وبصور مختلفة والمخاطر التي تعيق ذلك هي الفوضوية والمغالاة الدينية والحداثية والعنفية.

6 ــ تاريخ لليبرالية العربية

تعبر الليبرالية عن مسارات الفئات الوسطى العربية، وقد اتخذت في بدء تشكلها الحديث بعد الانفصال عن الدولة العثمانية، مساراً قوياً يتجاوز التوجهات المذهبية، بسبب العوامل الموضوعية المتجسدة في نمو كبير للحياة التجارية والصناعية الخاصة، التي لم يفرض عليها الاستعمار قيوداً مشددة، فجاء ذلك بخلاف أزمنة الدولة العثمانية واقتصادها المغلق.

ومن هنا تشكل قوسٌ كبير من الانجازات الفكرية والسياسية والاجتماعية، وسواء ظهر ذلك في ظهور ونمو الصحافة العربية أم في نشوء الآداب والفنون الحديثة أم في تطور العلاقات الأسرية في المدن خاصة، ثم تجسد ذلك عبر ظهور الأحزاب والبرلمانات ونشوء معارك الاستقلال..

وقد تقلص هذا القوس الليبرالي بفعل تصاعد القوى الشمولية، فالقوى السائدة من استعمار وحكومات ورجال دين سائدين، عارضوا هذا النمو المتزايد للحريات، كلٌ من موقعه، فازدادت القيود على الصحافة وتم تفريغ البرلمانات من محتواها الديمقراطي المستقل، ومنعت الأحزاب الثورية وعُرقلت الأحزاب الديمقراطية للأغنياء، وتم تصعيد القوى المذهبية والنفخ في وجودها العضوي المتجذر.

وتضافر ذلك مع عجز قوى الإنتاج الليبرالي من التطور، فإمكانياتها للتحول إلى الصناعة الثقيلة كانت محدودة، وتركزت قدراتها الاقتصادية على الصناعات الخفيفة الاستهلاكية المعتمدة على المواد الخام الرخيصة كالقطن والتمور واللؤلؤ وعلى التجارة والريع العقاري الخ..

إن هذه الجذور الاقتصادية غير المعتمدة على الرأسمال الصناعي الكبير والواسع، قد جعلتها تتداخل مع القوى الإقطاعية القوية والكبيرة، فملاك الأراضي والحكام ومؤسسات رجال الدين، كانوا يهيمنون على الفضاء الاجتماعي، ويكرسون نظام الدولة المسيطرة على الاقتصاد، والتي كانت تشجع مختلف أنواع الفكر الشمولي، بحيث أن الأحزاب التي كانت واعدة بإنتاج الليبرالية تراجعت وتصحرت من النضال الديمقراطي الحر!

كان دأب الدول في تلك المرحلة هو خنق التصاعد الليبرالي الديمقراطي، خاصة في مجال الوعي السياسي والفلسفة والدين، فغدت الدول والأحزاب الدينية تعيد المجتمعات للماضي، منعاً للنمو إلى الإمام ورؤية الغرب كمنوذج صالح للتطبيق عربياً وإسلامياً، بحيث يمثل ذلك سحباً لكل امتيازاتها.

وهكذا فإن رصاصة القضاء على الليبرالية جاءت من أعماق هذه الدول، من الجيوش التي تولت الحكم، وكان غريباً أن تقوم المؤسسة الحامية للنظام بتحطيمه، ولكن لكون الأنظمة لم تترك سبلاً حقيقية للتغيير، ولتطوير قوى الإنتاج المتوقفة، ولتوسيع الحريات، فإن الأزمة استفحلت.

فجاءت الأنظمة العسكرية لتضرب الجانبين الحكومي الشمولي السابق، والليبراليات العربية الجنينية. لكن المتضرر الأكبر كان في ذلك هو الليبرالية العربية، فحكومات الجيوش وحكومات الدول العربية المستقلة الأخرى، كرست الشمولية بمختلف صورها، وجاءت الحركات المذهبية الشمولية كتتويج لهذا التراجع، فصار كل ما هو عام اقتصادي أو سياسي أو فكري هو الميهمن على العقول العربية بمختلف أنواعها.

والآن بعد سنوات طويلة من الحرب ضد الليبرالية والديمقراطية، حدثت انتكاسة مضادة، ولكن هذه المرة باتجاه الليبرالية!

لا شك أن الحركات  الشمولية الدينية والقومية واليسارية، ستظل هي المنتجة الأكبر لليبرالية، فهي الحاضنة للفئات الوسطى، وقد جربت هذه الحركات الأنظمة الاستبدادية بمختلف أنواعها فكانت نتائجها خطيرة عليها.

وثمة علاقات متباينة بين هذه الحركات والتجارة والصناعة الخاصة، فهي ذات علاقات بالدول أكثر من هذا الاقتصاد، فأغلب منتجيها من الموظفين والمثقفين، ومع نمو المداخيل فيها، وتوسع هذه الفئات الوسطى، فإن أفكار الشمولية القديمة سوف تنحسر، وتدرك أهمية تكون برجوازية تحديثية ذات دور سياسي كبير، في حين ستوجه جانب كبير منها كذلك لليسار، ومساعدة الطبقات العاملة على تلمس طريق النضال المستقل.

وهنا سوف تنشأ ليبرالية إسلامية، وليبرالية قومية وليبرالية يسارية، وكل من هذه الأجنحة المتعددة للبرجوازية المنتظرة، في مرحلة جدية من النمو، ستعمل على العودة بالأحكام الدينية أو النظرات القومية و(اليسارية) على أن تكون تعبيراً عن حراك هذه الفئات نحو الثروة والسلطة.

وبطبيعة الحال ستكون القوى التقليدية في السلطات هي الأقوى، وسيتشكل صراع بينها وبين هذه القوى المتنامية، والتي لحد الآن لا تعرف علاقاتها المشتركة ومنحى التطور الذي يقارب بينها، وهي أمور تعتمد على اتجاهات التطور الاقتصادي في كل بلد، والصراع بين الملكيات العامة والخاصة لوسائل الإنتاج.

7 ــ إخفاقُ الليبراليةِ العربيةِ الأولى

كان ظهورُ الفئاتِ الوسطى في بعض الدول العربية والإسلامية واعداً ومؤثراً خاصة بين فترتي الحربين العالميتين من القرن العشرين، وكان النتاج الفكري الثقافي مهماً ومتجهاً لنقد الثقافة العربية الدينية التقليدية بقوة، وقد ظهرت في هذا الزمن النتاجات الأدبية الرائدة، وصارت مقاربة الغرب الساكن الشمالي لحوض البحر الأبيض المتوسط مسألة وقت، يقول طه حسين:

(التزمنا أمام أوربا أن نذهب مذهبها في الحكم والادارة والتشريع. التزمنا هذا كله أمام أوربا. وهل كان إمضاء معاهدة الاستقلال ومعاهدة إلغاء الامتيازات إلا التزاماً صريحاً قاطعاً أمام العالم المتحضر بأننا نسير سيرة الأوربيين في الحكم والإدارة واالتشريع؟)، مستقبل الثقافة في مصر.

لكن هذا الحماس من طه حسين توارى وعاد مثل العديد من الباحثين للكتابة عن الماضي العربي الإسلامي، وساهم كذلك في نقد ظاهرات التخلف خاصة في الريف لكن التحليل الواسع المعمق للبنى الغربية والعربية لا نعثر عليه عنده. ويتناقض طه حسين مع محمد حسين هيكل في موقفه تماماً، فقد بدأ طه حسين مؤيداً لأحزاب الأقلية ذات التوجه المدعي للحرية، ثم أبتعد عنها وأنضم للوفد، جامعاً بين تأييد الحريات وتغيير حياة الأغلبية الشعبية للأفضل.

الروائي والباحث محمد حسين هيكل يقول:

(وقد حاولت أن أنقل لأبناء لغتي ثقافة الغرب المعنوية وحياته الروحية لنتخذها جمعياًُ هدى ونبراساً، لكنني أدركت بعد لاي إنني أضع البذر في غير منبته، فإذا الأرض تهضمه ثم لا تتمخض عنه ولا تبعث الحياة فيه).

ثمة رؤية تجريدية لثقافة الغرب، ولدوله، وعدم قراءة تاريخية إجتماعية له، فلم يكن بإمكان كل الدول الغربية أن تكون إستعمارية، وقد تمكن بعضُ الدول القليلة من الاستعمار وجعلها ذلك مختلفة السيرورة عن غيرها، وخلق من حكوماتها قوى مهيمنة على الدول المستعَّمرة، ولهذا فإن الحكومات البريطانية قاومت التحرر المصري وجمدت الدستور، وصعّدت الحكومات الدكتاتورية وناوأت حزب الوفد والقوى المناضلة.

في حين إن الثقافة البريطانية فيها جوانب إنسانية مضيئة، وثمة ثقافة رديئة سوداء تُروجُ في البلدان النامية بصور أسرع وتنشر الإدمان والجريمة والروح الاستهلاكية والتبعية، وهذا التنوع في الوضع السياسي والمستوى الثقافي لا يقرأه محمد حسين هيكل فيخلق تعميماً، كما أن النبت الديمقراطي النهضوي لا يتشكل من فراغ ويحتاج لأسس مادية خاصة من قبل ملاك الأرض والصناعة الكبار، وقوى الأحزاب، في تعميق الإصلاحات الاقتصادية، وهو ما لم تفعله نخبُ المُلاك، وبهذا فإن الشعب العادي الذي يعيش في ثقافته التقليدية لا يرى نوراً قادماً من الغرب وتتردى حياته المعيشية ويمضي للثقافة الحادة والغيبية والمغامرات السياسية.

إن محمد حسين هيكل هو عضو في حزب السعديين اليميني المنشق عن حزب الوفد والذي كرس حكومات الأقلية المناوئة للديمقراطية. ولهذا فإن هيكل لم ينتج كتباً تحليلية نقدية للعصرين الراهن والعربي السابق.

لقد تمت العودة للعصر الإسلامي بشكل عام تقديسي عند العديد من المفكرين والمثقفين والعامة، فلم يفرز عصرُ التأسيس التحولي النهضوي الإسلامي إستمراريةً إجتماعية سياسية وهو الذي لم يعش نظاماً إستبدادياً الذي صنعته وكرسته أسرُ الأشراف الاستغلالية فيما بعد، وهي التي كونت النظام الديني الاجتماعي الذي ورثه المسلمون، والتي قامت فيه الفئات الوسطى بمحاولات لمراكمة عناصر المعرفة والنضال دون أن تستطيع تغييره بسبب هامشيتها وطرحها المتناقض الذيلي.

ولم تع الفئاتُ الوسطى التحديثية العربية شروطَ النهضة التحويلية المفقودة في التاريخ العربي الإسلامي، ولم تدرس شروط النهضة الموجودة في التاريخ الغربي الحديث، فليست هي الجمل الشعرية التي يرددها محمد  حسين هيكل:(وكم في ماضينا من أرواح قادرة على أن تبعث الحضارة الإسلامية خلقاً جديداً) بل هي التحرر الوطني والصناعة والعلوم والإصلاح الزراعي والثقافة العقلانية النقدية.

وكانت أشكال ثقافية ليبرالية متقدمة في هذا الزمن عبر نقل نموذج الغرب العلمي لكن هذا النقل لا يفيد كثيراً بدون درس وتحليل البُنى العربية التاريخية ونقدها ورؤية كيفية خلق التغييرات التحويلية فيها، فنشر النظريات العلمية أمر مهم ولكن العمل التحويلي للبُنية المتخلفة وتغيير تناقضاتها، وهو أمر يتشابك فيه العمل السياسي والبحث النظري، هو المسار الجوهري.

إن سيطرة الاستيراد الفكري وقوالبه التسريعية على المتنورين والأحزاب قاد إلى تصاعد الشموليات التي أنساقت وراءها الجماهير، ولم تعمل الليبرالية على التنامي التدريجي مع العمل السياسي الإصلاحي والبحث الفكري ومقاومة الشموليات والتسطيح المستورد على مستوى نقل التراث وعلى مستوى جلب الموديلات السياسية من الغرب والشرق.

8 ــ منظر الدكتاتورية العربية

لا بد أن يكون في البداية مغروراً متعالياً، محدود الثقافة، يستند لشعارات ميكانيكية سطحية وأن يكون ذا قدرة على الكتابة متوسطة.

ووحدها الصدف التاريخية التي تتيح له فرصة الصعود قرب دكتاتور ذي تطلعات كبيرة في لحظة تاريخية مليئة بالصراعات.

ومنظر الدكتاتورية لا يحفر معرفة، ولا يصدم ثقافة تقليدية، بل يعيش على هذه الثقافة التقليدية المُدمِّرة للأمة، لكنه ينفخُ فيها ويصورها بغير حقيقتها، من أجل أن يكون قرب الدكتاتور السياسي.

النقص في الزعيم السايسي يكمله المنظر الإيديولوجي.

المفكر الحقيقي لا يعيش على المستنقعات السياسية ولا المجاري ولا يستغل انتفاخ الدكتاتور ونقص معرفته، لكن الكاتب الزائف يجد من عقدة نقصه، ومن تفاهة منبته، ومن جلافة إخلاقه، خصالاً تعينه على التسلق.

أي دكتاتور عربي يصعد يعرقل عادة مشروعات الديمقراطية الحقيقية المتصاعدة في المجتمع، ويطرح دعاو شتى للخروج عن الديمقراطية والحداثة، وأن تكون السلطات بين يديه.

وهو لا يستطيع أن يبرر ذلك ويقنع الناس، بل يلجأ للمثقف الاحتيالي، والذي يمتلك بعض المهارات في الكتابة.

هكذا كان صعود الحركات والحكومات الشمولية العربية بحاجة لأقلام تسوقها، ولابد أن يكون ذلك عبر دغدغة مشاعر العامة، باستخدام أساليب بيانية متوسطة عموماً، ليست بها ذرى من المعرفة والأدب والحكمة، وليست مجارية لكنوز الثقافة الإنسانية، بل ترتكز على التحليلات السطحية، والقضايا الحادة التي تمر بها الأمة كالاستعمار والسيطرة الصهيونية ومقارنات الفقر والغنى، ولا يمكن الخروج منها لتحليلات معمقة للبنى الاقتصادية للغرب أو للحياة العربية ماضياً وحاضراً، وقراءة تاريخ العالم والحركات، بل يتم الاعتماد على الإنشائية العاطفية مثل:

الاستعمار يدمرنا ويسحق بلداننا والصهيونية الغاصبة العدوانية تغزو ديارنا والحكومات العربية تساعدها الخ.. ومثل هذه العبارات التي لم تتغير خلال عقود.

و في هذا الوعي ليس ثمة فرق بين الاستعمار أيام العدوان الثلاثي وسياسة الحكومات الغربية هذه الأيام، ولا فرق في الحكومات العربية بين تلك الأيام الخمسينية وهذه الأيام، فالجوهر العربي الذي هو خارج التاريخ عبر تصوره يتعرض للتدنيس، ويحتاج لدكتاتور يرفعه من الحضيص إلى ذروة المجد.

الكتبة الصغار يظلون في المرجعيات الصغيرة لكن المنظر الذي له بعض الموهبة يحول ذلك إلى فلسفة فيقول أن الزعيم لا يحتاج إلى دستور يقيده، فهو صانع الثورة، إنه فوق القانون أو القانون الأساسي أو الدستور وهي كلها مسميات واحدة فيصبح هو مصدر السلطات، مثل ما يدور الآن حول الولي الفقيه لا بد أن تعلو إرادته على مؤسسات المجتمع.

يقوم المنظر بتبرير الدكتاتورية على المستوى السياسي العام، ويقوم الكتبة بتنظيرها على مستوى الأحداث الصغيرة والمقالات اليومية، وبخلاف الكتبة ينهض المفكر لتحليل القضايا الكبرى، وصراع الأمم والتصدي للهيمنات، فيرى الأمة العربية ماضياً وحاضراً بنفس اللون، ويرى في الزعيم فرداً اعتلى  فوق تضاريس التاريخ وتوحد بالرسالات وذاب عنصره في أهداف الأمة، وإذا كان الزعيم ينتمي لجماعة عسكرية، أو جماعة مدنية أو عصبة عشائرية، وضعَ هذه الجماعات الصغيرة في لحظة مقدسة من تاريخ الأمة، فهي قد تلاقت مع القيم والرسالات الربانية، أو احتوت على عناصر فريدة قلما تجتمع في أية لحظة من لحظات التاريخ، أو أنها انفجرت بعطائها في تجربة خالدة من تجارب الجماعة الإسلامية، أو أنها احتوت على الجوهر العمالي المطلق، أو كانت تتويجاً لولادات طاهرة وغير هذا من السفاسف.

غالباً ما يلتقي غرور المنظر بغرور القائد، إن تصوير الزعيم السياسي كرجل خارق للقانون البشري، يقصد به إنه خارق للدستور أو مواد العقوبات وغيرها من الأشياء المفهومة الواقعية، ولهذا فإن المنظر ذا الأصل المتواضع يريد أن يخرق قانون التطور الاجتماعي وقانون الرواتب والعلاوات.

تجري خلق إستثنائيات للبطل المعبود ولخارقي الدساتير والقوانين، مثلما تكون الأمة العربية أو الأمم الإسلامية في رأيهم خارجة عن القوانين التاريخية والسياسية، فلا الحدود ولا الحروب التي يشنها الدكتاتور ولا السياسات العقيمة ولا التبذير ولا الجمود، بقادرة على إقناع المفكر والكتبة على أن الزعيم المطلق منقذ الأمة هي خرافة من صنعهم، وأن الزعيم المنقذ كان دائماً في نظام ديمقراطي شعبي، هو الذي يكرس زعامته وحبه بين الناس.

ودائماً الانتصارات تأتي من وجود تلك الديمقراطية وثمة فرق بين حروب وطنية خاضها النظام دفاعاً عن شعبه وشاركته الجماهير فيها وبين حروب الغزو والتدخلات في البلدان الأخرى ومحاولة تشكيل إمبراطورية لاتفشل فقط بل تجلب الخراب لتجربة النظام.

وكما ينتزع المنظر البطل المعبود من تاريخيته.

9 ــ الثوراتُ العربية الإسلامية إلى الوراء

بخلاف الثورات الأوربية الحديثة فإن الثورات العربية الإسلامية تعودُ للوراء دائماً. لقد كان هذا حال التحولات الأوربية نفسها، في العصر الوسيط، خاصة حين استولت القبائلُ الجرمانيةُ على روما لتبدأ هذا العصر الديني المتخلف.

 وبعدها وفي العصر الحديث راحتْ المدنُ الغربيةُ تصيغُ التحولات السياسية بشكل عام، نحو الحداثة.

لكن العربَ والمسلمين لم تُتحْ لهم سيادة المدن إلا في عصرهم الديني التحديثي السابق، فمكة والمدينة ودمشق وبغداد وقرطبة قادتْ التحولات النهضوية، وعجزتْ البوادي في قممِ النهضةِ أن تقتحمَ هذه المدنَ لتطبعها بطابعها الأقل تطوراً. وحين فعلتْ ذلك بعد أن تدهورتْ العواصمُ وقوى النهضة فيها، حلَّ بالعربِ والمسلمين التخلفُ، وواصلت البوادي والأرياف التأثيرَ في المدن بفضل ذلك وحتى يومنا هذا.

ثورةُ الضباط الأحرار في مصر والثورة الدينية في إيران نموذجان لفعلِ الأريافِ وقيامها بإعادةِ المدن للوراء. ولكن ليس للوراء الكلي التام بل في جوانب معينة كبيرة ومهمة.

كانت مقاييسُ الثورة المصرية الناصرية أقلُ حداثةً من العهد الملكي الذي كان تطوراً طويلاً لتراكم الليبرالية وسط نظام ملكي إقطاعي، فتراكمت إنجازاتُ الحداثة الغربية في مصر عبر قرن، من تشكل الصحافة الحرة والأدب والبرلمان وحرية النساء، فجاءتْ الثورةُ لتعيدَ الأمورَ إلى الوراء في العديدِ من هذه النواحي، فتفاقمتْ هينمةُ الذكورة وغابت حرية الصحافة وتحول البرلمان إلى أداة للعسكر، فكان الضباط الأحرار ينقلون تقاليد الريف إلى المدينة المسيطرة على الشعب.

لكن هذا النقلَ للمحافظةِ القرويةِ ولفرضِها على حياةِ المدن المصرية المتقدمة، كان يتشكلُ في موقفٍ سياسي معادٍ للسيطرة الاستعمارية الغربية ومن أجل تحرر الشعب، وبشكلٍ متوترٍ عنيف، يعكس قلق القيادة وفوقيتها وعدم تجذرها في هذا النضال السياسي نظراً لروحها العسكرية الإنضباطية البيروقراطية، وإستخدامها أدوات التحولات لنشر إيديولوجية الحياة القروية، حيث الكل في واحد، وحيث الأب الراعي للقطيع الشعبي، وهي أمورٌ تعكس الخوف من التحولات الرأسمالية الديمقراطية المُفكِّكة لهذه الأبوية والقطيعية، وتأتي (الإشتراكية) إستكمالاً لهذه الهيمنة الأبوية والعسكرية والبيروقراطية.

تتشكلُ إذن رأسماليةٌ حكوميةٌ بقيمٍ ريفية محافظة، وتُدخلُ كذلك أفكاراً ثورية وعصرية، جزئية، في ظل هذه المنظومة.

ولهذا نرى ثورة الخميني مثالاً آخر لهذا النموذج الريفي المهيمن على المدن، وكيف أقام المحافظون القرويون هيمنةً على المدينة الحديثة، وإرجعوها للوراءِ عقوداً، ولكن نظام الشاه كان مغايراً للنظام الملكي المصري التحديثي، الليبرالي، ورغم ذلك كان متفوقاً على النظام الديني القروي الذي أقامهُ المذهبيون السياسيون الشيعة في إيران، نظراً لكونهم أقل تطوراً وحداثة من الضباط المصريين، كما أنهم أنشأوا نظاماً دكتاتورياً واسعاً تسندهُ منظماتٌ جماهيرية مغسولة الدماغ، مما جعل دكتاتورية العسكر في إيران أقل تطويراً للمنطقة، وإلى قيامها بإرجاعها لحروب طائفية وإنقسامات للمسلمين شديدة التخلف والحماقة.

لقد كان الارتدادُ يحملُ بصمةَ العداء للاستعمار والملكية المطلقة، وشعارات تحرير الشعب وإستقلاله، وقد تحقق شيءٌ من ذلك، وبُنيت مؤسساتٌ كبيرة للرأسمالية الحكومية بتوجه عسكري غالب، ودُعمت حياة جمهور كبير من الفقراء، ومن خلال إرتداد ماضوي، معادٍ لأشكال التحديث، وشكلهُ رجالُ دينٍ أنقطعَ أغلبُهم عن العصر.

ونلاحظ نفس القلق والارتباك للقيادة السياسية الإيرانية في بداية الثورة، حيث لم تتوافر لديها أي تقاليد نضالية سياسية شعبية، ومن ذلك خرق القانون الدولي والأعتداء على السفارات، وسيادة الأرهاب والتصفيات الدموية.

هكذا جلبتْ قوى الإقطاع في الريف والجماعات البرجوازية الصغيرة من الضباط القرويين، علاقاتٍ متخلفةً إلى المدن، ولم تستوعبْ علاقات التمدن، ولا الإرثَ الليبرالي الديمقراطي، وفرضتْ مستواها السياسي المحدود، لكن المدن بعد عقود لم تعد قادرة على التحمل فبحثت عن وسائل التغيير حسب مستوى كل بلد وقدراته الاجتماعية.

10 ــ العرب والقوميات الأخرى

نحن نعاني من أبنية إجتماعية تشكلت لأسبابٍ مركبة وإستمرت لقرون، وتغييرها يحتاج لوقت ولإنتاج وعي ديمقراطي عربي، وقومي متعدد، وإنساني.

القبائلُ العربيةُ التي أسستْ البلدانَ العربية المختلفة وساهمتْ في تشكيل تاريخ المسلمين وهم القوميات الأخرى، توحدتْ وتصارعتْ وتمازجت مع الشعوب القديمة.

الشكلُ الإمبراطوري ذاته الموروث كان لا بد أن يتكون من خلال أدوات التحكم المختلفة: الجيوش، والمذهب، والخلافة. وهي عناصرٌ تشكلُ طبقات صغيرة فوقية من الصين حتى أفريقيا.

حين نرى ألوانَ الخريطة الأرضية نجد بلادَ المسلمين باللون الأصفر الغالب، وهو لون الصحارى التي إنبثقوا منها وتشكلت علاقاتُهم الأبويةُ الأساسيةُ المضطردة فيها.

فيما أن اللونَ الأخضرَ قليلٌ وهو لونُ المناطق الزراعية، والتي مثلتْ ألواناً أخرى لقوميات وأديان ومذاهب مختلفة ومتداخلة مع اللون الأساسي.

في كل تاريخهم لم تتشكل علاقات ديمقراطية بين الحكام والمحكومين، بين الطبقات السائدة والمسودة، بين القومية المسيطرة والقوميات المُسيَّطر عليها، وبين جنس الذكور الغالب وجنس النساء المغلوب على أمره.

جملةٌ من العلاقات الاجتماعية تحتاج إلى تحويل، وكلها تتداخل وتتأزم وتتفجر، وهي تتكون في ظل القوميات العربية والتركية والكردية والفارسية والأفريقية والأمازيغ وغيرها وهي في حالات تبعية للقوى المهيمنة عالمياً كذلك.

كما تتفجر في ذات الوقت قضايا الأديان والمذاهب نظراً لأنها كغيرها لم تُحل خلال القرون السابقة، وهي أيضاً تدخلُ في صراعاتِ القوميات والهيمنات الغربية والشرقية المختلفة.

جملة من التداخلات الصراعية والقوى السياسية تتخذ مواقفها بأشكال متعددة وغالبيتها تجري نحو مصالح جماعاتها السائدة الراهنة، والحلول الجذرية مؤجلة.

لكن لا بد من سل مختلف الخيوط الملونة المتداخلة من تشابكها، فكلُ بنية عربية لها تاريخها الخاص ضمن ذلك العام السابق ذكره، وكل بُنية لها صراعاتها وسماتها وقومياتها المتداخلة ونمو طوائفها الخاص، فلا بد من حل مشكلات كل بنية حسب تطورها الديمقراطي العام، وهو أمر تقوم به القوى الاجتماعية والسياسية في كل بلد.

إن فك إرتباط القوميات والأديان والطبقات بأجهزة الدول المطلقة هو الحل العام الذي ينبغي أن يجري حسب التطور الديمقراطي لكل بلد.

وليس من المعقول أن تضطهد ديانة مثل الديانة المسيحية في مصر كما جرى خلال قرون سابقة، وليسن من المعقول أن تتغلغل الثورة الديمقراطية الراهنة في مصر لمثل هذه الجذور التاريخية بالفهم والتصحيح، دون أن تتحول مثل هذه الصراعات الدينية إلى عرقلة للتطور السياسي للمواطنين الذين يجب أن يكونوا مواطنين أمام القانون وليس مسلمين أو مسيحيين.

إن وضع الأمازيغ في شمال أفريقيا حيث هم مواطنون من الدرجة الثانية هو مرفوض كذلك، وهنا تلعب الجذور القومية لا الدينية كأسباب للتمايز الاجتماعي بين المواطنين.

كل العلاقات الدينية والقومية يسودها هذا، وهي من الممكن أن تُختطفَ وتُجير ليس لصالح تطورها الديمقراطي، عبر تفكيك الدول الوطنية ذات المذاهب الإسلامية المتعددة والدول القومية ذات القوميات العربية وغير العربية المختلفة.

إن الجماعات السائدة أغلبها غير ديمقراطي ويريد إستغلال أية علاقة متجذرة قديمة أو تحولات راهنة من أجل الفوائد السياسية السريعة.

لكن أية تحولات تمزيقية للخرائط السياسية للدول وراءها كوارث وحروب، والمسار الحقيقي هو نشر ثقافة ديمقراطية بين الجماعات السياسية والجمهور، ثقافة ديمقراطية علمانية إنسانية توجه أنظار الشعوب نحو مصالحها المشتركة وبرامج حياتها الاقتصادية الاجتماعية، بدلاً من النفخ وتسعير الخلافات القومية والمذهبية والدينية.

هناك جماعات كثيرة تستفيد من جذور الماضي ومشكلاته من أجل حراكها السياسي الإنتهازي، ولم تفعل على مدى سنوات لنشر ثقافة ديمقراطية وطنية، وتعمل على إصلاح أحوال الجماهير الشعبية التي عانت وتعاني قضايا الفقر والبطالة والتهميش من قبل المراكز، ولكن التعجيل وسلق التطور والركوب على أكتاف الجمهور المعوز لن ينتج لهذه القوى أي سلام وتقدم قادمين.

مسائلُ الأديانِ والمذاهب وما يرتبطُ بها من أحوال شخصية ومسائل عبادة يجب أن تُبعد عن الحياة السياسية، وخلق الحاجز بينهما مسألة تحتاج لسنوات طويلة، تشتغل فيها قوانين ودراسات ونشر وعي دائب وبعيد المدى.

إن التسرع في تفكيك الدول والخرائط السياسية وخلق الأقاليم المنفصلة، هو رد فعل لعصر سابق من الشموليات، والبديل هو نشؤ الأمم الحرة المتعاونة، بأن تقبل كل أمة بحرية الأمة الأخرى، مثلما هي منظومات الدول الديمقراطية الحديثة حيث ينشأ تعاون خلاق، بدلاً من قيام كل شعب بمنع تطور لشعب آخر، ويتم كتم أمم تتوق للحرية.

وهذا أمر لا يحدث إلا في أنظمة التعصب والمغامرات والتحكم القسري بالشعوب.

لكن هذه الصورة المثالية تحتاج لنضالات طويلة ومعرفة واسعة لدى جماهير الشعوب في المنطقة يمنع جنون الأنزلاق للحروب والصراعات.

11 ــ العربُ أمةٌ غيرُ مركزية

عرفتْ القبائلُ العربيةُ نظامَ الحكمِ المركزي منذ بدء الإسلام وفيه عرفت الشمولية السياسية المركزية وكذلك تنامتْ عملياتُ التنوعِ الاجتماعية والفكرية والثقافية، وازدهرتْ مع توسع الفئات الوسطى وقوى الإنتاج البشرية، وفي ذلك الحين تجمعتْ أممٌ عديدةٌ وكان للعرب كقبائل هيمنة على المركز ثم على بعض الدول المستقلة.

إن عمليةَ المركزيةَ الشديدة إستمرتْ عدة قرون لكن لم تستطعْ أن تصهرَ القوى الاجتماعية ذاتِ الأصول القومية المختلفة، بسبب أسلوب الإنتاج الإقطاعي الذي وجه الخراجَ للاستهلاكِ البذخي الواسع لدولةِ الخلافة وغيّبَ الخيرات عن المنتجين.

فعرف العربُ بعد ذلك التفككَ والدولَ المختلفة وفي كل دولةٍ كانت هيمنة، لكن العربَ لم يعرفوا الدولة المركزية، مثلهم مثل بعض الشعوب كالهنود، الذين أتاح لهم عدم وجود مركز مهيمن حاد على مر التاريخ من القفزِ لنهضةٍ هائلة بدون تضحياتٍ جسام وحروب.

لهذا يمكن أن نرجعَ تكرارية وجمود التاريخ المصري القديم بوجود المركز المستمر، والذي كانت تعصفُ به ثورةٌ فيتغير من دولةٍ قديمة لدولةٍ وسطى وإلى دولة حديثة، لكن مشابهة النسخ الشمولية لم تنتجْ منه حضارة مستمرة.

كان تفككُ العربِ وظهورُ دولٍ عديدة بدا كلعنة وأنهم أمة لم تحقق المركزية والوحدة القومية، في حين أن النماذجَ المركزيةَ الموحَّدة كالألمان والروس والصينيين واليابانيين أنتجت دولاً كبرى ناهضة بقوة.

لكن من جهة أخرى نرى الثمن الباهض الذي دفعتهُ هذه الشعوبُ في عملياتِ الوحدةِ خاصةً في تضحيات الثورة والعنف والقهر في أثناء التوحيد والحروب، كما أن نجد أن التواريخ الشمولية فيها صهرتْ السكانَ كقوالب حديدية، وأن الهيئات البوليسية والعسكرية والبيروقراطية التي وقفت فوق روؤسها تبلغ الملايين، وأن السكان تحولوا لنمط، ولقالب نفعي كإستنساخٍ لآلة.

وحين تقرأُ الفكرَ والأدب الألمانيين بعد التصنيع لا تشعر بقوى التنوع النفسي المتوهج، والذوات العميقة، وإنهارت الثقافةُ الإنسانيةُ الرفيعة للروس بعد القبضة الحديدية الطويلة.

الثورات العربية العظيمة لم تُعرف من قبل بشرياً بهذا الزخم، ولم نجد هذه الملاحم الهادرة السلمية المزعزعة للقهر. فكيف لأمةٍ ممزقةٍ ولشعوبٍ ضعيفة أن تعلم الإنسانية هذه الملاحم؟!

رغم سلبيات التبعثر والتفكك القوميين العربيين وهي كثيرة مثل غياب العلاقات الاقتصادية العربية البينية الواسعة، وضياع فرص المشروعات المشتركة الكبرى  وتدفق لفوائض مالية عربية هائلة للغرب، رغم هذه السلبيات الفظيعة إلا أن ثمة إيجابيات من تعددية الدول العربية وأهمها نشؤ تعدديات فكرية وسياسية راحت تغتني من ثمار الديمقراطية الإنسانية ولم يعد بإمكان أية دولة أن تفرض صيغتها السياسية الواحدية، وحدث تدفق معرفي ثقافي هائل لدى الجمهور العربي الطليعي على مدى عقود، ومع الثورة التقنية المعلوماتية فإن الشباب العربي إستوعب زخماً ديمقراطياً هائلاً، ولم تستطع الشموليات الألمانية الهتلرية والستالينية والماوية والرجعية والآن النسخة الدكتاتورية الإيرانية أن تُطبقَ على أعناق العرب.

لم يكن المتأثرون بالتجربة الشمولية الفاشية الإيرانية يعرفون أنهم ينقلون تجربةً غيرَ عربية إلى بعض الدول العربية، وأنه ليست عوامل سطحية سوف تهزمهم بل القوانينُ العميقةُ للثقافة العربية السياسية المتجذرة في أمةِ التعدد والاختلاف الديمقراطيين، والتي لم يتشربوا بها في أرواحهم وظلوا محبوسين في قمقمِ الهوسِ القومي الإيراني في نسختهِ الطائفية الأكثر خطورة. لقد أخطأوا على صعيدين قومي ووطني، فلم يكونوا جزءً من القومية العربية، ولم يتغلغلوا في الوطنية العراقية والوطنية البحرينية والوطنية اللبنانية وغيرها.

فروقٌ كبيرةٌ بين مذاهب التباين والتعددية والتسامح وبين صيغ الشمولية الباترة، ونمو التجارب الديمقراطية العربية الراهنة سيظل تغذيه القوانينُ الاجتماعيةُ الغائرة في هذه الأمة وشعوبها المتعددة، وهزيمة القوى الشمولية المذهبية والقومية واليسارية ضرورية لكي يثروا هذه التجارب ويتحولوا إلى نسيجٍ فيها يتغذى بالوعي المدركِ لأخطائه ويتجاوز نسخ التبعية الشمولية، نحو أمةٍ مستقلةٍ تحديثية ديمقراطية ودولٍ مستقلةٍ متنوعةٍ متعاونة بعمق فيها.

12 ــ العولمةُ والسيطرةُ على الثوراتِ العربية

طُرحت أسئلةٌ جوهريةٌ حول مدى إنزلاق الثورات العربية نحو الهيمنة الغربية مجدداً، وهل ستكون الدول التي نجحت والتي سوف تنجح خاصة سوريا تتوجه للتبعية مجدداً عبر يافطات أخرى؟

أُثيرتْ هذه التساؤلات خاصة على التجربة السورية التي تعيشُ مخاضاً مريراً بسبب الهجمات الرهيبة للعصابة الحاكمة في دمشق والتي إستباحتْ كلَ شيءٍ في ظل عجز عربي وعجز دولي مخيفين.

وتُطرحُ هذه الأسئلة الوجيهة خاصة في ظل قيام الدول الغربية الكبرى بمساندة هذه الثورات، وتلكؤ الدول الرأسمالية الشرقية غير الديمقراطية في هذه المساندة وحسابها للربح والخسارة الاقتصاديين بشكل شحيح والزمن ينمو فوق الجثث والمقابر والمدن المحروقة.

ومن الواضح إن أنماط الأنظمة التي إنهارت أو في سبيلها للانهيار تتشابه مع الدول الشرقية الأخرى الاستبدادية، وتظل هيمنات الرأسماليات الحكومية هي أبرز مظاهرها مع إنبثاق قطاعاتٍ خاصة من أجواف هذه الكيانات الاقتصادية السياسية، وبالتالي فإن النمط العام للرأسمالية الحكومية المسيطرة على الاقتصاديات هو الذي يتعرض للأخطار، وأن نمط الاقتصاد الرأسمالي(الحر) أو الخاص هو الكاسب، وبالتالي فإن خسائر الرأسماليات الحكومية الشرقية من إنهيار التعاقدات في ظل الأسواق السوداء الحكومية الشرقية، سوف تكون عالية للقطاعات البيروقراطية السياسية، في حين أن الشركات الغربية سوف تجد أمكنة فارغة في هذه الأسواق الجديدة!

كذلك فإن توغل نمط الرأسمالية الحرة بما ينمو فيه من تداولية سلطة وصحافة حرة وثقافة ديمقراطية سوف يهدد مصائر الرأسماليات الشرقية الشمولية الكبرى في قارة آسيا خاصة!

إن العولمة ليست شيئاً مجرداً بقدر ما هي صراعات وتداخلات بين هذين النمطين من الرأسمالية اللذين يعكسان مستويين من التطور الاقتصادي الاجتماعي العالمي.

وبقدر ما أخذت القوى البيروقراطية الشرقية الثورات كأساس لنشوئها وخداعها للكادحين الشرقيين وحين وقفتْ عملاقةً ظهرتْ مضامينُها وحولتْ حياتهم إلى عواصف ورثاثٍ إجتماعي يتشرد ويبيعُ قوى عمله بين الدول والقارات، وصيرتْ نساءَهم وأطفالهم مواداً للبيع في الأسواق العالمية، بقدر ما حدث هذا كله فإن الثورات العربية جاءتْ لتحذر هذه الدول الكبرى من مغبةِ الاستمرار في تجاهل حقوق العاملين المهملين من قبل قوى رأس المال الحاكم عبر هذه العقود الطويلة من الانقلاب على القيم والمبادئ الأولى.

والأفظع حين تحولت نماذج من هذه الثورات السرقات عربياً إلى أنظمة ذبح للشعوب وحولت جيوشها الجرارة من جبهات الحدود إلى منازل المواطنين!

وهكذا فإن نمطَ الثورة التي أكلتْ أبناءها بغياب أدوات الديمقراطية لم تعد نموذجاً والتي أعتمدت العنف والتبشير الطبقي الرنان الأجوف، وعلامات الأنتماء الزائف للكادحين، لم تعدْ مقبولةً لدى هذه الجماهير العربية البسيطة والتي طرحت نموذج النضال السلمي والديمقراطية وتداول السلطة وتحرير الاقتصاد من الهيمنات والشفافية.

إنه النموذج الذي جمع اليسار واليمين، الدينيين والعلمانيين، ولا يزال في منطقة برامجية لم تتعمق حتى الآن ولكن أسسها الجديدة واضحة للعيان إلا لمن سُلبتْ منهم أدواتُ الرؤيةِ بفضل نظاراتٍ سوداء قديمة لم تعد تميز المرئيات والأنوار والظلمات.

إن مخاطر تغلغل رأس المال الأجنبي بصور إستغلالية موجودة، ولكن صعود أدوات الديمقراطية من رقابة وصحافة ومنظمات نقابية وحزبية عريقة في كشف ذلك والصراع ضده، وتمييزه عن الجوانب المفيدة للاقتصاديات والعلاقات العالمية التعاونية، هذه كلها لن تمكن أية قوى بيروقراطية وحزبية جديدة من التلاعب بالأموال العامة.

إن المضمون العميق البعيد للثورات العربية هو أن أجزاءً من أمةٍ كبيرة هي الأمة العربية تنضمُ للاقتصاديات الكبرى وتتوجه لتكوين تجربة إقتصادية عملاقة أخرى، عبر التعددية وإعادة تشكيل الهياكل التقليدية في الاقتصاد والثقافة والعلاقات القومية والعالمية.

ولهذا فهي في حالةِ الانضمامِ الواسع للعولمة تناضل ضد أشكالها المستلِبة لكيانِها وخصوصياتها، وتقدمها المستقل المميز، عبر التعاون القومي والتعدد الوطني، وهي حالات ستبقى مثالية ونموذجية بدون تكريس من قبل القوى القومية والتقدمية العربية.

ولهذا فإن ما تطرحهُ القوى الوطنية السورية في نضالها الصعب وغير المتكافئ مع آلة القمع الحكومية الرهيبة ومجازرها اليومية لا يتناقض مع هذا، أي لا يتناقض مع ما تدعوه إليه من سلمية وديمقراطية ومن ضرورة إسقاط نظام لم يعد عربياً سورياً وبشرياً، وهي لم تجد العون والحماية الدولية بعد.

لكن كيف ستترتب هذه الحماية وكيف سيمد المجتمعُ الدولي يدَ المساعدة فإن هذا يرجع لقرارات الشعب نفسه والذي يعبر من خلال صوته الموحَّد ومن خلال المجلس الوطني الممثل له.

ليس هناك إنخراط عربي ذائب في العولمة مع تصاعد الإدارات الديمقراطية الوطنية لكل شعب عربي، بل الذوبان يأتي من تكريس الشموليات وسرقة أموال الناس بحجج الممانعة، والتعامل مع الشركات من تحت عيون الشعوب.

13 ــ المذهبيون السياسيون ومرحلةُ هدمِ الدول العربية

تواجه الدول العربية مرحلةً مصيرية من تاريخها الاجتماعي المعقد، فهي بين منعطف الديمقراطية التحديثي التحولي الكبير وبين تفكك أطرها وهدم كياناتها.

تاريخٌ طويل وهذه الدول لم تبن على أسس حديثة، بل على رحيل القبائل والفتوحات القديمة والحروب والتدخلات الأجنبية.

وخلال قرون الجمود بقيت الهياكل الاقتصادية الاجتماعية التقليدية حيث المدن الرئيسية في إنفصال وتضاد عميق مع البوادي والأرياف، وإلى مدى قريب كانت تقرر الشؤون العامة بشكل كلي.

مع سيادة المذاهب الواحدة نقرأ شيئاً من وحدة النسيج، فعلى الرغم من الشموليات والإضطرابات والثورات في بعض شمال دول أفريقيا لكنها حافظت على هياكلها السياسية الموحدة، إلا أنه كلما اقتربنا من المشرق العربي الإسلامي تصاعدت عمليات التفكك، بدءً من مصر والسودان، فتباين الأديان يظهر كعامل إنقسامي خطير في كيانات الدول.

حياةُ الدولِ العربية على أسسٍ دينية كانت تسمى سيطرة(الملة)تعبيراً عن عدم الاعتراف بالأديان الأخرى والقوميات والمذاهب المختلفة، حيث لعبت سيطرةُ الأفكارِ الدينية دور بناء الهياكل السياسية الاجتماعية. وبجعل المذاهب والأديان المغايرة مقصيةً عن المراكز السياسية المهيمنة، ومرفوض التعاطي معها، وتقدير أصحابها، ولهذا فهم في عزلة وموانع جغرافية كما يحدث للدروز والمسيحيين والإسماعيليين والعلويين في لبنان وسوريا وفي اليمن والجزيرة العربية حيث لا تحميهم الدول والقوانين بل مظاهر الطبيعة الجبلية الجبارة.

فتعبر الهواتُ الطبيعية بين السكان عن الهوات السياسية المسيطرة.

ثقافةٌ سياسيةٌ إجتماعيةٌ كانت مؤسسةً على الملة الوحيدة وغيرها خارج الاستقامة والكينونة، مثلما يحدث في إيران وإفغانستان حيث الملة الوحيدة لكن بشكلٍ مغاير، والطوائفُ والقوميات الأخرى كالأكراد والبلوش والعرب على ذرا المرتفعات والجبال، وفي السودان كانت الغابات المدارية هي الأم الحامية.

وقد عجزت قوى التحديث خلال القرنين التاسع عشر والعشرين عن تغيير هذا الطابع الاجتماعي السياسي الطبيعي المتداخل، فمستوى قوى الإنتاج والعلوم لم يتح سوى البقاء في الحِرف وإنتزاعِ المواد الخام بوسائل بدائية أو بأشكال صناعية محدودة الأعداد السكانية ومتدنية المستوى، وهذه هي الحدود التي سوف تتفجر عليها بعضُ الصراعات السياسية وتتغير حدود الدول عليها كلما تعمقت الصراعات الاجتماعي لابسةً ألبسة المذاب والأديان ومحاولة تغيير الخريطة الجغرافية – السياسية، أو تمزيقها في حالة التوغل في الانفصال وظهور قوى مستفيدة متجذرة في تغييبها للمشترك والتوحد.

كذلك فإن السياسات المقامة على هذا المستوى الإنتاجي تجسد تركيز الثروات والهياكل الإدارية في بقع جغرافية صغيرة وفي نخب إجتماعية صغيرة هي الأخرى.

أما التحول العميق للبنى الاجتماعية وتوزيع التنمية على مستوى الخرائط الوطنية والطبقات السكانية فهو غير ممكن بسبب تلك النخب وهيمنتها على رأسماليات الدول المحصورة التي تتطلب مرحلة جديدة من رأسمالية الازدهار الوطني الشامل وهي بذاتها مشكلة لكن لها حلول مؤقتة في الديمقراطية، وهو ما أدى إلى أن يتم التركيز على نقد سياسات العواصم، والتي تجري حسب طبيعة القوى الاجتماعية المتكونة في تلك الدول في مراحلها المختلفة، والتي تعبرُ ليس عن إعادة النظر في الرؤية النخبوية المذهبية الدينية المحافظة، بل تطبيقها من خلال قوى معاكسة لها في المذهبية الدينية فقط.

فرؤيةُ (الملل) الدينيةِ المحافظةِ الشكلانية تجسدُ نفس الهياكل السياسية الاجتماعية من مواقع طبيعيةٍ مغايرة؛ من خلال الجبال حيث تدور ربما حروب العصابات، أو حيث تُستقل وتُعزل المناطق الريفية والجبلية والغابية، ومن هنا إزدهار الكهوف والرؤى الكهفية الظلامية وأمراء الحروب، لكن هذه المرحلة تعمقتْ عبر المرحلة الراهنة، حيث لم تعد عمليات التمرد والاستقلال الجغرافية كافية بل ظهرت سياسات الانفصال وتكوين دول تفكك الدول السابقة، أو تغدو دولاً واحدة لكن منفصمة عبر حكومات متصارعة وليست كإتلاف وكونفدرالية تصعيدية للنهضة وتراكم الجهود، أي تشتغل على تحطيم الهيكل الموحَّد، عبر نفس الرؤى المللية العتيقة.

وقد قامت بها قوى وعدت الناس بتحولات كبيرة، لكن النصوص الدينية مُغيَّبة الحفر في الواقع، لا ترتكز على قراءة البنى الاجتماعية وقوانينها، وترتكز على مطامع باستيلاء جماعات نخبوية جديدة على الثروات، وهذا يحدث خاصة في مناطق النفط، ومن هنا تتفجر مسائلُ الحدود والطوائف والأديان في الخليج والجزيرة العربية وجنوب السودان.

وهكذا يغدو الصراع العربي الإيراني مفككاً أمماً كبيرة بسبب محاولات تقسيم حدود الدول وتغيير هياكلها وإعادة الاستيلاء على ثروات النفط.

14 ــ الطابع الديني للحراك العربي

مهما كانت الشعارات الأولى تحديثية فإن البناء الاجتماعي العربي ذو طابع ديني صارم، لكن لحظات الفقه السني المُسيَّس هي غير لحظات الإثناعشرية في الزمن الإيراني، ففي الأخيرة حدث خطف المذهب الإثناعشري بسبب تصاعد دكتاتورية الشاه ثم دكتاتورية الولي الفقيه.

كان المذهبُ عبر العصر السابق تعددياً ذا مرجعيات متنوعة تتيح تعددية الأحكام والتفاسير والاجتهادات، ورغم تمركز السلطة الدينية في مرشدٍ لكنها أتاحت الإختلاف الفقهي والتباين السياسي.

جاءتْ ولايةُ الفقيهِ بعد تصاعد الدكتاتورية الاقتصادية السياسية في أجهزة الشاه، وغدا للفرس مؤسسات شمولية معبرة عن هيمنتهم القومية على الشعوب التابعة لهم في ظل إيران، فكانت ولايةُ الفقيهِ نقلةً أخرى في هذه المركزية السياسية الاقتصادية، فجعلت المذهبَ المتعدد التفاسير شمولياً في توجهه السياسي، وأعطت لقوةٍ واحدة كلَ السلطات الفقهية والسياسية والعسكرية والاجتماعية، فتمددت في الداخل الإيراني وفي العالم الإسلامي.

فيما تواجه المذاهبُ السنية لحظات مختلفة، فقد تصاعد دورها السياسي في وقت تفكك الرأسماليات الحكومية ذات القبضات العسكرية والبوليسية الشديدة، فكان بعضها هو الذي يطالب بالحريات العامة وزوال الاستبداد ووضع حد لهيمنات الدول على الاقتصاد.

هذا الافتراق عن اللحظة الإيرانية هام ولكنه ليس كل شيء، فأبنيةُ الدولِ والمجتمعات شمولية، والشعوبُ ذاتها شمولية، تحّجم الحريات داخل البيوت وفي العقول وفي الإرادات الفردية، وتأتي المذاهبُ بإرثٍ شمولي في الفقه، وتباين في التعابير السياسية وإضطراب في المناهج الفلسفية.

وعملياتُ تفكيكِ إرتباط المنظمات الدينية بالعمل السياسي ليس قوياً، فتحويل الجماعة إلى أحزاب مدنية ذات طابع شكلي، فهي تعتمد في سيطرتها السياسية على أشكال متخلفة من العلاقات الاجتماعية، عبر إلصاق دور العبادة بالمؤسسة السياسية، وتبرير وتمرير أشياء كثيرة من خلال الثقافة الدينية التي تُسيس بلا معرفةٍ عميقةٍ بالإسلام ومراحل تطوره.

فإستخدام الشعائر والكلمات الدينية يتم بكثرة ولا نرى بارمج سياسية وإجتماعية عميقة، مما يعبر عن غياب رؤى إصلاحية للهياكل الاقتصادية النخرة الماضية، وعدم معرفة بعهود من إستلال الأموال العامة.

وقد بينت المنافسات السياسية الانتخابية إن هذه التنظيمات إستغلت الدكتاتورية الاجتماعية الرابضة طويلاً في الحياة الاجتماعية وفي حياة الناخبين وثقافاتهم البسيطة، وجيرتها لصعودها السياسي. وبهذا وضعت أول خلايا الشمولية المريضة في أجسام الحياة السياسية الجديدة.

ويعبر إبتعاد هذه الحركات السياسية المؤدلجة للإسلام عن اليسار والقوى الديمقراطية والنقابات والجماهير العمالية عن طابعها المختلف عن الثورة الإسلامية المؤسِّسة، التي جعلت التحالف مع العبيد والفقراء شكل الجبهة السياسية التي كونت سلطة الخلافة، وبالتالي فإن الجماعات الدينية الراهنة المسيِّسة للإسلام تعبر في سلميتها وطبقيتها عن فئات وسطى تريد من الفقراء تبعية وطاعة وليس تحالفات ديمقراطية فيما هذه هي الوحيدة القادرة على إعادة بناء الرأسماليات الحكومية الشمولية التي عرقلت التطور بشكل يؤدي لتوزيع الثروة على كافة الطبقات وخاصة العاملة منها والقيام بثورات إقتصادية مفيدة للجميع.

15  ــ عودةٌ للأمةِ العربية

إن تحولات الدول العربية المعبرةِ عن مرحلةٍ مضطربة من تطور الشعوب العربية، تتوجه نحو التوحيد أو التفكك، إنهما شكلان معبران عن قوة أو ضعف القوى التحديثية الوطنية.

فهي نفس الأمة التي تعطي ملايين تغير، وآلافاً تفكك وتغير للأسوأ.

ثمة بُنى إجتماعيةٌ إستطاعت أن تخلقَ قوى وسطية توحيدية أحدثتْ تحولات وأخرى لم تقدر على هذا.

التياراتُ السياسية العربية المتعددة الرؤى قام الكثير منها على الأممية الماركسية أو الإسلامية أو القومية الشمولية، وهذه الأشكال من الوعي كانت تركز على تجاوزِ الشعوب العربية نحو وحدةٍ أكبر، ولم تخلق الجدليةَ بين ما هو وطني وقومي وبين ما هو قومي وما هو عالمي، فالقومي يذوبُ في العالمي الذي يغدو مجرداً، ثم زائلاً.

كان هذا الوعي يركز على قوى إجتماعية هامشية كانت ذات تأثير كبير في الحراك الاجتماعي، فالعمال كانوا ذوي قدرات فاعلة مهمة ومن أجل تحولات إجتماعية إشتراكية، وهي فاعليات أدت إلى ضمور الطبقات العمالية لصالح غيرها، ولا عجب أن تقوم في الثورات العربية الراهنة بالدفاع عن مطالبها الاقتصادية بقوة، بعد أن ساهمت بقوة في الدفاع عن الديمقراطية ونُسيت.

كما أن الوعي الاشتراكي المطروح بصيغ الأممية المجردة، المركز على الدفاع عن المعسكر الاشتراكي، لم يعد له وجود إجتماعي سياسي عالمي يدور في قطبه.

ضعف الأممية الاشتراكية جعل العمال يعودودن لقضاياهم المطلبية ويركزون على رفع المستوى المعيشي لهذه الطبقات التي أُستغلتْ في كل الثورات والتحولات.

أما الأممية الإسلامية فلم تعدْ لها صيغ نضالية متجسدة من المكن أن تقوم بتحولات إجتماعية، فقد خطفها المتطرفون نحو الإرهاب أو نحو التعبير عن مراكز قومية متضخمة تلغي حضورَ الشعوب والقوميات الأخرى.

أما الاتجاهات القومية فذابت في أنظمة شمولية لم توحد ما هو وطني، وبالتالي لم تستطع أن ترتفع لما هو توحيدي قومي.

ولهذا غدا الوسط الإسلامي الليبرالي جامعاً لفئاتٍ كبيرة تعبر عن الطبقات الوسطى وهي في حالات تشكل، وقدرت على تحريك ملايين للتغيير ووصولها هي لبعض السلطات العربية.

ما هو مرئي إن هذه الوسطية التي كانت التحليلات والمواد الإعلامية الكثيفة تركزُ عليها خلال العقود السابقة إستطاعت خلق توحيد وهو الأساس الممكن للتغيير في أي بلد، وبدونه هناك الفسيفساءات المذهبية والدينية والسياسية.

وقاد هذا الحراكُ الوسطي إلى ضعف اليسار المتطرف واليمين المتطرف معاً، في بعض البلدان في حين إنه لم ينتصرْ في بلدان عديدة أخرى.

كان نشوء فئات وسطى وعمالية فكرية متعاونة على الخطوط الدنيا للديمقراطية هو الخالق لهذا التحول، الذي بدأته الطبقاتُ العاملة سواء في مناجم تونس في الجنوب أم في معامل الغزل والنسيج في المحلة الكبرى، وطورته قوى وسط ليبرالية ويسارية لتحوله إلى وعي ديمقراطي متحرك يبتعد عن أقصى اليسار وأقصى اليمين، ولا يطرحُ أمميةً من أي نوع، ولا طبقة طليعية، مما يجعله كذلك في مخاض إجتماعي يمثل طيفاً واسعاً غير متبلور.

سادت خطوط  فكرية أهمها سيادة الوعي الديمقراطي وتغيير البرلمانات الصورية والقبول بالآخر الديني أو اليساري، وإعتماد قواعد الوعي الشعبي الراهن بكل مشكلاته وسلبياته وعيشه الطويل في أنظمة إستبدادية وجعله أساس التصويت والانتخاب بدون مراحل إنتقالية تنويرية، مما جعل الطبقات العمالية التي كانت هي المُحولة الأساسية للأنظمة الشمولية لا تحصل على أي شيء من البرلمانات فتقوم بإضرابات واسعة للدفاع عن مصالحها الاقتصادية دون أن تتوقف عن دعم القوى الديمقراطية. لقد خافت أن تضيع مصالحها البسيطة في رفع الأجور مع تحركات القوى المالكة والغنية لقطف ثمار المرحلة لصالحها وهي التي كانت رابضة تحت الرماد بإنتظار مثل هذه الفرص!

إن غيابَ التوجهات السياسية الفكرية الحادة نحو أقصى اليسار وأقصى اليمين أفاد المرحلة في ظهور قوى الوسط  المتجمعة ضد الشموليات ولكنه جعل الأجيال الشابة بلا منظور طبقي واضح، وغدا الجمهورُ الفقيرُ الواسع المفتت يتبع القوى التقليدية التي مدت شباكها فيه لعقود، مما أحدث تطوراً من جهة وتخلفاً من جهة أخرى.

فحصلت ثوراتٌ عظيمة ثم نتائجٌ سياسية وإنتخابية هزيلة!

لقد تغيرتْ الأنظمةُ الشمولية وصعدت قوى شمولية!

لكن الديمقراطية حتى بمثل هذه النتائج والقوى أفضل من الزمن السابق، وهي تمثل فرصاً لإعادة النظر في الأطروحات والبرامج الجامدة في عقود، ومن أجل التوحيد الجدلي بين ما هو وطني وقومي وما هو عالمي، ومن أجل أن لا تتسع الهوات بين الطبقات العاملة والطبقات المالكة، وأن تجمع القوى السياسية بين الحفاظ على أشكال الديمقراطية البرلمانية وتطوير الحياة الشعبية التحديثية.

إن الروابط التعاضدية القومية والعالمية سوف تظهر لكن البلدان المتآكلة من الشموليات بحاجة للبناء الداخلي أولاً، وعبر ذلك سيظهر تعاونٌ قومي واسع وتضامنٌ أممي أكبر ولكن أسس ديمقراطية.

وستكون مراكز الأمة العربية الديمقراطية الكبيرة مثل النواة لعمليات تجديد للشعوب العربية بأسرها.

إن دور القوى التحديثية المختلفة هو التعاون على أسس التغيير الديمقراطي وتعريبه بشكل عميق وهي مرحلة طويلة من العمل والدرس.

16 ــ المشرقُ العربي الإسلامي في مهبِ العاصفة

لم ينجح الاستقطاب الطائفي السياسي الاجتماعي كلياً في شمال أفريقيا العربية.

كان المشرق العربي أكثر تطوراً إجتماعياً وسياسياً، فهو الذي أسسَّ الأديانَ السماوية وثقافةَ النهضات في العصرين الوسيط والحديث.

فلماذا يكون أكثر تخلفاً وأشد عنفاً وأوسع تمزقاً؟!

كان شمالُ أفريقيا يتلقى حصيلةَ وثمارَ ما تنتجهُ قوى النهضة والتحول في الهلال الخصيب خاصة، فتحمل اللقاح إلى مصر لتفيضَ به على الجيران.

في الزمن الراهن الجاثم غدا المشرق غير قابل للتحول الديمقراطي الوطني الإنساني، يتصدع ويتمزق ويتفتت دينياً وطائفياً.

الربيعُ العربي ما أن عبرَ البحرَ الأحمر حتى إشتعل دماً.

بلدان هما اليمن وسوريا إحترقا.

بالتأكيد فإن الفاشيةَ الإيرانية لعبتْ دوراً تمزيقياً كبيراً ولكن ليس ذلك هو السبب الداخلي العضوي، فهو مجردُ عاملٍ خارجي وجدَ أرضاً خصبةً داخلية ونما.

لم يتواجدْ في المشرق العربي الإسلامي إنصهارٌ وطني.

لم تلتحم الشعوبُ إلتحاماً عضوياً عميقاً، وبقيت الدولُ مجموعاتٍ من النُخب القَبلية والمذهبية تسيطرُ على هياكلَ سياسيةٍ إجتماعيةٍ مفككة.

محدوديةُ المدن وضآلتها بجانب مساحات الصحارى خلقتْ على مر التاريخ التحرك القبلي كقوةٍ سياسية فارضةً التحول الفوقي، فيما الحياة الاجتماعية مشتتة متخلفة محافظة، تابعة للمسيطرين المذهبيين والقبليين المحليين في أجزائها المختلفة المتباعدة.

حين نأخذ الجماعات السياسية والدول التي قامت بالاستقلال والثورات فهي تنشىءُ أجهزةً وحكومات أقلية لا تنفذ للخريطة الاجتماعية الواسعة.

تصطبغ الأحزابُ بصبغاتِ قومية ووطنية وإشتراكية طلائية خارجية، فيما هي ذاتُ مضامين مذهبية ودينية، والأحزابُ القوميةُ فالدولُ تغدو رأسماليةً وهي سنيةٌ قَبلية، أو شيوعيةٌ وإشتراكية وهي شيعية وزيدية وعلوية.

الاجراءاتُ السياسيةُ والبناءات الصناعية والاقتصادية والثقافية المؤسسَّةُ من خلال هذه الأبنيةِ الفوقية تغدو طائفية وقبلية.

البناء الفوقي الإيديولوجي الطائفي هو الذي يؤسسُ المؤسسات السياسيةَ العامة والمصانع، لتقوم الفوائض النقدية بتكريس الطائفيات والقبلية.

كان العلويون في سوريا يعيشون في الجبال والقرى البعيدة لم ينصهروا مع الطوائف الأخرى، ولم يكن البعثُ سوى طلاء خارجي، أخذ يتفتتُ مع التحكم في المؤسساتِ العسكرية والاقتصادية، حتى برز كالحاً فاشياً في الصراعِ الطبقي بين الرأسماليةِ الحكومية وجمهور الفلاحة الريفي المتخلف الواسع.

والبعثُ في العراق كان طلاءً للقَبلية السنية البدوية التي أزالتهُ وهي تقوم بذات التحكم، فلا يبقى رباطٌ عقائدي بين العراق وسوريا ولا يبقى رباطٌ وطني بين السنة والشيعة والأكراد في العراق نفسه.

الطلاءاتُ الإيديولوجية إتخذتْ في عمقها مضموناً شمولياً معبراً عن أي جماعةٍ تتحكمُ في الحزب، ويدمغها من أي قبليةٍ وطائفة إنحدرت، حيث تقوم بالسيطرة على مفاتيح الحزب والدولة من خلال القرابة لا من خلال الرفقة الكفاحية الديمقراطية غير المتأصلة في بُنى إجتماعية متخلفة.

نحن لا نعرفُ الحزبَ – الدولةَ من إيديولوجيتهِ بل من القرابةِ الطائفية داخله.

لهذا فإن الطلاءات الخارجية المسحوقة بعوامل التعرية من إنتهازية ونفعية وتقلبات تهرجية ومآسٍ تعبرُ عن الهوات داخل المدن التي ما تزال قرى، وداخل المثقفين الذين ما زالوا أميين، والأحزاب التي ما تزالُ شِللاً وشَللاً، والفئات العاملة التي ما تزال خادمة، والفئات المتوسطة التي ما تزال ذيلية مصلحية، والدولُ التي بقيتْ أُسريةً قبلية.

إستطاعت المدافع والأسلحة الأقوى والتحالفات بين عمالقة الشموليات أن تدمر الكثيرَ من المباني والانجازات الكثيرة المادية على مدى عقود، فذهبتْ أدراجَ الرياح وأن تقتلَ حقولاً يانعة من الشباب وكأنها تقول أن البشرَ مجردُ كمٍ تافه في سياسات فاشية حملت جراثيمها في مضمونها منذ سنين وأزدهت بطلائها الخلاب القاتل للمتفرجين الحالمين.

الوجبةُ الأولى من المشرق وربما تكون وجبةً خفيفة، ولا نعرف الوجبات الأخرى القادمة ماذا تقدم على الغداء أو العشاء؟

النصف التحتي والشرقي من المشرق يحفل بتناقضات أكثر وأشد صعوبة من النصف الشمالي فأي مستقبل له؟ هل يتعظ من كل هذه الخرائب أم يواصل رحلة الجنون؟

17 ــ العنفُ في المشرق العربي

تعود حشود الطائفيات والنزاعات القومية في منطقة المشرق العربي الإسلامي، وخاصة في الخليج والعراق وإيران، إلى ظهور شموليات حادة في الأنظمة والتيارات السياسية، أدت إلى تمزق وتفتت الخرائط السياسية والقوى السكانية. ولم تستطع هذه القوى تجاوز نفسها أو القيام بالتعاون للحد من ظواهر العنف والإرهاب.

إنها شمولياتٌ في الأجهزة وتوزيع الموارد بأشكال غير متناسبة وتضخم شراء الأسلحة، وتغلغل القوى الغربية المضادة للديمقراطية والعلمانية، للهيمنةِ على إنتاجِ النفط وإبقائه مادة خاماً ومشتقاتها، وفصل المنطقة عن عالمها العربي.

كما أُغرقت المنطقة بفيض سكاني مغترب ومتنوع لم يقم بأي تأثير فكري إجتماعي خلاق، بل كان أشبه بأدوات عمل وإنتاج بكل ما يحملهُ من مشكلات وتأثيرات حادة.

أدت هذه إلى خلق إضطرابات وتحولات إجتماعية وثقافية عميقة داخلية غير مخططة وغير منظمة بأشكالٍ عقلانية، وقد بدت للسكان العوام العائشين في عزلة على مدى قرون أن هزة أرضية إجتماعية تكاد تنسف وجودهم التاريخي الروحي.

كل هذه السببيات جعلت المنطقة مختلفة عن جغرافية الربيع العربي والتوحيد، وعالم الديمقراطية الوليد وتغوص أكثر فأكثر في التمزق المذهبي بكل ما يجريه من تفاقم العنف.

القوى السائدة عملت على تغييب أي توحيد وطني وتغييب نمو الليبرالية والديمقراطية وفي عوالم محافظة لم تشهد حقباً تنويرية متصاعدة، فكانت فترات الازدهار الثقافي العقلاني ولحظات الديمقراية السياسية وامضة سريعة لم تترك آثاراً على أغلبية السكان البدو والمزارعين.

وأدت سياسات إعادة البداوة ونشرها في المدن الخليجية والعربية إلى عودة التصحر الاجتماعي مثلما تنامى التصحر الطبيعي، وتذكرنا هذه بسياسة العصر العباسي المتأخر في الاستعانة بالسلاجقة وأمثالهم من الرعاة مما أدى إلى تدهور الثقافة المميزة للعصر السابق.

كذلك تفاقم التطور في المدن على حساب المناطق المنتجة في الصحارى والمناطق الزراعية، وتبدلت تكوينات السكان بصور سريعة، جعلت المدن متسارعة التطور، فوضوية النمو، ممتلئة بقوى سكانية غريبة، كما توسعت تجارة السلاح السرية، وتحولتْ بعضُ البلدان لمراكز إيواء وتجنيد لعصابات وقوى مسلحة تخترق الحدود.

كما أن تفجر حروبٌ عديدة هائلة أُديرت من الخارج وتهدف لإبقاء نفس السياسات المحافظة القائمة، قد زادت من خلخلة القيم والتصورات المثالية فارتفع الاهتمام بالقوة والعنف على نحو لا سابق له، تغذيه محطاتٌ وثقافةٌ سطحية وفنون تركز على الغرائز.

عادت المنطقةُ للوراء إجتماعياً وسياسياً وهي تتطور إقتصادياً بشكل كبير، فالهياكل الإدارية السابقة لم تكن بمستوى التحولات، من حيث مستواها العلمي خاصة، فلم تكن هناك قدرات كبرى على خلق تطور مدني مسالم تكرسه مؤسسات مدنية ورقابية.

تصاعدت أرقامُ ضحايا عمليات الإرهاب من عشرات ومئات حتى الألوف، وأختفى القتلة وراء المنظمات والدول ولا تحدث أية أبحاث وتحقيقات كبرى لمعرفة هذه الشبكات، ويجري ربط الأعمال السياسية الطائفية بالتقنيات المتطورة، فغدت هناك قيادات فضائية وسرية للمجموعات المسلحة وقوى المنظمات الطائفية المرتبطة بمراكز كبرى وتداخلت مع الصراعات السياسية والاجتماعية. وكذلك فإن تبدل مهمات الجيوش من قيامها بالدفاع عن الحدود إلى أن تشارك في العمليات السياسية والغزوات الخارجية فصار بعضها موجهاً ضد السكان أو مستعداً لحروب قومية، فأدى هذا إلى تفاقم العسكرة بكل مظاهرها في الحياة المدنية.

تذكرنا عمليات العنف الهائلة غير المسبوقة بالتدفق الضاري الصحراوي لبني هلال وغيرهم من القبائل الرعوية الضارية قبل قرون والذين أكتسحوا المدن كجراد، لكن هؤلاء قاموا في زمن القحط لا النفط.

إدخال الرعويين والصحراويين والمنبتين من مناطقهم وصحاريهم وأريافهم في المدن وجلب العمال الأجانب المجهولي السير الشخصية الدقيقة، أدى إلى تضادات إجتماعية خطيرة، فتزايدت أعدادُ الجرائم وبلغت معدلات كبيرة، وظهرت جرائم لم تكن معروفة سابقاً وغدت أحداثاً يومية لا تهزُّ المشاعرَ كما كان الأمر سابقاً.

كذلك غدا تهريب الممنوعات سهلاً نظراً لهذه الأعداد الهائلة من المسافرين والعابرين والمهاجرين، ولضخامة التجارة في السلع والأشياء وغياب الرقابات الدقيقة.

وعلى الرغم من تضخم ظاهرات العنف وكونها ذات جذور إجتماعية وسياسية فإن المعالجات تتم بأساليب بوليسية، وتتكاثر أدواتُ محاربة الجريمة بأشكال تقنية، لكن لا تجري عمليات التعاون بين الدول لمعالجة هذه الظواهر، وتغيب الدراسات وعمليات التدقيق والبحث والحوارات، ومعرفة جذور الحركات الطائفية العنفية، وسببيات تبدل سلوك السكان المسالمين سابقاً.

18 ــ مشكلاتٌ رئيسيةٌ في الديمقراطياتِ العربية

تتجه الديمقراطياتُ العربيةُ لأزماتٍ محوريةٍ خانقة بسببب عدم تبلور السلطات العربية، فهل هي للقوى التنفيذية أم للهيئات المنتخبة أم للتعاون الوثيق بينها؟

 خلال العشر سنوات الماضية طرح الوعي الديمقراطي العميق أهمية بلورة السلطة الديمقراطية من خلال البرلمانات، بحيث تكون الأجهزة التنفيذية منشأة من قبلها أو على توافق كبير معها.

إن خلقَ سلطةٍ برلمانية مع عجزها عن خلق تقدم فعلي في حياة الشعوب يؤدي لتفاقم المشكلات بدلاً من حلها.

ومن الواضح أن الدول العربية غير قادرة على إنشاء ديمقراطيات بمعنى الكلمة، ولكنها سلطات تتجه نحو ديمقراطيات إفتراضية ومحتملة.

حين تنشأ سلطاتٌ منتخبةٌ نرى النقصَ في تكوينها الدستوري، أو تغدو هيئاتٍ رقابية، أو تغدو سلطةً مركزيةً لطائفة أو لقومية واحدة ثم تقومُ الأقاليمُ الأخرى ذات الطوائفِ والقوميات الأخرى بإنتخاب هيئات مغايرة وحكومات مستقلة.

أو كما حدث في بعض الثورات العربية الناجحة حين تظهر برلماناتٌ منتخبة لكن المجلس العسكري أو قوى البيروقراطيات القديمة وأصحاب النفوذ السابق يظلون يديرون الحياة السياسية والاقتصادية.

برلمانات ضعيفة وحكومات قوية في يدها مفاتيح الأمور يؤدي إلى المشاهد التالية:

تحدث إجتماعات كثيرة للبرلمان ويقدم إقتراحات ويستجوب ويكثر من الأسئلة والقرارات لكن تغدو كل هذه الأفعال ضعيفة، وتتوجه لبعض الجوانب الجزئية أو التغييرات المالية العابرة.

ولعل هذا بسبب عدم تجانس البرلمان وإختلاف كتله، لكن السبب الأكبر هو ضعف مستواه السياسي وعدم قدرته على رؤية الأمور الجوهرية من ملكيات عامة ونتاجها ومن توزيعٍ غيرِ دقيق للايرادات والثروة الوطنية وضعف إستجواباته وهامشيتها.

ضعف المستوى ينبع من الثقافة الدينية الأدبية السطحية وغياب محامين كبار ومفكرين وقادة سياسيين ذوي تجارب كبيرة قادرين على الوصول لجوهر الأمور وتوجيه الحكومات إلى جوانب تغفل عنها، أو تضيع من خلال عدم وجود التخطيط وضخامة البيروقراطية التي تطرح مسوغات كثيرة بدون دقة ولرغبتها في إحتكار السلطة.

وللأسف فإن عدم تعاون القوى الدينية والمستقلة البسيطة الثقافة مع التيارات الديمقراطية واليسارية يزيدها ضعفاً، ويجعلها لقماً سائغةً لمناوراتِ الإدارات والحكومات ذوات التجارب الطويلة.

كذلك قد يكون عدم التعاون بين البرلمانات والحكومات أو حدوث الصراعات المزمنة المؤدية لاضطراب الجهازين معاً كما هي حالة الكويت نتيجةً لعدمِ تبلور طبيعة السلطتين التشريعية والتنفيذية ومساحة كل منهما، ورغبة كل منهما في إختراق الأخرى.

عموماً فإن هذا الذي يجري في البلدان العربية من صراعاتٍ بين البرلمانات والحكومات بأشكالٍ شتى، وبأسبابٍ متعددة حسب مدى التجارب والتطورات السياسية في كلٍ منها، هو بسببِ عدم تبلور الفئات الوسطى الموحّدة في تكويناتها الاقتصادية الطبقية وفي رؤاها النهضوية الوطنية ودرجات فهمها للواقع ولظروف بلدانها، والتباين الشديد في أقسامِها الثرية جداً والحاكمة وفي أقسامها الأقل ثراءً وربما التي تقترب من النزول لمستويات العاملين لأسبابِ الضغوط الاقتصادية والديون وتسارع إرتفاع الأسعار والإيجارات ومختلف ظروف العسر.

إن غيابَ الأسبابِ الموضوعية لتشكل الطبقات الوسطى من فقدان المصانع القوية والمؤسسات المالية الداعمة للكتل السياسية المنتخبة وملكيات الصحافة الحرة وإعتمادها على جماهير فقيرة هي ذاتها منقسمة دينياً وطائفياً وسياسياً وضعيفة إقتصادياً، يجعل مؤسسات البرلمانات ضعيفة في الوطن العربي حتى بعد الثورات الشعبية العارمة.

كما أن قيامَ الحكومات التي عاشتْ طويلاً على أجهزة الإدارات القديمة والجيوش وتحكمتْ في الشركات الاقتصادية والمالية لعقود، يجعل نفوذها أقوى وهيمنتها على الحياة السياسية بما فيها البرلمانات مسألة مؤثرة.

ولكن هذا لا يعني التخلي عن برلماناتٍ ضعيفةٍ ولا الاحتفاظ بها أبداً.

إن الديمقراطيات هي أن تكون هناك طبقات وسطى قوية، ترفدها قوى عمالية متنورة، ولهذا فإن حدوث ديمقراطية بمجرد الأوامر والانتخابات والقرارات وحتى الثورات هو غيرُ ممكنٍ بدون تكويناتٍ موضوعية في الأرض الاقتصادية الاجتماعية السياسية، وهي تحتاجُ لبناءٍ ذي نفسٍ طويل، ولتلاحم صفوف الفئات الوسطى المفككة، التي يتضحُ تفكُكها في تشتتِ المذهبيات والأديان والاتجاهات الحديثة، والتنوع الحاد للنواب الذين يأتون من مواقع إقليمية نائية عن بعضها البعض.

كما إن غرق الجماهير العمالية في الفقر والأمية والسلبية السياسية هي أمورٌ تُضعفُ من حراكِ الفئات الوسطى لتكون قوى ديمقراطية وطنية وتتحول لطبقاتٍ وسطى مع توسع الصناعات الخاصة والتقنيات والثورة الصناعية العلمية الاجتماعية العربية.

تكون قوى المركزية والتشتت والاستبداد على مدى عقود طويلة لا يمكن أن تغييرها بدون تراكم ديمقراطي صبور، لا تنفع فيه المغامرات والصراعات الأهلية والاعتماد على الأجندات الطائفية والقومية المتعصبة.

19 ــ الميلادُ الإسلامي الديمقراطي للأمةِ العربية

تفجر الثوراتُ العربية كانت لها أسبابٌ عميقة، فقد عجزتْ رأسمالياتُ الدول الشمولية عن التطور مع العصر، وكان هذا الشكل السياسي التعجيلي غدا أسلوبَ إنتاج عالمي شرقي ووصل إلى أزمةٍ عميقة خانقة تطايراتْ بعده أجزاؤهُ وأشلاؤه في المدار الكوني، وقد دخلتْ تياراتٌ عديدةٌ سياسية عربية في الترويج له، لكن قوى مذهبية سياسية ذات مرجيعات إسلامية لم تشاركْ في الانخراط في عملياتهِ التي استمرتْ أكثر من نصف قرن.

 تأييدُ العديد من التيارات الشمولية لرأسمالياتِ الدول في الشرق حجّرَ مفاهيمها السياسية الفكرية، وراح بعضها يطبق هذه التيارات حتى في دول لا تمتلك حتى دراجات، أو تعيشُ نساؤها في العصر الوسيط.

تحجرُ مفاهيم هذه القوى وقد إمتلكتْ مناهج درس وحفر هامة يعودُ لعدم فهمِها للرأسمالية وضرورتها، أي لعدم فهمها كتشكيلةٍ تاريخية عالمية لها قوانينها وطرق تطورها وذبولها التدريجي الموضوعي القائم على قوانين السوق وتطور الوعي البشري، وأحلوا إرادتهم الذاتية محل الضرورات.

هذا أدى إلى عدم تراكم القوى الديمقراطية الحديثة في كل بلد، فيأتي اليسارُ ليضربَ الليبرالية وهي حليفته في نمو الأسلوب الحديث، أو ليهمشها ويخوفها، ويطرد الرأسمالَ الخاص من الأسواق أو يؤممه ويقضي عليه.

العملية الفكرية المصاحبة للشمولية من إلغاء للبذور الديمقراطية والليبرالية وعدم تصعيدها وتعاونها، تؤدي إلى إنهاك اليسار وذوبان هياكله، وعدم تبصره بتحليل الواقع الموضوعي، ووصول بقاياه إلى محفوظات وتغدو حفائر أثرية.

لكن الواقع من جهةٍ أخرى لا يتوقف عن الصراع، فرأسمالياتُ الدول في المدن الرئيسية تقلبُ حالَ الأرياف والمناطق الرعوية والحرفيين، وتمركزُ الثروة في تلك المدن الرئيسية ولدى أحزاب وعائلات وأفراد، وتخلق في المدن نفسها قوى هائلة من المقتلعين والمهمشين.

وإذ يعجز الفكر اليساري عن الحضور في هذه العمليات التحولية، بسبب مشاركته في الفساد، أو لصراعه مع هذه الرأسماليات من منطلق إلغائها إذا كانت يمينية، تنتعش الأفكارُ الدينية وتنتشر بين الجمهور الضائع في إضطراب الرأسماليات هذا، ويغدو الفكر القدري مطلوباً مع ضياع البوصلات الواقعية التقدمية، وتستخدم القوى الوسطى ما تجمع لديها من رأس مال في توسيع تنظيماتها ونشره بين المحطمين والمأزومين من فوضوية رأسماليات الدول الشمولية، الذين يعودون لعباداتهم وينفخون فيها طابع المعارضة والتغيير السياسي دون برامج عميقة وفهم لقوانين التشكيلة الرأسمالية التي يعارضون شكلاً منها، ليحضروا شكلاً آخر.

كما أنهم يأتون من مستويات متعددة في بُنى هذه الرأسماليات، فالسلفيون يأتون من عالم بدوي لم تتغلغل به العلاقات الرأسمالية الحديثة خاصة في الحياة الاجتماعية والفكرية، فيما الأخوان يأتون  من مدن صغيرة لا يزال طابع الحداثة فيها غير مهيمن، ولكن الكثير منهم في بلدانهم نأوا عن رأسماليات الدول ذات الطابع(الاشتراكي) أو التحديثي. وهذا أدى لتصعيد رأس المال الخاص.

وبالنسبة للسنة كانت الدول المتعددة تتيح لهم التنوع، من دول قاربت الرأسمالية الحديثة كتونس والمغرب، وتشربتا بها، إلى دولة كمصر ظلت ممزقة بين الغرب والشرق، بين التقليدية والحداثة، تنتقل من(الاشتراكية) وهي في أزمة، ولا تكاد تعيش في رأسمالية حرة وتبقى في أزمات.

وضخامةُ السلفية والتيارات المحافظة الأخرى يعبر عن بقاء الريف الضخم والمناطق العشوائية في عوالم تقليدية.

في حين عبرت سوريا عن المعركة الأصعب والأكثر دموية في الانتقال من رأسماليةِ دولةٍ إلى رأسمالية حرة، وصار الاستيلاء على المدينيتن البرجوازيتين حصالتي الدم السوري لنصف قرن دمشق وحلب هو ذروةُ وإنتصار الثورة الشعبية.

وقد جاء تطورُ الاثني عشرية معاكساً للتطور العالمي، ففيما الشعوب تتجاوزُ رأسماليةَ الدول الشمولية وقعتْ أقسامُها السياسية المؤثرة في المذهب عامة، في هيمنة رأسمالية دولة إيرانية متأخرة زمنياً ومتخلفة فكرياً، ومصعَّدة تناقضاتها لمرحلة أعلى خطرة.

هذا يعبرُ من الناحية التاريخية عن قيام المذاهب الإسلامية الرئيسية ككل ذات الجذور الطويلة في التجارة الخاصة بإعادة تجديد لهياكل إقتصادية عامة بيروقراطية، وهذا يحدث في المناطق التي لها تقارب مع الحداثة، وللحركات المذهبية السياسية فيها علاقات مع البنوك والشركات.

لكن هذه التحولات لم تزل في بضع دول، وهي تحتاج للدول العربية التقليدية، أو التي لم تحدث فيها تحولاتٌ ديمقراطية، مما يربك التطور.

وبإنضمام دول أخرى وتأثر أخرى بعمليات التغيير فإن ظاهرة التجديد في الشعوب العربية الكبيرة هذه تتسارع، وتكمل بعضها البعض، مما يشير لميلاد يظل (إسلامياً) ديمقراطياً، معبراً عن تجديد تقليدي، يحتاج لرفده من قبل التيارات الحديثة وتطويره لتعاون واسع بين الشعوب العربية، كمركز مهم عالمي للأمم الإسلامية، التي تحتاج لدخول عميق كبير في الحداثة والتطورات الكبرى في الأسواق.

20 ــ رأسماليةُ الدولة العربية وقضايا الديمقراطية

تتبلور يوماً بعد يوم طرق التطور الديمقراطية وتشق طرقها في الكثبان المحافظة، وغدت مسألة توجيه الدخل الوطني العام نحو التحولات الديقراطية مسألةً محورية.

فأما رأسمالية دولة ذات توجه إقطاعي طائفي، وأما رأسمالية دولة ذات توجه وطني ديمقراطي تحديثي علماني عقلاني.

على بساطة هذه القضايا لكنها شديدة الالتباس خاصة لدى الأحزاب(الثورية)!

حين يقول المناضل العراقي بأنه من الضروري تشكيل تيارات وطنية عابرة للطوائف وتوحيد البلد يضعُ قدمَهُ على طريق الحل، ولكن هذا تجريد.

فرأسمالية الدولة المركزية تقبضُ عليها أحزاب طائفية دينية، تؤدي لتفتيت البلد وتصعيد صراعاته.

تمثل الجماعات السياسية الطائفية الشكل الإيديولوجي العملي للإقطاع، وحين تقبضُ على مال الشعب فإنها توجهه للوراء والتفتيت، وللحرب الأهلية في قادم الزمن.

التحالفات مع الأحزاب الطائفية هدم للوطن وتخريب للتطور، ولا بد من تصعيد التحالف بين القوى الشعبية والبرجوازية الديمقراطية العلمانية أي التي تطرح دولة مدنية علمانية.

الأحزاب الطائفية في تعمية عيون العاملين وأسر النساء وبث الخرافات لا يفيد حديثها عن الوطن والديمقراطية، فهذه كلها فخاخ لاعتقال الوطن في زنزانات مذهبية متخلفة، وإبعاد هذه الأحزاب الطائفية عن السيطرة على عقول المواطنين ومنع نشر العلاقات الإقطاعية في البيوت والشوارع والعقول ضرورة للبقاء والسلام والتقدم والتوحيد.

لا فائدة من هيمنة الإقطاع على رأسمالية الدولة فهو يقود لإنتاج التخلف.

زيادة حراك الطائفيين وتقويضهم للوحدات الوطنية في الدول العربية والإسلامية يأتي أولاً من فساد رأسماليات الدول وإنتاجها لتوزيع فوائض بطرق غير ديمقراطية وغير وطنية وغير عادلة.

وكلما تمت السيطرة على هذه الرأسمالية الحكومية رقابة وإدارة كلما تم تقويض الطائفية.

ولهذا نجد في الدول ذات الاختراقات الكبيرة من الطائفية تتصارع فيها وتخترقها وتنمو داخلها رأسمالياتٌ حكومية شمولية متصارعة على أجسام الشعوب.

نموذج الاتحاد السوفيتي يعطينا فهماً لكيفية الفساد الشمولي لرأسماليات الدولة المركزية وفي الجمهوريات بحيث تتحلل الدولة، والماركسية اللينينية المضادة للأديان هي وعي دكتاتوري ضد عقائد الشعوب وتاريخها الديني الاجتماعي.

والديمقراطية على العكس هي قراءة موضوعية للأديان والمذاهب وعدم البتر في تطورها و(سحقها) والاهتمام بالعناصر النضالية والديمقراطية فيها، ونقد الجوانب السلبية، وخلق أنظمة علمانية غير مسيِّسة للأديان ولإستخدامها النفعي الاستغلالي، وهذا يتشكلُ من ديمقراطياتٍ في مختلف الجمهوريات الروسية والآسيوية لرؤية الأديان في طرق تطورها التاريخية الحقيقية، وتصعيد سلطات الناس الرقابية وأشكال وعيهم العقلانية لتواريخ بلدانهم وثقافاتها.

هذا هو هو دور الأحزاب التقدمية العربية في هذه الرأسماليات الحكومية المتعددة، حيث لا بد أن يجري نقد التاريخ العدمي الديني لهذه الأحزاب، ونقد نسخ التجربة الروسية، وتجميع مختلف القوى النهضوية الديمقراطية الوطنية التحديثية العلمانية، بحيث لا يغدو الاستخدام المضاد النفعي الطائفي للدين بديلاً عن عدميةٍ دينيةٍ سابقة.

فالأحزاب العلمانية والتقدمية إسلامية الجذور، وتهتم بتفكيك الاستخدام الشمولي للأديان.

والاستخدام النفعي المحافظ الطائفي للدين هو الوجه الآخر للعدمية الدينية، كلاهما رفضٌ للعناصر الشعبية التوحيدية الديمقراطية في الإسلام والمسيحية، كلاهما عدم رؤية لمسار الأديان وإستغلال الجهل الجماهيري للوصول إلى السلطات وإستغلال رأسماليات الدول بأشكالٍ طفيلية.

سيطرة جماعة دينية سيؤدي لصراعها مع جماعة دينية أخرى، والصراع ليس هدفه خدمة الدين بل الإستيلاء على الثروات، وبهذا فإن الخدمة العنيفة المحافظة للدين تكمل مسار العدمية السابقة وتفجر المشكلات المؤدية لانقسامات أفدح فتضيع الأوطان والثروات.

قراءةُ الأديان بأشكالٍ منتجة وجعل القطاعات العامة أساس للتطور الاقتصادي الوطني في كل الطبقات والجماعات، هو وضع أساس لتطور القوى المنتجة العامة والخاصة.

لقد أدتْ العدميةُ الدينيةُ لاكتساح الطائفيات وتفردها بالوعي الجماهيري السطحي وبنشر التخريف والجهل بالأديان وإقامة مشكلات خطيرة بتسييسها وأدت لمذابح وحروب وما تزال شهيتها مفتوحة لمزيد من الكوارث.

توجيه الموارد لتغيير حياة الناس المادية والثقافية عبر التحالفات السياسية التحديثية سوف يضعُ فصلاً جديداً من التطور العربي

21 ــ القرنُ السادس عشر والسابعُ عشر العربيان

لم يستطع العربُ دخولَ عصر الثورة الصناعية، إنهم يعيشون فيما قبل ذلك، لكن بشكلٍ مختلف عن الغرب، بدرجةٍ أرقى من جانب البنية التحتية وأكثر تخلفاً في جانب البنية الفوقية.

تصنيعُ الموادِ الخام لم يتحْ تثويرَ البُنى الاجتماعية، فخلقُ صناعاتٍ صغيرة ومتوسطة غالبةٍ لم يَقم بهذا الدور، فيما الصناعاتُ الحكوميةُ العامة هي مراكزُ تصنيعِ الموادِ الخام وبثُها على القواعدِ السفلى.

رغم ذلك فإن الاقتصادَ مماثلٌ لاقتصادِ أوربا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، بدون تدفقِ الذهبِ القادم من أمريكا المُكتشَّفة حديثاً، وبدلاً منه تدفق الذهبُ الأسودُ من الجزيرة العربية، لكنه لم يستطع الدخولَ في الصناعات بل توجه للربح السريع في العقارات والمعاملات المالية والسياحة.

فيما كان سيلُ الذهبِ والتدفقاتِ المالية في الغرب وقتذاك يتوجه نحو الصناعات البازغة، مرحلة المنيفاكتورة، ونحو مرحلةِ الصناعةِ الآلية المبكرةِ المتسارعة التي أحدثت الثورةَ الصناعية وكل الحضارة الحديثة الراهنة.

سبق لأوربا خلقَ حركةٍ ثقافية نهضوية منذ القرن الثالث عشر وما بعده، وجاءت مرحلةُ التصنيع فيها وقد إنتشر التنويرُ وتنامت الطباعةُ ومئاتُ الآلاف من نسخ الجرائد اليومية الناشرة للأدب والفكر، وخرجتْ النساءُ للصناعة، وجاء عصر الديمقراطية في نهاية القرن الثامن عشر الأوربي.

تعددتْ الموادُ الخام وصناعاتُها وأغنتْ أمريكا الموادَ الخام بشكل أكبر وخرج مهاجرون كثيرون وأصبحت الصناعات بين قارتين، مما جعل مصطلحَ الغرب الصناعي يتكون ويخرج للغزو وجلب المواد الخام الأكثر والأكثر تنوعاً.

العالمُ العربي وهو يعيشُ على مادةِ خامٍ واحدة أو على موادٍ خام قليلةٍ فينحصرُ في بُنى إجتماعية محافظة تقليدية، ويفتقر على مستوى تنوع خامات الصناعة وعلى مستويات العاملين فيها، ومن هنا هو يعيش بين مرحلةِ التنوير الفاشلة ومرحلةِ التثويرِ العائدة للوراء.

البُنى المحافظةُ الاجتماعية، ومستوى الثقافة(النصوصية) السائدة تجعلهُ غيرَ قادرٍ على تثوير المواد الخام، والانتقال للصناعة الآلية والتقنية الواسعتين.

ولذا يغدو مستوى معالجته لفهم الأديان مستوى نصوصياً، بمستوى الحفظ وتجزئة الفقرات وتصعيد جمل مقطوعة من سياقاتها، والتركيز على أحكامٍ تعود لعصورٍ خلت، بدلاً من الغوص فيما وراء النصوص وإدراك السببيات العميقة لها.

فهو غيرُ قادر على إستثمار ثروته البشرية السكانية الواسعة، لكي تعالجَ موادَهُ الخام معالجات عميقة، فتجعله صناعات متطورة، ودقيقة، ومتغلغلة في الأسواق العالمية، فهو يعيشُ على كفاف الطبيعة مرةً تعطيه قطناً يحوله الآخرون لصناعاتِ نسيج تتطور بشكل مستمر، ومرةً تعطيهِ نفطاً فيصدرُهُ للآخرين يحولونه لثروات صناعية وتقنية متقدمة.

يجعلُ ثروتَهُ السكانيةَ معطلةً بأشكال مختلفة، مرةً على هيئةِ نساءٍ محبوسات في عصر الحريم، ومرةً على هيئةِ رجالٍ ونساء متكدسين في الوزارات الحكومية المختلفة، ومراتٍ على هيئاتِ شباب عاطلين وضائعين وعنفيين.

إضطرابُ العالم العربي بين التنويرِ التحديثي والتثوير السحري نتاجُ هذا الاقتصاد الخام، لم يكون الصناعات الثورية التي تجعل جماهيره قادرة على الدخول في عصر الديمقراطية، فدخوله للديمقراطية يجري عبر الاستبداد الديني، فربما أدتْ الديمقراطيةُ السياسيةُ القائمة على الطائفية والمحافظة الاجتماعية وغيرُ القائمة على ديمقراطية المصنع والمعهد العلمي والعلمانية لرجوعه للوراء وتخريب ما صنعه السابقون.

حداثةٌ وديمقراطيةٌ بدون تصنيع متطور واسع، وبدون كسر سيادة المادة الخام والخرافة الناتجة عنها والذكورية والقبلية وأخواتها المعششة في الأبنية الاجتماعية، هي مرادفة لمرحلة المانيفاكتورة الأوربية في تلك القرون التحضيرية للثورة الصناعية الديمقراطية، فكانت قريبة من العصور الوسطى وتجاوزتها، والتي لم تنتقل إليها إلا عبر الصناعة الآلية الجماهيرية.

وحتى الانتقال للصناعة الآلية يحتاج لتطورات كبيرة في حقوق الإنسان وثقافة الجماهير ومن هنا نحن نقترب من الدخول في العصر الحديث، لكن عبر قيادات طليعية ديمقراطية تقرأ بموضوعية أسس التطور الاجتماعي الحديث وتدفع باتجاهها لا أن تخالف المسار البشري العام.

لكن بدلاً من ذلك يحدث العكس!

فتجد القوى التقليدية جمهوراً أكبر مؤيداً لها في العلميات السياسية، لكن من أجل أن تكرسَ كسلَهُ وتقليديته وسيطرات متخلفة فيه، فتستغلُ أصواتَهُ لبقائهِ في أوضاع يريد أن يتجاوزها لكنه لا يعرف كيف، ويدركها عبر نصوص دينية مُبسّطة الفهم لديه، فيريد أن يحصل على تطور ومعيشة جيدة بدون أن يتغير بعمق في عاداته العملية وقراءته الفكرية وأصواته السياسية.

هذا الجمهور هو الذي يحدد التطورَ القادم وهو يعيشُ في الماضي، فيجرب في بلدانه وحياته.

22 ــ العربُ وفشلُ التجريبِ السياسي

صراعُ الإقطاعين السياسي والديني إمتد طويلاً خلال العقود الأخيرة.

كلما جاءت قوةٌ سياسية للسلطاتِ العربية لم تستطعْ أن تنشرَ الحرية والديمقراطية والإصلاحات الاقتصادية الاجتماعية، فهي ترثُ إمتيازات السابقين وربما قامتْ ببعض التغييرات لكنها ترثُ نفسَ أجهزة الدول السابقة بلوائحها وموظفيها ودورها المتنفذ.

الانقلابات العاصفة والانفجارات الكلامية السياسية خلال عقود وتحرك الملايين الهادرة في الشوارع، لم تُحدث تغييراً عميقاً، الإقطاع الجمهوري السياسي يرثُ الملكيَّ، أو ينسخُ الإقطاعُ الجمهوري نفسَهُ عبر إنقلابات يكررُ نفسَ النظام الانتاجي الاجتماعي السابق.

حين تصعد فئاتٌ متوسطةٌ تظهر لا على أساسِ الانتاج بل على أساس علاقاتها مع الدول والأجهزة.

الأفكارُ الليبرالية والديمقراطية والإسلامية التحديثية تظلُ في داوئر ضيقة غير متغلغلة جماهيرياً لأنها لا تقوم على أساس طبقات رأسمالية حرة أنتجتْ رساميلَها من السوق الاقتصادية.

القوى الانتاجية الشعبية تظلُّ بدون إصلاحاتٍ فالأريافُ تعاني الفقرَ والملكيات الزراعية الواسعة المتخلفة في أسلوب الإنتاج حيث قلة المكائن والعمال الأحرار، أما القطاعات العامة التي تزدهي بها الأنظمةُ وتصنعُ مواداً أولية تعبرُ عن مكانة الدول حسب سعر المواد لا حسب قوة الإنتاج، فإنها تتعرض لنفس الطفيليات الاقتصادية، وبهذا فإن القطاعات الاقتصادية المختلفة تعيش ما قبل الحرية.

مرت الدولُ العربية بثلاث ثورات حتى الآن، فكانت الثوراتُ الليبرالية في البداية، ثم الثوراتُ العسكرية، والآن الثورات الدينية.

الليبرالية حاولت قصقصتْ أجنحةَ الإقطاع ثم أنزلقتْ هي إلى حضنه، فكان ملاكُ الأراضي العرب وهم حضن الليبرالية والذين يقيمون مصانعَ على ضفاف الزراعة مالبثوا أن تكرسوا كإقطاعيين أكثر منهم برجوازية صناعية.

الحداثة الصناعية تتطلب ثقافة سياسية علمية تقنية مكلفة، والمصانعُ ذات دورات رأسمالية مطولة، وهذه المصانع الخاصة كانت تُجابه بصراع سياسي نقابي طفولي في أغلبه، والتوجه للرساميل العقارية والخدماتية أسهل وأجزل، وبالتالي تغدو العودة للإقطاع قوية.

إضافة إلى أن إقامة ثورة إنتاجية ثقافية علمية أمر مكلف وخطير.

المرحلة الثورية العسكرية قامت بتأميماتٍ وهيجان سياسي كبير وقالت بأنها ستغير الملكيات الزراعية الكبيرة وتنقلُ الأريافَ العربية للتحديث والغنى الاقتصادي لكنها لم تفعل ذلك عبر إعتمادها على نفس المكائن الحكومية القديمة التي تسربت الثروات إليها وبدلاً من الباشاوات صار الضباطُ الكبار باشاوات.

الثوراتُ الدينيةُ الراهنة عكست فشل قوى التحديث العربية بل كانت صفعات إجتماعية سياسية على وجوهها، الجانب السياسي من الدول الذي عكس الإقطاع السياسي، أتضح فشله ولكن ليس لخطوة للإمام بل للوراء. لم يقم بتراكمات ديمقراطية إجتماعية عميقة في الأبنية.

الإقطاعُ الديني يصعدُ من خلال هذه الجماهير العريضة المحطمة عيشاً ووعياً، ويستولي على نفس المكائن القديمة، ويريدُ شحنَها بزيته الخاص.

الدكتاتوريات تغدو دينيةً هذه المرة، وتظهر شرائح طائفية كل منها ضد الأخرى، مثل اللصوص الذين أتفقوا على الجريمة لكنهم إختلفوا بعد الحصول على الغنيمة.

وتجابههم أجهزةُ دولٍ منهكة، ضعيفة الموارد، وقوى عاملة ضعيفة التطور، فتغدو مهماتهم صعبة مهلكة.

وكل يوم تتفجر قضية دينية بشكل، وتنجرف كتلُ الجماهير للصراخ والعنف وتكرر ما فعلتهُ جماهير الخمسينيات والستينيات من غضب ولكن بأشكال أكثر فجاجة.

إعتمدت الجماعاتُ الدينية على حشد الغوغاء، وهي هذه الجماهير المُدمَّرة من تنميات رأسماليات حكومية غير مخططة ولا عادلة، ويتم صناعة هذه الجماهير مثل الجماهير الشمولية السابقة بالشحن والجمل المقطوعة السياق عن العلم وعن الدين، وبالهياج العصبي، والعنف المدمر.

كتل الثورات الثلاث، وجماهيرها، وثقافاتها مدعوة لرؤية الماضي والحاضر، ونقد تاريخها، ومعرفة سببيات تدهور مشروعاتها التحويلية وإستبدال آرائها وخطاباتها بقراءة موضوعية للواقع والتعاون الآن خاصةً بعدم التفرد السياسي، وبضرورة المشاركات الواسعة ورفض الاستقطابية الطائفية التي هي مكمن الضعف في المشرق العربي الإسلامي، والإستقطابية الدينية في مصر التي هي مكمن الخطأ التاريخي الوطني فيها.

ثوراتٌ تجريبية مكلفة كثيراً ولم يزل العربُ في مكانهم الأول في بداية القرن العشرين. وهم مرة أخرى أمام الحل وهو الديمقراطية الغربية العقلانية.

23 ــ هل يسرق الإقطاعُ الديني الثورات العربية؟

هناك وجوه شبه عديدة بين الثورة الشعبية الإيرانية وسرقتها من قبل الإقطاع الديني والثورات الشعبية العربية التي تكاد تُسرق.

واجه العائدون من المنفى والجماعات الدينية المحافظة الإيرانية شعباً جباراً إنتزع نظاماً دموياً وفيه قوى يسارية وليبرالية عديدة ونشطة، وكانت كل هذه الكتل تجعل حضور الدينيين المحافظين ضئيلاً، فكيف إستطاع هؤلاء إقامة دكتاتوريتهم التي فاقتْ عسفَ الشاه؟

علينا أن نرى أولاً البنية المحافظة القومية التي أُسستْ من قبل الأنظمة السابقة، إنها قد بدأت منذ قرون، عبر العزلة الإيديولوجية الصارمة عن المحيط الإسلامي، وتغذية التعصب الطائفي ونشر الأساطير وتنمية الأدوات العسكرية في الهيمنة والتوسع الجغرافي وضم القوميات الإسلامية الأخرى وقمعها.

فجاء التحديثُ من قبل الشاهين الأب والابنِ سطحياً ومن خلال نفس الأدوات الحاكمة، فهو إصلاح يتوجه لتطور التعليم والجيش وشيء من الحريات الاجتماعية، لكن نظام المحافظة والسيطرة على النساء والقوميات الأخرى والعقول وتشكيل برلمانات غير معبرة ديمقراطياً وتبادلياً للسلطة، إستمرت بقوة معبرة عن رفض الطبقة العليا الإقطاعية القومية الفارسية للتحديث الديمقراطي، ولهذا إنتشرت الأفكارُ الفاشية وتغلغلتْ بين المجموعات الدينية السياسية المتنفذة. وليستْ شعاراتُ الدينيين سوى السطوح الخارجية لهذه الفاشية الدينية التي تغلغلتْ وخلقتْ التعصب وروح المغايرة عن المسلمين والبشرية.

ظهر ذلك في بروز الصراع بين الليبراليين من جهة والدينيين الفاشيين من جهة أخرى يعاضدهم حزبُ تودة (الشيوعي) وجماعات مجاهدين والفدائيين.

كانت شعارات الدينيين المعادية للحداثة والديمقراطية والأنسنة تتغلغل فحتى في إحتفالات الطلبة الإيرانيين في أمريكا وأوربا إنتشر العداء للغناء والرقص والفنون الحديثة، وبدأت الألبسةُ القمعيةُ تُفرض على البنات الحديثات كشكلٍ من أشكالِ السيطرة على تفكيرهن وليس بدعوى الأخلاق، وأُيدتْ إجراءاتُ القمع من قبل الحكومات الشمولية في الشرق بدعوى نضالها ضد الاستعمار!

ومن هنا تسارعت في الاحتفالات الأولى بإنتصار الثورة الإيرانية عملياتُ الإعدامات بدون محاكمات أو بمحاكمات صورية وأثارت هذه المذابح العالمَ فقال الخميني ببساطة (أتعطى حقوق الإنسان لهذه الحيوانات؟).

وتتالت الإجراءاتُ؛ إغلاق الصحف الديمقراطية المختلفة، والهجوم على حريات النساء المحدودة، وعزل الليبراليين من السلطة، وإبعاد رجال الدين المناوئين للدكتاتورية، وتشكيل الفرق العسكرية من العامة المتحمسة طائفياً ثم حل الأحزاب بعد ذلك.

وفي هذا الهجوم كان بعض اليساريين المزعومين يدافعون عن هذه الإجراءات، فبالنسبة لحقوق النساء يقولون: ليس المهم حق المرأة البرجوازي الفردي بل نضال الشعب ضد الاستعمار والغرب!

غض (اليسار)عن عمليات تآكل القشرة الليبرالية الديمقراطية الإنسانية الضئيلة لنظام الشاه، ولم يقم بجبهة عريضة ضد تنامي الدكتاتورية.

وتلعب مشهدية (السفارة الأمريكية) والهجوم عليها في طهران دوراً متشابهاً في تصعيد قوى الفوضوية والعنف كما حدث عربياً، فقد عبرت لغة (وكر الجواسيس) كما كان يُطلق على السفارة الأمريكية المستباحة عن خطط لإثارة مشاعر الجمهور المسيّس الطائفي ودفعه ليكون أداةً للقمع الشامل ضد الشعب وللحرب.

كان إستغلال العقيدة ومظاهر العبادات لتكوين نظام دكتاتوري إيراني يتم بشكل واسع وساحق، في كافة المظاهر من مراقبة ومهاجمة ملابس وزينة النساء حتى تشكيل فرق مسلحة تسيطر على الأحياء في كل المناطق.

الأوضاع العربية تختلف ولا شك، ثمة دول متعددة، المركزيات الساحقة في كل دولة ضعيفة، لكن يمكن تصعيدها عبر الشحن الديني لكون هذه الفئات تتوجه نحو مراكز الثروات وتوزعها بين جماعاتها، فتكّون طبقات إستغلالية جديدة، وبالتالي تدافع عن مصالحها بدعوى الدين، وقد لاح ذلك في تصعيد جوانب متعددة من المظاهر العبادية كأشكال حادة مناوئة لبقية المسلمين والمواطنين، ومنع الاحتفالات الثقافية والمعارض الفنية، والاعتداءات المسلحة على السفارات وقتل موظفيها البارزين، والهجوم على النساء في حرياتهن وخصوصياتهن، وخاصة الممثلات، وإستخدام مراكز العبادة للسيطرة الحزبية.

هذه وغيرها مؤشرات لعمليات التصاعد وهناك قوى متعددة تريد عدم نجاح الأنظمة الجديدة في ديمقراطيتها وإنهاضها للشعوب العربية والأمم الإسلامية.

24 ــ المَلكيةُ والجمهوريةُ وتناقضاتُ الوضعِ العربي

الأشكال السياسية للعرب من أنظمةٍ وأحزاب تعبرُ عن طابع سياسي هلامي، ليستْ له جذورٌ راسخة، لكون العلاقات الاقتصادية الاجتماعية في برزخ الانتقال بين الإقطاع والرأسمالية فلا هي إقطاعية ولا هي رأسمالية، وهي مختلطة ومتناقضة.

الثورة الفرنسية التي توجهت للجمهورية لم يكن لها جذورٌ لحكم الجمهور، لقد كانت قفزةً في الهواء التاريخي، فالنظامُ الإقطاعي لا يزال قوياً، والنظام الرأسمالي لم يتكون بعد.

ولهذا اعتمدت الجمهوريةُ على العنف والفوضوية وحاولت ترسيخ مبادئ المساواة والتقدم بأشكال أيديولوجية شعارية.

كما قفزت على الأوضاع الأوربية القارية، حيث تسود المَلكيات، مما أدى إلى حروب ضارية رهيبة بين الجانبين.

لهذا فإن الشكلين السياسيين وما معهما من حزمة سياسية تعرقلا معاً، وظلت المعركة بين الملَكيين مؤيدي الإقطاع والأحرار مؤيدي الجمهورية والتحديث غير محسومة حتى تصاعدت التطورات الرأسمالية خلال قرن فغدت العلاقاتُ الاقتصادية الاجتماعية الناتجة عنها أهم من الأشكال أو أنها دمغتها بمضمونها.

ولهذا فإن العرب المجددين في إختيارهم الأشهر الفرنسية للثورة في يوليو كانوا ينقلون نفسَ المستوى المتخلف لفرنسا الإقطاعية إن لم يكن أكثر، حيث المقدمات النهضوية أقل بكثير.

وعلى عكس فرنسا فإن العلاقات البضاعية الحرة لم تُعتبر خارج الصراع السياسي العربي الجمهوري، فالجمهورية لم تكن ثورة جمهور بقدر ما كانت إنقلابَ عسكر. وقد حاول بعض العسكر أن يحركوا العلاقات التقليدية في جوانب شتى، بنشر الثقافة وجوانب من الحرية والتطور الاقتصادي، لكن الدكتاتورية الجمهورية لم تستوعب طبيعتها الطبقية ككيانٍ يفترضُ فيه تعميق التطور الاقتصادي الحر، أي مساعدة الطبقة الوسطى والطبقة العاملة المنتجتين في الصعود الكبير، لكن إنشاء صناعة مسيطر عليها حكومياً، ومحدودة وغير مرتبطة بتحويل القوى ما قبل الرأسمالية الريفية والبيتية والحرفية للتصنيع جعلت الجمهوريات مثل الجمهوريات (الاشتراكية) بلا جمهور تحديثي ديمقراطي، ولهذا ظل الجمهور يعيش في الإقطاع فيغدو الإرث الطائفي المحافظ هو المسيطر عليه.

وفي حين أن الأنظمة الوراثية ظلت في نفس العلاقات التقليدية لكن بعضها لم يضع العقبات لنمو الفئات الوسطى والعمالية الوطني الحرة، ولهذا ظلت الأحزاب تتنامى والتراكم الديمقراطي أكبر من الجمهوريات.

ولهذا فإن الجمهورية بشكل طائفي محافظ تغدو أسوأ، فبدلاً من أن يجري تحرر الريف والنساء التحديثي وتنامي حريات الجمهور يفرض الريفُ تخلفَه على المدن.

ولهذا فإن الأشكال المستعادة من القرون الوسطى والتي تتشنجُ في الأرياف والبوادي والتي تتجسد في حكمِ أمير الجماعة المطلق، وتحويل النص الإسلامي التوحيدي النهضوي لنص طائفي حربي، لا يمكن أن يتجذر تحديثياً فهو يعود للوراء.

وهذه الأشكالُ المتخلفة المستعادة من القرون الوسطى تشير كذلك إلى جوانب النقص في الجمهوريات والمَلكيات العربية وعدم قيام الأشكال السياسية بمد الجسور البنائية الاقتصادية مع المناطق الفقيرة الزراعية والرعوية والحِرفية وجذبها لدوائر التطور الاقتصادي، الذي يغدو بأشكال رأسمالية حكومية وخاصة إستغلالية عبر هيمناتِ المراكز غير المُرَّاقبة ديمقراطياً، وهو أمرٌ يفككُ تلك المناطق ويفقرها ولا يقدمُ لها البديلَ الاقتصادي العصري.

إن عمليات رجوعها الحادة للإرث الماضوي التي تنعكسُ في فوضى المرجعيات ومغامراتها وتضخم إمارة الفرد أمير الجماعة المطلق تعبرُ عن هذه الاختلالات في الهياكل الاقتصادية الاجتماعية الوطنية، وهو شكلٌ لا جمهوريَّ ولا ملكي معاً ويعيدنا للقَبلية الرعوية وغزواتها وهو أمرٌ يبين ضخامة الاختلالات في الوضع العربي الإسلامي.

25 ــ الربيعُ العربي إضطراباتٌ ضد أسلوبِ إنتاجٍ متخلف

عبرت أحداثُ الثورات العربية عن إحتجاجاتٍ لم تبلغ مستوى الوعي تجاه جذور المشكلات التي تعاني  منها الجماهير العربية.

الأسلوب الانتاجي المعتمد على تصدير مادة خام تعرقلَ أكثر بهيمنة رأسماليات دول شمولية التي هي تعبيرٌ عن تضييع فائض القيمة على النُخب البيروقراطية الحاكمة والأحزاب الحاكمة الجماهيرية، وكلما كانت هذه الآليةُ قويةً إستنفد أسلوب الانتاج نفسه أكثر.

ربما كانت المادةُ الأولية هي الفوسفات أو البترول أو حتى القات أو مجموعة من المواد الصناعية والزراعية، وهي تعطي أسلوباً شبه موّحد لدى هذه الدول، حيث أن المادةَ الخام لا تشكلُ شبكة صناعية إجتماعية سكانية واسعة، فلا تعطي مجالاً لصناعات شعبية تلغي البطالة الواسعة، ولا تدمج الشباب القوة الرئيسية في الانتاج والعلوم في الاقتصاد، وهذا يترافق مع تحجيم القطاعات الاقتصادية الحرة والانتاجية الصغيرة، ومع علاقات إجتماعية أبوية، لا تتيح لعمل جماهيري ذكوري متطور فدع عنك الحضور النسائي المأزوم، وهذا يردفه وعي طائفي ديني محافظٌ يقتاتُ على سببياتِ الحِرف لا معرفة القوانين الكبرى للوجود، وكمثالٍ على هذا ما طُرح في وعي المعتزلة منذ ذلك الوقت، فيقالُ من صَنع الطاولة؟ فيكون الجواب هو النجار ومن صنع الكون؟ فيقال هو رب العالمين.

لهذا فإن الوعي المذهبي السياسي المكون بهذه العقلية هو الذي يقفز للسلطات ويعيش إجابات الحِرف، لا أسئلة الصناعات الكبرى والثورة التقنية والعلمية.

فلا يدرك أن أسلوب الانتاج المتخلف هو سبب أزمات الإسكان والانحراف الأخلاقي والأدمان لا الأخلاق والحداثة والتغريب!

شبكةُ صناعات كبرى جماهيرية هي نتاج تراكمات إقتصادية وسياسية تنموية تستطيع حتى رأسمالية دولة شمولية كالصين أن تقوم بها عبر التخطيط خاصة مع توفر قوى العمل الشعبية غير المكلفة كثيراً.

وحتى بدون مادة خام كبرى مهيمنة يمكن إطلاق قوى العمل، لكن شبكات البيروقراطية العربية إتحدت مع مذاهب سياسية محافظة متخلفة حجّمت من قوى العمل الجماهيرية وإفتقدت الحيوية في أجهزة الدول.

أسلوب الانتاج المتخلف عبر سيطرة المادة الخام الرئيسية يتواكب مع قطاعات إقتصادية مفككة، فليس هناك جهاز دولة ديناميكي يستطيع أن يخلق تعاوناً بين هذه القطاعات ويطلق طاقاتها ويخلق خططاً عبر دراسة السوق وظروف التصدير.

المشكلة ليست في الرئيس أو الحزب الحاكم المشكلة في أسلوب الانتاج وهو الذي شكلَّ الرئيس والحزب الحاكم، فعبر فائض إقتصادي وجمود الهياكل الاقتصادية وتوجه الفوائض للرساميل العقارية والخدماتية، يتقلص أسلوب الانتاج حتى يضمر ولا يستطيع أن يلبي كل متطلبات القوى الحاكمة وتبذيرها وسوء إدارتها.

بين السببياتِ المولِّدة للانفجارات والوعي بها مسافاتٌ كبيرة، فأغلبُ الوعي أتجه إلى النتائج لا إلى الأسباب، والوعي الشعبي ووعي النخب، تقلصت الفوارق بينهما، بالتركيز على النتائج التي يجب أن تتغير وترك الأسباب المسببية للنتائج.

غدت المعارك حول الرئيس والدستور والحزب الحاكم وهل هو حزب ديني أم علماني، لا أن يتوجه الصراع حول مَن لديه خطة لتغيير أسلوب الانتاج المريض، ومن يقدر على إدارة البلاد بكفاءات نزيهة حصيفة تتجه لمولدات الانتاج الضعيفة والمعطلة وتحركها.

وكم يقدر هذا الحزب على تفعيل الانتاج بدرجة ثلاثة أو درجة خمسة وتكون نتائجه في تشغيل الناس كذا، فيعرف معدلات الأجور والأسعار والإدخار، والحزب المنافس يطرح أرقاماً مسئولة أخرى وتكون المباراة حقيقية في صناديق الاقتراع ونتائج الانتاج.

بهذا تحولت الثورات إلى إضطرابات فلم تحدث نقلة في الطبقة الحاكمة للرأسمالية الحكومية البيروقراطية المتكلسة، التي يجب هي كذلك فصلها عن الإدارة وتوجيهها للعمل والانتاج الخاص لا للتحول إلى عدو يتسلل كما حصل ويصير جزءً من الأحزاب الدينية الحاكمة عبر تغيير ديكور وجهه ووضع مسبحته في يده.

تراكضت الإداراتُ نحو إستغلال الشركات العامة للشركات الخاصة وتضييع الفوائض الاقتصادية على الجماعات الحاكمة وبقاء نمط إنتاج المواد الخام وبقاء التخلف والأمية والثقافة الاستهلاكية السوداء مما ينتج جماهير أكثر تخلفاً وغضباً وفوضوية!

26 ــ العربُ ونقدُ الواقع

أعتمد الوعي العربي على عدم نقد الواقع الكلي، وهو الواقع كنظام إجتماعي معرقل للتطور، وتوجه لصورٍ جزئية ماضوية وحاضرة ومشكلات جزئية، يكررها أو يرتفع عنها للخيال، متجمداً أمام واقع لا يتوقف عن الحركة، ويزداد تعقيداً فيما يوارب الوعي ويتوقف عند الظواهر الثانوية.

في الوقت الراهن تنفجر القضية من خلال جذورها الدينية التاريخية غير المُحلّلة، غيرالمنقودة بعمق، مع بقاء نفس النظرة الإيديولوجية الزائفة في رؤيتها والمدعية فهم الواقع والتعبير عن الناس.

شكلان إقتصاديان إجتماعيان متقاربان يضم الفرقاء المتصارعين: رأسمالية حكومية تغدقُ أغلبَ الفوائض على جماعة، ورأسمالية دينية تقوم بنفس التصرف.

هذا الشكلان يعبران عن مستوى واحد من العلاقات الانتاجية والاجتماعية، فالعرب والمسلمون في قارب تاريخي واحد، لكن يحدث صراع بدائي بينهما يتسم بسمات الأنظمة ما قبل الرأسمالية ومشكلاتها.

ثمة فوارق جزئية هنا وهناك: تشدد ديني في جهة، وتشدد أقل في الجهة الأخرى.

هيمنات عسكرية متماثلة وضياع موارد في تسلح وصراع وحروب.

لكن المناظير الإيديولوجية تصور الفريقين وكأنهما مختلفان جوهرياً وكلٌ منهما حسب نظر أصحابه يعبر عن الحقيقة والتطور والمصلحة الشعبية والدين.

أعتمد النظر عند الفِرق والتيارات العربية الدينية على فرضِ منظور إيديولوجي خارجي على الواقع وعدم قراءة الواقع.

كالخوارج أرادوا حكم المدينة عبر شعيراتٍ دقيقة ملتهبة من الأحكام والجمل الدينية الباترة.

وقام المعتزلةُ بصناعة جملٍ عقلانية صغيرة لرؤية الواقع لكنها جملٌ محدودة تتوجه للبناء الديني وتعزله عن الصراعات الاجتماعية والاقتصادية، فكان هذا يجعل نقدهم المحدود يتضاءل في قيمته، ويعجز عن الامتداد في قضايا المال العام والخراج والجزى وتوزيع الدخول على الناس حتى تنقطع أنفاسهم النقدية وتتركز أنظارهم على جيوبهم.

هذا ما يفعله معاصرون في تعميمهم لسمات الدول العربية وإلغاء جذورها في البُنى الاجتماعية والهياكل الاقتصادية التي تجمعها في سماتٍ بيروقراطية شمولية وتوزيعاتِ دخولٍ متخلفة وغير عادلة وكلها تحتاج للالتحاق بنظم العالم الديمقراطية الحداثية.

وهكذا فإن الصراعات بين التيارات السياسية تتركز في هذه الخنادق الضيقة، فأغلبها لا يقبل أن ينضم للديمقراطية المعاصرة العلمانية، مبعداً قسماً إجتماعياً وإمتيازات معينة وثقافة فكرية عتيقة عن النقد وعن ضرورة التغيير.

فرقاء حداثيون يكتشفون في مجرى الصراع السياسي أن الجماعة التقليدية غير ديمقراطية وغير وطنية وأنه يجب إبعادها عن الحكم.

والجماعة التقليدية بقيت طوال عقود تكرسُ نفسَها في تنمية الدكتاتورية وخلق عامة عنيفة، لكن النصوص الحداثية الوطنية لم تعالجها نقدياً وتعريها سياسياً فأنتشر وعي زائفٌ لدى الجمهور عن هذه الجماعات: الغائبة عن النقد.

الجماعة الحداثية نفسها منزلقة للتقليدية والانتهازية والمناورات السياسية مع الجماعات التقليدية وينفجر صراعها مدمراً أوضاعاً وكتلاً مختلفة وتكتشف أجنحةٌ متعددة إنها تتحطم وتنشل سياسياً فجأة.

يعبر التجريب في اللحم الشعبي عن الانفصال بين النخب الفكرية السياسية عن العلوم والواقع، وعن نموها الشمولي وعدم إقامة علاقات فكرية حوارية ونقدية مع الأجسام الشعبية المختلفة، فكرست نفسها في التكوين الشللي والعصبوي والمنفعي، وحين تنمو ديمقراطياً بشكل فعلي يعتمد هذا على طبيعة الأفكار السياسية التي تتبناها ومدى ديمقراطيتها وكشفها لحقائق الواقع وعدم صدورها عن إيديولوجية شمولية متيبسة وبضرورة علاقتها الحية مع الجمهور، ولهذا تصبح مسائل تحويل الواقع بالغة الصعوبة وبحاجة لمنجزات العلوم الاجتماعية ولمناضلين مفتوحي العقل لفهم الواقع ونقد الذات والتاريخ السابق واللاحق.

السلطة الكلية العربية الغائرة الممتدة تاريخياً للزمن التقليدي وهياكلها الاقتصادية الاجتماعية تُضفي على القبائل والجماعات والفِرق والتيارات مضامينَها  الغائرة المسيطرة، مضامين هيمنة الذكور وملاك الأرض  الكبار  والموارد، وهيمنة النصوص المسبقة والتفسيرات الذاتية المرتبطة بأشكال إنتاجية مقيدة ومحدودة.

وكلما تأخر تحويل تلك البنية كلما أهترأت أشكال الوعي وتعقدت المشكلات وتنامت، كما من الصعوبة أن تنفصل أشكال الوعي التقليدية عن مصالحها ولهذا تغدو المكشلة تاريخية معقدة.

27 ــ من تجارب الأحزابِ العربية

يغرق النظام التقليدي المستعاد من العصر الوسيط في أزماته العميقة، وقد رأينا في حلقات (العصبية والعمران) كيف قام الحكم البريطاني في العراق كنموذج عربي حاد في إنعاش العديد من العلاقات الإقطاعية وتصعيدها.

سنرى بشكل ملموس كيف يعود النظام التقليدي والمجتمع يتفسخ ويعود للوراء، أو كيف أن التشكيلة العتيقة تزدهر بكل تقاليدها الرهيبة.

إن القوى السياسية المعارضة ذات أهمية كبيرة في المقاومة المفترضة لهذه التركيبة المحافظة البالية، وهناك قوى عديدة تعود للمعارضة ولكن أبرزها الاتجاهان(الشيوعي) و(القومي العربي).

وقد رأينا كيف أعتمدا على الجمهور الشعبي وعلى قوى العشائر، وفي حين نهضت قوى المعارضة اليسارية على الجمهور العامل كانت تتعرض للضربات في حين كان الاتجاه القومي يبرز في أشكال عسكرية بارزة فاشلة في الثلاثينات والاربعينات من القرن الماضي ويتعرض للنكسات والاضطهاد.

ظهر الاتجاه الشيوعي معتمداً على حلقات مثقفين وتبلور بشكل جيد في لجنة مكافحة الاستعمار مركزاً على النضال الوطني، ولكنه فيما بعد ركز على تصعيد الاشتراكية وإنتصارها.

جاء في العدد الأول من نشرة الحزب الشيوعي العراقي السياسية:

إنه (يعتمد القوة والعنف لأنه يعلم جيداً أنه ليس هناك دولة أمبريالية تعطي بمحض إرادتها الحقوق للشعوب المستعبدة كما أنه ليس هناك طبقة تتخلى عن إمتيازاتها سلمياً)، (فهد والحركة الوطنية في العراق، دار الكنوز الأدبية، ص 164).

إن النضالات التي خاضتها الجماعة لتنوير الشعب وتصعيد إرادته الوطنية كبيرة، لم تقم خلالها بدرس التشكيلة وتاريخها ومشكلاتها الراهنة وكيفية تغييرها، فلقد كان الارتباط بالاتحاد السوفيتي مُسوقاً لأفكار سياسية وتنظيمية وفكرية جاهزة، وكان القالب الذي رست عليه تجربة رأسمالية الدولة القومية الروسية هو تصدير تجربتها كتجربة إشتراكية قادرة على حل تناقضات الشعوب وتجاوز المرحلة الرأسمالية.

كان هذا مهماً للدفاع عنها والهجوم على القوى الغربية.

كانت التجربة الروسية وقتذاك بين الثلاثينات والاربعينات قد عَبرتْ المخاضَ الأولي الذي حول الثورة القومية الاجتماعية بتضحيات الجمهور الشعبي إلى رأسمالية دولة ذات توجهات شعبية نهضوية واسعة سيطرت فيها القوى الإدارية والعسكرية العنيفة بحيث غدا النهج الشمولي هو المعبر عن هذه الماركسية الشرقية التي غدت نسخة للعديد من التجارب.

فيما كانت بريطانيا ترسخُ الإقطاعَ كانت روسيا تطرح قفزة(الاشتراكية). لهذا فإن الموديل التسريعي لسحق الإقطاع والبرجوازية سيكون هو المهيمن على قيادة الحزب العراقية المتحولة لهيمنة فردية شبيهة بالمركز. وهذا الأمر الذي صعّد الصراعات الخطيرة كاعتقال الضباط اليساريين وتصفية بعضهم والقيام بهجماعات قمعية شديدة على الحزب.

لم يكن بإمكان الحزب وقتذاك التغلغل في الجيش العراقي وهذا كان من نصيب الجماعات القومية.

كانت حركتا بكر صدقي رشيد عالي الكيلاني تعبيرين عن تصاعد نفوذ زعمائر العشائر وقوى الإقطاع البدوية خاصة في الأجهزة العسكرية والحكومية وهم الشكلان السريعان اللذان لم ينجحا كمغامرتين لكنهما عبرا عن بداية التواشج بين قوى السنة البدوية وجهاز الجيش، وهو أمر تُوج بعد ذلك في تجربة البعث.

بعد القرن العشرين دخل العراق مرحلة تحلل، وكانت ثمار التواشج بين العشائرية ذات الجذور الإقطاعية والجيش، بين التقاليد والظروف التي لم تخضع لتحولات ديمقراطية وبين قوى العسكر، تكونُ رأسمالية الدولة العسكرية الدموية.

إن هذا التتويج للانهيار الداخلي المديد يعبر عن إنتصار العَصبية على العمران، وهيمنة النزعات العنيفة على قوى الحوار، وقوى العشائر والطوائف المحافظة على القوى المدنية.

لقد كانت رأسمالية الدولة العسكرية التي شارك في تكوينها اليسار واليمين الشموليان، عبر حلقات التاريخ السابقة، تعتمد مغامراتها على الدكتاتور، على زعيم العصبة، وجماعته، حيث أنسد التطور الداخلي أمام بصيرته السياسية الضعيفة، فلم ير سوى المغامرات الداخلية والخارجية، فراحت الدولة العراقية تتحلل وتعود لمكوناتها الطائفية والعشائرية والمناطقية. 

28 ــ القبائلُ العربيةُ والتحلل

تكونت القبائلُ العربية على أسسٍ موضعية ضاربة في القدم، مشكلة سمات خاصة لهؤلاء القوم بتداخل الصحراء وظروف الاقتصادية والعيش الاجتماعي.

وإذا جعلت قدراتهم في العمل الانتاجي محدودةً متجهين للرعي والحرف والزراعة والغزو والعيش على سطوح الانتاج، فإن تجذرهم في التشكيلات التاريخية سيكون حسب نسب العمل ومدى مشاركة السكان في الانغراس في الانتاج.

لهذا فإن المرحلة الاسلامية المؤسسة القائمة على فعل التجارة التاريخي ستكون وامضةً، غير مسهمة في تحلل القبائل لتكون مجتمعاً منصهراً، ولهذا فإن صراع الطبقات الذي يعيدُ تشكيل هذه المكونات البشرية الترحالية في شعبٍ منصهر لن يكون له تغلغل عميق.

في التشكيلة الاقطاعية حيث حكم الأسر الارستقراطية تسيطر هذه التشكيلاتُ السكانية على البلدان المفتوحة وتتبدل من تجار إلى ملاكِ أراضٍ سياسية وخاصة ستقيم تجمعاتها السكانية وسيطراتِها المدنية وستغزو وتقوم بما كانت تقوم به في جاهليتها من قطف ثمار السلع بدون إنتاج، معتمدةً على جماعات من الأمم الأخرى لتقوم بحِرف الثقافة والمهن المختلفة حتى يظهر من أبنائها بعد عقود من يدخل في هذه الانتاجية التاريخية البطيئة.

لكن الأمم التي أسلمت تردُّ العربَ إلى مناطقهم، وتتغلغل فيها، وتفرضُ سيطرتها على مناطق الأطراف الشرقية. فيظهر تحلل العرب بشكل أوسع، وتتفكك القبلية في المدن، وتتعدد المستويات الاقتصادية بينها.

تقوم العلاقات التجارية والمالية بتفكيك القبلية ولكنها لا تصل لمستوى الرأسمالية الواسعة، وتظل الكيانات القبلية في جمودها التاريخي حتى الرأسمالية المعاصرة التي هي الأخرى لا تحقق التطور الواسع الناجز لاستمرار الهياكل الاقتصادية الحِرفية والزراعية مسيطرة، وتُسد من خلال الرأسماليات الحكومية التي تحيل القرابات الأسرية للسيطرة الاقتصادية السياسية، فلا تتفكك القبلية بشكل واضح وعميق بل من خلال التباين الاقتصادي السفلي.

لكن القبائل الفقيرة في المدن والأحياء الشعبية والبوادي الصحراوية شكلت إنصهارات متعددة وظهرتْ كأشكال شعبية جديدة لم تتغلب على الطابع القبلي السائد العام في المجتمعات.

ولهذا غدت الكثير من وحدات الشعوب العربية تجرجرُّ خلفها عوالم قبلية مختلفة، بكل الإرث الاجتماعي الثقافي التقليدي الذي تحمله، والذي يذوب ويتبخر في الحياة الحديثة.

التكوينات الكبيرة المسيطرة في المدن والبلدان لم تستطع أن تنقطع بنيوياً عن المرحلة التقليدية فطابع الرعي والغزو والإيجار والضمان والأراضي الصوافي لم تزل تضع بصماتها على التطور الاقتصادي السياسي، والإرث الاجتماعي الذكوري التقليدي مهيمن على قيم المساواة.

وهذا يحدثُ تقلقلاً بين مرحلتين تاريخيتين وتشكيليتين مختلفتين كما يشيع الانقسامات الاجتماعية السياسية، فلا تعرف هذه المجتمعات أين المسير هل هو للماضي أم للمستقبل؟

الملكية الخاصة لوسائل الانتاج لا تنتشر، والملكية العامة تغدو غير عامة، مثلما أن القبلي مضطرب في الحداثة والديمقراطية، ومن هنا فإن هذا التذبذب التاريخي بين الدين والحداثة، هو إضطراب في طبيعة التطور الاقتصادي الاجتماعي وعدم الحسم في الصعود للتشكيلة الحديثة وتبدل طبيعة النظم وتغيرها بين الخلافة والديمقراطية.

29 ــ تحللُ العربِ: العراقُ نموذجاً   

يغرق النظام التقليدي المستعاد من العصر الوسيط في أزماته العميقة، وقد رأينا في حلقات(العصبية والعمران) كيف قام الحكم البريطاني في العراق كنموذج عربي حاد في إنعاش العديد من العلاقات الإقطاعية وتصعيدها.

سنرى بشكل ملموس كيف يعود النظامُ التقليدي والمجتمع يتفسخ ويعود للوراء، أو كيف أن التشكيلة العتيقة تزدهر بكل تقاليدها الرهيبة.

إن القوى السياسية المعارضة ذات أهمية كبيرة في المقاومة المفترضة لهذه التركيبة المحافظة البالية، وهناك قوى عديدة تعود للمعارضة ولكن أبرزها الاتجاهان (الشيوعي) و(القومي العربي).

وقد رأينا كيف أعتمدا على الجمهور الشعبي وعلى قوى العشائر، وفي حين نهضت قوى المعارضة اليسارية على الجمهور العامل كانت تتعرض للضربات في حين كان الاتجاه القومي يبرز في أشكال عسكرية بارزة فاشلة في الثلاثينات والاربعينات من القرن الماضي ويتعرض للنكسات والاضطهاد.

ظهر الاتجاه الشيوعي معتمداً على حلقات مثقفين وتبلور بشكل جيد في لجنة مكافحة الاستعمار مركزاً على النضال الوطني، ولكنه فيما بعد ركز على تصعيد الاشتراكية وإنتصارها.

جاء في العدد الأول من نشرة الحزب الشيوعي العراقي السياسية:

إنه(يعتمد القوة والعنف لأنه يعلم جيداً أنه ليس هناك دولة أمبريالية تعطي بمحض إرادتها الحقوق للشعوب المستعبدة كما أنه ليس هناك طبقة تتخلى عن إمتيازاتها سلمياً)، (فهد والحركة الوطنية في العراق، دار الكنوز الأدبية، ص 164).

إن النضالات التي خاضتها الجماعة لتنوير الشعب وتصعيد إرادته الوطنية كبيرة، لم تقم خلالها بدرس التشكيلة وتاريخها ومشكلاتها الراهنة وكيفية تغييرها، فلقد كان الارتباط بالاتحاد السوفيتي مُسوقاً لأفكار سياسية وتنظيمية وفكرية جاهزة، وكان القالب الذي رست عليه تجربةُ رأسمالية الدولة القومية الروسية هو تصدير تجربتها كتجربة إشتراكية قادرة على حل تناقضات الشعوب وتجاوز المرحلة الرأسمالية.

كان هذا مهماً للدفاع عنها والهجوم على القوى الغربية.

كانت التجربة الروسية وقتذاك بين الثلاثينات والاربعينات قد عَبرتْ المخاضَ الأولي الذي حول الثورة القومية الاجتماعية بتضحيات الجمهور الشعبي إلى رأسمالية دولة ذات توجهات شعبية نهضوية واسعة سيطرت فيها القوى الإدارية والعسكرية العنيفة بحيث غدا النهج الشمولي هو المعبر عن هذه الماركسية الشرقية التي غدت نسخة للعديد من التجارب.

فيما كانت بريطانيا ترسخُ الإقطاعَ كانت روسيا تطرح قفزة (الاشتراكية). لهذا فإن الموديل التسريعي اليساري لسحق الإقطاع والبرجوازية سيكون هو المهيمن على قيادة الحزب العراقية المتحولة لهيمنة فردية شبيهة بالمركز. وهذا الأمر الذي صعّد الصراعات الخطيرة كاعتقال الضباط اليساريين وتصفية بعضهم والقيام بهجماعات قمعية شديدة على الحزب.

لم يكن بإمكان الحزب وقتذاك التغلغل في الجيش العراقي وهذا كان من نصيب الجماعات القومية.

كانت حركتا بكر صدقي ورشيد عالي الكيلاني في الاربعبنبات من القرن الماضي بروفتين إنقلابيتين عن تصاعد نفوذ زعمائر العشائر وقوى الإقطاع البدوية خاصة في الأجهزة العسكرية والحكومية وهما التجربتان السريعتان اللتان لم تنجحا كمغامرتين لكنهما عبرتا عن بداية قيام الفئات الوسطى بتجاوز الدستور والقفز على المؤسسات التشريعية والقيام بمغامرات خطرة، وهو ما أيده جمهور واسع والأسوأ هو تأييد الأحزاب الوطنية وقد عبر ذلك عن سياق إنقلابي مغامر سوف يجد تطبيقه في الانقلابات التالية ثم في تجربة الشمولية العسكرية.

بعد القرن العشرين دخل العراق مرحلة تحلل، وكانت ثمار التواشج بين العشائرية ذات الجذور الإقطاعية والجيش، بين التقاليد والظروف التي لم تخضع لتحولات ديمقراطية وبين قوى العسكر، تكونُ رأسماليةُ الدولةِ العسكرية.

إن هذا التتويج للانهيار الداخلي المديد يعبر عن إنتصار العَصبية على العمران، وهيمنة النزعات العنيفة على قوى الحوار، وقوى العشائر والطوائف المحافظة على القوى المدنية.

لقد كانت رأسمالية الدولة العسكرية التي شارك في تكوينها اليسار واليمين الشموليان، عبر حلقات التاريخ السابقة، تعتمد مغامراتها على الدكتاتور، على زعيم العُصبة، وجماعته، حيث أنسد التطور الداخلي أمام بصيرته السياسية الضعيفة، فلم ير سوى المغامرات الداخلية والخارجية، فراحت الدولةُ العراقية تتحلل وتعود لمكوناتها الطائفية والعشائرية والمناطقية والقومية المحافظة.

لقد قال الأستاذ ساطع الحصري الباحث القومي المعروف في الاربعينات إن على العراق أن يلعب دور(بروسيا) الألمانية ويقود الأمة العربية ويوحدها لكن مثل هذه الشعارات المتغلغلة بين النخب أنتجتْ شيئاً معاكساً لذلك حيث على العراق أن يوحد نفسه ويعيد النظر في تاريخه

30 ــ تحللُ العرب؛ سوريا نموذجاً

عبرت سوريا عن محاولة عربية أخرى كالعراق عن توحيد الفسيفساء الوطنية والعربية.

كان الجسمُ الامبراطوري العربي التوحيدي بقيادة الامويين قائماً على القسرِ وتكوين نخب وجماعات عسكرية وأهلية مدنية بمركز السلطة.

كان هذا يتوافق مع آراء مذهبية سنية غير متبلورة في مذهب متكامل، بل عبرَ إختيارات فكرية سياسية وامضة للحرية من جهة والمركزية من جهة أخرى.

في المسار التاريخي الطويل كان المركز ذا إمكانية غير متكاملة للسيطرة على سوريا الطبيعية، فالاقتصادياتُ الزراعية الحِرفية والتجارية الفردية والمناطق الجبلية  الكبيرة المغايرة للبرية صنعتْ تنوعَ التكوينات السكانية الدينية والمذهبية الإسلامية المختلفة.

التباين بين مذهبية سنية ومذهبية علوية ومسيحية متعددة عبرّ عن إختلاف قسمي السكان الكبيرين، بين تقاليد قوى الرعاة وقوى الفلاحين.

بين النصوصيةِ الحادةِ وبين اللانصوصية، بين التفسيرات السنية، والتفسيرات العلوية، وقعَ ذلك الشرخُ التاريخي الذي لم يُدفن بثقافة وطنية تنويرية ديمقراطية علمانية حديثة.

وجاءت الهيمنةُ الفرنسية لتعمقه، فيما لم تستطع الحركات السياسية التحديثية قراءته ووضع السياسات لتجاوزه.

كان الجسمان السياسيان التحديثيان؛ القومي البعثي، والشيوعي، تعبيرين آخرين عن القراءات التي لا تقرأ قوانين البُنية الحقيقية.

إن البعثَ في إستيراديته الفكرية السياسية للفاشية الأوربية جسّد تكوين النخبة السياسية العسكرية المرتبطة بقيادة الزعيم المطلق، ورفض الديمقراطية والتنوع الوطني، في هلاميةٍ تحديثية برانية، وفي رؤية قومية شمولية ترفض قراءة التنوع الوطني العربي ومستويات التطور المختلفة بين الأقطار العربية.

عبرَ طرحِ صيغٍ توحيديةٍ قسرية ذاتية، تستلهمُ البدويةَ العربية الغازية والهيكليةَ الأموية – العباسية. ولهذا عرفتْ تسميةَ القيادة القومية والتمدد داخل أقطار الشام والتدخل في شؤونها بدرجة خاصة.

وقد عبرتْ في خلال الحكم عن تمثُل القوى الغنية والمتنفذة العليا الصاعدة التي غدت عسكريةً، وبدت طرق هيمنتها اللاعقلانية في الانقلابات المستمرة وصراعات النخب السياسية حتى تمظهر ذلك في النخبة المنتمية شكلانياً للطائفة العلوية.

وكان المسار الشيوعي مختلفاً حيث بقيت الصيغة الماركسية اللينينية تعبيراً عن النسخة الروسية من الدولة القومية ومن خيار رأسمالية الدولة العسكرية عبر رفدٍ شعبي نضالي في سنوات عديدة، لكن هذا التعبير عن الطبقات الشعبية غدا شكلانياً هو الآخر، حيث لم يلتحم بهذه الطبقات فكرياً وإجتماعياً ويعبر عن نقدها للنخب وطرقها في السيطرة، مما تجسد هذا أخيراً في(الجبهة الوطنية) غير المعبرة عن تنوع الطبقات وإختلافها.

هكذا عادت سوريا لتكوينها الجوهري في العصر الوسيط، أي إلى صراعها الطائفي السياسي بين المركز والأطراف، بين دمشق والأرياف والمدن الأخرى، بين الأمويين والعلويين، بين المنتمين شكلياً للمذاهب القديمة والمنتمين للتيارات الحديثة، فاليمينُ المحافظ الطائفي الديني إستطاع تذويب القوى الشعبية التوحيدية في مختلف العصور.

كان القمعُ الذي مارسه الجيشُ ضد الإخوان مقدمةً لهذا التقهقر للوراء، حتى تحول الجيش فعلاً إلى معبرٍ عن رأسمالية الدولة العسكرية، حيث السياسيين والمتنفذين والمال العام في جهة وبقية الشعب في جهةٍ أخرى.

ولهذا فإن الثورةَ ضد النظام لم تثر على التاريخ الطائفي الاجتماعي المتعدد الفِرق عبر العصرين الوسيط والحديث، ولم تحددْ طبيعةَ الخروج عنه برفضها التكوينات السياسية الطائفية، بل قامت عبر الاشتغال فوقها والاستعانة بها، فتداخلت الثورة والثورة المضادة، البديل والنظام، فلم يظهر يسارٌ ديمقراطي علماني لعالِم الفِرق المحافظة ذو حضور جماهيري، مما أدى لتدهور أكثر وظهور طبيعة العصر الوسيط العنفي الطائفي، أي قام الطرفان المركز والأطراف بتبادل الأدوار، بين جبهة النصرة والعسكر السفاح، رغم أن هذا التبادل هو شكلي، لا يغير من هوية القوى الاجتماعية إلا بتغيراتها العصرية، ولا يطرح أي بديل تحديثي ديمقراطي يتجاوز صراع الفريقين الممتد عبر مئات السنين.

31 ــ تباين طرقِ التطور العربية

رغم الكمية الكبيرة من المواد الفكرية والاجتماعية والسياسية التي أنتجتها الانتفاضاتُ العربية الشبابية إلا أنها لا تزال بكراً في تحليلها معبرة عن نفس زخم الأجيال الجديدة الحماسية.

إنها بلا مرئيات تاريخية عميقة، وتعيش على سطوح المجتمعات العربية، إنتقائية من مواقعها الدينية التحديثية، محافظة على مستويات المضامين، فهي تجثم على المجتمع المحافظ المذهبي الموروث الذكوري السائد.

الديقمراطيةُ الانتقائية خلافيةٌ مع الجهة الوحيدة التي تعارضها حسب تلك المواقع الانفعالية، فإذا كانت سلطةً ركزتْ كل السلبيات فيها، وإذا كانت عسكراً شنعت على تاريخها، وإذا كانت قوى مذهبية عرت محافظتها بفصلها عن جذورها ومجمل البناء الاجتماعي المحافظ الموروث التي تشارك هي فيه كذلك، وإذا كانت صديقة لها ضخمت من إيجابياتها ونست سلبياتها.

الديمقراطيةُ الانتقائية عند هذه الأجيال مؤدلجةٌ مفصلة حسب مصلحتها، ولحظتها الزمنية السياسية، فربما يتغير موقعها، وحينئذٍ يتبدل الكلام.

كذلك فإن مواقع  الدول العربية مختلفة من حيث التطور الاجتماعي السياسي، فنقل المقاييس الانتقائية من بلد إلى آخر، هو ما تفعله الاتجاهات الشمولية العربية الكلاسيكية خلال العقود السابقة وهي التي سلمت الدول العربية للتوجهات الطائفية التي هي الوريثة لها.

ولهذا فإن جر دول الخليج لنفس أجندة دول الانتفاضات وتطبيق نفس المقاييس التجريبية والديمقراطية المؤدلجة الانتقائية هو خلق فوضى أكثر منها تحولات.

ولهذا فإنه بدون معايير الديمقراطية العلمانية العقلانية الغربية الإنسانية مطبقة على جميع القوى الاجتماعية السياسية حسب التطور السياسي لكل بلد، فإنها تغدو إنتقائيات تفجيرية.

ولهذا فإن مكافحة ظواهر العشائرية والطائفية في الحكم السياسي، والتغلب على الفساد، ودفع قوى التنمية الصناعية الجماهيرية وتغيير هيمنة العمالة الأجنبية وتغيير البيروقراطيات منتجة البطالة المقنعة وغيرها من الأهداف، تتم بالتدرج والخطط الشاملة، وليس بتلك التجريبية التجزيئية من مواقع القوى التابعة للطائفيين السياسيين.

هذه القوى التي تستهدف عرقلة التطورات الديمقراطية الوطنية في دول الخليج عبر الجمل الملتهبة فاقدة التبصر الموضوعي، وهي سبق تجريبها في البلدان العربية الأخرى وأنتجت أشكال الطغيان المعروفة.

القوى السياسية الطائفية لا تريد تطبيق المقاييس الديمقراطية عليها، ولا تريد عمليات تطور ديمقراطية خليجية مشتركة، فهي التي تحدد وقت وأشكال الديمقراطية، ولا تعترف بهذه المنظومة وظروفها المختلفة، ومستويات عيشها المتقدمة نسبياً عن غيرها من الدول العربية.

ضرب معايير الديمقراطية العقلانية العلمانية هي ما تقوم به في ضجيج حاد خالط للأوراق، وبدونه تظهر في عريها الشمولي وتخلفها، ورغبتها في عودة العرب والمسلمين للوراء، إلى النمط الذكوري المستبد المحافظ، وليكن ذلك في تشنجها حتى لو تم بالعنف.

التغيير المتدرج العقلاني في دول المنطقة يتطلب وعياً نقدياً صارماً للظاهرات السلبية، عبر طرح موضوعي، يكشف العلل ويدعو لتغييرها، مطوراً الايجابيات محافظاً على التطور وما تحقق فيه.

وليكن النقاد السياسيون يكشفون المشكلات ويدعمون التطور بلا إنتقائية وتجزيئية.

الانفجارات الفوضوية التي قامت بها هذه القوى عرقل مصالح الجماهير وكرس التخلف والبيروقراطية فكانت مساندة للسلبيات مؤكدة لبقائها الطويل.

كذلك وضعت الدول العربية والإسلامية بين الخنادق المتقاتلة، وساعدت القوى الغربية في تدخلاتها وتفكيكها للمسلمين، بدلاً من أن ترتقي بوعيها لفهم الإسلام والتاريخ المعاصر وخلق التعاون بين الدول العربية والإسلامية.

أسلوب النقل الميكانيكي لشعارات في بُنى وأوضاع مختلفة لدول أخرى سبق أن تم تجريبه وتجاوزه لكن ليست ثمة ذاكرة وطنية هنا. 

32 ــ في التطورِ العربي العام

الدول العربية ذات مستويات تطور مختلفة، وهي مشدودة ككل دول العالم إلى التطور التحديثي العلماني الديمقراطي، ونرى الآن كيف أن فرنسا هي قمة التطور الصراعي الاجتماعي الديمقراطي الحديث، حين نضج هذا التطور خلال القرون الثلاثة الأخيرة، وكون هذا المستوى الذي هو محصلة لمستويات التطور الاقتصادية الاجتماعية الثقافية الطويلة.

ومن هنا نرى النموذج التونسي ومقاربته لهذا التطور وكيف راح الصراع الاجتماعي يتبلور، فالطبقتان البرجوازية والعمالية واضحتان وضوحاً سياسياً كبيراً، فمنظمات قوى رأس المال والمصالح الخاصة، متبلورة مثل منظمات العمال والحرفيين والشغيلة عامة.

أحزاب اليسار وأتحاد الشغل تعبر عن الانفصال الاقتصادي الفكري الذي لم يكتمل تماماً، فالفئات الوسطى الصغيرة وجمهور من الشغيلة كذلك لا تفرق بين الوعي الديني والحقيقة، فالوعي الديني الإسلامي المحافظ هو شكل الحقيقة لديها، ومن يعتنقه يعبر عن الناس ككل كما تتصور في وهمها الإيديولوجي.

ولهذا فرغم ظروف عيشها الصعبة ومعاناتها من الاستغلال الحكومي حيث الرأسمالية الحكومية البيروقراطية مركز الاستغلال في العالم الشرقي، فإنها تؤيد هيمنة إستغلالية جديدة على هذه المُلكية العامة وقد كانت باسم الحزب الدستوري وتغدو الآن باسم حزب النهضة.

وقد ساهم وعي اليسار الجامد في هذا الوهم، فلم يفهم الإسلام الحالي كأشكال محافظة مذهبية معبرة عن الطبقات العليا الاستغلالية القديمة وبعض التفسيرات الجديدة المحدودة، وبالتالي كان لا بد أن يمتلك تفسيره الشعبي النقدي لرؤية الإسلام، لأن اليسار الديمقراطي هو وريث كل التجليات الشعبية المناضلة عبر التاريخ، ولهذا يهتم بكل الحقب التاريخية دون أن يذوب في مستوياتها ومستوياتها الفكرية، وهو أمرٌ لا ينفصل عن علمانيته، وفصله الدين عن السياسة، وهو موقفٌ مركب دقيق كذلك.

التبلور الفكري الناضج في تونس يحتاج لخلخلة الوعي المذهبي السياسي المحافظ وإكتشاف جمهور النهضة لمصالحهم الطبقية المختلفة، وتجاوز الصيغة المحافظة هي مسألة قراءات معمقة في التراث وفي عمق الصراع السياسي الراهن.

هذا التبلور بين الطبقتين الحديثتين نجده يتقارب في مصر والمغرب، ومصر إستطاعت إحداث قفزة، لكن جمهور العمال والبرجوازية أو الفئات الوسطى عامة، متداخل هنا مع أجهزة الدولة، وإذ راح يبلور أيديولوجيته السياسية التحديثية في الدستور الجديد لا يزال يصارع من أجل هذه البلورة والأنتماء الراسخ للديمقراطية الحديثة على النمط الفرنسي المتبلور.

إن خروج الصراع الطبقي إلى الوضوح وإلى المؤسسات الديمقراطية الحديثة، وقد منعته مخاوفٌ أسطورية رهيبة خلال قرون، هو الحل السياسي المعاصر للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية.

والإيديولوجيات الدينية هي ضبابٌ فكري سياسي راجع للعصور الماضية، وحين تتكثف وتمنع الرؤى الاجتماعية والطبقات والفئات من إكتشاف مصالحها والدفاع عنها بشكل حضاري تُحدث صراعات مَرضية في المجتمعات تدفعها للانهيار، فبدلاً من المصالح الحقيقية المتعارضة تظهر مصالح ذاتية معرقلة هي تدخلات الدول ونَزعاتها  الدينية والقومية المعبرة عن قوى بيروقراطية وعسكرية وتقليدية.

لهذا فإن تبلور هذا المستوى من التطور الاجتماعي السياسي في بعض دول شمال أفريقيا العربية لم يصل لدول المشرق العربي الإسلامي، الذي راح يغوص في صراعات ما قبل الحداثة، فالطبقتان الحديثتان المتبلورتان لم تظهرا على مستوى الخرائط الوطنية بوضوح من خلال أشكالها السياسية الاجتماعية وحضورها في المؤسسات العامة.

ولهذا فإن كثافة حضور المنظمات الدينية المذهبية القومية المتصارعة يجسد هذا التخلف على المستوى الاقتصادي الاجتماعي.

فهذه المنظمات لا تريد التعبير عن فئات بل كذلك عن مذاهب كلية وقوميات لم تتبلور وتعيش في إضطرابات خلال قرون، وهي بهذا تجرُّ الخرائطَ الوطنية للتمزق والحرق في أثناء إنسحابها للعصور الوسطى.

إن منظمات أرباب العمل والعمال خاصة في مستوياتها السياسية النقابية لم تتبلور وتغدو ذات أهمية وطنية، كما يحدث في تونس عبر تضامن ووحدة مؤسسات أرباب العمل وإتحاد الشغل على المستوى السياسي الوطني، مع وجود المصالح المتباينة على المستوى الاقتصادي.

إن الديينيين ذوي العقلية المحافظة يفرضون نفوذهم في المشرق على نحو عنفي شديد، معطين الصراعات الاجتماعية البسيطة أشكالاً مذهبية وقومية رهيبة غير ممكنة الحل خوفاً من ظهور أشكال الحداثة الديمقراطية التي تنزع سلطاتهم المتكلسة عبر قرون.

33 ــ آفاق التطور العربي الراهن

ليست الصراعاتُ الراهنةُ التي تجري في بعض الدول العربية هي من أجلِ مقولاتٍ ومُثُل مجردة فقط، بل هي لتقرير تطور إقتصادي إجتماعي لصالح الأغلبية الشعبية العربية.

في بلدان ظهرَ فيها النسيجُ الاجتماعي – الديني بشكلٍ مُوَحدٍ متقاربٍ على الأقل، أمكن أن يتبلورَ الصراعُ في السياسة والاقتصاد وليس في الدين.

إن الجمهور الهائل الذي طالب بالحرية كان يعني الحريات السياسية التعبيرية بشكل أساسي، بسبب نظام دولة شمولي لا يسمح بالتعددية.

لكن ليس هذا سوى أدوات نحو تغيير الاقتصاد، فماذا يفعلُ الجمهورُ بحرياتٍ مجردة؟

الهدف غير المتبلور في الوعي السياسي النظري هو الحصول على حياة معيشية أفضل، وهو رقي الأوضاع الاقتصادية إلى مدى جديد يفيض بخيرات على الأغلبية.

وما يعيق هذا هو رأسمالية دولة متكلسة، صارت لها علاقات شخصية بأصحاب الحكم السياسي، وقامت بخلق إحتكار في السوق، وضيقت الأحوال الحرة في الاقتصاد.

وبطبيعة الحال ستكون الرأسماليات الخاصة العربية هي المستفيدة بشكلٍ كبيرٍ من هذا التوزان الجديد بين رأسمالية الدولة وقد صارت رأسمالية دولة وطنية (ديمقراطية) والرأسمالية الخاصة الحرة، وجاء مسئولون جددٌ راحوا يركزون على تفعيل خدمات الدول وإزالة بيروقراطيتها ونشر خدماتها، من أجل تطوير قوى الإنتاج العامة في كل مجال، سواءً بتفعيل أملاك الدولة أم تغيير الأحوال الاقتصادية لكافة الطبقات الاجتماعية.

يَحضرني بهذا الصدد وزيرٌ في الحكومة المصرية الجديدة مُخصَّص(للعدالة الاجتماعية) وظهرَ في وسائل الإعلام وهو يتابعُ أسعارَ الخبز ومستوى تخزين القمح وسلع الحكومة المطروحة في الأسواق وأين تتواجد بأسعار دنيا وأدوات الدولة لضرب الإحتكار، وإلى ما إلى ذلك من تغلغل في الحياة الاقتصادية العامة الجماهيرية وقضاياها الحيوية، ومن توعية يقوم بها وزير من أجل أن تتعاون قوى المجتمع المدني لمحاصرة المحتكرين والمفسدين في السوق!

يفيدُ في تطورِ خدماتِ الدول هنا مستوى جديدٌ من حرياتِ وسائل الإعلام، ومن نشاطٍ شعبي، لكن هذا كله يحتاج لتطور طويل فنحن فقط في البدايات.

لكن الجوهري هنا بعيداً عن التفاصيل اليومية الكثيفة، هو تطوير حياة المنتجين وخلق نمو إقتصادي في كافة القطاعات، والفوائض المالية التي سُرقتْ أو التي تضيعُ بآلةِ الدولة أو من قوى التخريب تُعاد إلى مجال الإنتاج.

فنحن نرى كيف أن مليارات الدولارات صرفها النظام الليبي على زعماء أفارقة وعلى التسلح الباهض، وهذه كلها مدعوة للعودة إلى الاقتصاد.

وقد أمكن لدولٍ مثل مصر وتونس وفي المستقبل ليبيا وسوريا، أن تشكل شعوباً موحَّدة تقررُ دمجَ رأسمالية الدولة والرأسمالية الخاصة في تكوين إقتصادي جديد متداخل متطور، وبدون هذا التوحد لا تظهر السوق الموحدة المشتركة.

هذا المستوى الجديد يتطلب علاقات إجتماعية متطورة، وأوضاع جديدة للعمال الشباب وقد توحدوا بالتقنيات المتطورة، وحياة متطورة للنساء في مجالات الإنتاج، ومستوى متطور من الحرية والخدمات لفلاحي وسكان المناطق المُهمَّلة كما يطلب سكانُ درعا الذين فجروا التغييرَ السياسي في سوريا، إضافة إلى كل التحولات فيما يتعلق بإرهاق السكان بالضرائب والقيود الاقتصادية البيروقراطية.

إن الأنماطَ المذهبيةَ المحافظة تعيقُ وحدةَ بعضِ الشعوب العربية، إنها تقسمهم سياسياً، ويقوم الغلاةُ المذهبيون بطرح العودة للماضي، ورفض الحريات الاقتصادية والاجتماعية للسكان، ومن ثم تتجسد هذه في (العسكرة) حيث يتحول النظامُ إلى نظامٍ عسكري أو يتحولُ الحزبُ إلى حزبٍ عسكري، فتتكرس الميزانيات من أجل الجيوش، وحين يقوم الغلاةُ بذلك يمزقون النسيجَ السكاني ويمنعون إرادته الموحَّدة من التوجهِ للتنمية ومقاربة الحداثة، فلا تظهر سوى رأسمالية دولة عسكرية، على طريقة ليبيا أو إيران، لا تستطيع أن تمضي للمرحلة الجديدة من النمو العالمي، وتعيقُ جيرانَها كذلك.

التخفيف من هذه الغلواء وإنتشار الحريات وجذب مختلف القطاعات الاجتماعية الاقتصادية للتنمية تتشكل على مستويين؛ روحي وسياسي، فالأحزاب الوطنية الديمقراطية الجديدة التي إنتشرت في مصر وتونس جعلت معركة التغيير غير مُدمِرة، وموحدة، ومتجهة لمهماتٍ تحولية تغني الموارد بدلاً من أن تضيعها أكثر مما ضاعت.

لا يعني أن الأوضاع القادمة في هذه الدول ستكون وردية ولكن مجيء حكومات منتخبة معبرة عن إرادة التنمية هو الذي سوف يطورها كما سيجعل بقية الشعوب العربية تتابعها في وحدتها وتنميتها.

34 ــ لماذا الهجومُ الواسعُ ضد العرب؟

لم تستطع الثوراتُ العربية أن تبلور نظاماً عربياً ديمقراطياً شعبيا تحديثياً وإن كانت قد خطتْ بعضَ الخطوات بإتجاهِ ذلك في البلدان الأكبر، لكن مستوى التطور الاقتصاي الاجتماعي لم يُحدث تحولاً نوعياً كبيراً.

ومع ذلك فقد إستفزَّ هذا التطورُ المدهشُ تاريخياً بعضَ القوميات التي نأوتْ العربَ طويلاً في المنطقة، فيما كانت مواقفُ القوى الاستعمارية القديمة- الجديدة مذهلاً في عدائه وغرابته للتطور المستقبلي الصاعد.

إن عدمَ وصول التحول لنظام تحديثي علماني قومي في دولٍ مركزية رائدةٍ هو بسببِ تطور العرب كأمةٍ مُفككة، وهي عمليةٌ تفتيتيةٌ إستمرتْ طوال القرون الوسطى، ولم يتوجه العصرُ الحديث العربي لوضع ركائز الصناعة الشاملة مع حواضنها التعليمية والثقافية الثورية الاجتماعية الواسعة.

ولهذا فإن القفزةَ السياسية الفكرية الشعارية تعثرتْ في البحث عن الطرقِ الموضوعية للخروج من الصراع الاجتماعي التقليدي وتجاوزه.

صراعُ القوميةِ العربية ضد القوى الإقطاعية لم يتجذرْ ويتعمم لكونه لم يأخذ لباسَ الطبقات الوسطى الحاسم، ولم ترفدهُ طبقاتٌ عاملةٌ صناعية كبرى.

لقد ظهرَ هذا الصراعُ بشكله الإيديولوجي السطحي بإعتبارهِ  صراع القوى الحديثة ضد الإخوان، ضد قوى تنأوى الحداثةَ وليس بإعتبارها قوى إقطاعيةٍ مفتتةٍ للأمة، وممزقةٍ لشعوبها، وتجرها نحو صراعات ماضوية مكلفة.

إن عدمَ وجود جذور مادية صناعية ثقافية علمانية ديمقراطية جماهيرية للفئات الوسطى وحلفائها من الفئات الشعبية، أدى إلى عملياتِ التذبذب المختلفة، كما أن مستويات التطور السياسي في بعض الإقطار متفاوت ومتناقض في بعض وجوهه مع مسار التقدم، مما زاد من إضطراب الصورة الحقيقية للأحداث.

لكن ملامح التشابه ومقاربة سمات نضالية معينة تقدمية عربية أبرز المحتوى القومي المشترك، وطابع التوجه الديمقراطي، ومن جهة أخرى صعّد ردود فعل الفئات الانفصالية والعشائرية والطائفية لتمزيق الدول العربية وكانت هي المستوى المباشر للقوى الإقطاعية المتضررة.

إن القوميات التركية والفارسية والنظام الإسرائيلي وهي القوى الموجودة على خريطة المنطقة شعرتْ بالقلق السياسي الكبير وهي التي تحملُ جذورَ الاختلاف والصراع مع الدول العربية المنقسمة المفتّتة، وإذا بها تراها كأمةٍ  واحدة عارمة الحضور، تحاول أن تقفز للفضاء العالي، فوق مستنقعات العصور الوسطى، مما زاد إحساسُها بالقلق من التحولات الدراماتيكية العريبة.

كان الشكلُ الديني الإخواني العاملَ المشتركَ الذي إندفعت إليه وزايدت عليه، ليعيدَ التاريخَ للماضي وللتفتتِ والصراعات الجانبية المدمرة.

إن إتفاق الدول الشمولية الدينية ذات القوميات المختلفة السابقة الذكر على تصعيد الخيار الديني المتخلف وجعله أسفيناً يعيدُ الشعوبَ العربية لما قبل جنين الأمة المشترك الثوري، هو صراعٌ قومي مناطقي كبير، بين أمم ذات جذور دينية محافظة متصارعة لم تستطع الحداثةُ من إعادة تحولها للديمقراطية العلمانية، وهي دولٌ لا تحترمُ القومياتَ الأخرى في مجمعاتِها الشمولية كالأمم الكردية والبلوشية والتركمانية وغيرها من الإثنيات المضطَّهدة، وهو أمرٌ يزعزع مكانتها المركزية حين ترى صعود بديل ديمقراطي أممي إنساني يتجاوز سقفَ العصور الوسطى.

كما أن قيادات الرأسمالية الغربية كانت قد وضعت خيارها في تفتتِ العرب وعودتهم للمحافظة والتخلف، فاختارت الإخوانَ كأنبوبٍ كبير للفوائض المالية والنفطية نحوها، وكانت بذرة الوحدة ونزعة القومية الجامعة مخيفة بالنسبة لها.

ومن هنا كان إتفاقها مع القيادة الإيرانية على وقف تخصيب اليورانيوم لمدة ستة شهور، قابلة لكل المناورات بين الجانبين، فهي تطلق النظام الإيراني الحكومي المعادي للعرب، ولديه إهتماماتٌ إضافية للهجوم على الدول العربية وخيارها الديمقراطي العلماني المضاد لحظيرة الطائفية التي يريد قمع الشعوب الإيرانية المتحضرة فيها، ومن جانب آخر تستفيد الدول الغربية من تفتح أسواقه لها، وتخفف الضغوط عن النظام وإن لم تستطع أن تصل للب النظام العسكري الرافض لهذا المسار الذي يناور للجمع بين القنبلة والهيمنة.

هي صفقة كبرى مثيرة للقلق تعبر فيها قياداتُ الدول الغربية عن زيادة الضغوط على شعوب الأمة العربية، وفي سبيل إعادتها للخيار الطائفي التمزيقي، ولترك الخيار القومي التوحيدي الذي يمثل خطورة على مصالحها ومصالح إسرائيل.

إن أمةً كبيرة تحديثية تتجمع وتتعاون وتُصنع قدراتها الاقتصادية وثرواتها النفطية والمادية الأخرى وتقدم نموذجاً حراً  للشعوب أمةً خطرة في تصور هذه القوى وتَحولُ دون الهيمنة الاقتصادية والسياسية عليها.

35 ــ السياسةُ الأمريكيةُ وتفكيكُ العربِ

تحتل الولايات المتحدة وأوربا االغربية واليابان مراكز الصدارة بين كبريات الدول الرأسمالية، بنسب إنتاج عالية في الصناعة، فهي تقارب نسب30% و14% و12% على مستوى العالم، وهي إذ تتصارع مع بعضها البعض للحفاظ على هذه المكانة، تصارع القوى الأخرى الصاعدة كالرأسماليات الصينية والروسية والهندية وغيرها.

ولهذا فإن الأمم الجديدة الصاعدة ذات الحيز الجغرافي الكبير المؤثر والتي تملكُ الموادَ الخام الهامة والقوى البشرية الكافية والأسواق تمثل لها أخطاراً جديدة عبر توحدها وتوجهها للتحديث الصناعي الاجتماعي، فهي تقلل مكانتها وتضعفُ التصدير لديها وتنافسها وتحول المواد الخام الرخيصة لسلع جديدة متطورة

وإضافة لكون العرب ذوي موقع صراعي تاريخي مع الغرب على مر القرون، فإنهم يقبضون على أهم مورد للطاقة الحديثة في العالم ويمكن أن يُصنعوا بلدانهم بصور سريعة، ويقيموا على علاقات لأمة واحدة.

ولهذا غدت حروب الولايات التحدة الأخيرة تدور مع العرب والمسلمين، ضرباً لدول تمثل خطراً نهضوياً صناعياً وعسكرياً كالعراق، بغض النظر عن طبيعة الحكم السابق، الذي كان توحيدياً لبلده وتصنيعياً ولولا مغامراته لمثّل أهمية كبرى لعملية توحد حقيقية.

ولهذا فإن ضرب العراق وتفكيكه تمثل نموذجاً للعقلية السياسية اليمينية التي غدت تهيمنُّ على الطبقة الحاكمة وشرائحها المتنافسة في ظلِ وحدة طبقية وفي ظل أزمةِ مركزِ القيادة الأمريكية الرأسمالية للعالم، هذه الزعامة المكلفة والمؤدية لتفكك بنيوي عميق في المجتمع ولصعود اليسار.

ولهذا تركزت الضربات وعمليات التفكيك ضد العرب لعدم قدرتهم على الرد  الواسع الجدي، وتنوع الدول وصراعاتها وعدم وجود مركز توحيدي، فيمكن للسياسة الأمريكية أن تحصل على مواقع سياسية وعسكرية وإقتصادية متعددة بدون تكاليف كبيرة وتواصل تكديس الأرباح.

ثرواتٌ بترولية كبيرة وضعفٌ سياسي عسكري، وبذور لتوحد قومي مقلق، وهذه كلها تجعل السياسة الأمريكية تنفرد بإضعاف العرب والسيطرة على مواردهم، وبالتالي التحكم في النفط وتسليعه للدول الرأسمالية الكبرى الأخرى وإضعافها عبر ذلك.

ولهذا نجد التعامل الضعيف مع الثورة السورية وتركها تُلتهم وتُباد، منعاً لقيامها بتقوية المحور العربي من ذوي الدول المتقاربة مذهباً والتي يمكن أن تشكل ذلك الخطر الاستراتيجي.

كذلك فإن تحول سورية لدولة مختلفة يؤثر بقوة على  التفكيك الذي قامت به للعراق.

أما تقوية النظام الإيراني الظاهرية والاقتصادية العامة فهي تصبُّ في نفس الاستراتيجية عبر تضارب الدول العربية والإسلامية، وإستنزافها بشراء العتاد العسكري وإحراجها بتوسيع القواعد العسكرية.

لم تتشكل أية سياسة أمريكية لدعم القوى الديمقراطية والمعارضة الإيرانية على كل سنوات العداء، بل صعّدت الصراع السني الشيعي، وجعلت العرب ينشغلون به.

كما صعّدت القوى الدينية الطائفية في العالم العربي لدورهم لحَرف مسار النضال وتفكيك العرب والمسلمين، والاهتمام بما هو خارج الثورة الصناعية العلمية محور وجوهر الصراعات الاقتصادية الاجتماعية .

تكشفت السياسة الأمركية بوضوح في الفترة الأخيرة نظراً للمواقف الغريبة تجاه الثورة التحديثية المصرية، والثورة السورية، والانعطاف المفاجئ تجاه النظام الإيراني وتوقيته، وهو الذي يمثل دكتاتورية تتسم بالحماقة والخطر على الشعوب.

عدم دعم النهوضيين العرب والدعم المستمر لإسرائيل وهذا الموقف الجديد تجاه النظام الإيراني كلها تتلاقى في تفكيك الدول العربية ومشروعها التوحدي النهضوي المشترك.

لم يعد اليمين الأمريكي يملكُ مساحات كبيرة للمناورة فتقارب الطبقة الحاكمة ورسم سياسة متماثلة يمثل أزمتها الداخلية وشهيتها التوسعية الخارجية لتغيير وضعها الداخلي.

36 ــ إشكاليةُ التوحيدِ

يعجز العربُ خلال  تاريخهم عن تشكيل التوحيد الديمقراطي المتسق المتنامي، فالمؤسسات البيروقراطية تفرض هيمنتها العليا غير قادرة على خلق التناغم السياسي مع الشعوب، وعلى إنتاج أشكال وعي ديمقراطية، فتتسم أشكالُ هذا الوعي بالهيمنة العليا والانفصال والتعثر وجلب بدائل مؤدية للصراعات التمزيقية.

منذ أن قام المصريون القدماء بالاعتماد على جهاز الري وحولوه إلى مُلكية عامة ودولة بيروقراطية، وساد الاستبداد الفرعوني فإن الحكم يظل منفصلاً عن العامة، وتغدو الأشكال الدينية معبرة عن هيمنة القوى المتغربة عن الإنسان كالحشرات والحيوانات ثم الرموز التجريدية كالشمس.

ولهذا فإن اليهودية شكلتْ توحيداً دينياً قَبلياً، وإنغلاقاً رغم التأثر بالتوحيد الفرعوني ونشره في المشرق، وإنفصالُ المقولاتِ الدينية وتغرب صور الألوهية شكلَّ أجهزةَ دولة فوقية، وحاولت المسيحيةُ أن تتجاوز الانغلاق اليهودي وتشكل توحيداً بشرياً واسعاً، ولكن الصورة الغيبية وتركز الفعل الخلاق على المسيح، وتجسد صورته في آلة الدولة الشمولية جعل هذه الصورة غير قادرة على خلق التوحيد المستمر بل أدت إلى مذهبيات متصارعة وإنفصال بين الجمهور وأجهزة الحكم وتفكك الأقاليم والدول.

وحاول المسلمون أن يتجاوزوا ذلك والقيام بإنتاج تحول شعبي توحيدي ولكن القوى الارستقراطية القبلية الحاكمة فرّغت المفاهيم الدينية التوحيدية من التداخل الحميم مع الجمهور وإنفصلت عن مصالحه.

هكذا تقوم القوى الاجتماعية العليا عبر التاريخ بتشكيلِ وحداتٍ فوقية بيروقراطية وصور دينية تفتقد الالتحام بالشعوب، الأمر الذي يؤدي لتفكيك الصور الدينية وقيامها بتمزيق البلدان والبنى الاجتماعية.

ينقلبُ دورُها في التوحيد إلى إنتاجها للتفكك والفوضى السياسية والحروب.

لهذا نجد اللوحة المعاصرة وهي تزخر بمفاهيم وصور دينية مُفكِّكة، ولا تستطيع القوى البيروقراطيةُ الحاكمة حلَّ الإشكاليات التفكيكة الدينية في حين تتوجه هذه الإشكاليات لهدم التطور بشكل متصاعد.

بسبب إصرار القوى البيروقراطية السياسية على الاستمرار في البناء الفوقي وعدم القدرة على الالتحام مع الجمهور، وحل مشكلاته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، نرى المقولات الدينية وهي تعمقُ الانفصالَ وتحرك الناس لنقض التوحيد.

أشكال الوعي الدينية التي يُفترض أن توحدَ الناس تفرقهم، وأشكالُ الحكم تعجز عن فصل هذه الأشكال عن أجهزة الدول، وبحث مسائل الانفصال وظروف الجمهور، وتغييرها عبر وعي مدني يدرس مسائل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية المحضة وأسباب مشكلاتها وطريقة تغييرها بدون تخريف.

كذلك يعجز عن جعل الأجهزة المنتخبة هي القارئة للأوضاع، فيوجهها نحو الأشكال الدينية المتغربة، ذات النزعات التمزيقية، فتؤدي الحلول إلى عكسها، وخلق الأزمات بدلاً من أن تساعد على حلها.

لهذا نرى هذا التخبط في القوى الدينية السياسية المختلفة وهي تحيلُّ أدوات السياسة الحديثة والمجالس إلى مزيد من الفوضى السياسية وتجنب بحث قضايا الجمهور بشكل واقعي وعميق.

ومن هنا فإن التوحيد على مستوى الدول والمنظومة  الخليجية لا يتجه للتصاعد والتراكم التدريجي النهضوي التحويلي، فمسافاتُ الغربةِ والانفصال بين الأجهزة والجمهور تتسع، ولا تبقى سوى الأشكال الدينية المُفكِّكة التي هي في مستوى وعي الجمهور والتي تقودهُ للمزيد من التفكيك والفوضى السياسية.

الجمهور غير قادر على تبنى الشعارات  العلمانية التوحيدية والمتعمقة في المشكلات بموضوعية وبإنفصال عن المذهبيات، وتساهم الأجهزةُ البيروقراطية في تشجيعها، نظراً لمشاركتها الأفكار الدينية الغيبية المتغربة طابعها الاجتماعي السياسي، وعدم حل الامتيازات الخاصة بهذه القوى.

تغرق البلدانُ العربيةُ الدينية في الأزمة وهي تتصور أنها تقوم بحل مشكلات التطور، ولكنها تفعل عكس ذلك ولهذا فإن الحروب والنزاعات الإقليمية والمناطقية والقومية والمذهبة تتصاعد في كل مكان.

الفرعنة المنفصلة إقتصاداً وبيروقراطية وصوراً دينية والمستمرة عبر القرون توضح الأزمة البنيوية الطويلة للمنطقة ووعيها ودولها وضرورة التفكير العميق الفوري المنفصل.

37 ــ الوعيُّ العربيُّ وتطوراته

مع التحولاتِ العارمةِ في البلدان العربية إنقسم التطورُ بحدة بين المغرب والمشرق العربيين، فعاد المشرقُ لسببياته القديمة في هيمنةِ الصراعاتِ الطائفية القومية، فالصراعُ العربي الإيراني لعب دوراً مؤثراً، وتنامت الفسيفساءُ الطائفية ولم تسمح بمقاربةٍ ولو قليلة للديمقراطية العلمانية، فيما كان شمالُ أفريقيا العربي أكثر قرباً لهذا.

تجاربُ التحديثِ في تونس والمغرب التي تشكلتْ في النصف الثاني من القرن العشرين خاصةً، والتي لعبتْ فيها أحزابُ الفئاتِ المتوسطة والعمالية أدواراً نهضوية هامة سمحت لتلك المقاربة.

إن أساس تلك المقاربة هو مدى التعاون أو التحالف بين هذه الفئات المتوسطة والقوى العمالية، وقد تجسدَ ذلك في تونس على سبيل المثال في التعاون بين الحزب الدستوري والنقابات العمالية(إتحاد الشغل) والتي طُرحت فيها تسمياتٌ إيديولوجية غيرُ دقيقة كتسمية التجربة الاشتراكية، والتي تراوحت فيها الخيارات الاجتماعية بين التأميمات والتعاونيات وبين التنامي الواسع للملكيات الخاصة الاستهلاكية الخدماتية.

ثم لعبت أجهزةُ الدولة بتناميها وبتغييب الديمقراطية وإنفراط أدلجة الاشتراكية دورها في تصعيد رموز الشمولية.

وكان نقدُ حزب النهضة لهذه التجربة بإعتبارها تغريباً ومحواً للإسلام جزءً من نشاط فئات وسطى أخرى مرتبطة بالريف والقوى المتأخرة في وعي الديمقراطية والحداثة، لكن تواجد قيادات من النهضة في فرنسا وتأثرها بالثقافة الديمقراطية فيها، جعلت عداوتها للعلمانية غير إلغائية وحربية. ولهذا كانت تحالفاتُها مع قوى حديثة جزءً من هذه المراوحة الإيديولوجية بين الإقطاع والرأسمالية، بين الارتداد الماضوي الفوضوي التخريبي وبين الصعود للحداثة.

لكن القوى الديمقراطية التحديثية واسعة في تونس، بسبب دور البرجوازية والعمال التعاوني في مرحلة الاستقلال والتطور الوطني المستقل، ورغم ضعف التصنيع إلا أن العوامل الذاتية كانت لها تأثراتها على بُنية الوعي.

وهو ما يمثل قاسماً مشتركاً مع  المغرب، لكن المغرب كانت تجربته مختلفة وأقل تجذراً، حيث قام حزب الاستقلال وحزب القوات الاشتراكية بمماثلة ذلك التحالف التونسي بين الفئات المتوسطة والعاملين، لكن تجربة المغرب يغلبُ عليها الضعف، بسبب إتساع المساحة الإقطاعية في الزراعة وبناء الدولة، وقد تداعى ذلك التحالفُ بسبب مصالح الصعود والانتهازية التي تغلغلت في الفئات العليا من الحزبين النهضويين الوطنيين، مما جعل الجمهور يبحث عن قوى أخرى تواصل شعارات التقدم وتغيير حال الأغلبية الشعبية ووجدوها في الطائفيين المحافظين وكشفت التجربة التداولية مدى نقص الوعي الجماهيري والمستوى المحدود لتمثل واقع ومصالح العاملين لدى هؤلاء.

وقد مثلت مصر مستوىً أقل من ذنيك البلدين في تمثُل الحداثة العلمانية الديمقراطية، فقد كسرَّ الحكمُ العسكري الفئات الوسطى والعمالية المستقلة ولم تنشأ إمكانياتٌ للتحالف إلا بعد تدهور النمط العسكري الأخير المتحلل منه وهو نظام مبارك، لكن الإخوان كانوا مغايرين لحزب النهضة التونسي فقد ذهبوا للجزيرة العربية واستقوا الثقافة الإقطاعية ذات التوجهات البدوية، فنقلوا المستوى الحربي الغزواتي من هذه الثقافة، ومن الرغبة المريضة بالاجهاز على الثقافة الديمقراطية العلمانية العربية، وممثليها، وإقامة حكم طائفي محافظ، وهو ما فجّر مقاومة الشعب الذي كان يراكم التحديث بتضحيات جسام عبر قرنين من الزمن.

ولهذا فإننا إذ نشهد تفسخاً سياسياً إجتماعياً في السودان الذي هو أقل من جاره المصري في تمثُل الحداثة وأكثر إستجابةً لعوامل التخلف والتفكك، فهذا هو الشاطئ الذي تنتهي فيه شمالُ أفريقيا، وحيث ننتقل للمشرق الذي تتسع فيه عوامل التفكك والطائفية بسبب تاريخيته الشمولية القديمة وضخامة الطوائف الدينية داخله على مر  التاريخ.

هنا لم يزدهر الوعي ويتقارب مع عوامل الحداثة العلمانية بل غرقَ في الطائفية وراح يحرقُ خرائطَه بلداً بعد بلد.

التماسك المحدود في اليمن بسبب قواه الشعبية التحديثية بين جماعاته الشمالية والجنوبية التي وصلت لتقارب غير حاسم، وهو التعبير عن عدم وجود تجربة تاريخية سابقة للتلاحم بين الفئات الوسطى والعمالية المعبر عن مستوى معين للتصنيع والترابط الاقتصادي الحديث بين الشمال والجنوب.

ولا تختلف بقية دول المشرق عن هذا المستوى ورغم تقدم بعضها إقتصادياً وإجتماعياً وثقافياً لكن الاتجاهات التحديثية العلمانية ضعيفة وغير مؤثرة وبسبب طبيعتها الذيلية فقد غلغلت الطائفية والصراعات الجانبية داخلها وفتت الخرائط الوطنية.

38 ــ توسعُ الانهيارِ العربي

قبل عقود قليلة كان الانهيارُ والحروبُ الأهلية على أطراف العالم الإسلامي في الصومال وإفغانستان وكان الكثيرون يرفضون إن مظاهر التحلل والانهيار سوف تتغلغل في البلدان العربية التي كانت مركزية في النهضة كمصر وسوريا.

المتاجرون بالمذاهب أستغلوا الصراعات الوطنية والعالمية ليتغلغلوا في شرايين كافة البلدان.

لم تستطع التجاربُ الوطنيةُ أن تتجاوز عالمَ العصر الوسيط الإقطاعي ذي الصراعات الدينية، وبين عالم النهضة الأولى في القرنين التاسع عشر وبدايات العشرين وبدء الانهيار وصعود الطائفيين السياسيين، لكون الدول العربية والإسلامية كرستْ الأشكالَ الشمولية العسكرية والدينية والقبلية.

صعودُ ملكياتٍ مطلقة عجزتْ عن التحول الديمقراطي وتفجر جمهورياتٌ عسكرية وتصدعُ التجارب الديمقراطية الضئيلة، وصراعات التحديثيين ضد بعضهم البعض، وتدهور وعي الأحزاب الوطنية والتقدمية ومسايرتها للطائفيين، كل هذه المسام العميقة فتحتْ الجروحَ للتدفق الماضوي السلبي.

أسرٌ عسكريةٌ بلا ماضٍ تحديثي عميق تلاعبت بالأشكال السياسية من مَلكية إلى أمبراطورية كنظامِ الشاه في إيران، وهو ما لم يؤسس بيئةً حضارية أسرية ممتدة ذات جذور عميقة فتغدو العائلةُ مغامرةً بالماضي التاريخي غير قادرة على إنتاجِ حداثة عصرية أو تكونُ العائلةُ منعزلةً في بيئةٍ متخلفةٍ فلا تقدر على إنتاجِ تحديثٍ يتوسع في البلد.

أو أن العسكريين الطائفيين والمحافظين يفرضون سطوةَ مناطقهم المتخلفة ويشكلون رأسماليات حكومية عسكرية بيروقراطية تمنعُ تطورَ التحديث الديمقراطي كما حدث في سوريا والجزائر وغيرهما.

هذه المسامُ تسمح لصعود الطائفيين وإستغلال الإسلام لاظهار مناطق التناقض بين الماضي (الزاهر) والحاضر التحديثي المتغرب المراكم للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية في البيئات الشعبية.

عدم قدرة مثل تلك الأنظمة العسكرية أو المَلكية المحدودةِ الشعبيةِ والمنجزاتِ التحويلية على حل تناقضات التنمية والديمقراطية وسيرورة الهيئات البيروقراطية السياسية متنفذة يوسعُ الشروخ.

لم يقدر النظامُ العسكري الانقلابي الأفغاني على فهم ظروف إفغانستان والمسلمين عبر سلق التطور وجلب صيغة إنقلاب فوقي يقومُ ببعض الإجراءات الشكلية كقيام الجمهورية وتغيير حياة القبائل بطريقة فوقية، بدلاً من فهم الإسلام وإجراء إصلاحات في مُلكية الأرض وتحسين حياة الفلاحين والقبليين المعدمين وتوسيع الأعمال الحرة والمصانع وإحداثٍ تآخٍ بين القوميات والمذاهب.

هذه الثغرات الواسعة تركت لشيوخ القبائل الإقطاعيين الطائفيين فرص تخريب إفغانستان بالكامل بعد التخريب الجزئي للعسكريين.

وكانت التجاربُ الأخرى من الصومال والسودان واليمن وغيرها عيناتٍ مماثلةً بحيث توسعت عملياتُ التحلل والانهيار من الحدود إلى أعماق الدول المدنية.

لهذا فإن قرناً من النهضة الحديثة في مصر لم يُجابه طائفيةَ الإخوان ولا دينية الحكم التقليدي، فراح التآكلُ الفكري السياسي بالعودةِ للأشكال الشمولية الدينية في الجماعات التحديثية يتصاعد، بدلاً من القطع وتبني سمات الحداثة في العلمانية والوطنية والديمقراطية، ورفض الحكم العسكري والحكم الديني معاً، ولكن ذلك لم يحدث وحين عجز الشكلان العسكري والطائفي عن تجاوز نفسيهما وتصعيد الشكل المدني الديمقراطي التحديثي حدث الانفجار.

فواجهت عمومُ الأمم العربية والإسلامية ثقافةً عتيقة مخربةً راحت تتصاعدُ في العديد من الدول على أشكالٍ مختلفة وبمستويات متباينة، وأُعطيت الأسلحة لتتقوى ومناطق التجارب الصحراوية لتتدرب، والألحياء المعدمة الفقيرة في المدن لتحصل على الأعوان الفوضويين، وجاء ظهورُ الدول الدينية الطائفية العسكرية كتتويجٍ لهذا الانهيار في الوعي وفي عدم السيطرة على الخرائط والتجارب السياسية فأمتد تغلغلها في البلدان التي كانت مراكز للمدنية والتطور السلمي.

39 ــ صراعاتُ الوعي العربي تاريخياً

ظهرَ الإسلامُ في ظروفٍ شديدةِ التخلف عند العرب والأمم المجاورة لهم، وبهذا فإن شكلَ الوعي المكرس فيه يقومُ على شكل مثالي ديني، تلعب فيه الكائنات الغيبية دوراً محورياً مهيمناً على الوجود، وذلك بسببِ غيابِ العلوم بمختلفِ أقسامها عند أهالي المنطقة البدوية خاصةً.

ومع تطور المسلمين واحتكاكهم بالحضارات التي سبقتهم والمنتجة للفلسفة فإنهم اتجهوا للاستفادة من هذه المنتجاتِ الفكرية المتطورة القديمة، بصفتهم أكثر شعوب الأرض وقتذاك تقدماً.

وهكذا راح المسلمون يستثمرون هذه المنتجات في تطورهم الحضاري المستقل، ومن هنا كيفوها مع الموروثِ الإسلامي الأولي، ومع الموروث الإسلامي الجديد الحضاري الذي تكون حين شكلوا تلك الحضارة، منقطعين عن المستوى السابق.

والذي قام بهذه العملية ليس المسلمين ككل، ولكن تلك الفئات المثقفةَ التي يعود تكوينها للفئات الوسطى عموماً، وقد أبقت على المنظور المثالي للفترة السابقة، مطورةً إياه في منظور مثالي موضوعي.

بين المنظورين المثاليين الديني الأولي، والديني الفلسفي، ثمة نقاط تشابه ونقاط افتراق، في كون الأول يمثل الفئات الوسطى المكية المثقفة، وهي تقودُ عمليةَ التحولِ في ظروف شديدة التخلف، وبأدوات النضال الجماهيرية.

واعتمدت تصوراتها على الرؤية المثالية الدينية في أبسط أشكالها، حيث الجمع بين الواقع والميراث الأسطوري الفكري القديم، المستفيد من الدينين السماويين السابقين، اللذين هما كذلك مستفيدين من الإرث الفكري للعصر القديم.

وفي الجزيرة العربية أتيحَ للفئةِ الوسطى التحرك بحرية تاريخية نسبية، لعدم وجود الحكم المركزي القوي، فغدت المثالية الفلسفية اقعية تحليلية – أسطورية – تصويرية – مغيرة للواقع المتخلف. فهذا الجمع المركب الهائل بين أشد فاعليات التغيير ورصد الحياة والاعتماد على الغيب لم يتجل مرةً أخرى.

في حين واجهت المثالية في عصر الحضارة الإسلامية التالية إمكانيات فكرية وعلمية كبيرة، فتخلص أغلبُها من الشكل الأسطوري التصويري، ودخل في الشكل الأسطوري المفاهيمي، متوجهاً إلى المقولاتِ والتركيبِ النظري الواسع واعتماد المنطق الأرسطي وطرح استقلال الطبيعة والمجتمع من التدخلات الغيبية المباشرة الحادة.

لكنه اعتمد المثالية كذلك عبر جعل هذه المقولات تخلقُ العالمَ، وتشكلَ الوجودَ، مع اعترافها بموضوعيةِ هذا العالمِ ووجود قوانين لتطوره. لكن هذه القوانين تتمثل في الجانب الطبيعي بدرجة أساسية، وإن كان هناك بحث مستفيض في البنى الاجتماعية.

وهكذا فإن الوعي الديني والوعي الفلسفي تماثلا في إعطاء القوى الماورائية إمكانيات تحويل الحياة، مرة عبر الرسول الكريم، ومرة عبر الفيلسوف، ومرة باعتماد الجمهور الشعبي للتحويل وعبر الدخول الجريء في الحياة، ومرة عبر العلوم والانسحاب إلى الزهد كفاعليةٍ سلبية هادمة للبذخ، فهنا حدث تغير في طبيعة الفئة الوسطى القائدة، فالأولى كانت غير تابعة للقصور، والثانية كانت تابعة.

والأولى إذ غيرت العالم فإنها أسست مدنيةً مسيطراً عليها ثقافياً من قبل مستوى بسيط سابق، في حين أن الثانيةَ كانت أكثر تقدماً ثقافياً لكنها عاجزة سياسياً وتاريخياً!

وهذه التحولات المتضادة أُزيلت بإيجابياتها في المرحلتين، المرحلة الإسلامية التأسيسية، وفي المرحلة الحضارية المدنية، في عصر الانحطاط فلم يبقْ من الثورة التأسيسية والارتباط بين التقدم والجمهور الشعبي، ووجود برنامج نهضوي مطبق على الأرض، ولا كذلك ضخامة الإنتاج الفكري والفلسفي والتداخل مع إنجازات العصور السابقة واستيعابه ثروة الأمم!

وجاء العصرُ الحديثُ متردداً متناقضاً، غير قادر على فهم العصرين السابقين وعصره هو.

أطروحةٌ، فنفيٌ، فنفي النفي، أي عصور ثلاثة متضادة، راحت تتشكلُ على مدى الألفي سنة من عمر العرب والمسلمين، كلُ عصرٍ يقومُ بنفي العصر السابق، ليس بشكل كلي، ولكن بشكل أساسي، والعصرُ الحديث لم يفهم إنه تركيبٌ، وإنه جمعٌ بين العصرين السابقين ونفي لهما معاً.

إذا أخذنا سلسلةَ التطورات التي حدثت خلال القرنين الأخيرين، فسنجدُ ثلاثةَ فتراتٍ كبرى: الأولى تمثلتْ في استيعابِ المنجزات الغربية، الثانية: في تشكيل تجارب لرأسمالية دولة شمولية، توهمت إمكانية تجاوز العصر الرأسمالي، الثالثة عودة متدهورة للفترة الليبرالية الأولى مع عودة كذلك للإقطاع السياسي والديني الشموليين، وبالتالي فإن هذه الفترات في العصر الحديث العربي شكلت هي الأخرى أطروحة فنفي فنفي للنفي، أي أننا نعيش في الزمن الراهن أكثف فترات التجاوز.

كان النهضويون الأوائل في القرنين 19 و20 يتصورون إن التماثل مع الغرب هو كفيلٌ بخلقِ النهضة، وحين تزعزعَ هذا الوهمُ راح الدينيون يتصورون وهماً آخر هو استرجاع الفترة الأولى من العصر الإسلامي.

أي أن دراسةَ العصرين العربيين السابقين ورؤية تضادهما والخروج بتركيب منهما، وفي ظل ثقافة الحداثة المسيطرة، كان يمكن أن يكشف للعقول قوانين التطور الاجتماعي، وبالتالي أن يؤدي إلى التحكم فيها.

إن عصرنا العربي الإسلامي التحديثي الراهن هو عصر التركيب، للعصرين العربيين السابقين، تداخل معهما ونفي لهما معاً. إنه عصر نفي النفي. وهو لهذا عصر التمثل العميق للحداثة العربية على مر الزمن والصعود بها إلى لحظة نوعية جديدة مقاربة للمستويات العالمية.

فأخذ إنجازات الثورة الإسلامية المحمدية، والجوانب الإيجابية من نضال الفئات الوسطى التحديثية في العصر النهضوي الأموي – العباسي السابق، وتشكيل نضال نهضوي للفئات الوسطى المتحالفة مع العاملين بشروط الحداثة المعاصرة.

وهكذا فإن إنجازاتِ التحالف الشعبي الديمقراطي الإسلامي النهضوي الجريء في اقتحامهِ العالم، يُضاف إلى تراكميةِ الثقافة الفكرية الموسوعية والانفتاح وعقلنة الفقه وعصرنته، وقد تم كل ذلك بوعي ديني مثالي مسيطر على أجهزة الحكم، تعبيراً عن القوى العليا مرة في تحالفها مع العاملين ومرة في انقطاعها عن التحالف مع العالمين.

وبهذا فإن طيفاً اجتماعياً واسعاً لا بد أن يتشكلَ ليعيدَ إنتاج الحضارة العربية المستقلة الحديثة، وهذا التحالف الذي في جوهره تحالف الفئات الوسطى والعاملين، له مضمون اجتماعي هو إعادة تغيير طابع الدولة، في ملكيتها الاقتصادية الشاملة، وفي مذهبيتها السائدة المتحكمة، وفي تحرير كافة هذه الجموع من الدولة الإقطاعية – المذهبية، وفي خلق طبقات وسطى وطبقات عاملة حرة، تتداول السلطة حسب برامجها المقبولة للجمهور.

وعمليةُ إجراءِ الإصلاحات في جسم الدولة – المجتمع الاقتصادي والديني والاجتماعي والسياسي، يعتمدُ على سلسلة من الإصلاحات في ظاهرات الوعي المختلفة.

إن جسمَ الدولةِ – المجتمع الذي يعيش النظام الإقطاعي المذهبي، يعيش المفردات الدينية الشمولية، كخلفيةٍ متحكمة فيه عبر القرون.

وإذا كانت صورُ الإلهِ الواحد هي التي تهيمنُ على الكون فإن الحاكم الواحد هو الذي يهيمن على السلطة – المجتمع. إي أن هذه (الصور) تعبيرٌ عن مذهبيات شمولية تفكيكية للجسد الإسلامي، وتقارب هذه الصور، أو ظهور صورة مختلفة مميزة عن العصور القديمة، سيكون تعبيراً عن الإصلاحات العميقة الجارية في البــُنى، وللتقارب العربي والإسلامي والعالم .

40 ــ إرتباكُ الإصلاحاتِ العربية

 يعودُ إرتباكُ الإصلاحاتِ العربية لكون القوى السياسية التي تقود العمليات هذه لا تحملُ المفاهيمَ الصحيحةَ للإصلاحات ولا تعبرُ عن القوى الاجتماعية القادرة على إرساءِ مضامين الإصلاح في الواقع.

فقوى اليمين التقليدية هي التي لها الأنصبة الأكبر، وهي تختلفُ حسب تبايناتها الطائفية لا حسب برامج الإصلاح العالمية التحديثية.

إن القدومَ من العصر الوسيط، والإبقاء على سمات المجتمعات القديمة من هيمنةٍ كلية أو عامة على السلطات، إلى إستمرار عبودية النساء المنزلية، إلى الإبقاءِ على النصوصية الدينية السطحية في الدساتير والثقافة العامة وهي نصوصيةٌ غيرُ ديمقراطيةٍ وغيرُ عقلانيةٍ، هذه كلها تؤكد هزيمة مشروع الحداثة العربية وقيام التقليديين الطائفيين والمحافظين بالصراعات الحادة أو الدامية في البلدان العربية.  

إن هزائم قوى التنوير واليسار والعسكر الشمولية قد أعادَ مرةً أخرى القوى التقليدية للنفوذ السياسي الواسع على الحياة العربية، وهي لا تأبهُ كثيراً بالصراعات التي جذرتها في الواقع العربي المتعدد الدول ولا تعترف بمسئولياتها عن النتائج السلبية لتلك الصراعات.

فهناك تفككٌ واسعٌ للبُنى الاجتماعية بسبب مركزيةِ السلطات الطويلة، وسيرورةِ المدن العربية مراكز للهيمنة الاقتصادية بمشروعاتها غير الصناعية، سواءً كانت صناعةً ثقيلة أم خفيفة، وإنتشار الاقتصاد الطفيلي وأشكال أخرى من الاقتصاد المعتمدة على فيوضِ الصناعات الاستخراجية الضعيفة التطور الصناعي العلمي الجماهيري الواسع المبدل للبنى العتيقة.   

ولهذا فإن أشكالَ الأعمال التجارية وقوى العمل الشعبية تغدو متدنيةَ التأثير وسلبية على المدى الطويل، فنجدُ إن بلداناً تعتمد على فيوض كبيرة من العمالة المهاجرة لا تقدم سوى إنشاءات مادية مرحلية، فلا يكون لها تأثير كبير مفيد على تطور البُنى الاقتصادية الاجتماعية، بل هي توسعٌ للجوانب الطفيلية، فتغدو المهنُ الطفيليةُ هي السائدة، فتقوم فئاتٌ بتأجير مختلف أنواع المُلكيات إلى فئات أخرى وتحصل على إيجار وريع وفوائد فيما هي لا تقومُ بأي عملٍ إنتاجي.

وهذا يصلُ للتأجير الفكري والتأجير الثقافي والسياحي، فهنا فئاتٌ لا تنتجُ أعمالاً بقدر ما توظفُ الفندقَ أو المبنى، أو الخدمات أو الأشياء، أو الأشخاص، أو الذات الكاتبة والمغنية والمفكرة، للغير نظير فوائد وعمولات. 

إن الدولَ بهياكلها ما قبل الحديثة والمعتمدة على النفوذ السياسي والعائدة للقرون الوسطى، عبر سيطرة الطوائف والقبائل والعائلات والبيروقراطيات هي بعيدةٌ عن الحكم الديمقراطي الحديث، فهي حتى غير قادرة على تصعيد برجوازية صناعية أو حديثة تستجيبُ لقوانين السوق، وقوانين الديمقراطية، وقوانين العقلانية.

إن أحجام التخلف في المجتمعات العربية هائلة، ولم تؤدِ الفيوضُ النقدية لتحولٍ جوهري في القواعد الاقتصادية، ولم تفعل ما فعله الإمبراطور مايجي الياباني، عبر التحول للصناعات الثقيلة والخفيفة وتوسع التصدير، وربط التطورُ التالي ذلك بالحداثة والعلمنة وهزيمة القومية العدوانية بعد الحرب العالمية الثانية، بل عاشت البُنى العربية على الفيوض النقدية السهلة وتوسع الاقتصاد الطفيلي.

ولهذا نلاحظُ من الناحية السياسية إنتهاء سيطرات العسكر والبيروقراطيات القديمة المحتجزة على القطاعات العامة الفاسدة، نحو ولاياتِ الفقيه السنية والشيعية وغيرهما لتعيد إنتاج الماضي الاستبدادي.

إن ولايةَ الفقيه تعبيرٌ عن نشؤ طفيلياتٍ ودكتاتوريات على مستوى النصوصِ الدينية وعلى مستويات التفسيرات السطحية النفعية الخاصة بالقوى الاجتماعية البرجوازية الصغيرة الجديدة المتلاعبة بالأقوالِ الدينية نحو توظيفاتٍ طفيلية واسعة.

إن دكتاتوريات العسكر واليسار الانتهازي والقومي وغيرها هي طفيلياتٌ على مستوى النصوص العصرية المؤدلجة المُشذبة لصالح تلك الدكتاتوريات وبرفض قوانين الحداثة من ديمقراطيةٍ وعلمانيةٍ وعقلانية، فتقوم الطفيلياتُ الدينيةُ الجديدة بالحلول محلها، وتكرسُ أشكالَ الملكيات الخاصة الطفيلية تلك والتي إنتشرت بأشكالٍ واسعة عبر المقاولات والصرافة والبنوك وغيرها.

 فيما تتطلب الأبنيةُ العربيةُ جبهات واسعةً متعاونة للتصنيع والعلوم والتقنيات وعدم إهدار الفيوض النقدية بالنوم والتآكل في الغرب والشرق، والعيش على الصراعات السياسية والمسلحة بين القوى في كل بلد وبين البلدان العربية والإسلامية بعضها البعض.

إن لغات الاستحواذ على تفسير المذاهب وعلى الكراسي والعقار والشركات والأسواق هي لغاتٌ تضربُ السوقَ الحرة، وتتفرد بالهيمنة على الوزارات والعهود القديمة والجديدة، وعدم العقلانية برؤية مسارات الانحدار الراهنة المضعفة لكل القوى، وتصعيد لسيطرات  الذكور على الحياة والبيوت بأشكال متشددة من جهة، وفتح الأبواب للحلال الكامل للجنس الخشن، وإقتصاديات المتع والبذخ، وللفنون الحسية الهابطة من جهة أخرى.

 أعادة النظر في أنماط التصنيع وربطها بتحولات السكان وإعادة الفوائض للاقتصاديات العربية بدلاً من شحنها للخارج، وتثوير العائلة الذكورية وجعلها ديمقراطية، ونشؤُ ولايةِ الشعب والبرلمان والسوق الحرة.

 41 ــ أزمة الأرياف العربية بين عصرين

كانت الأرياف في المنطقة خلال قرون هي مصدر المنتجات الزراعية والاستقرار السياسي، رغم الجمود الاجتماعي السائد فيها، بل كانت الحياة الراكدة فيها والمحافظة أساس تلك التكوينات السياسية الأمبراطورية التي دامت فترات مديدة.

لكن مع تحول بلدان الشرق الأوسط إلى الحداثة الاستيرادية وبعدم وجود خطط تنمية شاملة في البلدان العربية والإسلامية وبغياب التتحويل ألإنتاجي المتعدد الصور للأرياف خاصة، دبت الاضطرابات في المنطقة خلال القرن العشرين، ويمكن أن نعتبر الانقلابات خاصة بأنها تمثل غلياناً مستمراً نابعاً من الأرياف المضطربة.

ولم تتوقف الاضطرابات في الأرياف حتى لحظتنا الراهنة، فنظراً لتدهور حال الزراعة وتدني أسعار المحاصيل الزراعية، وتمدد المدن الفوضوي فوق أجسام الريف، وتلاشي طبقات الفلاحين للهجرة نحو المدن أو للخارج، وغياب الأجيال الجديدة للعمل الزراعي، واقتلاع الأشجار وتحويل البساتين والأراضي الزراعية إلى مبان، وإزالة الحرف واتساع فترات الجفاف ونقص المياه وغيرها من الأسباب، غدت الأرياف المصدر الأكثر خطورة للحركات السياسية الضائعة أو فاقدة الأمل والتي تقودها ميراثاتها الدينية إلى الصدامات المختلفة الفوضوية أو المغامرة غالباً.

وقد فهم مؤسسو الحركة الصهيونية وإسرائيل فيما بعد أهمية خلق ريف مختلف عن أرياف المنطقة، وبأن يكون متقدماً، فنشأت حركة الكيبوتسات أو المستعمرات بدءً من سنة 1908، وصلت أعدادها سنة 2004 إلى 278 وتضم 126800 نسمة وهي تنتج 40% من محاصيل إسرائيل الزراعية، و8% من إنتاجها الصناعي في وقت سابق.(راجع موسوعة عبدالوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، 2004). وقد عادى المهاجرون من الدول الشرقية كالروس هذه المستعمرات وتدفقوا على المدن الصغيرة وتراجعتْ أعدادُ المستعمراتِ كثيراً عما كانت عليه وقت ازدهارها. وقد ظهرَ معظمُ قادة إسرائيل الكبار من هذه المستعمرات.

وعلى ذمة جريدة القدس فإن نصفَ المزارع التعاونية هذه قد أفلست في نهاية لثمانينيات من القرن الماضي، وقد بدأت الحكومات بإعادة تجديد المستعمرات وخلقها بصور مختلفة تقنية وفنية، لتغيير واقع معين وإظهار إسرائيل بصورة مختلفة.

كان ذلك في الماضي تفكيراً إستراتيجياً، وغدت هذه المستعمرات أساس الوعي السياسي العلماني الشائع، ولكن تدفق المهاجرين الشرقيين وهبوط حركة المستعمرات وتلاشي دورها السياسي، صّعد القوى الدينية المتطرفة، وهو أمرٌ مماثلٌ في الجانبين العربي والإسلامي ولكن لأسباب مختلفة.

فهذا شيءٌ مختلف عن دولة المواجهة والقيادة العربية وهي مصر التي لم تقم الطبقات المهيمنة العليا فيها بمثل هذه الخطة أو بمقاربتها، بل تركت الأرياف تعاني التخلف وسيادة الملكيات الكبيرة وأدوات الإنتاج المتخلفة، وقد حاولت ثورة يوليو إجراء تغييرات في هذا الواقع، لكن الارتدادات السياسية مع السادات إعادة الريف المصري لما كان عليه، إن لم يكن اسوأ فقد زاد عدد السكان وبقيت الأرض الزراعية بمحدوديتها ووسائل إنتاجها السابقة وتنامت طرق الإستغلال العتيقة.

كانت أسرة البدراوي وحدها تمتلك أيام الثورة سنة 1952(36 الفَ فدان)، وقـُلصت في الإصلاح الزراعي الأول، وحتى زمن الإصلاح الزراعي الثاني سنة 1965 كانت تلك الأسرة تحتفظ بالكثير من أراضيها، وأعطي قسمٌ منها للعائلات الفلاحية الفقيرة ويبلغ (سبعة وخمسين فداناً)!

في عهد السادات صدر قانون العلاقة بين المالك والمستأجر يتضمن فعلياً تحويل الأملاك المُصَّادرة سابقاً لمالكيها السابقين.

 (وقد قام القانون رقم 96 لسنة 1992 برفع القيمة الايجارية إلى 22 مثل الضريبة، بزيادة تجاوزت 300% وأعطى المالك منفرداً الحق في إنهاء عقود الإيجار الزراعية اعتبارا من العام 1997) وهو أمر يحول الفلاح إلى قن.

(وازداد الوضع سوءاً بعد انخفاض أسعار المحاصيل وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج من تقاوي وكيماوي وإيجار ومعدات، إضافة لقصر دور وزارة الزراعة على الجانب الإرشادي بعد أن كان دوراً خدمياً يشمل تقديم مستلزمات الزراعة بأسعار منخفضة وحماية المزارعين من التجار والمرابين وبيع المحاصيل وتسويقها بأسعار تشجيعية حماية للفلاح من سيطرة الاحتكارات)، موقع إسلام أون لاين.

(ويرصد عريان نصيف – مستشار اتحاد الفلاحين تحت التأسيس – تطور أحوال الفلاح المصري في دراسة له حيث يقول إن 22% من ملاك الأراضي  كانوا حتى عام 1894  يحوزون أكثر من 50% من جملة الأراضي، وإنه وفقا لإحصاءات 1950 كان حوالي 75% من الفلاحين أجراء في أراضي مملوكة لكبار الملاك.)، السابق.

وكان من جراء هذه الظروف السيئة كلها تدفق المقتلعين من أراضيهم وظروف عملهم المستقرة نسبياً، الموروثة، إلى ضياعهم في المدن، وفي خارج مصر، وإستغلالهم سياسياً واقتصادياً. (90% من عمال الأرصفة والمشردين من الفلاحين في المدن).

إن وعي هذه الجماهير الريفية سواء كانت لاتزال في القرى أو هي مهاجرة منها، هو وعي ديني، فهي غير منظمة، ولا تعرف جذور مشكلاتها، وهي أمية وبالتالي تجذبها الشعارات الدينية ففيها عبادتها وحياتها، لكن يتم تنحية هذا الوعي باتجاه سياسي معين تغيب فيه قضية الريف وتغييره الاقتصادي فـُتستخدم هذه الجماعات للصراعات السياسية في المركز، وكان أغلب قادة وجمهور الحركات الدينية من هذه الأرياف. ووعيهم يوجه القضية باتجاه الأصطدامات مع الكفر والخيانة والردة وغيرها من هذه المطلقات غير المناسبة، فتضيع قضيتهم التي سببت إقتلاعهم من ريفهم.

ويكفي من سخرية الموقف أن أكبر طبقة مُعرضة لأقسى المشكلات وهي طبقة الفلاحين أن يكون اتحادها حتى الآن تحت التأسيس!

42 ــ الابتعاد عن الخيار العربي

دُفعَ الجمهوري الريفي البسيط المحروم المذهبي إلى واجهة السياسة والمسرح بعد عذاب طويل وإستغلال بشع، وخدعوهُ بأن نصرهُ وشيك من خلال الشعارات المذهبية الذي لم يجر فيه سوى تقوية بعض القوى المتخلفة التي صعدت قوى الحكم البيروقراطي العسكري المغامر بمصائر المسلمين وتفتيت صفوف العرب خدمة للاتجاهات القومية الأخرى.

وهذه الولاية الفاسدة بعد أن ملكتْ الدنيا وزخرفَها الأمبراطوري حركتْ الأنواءَ الطائفية والدينية، أخفقتْ في ثورتها المزعومة، وصارتْ سياطاً على ظهور الكادحين، مهددةً شعوب المنطقة بالحرائق والأهوال.

لكن هذا لا يضيرُ الشيعةَ فهم أهلُ النضال والاحتمال على مر القرون، وكم خُدعتْ القوى المذهبية والسياسية السنية والأفكار الليبرالية والشيوعية الأخرى، لكن هذا يضير الجماعات السياسية القائدة في الطائفة الشيعية والجماعات السياسية التي ناصرتها في الجماعات الأخرى عبر إنخداعها بشعارات الملالي المحدودة وبعدم تبصرها، ومحدودية رؤاها.

إن شعار ولاية الفقيه عارض نضال الشيعة وصبرهم وإتساع صدروهم، ولجئوهم للنضال المسالم، وجعلهم بعد هذا الصبر الهائل في مقدمة المسرح العاطفي الحاد يعرضون أنفسهم لأفدح الأخطار والأهم إنهم يمزقون الأمة العربية في حراكها الكبير الراهن!

أين مقدمة صدروهم الآن؟

أفي جبال اليمن يُحصدون؟

أو يجابهون أخوتهم في العراق؟

أو يخدمون عصابات القتل في لبنان وسوريا؟

أو عند حزب الله (والعياذ بالله!) يعارضُ كل قوى التحررية اللبنانية والحداثة ويدافع عن سيطرة البوليس السوري الذابح لمفكريهم ومناضليهم والذي يريد أن يكون مهيمناً على حياتهم ومصائرهم، فأي إرث فاشي يريد أن يحوز؟

أم في السلطة الإيرانية الدكتاتورية الدموية التي تقهر الشعب الإيراني وتستغل عيشه؟!

ليس الآخرون بأفضل من ذلك، وليست المذاهب الأخرى والدول الأخرى بأجمل من هذه البشاعة.

ولكن هم لم يتنطعوا للقول بأنهم طريق العدالة الشاملة الآلهية النازلة عليه بالمن والسلوى.

ونحن نناضل ضدهم في إنزياحهم للدكتاتورية والعنف سواءً بسواء، لكن جماعة ولاية الفقيه أشعلوها فتنة خطرة راهنة.

وكان آياتُ الله العظمى الكبار في الطائفة الشيعية لم يدعوا إلى ذلك، وعَرفوا مقام العقل الديني المحدود المتطور على مر العقود،  وكان معاصَرنا فيهم السيد السيستاني أزدان العقلُ الحكيمُ فيه، والذي ليس بين يده آية سحرية يقول لها كن فتكون، بل الأمور تعود لتطور طويل، وصراعات جمة كبيرة، وإجتهادات  كثيفة، لا يكون الدينُ فيها مباشراً، بل مراجعاً متأنياً حصيفاً، وليس مراهقاً مدعياً نافشاً ريشه، بل  يسري أحكامه بحكمة.

أي مذهب وفكرة دينية أو علمانية أو قومية تضع نفسها تحت سيطرة الدول وقوى العسكر المغرور فمآلها الخسران.

لا ولاية إلا للعقل المجتهد الحصيف العادل بين الناس. أي لقوى الفكر والوعي بين الناس المعبرة عن الأغلبية فيهم لا يفرض نفسه إلا من خلال قراراتهم، لا ولاية إلا للجمهور العربي المكافح من أجل التحرر والديمقراطية.

43 ــ البُنى العربيةُ والثورات

تدهورت عقلياتُ العديد من المراقبين لسطوح الأحداث بسبب تكويناتهم السياسية المضطربة والذائبة في الجمهور العفوي والتي لم تتطور عقلياً بسبب تردي الثقافة والإنقطاع عن التحليلات المعَّمقة والدرس. 

فهناك التعميماتُ المسطحةُ التي تُقال عن الثورات دون رؤية تنوع البُنى الاجتماعية العربية وكون كل واحدة منها ذات تطور تاريخي مختلف ومشترك مع المنظومة العربية، وترى الأحداثَ من خلال الوعي البسيط للجمهور العامي(المعلم)، الذي إستطاع أن ينقل العالم العربي نقلة تاريخية رغم أسره، ويُنتظر أن يتطور هذا الوعي البسيط لاحقاً بعد عقود من إحتكار الحكم والتوجيه.

إن أهم قضية محورية مركزية هي تحديد قوانين التطور الاجتماعي في كل بنية عربية وأهم هذه القوانين هو قانون الصراع الطبقي الرئيسي، فأما أن يُطرح هذا بشكلٍ إيديولوجي مُسقط من قبل الوعي السياسي على الواقع، وأما أن يُدرس بشكل حقيقي.

لقد قامت الرأسمالياتُ الحكومية الشمولية بأدلجة هذا الصراع، وجعله سابقاً بين الاشتراكية والرأسمالية، وهذا ما نراه في البنية الاجتماعية السورية حيث يُقال أنها بنية مقاومة أو إشتراكية!

لكن التناقضَ الرئيسي في البُنى الاجتماعية العربية هو التناقضُ بين الرأسمالية الحكومية والرأسمالية الخاصة. وفي كل بلد يكتسب هذا الصراعُ درجةً من درجات التطور المختلفة في البنية، كذلك يرتبط بالعلاقات الاجتماعية والسياسية والعلاقات بالخارج، فعلاقات الرأسمالية الحكومية بالغرب وبالرأسمالية الغربية ودرجة إستقلالية الجيش والطابع الاجتماعي للسكان كسيطرة الأشكال القَبلية أو الوعي الديني المحافظ أو على العكس توسع الفئات الوسطى المتعلمة ومدى إزدهار الرأسمالية الحاصة وقوى العمال والنقابات، فكل هذا يساهمُ في تطورِ التناقض بإتجاه الحسم الديمقراطي، أو بقائه في العنف الحكومي!

حين يُقال بأن التناقض الرئيسي ليس هو ذاك بل هو التناقض بين العمال والرأسمالية، نكون قد قفزنا عن مستوى البُنى الاجتماعية ودرجات تطور قواها الإنتاجية المتخلفة عربياً، والتي هي بحاجةٍ لتطوير طويل ونكون قد طرحنا أهدافاً تتجاوزُ مستوى الناس والطابع الموضوعي للاقتصاد.

إن التناقضَ الرئيسي في تونس ومصر كان واضحاً بين رأسمالية حكومية في مواجهة رأسمالية خاصة متسعة، أتخذ فيها الجيشان وضعاً محايداً بين القوى الاجتماعية السياسية المتصارعة.

لكن هذا لا يعني إن القطاعات العمالية والفلاحية والحِرفية لا تدخل في التناقض العام، لكن السؤال من هو القطاع القائد والقادر على خلق قفزة في القوى المنتجة والأحوال الاقتصادية لمختلف الطبقات؟

إن هذا التناقض الرئيسي لا يظهر للناس بل ربما حتى للقوى السياسية، فهي تضعُ تصوراتَها وأحلامَها ورغباتها بدلاً من الواقع الموضوعي، كما أن التصورات الإيديولوجية الحادة تعكس رغبات مغامرة في لي التطور خدمةً لهذه القوى.

ومن هنا فبعض القوى اليسارية تبالغ في دفع التناقض لإزاحة الرأسمالية الخاصة وإعادة الرأسمالية الحكومية بشكلٍ موسع وقاهر، فيما تتوجه قوى أخرى لشراء الأملاك الحكومية أو بيع القطاع العام، لكن الانتخابات والصراع السياسي العقلاني لا بد أن يضع مصالح البنى الاجتماعية وتطورها الموضوعي المدروس قبل أن تتوجه كل قوة سياسية لفرض نفوذها.

إن حيادَ الجيشين التونسي والمصري في عملية الصراع قد ساهم في حل سريع وبخسائر محدودة، كذلك فإن جسمي الطبقة الوسطى في كل من البلدين قد طورَ ذلك، فيما أن اليمن لم تستطع إيجادَ طبقةٍ وسطى شبه واضحة وقطاع خاصٍ قوي، فبقيت البنيةُ الاجتماعيةُ قَبلية تائهةَ الملامح، كما أن إنقسامَ الجيش في اليمن وعدم وجود نخبة ديمقراطية موحَّدة من الضباط الكبار أدى لتحول الجيش بيد فريقين هما العائلة الحاكمة وعائلة الأحمر، وكلُ من جهتهِ يسحبُ الجيشَ لصالحهِ وتحدثُ معاركَ وعمليات إستنزاف حادة. إن غياب الحد الأدنى من الوعي النهضوي الوطني المشترك العقلاني في الطبقة الحاكمة اليمنية جعل البلدَ في مهبِ العواصف الفوضوية العاتية. إن هذا يعبرُ عن ميراثٍ لتاريخ  سابقٍ من النزاعات والحروب الأهلية والقَبلية التي غيبتْ تلك الحدودَ الدنيا من الوعي الوطني المسئول.

وإذا كانت سوريا قد صعّدتْ من القطاع الخاص وأوجدت طبقةً وسطى ذات جذور تاريخية حضارية، فإن سيطرة العسكر الحزبي الشمولي العنيف خلال أربعين سنة قد جعلها فُتاتاً سياسياً، وأدى لتحول القطاع العام فريسةً للحكم، وطُحنت الفئات الفلاحية والعمالية والانتاجية الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة، ولهذا فقد قام الجيشُ المؤدلجُ حامي اللصوص بذبح الشعب.

وهو الأمر الذي جرى نفسه في ليبيا ولكن من قبل عائلة صغيرة ورئيس مهووس، أمكن لتعاون القوى الشعبية والدولية من كسرهما.

إن تشكيل قوى واسعة لأجل قيادة القطاعات العامة للتطور الاجتماعي المخطط والناهض بقوى الإنتاج البشرية والمادية، وبالتعاون الديمقراطي مع القطاعات الخاصة، وتفجير قوى الثقافة والعلوم ومختلف قدرات السكان، هي المهمات التي ينتظر أن تُفعل خلال الحكومات البرلمانية القادمة العربية.

44 ــ التوصيفُ الطبيعي للربيع العربي

تعتمد وجهاتُ النظر المتابعة للأحداث العربية التوصيف الطبيعي القادم من قراءةِ الطبيعة ومماثلتها بالحراك الاجتماعي البشري، وعبر نقل مشاهد الطبيعة إلى التطور الاجتماعي، وهي نقلُ قراءةِ مستوى إلى قراءةِ مستوىً مغاير مختلف.

وعادةً أن عمليةَ النقل هذه ومشابهة المجتمع بالطبيعة قد جرتْ خلال قرون، بسببِ صعوبة فهم تحولات المجتمع، وقراءة قوانينه المتميزة الخاصة، والتي تحتاجُ لعِدةٍ تحليليةٍ تستندُ على مجموعةِ علوم كالاقتصاد وعلم الاجتماع والفلسفة.

وعمليةُ النقلِ هذه قد جرتْ كما هي الحال في(علم) الهيئة الذي ظهرَ في بدءِ النهضةِ الغربية حيث تتمُّ مقارنة وجوهِ الناس بوجوهِ الحيوان للاستدلال على طبائع البشر، فهذا وجهٌ شبيه بالحصان، وذاك وجهٌ شبيه بالذئب ويتم نقل صفات الحصان أو الذئب لما يشابهما من الناس!

ولهذا فإن نقلَ دورة الفصول الطبيعية للحياة الاجتماعية هو نقلٌ خاطئ، وإعتماده في السياسة يؤدي لنتائج وخيمة.

ولقد أعتمدَّ ذلك على ثقافةٍ اسطورية عربية قديمة حيث الربيع مركز التجدد والتحول، ومن هنا جاءتْ اسطورةُ أدونيس وتموز – يوليو، وقامت ثوراتٌ في شهور القيظ.

وإذا كان الربيعُ فصلاً من فصول السنة حتمي الحضور والغياب، فهذا ليس من طبيعةِ الثورات، التي لها قوانينٌ مختلفة، متعلقةٌ بأزماتِ البُنى الاجتماعية ومدى تجمع التناقضات الاقتصادية والاجتماعية بها ومدى حراك الوعي المتداخل معها.

لهذا فإن الدخول والخروج في الثورات ليس بيد الجماعات السياسية والاجتماعية بل هو مرتبط بتلك الأزمات الموضوعية العميقة في البُنى ومدى إستجابة الجماعات السياسية والاجتماعية لها ولكنها لا تستطيع أن تُشعلها كيفا تريد.

لقد حاولتْ مجموعاتٌ سياسية إدخال بعض البلدان العربية في الحراك السياسي الجماهيري نحو تغيير الأنظمة فلم تنجح، وأحدثت مشكلات أكبر للمجتمعات، لكونها قامت على عدم قراءة الظاهرات الاجتماعية والاقتصادية وعملت بشكل إرادي دون أن تكون هناك ظروف موضوعية.

هذا ما رأيناه مثلاً في دولة الكويت التي حاولت مجموعاتٌ سكانية مؤثرة تحريك الكويت للربيع العربي!

لا يعني ذلك عدم وجود مشكلات في الكويت، لكن عقلية المماثلة وسحب الكويت للربيع العربي هو نوعٌ من الكاريكاتير السياسي!

ظروفُ الكويتيين الاقتصادية الجيدة ودخولهم العالية لا تسمح بوجود ثورة مشابهة لما يجري في أزقة تونس ومصر العمالية الفقيرة!

على مدى عقود كان المطروح في الكويت هو تطوير ثقافة التنوير والحداثة والعلمانية والديمقراطية، وحين ساندت قوى معينة في الكويت دكتاتورية العراق القومية السابقة كانت تعرقل تنامي تلك الثقافة، وهذه العملية تعبيرٌ عن وجود قوى شمولية سياسية وإجتماعية محلية، لم تنصهر في بيئة ديمقراطية جنينية.

أو حين يقفز البعضُ في الكويت لمهام إشتراكية شمولية، وهو لم يقاوم عادات الاستبداد بالنساء.

كيف إنقلبتْ الكويت من مشروعِ تنوير في الجزيرة العربية إلى مشروع مغاير؟

لا شك أن البيئة البدوية وتناميها عبر الهجرات الصحراوية، وتصعيد القَبلية على حساب قيم التحديث، لعبت أدوارها في إضعاف أجنة القوى الديمقراطية، وكانت كارثة الغزو قد خلطت الأوراق وأربكت التطورات الوطنية رغم أنها ولدّت وطنيةً جديدة قامت على أساس المشاعر الفياضة العفوية.

لم تعمل أجنةُ القوى الديمقراطية لحل القضايا الرئيسية الاجتماعية السياسية المحافظة، كالقَبلية والطائفية والذكورية الاستبدادية وهدر الثروة العامة، وتصعيد التحالف بين القوى التجارية الليبرالية والقوى الشعبية نحو أهداف ديمقراطية مشتركة.

فهذه العتبةُ النضاليةُ الضرورية صعبة، لأنها مجابهة لقوى أهلية متخلفة الوعي، واسعة الانتشار، وتحتاج لجهودٍ يومية كفاحية وعميقة الوعي ومتأصلة الثقافة، واللغةُ الفوضويةُ العاطفيةُ بإتجاهِ اليمين الديني المتوجه لتصعيدِ دكتاتوريةِ طائفة السنة أو طائفة الشيعة أسهل بكثير من تصعيد التحالف النهوضي الوطني الديمقراطي بين كافة الطبقات الذي يحتاج جهوداً مضنية في مجال العمل والبحث والانتاج المادي والفكري.

إختيار الطريق الأول هو الذي جرى، الطريق السهل هو الذي إنفتح، لأن كلَ فئةٍ إجتماعية وسياسية لا تريدُ أن تضحي، تريدُ ما هو سهل وسطحي، فلماذا أناضل من أجل النساء والعمال والتجار والبدون وأجمعُ الناسَ على قيم مشتركة تحتاجُ لسنواتٍ من أجل التأصيل والتضحية بالجهود والمال، الأسهل أن أحركَ نوازعهم الطائفية وأوجهها ضد الدولة!

وهذا ما حدث فتغلغلتْ الطائفيةُ السياسية السنية والشيعية كلٌ بطريقتها، وكلٌ كسبتْ حُطاماً من كيان، وكان الخاسرُ هو الوطن الكويت الشعب!

يحتاج الربيعيون في الكويت إلى قراءة العلوم الاجتماعية.

 45 ــ الرأسمالياتُ الحكوميةُ العربية في طور الأزمة

تواجه الرأسمالياتُ الحكوميةُ العربية حالاتٍ متعددةً من الأزمات، وهي كلها تمثلُ حقبةً مختلفة عن حقبة الإزدهار.

حين كانت تونس في زمنِ بورقيبة بتعاونهِ الوثيق مع إتحاد العمال وكأنهم فرعان من شجرة الشعب الواحدة، كان ثمة إنسجامٌ وتوافق. وكذلك زمنُ أحمد بن بللا في الجزائر والطور الأول من حياة الرئيس بومدين، كانت الرأسماليةُ الحكومية في كلٍ من البلدين في حالةِ توافقٍ نسبي مع الجمهور.

وهكذا كانت الرأسمالياتُ الحكوميةُ العربية المتعددة في طور التأسيس، وإنهمار فائض القيمة على الحكومات، ويلعبُ شكلُ التوزيعِ لفائضِ القيمة دوره في تحديد المسارات السياسية والاجتماعية لكل بلد.

وقد مضتْ البلدانُ العربية في مساراتٍ عدةٍ في هذا التوزيع، ويتجلى ذلك في طبيعةِ أملاكِ وثروات المسئولين أولاً، وطبيعة وأحجام ومستويات الرأسمالية الحكومية ثانياً، وكيفية نشؤ الرأسماليات الخاصة المتنفذة في أثناء عمل الرأسماليات الحكومية وطبيعة الرأسمالية الخاصة المستقلة ودورها وأهميتها ثالثاً، ومعيشة وأجور العمال رابعاً.

عندما حاولَ أحمد بن بللا مشاركةَ العمالِ وجعلَ مرتبتَهم في السلم الاجتماعي تقفزُ عن التراتبيةِ الطبقيةِ الرسمية المعتمدة من قبل البيروقراطيةِ السياسيةِ العسكرية حدثَ الإنقلابُ عليه.

عندما حاول بورقيبة أن يقوي البيروقراطية والرأسمالية الخاصة حدث الصراع بينه وبين إتحاد الشغل.

تجري الصراعات والأزمات وتُبنى الإيديولوجيات وتتفاقمُ المشكلاتُ بسبب صراع هذه الأطرافِ الأربعةِ الرئيسية، أو هذه الحصص الاقتصادية القادمة المتصارعة على أنصبتِها من الفيضِ المالي للإنتاج.

وكلما ظهرت أطرافٌ جديدةٌ إحتدمتْ الأزمة. أو كلما ظهرتْ محاولاتٌ لتغيير التوزيع في هذا الفيض تفجر الخلاف.

إن العمالَ هم آخرُ القوى الاجتماعية في عملياتِ التوزيع الخاصة بالنظام الرأسمالي الحكومي، في البدء هم الذين ينتجون ويستخرجون الفيضَ الاقتصادي ثم يذهبُ الفيضُ للوزارات لتحددَ أقسامَهُ وطرقَ توزيعه: رواتب المسئولين ومكآفاتهم، وحصص الوزارات والشركات التابعة للدولة، والعلاقات الاقتصادية مع القطاع الخاص، ثم أجور العمال.

بغيابِ علاقة ديمقراطية تحددها المؤسساتُ المنتخبةُ يحدثُ التداخلُ والاضطرابُ في علاقاتِ هذه القوى الاجتماعية، أو هذه المراكز الكبرى للحياةِ السياسية الاجتماعية، أقسامٌ من الدولة من مختلفِ المستوياتِ وبأحجامٍ رأسماليةٍ متنوعةٍ تنشيءُ فروعاً للاقتصاد الخاص وتمولهُ عن طريق القطاع العام، وينقلب الاهتمام من القطاع العام للقطاع الخاص، ويحدث هذا التخثر في النمو، والإشكاليات المتعددة، حيث يجب أن يقود القطاع العام لا أن يُقاد. ولكن قيادته تتطلب مركزية الدولة وديمقراطيتها وقيادتها للعملية النهضوية لكافة أطراف الإنتاج.

في عمليات الاضطراب والإختلال التي تجري تتغير حصةُ العمال من الفيض الاقتصادي، وتزدادُ نقصاً بعوامل الإختلال وبعوامل خارجية إضافية، ومنها طبيعة المواد المنتجة وأسعارها في السوق.

في تعملق القطاعين العام والخاص تجري حسابات دقيقة بحيث أن تكون هذه العملقة قادرةً على تطويرِ حياةِ الجزء الرابع من البناء الاقتصادي وهو العمال، وفي حال عدم وجود مثل هذه الحسابات الدقيقة فإن الشريك يَدخلُ في حالاتِ تمردٍ تبدأُ من العقلانية إلى الجنون والفوضى.

ويُلاحظ ذلك في طبيعة الإيديولوجيا الدينية كأحد المقاييس في عملية الانتقال هذه.

عندما تحدث علاقاتٌ ديمقراطيةٌ وعملياتُ تخطيط وحواراتٍ بين القوى الأربع السابقة الذكر تسودُ العقلانيةُ السياسية، لكن حين تفلت الأمور، وتتضخم أطرافٌ على حسابِ أطرافٍ أخرى، تصعد اللاعقلانيةُ ويمكن مراقبتها في تبدلِ مزاج الجماهير من السلم نحو العنف: مثل كثرة الجرائم الشخصية وغيرها واللامبالاة الاجتماعية الواسعة، وصعود أطراف دينية تعبرُ عن تغيير القسمة والتوزيع الاقتصادي بطرقٍ ذاتية حادة وكأنها قادرة على تغيير قوانين الاقتصاد والسياسة بالسحر والدجل.

لكن هذه ليست سوى حالات ضرورية مؤقتة، بمعنى إنه في عملية التحول الشاقة التاريخية التي تجري من الرأسماليةِ الحكومية وهي شكلٌ متخلفٌ شرقي من التطور الاقتصادي السياسي، إلى الرأسمالية الحرة ذات القوانين الاقتصادية الناتجة من داخل البنية الاقتصادية، سوف تحدث صراعاتٌ وإنهياراتٌ وبناءات، بحيث أن البناءَ الاقتصادي الحكومي الهائل سيختفي أو تتلاشى أجزاءٌ كبيرة منه، أو يُعادُ تشكيلهُ حسب ضرورات السوق والحاجات الشعبية.

ولهذا فإن القراءات المعمقة والحوارات بين قوى الإنتاج المختلفة وخاصة عبر المؤسسات المنتخبة ستكون لها نتائج فهم العملية الموضوعية وضبطها، وهي التي تجري بنا وضدنا، والخارجة أحيان عدة عن الإرادات السياسية.

46 ــ الرأسماليةُ العربيةُ الحرةُ الممكنة

يمكن القول إننا انتقلنا عبر الثورات العربية إلى إمكانياتِ الرأسمالية العربية الحرة كنظامٍ سياسي – إقتصادي، ولكن هذا لا ينطبقُ على  الجميع وبالتالي فإن أغلبيةَ البلدان العربية دون ذلك.

ولهذا إن ما أشار إليه بعض المعلقين هو صحيح لكنه محدود، مثلما يعلق الأخ حسن نظام من البحرين حول الرأسمالية الحرة العربية الطالعة بين الدخان الديني والسياسي:

(مقالٌ جيدٌ وموضوعي ومصيريّ، حتى الأفق المنظور للمرحلة الوطنية الحالية؛ مرحلة الخروج من الإستبداد المزمن(الإقطاع السياسي والديني)والولوج في تشييد المجتمع المدني(البرجوازي). ولكن أكيد أن المسألة ليست بهذه البساطة أو الميكانيكية نحنُ نعتقد بأن بنية المجتمعات العربية الإسلامية لا تسمح بالبساطة المرجوة لإنبثاق البرجوازية الحرة، إلا أن القوة المالية الضخمة قد تساعد في المستقبل؛ خاصة بعد نضوب النفط أو تراجع أهميته الإستراتيجية، لتأسيس برجوازية حرة ومنافسة قوية للمركز الرأسمالي)، الحوار المتمدن.

نحن لا نتكلم بإطلاق وتعميمات لا ترى مستويات التطور في الدول وإختلاف بُناها الاجتماعية، بل نتكلمُ عن بلدان الثورات العربية وخاصة تونس ومصر الأقرب لبنيةِ الحداثة، والتي شكلتْ فئات وسطى واسعة وراكمت تجاربَ رأسمالية الدولة التحديثية الشمولية بتماثلها وإختلافها وتجاوزاتها.

ويجري الآن في مصر تحديداً وبقوةٍ الصراع بين الإقطاع السياسي والإقطاع الديني بعد أن أغتنيا بثمار الحداثة لكل منهما وبثمار الاستغلال العائد للعلاقات ما قبل الرأسمالية والحديثة كذلك.

إن الإقطاعَ السياسي الذي مثلّهُ الحزبُ الوطني لن يتخلى عن السلطة بشكلٍ تام فركائزه في القطاع العام والإدارة والجيش موجودة ولكن حصل على ضربة واسعة قوية بفضل الثورة وبتكون برلمان منتخب واسع الصلاحيات منقوصها بعض الشيء.

ومن الممكن للإقطاع السياسي أن يواصلَ نفوذَهُ ويستعيدَ بعضَ أشكاله لكن تم قطعُ العلاقةِ بين الدولةِ وتكون رأس المال. وهو ما كوّن ذلك الإقطاعَ حيث يتم خلق الفائض من خلال السلطة.

هذه هي النتيجة الحاسمة الاجتماعية السياسية الكبرى للثورات العربية.

لقد وضعتْ الثورتان المصرية والتونسية خاصةً حداً للاستغلال السياسي للدولة، لكن لا يمكن وقف بقاياه وقضاياه الفردية بشكل مطلق فهذه قضية تاريخية متصاعدة.

المنتصر السياسي هو الإقطاع الديني. وهي المفارقة التاريخية، لكنها تعبيرٌ عن غياب التطور الديمقراطي الحر في الحياة الاجتماعية والفكرية العربية. وهو أمرٌ يعرقل تطور الحرية والتقدم الاقتصادي المطلوب في حياة النساء والرجال والريف والثقافة.

إن تحجيم الإقطاع السياسي يطرح تحجيم الإقطاع الديني معاً، لنمو الرأسمالية الحرة على الجانبين، الدولة، والشعب، فما تحتاجه هذه البلدان هو ثورة إقتصادية ترفع مستويات الأغلبية الشعبية وعيشها وثقافتها وعلاقاتها.

وما يميز البلدان العربية غير النفطية هو وجود أغلبية عاملة وفئات وسطى واسعة، وصعوبات إيجاد الفوائض المالية لخلق الصناعات الكبرى الجماهيرية، ودون تغيير طابع القوى العاملة وحشد أغلبيتها في هذه المشروعات، والحصول على الفائض وإدارته ديمقراطياً حسب الخطط التحويلية، تتعرقل عملية تطور المجتمع.

ومن هنا تصبح الرأسمالية الحرة ضرورة في حياة العائلة، بإدخال النساء في الصناعة بأشكال جماهيرية، وبتصعيد الثقافة والفئات العاملة الفكرية خلافاً لسيطرة الفئات اليدوية والعمل البسيط، فتطور البرجوازية يتطلب تطور الطبقة العاملة كذلك.

وبقاء الطبقة العاملة متخلفة يؤدي لهروب الرساميل وغياب الثورة الصناعية العلمية وهذا من الممكن أن يحدث لعدم فهم الدينيين قضايا التطور الاقتصادية، بحججٍ أخلاقية، هي تعبيرٌ عن إستبداد ذكوري مغلف، وبالتالي تغدو المعركة على الجانبين الحكومي ومدى توظيفاته الهامة في بؤر التطور الاقتصادي المطلوبة شعبياً، ومدى حراك الطبقة العاملة وتطورها ونضجها الاجتماعي السياسي لتصعيد هذا التطور.

تقلص الإقطاعين على مستويي الدولة والحياة الاجتماعية، ونشؤ حريات سياسية وإجتماعية وإقتصادية واسعة لن يتم بدون صراعات القوى السياسية ودفاعها عن مصالحها بخطابات إيديولوجية عديدة.

وبدون وجود الملح تتعفن المادة الاجتماعية والملح هو اليسار الديمقراطي.

فهذا كله ليس موقفاً يمينياً لكنه إستشراف اليسار الديمقراطي العربي للتحول الممكن. فلم يعد اليسار ذا خطابات عامة مجردة شمولية، بل هو يقدم قراءات متابعة لتطور البُنى الاجتماعية، يوجه الإرادة الاجتماعية السياسية نحو بؤرة المشكلة والتناقض الرئيسي، فكانت المشكلة المحورية هي رأسمالية الدولة الشمولية ويتم تجاوزها، والآن تواجه البنيةَ بؤرةٌ إشكاليةٌ أخرى لا بد من تجاوزها عبر تراكم الجهود للفهم والتحالفات والتوجه للتغيير.

إزاحة الإقطاعين وفتح الطريق لرأسمالية حرة طريق طويل لا بد أن نقرأه في كل خطواته بعمق وتأن.

وبالتالي فإن البلدان العربية ذات بُنى مختلفة متداخلة، فهناك دولٌ متقاربةٌ في مستوى وهناك دولٌ متقاربة في مستوى آخر، وكل منها له مساره، ولا بد أن تكون له قراءته النابعة من تطوره التاريخي الخاص.

ما كان قديماً من روشتة عامة، ونموذج مستورد مُعّمم، وقفزٍ على التطور الموضوعي، وعدم أخذ مسارات البُنى الاجتماعية للبلدان بظروفها الخاصة المتشابكة مع العام، هو منهجٌ يتمُّ تجاوزه لدى بعض الفئات السياسية لكن الطريق لا يزال طويلاً.

 47 ــ العربُ بين نارين

صراعُ الإقطاعين السياسي والديني إمتد طويلاً خلال العقود الأخيرة.

 كلما جاءت قوةٌ سياسية للسلطاتِ العربية لم تستطعْ أن تنشرَ الحرية والديمقراطية والإصلاحات الاقتصادية الاجتماعية، فهي ترثُ إمتيازات السابقين وربما قامتْ ببعض التغييرات لكنها ترثُ نفسَ أجهزة الدول السابقة بلوائحها وموظفيها ودورها المتنفذ.

الانقلابات العاصفة والانفجارات الكلامية السياسية خلال عقود وتحرك الملايين الهادرة في الشوارع، لم تُحدث تغييراً عميقاً، الإقطاع الجمهوري السياسي يرثُ الملكيَّ، أو ينسخُ الإقطاعُ الجمهوري نفسَهُ عبر إنقلابات يكررُ نفسَ النظام الانتاجي الاجتماعي السابق.

حين تصعد فئاتٌ متوسطةٌ تظهر لا على أساسِ الانتاج بل على أساس علاقاتها مع الدول والأجهزة.

الأفكارُ الليبرالية والديمقراطية والإسلامية التحديثية تظلُ في داوئر ضيقة غير متغلغلة جماهيرياً لأنها لا تقوم على أساس طبقات رأسمالية حرة أنتجتْ رساميلَها من السوق الاقتصادية.

 القوى الانتاجية الشعبية تظلُّ بدون إصلاحاتٍ فالأريافُ تعاني الفقرَ والملكيات الزراعية الواسعة المتخلفة في أسلوب الإنتاج حيث قلة المكائن والعمال الأحرار، أما القطاعات العامة التي تزدهي بها الأنظمةُ وتصنعُ مواداً أولية تعبرُ عن مكانة الدول حسب سعر المواد لا حسب قوة الإنتاج، فإنها تتعرض لنفس الطفيليات الاقتصادية، وبهذا فإن القطاعات الاقتصادية المختلفة تعيش ما قبل الحرية.

 مرت الدولُ العربية بثلاث ثورات حتى الآن، فكانت الثوراتُ الليبرالية في البداية، ثم الثوراتُ العسكرية، والآن الثورات الدينية.

الليبرالية حاولت قصقصتْ أجنحةَ الإقطاع ثم أنزلقتْ هي إلى حضنه، فكان ملاكُ الأراضي العرب وهم حضن الليبرالية والذين يقيمون مصانعَ على ضفاف الزراعة مالبثوا أن تكرسوا كإقطاعيين أكثر منهم برجوازية صناعية.

 الحداثة الصناعية تتطلب ثقافة سياسية علمية تقنية مكلفة، والمصانعُ ذات دورات رأسمالية مطولة، وهذه المصانع الخاصة كانت تُجابه بصراع سياسي نقابي طفولي في أغلبه، والتوجه للرساميل العقارية والخدماتية أسهل وأجزل، وبالتالي تغدو العودة للإقطاع قوية.

إضافة إلى إقامة ثورة إنتاجية ثقافية علمية أمر مكلف وخطير.

 المرحلة الثورية العسكرية قامت بتأميماتٍ وهيجان سياسي كبير وقالت بأنها ستغير الملكيات الزراعية الكبيرة وتنقلُ الأريافَ العربية للتحديث والغنى الاقتصادي لكنها لم تفعل ذلك عبر إعتمادها على نفس المكائن الحكومية القديمة التي تسربت الثروات إليها وبدلاً من الباشاوات صار الضباطُ الكبار باشاوات.

الثوراتُ الدينيةُ الراهنة عكست فشل قوى التحديث العربية بل كانت صفعات إجتماعية سياسية على وجوهها، الجانب السياسي من الدول الذي عكس الإقطاع السياسي، أتضح فشله ولكن ليس لخطوة للإمام بل للوراء. لم يقم بتراكمات ديمقراطية إجتماعية عميقة في الأبنية.

 الإقطاعُ الديني يصعدُ من خلال هذه الجماهير العريضة المحطمة عيشاً ووعياً، ويستولي على نفس المكائن القديمة، ويريدُ شحنَها بزيته الخاص.

 الدكتاتوريات تغدو دينيةً هذه المرة، وتظهر شرائح طائفية كل منها ضد الأخرى، مثل اللصوص الذين أتفقوا على الجريمة لكنهم إختلفوا بعد الحصول على الغنيمة.

 وتجابههم أجهزةُ دولٍ منهكة، ضعيفة الموارد، وقوى عاملة ضعيفة التطور، فتغدو مهماتهم صعبة مهلكة.

 وكل يوم تتفجر قضية دينية بشكل، وتنجرف كتلُ الجماهير للصراخ والعنف وتكرر ما فعلتهُ جماهير الخمسينيات والسينيات من غضب ولكن بأشكال أكثر فجاجة.

إعتمدت الجماعاتُ الدينية على حشد الغوغاء، وهي هذه الجماهير المُدمَّرة من تنميات رأسماليات حكومية غير مخططة ولا عادلة، ويتم صناعة هذه الجماهير مثل الجماهير الشمولية السابقة بالشحن والجمل المقطوعة السياق عن العلم، وبالهياج العصبي، والعنف المدمر.

كتل الثورات الثلاث، وجماهيرها، وثقافاتها مدعوة لرؤية الماضي والحاضر، ونقد تاريخها، ومعرفة سببيات تدهور مشروعاتها التحويلية وإستبدال آرائها وخطاباتها بقراءة موضوعية للواقع والتعاون الآن خاصةً بعدم التفرد السياسي، وبضرورة المشاركات الواسعة ورفض الاستقطابية الطائفية التي هي مكمن الضعف في المشرق العربي الإسلامي، والإستقطابية الدينية في مصر التي هي مكمن الخطأ التاريخي الوطني فيها.

ثوراتٌ تجريبية مكلفة كثيراً ولم يزل العربُ في مكانهم الأول في بداية القرن العشرين.

48 ــ العربُ والتحولات الحديثة

 القرنُ العشرون ضاعَ والعربُ يحاولون التحرر والنهضة والتحديث.

 أجسامٌ سياسية مفتتة، وكلٌ منها دخل في بيته الخاصة يحاول أن يتطور.

 ما قبل نشؤ الممالك والأمبراطوريات العربية إعتمد زمنُ الخلفاء الراشدين على هذه الصيغة البسيطة:

 أغلب ما يملكهُ الحاكمُ الخليفةُ الراشدي هو للناس، وكلُ ما يملكه الناس هو للناس!

 ومن هنا كان سبب (الفتنة الكبرى) هو إنقلاب هذه المعادلة وضياع الحدود بين ما يملكه أميرُ المؤمنين وما يملكه المؤمنون.

كل القرن العشرين إنقضى في بناء الاقتصاديات المتنوعة، أشكالٌ متنوعة من المركزية واللامركزية، وظل قانون التوزيع الاقتصادي هو نفسه منذ العصر العباسي:

 ثلث الميزانية العامة للنفقات العامة ولميزانية الجيش وترميم القنوات وإنشاء الجسور وغيرها من الأعمال الضرورية للاقتصاد والبنية الاجتماعية حسب مقتضيات التطور في كل مرحلة تاريخية، وثلثا الميزانية للطبقة الحاكمة توزعها فيما بينها على حياتها الخاصة.

وهذا يشمل ما يُعتبر أملاكاً عامة وأملاكاً خاصة قادمة من الخراج فلم يكن ثمة مصطلح خاص بالأملاك العامة التي تخص المواطنين، فقد أنهار الحد الفصل بدءً من الفتنة الكبرى، فثمة غموض شديد هنا، وفي الأزمات يتسع الأمر لتغدو كافة الأموال الخاصة خاضعة كذلك للدولة.

أجهزةُ المحاسبةِ والتدقيقِ والرقابة لم تعرفها المجتمعات العربية طوال قرون، وقد طرحتْ الإداراتُ الاستعماريةُ التي إستولتْ على الوطن العربي فكرةَ الفصل، وإنشاء الميزانية العامة، والفصل بين الأموال العامة والأموال الخاصة.

 لكن في العديد من البلدان العربية كيفت الإداراتُ الاستعمارية أوضاع الطبقات الحاكمة العربية مع التقسيمات القديمة كذلك، وأعطتها إمتيازات خاصة مبقية على وجودها المتميز واتسع هذا الوجود المتميز بعد إستقلال الدول العربية وعاد لالتهام العام.

 ورغم ضخامة الموارد التي تصل لها، فإن  الطبقات الحاكمة لم تقبل بهذا التقسيم غير العادل مصرة على تضييع الحدود بين الأموال العامة والخاصة العائدة لها.

وخلال القرن العشرين كله لم يُوضع الخط الأحمر بين العام والخاص، فرغم تطور علوم المساحة، والمحاسبة، وصعود الإدارات الرقابية، ونشؤ الأحزاب، وظهور البرلمانات، ونشؤ الانقلابات والجمهوريات، فإن الخط الأحمر ذاك لم يظهر.

 إستمرتْ الطبقاتُ الحاكمة في تضييع الحدود بين الأملاك وتكشفت عن عبقريات مذهلة في هذا الخصوص، كذلك عملت الانقلابات العسكرية على إزالة الخط الصارم ذاك.

تضخمتْ الإداراتُ على نحو هائل، وأُضيفتْ المصانع والمعامل والورش وأحياناً حتى المتاجر والدكاكين لأموال الدولة، ولهذا فإن الجماهيرية الليبية كان كل شيء فيها بيد (الجماهير) من أموال النفط حتى المتاجر في بعض السنوات.

الدولُ العربيةُ المعاصرةُ قامتْ بنسخ الدولة الأمبراطورية القديمة التي تملك أغلب الملكيات الكبرى بدعاوى مختلفة، أي بأسماء مختلفة؛ الدولة الوطنية والدولة القومية والدولة الاشتراكية، لكن المضمون الجوهري راح يظهر عبر الزمن، فرغم وجود المشروعات العامة، وبناء الميزانيات إلا أن الثلث المخصص للظروف العامة، وثلثي الميزانية المخصصة للطبقة الحاكمة، لم يتغير كلياً، إلا مع وجود رقابة صارمة من حاكم مناضل أو مصلح كما حدث في فترات جمال عبدالناصر أو أحمد بن بللا على سبيل المثال، لكن البيروقراطيات المسيطرة على تحديد المال العام وإنتزاعه وتوزيعه والرقابة عليه، ظلت هي التي تكيف الاستثنائي للجوهري، أي تعيدُ العامَ للخاص، سواءً بحكم السيطرة اليومية أو بالاحتيال المنوع بإضفاء مشروعات وهمية أو بذكر مصروفات غير حقيقية، ورواتب عالية لفئات، أو أمتيازات الخ.

كما أن المشروعات الكبيرة والحروب وغيرها كانت تعيدُ العامَ الذي كان عاماً مخصصاً للناس حقيقةً إلى الخاص، وهذا لا يظهر في الأوراق الرسمية والحسابات العامة المطروحة في المشروعات، بل يظهرُ في الانقسامات الاجتماعية التي تتزايد مع تطور السنوات وعودة العام للخاص، حتى تصل الأمور إلى عدم الاحتمال، وظهور الفجوة واضحة بين الشعارات والواقع، فالجماهيرية تقول أن كل شيء للجماهير، لكن الجماهير البائسة تظهر للشوارع لتؤكد العكس!

 وهذه القوانين الاجتماعية العامة لا تظهر في الاقتصاد بل في كل الظاهرات من الشِعرِ حتى الأزياء.

فالشعرُ في سنوات التنمية الوطنية، وتوجه الفوائض لخدمة الناس، يصيرُ شعراً عاماً مكافحاً، لكن في سنوات التدهور يعود الشعر للغموض وتظهرُ الأشكالُ (الشعرية) القديمة مثل الشعر القبلي النبطي والعامي المتخلف.

 والأزياء الحديثة الفاتنة في أزمنة النهضة وتحرر النساء تتراجع لتصير أزياءَ قديمةً مغلقة، تكبلُ النساءَ في عالم قديم ومعها السحر والعقد النفسية.

 أنتج العربُ نظرياتهم الفلسفية وأزدهر شعرُهم حين شدد خلفاءٌ وقادة ومثقفون وحركات سياسية على ازدهار وضع العامة وحقهم في الفيء العام، وتدهوروا حين صار العكس.

 والأزمة الاقتصادية الاجتماعية تنتقلُ عبر سنوات وعقود وتنخر الأدوات والأشكال الفكرية والسياسية التي ظللت تلك الأبنية الاجتماعية، فالأحزاب المؤثرة المسيطرة لا يعود لها تأثير، وأدوات الحكم والرقابة والتقسيمات السياسية الإدارية تنهار.

 ما بناه العرب في القرن العشرين إذن يتعرض للتغيير العميق، وعلى قواهم الفكرية والسياسية توجيه الأمور لخلق بناءات سياسية واقتصادية مغايرة، تراعي قوانين الاقتصاد.

49 ــ المساراتُ العربيةُ إلى اين؟

يعودُ إرتباكُ الإصلاحاتِ العربية لكون القوى السياسية التي تقود العمليات هذه لا تحملُ المفاهيمَ الصحيحةَ للإصلاحات ولا تعبرُ عن القوى الاجتماعية القادرة على إرساءِ مضامين الإصلاح في الواقع.

فهي تعمل على نفس الأيديولوجية المحافظة القديمة التي لا ينتجُ منها تحول نوعي، أنظمة وحركات مذهبية تتصارع.

فقوى اليمين التقليدية هي التي لها الأنصبة الأكبر، وهي تختلفُ حسب تبايناتها الطائفية لا حسب برامج الإصلاح العالمية التحديثية.

إن القدومَ من العصر الوسيط، والإبقاء على سمات المجتمعات القديمة من هيمنةٍ كلية أو عامة على السلطات، إلى إستمرار عبودية النساء المنزلية، إلى الإبقاءِ على النصوصية الدينية السطحية في الدساتير والثقافة العامة وهي نصوصيةٌ غيرُ ديمقراطيةٍ وغيرُ عقلانيةٍ، هذه كلها تؤكد هزيمة مشروع الحداثة العربية وقيام التقليديين الطائفيين والمحافظين بالصراعات الحادة أو الدامية في البلدان العربية. لكن من القديم ينشأ جديد ويبنثق من رماد الثورات العربية فكرٌ مختلف في بلدان قليلة.

إن هزائم قوى التنوير واليسار والعسكر الشمولية قد أعادَ مرةً أخرى القوى التقليدية للنفوذ السياسي الواسع على الحياة العربية في بلدان متعددة ولكنها تمسك حطاماً أو كيانات مضطربة لا تملك قوى بناء كبيرة، وهي لا تأبهُ كثيراً بالصراعات التي جذرتها في الواقع العربي المتعدد الدول ولا تعترف بمسئولياتها عن النتائج السلبية لتلك الصراعات.

فهناك تفككٌ واسعٌ للبُنى الاجتماعية بسبب مركزيةِ السلطات الطويلة، وسيرورةِ المدن العربية مراكز للهيمنة الاقتصادية بمشروعاتها غير الصناعية، سواءً كانت صناعةً ثقيلة أم خفيفة، وإنتشار الاقتصاد الطفيلي وأشكال أخرى من الاقتصاد المعتمدة على فيوضِ الصناعات الاستخراجية الضعيفة التطور الصناعي العلمي الجماهيري الواسع المبدل للبنى العتيقة.

ولهذا فإن أشكالَ الأعمال التجارية وقوى العمل الشعبية تغدو متدنيةَ التأثير وسلبية على المدى الطويل، فنجدُ إن بلداناً تعتمد على فيوض كبيرة من العمالة المهاجرة لا تقدم سوى إنشاءات مادية مرحلية، فلا يكون لها تأثير كبير مفيد على تطور البُنى الاقتصادية الاجتماعية، بل هي توسعٌ للجوانب الطفيلية، فتغدو المهنُ الطفيليةُ هي السائدة، فتقوم فئاتٌ بتأجير مختلف أنواع المُلكيات إلى فئات أخرى وتحصل على إيجار وريع وفوائد فيما هي لا تقومُ بأي عملٍ إنتاجي ولهذا لا تجذر تصنيعاً.

وهذا يصلُ للتأجير الفكري والتأجير الثقافي والسياحي، فهنا فئاتٌ لا تنتجُ أعمالاً بقدر ما توظفُ الفندقَ أو المبنى، أو الخدمات أو الأشياء، أو الأشخاص، أو الذات الكاتبة والمغنية والمفكرة، للغير نظير فوائد وعمولات.

إن الدولَ بهياكلها ما قبل الحديثة والمعتمدة على النفوذ السياسي والعائدة للقرون الوسطى، عبر سيطرة الطوائف والقبائل والعائلات والبيروقراطيات هي بعيدةٌ عن الحكم الديمقراطي الحديث، فهي حتى غير قادرة على تصعيد برجوازية صناعية أو حديثة تستجيبُ لقوانين السوق، وقوانين الديمقراطية، وقوانين العقلانية.

إن أحجام التخلف في المجتمعات العربية هائلة، ولم تؤدِ الفيوضُ النقدية لتحولٍ جوهري في القواعد الاقتصادية، ولم تفعل ما فعله غاندي وسلفه، عبر التحول للصناعات الثقيلة والخفيفة وتوسع التصدير، وربط التطورُ التالي ذلك بالحداثة والعلمنة وهزيمة القومية العدوانية بعد الحرب العالمية الثانية، بل عاشت البُنى العربية على الفيوض النقدية السهلة وتوسع الاقتصاد الطفيلي.

ولهذا نلاحظُ من الناحية السياسية إنتهاء سيطرات العسكر والبيروقراطيات القديمة المحتجزة على القطاعات العامة الفاسدة، نحو ولاياتِ الفقيه السنية والشيعية وغيرهما لتعيد إنتاج الماضي الاستبدادي.

إن ولايةَ الفقيه تعبيرٌ عن نشؤ طفيلياتٍ ودكتاتوريات على مستوى النصوصِ الدينية وعلى مستويات التفسيرات السطحية النفعية الخاصة بالقوى الاجتماعية البرجوازية الصغيرة الجديدة المتلاعبة بالأقوالِ الدينية نحو توظيفاتٍ طفيلية واسعة.

إن دكتاتوريات العسكر واليسار الانتهازي والقومي وغيرها هي طفيلياتٌ على مستوى النصوص العصرية المؤدلجة المُشذبة لصالح تلك الدكتاتوريات وبرفض قوانين الحداثة من ديمقراطيةٍ وعلمانيةٍ وعقلانية، فتقوم الطفيلياتُ الدينيةُ الجديدة بالحلول محلها، وتكرسُ أشكالَ الملكيات الخاصة الطفيلية تلك والتي إنتشرت بأشكالٍ واسعة عبر المقاولات والصرافة والبنوك وغيرها.

فيما تتطلب الأبنيةُ العربيةُ جبهات واسعةً متعاونة للتصنيع والعلوم والتقنيات وعدم إهدار الفيوض النقدية بالنوم والتآكل في الغرب والشرق، والعيش على الصراعات السياسية والمسلحة بين القوى في كل بلد وبين البلدان العربية والإسلامية بعضها البعض.

إن لغات الاستحواذ على تفسير المذاهب وعلى الكراسي والعقار والشركات والأسواق هي لغاتٌ تضربُ السوقَ الحرة، وتتفرد بالهيمنة على الوزارات والعهود القديمة والجديدة، وعدم العقلانية برؤية مسارات الانحدار الراهنة المضعفة لكل القوى، وتصعيد لسيطرات  الذكور على الحياة والبيوت بأشكال متشددة من جهة، وفتح الأبواب للحلال الكامل للجنس الخشن، وإقتصاديات المتع والبذخ، وللفنون الحسية الهابطة من جهة أخرى.

أعادة النظر في أنماط التصنيع وربطها بتحولات السكان وإعادة الفوائض للاقتصاديات العربية بدلاً من شحنها للخارج، وتثوير العائلة الذكورية وجعلها ديمقراطية، ونشؤُ ولايةِ الشعب والبرلمان والسوق الحرة.

50 ــ المستوى السياسي للمعارضات العربية

تعود العديد من أسباب عدم صعود المعارضات السياسية العربية للحكومات لأسباب ذاتية كبيرة في هذه المعارضات ذاتها.

ومهما كانت سلبيات الحكومات فإنها أكثر تمثيلاً للشعوب من المعارضات، وهو واقع حقيقي للأسف.

هذا التمثل الأوسع هو الذي أتاح لها الوجود والاستمرار

 ورغم أن هذا التمثل الحكومي للشعوب قام على أساس الأمر الواقع والقوة والعفويات الاجتماعية المختلفة وبعض التخطيط، لكنها قدرت أن تستوعبَ مختلفَ الطبقات والطوائف داخلها، وتجعل أجهزتها ذات تنوع مناطقي وأثني، رغم أن هذا التمثل يجري من خلال هيمنة قوى معينة ومذاهب معينة.

بطبيعة الحال جرى هذا التمثل الحكومي العربي أولاً بسبب سياسة الغرب الذي سيطر على المنطقة وأخرج الحكومات من المستويات المتدنية لزمن ما سُمي بفترة الانحطاط وفترة حكم الأتراك التي تلتها، فتشكلت سياسة عملية كنست زمن الرقيق وحكم الطوائف الكلي، وأخذت حكومات الاستقلال تقوم بتمثل نسبي للأهالي، واعتمدت سياسة عملية أدخلت النسيج الوطني في هياكلها السياسية، رغم أن هذا النسيج لم يكن متساوياً ومتساوقاً في ألوانه!

وكان يُفترض في المعارضات أن تكون متجاوزة لهذا، وذات بُنى وطنية أكثر تعبيراً عن النسيج الشعبي، وأكثر قدرة على تبصر طموحاته وتنويعاته، لكنها عجزت بعد أكثر من نصف قرن من زمن الاستقلال؟!

حين تعبر القوى التقدمية عن نفسها تقول بأنها تمثل العمال، ولكنها لاتضم العمال فقط بل تضم قوى إجتماعية أخرى، لكن القوى الاجتماعية الأخرى، التي دخلت تمثلت بأفراد ذابوا في أهداف العمال، ومع ذلك فإن هذه القوى السياسية تطرح مشكلات طبقات أخرى كمشكلات التجار والصناعيين، وتريد تغيير حياة الفلاحين وغير ذلك من تمثيل للقوى الاجتماعية.

إن هذا لا يجعلها معبرة فقط عن العمال بل عن قوى أخرى، ولكن القوى الأخرى من تجار وصناعيين غير موجودة داخل التنظيم، ولا تطرحُ أفكارَها ولا أهدافها، فكيف يمثلها الحزب التقدمي بدون تمثيل؟!

إن حالات الأحزاب التقدمية العربية السياسية وعموم الأحزاب في الشرق هي حالات منقولة من مجتمعات متطورة، هي مجتمعات الغرب الرأسمالي، حيث أنقسم المجتمع بوضوح بين طبقتين كبريين، هما الرأسماليون والعمال، أي جرى أصطفاف إجتماعي حقيقي، وحينئذ يعبر الحزب التقدمي بإنسجام عن قواعده، كما يعبر الحزب الليبرالي أو الجمهوري عن طبقته.

 إذن الأحزاب التقدمية في الشرق هي جبهات اجتماعية تضم طبقات عديدة، لكن التصور الإيديولوجي المستورد يجعلها تظن أنها تمثل طبقة واحدة، وبالتالي عليها أن تقيم المجتمع الاشتراكي.

هذا يجعلها غير قادرة على تمثل مختلف الطبقات، ولا على فهم طبيعة المرحلة الانتقالية من الإقطاع للرأسمالية الحديثة، متصورة مهمة أخرى، وبهذا فهي تعجز عن مقاربة موقف الحكومات، التي تعي أنها تعبرُ عن مرحلة ما من التطور الرأسمالي، بدون أن تتطور هذه المرحلة لتصل إلى مماثلة النظام الرأسمالي الغربي المتطور، فهي تحافظ على بقايا من الأنظمة السابقة المتخلفة والشمولية. في حين تتجمد القوى التقدمية عند تمثل العاملين والحرفيين وغالباً ما يكون ذلك في العاصمة.

من الممكن للقوى التقدمية العربية أن تتجاوز هذا التمثيل الضيق بعقد تحالفات عميقة مع قوى التجار والصناعيين، أو بتحويل الحزب إلى جبهة تحالف عريضة بين أحزاب تستوعب مشكلات وأهداف مختلف القوى الاجتماعية الراغبة في التغيير.

أو أن تنمو المنابر الحزبية الداخلية لتعبر عن أطياف من الرؤى الاجتماعية في ظل فكرة سياسية كبرى تستوعب المرحليات المتعددة في التطور الاجتماعي، فهناك مرحلة كبرى لمماثلة النظام الرأسمالي المتطور ومقاربته وإزالة العوائق من طريقه، وهناك مرحلة ثانية هي العمل على تجاوزه. دون أن يمنع من ذلك النضال المستمر لتغيير أحوال الأغلبية العاملة في شتى المراحل.

بطبيعة الحال هذا يرتكز على فهم طبيعة التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية الراهنة، وعدم الفهم هذا غالباً ما يسبب الفوضى السياسية والاختلافات.

وقد ازداد عدم التمثل الديمقرطي والتمثل الوطني في الأحزاب الدينية بشكل أوسع وأخطر. وهي التي مثلت تمزيقاً للخريطة الوطنية، أي أبعد بكثير من الحكومات، ودون أن تعترف بالمراحل التاريخية الموضوعية للبشرية.

ولهذا فإن نموها يمثل إفتراقات وتفككاً للخرائط السياسية للشعب بدلاً من نمو التمثيل الوطني شبه المتماسك في ظل الحكومات رغم سلبياته.

والحكومات العربية تقوم بالتغلب على ضعف الديمقراطية والتمثيل الوطني في الأحزاب، مكتشفة بعض المشكلات التي تقوم بترميمها من أجل تجفيف المياه التي تعيش عليها الأحزاب المعارضة غالباً، لكن مع إستمرار سيطرتها على الموارد الكبرى، وهو أمر يعني عدم التطور الديمقراطي الحقيقي ولا حدوث المقاربة مع المجتمعات الديمقراطية المتطورة.

ولهذا فإن الأحزاب التقدمية مع حفاظها  على بناها الاجتماعية العمالية فقط تظل ذات تمثل قوى محدودة، وغير قادرة على الاقتراب من إدارة بلد، وعلى تطوير الاقتصاد، وعلى فهم الطبقات المخلتفة وتمثلها أو تمثل مطالب كبيرة مهمة وطنياً لديها، أما الأحزاب الدينية فاقترابها من الإدارة يؤدي إلى رعب قوى سكانية كبيرة وإلى صراعات مذهبية ودينية وتمزقات في الخريطة السياسية للبلد.

فلا بد من هضم الثقافة الوطنية لكل بلد وأن يكون الحزب المعارض معارضاً لسياسة معينة معيقة من مقاربة الدول المتطورة، ويكون ممثلاً لمختلف القوى الاجتماعية بدرجات من التمثل النسبي الذي يعبر عن أهدافه وفهمه لمراحل التطور السياسي المستقبلي للبلد المعني.

51 ــ جذور الانتهازية العربية

منذ أن تشكلت الدولة العربية الإسلامية وامتدت وصارت أقطاراً وسيطة فحديثة، ظلت السياسة والدين مصدري تكوين الوعي السائد.

وإذا كان الخلفاءُ والحكام ومن بعدهم لا يشكلون فكراً ولا يقدمون مادةً لآلة الدولة الإيديولوجية فقد قامت بذلك الفئاتُ الوسطى الصانعة للمعرفة، تستقيها من النصوصِ الدينية وتنتج وتغزل حولها، شرانقَ لاعتقال الكائن الإنساني أو فتح ضوء له.

على الرغم من ظروف الثقافة العربية في العصر الوسيط إنتشر فيها النقد الايجابي ومحاولة التجاوز للأوضاع، نظراً لأن النظام التقليدي العربي في ذلك الحين أتاح للفئات الوسطى العديد من الحريات التجارية والاقتصادية الحرفية والإنتاج الثقافي، رغم وجود الدولة الشمولية الدينية.

وهذا ما كررته الفئات الوسطى في زمن النهضة العربية، حيث كان ثمة فضاء عالمي للتجارة والتبادل الاقتصادي والتأثير الثقافي.

لكن بعد حصول الاستقلالات العربية وبروز الدول الشمولية بقطاعاتها العامة وسيطراتها على الفضاء الإعلامي، تم خنق الحريات في العديد من البلدان باسم التقدم وباسم الوطنية وباسم الدين.

كما قال ابن خلدون غدت الدول هي السوق الأكبر، ولهذا فإن الكثيرين من المثقفين منتجي الوعي، غدوا مقدمين سلع لهذا السوق وما تتطلبه ظروفه وصراعاته.

في الصراع بين الدول الشمولية الوطنية والدول الشمولية المذهبية العربية الإسلامية، غدا الفريقان(الوطني أو الليبرالي) الخفيفان في  وطنيتهما وليبراليتهما و(المذهبي، والشموليات بألوانها)، هما المعسكران السائدان.

لم تستطع الأنظمة العسكرية والدينية الشمولية أن تقدم مناخات لتصاعد الحرية، لقد قامت بإنجازات على أصعدة تطور البُنى المادية والاقتصادية، لكن داخل الانغلاق ودون معلومات عن إشكاليات هذه الأبنية ما تحقق وما لم يتحقق، من إستفاد ومن لم يستفد.

قسمات الحداثة المتعددة لم تطبق سوى أجزاء قسرية منها، وحُجبت الأقسام الأكبر أقسام وضع التنمية في دوائر التعاون الديمقراطي بين القطاعين العام والخاص، ولم تطلق الحريات الفكرية والثقافية. وأنتشرت مكائنُ الدعاية لا أصوات البحث. ومكائن الدعاية هذه هي التي تُعطى الأمتيازات المادية والنوافذ لكي تسد مسام الأجسام العربية عن التفتح والكشف.

وبهذا وجدنا هذه الأنظمة وهي تعاني الأمرين من حروب الهزيمة ومن الانفجارات الاجتماعية التي أكتسحت المنطقة.

ولا تختلف الأنظمة الدينية والمقاربة المحدودة لليبرالية عن الجوانب الجوهرية للأنظمة السابقة، أي غياب تداول السلطة والعلمانية والعقلانية، ولكن الكثيرين من المثقفين إنحازوا للصراع بين الوطني والديني، بين الداخلي والخارجي، بين هذا الفريق من السلطة أو ذاك من المعارضة المحافظة، ولم تُطرح البدائل الأخرى المتجاوِّزة لهذه الثنائية الصراعية القاتلة.

كان أجدادُنا المثقفون معذورين في غيابِ البديل وغياب التحليل الكلي للواقع والعصر، وتوجههم نحو النجوم والكواكب والغيبيات المختلفة، ولكن حتى من هؤلاء ظهر باحثون يضعون الناسَ على بداية التحليل الاجتماعي الموضوعي.

  52 ــ جذور المحورين المتصارعين

قولنا قبل فترة بوجود محورين متصارعين في الساحة العربية الإسلامية أعقبه ملاحظات جزئية حول انتشارهما وأشكال وجودهما في بعض البلدان العربية وفي إيران، كدولة ملازمة  وملاصقة ومنافسة للتطور العربي.

إن ما كان من تهدئة للصراع بين المحورين آخذ في التراجع لحساب التصاعد والتفاقم، خاصة في بعض البلدان كلبنان وفلسطين والعراق.

إن منطقة المشرق أصبحت ساحة ساخنة لكي يثبت كل محور إنه ممثل الناس .

في لبنان أنشق البلد سكانياً وسياسياً بشكل خطر، لولا حكمة التيارات الديمقراطي الوطنية.

إن تيار الدول المتشددة، يعبر عن قطاع عام متصلب، مشكل لنهضة وطنية هامة وكبيرة كما هو الحال في سوريا وإيران، غير أن هذا التيار لم يجد صيغة مناسبة للعلاقة بين القطاعين العام والخاص.

إن هناك تصلباً شديداً في الإدارات العسكرية والمخابراتية في السيطرة على الاقتصاد والسياسة، وليست لديها قدرة على أتاحة الفرصة لممثلي القطاع الخاص أن تكون لها ساحة سياسية كبيرة للتحرك.

لا شك إن هذه الساحة الكبيرة مرتبطة بالاقتصاد العالمي وبالتعامل مع الشركات الغربية الكبرى، وبالتالي فهي تتطلب حريات اقتصادية وثقافية، وأن لا يحتكر القطاع العام ووراءه الحزب المتنفذ والضباط، الموارد العامة.

وتغدو هذه المساحة السياسية المطلوبة مرتبطة بإجراء تغييرات هيكلية في الاقتصاد والحياة، فهي تمثل انقلاباً اجتماعياً، بهذه الدرجة أو تلك.

ومن هنا تشكل المحور السوري – الإيراني على قاعدة البقاء في الهيمنة الحكومية على الاقتصاد، رغم وجود انفتاح اقتصادي في السوق، لكن هذا الانفتاح لا يترجم بحريات سياسية حقيقية، وتغدو السياسة العسكرية التسليحية مظهراً لهذه الهيمنة، وتشكل لها لافتات تعبئ بعض الجمهور وراءها. وهو جمهور حقيقي كذلك، يعيش على قطاع عام رئيسي، لكنه لا يناضل ضد بيروقراطيته وفساده. إن لقمة العيش هنا تــُجير للحفاظ على الشمولية الوطنية.

في حين إن الدول العربية المعتدلة تعطي القطاع الخاص دوراً كبيراً دون أن يلعب كذلك دوراً مؤثراً في الحكم. فتبقى الدول والبيروقراطيات مسيطرة على الدخل الأهم.

ولكن لماذا تحدث الأزمة في لبنان مثلاً ؟

إن هذا البلد لا يعتمد على القطاع العام، بل على القطاع الخاص، فتلعب فيه الفئات الوسطى دور الحكم، رغم قيامها على هياكل تقليدية مناطقية متعددة، فهي تقترب بشكل كبير من التحديث الديمقراطي، لكن سيطرة القطاع العام البيروقراطي تأتي من الخارج، عبر السيطرة السورية السابقة والراهنة، التي تتمثل بقوى اجتماعية عاشت طويلاً على منافعها.

إن هذه القوى تصور الحراك الديمقراطي اللبناني بالعمالة للغرب، مثلما تصور نضالات القوى الديمقراطية في بلدانها بهذه العمالة. وإذا كانت تستخدم السجون في بلدانها ففي بلد مثل لبنان تستخدم فيه الاغتيالات والفرق المؤيدة لها.

وهذا لا يحدث في مصر وفلسطين بذات الطريقة. إن منظمتي الأخوان وحماس تعملان ضد القطاع العام البيروقراطي الفاسد، ولكن مستوى فهم الفقه الإسلامي متدنٍ لديهما، فتطرحان مستوى ثقافياً دكتاتورياً، بدلاً من أن تكيفان الفقه والفكر للعملية الديمقراطية، وبطبيعة الحال هذه مسألة صعبة في هياكل سياسية عاشت على الشمولية.

لو كان هناك حراك سياسي ديمقراطي وتعايش حضاري لربما أستفاد الفريقان وكونا مقاربات حضارية عززت من تطور الأمم الإسلامية.

 53 ــ هل هو تذويب للعالم العربي؟

بعد سقوط المعسكر الاشتراكي وجدت القوى الغربية العسكرية الكبرى نفسها في مأزق تاريخي، فليس ثمة (عدو)، يبرر هذه المصروفات العسكرية الهائلة خاصة في الولايات المتحدة، التي هيمنت هذه القوى فيها على الحياة السياسية طويلاً من خلال المجمع العسكري – الصناعي.

ومن المعروف كثيراً في الأدبيات السياسية إنتشار موضوعة خلق العدو البديل الإسلامي وضرورة إستمرار ماكينة الحروب في إنتاج أكبر الأرباح، وكانت الجماعات والدول الدينية في العالم الإسلامي أقوى مرشح بدلاً من بعبع الشيوعية الزائف.

ومع غليان الأحداث في العالم العربي وتفجر الأزمات، والإقتطاعات الكبيرة من أجسام الدول التي كانت موَّحدة، أصبحتْ ملامح هذه السياسة متجسدة.

غدت الإقتطاعات والدول الجديدة الهشة حقيقة واقعة، وهذه سياسة ظهرت كذلك في الدول التي كانت تسير في فلك روسيا.

وكانت أندونيسيا في زمن سوهارتو حليفاً قوياً لدول الغرب هذه في زمن الحرب الباردة وبعدها قلت قيمتها. وفي تلك الحرب فإن وحدة أندونيسيا كانت مهمة لتلك الدول وبعدها غدت عمليات إستقلال الجزر الأندونيسية عن الوطن الأم متاحة وأُيدت إنفصالات المسيحيين فيها خاصة!

وحين طلبت أندونيسيا مساعدتها في أزمتها المالية في السنوات الأخيرة طرحتْ هذه الدولُ حقيقةَ أهداف سياستها:

 (وهي تحرير التجارة الخارجية، وتخفيض التعريفات الجمركية، والإسراع في الخصخصة بالسماح للشركات الأجنبية بشراء الشركات المحلية، وإلغاء مشروعات التصنيع الكبرى في إندونيسيا).

إن الدول الرأسمالية الكبرى تواجه عالماً ينضب تدريجياً من المستوردين وكثير من الدول تتحول للتصنيع، وتفكك الاتحاد السوفيتي أوجد مثل هذه الدول الهشة التي تعيش في زمن ما قبل العصر الصناعي، وكذلك توجد الدول العربية والإسلامية، والدول الأفريقية، فهذه مطلوب أن تظل بهذا المستوى الاقتصادي في زمن ما قبل التصنيع أو التصنيع على الطريقة الخليجية والعربية عامة: إنتاج المواد الخام.

ومن هنا نرى أهمية الحفاظ على البعبع الإيراني وأشباحه المختلفة وعلى القاعدة والصلف الإسرائيلي، مثلما كانت عمليات تقوية النظام العراقي السابق، وكلها من أجل تبرير هذه المصروفات العسكرية الهائلة وإبقاء الانقسامات وعدم نشؤ عمالقة إقتصاديين عرب وإسلاميين.

وتكوينات العالم العربية المُفتتة هي بحدِ ذاتها خدمة موضوعية لهذا، فالثالوث التعاوني: مجلس الشمال العربي الأفريقي، ومجلس التعاون العربي، ومجلس التعاون الخليجي، لم تنتج عنها قوة إقتصادية عربية صناعية كبرى أو صغرى.

وفيما تضخ الدولُ العربيةُ الخليجية الأموالَ في بطون أوربا الغربية وأمريكا الشمالية تتنامى تلك الدول وتشكل سياساتها المغايرة:

(إن سيطرة الاتحاد الأوروبي على 30% من معدل التجارة العالمية والنمو المطرد لمستقبل التجارة العالمية في حوض البحر المتوسط سيزيد من قوة وهيمنة الاتحاد الأوربي، وذلك على حساب التجارة العربية).

قادتنا ساسياتُ الدول العربية برأسمالياتها الحكومية المتخلفة ومختلف أنواع الإيديولوجيات الشمولية التي نتجتْ منها إلى هذه الحال التحللية.

54 ــ حمزةُ البهلوان وصراعُ العربِ والفرس

خلال قرون التحول والانفكاك من السيطرة العربية برزت الأشكال الجنينية للقومية الفارسية متحدة بالمذهبية فحدثتْ تحولات المراكز في المشرق العربي الإسلامي، في هذا الحين كتبَ الفردوسي الشاه نامه يعرضُ سيرَ ملوك الفرس وحضارتهم العريقة، ويَعرض بالعرب و(بداوتهم وتخلفهم).

 وهو أثرٌ هامٌ في تاريخ الأدب ولكن دخلته النزعات الضيقة الأفق، وفي الجانب العربي كان الارتداد عن زمنية الفلسفة والفقه العقلاني وبروز للحنبلية في قلب بغداد التي كان يُفترض أن تكون قمة الحضارة، فعادت منطقةُ المشرق لصراعاتها الطائفية (القومية) الغائرة، وأنتقلت مركزيةُ الثقافة المقاربة لشيءٍ من التطور في مصر التي أخذتْ القيادةَ بدءً من هذا الزمن، فتظهر السيرُ الشعبيةُ فيما الأندلس تعطي آخر أنفاسها في أشكال الفلسفة والتاريخ والفقه المغايرة للتدهور الذي جرى في المشرق من صراع القوميتين المضمرتين العربية والفارسية.

 وتظهر الترجمةُ العربيةُ للشاه نامه في مصر زمن السلطنة الأيوبية سنة 1223م، مما يؤدي للرد عليها بسيرة حمزة العرب، لكن دون تهجم عنصري.

 سيرة حمزة البلهوان بأجزائها الأربعة وطبعاتها المختلفة غدتْ أثراً عربياً إنسانياً، لما شكلتهُ من فنيةٍ أدبية مختلفة عن زمانها، والتي قيل إن عز الدين ابن الأثير هو صانعها لكن ثمة إختلافات في الطبعات، وأحياناً لا يوجد اسم مؤلفها كما هي طبعة البحرين الصادرة عن دار الأيام.

 تحتوي ملحمةُ حمزة البلهوان على بعض السلبيات المحدودة مثل غياب السياق العام الموضوعي للبلدان ووجود المرحلة الجاهلية، ومع ذلك فإن مكةَ الإسلامية بإلهها الواحد موجودة ومقدسة، كذلك تنبثقُ شخصيةُ حمزة البطولية من هذا التوحيد الإسلامي في زمن الجاهلية! كما أن فارسَ كسرى تهيمنُ على القسطنطينية واليونان ومصر في هذا العمل خرقاً للجغرافيا والتاريخ، كذلك فإن خريطةَ الأرض فيها وإتساع المسافات بين المدائن والهند وسرنديب لا تُؤخذ بالاعتبار في السرد فتتم الانتقالات الشخصوية بسهولة.

 لكن رغم ذلك فإن السيرة الشعبية (حمزة البهلوان) ذات بنية قريبة للرواية الحديثة، فالعناصرُ العجائبيةُ الساحقة في القص السابق، تتضاءل هنا.

 السردُ في هذه الملحمة يجري في بنيةٍ قريبة للرواية، وفيها قربٌ من الحياة كذلك، ومن التشكيل المتلون، المتعدد الشخصيات، والذي يتتبع بعض خصائص البلدان الموضوعية.

والصراعُ الذي تقيمُهُ هذه السيرة القديمة الرائعة بين بطلها حمزة والإمبراطورية الفارسية بقيادة كسرى ووزيره الشرير(بختك)، لا يعدم هو الآخر بعض العرض الموضوعي، حيث لا يغدو كسرى شريراً أو خيراً، بل هو متلونٌ، يؤثرُ فيه وزيره ويدفعه للصراع ضد حمزة وإبعاده عن الزواج بابنته عبر مهمات خطيرة، وهو صراعٌ معبرٌ عن صراع الأمتين العربية والفارسية في ظروفِ تفكك السيطرة العربية عن فارس وإستقلال الأخيرة وتحولها للتعصب ضد العرب، فيقوم مؤلفُ السيرة بالعودة لتاريخ بطولي سابق على التفكك الإسلامي الراهن وقتذاك، وهو أمرٌ جرى في بقية أشكال الوعي خاصة الفقه والفلسفة.

 وتعتبر المهمات الخطيرة هي لب الجزء الأول من سيرة حمزة، ويعطينا هذا الجزءُ سرداً مشوقاً في مساره العام، حيث تتنامى مغامراتُ الأمير حمزة وهو يجمعُ الخراجَ الذي يأمرهُ بهِ كسرى كوسيلةٍ لجمع نفقات عرسه ابنته، فخزائنُهُ فضتْ على ما أشار بهِ وزيرهُ الشرير كخطة لهزيمة حمزة والعرب عامة.

في الحراك الترحالي الذي هو شبيه بحراك يولسيس في الرواية الإغريقية، لكنه حراكُ صدامٍ مع مدن وحضارات، الساردُ يقتربُ من خصائص المدن والدول التي يدخلها حمزة ويصارعُ حكامَها، فمثلاً تظهر في بلاد الإغريق مظاهرٌ مختلفةٌ عن غيرها من البلدان، مستقاة من الخصائص الجغرافية والمدنية، وكذلك تدخلُ هذه الجوانبُ العمرانية والمدنية في الأحداث، فملكُ بلادِ الإغريق يتآمرُ على حمزة ومقاتليه، ويحول مجرى أحد الروافد النهرية، ويبنيه بشكل آخر ويدعو حمزة للاستمتاع بالحياة والمكان والسباحة بالمجرى المزيف.

 السرد، والوصف، وحبكة الموقف، وتفاصيل البلد اليوناني من بلاط أرضي، وتماثيل وشوارع وأزياء النساء الحرة، تنقلك إلى جو الرواية الحديثة.

 وفي حراكِ جيشِ حمزة الجامع للخراج وهو الشكلُ الإقطاعي من السيطرة الاقتصادية السياسية، تبعيةٌ لكسرى، وتمردٌ عليه، عبر إعادة توزيع الخراج على الناس، وقطعه عنهم بعد سنوات سبع، وإرساله لمكة وليس للمدائن.

جانب الرومانسية السحرية والعشق من أول نظرة نجده في هذا العمل عبر إلتهاب مشاعر حمزة والنسوة اللواتي يلقاهن، وحدوث الحب من أول نظرة. لكن بعض هذا السحر الغرامي له اثر درامي، فابنة ملك اليونان تكشفُ خدعة أبيها وتساعد حمزة على النجاة. كما إننا نقرأ كلمات وصف وتعبير مباشر يقدر للنساء أزيائهن الحرة المختلفة عن المسلمات.

أهم ما يمكن مدحه في هذه الملحمة الطويلة المكتوبة قبل عدة قرون قبل ظهور أول رواية عالمية مُعترف بها ومروج لها عبر المركزية الأوربية وهي(دون كيشوت)، هو هذا السرد البسيط غير المسجوع وكأنك تقرأ سطور جريدة عصرية، وبلا تزويق سجعي وشعري، وعالمُ الجن الغرائبي محدودُ الأثر، وتطورُ الفصولِ يعتمد على فعل الشخصيات وصراعاتها الأرضية الواقعية، ويتداخل فيها الحوار والسرد والجدية بالفكاهة.

 رغم وجود الصراع السلبي وتفكك الشعوب الإسلامية لكن أدى لنتاجات ثقافية مهمة، على العكس من الصراع الراهن.

 55 ــ الجزيرةُ العربيةُ وقوانينُها

للجزيرةِ العربيةِ مستوى من التطور الاجتماعي مختلفٌ عن مستوى الأقطار العربية الشمالية، وقد شُوهد ذلك في الحضاراتِ القديمة وكيف إزدهرتْ في أوديةِ الأنهارِ الكبرى كالنيل ودجلة والفرات، فيما كانت الجزيرةُ العربيةُ ذاتُ بقعٍ حضارية لا تعمُّ ولا تزدهرُ طويلاً وبإتساع مثل تلك.

وحين تفجرتْ حضارةُ الإسلامِ إنتقلتْ بثقلِها الكبير إلى حوضِ الأنهار ثانية حيث وَجدتْ خريطتَها الكبرى فلماذا حدث ذلك ومركزها في مكة؟!

إن هذين المستويين من التطور يتعقدان ويتداخلان بحدةٍ في العصر الراهن.

وعلى المستوى السياسي فإن التداخلات التي تمت ْوأينعت في بعض البلدان العربية لم تزدهر في الجزيرة العربية.

ومثال على ذلك تعدد الجمهوريات في الشمال وندرتها في الجزيرة العربية، والجمهوريةُ الوحيدةُ وهي اليمنية في الجزيرة العربية تعاني أشد المعاناة ولم تنتقلْ لتكونَ نموذجاً متقدماً على جيرانها.

ومن هنا كانت ثورات حرق المراحل في الجزيرة العربية تتسم بتطرفٍ شديد لم يكن له حضور خلاق، كالثورة في عُمان التي كانت شديدة الغرابة والطفولية. وقامت ثورةٌ في جنوب اليمن أممت حتى الدكاكين، لكن الأجيال القديمة وقيادات القبائل والقبائل السياسية لم تراكم تحضراً داخلها.

وعندما حدثت الثورة الراهنة في اليمن قام بها الشبابُ عائدين إلى شعاراتِ الليبرالية الكلاسيكية عبر إيجاد مجتمع ديمقراطي فقط، لكن كيف يجري ذلك وكلُ القيادات والقبائلُ السياسية والأجهزة والرئاسة العتيدة شمولية عنيفة؟

الشباب كفروا بالأجيال القديمة ويريدون فرصاً في الحياة والطبقات القديمة لا تتركهم يتنفسون هواءً سياسياً جديداً؟

وفي عُمان رفضوا طريق المغامرات القديمة وعضوا بأسنانهم السياسية على التطور الإصلاحي المتدرج، لكن هل إستفاد الآخرون أو حتى درسوا هذه التجارب؟

من السهولة أن تخترق الأفكارُ الحديثةُ الجزيرةَ العربية لكن منابت هذه الأفكار صعبة، فإن أهل البادية متجذرون لقرون في حياتهم القديمة، والأشكال التقليدية من الحياة العائلية تعبرُ عن عدم القبول بأية أفكار جديدة، وتظل العائلة أكثر الأشكال مقاومة للتحديث، وإذا تداخلت القبلية والنظم السياسية والدينية والاجتماعية فتغدو أقرب للجبال أو أشد صلابة.

وإنه لأولِ مرةٍ في تاريخ الإنسان تغدو الجزيرةُ العربية موطناً عاماً للتحديث وليس مدناً وامضة، فأنظرْ كم قطعتْ البشريةُ من ملايين السنين وأسستْ من حضارات؟ وكان وسط الجزيرة الهائل مركزاً طارداً للسكان على مر التاريخ فيما هو الآن وعلى العكس ودفعةً واحدة يصيرُ مركزاً جاذباً وبشكل هائل للسكان! والكثيرون يندفعون لمصالحهم ورغباتهم وعواطفهم الحادة والكل يريد أن يأخذ، فلهذا تكون سياسات التأني العقلانية مهمة، وكثرة البحث في مشكلاتنا وكيفية حلها والاعتماد على الإنتاج العقلي في رؤية هذه الأوضاع أمورٌ شديدة الأهمية.

وهنا في وسط الجزيرة العربية نجدُ الثقلَ المحافظ الذي عاشَ طويلاً على الحياة الرعوية من المستحيل أن يقبل الأشكال الحديثة بسهولة ولا بد من تدرج وزحزحة الصخور الثقال بحذرٍ حتى لا تنقلب الصخور على الناس.

ونظراً لغياب الحواضن التاريخية الاجتماعية فقد قامت القوى السياسية على أشكال المغامرة أو على الجمود الحاد، وهي تخرق قوانين التطور الاجتماعية، وتخرق قوانين تطور الأمم. إن الأمة العربية لا تقبل النسخ من الأمم الأخرى، خاصة في هذه الأقسام المحافظة، والمهم أن يكون العرب عرباً، ويعرفوا كيف تطورت العرب، فهي لها قوانين إجتماعية في التطور الفكري السياسي، مثلما أن الأمم الأخرى لها قوانين.

الآن حين غرزت الأمةُ الروسيةُ تطوراتَها السياسيةَ الاجتماعية في سوريا يُصعبُ إنتزاعُ هذه الأشكالِ من لحمِ الشعب السوري وهو يتفتت. مثلما أن الأمةَ الفارسية وإنغراسَ التطورِ الألماني الهتلري في لحمِها يصعب أن تُعالجَ بسهولة، ولا بد أن نكونَ حذرين منها ومن تأثيراتها المَرضية. مثلما أنهم في ظفار حاولوا أن يغرزوا المرضَ الصيني فيها وشُفيت، ولكن نحن في البحرين لدينا عدة أمراض متراكبة لم تُعالج بعد، وجمعنا كافةَ الأمراض الروسية والصينية والعراقية والنسخة اليمنية والنسخة العمانية، وخاتمة الطوفان النسخة الفارسية الإيرانية.

التدرج والإصلاحية المتنامية وعدم إستيراد النسخ والعمل من خلال القوانين الاجتماعية والسياسية لكل بلد هذه هي ثمار تم التوصل إليها خاصة في هذه البلدان ذات التاريخ الصعب.

 56 ــ الدمج القسري في الجزيرة العربية 

تعاني الشعوب العربية من التمزق والتشتت، فقد ورثت هياكل اقتصادية واجتماعية منقسمة مفككة، ففي بداية الدولة الإسلامية كان الحكم قائماً على الدخول الطوعي للقبائل في جسم الدولة المركزية، التي لم تطرح نموذج الدولة المركزية بمؤسساتها العنفية القاهرة، بل طرحت نموذج الدين الواحد الموحِّـد، وتأتي من خلاله عملية التبعية الطوعية للدولة المركزية في عاصمتها الحجازية.

إن عدم ظهور الدولة بمؤسساتها القاهرة، وانبثاق الزكاة كركن من أركان الدين، التي تكون الدولة مسئولة عن تطبيقه، كان يعكس عدم قدرة العرب في ذلك الحين على تجاوز مفهوم الدولة الدينية.

لكن عدم التجاوز هذا كان له نتائجه، فعكست حروب الردة تحول الدخول الطوعي تحت مظلة الدولة إلى دمج قسري، وأخذت الدولة تتوسع بأجهزتها وخاصة العنفية منها، وحلت تدريجياً عن ذلك الانضمام الشعبي الواسع للدولة.

وحين تشابكت مصالح الأقليات الحاكمة في مختلف العواصم التالية بالتحكم الشامل في الأقاليم أخذت مناطقُ الجزيرة العربية في الانتفاض والعودة إلى حكوماتها الداخلية المستقلة، فعادت الأجسامُ السياسية الأساسية كاليمن وعــُمان والبحرين ونجد إلى استقلالها.

لكن ظلت السيطرة من الحكومة المركزية متواجدة بشكل الولاء الديني، أو عبر الحملات العسكرية المتواصلة التي تــُشن بين الحين والآخر.

وإذا كان أقليم الحجاز ذا أهمية خاصة، ولا يمكن أن ينفصل عن جسم الدولة المركزية، وقام الحج بجعله ذا أهمية دينية وتجارية وثقافية كبيرة، فإن الأقاليم الأخرى كانت تفتقد إلى مثل هذا الطابع، فعاشت حياة شبه مستقلة، خاصة المناطق شديدة الرعوية كأقالمي نجد، التي اتاح لها هذه الظرف الانفصال الكلي والقدرة على التدخل والغزو للأقاليم الأخرى.

وهكذا فإن جسم الدولة العربية الإسلامية خاصةً في الجزيرة العربية بمختلف مراحله لم يعرف التوحد الديمقراطي العميق، وكان القصد من هذا الدمج الحصول على الخراج، الذي صار جباية اقتصادية يفرضها النظام بأداته العسكرية.

فلم يحدث أي توحد في الهياكل الاقتصادية بسبب كون الأرض الزراعية هي الوحدة الأساسية في الإنتاج، فظلت القوة وانتزاع الخراج هما المظهران الأساسيان للحكم.

وصار هذا المظهر هو الديمومة المستمرة للدول، فأي مجموعة من القبائل تمتلك قدرة عسكرية تفرض نفوذها وتستولي على الخراج، ثم تأتي قوة أخرى وتزيحها وتعيد نفس السيطرة وهكذا..

ولم تكن التمردات التي سمعنا بها من ظهور للخوارج بفرقهم الكثيرة والقرامطة سوى عمليات انفصالية واستيلاء على الخراج المحلي، فقد كانت هذه الأقاليم بعيدة عن اهتمام السلطة المركزية فما كان منها سوى أن سيطرة على مقاليد الثروة فيها.

لكن هذا الاستيلاء تم بأشكال قسرية حربية من القبائل القوية، فصار الصراع القبلي يكتسي أشكالاً مناطقية ومذهبية، فتظهر دولٌ قبلية، ولكن قانون الصراع والتفكك يواصل عمله داخل الدولة الواحد المنفصلة، فتظهر دويلات في اليمن، وعمان الداخل وعمان الساحل ثم عمان الساحل المتصالح، وتتفكك دولة البحرين الكبيرة إلى مناطق.

فيغدو بناء الدول توحيدي سياسي فوقي وتفكك قاعدي مستمرو أساسه سيطرة مجموعة على الموارد وعدم قدرتها على تشكيل أسلوب توزيعي للثروة.

وقد ورثت الدول الوطنية الحديثة عمليات التفكك هذه وقوانين الصراع الموروثة لقرون عديدة.

ولكن الاستعمار البريطاني ثم الغربي عموماً أدخل جوانب جديدة ومنها ربط المنطقة العربية القليلة السكان بالهند وجنوب شرق آسيا، وأبعادها عن محيطها السكاني والقومي والديني.

وهو مظهر زاد من حدة الصراعات القديمة وأضاف إليها مادة قوية جديدة.

ورغم التطورات الاجتاعية والسياسية الكبيرة بعد القرون الوسطى في الجزيرة العربية، وضخامة البناء الذي جرى بفضل انفجار الثروة النفطية، فإن الانفصال بين السلطات والجمهور العامل ظل مستمراً، وهذا يتجلى بغياب السلطات البلدية المنتخبة، أو عدم فاعليتها الحقيقية، مما يجعل تلك الأقاليم الصغيرة أو الشاسعة لا تلعب أي دور في تقرير معيشتها وأحوالها البعيدة عن العدل في توزيع الثروة على الأقاليم المختلفة.

وقد أدى ذلك إلى تضخم المدن المستمر وزيادة سكانها إلى درجة هائلة، تناقض كلياً ما كان يجري في العصر السابق، وهو أمر أدى إلى زيادة مشكلات الفقر والتلوث والاختلاط الفوضوي بين الأمم، دون وجود أدوات سياسية شعبية قادرة على فحص هذه المشكلات وتفكيك الغامها.

فيلاحظ هنا المظهر المتضاد وهو إنه مع زيادة الثروة وفواضها على مختلف جوانب الاقتصاد تحدث عمليات صراع حادة تتسم بالعنف، كما يحدث بشكل مستمر في اليمن على شكل حروب أهلية وخطف وصراعات مسلحة في الجبال الخ..

أو بشكل أرهاب متسع وصراع مزمن مفكك للبنية الوطنية، وهذا كله يعود إلى أن تلك الثروة المتصاعدة تتجه إلى هياكل الدول التي تقوم بتوزيعها بشكل بيروقراطي.

وكما أن هناك إنجازات كبيرة على أصعدة التحديث والتطور الاجتماعي للسكان لكن (الخوارج) المعاصرين امتلكوا هم أيضاً تطورات واستفادوا من التقنيات العصرية وتسللوا إلى مناطق مدنية، واستغلوا الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين السكان، وبين المناطق، وبين العرب والمسلمين وبين معتنقي الديانات الأخرى.

فحدثت صراعات قبلية ومناطقية باسم المذاهب، وصارت (العودة للإسلام النقي الأصيل) وجهاً لدكتاتورية أخرى تغيبُ مضمونــَها كما غيب الخوارج والمذهبيون السياسيون القدامى أهدافهم الخاصة باسم الإسلام.

إن (الخراج) النفطي المعاصر، يتوزع على جهات دولية ومحلية عديدة، ويثير إشكاليات أكبر وأكثر حدة من الخراج الزراعي القديم، ويجذب إلى دوائر الصراع قوى إقليمية وعالمية كبرى.

فهو لا بلا تحديد كمي، وانعاساته ضخمة حيث يقوم المنتفعون به بجلب عمالة أجنبية متزايدة، وتحتشد المؤسسات الاقتصادية في رقعة صغيرة لدواعي الاعتماد على خدمات الدول الرخيصة المركزة في المدن الكبرى، دون أن تسهم هذه المؤسسات في الاهتمام بجسم الدول الواسع وبتوزيع الثروة على مختلف السكان المواطنين.

ويحتشد أبناء القبائل الفقراء في الجيوش وينقلون همومها إلى أداة التوحيد الوحيدة، وهي الجيش، وستكون لهذا انعكاسه على التطور مع بطء المؤسسات السياسية في عكس رغبات الناس وتغيير ظروفهم.

 57 ــ منهج آخر للجزيرة العربية

الاتجاهات العربية التقليدية تواصل معاركها اللفظية مع الاستعمار والصهيونية.

مضت عقود طويلة ومعارك كبيرة ونتائج خاسرة هائلة، لكن لم تتجدد تلك المناهج والرؤى التقليدية الشمولية، وبقيت خميرة راكدة لم تنضج لطبخة جديدة، ولم تنتج أفكاراً خلاقة، وكادت أن تموت هذه التيارات التي ناضلت طويلاً وتخثرت.

وتمسكت بقوى دينية هي أكثر منها جهلاً بالتطور التاريخي وبالتعقيد السياسي، واللغة بسيطة، والشعار سهل: هاجموا العدو! لكن مهاجمة العدو بتلك المناطحات انتجت المزيد من التراجعات والهزائم.

لم تحدث في هذه الصفوف السياسية تطورات اجتماعية كبيرة: قراءات أعمق للأفكار الحديثة ونشرها بين الناس، إعادة نظر للنظريات والفلسفات والتجارب السياسية، بسبب أن الأجيال الجديدة الملتحقة بالجماعات القومية والدينية لا تقرأ ولا تدرس  وتكتفي بحفظ الشعارات القديمة نفسها.

كذلك فإن احتكاكها بالعمال والفقراء محدود، ولا تسمع سوى الضخ الذي يأتي من بقايا الأنظمة والحركات الشمولية العسكرية، وقد كانت معاركها هي التي إستنزفت القوى البشرية المناضلة وعرت الشجرة الخضراء ولم تبقْ سوى أوراق صفراء تتساقط واحدة بعد أخرى!

إن التصدي للاستعمار والصهيونية والتخلف هو واجب علينا، ولكن كيف ؟

هذه هي القضية!

تداخلت قضية تغيير الأنظمة الشمولية الدموية بقضية التحرر، فقد قامت هذه الأنظمة الشمولية نفسها بإستدعاء القوى الغربية وكرستها في منطقتنا بأساطيلها وأسلحتها، والآن يقوم النظامُ الإيراني بشكل مقارب لذلك، أي يستدعي القوى الغربية والحرائق، بنفس الحجج الواهية عن مقاومة الاستكبار العالمي!

كانت الخطوات تنمو باتجاه التخلص من القوى الغربية، فتضخمت تلك الأنظمة ونفشت ريشها، وخربتْ الكثيرَ من السياسيين والمثقفين لكي يؤيدوا سياستها القومية الاستعراضية التي جلبت النتائج الكارثية المعروفة.

في حين كانت نتائج صراع الأنظمة العسكرية الشمولية في قلب الوطن العربي قد وسعت من الاحتلال الصهيوني، وجاءت سياسة السلام لتخفف من ذلك، ولتنسحب إسرائيل عن مواقع مهمة، ولكن سياسة التهور والانفراد جلبت الكوارث وصعدت القوى المتطرفة في إسرائيل وأعادتها للحكم  وليبقى الأحتلال مرة أخرى!

إن محور المراهقة القومية والدينية يتجدد بأشكال مختلفة، وكلما قام نظامٌ عسكري شمولي حرك قواه المختلفة ليخرب أي علاقات سلمية بين الشعوب، ولتتجدد المعارك دون أي نجاح للعرب وأي تقدم لقضية تحرر أراضيهم وأبعاد القوى الأجنبية عن المنطقة.

سياساتهم كانت وما تزال هي إسقاط الأنظمة ولكن على رؤوس الشعوب!

لماذا لا يقدرون على سياسة النضال التدريجي؟

هذه تتطلب تطوير القوى الشعبية وحياتها وظروفها، ومعارفها وتنظيماتها النقابية والسياسية، وهي سياسة صبورة تتجنب المغامرات وتحول حياة الناس كذلك، وهم لا يستطيعون ذلك، بل هم مشغولون بالمانشيتات الساخنة الحارقة والألعاب النارية.

لا بد من حراك لتغيير التخلف في منطقتنا الجزيرية الخليجية بصورة مغايرة لما ساد عربياً قبل عقود، يجب أن نتجاوز ما ساد عربياً وننفيه فكرياً وسياسياً.

دارسة أوضاع العمال والفقراء وكيفية تغيير حياتهم وتطوير ثقافتهم بما في ذلك الحراك النقابي التحويلي لظروفهم، مع دعم الأنظمة السياسية وتحولاتها الليبرالية والتحديثية والديمقراطية.

دعم تحولات وحريات النساء بما يحافظ على تطور الأسر والتماسك فيها وتكريس العائلة المنتجة الديمقراطية.

 دعم التحولات الإسلامية الديمقراطية، عبر تكريس العقلانية وقراءة تراثنا بصورة موضوعية توحد المسلمين وتحررهم وتشكل روابط عالمية تحديثية نهوضية كبرى بينهم.

تشكيل سياسة خارجية نشطة تستند إلى مبادرة السلام العربية مع تكوين جبهات واسعة من قوى السلام والديمقراطية في المنطقة والعالم لهزيمة التوسع الصهيوني.

تطوير قوى الإنتاج الصناعية والعلمية في المنطقة.

إنها مهماتٌ صعبة في طوفان من التحولات والهجمات والمؤامرات ولكنها ممكنة إذا قاومنا التطرفين المغامر الطفولي والإسرائيلي معاً.

 58 ــ الغزو الأجنبي لعاصمة العرب

ليس من شكٍ في كون مكة منعزلة نائية عن هيمنة الأمبراطوريات هو عاملٌ هامٌ وأساسي في قدرتها على إنتاجِ أمةٍ عربية، ولهذا كانت قبائلُ ربيعة الضخمة الكثيرة في البحرين وبعض نجد، غير قادرةٍ على هذا الفعلِ التاريخي، لمجاورتها للفرس واتباعهم ومخافرهم السياسية من المناذرة، وفيما بعد كان تشكيل بغداد كعاصمة كونية عربية إسلامية قد نأى بها من عمق المحيط العربي، لتغدو عاصمة للمسلمين ككل، ولكن على أطراف (الأمة) العربية، التي يغدو تعبير الأمة سابقاً لأونه فيها، لكنه تمظهرَ بشكلِ شعوبٍ فيما كان سابقاً بشكلِ تحالفٍ قبلي، ثم تجلى في أواخر العصر العثماني كقومية مستقلةٍ وبأدوات الشعار وبضع علاقات مضطردة النمو.

كان الهاجسُ القومي العربي متوارياً في لحمةٍ دينية، رغم أن الرئاسة السياسية واللغوية من نصيب العرب، ثم تم القضاء على الرئاستين؛ السياسية بدخول الفرس والكرد والترك، كمسيطرين على مركز الخلافة، واللغوية بتدهور مكانة اللغة العربية من اللغة الأولى إلى إحدى اللغات الكبيرة في بابل الجديدة وفي الأمبراطورية المتمزقة.

في أزمةِ العاصمة المُعبرة عن أزمةِ أمةٍ متواريةٍ في الرداء الديني، تم إنتاج المذاهب الدينية المعبرة المسلمين ككل، حسب اجتهاداتهم، ثم أخذت المذاهبُ تصطفُ في الصراع القومي المتواري، وحدث استقطابٌ بين الأمم ذات الجذور الرعوية والأمم ذات الجذور الزراعية، ثم تفاقم هذا الصراع بشكل الصراع التركي – الإيراني، وبشكل الصراع السني – الشيعي.

كان العراقُ ضحية لهذا الصراع، وكانت بغداد خاصة، والتي تراجعت كعاصمة، ثم أنتجت أحزاباً وتيارات سياسية تالية ورثت تاريخاً طويلاً من الحماقة.

كانت التيارات السنية والشيعية المعتدلة تصوغ حالة من التعايش الوطني، ثم أضافت إليها التيارات الديمقراطية الحديثة شيئاً ضئيلاً آخر، لكن عقلية الاستقطاب الحادة، وغياب عاصمة التراكم الديمقراطي الوطني الطويلة الأمد، قد جعلت القبلية المتطرفة تعود ثانية وقد تسلحت بالتعصب والقوى الحربية الفتاكة.

مثلما أن المذهبية السنية والشيعية المتطرفتين لدى القلة كانتا تلعبان دور المفجر للصراعات والممزق لخارطة البلد.

إن انتقال بغداد من العمق العربي لأطرافه، وجثومها بين أربع قوميات متناحرة: العرب والفرس والأكراد والترك، وبين المذهبيات الكبرى والأديان الأساسية في المنطقة، كل هذا جعلها قطعة هائلة من الفسيفساء.

ولعبت الدكتاتوريات المتعاقبة؛ الملكية على طريقة ، والجمهورية على طريقة قاسم، والفاشية على طريقة صدام، ثم الاحتلالية على طريقة بوش، أدوارها المختلفة في الحرق للحداثة والديمقراطية والوطنية، وجاءت الأشكال المضادة من المقاومة الحادة مجسدة في استيحاء النماذج الهتلرية منذ الكيلاني حتى القاعدة.

ليس للعراقيين سوى أن يطووا صفحات هذا الماضي العنيف الدكتاتوري، المذهبي والتحديثي، ويشكلوا لحمة وطنية ترتفع فوق الأسنان الحديدية للقوميات والمذاهب، وأن يكون ذلك نقداً فكرياً عميقاً، تتحول فيها الأحزاب إلى أحزاب قوى اجتماعية لا أحزاب قوميات وطوائف، فالإصلاح لا يأتي بالاستمرار في الخطأ، وأحزاب الطوائف والقوميات تلغي الوطن المشترك، مهما تم تدبيج الخطب عن الوطن الواحد المجرد والفارغ من الدلالات الحقيقية.

هناك وطنية واحدة هي الوطنية العراقية، وما عداها هي أمور خارج السياسة العامة، هي جذور قومية ودينية مقدرة لكن لا تصنع هويات وطنية، والحفاظ على هذه الأزدواجية، وطموح كل طائفة في تشكيل دولة وطموح كل قومية في الانفراد بإقليمها وتوحيده مع أقاليم أخرى خارج نطاق الدولة العراقية، فكل هذا هي حروب مضمرة حتى في اعتدالها اللغوي.

وبغداد التي كانت عاصمة إمبراطورية عاش تحت ظلها عشرات الملايين من البشر من الصين حتى السنغال، تعجز الآن عن توحيد زقاق واحد، فهذا هو مسار الطوائف!

 59 ــ جزيرة العرب بلا عرب

إذا سارت معدلات الهجرة الأجنبية بمعدلها الراهن فمن المؤكد بأنها سوف تغير هذه شبه الجزيرة العربية التي كانت دائماً منبع العرب ومقر هجراتهم وتشكل لغتهم وحضارتهم.

لقد حاولت الأمبراطوريات على مر التاريخ كالأمبراطورية الرومانية والأغريقية والفارسية أن تحتل شبه الجزيرة العربية فما استطاعت.

ثم حاولت الأمبراطوريات الحديثة كالبريطانية والفرنسية بدون فائدة أيضاً، خاصة حين كانت الجزيرة بلا مورادها النفطية.

لكن حين ظهرت هذه الموارد تكالبت الدولُ الكبرى على السيطرة على الجزيرة العربية بكل السبل، وقد بلغت الأمبراطورية الأمريكية في ذلك مدى بعيداً، بل وورثت نفوذ الأمبراطوريات السابقة بفضل توجه العالم أكثر فأكثر نحو المركزة الرأسمالية والعولمة، وبسبب ضخامة الإنتاج الأمريكي الصناعي.

وقد عمل التاريخ الماضي على فصل الجزيرة عن العالم العربي الذي كان هو الملجأ لأهل الجزيرة العربية في تدفقهم عبر العصور بسبب القحط الذي يعصف بهذه المناطق القاحلة على مر العصور.

لكن حين تطورت هذه الجزيرة العربية وصار فيها بعض الغنى توجهت لقارات أخرى بعيدة تقيم معها أقوى العلاقات وتستورد منها البشر والمواد السلعية والثقافية.ويبدو أن هذه الخطة قد تداخلت مع عصر النفط، حيث رأى الغرب الاستعماري أهمية استنفاذ موارد الجزيرة العربية قبل أن يتمكن أهلها من التطور الصناعي الكبير، ويوظفوا النفط ومداخيله لثورة صناعية وعلمية في بلدانهم، تعيد تشكيل المنطقة، وتمتد آثارها نحو البلدان العربية الشقيقة لها.

ولهذا كان التفكك وبقاء الهياكل البيروقراطية والحرفية والاستهلاكية تسنفدُ الرساميلَ وتوجهها نحو محافظ الغرب والشرق النقدية، وأن تتوجه طبقاتها الغنية للبذخ وشراء الكماليات الغربية واليابانية بوفرة كبيرة، تتيح لقوى الإنتاج في بلدانها عبور الثورة العلمية والتقنية الجديدة واكتشاف وسائل بديلة للطاقة النفطية.

كذلك توجهت الخطة لإغراق هذه البلدان بالعمالة الأجنبية المتعددة القوميات غير العربية، وجعلها أدوات التأثير على التطور الراهن والمستقبلي، من حيث بقاء هذه الدول في فقر تقني وصناعي وتغييب التراكم الثقافي الإنتاجي الذي يلعب دور الرافعة للثورة الصناعية العلمية.

وبطبيعة الحال فإن العمال الأجانب ليس لهم دخل في مثل هذه المشروعات، فهم أناس يبحثون عن عمل في بلدانهم المكتظة بالسكان بدون فائدة ووجدوا فرصاً في بلدان أخرى، ولكن عدم معرفتهم باللغة العربية عامل هام لوجودهم.

وتكاد أن تكون العمالة العربية القريبة ذات تكاليف أرخص وذات أهمية في تراكم المعرفة الإنتاجية في هذه البلدان، بسبب عامل اللغة والقومية والصلات التاريخية الطويلة.

ليس وجود عمالة عربية سائدة ذا تأثير مهني، بل بسبب تأثيره السياسي، حيث سوف تترابط أجزاء الجسم العربي المفتت، ويكون لذلك تأثيره في نقل الأفكار والمطالبات الاجتماعية والسياسية، ما سوف ينعكس على المادة النفطية الاستراتجية في خاتمة المطاف.

ولو قدر لهذه المادة أن تبقى فإن ملامح جزيرة العرب يمكن أن تتبدل مع أصرار الدول على التوجه شرقاً، والتعامل مع دول غير عربية وغير إسلامية، وتغيير ثقافة المنطقة وتبديل هويتها.

وهو أمرٌ ظهرت بوادره في تفكك وضعف اللغة العربية خاصة في الأجيال الجديدة، وتدهور الإنتاج الفكري وفي ضعف الأنتماء القومي أو في تطرفه بصورة حادة كرد فعل على عمليات التذويب.

 ==

البرجوازي الصغير .. الصغير جداً

جاء وقتُ البرجوازيةِ الوطنية

مرت عقودٌ عديدة منذ أن إنسحبت البرجوازية من العمل السياسي الشوارعي، الذي إنحرف نحو الجمل الثورية المغامرة ومن ثم ركبَ فوق ظهوره الطائفيون السياسيون موجهينه نحو تمزيق صفوف الشعب وحرف مسيرته نحو الديمقراطية والعلمانية والوطنية والتقدم!

اللغات المغامرة الفوضوية السياسية لا تتوافق مع التجارة والاقتصاد، بل هي تتلألأ في البداية ملوحةً بشعاراتها البراقة الزائفة ثم تأتي نوازلُها ومصائبها مرئيةً لكل ذي عينين ولكن البعض لا يرى رغم كثرة الدخان والفواتير الثقيلة فوق ظهر الاقتصاد والناس!

وقد رأى التجارُ كيف دخلت هذه اللغات في معاشهم وقسمتْ صفوفَهم وبدلتْ من أرباحِهم خسائر وجعلت من المستهلكين أعداءً وخصوماً وأجبرتهم على أن تكون لهم أصوات جهيرة تضع حداً لذاك أو تفكر في الطريق القادم وإحتمالاته ودورهم فيه.

بعد عقود من الصمت السياسي فإن التعددية والاختلافات والبلبلة وعدم الوضوح هي ظاهراتٌ طبيعية ومرحلة مؤقتة حتى تتضح السبل، وتخفت قوى المغامرة والطائفية التي ملأت الأفقَ وكأنه لا يوجد سواها.

لا بد من رؤية طبيعة المرحلة وتحديد طابع البنية الاجتماعية الوطنية التي هي جزء من البنية الخليجية العربية، وبدون هذا التحديد لا إبحار آمناً في الأنواء المضطربة والمياه المتعكرة.

هي بنيةٌ رأسمالية وطنية ديمقرطية يتعاونُ فيها رأس المال الحكومي ورأس المال الخاص والعاملون، تضع مشكلاتها وصراعاتها داخل الهيئات التشريعية الوطنية وعبرها تتطور، ومشكلات الديمقراطية والبناء الاقتصادي تُحلُ من خلال المزيد من الديمقراطية.

وقد أثبتت قسماتُ الحداثةِ من وطنيةٍ وعلمانية وديمقراطية أنها الروافعُ الثقيلة للأجسام السياسية الاجتماعية في دول العالم قاطبة، وحين قام المغامرون والانتهازيون السياسيون بحرف هذه الشعارات وإدخالنا في أجواء الطائفية السياسية الملبدة بالغيوم رأينا من خلال تجربتنا الوطنية الثمنَ الباهظ الذي دُفع وما زال يُدفع ولا نعرف متى نتخلص من ثقله وبطشه!

الأصوات التجارية مقسمة ومتكتلة وتعبر عن مصالح ربما كانت صغيرة ومترددة ومضطربة لكنها لم ترتفع للسياسي العام، والوطني العميق، وتعزل الاقتصادي عن السياسي، والتجاري عن الشعبي، والتشريعي البرلماني عن القرار الاجتماعي للغرفة.

فبدون ترسيخ البناء الديقراطي التحديثي ورفده بالأصوات الوطنية التوحيدية وجعله البوصلة الأساسية للتطور لا دور كبيراً للجهات المتعددة الأخرى مهما كان الصراعُ صاخباً فيها.

ولهذا فإن الانفصال الكبير بين البرلمان والغرفة، بين إرادة الشعب المتنامية المتطورة داخل المؤسسة الديمقراطية الجنين، وبين القوى الاجتماعية المختلفة، بين تعاون مختلف الفرقاء، هو لصالح الفوضويين، وتعبيرهم الطائفي التمزيقي هو شكلُ التفتت.

الجر للصراعات الداخلية الهامشية وتفكيك التجار بين كبار وصغار، هو لتغييب البنية الديمقراطية الوطنية وتراكمها، وعدم خلق تعاون سياسي بينها، يركز على العقلانية وبحث المشكلات بعمق وحلها، وهو كله لتغييب صوت الرأسمالية الوطنية وقيامها بدورها بالتعاون مع الرأسمالية الحكومية وخلق الاقتصاد الموَّحد وهو عملٌ سياسي إقتصادي طويل الأمد، والذي فيه مشكلات عديدة تحتاج لحلول.

رؤى واسعة بعيدة النظر تجمع بين المشكلات الراهنة والعميقة وتقدم لها حلولاً عبر خبراء ومشرعين، وتجعل من التجار قوةً إجتماعية سياسية معمقة للديمقراطية والعلمانية الوطنية ولتعدد الرؤى ولجذور المجتمع الإسلامية الإنسانية.

تتحول الغرفة لمختبر إجتماعي سياسي ديمقراطي، يكون فيه التجارُ قادتَهم ومعارفهم وبرامجهم، وهي بفضل التعددية والوطنية تُصقل وتتطور وتنضج مع تعمق التجارب، ومن هنا يظهر قادةٌ للقوى التجارية والاقتصادية ثم للتوجهات السياسية.

البرجوازيةُ الصغيرة والمدارسُ الفكرية

يقوم أفرادٌ متميزون من الفئات البرجوازية الصغيرة بتبني طموحات الطبقات المنتجة، كما فعل التنويرون كروسو وفولتير بتبني آفاق تطور البرجوازية، لكن التشكيلةَ الرأسمالية كانت قد صعدتْ في بعضِ الأقطار الغربية الرئيسية، وانكشفتْ العديدُ من مشكلاتها، ولهذا فإن أفراداً متميزين آخرين تجاوزوها وعبروا عن الطبقات العاملة، لكن هذه الطبقات كانت بلا تراكم فكري مثل البرجوازية، ولهذا فإن هؤلاء الأفرادَ من البرجوازية الصغيرة يطرحون مناهجهم السابقة عبر المادية ويراكمون ثقافةً لهذه الطبقات البسيطة الوعي والتي لا تملكُ الفرصَ لانتاج ثقافة، وهي تترابطُ مع نتاجات هؤلاء عبر الطلائع فيها، أي من يمتلكون الوعي والحماس والوقت خارج العمل الشاق لربطِ نتاجات المتنورين المتحولين لثوريين إلى صفوف العمال، حينئذ يبدأ الأفرادُ المتنورون بالانفصال عن تراثِ فئاتهم ويغربلون ما كتبوه سابقاً وينقدوه.

لهذا سنجدُ كتابات ماركس الهيغلية تتخلى عن طابعها التجريدي المثالي، لتغدو ماديةً آلية في البدايات، ثم تنصهرُ أكثر في الجدل، ورومانسيةُ الثورةِ العمالية المطيحة بالاستغلال دفعةً واحدةً تتشكلُ واقعياً عبر نضال اشتراكي ديمقراطي طويل الأمد والبناءُ الديمقراطي والدراساتُ الموضوعية تعطي النظريةَ حياة برهانيةً ومعرفةً بقوانين البنيةِ الأولية في البلد الواحد، وهو الأمرُ الذي استغرق عقوداً، من دون أن تكتملَ حتى قراءة البلد الواحد لمصيرِ التشكيلة في سياق العالم، لكون القراءة تاريخية متقطعة، خاصةً مع رحيل الأفراد المؤسسين ذوي الخبرة الطويلة، الذين يسلمون أوليةَ النظرية لبرجوازيين صغار جدد كلاسال وقيادة عمالية أكثر وعياً وصلابة.

الانتقالُ من نشاطِ البرجوازية الصغيرة إلى أجيالٍ من الطبقة العاملة بسبب مستوى القواعد الاقتصادية والسياسية والثقافية لبلد متطور ديمقراطياً بصعوبات كبيرة مثل ألمانيا يختلفُ في سياقهِ التاريخي عن روسيا المتجمد في الدكتاتوريات، فهنا في روسيا احتاج انتقال النظرية من البرجوازية الصغيرة الى العمال الكثير من العقود ومازال مضطرباً!

إن الأفراد المناضلين المغيرين للنظام القيصري عاشوا في ظروف الشمولية ولم تحصل النظرية على الظروف الديمقراطية ونضال العمال المستقل، ولهذا فإن الرومانسية بسحق الطبقات كلفتْ كثيراً، فيما كانت الطبقات الاستغلالية تظهرُ من خلال الدعوات (الماركسية).

إن الأفكار الثورية المرتبطة بالانعطافات التاريخية معروفة على مر التاريخ، ولكن ما هو مميز في الماركسية أنها غدت انعطافةً كبرى مختلفة في التاريخ البشري، فقد كشفتْ أساليبَ الانتاج ولم يعد التاريخ مبهماً، ولكن مع هذا فإن الطبقات الاستغلالية تعقبُ المراحلَ الثورية، وتصبح النظريةُ في وجودها الحر عند أفراد متطورين فكرياً وسياسياً صعبة، فالنظريةُ تمتلكها الطبقاتُ الاستغلاليةُ وتمنعُ حراكَها الحر الحافر في الواقع، وإنتاج معرفة موضوعية، فهي تغدو إيديولوجيةً مشوهة، والارتباطُ بين النظرية واستقلال العمال ينتفي، حيث تتم السيطرة على العمال وتوجيههم الى مصالح البيروقراطية، وهم في عملهم الشاق يغدون غير قادرين على تحرير الماركسية من البيروقراطية، ووجود المثقفين الأحرار المميزين ينتفي، ولهذا كان إعدامُ المثقفين البارزين في المكتب السياسي البلشفي، لقطعِ العلاقة بين النظرية والعمال، وبين النظرية وتحليل الواقع. فيما استطاع الغرب المعادي أن يطور الماركسية عبر مفكرين أحرار مستقلين قدموا الثروة الفكرية المتطورة لهذه المدرسة، ولكن يظل إنتاجهم غير معروف ومحاصر.

في العالم الثالث تغدو العلاقات أصعب، وضخامة حجم البرجوازية الصغيرة أكبر، وهنا لا تتعرقل النظرية من فقدان الطبقات العاملة المترابطة فحسب بل ومن هيمنة الطوائف كذلك، ويمكن هنا أن ينقسم (الماركسيون) بحسب الطوائف، وتصبح هنا نقابية شيعية ونقابية سنية ونقابية مسيحية، فالعمال أنفسهم يعيشون بحسب وعيهم في زمنية الاقطاع، وتُطرح مهمات أكبر من مستوى وعيهم وظروفهم.

ولهذا فإن الأحزابَ الماركسية تصبح طوائف موالية لهذا المحور الطائفي القومي أو لذاك المحور الطائفي القومي، مع استمرار ضخ المادة الماركسية الصلبة من التاريخ السوفيتي!

إذا كانت الماركسية وجدت صعوبات هائلة في وجودها في الغرب الديمقراطي، وغدت أحزاباً أما تابعة للرأسماليات الشرقية الشمولية وأما انتهازيةً مؤيدة لرأسمالياتها الخاصة، وصعب عليها إنتاج معرفة موضوعية، وخلق سياسات شعبية تحولية، فكيف الأمر في التشكيلات السياسية الهشة في الشرق؟ وكيف كانت الأمور في هذا الشرق بأن تلتحق الجماعات السياسية المعارضة بدول شمولية كثيرة الكرم على الانتهازيين وبخيلة على شعوبها، وسرعان ما تمسح الطلاء الماركسي الوطني الزائف وتستبدله بالولاء الجديد ولا يحس العمال بالفروق وهم جماعات ريفية في أغلبهم لم يلتحقوا بنقابات إلا مؤخراً ولم يعرفوا الحياة السياسية الحديثة.

غدت الإصلاحات الوطنية وترابط الشعوب والطبقات وتطور الديمقراطية خارج البنى التقليدية مهمة لإعادة التطور الفكري المستقل ولتتطور المدارس الفكرية خارج هيمنات الدول.

صراعُ الإقطاعِ والبرجوازية العربي

يواجه العربُ كما حدث في أوروبا الغربية في زمن النهضة والثورة الصناعية الصراعَ بين الإقطاع والبرجوازية، بشكل أكثر تعقيداً وتأخراً.

صراع الإخوان والقوى الدينية ضد القوى التحديثية خاصة في تبلوره القوي في مصر وتونس، يعني صراعا جوهريا في تشكيلةٍ تقليدية محافظة لم يُحسم.

ورغم ان الإخوان من ضمن الفئات الوسطى، فإنهم جسدوا الإصرار على استمرار التشكيلة الإقطاعية المذهبية العربية.

الإقطاعُ في العالم العربي الإسلامي مختلفٌ عن الإقطاع الأوروبي، حيث تلعب الدولةُ الدورَ المركزي في التشكيلات المختلفة، فهي جهازُ السيطرة الذي يمثل الانتقال من الزمن العبودي العشائري الجاهلي إلى زمن الدولة الأموية وما بعدها، حيث لعبت الدولةُ الأموية شكلَ الانتقال الأولي إلى الإقطاع، وكانت ملكيةُ الأراضي الصوافي والخَراج والضرائب الأشكالَ الاقتصادية لهذه العلاقات الانتاجية التي تقوم الدولةُ فيها بدور مركزي حاسم.

ومهما كان شكلُ الدولِ واسعاً أو ضيقاً، مركزياً أم لا مركزياً، فإن علاقات الانتاج تظل هي نفسها.

وهذه العلاقات الاقتصادية تشكلُ علاقات اجتماعيةً دينية مرتبطة بها ارتباطاً قوياً، فالذكورية المسيطرة والقَبلية تكرس نفسها في الفقه الذي يقننُ تلك العلاقات الاقتصادية والاجتماعية المتداخلة. فهو إذا يقبلُ بخراج السلطة والهيمنة على الأراضي المختارة وعلاقات الزواج، فإنه يدعم تبعية القبائل والأسر والرجال للنظام السائد.

الذكورية المسيطرة واستغلال الفلاحين والنساء والحِرفيين تبقى هي العلاقات الاجتماعية المستمرة، فيما يتغير الحكامُ وتتبدل أشكالُ الدول، وتُحاصر الفئاتُ الوسطى وتغدو ذيليةً للدول مُجهضةَ للعلوم والآداب، لا تستطيعُ أن تؤسسَّ حداثةً ديمقراطية وتبقى في الأشكال الفكرية التقليدية، وتغدو الصراعاتُ الاجتماعية طائفيةً دينية، تحولُ تغييرَ العلاقات المتخلفة إلى صراعٍ ديني وطائفي، فتغرقُ أشكالُ الدولِ في التمزق والجمود.

وهكذا فإن برامجَ الإخوان اعتمدت على استمرارية الإقطاع الطائفي وملكية الأرض الكبيرة وسيادة الرجال الأغنياء عبر تكريس الخلافة أو بدائلها المحلية الراهنة، فأميرُ الجماعة هو الخليفة الذي يكرسُ تلك العلاقات المحافظة القديمة: الهيمنات المتعددة على النساء والفلاحين والعامة والثقافة الدينية النصوصية، إنها حجرُ الزاوية في التقليدية الطائفية، حيث توافق على تطور العلاقات الرأسمالية خارج هذه الحدود ولا تسمح لها باختراقها.

ولكن للحفاظ هذه السيطرة على البناء الاجتماعي التقليدي لا بد من السيطرة على جهاز الدولة، فتغدو رأسمالية الدولة من العهد السابق موجهةً للحفاظ على تلك البُنية الاجتماعية، ولأن رأسمالية الدولة هي مؤسسات اقتصادية كبرى فإنها تُوظفُ لما لا يغير البناء الاجتماعي التقليدي، وتغدو أدلجةَ الشريعة كما كانت في السابق هي الحفاظ على الأحكام الفقهية المؤيدة لصالح سيطرات الرجال التقليدية المطلقة في الأسرة ولا يحدث تحول جوهري عن الأنظمة السابقة المُدعِّية بأنها نهضوية وقومية لأن الطابع الإقطاعي المحافظ كان في عمقها، فأشكالُ الدول تتغير، ولكن يبقى جوهر طابع السيطرة الاستغلالية الأبوية والبيروقراطية والثقافة غير العقلانية هو نفسه.

ولهذا فإن صراع البرجوازية العربية ضد الإقطاع لم يتعمق، بسبب غياب المُلكيات الخاصة الواسعة الصناعية، حيث تتوجه المُلكيةُ الصناعية وعبر انتشارها الواسع لجلبِ النساء للصناعة والتجذر في الأرض والواقع وبتغير طابعِ المُلكية العقارية الزراعية نحو التصنيع وتتحول الثقافة مواكبةً لتفجر التصنيع والمعاهد العلمية التطبيقية ويتحول طابعُ العمال الحِرفيين وغير المتمركزين إلى المصانع الكبرى، وهذه التحولات لم تسمح بها الأنظمةُ الرأسماليةُ الحكومية السابقة، التي هي امتدادٌ جوهري لدولة الخلافة في بلد واحد.

إن طبيعة مُلكية الإخوان الصغيرة والحِرفية والعقارية والخدماتية والمصرفية تؤدي إلى عقليةٍ غير علمية وغير مطورةٍ للنص الإسلامي نحو التحديث والثورة الصناعية العلمية، مثلما كان وعي المعتزلةِ والفقهاء والفلاسفة التقليديين في عصر الخلافة.

تسلقُ البرجوازية الصغيرةِ الديني

في زمنيةِ الرأسماليات الحكومية القومية (الاشتراكية) كان تسلق البرجوازيات الصغيرة على أساس الشعارات اليسارية التوحيدية، حيث كانت الأنظمة بحاجةٍ لتوحد شعبي واسع من أجل بناء البُنى التحتية.

لكن التسلق على ظهور العمال والفلاحين عبر رفع شعاراتهم لم يؤدِ لتغييرٍ كبير في حياة هؤلاء العاملين. والبرجوازيات الصغيرة العسكرية من ضباط وموظفين ومثقفين اغتنى بعضُها وفرشتْ الأرض الاقتصادية السياسية لرأسمالياتٍ نصف ليبرالية وفوضوية في أغلب نماذجها، ولم تخلُ من القبضة الحديدية، ارتفعتْ فيها جماعات حكومية إلى مصاف النبلاء وتهدمت فيها شعارات الجمهورية والاشتراكية.

وحين أفلستْ شعاراتُ القومية والاشتراكية الحكومية الشمولية ظهرتْ البرجوازياتُ الصغيرة بديكوراتٍ جديدة هي الديكوراتُ الدينية.

لم تستطع أنظمةُ الرأسمالية الحكومية إزالةَ الإقطاع، وأدت فوائضُ النفط الوفيرةِ التي جرتْ في البلدان الصحراوية إلى إنعاش الإقطاع الديني مجدداً حيث سال لعابُهُ من التحول الجديد.

وهو إنعاشٌ غذى الشركات المالية والنصوصية الدينية وعودة الأساطير الخرافية للطائفيين السياسيين.

فجأة ظهرت دعاوى الإيمان وحجَّ اليساريون المتطرفون الذين كانوا يزعمون أن الإسلامَ دين وثني، وتحول آخرون لفتح المكتبات الدينية يستوردون الكتب والأشرطة الصفراء يعيدون الجمهور بها للعصور الوسطى.

وفيما كانت بعض المكتبات تزخر بالمؤلفات الإنسانية الأدبية والعلمية صارت على كل الواجهات الكتب الدينية المطبوعة في مطابع حكومية.

وفجأة اختفت الفروق بين التنظيمات الوطنية العلمانية والتنظيمات السياسية الطائفية.

وتبدل المروجون للسياحة والمشروبات الكحولية كذلك إلى مروجين للتدين وطاعة ولي الأمر والاقتداء بالسلف الصالح، مثلما يكتشف قادةُ بعض الفصائل أهمية اللحى لمنع انتشار الجراثيم في الذقون.

الترويج للجماعات الطائفية السياسية من قبل هذه المجموعات التي انهار وعيها النضالي الديمقراطي الحديث جاء في أعقابِ ظهور قطبي الصراع السني والشيعي في المنطقة حيث يزخلا كللا قطب ماكينته الطائفية بالمواد المطبوعة والمروجين المتنقلين بين الجمهور بشكل مكشوف أو مقنع ثم صارت الفضائيات والوسائط الحديثة تغذي بشكلٍ هائل نقل التخلف والعداوات بين المسلمين.

عودةُ الإقطاعِ أو استمراره في البلدان الصحراوية والقروية النفطية قبل البلدان العربية الحكومية العسكرية المتجهة للأزمة ، هو بسبب عدم تحولاتها مثل البلدان الأخرى العسكرية التي أجرت ضربات أكبر للحياة التقليدية، فجاء تأخرُها الفكري السياسي بسببِ عدم وجود فئات وسطى وعمالية تحديثية واسعة، فكانت أشكالُ الوعي والثقافة غيرُ منتشرة بتوسع بين الجماهير، فيسهلُ خداعها من خلال بعض الشعارات واستثمار تقاليدها وإرثها وجرها للنشاط السياسي العنفي الكامن أو الظاهر، كما أن جذورَ المنظمات الطائفية السياسية واعتبار هذه البلدان مركز الهروب للجماعات الدينية، كل هذا جرّ جماهير هذه البلدان للحراك السياسي الجماهيري الفوضوي.

ولهذا فإن الجماعات البرجوازية الصغيرة المتذبذبة بطبيعتها وعدم رسوخ الرؤى التقدمية والديمقراطية داخلها تنجرلا للسائد دائماً، ولكن قفزة هائلة من الاشتراكية والقومية والحداثة إلى الطائفية وثقافة الإقطاع كانت مفضوحة.

ضخ الأنظمة لجزء من ثروات البلدان لهذه الجماعات وتوسيعها وهي الواسعة أصلاً كجزء من بُنى الحرف ومعامل ومصانع المواد الأولية التي تغدق الفوائض على القوى المتنفذة نظراً لعدم وجود أسلوبِ إنتاج وطني متجذر يغذي مختلف الطبقات، يؤدي لتحولات الفوضى والانقلابات الخطرة على التطور.

وهكذا تنقلبُ تنظيمات كانت تتعيش على التسول من الأنظمة إلى أن تكون عدوة لها وتجد سببيات واهية للفوضى السياسية، وتتحالف مع تنظيمات يسارية كانت تعتبرها لوقت سابق قصير ملحدةً خطرةً على الإسلام!

اللاعقلانيةُ والذاتيةُ والمصالح العابرة وانتهاز الفرص والتلاعب بالمذاهبِ والأديان والقيمِ والركوب على ظهور الجماهير غير الواعية وعدم خلق التراكمات التحديثية بصبر وحكمة وبإقناع للشعب وكل هذا لكي تصبحُ هي في مركز الزعامة والسيطرة ويتفق معها أناسٌ لهم مثل هذا الطموح الذاتي وعدم التجذر في المصالح والمبادئ العامة.

إستخدم العلمانيون المرتدون نفس طرق الكهنوت في استغلال الدين وإفراغه من مضمونه النضالي وتأجيره للقوى الاستغلالية للهيمنة على الناس بدلاً من الانتاج العقلاني التحديثي.

بروليتاريا رثةٌ: برجوازيةٌ ضعيفة

تترابط طبقتا الانتاج الحديث البرجوازية والعمال في بناءٍ إقتصادي إجتماعي متداخل، ورغم أن الطبقة المالكة لوسائل الانتاج تعمل على تخفيض الأجور بشكل دائم، والأخرى على رفعها، إلا أن الصراع والتعاون يتطلب النمو المشترك في ظروف كل من الطبقتين ودون ذلك يعني بقاء أساليب ما قبل الرأسمالية متغلغلة مؤثرة معيدةً التاريخ للوراء.

لقد بينت التجارب الغربية الترابط الوثيق بين المكونين رغم التباين الكبير في مستويات المعيشة، وبقاء فرص المغامرات الاقتصادية لدى المالكين. لكنهم لا يستطيعون السيطرة الكلية على البناء الاقتصادي.

فعلى مسار تطورهما الذي يتحدد بمدى تقدم وسائل الانتاج والعلوم ومستوى الحياة الاجتماعية تتقدم عملياتُ تغيير التخلف وازدهار نمو الطبقات المختلفة.

ولم يستطع العالم العربي خلال القرن الماضي أن يتقدم في هذا الأسلوب عميقاً، لدور الفئات الصغيرة والعليا الارستقراطية كذلك في عرقلة تنامي هذا التطور وإتخاذها الدور الوسيط المتذبذب، وفتحها المجالات للأشكال ما قبل الرأسمالية وغير المنتجة في التنامي وعدم قراءاتها للواقع الموضوعي.

لهذا نلاحظ الطبيعة الاجتماعية الاقتصادية الضعيفة للطبقتين المنتجتين، فقد إنتشرت فئات العمال متدنية الأجور، وسادت مصانع العمالة غير الكثيفة في القطاعات الخاصة، ومصانع المواد الخام المُهيمَّن عليها حكومياً والمؤدية للرأسمالية الحكومية وهيمنة البيروقراطية وهروب الفوائض للخارج.

فقامت هذه القوى بإستقدام العمال الريفيين من الداخل والخارج، للحفاظ على أجور متدنية، وينعكس ذلك أيضاً في معيشة العمال حيث المساكن الصغيرة أو الجماعية الرثة، وإستمرار العائلة الممتدة، وعمل النساء المنزلي الواسع، وتصاعد ظاهرات الهجرة، وتوجه الفوائض الاقتصادية نحو الأشكال الرأسمالية غير الانتاجية للحصول على الأرباح السريعة، وهذه الأشكال لا تحتاج لعمال متطورين، وكذلك أستمرت هيمنة العمل اليدوي معبرة تخلف قوى الانتاج، مما يؤدي إلى إستمرار البنية الاقتصادية الاجتماعية المتدنية.

كما أن سيادة هذه الأشكال من الرأسمالية غير المنتجة يزعزعُ الأشكالَ المنتجة، فتتدهور المُلكية الزراعية الانتاجية، عبر تحويل الأراضي الزراعية للبناء، وتنهار الحِرف، وتتدهور أسعارُ المواد الزراعية عامة، مما يدهور حياة الأرياف ويُحدث هجرات إلى المدن، وخلق عروض واسعة من القوى العاملة الرخيصة، الأمر الذي يؤدي لمزيد من تدهور أسلوب إنتاج المواد الخام الراهن.

سيادةُ العمال الزراعيين والمهاجرين والعاطلين والاعتماد على المواد الخام المركزية، يضعفُ الرساميلَ الاقتصادية الصناعية والمنتجة، ويخلق فوضى إجتماعية فكرية سياسية في المجتمعات تتصاعدُ على مر السنين، بأشكالٍ غير ملاحظة بدقة عبر بقاء مستويات الأجور المحدودة والعيش الضيق وضعف التعليم والأمية وتدهور الثقافة العقلانية.

الجمهورُ العامل المتخلف المنهمر على المدن ينقل مستويات وعيه وعاداته مما يؤدي للارتداد التاريخي للوراء، وهو أمرٌ يتداخل مع تدهور الوعي الديني وتصاعد الخطابات النصوصية غير العقلانية والطائفية، عبر المؤسسات العبادية المتاحة والمتداخلة مع الكثافة البشرية المأزومة.

فيما تُحاصرُ البرجوازية الخاصة الصناعية، ويغدو الرأسمال الصناعي في المستويات الدنيا من أشكالِ رأس المال، حيث تتغلب الأشكال المالية والعقارية والتجارية، وهي أشكالٌ لا تتجذر في الأرض، وليس فيها نسبة المخاطرة والتعامل مع مواد الجغرافيا المحلية وكنوز الأرض والبحر وتصعيد الاكتشاف لها وتنمية عناصرها والارتباط الوثيق القوي بالعلوم الوطنية.

كذلك فإن الشكلَ الصناعي الخاص من رأس المال يغدو مُحاصَراً من القوى الرأسمالية العالمية الكبرى التي تدفقُ منتجاتِها المختلفة، المتطورة، وتقيمُ التحالفات مع الأشكال الأخرى من رأس المال، وتستوعب فوائضها لبلدانها.

لهذا تغدو الرأسماليات الحكومية المنتجة للمواد الخام هي الشكلُ التابعُ للرأسماليات العالمية غير المُنافس، وغير المؤدي لتحولات صناعية كبرى تقوم بإستيعاب العمال الكثيرين الضائعين في الأسواق، مما يعمق الأزمات الاقتصادية الاجتماعية مع تدفق المواليد الذين يتكاثرون خاصة في الأرياف والبوادي، وهي أمور تتواكب مع تدهور الوعي الجماهيري.

مع الغياب الواسع للبرجوازية الصناعية والعمال الصناعيين، وتدهور أشكال الوعي الاجتماعي، يتوسع حضور القوى السياسية غير المعتمدة على العلوم وقراءات الواقع ورؤية التطور الموضوعي المأزوم وتصويبه، فتظهر المشروعاتُ السياسية التجريبية ومشروعاتُ التبعية، ومشروعات الرأسماليات الحكومية البيروقراطية المتدهورة المؤدية لتفاقم الأزمات العامة.

البرجوازيةُ الصغيرة والمدارسُ الفكرية

يقوم أفرادٌ متميزون من الفئات البرجوازية الصغيرة بتبني طموحات الطبقات المنتجة، كما فعل التنويرون كروسو وفولتير بتبنى آفاق تطور البرجوازية، لكن التشكيلةَ الرأسمالية كانت قد صعدتْ في بعضِ الأقطار الغربية الرئيسية، وإنكشفتْ العديدُ من مشكلاتها، ولهذا فإن أفراداً متميزين آخرين تجاوزوها وعبروا عن الطبقات العاملة، لكن هذه الطبقات كانت بلا تراكم فكري مثل البرجوازية، ولهذا فإن هؤلاء الأفرادَ من البرجوازية الصغيرة يطرحون مناهجهم السابقة عبر المادية ويراكمون ثقافةً لهذه الطبقات البسيطة الوعي والتي لا تملكُ الفرصَ لانتاج ثقافة، وهي تترابطُ مع نتاجات هؤلاء عبر الطلائع فيها، أي من يمتلكون الوعي والحماس والوقت خارج العمل الشاق لربطِ نتاجات المتنورين المتحولين لثوريين إلى صفوف العمال، حينئذ يبدأ الأفرادُ المتنورون بالانفصال عن تراثِ فئاتهم ويغربلون ما كتبوه سابقاً وينقدوه.

لهذا سنجدُ كتابات ماركس الهيغلية تتخلى عن طابعها التجريدي المثالي، لتغدو ماديةً آلية في البدايات، ثم تنصهرُ أكثر في الجدل، ورومانسيةُ الثورةِ العمالية المطيحة بالاستغلال دفعةً واحدةً تتشكلُ واقعياً عبر نضال إشتراكي ديمقراطي طويل الأمد والبناءُ الديمقراطي والدراساتُ الموضوعية تعطي النظريةَ حياة برهانيةً ومعرفةً بقوانين البنيةِ الأولية في البلد الواحد، وهو الأمرُ الذي أستغرق عقوداً، دون أن تكتملَ حتى قراءة البلد الواحد لمصيرِ التشكيلة في سياق العالم، لكون القراءة تاريخية متقطعة، خاصةً مع رحيل الأفراد المؤسسين ذوي الخبرة الطويلة، الذين يسلمون أوليةَ النظرية لبرجوازيين صغار جدد كلاسال وقيادة عمالية أكثر وعياً وصلابة.

الانتقالُ من نشاطِ البرجوازية الصغيرة إلى أجيالٍ من الطبقة العاملة بسبب مستوى القواعد الاقتصادية والسياسية والثقافية لبلد متطور ديمقراطياً بصعوبات كبيرة مثل ألمانيا يختلفُ في سياقهِ التاريخي عن روسيا المتجمد في الدكتاتوريات، فهنا في روسيا إحتاج إنتقال النظرية من البرجوازية الصغيرة للعمال أ للكثير من العقود ولا زال مضطرباً!

إن الأفراد المناضلين المغيرين للنظام القيصري عاشوا في ظروف الشمولية ولم تحصل النظرية على الظروف الديمقراطية ونضال العمال المستقل، ولهذا فإن الرومانسية بسحق الطبقات كلفتْ كثيراً، فيما كانت الطبقات الاستغلالية تظهرُ من خلال الدعوات(الماركسية).

إن الأفكار الثورية المرتبطة بالانعطافات التاريخية معروفة على مر التاريخ، ولكن ما هو مميز في الماركسية أنها غدت إنعطافةً كبرى مختلفة في التاريخ البشري، فقد كشفتْ أساليبَ الانتاج ولم يعد التاريخ مبهماً، ولكن مع هذا فإن الطبقات الاستغلالية تعقبُ المراحلَ الثورية، وتصبح النظريةُ في وجودها الحر عند أفراد متطورين فكرياً وسياسياً صعبة، فالنظريةُ تمتلكها الطبقاتُ الاستغلاليةُ وتمنعُ حراكَها الحر الحافر في الواقع، وإنتاج معرفة موضوعية، فهي تغدو إيديولوجيةً مشوهة، والارتباطُ بين النظرية وإستقلال العمال ينتفي، حيث تتم السيطرة على العمال وتوجيههم لمصالح البيروقراطية، وهم في عملم الشاق يغدون غير قادرين على تحرير الماركسية من البيروقراطية، ووجود المثقفين الأحرار المميزين ينتفي، ولهذا كان إعدامُ المثقفين البارزين في المكتب السياسي البلشفي، لقطعِ العلاقة بين النظرية والعمال، وبين النظرية وتحليل الواقع. فيما إستطاع الغرب المعادي أن يطور الماركسية عبر مفكرين أحرار مستقلين قدموا الثروة الفكرية المتطورة لهذه المدرسة، ولكن يظل إنتاجهم غير معروف ومحاصر.

في العالم الثالث تغدو العلاقات أصعب، وضخامة حجم البرجوازية الصغيرة أكبر، وهنا لا تتعرقل النظرية من فقدان الطبقات العاملة المترابطة فحسب بل ومن هيمنة الطوائف كذلك، ويمكن هنا أن ينقسم (الماركسيون) حسب الطوائف، وتصبح هنا نقابية شيعية ونقابية سنية ونقابية مسيحية، فالعمال أنفسهم يعيشون حسب وعيهم في زمنية الاقطاع، وتُطرح مهمات أكبر من مستوى وعيهم وظروفهم.

ولهذا فإن الأحزابَ الماركسية تصبح طوائف موالية لهذا المحور الطائفي القومي أو لذاك المحور الطائفي القومي، مع إستمرار ضخ المادة الماركسية الصلبة من التاريخ السوفيتي!

إذا كانت الماركسية وجدت صعوبات هائلة في وجودها في الغرب الديمقراطي، وغدت أحزاباً أما تابعة للرأسماليات الشرقية الشمولية وأما إنتهازيةً مؤيدة لرأسمالياتها الخاصة، وصعب عليها إنتاج معرفة موضوعية، وخلق سياسات شعبية تحولية، فكيف الأمر في التشكيلات السياسية الهشة في الشرق؟ وكيف كانت الأمور في هذا الشرق بأن تلتحق الجماعات السياسية المعارضة بدول شمولية كثيرة الكرم على الانتهازيين وبخيلة على شعوبها، وسرعان ما تمسح الطلاء الماركسي الوطني الزائف وتستبدله بالولاء الجديد ولا يحس العمال بالفروق وهم جماعات ريفية في أغلبهم لم يلتحقوا بنقابات إلا مؤخراً ولم يعرفوا الحياة السياسية الحديثة.

غدت الاصلاحات الوطنية وترابط الشعوب والطبقات وتطور الديمقراطية خارج البنى التقليدية مهمة لإعادة التطور الفكري المستقل ولتتطور المدارس الفكرية خارج هيمنات الدول.

البرجوازية الصغيرة والتشيكلات والمراحل

يقوم أفراد متميزون من الفئات البرجوازية الصغيرة بتبني طموحات الطبقات المنتجة، كما فعل التنويرون كروسو وفولتير بتبنى آفاق تطور البرجوازية، لكن التشكيلة الرأسمالية كانت قد صعدت في بعض الأقطار الغربية الرئيسية، وإنكشفت العديد من مشكلاتها، ولهذا فإن أفراداً متميزين تجاوزوها وعبروا عن الطبقات العاملة، لكن هذه الطبقات كانت بلا تراكم فكري مثل البرجوازية، ولهذا فإن هؤلاء الأفراد من البرجوازية الصغيرة يطرحون مناهجهم السابقة على المادية ويراكمون ثقافة لهذه الطبقات البسيطة الوعي والتي لا تملك الفرص لانتاج ثقافة، وهي تترابط مع نتاجات هؤلاء عبر الطلائع فيها، من يمتلكون الوعي والحماس والوقت خارج العمل الشاق لربط نتاجات المتنورين المتحولين لثوريين إلى صفوف العمال، حينئذ يبدأ الأفراد المتنورون بالانفصال عن تراث فئاتهم ويغربلون ما كتبوه سابقاً وينقدوه.

لهذا سنجد كتابات ماركس الهيغلية تتخلى عن طابعها التجريدي المثالي، لتغدو مادية آلية في البدايات، ثم تنصهر أكثر في الجدل، ورومانسية الثورة العمالية المطيحة بالاستغلال دفعةً واحدةً تتشكل واقعياً عبر نضال إشتراكي ديمقراطي طويل الأمد والبناءُ الديمقراطي والدراساتُ الموضوعية تعطي النظريةَ حياة برهانيةً ومعرفةً بقوانين البنية الأولية في البلد الواحد، وهو الأمرُ الذي أستغرق عقوداً، دون أن تكتمل حتى قراءة البلد الواحد، لكون القراءة تاريخية متقطعة، خاصة مع رحيل الأفراد المؤسسين ذوي الخبرة الطويلة، الذين يسلمون أولية النظرية لبرجوازيين صغار جدد كالاسال وقيادة عمالية أكثر وعياً وصلابة.

الانتقال من نشاط البرجوازية الصغيرة إلى أجيال من الطبقة العاملة بسبب القواعد الاقتصادية والسياسية والثقافية لبلد متطور ديمقراطياً بصعوبات كبيرة مثل ألمانيا يختلف في سياقه التاريخي عن روسيا المتجمد في الدكتاتوريات، فهنا إنتقال النظرية من البرجوازية الصغيرة للعمال أحتاج للكثير من السنوات ولا زال مضطرباً!

إن الأفراد المناضلين المغيرين للنظام القيصري عاشوا في ظروف الشمولية ولم تحصل النظرية على الظروف الديمقراطية ونضال العمال المستقل، ولهذا فإن الرومانسية بسحق الطبقات كلفت كثيراً، فيما كانت الطبقات الاستغلالية تظهر من خلال الدعوات(الماركسية).

إن الأفكار الثورية المرتبطة بالانعطافات التاريخية معروفة على مر التاريخ، ولكن ما هو مميز في الماركسية أنها غدت إنعطافة مختلفة في التاريخ البشري، فقد كشفت أساليب الانتاج ولم يعد التاريخ مبهماً، ولكن مع هذا فإن الطبقات الاستغلالية تعقب المراحل الثورية، وتصبح النظريةُ في وجودها الحر عند أفراد متطورين فكرياً وسياسياً غير ممكنة، فالنظرية تمتلكها الطبقات الاستغلالية وتمنع حراكها الحر الحافر في الواقع، وإنتاج معرفة موضوعية، فهي تغدو إيديولوجية مشوهة، والارتباط بين النظرية وإستقلال العمال ينتفي، حيث تتم السيطرة على العمال وتوجيههم لمصالح البيروقراطية، وهم في عملم الشاق يغدون غير قادرين على تحرير الماركسية من البيروقراطية، ووجود المثقفين الأحرار المميزين ينتفي، ولهذا كان إعدام المثقفين البارزين في المكتب السياسي، لقطع العلاقة بين النظرية والعمال، وبين النظرية وتحليل الواقع.

في العالم الثالث تبدو العلاقات أصعب، وضخامة حجم البرجوازية الصغيرة أكبر، وهنا لا تتعرقل النظرية من فقدان الطبقات العاملة المترابطة فحسب بل ومن هيمنة الطوائف كذلك، ويمكن هنا أن ينقسم (الماركسيون) حسب الطوائف، وتصبح هنا نقابية شيعية ونقابية سنية ونقابية مسيحية، فالعمال أنفسهم يعيشون حسب وعيهم في زمنية الاقطاع، وتُطرح مهمات أكبر من ظروفهم.

ولهذا فإن الأحزاب الماركسية تصبح طوائف موالية لهذا المحور الطائفي القومي أو لذاك المحور الطائفي القومي، مع إستمرار ضخ المادة الماركسية الصلبة من التاريخ السوفيتي!

إذا كانت الماركسية وجدت صعوبات هائلة في وجودها في الغرب الديمقراطي، وغدت أحزاباً أما تابعة للرأسماليات الشرقية الشمولية وأما إنتهازية مؤيدة لرأسمالياتها الخاصة، وصعب عليها إنتاج معرفة موضوعية، فكيف الأمر في التشكيلات السياسية الهشة في الشرق؟ وكيف كانت الأمور في هذا الشرق بأن تلتحق بالجملة بدول شمولية كثيرة الكرم على الانتهازيين وبخيلة على شعوبها، وسرعان ما تمسح الطلاء الماركسي الزائف وتستبدله بالولاء الجديد ولا يحس العمال بالفروق وهم جماعات ريفية في أغلبهم لم يلتحقوا بنقابات إلا مؤخراً ولم يعرفوا الحياة السياسية الحديثة.

تسلقُ البرجوازية الصغيرةِ الديني

في زمنيةِ الرأسماليات الحكومية القومية(الاشتراكية) كان تسلق البرجوازيات الصغيرة على أساس الشعارات اليسارية التوحيدية، حيث كانت الأنظمة بحاجةٍ لتوحد شعبي واسع من أجل بناء البُنى التحتية.

لكن التسلق على ظهور العمال والفلاحين عبر رفع شعاراتهم لم يؤدِ لتغييرٍ كبير في حياة هؤلاء العاملين. والبرجوازيات الصغيرة العسكرية من ضباط وموظفين ومثقفين إغتنى بعضُها وفرشتْ الأرض الاقتصادية السياسية لرأسمالياتٍ نصف ليبرالية وفوضوية في أغلب نماذجها، ولم تخلُ من القبضة الحديدية، إرتفعتْ فيها جماعات حكومية إلى مصاف النبلاء وتهدمت فيها شعارات الجمهورية والاشتراكية.

وحين أفلستْ شعاراتُ القومية والاشتراكية الحكومية الشمولية ظهرتْ البرجوازياتُ الصغيرة بديكوراتٍ جديدة هي الديكوراتُ الدينية.

لم تستطع أنظمةُ الرأسمالية الحكومية إزالةَ الإقطاع، وأدت فوائضُ النفط الوفيرةِ التي جرتْ في البلدان الصحراوية إلى إنعاش الإقطاع الديني مجدداً حيث سال لعابُهُ من التحول الجديد.

وهو إنعاشٌ غذى الشركات المالية والنصوصية الدينية وعودة الأساطير الخرافية للطائفيين السياسيين.

فجأة ظهرت دعاوى الإيمان وحجَّ اليساريون المتطرفون الذين كانوا يزعمون أن الإسلامَ دين وثني، وتحول آخرون لفتح المكتبات الدينية يستوردون الكتب والأشرطة الصفراء يعيدون الجمهور بها الجمهور للعصور الوسطى.

وفيما كانت بعض المكتبات تزخر بالمؤلفات الإنسانية الأدبية والعلمية صارت على كل الواجهات الكتب الدينية المطبوعة في مطابع حكومية.

وفجأة إختفت الفروق بين التنظيمات الوطنية العلمانية والتنظيمات السياسية الطائفية.

وتبدل المروجون للسياحة والمشروابات الكحولية كذلك إلى مروجين للتدين وطاعة ولي الأمر والاقتداء بالسلف الصالح، مثلما يكتشف قادةُ بعض الفصائل أهمية اللحى لمنع إنتشار الجراثيم في الذقون.

الترويج للجماعات الطائفية السياسية من قبل هذه المجموعات التي إنهار وعيها النضالي الديمقراطي الحديث جاء في أعقابِ ظهور قطبي الصراع الحكوميين السني والشيعي في المنطقة حيث يزخُ كلُ قطب ماكينته الطائفية بالمواد المطبوعة والمروجين المتنقلين بين الجمهور بشكل مكشوف أو مقنع ثم صارت الفضائيات والوسائط الحديثة تغذي بشكلٍ هائل نقل التخلف والعداوات بين المسلمين.

عودةُ الإقطاعِ أو إستمراره في البلدان الصحراوية والقروية النفطية قبل البلدان العربية الحكومية العسكرية المتجهة للأزمة ثم الانهيار، هو بسبب عدم تحولاتها مثل البلدان الأخرى العسكرية التي أجرت ضربات أكبر للحياة التقليدية، فجاء تأخرُها الفكري السياسي بسببِ عدم وجود فئات وسطى وعمالية تحديثية واسعة، فكانت أشكالُ الوعي والثقافة غيرُ منتشرة بتوسع بين الجماهير، فيسهلُ خداعها من خلال بعض الشعارات وإستثمار تقاليدها وإرثها وجرها للنشاط السياسي العنفي الكامن أو الظاهر، كما أن جذورَ المنظمات الطائفية السياسية وأعتبار هذه البلدان مركز الهروب للجماعات الدينية، كل هذا جرّ جماهير هذه البلدان للحراك السياسي الجماهيري الفوضوي.

ولهذا فإن الجماعات البرجوازية الصغيرة المتذبذبة بطبيعتها وعدم رسوخ الرؤى التقدمية والديمقراطية داخلها تنجرُّ للسائد دائماً، ولكن قفزة هائلة من الاشتراكية والقومية والحداثة إلى الطائفية وثقافة الإقطاع كانت مفضوحة.

ضخ الأنظمة لجزء من ثروات البلدان لهذه الجماعات وتوسيعها وهي الواسعة أصلاً كجزء من بُنى الحرف ومعامل ومصانع المواد الأولية التي تغدق الفوائض على القوى المتنفذة نظراً لعدم وجود أسلوبِ إنتاج وطني متجذر يغذي مختلف الطبقات، يؤدي لتحولات الفوضى والانقلابات الخطرة على التطور.

وهكذا تنقلبُ تنظيمات كانت تتعيش على التسول من الأنظمة إلى أن تكون عدوة لها وتجد سببيات واهية للفوضى السياسية، وتتحالف مع تنظيمات يسارية كانت تعتبرها لوقت سابق قصير ملحدةً خطرةً على الإسلام!

اللاعقلانيةُ والذاتيةُ والمصالح العابرة وإنتهاز الفرص والتلاعب بالمذاهبِِ والأديان والقيمِ والركوب على ظهور الجماهير غير الواعية وعدم خلق التراكمات التحديثية بصبر وحكمة وبإقناع للشعب وكل هذا لكي تصبحُ هي في مركز الزعامة والسيطرة ويتفق معها أناسٌ لهم مثل هذا الطموح الذاتي وعدم التجذر في المصالح والمبادئ العامة.

إستخدم العلمانيون المرتدون نفس طرق الكهنوت في إستغلال الدين وإفراغه من مضمونه النضالي وتأجيره للقوى الاستغلالية للهيمنة على الناس بدلاً من الانتاج العقلاني التحديثي وتطوير الوعي.

البرجوازية الصغيرة والطوائف

يمثل جسم فئات البرجوازية الصغيرة أغلب الأجسام الاجتماعية المتذبذبة بين الطبقات والتيارات في كل مرحلة، وليست مرحلتنا هذه بمغايرة في هذا.

في المرحلة السابقة كان الصراع بين الوعي الاشتراكي الحكومي من جهة والرأسمالية الخاصة المنكفئة من جهة أخرى، كانت الفئات الصغيرة الصاخبة تزايد على الاشتراكية وإزالة الطبقات الاستغلالية أو تطرحها بعقلانية مثالية فاقدة لأسس المادية التاريخية.

كانت رأسمالية الدولة بأقصى أشكالها في سحق المُلكية الخاصة هي ذاتها قفزة متطرفة، وهي ستقوم بهدم التحالف العقلاني الصراعي المنتظر والذي ومض في بداية القرن العشرين العربي بين البرجوازية والعمال لتحويل الأنظمة التقليدية التابعة، في ديمقراطيات متنامية.

لكن تطرف هذه المجموعات قطع الطريق على التدرج والتنامي الإصلاحي، مما خلق ثنائية الحرب الباردة التي كانت تحطيماً نارياً على القوى الديمقراطية المناضلة الصغيرة في أحشاء المجتمعات التقليدية النامية، وعلى الطبقتين المنتجتين العمالية والبرجوازية في الدول (الاشتراكية) الحكومية الشمولية.

وبعد أن إنقشع السراب الاشتراكي المتطرف عادت المجتمعات لمستويات إيديولوجية سياسية محافظة متطرفة في الرجعة للوراء كما كان تطرفها في القفزات إلى الإمام!

المجتمعات التي تطورت إقتصادياً وإجتماعياً بعض الشيء تراجعت للوراء كثيراً في الفهم الإيديولوجي للحياة والصراعات.

فما تستخدمه ليس هو الإسلام أو الاشتراكية أو الليبرالية، بل هو مصطلحاتٌ معلبةٌ وشعاراتٌ غير متجذرة في تُربٍ موضوعية، بل مسلوقة ونيئة، ومقدمة بأعداد هائلة صاخبة للجماهير.

وطريقة السلق هي واحدة في هذه المجموعات رغم مواقعها الإيديولوجية المتنافرة. فهي ترفض النمو المتدرج في بنى رأسمالية متخلفة شرقية واضحة القسمات، وتقدم تصوراً إيديولوجيا من خيالها الواسع، فبداية هي لا تقرأ هذه البنى الشرقية، بسبب أن مشاعرها الحادة وجملها الصاخبة ترفض الواقعَ الموضوعي، فهي تريد القفز لنموذجها الذي يقف كالعصفور على يدها، فالاشتراكية والإسلام والغرب المتطور هي بمتناول اليد عبر تدفق الجمهور العاطفي الساحق نحو الهدف المنشود العزيز، والذي سوف يتحقق بوثبات.

لكن ما هو الواقع الموضوعي؟ هذا لا يهم.

وحين فشل مشروع القفزة الاشتراكية الذي تأسس على حزب طليعي منهصر في التعبير عن الطبقة العاملة، حيث البرجوازية الصغيرة لا تعترف عملياً بصراع الطبقات، بل تفرض ذاتها في الجماعة فتغدو معبرة عن العمال، ولاتقبل بصراع الاتجاهات والديمقراطية، لأن الهدف في متناول اليد عبر التضحيات ولكن البرجوازية الصغيرة ستجد نفسها بلا عمالل وأنهم ذهبوا لغيرها!

الديمقراطيةُ البرجوازيةُ العماليةُ

إذا كان المصنعُ هو أساس الحياة الاقتصادية للمجتمع، فإن المستثمرين والعمال هم أساس تطوره الاجتماعي السياسي على مدى العصر الحديث حتى ينطفئ هذا الأسلوب تدريجياً.

هذه الضرورة لا تتكشف من أول وهلة بل عبر مجرى الزمن الاجتماعي الصراعي الطويل.

في البدايات لا يكون للعمال وجود إجتماعي سياسي، فهم كم مهمل، لكن الضرورات الاقتصادية وتطور الصناعة وإنتشار التعليم والوعي النقابي والسياسي، يجعل لهذه المجموعات المفتتة كيان طبقة بعد عقود طويلة.

أما الوجود السياسي وكونها طبقة مؤثرة ليس في المصانع فحسب بل في البرلمان والمؤسسات السياسية فهي مسائل تتعلق بمدى تطور الديمقراطية الاجتماعية السياسية في المجتمع: تغير طبيعة العائلة الكبيرة، وإنتشار الثقافة الموسوعية وسط العمال، وظهور العائلة العمالية المكثفة المتطورة، وتحول العمال اليدويين المستمر لعمال تقنيين وخبراء وعلماء، وهذا يتعلق بمجرى تطور الثورة العلمية التقنية.

زمنيةُ العمالِ اليدويين الأكثر تخلفاً تحددُ زمنيةَ البرلمانات التي تملأها البرجوازية وفئاتها المتعددة، في هذا الزمن لا يستطيع العمالُ فهمَ السياسة وتنتشر الأمية بينهم، هذه الزمنية تؤجج الأحقاد وإستعمال العنف من قبل فئات من العمال، وفي هذا الزمن النقابات ضعيفة والأحزاب الاشتراكية ذات نهج شمولي.

تتطور البرجوازية والعمال في مجرى الصراع التعاوني، فالأولى تقودُ تطور وسائل الانتاج، وتربط المصانع بمعاهد البحوث، وتطور العلوم المرتبطة بالانتاج، وهو أمر يقود لتوسع فهم العالم، وتنشأ فئاتُ العلماء المنفصلة عن الانتاج في بادئ الأمر، ثم تتغلغل العلومُ في المصانع وفي فئات العمال، فتتضاءل الشمولية وسط الطبقات العمالية وتغدو منتجة في الوعي السياسي الديمقراطي.

تعتمد تطورية البلدان على تطور المصانع وعلاقاتها بالعلوم والتقنية، ووجود الأسواق والمواد الخام، وتضيق الأسواق بشكل دائم فتتوسع البلدانُ الرأسمالية المندمجة مع بعضها البعض، مثلما يصبح العمال قوة إجتماعية قارية. ولهذا فإن أوربا الغربية تغدو أكثر ديمقراطية فيما يلعب الحجم الاقتصادي الضخم في الولايات المتحدة دوره في التوسع والاستعمار وخسارة الفوائض الاقتصادية على التسلح والحروب، ويبقى العمال فيها قوة غير مؤثرة على التطور الاقتصادي السياسي. ولهذا فإن أزماتها الأكبر في الطريق. الاعترافُ المتأخرُ بالعمال كقوة سياسية يخلف قوى الانتاج ويؤزم التطور سواءً في الغرب أو الشرق.

في بعض البلدان النامية ترتفعُ راياتُ العمال الحمراء والمتعددة الألوان كقوةٍ سياسية مجردة فالمستوى الاجتماعي المتخلف لهم والهيمنة السياسية الإيديولوجية الزائفة عليهم يجعلان الفئات الوسطى الصغيرة أو الارستقراطية أو الإقطاع تزيح الطبقتين المنتجتين وتتحكم في الفوائض، ويختنق التطور الاجتماعي السياسي الديمقراطي لعقود حتى يظهر مجدداً ويغدو العمالُ أكثر الخاسرين وتتشوه البناءات الاقتصادية: ضخامةٌ في الرساميل غيرِ المنتجة وتقزمٌ في المنتجة منها؛ سواءً كان ذلك بسبب البذخ أو التسلح أو التوجهات للأرباح السريعة، لكن السبب الأهم هو غياب الجدلية الصراعية التعاونية بين المستثمرين والعمال، وعدم تحول الديمقراطية لترشيد إقتصاد السوق نحو تطوير قوى الانتاج البشرية والمادية.

في البلدان النامية ضخامة أعداد العمال الهامشيين والعاطلين وغير المؤثرين في الحياة الاجتماعية، تعبيرٌ عن ضعف الانتاج، وإنهيار الانتاج القديم وعدم التمركز في المصانع وضعف صلاتها بالعلوم والتقنية، ولا توجد برجوازية صناعية هنا، بل فئات وسطى صغيرة تفتقدُ القدرة على تكوين الرساميل الصناعية ولهذا تكون ذات وعي ديني، حيث لم يندغم الوعي هنا بالعلوم وقراءة الطبيعة وتطوير العمال والمصانع.

الضرورات تكسرُ الأشكالَ الحِرفية الصغيرة، مثلما تتضخم رؤوس الأموال، ويتمركز العمال، وتتصل المصانع بالتقنيات والمعارف الحديثة، فيكرر الشرقُ مسارَ الغرب بصور أسرع، وتصبح القاراتُ السكانيةُ قادرةً على تجاوزه حين تطور صراع المستثمرين والعمال التعاوني الديمقراطي، فيصبح القرن الواحد والعشرين بدايات العصر البرجوازي العمالي العالمي المشترك المديد في القرون القادمة.

ثورةٌ تقودُها البرجوازية الصغيرة

هذا عنوانٌ كتبهُ الكاتبُ المصري الراحل ميشيل كامل في أعقاب النتائج الكارثية لحرب يونيو 1967، وكانت دراسةٌ مفصلية في الوعي العربي الراقد على مخدة الأحلام السياسية المتحولة لكوابيس، ونحن نستعيرُهُ هنا لكون الطبقة التجريبية الانتهازية ما زالت تلعبُ دوراً رئيسياً خطيراً ولكن من خلال وعي إيديولوجي مختلف شكلاً هو الشكل المذهبي السياسي.

هيمنةُ القوى العسكرية في المرحلة السابقة التي رفضتْ التراكمات الديمقراطية والعقلانية والعلمانية في الأنظمة المَلكيةِ التي ثارتْ عليها وأعلتْ المراهقةَ والمغامرة فأدخلتْ تلك البلدان في تجريبياتٍ حارقة.

وبعد حراك الأنظمة العسكرية خلال عقود نجدُ أن الُبنى الاجتماعية في تلك الأنظمة العربية ما زالت على نفس تركيبتِها الأساسية دون تغييرات عميقة، وإن جماعات الإخوان المسلمين لا تقدم تحولاً نوعياً ديمقراطياً، مثلها مثل ولاية الفقيه الإيرانية التي هي النظام العسكري الدكتاتوري الأخير في المنطقة العربية الإسلامية ولم يسقط حتى الآن كأشباهه من الأنظمة العسكرية العربية والإسلامية بسبب خلطه الأوراق التاريخية والدينية.

تتضح من الدراسات العربية المختلفة بأن الأنظمة العسكرية التي ثارت عليها الشعوبُ العربية لم تغير البُنى الاجتماعية بعد تلك العقود.

(.. إذا انتقلنا إلى توزيع المنشآت في الاقتصاد المصري طبقاً لفئات عدد المشتغلين، يُلاحظ أن الأغلبية العظمى من المنشآت(92%)،(إثنان وتسعون بالمائة) هي منشآت صغيرة الحجم أو متناهية الصغر، تستخدم من واحد إلى أربعة عمال، بينما المنشآت التي تستخدم من خمسة عمال إلى تسعة لا تزيد عن 6.2%(ستة واثنين من عشرة بالمائة) من جملة المنشآت، مما يدل على غلبة الانتاج السلعي الصغير في الاقتصاد المصري)، رأسمالية المحاسيب، د. محمود عبد الفضيل، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

لقد قامت القوى العسكرية خلال العقود السابقة بالاستحواذ على مصادر الثروة وكونتْ الرأسماليةَ الكبيرةَ البيروقراطية ولم تُعدْ الفوائضَ الكبرى للانتاج، فبقيت البُنى الاجتماعيةُ الاقتصادية في نفس التكوين السابق. ومن هنا فإن المصانعَ الكبرى لم تتحول إلى الخلية الاقتصادية الأساسية فتغيرُ طابعَ الاقتصاد المتخلف.

إن نسبة المنشآت الصغيرة والمتناهية الصغر تصل إلى 92% (اثنين وتسعين بالمائة) فيما المنشآت الكبيرة لا تشكل سوى 4% (أربعة بالمائة)، وهذه الأرقام تبين حجم الفئات البرجوازية الصغيرة الواسعة سواءً عبر المُلكيات الصغيرة الحِرفية والصناعية والتجارية الصغيرة أم حسب الموظفين والمثقفين الذين ينتمون إليها في مواقعهم الاقتصادية وبإنتماءاتهم الفكرية.

فهناك زحامٌ كبير من الفئات الصغيرة كذلك فإن سكان الريف أكبر من المدن وكذلك تغلغل الريفُ في الأحياء، وغدت الصناعاتُ الكبرى المحدودة تتوجه لفائض كبير يُستخدم كثيرٌ منه في البذخ، وإنتاج رأس المال العكسي أي يعودُ بالمجتمع للوراء.

هذه الأسباب كلها جعلت من القوى المذهبية السياسية منتشرة ومؤثرة بقوة على الطبقتين المنتجتين العمال والرأسمالية الصناعية.

ولهذا نجد حسب الاحصائيات المصرية إن عددَ الفئات الوسطى يتجاوز إحدى عشر مليوناً وأغلبها من الفئات غير الصناعية أي موظفين متوسطين وحرفيين وباعة وغيرهم، وهي فئاتٌ معسرة رغم كل شيء وتسعى بقوة نحو السلع المعمرة الأحدث طرازاً والغالية ولهذا حدثت الهجرة للخارج وتضخمت أعدادُ السيارات الحديثة وتصاعدت الدورُ الخاصة والفلل ونأت البرجوازية الكبيرة عن المدن الداخلية وأقامت أحياءها الخاصة ومدنها الخارجية وعزلتْ نفسَها بالرفاهية الكبيرة ولم تتواجد أحزابٌ واسعة قوية لها، وهذا ينطبق على العمال ولكن بشكل آخر معكوس، حيث ازدهرت المناطق السكنية العشوائية وتغرب العمالُ بالهجرة وفي العمل بالمنشآت الصغيرة ذات الأجور المحدودة والتي لا تشكلُ فيها نضاليةُ العمال درجةً عالية من التطور
هذه الظروف كلها جعلت من حراك الفئات الصغيرة المالكة العاملة، المترجرجة بين الأغنياء والفقراء، وبين المادية والمثالية، بين الديمقراطية والدين، بين بلدانها وبين الخليج، بين الثورة والثورة المضادة، بين العلمانية والاستبداد الديني، بين العقلانية والفوضى، أن تكون هذه الفئات هي الأوسع إنتشاراً والأقوى صوتاً.

إن الأرقامَ المستفادة من البنية الاجتماعية المصرية السابقة الذكر هي الأنشط عربياً في تسجيل تحولاتها الرقمية، وهي لا تعطينا لوحةً لكل بلدٍ عربي آخر، فالبلدانُ العربية تختلف في درجاتِ تطورها ولكن الجوانب الاجتماعية الهيكلية تتقارب، فالصناعاتُ الكبرى لم تستطع أن تعيد تشكيل السكان تشكيلاً حديثاً، والفئات الوسطى الصغيرة هي الغالبة، وهي مأزومة بحدة وتريد أن تقفز للثراء والسلطان دون أن تمتلك الأسس الموضوعية للتغيير العميق!

وبعد أن كانت تكويناتها السابقة المتقلبة المتذبذبة تصرخ من أجل الاشتراكيةَ وحكم العسكر صارت تبغي الحكم الديني الذي يسوسُ الناسَ كأسنانِ المشط!

لكن المقاومةَ التحديثية الديمقراطية العلمانية ليست سهلة، فقد راحت قوى كثيرة ترفضُ التجريبيةَ وعدم تحول البُنى الاجتماعية تحولاً عقلانياً متدرجاً مدروساً.

وكثير من هذه المقاومة من فئات أخرى هي من نفس الطبقة، وتفيدنا الأرقامُ المصرية السابقة في رؤية عدم وجود الكم الواسع الراسخ من الطبقتين المنتجتين ثمرتي الصناعة وقواها السياسية ذات الحضور الواسع ولهذا فإن التقلبات الحادة بل والعواصف والحروب الخطيرة تنتظرها.

إن التطور السياسي العاصف قاد إلى صعود قوى البرجوازية الصغيرة الطائفية المغامرة.

إن جوهر الأنظمة العسكرية السابقة أعتمد على قفزة هذه الطبقة على التطور الديمقراطي العلماني والقيام بمغامراتٍ سياسية كان اللبُ فيها هو الوصول للكراسي ونهب الثروة العامة.

فمع عدم وجود مصانع لديها وثروات قوية كان غرضُها الوصول إلى المؤسسات الرأسمالية العامة والأثراء عبرها، وقد نجحتْ في ذلك لكن هذا لم يؤدِ إلى الصناعات المتقدمة بل إلى إستمرار البنية الاقتصادية الاجتماعية المتخلفة كما رأينا عبر الأرقام المصرية حتى أنكهت الأنظمة وتعرضت للهزائم ثم للثورات أخيراً.

وتتطلب الظروف من القوى السياسية في بلدان الثورات العربية توقيف المغامرات السياسية والفوضى وتصعيد القوى المنتجة سياسياً وصناعياً، إلا أن نفس الطبقة المشكلة من التيارات البرجوازية الصغيرة الطائفية راحت تكرر نفس السياق السابق من الهيمنة الشمولية وعدم تكون الجبهات الوطنية المتعاونة في الحكم وعدم التوجه للخطط الاقتصادية الكبرى للتغيير الصناعي العلمي فيما تعجز القوى السياسية الأخرى عن التصدي لهذا السيناريو وتغييره حالياً.

التجريب وغياب الرؤية الفكرية وقطع العلاقة مع التجربة الديمقراطية العلمانية الإنسانية والاعتماد على وعي ديني طائفي محافظ ومشوش والقفز نحو المنافع الخاصة هي سماتها، وقد تصدت بعضُ الأنظمة المَلكية لتغلغل هذه الحركات داخلها وأوقفتها عبر طرح بذور الاقتراب من السمات الديمقراطية الوطنية العلمانية العقلانية السائدة في التجارب البشرية الحديثة.

إن الأنظمة الجمهورية العربية هي مجردُ شكل خارجي فارغ، والمهم هو سمات الحداثة المجسدة فيها والتي تنعكسُ في صعود الجمهور الحديث من طبقةِ عمال وطبقة وسطى صناعيتين مشاركتين في صنع الديمقراطية الوطنية، فوجودُ تنظيمات قائدة للدول من فئات وسطى صغيرة لا تقود الانتاج وليست لديها رؤية حديثة للديمقراطية وهي متذبذبة وطائفية يعني وضع الدول تحت التجريب الحارق.

ولهذا فنأي دول مجلس التعاون عن هذا الأعصار مفيد ولكن المشكلات والأخطار قائمة، حيث حاول الشكلُ الجمهوري الفوضوي للبرجوازية الصغيرة المغامرة أن يطلَ برأسه ويحدث الزوابع، ولكن أغلبية الجمهور في الخليج يعيش في وضع مختلف موضوعياً عن دول الربيع. ولكن لا بد من مقاربة سمات الحداثة وتحول الشيوخ لطبقة وسطى خاصة حرة تنأى بنفسها عن البيروقراطية وقيام التجار بدورهم الديمقراطي التحديثي القيادي، وتوطين وتعريب العمال وتعميق الصناعات المتطورة، والتدرج بالمؤسسات الديمقراطية لمواكبة هذه المضامين.

تكوينُ برجوازيةٍ هجينة

الحالمون بالأخاء والحرية والمساواة، وهي شعاراتُ الثورةِ الفرنسية المنقولة للثورات العربية، يعيشون في الوهم الاجتماعي.

لم تحقق الثورةُ الفرنسية ذلك إلا في نظام رأسمالي يقدم مساواةً قانونية فقط.

في عالم تشكل منذ القرن السادس عشر الميلادي غربياً فعالمياً يجري تكوين الطبقات الرأسمالية الحاكمة حسب طبيعة النظم وتطوارتها.

الإدارةُ العليا: المؤسساتُ السياسيةُ والبرلمانية والاقتصادية والثقافية للطبقاتِ التي تملك.

العمل في المصانع والخدمات وإنتاج العلوم والثقافة هي للعاملين باليد والذهن.

ثنائيةٌ إستمرتْ لملايين السنين ولا تتغير بشعارات ودخان سياسي وديني مرحلي.

ولهذا فإنه يجري في كلِ ثورةٍ خلط الأوراق وصنع الأحلام بالمساواة المطلقة وإختفاء مواقع من يملكون ومن يعلمون.

ليست الثورةُ الفرنسية في هذا إستثناءً. والثورةُ الروسية بلغتْ من هذه المساواة والأحلام الخيالية حداً هائلاً لم يسبق إليه أحد.

لكن حقائقَ الحياة الاقتصادية والاجتماعية هي غير ذلك، وتطرح القوى الصاعدةُ هذه الأحلامَ لحاجتِها لمن يعملون ولتضحياتِهم في الميادين والشوارع وفي المعامل، ثم حين تستوي أوضاع السلطات يكون الكلامُ شيئاً آخر.

الطبقاتُ المالكة ونصفُ الغنية والفئاتُ الطموحة التي تأمل عبر التغييرات السياسية الوصول للسلطات ولمواقع متقدمة في صنع القرار وإعادة تشكيل المؤسسات الاقتصادية لصالحها تصلُ بالشعارات لمدى هائل وتجعل القوى العاملة تتصور أن العالم وصل للقيامة وتكوين الجنان على الأرض، وكلها من أجل أن تضحي هذه القوى العاملة، وتُدخلُ في رؤوسِها مفاهيمَ ضبابيةً مثل أن كل البشر متساويين، وأن الثروة للجميع، وأن الثورة الراهنة ستحل كافة المشكلات.

لكن النظر الموضوعي يقول بأن هذه أوهام، وأن كل ثورة هي صراع بين المالكين، وأن على الطبقات العاملة المنتجة أن تكون حذرة، وأن تجعل تضحياتها وأنشطتها لتطوير أحوالها، وأن ترى الواقع الحقيقي للصراعات السياسية.

فما يجري في الثورات العربية هو صراعٌ بين أشكال من الرأسماليات داخلية وخارجية.

الرأسمالياتُ الحاكمة العامة في مواجهةِ رأسمالياتٍ خاصة، وأجنحةٌ من الرأسماليات العامة تتصارع مع بعضها البعض ومع قوى رأسمالية ريفية محافظة تريدُ تغييرَ الخريطة الاقتصادية المدنية لصالحها بشكل كبير وربما كلي.

الصراعُ الوهمي يجري في دوائر الأفكار والإيديولوجيات، بالقول بأن هؤلاء إسلاميين وأولئك علمانيين، وأن المعركةَ هي من أجل الفضيلة والخير والحق، وأن العلمانيين يريدون تخريبَ الدين، وهؤلاء يردون بأن الإسلاميين متخلفين رجعيين يهدمون الدولةَ العصرية.

فعلينا بالفرز والتحليل، فهؤلاء الدينيون القرويون يهجمون من أجل توسيعِ أملاكِهم والسيطرة على الشركات العامة مستخدمين جمهورهم الريفي والمتدينين في المدن، وأولئك التحديثيون المدنيون يصدونهم سواء كانوا أكثر تطرفاً أي أعضاء الأحزاب(الاشتراكية)المنهارة البيروقراطية، أم المتعاونين معهم من موظفين وأرباب عملٍ دخلوا معهم في أعمال مشتركة، أو أناس مناضلين يدافعون عن القطاع العام والمبادئ التحديثية وعدم إستغلال الدين في الصراع على الثروة الوطنية.

القوى المالكة والقريبة من الغنى سوف تتقارب بعد ذلك، والشعاراتُ المتألقةُ عن الدين والمبادئ الخالدة سوف تتبدل، وأصحابُ المصالحِ من هذه الفئات المختلفة المتصادمة على الدرب السريع لتكوين الرأسمالية الوطنية الجديدة، ستبعدُ الضحايا والمشاركين من الطبقات العاملة، وستدخلُ في صفقاتِ الطبقة الجديدة التي ستغدو قدمٌ لها في القرية وقدمٌ لها في المدينة، قدمٌ في التراث وقدم في الحداثة، وقدمٌ في المُلكية العامة وقدم في المُلكية الخاصة، وقدم في الدستور وقدم في السيطرة الشمولية.

فيما الطبقاتُ العاملة التي حطمَ بعضُها الأملاكَ العامة وأدى توقفه عن العمل ومشاركته في المظاهرات المليونية لضعف الاقتصاد، ستدفعُ كلُها خسائرَ المرحلة الجديدة من إرتفاعِ الأسعار وهبوط قيمة النقد الوطني والقيمِ المادية لتكون فئتين مختلفتين للطبقة الجديدة هما الدينية والتحديثية، المشاركتين في الأجهزة والوزارات وإدارة المؤسسات الاقتصادية، سواءً في حكومة مشتركة أم في حكومات مختلفة متصارعةحسب الانتخابات والرؤى البرامجية.

لكن التاريخَ الاجتماعي هو نفسَهُ فرزٌ مستمرٌ بين من يملكون ومن يعلمون. بين من يصعدون ويتحدثون ومن يضحون ويدفعون الضرائب السياسية.

تفتت صفوف البرجوازية الصغيرة

تعبرُ حالات تفتت صفوفِ البرجوازياتِ الصغيرة بين الاقطاعين السياسي والديني عن الموروثِ الشمولي في الاتجاهات السياسية العربية وعدم قدرتها على إيجادِ ثقافةٍ تنويريةٍ ديمقراطية داخلها خلال العقود السابقة.

حين يتقارب التصويت لمرسي وشفيق وينقسم المصوتون هذا الانقسام الكبير، يعبرُ ذلك عن هيمنةِ النظام السياسي على الجمهور خلال عقود، والمعارضة الوحيدة الممكنة عبر النصِ الديني التقليدي.

الدولُ غدتْ قطائعَ لمن يحكم، وكأن ذلك حدث من خلال القَدر الديني، أو بإرادة سماوية، بل من خلال أسباب اجتماعية، وهو موروثُ القرون الوسطى لم يتبدل.

ولهذا فإن النصَ على أن دين الدولة الإسلام هو تأكيد على هذه القَدرية وأن الحكمَ هو استمرار سلفي، وتغدو المادةُ مجردةً ضبابية لا تخصُ أناساً محددين، وتشملُ الفقهَ والعادات والتقاليد والتفسير وغير هذا، مما يحيلُ الدولَ إلى كائناتٍ غيبية مخصصة للبعض، ولا يكون للدول المختلفة تأثير حول هذه المادة الدستورية، والتي يمكن أن تُفسر من خلال ليبراليين يُحجّمون من التدخلات الدينية في الأحكام أو من خلال المتشددين الذين يرفضون الفنون ويحطمون التماثيل.

هذه المادةُ غدتْ عامةً مجردةً مطاطية يمكن أن تكون في نظامٍ دكتاتوري دموي أو في نظام ليبرالي محدود، مما يعبرُ عن هلامية التطور الاجتماعي السياسي، وعدم التوجه للحداثة الديمقراطية، والمادةُ كذلك تعبيرٌ عن عدم قدرة الأنظمة والحركات السياسية المختلفة خلال اثني عشر قرناً عن تحديد ما هو النظام السياسي في ظل الإسلام؟

كما أنها تعبيرٌ عن عدم تكون الطبقات الحديثة وهيمنة الطوائف، واستمرار المسلمين في العصور الوسطى، وهو لا ينطبق على الدول بل على المنظمات المعارضة لهذه الدول فهي لم تخرجْ عن نسيج العصور الوسطى.

من هنا لا يغدو للمعارضة تراث تراكمي ديمقراطي، فهي لا تعبر عن طبقة وسطى تمتلك مصانع وتجذر الديمقراطية والحداثة، وما الدول سوى مزرعة، كانت زراعيةً يسودها الخراجُ، والآن هي حِرفيةٌ استخراجية لمواد، وتُعطي فائضَ القيمة الأكبر للطبقة السائدة.

وتحويل فائض القيمة للصناعات الخاصة والعامة والثورة التقنية هو البرنامج المفقود. ولهذا فإن الفئات السياسية البرجوازية الصغيرة تتذبذبُ بين قطبين، قطب الحاكم وقطب المعارض الحاكم.

الأولُ يحكمُ عبر أدوات الدولة، والثاني يحكمُ عبرَ أدوات النص الديني.

الأولُ يحولُ المادةَ الأولى في الدساتير إلى أحكام واسعة متناثرة، متعددة، رجراجةٍ بين الماضي والحاضر، بين التراث والعصر، يشير إلى أن حقيقة الإسلام متنوعة، سمحة على ما يذكرون دائماً.

فيما المعارضُ الديني يحكم من خلال النصوص فيشددُ على معانٍ محددة نصوصية برامجية في العادات والتقاليد ويشدد على موروث مذهبي محافظ بعينه، وهو من خلال ذلك يسبب مواجهةً مع الدول (المنحرفة)عن النص الذي يملك هو تفسيره فقط.

لقد اشتغلتْ الاتجاهاتُ السياسيةُ العربية (الثورية) الشمولية على وهم الخروج عن هذه الثنائية، فهي رفضتْ القرونَ الوسطى خيالاً، وهي جاثمةٌ فيها، وانطلقتْ مثل الصواريخ في الفضاء السياسي السحري، ثم تفتت، لكونها لم تشتغل على تغيير هذه الثنائية القطبية السابقة الذكر بل القفز عليها ووضع مهمات نضالية خيالية.

وهذه الثنائية الاستقطابية على المستوى الإسلامي العام وعلى مستوى الدول والمجتمعات الداخلية، لا تتغير إلا حين يتحول بئرُ الماء والمزرعة وحقل النفط ومنجم الفوسفات ليغدو رأسمالاً وطنياً وليس فقط رأس مال طبقة، حينئذٍ من خلال البرلمان والسوق وتداول السلطة يحققُ حداثةً ديمقراطية، لتغيير طابع القرون الوسطى.

إن الفئات السابقة المتوجهة للشعارات الكبيرة انقسمت بين فريقين، كل فريق يؤيد قطباً من القطبين.

لهذا تستعمل مفردات التشنج والحدة والانتقائية ويغيبُ المنهجُ التاريخي في تحليل القطبين وجذورهما وكيفية تغييرهما معاً نحو الحداثة. القطبان في انفصالهما لا يكوّنان ثروة وطنية متكاملة ولا حداثة، بل من خلال انصهارهما وتكوين دولة حديثة.

لكن القوى الاجتماعية السياسية الكبيرة جاءت من هذين القطبين: الإقطاع السياسي والإقطاع الديني، حيث تمكن القطبان من خلق الجماهيرية لهما عبر الموارد والنصوص المهيمنة معاً. ومن هنا هذه الحالات من تكرار التخلف المستمر، وغياب نشوء القوى الوسيطة المعتدلة التي تقرب وتلغي الاستقطاب سياسياً واجتماعيا.

ديمقراطيةٌ بدون برجوازية

يستمر العربُ في التجريبِ السياسي مهدرين السنوات والجهود.

وتعطينا الانتخابات التي جرت في عدد من الدول العربية هذه الذبذبات المتعددة بين العودة للوراء والقفز للإمام، بين المحافظة والديمقراطية، بين التقدم والرجعية.

التذبذب الكبير بين الإقطاع السياسي والديني يجد تجسيده في ثنائية أمير المؤمنين الحاكم السياسي ومستشاره الديني، وقد كرس المسلمون هذه الثنائية فجعلوا الحاكم هو القائد السياسي، لكنهم من جهة أخرى جعلوه كذلك متدخلاً في الشرع، ولكن نظراً لأنه غير متخصص في الفقه، أو نظراً لانشغالاته الاجتماعية والسياسية والخاصة، فقد صعدَ رجلُ الدين ليكون حاكماً في الأحوال الخاصة بدرجة أساسية رغم أنه كذلك له رؤيته السياسية في قضايا الخلافة وأحوال الناس وتاريخ الإسلام.

هذه الثنائية التي وافقت زمن الحضارة التحديثية الإسلامية التي لم تتجذرْ بسبب فقدان طبقة وسطى وصناعتها وعلومها الحديثة، إنشرختْ في زمنيةِ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي هزتْ أسلوبَ الإنتاج الإقطاعي، فتصورت الثقافةُ الدينيةُ الكلاسيكية أن الحلَ يكمنُّ في تبادل الأدوار بين الخليفة والمُلا، بين أمير المؤمنين وقادة الفرق المذهبية، فلأنَ طابعَ الثقافةِ ديني ويتصورُ بأن المشكلةَ تكمنُ في عدم وجود الأخلاق الحسنة لدى الخلفاء وولاة الأمور، فإنهم حين يتمسكون بالشرع تكون المسألةُ قد حُلت.

وهنا قد وقع الخطأُ المزدوج التاريخي بعدم فهم الإسلام وعدم فهم السياسة.

ولهذا فإن الفِرقَ وجماعات الطرقِ والتصوفِ والمغامرين راحتْ تقفزُ على السلطات بدون أن تقوم بأي دور تحويلي حقيقي، لأنها لم تفعل سوى أن كررت أفعالَ الخلفاء السابقين وزادتْ الطينُ بلةً.

هذه الثقافة الدينية المحافظة الخيالية إستمرت بعد أن ظهرت الثقافةُ الاشتراكية الخيالية العربية التي أعتمدتْ جوهرَ هذه الأسس، فهي كذلك ذاتُ ثقافةٍ دينية محافظة متوارية، ومن هنا رفضتْ الرأسماليةَ والطبقةَ الوسطى والحداثةَ العصرية الغربية، وجعلتْ الطبقةَ العاملة تختصرُ الوجودَ الاجتماعي بشكل متخيّل.

وأسستْ شرعاً هو غير الشرع، وإشتراكية تفضي لرأسمالية فاسدة، فكان لا بد أن يزدهرَ الشرعُ المحافظ التقليدي مرة أخرى، ويفقد العمالُ الثقةَ في الاشتراكية.

هذه التجريبُ السياسي من اليمين واليسار المتخِلفَين أدى للثورات العربية المترددة بين التقليد والحداثة، بين الإقطاع والرأسمالية الحديثة، بين التراث النصوصي وواقع الإنسانية المعاصرة.

فلا توجد طبقاتٌ وسطى قويةٌ ولا طبقات عمالية منظمة تحديثية، والحراك السياسي بين الفئات الوسطى الصغيرة، والحطام الاجتماعي البشري المقذوف من الأرياف والبوادي والأزمات الاقتصادية والحروب وصراع الطوائف.

لهذا فإن نتائجَ الانتخابات تعكس هذا التقلقل والتذبذب، فرأسماليةُ دولةٍ قوية في الجزائر يسندها نفطٌ وحزب منظم وبيروقراطية متجذرة تعطي إستمراراً لنظام رأسمالية الدولة الشمولية. وتغدو شرائحُ الدينيين غير قادرة على تحريك الفئات الوسطى الصغيرة التي سئمتْ الفساد وتخاف من مغامرات الدينيين.

فيما تونس ذات التراكم الليبرالي جمعتْ فئات وسطى صغيرة متعددة الرؤى الليبرالية والدينية وتعكس عدم قدرة البناء الاقتصادي على إنتاجِ برجوازية صناعية خاصة موّحدة خلال العقود السابقة، وما الأجنحةُ الإيديولوجية سوى تعبير عن هذه الشرائح الصغيرة غير المنصهرة إقتصادياً.

مصر نسخةٌ أخرى من تونس أكثر تعقيداً ولم تستطع أن تحسمَ الصراع بين الإقطاع السياسي الذي صار هو قيادة الجيش، والإقطاع الديني الذي تجسدَّ في الإخوان، فيما الفئاتُ الصغرة والوسطى ضائعة بين القطبين وتتحرك هنا وهناك في إضطراب وبلبلة، وكلٌ من الطرفين يحسن ويتشبث كذلك بأمتيازاته وموروثه.

ذهب زمنُ الخلفاء وصار رجالُ الدين وقادة الجيوش كذلك يتدخلون في إدارات الحكم، ويجري دفع الأمور نحو حكم البرلمانات، والعودة لسيطرة الإدارات كذلك، ويتحرك الناسُ لتصعيدِ هذا أو ذاك، وتندفع قوى القطاعات العامة الخربة للدفاع عن مصالحها، ويضيعُ رجالُ الأعمال بين الطوفان ويقبض الرجالُ على الصولجان وتحاول النساءُ الخروجَ من الخيام.

فيما ليبيا المثقلة بحكمٍ دكتاتوري فظيع لا تريد أن تكرره وتجري نحو ليبرالية غير واضحة المعالم.

إنها حالاتُ سيولةٍ تاريخية في أبنيةٍ مترددةٍ بين الحِرف والصناعة، بين الصناعاتِ الصغيرة والصناعات الكبيرة، بين الإنتاج الوطني والتبعية، بين الارستقراطيات والبرجوازية، بين الثقافة الدينية النصوصية والثقافات العقلانية الضعيفة.

البرجوازيةُ الصغيرةُ والعدالة المطلقة

إعتمدت الثوراتُ الإنسانيةُ على وحدةِ فئاتٍ متوسطة صغيرة مع العاملين، لكن أفكار هذه الفئات تخضع لمستوى العصر سواءً من حيث التطور الاقتصادي أم من حيث تطور البنية الثقافية.

في المسيحية والإسلام كان هناك ذلك الخيال الخصب بإنهاءِ عصور الظلام والاستغلال ومجيء الزمن الحر العادل المطلق، فالفئات الصغيرة المتواجدة بين كبار الأغنياء والفقراء، تصورت زوال الظلم والإستغلال، لكونها تعيش لحظات ثورية خصبة وإلتفاف الجمهور المتعطش للتغيير حولها.

لكن لماذا تغلبتْ الدولةُ الرومانيةُ ولماذا إنتصر بنو أمية؟ هذا يعود لطبيعة العصر الجوهرية العميقة، وربما ساهمتْ بعضُ الأخطاء والأحلام من جهة وقوة الدهاء والخبث من جهة أخرى، لكن الأسباب الموضوعية أبعد من هذه الحيثيات الظاهرة على السطوح، فكان العصر الإقطاعي قد سار فوق ضلوع القبائل والشعوب والدول، فتظهر دولة رومانية مسيحية وتظهر دولةٌ إسلاميةٌ أموية، مثلما يجري للبوذية في الصين.

تمكن ملاك الأراضي الخاصة في أوربا وملاك الأراضي العامة في ديار المسلمين من خلق شكلين من التطور المتقاربين في الجوهر المختلفين شكلاً.

أحلامُ المساواةِ والعدالة المطلقة ومملكةُ السماء التي يدخلها الأخيارُ هي أحلامٌ نضاليةٌ مؤقتة، ينزل بعدها الواقعُ المرير، لكن هذه الأحلام تبقى في أذهان البشر الذين يأتون لاحقاً، يريدون تحقيقها.

لحظة التوافق بين البرجوازية الصغيرة والعمال تحدث في أوربا حين نزل أسلوبُ الإنتاج الرأسمالي بحدة على القوى الفقيرة المعوزة، وظهر عبر الاشتراكية وظهر الحلمُ الذي قارب القراءة الموضوعية بصورة أحلام المساواة والعدالة التي يمكن تحقيقها لكن الظروف الموضوعية لم تتحقق، وربما في سبيلها للتحقق في هذه الدل الغربية المتطورة أكثر فأكثر.

في الثورات الاشتراكية والدينية والقومية الشرقية التي رددت أحلام العدالة المطلقة وقامت بها نفس الفئات، رأينا طبيعة الأنظمة وإنقلاب مثل العدالة المطلقة والجنان إلى كوابيس.

إن خلق المثالية والتصورات الخيالية بالعدالة الكلية لعبت دوراً في التطرف وأن كون المرحلة هي مرحلة رأسمالية لا يتيح مثل هذه العدالة الطوباوية، وأن الثورات بدءً من الثورة الروسية مروراً بالثورة الإيرانية إلى الثورات العربية الحالية تظل في المرحلة الرأسمالية من شمولية حتى مفتوحة غير معروفة التوجهات، والتي ليس فيها مثل هذه الخيالات المحلقة.

لكن هذا لا يعني عدم نضال الطبقات العاملة من أجل المساواة السياسية والديمقراطية والتطور الاقتصادي لها، بل هو تحديد لواقعها الموضوعي.

ومن هنا فإن مصادر الخيالات الطوباوية والأحلام السابقة تظل ميراثاً نضالياً مقرؤاً بأشكال نقدية، لكنها ليست برامج عملية، فالنسبي أفضل من المطلق، وتطور حياة القوى الشعبية الحقيقي أفضل من إرتكازها على أشكال من الخداع السياسي الطبقي.

حين تدور الصراعات على الأرباح والأجور وتنمية المناطق الشعبية وعلى تحجيم البطالة ومستوى تمثيل القوى الشعبية في البرلمانات ومقاومة الفساد أفضل من الكلام عن تطبيق الشريعة بمختلف أصنافها.

بطبيعة الحال تظل هناك جماهير تعيش في الماضي، ولا تزال تردد نفس الشعارات وتريد تحقق العدالة المطلقة.

برجوازياتٌ موسعةٌ بعد الثورات

الانتصاراتُ الكبيرةُ للقوى الدينية السنية المعتدلة والمحافظة في الفصل الأول من الثورات العربية المظفرة العظيمة يذكرنا بالتاريخ الطويل الذي قطعهُ الفقهُ والمذهبيات السياسية وتذبذبها بين الحكام الشموليين والتجار الواعدين بالنهضة. فهي لم تبلور مواقف ديمقراطية أو فلسفة عقلانية تورثها للأجيال القادمة.

لم تستطع هذه المذهبيات خلال قرون أن تتخذ مواقف مستقلة أو تدعو لأنظمة ديمقراطية لكن الحركات السياسية المتخذة صبغة المذاهب بدأت تشتغلُ بسياسةٍ مستقلة ولم تجعل الفقه والتشريعات أساس علمها، بل إنغمرت في السياسة وصراع الأحزاب والعمل مع أو ضد الحكومات عبر الشعارات الأخلاقية المثالية المحافظة المفصولة عن الحقائق والظروف.

صار لها قدمٌ في دورِ العبادة وقدمٌ في السياسة، ولم تنشىء فقهاءَ كباراً، بسبب أن الفقه يحتاج إلى سنوات طويلة من الدرس، وهو أمرٌ يفصلُ الباحثَ المتدينَ عن السياسة التي تتسم بأنها حراكٌ يومي، والفقيه عالمٌ بينما السياسي الديني مستغلٌ للشعارات والعبادات الدينية لصعود جماعته.

حين نقرأ سيرَ الفقهاء الكبار لعصر النهضة العربية القديمة مثل مالك بن أنس وأبي حنيفة النعمان وجعفر بن محمد وغيرهم سنجدُ الغرقَ في الفقه والبحث المتقصي فيه، والبعد عن السياسة والفلسفة رغم لمحات مؤسس الحنفية فيها والمُنتَقَدة من قبل المحافظين، وحين جاء التابعون لهم قلَّ البحثُ كثيراً وزادتْ السياسةُ وأصبحوا مُسيسين مؤدلجين للدول المسيطرة أو التي في طريقها للظهور القومي المختلف عن العرب.

فظهرتْ الحركاتُ المُسيِّسةُ الجديدةُ للإسلام وهي ترثُ وعي الأواخر وجمود عصر المحافظين والأتراك العثمانيين والحركات السلفية البدوية في الصحارى العربية.

وكعهدِها القديم لبدتْ بقرب الدولِ والطبقات الحاكمة شاعرةً بأن الحكامَ الجددَ بمختلفِ مذاهبهم الرسمية ينأون عن الدين الذي حفظتْ أحكامَهُ التقليدية ووظفته، وجعلتْ من نفسِها وصيةً عليه وعلى المؤمنين به، متصورةً أو متوهمةً أنهم يبتعدون عنه، وينزلقون لعوالم الغرب العدو التقليدي لديار الإسلام كما تتصور.

ومهما إختلفت مع نظام من الأنظمة الذي يكون قد إتخذ سياسة مغايرة، قومية أو يسارية، فإنها تجدُ في بلدان أخرى ملاذها، وتظلُ تمارسُ فيه عملها السياسي، وربما تأثرت بما فيه من تقليديةٍ أو بذخٍ أو تقشف أو مال أو مشروعات سياسية عابرة للدول، ولكنها طوال هذه العقود لم تعد النظر العميق في الأسس التي قامت عليها، ولم تنفصل عن الفقه المحافظ والتنفع به.

والذي حدث خاصة بعد تدفق الثروة النفطية أن العديد من نخبها قد تبرجز، ودخل في المشروع الغربي الرأسمالي التحديثي المرفوض كلياً سابقاً، فزمنية البدو الفقراء، والحارات الفقيرة، والبيوت الضيقة، هو غير زمن الشركات والمتاجر والبنوك، ولهذا نجدُ الرسملةَ الواسعة للمنظمات الدينية وقيام البنوك(الإسلامية) فحدث ظهورٌ واسع لفئات وسطى جديدة، فقدمٌ لها في الإرث المحافظ، وقدمٌ أخرى في المشروعات الاقتصادية الحديثة، تتحدث بنصوصية سلفية أمام البسطاء والأميين، وتتكلم بليبرالية دينية محافظة أمام رجال ونساء الأعمال.

وهي تشتغلُ أساساً بالسياسة مثلما كانت خلال قرون، أما مع الحكام أو كظلٍ لهم؛ أولئك يحكمون البلدَ وهي تحكمُ الشرعَ أو الدين، والحكام صاروا يتدخلون في الشرع، فراحت هي تتدخل في الحكم. ولكن الإقطاعَ السياسي والإقطاعَ الديني يقتربان من الرأسمالية، كلٌ من موقعهِ، ومن أحجام رأسماله، ومن صلاتهِ بالناس وتأثيره فيهم ومحاولاته سواءً بالتشبث بالسلطة أو بالقفز إليها!

إن دخول الدينيين كأجنحةٍ محافظة يمينية للطبقات الرأسمالية الجديدة الصاعدة محولين الشرعَ لرأسمال سياسي، هو توسع كبير للطبقات الرأسمالية الضيقة السابقة، وينشىء مسارات جديدة للأعمال، ويتسم بإدخال الاحتيال على نطاق واسع كذلك، والقمع الاجتماعي للمدنية الحديثة، لأن العامة المحافظين بطبيعتهم الاجتماعية لديهم ثقة في الدين وما يظهر فيه، فيختلط الاسثتمارُ السياسي بالاستثمار الديني، ويصعد الدينيون للشركات والبرلمانات فيتحكمون أو يؤثرون في التشريعين السياسي والديني.

جناحا الطبقات الرأسمالية المتكونة وهما المدني والريفي، الإنتاجي وغير الانتاجي، الجديد والقديم، الليبرالي والديني، المجدد والمحافظ، سيظلان لعقود وهما يتصارعان حسب البُنى الاجتماعية لكل بلد، وحسب ظروفه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومدى دوران رأس المال في كل بُنية، وكيف يقوم بالتجديد الموسع للبنية أو لا يقوم، ومدى تبادل السلطة بين الجناحين والعامة، ودور قوى الإنتاج في هذه السيطرات تغييراً وعملاً.

سيظل الدينيون يتحركون ببطء في الرأسمال العائلي، ولا يقبلون بسهولة بتحرر النساء وتحولهن لقوى إنتاج كبيرة، وعملية التجديد في الإنتاج المادي تتطلب تجديداً في الإنتاج الروحي، في تغيير نمط العائلة والوعي العقلي القديم، وتبديل مستوى المدارس والمناهج، وهي كلها ستفتح معارك فكرية وسياسية وإجتماعية طويلة في إطار خروج المسلمين من العصر الوسيط إلى العصر الحديث.

إذا تجذرت الديمقراطية عبر التداول وتم مقاومة الاحتيال بالمال والدين، فإن تحول شعوب عربية للحداثة والتقدم ورفعة الطبقات الشعبية مسألة وقت.

البرجوازية الصغيرة والقفز إلى الثروات

بعد سقوط الاتحاد السوفيتي أصبح من المتعذر إقامة أنظمة تسيطر عليها البرجوازيات الصغيرة لتقيم أنظمة رأسمالية حكومية، حيث كان آخرها الفاقع هو النظام الإيراني.

أعطى النموذج السوفيتي إمكانية لذلك حتى في اليمن والحبشة، لقدرة حراك هذه الفئات وتخلف الشرق، ولإقامة نهضات سريعة غالباً ما تنتهي بكوارث.

كان ذلك النظام رافعة لنهوض وتسريع التطور، ولكن الافتراق بين مصالح الفئات الحاكمة التي أستأثرت بالثروات، وحدوث الانفصال بين البرجوازية البيروقراطية والعمال، أدى إلى إنكسار أهم رؤية لعبت دوراً تحويلياً في القرن العشرين وهي الماركسية، التي تفتت بسبب هذه المصالح الذاتية للطبقات الحاكمة في هذه البلدان، بحيث غدتْ عاكسةً للمصالح القومية العليا في هذه البلدان وتغيبتْ قراءتُها للقوانين الاجتماعية الموضوعية والدفاع عن العاملين، وتنوعت حسب الخياطات الخاصة لكل دولة وجماعة وظروف بحيث فقدت في هذه التطبيقات قدرة إكتشاف القوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي.

لكن حدث في خلال ذلك كله صعود حركات التحرر الوطني وحطمت التبعية المباشرة، وأمكن لكثير من البلدان أن تتطور بأشكال مستقلة.

إن الضخ الإيديولوجي العاطفي وفرضها بأشكال دكتاتورية كل هذا جعل من الأفكار الموضوعية حطاماً، ومهد لصعود الأفكار الخيالية والقومية العتيقة، بل وحتى التصورات السحرية الخرافية لإدارة دول من العالم الثالث تمتلك أسلحة هائلة، بحيث إنتقلنا من التطبيقات الميكانيكية والانتهازية الفكرية إلى الدجل الطائفي نظراً لعدم وجود بُنى عقلية جماهيرية موضوعية تحديثية.

هذا الأمر ينعكس بقوة الآن على إستخدام الإسلام في التحولات العربية، فتحدت نفس الأدلجة، ويتم إستغلال المذاهب وتعبئتها بأشكالٍ عاطفيةٍ حادة من أجل الثروات، لكون الفاعل الأساسي لا يزال الفئات البرجوازية الصغيرة الفاقدة للرأسمال سوى رأس المال الكلام والتلاعب على حبال الطبقات والمذاهب.

قامت الثوراتُ العربية على تقدير الديمقراطية والشفافية والصحافة الحرة وهي جوانب أساسية لمنع ذلك المنزلق الذي سد وحجَّم الماركسية، لكن ثمة مخاطر لا تزال كبيرة فالجماهير العربية ليست ذات ثقافة ديمقراطية متأصلة، والمنظمات السياسية تشتغلُ على الأفكار المذهبية المحافظة غير الديمقراطية وتحولها إلى أدواتٍ للوثوبِ للسلطات والمنافع، وتستغلُ التخلفَ في الفئات الريفية والنساء والمهمشين والهياكل النقابية الجامدة أو النفعية البيروقراطية والأحزاب المتكلسة ونخب عبادات الأفراد.

إن التبلور الطبقي كما هو في الغرب ووجود المؤسسات العريقة وفصل الدين عن الدولة كل هذا أتاح تطور الديمقراطية الطويل في الغرب، أما في الشرق فإن حراك البرجوازيات الصغيرة للتلاعب بالأيديولوجيات والمذاهب، ثم التكالب على الثروات وسد منافذ التحول السياسي، مما عرقل التنمية وفجر صراعات دامية، حيث قامت حتى إعادات البناء في بعض الأنظمة كالعراق وإفغانستان بسرقة مليارات من الدولارات.

لم يعد نظام البرجوازية الصغيرة حتى إستنساخاته في مصر يوليو واليمن وموزمبيق وكوبا وغيرها قادراً على البقاء أو قادراً على ظهور نسخ جديدة، لكن المذهبيين السياسين في العالم العربي قادرين على إيجاده عبر مرتكزات إيديولوجية مختلفة، فيظهر الاستبداد وتراكم الثروة لدى الفئات الحاكمة عبر تخريجات فقهية، ويحتاج الأمر لمراقبة هذه التجربة ومدى قدرتها على تجاوز نسخ الشموليات الشرقية والاعتراف بديمقراطية حقيقية وتعددية سياسية وفكرية.

إن إنهيار الأشكال الشمولية للاشتراكية من جهةٍ، وتصاعد المذهبيات المحافظة من جهةٍ أخرى، هي قضيةٌ واحدة ذات وجهين، تعبرُ عن عن إنتقائية وإنتهازية البرجوازية الصغيرة، ولهذا فإن دخولنا إلى مرحلة إحتراق جديدة باسم الدين بعد أن كانت باسم الإشتراكية، يدعونا لرفض الشكلين معاً، فلا يخدعنا نزع القبعة ولبس العمامة، وإعادة إنتاج الدكتاتوريات بيافطات مختلفة شكلاً.

البرجوازية الصغيرة والفقراء

هو ذات السيناريو الجامد غير المتغير، لأن نوابضه الداخلية ليست ثقافية تحليلية وطنية مغيرة، بل فوضوية وخالية من المعرفة العميقة وقراءة الوقع والمنطقة.

وليس غريباً أن تتجمع مع قوى البرجوازية الصغيرة التي لم تتغير، لم تستفد من براكين التحولات في العالم، وتعتبر العمال والفقراء جسوراً تنط من فوق ظهورهم للثراء والسلطان.

أي أن ليس ثمة لدينا من يعبر بعمق وموضوعية وبعد نظر عن الفقراء.

فإذا كان سبيل التحول السياسي الكبير مسدوداً فهل نقف مكتوفي الأيدي وونناطح ونترك مشكلات الناس محلك سر، وتزداد تأزماً مع كثرة التحولات الاقتصادية السلبية، ولكن الجمهور الفقير هو ذاته مسطح الوعي لا يستطيع أن يستوعب قادته البرجوازيين الصغار المحتالين، ويطالبهم بخطط لتغيير أوضاعه ليس على المستوى البعيد فقط بل على المستوى القريب كذلك.

أن يدرسوا الأجور والأسعار والشركات والبنى الاقتصادية ويقدموا حلولاً على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

إنهم يستغلون هذا التوق الشعبي المفهوم للتغيير في الظروف المعيشية والإسكانية والصحية، ويجردونه ويغيبونه في شعارات سياسية لا برامج فيها عملية.

إنه مستواهم السياسي الفكري الاقتصادي المحدود، وتلقائيتهم وعفويتهم الحماسية غير الصالحة للقيادة، وعلينا في كل سنة أن نقدم وجبة من البشر ومن الخسائر الاقتصادية وأن لا نعارض هذا الساطور الماشي في لحمنا الوطني تمزيقاً وتعذيباً.

أمراضُ البرجوازيةِ الصغيرة

كلمةُ الأمراض تعودُ للبيولوجيا ولكن هنا رصدٌ إجتماعي، وقد قادتْ فئاتُ البرجوازية الصغيرة الحركةَ التحديثية منذ هزيمة الهيئة.

فتناقضاتُها في زمنيةِ الحداثةِ وصعود الرأسماليات الوطنية الحكومية الشرقية هو غيرُ زمنِها في لحظاتِ تحللِ وسقوط هذه الرأسماليات.

ولهذا كان شكلُ تجلي تناقضاتها في ذلك الزمن يختلفُ عن تجلي تناقضاتها في الزمنِ الطائفي الراهن، أي في زمنِ تحلل الرأسماليات العامة وغياب البدائل الديمقراطية العلمانية الجاهزة.

وخاصة في الخليج حيث نموذجي الطائفية على الشاطئين العربي والفارسي متضادان لدرجة الهوس السياسي.

في زمنِ الاشتراكيةِ الإيديولوجيةِ الزائفة تجري المبالغةُ على صحةِ النموذج الاستيرادي. فنموذجُ السوفييت أو نموذجُ الصين السائدان المتصارعان، يعبران محلياً عن إحتكار الحقيقة وعن الجماعة المسيجة بأسلاك إيديولوجية تمنع الخصم- الزميل من الاختراق وتحدث حفلاتٌ من الصخب والتمايزات والحروب في الجامعات في الخارج وفي أزقة الداخل السياسية الضيقة.

يقولون:(أما طريق النضال السلمي أو طريق حرب العصابات. بل يجب نقل نموذج ظفار إلى البحرين. لا النضال البرلماني المتدرج هو السبيل.

إنها إنتهازية السوفييت! لا بل هي مغامرات الماويين.)، هذه شعارات أساسية في تلك الفترة.

بعضُ بذور الحقيقة موجودة في العقلانية التي أسستها جبهةُ التحرير الوطني، لكن إلى حد ما، حيث لم تتطور هذه البذور، لأسبابٍ كثيرة.

إن جلبَ المستورد الإيديولوجي بغيابِ الدرس التحليلي الناقد لمصادر هذه الإيديولوجية يلغي تلك العقلانية، بسبب أن فئةَ البرجوازية الصغيرة هنا لا تعضد نمو البرجوازية الوطنية كمؤسسةٍ للنظام الرأسمالي الديمقراطي العلماني، بل هي تتنطع للقيادة لتشكل نظامَها الضبابي. فيما تنمو رأسمالية الدولة الشرقية في كل مكان.

الأسرُ الإيديولوجي للمركزين السوفيتي والصيني يروج لماركستين مختلفتين، وكلتاهما شموليتان غير ديمقراطيتين، تتآكلان عبر الانهيار الداخلي والتبدل نحو رأسماليةِ دولةٍ فاسدة. ولكن ذلك لا يتضح خاصة في التجارب الأولى، وكافة المواد التي تكشف التناقضات تختفي وتبرر، وتغدو البرجوازية الصغيرة هي الطبقةُ العاملة المتجهة لتحقيق الاشتراكية تبعاً لرأي السوفيت، فيما يقول الموديلُ الصيني هي الطبقة العاملة قائدة فعلاً ولكن من الضروري صعود كفاح الفلاحين الريفي المحاصر للمدن.

لكن الاشتراكية لم تكن هناك لا في موسكو ولا بكين، كانت الرأسمالية الحكومية تزحف وتصعدُ المخابرات والمافيا.

تناقضاتُ الرأسماليةِ الحكومية المحلية تقود إلى هيكلية مختلة لا تحللها القوى السياسية، فثمة ضخامة للهيكل الحكومي وضخامة للعمالة الأجنبية، وتنامي للرأسماليتين العامة والخاصة بدون تدقيق ومراقبة وعدم ضبط للريف في التطور الاجتماعي – الثقافي، وصعود كبير لفئات البرجوازية الصغيرة والعمال الريفيين وتدفق لمواد دينية مُفرقة للمواطنين المسلمين.

إنهار النموذجان الماركسيان الشموليان المستوردان في عمقهما لكنهما – أي المُستهلكين المحليين- لم يعترفا بذلك، فلا توجد عقلياتٌ نقديةٌ تحليلية مستقلة وقتذاك تكشف المسار الوطني المعقد، وهي لحظةٌ خصبةٌ لتيارات البرجوازية الصغيرة لتلعب فوق الحبال الفكرية والسياسية مجدداً بأشكال أخرى.

إن ظهور وزخم الحركات الطائفية الدينية إستبدلَ هدفَ إسقاط النظام إلى الإشتراكية بهدف إسقاط النظام بشكل طائفي مضمر، فثمة حالة من العداء العميق الذاتي للنظام، يكمنُ فيها الصراعُ الطائفي أساساً بين الشيعة والسنة، فالجذور الإيديولوجية المتآكلة عادت بالوعي إلى ما كان عليه قديماً، وعي عامي عادي، وأغلبية الأعضاء في التنظيمين من طائفة روجت لذاتها.

يحدث هنا الإندفاع الشديد عبر خصائص الفئة الاجتماعية المحددة هنا، ولكن ليس إلى الإشتراكية العلمية بل نحو القوى الطائفية، ويجري في وهج الحماس الذاتي تغيير المصطلحات والمفاهيم، فيقال أنها قوة ثورية شعبية في المضمون ولا بأس من تأييدها والوقوف معها. سابقاً كانت قوى رجعية يجب الإجهاز عليها نحو سيادة الوعي المادي.

ويمكن في ذات الوقت ومع التغييرات الحكومية تأييد ما في الحكومية كذلك والاستثمار الشخصي من هذه التحولات، خاصةً إذا كانت مادية ومناصبية.

إن اللعبَ على الحبال لاحظه الطائفيون في بدء التغييرات وأسموه إنتهازية، حين حصل بعض قادة اليسار على مكاسب مادية وروجوا لهذا كثيراً وبشكل فج، لكنهم سكتوا عنه حين راح هؤلاء يؤيدونهم ويعبدون الطرقَ لهم لكي يساعدونهم في السير للسيطرة على الجمهور.

وفي معركة المصالح والمناصب ولحظات المغامرة إنحشرتْ فئاتُ البرجوازية الصغيرة في إستغلالِ المواقف تبعاً للحظات السياسية المتغيرة، فحين تحدث إنتخاباتٌ يتصارعُ فيها بقايا اليسار مع الطائفيين يعلو صوتُ اليسار القديم عن الطائفية وأمراضها وتخلفها الاجتماعي الظلامي، وحين تلوح له ذاتُ الطائفيةِ بمناصب في حراك فبراير 2011 يتبدلُ موقفهُ منها وتصبحُ وطنيةً مناضلة تقود ثورةً شعبية!

لكن المرجعية الطائفية مؤسسة الإقطاع السياسي تظلُ محتفظةً بأهدافها في تصعيد الطائفة وسيطرتها المتصاعدة السياسية وبث الأشكال الاجتماعية والفكرية المحافظة، وليس في تشكيل مجتمع وطني يتغير عبر الصراع الاجتماعي والتعاون السلميين بين مختلف إتجاهات المواطنين.

أهمية أن تنهض البرجوازية البحرينية سياسياً

تدور الدوائرُ ونرجعُ لنقطةِ البداية.

نركضُ في زمنِ الخمسينيات ونحرقُ البناياتَ ونعود في التسعينيات لتكرر بعضُ القرى ما فعلته مدنٌ في زمان سابق فنحرق المستشفيات والبريد وندهس الوطن.

وعي لا يتطور وفكرٌ غائب!

يتم إختطاف مجموعات من طائفة في القرن الواحد والعشرين تحت مظلة إيديولوجية مذهبية متمددة بالمكر والقوة من قبل دولة مركزية كبيرة، دون قدرة من العناصر السياسية والفكرية على نقد هذه المذهبيات السياسية.

مثلما حدث من إختطاف لفئة مذهبية في زمن الخمسينيات وأوغلت في التطرف بعيداً!

ثم تظهر قوة سموها سياسية، وهي مذهبية أخرى تنزل بالمظلات على الناس لتخطف طائفة أخرى في القرن الحادي والعشرين.

وتقول وتقول دون أن يفهم أحدٌ شيئاً مما تقول، لأنه نفس الكلام المذهبي، ونفس الوعي المحافظ، ونفس العبارات العامة، ونفس الولوغ في المذهبية البغيضة، ولا تاريخ من نضال، ولا منظمة ديمقراطية يمكن لمس جسدها السياسي، ومعرفة كفاحها السابق، بل هي بالونٌ منتفخ بهواء سياسي.

لم تتشكل بنشاط نضالي شعبي مرصود ومحدد، ومن خلال برنامج تؤصله القوى في المدن والقرى. فنناقش من ونعرف من؟

وهي كلها دعاياتٌ وكلامٌ من منبر لا يُناقش ولا يُنتقد ولا يُحلل.

النشاط السياسي الحقيقي نشاط مرئي، يومي، يتشكل عبر سنوات، وينهض ويقوم، ويتكسر ويبنى، ويمكن رصده ومتابعة مستقبله، أما أن يظهر كاملاً تاماً دون أن يجسد فعلاً أو يقاوم أسعاراً مرتفعة، أو بطالة منتشرة، أو فساداً محدداً، فهو فعل مجرد، وجمل رنانة.

كما خفنا من إختطافِ جسم من طائفة فنحن نخافُ أيضاً من إختطافِ جسمٍ من طائفة أخرى، ثم يكون ما يكون، والمستقبل غامض، حافلٌ بالمتغيرات والانقلابات والمفاجآت والصدمات، فما ندري ما يكون وضع هذا الجسم السياسي المنفوخ بالهواء، وقد تخطفهُ دولةٌ سنيةٌ مغامرةٌ هذه المرة، ويدعو لجمهورية أخرى!

من كثرة ما ضُربنا تكسرتْ النصالُ على النصال.

كنا نريد من قوى الفئات الوسطى ومن رجال الأعمال ونساء المهن الكبيرة ومن المثقفين الليبراليين أن يكونوا هم قوة البديل، أن تظهر قوة سياسية مهمة للبرجوازية تعنى بمصالحها وتطور أحوال الشعب وبتطور الاقتصاد الحر بدلاً من الاقتصاد الشمولي الراهن، وأن تجمع الفاعليات السياسية الاقتصادية الموحدة الوطنية، وحتى لو تم ذلك عبر سنين، وتوحد الجسم الاجتماعي للبرجوازية البرحينية من أجل تقدم الاقتصاد والمجتمع وتوسع الحريات.

أما أن يطل علينا رجالُ الدين ثانية، ويسوقوا نفس المشروع المذهبي السياسي، فإن المؤمنَ يُلدغ أكثر من مرة في البحرين لكن كفاية عشر لدغات.

الحراك السياسي يتم في النور وعبر تحديد جسم المصالح التي سوف يتحرك عليها، والطبقة المحرومة للأسف من التنظيم السياسي وهي طبقة البرجوازية البحرينية، رغم قدمها، ورغم الدور الاقتصادي الكبير الذي قامت به خلال مائة سنة وهي القادرة مالياً!

ولكن جماعات البرجوازية الصغيرة السياسية الكثيرة والتي قالت أنها تعبر عن العمال والفلاحين والطوائف وكل شيء تقريباً، وأنها تسعى لتحرير الطبقات وتقدمها، كانت تتسلق على أجسام العمال لكي ترتقي إلى مصاف البرجوازية، ونجح العديد من أفرادها في ذلك.

ولهذا يخلطون في الكلام ولا أحد يعرف لهم موقفاً في أي قضية مفصلية وخاصة فصل المذاهب عن السياسة، وتشكيل سياسة ديمقراطية تحديثية وطنية.

البرجوازية والثقافة

لا يمكن تشكيل نظام إقتصادي حر إلا بعد إنتشار ثقافة ديمقراطية عميقة بين صفوف التجار والاقتصاديين المختلفي الأنواع، فبدون وجود طبقة برجوازية مثقفة لا يتحقق نمو حضاري كبير.

مساندة التجار لثقافة إنسانية مجردة شيء حسن، لكن الأساس في التطور هو دعم نمو ثقافة وطنية ديمقراطية حرة حديثة.

من أمسك الثقافة في كل بلد هي الأجسام الإدارية، وهي فروع التوجيه الثقافي، وكل قطاعات عامة عربية لها مشكلاتها وتفتقد للتعاون مع المثقفين والمجتمع وأهداف الدول في الديمقراطية، وغالباً ما تقف عند السطحي والرسمي من الحياة الفكرية.

وكما حدث السلف والتديُن من القطاعات الخاصة من قبل الحكومات قامت وزارات الثقافة بحملات للتبرع لها، وغيرها من أشكال التسول الاقتصادية الاجتماعية.

وحين تطلب وزاراتُ الثقافةِ المالَ من الفاعليات الاقتصادية فهو تعبيرٌ عن ذلك التسرب المالي من الحكومات، وعن عجزها المستمر، لكنها من جهة أخرى تتحكم في حركة الواقع وتحد من إمكانياته، وتبدو الفاعليات الاقتصادية من جهة أخرى بلا سياسة ثقافية وبلا علاقات ربما بالثقافة!

الفاعليات الاقتصادية لا تهتم بالثقافة، خاصة هذه الأنواع المعقدة من البحث والشعر والقصة وغيرها، وتكتفي بالمقالات السياسية الساخنة عادة والأخبار الاقتصادية والإعلانات وغيرها من المواد القريبة من الحياة المباشرة. وهو تعبيرٌ عن قهر عتيق مُضمرٍ وإبعاد عن السياسة وعن الثقافة المُسيّسة غالباً.

وتؤيد الفاعليات الاقتصادية حضور الفاعليات والمساهمات في الأنشطة الثقافة العامة التي ليس فيها دلالات سياسية مباشرة ناقدة، وتتبرع للفعاليات الحكومية الثقافية خاصة، وهي أمور تجسد التناقض بين مال بلا ثقافة وسياسة تشكلُ ثقافةً مشوهة.

في بعض الدول العربية كمصر وتونس والمغرب تكتسب الثقافة أهمية سياسية وطنية، فهي جزءٌ من فاعلية التحديث والديمقراطية، وتستطيع الدول هذه أن تتحرك في ظل قوى بشرية ثقافية واسعة، وفي ظل قيادات ثقافية مسؤلة ذات تاريخ وكتابات مشهود لها بتأصيل الأدب والفكر، لكن الثقافة في ظل أي توجهات رسمية(أبدية) تموت شيئاً فشيئاً بسبب عدم تفاعلها مع الشعب وقضاياه ولجؤها لمحاور تجريدية متعالية على الجمهور. والشعب ينأى عن الثقافة بسبب مشاكله غير المحلولة وغربته في عالمه وبلده وإستمرار أميته.

إن الحشود الاحتفالية والكرنفالات الثقافية تستنزفُ الميزانيات ثم تتعثر وتغدو مجردَ أشكال، في حين أن المجلات الفخمة تلفظُ أنفاسَها بعد حين، فهي تتكدسُ على أرففِ المكتبات ثم تموت في المخازن!

أما دول الخليج فليست عندها جذور وقواعد ثقافية كبيرة فلجأت للأنشطة المحدودة ولنخبوية ونجومية عالم الجوائز الأدبية، تعوض به عن نقص كادرها الوطني الثقافي المهمل الذي كان أن يمكن واسعاً مؤثراً لو تم الاهتمام به، ولتنفيع بعض الموظفين والمثقفين، فيما إرتبطت النتاجات المسرحية والفنية بالمواسم كالصوم والإجازات.

لقد ترنحت الفنون والآداب الشعبية من الثقافة خاصة في البلدان التي لم تصرف الأجهزة الرسمية على هذه الظاهرات والمؤسسات والأشكال الإبداعية الشعبية شيئاً يذكر.

عموماً أمسكت الدول برؤوس الثقافة وجعلتها في خدمتها، حسب سياساتها وظروفها، وأرادت من القطاعات الخاصة المساندة المالية بدون شروط، وبدون أن تدخلها في خططها أو أن تستشيرها أو توسع من حقوقها في البث الفضائي أو في النشر والتأثير في التلفزيون(الوطني) المجمد وغيرها من المشكلات.

من المهم أن تساند المؤسسات الخاصة الثقافة وتحمي الآثار وتساعد على تنامي طباعة المؤلفات الأدبية والفنية تدعم العروض ولكن في ظل أية شروط؟ هل يجري ذلك في ظل هيمنة الوزارات وتحكمها في كل شيء وغياب اللجان الوطنية المنتخبة؟

العملية الديمقراطية ينبغي أن تتغلغل في مسارات الحياة المختلفة، وأن تغدو أجناس الثقافة أدوات لتثقيف الجمهور وتقدم وعيه السياسي وأن تجذبه لكي يؤثر ويغير.

البرجوازية الصغيرة والعمال

تحالفُ البرجوازيةِ الصغيرة والعمالِ يشكلُ الثورات، لكن البرجوازيةَ الصغيرة تريدُ إستغلالَ العمال ونمو ثرواتها فتتخلى عن التغييرِ والنمو المشترك بين الحلفاء وتضعُ حداً لتاريخ الثورة.

في تاريخ الأديان تنظم للحكام وتتخلى عن الحفر النقدي، وفي تاريخ الثورات البرجوازية الغربية تنظمُ للرأسماليةِ الكبيرة ولا تطور فلسفات النهضة والنقد والعلوم، في البدان (الإشتراكية) الشرقية تُلغي قيادةَ العمال وتحيلُ الأنظمةَ لرأسماليةٍ شمولية وهي تصير برجوازية متعددة المتسويات، في بلدانِ التحررِ الوطني تنظم للانقلابات وللأحزاب الدينية الشمولية وتكرس الرأسماليات الحكومية المحافظة.

هي قادرةٌ عادةً على خداع العمال والفقراء مثلما هي قادرة على قياداتهم في ثورات تاريخية نادرة.

إذا كانت الأمورُ تجري في أنظمةٍ وتنظيماتٍ ديمقراطية فإن العمالَ يستطيعون الانفصالَ عن قياداتِ البرجوازية الصغيرة، ويتركونها تنمو لوحدها.

لكن في ضبابِ الأنظمةِ والتنظيمات الوطنية والثورية والدينية فإن مستوى العمال الفكري لا يسمحُ لهم بإكتشافِ ثوريةِ البرجوازية الزائفةِ أو الصادقة، فهم مع شعاراتِها النبيلة إلى حين، خاصةً أنها تشددُ على إنسانية العبيد وإنه لا فرق بين عربي أو أعجمي، أو على دكتاتورية العمال والنضال الذي يقود ليكونوا الطبقة الوحيدة في المجتمع ولهم السيطرة والثروة، وهي تشيعُ في الدين أجواءً من الغيبيات والأساطير والقراءات الحرفية المحدودة المستويات، وفي القوميات التعصب.

مثلما قالتْ البرجوازيةُ الفرنسية في ثورة يوليو في القرن الثامن عشر، نحن نعملُ من أجلِ الإخاء والمساواة والرخاء. لكنها ركزت على صعود طبقة واحدة هي المالكة للثروة.

ومثلما تعب المسلمون من الجهاد بعد عصري النبوة والصحابة ومن التضحيات التي بذلوها، وأراد بعضُهم أن يجنيَّ الثمارَ، وأن يواصلَ صعودَ تجارته، فصعدَ خلفاءٌ دون خلفاء، وتفتتْ التحالفُ بين البرجوازية الصغيرة وبين الفقراء والعبيد وجاء الحكمُ العضوضُ في العهد الإسلامي الأول.

هي سببياتٌ وظاهراتٌ في التاريخ موضوعيةٌ تتم لظروفٍ، مختلفة متناقضة، متمثلة في الجوهر العابر للعصور وهو حاجة العمال والفقراء لقوى المثقفين التي تتقلبُ بين ثورةٍ وثورة مضادة، بين تضحيةٍ وإنتهازية.

عظمةُ الثوراتِ تتجلى حين يتحدُ المثقفون والسياسيون المضحون والعمال، هذا يشكلُ عصوراً كفاحيةً لشتى الأمم، وفي مختلفِ المراحلِ، وعلى مرِ الأزمنة، صحيح أن أشكالَ المثقفين والتجار الصغار والعمالة تختلف حسب تطورات العصور وأساليب الإنتاج، وحسب أشكالِ ومحتوياتِ الثقافةِ وهي تعودُ لمستوى تطور الوعي الموضوعي التاريخي، إلا أن الكفاحَ لتطويرِ الأممِ والشعوب وخدمة النضال هو نفسهُ من حيث إحداثِ تحولٍ وقفزة في التطور، تجعل تواريخ الأمم والشعوب مختلفة بعد تلك التحالفات التاريخية التضحوية الكبرى.

في أزمنةِ ما بعد الثورات يقول الموظف دعوني أعيش من أجل تجارتي وعائلتي، ويقول الشاعر إنتهى زمان التضحيات، والكتابة عن البؤساء، ودعونا نرتقي بلغتنا ونحصلُ على معيشةٍ أفضل، وتتغير مصطلحاتُ الشعرِ والنثر، ويعيشُ الحجازُ فيما بعد الثورةِ الإسلامية مُرسِخاً شعرَ الغناء الجميل والحبَ العذري المستحيل ويَطردُ الصعاليكَ، ويَحدث التفككُ في العقلانية النضالية النسبية الشعارية في العصر الحديث، فالنقدُ يكفُ عن التحليلات العميقة للأدب والفن كنوعين يتنفسان في بُنى إجتماعية متناقضة تعلي الأغنياء وتفقرُ الفقراءَ، وبضرورة إعتبار كل جنس إبداعي خلية حية أو ميتة تبعاً لدورها في التغيير أو في التبرير، ويُقال الثقافة أكبر من الصراعات الاجتماعية والروحية، ودعونا نعيشُ ونكسب!

البرجوازية الصغيرة الشرقية العالمية

قامت البرجوازيات الصغيرة الشرقية بقيادة شتى التحولات في الشرق ثم انساحت في الغرب في قارة أمريكا الجنوبية خاصة.

كانت الطبقتان الكبريان البرجوازية الخاصة والعمال غير موجودتين بقوةٍ واتساعٍ في المجالات الفكرية والسياسية خاصة، فالأسلوبُ الرأسمالي لم يتغلغلْ صناعياً في شتى الحقول إلا بشكلٍ يسير.

وكان الحراك الفكري السياسي هو لهؤلاء المثقفين الطالعين من مختلف الطبقات خاصة من الفئات المالكة الصغيرة، التي لديها قدرة على العيش مع مختلف الطبقات، وعلى الحراك بينها وقيادتها.

تلعبُ عناصرُ الثقافة، والإمكانياتُ الاجتماعيةُ المتاحةُ من تعليم وأسرٍ صغيرة، ومن غيابٍ للأملاكِ الكبيرة، ومن غيابٍ للبؤس الساحق، بأن تقومَ هذه الفئاتُ البرجوازية الصغيرة بالنيابة عن القوى الاجتماعية الرئيسية في التوجه للقيادات الفكرية والسياسية والاجتماعية، وأن تطرحَ نفسها كبدائل عن الطبقات الكبرى الصانعة للتشكيلات الاجتماعية.

من لينين وماو وبومدين وعبدالناصر إلى حسن البنا وعفلق والخميني وغيرهم كثير من القادة الكبار صانعي التاريخ، طرح البرجوازيون الصغار أنفسهم كمنظرين وصانعين لأنظمةٍ كلية متجاوزةٍ للرأسمالية الغربية، وشكلوا أنظمةً وتنظيمات شمولية بهذه الدرجة أو تلك من الثورات الاقتصادية.

تصلُ هذه البرجوازيات أحياناً للسلطة وأحياناً لا تصل، وتشكل ايديولوجيات متناقضة، تحوي التناقض بين رأس المال وقوى العمل، وهي أي هذه الفئات تقول إنها قادرة على حلِ هذا التناقض، وتجاوزه والانطلاق بالبشرية خطوات مغايرة للرأسمالية الغربية.

وتتعددُ مستوياتُ الطرحِ فبعضُها يتوجه لحل التناقضات كافة وإلغائها المفترض، وبعضُها يتطور، وبعضها ينهار.

إن البرجوازي الصغير هو مالكٌ وعاملٌ في الوقت نفسه، في بنيتهِ الأساسية خاصةً عند صغار الفلاحين والحرفيين، وهذا يماثل في سمات معينة مع الموظف الصغير، والمثقف منتج ومالك المعرفة وبائعها: الكتاب، المعلمين وغيرهم.

وهو لهذا يقف وسطياً، ثم يصنعُ الأنظمة الخاصة الشرقية بقيادته، كما يصنع(الفلسفات) الهجينة كذلك، ويريد أن يلغي الرأسمالي والعامل في الوقت نفسه، ويحتفظ بالعالم الطبيعي الموضوعي والأفكار الروحية الغيبية، ويصيرُ هو المالك والقائد، فيتحول في مجرى التاريخ إلى مالكِ الرأسماليةِ الحكومية، ويصعدُ من الوظائف الدنيا والرتب العسكرية الصغيرة والمتوسطة إلى رئاسةِ الشركات والبنوك الحكومية ومؤسسات الثقافة والإعلام.

وعلى الايديولوجية التي صنعها في ضباب الشرق الاجتماعي ومن أي مواد: دينية وقومية واشتراكية يعتمدُ مسار التحول، وإلى أي مدى تمضي الإصلاحاتُ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يقوم بها. وكلما تعمقتْ التغييراتُ التي يقوم بها كان ثمنها باهظاً ودموياً، لكونها جاءتْ من كرسي البرجوازي الصغير وهو على قمة السلطة، وداخل الدبابة. فتقوم باختراقات كثيرة للحم البشري وللحم الاجتماعي، وتحتاج بعد ذلك إلى عمليات جراحية وتطبيبية كبيرة.

إن رأسماليات الشرق التي يقودها البرجوازي الصغير محفوفة بمخاطر رهيبة، وليست نتاج قرون من التراكم الاقتصادي والتراكم الاجتماعي.

إن التناقضَ بين رأس المال وقوى العمل لا يزول بعد كل هذه التجارب، بل يتعمق ويتسع، ويصير داخل أجهزة الدول، وفي ثنايا الأفكار، وفي أدمغة الثقافة العصابية، ويصيرُ أمراضاً باطنية، وهلوسات دينية، وانفجارات قومية أو عمالية.

يتحول البرجوازي الصغير إلى رأسمالي حكومي كبير، وتحدث هنا اختزالات للنظريات والعلوم وتجميع فوقي للثروات، وإفقار مستمر للقواعد العمالية، مثلما يحدث إفقار للثروة الثقافية. أي أن رأسَ المال وقوةَ العمل كليهما يتآكلان بسبب هذا الاحتكار بأشكال متعددة في أغلب الدول الشرقية.

إن الدولةَ تصيرُ رأسَ المال الكلي، وقوى العمل تتغربُ عنه وتفتقر به، والسلعُ تضعفُ وتفقد قدرتها على التطور، وأشكال الفساد تتسع، وأموال الدول تضيع، وفي حالات أخرى أشد ضعفاً من الممكن جلب عمالات أجنبية رخيصة تقوم بسد النقص في ضعف العمالة المحلية أو قصورها أو لرفضها لأجور متدنية مما يعقد هذه التجارب أكثر ويعرضها لأخطار أشد.

في أحاديث البرجوازي الصغير الأولى عن تجاوز التاريخ، يستندُ إلى الايديولوجيا السحرية المعمولة في المصانع الحزبية الشمولية أو لدى العامة، إنها ايديولوجيات لا تتعرض لديمقراطية فاحصة مضيئة طويلة، ويتم استقطاب الجمهور الفقير مادياً وثقافياً إليها، لتحويلها إلى أدوات للبرجوازي الصغير، ليغدو برجوازياً كبيراً، مع استمراره في قمع الفقراء والعمال! في حين تفقد الدولُ أراضيها وعمالها وثروتها العقلية، وتسيح!

كان هذا مساراً حتمياً، فلم تكن أغلبية شعوب الشرق قادرة على أداء أحسن من هذا، لكن الظروف الجديدة الراهنة التي أحدثت نمواً اقتصادياً كبيراً بإشكالياته تطرح تجاوز هذا النموذج السائد سابقاً، وبأن يظهر الرأسمالي (أوالعامل) نفسه الليبرالي والعلماني ليقود تجربةً ديمقراطية صناعية جديدة، بسبب الجمود المستمر لتحكم الدول، والتناقضات الحادة للبرجوازية الصغيرة، غيرِ القادرةِ على فهم وتنفيذ الحداثة المعاصرة.

لقد حسم التاريخُ المعاصرُ الأمرَ ولا يوجد سوى نموذج عالمي ديمقراطي واحد، والجميع يجب أن يتكيف معه، والذي لا يتكيف يخرجُ من التاريخ.

قياداتٌ برجوازية مخنوقة

أدت التحولاتُ الدراماتيكية في آسيا إلى إضعافِ مواقع القطاعات العامة المسيطرة خلال عقود، والتي نشأت معها الأنظمةُ الشموليةُ الحديثة، وأتاحتْ تلك التحولات صعود شخصيات لا ترتكز على الأفكار الشمولية بكل تجلياتها الدينية والعقائدية الجامدة، لكن في روافد صغيرة مخنوقة بسبب الميراث الديني الشمولي الطويل والميراث السياسي الاستبدادي(العريق)!

شخصيات مثل موسوي وكروبي وعلاوي وقيادات بعض الأحزاب المصرية والسودانية وغيرها، عبرت عن ظاهرات جديدة في المنطقة، أهمها إنها تسبحُ في ضباب فكري، وكأنها مجموعةٌ من الأشباحِ تتردد بين القديم والجديد، غير قادرة على الظهور بمظاهر سياسية وفكرية واضحة مبهرة!

وفي البلدان المُفتَّتة طائفيةً وقومياً والتي لا تمتلك أغلبية شعبية لمذهبٍ أو قومية، لا تُستثمر العناصرُ الديمقراطيةُ والليبرالية في إنتاجِ سياسةٍ نهضوية ديمقراطية، فتجد الزعماء الطائفيين يتقلبون من وجهةِ نظرٍ إلى وجهةِ نظرٍ مضادة، ويهرولون من معسكر إلى آخر، ليس لديهم من حراك سوى (حماية) الطوائف أو قلْ حماية مصالحهم داخل الطوائف الجامدة العائشة في تقاليدٍ غيرِ ديمقراطية وفي عوالمِ الجهل والتخلف الاجتماعي وإضطهاد النساء والركض وراء المصالح والغني مهما كانت الأسباب يبيعون الدينَ والمبادئ، ويقومون بإستغلالِ ألعاب الطوائف لبقاء كراسيهم وأحزابهم الديكورية وهذه الكهوف المعتمة من القرون الوسطى ويضحكون على هؤلاء البسطاء الجهلة!

الحراكُ السياسي هنا حراكُ فقاقيعٍ تطير حسب الرياح اليومية السياسية!

ودعك من الكلمات الضخمة عن الاشتراكية والقومية والإسلام والوطن العزيز فهي مجردُ يافطاتٍ تخفي الفقر السياسي المبدأي وراءها!

أما قوى الزعماء المرتبطة بالقوى الوسطى التي بدأت تطلُ برؤوسها داخل بلدان تجري فيها معارك إجتماعية وسياسية عميقة وحادة كإيران والعراق ومصر وغيرها، فقد دخلت في صراعات متباينة مع أنظمة دكتاتورية وجهت أهدافها لتحقيق تحولات ديمقراطية عميقة في حياة السلطات المهيمنة الرافضة للتغيير الحقيقي، والتي تواصل أبنية القرون الوسطى وإعتقال الشعوب والنساء والعقول تحت لافتاتٍ لم يُنزل بها من سلطان سوى سلطان الإستئثار والتحكم في الشعوب المتخلفة وإبقائها في هذه الزرائب التي صنعوها باسماء الاشتراكية والأوطان المبجلة والإسلام والقومية وقيادة الثورة المظفرة والدفاع عن الأمة ضد الكفر والتغريب، وما هنالك من مسميات إخترعوها لتضليل العوام السذج عقوداً طويلة!

دساتيرٌ خُيطتْ على مقاسات الأقزام، وظلمات صوروها كالأنوار، وما هي بأنوار بل حروب إجتماعية متخلفة تتفجر ذات يوم بأشكال دموية مدمرة!

لا يريدون الإلتحاق بالبشرية الديمقراطية ولا يرفعون أحكامَ الطوارئ عن النساء والعوام والدين، ولهذا فإن قيادات الطبقات الوسطى التي تقفُ أرجلُها على قواعدٍ إجتماعيةٍ هشة، هي نفسها لا تعلن الشعارات العظيمة من علمانية وديمقراطية وعقلانية، بصلابة وبتحليلات عميقة في كل شؤون المجتمع لتضرب الخرائبَ الآيلةَ للسقوط، فتختطفُ حدثاً سياسياً مهماً وتحوله لنهر سياسي يتلف حوله الناس، بلا ثقافة تنوير سياسية واسعة، وبلا مهمات إجتماعية كبرى، لضخامة الجور المحيط ولغياب أساطير العائلة الوطنية الواحدة، والمذهبية الشقيقة المتحدة!

موسوي يركز على تغيير مجرى الإنتخابات المزورة، وعلاوي يكاد يختنق بين القوى الطائفية العريقة في التحايل والتلاعب بالدين والأحزاب الديمقراطية المصرية تغرقُ في الفساد!

إن الخطابات السياسية التجديدية مخنوقة لأن المصانع الخاصة مخنوقة، والفضائيات الحرة ممنوعة، والوزارات الفاسدة أبدية، والميزانيات موجهة لكراسي العسكر، وللبذخ السلطوي، ومشروعات الحروب التي لا تتوقف لأن في توقفها زوالهم، وفي سلام الناس عمارٌ يخنقهم!

العملية الرأسمالية الكونية ذات الأشكال والمستويات المختلفة، لها مصائبها كذلك، ويواجه الشرقيون سلبيات البلدان الرأسمالية المتطورة وكوارث الرأسماليات الشرقية المتخلفة، وكلها تصبُ عليهم محولةً بلدانهم إلى مستنقعات للسلع البائرة، والغالية، وللجنس الأبيض والمخدرات ولتجارة المنظمات الإرهابية التي لا أحد يعرف أرباحها من الأموال ويعرفُ خسائرَها من البشرِ الجثثِ الملقاة في الطرق مثل الذبائح وللحكومات التي تغتني وتزداد الشعوب فقراً ومعاناةً!

هي الشعوبُ الجاهلةُ المُفكَّكة طائفياً ودينياً مسئولةٌ عن كل ذلك وتترك الجزارين يقطعون من لحومِها كالمقاصب وتقول هل من مزيد؟!

البرجوازية التجارية في النضال

لقد ناضلت فئاتٌ من البرجوازية التجارية في سبيل التغييرات الإيجابية في الوطن والمنطقة، وربما تكرس ذلك في عائلات محددة، بحكم التأثير الفكري والتحرر وتأصلهما في هذه النخب الصغيرة المحدودة عموماً في هذه الفئات.

ولكن هذا النضال تم بصيغ الاستيراد الحادة غالباً، وهو أمر يشمل كل الفئات المنتجة للوعي والنضال، وتتحول نماذج الاستيراد إلى صيغ جامدة، كلية، مثلما حدث في تأييد الثورة المسلحة في ظفار، وإعلانه خطاً وحيداً للتغيير، وهو أمر مسدود الأبواب تاريخياً وجغرافياً، فهو لا ينتج عقلية ديمقراطية مرنة تقرأ ظروف شعبها بشكل موضوعي بدلاً من أن تسقط أحلامها وأفكارها الخاصة على الواقع.

ولو تمت مراجعة موضوعية لمثل هذه الأحداث والأفكار، فإن مثل هذه الشخصيات الرومانسية الثورية يمكن أن تكتسب حالة أخرى، ويمكن أن تنتج مقاربات أدق، وتخلق ثقافة وطنية موضوعية تساعد شعوبنا في المنطقة على مقاومة التخلف.

لكن ثقافة نضال أقصى اليسار تقود إلى ثقافة أقصى اليمين، وإلى الالتحاق باليمين في الدول العربية الشمولية، التي تنتج ثقافة مضادة للماركسية اللينينية المتطرفة في الجنوب، بحيث أنها تذوب في أحضان الإقطاع الحكومي المسيطر خاصة في دول الشمال العربية حيث يتربع البعث المطلق على الحكم والثروة، فتنتج ثقافة الفقاعات الإصلاحية التي لا ترتكز على أي قوى شعبية مناضلة.

إن هذين الوجهين، وجه التطرف والرومانسية الثورية وتصعيد الفقراء والفلاحين المعوزين إلى الحداثة بضربة عسكرية لا تأتي، ووجه الذوبان في الحكومات الشمولية الإقطاعية لإنتاج حداثة خربة متعفنة كان العراق أبشع مثل لها، هما البديل عن الممكن الحقيقي وهو النضال الديمقراطي العقلاني الطويل الأمد مع الجمهور، بحسب درجات تطور كل بلد خليجي، وبمراعاة ظروفه السياسية والثقافية، وبدون التنازل عن الديمقراطية كحل أساسي يتشكل بحلقات نضالية موضوعية.

ولكن (الذاتية) كتورمٍ تقفزَ هنا على الظروف بمخططات خيالية تعكسُ عدم صبر هذه الذات، وعدم قراءتها للواقع وضمور ثقافتها، وهي هنا تضحي بسنوات من عمرها في الفراغ التاريخي، الذي ينتج عنه يأس وعزلة، ويقود ذلك إلى تدهور شكل الوعي سواء بهزيمة المقالة الثورية أم بغياب الدراسة أم بانكماش القصيدة النضالية أو بموت اللوحة وإلى غير ذلك من أشكال الهزيمة الثقافية التي تعقب مشروعات القفز والخيال السياسي!

وهذا يمكن أن نلحظه الآن في المثقفين التقنيين التابعين للإقطاع المذهبي في القرى الذين يتصورون أنفسهم يفيدون الشعب، فيما هم يتسلقون ويريدون التراكم المالي، ولكن ملالي القرى يريدون تكريس هيمنتهم على المجتمع، ولذلك يغدو لهؤلاء المثقفين التقنيين دور مرحلي، سواء كان ذلك في الحد أم في الدراز فسرعان ما يــُطردون نظراً لعدم تطابقهم مع المستوى الفقهي المحافظ المحدود لرجال الدين لدينا، والذي يقودنا بالتالي لمواجهة كارثية!

ولذلك حين يقوم مثقفو المدن التقنيون من نفس العائلات التجارية بنسيان دروس الثورة في ظفار وخيبة الأمل في الإقطاع السياسي والديني معاً، ويريدون الاستفادة من هذا الخصم الاجتماعي، لارتفاعهم الخاص، يؤكدون ضعف النظر لدى هذه النخب الطالعة من البرجوازية التجارية، الهشة فكرياً وسياسياً، وعدم قدرتها على الصبر السياسي وعلى الإنتاج الفكري العميق البعيد النظر وركونها للفرص السهلة!

البرجوازية والطائفية

استخدم الغرب بشكله الاستعماري القوى الدينية لعرقلة نمو حركة التحرر في العالم العربي والإسلامي، فكانت هذه القوى الدينية بطبيعة الحال قوى طائفية، استخدمت الإرث الديني القديم المُفرّغ من دلالاته النهضوية، وتابعت الفئات الوسطى العربية هذا الاستخدام عبر دعم وتكريس المؤسسات الطائفية المختلفة.

وإذ نشأت الفئات الوسطى نفسها في حضانة الأنظمة التقليدية العربية، فإنها واصلت تبعيتها للإقطاع السياسي والديني المهيمنين على الأمة المقطعة منذ ألف سنة.

إن طبيعة رأس المال السائد عربياً خلال هذه الألف سنة، تتوجه نحو التوظيفات التجارية والعقارية والمصرفية، والأخيرة إلى مستوى متدن لأسباب معروفة، وهذه التوظيفات كلها ترتبط بالتبعية للدولة، أي أن الفئات الوسطى تغدو تابعة ومعبرة عن النظام التقليدي نفسه.

إن النظام السياسي/ الطائفي هو الذي يشكل الفئات الوسطى، بشكل كبير، فعلى ضوء سيطرة القبيلة العسكرية، أو الحكام الغزاة، أو الضباط المتسلمين الأدارة من الاستعمار، فإن الفيض المالي المأخوذ من وسائل الإنتاج الزراعية أو من الضرائب، وفيما بعد من الملكية العامة لوسائل الإنتاج الصناعية والنفطية الخ..، الذي يؤخذ بشكل قسري وشمولي، هو الذي يتيح تكوين الفنات الوسطى وحجمها وتطورها.

وتأتى الفئات الوسطى المنبثقة من الإدارة والجيش على رأس الفئات الوسطى، حيث تكون هي الأقرب الى مركز الفيض المالي، أو مركز السرقة العامة، ثم تأتي بعدها الفئات الوسطى الخاصة، والتي لا تستطيع أن تنمو إلا تحت مظلة القوى السابقة الذكر.

وهكذا فإن هذا الأساس الاقتصادي هو الذي ينتج المظلة الإيديولوجية، التي عادة ما تكون مذهباً دينياً تم تفريغه من تطوره التحويلى والمعارض، وغدا مجردَ أشكال عبادية للسيطرة على الجمهور، وبالتالي فإن القوى المسيطرة المتعددة من حكام سياسيين وحكام دينيين، و(حكام) اقتصاديين وهم هذه الفئات الوسطى التي أثرت بفضل صلاتها وتبعيتها بالنظام السياسي / الديني، تقوم بإنتاج أشكال الطائفيات المستمرة على الفضاء الاجتماعي والسياسي.

يغدو التجار طائفيين بحكم النشأة الاقتصادية الفكرية الاجتماعية المتداخلة، فالمذهب مفروض عليهم من خلال الصلات الاقتصادية المسبقة، وهم يظلون متحجرين في هذه المذهبية إذا لم تطرأ عوامل للثورة الوطنية الديمقراطية، عبر توحد السوق الوطنية ووجود عقبات اقتصادية استعمارية وأجنبية، تحول دون نمو رساميلهم، وهكذا فإن عهود الثورات الوطنية الأولى هي التي شهدت تناميا للوعى الديمقراطي الليبرالي، بقصد تجميع الطاقات الوطنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهدم النفوذ الأجنبي.

وهذا التجميع لم يكن ممكناً بدون العلمانية والليبرالية، حيث يمكن تجميع المسلمين والمسيحيين، أو تجميع الطوائف الإسلامية، أو تجميع القوميات، وهكذا تغدو الطائفية معبرة عن السوق المجزأة، سواء عبر الطوائف المنقسمة، أو ثنائية الرجل المسيطر الموظف، والمرأة الجاثمة في البيت، أو بيروقراطية وفساد المدينة وإنتاجية الريف، أو نهضة المدينة وتفسخ الإقطاع الريفي، أو تقدم الثقافة النهضوية والتكنولوجية وأمية الجماهير

إن الطائفية هى المعبرة فكرياً واجتماعياً وسياسياً عن مرحلة الأقطاع السياسي/ الديني، أي إنها تعبير كذلك عن سيادة الفئات الوسطى الإدارية المتحكمة في الفائض المالي، وهذه لا تقوم سيطرتها إلا على تمزق السوق الداخلية، وتخلفها، وغياب حضور الجمهور عن الإدارة السياسية والاقتصادية.

وهذه تقود التوظيفات المالية نحو البذخ ونحو الاستثمارات العقارية والخدمية، أو نحو السوق الخارجية الغربية كأفضل ميدان للربح المضمون، وتأتي الصناعة الخاصة في آخر القائمة، في حين أن القطاع العام بمختلف أشكاله الرأسمالية يكون تابعاً للإقطاع السياسى/ الدينى، فلا يكون لهذا القطاع العام دور مختلف عن أراضي الخراج السلطانية في العصر المملوكي أو العثماني.

تابعت الفئات الوسطى العربية إنتاج الإقطاع للدين، مثلما تابعته في الملكية الاقتصادية.

فهي قد عاشت على الملكية العامة الزراعية المهيمنة عليها من قبل السلطات السياسية الدينية، ولهذا فان إنتاجها لمقولات الحرية والليبرالية والعلمانية ظل محدوداً، وقد جاءت هذه المقولات والمفاهيم عبر الاحتكاك بالغرب بوجهيه الاستعماري والديمقراطي، نفياً للأول واستثماراً فكرياً عربياً إسلامياً للثاني.

أي أن هذه المفاهيم لم تكن نتاج التطور الداخلي لبنية اقتصادية إنتاجية، فالفئات الوسطى أثناء ذلك لم تتحول توظيفاتها إلا بشكل محدود نحو المصانع، وكانت هذه المصانع ذاتها مرتبطة بالمواد الخام الزراعية، مثلما سيكون الحال في المواد الخام النفطية فيما بعد.

أي أن الفئات الوسطى وجدت نفسها تابعة دائماً للإقطاع وفضائه السياسي والفكري، حتى لو تم ذلك عبر الاستعمار، لأن الاستعمار ذاته اتخذ شكلاً إقطاعياً، عبر دعم البنية المتخلفة وأساسها الزراعي التصديري للمواد وعلى دعم البناء السياسي/ الطائفي.

فحتى المواد التنويرية التي تم استيرادها من الغرب الديمقراطى، كانت خاضعة لهذا الفضاء التابع المحدود، فجاءت الموجة التنويرية الليبرالية الأولى، دون أن تقدر على طرح العلمانية بشكل ثوري وواسع وجماهيري، أي دون أن تفهم الإسلام والمسيحية كدينين تم السيطرة عليهما من قبل القوى الإقطاعية على مر التاريخ السابق، ولهذا لم تستطع أن تعيد إنتاج البذور التنويرية الغربية داخل التربة العربية الإسلامية المسيحية.

إن الفئات الوسطى باستمرارها في الطائفية كان هذا تعبيراً عن استمرار استغلالها للجمهور العامل، بأساليب مختلفة، وعبر المحافظة على الأبنية الاجتماعية التقليدية، وعبر تخلف الريف وتدهوره.

وفيما بعد جاءت الانظمة الوطنية العسكرية دون أن تستطيع تجاوز المستوى الذي بلغته الفئات الوسطى الحرة السابقة، خاصة فيما يتعلق بالحرية والحداثة والعلمانية، وهكذا أخذ «اليسار» العربي ينزلق تدريجياً في بنية الإقطاع السياسي/ الديني، ثم أخذ بعضه يحتل مواقعه، ويعيد إنتاج هياكله السابقة، عبر جعل الملكية العامة (الخراجية بتعبير سمير أمين) تخضع للفئات الوسطى الإدارية وخاصة كبار الضباط والموظفين، فتدهورت قيم العقل والحرية والعلمانية والديمقراطية، واعادت البرجوازيات العسكرية استخدام الإسلام الذي تم إنتاجه من قبل القوى الطائفية عبر الألف سنة السابقة، وبهذا سارت نحو الكوارث الطائفية

وحروبها كالجزائر والسودان ومصر والعراق الخ..

وعلينا أن نرى تدهور العقل الوطني التحديثي عند الجماعات «اليسارية» وعودتها الحثيثة للأبنية الطائفية كأجزاء من ارتباطها بهذه الأنظمة التقليدية، وانهيار مفردات العقل والحرية والعلمانية والديمقراطية داخلها. أي لمشاركاتها في سرقة الجمهور العامل والمالك المنتج ، وبالتالي فإن هذا التدهور ليس غيبياً بل يتعلق بالجيوب.

كانت الطائفية هنا تعبيراً عن استمرار سرقة الجمهور بالوسائل الإدارية والقسرية والبيروقراطية القديمة، ولهذا فإن تغيير حياة الفلاحين والعمال والنساء، تغييراً حداثياً كبيراً، لم يحدث، إذا لم يكن قد عاد إلى سابقه.

اقتنع الغرب الديمقراطي والاستعماري على حد سواء، بأن استمرار العالم العربي الإسلامي في بناه الإقطاعية الطائفية، أمر محفوف بالمخاطر، وهذا الاقتناع لم يجيء إلا حين صار الغرب نفسه بكل أقسامه ضحية من ضحايا الإقطاع السياسي والديني للعالم الإسلامي بالمجاز.

ولا شك أن انتقال البرجوازيات العالمية لهذا الاقتناع يعود لجملة أسباب كثيرة ومعقدة، لكن ما يهمنا هنا إن تصدير العلمانية والديمقراطية الغربية بالقوة إلى هذا العالم التقليدي، لم يعد مسألة دعائية بل صار شيئاً قريباً من روح الإسلام نفسه، كما يقول الحديث الشريف بما معناه حين يقوم شخصٌ ما بثقب مكانه في السفينة فيعرض حياة الركاب جميعاً للفرق، فهل يُترك ليقتل الناس جميعاً ؟

البرجوازية الحديثة وضعف الليبرالية

إذا كنا في حلقات سابقة قد قرأنا أسباب ضعف الفئات الوسطى العربية في العصر الكلاسيكي! فإننا هنا لا بد أن نذكر الخصائص الموضوعية التى اتسمت بها، وأهمها ذيليتها وتبعيتها للأنظمة الإقطاعية. ولم تحدث في أثناء هذه التبعية أي مواقف جذرية شاملة نحو وعي ديمقراطي ليبرالي بطبيعة الحال.

وفي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين, أتيح للفئات الوسطى نمو كبير في التجارة والعمليات الاقتصادية الأخرى المختلفة بسبب نشوء نظام عالمي جديد هو النظام الرأسمالي الغربى، الذي أخذ من العقود الأولى من هذا الفرن بالتوسع الاستعماري منتقلاً من مرحلة تصدير البضائع إلى مرحلة تصدير رأس المال.

وإذا كانت هذه المرحلان قد ركزت غربياً على جلب المواد الخام المهمة، فإنها قد وضعت سقفاً لنمو الرأسمالية في العالم العربي، كذلك فإن الاحتلالات العسكرية الغربية لم تقوض الأنظمة الإقطاعية . المذهبية، بل جعلتها أساساً للنظام التابع الذي أنشاته فى كل بلد عربى، ولهذ ا فإن (الإصلاحات) الرأسمالية التي قامت بها كانت تسهيلاً لتدفق التجارة بين البلد التابع والمتروبول.

أي أن الدولة كمهيمنة على جانب رئيسي من الثروة لم يتم إزالتها، ولم يفعل الاستعمار سوى أن يجعل الدولة الإقطاعية – المذهبية المحلية كشريك في عمليات الاستغلال المشتركة للمنتجين.

أما الجوانب الأكثر تخلفاً كملكية العبيد والحجر الكلي على المرأة فلم يكن بالإمكان استمرارها في المناطق المدنية، وهي المراكز الاقتصادية الكبيرة التي هي بحاجة إلى استقرار لهذا النظام الملفق، فهو إقطاعي – مذهبي، تسود فيه الشريعة التي تم إنتاجها في قرون هيمنة الإقطاع المطلقة. ولا هي القوانين والنظم الليبرالية الغربية المستوردة.

فى مستوى هيمنة الإقطاع، بقيت الأسر الحاكمة التي تملك الخزينة الملكية شرعاً، ولكن الإصلاح الاستعماري جعل هيمنتها غير مطلقة، وهنا لأول مرة تطبق مسألان الميزانية العامة، ويتم الفصل قليلاً بين جيوب الحاكم وخزانة البلد، لكن هيمنة الأسر الإقطاعية الحاكمة تم في جوانب عديدة من الاقتصاد، ببقاء الأملاك الكبيرة والتحكم في جانب كبير من موارد الخزينة، والموارد التى ستأتي لاحقا، كالبترول.

لقد رفض الاستعمار الغربي نقل الثورة البرجوازية إلي العالم العربي. عبر جعل الدولة جسماً غير اقتصادي، فقد استمر في جعل الدولة الماكينة الاقتصادية الأساسية، فهي ضمناً تمثل المالك الأكبر، ويجب ألا يغيب عنا بعض الجوانب الرأسمالية التحديثية التي هي جوانب جزئية لا تلغي كون الدولة هي المالك الأكبر.

إن الملكية العامة التي كانت للأرض يتم التخلي عنها، فتصبح الأملاك الزراعية الكبيرة من ملكية طبقة الأعيان أو الشيوخ، حسب التسميات فى كل منطقة. وبهذا يحدث لأول مرة في التاريخ هذا الانفكاك الواسع بين ملكية الدولة والأرض الزراعية، مما يسمح بنمو للملكيات الخاصة الزراعية بشكل واسع في العصر الحديث. ولكن هذا لا يعني سقوط الإقطاع الزراعي، فهو يصبح الآن مباشراً، بدلاً من الشكل العام واللامباشر الذي اتخذه في الغالب الأعم من التاريخ القديم.

ولهذا فإن الأسر الحاكمة عبر تزعزع بعض جوانب سلطتها فى النظام السياسي، تقوم بالتعويض عنها من خلال ملكيات الريف والدخول في الحياة الاقتصادية، وبشكل يساعد فيه الموقع السياسى المتنفذ.

هنا نجد ذلك التآلف بين الإمبريالية والإقطاع، وهو الأمر الذي سيضع أساساً للتعاون السياسي والأيديولوجي بين الجانبين في فترات كثيرة من هذين القرئين 19، 20.

إن العمليات التحديثية التي يقوم فيها الاستعمار وشريكاه في السلطه، الإقطاع السياسي، والأقطاع الديني، عبر إدخال التعليم النظامي وخروج المرأة المحدود إلى الحياة العامه، والعمليات التحسينيه الأخرى، إنها تبقى من أجل وظائفيتها الاجتماعية والسياسية، فظهور الجيوش الوطنية المحدودة، والمهيمن عليها من أبناء الأسر الأشراف، على الأقل فى النصف الأول من القرن العشرين، لا يمكن أن يحدث دون تعليم وإنشاء أجهزة، وكذلك دون مجيء المصانع والأدوات التي تنقل المواد الخام، او تصنعها بعض التصنيع المحدود، والموانئ التي تنقلها الخ.. إنها سلسله وظائفيه لحمايه المواد الخام، ووصولها إلى البلد المسيطر، ولهذا فإن الإقطاعين السياسي والديني يلعبان دوراً في ركود البنيه السياسية الاجتماعية، واستمرار إعادة إنتاج المواد الخام، والسوق الوطنية كسوق تابعه.

إن التعليم والإدارات السياسية والدينية والسوق… الخ هي أنظمة حماية لتدفق السلعه الصَّدرة للمتروبول كسلعه رخيصة، ولمجيء السلع المصنعه، ودون هذا التشكيل المتضاد بين القديم والعصري، بين البلد التابع والبلد المسيطر، لا تنشأ علاقه مستمرة.

إن هذا التآلف بين الاستعمار والأقطاع قد اتخذ جوانب عدة. فالاستعمار الذي هو قمه تطور البرجوازية الأوروبية والأمريكية، يقاوم تشكل مثيلته في البلدان التابعه، أي يقاوم نشوء برجوازية صناعيه يمكن أن تستولى هى على السوق. وإذا قبل بنشوئها فعلى ضفاف النظام الكولونيالي الذي رتب أداوره الأساسية.

ومن هنا يغدوالتحالف بينه وبين الإقطاع بشكليه رئيسياً في نظامه الحديث شكلاً والمحافظ والقديم مضموناً . أي أنه يبقي علاقات الأنتاج الإقطاعية سائدة، ويحفر خلالها لقنوات نمو رأسمالية محدودة.

إن نشوء نظام إقطاعي ـ مذهبي تابع لبلدان الغرب المسيطرة الرئيسيه، سيكون هو الصيغة الملفقه السياسية والاجتماعية لظهور العالم العربي والإسلامي في العصر الحديث، وبمظهره هذا بدا كأنه غير الماضى، وانه بُنى اجتماعية رأسمالية، وهذا أمر شوش الرؤية السياسية طويلة لدى المثقفين بل الباحثين.

إن الاستعمار قد حافظ على البنى الإقطاعية ـ المذهبيه، في الأقطار التي تتنوع فيها المذاهب الإسلامية، وعلى البُنى الإقطاعية الدينية التي تتنوع فيها الأديان، كمصروالسودان والعراق ولبنان وسوريا، أو التي تتنوع فيها الأديان والمذاهب كذلك. ويلاحظ هنا ان المشرق العربي هو الذي مثل هذه الفسيفساء، للجذور القديمه التي تمتد إلى آلاف السنين.

إن حفاظ الاستعمار على البُنى القديمة، يؤدي إلى سيطرته على اجهزة الدوله، وبالتالي يلعب دور الإقطاع السياسي المسيطر، كما كان الأمر فى دولتى الأمويين والعباسيين وما تلاهما، لكن (الخراج) المعاصر لا يذهب إلى بذخ القصور كما كان الأمرسابقاً، بل إلى البنوك والشركات الغربية، عبر إتاحة الدولة الإقطاعية الاستعمارية لشركات بلدها استغلال المواد الأوليه والسوق.

إننا أمام صيغة اقتصادية وسياسية مركبه، ففي الوقت الذي يلعب فيه النظام الاستعماري دوره الرأسمالي في بلده، عبر ضخ الموارد من البلد التابع، فيطور رأسماله الداخلي، فإنه يلعب دور الإقطاع السياسي فى البلد المستعمَّر.

وهى صيفه كما تقوم بتطوير جزئي للبلد المستصمَّر، فإنها تبقي الهياكل، لإقطاعية الأساسية فيه. هنا يلعب الاستعمار دور الأشراف السابقين، فيتحالف مع الأشراف الحاليين، أو الذين يصنعهم كأشراف . وبُحدث ديمومة للعلاقات الإقطاعية ـ المذهبيه.

ونظراً لتحول السلطه الاستعمارية إلى إقطاع في البلد المستعمَّر؛ وإلى رأسمالية احتكارية في البلد المستعمّر، فإنها تقوم بالحفاظ على الإقطاع في مستوييه السياسي والديني. كما تحافظ على مستوى محدود من تطور القوى المنتجه.

إنها تغدو جزءاً من الإقطاع السياسي، ولهذا فإنها لا تغدو سلطة برجوازيه، بل هي في وجودها الاستعماري تعادي الميراث البرجوازي الغربى الثوري نفسه، أو هى حين تصدره تزيح الجوانب الديمقراطية والعلمانيه منه. لأنها غدت جزءاً من السلطة الإقطاعية.

إن السلطة الاستعمارية تحمي وتقوي المستوى الديني من البنية الاحتماعية.

إنها أيضاً تفعل كما يفعل الخلفاء الإقطاعيون السابقون بأشكال حديثة، فيذهب (الخراج) إلى البلد المتروبول المسيطر، فيزداد البلد المستعمَّر فقراً، لكون الفائض الاقتصادي لا يعود إلى تطور القوى المنتجة.

هناك جوانب أكثر تطوراً من النظام الإقطاعي العربي السابق، فالبنية الإقطاعية ـ المذهبية ـ التابعة، هي غير البنية الإقطاعية العربية المستقلة السابقة، فهى مربوطة بتطور القوى المنتجة الغربية.

إن الازدهار المستمر في تطور قوى الإنتاج الغربية ينعكس في البلدان المستعمرة، ولا ننسى هنا ان الحلقة الراهنة حينئذ، هي حلقة تطور الرأسمالية الاحتكارية؛ وهى من نهايات القرن التاسع عشر حتى نشوء نظام الشركات العابرة للجنسية فى العقود الأخيرة من القرن العشرين، الذي يمثل بُنية رأسمالية مختلفة.

ولكن انعكاس تطور القوى المنتجة الغربية في البلدان المستعمرة هو استيراد المنتوج والبضائع، في ذلك الزمن الغربي الخاص، أي أن استيراد وسائل الإنتاج التي تصنع وسائل إنتاج، وهو ما يُسمى بالتصنيع االثقيل، كان ممنوعاً فى تلك العلاقات الاقتصادية، ولهذا فإن تصدير البضائع الحديثة من أثاث المنازل والثلاجات وأدوات الاتصال الخ . . كان محتماً وضرورياً من قبل الاستعمار، ولكن هذا لا يعني كذلك انتقال الرأسمالية كنموذج وكبنية واستيراد الحداثة كنظام، لأن استيراد البضائع وتداولها في النظام التابع، سيخضع لقوانين النظام الإقطاعي – المذهبي التابع. فالراديوسيخضع للخطب والأخبار الاستعمارية وللارستقراطية ولكبار رجال الدين.. الخ.

ومن هنا فإن نشوء أو تطور الفئات البرجوازية في هذا النظام، لن يحولها إلى طبقة، إن شروط تحول الفئات البرجوازية إلى طبقة هو ظهور رأس المال الصناعى الوطنى وهيمنته على السوق. وكما رأينا في الفئات البرجوازية العربيه القديمة، كيف لم تستطع أن توجد العملية المحورية في تشكيل رأس المال الصناعي هذا.

لكن تطور الصناعة الحرفية فى كل بلد عربي يخضع لشروط التطور داخل كل بنية وطنية، بعد التجزؤ الإقطاعي المذهبي؛ ثم الاحتلال الاستعماري، ففى بلد ذي سوق ضخمة هو غيره في بلد صغير، لكن بعض الملامح الأساسية كانت متوافرة، عبر ظهور دلائل على انهيار الحرف القديمة وتدهور الزراعة، حيث لعبت عملية الاستيراد للبضائع الأجنبية دورها في هدم جوانب من قوى الإنتاج الوطنية.

فى القرنين ١٩ و٢٠ حدثت عمليات هدم واسعة للحرف والصناعات القديمة، وهذا ما أدى إلى تضخم المدن العربية بالمقتلعين من مهنهم السابقة، كما أن تضخم أجهزة الدول الحديثة وسع هذه المدن، وهذا يذكرنا ببناء الكوفة ثم بغداد والمدن العربية السابقة، وو التضخم المدني الذي ينشأ بقرار إقطاعي، أي أن هذه ليست مدنا برجوازية، بل هي إدارات إقطاعية، غدت الأن مزدوجة اقطاعة – تابعة.

إن هذا يجعل هذه المدن تنمو بطريقة مضادة للحداثة، حيث إن المدن الحقيقية تنمو على أساس نمو الصناعة وازدهار أشكال رأس المال المصاحبة لها، لكن هذه لا تنمو على أساس نمو الصناعة، بل على أساس منع نموها.

ولهذا فإن جميع أشكال الحداثة في العالم الإقطاعي التابع ستظهر مدى هشاشتها لاحقاً.

إنها تحافظ على الهيكل الإقطاعى السابق، وعلى عمليات الاستيراد الرأسماية، ولهذا فإن الفئات البرجوازية الناشئة في العهود الإقطاعية السابقة ستواصل النمو؛ وستظهر فئة كبار التجار مرة أخرى، وستُذيل لذات النظام الإقطاعي ـ المذهبي التابع هذه المرة، وبدلاً من الاتجار في مواد الحرفيين المسلمين، والاستيراد من البلدان الأخرى، سيكون الاستيراد من بلد المتروبول ثم من المنظومة الرأسمالية كوكالات، وسيغدو الوكيل, هـو وجه الرأسمال الأجنبى البضاعى. وستنشأ ثقافة الاستيراد البضاعي ووكلاؤها المعتمدون.

سيكون الوكيل جزءاً من الطبقة الإقطاعية التابعه بشرائحها المختلفة، وستجمع بين ثقافتين متداخلتين: ثقافة الرأسمالية القشورية التابعة، وثقافة الإقطاع المذهبي بألوانه في كل بلد.

وإذا كان التاجر الكبير في العصر العباسي يورد للأشراف، أي للدولة، (السوق العظمى) فإن الأمر يستمر الآن، ولكن معضلة السوق الإقطاعية تبقى مستمرة، حيث يتم تفقير المنتجين وتوسيع السوق، وهما أمران متضادان، وعلى الرغم من نشوء بعض الصناعات في هذه المرحلة فإنها تبقى في محيط المواد الأولية المصدرة، مما يبقى الأساس الاقتصادي للبنية.

وتؤدي مشكلة السوق الإقطاعية، على بذخ على الضفتين، فالأسر الارستقراطية تستمر فى البقاء والبذح، برعاية الاسعمار، والاستعمار نفسه يسوق فائضاً اقتصادياً كبيراً إلى بلده فيجعله مزدهراً ومطلوراً لقواه المنتجة، ولبذخ البرجوازية الغربية، في حين يدمر القوى المنتجة المحلية، ولهذا فإن المدينة الإقطاعية العربية في نهاية المطاف تنفجر من تناقضاتها.

فهناك توسع مستمر لهذه المدن من دون أساس إنتاجي راسخ، ومن دون تراكم إنتاجي ورأسمالي، وهي تفقد مواردها بشكل مستمر، وتجلب القوى الريفية والحرفية المُدمرة، وهي تواصل تقوية الهيكل الإقطاعي المذهبي لنظامها، فتدخل المدينة فى نفق أزمة طويل.

تحتاج القراءة هنا إلى توصيف اجتماعي وسياسي وثقافي ملموس، وهذا أيضا يحتاج لوقفة أخرى.

البرجوازية القديمة وغياب الليبرالية

رأينا بشكل مستمر الهياكل الاقتصادية والسياسية المترابطة للأنظمة الشرقية وأسباب الاستبداد في البنية الاجتماعية بمستواها السياسي الحاكم، وبمستواها الاجتماعي الديني الحاكم.

وقد امتلك التاريخ العربي الإسلامي أقوى شمولية شهدها التاريخ الإنساني، وايصاً أكثر المحاولات الكفاحية للخروج منها، وذلك بسبب طبيعة الحراك الاجتماعي الجغرافي الذي تشكلت فيه الحضارة فى المنطقة، عبر قدرة الصحارى وسكانها على إعادة عجلة التاريخ للوراء دائماً، واعتقال التطور المدني المحدود الذي يتشكل فى المدن.

في حين أن مناطق آسيا الأخرى كالصين مثلا، عرفت عبر تاريخها الزراعي ـ التجاري المتعاضد، إمكانية للتراكم الحضاري عبر عدة قرون، مما أتاح للعناصر الشعبية العلمانية تفكيك المنظومة الدينية الشمولية والتخفيف من حضورها في الحياة الاجتماعية؛ وهو المستوي الذي هيمن فيه الاقطاع الديني لدينا بصورة صارمة.

ويعد سور الصين العظيم عن هذا التصدي للعناصر الرعوية من فرض قوالبها المتخلفة دائما على الحياة الحضرية. في حين كان من الصعب للعراق أو مصر بناء سور مشابه لأنها هي ذاتها جزء من الصحراء.

ولكن الأمر لا يعود لقدرة الاقطاعين السياسي والديني على لجم التطور الحضاري فقط، بل هو يعود أيضا لضعف الفئات الوسطى في إنتاج الليبرالية. وحين ظهرت المدن العربية الكبرى لم تكن من نتاح بناء البرجوازية. وهذا الأصل العربي للبرجوازية، (مدن الأبراح) يوضح الطبيعة الصناعية والتجاريه للمدن التي أنشأتها الفئات المتوسطة الأوروبية لحماية املاكها، عبر الأبراج والأسوار، وكان هذا في تعبيره الجغرافي والرمزي، يمثل القطاعات الاقتصادية التي راحت تستقل عن المركز الاقطاعي الحاكم، والتي أخذت تنمو في وضع سياسي كان الاقطاعان السياسي والديني في صراع بينهما ولم يستطيعا ايجاد هيمنة اقتصادية شاملة. فأخذت مدن الأبراج تتقوى سياسياً وفكرياً عبر عدة قرون.

إن الفضاء الاجتماعي الأوروبي يختلف عن الفضاء الآسيوي عامة، فالفضاء الأوروبي لم يشهد التداخل الشديد بين الملكية العامة والحكم، الذي تمظهر دينياً بقدرة الحكم على إفراغ الثورات الاجتماعية التي تتشكل عبر عباءات الدين من مضامينها الكفاحية؛ فقد كانت هناك دائماً في أوروبا قوى الملكية الخاصة الواسعة، التي تنامت خاصة في بداية العصور الحديثة، والتي غدت مدن الأبراج جوهرتها، ولهذا كان ظهور البرجوازية الصناعية هو تتويج لمسار التراكم بين الملكية الخاصة والثقافة والأنتاج الحرفي.

إن زمن الحرف الذي استمر طوال العصور الوسطى، وهو النظام الاقتصادي المغلق المعادي للتطور التقني والاختراعات، أخذ يخلي المكان الأساسي للصناعة اليدوية، وهذا ما مثل عصر النهضة؛ ووضع الأسس لعلوم الطبيعة الميكانيكية الرؤية. فمنذ القرن الثالث عشر والتراكمان الصناعي والثقافي يتداخلان، وأدى توسع التجارتين الداخلية والخارجية إلى تبدل أهمية ووزن مدن الأبراج، وانتقال المال من القصر والأديرة إلى خزائن هذه المدن النامية. وهنا يتبدل جمع المال إلى تراكم رأسمالي. والفارق كبير بين الجمع والتراكم، فالجمع يؤدي في أحسن الأحوال إلى إعادة الإنتاج البسيط، وكثيراً ما يقود إلى البذخ والإفلاس، وهما الوجهان المتقابلان المترابطان للحضارات القديمة.

يقود التراكم الرأسمالي البسيط في عدة قرون من تكرار الصناعة اليدوية، إلى التراكم الموسع للإنتاج، وإعادة تغيير الهياكل الاقتصادية التقليدية، وقد لعب التقريب المستمر بين العلوم والإنتاج، دوره بدءاً من القرن السابع عشر في تفجير الثورة الصناعية، وهذا ازاح الهياكل التقليدية في الاقتصاد والثقافة والحياة الاجتماعية، لقد اصبحت مدن الصناعة والعلوم قادرة على إعادة تشكيل نسيج المجتمعات الأوروبية بعد ثمانية قرون من التراكم المدني العسير.

إن انفصال المدن الأوروبية الحديثة عن نسيج الاقطاع السياسي والدينى بصور شتى متقطعة ومتداخلة، عضدته المساحة القارية الأوروبية الصغيرة قياساً بآسيا، ولكن أيضاً التراكم الاقتصادي والاجتماعى السابق، وخاصة تجذر مؤسسات الحكم المطلق، في حين وجدت دول آسيا نفسها دائما في كيانات حكومية مُسبقة تسيطر على المدن، وتملك الأرض ووسائل الأنتاج وأحياناً أدواته، ثم تحاصر التجارة والحرف.

إن النمطين الأساسيين من التجارة والحرف في العالم العربي الاسلامي، هما نمط التوريد للاستهلاك الترفي الذي تقوم به الطبقة المسيطرة، أو نمط الاستهلاك الإنتاجي والذي تقوم به الطبقات الشعبية الملبي للحاجيات اليومية ذات الاثمان المحدودة. والنمط الأول وهو الاستهلاك الترفي هوعملية إهدار واسعة ومدمرة للثروة الاجتماعية، وهو الذي ترتبط به الفئات الوسطى، ويؤدي إلى إلحاقها وتوسعها أو انهيارها.. الخ. وبخلاف الأمكانية الفريدة لنشوء مدن الأبراج الأوروبية، فإن الفئات الوسطى الشرقية لم تجد إلا التكوين الإلحاقي والتابع للأشراف.

إننا نستطيع تخيل مقدار الثروات المهدرة عبر حساب الأهرامات وحدائق بابل والقبور وثرواتها والقصور والمتع الأسطورية وبذخ الأماكن الدينية وعالم الحريم والرقيق.. الخ.

ولهذا كان لدينا دائماً نمط التجار الكبار القلة، ونمط التجار المتوسطين والصغار الكثيرين. ولا يتشكل النمط الأول إلا من خلال الاتصال بالدولة، التي يقول عنها ابن خلدون: إنها (السوق الأعظم). في حين يعتمد الآخرون على الاتجار بالمواد الشعبية.

ولا يشكل التجار الكبار أي صلة عضوية بالعلماء الطبيعيين والرياضيين والاجتماعيين، لأن نظام الحرف المغلق يظل مجرد أداة للاستيراد، أو التصدير، مثل الأسواق التي تظل مكاناً جغرافياً للسلع فقط.

وليس ثمة صلة معرفية بين التجار والعلماء والحرفيين، ولهذا فإن أدوات الاتصال بين التجارة والحرف والتقنية تظل مقطوعة، فيظل التجار الكبار يتبعون خدمات الترف للقصور سواء كانت للملوك أم الوزراء أم كبار الموظفين أم رجال الدين، أي الأشراف عموماً. وهذا ما يجعل التجار الكبار يتابعون كذلك المناخ الديني والثقافي للقصور، أي لا يساهمون في تشكيل أي نوع من الوعي المتحرر. فالسلع والحرف والمال هنا لا تقود إلى التراكم الصناعي والعلمي، فهي جزء من كماليات الترف.

إن تبعية مصادر تمويل التجار الكبار للطبقة الاقطاعية يجعل الرأسمال التجاري محافظاً على الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التقليدية، وهي الهياكل التي تزداد تخلفاً عبر الهجمات البدوية المتكررة عبر القرون، بحيث تغدو المدن كيانات اجتماعية هشة فاقدة للقدرة على إنتاج التحديث.

إن التجار الكبار يتوافقون مع البنية الاقطاعية بمستوييها السياسي والدينى، فمسألة احتكار السلطة والنص الديني والإبقاء على تخلف وعبودية النساء والرق.. الخ تُلغى من أي خطاب لهم، عبر هذا الارتباط الاقتصادي المصيري، حيث كلمة واحدة كافية لاختفاء ثروة كاملة.

أما التجار المتوسطون والصغار والحرفيون المماثلون، فإنهم يعيشون أساساً على موارد الشعب؛ وهي السلع المعيشية الُمشتراة بشكل يومي، وهي التي تتيح للسوق البقاء، ولكنها تقوم على الفيض المالي من الطبقة المسيطرة، الذي يقوم أغلبه على منتجي القرى، ولهذا كلما ثار الفلاحون أو تقطعت أراضي الدولة، أو حدثت فيضانات، تدهورت فوائض الدولة وبالتالي تدهورت الحياة المعيشية للجمهور وللتجار الصغار، وحدثت أزمات الغلاء والمجاعات. وغالباً ما تتدهور المدن بعد اتساعها بسبب ان على الريف أن يقوم بإعالة هذه المدن المتضخمة باستمرار، فلا يتحمل ذلك وتبدأ الثورات. وحين تنجح الأرياف والمناطق في تفكيك الدول يتفاقم التدهور في المدن، ولهذا يمكن قراءة مصير تدهور مدينة مثل بغداد، والازدهار المعاكس لمدن الري أو القاهرة أو فاس. ويعد زمن النهضة هنا هو وقت تدفق الفوائض الريفية والتجارية والتوازن بينه وبين الاستهلاك البذخي.

وتقود هذه الظروف التجار الصغار والحرفيين والفئات الوسطى عموماً، إلى التمسك بقشور الدين التي كرستها الطبقة المسيطرة بفرعيها، السياسي والديني، ويغدو الزهد ثم التصوف هما البدائل لنظام اقتصادي مضطرب وشحيح وزراعي.

كما حددت الطبقة المسيطرة الطابع الاقتصادي والسياسي والثقافي العام للنظام العربي الوسيط, فإنها ستحدد التوجهات العامة للفئات الوسطى منتجة الوعي والثقافة. فإذا كانت سلع الترفيه: سلع البناء كالبلاط والزجاج والعطور والثياب الخ. . حصلت على المكانة الرئيسية بين السلع, وبالتالي تحددت فئات التجار على أساسها, وتحدد البناء السياسي ـ العسكري على أساس جلب الخراج والمكوس, فتمظهرت فئاته حسب ترتيب الجلب والمحافظة عليه وتنميته وهي: الولاة, والقواد, والجباة , وموظفو الدواوين.

إذا كان ذلك قد حدد ترتيب الفئات الوسطى العليا, فإن الفئات الأدنى منها, في المجال الفكري والاجتماعي, والمتعيشة من هذا النمط التوزيعى, سرتبط بشكل غير وظيفى مباشر, لكون المهمات الدينية والفكرية يجري ترتيبها في اثناء نمو النظام بآلية السيطرة الفوقية.

وهكذا كان تشكل هذا المستوى يجري بتنحية العناصر المضمونية النضالية, وتقوية العناصرالشكلانية الغيبية, أو اشكال الممارسات العبادية, وتضخيم أبنيتها, وكلما نقص المضمون النضالي زاد الشكل الزخرفي والعمراني, وتبقى الجوانب المفيدة من المعاملات التي توسع العلاقات البضاعية وتكرس تقسيم العمل والإنتاج كما تفرضه الطبقة المسيطرة.

ولهذا فان فئات رجال الدين تتشكل على أساس القرب والأهمية للقوة المسيطرة السياسية, أي القادرة على تسويق السياسة العامة للخلفاء, فيظهر كباررجال الدين الذين يصيرون جزءاً من طبقة الأشراف, بحصولهم على الأراضى الزراعية والقطائع. فى حين تبقى الغالبية منهم في المستويات المتوسطة والدنيا.

ولأن الدين هوالمظلة الفكرية التي يستظل بها النظام, تغدو مؤسساته وإرثه وفئاته, الجزء الآخر من النظام, هو مستواه الفكري الغالب, لأن ثمة اشكالا فكرية تزاحمه كالآداب والعلوم والفلسفة لها مساراتها النوعية في النمو, ولكن قانون الهيمنة الاجتماعية ينطبق عليها كذلك, فيتم تنحية العناصرالمعارضة والنقدية والتحليلية للحياة. وإذ تظهر جوانب موضوعية وعلمية ومضيئة في الإنتاج, فإنها تظهر كأشياء وظواهر جزئية, في منظومات غيبية, فتتم السيطرة على الجوانب الموضوعية والنقدية ولا تتحول الى منظومات فكرية تحليلية كاشفة, مثلما تتقطع فئات الطبقة الوسطى الى شرائح عاجزة عن تغيير المدينة الإقطاعية.

وتظهرجذورالمفكرين والكتاب المنتمين الى الشرائح الوسطى بدءاً من أسمائهم كالغزال واصل بن عطاء, والنظام المفكرالمعروف بهذا الاسم, والحلاج والاسكافي.. الخ.

كذلك فان نسبة الشرائح في فئات الإنتاج الفكري تعبر هي الأخرى عن أدوارها في الحياة, حيث رجال الدين المتوسطون والصغار يمثلون الشرائح ألاكبر, وهذا يعبر عن كون إنتاج الوعي الديني يمثل الإنتاج الأكبر.

ولهذا علاقة بالوعي ووظيفيته فالدين هنا يمثل أغتراباً عن الطبيعة والإنتاج والمادة, مثلما يمثل النظام الاقطاعي الزراعي والحرفي البسيط, غياباً عن الصناعة, وتعاملاً بسيطاً مع السلع, مما يجعل هذا الوعي يحافظ على الركود الإنتاجي, وإعادة تكرار العلاقات الاجتماعية التقليدية, وباستمرار تدفقها الرعوي والقروي المتخلفين.

وفي الوعي الفكري تتنحى عمليات الكشف والتحليل الاجتماعيين, فابن المقفع يُقتل حيث دفعته رغبته الإصلاحية وموالاته للإشراف الى مصرعه, والاعتزال يتحول الى أعتزال تابع للسلطة, أو زاهد منعزل, وتتوجه المذاهب الدينية الى المحافظة وتنحية الاجتهاد, والمعارضة, في حين تبدأ الإسماعيلية في النشاط والرويج لفكر الإمام المستور الموجود, وبالتالي عدم تحليل الواقع المرئى واللامرئى.. الخ.

إن الجوانب الليبرالية والديمقراطية في الوعى العربي القديم تغدو ضئيلة لضخامة المبنى التقليدي المهيمن على الحياة, وأساسه في النظام السياسي, فتعجز الفئات الوسطى عن إنتاج تلك الجوانب لأنها تغدو جزءاً ملتحماً بهذا النظام التقليدي بمستوييه السياسي والديني.

وهذا كله على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية سيضع بعض الأسس الرئيسية للبرجوازيات العربية المعاصرة , ولهذا حديث آخر.

العلماء والإيديولوجيون

يتخذ كل من العلماء والإيديولوجيين مواقف مختلفة في قضايا الحياة الاجتماعية، فغالبأ ما يريد أصحاب العمل السياسي نتائج سريعة ويريدون إنزال الناس إلى الشوارع وتحقيق الأصلاحات والثورات وتطبيق كل وصايا الأديان، إذا أخذنا هنا كافة أنواع الإيديولوجيين «المتلهفين» إلى النفوذ.

وفي المستويات الواسعة للناس وفي الأحزاب والجماعات المختلفة، ليس ثمة مجال للدرس والمختبرات واللجان، ولهذا فإنهم لا يحبذون أنشطة الباحثين والعلماء المتأنية و«الصبورة» في درس الظواهر، وغالباً ما يسيطر الإيديولوجيون على الأحزاب قائدينها عبر مستوياتهم الفكرية المعتمدة على القوالب والشعارات والتبسيط والعاطفة.

وغالباً ما تصدر القرارات بهذا الشكل المرتجل وتغدو الأحزاب والجماعات تبعاً لردود فعل متواصلة، ولميوعة فكرية، وذبذبة إيديولوجية مستمرة. ولهذا لا نجد تراكماً معرفياً، تقدمياً أو دينياً فى مثل هذه التجمعات.

والجماعات التي يغلب عليها هذا الاتجاه لا تحبذ غالباً وجود المثقفين والعلماء المناضلين المؤثرين في صفوفها، وهي تتجه إلى التعبير عن وعي العوام والأميين وردود فعلهم على الظواهر السياسية.

لكن جماعات أخرى تدرك خطورة الارتجال والعفوية المستمرين فى العمل السياسي، الذي غالياً ما يجعل الشارع مسيطراً عليها، بدلاً من أن تقوم هي بتوجيه الشارع. ومن هنا تضع الباحثين والعلماء في مواقع مؤثرة في الجماعة، وفي بعض الأحزاب العريقة تتحول هذه اللجان إلى محفل شبه مقدس، أو تصير عقل الجماعة الثمين، مما يعبر عن إدراك هذه الجماعات لدور الفكر والعلم في اكتشاف معالم التطورات السياسية المستمرة وقراءة الأحداث المستقبلية.

غياب العلماء عن الأحزاب وسيطرة الوعي العامي غالباً ما يشيران إلى ظواهر الدكتاتورية المتوارية، وغلبة المنحى الشخصى فى القيادة، وتحويل تقلبات القائد أو عواطف الزعيم ومصالحه إلى نهج سياسي مقدس، بحيث يستحيل أن ترى في هذه الجماعات آثاراً فكرية وسياسية متراكمة ونتاجات علمية معمقة تثري الوعي. فيغدو المنظم الجديد للجماعة مثل القائد القديم، كلاهما في مرتبة فكرية واحدة، لم يتطور فيها وعي القائد، ولم ينقص العضو الجديد شيئا من الوعي، ولهذا فرغم الجيشان والحركة والبيانات فإن هذه الجماعات تقف خارج التاريخ، والتراكم المعرفي والسياسي، فلا يحدث للعضو تطور يشار إليه بالبنان، ومن هنا لن يختلف هذا عن زمن المطوع، فهنا أيضاً تلعب عملية الحفظ دورها الأساسي في إنتاج وعي لا وعي فيه.

فدعك هنا من قدرة هذه الجماعات على إنتاج وعي في الظاهرات الفكرية والأبداعية النوعية: الشعر، القصة، النقد، العلوم الخ.. فعدم القدرة على خلق الوعي السياسي، ينعكس على عدم القدرة على خلق أشكال الوعي المترتبة عليه، والفائضة عن حرارته وغناه.

وليست هناك فروق حاسمة أو مهمة بين الجماعات الفكرية المختلفة، فالأحزاب والجماعات الدينية، لا تجد فيها فكرأ دينياً، أي نتاجات العلماء المجتهدين المعروفين، بل تقوم الثقافة العامية السياسية فيها بالاستعانة بالكتيبات والشرائط المسجلة، الممتلئة بالتعابير العاطفية الشديدة التهييج، مما يعبر عن طبيعة التثقيف المستخدم ورفضه إنتاج وعي عميق، أي تكوين بشر وجماعات في مستوى المسئولية.

ان هيمنة الإيديولوجيين على العلماء في وسطنا السياسي يمكن ان نراه بقوة في شعرائح البرجوازية الصغيرة، وهي الفئات التي تنتمي إلى قاعدة الطبقة الوسطى، من مثقفين ومحامين ورجال دين ومهندسين الخ..

من الموكد بداهةً ان هذه الشرائح هي اكثر الشرائح وعياً في المجتمع، فهنا تراكم الثقافة وحصيلتها وثمار العلوم، ولكن كيف تجمعت أكثرية الجمعيات السياسية في هذه الشرائح دون غيرها، ففي الوقت الذي لن تجد رجال الأعمال ينتمون إلى جمعيات سياسية متعددة، بل ربما كانوا يتمركزون في جمعية أواثنتين، مما يدل ليس على أن قوة المال لا تحب الثرثرة بل ايضاً على التركز السياسي أو تجنب السياسة.

ومثلهم فإن العمال لا يكاد صوتهم المستقل ان يظهر أو يتبلور، ومن المؤكد انهم ينتشرون في قواعد كبريات الجمعيات السياسية، ولكن كملاحق اجتماعية اكثر منهم صوتاً مميزاً.

أما شرائح فئات المثقفين المختلفة فهي التي تحتشد في الجمعيات، وتكاد قيادات الجمعيات أن تكون حكراً على هذه الشريحة. والسوال الذي يطرح نفسة لماذا استطاعت هذه الشريحة من الانتشار بهذا التوسع في الجمعيات، في حين لا تتواجد الطبقات المنتجة أو المالكة مثل هذا التسيح في قيادة الجمعيات؟

من الواضح ان شرائح البرجوازية الصغيرة أكثر الفئات طموحاً إلى الارتفاع في السلم الاجتماعي، وهي الشرائح التي تمتلك الإيديولوجيا ولغة الكلام السياسي والديني، وقد نشطت بكثافة مع الإصلاحات لتغير مواقعها الاجتماعية والوظيفية، وتستفيد من المرحلة. في حين جد ان نشاط الطبقتين العاملة والمالكة ليس بمثل هذه السرعة والانتشار، فهنا بطء في الحركة، وبالنسبة للعمال يعود إلى كونهم لم يفرزوا قيادات سياسية من بينهم، وهم حتى على المستوى النقابي فى حالة من المخاض الطويل، بحيث إننا لم نعرف قيادة عمالية ملتزمة بالدفاع العميق والمتواصل عن مصالح العمال.

في حين ان الطبقة المتوسطة تمتلك قياداتها ومؤسساتها العريقة، وهي منذ زمن بعيد عرفت كيف تتواشج مع النظامين السياسي والاقتصادي.

لهذا فإن القضية والحراك يكمن في شرائح البرجوازية الصغيرة، هذه الشرائح التي صار لها بين عشية وضحاها الكثير من الجمعيات السياسية وغير السياسية.

إحدى النقاط المثيرة للحيرة هي كثرة انتماءات هذه الشريحة إلى أقصى اليسار وأقصى اليمين في ذات الوقت، ولا يكاد الوسط الجامع لقسمات الحداثة العربية أن يحظى بقوة مهمة فيها، ولهذا فإن هذه الحالات القصوى من الأفكار هي بحد ذاتها دليل على المشكلة التي تعاني منها هذه الشريحة، بطموحاتها وارتباطاتها المختلفة.

وهنا تتجسد إحدى أهم مشكلاتنا الفكرية، فهذه الشريحة التي تحوي المثقفين والمهنيين، تغدوغير منتجة للفكر والعلوم والنظرات السياسية والدينية العميقة، في حين اننا نفترض أن نرى من هذه الشريحة بالذات النتاجات الفكرية والسياسية المهمة.

وإحدى العلامات الدالة على طبيعة هذه الشرائح الراهنة هي كثرة الانقسامات بينها، وهي انقسامات لا تتوقف للأسف، وحين تحدث الانقسامات بهذه الصورة السهلة والمحزنة، لن تجد لها أي تبرير فكري، معنى ان الصراع السياسي لم يقم على أي أسس فكرية يمكن للمرء أن يلمسها، بل هي صراع على المناصب والحصص السياسية والمقاعد!

ويمكن لهذه الانقسامات المتتالية والتوجهات الذاتية أن تضعف الجمعيات السياسية ككل، في حين يفترض التركيز على تعميق الوعي والإنتاج الفكري، ونرجو أن لا تلعب الطبيعة الاجتماعية لهذه الشرائح دورها فهي سريعة الانقضاض سريعة في الانفضاض!

◇ من مواليد القضيبية - البحرين. ◇ خريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى سنة 1974. ◇ اعتقل من سنة 1975 إلى 1981. ◇ عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعية والثقافية في الصحف البحرينية والخليجية، ونشر في العديد من الدوريات العربية. ◇ عضو اتحاد الكتاب العرب بسوريا. ◇ ساهم في مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب، وأول مؤتمر أشترك فيه كان سنة 1975 الذي عقد بالجمهورية الجزائرية وقدم فيه بحثاً عن تطور القصة القصيرة في البحرين، وشارك في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب بتونس سنة 2002، ببحث تحت عنوان «جذور العنف في الحياة العربية المعاصرة»، وشارك في مؤتمر بجمهورية مصر العربية سنة 2003، وببحث تحت عنوان «المثقف العربي بين الحرية والاستبداد» وذلك باتحاد الكتاب المصريين. والعديد من المؤتمرات الادبية العربية. ◇ منذ سنة 1966 مارس عبــدالله خلــيفة كتابة القصة القصيرة بشكل مكثف وواسع أكثر من بقية الأعمال الأدبية والفكرية التي كان يمازجها مع هذا الإنتاج، حيث ترابطت لديه الكتابة بشتى أنواعها: مقالة، ودراسة، وقصة، ونقد. ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي قام بطبع نتاجه القصصي والروائي والفكري في دور النشر العربية المختلفة.

الناقد ذو الرأسِ الفارغ!

أبتلى الخليج بالمتعلمين المتعالمين المجعجعين بالثرثرة اللغوية، ولم يرزقه الواقع الصحراوي بناقد من طراز طه حسين أو سلامة موسى حيث تظهر حركة خلاقة من إبداعاته ومؤلفاته، حيث يحفر في مؤلفات بلده وأمته ويكسر رؤوسها المتحجرة ويخلق روافد من الأشعة، بل لا يوجد سوى كتبة سطحيين متذاكين بترديد المعلبات الغربية، فيكتب أحدهم في شبابه بضعة مقالات يروح في منولوج يستمر طوال العمر حتى يصاب بزهايمر فكري فيتصور ريادته الفكرية للمنطقة ويحصل على بضعة أقلام تقدم له الجوائز المزورة.

آخر يعرض كتباً بشكل (نقدي) هو ترديد ما في هذه الكتب وتمطيط عباراتها فلا يقوم بتحليل ولا حفر، أو هو يطلب من الكتاب في مجالات الرواية أجوبةً ثم يكونُ الكتابُ كله هو هذه الأجوبة ومع ذلك يضع اسمه عليه!

أو يُزور تجربةً روائية نسائية مفككة ضعيفة ويجعلها في قمة العطاء في حين أن الكاتبة بحاجة إلى من يأخذ بيدها في فهم الرواية وذلك كله من أجل سفرة أو هدية!

وحين تكون الكتابة النقدية ليست عن أدب الخيام والمدن الخليجية وعن كافة الشقيات في عالم الأنوثة بل عن صراع الأنوثة والذكورة في تجريدات الثقافة الغربية تكون البطالة العقلية الفظة في حين تتواجد مئات الروايات والقصص الخليجية بانتظار القراءات الأولية فقط ورؤية البشر الحقيقيين.

حين تكون الكتابة النقدية حقداً شخصياً وتزكية للأصدقاء الشعراء والقصاصين وسحق الآخرين خصومهم غير الأصدقاء، لا يستطيع الناقد أن يشكل حركة فكرية خصبة بل يصبح كتلة من العقد والأحقاد والأمراض، لا عروضا نقدية حقيقية فيها ولا قدرة على تحليل الواقع ومواجهة الأبنية الاجتماعية.

ومن هنا يمرض حين يرى نقداً حقيقياً وتحليلات لا تستهدف التسلق لوزارة أو تحصل على عقود عمل وطباعات مجانية أو حضور مؤتمر ومهرجان.

إنه يحتفظ برأسه الإيديولوجية الضخمة رافضاً الدخول في الواقع الجاف.

لكنه في كبريائه الجريح يقدم كشفاً بالنقاد (الحقيقيين) الذين هم على شاكلته لا يكشفون ولا ينقدون فهو الوحيد الذي يستطيع أن يقدم كشفاً تاريخياً بذلك.

ابتلاء الخليج بالرؤوس الفارغة المثرثرة بالنقد رغم كثرة المجلات الفاخرة التي جعلتها حصالات نقدية لها وهو الفارق بين من يبني نهضة ومن يعيش على التسول الحضاري.

هل رآهم أحد يحللون روايةً محلية ويتغلغلون في فهم المجتمع وصراعاته؟

 هل حللوا قصة قصيرة بحرينية واحدة، واحدة فقط؟

 حين يحللون بغرض الكسب فيتم تزييف القصة وتغيير بناها خدمة لأغراض ذاتية.

ليس ثمة قامة كطه حسين، لماذا؟

 لأن طه حسين واجه واقعه بكل قوة ومطالعة وحلله بأدواته غير خائف أو منزو وخلق دوائر كبيرة من النقد والفكر والصحافة الحرة. ومن هنا توسع في نقد الأنواع الأدبية والفكرية والسياسية، لكن صاحب الكتابة الضحلة الممتلئ عظمة بشخصه يتصور بضعة مقالات هرماً من الثقافة وأعجوبة!

إنها أرض المجدبين لا تستطيع أن تصنع نقداً لأن النقد هو مفجر الفكر ومؤسس الحضارة.

أرضٌ بلا نقاد سفن بلا ربابنة.

المذهبيون وخيار الحكمة

 إن خيارات التطرف كثيرة أكثر من خيارات الإعتدال وبُعد النظر، لأنها تستند على سؤ المعيشة المنتشر بين العامة، وعلى مغامرات السياسيين الفرديين المتضخمين، لكن رجال الدين المعتدلين والسياسيين المحنكين يقدرون على خيارات أفضل مهما كانت الأمواج عاتية والبحار الاجتماعية مضطربة.

في العراق انضم الشيعة العرب لخيار الاعتدال ولعدم تحكم المركز الإيراني في مصيرهم، ولوضع حد لتحكم المركز الأمريكي في مستقبلهم، وهي خطوة تاريخية كبيرة، وإن لم تكن واضحة كلياً لكنها تؤكد حضور المرجعيات المذهبية والسياسية الحكيمة والبعيدة النظر هناك.

ولكن المرجعيات المذهبية المنفتحة والتقدمية والقومية تحتاج إلى نظرات أبعد في فهم ركائز الدول وهي الدين والحداثة والقومية.

فليست لديهم الفكرة العلمانية الوطنية الإسلامية. وهذا النقص تعبيرٌ عن عدم فهم مستويات العراق التاريخية؛ كونه وطناً واحداً، ذا مرجعيات دينية ومذهبية وقومية مختلفة، ويسودهُ الإسلام غيرُ المهيمن سياسة حاكمة. بل هو الإسلام الحضاري الديمقراطي الذي يتشكل من ديمقراطية الحياة ومن التعاون بين المذاهب والمرجعيات الحديثة.

ليست الإتفاقية الأمنية سوى شكل لهذه الصراعات، وإذا كانت القوى الوطنية التقدمية والقومية والدينية لها تحفظات على هذه الأتفاقية لكنها كانت الخيار الأفضل لكي يستقر المجتمع العراقي ويتوحد وتنمو مؤسساته السياسية الحديثة إلى حين زوال الاحتلال، ودون جيش مسيطر يحرقُ العراقُ نفسَهُ وجيرانه.

ومع حكم أوباما فإن العراقيين يجب أن ينظروا في مستقبل هذه الاتفاقية بتمعن كبير من هذه الحدة العاطفية الموجودة الآن.

وهذا يعود كذلك لحكمة المرجعية الشيعية والمرجعيات السياسية فيه، وهي بُعد نظر السيد السيستاني، فهنا نجد هذا الرجل الكبير لا يحرض على العنف ولا على الأقتتال والصراعات بين الأخوة المسلمين، بل على توحدهم، فهذا التوحد الوطني الذي يصر عليه هو المخرج لو كان السياسيون والمتطرفون الدينيون يعقلون.

وهو هنا يعود لدور رجال الدين الكبار في تاريخ الإسلام الذين رفضوا الانخراط في النزاعات الطائفية، ورفضوا هذا التوظيف الضيق في السياسة، وقد عُرضتْ الخلافة على الإمام جعفر بن محمد(الصادق) مؤسس الجعفرية، فرفضها، وتوجه لعلوم الفقه والكيمياء!

وقد بقيت هذه العلوم وذاب المتقاتلون على كراسي الحكم!

وكنا ننتظر من أهل السنة وهم أهل الاعتدال والعقلانية مقاربة لهذه النظرات بدلاً من تأجيج الصراعات وتفجير الحياة بالعنف.

لكن الاعتدال وبُعد الوحدة الوطنية العراقية ينمو بينهم، وهم يرفضون التوجيهات الإيرانية والسورية الحكوميتين الداعية لهم لتفجير العراق.

تتشكل التفجيرات الدموية الرهيبة الفاشية في أجساد المارة وأهل الأسواق الذين لا يحملون بندقية ويتاجرون في الطماطم والخبز، وترتعد القاعدة وأجهزة الاستخبارات المناطقية الجبانة عن مواجهة الجيش الأمريكي فتقوم بهذه الأعمال لسحق الوحدة الوطنية العراقية المتنامية.

لكن ليس ثمة قلوب في هذه المدرعات البشرية، ولا بد من هزيمتها السياسية والفكرية بين السنة والشيعة وهم أغلبية العراقيين.

وهؤلاء ليسوا متعطشين لسفك الدماء بل للمحاكمات والإجراءات القضائية النزيهة، وللعنف المدافع عن سلامة الوطن ووحدته كذلك، فلا أحد يريد عنفية أخرى مماثلة، عنفية أناس تدنوا عن مستوى البشرية، ولكن من رفع قوى المقاومة العراقية الوطنية للتصدي للمتدخلين والفاشيين!

ليس للمذهبيين سوى خيار الأنتماء الوطني في كل بلد والعودة لمرجعياته السياسية.

ومن هنا على رجال الشرطة والقضاء لدينا عدم الرد المماثل لجماعات الأرهاب والعنف والدم، فنحن نكسب المعركة ضد الأرهابيين والمتطرفين الدينيين بالحكمة والقانون وهي حبالها طويلة لكنها مثمرة، وإذا تمت ممارسة نفس أساليب الأرهابيين تكون القضية قد ضاعت!

ويدرك الكثيرُ من الشيعة بأن الخيارَ الإيراني المتشدد وتفجير المنطقة ليس في صالحهم، وكذلك فإن ظهور مركز عالمي قيادي للشيعة في العراق، يتوجه للاعتدال والعقلانية السياسية والديمقراطية والعروبة، هو عودة للجذور النضالية في هذا المذهب الإسلامي الكبير.

إن علامة التطور في أي مذهب إسلامي هو التوحد مع أخوته في العقيدة مع إحترام الاختلافات السياسية والاجتماعية التي تتشكل من خلال نظرات سياسية غير مؤدلجة طائفياً.

الوحدة بين المذاهب الإسلامية للنضال الوطني الديمقراطي المشترك هو خطوة باتجاه الحداثة والعلمانية والجذور الإسلامية الموحَّدة.

هو خطوة يتجسدُ فيها إن كل وطن عربي يعتمد على قواه الداخلية، ويرفض أي فورمة خارجية جاهزة لتوظيف المذاهب لصالحها إنطلاقاً من مركز يهمه الصراع ضد هذا البلد أو ذاك، لكن ما هي مصلحة البلد الذي يُجرب ويُحرق في ذلك؟!

ولماذا يخربون تجربة بلدهم؟

وقد ضحينا كفاية في معركتي السويس و النكسة وغيرهما فهل يجب أن نكون كبش الفداء دائماً؟

أبحثوا لكم عن شعوب أخرى تضحون بها!

ولماذا لا يحولون بلدانهم إلى محرقة للأمبريالية كما يقولون ويورطون شعوباً صغيرة مثل الشعب اللبناني والعراقي والفلسطيني والبحريني في ذلك؟؟!

إيران بلد شاسع وسوريا كبيرة فلتجري المعارك داخلهما لهزيمة وسحق أمريكا!

وكان الشعب العراقي كبيراً في وحدته وعدده ومركزية بلاده حتى فتتها الحكمُ الشمولي السابق فصارت المختبر الأكبر لحرق ذاته وليس للصراع المزعوم ضد الأمبريالية!

وكان الشعبُ الفلسطيني كبيراً موحَّداً حتى أخترقته حماس – إيران – سوريا!

عندهم شعوبٌ كبيرة يعجزون عن توريطها، فيندفعون للشعوب الصغيرة يجرون عليها تجاربهم الكيميائية السامة!

تشكيل وحدات وطنية غير مخترقة من الدول صاحبة شبكات العملاء و(المناضلين) أمر عسير.

بل هو أمرٌ بالغ الصعوبة وعودة للينابيع العربية الإسلامية الديمقراطية، وأمامه الكثير من السدود سواءً من مراكز قديمة لم تعد قادرة في اللحظة الحالية على التطور، ومن أنظمة مغايرة فيها الكثير من سؤ المعاملة ومن عدم المساواة بين المواطنين الشيعة والسنة والمسيحيين والإسماعليين وغيرهم، لكن إذا تكاثرت الإرادات الخيرة وتوحدت وتركت كسلها السياسي وطورت نشاطها العقلاني النقدي، فإنها تستطيع أن تصد قوى الطائفية والشرور الواسعة الحيلة والخبث، التي تعد للناس مذابح رهيبة كما في العراق.

الأحزابُ المذهبيةُ السياسية في العراق

تشكلتْ الأحزابُ المذهبيةُ العراقية في عالمٍ ديني سياسي شمولي، تؤثثهُ علاقاتٌ إجتماعيةٌ محافظةٌ يسودُها الإقطاعُ؛ هيمناتٌ مطلقةٌ للذكورِ وللحكوماتِ ولإقطاع الزراعة وللنصوصية الدينية الشكلانية.

ولم تستطعْ أحزابُ العلمانية أن تغادرَ هذا المناخ، فكانت هي ذاتُها أحزابٌ دينيةٌ شمولية، فالحزبان الشيوعي والبعثي هما حزبان دينيان شموليان كذلك، رغم المحاولات لتحويلهما لحزبين علمانيين وطنيين دون القدرة على ذلك، فهذا الأمرُ لا يتشكل بقراراتِ القيادات من دون أرضيةٍ موضوعيةٍ عميقة في حياةِ الشعب لهذا المسار. أي لا يحدث ذلك بقفزةٍ إلا أن تكون قفزةً في الهواء، ويحدثُ بعدها للقافز ما يحدثُ من سقوطٍ وتكسر.

ونجد في هذين الحزبين عدم تنمية العناصر الديمقراطية الجنينية في الواقعِ والتراث، بدءً من تصفية النظامِ الملكي الذي يحملُ أجنةً ديمقراطيةً واعدة، ونفياً للإسلامِ بشكلين؛ أولهما خلق عدمية دينية بيافطات شيوعية والثانية تكريسُ المحافظة الدينية مع شعاراتٍ فوقية علمانية زائفة.

إن تنميةَ العناصر الديمقراطيةِ عمليةٌ شاملةٌ على مستويي التراثِ والواقع معاً، برؤيةِ العناصر الديمقراطية في الإسلام، وفرزها عن المنظومةِ الشمولية المحافظة فيه، وبرؤيةِ العناصرِ الديمقراطية في الحياة السياسية المعاصرة وتطويرها معاً.

وفي عملياتِ سلقِ السياسة والبشر يغدو الواقعُ حطاماً، وفي العراق وصلَ الحطامُ لذروتهِ، وبهذا نزلَ هذا السلق على الطوائف والأديان تحطيماً لا بناءً، أي بمحاولات التجاوز الإداري العنفي والإلغاء الكلي لها.

لم تكن ثمة أحزاب مذهبية سياسية بارزة قبل هذا التاريخ التذويبي، وجثمَ رجالُ الدينِ الكبارِ في مساندةٍ للنمو الديمقراطي الوطني، يشعرون ببعضِ التهديدِ من هذا النمو الديمقراطي العلماني للسكان العراقيين في ظل النظام الملكي، لكن هذا التهديد لا يصل إلى الإلغاء ولمشروعاتِ الإجتثاث لهم، فكانت الأغلبيةُ متجهةً للقضية الوطنية عامة، وحين أنزلت الأحزابُ العلمانيةُ الدينيةُ الشمولية شعارات الاشتراكيةِ والشيوعيةِ والقوميةِ الكاسحة أحستْ القوى الدينية بالخطر.

لم تكن ثمة إشتراكية وشيوعية وقومية فهي مجردُ رأسمالياتٍ مركزية بيروقراطية، إستغلالية، ولكن الوعي الإيديولوجي للمجموعاتِ العائشة في البخور الغيبي الديني السياسي، يصورُ الأمرَ بغيرِ حقيقتهِ وهو مثلها يعيشُ على سطحِ الظاهرات.

في النصفِ الثاني من القرن العشرين بدأت الأحزابُ المذهبيةُ السياسيةُ بالظهور، لقد أحستْ بالخطرِ يتوجهُ لإزالةِ عالمِها المحافظِ وهيمنتِها على الناس، وتراثها المهدد.

حين تتشكلُ الأحزابُ المذهبيةُ يكون ذلك تعبيراً عن تخريبٍ جديدٍ للإسلام، فهذه الأحزابُ المذهبيةُ لا تمتلكُ سوى النسخ المحافظة الجامدة للسيطرةِ على المسلمين التي قامتْ بها الطبقاتُ الإقطاعيةُ في الماضي، والتي قسمتْ المسلمين حسب مواقع الطبقات المتنفذة في كلِ بلدٍ وكلِ إقليم، وجعلت قواها المنتجة العاملة في الحضيض، بعد نهضتين في زمن التأسيس الإسلامي، وزمن صعود القوى المتوسطة في الدولة العباسية، لكن قوى المحافظة جاءت بعد الفترتين النهضويتين لتطمسَ تلك العناصر الديمقراطية الجنينية وتؤبد زمنية التقليد والتخلف.

إن الجانبَ الحكومي العراقيَّ المستبدَ لم يطرحْ تنميةَ عناصر ديمقراطية لا في الإسلام ولا في الواقع، فلديه دبابةٌ سياسيةٌ تنزلُ على الرؤوس، وتتجه لضربِ المظاهر العبادية من طقوسٍ شعبية لها تاريخٌ مقدس، فالسلطةُ تتوقعُ أن تكون هذه العادات المذهبية والشعائر الدينية مركز لتجمع سياسي واعد يمثل خطراً عليها فلا بد من سحقهِ وهو في مهده!

إنها لا تريدُ جماعةً شعبيةً أخرى تتآلف مع بعضها عبر تقاليد دينية أو قومية، ولكن قمعها يولدُ ما تخشاه، ودكتاتوريةُ النظامِ تولدُ دكتاتوريةَ المذهب، أو بالأحرى تجري إستعادتها ولكن بشكلٍ سياسي بارزٍ وعام. وهنا يكونُ الخاسران هما الإسلام والوطن.

كلتا الدكتاتوريتين وجهان لميداليةِ القوى المحافظةِ الإقطاعية العائشة في العلاقات الاجتماعية التقليدية في تاريخ المسلمين، مرةً في قمةِ الدولة، ومرةً في قمةِ الطائفة، وتقوم الدولةُ بتمزيقِ المجتمع بالاستبداد وتقوم قيادةُ الطائفةِ بتمزيقِ المسلمين والمواطنين بالاستبداد.

والوعيان الاستبداديان متحدان، فهما ينفيان العناصرَ الديمقراطيةَ في تجربتي المسلمين السابقتين، ويكرسان المحافظة كلٌ من موقعه.

ما ينتجُ من ذلك هو مجتمعُ الفسيفساءِ الطائفيةِ والقومية المتخلفِ العاجز عن تشكيلِ قيادةٍ نهضوية وطنية توحيدية، بسبب طبيعة قياداته الطائفية التي تتشبث بأمتيازاتِها كل في عصابته.

هذا يتجسدُ في هيمنة المنتصرين من الأحزاب الدينية  على الميزانيات والهيمنة على الوزارات وتجيير الدخل الوطني لمصالح الأحزاب وأجهزتها الحاكمة.

تتشكل الأحزابُ المذهبية السياسية سواءً كانت فُرَقاً كما في الماضي، أم شللاً وكيانات إجتماعية كما في الحاضر على بعضِ الشعاراتِ الفقهيةِ المفصولةِ المُنتَّزعةِ من الكلِ الديني مع غيابِ الدراية الواسعة بالإسلام، فالأهدافُ السياسيةُ تقفزُ وتركبُ على المادةِ الدينيةِ غيرِ المُحلَّلةِ وغيرِ المدروسةِ، كما في لحظة الخوارج حيث يُـقطعُ شعارُ لا حكم سوى القرآن من سياقهِ الكلي ومن تجربةِ المسلمين العامة، ويُعلقُ في العملِ السياسي الذاتي التمزيقي؛(قضيةُ حقٍ أُريدَ بها باطل).

إن الأحكامَ المقطوعةَ والجزئيات المُنتزَّعةَ والشعارات المصنوعة هي كلها بهدفٍ سياسي غائي تكتيكي، أما جسم الدين فهو مادة خام مُغيَّبة.

وبهذا لم يكن الأئمةُ سياسيين بعد حرب صفين، وفصلوا الفقهَ عن السياسة، وتشكلَّ للسياسةِ أصحابها، لكن من خلالِ إمتطاءِ الفقهِ للمصالح السياسية والكراسي.

وقد وجد السياسيون الحديثون من المذاهب بعد جور رأسمالياتِ الدول المُسماة إشتراكيةً وقومية، في العراق خاصةً، إنهم مدعوون لتجنيدِ المذهبين الشيعي والسني، وكذلك المذاهب والأديان الأخرى المتعددة في العراق، لعدمِ الذوبان أمام هذا السحق الحكومي.

لكن جرى  ذلك من خلالِ القفزِ على ظهرِ الدين، وبإعتمادِ المادةِ المحافظة الإستغلالية التي تكرستْ خلال القرون السابقة، فهم كذلك مثل (الاشتراكيين والشيوعيين والقوميين) لم ينتجوا ثقافةً ديمقراطيةً ولم ينظروا للعامةِ كبشرٍ مستقلين ومنتجين، وكرسوا تخلفَهم في المظاهرِ العبادية المتعددة، وأججوا التعصبَ بينها، والانفصالَ عن بقيةِ المسلمين، ولهذا كان كفاحُهم ضد الدكتاتورية دكتاتورياً متخلفاً، كهاربٍ من الرمضاءِ إلى النار.

إن التمزقَ الوطني يقود للتمزق القومي، ودين التوحيد يتحول لديهم إلى دين التمزيق، وراحت الأجسامُ المذهبيةُ السياسية تتكاثرُ خاصة لدى الشيعة والأكراد، بسبب تحويل النظام لواجهته الإيديولوجية البعثية إلى واجهةٍ مذهبية زائفة هي الأخرى ومتعصب لها، وهيمنةُ مصالحِ الحكمِ تتحولُ إلى إفقارٍ للجماهير عامة، وخاصةً غير الملتحقة بمؤسساته السياسية.

إن غيابَ الأنتماء القومي هنا يتحولُ لولاءات خارجية، ونرى هنا كيف أن مظلة العصور الوسطى التمزيقية تجر هذه الكيانات السياسية لخرائطِها القديمة، بدلاً من مراكمة الوطنية الديمقراطية العراقية.

وليس في الكيانات المذهبية السياسية رؤىً فكريةً فهي تعجزُ عن صنعِ ذلك، بسببِ غيابِ أي مرجعيةٍ فكرية عميقة، فتلصيقُ جملٍ سياسيةٍ مقطوعةِ السياقِ بالإسلام لا يشكلُ رؤية خاصة أن هذه الجماعات تأخذ المبنى الديني المحافظَ وليس العناصر الديمقراطية في الإسلام. ومن زمن الخوارج حتى الآن يعتمدُ التنظيمُ المذهبي السياسي على الزعيمِ الفرد، والانقساماتُ فيها هي إنقساماتٌ فردية، مرتبطة بالقبائل والعائلات والمناطق وليس بالأفكار الخلاقة.

إن التنظيم المذهبي السياسي هو تنظيمٌ فردي، أي يتشكل من خلال شخص، فهو غير قادر على بث رؤية ديمقراطية لأنه مشكل بصورة شمولية، وبهذا تتوالدُ التنظيماتُ حسب صراعات الزعماء والعائلات، وتقود في الممارسة السياسية الحكومية إلى تصاعد هذه الجماعات الخاصة التي إنسلختْ عن المسلمين عامةً، ثم تروح تنسلخُ عن طوائفِها التي زعمتْ تمثيلها، وتصعد في عالم الفساد.

وجه للسيد نور المالكي رئيس وزراء العراق نقدٌ بارزٌ في أثناء الإنتخابات بكون وزارته حصلت على 300 مليار دولار أن يظهر أثرٌ لهذه الأموال على الأرض الاجتماعية؟!

سنقرأ لاحقاً مثل هذه الحيثيات، لكن لا بد من القول هنا بأن الأدلجة الشمولية سواءً كانت مذهباً أم فكرة عصرية هي واحدة، حيث أنه يجري غرس الديمقراطية في شعوب تعيش ثقافة الإستبداد الطويل، ويتم جرها من خلال هذه الأدلجة التعصبية عادة، لكنها ليست فاقدة للتبصر أو للتعلم، بل هي تراكم تلك العناصر الديمقراطية الصغيرة الضائعة في ثقافات الشمولية المختلفة، عبر جوعها وأجورها المتجمدة وعبر نظرتها للأحزاب غير المفتوحة للحوارات والتحليلات والصدق والموضوعية.

 وبطبيعةِ الحال كانت تجربة الشعب العراقي مريرة جداً وقاسية وإمكانيات تسلل النظر الموضوعي، وتصاعد موقف وطني، وتشكيل شيء من المقاربة بين أغلبية هذه الجماهير الممزقة من الشمال والجنوب والغارقة في التفجيرات والأفساد، تبدو مستحيلة، لكن حدث

هذا المستحيل، وأمكن لجماهير كبيرة أن تتحد وتتجاوز المذهبيات السياسية الكلية الهيمنة.

بعد هيمنة الأحزاب المذهبية السياسية السنية والشيعية بعد هدم النظام السابق، بدأ شيءٌ سياسي جديد ينمو في حياة العراقيين، هو رفض أولي لحالات التمزيق السائدة:

(اظهر استطلاع للرأي أجراه المركز الوطني للإعلام التابع لأمانة مجلس الوزراء في العراق ونشرت نتائجه الاثنين 19-1-2009 إن غالبيةَ الناخبين تؤيد القوى “العلمانية على القوى الدينية والقومية).

وقال علي هادي محمد المشرف العام على المركز في مؤتمر صحافي إن “الاستطلاعَ الذي شمل جميع القوميات والأديان يؤكد حصول التيار العلماني على 42% مقارنة بالتيار الديني 31%”، وذلك رداً على سؤال حول من يقدر على قيادة البلاد بشكلٍ أفضل. وشمل الاستطلاع 4500 شخص في جميع المحافظات وعددها 18).

 بدا إن مثل هذه الإستطلاعات هي مجردُ توجيهات لخلق إنطباعات متجذرة لدى الناخبين، ولكن كان هذا فرزاً مهماً بدا يتشكل في وعي الجمهور المبتعد قليلاً قليلاً عن هذا العالم الشمولي الذي ساد خلال حقبة طويلة، وكان هذا الجمهور قد حلم بأن تقوم القوى الدينية والقومية بتغيير حياته وأعطيت الفرصة الكبيرة لكنها لم تقم بذلك.

علينا أن نرى أن ثمة تغييرات كبيرة قد جرتْ فآلةُ الدولةِ المركزية الشمولية الكبرى قد تفتتْ لكنها وُرثتْ من قبل هذه الجماعات الجديدة، وقد وضحنا أسباب عدم قدرة القوى المذهبية السياسية والقومية الشمولية عن مقاربة تطلعات أغلبية الناخبين، بكونها قوى فوقية محافظة داخل أجسام المذاهب والأفكار القومية ولم تشكلْ علاقات ديمقراطية داخل أجهزتها وعبر العلاقة بالجمهور، ولا تكفي هنا البرامج الرنانة للحصول على تأييد الناس.

وجرى إنفصالٌ بين قياداتِ وجماعات هذه القوى والجمهور الأكثر وعياً والمنفصل عن التعصبِ والباحث عن تطورِ معاشه وحريته، فيما كانت الأحزابُ المذهبية والقومية تقدم شيئاً آخر.

جاءت نتائجُ الانتخابات بمفأجاةٍ هي تراجعُ القوى الدينية والقومية وقيام القائمة العراقية العلمانية بإختراق حتى بعض المناطق الدينية في الجنوب.

من هي القائمة العراقية؟

(ويضم ائتلاف «القائمة العراقية الوطنية» قوى علمانية شيعية وسنية، من أبرزها حركة الوفاق الوطني العراقي بزعامة رئيس الوزراء السابق إياد علاوي، وحركة التجديد التي يقودها نائب رئيس الجمهورية العراقي طارق الهاشمي، وجبهة الحوار الوطني بزعامة السياسي السني البارز صالح المطلك، وتجمع «عراقيون» بزعامة أسامة النجيفي.).

(وأعلنت مصادر اعلامية مشرفة على عمليات الفرز أن “القائمة العراقية” حلتْ في المرتبة الثانية في ثلاثِ محافظاتٍ جنوبية (بابل والمثنى والبصرة)، لكنها جاءتْ في المرتبة الثالثة في ست محافظات أخرى من جنوب العراق، بعد الائتلاف الوطني، الذي يضم الأحزاب الشيعية الرئيسية باستثناء حزب الدعوة تنظيم العراق). 

أي أن الإختراقَ ألغى تحجرات الطوائفِ التي حاولوا رسمها وحفرها في عظامِ الشعب، ولكن لماذا حدثَ ذلك بعد هيمنة دينية وقومية هائلة؟

لم تستطعْ هذه القوى أن تعطي صورةً مغايرة للطبقة الحاكمة عن النظام الشمولي السابق، أي إستخدام العنف والقوة والإستغلال وطرح قضايا هامشية وتدخل في خصوصيات المواطنين وطرح شكلنة الإسلام، أي الأصرار على محاربة ما يسمونه بالفجور والمتع والمشروبات و(الحداثة)، فتحولتْ إلى قوى متسلطةِ أكثر حدةٍ من السابق في شعبٍ تشّربَ العلمانيةَ منذ عقود، أما القضايا الرئيسية المُنتظر حلها كالبطالةِ الواسعة والفقر والفساد وغياب العدالة في توزيع الثروات بين الطبقات والأقاليم والمناطق فقد طُمست.

 وإضافةً للعجز عن محاربة القوى العنفية الإرهابية ونشر القمع الفكري للمعارضين، توجهتْ المجموعاتُ المذهبية لتصفية الجماعات الدينية من الأقليات.

 (يقول رئيس الحركة الايزيدية من أجل الإصلاح والتقدم أمين فرحان جيجو إن “هناك تراجعاً قوياً للحريات الدينية في العراق خلال السنوات القليلة الماضية ولعدة دوافع منها ما يتعلق بالتطرف الديني وأخرى تتعلق بالإرهاب”.

ويضيف جيجو في حديث لـ”السومرية نيوز”، أن “تراجع وانحسار الحريات الدينية في العراق يعودُ أيضاً إلى عدم تطبيق القوانين والقرارات الدستورية التي تتعلق بحرية المعتقد الديني وحقوق الإنسان في العراق”، معتبراً أن “هناك أحزاباً لديها توجهات دينية ليس لها علاقة بالدستور والقانون العراقي”، بحسب تعبيره.).

ويصف جيجو دور الحكومة بأنه “دور جامد وسلبي في حماية الأقليات الدينية”، مضيفاً أن “هذه الأقليات أصبحت بوابة للصفقات السياسية بين الأحزاب الكردية والأحزاب العربية الموجودة في السلطة”.

ويلفت المرشح الايزيدي الفائز في الانتخابات إلى أن “قرارات اتخذت في بعض المدن العراقية في الفترة الماضية تمنع تناول المشروبات الكحولية وهي تدلل على وجود توجهات دينية بحتة نابعة من أحزاب لا تؤمن بالدستور ولا بالقوانين العراقية”.

ويحتوي الدستور العراقي، الذي تم إقراره في أكتوبر 2005 بموجب استفتاء شعبي، عدة أحكام تكفل حقوق الأقليات. إذ ينص صراحة في مادته الثانية الفقرة ثانيا على ضمان كامل الحقوق الدينية  لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية، كالمسيحيين، والايزديين، والصابئة المندائيين، أما المادة الثالثة فتقر صراحة بأن العراق دولة متعددة القوميات والأديان والمذاهب.

وطبقاً للمادة 14 فإن جميع العراقيين “متساوون أمام القانون دون تمييزٍ بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي”.

 قام النظام السابق بدءً من عام 1994 بتدخلات عميقة في حريات المواطنين الاجتماعية بعد أن سلبهم حرياتهم السياسية، وكان هذا جزءً مما يُعرفُ باسم “الحملة الإيمانية” التي أطلقها، ونص على أن للمحافظين صلاحية إغلاقِ الملاهي وصالات الرقص والنوادي الليلية ومنح ‏إجازات بيع الكحول لطوائف غير مسلمة حصراً. وكانت القوات الأمنية العراقية في عهد الطوائف الراهن قد أغلقت خلال الأيام الماضية، عدداً كبيراً من محالِ بيع المشروبات الكحولية والنوادي الليلية في عموم مناطق بغداد الأمر الذي أثار استغراب أصحاب تلك المحال.).

مثلتْ الجماعاتُ المذهبيةُ والقومية المتشددة إستمراراً للنظام السابق الذي حين عجز عن نشر المساواة والتقدم تعكزَّ على الشرع! ودائماً يتصورون الشرعَ مطيةً سهلةً يستغلونها لمآربهم.

لا بد أن تكون الأحزابُ المذهبيةُ السياسية تفكيكيةً تفتيتة لكيانِ المسلمين، لكونها يمينية من قوى إستغلالٍ ليست تحديثية ديمقراطية، فتكون أنماطُ إداراتِها ذرائعية إنتهازية مرتكزة على ذاتِ الأبنية الاجتماعية المتخلفة، ونظراً لعملياتِ التفكيك التي تقومُ بها للُبنى السياسية للبلدان العربية والإسلامية فهي تعيدُها للوراء، للصراعاتِ الداخلية الجانبية، غير قادرةٍ على تلمسِ عناصر الديمقراطيةِ في التراثِ العربي الإسلامي وفي الواقعِ المعاصر، لكون تلك العناصر تعتمدُ على التوحيدِ لا التفتيت، وعلى العقلانية وليس على اللاعقلانية، مما يقودُها وهي تستغلُ الجهلَ الجماهيري وغيابَ قواعدِ المحاسبةِ الشعبية، إلى تكسيرِ بُنى الاستقلال والتقدم القائمة على التوحيد في كلِ بلدٍ عربي إسلامي.

لكن الأطر الحديثة من الديمقراطية الواهنة ليست محايدة كلياً، وفيها فرص لتطور الجمهور أيضاً.

إن الهجمةَ السريعة من الأحزاب المذهبية نحو التنظيمات الديمقراطية الجنينية هذه عبر إستخدامها قصور التجرية الجماهيرية التحديثية، هو جزءٌ من خلطٍ يقوم به المشروعون لهذه العمليةِ الديمقراطية، ووجود نوايا سياسية مصلحية تكتيكية مؤقتة لديهم، لا تغوصُ في تكريسِ الديمقراطيةٍ بشكلٍ عميق، فهم يسعون لأغراضٍ أخرى، كحدوثِ إستقرارٍ مؤقت أو لأبقاءِ التركيبات المذهبية وإستخدامها في الصراعين الوطني والإقليمي.

لكن هذه التركيبة المذهبية السياسية الطافحة فوق الجهل الجماهيري تؤدي إلى فساد كبير، وتنامي ثروات هذه النخب المذهبية السياسية وعضها بالأسنان على فتاتِ السلطة التي هرولتْ إليها، مما يؤدي إلى عكس ما كان يريده وتحفز له الجمهور!

التركيزُ على شكلنةِ الإسلام وشكلنةِ الديمقراطية يتجسدُ بهذه السيطرة من خلال تلك الأشكالِ العبادية خاصة، وهي أشكالٌ مختلفةٌ مغايرة بين المسلمين، مما يصعدُ التقسيمَ والنزاع وتغييبَ الوعي والتوجه نحو مسائل الصدام بين المسلمين وتهميش وعيهم العصري الحقيقي وإصطدامهم مع أخوتِهم المواطنين من أديانٍ أخرى كما رأينا حول أوضاع مذاهب الأقليات الإسلامية والمسيحية في العراق.

في العراق تمظهر ذلك أيضاً بصفقاتِ الفسادِ السياسية المتعددة، فالأحزابُ المذهبية والقومية تركز على التشبث بالسلطة وتعقد صفقات فيما بينها، وتجعلُ الديمقراطيةَ توافقية(؟)، أي تمثل دكتاتورية هذه النخب، يقول أحدُ الكُتاب العراقيين:

(ولا بد أن نتذكر هنا صفقة 2007 بين طرفي الحكم (التحالف الكردستاني) و(الإئتلاف العراقي الموحد) التي أدتْ إلى إطلاقِ مئاتِ السجناء المدانين بقضايا فسادٍ مالي تُقدر بمليارات الدولارات، مقابل رفع حصّة إقليم كردستان في الموازنة السنوية من 13 بالمائة وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة لحاجاتِ الإقليم إلى 17 بالمائة والتي يتم إنفاقها دون رقابة عادة فهي لا تذهب لمصلحة المواطنين الأكراد بالضرورة !!)، كريم عبد.

ويجوهرُ الكاتبُ وضعَ العراق عبرَ هذه الإدارات بقوله:

(بدا الاضطرابُ واضحاً في السياسةِ المالية والاقتصادية إذ تخلّفت الصناعةُ والزراعةُ وتحولَ العراقُ إلى بلدٍ استهلاكي قلَّ نظيرهُ في بلدان العالم، ذلك أن 80 بالمائة من الموازنات السنوية تُخصصُ للشؤون التشغيلية، أي لرواتب الموظفين ونفقات الوزارات، بينما أقل من 10 بالمائة للتنمية!!).

إن مسائلَ المذهب هنا جعلتْ الناخبين في البدايةِ يطمنئون لهذه الذممِ السياسيةِ المتعكزة على المقدس، لكن الأخطر من عملياتِ الخداع هنا هو تفكيك الإرادة الشعبية، بجعلِ المواطنين ضعفاء ممزقين أمام هذه النخب الصغيرة، التي تفتتُ صفوفَهم عبر تلك الأدوات (الدينية)، وبالتالي تبعدُ وعيَهم عن تتبعِها وكشفِ ممارساتِها، ومتابعة مصالح البلد الموضوعية، وتؤجج صراعاتِ المذاهب والأقاليم والقوميات لكي تستمرَ في الاستحواذ على غنائم الحكم.

 لكن هذه العملية لا يمكن أن تستمر ولا يمكن أن تكون سائدة على مختلف القطاعات، ولهذا تغدو العلمانية السياسية إبعاداً لتلك المتاهات التي يريدون خلقها وإحداث النزاعات وتقسيم الصفوف، فيحدث التركيز على المصالح العامة والظروف الموضوعية، وجعل الميزانية وطنية تابعة لحاجات الشعب.

هذا يؤدي إلى إبتعاد البلد عن المحاور الإقليمية والنزاعات الكارثية وتوحد المواطنين والهيئات السياسية، وهو أمرٌ راحتْ جماهير عراقية عديدة تستوعبهُ بسببِ الضرائب الدموية الباهظة التي دفعتها لحرامية الأوطان والأديان.

ومع تشكل القائمة العراقية من فاعلياتٍ سياسيةٍ مذهبية مختلفة، تم إبعاد التسييس للمذاهب، وطرح برنامج وطني محض، يتسمُ بالتركيز على القضايا الاقتصادية والاجتماعية والتنمية خاصة، وسحب البساط من هذا التعكز على المقدس، ولم يكن بإمكان مثل هذه العملية أن تحظى بتأثيرٍ عميقٍ مع سيطرةِ الأحزاب المذهبية والقومية على أجهزة الإعلام وأدوات السلطة، وكان حزب رئيس الوزراء الحالي قدم إستخدم التلفزيون بشكلٍ يومي لبثِ دعاياته المختلفة، ومع هذا فإن الفشلَ كان حليفهم، وقسم كبير من الجمهور وصلت له حقائق الموقف السياسي بمعاناته الخاصة، وبفشل الأحزاب المذهبية في تطوير العراق، لكنهم كذلك مستمرون في إبقاء نفس المظلة السياسية التي راحت تتمزق.

صراعُ الطوائفِ والطبقاتِ في العراق

كان النظامُ العراقي السابقُ يمثل مركزيةً قوية شديدة ضد مكونات المجتمع العراقي، وحين انهار عادت هذه المكونات إلى سابق عهدها فيما قبل الدولة المركزية. لقد عاد المجتمعُ الإقطاعيُّ المتحركُ صوب الرأسمالية بفوضوية وبغيرعقلانية إلى تجمعاته الدينية والعشائرية والمناطقية المختلفة، بكل إرثها المحافظ المتخلف، فظهرت كياناتُ الجنوبِ والوسط والشمال. وإذا كان الشمالُ الكردي تسيطر عليه القوميةُ الكردية، وهي الممنوعةُ من  تشكيلِ وطنٍ قومي لها، فتظلُ مترجرجةً بين الكيان الوطني العراقي وكيانٍ قومي مُفترض ومرفوض إقليمياً وعالمياً، فإن الكيانين العربيين الجنوبي والوسطي اللذين كانت توحدهما القوميةُ العربية صارا كيانين مذهبيين سياسيين منفصلين يفرقهما ما يُزعم إنه إسلام عبر ارتكاز النظام السابق على منطقة وطائفة دون منطقة وطائفة أخريين.

لقد كونت الدولةَ العراقية خلال نصف قرن الماضي الفئةُ البيروقراطية العسكرية والمدنية المتحالفة مع كبار التجار والمستثمرين وملاك الأرض ورؤوساء العشائر، وتمثل ذلك في جهاز الدولة العسكري خاصةً وحزب البعث، ولم تكن لهذه الفئات استقلاليةً عن الجهازين العسكري والسياسي، أو قدرةً على إنتاج ثقافة وطنية تصهرُ الشعبَ في كلٍ موحد، بل على العكس فارق الشعبُ الثقافةَ الشعارية السياسية المنتجة من قبل النظام، بسبب إدخالها إياه في حروب كارثية وقمع وتشرد ثم حصار، فكانت الهزيمة العسكرية إعلاناً بتمزقِ كلِ شيء، وكل رابطة توحيدية.

وخلال الضربة العسكرية وتصفية الوجود المادي للنظام السابق، تشكلت قوى سياسية جديدة متنفذة من سرقة أموال الدولة السابقة ومن خلال النهب السريع الواسع للثروة الوطنية، فتشكلت مجموعاتٌ استولت(على الأراضي ووزعتها على المؤيدين لها)، (من كتاب الاحتلال الأمريكي وانهيار الدولة العراقية، للباحث د. لطفي حاتم). وفي تحليل للحزب الشيوعي العراقي اعتبر عمليات النهب تلك صادرةً عن قوى إجرامية غير محددة الهوية الاجتماعية.

ظهرت مرجعيتان كبريان هما المرجعية العشائرية والمرجعية الدينية احتلت الإقالمي الثلاثة، فقد سبق للإقليم الكردي أن جعلهما مسيطرتين لكن من خلال الحزبين الكرديين المهيمنين. وبناءً على تحولهما إلى أساس سياسي للدولة العراقية الجديدة، فقد انتفت المرجعيةُ الديمقراطيةُ المُفترضة من تكوين يُقام على أساس مذهبي مناطقي، فمن يعينُ النوابَ حقيقةً هي المرجعيات الطائفية، وليس الانتخاب الحر في بلد يمتلك فيه المواطنون الحرية السياسية والعيش المستقر.

وبهذا فقد تم وضع الأساس لانقسام العراق إلى دول ثلاث، فظهرت كياناتٌ إدارية لهذه الدويلات، وظهر كذلك كيانٌ حكومي موحد، هو تجميعٌ للكيانات الثلاثة على صعيد العاصمة، فهي تشكيلات سياسية فوقية إذا امتدت للجمهور تمتد كجذور مذهبية وإقطاعية متعددة المشارب.

واعتبرت القوى المؤثرةُ ذلك الانقسام بكونه فيدرالية، أي أنه ثلاث أقاليم مستقلة في بعض الخدمات ولكن تبقى هناك دولة مركزية وأساسها الجيش والبرلمان الموحد وغير ذلك من المؤسسات الاتحادية، لكن ذلك يبقى نصوصاً مكتوبة وليس واقعاً إلا إذا استطاعت المؤسسات التوحيدية أن تشكل جيشاً وطنياً حقيقياً.

لم يظهر عراقُ الطائفية والعشائرية الراهن كجسمٍ سوداوي سحري ظهر من باطن الأرض فجأة، بل تشكل خلال العقود الأخيرة ببطء، وكان موجوداً في كل المكونات الاجتماعية والثقافية.

لقد كان حزبُ البعث المفترض كجسمٍ سياسي علماني قومي ينزلقُ نحو هذا اليمين المحافظ بصورة مستمرة، فكان عداؤه التاريخي للحزب الشيوعي العراقي، هو وليدُ الرغبة في المنافسة لتيار يساري جماهيري، عبر تصفيته وإزالة القضايا التي يطرحُها وبركوبِ ظهر العسكر والعشائر، ومن هنا كان احتضانه لقيادة عفلق التي خرجت من سوريا المتجهة لليسار وقتذاك، ورسخ الحزبُ البعثي نفسه بين العسكر والقبائل والطوائف، أي كلما هو محافظ، وكانت المذابح التي كرسها، وأجهزة القمع الواسعة والأفساد للثقافة للوطنية والقومية، كانت هي كلها تضعه ملكاً لقيادةٍ مغامرة.(كان صراع الاشتراكية والرأسمالية المزعوم يجري بشكل مميت في العراق).

وقد ظهرت القيادة المغامرة حين عاد صدامُ الذي قيل إنه ارتبط في القاهرة بالمخابرات الأمريكية، وحين صعد تم الهجوم حتى على بذور الحداثة التي شكلها الحزبُ في تاريخه الطويل. لقد توجه لضرب تحرك العراق نحو الحداثة و(الاشتراكية) لكي ينضم إلى اليمين العربي الإقطاعي وكانت أغلبُ خطواته إستدعاءً مستمراً للاستعمار الأمريكي في منطقة الخليج خاصة.

وكان التعجيل المستمر الذي يطالب به الحزب الشيوعي قد أسهم في المنافسة الضارية بين الجماعتين التحديثيتين، التي كان يُفترض أن يمثل البرجوازية فيها البعثُ ويمثل العمالُ الحزب الشيوعي، ولكن الميراث الدكتاتوري العنيف منع مقاربتيهما المختلفتين طبقةً، المتحدتين حداثة.

إن البعثَ في توجههِ نحو اليمين ارتبط بالموروثِ السني المحافظ، العسكري، كما كونهُ الإقطاعُ المذهبي خلال القرون السابقة، فغدتْ القوميةُ العربية بدويةً عشائرية، وارستقراطية، وأعادتْ تاريخَ الغزو والأسلاب، المتحد مع تكنولوجيا النابالم والأسلحة الكيمائية. ومن جهة اليسار فقد راح يذوب في الطوائف والأقليات المقموعة، دون أن تتيح له الشروط الموضوعية أو وعيه، أن يجمع بين اليسار واليمين، بين السنة والشيعة، بين الشمال والجنوب، في تيار نضالي مشترك، فصار في ذيل الأحداث والقوى المذهبية السياسية الطافحة.

إن القوةَ الكبرى المستفيدةَ خلال ذلك كله هي حكومات الولايات المتحدة المتتابعة، فكان صدامُ وتاريخُ الحماقة الوطنية والنزاعات المذهبية والمراهقة اليسارية، هي كلها الجذور الدموية التي انتجت تفاحة العراق الناضجة دماً ونفطه ومنطقته الاستراتيجية والقواعد الكثيرة وحاملات الطائرات.

لقد حدث التآكلُ السياسي في حزبي العمال والبرجوازية الوطنيين، الشيوعي والبعث، وهو نتيجةٌ للتآكل وعدم معرفة الجذور في الجنوب الشيعي والوسط السني، أي في عجز المذهبية المحافظة والقوموية المتعصبة، والاستيراد الفكري من الخارج عن إنتاج مؤسسات وطنية عقلانية ديمقراطية، بمعنى إن العربَ المسلمين عجزوا عن تشكيل سلطة ديمقراطية توزعُ فوائضَ النفط بين الأقاليم الثلاثة، وأن تشكلَ نهضةً، وغدت رأسماليةُ الدولة التي تحولت إلى تنينٍ بعد التأميم، قوةً كبيرة تلتهمُ البشرَ أكثر مما تحُدِّث الزراعة وتساعد البدو على الانتقال للحداثة، وتعطي مزارعي الجنوبِ الأراضيَّ والمساعدات. لقد توهم كلُ طرفٍ من المسلمين إن الطرف الآخر هو المسؤول عن الكارثة الوطنية، ومع إزالة القوى التحديثية المعارضة، بقيت المجالسُ العشائرية والكيانات المذهبية هي المغناطيس الذي يجذب برادة الحديد الذائب التائهة.

لقد بدأ النظامُ العراقي الجديد طائفياً مهمَّشاً كقدرةٍ عسكرية وطنية عبر حل الجيش العراقي وتسريح ضباطه وجنوده وعدم إعطائهم حقوقهم المعاشية وضرب الإدارة الوطنية، فكان ذلك سبباً في انضمامِ عددٍ كبير منهم للجماعات الخارجة على القانون، وبتغييب قوة سياسية إدارية مركزية وجعلهما بيد الأمريكيين. وكانت محاكماتُ النظام شكلاً آخر لطبيعة النظام الطائفية فتوجهتْ المحاكماتُ رأساً إلى قضية الدجيل بدلاً من المسار الطبيعي لقضايا النظام الأجرامية وأولها إعدام مجموعة من الكوادر البعثيين الكبار ثم ابعاد الرئيس البكر ثم تأتي القضايا الأخرى. بطبيعة الحال إن مثل هذه المحاكمات لو جرت سوف تظهر بأن في البعث قوى مختلفة، ولكن الحاكمين ليسوا في حالةٍ عقلية وطنية تسمحُ لهم بمثل هذه القراءة الرحبة الحكيمة.

كان الثأر من حزب البعث والجيش يحملُ رغبةً إجرامية في تصفية الحداثة العراقية الوطنية، أكثر من كونه يمثل عقاباً سياسياً مشروعاً، وهذه العملية بالتالي ابتعدت عن المحاكمة العقلانية لنتاج النظام السابق، فخلطت بين جرائم مجموعات عسكرية وأمنية وسياسية بعثية وبين مشروع حداثة وطنية فيه أخطاء كبيرة، لكنه صاحب إنجازات وأفضل من الارتداد للوراء، والعودة للطائفية والتبعية، وبهذا قام أصحابُها بمحاكمةِ فرد وجماعةٍ أكثر مما حللوا تجربة سياسية كبيرة.

كان جسمُ البعث والليبراليين والجيش والتجار فيه أكبر قوى الفئات الوسطى، وهو الذي راكم منجزات الحداثة على مدى عقود، ولكن المشروع الأمريكي لتغيير العراق لم يبدأ من إصلاح الجيش والبعث والإدارة، بل توحد مع القوى المذهبية السياسية المحافظة، فيغدو نظام الدويلات الثلاث تتويجاً لذلك بحيث تتحول إلى دول صغيرة تسيطر عليها قوى المحافظين الاجتماعيين من إقطاع ورؤساء عشائر وتجار كبار متحالفين معهم يغدون وكلاء الشركات المتعددة القومية.

إن عدم تطبيق قوانين الدولة الحديثة؛ قوانين العلمانية والديمقراطية والوطنية، أي رفض تشكيل أحزاب دينية ومناطقية، يعني التقسيم الواسع المتدرج والانهيار لحلم  (الفدرالية)، فهما يؤديان إلى الانفصال.

إن هذا كان يتطابق مع رؤى المحافظين الجدد في البيت الأبيض الذين راحوا يدخلون المسائل الدينية في السياسة، ويؤكدون على سوق مفتوحة مطلقة تقع في قبضة شركاتهم،  وتلغي القطاعات العامة في الدول، وهي ركائز الدول الوطنية المستقلة حديثاً في العالم الثالث، وتعيدها لتكويناتها التقليدية، وهو المشروع الذي سنرى تجسيداته المختلفة في العراق.

لقد صارت القوى المذهبية السياسية والليبرالية والشيوعية الرسمية الموجهة من قبل الإدارة الأمريكية هي القوى المؤثرة على الساحة العراقية، ولم يكن بإمكان الإدارة الأمريكية تنفيذ البرنامج العلماني الديمقراطي، فهي ذاتها تراجعت عنه في بلدها، وكان تنفيذ ذلك يعني الصراع مع التوجهات المذهبية الكردية والشيعية الغالبة على ساحة قوى(التغيير)، ولكن التحالف مع هذه القوى يعني تشكيل نظام الدويلات الثلاث، وحل المؤسسات الوطنية خاصة الجيش. وتصعيد قواها السياسية وقدراتها العسكرية. (وهذا من جهةٍ أخرى في تلك اللحظة من السيناريو المتشكل يتوافق مع رغباتِ كل دول المنطقة في إضعاف العراق عسكرياً. وفيما بعد ستعارض الدولُ المذهبيةُ السنية هذا السيناريو فيظهر الجيشُ العراقي الجديد المحدود وقوات الصحوة لأحداثِ شيءٍ من التوازن وتصعيد الدويلة السنية الطائفية).

ولهذا سنرى إن اقصى هذه التوجهات يتوجه نحو الإعلان عن مشروعه الطائفي أو القومي اللاوطني، وعبر الاستعانة بالمنظمات المسلحة. في حين إن اقصى اليسار سيرفض هذه المساومات ويطالب بدولة عراقية بدون فدرالية أوكونفدرالية، أي بدون سيطرات الإقطاعيات المذهبية المحلية في الأقاليم الثلاثة.

تقول إحدى تنظيمات اقصى اليسار:

(وبموجب تلك الأدلة التي وردت فيما تقدم فإن الفدرالية هي أطروحةٌ رجعية وضد الحرية من منظار الحرية والمساواة ومن منظار الحزب الشيوعي العمالي ويتناقض مع المصالح الإنسانية لجماهير العراق بمجمله. نحن لا نرفضها فقط بل ونشجبها وندينها أيضاً. ونصر ونؤكد مقابل الفدرالية على دولة واحدة. ومن الضروري في هذا السبيل توحيد الصف النضالي للجماهير التحررية والُمضطهَّدة في كل مناطق العراق ومن ضمنها كردستان من أجل إقامة حكومية غير قومية وغير دينية علمانية تتضمن المساواة في الحقوق لكل المواطنين)، (الحزب الشيوعي العراقي العمالي).

إن القوى الاجتماعية العشائرية والمذهبية المحافظة تقوم بتنمية سيطرتها على أقليم جنوب العراق بشكل متدرج، فقد سيطرت هذه القوى على الشمال، أقليم كردستان، فيما لم يستطع السنة العشائريون فعل شيء من هذا القبيل بسبب تأخرهم في استثمار العملية السياسية، وبهذا فإن وضع اليد السياسية على هذه الأقاليم يتضمن السيطرة على الموارد المالية فيه أو على النصيب الكبير من الموارد الوطنية، ثم توسيع السيطرة السياسية وطرد المنافسين وتكوين المليشيا وتكريس خطابها الطائفي في التعليم وأجهزة الثقافة المختلفة، وبالتالي تظهرُ ملامحُ الدولةِ الطائفية المكتملة، وإذا كانت كردستان قد اكتملتْ في هذه السيطرة وكرستْ دولتَها ولم يبق سوى أن تستولي على مدينة (كركوك) المتنازع عليها فجأة بين الأقاليم الثلاثة، لشهيتها الكبيرة في التهام النفط، فإن الإقليمين الآخرين هما في الطريق إلى ذلك، فلا توجد دولةٌ وطنيةٌ تتنازعُ على مدينة داخلها.

لا يمنع كردستان من الانفصال سوى الدولة التركية في الشمال التي ترفض مشروعات الدول الطائفية.

يحدد الحزب السابق الذكر الطبيعة الاجتماعية لهذا المشروع:

(من النتائج الأخرى للفدرالية إنها تصبح سبباً في جر جماهير كل منطقة تحت جناح وقوة جماعة رجعية وستدار كل منطقة حسب قانون معين حسب ماهية القوة السائدة بحجة الثقافة والدين والمذهب)، (ستصبح سبباً لإضفاء الهوية القومية والطائفية والعشائرية على كل منطقة)، (الحزب الشيوعي العمالي).

كان انهيار العراق السياسي التحديثي نتيجة الصراع بين حزب البعث العربي الاشتراكي وبين الحزب الشيوعي العراقي، فهاتان القوتان التحديثيتان واجهتا بعضهما البعض كما قلنا في صراعات دامية، ثم توصلتا لما يُعرف بالجبهة الوطنية القومية التقدمية، وكان مشروعاً وطنياً مهماً، لولا توجه صدام حسين للقضاء عليه والقضاء على التوجهات الوطنية الديمقراطية داخل حزب البعث نفسه.

كانت القوى الاستعمارية والمحافظة في المنطقة تسعى لهدم الجبهة، التي كانت لو استمرتْ لكانت أساساً للاستقرار في العراق والمنطقة، فهي على الأقل سوف تخففُ من وطأةِ القيادة الفردية المطلقة ومغامراتها. ولكن صدام اتخذ الجبهةَ فخاً لاصطياد كوادر الحزب الشيوعي والانقضاض عليه كعادة تكتيكاته.

هذا الأساسُ المضطربُ تشكلَّ على صراعاتٍ ضارية ومنافسات منذ انقلاب تموز سنة 1958، وقبل هذا كان العراق مسرحاً لأعمال عنف لم تتوقف.

كذلك كان التحالف التحديثي يحتاج إلى قوى اجتماعية من الطبقات الحديثة وإلى ازدهار صناعي وكان هذا كله مفتقداً. وكان يحتاج إلى قواعد حزبية عميقة الثقافة سواء بفهم الماركسية أو القومية، يقول أحد الباحثين العراقيين المعروفين:

 (وبطبيعة الحال يتحملُ الشيوعي حصة غير قليلة من وزر الأحداث المؤلمة التي انزلق فيها بغرور الكثرة الهابطة النوع بعد عام 1958. فلو سألنا أعضاء بارزين في الحزب، من الذين قضوا صامدين خلال التعذيب، كم منهم أدركَ نظريةَ رأس المال؟)،(واتذكر إني اطلعتُ في ارشيف جريدة (اتحاد الشعب)، (25 آذار 1959)، على برقية ابرقتها منظمة الحزب في منطقة من مناطق الأهوار إلى الزعيم عبدالكريم قاسم تطالبه ببناء مستوصف، وإقامة طريق بري، وتطهير الجهاز الإداري من الفاسدين والخونة وخاصة البلدية والخروج من حلف بغداد!)، (مقالة لرشيد خيون في الشرق الأوسط، 16 مايو 2007).

 كان غمرُ الأحزابِ بجموعٍ شعبيةٍ محدودة المعرفة والزج بها في الصراعات السياسية من أكثر المخاطر التي خربت الحزبين البعثي والشيوعي، وحين يتم تسليح هذه الجموع فإن الكوارث تتعاظم بشكل مأساوي، (وهو شكلٌ من الممارسة السياسية تستعيدها الآن التنظيماتُ السياسية المذهبية).

وبطبيعة قسوة وقوة النظام السابق الأمنية لم يستطع الحزب الشيوعي أن يفعل شيئاً ورغم التحالفات المتعددة، فأنها لم تغير شيئاً، ودفعت المجازر والهجرة أعضاء المعارضة إلى التعاون مع الولايات المتحدة وبريطانيا لإزالة النظام، وهم في حالةِ تعبٍ سياسي وانهاك وعوز مادي.

(ولم تنجح القوى السياسية العراقية في إقامة التحالف المنشود القادر على اسقاط النظام. . دفعها الأحباطُ والشعور بالعجز إلى إقامة التحالف مع الولايات المتحدة وبريطانيا لاسقاط النظام. واتخذ الحزب الشيوعي موقفاً واضحاً وصحيحاً من الحرب إذ رفضها، رغم إنه كان يريد الإطاحة بالنظام بقوى الشعب الخاصة)، (كاظم حبيب باحث اقتصادي عراقي، الحزب الشيوعي العراقي والأحداث الجارية في العراق، من موقع الناس الإلكتروني).

كان العملُ مع القوى المذهبية السياسية والقومية المحافظة في اثناء تأسيس النظام الجديد قد جعلَ الحزبَ الشيوعي غير قادرٍ على الدفاع عن نظام علماني ديمقراطي وعن عراق موحد، وهي الأهداف التي لم يسعَ لها بقوة حتى في العهود السابقة، فالعلمانية والفصل بين الدين والسياسة لم تكن من أولوياته، لعمله بين الجمهور المسيس الديني، الإمامي غالباً، وبهذا انساق مع المناخ السياسي الجديد يحاول أن يوجهه صوب الحداثة والديمقراطية، فصعدت القوى الدينيةُ المذهبيةُ وراحت تفرضُ مشروعَ التقسيم ومناطقها التابعة للقوى الإقطاعية المذهبية والعشائرية.

يضيف الدكتور كاظم حبيب في نقده لسياسة الحزب:

(وخلال فترة التحالف مع القوى السياسية العراقية كان الحزب الشيوعي يكف في الغالب الأعم عن تقديم النقد العلني والمجاهرة بملاحظاته إزاء القوى المتحالفة معه، خاصةً إذا كانت تلك القوى في السلطة، وكان يعمد إلى ممارسة النقد الذاتي وعبر مذكرات خاصة).

لكن القوى الدينية المحافظة تزداد شهيتها كلما وجدت هذا التراخي من قبل القوى التقدمية، فتوسعُ مشروعَ الارتداد إلى الماضي، وكان نموذجاً لهذا ما فعله أحدُ المسؤولين الكبار في الحكم تجاه القوانين المتعلقة بالأسرة والمرأة.

(قرر مجلس الحكم بجلسته المنعقدة بتاريخ 29/12/2003 ما يلي:

1 – تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فيما يخص الزواج والخطبة وعقد الزواج والأهلية واثبات الزواج والمحرمات وزواج الكتابيات والحقوق والرضاعة ونفقة الفروع والأصول والأقارب والوصية والإيصاء والوقف والميراث وكافة المحاكم الشرعية (الأحوال الشخصية) وطبقاً لفرائض مذهبه).

2 – إلغاء كل القوانين والقرارات والتعليمات والبيانات وأحكام المواد التي تخالف الفقرة(1) من هذا القرار.

3 – يعمل به من تاريخ صدوره)، رئيس مجلس الحكم عبدالعزيز الحكيم).

ويقول كاظم حبيب إن هذا القرار لم يُعَّرف به ولم يشكلْ الحزبُ الشيوعي حملةً ضده، أو حتى يذكره، رغم معارضة نائبه في مجلس الحكم هذا القرار، ولم يتم إلغائه إلا من قبل الحاكم الأمريكي وقتذاك وهو كريمر!

لم يحتج سوى 80 منظمة نسائية وهي المتضررات من قرارات رجال الدين المحافظين الذين راحوا يوسعون سطوتهم الفئوية على الأقاليم والعامة.

هذا الانزلاق اليساري باتجاه السيطرة المحافظة اليمينية يقود إلى تجذر القوى المذهبية المحافظة، التي تتوجه إلى استثمار العبادات الإسلامية وتحريكها بشكل جماهيري واسع، مما يرفد هذه الأحزاب بقوى الناس العادية الجاهلة التي لعبت نفس الأدوار السلبية في صراع الحزبين البعثي والشيوعي سابقاً، وعبر هذا تقوم بعرقلة نشؤ عراق تحديثي ديمقراطي. واستغلال الشعائر والمقولات الإسلامية هي عمليات تمويه موسعة لهذه القوى الجديدة في حراكها من أجل المال والنفوذ، ولو كان ذلك صحيحاً لالتزموا بدعوة الإسلام الكبرى من أجل الوحدة وترك المذهبيات السياسية الممزقة للشعوب.

في حين كان انزلاقُ البعث بعد خروجه من السلطة إلى العشائر العربية السنية وإلى التعاون مع القاعدة يعبر عن خراب آخر. وهكذا وجد حزبا التحديث نفسيهما بصراعهما الطويل الضاري أنهما يمشيان وراء القوى الطائفية والعشائرية المتخلفة الممزقة لخريطة العراق الوطنية.

وحين تم التخفيف من الهجوم على المؤسسات الوطنية خاصة الجيش وإعادة بعض الضباط والجنود وغير هذا من إجراءات بدأت بعض أنسجة الوحدة الوطنية تتراءى وحدثت تطورات على صعيدي التطور الاقتصادي والأمن، ولكن كل هذا لا يكفي دون الانعطاف عن سياسة المحاصصة الطائفية والعودة إلى النهج الوطني العراقي العلماني.

صار العراق بدلاً من دولةٍ وطنية حديثة موحَّدةٍ كياناتٍ تتوجهُ لتكون دولاً مستقلة متصارعة، وكما عبرت عن ذلك ظاهراتٌ تم رصدها سابقاً، فإن الصراعَ الأكبر جرى حول موارد البلد وكيفية رؤية تطوره الاقتصادي.

لقد كانت لسلطة الاحتلال خطة خاصة في هذا الشأن، فالاقتصاد في خاتمة المطاف هو بيت القصيد.

في يناير 2007 صدر إعلان النوايا بين الرئيس جورج بوش والسيد نور المالكي وتضمن الالتزام بمبادئ الليبرالية الجديدة، وهي النمط الاقتصادي الذي قلنا بأنه يمثل سياسة المحافظين الجدد الأمريكيين وصارت له نتائج كارثية على الاقتصاد الأمريكي والعالمي في الفترة الأخيرة كما ظهر ذلك في الأزمة المالية، وقد تضمن إعلان الرئيسين الأمريكي ورئيس وزراء العراق، قيام سياسة اقتصادية حرة وتقليص القطاع العام والتركيز على بيع النفط الخام، ويقول الباحث الاقتصادي العراق كاظم حبيب إن ذلك يعني(التخلي عن دور الدولة الكامل في النشاط الاقتصادي وترك المجال كاملاً للقطاع الخاص المحلي والأجنبي، (ونظراً لضعف القطاع الخاص المحلي سيكون الباب مفتوحاً للقطاع الخاص الأجنبي)، وكذلك (التخلي عن التصنيع التحويلي للزراعة)، و(الاعتماد الكامل على الاستيراد وسياسة الباب المفتوح).

ومن شأن هذا كله تحويل السوق إلى مؤسسات تمتص النقدَ السائل وتحوله إلى الخارج، ارباحاً وشراءً للبضائع والأجهزة وكافة السلع، وعلى حد تعبير الباحث الاقتصادي السابق الذكر؛ (إن هذا يعني بأن الاقتصاد العراقي يبقى تابعاً ومرتبطاً عضوياً بالنفط الخام والاستيراد الذي يستنزف كامل الدخل القومي).

وقد تم التخطيط لهذا كله على ضوء قوة العراق البترولية. قال محسن خان مدير قسم الشرق الأوسط بصندوق النقد الدولي بأنه(يتوقع أن ينمو الناتج العراقي خلال سنة 2008 بنسبة 7% وأن يستمر النمو بنسبة 7% أو 8% في عام 2009).

وحسب تقديرات صندوق النقد الدولى  فإن متوسط إنتاج النفط العراقي الذي يمثل 70% من الدخل الوطني، أو 80% في تقديرات أخرى، بلغ مليوني برميل يومياً خلال الفترة من عامي 2006 و2007. فبلغت إيرادات العراق سنة 2007 نحو 27 مليار دولار في مقابل 20 مليار دولار سنة 2006.

وقال مهدي الحافظ وهو وزير سابق وباحث بأن الاقتصاد العراقي مشوه وتعتمد موازنته العامة على فوائض النفط فتبلغ 85% من مجموع مصادر التمويل، ولكن هذه الموازنة تتعرض لجهاز دولة بيروقراطي يعاني من قلة الموارد الضريبية، كما تم (رصد موارد غير قليلة لأغراض معينة كفقرة المنافع الاجتماعية لتخصيصات مفتوحة لرئاسة الجمهورية ومجلس الورزاء ومجلس النواب وجهات رسمية أخرى والتي تفتقر لتعريف وضاوبط واضحة مما يثقل لوحة الأنفاق العام)، (مهدي الحافظ، دراسة في مجلة الغد الأردنية).

إن المحاصصة السياسية المذهبية على مستوى الدولة تتحول إلى محاصصات مالية وتشكيل قوى بيروقراطية استغلالية تدعم تلك الدويلات الجنينية، مما يحول الصراع السياسي هنا إلى صراع على المصالح الاقتصادية وعلى الميزانية العامة فكل أقليم يطالب بحصة أعلى، وقد حدثت الصراعات على هذه الحصص، فيظهر أقليمٌ مميز وآخر غير مميز.

ويعرض برنامج الحزب الشيوعي العراقي ذلك دون أن يتطرق إلى الأسماء والجهات وحالات الصراع المريرة فيدعو إلى تنفيذ الأهداف التالية:(تصفية مظاهر التمييز والنزعات الشوفينية والتعصب القومي والديني والمذهبي، التي أفرزتها الدكتاتورية المقبورة وحروبها، وفاقمتها سياسةُ الاحتلال وقوى الأرهاب والسياسات الخاطئة في إعادة بناء مؤسسات الدولة)، (نبذ نهج المحاصصات، وانهاء مظاهر الاستقطاب الطائفي، وتكريس نهج الوحدة الوطنية)، (4و5 من فقرة بناء الدولة، برنامج الحزب الشيوعي العراقي).

وهذه تبقى أمنيات في وقت تتوجه سياسة رئيس الحكومة إلى تقزيم القطاع العام الصناعي وعدم تحويل كمية كبيرة من الفوائض للصناعات المعدنية والبتروكيمائية، وعدم انقاذ الزراعة العراقية المنهارة التي راحت تستورد حتى الخضروات، وكل هذا يتساوق مع السوق المفتوحة الحرة وتغلغل الشركات الأجنبية ومنافع البيروقراطيات السياسية الجديدة التي تموه تبعيتها واستغلالها بالمذاهب الإسلامية والأفكار القومية.

وعبر هذه التوجهات ستبقي سياسة الحكومة العراقية سياسة توزيع مالي وليست دولة مالكة لقطاعات عامة تصنيعية، تقود بها اقتصاداً وطنياً مستقلاً قوياً، وتتحول القوى البيروقراطية الحاكمة إلى قوى متنفذة في السوق، وتنشئ علاقات سياسية فوق مؤسسات الدولة العراقية، فكل أقليم يقيم تحالفاته مع الدول الغربية المسيطرة أو مع الدول المجاورة التي تسعى لتفكيك العراق والسيطرة على أقاليمه.

ومن هنا أهمية نشوء تحالفات ديمقراطية تحديثية تقدمية تشمل العراق كله، وتنشر ثقافة موحدة وتصنع إرادة موحدة جديدة لعراق ديمقراطي علماني بدلاً من الانزلاق في التخلف والتقسيم.

الدين والعلمانية

حراكُ الأديانِ: خريطةٌ عامة

بدتْ الساحةُ الدوليةُ في القرن العشرين متجهةً للصراع بين الليبرالية المسيحية والإشتراكية الماركسية، وكان صراعاً ضارياً، يؤكدُ فيه الطرفُ الليبراليُّ الغربي على نشرِ العلاقاتِ الرأسمالية والتحالفات العسكرية المسيِّجة لجسدِ المعسكر الإشتراكي المُحَّاصر، النازفِ في بقعٍ كبيرةٍ تُضربُ بالطائرات وتُمنع عنها البضائعُ المتطورةُ والإختراعات، وتقطعُ خطوطَ إمداداتِها عن الشعوب المستعمَّرة المتطلعةِ للحرية.

كان العالمُ الغربي يستنزفُ العالمَ الفقير المقطع، وتتضخمُ ثرواته، وتنأى طبقاتهُ الوسطى عن الإحتجاجِ وعن إنتاج ثقافة الحفر الاجتماعي ضد الإستغلال القاري والإستغلال العالمي، وتتوزعُ ثقافتهُ بين ليبرالية رأسمالية علمانية ذات تشجيع للأديان، التي هي أداةُ تخديرٍ كما ترى للجمهور العامل الذي لم تتوصلْ قطاعاتهُ التحتية للماركسية، التي غدتْ هي الخطرُ العالمي، المؤججُ لنضالاتِ شعوبِ المستعمرات، وفي ذاتِ الوقت كانت ثقافةُ هذه الطبقاتِ الوسطى المتعددة التراكيب تنتجُ نزعاتٍ جديدةً من النقدِ للرأسمالية، ولهذا النظامِ المالي المهيمنِ المُستَّلِب، لكن عبر مدارس مناسبة لهذه الجماعات المالكة – العاملة. ولكن غدا الألحادُ ومفارقةُ الأديانِ سمةً ظاهرةً واسعةً في الثقافة الغربية العليا، غير الثقافة السوداء، ثقافة الجنس وأفلام الرعب وثقافة المخدرات وغناء الحشيش والإبر، أو ثقافة الكنائس الواسعة الإنتشار خاصةً في الطبقاتِ الفقيرةِ والمناطقِ والقارات التي لم تنهضْ بعدُ بشكلٍ صناعيٍّ واسعٍ كأمريكا اللاتينية.

 وكانت الأديانُ عامة لدى الشعوب خارج العالم الغربي هاجعةً، مولودةً في العالم الحديث الاستعماري بطفوليةِ النصوص القديمة الشعائرية، فالتعليمُ محدودٌ فيها، وأغلبهُ نصوصي تحفيظي، والتجارةُ ضئيلةٌ، والصناعةُ معدومةٌ، وكانت الليبراليةُ بحاجةٍ لطبقاتٍ وسطى تحملُها، فهي لا تمشي على الأرضِ بدون الدكاكين الواسعة والوكالات العامرة بالبضائعِ المستوردة، وبدون الورشِ والمصانع الخاصة، وبدون الصناعيين والتجار والمسارح والسينما، ومن هنا فنفخُ الغربِ الاستعماري وقتذاك لليبراليةِ كان يجري في رمادٍ بارد.

كان المطلوب في العالم الشرقي وغير الغربي عامة، أدوات فكرية سياسية تعبئُ الجمهورَ الواسع، وتدفعهُ للنضال، وتكسير سيطرة الغرب، وتجرُ الملايينَ للصناعة، وتنشرُ الخطوطَ العريضة للعلوم، وتحطمُ نومَ الأرياف فلم يكن أفضلَ من الإيديولوجية الماركسية، فالعمالُ موجودون وإن لم يكونوا عمال صناعة، والفقراء يملأون الآفاق الريفية خاصة وحارات المدن.

 إندفعتْ هذه الشعاراتُ تكتسحُ القاراتَ الفقيرةَ، أعطتها مفاتيح سهلةً للتصدي للغرب، منعتْ أفكارَها الليبراليةَ والدينيةَ من التوغلِ في الشعوب، أدعتْ تجاوزَ الغرب وحضارته العريقة، رغم إنها إحدى نتاجاتهِ، وفي كلِ مرحلةٍ كانت الأفكارُ الغربيةُ المُجدِّدة عموماً هي أدواتُ إشعال المصانع الشرقية الخربة، لكن الماركسيةَ المستوردة تمت شرقنتها، وغدتْ إستبداديةً غيرَ ديمقراطية، ومسطحةً، فعاملتْ الأديانَ بطريقةٍ فظة، وتوافقَ نشر أفكارها مع منعِ التعددياتِ والقراءاتِ المختلفةِ وبفرضِ الملكية العامة البيروقراطية وصعود القيادات المُبَّسطةِ للأفكار، وغير العميقة، والمتقلقلة فلسفياً.

هذا الواقعُ الشرقي وغير الغربي عموماً تغير في بضعةِ عقود، نشأتْ كتلٌ سياسيةٌ ضخمةٌ متحررة؛ عدةُ ملياراتٍ من البشر إنتزعتْ أثمنَّ ما لدى الغرب من مستعمرات، كان نضالاً أسطوريا وضعَ تاريخاً جديداً للبشريةً.

المدنُ في الشرقِ إتسعتْ وتضخمتْ بالسكان، إنتشرتْ المدارسُ والمتاجر والمصانع، الفئات الوسطى شبه المعدومة إتسعتْ بشكلٍ هائل، لم تعد الدول ذات الملكيات العامة الشاملة مقبولة، قدراتها على تطوير قوى الإنتاج تحجمت، لم تستطع تطوير المصالح الخاصة في الإنتاج، عجزتْ عن خلقِ المبادراتِ الذاتية، بدأتْ الإشتراكيةُ الحكوميةُ التي حولتْ نفسَها لإلهٍ قادرٍ على كلِ شيء تتأزم، والرأمسالية القومية المستبدة هي الأخرى لم تغدُ ناجحة كلياً، والفئاتُ الوسطى الظاهرة في كلِ مكان من العالم الشرقي توجهتْ نحو تعزيزِ مصالحها والاهتمام بالحريات الخاصة، ونحتْ لتصعيدِ تقاليدها الخاصة وتاريخها الماضي، إنبعثتْ عملياتُ واسعةٌ لتجديد الإرث بشكلٍ لم يسبق له مثيل.

إن الأجيالَ المبكرةَ الأولى التي ذهبتْ للغرب من أجل الدراسة والتي صار منها الوزراء والمسئولون في عهود الإستعمار وأوائل الإستقلال، توقفتْ عن ذلك الرحيل الواسع، فنشأتْ جامعاتٌ وطنيةٌ في كل مكان، وذلك التبتل للغربِ والصلاة في محرابهِ بشكلٍ رومانسي توقف، أصبحتْ الرحلاتُ تتصاعد للواقع المحلي، أُضيتْ الشموع للرموز الوطنية والدينية.

كان عالماً مختلفاً عن ذلك العالم الذي تشكل في بداية القرن العشرين، الأمم الشرقية تكونت بشكل جديد، ذلك الفقر السحيق وأمية الملايين تغيرت، فلم يعدْ التسطيحُ مقبولاً، ولم يعدْ الإستيرادُ مُهيمناً كما في السنواتِ البكرِ للعقولِ الخاليةِ، التي كانت فيها الأديانُ الشرقيةُ مغيبةً أو أشكالاً مسطحةً من العبادات، دخلتْ الملايينُ الجديدةُ وهي تحلقُ بتراثِها الخاص، والقوى المالكةُ الخاصةُ الواسعة الإنتشار رأت في الماركسية عدواً لدوداً بدلاً من الصديق الحميم السابق.

بدأ عهدٌ دينيٌّ واسعٌ مختلف.

غدت الأممُ الشرقيةُ والعالمُ غيرُ الغربي المتطورِ عموماً أمام واقع جديد، واقع تطورتْ فيه الرأسمالياتُ الخاصةُ التي راحتْ تزيحُ الرأسمالياتِ الحكوميةَ كليةَ السيطرة، والفئاتُ الوسطى إنتجتْ أجيالاً شابةً في ثقافةٍ دينيةٍ موروثة، والاشتراكيةُ لم تعدْ نموذجاً، إن الاشتراكيةَ ذات النمط الشرقي البيروقراطي غدتْ متخلفةً، والماركسيةُ تنمطتْ وتجمدت عبر قراءاتِها المدرسية وبمستوياتِ العمال اليدويين، وعملياتُ بعثِ ماضي الشعوب والأمم القديمة ذات الحضارات المزدهرة السابقة توسعتْ كثيراً، وتفككَ النموذجُ الإشتراكي إلى قومياتهِ الأولى، وإن دولاً مجهولة بلا خرائط ظهرتْ في أفريقيا وقارات أخرى، وحدث إزدهارٌ لم يسبقْ له مثيل للصناعاتِ والتجارة والتقنيات، اليابان قادتْ إلى تشكيلِ رأسمالياتٍ مزدهرةٍ في شرق وجنوب آسيا، والنموذجُ الرأسمالي المتطورُ إندمجَ مع رأسمالياتٍ حكومية خففتْ من مركزيتِها ومن هيمنتِها، فتضخمتْ التجاربُ الرأسماليةُ الحرةُ بشكلٍ واسع في الشرق الأقصى، وراحتْ تقارب الرأسمالية الغربية العريقة بسرعة غير معروفة في التاريخ، فبدأت التجاربُ الإقتصاديةُ الشرقية تتخطى المعدلات العالمية في النمو.

نموذجا الصين والهند صعدا بشكلٍ خرافي وأحاطا نفسيهما بدوائر من الجزرِ القاريةِ المتسارعةِ النمو كماليزيا وكوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وغيرها.

العالمُ الإسلامي الشرق أوسطي الأفريقي ظلَّ في ركودهِ التاريخي، من خلالِ حكوماتٍ مركزيةٍ مهيمنة على الاقتصاد والثقافة والأنفاس، وفي الدول الغنية منها توجيهٌ للثروات نحو الخارج، والفقيرة نحو الفساد والتحنط السياسي.

إختلفتْ لوحاتُ الأديانِ عن العقودِ السابقة عبر هذا الحراك الاجتماعي الهائل، فإذا كانت الماركسية تراجعت بشكل كبير وضعفت مواقع الطبقات العاملة، فإن المذاهبَ المحافظةَ صعدتْ بقوة بسبب صعود هذه الفئات الوسطى الريفية والتي جاءت من القرى أو تنامت ثرواتها في المدن، وقادها تعليمها الديني إلى تطويعِ المذاهب للسياسة، خاصة وأن الطبقات المسيطرة كانت تستند إلى الأفكار الغربية أو الشرقية (الإشتراكية)، فمضت نحو حراك الشعوب الديني المتصاعد، تستثمره في نمو سيطرتها وملئها الأجهزة الحكومية والمؤسسات السياسية المختلفة.

تحرك العالم عن صراع الماركسية والليبرالية الغربية وهو نموذج الحرب الباردة، إلى صراع الأديان المحافظة والليبرالية والماركسية، وهو ثالوث هائل متداخل معقد ومركب.

في الغرب المتطور(أوربا الغربية وأمريكا الشمالية) لم يعد للأديان من تأثير كبير، فإن النخبَ السياسية والفكرية تعتمد الأفكار العلمانية المختلفة، وحصلت الأفكارُ اليسارية على بعض التقدم بسببِ زوال الحرب الباردة، وظلت الأفكارُ الديمقراطية الليبرالية المعبرة عن الطبقات الحاكمة مهيمنة كالقرون السابقة.

في بقية العالم الشرقي وغير الغربي كان حراكُ الثالوث الفكري هو المنتشر، وكان إنبعاث الأديان الأكبر يعبرُ عن ظاهراتٍ معقدة، تبدو شديدة التناقض مع طبيعة العصر العلمية المتصاعدة، لكنها غير غريبة في الواقع فملايين من الجماهير الريفية زحفت إلى المدن، وتوسعت هذه المدن وازداد عدد سكانها بشكل هائل، وكانت إزاحة النفوذ الغربي يعني لهذه الجماهير العودة لتقاليدها الدينية، كما أن تآكل التجارب الاشتراكية فاقم هذه الظاهرات، وغدت الأديان والأفكار القومية هي أدوات الحراك الاجتماعي لجماهير العالم الشرقي، وأحياناً تندمج هذه الأفكار والأديان وأحياناً تنفصل، ففي حالات ضعف الأفكار القومية فإن المذاهب الدينية هي التي تلعب الدور الأساسي والعكس صحيح.

غدا أصحاب المؤسسات الاقتصادية الخاصة والعامة هم الذين يهيمنون على المسرح السياسي، وهؤلاء أقرب للأفكار الدينية والقومية.

هيمنة الأديان المحافظة يعني هيمنة للإقطاعين الديني والسياسي، وبروز الليبرالية بأشكالها المتعددة يعني تصاعد نفوذ الفئات الوسطى التجارية والصناعية، والتداخلات بين الدين والليبرالية يعني تداخل الإقطاع والبرجوازية بأشكالٍ ونسبٍ معبرةٍ عن أحجامِها المتباينة في الاقتصادِ والحكم وعن تعاونهما أو صراعهما، والأنتصار الساحق للعلمانية والليبرالية يعني هيمنة نفوذ البرجوازية السياسي وإنتشار العلاقات الرأسمالية بشكل كبير في الحياة الاجتماعية، ونفوذ الماركسية كجنوب الهند والصين أو جنوب أفريقيا يعني تصاعد دور الطبقات الشعبية والأفكار الاشتراكية. لكن الألحادَ الواسع نجده فقط في الغرب بينما ينتشر الإيمانُ المتعددُ الأشكال بالأديان السماوية والأرواحية وعبادات الأسلاف وبالرموز المقدسة والكائنات المجسدة في العالم الشرقي. ويتقارب الصينيون والهندوس والمسلمون في أعدادهم المليارية ويختلفون في توجهاتِهم الدينية كثيراً.

هذه الخطوطُ العريضةُ العامة جداً لها تلويناتٌ في القارات والبلدان بأشكالٍ ملموسةٍ متلونة، فلكلِ بلد خريطته الخاصة وتجربته، وثمة مجموعة بلدان تمثل أمة لها خطوطٌ متقاربة، وثمة قارة تشترك في خصائص دينية وفكرية وثمة بلدان تنفرد بتجاربها المميزة تماماً عن البلدان الأخرى.

فالأديان ليست حراكاً إجتماعياً محضاً بل هي قرارات فردية روحية وأنشطة سياسية معينة وعمليات ترويج ودعاية، وهي هيمنات حكومية شديدة أو مرتخية، أو هي تجري في حريات كبيرة، وهي تعبيرٌ عن آلاف السنين من التفكير والحياة الاجتماعية.

رؤيتان للدين

خلال القرون الأخيرة تشكلتْ رؤيتان للأديان في العالم؛ رؤيةٌ جامدةٌ غيرُ منفتحة، نصوصية، وقراءة متفهمة لتغييرات الأوضاع، مجددة.

في بلدان مثل الهند والصين وجنوب شرق آسيا لم تُطلْ الشعوبُ الهائلة الأعداد لإنتاجِ نسخةٍ تجديديةٍ للأديان الكثيرة فيها، الغارقة في تفاصيلِ الوجودِ والأرض بأشكالٍ إحيائية تجسيدية خرافية، أسطورية، لأن هذه الأديانَ دأبتْ على التسامح والغفران للبشر كذلك، وعدم خلقِ أشكالٍ سلطويةٍ قامعةٍ متدخلةٍ في كلِ تفاصيلِ حياة الناس.

إنها تنشرُ أفكارَها وتصوراتها وهيمنتَها لكن بأرواحٍ شفافة، وقدمتْ رجلَ الدينِ البسيطِ الرحال الفقير، مقدمِ الحكمةِ، اللائذِ في الغابات، المتوجه للتصوف والنيرفانا أي الصعود للسماء والذوبان في المطلق الإلهي وترك المادة الخسيسة والتعالي عن صغائرها.

رغم الطابع المثالي الأرواحي لهذه التصورات الدينية وهو أساسٌ مشتركٌ لكلِ الأديان، وعبر تغلغل تصوراتها في ثقافة العوام كذلك، إلا أنها تركتْ مساحاتٍ كبيرةً للسياسةِ والإختلاف وحين جاءت الأفكارُ الحديثةُ الغربية لم تجد معاناة شديدة وهي تعطي الصينيين والهنود وغيرهم من شعوبِ الشرق أدوات التغيير عبر الأفكار الإشتراكية والرأسمالية الديمقراطية.

 كما أن توحد هذه القارات وضخامة مشكلاتها والدور الكبير للفلاحين المسالمين الإحيائيين للزراعةِ والثقافةِ والوجودِ عامة وهو ما يتجسدُ في تقديرِ الأمِ المرأةِ المنتجة الولادة، بحيث إن هوات كبيرة لم تتشكلْ بين الأفكارِ القديمةِ والأفكارِ الجديدة فقفزوا في عقودٍ قليلة لمستويات الغرب المتطور.

فيما كانت الأديانُ السماوية هي نتاجُ عوالمِ البداوة والدول الشمولية القديمة المهيمنة بشكل كلي على البشر، وقد أعطتْ أهلَ المنطقة مفاتيح التغيير والنهضة، ليتجاوزوا عوالمهم هذه، لكن الأنظمة التي سادتْ أنتجت ثقافات أخرى تقومُ على التفتيت والتعصب والعنف.

حين غادرت المسيحيةُ البلادَ العربيةَ أخذتْ قروناً لكي تحولَ البذورَ الإنسانية فيها لديانةٍ أخرى هي البروتستانتية المعارضة للشمولية ولهيمنةِ الكنيسةِ متلاقيةً في بعض روافدها مع الحريات الاقتصادية والفكرية والسياسية والتي أنتجتْ العالمَ الحديثَ الديمقراطي المتنوع الحضارات والأفكار.

لكن الشرق العربي الإسلامي ثم اليهودي الغازي فيه، إستمرا على صيغةِ الجمود والتفتيت والصراعات الدامية، وتلك القرون الطويلة من عصورِ النهضة والثورة الصناعية والديمقراطية لم تمسْ سوى السطوح الخارجية من وجودهما.

ما زال (الباباوات) في غرفِهم المغلقةِ يختصرون مشكلات الملايين في كلماتٍ موجزةٍ لا تقبلُ الردَ والرفض، وما تزال الأنظمةُ المتوجسةُ من التغيير التي تهيمن عليها الأوامرُ العسكرية توجه القارات وتدب الفوضى التي تسمح للقتلةِ السياسيين بتوجيه الرسائل المغلومة للناس المسالمين، ويتم رفض التعدديات المنزلية والاجتماعية والسياسية وإعلاء الحروب والعداوات.

عالمُ التسامحِ وتقبلُ التعدديات والسلام والعقلانية السياسية عالمٌ مترابط، مثلما عالمُ الحروبِ الدينية والكراهية والشموليات وخنق الأسواق والأفكار الجديدة مترابطٌ هو الآخر.

سيادةُ نسخٍ صفراء من الأديان السابقة، وتشغيلُ مكائن الصحارى الحارقةِ الكارهة لكلِ جديد وآخر، والمتاجرات الواسعة بميراث الشعوب وثرواتهم، أنتجَ قتلةً لم يعرف التاريخُ مثالاً لهم إلا في قادة الأفران الغازية.

رؤيتان للدين إحداهما ديمقراطية والأخرى عنفية شمولية، الأولى إنسانية والأخرى غير إنسانية، وليس ثمة رؤية أخرى بينهما.

فلا مجال للتوسط والحل الثالث، والأولى تجددُ الحضارات والأفكارَ والأخرى تسدُ ينابيعَ التغيير والتعاون والإنسانية وتخلقُ هذا الإرهابَ الدموي الذي يستبيحُ دماءَ الناسِ في كنائسهم ومساجدهم وبيوتهم وطائراتهم وأسرتهم وينشرُ الموتَ في كل مكان.

الدين والمطلق

تـُثار في حياة الأمم الإسلامية مسائل (المطلق) بقوة شديدة في تحولاتها التاريخية الراهنة، وهي تحاولُ أن تجمعَ بين تقاليدها العريقة وأسباب الحداثة الضرورية، أي أن تكون لها جذور كي لا تذوب في الآخرين، وأن تكون باقية بتطورٍ مستمرٍ حتى لا تزول بتخلفها كذلك.

جانبان معقدان يشدانها في اتجاهين متناقضين، وفي خضم ذلك تـُطرح مسائل شديدة الصعوبة والحرارة معاً.

ويتمثلان اجتماعياً بقوى تصر على الماضي وحيثياته ورفض التحول وركوب قطار التغيير، وأخرى تسحب الناس والأشياء نحو التغيير الضروري والسريع والمخيف.

وفي هذا المجرد هناك الكثير من تجسيداته، فماذا نقول في ما هو موجودٌ في الكتبِ الدينية المقدسة من حديثٍ وتجسيدات للأرواح والشياطين وقوى الغيب المتحكمة في الوجود العياني، أي في حياة الناس الظاهرة والخفية؟

ماذا نقول في بعض أحكام دينية أخذت تتناقض بشكلٍ صريح مع تطورات الحياة الحديثة وما يُنتج من تقدم أصبح كاسحاً مطيحاً بالكثير من ثوابت الأمم؟

الرأي السهل لقوى التحديث السريعة والحادة هو أن نطيحَ بمجردات وغيبيات الأديان، فهذه كلها لا تحتاج سوى أن نقول إنها خرافاتٌ وتخلف وعادات اجتماعية بالية.

إزالة البيت القديم بجرافة وبناء بيت جديد، والأحكام والأفكار التي ظهرت في عصور قديمة وأخذت تناقض المساواة والعدالة الاجتماعية وعلوم الفيزياء والكيمياء تـُلقى من الحياة وتـُباد من عالم الثقافة!

ماذا نفعل في أفكار موجودة في الكتب المقدسة أخذت تـُعتبر أساطير مناقضة لأبجديات العلوم؟ كيف نعلمُ برموز دينية كآدم وحواء ونظريات التطور والأحياء ذات الأدلة الوثيقة والحيثيات الكثيرة تنكرها أو تقدمُ قصصاً مناقضة كلياً عنها؟!

بل ماذا نقولُ في سير الأنبياء والكتب المنزلة بما فيها من عجائبية ونسبية؟!

قوى التحديث الحادة والسريعة تقدم لنا ذلك الحل السهل، كما تقدم لنا قوى المحافظة الحلَ السهلَ الآخر وهو الإيمان بكل ما جاء به القدماء والسير على منوالهم وحذو أعمالهم!

المسألة صعبة وخطرة ولا شك، وحلها ليس آنياً، وردم الهوة بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس كلامياً، بل هو فعل صناعي، لا يتأتى بسهولة لمن ليس في يده أدواتها ولا وسائل إنتاجها، هو فعلُ أجيالٍ كثيرة ومواقف مترابطة بين أناس كثيرين يعيشون في عصور مختلفة ومناطق متباعدة وتحكمهم مناهج متعددة.

إن ردمَ الهوة بين الثقافة الدينية والثقافة العصرية فعلٌ نضالي جماعي قبل أن يكون إنشاءات فكرية مجردة.

لكن لابد من هذه الإنشاءات الفكرية التي تقود لذلك الفعل النضالي وتشاركهُ البناء.

الثقافة التقدمية السريعة الحادة ترفضُ الحفرَ المطولَ في أعمدة الأديان، مثل الإله والروح والنبي.

إن هذه المجردات والملموسات والعلاقات بينها، ضرورية عبر آلاف السنين. لم يقل بوذا إنه إله لكن الناسَ التي جاءتْ بعدهُ صيرتهُ إلهاً وهو إنسانٌ بسيط وعرّف نفسه بذلك.

ولو أن العكس قد حدث وقال أنبياء المشرق عن أنفسهم إنهم حكماء لصيروهم فيما بعد أنبياء وآلهة!

وقد ادعى الملوكُ القدماء بأنهم آلهة من دون أن يحتاجوا إلى ذلك وقد تملكوا الكثير من القوة والسلطان والخيرات.

الألوهية والارتباط بها كانتا ضروريتين لآلاف السنين، فلماذا؟

في البداية كانت المادة الأولية الطينية التي تشكلتْ بها هذه العمارات الشامخة في التاريخ، وهي (الروح)!

ومادة الروح اللغوية تستند إلى راح ويروح وما هو مطلق في الحركة، وما هو خفي فيها كذلك!

الروحُ سادتْ في أفكارِ ما قبل الأديان آلافِ السنين الأخرى أيضاً، فانظرْ لبساطة الإنسان، وقد عبدَ المصريون القدماء (الجعران+الخنفساء) هذا الكائنَ المتواضعَ عقوداً، على ضخامة ما بنوه من عمارة وما شيدوه من حضارة!

فاحترمْ حتى جهالات الإنسان لأن فيها تاريخاً من العلم والمقاومة والبحث!

بينت الروحُ ضعف الإنسان ونسبيته، جعلته يرى كم هو زائلٌ وهشٌ في الوجود، فطالعَ دمَهُ وأمراضَه والماضين الكثيرين الذين رحلوا من دون أن يتركوا أثراً في الوجود على كثرة أعدادهم وضخامة أخبارهم، ورأى كم تضربُ كينونتـَهُ الصغيرة هذه الدولُ العملاقة وتسحقهُ كنملة وكم تفقرهُ وتستغله ولا تعطيه سوى كسرة من خبز وهو العابر المحتقر! فأصيبَ بالرعب من الكون، ومن وجودهِ البسيط المتقزم، فتمسك بالروح التي لا تروح، تمسك بكيانات تجعلهُ مطلقاً سعيداً باقياً، وليس عابراً محتقراً.

أين يذهب أطفاله الذين ماتوا من دون أن يسعدوا؟ أين فرحه في هذا الكون وهو شقي بائسٌ في هذه الأنظمة؟ هشاشة الوجود الإنساني في أنظمة البؤس هذه أعطت الثوابت البشرية في الأحلام الدينية.

 الدين بين المطلق والنسبي

في مجراه التاريخي الطويل يتوحدُ الدينُ بين المطلق والنسبي، يتضافرُ ما هو أبدي فيه بالمتحول والعابر.

المطلقُ أهم وأكبر وباقٍ دائماً، فالإنسانُ الضعيفُ الهامشي في الكون، ذو الجذور الحيوانية والذي يتكونُ جسمهُ من موادِ الكون المتغيرة، يتوحدُ بالأبدي، يتمسكُ بخشبِ السفينة المبحرة في رحلةِ الوجود الصعبة، يتوحدُ بها ويكونُ جزءً من خلودِها، ويكونُ في عالم المطلق، عالم الأبدية، حتى لا يزول.

وتغدو هذه الصعوبة المخيفة لدى الكادحين بدرجة أساسية، هم صناعُ العالم المادي الاجتماعي، ومع هذا هم المغيَّبون، المنفيون فيه، والذين لا يتمتعون في داخله الجهنمي.

تظهرُ العوالمُ الدينية الكبرى حين يتغرب الكادحون. هم صناعُ العالم المادي، خالقو الطين والمدن وأبراج بابل، وفي البدءِ تظهرُ أديانُ الوثنية، حين يقوم رؤوساء القبائل بالتحكم في ثمارها، ويسيطرون على منتجاتها، ويقيمون الممالك والأمبراطوريات.

الوثن، والروح المقدسة، والإله القبلي، كلها قوى تجري داخل القبيلة، لتوحدها وتعالج الأفراد من الأمراض  وتتبصر مستقبلها. هي ضمانتها في السلامة والصحة والبقاء والأنتصار على الأعداء، وحماية أفرادها في عالم الموت.

كلُ هذه الكائنات الطيفية تحركُ القبائلَ والشعوب لتتقدم ولتتاجر ولتبني مجد الأسياد، لصنع عوالم الرفاه لهم، وتعجز عن تشكيل الرفاه للعاملين، بل تقودهم للحروب، تجعلُ وجودَهم الأرضي أسىً وضياعاً وعذاباً، ولهم بعض الملذات الصغيرة العابرة، وإعادة إنتاجِ العذاب والإستغلال في ذريتهم.

ينفصل عالم الأرواح والألوهة الروحية والوثنية الفكرية لتغدو رموز القبائل والشعوب، ومستقر تاريخها وثقافتها، وتغدو هي السلطات السياسية والفكرية المسيطرة على العاملين الذين يتخصصون في المهن اليدوية.

ولكلِ أمة تاريخها في هذا السياق، والتفاصيلُ مهمة في سياقِ بعض القرون، لكنها تفقد أهميتها مع التوحدِ العام للشعوب، عالمُ السماءِ الغيبي يتقارب، يتجوهرُ في المطلقات الكبرى، يغدو آلهة كبرى متحكمة في المصير البشري، أو أرواحاً أو مجردات، وعالم الأرض والبشر يتقارب، لكنه لا يتحد ويذوب في بعضه، فالمصالحُ على الأرض تتضاربُ باستمرار مولدة حركات في الغيب وتعدديات في المذاهب والتفسيرات لها ونزاعات لا تتوقف.

الإنسان الباقي رافع أعمدة الأشياء فوق كاهله المتعب، تفرُ منه كائنات الأرض: الذهب والفضة والآلهة، وتكون بيد الأقوياء، فيصير كل شيء غريباً عنه، يستعبده تارة، ويقدم له الذبائح والصلوات والطقوس تارة، ويدافع عنه تارة، ويكون علمه في عالم الصراع من أجله، وحاميه في الملمات والأمراض، يجد فيه الأنتماء الذي فقده من أشياء المجتمع؛ النقود والقيود والسلطات.

هو كونُ الأنتماءِ الذي صنعهُ لنفسه، كهفهُ النيرُ الذي يلوذ به في  الملمات والكوارث، هو روابطهُ الاجتماعية التي يشعرُ فيها بأخوةِ البشر من حوله، وفي رعبِ المدن الاستعمارية والاغترابية والشيئية التي تسحقهُ وتحيله إلى برغي في آلاتها، وفقاعة في سمائها، وحشيشة في دخانها، يزدادُ اقترابهُ من الرموز، وكلما تبخرَّ الوطنُ الفعلي تعملقَّ الوطنُ الوهمي.

على ضخامةِ الرموز التي تقذفها في وجهه؛ أبطالُ الصورِ السينمائية وزعماءُ العالم الكبار المتنفذون الذين بيدهم الحياة والموت، المتلاعبون بمصيرهِ ورزقه، يجدُ في رموزَ الأديان كهفـَهُ الباقي على الزمن، في عالمِ التغيرِ المتبخر: الحكومات التي تقومُ وتسقط في فضائح مدوية، ساحبة ثمار العمل إلى المجهول، يجد حكومته الحبيبية التي لا تتبدل، يجدُ رموزَهُ تعطيه العزاء. الأرضُ لا تصنع رموزاً منتجة للخير أبداً وعلى نحو دائم، فيبقى الماضي والأساطير والذكريات العظيمة للرموز في قتالهم من أجل الخير المستمر، وتتحول حيناً لسيول من الدماء، وتتحول حيناً آخر لبنوك إستنزافية أخرى، وأحياناً لحكمة نضالية.

لا يمكن لأي شعب أن يكون بلا دين ذي قوى غيبية مهيمنة، لكون الإنسان هو نسبي، وكلما كبرت قوتهُ الأرضية وصار إنساناً، صغرت أحجام غيبياته.

كلما فرح وأزدهرت حياته بالغني الفني والاقتصادي قل اهتمامه بالأرواح والشياطين، والعكس صحيح، تتوحد عوالم الأديان مع توحد عالم الأرض الواسع، تزول الاختلافات الصغيرة والقصص الغائصة في تقاليد محلية تفقد خصوصياتها يوماً بعد يوم، وتتفجر الاختلافات مع الصراعات بين الأمم، فتزداد أحياناً أخرى تمسكاً بالخصوصية والتفرد، وتعلي ميراثها علواً رهيباً.

رحلة الإنسان لا تتوقف، السحرية تظل ملاصقة له، العلوم تظل جانبية في مسيرته، إنسان الأغلبية البشرية، إنسان العالم الثالث خاصة، والعوالم الثالثة في المجتمعات المتقدمة، الجنان الآخروية الدينية والشيوعية، على أسس خيالية أو على أسس (علمية)، تظلُ لصيقة به، فدائماً لديه الدائم الباقي الأخضر أبداً، السعيد المطلق، وهو منهوك بالعوز والبطالة والغربة والصراعات والنسبية، غربة الإنتاج المادي تصنع إنتماءَ الإنتاج الروحي، ذا الحلول والحلولية والأبدية، يزداد على الزمن تغييره لواقعه، تغدو مواريثه رحلات كهوف ولوحات صيد للمعاني، وهو يعلو صاعداً لاحتلال الفضاء الواسع.

الأديان السماوية والتطور

تربت أغلبية البشرية على ما أُنتج في المنطقة العربية من مثل وأفكار، وقد تطورت تلك المناطق تطوراً كبيراً وظلت المنطقة العربية في تخلفها المريع!

الحضارات الأولى، عشرات الآلاف من السنين، وتجارب هائلة وعمت الإنسانية ثورات هائلة من ما أُنتج في هذه المنطقة، وظلت المنطقة العربية في ماضيها.

اليهودية والمسيحية والإسلام، الأديان الشقيقة، التي تكملُ بعضها بعضاً، ميراث الإنتاج الروحي الطويل، هي نفسها تعيش في عداء مستحكم!

لماذا؟ لماذا؟

لماذا الأشقاء تعادوا، ونبات السماء صار خناجر وسيوفاً؟

هل كان هذا من أفكار الأديان أم أن السلطات وقوى الإستغلال فرقت بين الأخوة؟!

يقولون إن مصادر الأديان هي نبع زلازل وخير، فلماذا تكدرت؟ هل لأنها خالطت الأرض العكرة وتطورات الشعوب في دولها وصراعاتها السياسية ومناحي حياتها في التجارة والسلطان والغزو؟

اليهودية أول الأديان السماوية وأقلها حضوراً من حيث الكم، وأقواها حضوراً من حيث الكيف!؟

اليهودية بدأت رعاةً وصارت فلاحين قليلين وتجاراً كثيرين وصيارفة وأصحاب بنوك مناطقية فعالمية!

نظراً لإنحباسها الشعوبي لم تصبحْ كماً هائلاً، كانت تهتمُ بالكيف المتطور، استعلتْ على الشعوب الوثنية البدائية لغايةٍ كبيرة هي أن تكون فوق الشعوب.

الكثيرُ من طقوسِها الدينيةِ هي بغرضِ أن تكونَ أقلية متطورة وسط حشود متخلفة لكي تستثمرَها ولكي تتطور هي فوقها!

علمتها تجاربُ الألمِ والمعاناةِ والأسر أن تركز على عناصر التفوق وهي التجارة المتطورة والثقافة.

ورغم مئات السنين من الاضطهاد لم تتخل عن بنائها الاجتماعي القائم على الأسرة الصغيرة والعمل بالمال ودراسة كتبها وتنقيحها باستمرار، والإضافة إليها.

ومن هنا توسعتْ خارج المنطقة العربية البدوية ذات الأسرة الكبيرة تبحث عن شرايين التجارة العالمية واتجاهاتها، فتلاقت مع المسيحية بشكل كبير، رغم قيام المسيحية باضطهادها.

والمسيحية التي نشأت متجاورة مع اليهودية تركزت على الفلاحين، أصحاب الأرض، ذوي التقاليد القديمة، الذين كانت أقدامهم في الزراعة أكثر من الاقتصاد المالي والفائدة، وتقاربوا مع اليهودية في الأسرة الصغيرة، وابتعدوا عن عالم القبيلة، وكان الثالوث الإلهي هو جزء من عالم الفلاحين التعددي، الذين كانوا طوال قرون الشرق مختلفين عن البدو ذوي الإله الواحد الصارم.

ثم كان الإسلام هو الملائم لجمهور الشرق البدوي الواسع، الممتد من الصين حتى أفريقيا، حيث الصحارى الكبرى، وحيث العائلة الواسعة، والرجل المسيطر متعدد الزوجات، والمعارض للفائدة المالية التي تمزق العائلة الواحدة.

كلُ دينٍ مثلَّ مجموعات بشرية معينة، وتقاليد وظروف، الاقتصاد الرعوي الواسع في هذه المنطقة الصحراوية الهائلة أهلَّ الإسلام ليكون دين المنطقة التي وعى تقاليد أهلها ومثل حياتهم وطور عناصرها التجارية والثقافية العقلانية لكن دون أن تتمكن المنطقة من خلق القفزة الحضارية الحديثة، والمسيحية تركزت في المناطق الزراعية والمدنية ثم رحلت بأكبر قواها البشرية والثقافية إلى أوربا، واليهودية تنامت في عالم المدن التجارية حتى وجدت من الغرب السوق التي ازدهرت فيها كل خصالها المالية.

وبعد الغزوات والحروب المشتركة بين هذه الأديان الشقيقة، وهي فترة من العداء والكراهية والخسائر المشتركة، والتلاقح الثقافي كذلك، حلت فترة مختلفة، تكشف أسباب الأطماع والإستغلال وبدأ التفكير في السلام والتآخي!

الحضارة المسيحية – اليهودية غدت هي الحضارة الرأسمالية المسيطرة، والتي صار نموذجها هو المحتذى في كل الدنيا، العناصر المتضافرة من الملكية الفردية والإنتاج الحديث والأسرة والثقافة الإنسانية والديمقراطية هي تتويج تاريخ المشرق، وقد تشكل خارجه.

ولكن المكان الذي نتجت فيه وتطورت منه جاءتْ لتسيطر عليه ودخلت في حروب ضارية معه!

وهو بفقره وتخلفه عاجز عن اللحاق بها.

وفيما يتكاثر المسلمون وتضيق بهم المدن يهاجر مسيحيون ويضيق بهم التعصب الديني، فيما ينحصر اليهودية في دولة مسلحة متوسعة!

كل الزمن السابق، تاريخ قرون العداء اللامجدي، يتجسد بأشكال سياسية مضرة، ولهذا فإن التعايش السلمي وإغلاق صفحات الحروب والعداوة صار ضرورة، خاصة للأغلبية الشعبية من مسلمين ومسيحيين ويهود التي هي ضحايا تجار المعارك والإستغلال والعداوات الدينية والقومية!

حقبتانِ من الدين

  إختلفتْ حقبةُ الإسلامِ المؤسس التوحيدي عن حقبةِ الإسلام المذهبي.

ورغم الوميضِ السريع الباهر للحقبةِ الأولى التي لم تتعدَّ خمسين سنة إلا أنها بقيتْ في ذاكرات الأجيال قروناً.

الإسلام التوحيدي والإسلام المذهبي إختلفا زمناً وظاهرات سياسيةً وإجتماعية وثقافية، فبدا كأن الثاني يناقضُ الأول.

ثمة سماتٌ مختلفة، فكان الأول جمهورياً وكان الثاني مَلكياً أسروياً، وكان الأول شعبياً ديمقراطياً وكان الثاني إستبدادياً ارستقراطياً.

سنجدُ سمات العصر الأول في التوحيد بين القوى الاجتماعية الظاهرة الغالبة، التي غدتْ مُشترِكةً في خيرات الاقتصاد العامة، سواءً كانت بسيطة في أرض الجزيرة العربية الفقيرة أم في أراضي الفتوح حيث المُلكيات الزراعية الصوافي ملكاً للعموم.

فيما تمّ في الزمن المذهبي التفكيكي إلتهام هذه المُلكيات العامة من قبل الأسر الحاكمة، وكان الخراجُ بسيطاً رمزياً في العهد الأول ثم صار هو هدف الخزائن التي تمتلئُ وتفرغُ بسرعة، وكانت ضريبة الرؤوس قليلة على غير المسلمين ثم غدت هي هدف من أهداف السياسة الاقتصادية حتى لو تحول أهالي البلدان المفتوحة للإسلام.

ألم تسمع المنادي يقولُ مرتعباً للخليفة: إلحقْ يا أميرَ المؤمنين دخلَ الناسُ الإسلامَ فسقطتْ ضريبةُ الرؤوس عن أهل الذمة!؟

ترابطُ الناسِ في الحقبةِ الأولى وتآزرُ الأغنياءِ مع الفقراءِ أسسَّ التوحيدَ في المركز العربي الجزيري وهكذا غدتْ السياسةُ الداخلية منعكسةً على أهالي الأمصار، الذين غدوا متساويين مع الفاتحين، ويشاركونهم في نشاطهم الاجتماعي والعسكري.

ولهذا والناسُ يتأسلمون في الأمصار وتتعربُ البلدانُ الغريبة عن العرب لم يعرفوا المذهبيات، ولم يحصلوا على ألقاب أخرى غير لفظ المسلم والمسلمة.

مع تغييرِ الأساسِ الاقتصادي الاجتماعي للسلطاتِ وإنتقالها من الجمهور لأسرِ الأشراف تغلغل التفككُ في صفوفهم، وتفجرتْ ثوراتٌ كثيرة، وقامت فرقٌ وتنامى زمنٌ جديدٌ مختلف، بدا متضاداً عن التأسيس والتطور اللاحق.

في زمنيةِ التوحيدِ كانت الديانة بسيطة، عميقة، لكنها بعد ذلك تفاقمت تفاصيلها وكثرت هيمنتها على الناس وأتسعت شبكاتُها، وتغلغلتْ في كل تفاصيل حياتهم، ولكنهم لم يكونوا يشعرون بالحرية التي أعطتها لهم ديانةُ البساطة والتي لم تحطها أدواتُ العسف والخراج والتفتيش في الصدور وملاحقات فلتات اللسان.

في زمن التوحيد بيتُ المالِ مفتوحٌ وفي الزمن الآخر بيتُ المال مغلق.

نشأت الفِرقُ والشعوب والأمم الإسلامية على الخراج المعدوم في الحقبة الثانية، كلُ طبقةٍ تعادي غيرها، وكلُ شعب ينظر للآخر بريبة، والأمم الإسلامية متعادية وتنأى عن بعضها البعض.

ثمة تداخلٌ في الفتراتِ النهضوية فمع وجودِ حرية في المركز كانت لحظاتٌ وامضةٌ من العودة للنموذج تحدث بشكل فردي ونخبوي.

الإسلامُ المعاصر حائرٌ بين الزمنين، روحُهُ الرمزية في النموذج وجسدُهُ الحقيقي في حقبةِ المذهبيات السياسية الارستقراطية التفكيكية.

زمنُ الديمقراطية الواعدة الراهنة ربما يكونُ هو زمنُ التركيب، هو يختلفُ عن الحقبتين ولعله يتمثلُ أفضلَ ما فيهما، فزمنُ التأسيسِ لم يعرفْ الوحدةَ الصراعية بين الطبقات، فكان ثمة تذويبٌ ووحدة بدون تباين، وكانت الديمقراطيةُ بلا مؤسسات راسخة، والمراكز الديمقراطية المعاصرة الجديدة حين تشكل الإختلاف ضمن الوحدة، وحماية مصالح كافة الطبقات، وحقها في الحكم والمشاركة والاختلاف، وتتحول الدولُ لأجهزةٍ لحماية الأرض والثروة العامة والحدود، حينئذٍ تستثمرُ كلَ قوى الثقافة المُنتجة في العصر المذهبي النهضوي وتعيدُ قراءتها في ضوء العصر والمصالح العامة المستقلة للأمم الإسلامية الإنسانية الراهنة.

يعتمد هذا على مدى قدرة التيارات السياسية المعاصرة على فهم التاريخ والواقع، وتجاوزها تقوقع المذاهب لديمقراطية التحول المعاصر التوحيدي الجديد الذي يقوم بمهمات التغيير الاقتصادي الواسع للمالكين والعاملين معاً. أي أن ترتفع عن مصالحها الفئوية والوطنية الضيقة لمصالح الشعوب وتتحول الرمزية المؤسسِّة لواقع سياسي إجتماعي ديمقراطي حديث يصهرُ هؤلاء الناس المفككين المتنازعين.

الحقبة الثالثة يكتبها الناسُ الآن بوعيهم ونضالهم ومدى فهمهم لجدليةِ التاريخ ومزجهم بين خصائصه وسماته الايجابية وذروة تطور الإنسانية المعاصرة وتجاوزهم لزنزانات التفكيك والانقسام.

تسييسُ الدينِ عند المسلمين الأوائل

للدين ثلاثٌ جوانب كبرى؛ هي الطابعُ الغيبي المستند على التصورات والصور الماورائية، كالصورِ عن الإلهِ واليوم الآخر والملائكة وغير ذلك، وهو المرتكزُ المعبرُ عن المطلقِ في الحياة البشرية وهو ما يكرسُ وحدتَها العامة المستندة على إرتكاز البشري المحدود بهيمنة الطبيعة الجبارة، ثم هناك جانبُ الشعائرية وهي الشعائرُ والأعمالُ والتصوراتُ العباديةُ الملموسة كالصلواتِ وكيفيتها ودور العبادة المختلفة، ثم هناك المضمونُ الاجتماعي للدين، وهو الأمرُ الحاسمُ في ظهورِ ونمو الأديان والمذاهب.

يعبرُ كلُ دينٍ مؤسسٍ عن المضمونِ الطبقي المتفجرِ في تلك العقود من السنين، التي تجعل شعباً ما يتوجهُ في طوفانٍ تحولي باتجاهٍ معين دون غيره. وهذا الطوفانُ التاريخي هو نتاجُ ظروف هذا الشعب التي تدفعهُ في طريق تاريخي دون آخر، وحسب المجموعات الاجتماعية السائدة وظروفها من أعمالٍ ومعيشةٍ وتصوراتٍ فكريةٍ تنتجُها وتحركها بالتالي، أي تغدو قوانينَ، أو شريعةً مقدسةً تسيرُ على ضوئِها، وهي قابلةٌ للتغييرِ كذلك مع تغيرِ هذه المجموعاتِ وتبدل مصالحها ومواقفها.

وكان رفضُ العربِ المسلمين لليهوديةِ والمسيحيةِ تعبيراً نموذجياً عن تلك الحالة الثورية الاجتماعية التي وجدوا أنفسهم فيها، فهم شعبٌ بدويٌّ حرٌ، (ديمقراطي) يأبى أن يذلهُ قومٌ آخرون، وحتى الصلاة والسجود فيها لم يتقبلوها ببساطة.

هذا الشعبُ في إنتاجهِ لتصوراتهِ، أو في مجيءِ تصوراتٍ تعكسُ حالته، رفضَ الديانتين الشقيقتين الجارتين، لأنهما تُعليان في ذلك الحين، في زمانِ نهوضهِ، حكمَ السادةِ الأغنياء، الذين شكلوا أمبراطوريات العبيدِ والذل، وترفضان تلك الديمقراطية الشعبية البسيطة (اللقاحية) العربية على حد تعبير الباحث العراقي هادي العلوي، فكانَ الخلافُ طبقياً، لكنه ظهرَ بشكلٍ ديني.

ومن هنا كان الغيبُ يتشكلُ في الحراكِ الاجتماعي، وكان الوحي على علاقةِ تماسٍ مع المعارك ضد أغنياء مكة، ومن أجلِ حشدِ الجمهور الشعبي العامل، ومع أغنياء الحداثة الديمقراطيين، الذين انضموا إلى جمهور الأرقاء والفقراء.

إنها ديمقراطيةٌ على مستوى القاعدة، وهي تجلبُ القبليين وأبناء البادية، وعلى مستوى تشكيلِ قيادةٍ سياسية – فقهيةٍ مرتبطة بملأ جديد، بكادرٍ سياسي إجتماعي يعملُ لدولةٍ مختلفة، وفي يدهِ السلطةِ الجنينية، والتي ستنمو وستكون فيها الخلافاتُ والصراعات، وعلى وحدتهِ ستعلو دولةُ العاملين تلك، ومع نشوبِ الصراعات والاتجاهات المتضادة، وعودة الكثيرين لخط الملأ الارستقراطي ولكن بصياغةٍ إسلاميةٍ، سوف تتبدلُ المعاني الفكريةُ والسياسية، نظراً لأن حقبةَ الديمقراطية البدوية اللقاحية العامة المؤسِّسة قد وصلتْ لتناقضاتٍ لا تستطيعُ تجاوزَها لدولةٍ شعبيةٍ ديمقراطية تُخضعُ الملأَ أو الارستقراطية لحكمِ العامةِ ثانية.

كان تاريخُ البشرية حينئذٍ هو تاريخ الإقطاع، وتماشى الإسلام مع هذا التاريخ الأجباري في مسارِ البشرية، لكنه جعلَ العامةَ هم الحكام، ثم جاءتْ الأسرُ فجعلتهُ الإقطاعَ الخاص حتى يومنا هذا.

كلُ تغييرٍ في المضمون الاجتماعي يقودُ إلى تغييراتٍ على مستوى الأفكارِ المطلقةِ، والشعائر، وهما الجزآن الآخران الكبيران من الديانة.

إن فراقَ الإسلام عن الديانتين الأخريين وقوله إنه خاتمة الأديان هو فراقُ الشعبِ العامل البدوي عن الخضوعِ لقوى الإستغلالِ الخارجية خاصة والداخلية كذلك، وبالتالي فهو يقدمُ برنامجَ الكادحين للبشر عامة وسلطتهم بدون تسلط الأغنياء، ومن خلال برنامج البساطة التعبيرية والكتل السياسية المباشرة، القبلية، لأن هذا هو المستوى الاجتماعي لصانعي التاريخ في هذا الوقت.

لو كانت الديانتان الأخيران واصلتا النضال، أو كان مضمون المسيحية النضالي المعبر عن الفقراء مستمراً، لما كان الإسلامُ بحاجةٍ لهذا الطرح، المتجِّاوز الذي يجعلُ من نفسهِ نهايةَ التاريخ، ولكنه حسمَ القهر الطبقي، وعراهُ ومنعهُ من أن يبلعه، ولكن التاريخ بلا نهاية، وما أصاب الديانتين من هيمنة الأغنياء حدثَ للإسلام نفسه. والتشكيلة أقوى من النخب المناضلة.

فعملياتُ التنحية، وإخفاء المضمون الاجتماعي الأول وتمييعه، وتنحيتهُ، وشكلنتهُ، سوف تتنامى عبر التاريخ، وستظهرُ مضامينٌ إجتماعيةٌ معبرةٌ عن قوى الارستقراطية العربية البدوية أولاً، وهي القوى التي سوف تشكلُ المذاهبَ السنية، بقوسٍ يمتدُ من فعلِ الخلافةِ الأمويةِ الشديدةِ البدويةِ إلى الخلافةِ العباسيةِ الأكثر مدنيةً لكنها لن تخرجَ إلى الحداثةِ الشاملة، لظروفٍ موضوعية كبرى.

كان البحثُ في التصوراتِ الغيبية الإلهية وتبدلُ العباداتِ أو إضفاءُ إشاراتٍ صغيرةٍ جديدة عليها، والتقنينُ الشديدُ للفقه، مع خلفيةٍ أسطوريةٍ مشدودةٍ للتراثِ البدوي المتخلفِ وليس الديمقراطي اللقاحي العربي الأصيل، عبر إستمرارِ أسرِ النساءِ والرقيقِ والعقول، يقومُ بإجهاضِ موقفِ الإسلام وتنحية ثوريته، وإدماجه في الأنظمة الإستغلالية سواءً العربية أم الفارسية.

ولعدمِ قدرةِ التوجهاتِ الشعبية على الصمود في هذا الحكم الارستقراطي الطويل، وبتفككِ وذوبانِ عناصر القدرية، المتوجهة على العكس من أسمها في إعلاء إرادة الإنسان الحر والعقلانية، ولخفوت الانفتاح الفقهي والاجتهاد المستمر لدى المالكية والحنفية، ولحصار الأئمة المناضلين وإدماج تلامذتهم وتوابعهم في أنظمة الاستغلال، غدا المذهبان الرئيسيان السني والشيعي، أداتين في يد الارستقراطيات العربية البدوية، وكذلك القوى الفارسية الجديدة المنبعثة من نمو القومية في إيران.

ثم ترافق ذلك مع القوى الأخرى المماثلة التركية والبربرية والإفغانية وغيرها على مستوى خريطة الأمم الإسلامية.

إن إنبعاثَ التفاسيرِ الديمقراطيةِ والعصرية في الإسلام كانت مسألةً صعبة، عبر وعي النخب الصغيرة من الفئات الوسطى التي نشأت من التلاقح مع الديمقراطية الغربية الصاعدة، خاصة وهي خارج تلك اللقاحية القديمة البدوية الحرة، وخارج تحريك العامة نحو مصالحها وحقوقها، وهي أمورٌ ظهرتْ في الثورات الحديثة في معظم الدول العربية والإسلامية كعناصر صغيرة، لكن الوعي الديمقراطي العالمي الجديد يحتاج لعقود طويلة كي يتداخل مع العناصر الشعبية القديمة، وكي تنتشرَ قيم التنوير، وتكتشف العامةُ المُغيَّبة خلال قرون أديانَها على ضوءٍ جديد، وتلتحمُ بقوى الديمقراطية العصرية كذلك، وتبعث الإسلام بشكلٍ ديمقراطي حداثي عظيم كما نرجو.

الدينُ والثقافةُ

بدأتْ العلاقاتُ بين الإسلامِ التوحيدي والدولةِ العربية المركزية البدوية في التفكك.

كان مضمونُ الإسلام التوحيدي الشعبي العالمي وجدَ قبولاً لدى الأمم الأخرى عبرَ سهولةِ إعتناقه وبتكوينه أممية للشعوب الشرقية المستندة على الملكية العامة المدارة شعبياً والتي تعيشُ في المناطق الصحراوية الكبرى، لكن هذه التوحيدية المرتكزةَ على دورِ المال العام  أُخترقتْ من قبل أُسر الأشرافِ الحاكمة وكبار التجار والتي قربتْ الثروةَ العامة من مصالحها وإداراتها.

كان هذا التحولُ الشمولي لا بد أن يؤدي إلى إنقلابٍ في الحياةِ الثقافية والفكرية والعلاقاتِ الاجتماعية والروابط بين الشعوب مستنداً على نواقصٍ إجتماعيةٍ وفكرية وسياسية في البناءِ السابق والذي لم يستطعْ من جعلِ القوى التجارية والشعبية ذات خلافةٍ ديمقراطية.

بدأ ذلك في عزلِ النصوص الدينية والفقهية عن المنطق والفلسفة والتاريخ الاجتماعي التي كانت تنمو عبر الترجمة والتطور الفكري العربي، فقد رُئي أن العلومَ (الدخيلة) كما يتصورونها تُفسدُ الدينَ، وأنه لا بد أن تكونَ المعرفةُ دينيةً محلية خالصة، وأن تكون مصادرَها موثّقةً في الروي، لتغدو هذه المرويات هي كلُ الثقافة العربية الخالصة اللافظة لما عداها.

كان هذا قطعاً لعلاقةِ أدبياتِ الإسلام بالتكون الإنساني، وإنها عصارةٌ لعناصر ديمقراطية نضاليةٍ تكونتْ في بيئاتٍ أُخر عبر نضال الشعوب في المنطقة والعالم، والمرتكزة على السلطةِ المحددة في تلك العناصر الفكرية الاجتماعية، والمعبرة عن مضمون شعبي توحيدي.

لهذا خرجَ اليمينُ الاستغلالي الجديد مُركزاً على الشكل، وعلى الممنوعات في النصوص الدينية، كرفض الفنون التجسيمية والرقص وهي الظاهراتُ الطقوسيةُ السابقة المرتبطة بعبادةِ الأوثان لا لكونها فنون بحدِ ذاتها والمرتبطة بالأشكال التعبيرية.

والتنحيةُ كانت سهلةً تجاه العرب القادمين من البداوة، حيث لا أرثَ فنياً تعبيرياً تجسيدياً عميقاً لديهم، وهم يعتمدون على فنونِ الكلامِ المختلفة، التي لا يمكن منعها. فيما شعوبُ البلدان المفتوحة يرتكز الكثير من تراثها على الفنون التجسيدية المختلفة. وهي ظاهراتٌ إستمرت وأغتنتْ لديهم عبر تطور الآداب والفنون المتشابكة مع تراثِها الديني والتاريخي ثم تشابكتْ مع المذاهب الإسلاميةِ التي إنشقتْ عن المركز وصعّدتْ هذه الفنونَ والأساطيرَ في تراثِها المذهبي الإسلامي، ولهذا فإن الانعزالَ عن الفنون تكرّسَ في المذهبيةِ الإسلامية النصوصية خاصةً المتطرفة منها.

وهذا ما حدثَ في الوعي الفكري بأشكالٍ تناسبُ أدواته وتحولاته، فالمنطقُ والفلسفة وعلم التاريخ وغيرها من العلوم الجديدة واصلت الحضورَ والتأثير، ولم تستطع التوجهاتُ الفِرقية الفكرية غير المرتبطة بالجمهور وكفاحه أن تواصل زرعَ الأشكالَ والأدوات الفكرية المستفادة من التراث الأغريقي بشكلٍ نقدي متطور، فقد عاشتْ على مساعدات الخلفاء والأمراء، فراحت تُنحي العناصرَ الديمقراطية المرتبطة بالكفاح الشعبي.

وهذا يتماثلُ مع رجالِ الفقهِ التاليين للمؤسسين الموجهين المذاهبَ نحو خدمةِ السلطاتِ المختلفة، فعُزلَ الفقهُ عن الناس، وتوجه للجوانب الصغيرة والعبادية والمعملاتية المعزولة عن المشكلات الاجتماعية والسياسية العميقة.

فتجمعتْ في تلك الثقافة الرسمية ونُقلت بعد ذلك إلى العصر الحديث، عناصرُ رفض الفنون والآداب الحياتية والأدوات الفلسفية الحرة.

لقد كانت تمثلُ جانباً صغيراً من الثقافة في عصر النهضتين العربيتين العباسية والحديثة، لكنها توسعت بعد ذلك بخلاف تطور العصر الحديث خاصة، بسبب أن الهياكلَ الاجتماعية والسياسية العربية التي ظهرت فيها لم تتغير، وأن التغييرات قاربت بعض الجوانب والسطوح في أغلب الأحيان. فالثوراتُ العربيةُ كانت فوقيةً مظهرية عسكرية ولم تكن تحولات عميقة في علاقات النساء بالرجال، وعلاقات الحرية بين الحكام والمحكومين، في حين تربض الأريافُ في العصور القديمة.

ولهذا فإنه حتى الفنون والآداب والفلسفة المصنوعة أو المجلوبة من الخارج تسايرُ الموروثَ من الأبنية العتيقة، وما يَخترقُ الموروثَ ويحوله يُنحى، ويُضافُ العصري الرديء على القديم الرديء، إلا ما يقاوم.

 من هنا يبدو الارتدادُ طبيعياً، والعودةُ للوراء الكارثية جزءٌ من أبنيةٍ لم تُعالجْ ديمقراطياً، وهي في تراجعِها تهدمُ علاقاتٍ داخل الشعوب العربية والإسلامية وعناصرَ من العقلانية التي ضُحي من أجلها طويلاً، بسبب أن الأممَ العربية والإسلامية يَطرح عليها التاريخُ لأول مرة بعد قرون أن تصنعَ نفسَها بنفسها، وهي غدتْ حرةً، لكنها مستعبدة لعلاقاتٍ وأبنية وسلطات وعناصر ثقافية عتيقة فيها، ولم تكتمل أدواتُها بعد لتغييرها. وأدواتُها هي الشعوب وتوحدها وتنامي إراداتها الديمقراطية وعقلانيتها.

الدينُ والاشتراكية

 الدينُ هو سياسة عليا مقدسة، فرموزهُ تعبرُ عن وجود سياسة مطلقة لشعب من الشعوب تتجسد عبر تلك الرموز، المشحونة بالدلالة والآمال وتكوين عالم سعيد غير منظور ومنظور عبر نضال إجتماعي.

ونظراً لأن السياسة دنيوية، ملوثة غالباً بالمؤامرات وسفك الدماء فقد ظهرت عبر التاريخ سياسة مقدسة، تحاول جعل البشر يجسدون أهدافهم عبر ما هو مقدس لتكون السياسة أخلاقية طاهرة لكن ذلك كان عسيراً، وكما تحدث الانشقاقات والخلافات بين السياسيين والدول  تتفجرُ الخلافات في الأديان وتظهر المذاهب والانشقاقات الفكرية المختلفة معبرة عن إختلافات سياسية وإجتماعية وروحية.

وتظهرُ رموزٌ في كل ديانة معبرة عن البعد العادل وعن العلاقات الإنسانية وغالباً ما تمثل الفترة المؤسِّسة حيث الفقر والتعاون المشترك ضده، وحيث العلاقات الطيبة بين البشر المتعاضدين ضد وضعٍ سيء، والتي تغدو رمزاً للمؤمنين فيما بعد، يحاولون العثور عليه وتطبيقه.

في عصر النهضة التحديثية الديمقراطية الغربية كانت الدول ما تزال إقطاعية دينية، وصعدت أنجلترا وهولندا في سلم التطور قبل غيرها، فأنحازتا للمذهب البروتستنتي، فكان ذلك تغييراً سياسياً، وتعبيراً عن رفضهما لهيمنة كنسية روما العالمية المتشددة، وتفكيكاً للكاثوليكية وذلك عبر رفض رموزها العبادية كالاعتراف والرهبنة المجسدة لسيطرة مباشرة لرجال الدين، وتصعيداً للعلاقات الرأسمالية المفككة للمحافظة الاجتماعية ولإعطاء البشر حريات أكبر.

لكن الحريات الرأسمالية من جهة أخرى تقوي النزاعات وتصّعد الاهتمام بالأرباح والاستغلال على حساب الأغلبية الشعبية، وتتدهور وحدةُ المؤمنين ويُضرب النموذج الخالد.

ولهذا فإن الاشتراكية التي ظهرت خاصة في فرنسا وألمانيا اللتين تعيشان في مجتمعات كاثوليكية غالبة وبروتستانتية غير مهيمنة، ترددتْ بين الإلحاد وبين الموقف الديمقراطي.

كان الدينُ يلعب دوراً سياسياً مباشرا متدخلاً، مؤثراً على تصعيد الديمقراطية في كلِ من المجتمعين، حيث ما تزال الشمولية وتدخلات الدين تعرقلان صعود القوى السياسية الجديدة من برجوازية وعمال.

كانت الحكومات الفرنسية علمانية في فترة، وبعد ثورات العمال وجدت أهمية كبيرة لحكم الكنيسة وتدخلها في السياسة والمناهج التعليمية.

الاضطراباتُ في التحولات الألمانية والفرنسية بخلاف التدرج الديمقراطي الهادئ في أنجلترا، جعلت الاشتراكيةَ تتذبذبُ بين هجوم كاسح على الدين وبين الرومانسية تجاهه، كما نلاحظ في رؤية ماركس في(نقد فلسفة الحق عند هيجل). يقول في عبارة شهيرة:

(إن التعاسةَ الدينية هي، في شطرٍ منها، تعبيرٌ عن التعاسة الواقعية، وهي من جهة أخرى إحتجاج على التعاسة الواقعية. الدين زفرة الإنسان المسحوق، روح عالم لا قلب له، كما انه روحُ الظروف الاجتماعية التي طُرد منها الروح. انه أفيون الشعب.)، نقد فلسفة الحق عند هيجل.

إنها رؤية مثالية للدين لا تراه كسياسةٍ مقدسة إجتماعية، ذات ظروف بشرية تاريخية طويلة، حيث تؤسس الثوراتُ أدياناً وتجمدُ الأديانُ الثورات ويجد البشرُ في الدين أداةَ تغيير وأملاً وعزاءً من الواقع المعتم، كما يُحبسون داخله عبر الأفكار المحافظة.

إنها رؤيةٌ تجريدية للدين، وحكمٌ تعميمي عام، تتشكلُ في شبابية ماركس الهيجلي، حيث غابت الدراساتُ التحليلية عن الأديان، ولكن سوف تظل عبارة الدين أفيون الشعب مستنسخةً واسعةَ الانتشار دون وضعها في سياقها.

لقد تصاعدت الديمقراطية والعلمانية في فرنسا وألمانيا عبر عقود وتم عبرها تحييد المذهبين الدينيين المسيحيين عن الصراع السياسي المباشر، فالاجراءاتُ لخلق دولة ديمقراطية، بدأت من الجمهور العمالي بدرجة خاصة من أجل تغييرِ ظروفه وتصعيد ممثلين عنه للبرلمانات، وهذا تطلب جبهةً كفاحيةً ديمقراطية بين الاشتراكيين الديمقراطيين والعامة، تركزُ على نقد الظروف الاقتصادية البشعة وإتساع يوم العمل وضحالة الأجور ونقد القوانين اللاديمقراطية وغيرها من الظروف المعيشية الأرضية، فلم يعد نقد السماء في المركز بل توجه النقد للأرض.

ولكن هذا لم يمنع ظهور الدراسات حول الدين من جوانب متعددة، فظهرت كتاباتٌ مختلفة عن الأديان لدى رواد الفكر الاشتراكي وتلاميذهم بعد ذلك، مع تحليل الظروف الأرضية وتصاعد التحولات وإشتراك قوى سكانية كبيرة من مختلف الأديان والمذاهب في النضال لتغيير وضع البشر.

مع تطور الاشتراكية من نزعةٍ شمولية إلى توجهات ديمقراطية متعددة، ظهرت دراساتٌ وإتجاهات مختلفة فيها، لقراءة الظاهرة الدينية المعقدة.

تم تجاوز النظرة الهيجلية الشبابية في الاشتراكية الأولى وتوجه الوعي لدراستها حسب مستوى تطور العلوم الانسانية، إنطلاقاً من الجانبين المتضادين للدين باعتباره نضالاً أو بإعتباره دفاعاً عن الاستغلال.

لدى أنجلز يبقى الدين كشكلٍ مباشرٍ للصراعات الاجتماعية، فهو أما إحتجاج وأما مهادنة وتضليل، في حين أن الدين كذلك هو حياة روحية عميقة.

القراءة السياسية المباشرة للدين تنطلق من تصور الاشتراكية بأنها قاب قوسين أو أدنى من النصر ومن إكتساح العالم الرأسمالي وتغييره، وإلقاء كل (المخلفات) القديمة.

ستكون هذه الرؤية المباشرة الآلية سطحية، وسوف تُواجه بأشكال أكبر في عالم الغرب الثقافي، حيث تتصاعد العلوم والقراءات المختلفة للظاهرات الروحية، خاصة أن الاشتراكية ذاتها تغدو ديمقراطية، بعيدة المدى، تراكمية، والأحزاب الاشتراكية تضم مؤمنين وملحدين، يعملون من أجل أهداف مشتركة في تحجيم الاستغلال وتوسيع الخدمات للمواطنين.

على المستوى الفلسفي تأخذ الدراسات آفاقها في طبيعة ومجتمع ذي قوانين، وتنفصل عن ممارسات سياسية متعددة الألوان في الجماعات الاشتراكية.

روزا لكسبمورج الزعيمةُ الاشتراكية الألمانية ركزتْ على نقد الطابع الرجعي للكنسية وعادت لرموز المسيحية الأولى التعاونية الموحّدة للفقراء، فقامت بقراءة موضوعية وسياسة تعاون مع العمال المؤمنين.

وليس ذلك بغرض التكتيك السياسي بل بغرض الفهم الموضوعي للدين بإبراز جانبيه المختلفين، وهذا بحاجة دائماً لقراءات تاريخية ونقدية للأديان والمذاهب خاصة عبر المفاصل الكبرى لها.

ولينين شجب الدين كضباب صوفي ولكن مال لرأي الاشتراكيين الأوربيين في مرحلته الأولى بعدم جعل الإلحاد شرطاً لدخول الحزب. ومع تصاعد الدكتاتورية لديه فإن الأمر سيختلف كثيراً في التجربة(الإشتراكية) الآسيوية.

وفيما ستتطور العلاقات بين الاشتراكية الديمقراطية الغربية مع الأديان فهماً فلسفياً وممارسات تعاونية نضالية مشتركة، فإن الأمور سوف تتجه في الشرق إلى غير ذلك.

فمع تحول الاشتراكية إلى رأسمالية دولة تلغي إدارياً المُلكية الخاصة ومؤسسات الانتاج الفردية، والأحزاب والمؤسسات الديمقراطية، فإن إلغاء الأديان يكون جزءً من هذه العملية.

فلم تكن هناك في روسيا وبعدها دول أخرى عديدة ثقافة ديمقراطية تنويرية واسعة، ولهذا كانت الأشكال الإقطاعية لوجود الأديان هي المهيمنة، وهي تتجسد في سيطرة المؤسسات الدينية ورجال الدين والذكور والمظاهر العبادية الحرفية، فإذا قضت روسيا على الإقطاع لكن ثقافته ظلت مستمرة حية.

لم تجرِ قراءاتٌ عميقة في فهم الأديان، ورؤية العناصر الإنسانية والديمقراطية فيها وهي خاصة التي ظهرت في المراحل التأسيسية، وتناثرت بعد ذلك في عناصر شخصية وفكرية.

ونظراً لوجود الاستبداد على مستوى الحاضر فإنه يتحول لشمولية تجاه الماضي الديني وعدم رؤية تبايناته، ومراحل تطوره، وعدم السماح بالحريات السياسية ينعكس في عدم السماح بالحريات الدينية، وتظهر علمنة ساحقة فاشلة.

وقد كانت المرحلة البنائية النهضوية في رأسماليات الدول الشرقية(الاشتراكية)حيث شُيدت آلاف المصانع وظهرت البنى التحتية الحديثة وإنتشر التعليم، وشارك الملايين من العامة في العمل والدفاع عن الأوطان، في مرحلة المشاركة التعاونية المماثلة لبدايات الأديان، لكن بعد ذلك تغلغل الفسادُ في تلك الرأسماليات وتكشف طابعها الاجتماعي المتناقض، ولهذا فإن الإيديولوجية الاشتراكية الحكومية عكست مصالح السادة وليس العمال، ومن هنا حدثت الردة ولكن بإتجاه الدين التقليدي، لأنه لم يحدث تنوير وديمقراطية خلال هذه العقود يتم فيها تطوير أوضاع الجماهير المادية والثقافية وفهم الماضي بشكل ديمقراطي إنساني.

وهو ما قامت به السياسات الاستعمارية الغربية كذلك عبر تصعيد التوجهات الرجعية والمحافظة في الأديان في العالم الثالث التابع، وهو ما أدى إلى إنفجارات دينية خاصة في المناطق الفقيرة والتي لم تشهد حريات ثقافية وسياسية.

الرأسمال الديني

مصطلحات الدين عامة يمكن تفسيرها باتجاهات لا تـُعد ولا تحصى، لأنها تعبرُ عن رموز، وقد تكون قنطرة لإنتاج مفيد وقد تكون قنطرة لإستغلال ذاتي.

والدينُ يتحولُ إلى رأس مال، لكنه لا يقوم بإنتاج، بل هو يعتمدُ على أموال المنتجين، وتحددُ توجهاتُ القياداتِ الدينية مصيرَ هذه الأموال سواء كانت فوائد للناس وتغييرات كبيرة في الحياة، أم فوائد ذاتية واستهلاك شخصي بذخي.

في الماضي كان وسيلة لتملك الأراضي الزراعية الشاسعة من قبل الخلفاء والأمراء والمتنفذين، ووسيلة لإعادة إنتاج الفكر الديني ولتجديد الفكر الديني معاً.

والقلة فقط هي التي كانت بصدد تطوير إنتاج الدين، فلم تتراكم رؤوس الأموال معها، بل ذهبت الأموال للمتحكمين المحافظين في هذا الإنتاج ومن يخضعون الفقراء المؤمنين لسيطرتهم فكان صعود الإسلام بصمود المجتهدين المناضلين الفقراء، ونزوله بسبب غيابهم.

وفي العصر الحديث لم تتغير الخريطة كثيراً إلا بدخول بعض الحقول الحديثة، والأشكال الخارجية المزوقة، لكن المضمون القديم بقي كما هو.

يغدو الدين وسيلة لظهور وتراكم رأس المال، عبر إنشاء الخطب في الجوامع، أو عبر الحكم الشرعي، أو تأليف الأحزاب، أو الدخول في الحكومات، أو إنشاء الشركات في العقود الأخيرة، وهو ما يعبرُ عن تراكم كبير في النقد، حيث أخذ التراكم يتوجهُ نحو جوانب رأس المال المسيطرة على السوق العربية الإسلامية المتخلفة.

إن مسائل الاجتهاد والتأليف والبحث في الفقه والتاريخ والتفسير لم تأخذ مكانها كما كان يعملُ الاسلافُ في زمن النهضة أو التخلف، بل غدت المسائلُ المالية والمنفعية هي بؤرة هذا الاهتمام الديني.

لأن مسائل الحفر في العقيدة تقود إلى الرهبانية والزهدية، والتعمق في الأصول، بينما المسائل السياسية والمالية الطافحة تقود للمنفعية التي ربما تتحول إلى انتهازية.

أصبح الدخول في الحكومات والاستفادة من الأموال العامة هو هدف الرأسمال الديني، للمزيد من التراكم.

ونظراً لأن الخطابات الدينية غامضة، سريعة التحول، كثيرة التوجهات ومختلفة المسارات، فإن الاستثماري الديني يركزُ على الوجود في شعاريتها العامة المتقلبة، فيهمه إنتاج النقود لا إنتاج المعنى الديني الجديد المفيد لأغلبية المسلمين، ولهذا وجدنا البنوك والشركات (الإسلامية) تجمع الكثير من رؤوس الأموال وتستثمرها في بلاد(الكفار) حسب نصوصها وألفاظها التي تقولها حين يتحول كتبتها إلى صحفيين في الجرائد أو إلى وعاظ في المنابر.

والاستثمار هو أمرٌ عظيم لكن لم لا يكون في البلدان التي تـُجبى في هذه الأموال؟ ويتحول إلى إنتاج عربي إسلامي، يقوي قواعد الصناعة والاقتصاد والعمالة الوطنية والعربية، أما أن توضع مليارات الدولارات في اقتصاديات دول أخرى فهو يوضح بأن المال حين يتحول إلى رأسمال يغدو بلا دين.

من يهيمن على الرأسمال الديني هم أناسٌ بعقيدة محافظة في بلدانهم، لأنهم يشجعون التعصب فهو مصدر تراكم رأس المال، وهم كذلك بلا عقيدة حين يجري رأس المال هذا في دواليب الاقتصاد فيبحثون أنى وُجد الربح الأقصى ولا يهم في أي أرض يكون!

إن ظهور رأسمالية إسلامية منتجة يعتمد على مدى إنتاج الفكر الإسلامي، بمعنى أن تظهر اجتهادات عميقة توظف الرساميل لتغيير البنى المتخلفة لدينا، بدلاً من حرق الحقل الذي تــُنتج فيه هذه الرساميل، والتركيز على الربح السريع والطيران للخارج والاستثمار في مجتمعات أخرى.

الوعي الديني والرأسمالية الحكومية

تعجز الرأسمالية الحكومية الشرقية في تحديثها للـبُنى المتخلفة القديمة القادمة من العصور الوسطى عن أن تعيدَ تشكيل الوعي الديني بشكلٍ ديمقراطي.

عبر كل تلوينات أنظمة هذه الرأسمالية من الاشتراكية السوفيتية والماوية الصينية واشتراكية حزب المؤتمر الهندي والرأسماليات الحكومية العربية، تجد نفسها في حالاتِ اضطرابٍ بين عملياتِ التنمية الاقتصادية السريعة والضخمة التي تقومُ بها، وبين جمودِ وثباتِ المستوى الديني.

إن الوعي الديني لا يستجيبُ لمعدلاتِ النهضة، ولا يقبلُ أن يُربط بعمليات التخطيط، وبالبرامج الحكومية والأوامر الصادرة عن العواصم، ولا يقبل التوجيهات وإعادة البناء!

وتجابهنا حالتان متضادتان كبريان هنا: الحالة السوفيتية في الإلغاءِ القسري للأديان، والحالة الهندية في الإبقاءِ الكلي للأديان وترك تطورها للمؤمنين، حتى لو كان ذلك انفصالاً جغرافياً في جسدِ القارةِ الهندية وتمزيقها بين هندٍ وباكستان وبنجلاديش، أو إبقاءً للتكويناتِ الاجتماعية – العبادية في ركودها وانفصالها وتطورها المستقل لحد التفتيت الهائل لجسم المجتمع الهندي.

وفيما تحافظ الهندُ على جسدِها الهائلِ السحري الميثولوجي، يتفككُ الجسدُ السوفيتي (العلمي)! فلماذا؟!

إن تجربة الاتحاد السوفيتي في إلغاء الأديان ارتبطت بتنمية ضخمة فعالة، لكنها من جهةٍ أخرى اعتمدت ثنائية الاشتراكية – والرأسمالية الحكومية.

في الجانب الأول قدمتْ الماركسية بدائلَ فكرية وأخلاقية وتضحوية للمجتمع كي يعوضَ عن غياب الدينِ المسيحي خاصة في الأقسام الأوروبية، والإسلام في الأقسام الآسيوية، وأعطتهُ نماذجَ بطولية ومعارفَ هائلة فسدتْ فراغ غيابِ الدين إلى حين انتهاء فترة البناء البطولية؛ 1917 – 1950، وشكلتْ فترةُ التحولِ إلى الرأسمالية الحكومية المتعالية على الجمهور، وصعودُ الهياكلِ البيروقراطية والاستغلال، الغربةِ نفسها التي شعرتْ بها الجماهير خلال قرون تجاه تعالي الأرثوذكسية، فعادتْ للديانةِ الشخصية ذات القوالب المنزلية، ولم تعدْ الكنيسةُ لها ذات المكانة حتى بعد تفكك الرأسمالية الحكومية السوفيتية الكلية، وانقسامها إلى رأسماليتين عامةٍ وخاصة. ويمكن هنا أن تتضافرَ وتتداخلَ وتتقاطعَ الماركسيةُ الروسية البيروقراطية في انتمائها إلى كادحي القطاع العام خاصة، مع المسيحية الشعبية، اللتان غدتا ديانتين، معبرتين عن التداخل والصراع بين الرأسماليتين الحكومية والخاصة ومدى قدرتهما على التنمية وتحسين وضع الشعب!

يمكن أن نعثرَ على التوليفة نفسها في الصين وفيتنام، بتجاور الماركسية مع البوذية. إنه التجاورُ بين القطاعاتِ الاقتصادية الكبرى وأشكالِ الوعي الكبرى كذلك، لقدرةِ هذه الأنظمة على إيجاد الانسجام الاقتصادي النسبي بين الرأسماليتين السابقتي الذكر، كما أن البوذية تمتلكُ خاصيةَ عدم التدخل في الصراعات متجهةً للصوفية المتعالية على الواقع المحدود والدنس.

في العالم الإسلامي يلعبُ الصراعُ بين المذهبياتِ مرآةً لإخفاقِ الرأسماليات الحكومية أو نجاحها، وقدرتها على الجمعِ بين التطوراتِ الاقتصاديةِ والاجتماعية والفكرية أو عجزها عن ذلك. تصاعد هذه الصراعات يشير إلى المدى السلبي الذي بلغته الرأسمالية الحكومية، وغربتها عن الأقاليم والجمهور، وهو غالباً ما يؤدي إلى مرحلة تفكك أكبر أو إعادة تغيير، لكن أجسام المذاهب لا تتغير، بل تـُقحم في شعارات سياسية ساخنة.

إن مدى التحام وتوافق الرأسماليتين الحكومية والخاصة، يتجلى في الصراعات التي تجرى في الأديان. إن مدى مرونة الرأسمالية الحكومية وجذبها لعناصر السكان المختلفة، وقيامها بتغييرات اقتصادية واجتماعية ملائمة للسكان، ومدى سماحها لنمو قوى الرساميل الخاصة وإحداث تنمية شعبية حقيقية، يترتب عليه هدوء الجبهتين الدينية والمذهبية، ويجرى الصراع الخافت بين القومية أو الاشتراكية الوطنية أو الملكية الدستورية وغير الدستورية، وبين الليبرالية.

هنا تتجلى إشكالية عجز إيجاد بُنية رأسمالية موحدة، لغياب الديمقراطية والتخطيط وتوجيه الفوائض الاقتصادية نحو إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية نحو التغيير الشامل.

ويستمر قلق البنية الاقتصادية ومشكلاتها بين التطور المتدرج أو التفكك الصراعي.

ولكن غالباً لا تتسم الرأسمالية الحكومية بمثل هذه (العدالة)، والمخاطر تكبر حين تلتحم بعصبية مناطقية وطبقية وعسكرية، وتغدو المنافع مركزة متضخمة فتنفجر على شكل اضطرابات مناطقية تستخدم الوعي الديني، نظراً لتدهور الوعي الحديث الديمقراطي.

لا توجد عناصر فكرية مختلفة كثيراً بين المذهبيات والأديان في الشرق، لكن الفروق البسيطة تـُضخم ويُنفخ فيها مع تنامي الفروق الاجتماعية بين الطبقات والمناطق.

وغالباً ما تجرى الصراعات المذهبية الدينية في العالم الإسلامي بين الرأسمالية الحكومية المركزية والأشكال الجنينية للرأسمالية الخاصة والمتداخلة مع الاقتصاد ما قبل الرأسمالي كذلك، المتركزة في المناطق البعيدة والمهمشة، ولهذا جابهت روسيا الاتحادية صراعات اقتصادية (متحضرة) مع البلدان التي تطورت رأسمالياً ككازخستان وأوكرانيا عبر تنمية واسعة، لكنها واجهت صراعات دموية مع أقاليم داخلية لم تتطور في هذا السياق مثل الشيشان.

تباينات مستوى تطور الوعي الديني في الشرق ترتبط بضعف القوى الإنتاجية وخاصة قوى الكادحين، التي لم تدخل في التطورات الاقتصادية والمعيشية والثقافية، ولتفاوتات التطور بين المناطق والهجرة الأجنبية ومزاحماتها، وغير ذلك من العوامل التي توجد صراعات ومستويات معيشية شديدة التباين.

الأديان والمذاهب لا تتغير كثيراً خلال قرون ولكن الحراك الاجتماعي دائب التغير، وهذا يشكل عامل تناقض كبير بين مستويين في الحياة الاجتماعية، والحراك السياسي يستغلها لأهداف تكون غالباً متخلفة في التطور عامة.

لا يمكن للوعي الديني الإسلامي المحافظ أن يتم تغييره كليا ودمجه في الخطط الرأسمالية الحكومية أو الخاصة أو الاشتراكية. هو وعي تكونَ خلالَ عشرة قرون وشكلتهُ قوى اجتماعية مغايرة لفترة الثورة المحمدية.

حاولتْ القدريةُ والزيديةُ والمعتزلةُ والإسماعيليةُ وغيرُها ذلك في تمرداتٍ معينة، خلال تلك الفترة الزمنية الطويلة ولم تنجح، وهذا يعود لبُنى اجتماعية موضوعية وليس لإرادة الأفراد والجماعات، وقد رأينا الماركسية الروسية تحاولُ تغييرَ الأرثوذكسية بالإزالة من دون جدوى.

ولم يحدثْ تغييرٌ للمذاهب السنية والشيعية رغم جهود الرموز المخلتفة، فلماذا ذهبت جهود الأفغاني ومحمد عبده سدى؟ وليس فعلُ الخميني تغييراً للمذهب الشيعي، بل هو طرحُ شعاراتٍ سياسية فوقية فقط، فشعار ولاية الفقيه لا يمثل تطويراً أو هدماً للمذهب، بل هو شعارُ قوى سياسية رُكب فوق جسم المذهب، وربما يبقى أو يزول لكن المذهب لا يتغير.

إن تركيبَ شعار ولاية الفقيه فوق الجسد المذهبي أملتهُ صراعاتٌ سياسيةٌ وخيارٌ سياسي هو صعودُ الدولةِ الفارسيةِ القوميةِ المهيمنة فوق القوميات الأخرى والطبقات الكادحة المختلفة. أما أن يكون الشعارُ متغلغلاً في جوانب الفقه ومحولاً له باتجاه مزيد من الماضي أو للقفز في المستقبل، فهولا علاقة له بذلك. وتحول إلى حكم للمحافظين الدينيين، ولماذا لم تؤثر الثورةُ وتضحياتهُا المذهلةُ في أحكامهِ وتمت معاملة القضايا كما عُوملت قبل قرون مديدة؟ إن هذا يعود إلى كون الجسم الديني المحافظ لا يتأثر بتضحيات المسلمين وتحولاتهم.

هو شعارٌ سياسي فوقي، ومن هنا نجد أن الشيعة في العراق لم يطرحوا ذلك، حيث لا توجد الأمة الكبيرة الموحدة التي تريد أن تنشىء حكما قويا قومياً مركزيا بهيمنة معينة، بل هنا نجد الشعب المتعدد القوميات والمذاهب المفكك المحتاج إلى عالم تعددي ديمقراطي، أي هنا حالةٌ سياسيةٌ مغايرةٌ فغابَ الشعار. لكن هل يستطيع الدينيون في العراق أن يسايروا التحولات الديمقراطية في فقههم ونظراتهم؟ هذا لا يحدث.

إن الفقه يحتاج لتطوره إلى قرون، والناس لا تنتظر. الفقه يعبر عن علاقات اجتماعية تقليدية متجذرة تشكلت في ذلك الماضي، والعلاقات الاجتماعية لا تتغير الآن بسهولة وسرعة.

إن المذاهب تبقى بأجسامِها الاجتماعية الفكرية خارج العصر الحديث، ويمكن إحداث مرونة في الأحكام الجزئية، لكن المحتوى الجوهري يبقى مُصوغاً في عصر آخر.

سنجد مظاهر متوحدة بين الصين وإيران، بين هذين البلدين المختلفين المتباعدين في التجربة السياسية خاصة.

في الصين تتلكأ الماركسية الماوية (البنغية) عن التطور، إنها تفقدُ علاقاتها بالكادحين، وتتغربُ عنهم، لكنها لا تقبلُ بالبوذية، لا تقبل بهذا المستوى الفكري العتيق، وهو مستوى لم تستطع تطويره ككلِ دينٍ صِيغَ خلال عدة القرون، بعد أن صاهرتْ الرأسمالياتُ العالميةُ على مستويات البضائع والمصانع واقتصاد السوق. فماذا تفعل؟ لا تستطيع أن تعود للماركسية ولا للبوذية معاً، فتقومُ بتقويةِ الأفكار الليبرالية الغربية ومظاهرِها المختلفة، مثل اللباس (وخاصة ربطة العنق “الكرفتة”) ونشر الفنون الغربية حتى الاحتفالات بالأعياد الغربية كرأس السنة على نطاق واسع وهائل! ولكن على مستوى الكادحين الصينيين ذوي الظروف السيئة والمعارضين فإنهم يتمسكون إما بالماركسية التقليدية وإما يتعصبون للبوذية، دفاعاً عن مصالحهم الضائعة في اقتصاد السوق المندفع لمصلحة الدولة الرأسمالية العامة والرأسماليين الأفراد.

إن ذلك تمهيد لمجتمع رأسمالي على الطراز الغربي، وهذا ما يجري في إيران، حيث أصبحت ولاية الفقيه عقبات سياسية وبيروقراطية لتطوير الاقتصاد، فهي تجعلُ مجموعةً صغيرةً تتحكمُ في الخططِ الاقتصادية باتجاه معين، والقوى العسكرية والاستخباراتية تريدُ بقاءَ مستويات معيشتها المميزة، ممانعةً من توجيه التوظيفات نحو التصنيع السلمي المتطور تقنيا. ومن الممكن أن يحدثَ تضفيرٌ بين دولةٍ عسكرية وبين الابتعاد عن ولاية الفقيه، مستقبلاً، مع تنامي سيطرة العسكر، وتـُحلُ مسائلُ تغييرِ التقاليد واختلالاتِ الاقتصاد البنيوية، عبر هذه القوة، فمسألة الجمع بين الديمقراطية والحداثة الدينية مسألة صعبة.

الاقتصاد الإيراني الراهن المأزوم الذي يريد إعادة تكوين الأمة المأزومة، يتطلب إعادة تشكيل المجتمع وعودة الملايين من الإيرانيين المبعدين في الخارج، وتقوية المدن بقيادات حداثية ووضع حد لسيطرة الريف الإيراني بقياداته الدينية المحدودة الادراك. ومن هنا نرى النماذج الليبرالية والغربية تنتشر في الثقافة الشعبية والحراك السياسي، بعكسِ فترةٍ سابقة. لكن هذا لن يزيلَ المذهبَ الشيعي، ولن يغيرَ فيه شيئاً، فهذه الشعاراتُ السياسيةُ الليبرالية تظلُ فوقية، لا تغوصُ في الأعماق، مثل شعار ولاية الفقيه، لم يغصْ في أعماق المذهب ولم يطوره. إن الشعب يتطلع لإعادة تشكيل النظام نحو آفاق حداثية ذات توحد وطني أوسع، وحياة سلمية مع الشعوب لكي يضعَ ثمارَ اقتصاده في تطوره.

تبقى المذاهب كتلاً متماسكة في تكويناتها تعود لعصر تقليدي سابق، كما تبقى آراء الفقهاء المعاصرين مجرد مناوشات عصرية فوق جسم تقليدي انتهى بناؤه، ولن تنفع فيه هذه المناوشاتُ إلا إذا كانت حداثية ديمقراطية ومرتبطة ببناء وطني طويل الأمد يمتد إلى عشرات السنين ويوزعُ الخيراتَ بشكلٍ عقلاني على الجماهير الفقيرة، ومن هنا تغدو العلمانية عملية إبعاد سياسية فقط عن استغلاله في صراعاتٍ سياسية تقليدية وطائفية وقومية هي مضيعةٌ لوقتِ المسلمين الثمين ولقواهم وقدراتهم.

من هنا نرى كيف أن الفلسفات العصرية والمذاهب السياسية الساحقة للأديان والآراء السياسية المصعدة لهذه الأديان إلى الذرى، كلها لم تغيرْ شيئاً في بُنى الأديان هذه، وحين ذهبت العواصفُ السياسيةُ عادتْ إلى أجسامِها “الماضوية” نفسها.

سنجدُ هنا ان عدمَ نشاط غاندي في سحق الأديان أو الدعاية لها، أفيد من الجهد الذي بُذل في قاراتٍ عديدة في أنشطة السحق والترفيع. لقد اختصر الرجلُ الموقفَ وتركَ الأديانَ تنمو أو تزول كما هي طبائعها الداخلية، وجعل للسياسة ممرا وطنيا موحدا يجتمعُ كل الهنود فيه، ويفرض نفسه كذلك على كل الأديان. وكرس الموقف السياسي في التوحيد والنهضة وتعددية الأصوات فكسب التطورَ وأرواحَ الناس معاً.

الرأسماليةُ الحكوميةُ استبدادٌ ديني

ظهرتْ الأديانُ نتيجةٌ لعجزِ الإنسان عن السيطرة على الوجود، ومهما تطورت قواهُ الإنتاجيةُ فهو يظلُ في هذا الأفق التاريخي المنظور، تابعاً للطبيعة الخارجية والداخلية البشرية.

هذا العجزُ قادهُ إلى إعتمادِ القوى الغيبية كحافظةٍ لهذا الوجود الناقص، الضعيف في المحيط الهائل الكوني، وقد جعلَ من قواه القرابية، وهي الشكلَ الأسريَّ مرآةً منعكسةً على السماء، فغدتْ القبيلةُ قبيلةً إلهيةً متعددةَ القوى، وفي فترةٍ كانت ثمة أوليةٌ للأم المقدسة ثم ظهرتْ وحدةٌ بين الأبِ والأم، ثم هيمنَ الأبُ في الأسرة البشرية، فظهر الأبُ الإلهي، بين الرحمةِ والقسوةِ، بين العدل والظلم، بين الخير والشر، فأنقسمَ بين الإلهِ والشيطان!

وإذا كان الغربيون التحديثيون في ثورتِهم الرأسمالية الطويلة قد حصلوا على فرصةٍ تاريخية لتكييفِ الدين مع هذه الثورات التحويلية الاقتصادية، فإن الشرقيين لم يحصلوا على مثل هذه الفرصة، فتدرج الغربيون من تكوينِ مذاهبِ الإصلاح إلى التنوير ومن ثم العلمانية السياسية الديمقراطية، مكيفين المسيحية خاصةً على أثواب النمو الرأسمالي المتعدد المستويات الإنتاجية والثقافات القومية الغربية.

الشرقيون غدتْ لديهم لمحةٌ من لمحاتِ الفكر النهضوي التنويري في القرن التاسع عشر، حيث بدأ ظهورُ فئاتٍ وسطى حرة، لكن عاصفةَ الإستعمارِ من جهةٍ وعاصفةَ التحررِ القومي من جهةٍ أخرى، لعبتا دورَ التعجيل السياسي الفكري، الإجهاضي للتطور الغربي المتدرج ذاك، فتوجهت بعضُ الأممِ الكبرى الشرقية نحو الألحاد ونحو الإشتراكية، وكان هذا مظهرُ التجلي لرأسماليةِ دولٍ سريعة النمو الإقتصادي وشمولية التحكم.

كان التصورُ بأنهُ يمكنُ القضاءَ على الملكيةِ الخاصة لوسائل الإنتاج وتصفية التناقضات الاجتماعية البشرية وبالتالي القضاءَ كذلك على الأديان. لكن تشكيل الرأسماليات الحكومية الشرقية كان إستمراراً للإستغلال، كما أن مناكفتَهُ للتطورِ الغربي جعلهُ لا يشكل فتراتِ نهضةٍ ديمقراطية وتنوير وعلمانية، فكان الألحادُ مظهراً لدكتاتورية الدولة، وتحولها إلى إلهٍ، فظهرتْ رموزُ القادةِ على هيئاتِ آلهةٍ وأنبياء ومرسلين معبودين، إستمراراً للتطور الشرقي الشمولي السائدِ عبر العصور، من أجل التحكم في هذه العامة المغتربةِ عن نتاجِ عملها وعن التحكم في سلطاتها التي تقول إنها تعبر عنها، لكنها أقصتْ أدوات الديمقراطية الفاضحة لها.

وكما أن رأسماليات الدول الشرقية أخذتْ تعودُ للأشكالِ الإستغلالية القديمة، كذلك فإن الآباءَ الإشتراكيين تلاشوا، وعادَ الآباءُ القدامى للمؤمنين. ولأن عمليات الإستغلال الجديدة يمكن تمويهها عبر الأشكالِ التقليدية من الأديان بشكلٍ أكبر، كذلك فإن حشودَ المؤمنين الكثيرة يمكن أن تشكلَ قوى إدخارية مفيدة لرأسمالٍ إجتماعي متكلس.

في الصين التي نحتْ الأديانَ من الحياة الاجتماعية بشكلٍ واسع، لم تحتاج إلى تحولاتٍ دراماتيكية في العبادات، مثلَ الهند التي كانت التعددياتُ الهنديةُ تاريخيةً لديها، وواصلتْ اليابان تنحيةَ البوذية التي كانت علمانية تاريخية قديمة، وفي حياة المسلمين فإنهم واصلوا مأزقَهم التاريخي في عدم القدرة على تطوير رأسماليات الدول تطويراً تثويرياً صناعياً ديمقراطياً.

هذا على المستوى الديني أدى إلى تفاقم ظاهرة المذهبيات المتصارعة، وهي تعبيرٌ عن عجزِ الأدواتِ الحكومية التنموية عن تسريع قوى الإنتاج البشرية والمادية، وعن توحيد الأقسام البشرية الجغرافية وتوحيد نهوض الرجال والنساء معاً. إن غيابَ التوحيد الديمقراطي على المستوى الإقتصادي هو غيابُ التوحيد على المستوى الديني.

إعتمدت أغلبيةُ الدولِ الإسلامية على رأسماليةِ الدولة كنظامٍ مهيمن، وهذا ماثل عبر الشكل الفكري، بسيادةِ المذاهبِ السنية المحافظة، ونظراً لفسادِ هذه الرأسماليات وغياب الرقابة الشعبية والديمقراطية، فقد برزتْ المذهبياتُ المضادة، بشكلِ الإماميات المتعددة، وعبر السنية المتطرفة كنموذج القاعدة، تعبيراً عن تمردِ الأريافِ والبوادي، التي بعثتْ الأشكالَ الفكرية المحافظة والمناطقية، إحتجاجاً على غياب التخطيط والمركزية غير العادلة في توزيع الثروات.

بتطوير هذه الرأسماليات الحكومية بالديمقراطية وبالنمو الواسع للقطاعات الخاصة الحرة، وبخلقِ أشكالٍ من التعاون الوطني بينها، وبتنمية لأحوال الأغلبيات الشعبية وقوى الإنتاج العربية الإسلامية المستقلة، يمكن أن يحدث نمو مشترك للمذهبية السائدة وللمذاهب المختلفة باتجاه التحديث، وعبر العلمانية المتدرجة خاصة، للخروج من الدائرة  المغلقة الراهنة.

التعددية الدينية والعقلانية

نظراً للصراعات الدائمة بين البشر، قوى إجتماعية أهلية أو إقتحامات أجنبية وسيطرات من قبائل وشعوبٍ على قبائل وشعوب أخرى، عاشَ الناسُ بين التعدديةِ وبين الهيمنة الطبقية والفردية الكاسحة.

إن التعدديةَ عموماً جزءٌ من إختلافِ المعاشِ والمواقع الاقتصادية والاجتماعية، ومن تعددِ الأجناسِ والأقوام، والشموليةُ الحاكمةُ فيها جزءٌ من التسلطِ المستمر.

إن هذه الثنائيةَ الصراعية إنعكستْ في الأديان، فالأديانُ تبدأ عادةً بالوحدانية، وبصورةِ الإله الواحدة، ثم تغدو غيرَ وحدانيةٍ، وتظهرُ مذاهبٌ متعددةٌ في كلِ دين، تواصلُ عمليات الصراع الاجتماعية والسياسية التي لا تتوقف، لأن الناس لا يصلون لخلاصةٍ أخيرة في تاريخهم أو إلى نظامٍ متكامل أخير!

وليس الأمرُ راجعاً للنزقِ أو للبدعِ بل للصراع الذي لا يتوقف.

وهذا يجري دائماً في الأفكار الدينية وغير الدينية التي تلتصقُ بأجهزة الحكم خاصة، لأن الأفكارَ والأديانَ التي لا تلتصقُ بصراعات الحكم وتقسيم الثروات والتكالب عليها لا تُصاب بمثل ذلك.

في البدءِ نجدُ صورَ الألوهيةِ الواحدية أو الفكرة (المستقيمة) والفكرة النهائية، ثم تظهرُ التعدديات، وغالباً ما ينعكسُ الصراعُ الاجتماعي السلمي في أشكالٍ سلمية، والصراع الاجتماعي الدموي في أفكار تمزيقية ومذاهب عنفية تتصاحب مع الانتفاضات والحروب.

تتطابق السلطاتُ الدكتاتوريةُ والدين تطابقاً شديداً كلما كانت المجموعاتُ الحاكمةُ لا تتيحُ للآخرين فرصةَ التنفس.

حين يغدو الحاكم فرعوناً يعبر ذلك عن تحول شخصيته إلى فرد مهيمن على الملايين، التي تعملُ من أجلِ شخصه. وهذا ما يجعله إلهاً.

حين تخف شخصية الحاكم ويغدو رسولاً شعبياً تغدو صورُ الإلوهية مشاركةً للناس، وتخترقُ الغيبَ وتتحدث مع البشر، وتتشكل ديمقراطية صغيرة في ظلِ غيابِ سلطاتٍ قمعية شاملة وفي ظلِ ديمقراطيةِ الرسولِ مع جمهوره.

ومع إنفصالِ السلطات الدينية السماوية(فيما يُعرف بالأديان السماوية) عن الجمهور الشعبي، تتعدد الصورُ عن الألوهية تعدداً مساوياً لحركاتِ الصراع والقوى الاجتماعية وطموحات القيادات المختلفة المضادة للرمزِ الإلهي الرسمي المُعتَّمدِ في النظام الاجتماعي العام، وبسبب التخاذل كذلك عن الدول الشعبية العادلة المفترضة ونموذج المساواة المتخيل.

تقوم الحركاتُ المعارضةُ بإختراقِ الصورِ الرسمية للإلوهيةِ المعتمدةِ وتطرح صوراً أخرى.

إن الصورَ الألوهيةَ المنفصلةَ عن الجمهورِ والنائيةِ عن محنِهم وعذابِهم ومطالبهم في العدالة، تجابهُ بصورٍ أخرى مضادة، وهي تدخلُ في الفراغ التاريخي بسبب عدم وجود مضمون ثوري يغذي تلك الصور بالحراك الشعبي العقلاني بعد الحقب الأولى.

كمثل الصوفية في الإسلام التي خلقتْ صوراً تجمعُ بين أقصى الديمقراطية وأقصى الدكتاتورية. فالقطبُ يندمجُ مع صورةِ الإله، في تحدٍ للديانةِ الرسمية، وهو لا يتحدى الديانةَ حقيقةً بل يقومُ بعمليةٍ ديمقراطيةٍ فيها وبتحدي السلطة ونموذج أمر المؤمنين المتعالي على المؤمنين، ويجعلُ صورةَ الإلهِ شعبيةً وتندمجُ مع الناس العاديين فيتوحد معها!

لكن ذلك يعبرُ عن هرطقةٍ بالنسبة للديانة الرسمية، كما أنه يحول نفسه إلى دكتاتور مهيمن على البشر بقوله الغامض ذاك! وكلما زاد الغموضُ في الصور الدينية كلما كان حجمُ الدكتاتورية أكبر، فبرنامج تغيير الحياة وخدمة الشعب يتوارى عبر المصطلحات الدينية الغامضة.

وبالصوفية وصلتْ الأديانُ في القرون الوسطى إلى مرحلةٍ خانقة، لولا ظهور الرأسمالي الحديث في أوربا. ولثالثِ مرةٍ بعد اليونان والعرب تظهر ظروفٌ مطورةٌ للتجارةِ بشكل واسع، وهنا تعانقتْ مع الصناعة والعلوم، ووصلَ الرأسمالي الغربي إلى مرحلةٍ يبعدُ فيها الدينَ عن السياسةِ لأولِ مرةٍ في التاريخ البشري.

وأسبابُ ذلك تعودُ إلى ظهورِ المصنع والعمال. والمصنعُ مثّلَ ذروةَ تطورِ الإنتاج وتداخله مع العلوم. كما أوجد الرأسماليُّ طبقةً جديدةً مرتبطة بإنتاجه وأجوره. صحيح إنه إستغلها ببشاعة ولكنه أوجد طبقةً قادرةً على التصويتِ من أجله في الإنتخابات، وأن تنفصل عن هيمنة رجال الدين. لم يعد الرأسمالي هنا بحاجةٍ لحكم الدين السياسي، نظراً لأهمية توحيد الناس في البلد الواحد بعيداً عن الطوائف، ولضرورة تصعيد العلوم الطبيعية ومنع القيود حولها لأنها تغذي إنتاجه وتكيف عماله معه، وتخلق إزدهاراً إقتصادياً مفيداً لتطوره وتطور المجتمع وتحوله إلى هيمنةٍ عالمية!

لكنه من جهة أخرى بحاجة للدين كمانعة صواعق إجتماعية ضرورية، فهو كذلك بحاجةٍ لسلطةٍ غيبية بشرط أن لا تتدخل في عمله.

إحتاجتْ الرأسماليةُ الغربيةُ للعقلانية العلمية الطبيعية الواسعة والاجمتاعية المحدودة، بسببِ تحولِها لسيادةٍ عالميةٍ تحتكرُ الموادَ الطبيعيةَ التي هي بحاجةٍ لدرس عميق متواصل، ولعلومٍ إجتماعية محدودة وللدينِ من أجل إستمرارِ الشعوب المستعمِّرة والمستعمَّرة في ثقافتها القديمة الدينية، مع بعض التطور في ظل هذا الإقتصاد المزودج. ويتم تغيير هذه الثقافة كلما إحتاج الإنتاجُ في هذه البلدان إلى تقنيات وقوى عاملة أكثر تطوراً.

إرتبطت العقلانية ثم العلمانية بعمليات تطور هائلة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، عبر إنتاج أوسع وأسواق أكبر، ولتطور في مختلف جوانب الحياة.

العلمانية كتجديد إسلامي

 حين نأخذ العلمانية باعتبارها تشكيلاً لدولة لا دينية، ينطبق ذلك على كل المجتمعات البشرية المعاصرة، وهذا الاتفاق يشير فقط الى سمة كونية، تتمثل في إبعاد الدين عن الصراعات السياسية، كما كان الأمر يجري في كل العصور السابقة، واختيار البشرية لهذا الأمر هو تعبير عن توحد كونى، كما هو تعبير عن توحد قومي أو وطني.

لكن العلمانية تأخذ سمات التطور من التواريخ القومية الخاصة بكل شعب، فالعلمانية الفرنسية تغلب عليها عمليات الصراع الحادة والعلمية ضد الكهنوت القروسطي الشديد التحجر في فرنسا، في حين انها في الولايات المتحدة تتسم هذه العلمانية بعدم وجود جذور للصراع مع الكهنوت ومع الإقطاع وبميراث بروتستانتي تبشيري قوي, جعل العلمانية الأمريكية قوية التعصب الديني خارج السياسة.

وفى الصين فإن العلمانية لها جذور قوية في طابع البوذية، التي تتسم بالانعزال عن الحياة السياسية وترك الحياة المدنية للمدنيين، مما جعل البوذية تتعايش بسهولة مع الماركسية.

في حين ان التعددية البوذية والهندوسية في الهند جعلت العلمانية ضرورة وطنية هندية شبه مقدسة.  وتودي عمليات التعصب الهندوسية ذات المنحى اليميني المعادي إلى إعادة تشكيل الهند بشكل عصري والمعالج مئات الملايين من المحرومين والمنبوذين, إلى نحر ذلك الإرث التعددي الإنساني.

وفي افريقيا فإن الديانات الإحيائية المتسمة بعبادة الأسلاف أو قوى الطبيعة, لم تواجه النزعات الحديثة بعداء شديد, إلا في المناطق التي استغلها زعماء القبائل لمواجهة الإصلاح الزراعي والمدني الحديث.

وفى تاريخ العالم الإسلامي كانت ثمة محاولات كبرى لإنتاج علمانية تخفف من وطأة  الصراعات الدينية من أجل اتخاذ مواقف سياسية موحدة تجاه قضايا الاستغلال والفقر والنضال المشترك.

وقد كانت هذه المواقف الإسلامية قد خرجت من عصر التعصب الكلى للمذاهب، الذي انفجر بعد تفكك الإمبراطورية الإسلامية، حيث كانت سيطرة المذهب الواحد الذي تحميه حراب الدولة الباطشة، حينئذٍ لم يكن المذهب سوى اجتهاد إمام ما في طائفة، فيغدو هذا الاجتهاد والرأي قوة شبه منزلة، ولهذا اعتبر الأندلسيون والشمال افريقيون العرب والبربر عموماً اجتهاد مالك بن أنس مقدساً، وتعصبوا له تعصباً شديداً حتى أن الإمام أبا حامد الغزالي أُعتبر خارجاً عن الملة والدين، وهكذا صدرت فتاوى مختلفة بتحريم كتاب [إحياء علوم الدين] الذي ألفه الغزالي، من قبل فقهاء أندلسيين ومغاربة، ثم انتشرت حملة كبيرة ضده انتهت بحرق الكتاب ومطاردة ناسخيه وقرائيه!

لم تعبر هذه الحملة المغاربية عن موقف جامد متصلب في الدفاع عن اجتهاد مذهبي معين فقط، بل أيضاً لما يتضمنه الكتاب من هجوم عنيف على رجال التكسب بالدين الذين اتهمهم بالاشتغال بالفتوى من أجل تولى الأوقاف والوصايا وحيازة مال الأيتام وتقلد مناصب القضاء والحكم، وإنهم كما يقول الغزالي [اقتصروا على علم الفتاوى في الحكومات والخصومات ولم يخرسوا اللسان عن الغيبة ولا البطن عن الحرام ولا الرِّجل عن المشي الى السلاطين]، [نقلاً عن إضاءات حول تراث الغرب الإسلامي, إبراهيم القادري, الطليعة, بيروت, ص 135].

بطبيعة الحال فإن رجال الدين والسلاطين تحالفوا معاً ضد كتاب الغزالي وحدثت تلك الهجمة العنيفة ضد أحد المثقفين الكبار في تاريخ الإسلام. وبطرح الغزالي فقهاً قريباً للصوفية والتنسك فإنه غدا عدواً للتصلب الفقهي المرفه. وهو لم يعدم المدافعين عنه ولا الانتصار في خاتمة المطاف على المناوئين له في الشمال الأفريقي.

كانت انتصارات الآراء المتصلبة الفقهية المذهبية في طور تفسخ الإمبراطورية الإسلامية تجري في البلدان الصحراوية والمتسمة بغلبة البداوة، كالجزيرة العربية وشمال افريقيا، فالقبائل كالمرابطين كانت تهاجم المدن الإسلامية الأكثر تطوراً منها وتفرض عليها أحكاماً شرعية نصوصية باترة، وتقضى على التنوع والاجتهاد والتعددية المذهبية الإسلامية ذاتها.

في حين كانت المناطق الحضارية الأكثر تمدنا تعرف سياقاً مختلفاً في البداية، هو ذلك التعايش بين المذاهب بل والأديان المختلفة، ولهذا كانت المدارس الفكرية الكبرى في هذا العصر تتجه إلى احتضان كافة الاجتهادات المذهبية والدينية.

كانت مدرسة مثل الإسماعيلية تحاول أن تستوعب علوم العصر وكافة الاجتهادات العقلية لمجمل المذاهب من أجل أيجاد شبكة مواقف مترابطة، كما فعل إخوان الصفا في موسوعتهم الفكرية.

لكن هل استطاع الإسماعيليون والمعتزلة وغيرهم أيجاد موقف موحد للمسلمين؟

كانت المشكلة تكمن في محاولة السيطرة من خلال مذهب ديني أو اجتهاد فقهى وحيد، فكل تلك الموسوعية وكل تلك الاجتهادات تغلف في النهاية مذهباً معيناً يُراد فرضه على بقية المذاهب، وعبر هذا الفرض يتم تجاهل مستويات التطور ودرجات التباين والتنوع والاجتهاد لدى الآخرين، وإذا تمت هذه العملية من خلال أدوات الحوار كالكتب، فإن الأمر يغدو حضارياً، أما إذا تم ذلك من خلال العمل السياسي فالحربي، فإن الآخرين يردون بذات الأدوات.

هكذا كانت الصراعات [القومية] والمناطقية والاجتماعية المختلفة، ومصالح الحكام في الأقاليم والمراكز، ومستويات تطور الشعوب الإسلامية، كلها تتوارى وراء اختلافات المذاهب وصراعاتها. وبدأ عصر من دكتاتورية المذاهب والانغلاق.

قامت هذه الصراعات الاجتماعية ذات الأشكال المذهبية بتفتيت الإمبراطورية والدول، وفى النهاية توجهت العملية الى حصيلة المرحلة وتتويجها العقلي وهو العلم والبحث والوحدة والانفتاح.

لقد قادت عملية الصراع السياسي الديني المتداخلة إلى تهديم الدولة كأساس موحد للحضارة، ثم تمزيق الدين نفسه. أي أن التحطيم كان على المستويين السياسي والديني.

كان يُفترض أن تتوجه الاجتهادات الكبيرة للأئمة إلى المزيد من الجهود العقلية لتحرير الدين من سيطرة السياسة والدول، لكن المسار كان معاكساً تماماً، فظهرت الدولة الإسلامية ثم الدول المذهبية الكبرى: السنية العباسية والإمامية الفاطمية والشيعية الحمدانية والفارسية المختلفة ثم أخذت المذاهب الفروعية فى تأسيس دولها، الإباضية في عُمان، والزيدية في اليمن والمغرب الخ . .

 والواقع أن القوى الاجتماعية المهيمنة في كل بلد، ثم في كل منطقة، قامت بتلبيس مصالحها بمذهب ما، وفى ظل انعدام مركز عربي كبير، وتخلف وسائل المواصلات وتدهور الإنتاج الفكري وأدوات التعليم، غدت هذه المتحجرات دولاً وأنظمة ذات صولجان وهيلمان.

ان تخلف السلاطين السياسيين والدينيين والشعوب تمظهر في هذه النصوصية الحرفية وكتب الفتاوى التي تستأصل أي جهد واجتهاد، وتحول المذاهب الى زنازين كبيرة للعقل، وتتحول الى منظومة كبرى تطحن الحياة اليومية في أحكامها الشديدة البطش، بحيث إنه ليس ثمة للعقل أن يفكر خارجها، مثلما يتحول الفرد المسلم إلى أداة صماء للتلقي والضبط، ويظل دائراً في الأسئلة عن الأكل والجلوس والقيام والوضوء واللبس والنكاح، مثل أي بهيمة تُربط في الحقل، لا تسأل عن النجوم والكيمياء وفلسفة الرازي وطب ابن سينا والعلوم، والقصد ألا تتجاوز شيخ القبيلة الأمي، والملا والمطوع، الذين يغدو سقفهم الفكري متدنياً فاتحاً الأبواب لهبوب أعاصير الخرافات.

وفى هذا المستوى لن نستبعد تحريم الكتب والسفور والحريات والفنون الخ… إن التدهور على مستوى إنتاج النص الديني، يتبعه التدهور على مستويات علاقة العقل بالحياة، أو أن كلا المظهرين جزء من عملية متداخلة مدمرة.

يقول أحد القراء الذي يراسلني مقتطعاً إحدى العبارات ربما من مصدر خاص: [هدف العلمانية في العالم الإسلامي: هدف العلمانية الأكبر هو جعل الأمة الإسلامية تابعة للغرب سياسياً وثقافياً وأخلاقياً واقتصادياً، وعزل دين الإسلام عن توجيه حياة المسلمين].

هذا الرأي هو رأي شائع، فيتم تصوير العلمانية كمؤامرة غربية، تستهدف خلق التبعية للغرب، وهذا الكلام غريب، لأن العلمانية ليست أيديولوجية وليست بضاعة فكرية، بل هي نظام سياسي يتم فيه فصل المذاهب والأديان عن النزاعات السياسية.

ويظن بعض السياسيين الدينيين ان العلمانية اتجاه فكري فيقول: [هذا علماني وهؤلاء علمانيون]، فيجمع اتجاهات مختلفة متضادة، فقط لأنها لا تقوم بتسييس الدين.

أما نظام التبعية فتشكله المؤسسات التجارية والمالية الاستغلالية التي تربط بلداً ما بإنتاجها، أما كيف قام القارئ بنقل سمات النظام العلماني إلى النظام الاستعماري، فهو أمر يعود إلى عدم الدقة الفكرية.

فمثلاً نجد النظام العلماني لا يقتصر على الغرب بل هو مطبق في الهند وبعض دول أفريقيا وروسيا، فهو نظام ليس لإشاعة الاستعمار الأوربي، بل للحيلولة دون تفاقم النزاعات الدينية والمذهبية. إذن لا توجد صلة منطقية وسببية بين العلمانية والتبعية، وبالتالي فإن العلمانية ليست نتاجاً استعمارياً، بل هي نظام سياسي جرى تطبيقه في أوروبا الغربية أولاً، بسبب خروجها من القرون الوسطى التي كان الدين فيها يحتل نظاماً كلياً في الحياة، فتجري المعارف والعلوم والمشكلات والتطورات تحت عباءته، ولكن العصر الحديث قام بتفكيك هذه العلاقة، وهذه العملية استفاد منها بشر آخرون في أنحاء الأرض، حيث أدت التطورات الاجتماعية والسياسية إلى مستوى مماثل.

ولهذا فإن العلمانية ليست اتجاهاً سياسياً ما، بل هي نظام سياسي، يتم فيه تقدم الأحزاب على أساس هويتها الاجتماعية، بمعنى ماذا تمثل من فئات وطبقات، وعلى أساس فكرها السياسي وبرامجها، وليس على أساس دينها ومذهبها.

وبالتالي فإن الصراع السياسي يدور حول البرامج والأهداف السياسية والاجتماعية، وتتم عملية التراكم السياسي والمعرفي والمكاسب، حسب قدرة كل حزب على تمثيل أكبر مجموعة من الفئات والشرائح، التي تتجسد في الأصوات.

وهكذا أعطى النظام السياسي الحديث الأديان والمذاهب أكبر فرصة للوحدة والتعاون، مبعداً إياها عن الصراع.

ولهذا فإن التبعية للغرب لا يسببها النظام العلماني بل النظام السياسي التابع حين يربط مؤسساته الاقتصادية ومصادر تمويله وتوزيعه، بالمؤسسات الأجنبية المهيمنة، بحيث تتراكم الفوائض هناك، ولا تنمو هنا في بلاد المسلمين مقدمة الأعمال وعدالة التوزيع الخ..

هكذا يمكن أن نجد [مؤسسات إسلامية] وهى تخدم الاستعمار، لأنها تقوم بسحب الأموال والفوائض ودم المسلمين مرسلة إياه إلى الاحتكارات والشركات والمصارف الغربية بدلاً من أن تحوله إلى حقول ومصانع وسفن للناس هنا.

فالعلمانية لا علاقة لها بالتبعية وقد تكون كنظام سياسي مفيدة أو مضرة للتبعية، فالنظام العلماني الهندي في عهد حزب المؤتمر كان يخدم سياسة وطنية تحررية، في حين أن ذات النظام يخدم حزباً مواليا للغرب ومتعصباً دينياً هندوسياً، فمسألة التبعية تعود إلى سياسة الحزب أو الدولة ولا علاقة لها بالنظام العلماني.

لكن كيف جعل القارئ النظام العلماني ذا علاقة بالتوجهات الفكرية والمضامين السياسية؟ إن ذلك يعود إلى الخلط الفكري واضطراب  المصطلحات وعدم الدقة في التشخيص.

فالنظام العلماني نظام سياسي محايد، يستطيع أن يخدم كافة الاتجاهات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فيخدم حزب ديغول وحزب ميتران، وما يشترطه فقط على الحزبين هو عدم الخلط بين السياسة والدين، أي عدم استخدام الدين في أغراض حزبية.

أما مسألة أن العلمانية تهدف إلى إبعاد تأثير الإسلام عن الحياة الاجتماعية، فهو قول لا يستند إلى أدلة أو تاريخ، فنجد ان الغرب العلماني يسمح بشكل واسع للجماعات الدينية والمذهبية المختلفة المتعادية إسلامياً بالتواجد على أراضيه ونشر ما تشاء من دعاية دينية بين اتباعها أو بين الآخرين. في حين ان العكس هو الذي يجري في العديد من بقاع العالم الإسلامي.

هنا يقوم بعض الدينيين بالإخفاء المتعمد لجوهر العلمانية كنظام سياسي يرفض استخدام الأديان في الدعاية والتنظيم السياسي، محولينه بصورة فجة إلى نظام لهدم الأديان.

ومما يقوله القارئ المحاور هذه الفقرة عن أخطار ومصائب العلمانية:

1ـ إقصاء الشريعة الإسلامية ليزول عن المسلمين الشعور بالتميز والاستقلالية، وتتحقق التبعية للغرب.

2 – تفريق العالم الإسلامي ليتسنى للغرب الهيمنة السياسية عليه وذلك بربطه مؤسساته السياسية وأحلافه  العسكرية.

3 – زرع العالم الإسلامي بصناع القرار ورجال الإعلام والثقافة من العلمانيين، ليسمحوا بالغزو الثقافي والأخلاقي أن يصل إلى الأمة الإسلامي برجال من بني جلدتها، ويتكلمون بلسانها.

تبدو هنا العلمانية مرة أخرى كاتجاه فكري غربي استعماري وليس نظاماً سياسياً يفصل الدين عن السياسة، وهذا هو الجوهر الذي يتم التهرب منه دوماً، والهدف من العلمانية هنا هو تقسيم العالم الإسلامي [المتوحد جدا]، ويبدو ان القارئ لا يعيش في ديار الإسلام ولا يسمع بالمجازر التي تجري في باكستان والهند والجزائر والسودان الخ.. بسبب الصراعات المذهبية، في حين أن العلمانية كنظام سياسي سوف تتجنب هذه العملية المدمرة، وتتيح للمؤمنين من شتى المذاهب فرصة اللقاء السياسي والكفاح المشترك الذي فقدوه بسبب نمو الاتجاهات المذهبية المسيسة.

ولا نعرف كيف تقوم العلمانية بتفريق صفوف الدول الإسلامي، فمتى اتحدت هذه وناضلت بشكل مشترك؟

وقد قامت العديد من الدول والحركات الإسلامية بالارتباط بالأحلاف العسكرية الأجنبية، ويكفي الحلف العسكري الذي أقامته المخابرات الأمريكية بين هذه الجماعات الدينية والدول الإسلامية لضرب النظام الأفغاني الذي حاول الخروج عن السيادة الغربية فدمرته تدميرا وشردت شعبه المسلم.

أما رجال ونساء الثقافة والأعلام الموالون للغرب ففيهم الدينيون والليبراليون وغيرهم، ولكن ما علاقة [العلمانية] بهذا؟

فحين يكون الليبرالي علمانياً، يعني أن يؤيد فصل الدين عن السياسة، ولكن يوجد ليبراليون لا يؤيدون هذا الفصل. وقد يكون هؤلاء الليبراليون جميعاً وطنيين معادين لهيمنة الدول الأجنبية.

مرة أخرى يتم عدم معرفة مصطلح العلمانية.

ولعل المقصود هنا من جملة القارئ هي الاتجاهات الحديثة المتحررة التي تشيع قيم الفصل بين الدين والسياسة، ولكنه يقوم بعد أن خلط هذه المفاهيم وهذه الأوراق بجعل هؤلاء عملاء، فأفقدهم الوطنية وحولهم إلى جواسيس.. وجعلهم أدوات للغزو والاحتلال بتمهيدهم السبل الفكرية والثقافية للغزو العسكري. فقط لأنهم طالبوا بفصل الدين عن السياسة!

هكذا تتضخم العلمانية في الخطاب الشعبوي إلى ركيزة من ركائز الاستعمار والهدم والتخريب، دون أن ينظر إلى طابعها الحقيقي باعتبارها نظاماً لتوحيد المسلمين والمسيحيين العرب وغيرهم، باعتبارها أداة للانتقال من مجتمع الطوائف المسيس بالألغام، إلى مجتمع السياسة العقلاني والبرامج والصراع الفكري الاجتماعي وليس الصراع الفكري المذهبي.

أما النشر والدعوة له فذلك ميدان لا يغلق!

وبطبيعة الحال فإن العلمانية كتجديد إسلامي لا تنقطع عن الموروث والحياة الإسلامية، عبر الجسور التي تتشكل للتقريب بين المذاهب، وتطوير التشريع بما يتفق مع المساواة والعدالة، والحفاظ على المصالح القومية للشعوب العربية والإسلامية وتطويرها وتحديثها بشكل مستمر.

أن الجمع بين الجذور العربية والإسلامية وعمليات التحديث الراهنة، هو الأفق المفتوح للأنظمة العلمانية المتوقعة في المنطقة، والتي لن تجري من دون الصراعات مع الاتجاهات المضادة والمتطرفة على الجانبين، جانب الارتداد والتعصب الماضوي المذهبي، وجانب الاغتراب والتغرب وفقدان الجذور وغياب الدفاع عن المصالح القومية.

إن توحيد المسلمين في المرحلة الشائكة الراهنة يتطلب رؤى تراثية عميقة وحداثية تحررية، يتطلب الارتكاز على الماضي والمستقبل معاً، وفي هذه العمليات المركبة يتوه ذوو النظرات الوحيدة والجانبية وينحشرون في غيران الماضي غير مبصرين الفجر الطالع.

سلبياتُ التحديثيين والدينيين

لماذا يختلفُ ويتصارعُ أغلب الدينيين والتحديثيين العرب؟

ثمة منهجياتٌ شكلانيةٌ لدى الطرفين، فرغم تأسيس الإسلام للتحالف الاجتماعي بين التجار والعبيد كتوليفةٍ للتحديث في ذلك الزمن وخليةٍ كبرى للإنسانيةِ الجديدة، إلا أن قوى الأشراف المسلمين التي جاءتْ بعد ذلك لم تواصل التحالف، والأسبابُ تعودُ إلى أن الصاعدين السلم السياسي الاجتماعي غالباً ما يزيحون الفقراءَ، ولهذا يصبحُ هؤلاء بعد ذلك مادةً خاماً للسيطرة والعمل، وقوى متخلفة تزدادُ تدهوراً، فرأينا تفاقمَ العبيد ثم تدهورَ الفلاحين والبدو العاملين فأنهارت الحضارةُ العربيةُ الإسلامية. وفرقٌ كبيرٌ بين أن يكون عبدالله بن مسعود مثقفاً كبيراً وبين سلالةِ العبيد المنتجةِ في سبخ البصرة.

تنحيةُ التحالفِ وإسقاطُ الطبقاتِ العاملة الفقيرة عن ميدانِ الحكم الذي دخلته، هو جزءٌ من حراكِ الأشراف المتصاعد الذي حدث وقتذاك.

ولهذا فإن الثقافات التي ورثها الكثيرون من الدينيين هي من ثمارِ هذه الإزاحة، وغالباً ما يَنظرُ هؤلاء لحدثِ التحالف كأحداثٍ فردية، أو كأشياء عجيبة شخصية لا دلالةَ شرعية وتاريخية لها.

والتنحيةُ الاجتماعيةُ تعقبها تنحياتٌ فكرية وسياسية وفقهية حتى تغيّبَ رمالُ الزمنِ ما هو أساس للتطور الديمقراطي الحقيقي.

لهذا لن يكونَ إصطدامُ الدينيين بالتحديثيين عجيباً.

وغالبُ التحديثيين جاءتْ أفكارُهم من ثمارِ الغرب فهم يجهلون تاريخَ المسلمين، وقد تصورُوهُ كما أبرزه ونشره المحافظون، فهو تاريخُ التخلفِ وإنكار مساهمة الطبقات الشعبية أساس الحكم الديمقراطي الحديث.

هؤلاء التحديثيون قامو بتنحية الديمقراطية كما فعلَ المحافظون المسلمون في إرثهم الديمقراطي، فقد شاركوا في التيارات الشمولية التي ضربتْ التطورَ الديمقراطي الجنيني العربي؛ قلةَ صبرٍ ولجذورٍ دكتاتورية في حياتهم الاجتماعية وثقافتهم.

قيامهم بمعاضدةِ أنظمةِ حكمٍ شمولية، وعدم قدراتهم على تحليلها ونقدها وتجاوزها خلال العقود السابقة، يجعل معارضتهم للدينيين معارضة تنافس على مقاعد وسيطرات لا على تبديل شروط قهر العاملين.

والدينيون الذين عارضوا الأنظمة التحديثية الشمولية عارضوها لكونها(إشتراكية) و(قومية علمانية) كما رفعتْ لافتاتَها الزائفة.

ولماذا لم يتوصلوا لقراءة زيفها؟

لكون قراءاتهم شكلانية جزئية، أخذوا تلك الشعارات الرنانة وصدقوها، فيما كانوا يتعاونون مع أنظمةٍ محافظة مغايرة ويستفيدون من إستغلالها للناس.

على المستويين: تصديقهم للشعارات الزائفة وسيرهم مع أنظمةٍ محافظة ناتجة من ذلك الإخلال بالتحالف بين التجار والعبيد الذي أسسّهُ الإسلام، يعبر عن تطابق وإتحاد بالمضمون بين الفريقين الديني والتحديثي.

فكلا الفريقين الدينيين والتحديثيين الانتهازيين ليسا نتاجَ نضالٍ مع العمال والفقراء بشكل حقيقي.

هم يستثمرون العمالَ ويجعلونهم أدوات للسياسة وركوباً للموجات وقواعد في التنظيمات لا تصل للقمة أبداً.

وهي قراءاتٌ محدودة سطحية يمينية للتاريخ، فالدينيون عزلوا التاريخَ الإسلامي بحلقاتهِ المختلفة، وغيّبوا مضامينه، وركزوا على التبعيةِ لطبقاته العليا.

جوهرتهم للتاريخ الإسلامي وجعله خارج تاريخ الإنسانية وبلا قوانين موضوعية، جعلهم ذاتيين يكرسون مصالحَهم الفئوية، ولا يساهمون بتضحيات من أجل الشعوب والأمم الإسلامية.

والتحديثيون غيّبوا تاريخَ المسلمين بإعتبارهِ تاريخ التخلف، ولم يدرسوه خاصة هؤلاء المُسيسين السطحيين الذين ملأوا الحركات السياسية المعاصرة وليس رواد الحداثة العرب الكبار الأعلام الذين أضاءوا تاريخ العرب.

فيحدث التصادم بين الفريقين لكون الوعي الديمقراطي لم يتكّون في الجهتين، وهو الوعي الذين كان يحتاجُ نضالاً طويلاً في عوالمِ الشموليات المتعددة، ولو قد حدث، ولم ينضم القادةُ والقواعدُ لمصالحِهم الذاتية في أزمنةٍ مختلفة، لكان تقاربهم قد حدثَ في زمنياتِ الشموليات السابقة، ولما تفجرتْ العلاقاتُ بينهم الآن. 

الفريقان لم يتابعا تطور الوعي العربي الديمقراطي في العقود السابقة، ولم يقرأا حتى أمهات الكتب التي درستْ التاريخَ وتطور الأمم الإسلامية والبشرية والتي قام بها روادُ التنوير العربي.

لم يقدما لجماهيرهما ثقافةً ديمقراطية تتأصلُ في التراث والعصر، وأعتمدا على السطوح والجوانب الجزئية وعفوية التاريخ ولحظات السياسية اليومية وعفويتها وإضطرابها، فيصطدمان مع بعضهما وتصطدم جماهير الفئات الوسطى والعمال بتداخل حاد فوضوي بدون أن تعرفَ مصالحَها المشتركة وبدون أن تتوحدَ لتأسيس مجتمعاتٍ ديمقراطية جذوروها في أرض التحالف العربي الإسلامي المؤسّس، وثقافتها الحديثة في برلمانات الغرب المتطورة.

فعمدت هذه الشرائحُ من الفئات الوسطى على جعل مصالحها الذاتية في المقدمة، حيث تجري شكلنة الدين والحداثة، وتضخيمهما لمصالح الأحزاب لا لمصالح الناس.

تاريخُ الإصطدامِ هو تاريخُ الانتقائية والذاتية والتعلق بالقوى العليا العابرة وترك العشوب.

المشترك بين التقدميين والدينيين

يقول أحد النقاد عن العلاقات بين الدينيين والتقدميين في مصر في حقبة الخمسينيات (فلم يكن الفرق بينهما، على المستوى الفكري، بعيداً. ففي الوقت الذي كان كان مندور ينشر مقالاته السياسية والاجتماعية التي تنحو نحو الإصلاح الجذري كان سيد قطب يكتب (العدالة الاجتماعية في الإسلام) وعبدالحميد جودة السحار يكتب عن أبي الغفاري، وكانت هناك أشياء كثيرة مشتركة بين الفريقين)، شكري عياد، المذاهب الأدبية، ص 31.

لا يحلل الكتاب العرب عادة كون منتجي الأفكار السياسية والثقافية هم من الفئات الوسطى، الصغيرة غالباً، والتي عادة ما تطرحُ أفكاراً وسط تيارات شمولية استبدادية، وهي تتقصد تكوين نموذج سياسي مسيطر حاكم.

لم تعرف التيارات حقيقة ولن تعرف على الأقل في المدى القريب مسألة الديمقراطية، ومضمون أي تيار يتضح في نموه السياسي عبر تنامي سيطرته، فحين تتصاعد هذه السيطرة، عبر الانتشار بين الجمهور، عندئذٍ يتكشف مضمونه الاجتماعي المتواري.

ولهذا كانت (ثورة يوليو) في أول عهدها تبشر بقيم ديمقراطية واعدة، لكن حين اشتدت قبضة الضباط الكبار على الحكم، تبخرت هذه الديمقراطية التي كان من الممكن لو تشكلت عبر جبهة وطنية ديمقراطية عريضة أن تقود النظام لتحولات إيجابية تصمد بشكل أكبر وأغنى.

لكن التكتلات السياسية كانت دكتاتورية كلها، فهي جميعاً تشكلت عبر أفكار شمولية سواء لدى الأخوان المسلمين أم الشيوعيين أم الضباط الأحرار، ولهذا فإن ما يلاحظه شكري عياد في الاقتباس المذكور اعلاه، هو أمرٌ يتعلق بالفكر الأدبي، الذي بعدُ لم يصل إلى أن يكتشف مضمونه السياسي، خاصة إن ثيمات الإصلاح، والعدالة في الإسلام، وسيرة الصحابي الجليل أبي ذر، كلها تقع في التجريد الفكري أو في التاريخ، دون أن تـُربط باللحظة السياسية الصراعية وقتذاك، ولهذا كان نضال أبي ذر ضد الدكتاتورية المتصاعدة عند بني سفيان لا تــُربط بتنامي الدكتاتورية عند مجلس قيادة الثورة، ولحظتي المقاومة لدى أبي ذر والسياسيين المصريين المعارضين الذين ستبلعهم آلة الدولة العسكرية الوطنية حينئذٍ، كل منها تنتمي لعصر وظروف، ولكل منهما له سياقه الخاص ولهما المشترك العام كذلك.

وهكذا فإن قوى الفئات الوسطى المبعثرة بين أقصى اليسار كما لدى الشيوعيين وأقصى اليمين كما لدى الأخوان المسلمين، تتفتت من خلال  الانحصار في المقولات (الإيديولوجية) فأولئك الشيوعيون يتجمدون في النقل الستاليني، حيث (يجب الإجهاز على الرجعيين والرأسماليين)، وهو جانبٌ مفيدٌ لدكتاتورية مجلس قيادة الثورة، لكنه مضر للشيوعيين أنفسهم، كما أنه مضر لتطور النضال الديمقراطي، من حيث إن ما يقوم به الضباط الأحرار هو إقامة رأسمالية حكومية بيروقراطية، وليس الاشتراكية كما يتوهمون، وهو شكل دكتاتوري من أشكال الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، فتحتفظ بجوانب تقليدية كثيرة، ليس خدمة للإسلام كما يظن الأخوان بل لعدم تغيير جذور النظام الاستبدادي، وولعدم إقامة تحديث متغرب شامل وكاسح على الطريقة الروسية..

وتتيح هذه العملية المزودجة تقوية جهاز الدولة اقتصادياً ومالياً، وهو أمر يتيح له شراء الذمم ونشر الأفكار (المائعة) بديلاً عن التطور الديمقراطي الحقيقي الذي ينبغي السير فيه، وهكذا تنتشر هنا مصطلحات غائمة بهدف تمييع المسار، كشعارات (الاشتراكية) و(لا شرقية ولا غربية) و(منع الصراع الطبقي)..وهي شعارات تلغي الوعي لدى الشيوعيين، ويتحولون إلى ملاحق بالنظام، وهو أمر أوهم حتى الأخوان إن ما يتحقق مصرياً هو اشتراكية تقود إلى القضاء على الإسلام، فيتوجهون لأقصى اليمين ، إلى استعاد السلفية المحافظة وتجد لهذا جسماً مادياً عبر الرجوع أجساداً وجيوباً للجزيرة العربية ونفطها، واستيراد لحظتها الفكرية المحافظة وإعادتها لمصر في زمنٍ تالٍ.

ولهذا نجد انتهازية على الجانبين؛ الشيوعي بتسلقه النظام العسكري وتسلق الأخوان للنظام النفطي، فيحدث ذوبان مشترك لإمكانية التحليل الموضوعي، وكان نضالهما الديمقراطي المشترك وتطوير لحظة محمد نجيب وتشكيل تحالف ديمقراطي واستمراره، هي من المهمات التي تخلى عنها الطرفان في لحظة مصيرية، وكان من الممكن أن تكتب شيئاً تاريخياً مختلفاً.

معايير التقدم عند المسلمين

تستندُ الأديانُ عموماً على مسائلِ الحلال والحرام، وهي جوانبٌ مرتبطةٌ بالقدسية، والقدسيةُ نتاجُ مئاتِ الآلالف من تاريخِ الإنسان، وهي المعارجُ بالنسبةِ للأقدمين للطهر والسعادة الأبدية.

لم يكن بإمكان الإنسان وقد تشكلَّ في بيئةِ المقدس، أن يرى شيئاً آخر، والمقدسُ  قادمٌ من عالمِ الأرواحِ والغيب والسماوات، كانت الروحُ الخارجةُ عن الإنسان الموجودةُ في الإعالي هي التي تصيغُ وجودَهُ العرضيَّ المحدودَ في عالمِ المادة الزائل العابر، وهي بالتالي تحميهِ من الأرواحِ الشريرة والأمراض والفناء.

وكانت الأوامرُ والقراراتُ الدينيةُ تستندُ إلى هذه القدسياتِ المتنوعة لدى الأمم، وهي في وضوحِها وغموضِها كانت (تحاولُ) تقديم حالاتٍ من التطورِ والصحةِ والسلامة للبشر، لكنها تتعالى فوق تجاربِهم التي تتطور بإستمرار، كما أن تلك القرارات تُلقى بصفاتِ الإطلاق وعدم النسبية، وتلتصقُ بتاريخ المؤمنين الروحي المطلق ذاك.

تتأسسُ الأفكارُ والقراراتُ الدينية على ضوءِ مصالح الشعب المعني، ثم تغدو فقهاً أو مذهباً أو شعائرَ أبدية. وتتكرسُ عبر الدولِ ووظائفِها السياسيةِ والدينية والاجتماعية، وتغدو لها إعادات إنتاج، وغالباً ما يحدثُ إنفصامٌ نسبي في العلاقة بين السياسي والديني، لأن الأوضاعَ السياسيةَ تتطلبُ مرونةً، وهي علاقاتٌ مع الدولِ والأممِ الخارجية، وهي حروبٌ وسلامٌ وتجارةٌ، هي حراكٌ يومي ومصائرٌ للناس ساخنة، في حين إن الديني هو قرارات وقراءات فكرية منفصلة عن كل هذا الجيشان السياسي، وهو تأملٌ وقراءةٌ وعلاقة (روحية)، حيث تظل العلاقة بالغيبِ أكبر من العلاقة بالأرض.

وكلما تسارعتْ تطوراتُ أي شعبٍ يحاولُ أن يجدَ العلاقةَ المرنة الباقيةَ الديناميكة بين السياسي والديني، أي أن يفصلَ بينهما في لحظاتِ المخاضِ والتبدلات الكبرى، ولهذا كانت اللوحةُ التاريخيةُ الأوربيةُ مليئةً بالشواهدِ على الانفصال والاتصال، حيث برز الإنفصالُ عنيفاً حين عرقلَ الدينيُّ نموَّ الاقتصادي النهضوي وجمدَّ السياسي التحديثي، وأرادَ أن يحوزَ على المطلق في الأرض بشكلٍ مستمر، في حين أن الأرضَ الأوربية كانت تتشكلُ بصورٍ أخرى، وتنفكُ عن الديني التقليدي.

برزتْ هنا معاييرُ التقدمِ والتخلفِ بصورٍ حادةٍ قاطعة، ودخلت أوربا في حربٍ مع نفسها، أي أن الطبقات دخلتْ في صراعٍ مصيري متضاد كلي، وظهر شعارُ أما الحداثة والتقدم وأما الدين، وفي الثورة الفرنسية عُبدَ (العقلُ)، وأُغلقتْ الكنائسُ، وحُروبتْ الأديانُ وأُعدِم القساوسة.

كان الجانبان في حالةِ تضادٍ عصبية، وتشكلت قبلها حروب دينية خطيرة كارثية، وكانت الكنيسةُ تسيطرُ على الأرض الاقتصادية، والسوقُ بحاجةٍ للأرض، ولقوى عمل الفلاحين الرخيصة.

وفي تاريخ المسلمين لا يحتاج الأمر لكل ذلك، ولإعادةِ التاريخِ الأوربي، فقد ظهرَ الإسلامُ وقادتهُ من التجار، وكان هدف تكوين دولة واسعة تجارية نهضوية متحررة في المضمون الغائر للدين.

وتبدو بعض التحريمات كأنها مطلقات رغم أنها تعبير عن صعوبات ومشكلات مؤقتة، فتحريم الربا كان بهدفِ سحب البساط من اليهود العرب الذين كانوا يهددون الدولة من الناحية السياسية، فهم أقوى ومماثلين للعرب في عاداتِهم وقوتهم، ولم يكونوا من اليهود الشماليين المتحضرين ولهذا كان الصراع شديداً معهم ولكن مسألة الربا تجاوزت زمنيتها لتلتصقَ بالموروثِ الديني الدائم، كما أنها من جهةٍ أخرى تعبير عن معارضة الإستغلال الشديد.

لكن من جهة التطور الزمني هي عرقلةٌ لتنامي علاقات التجارة الحرة التي قادها الإسلام، فيما كان تحريم الخمرة متعلقاً بالانضباط العسكري المفقود لدى البدو المنضمين للدولة الإسلامية في ذلك الحين بأعدادٍ واسعة والذين لم يفد التحريم التدريجي في تحضرهم.

ومسائل مثل توسيع حريات الرجال الجنسية وتضييق ووضع المرأة، كانت ذات جذور إجتماعية طويلة محافظة شديدة، ولكن التشريع حاول أن يقدم الحرية عبر التركيز على نموذج العدالة لدى الرجل الزوج العادل.

هذه المشكلات صارت ثغرات في تطور المسلمين التالي، حيث صاروا القوة النهضوية الكبرى على المسرح البشري لثلاثة قرون، لكن القادة والمفكرين لم يعالجوا تلك الصعوبات التي لم تُحل أثناء التطور السياسي الفكري فكان لها أن تكون إشكالية كبرى في القرون التالية وخاصة على مصير المسلمين الراهن.

 توجه الإسلامُ المؤسسُ إلى تحجيمِ الركائز الكبيرة للهيمنة التقليدية، برز ذلك في وثيقة الثورة (القرآن)، فكلُ العوائق التي ضربتْ الأديانَ السماويةَ السابقةَ كحركاتٍ نضالية وأجهضتها، قام بالتركيز على مواجهتها.

يأتي في عمق ذلك منع تشكل الهيمنة السياسية الحاكمة، وخلق علاقات سياسية مباشرة وديمقراطية شعبية، ثم منع تشكل الهيمنة الدينية فيما عُرف لدى المسيحيين بالأكليروس، عبر خلق فقه بسيط وعدم تعقيد العبادات والمعاملات وبالتالي ضرب المؤسات الوسيطة السياسية والدينية التي تحولُ دون الديمقراطية المباشرة بين المواطن والحاكم، وبين المؤمن والخالق.

مؤسسةٌ أخرى هائلة ضربها القرآنُ وهي مؤسسة الهيمنة الاقتصادية المتمثلة في السيطرة على الأراضي الشاسعة وأموال الفتوح لدى الطبقة الحاكمة بل توزيعها على الجنود والعامة.

كانت أموالُ الفتوحاتِ هي الثروةُ الكبرى في ذلك الحين وهي التي تشكلُ القوى الاجتماعية والتأييد للسلطة، ومن هنا جاءت الدعوةُ للتقاسم الواسع لها بشكلٍ خماسي وبشكلٍ يؤدي لعدم تركز الثروة في أيدٍ مركزية تعيد تحويل الحياة لصالحها.

لكن فيما بعد جاء تفسير جديد للآيةِ وبشكل آخر ليحفظ الخير للأجيال ويجعل ملكيات الفتوح للدولة، ولكن التقسيم القرآني كان يمكن أن يخلقَ تلك السوق الواسعة الحرة عبر وجود الملاك الصغار الكثيرين والذين لن يؤيدوا وجود سلطة مركزية قامعة مهيمنة على الأموال، وربما عبرت ذلك كان يمكن أن تستمر النهضة أبعد من ذلك.

خلافة شفافة، وأملاك صغيرة حرة، وسوق هائلة، ثم تنبيه للذكور المسيطرين على العائلات أن يعدلوا، لكنهم لم يعدلوا.

تخفيف الذكورية المتعالية والسلطة المتجبرة والدعوة للبحث ضمن الفضاء العام للديانات وثوابتها في إعلاءِ الغيب، وتشكيل المنظور القدسي، ولا يأتي التقدم هنا إلا من خلال العباءة الفكرية للماضي بطبيعة الحال.

 لماذا هذا التركيز على الثروةِ وطبيعةِ الحكم وضرورة عدم التمركز في الثروات والعائلات التي تصبح قبائل مسيطرة على النظام الاجتماعي؟

هي قراءةٌ عميقةٌ لأخطاءِ السابقين، وإعطاء هؤلاء العرب البسطاء غير المعقدين بزنزاناتِ الأنظمةِ إمكانية أن يشكلوا نظاماً ديمقراطياً مفتوحاً.

وهم كبدو أحرار كانوا متخلفين ثقافياً وإجتماعياً خاصة تجاه النساء، وتسيطر عليهم علاقاتٌ قبليةٌ ذكورية، ومن هنا فتنامي علاقاتِ الإستغلالِ والأنانية والهيمنة تقودُ لإزالةِ تلك المفاتيح للتقدم الكبيرة التي قُدمت لهم في مرحلتهم التأسيسية.

حافظوا على بعض مرتكزاتها وقادتهم إلى إنجازاتٍ حضارية كبيرة، لكن الوعي السائد يمضي للغيبِ وللقداسة، ولحكمِ الكواكب والنجوم والأقدار، أو للتمركز في النصوص الصغيرة وأحكامها الجزئية، ولا يتم الإلتفات كثيراً لأوضاع الأرض والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية.

الآن تجري عملياتُ إستعادةٍ كثيرة للإرث، ولا توجد كنائس كلية السيطرة، إلا في الأوهام الإيديولوجية السياسية التي تكونها القوى السياسية النافذة داخل الدين، التي حولتْ التراجعات عن المفاتيح الكبرى للنهضة إلى سياسات محافظة.

ولهذا نجدُ رجالَ دينٍ كبار يتقدمون بإجتهادات فقهية مقاربة للنهضة، كما يمتنع آيات عظمى في الفقه الشيعي عن التدخل في العمليات السياسية للأحزاب الدينية، كما يظهرُ فقهاءُ متنورون وكتابات كثيرة لتطور الدين والحياة.

وهي أمورٌ تكشف عن أن أفق المسلمين مغاير لأفق المسيحية في القرون الوسطى والتي إحتاجت في تطورها لحروب وخيمة، فالعرب والمسلمون لا ينسخون تجربة الغرب الرائدة في الديمقراطية السياسية والاجتماعية، بل يكونون تجربتهم الخاصة، لأن آفاقهم الدينية مختلفة.

فلماذا إذن نشهد الحروب في العالم الإسلامية والتمزقات الرهيبة وإنفصال البلدان والإقاليم؟

هذا بسبب أن الحركات الدينية لم تأخذ بمفاتيح التقدم في القرآن والتجربة النضالية التأسيسية للمسلمين، وكرستْ جوانب الضعف والتخلف في العصور الوسطى والهيمنات الأنانية المختلفة التي نتجت عن عدم توسيع المنجزات.

وفي إمكان الجمهور والحركات الحديثة والقوى الدينية المستنيرة أن تتلافى ذلك، وتركز على ما هو إيجابي، وتستعيد الإنفتاح وتكون (الإمبراطورية) المفتوحة التجارية الحرة وتزيل الحواجز بين المذاهب والقوميات والطبقات.

وهذا يستند على تطور التجارب الديمقراطية في كل بلد، وهو أمر عسير يحتاج إلى عقود.

لكن رجال الدين ليسوا على غرار رجال الكنيسة ذات الأملاك ويأتي الجانب السلبي من التركيز على عدم تطور العائلة وعدم تغيير علاقات الأرض وعدم إعادة فهم النصوص بشكل واسعة والخوف من إطلاق الحريات العقلية، وهي جوانب يمكن تغييرها بما يتجاوز التجربة الغربية.

التقدميون والأديان

كل الشعوب لها مبادئ مرتبطة بجذور تعود لمائة ألف سنة من التاريخ المنظور، وأبعد بكثير من ذلك.

 هي تمثل أوضاع الإنسان الضعيف الحائر والمتنامي القوة كذلك في مجابهة قوى الطبيعة والحرمان والموت وهي تشكيلات من الأفكار والمبادئ موزعة في كل القارات وأقطار الإنسان، وقد صعدت في حمى السياسة العالمية الراهنة وعولمة الأمم وتداخلها، أكثر بكثير مما جرى في العصور السابقة.

هي مبادئٌ لو قورنت فإنها متباينة شديدة التباين مختلفة كثيرة الأختلاف، وهي مع هذا مقدسة لدى كل من يؤمنُ بها، وتقوم الحروب على شعرة تـُفسر على أنحاء مختلفة منها.

وجماعات التحديثيين المنتشرة بين كل أقطار الأرض والأمم لا تؤمن بهذا التنوعَ الغيبي، بطقوسه الحرفية، ولكن بدلالاته التاريخية، ومراميه الإنسانية الخالدة، وتؤمن بأن هذه هي جذور البشر في تاريخهم المديد الصعب والطويل.

وهذا الوعي النضالي التحديثي يكن الأحترام كذلك لهذا التنوع والفرادة في كل تراث، ويعمل لعدم تحوله إلى أدوات للحروب والأستغلال والشر، بل للخير والتعاون ولإحترام تقاليد كل شعب.

ورغم عدم الإيمان الغيبي الحرفي فإن الأحترام والدفاع عن هذه المقدسات وتقاليد المؤمنين، هي ضرورة، لأنها ميراثٌ يعبرُ عن ضرورات تاريخية وكيانات شعوب وجذور أمم وتجارب نضالية كبرى، وهذه الأمم التي مرت بكل هذه المسارات الدينية المختلفة لا بد أن تصل للتعاون الخلاق بينها، وتشكل اقتصاديات مفيدة للجميع، بدلاً من مواصلة مواريث الماضي من التخاصم والنزاعات.

كل دين ومذهب وفلكور شعبي وتقاليد تبدو مرفوضة ومدعاة للاحتقار في نظر شعوب أخرى، لكنها لجماعاتِها تظلُ مقدسة.

فلا يوجد هناك نظرٌ ديني أو عصري واعتقادٌ هو فوق الجميع ويجب أن يفرض عليهم، وعلى الناس الخضوع له، ولا توجد فكرة يجب أن تسود على الجميع، فكل الأفكار والأديان موقرة وذات أهمية ومكانة سامية، لكن بين أهلها وجماعاتها، كما أن الشعوب الأخرى تتأثر بما هو طيب وخلاق فيها.

لقد تقدمت القوى المحافظة على مدى التاريخ لكي تجعلَ الأديانَ أقنعة فوق وجوهها لكل تستغل الناس، وتجلبَ ثمارَ العمل لحياتها، وسواء كان ذلك طبقاً لرجلِ دين بوذي فقير مسالم أم خزائن لرجل دين سماوي كدس الملايين، ومن هنا إستماتتها لكي لا يجري فصل الدين عن الحكم والذهب والخيرات.

الروحانيون حين توحدوا مع السلطات فقدوا روحانيتهم، وكلما ازدادت هذه المادية لديهم فقدتْ (شعوبهم) تطورها وسموها ودخلت في معارك المادة، تتعاركُ على من يسيطر على المصانع والمتاجر والأراضي، ومن هو الأقرب لقرارات الأرباح، ومن يقمع العمال إذا طالبوا بحقوقهم، ومن هو له الأنصبة الكبيرة من الرواتب الحكومية والمعاشات التقاعدية.

أن الخطرَ يحدقُ بالأديان، وفيما كانت هي مصدرُ سمو وتقدم تغدو مصدرَ تقسيمٍ وصراعاتٍ دنيويةٍ مبتذلة، ويوجه البعضُ انتقاداته للأديان باعتبارها كوارث على الإنسانية، من خلال أفكار غير تاريخية وغير موضوعية، ويقدم الكثيرُ من الدينيين مادة وفيرة لذلك، ولقد انتموا للأديان ولكن كم من منهم  واصل نضال الأنبياء وتضحياتهم؟!

إن نضالات الأنبياء تستمر بضعة عقود ولا تستطيع المراحل التاريخية والنخب السياسية والجماهير البسيطة أن تواصل تلك التضحيات، وتلك المآثر، إنهم طلائعٌ وإشارات للبشر في تطورهم المعقد، ولكل مرحلة وتاريخ إمكانية الاستفادة والتأثر والتوظيف حسب الطاقات والإمكانيات والقراءات المختلفة.

تأتي دولٌ وقوى وتنسخ تلك الوصايا والنضالات، وفيما هم يعيشون في بحبوحةٍ من العيش على حساب الغير يتكلمون عن القداسة والنبوات وعدم التفريط بشعرةٍ من الدين؟!

لماذا؟ لأن الدينَ صارَ من الغموض وتعدد الوجوه في مناخهم السياسي بحيث لا يعري ما يملكونه من مليارات لم تأتِ من عرقهم!

ولهذا فإن المناضلين المعاصرين لا يريدون توظيف الأديان في العمل السياسي، ولا المتاجرة بنصوصها، ولا يريدون تركيب قصصها وتضحياتها ومُثـُلها فوق مادتهم المتواضعة الراهنة ذات الظروف المختلفة، ولا أن يستخدموا جملها المقطوعة من سياقاتها في تكتيكاتهم السياسية، وأن يفبركوا دعاية إنتخابية من نصوص الكتب المقدسة.

وحين يفشلون ويخدعون ويزورون، يستندون إلى نصوص أخرى، فيبررون فشلهم في التخلي عن أهداف الجماهير التي رفعوها بقوة بحجج أخرى!

إن التحديثيين والتقدميين ليسوا متنصلين من ذلك التاريخ الديني ولكنهم ليسوا مخادعين به، ومتاجرين بقيمه، وكل منهم يُحاكم من خلال برنامجه السياسي، ومدى قدرته على تطبيقه ومدى فشله فيه، إنهم يعملون لاسترداد الغنم الضائعة والموارد العامة المُستغلة المتوارية داخل العالم الضبابي في سيطرات الدول والجيوش، أما البيت فله رب يحيمه!

التقدميون ومهمات إسلامية كبيرة

لقد القى التاريخ على التقدميين مهمات توحيد كل شعب ومهمات توحيد الأمة.

وهو ليس إلقاءً قدرياً بل هو اختيار أهلته أفكارهم المشعة النافذة إلى غور المشكلات وعقد الطبقات، فإذا توانوا ضاعت مصائر الشعوب!

فإن البوصلة التي تشكلت لديهم خلال العقود الكثيرة الدموية السابقة، الملأى بالتضحيات الجسام، لا يجب أن تصدأ وأن يغمرها غبارُ الكسل والخوف وحب الأنا الضيق المحدود، فالأنا لا تتجلى إلا في مصهر الشعوب   وعظم التضحيات!

إن هذه البوصلة الثمينة التي شكلوها من الصخور القائمة على النظر الموضوعي ومعرفة مفاصل المشكلات بلا أنانية لطائفة أو عبودية لحكومة، هي التي تحدد جهات تطور أي شعب، ونمو إرادات الأمة العربية.

ولهذا فإن دورهم في تطوير وعي المسلمين هو حجر الزاوية في هذا الزمن، أي تطوير وعي المسلمين المذهبيين بكون الإسلام ثورة في زمنه الأول، وأنهم يعيشون بإعلامهم الديني الراهن ثقافة الثورة المضادة. ثقافة تمزيق المسلمين.

ولا تتأى الوحدة دون خلق المشترك الذي يقوم على نقد الفكر المحافظ الذكوري الاستبدادي، والحكومي المتعالي، وثقافة الخرافة.

إن المساواة بين الرجال والنساء، وديمقراطية الحكم، وعقلانية الثقافة، هي التحديات الثلاثة الكبرى التي تواجهكم لتشكلوا ثقافة سياسية بديلة، تتوجه لهذه الروافد الثلاثة وتحفر في داخلها حفراً علمياً موضوعياً، وسياسياً عملياً كذلك.

أنها المعيار الصارم الذي لا بد أن يتحول إلى سيوف باترة لأي تردد أو جبن، وأن يتحول إلى أدوات تحليل تضع الحلول لتلك المعضلات الثلاث.

أي أن قراءة وتطوير للأحكام الشرعية تجاه مساواة النساء بالرجال يتطلب ثورة تفكيرية لديكم على أصعدة مختلفة، عبر الغوص في الفقه ورؤية نضالات الأئمة واجتهادات المصلحين في التقارب بين الجنسين، والذي لم يتم بشكل كامل لظروف موضوعية لا يزال العديد منها جارياً اليوم كذلك.

في البناء الاجتماعي الأسري خاصة تكمن عقدة المحافظين الكبرى، وهو بناء متوارث استمر لآلاف السنين، فلا بد أن يجري تطويره برفق وبما يحافظ على بناء الأسرة وعدم الانحلال وكذلك على تحديثها وديمقراطيتها، وهي اهداف صعبة ولكن لا بد من الحلول العملية المركبة لها.

وفيما يتعلق بديمقراطية الحكم فلا يجب الارتهان للمشروعات السياسية المؤقتة للطبقات الحاكمة، بل رؤية البرنامج الأساسي للعصر، وهو النظام الرأسمالي الديمقراطي السائد، حيث أن الحديث عن نظام اشتراكي هو من قبيل الأحلام، على الأقل في زمننا العربي الراهن.

هناك توجهان سوف ينبثقان من التقدميين أنفسهم؛ توجهٌ للسير مع البرجوازية التي سوف تتشكل في مخاض معقد، وتوجه مع الطبقة العاملة. وهذان التوجهان لا يخصان فقط التقدميين بل يخصان كافة الطبقات القريبة من العمال.

فنحن مع تحول الفئات الوسطى لطبقة وسطى، حيث هي لا تزال طبقة مشتتة على صعيد وسائل الإنتاج وعلى صعيد الثقافة. وهذا الحراك يدفع الكثيرين للدخول في مشروعات الرأسمالية، وهذا جانبٌ إيجابي، لكن بحيث لا تقوم هذه الطموحات الفردية بتغييب دور القوة التقدمية في دفع الفئات الوسطى للتجمع والتحول لطبقة برجوازية قائدة لعملية الانتقال من المجتمع الإقطاعي إلى المجتمع الرأسمالي الديمقراطي، ولا بتغييب استقلالية العمال الفكرية والتنظيمية.

وتظل علاقة التقدميين بالعمال محورية وباقية بطبيعة الحال، لأنها هي التي تمثل هيكلية وجودهم السياسي.

البرامج الإسلامية للحركات التقدمية

فيما تكرست الحركات الدينية لتكون هي صراعاتُ الأغنياء على السلطة والمال العام، ظهرت الحركاتُ التقدمية لتعيد السلطة والمال  للأغلبيات الشعبية.

وأظهرت الأولى نفسها كالحارسة الأمينة على التراث، وأُظهرت الثانية كعدوة تجاهه ومزيلة له!

وقد توجت الحركة الإسلامية التأسيسية نشاطها السياسي  بهدف محوري بأن لا تكون ثمة دولة للإغنياء بين المسلمين، لما يترتب عليها من جبروت، ومن نظام يزيل الإيجابيات المحققة من حرية وكرامة وتوزيع عام للخيرات المادية.

وكان التخوف من نشؤ دولة (فرعونية) مبثوثاً بقوة في ذلك الإرث، فهي تؤدي رغم الإنجازات العابرة إلى عبودية دائمة وإنهيار شامل للاستقلال العقلي والحرية الفردية والقانون.

وضعٌ مثل ذلك كان سوف يعلي قيم الحداثة من عقلانية وديمقراطية، لكن ذلك لم يتحقق لأن دولَ الأغنياء نشأتْ واستمرت ليومنا هذا.

ولهذا يجد التقدميون أنهم يعملون لتلك الغايات المطموسة خلال ألف سنة، ولم تستطع الاستعادات للخلفاء الوامضين في تاريخ دول الأغنياء المتسلطة كعمر بن عبدالعزيز ويزيد الناقص وغيرهما أن تستعيد ذلك الإرث، لكون الزمن رسخ دولة الأغنياء الأموية، ثم ازدادت رسوخاً بظهور دول أخرى كثيرة، وكانت تلك الاستعادات تبدو بشكلٍ مثالي، بالعودة إلى (زهد) الخلافة، والعدالة القانونية، ومساعدة الضعفاء وغيرها من وسائل مفصولة عن قواعد الإنتاج، والتي تغلغلت في الحركات الدينية المعارضة لهذا النظام بأشكال سلبية عبر اللجؤ للعزلة والتصوف، وإقامة دويلات خارج النظام العام، زادت الوضع سؤاً.

لم يقرأ المعارضون والمماثلون الطائفيون إن القضية هي في تغيير قوى الأغلبية التي صارت محبوسة بالفقر والعبودية والقهر الثقافي، والعزلة عن الأجهزة الحاكمة ومسؤليات النظام العام.

إن المال العام الذي أُخذ منها جعلها تفتقد تلك الميزات من عقلانية وديمقراطية، في الحياة العامة وداخل حياتها الخاصة، فخلق المالُ العامُ (المسروق) ظلمَ الأغلبية النسائية والفلاحين وجير العقول لمصالح الدول.

وقد وعى بعضُ رواد النهضة الإسلامية في العصر الحديث جوانب من تلك المفارقات في التاريخين الإسلاميين المؤسس والوسيط، فأيدوا ظهور الحريات الفردية وبعض جوانب الحداثة والديمقراطية، وقد تدفقت بعضُ هذه الحريات بقوة في العصر الحديث في ظل نمو ليبرالية تجارية عربية، وتوجهات غربية للاستيلاء على الأسواق الداخلية.

وكان من شأن ذلك حدوث حريات ثقافية وسياسية بدون جذور كبيرة في الاقتصاد، فاستمرت الأغلبية من نساء ومزارعين في سطوات الإقطاع المختلفة، بل حدث تدهور هائل في نظام حرفي ونظام زراعي قديمين، وجاءتْ دولُ العسكر والحركات الوطنية لتحدث بعض التحول في الملكية العامة، لكن قوى العسكر العليا إعادت مضامين دول الأسر القديمة، وتحول الضباط إلى خلفاء!

وكما تستورد الأممُ الإسلامية الأشكالَ المفرَّغة من المضامين من الغرب، تستعيدُ الأشكالَ المفرغة من المحتوى من الشرق التراثي، في أنظمة متجهة لفوضوية ليبرالية، وطائفيات محمومة، والمال العام غدا ملكيات عامة منخورة، رغم إنه صار وسائل إنتاج عصرية للنفط والغاز والطيران الخ، وأراض واسعة ضمن مخططات البيع والهدايا والتصحر.

ولهذا فإن نمو الحريات عامل إيجابي، وتصاعد الملكيات الفردية الإنتاجية عامل هام آخر، ولكن لابد من القطع بينهما وبين المال العام، وجعل الثروة تتوجه نحو الأغلبية.

أغلب التوجهات السياسية تتوجه لتكريس دول الأغنياء، على حطام المال العام، أو عبر الاستيرادات والتصديرات لرأس المال الأجنبي، ولهذا فهي ترى التراث الديني بشكل شكلاني، وعبر مصالحها الراهنة المكرسة لذات الأنماط من الدول القديمة.

إن الاشتراكية الديمقراطية الراهنة العالمية تتركز في حماية المال العام، وتطوير القوى الإنتاجية المشتركة في كل بلد، ومنع فرض أي دين أو أيديولوجية، وعدم الوقوف ضد التملك الفردي المنتج، وإستيعابه ضمن خطط الاستقلال الاقتصادي والنهضة القومية.

إن خيار منع دول الأغنياء غير ممكن في هذه العقود، ولكن كبح تطرفها للمصالح الخاصة فقط، وعدم رؤيتها لمصالح الأغلبية، أمور غدت تفرض نفسها بقوة على كل دول العالم خاصة في الدول الرأسمالية الغربية الكبرى، قائدة الحداثة في هذا العصر، وغدت تحالفات الأحزاب التقدمية والنقابات وقوى أرباب العمل الديمقراطيين، تفرض نفسها وتشكل حكومات تضع نصب أعينها تلك المصالح للأغلبية المهدورة في عالم من التكالب على أجور العمال وشطف الأرباح بشكل هائل، ونخر المصالح العامة.

إن سيطرات طويلة لدول الأغنياء على مسرح المسلمين التاريخي لا يمكن أن تزول بسهولة، وقد جذرت ثقافة إغتراب عن مضمون ذلك التاريخ، وكرست طوائفية ورؤى غير عقلانية، وأرهابيات كثيرة، تعبيرات عن مصالح خاصة مرضية، وتشبثات حادة بالكراسي، ومقاومة ذلك على مستوى الإرث ومستوى الصراعات السياسية الراهنة، عمليات معقدة ولكنها غدت ممكنة.

العقلانية الدينية والديمقراطية

مثلما يناضل الاشتراكيون الديمقراطيون من أجل برجوازية ديقراطية في الشرق والعالم الإسلامي خاصة، فإنهم يناضلون من أجل الايمان العقلاني.

إن أشكال السحر والغيبيات غير العقلانية والاعتماد على الحظ والعيش في أشكال الشعوذة والخوارق المعيقة للتطور الديمقراطي هي كذلك مضرة بالايمان الديني الخلاق مثلما هي مضرة بالوعي الاشتراكي الديمقراطي.

لم يستطع الفلاسفة المسلمون إيجاد أرضية ديمقراطية على المستويين الاجتماعي والفكري، فلم يستطيعوا إنشاء تصورات عقلانية عن الإلوهية في ظل كون ومجتمعات سائرة عبر القوانين والسببيات.

كان هذا بحاجة للسيطرة على التاريخ المنفلت من بين الأيدي، وبحاجة لسلطات عقلانية عادلة توجه الموارد للتطور العام.

وجود سلطاتٍ ديمقراطية متنامية حالياً في العالم الإسلامي يتطلب نشوء ثقافات عقلانية توسع مدارك الجماهير وتدخلها في العالم الصناعي المتطور، فكلٌ يسيرُ بالأسباب والقوانين، من السيطرة على الأمراض والتخلف وبور الزراعة وحتى مقاومة بؤس الثقافة العربية الجماهيرية وكل هذا يستلزم معرفة أسبابها وطرق تغييرها.

إن إنهيار الزراعة ليس قدراً بل هو ظاهرة ذات أسباب إقتصادية وإجتماعية، وهي جزء من ظاهرة أكبر في تخلف الأرياف وتخلف العوالم العربية وتصاعد العلوم والصناعة والهيمنة في الغرب.

إن إنهيار الزراعة وضعف الأرياف العربية وتدهور حالات المنتجين وهجرتهم للمدن والخارج، وضعف الصناعة البديل الغائب لها، هي أسبابٌ ونتائجٌ في هيمنةِ وعي الحظوظ والقدرية والثقافة الجماهيرية التابعة، فهي تلقي الأسباب على الخارج والأوهام وأحياناً تبرر عجزها وكسلها بما هو مقدس، فيما أن الأوضاع لها سببيات تم تجاهلها وعدم العمل من أجل تغييرها، حتى غدا الجمهور العربي وليد الحظوظ والغربة والهجرات والتكدس في المدن وإنتظار المخلصين.

 يقول مرشح للرئاسة في مصر بأنه الله إستجاب لدعائه بسقوط الرئيس السابق، وهذا وعي سياسي مضلل، لأن سقوط الرئيس السابق هو نتاج تدهور البناء الاجتماعي، وسيطرة الأجهزة والبيروقراطية الحكومية على الأموال العامة وعلى حركة الاقتصاد، وثورة الشعب جاءت لتغير ذلك، ولكن المرشح لرئاسة الجمهورية من قبل الأخوان المسلمين يجعل سقوط النظام السابق أسطورياً، ولكن دون معرفة سببيات السقوط وتجنبها سوف تتكرر المشكلات.

إن ربط الواقع وقضاياه بأسباب خارجية هو شكل من رفض العقلانية الدينية وكون العالم له سببياته وقوانينه، وسببيات تغيير الواقع مرصودة بشكل عقلاني قرآني، وتطورُ قراءتَها العقلانيةُ الحديثة، وتضع الخطط لتغيير البناء الاجتماعي الذي أدى إلى ما أدى إليه.

ربط الدينين المحافظين التحولات بسببيات خيالية هو جزءٌ من التراث الفقهي القديم الذي رفض الفلسفة وفهم السببيات العميقة للوجود والأنظمة، فالدولُ التي أهدرتْ الأملاكَ العامة وأنتجت ضياعاً هي ذاتها التي شجعت فقهاً يرتبط بالقدر والحظوظ والصدف، وأفكارُ مرشح رئاسة الجمهورية المصرية جزءٌ من هذا الإرث، وتغييباً للتحالفات السياسية والاجتماعية القادرة على إنتشال البلدان العربية من أزماتها، وهي دعوة كذلك لقيام فصيل واحد بالهيمنة على النفوذ السياسي العام.

إن تدهور أحوال الفلاحين لم تكن صدفاً بل كانت نتاج سياسات زراعية لمصلحة القوى العليا والسلطات غاب عنها الإصلاحُ الزراعي مثلما دهورت الخلافةُ العباسيةُ الزراعةَ وحشدتْ المغولَ والسلاجقة والخوارج والأقوام الرعوية لدك المدنِ الإسلامية وسلبها ونشرت وعي الحظوظ والبركة والاعتماد على النجوم، وهي نفسها التي تجعل وعي الجماعات الدينية مشوشاً ميراثاً ووجوداً حاضراً لا يقرأ الريف.

بدون تحالف سياسي بين القوى السياسية اليسارية واليمينية لبرامج مشتركة في تغيير المجتمعات، وبدون وعي عقلاني مادي يقرأ الخرائط الاقتصادية والاجتماعية للتدهور وللبناء، وتتحالف معه القوى الدينية تاركة الخطابات السطحية متجهة للاستفادة من الوعي العصري، بدون ذلك سوف تكرر القوى الحاكمة الدينية الجديدة مآسي القوى المتفردة السابقة بمناهجها الحادة الباترة للآخر، وهيمنتها على الحكم والاقتصاد، ونظرتها الوحيدة التي لم تقبل بالتعددية.

ما تشير إليه القدرية وندرة الدينيين العقلانيين القيادين في المؤسسات والأحزاب الكبرى إن منهج القوى اليمينية المتفردة بالحكم والمصالح العامة سيكون هو كذلك تضييع للسببيات الحقيقية للتدهور الاقتصادي وبدلاً من بيروقراطية القطاعات العامة التي تحكمت خلال العقود السابقة وسببت هذه الأزمات العامة، سنجدُ تحكم قطاعات خاصة متفردة تقود لأسواق مضطربة وأزمات إقتصادية وسياسية عاصفة، ولن تكون في بلد واحد بل سوف تتغلغل في المنظومة العربية كلها. ونرى أن المنظومة العربية تتكون لكن من خلال القوى المالية الحكومية والخاصة من بلدان الخليج حتى مصر في تشكيلات تتسمُ بإقتصاد السوق غير المخطط له، وغير الداعم للقوى الاقتصادية المتوسطة والصغيرة الصناعية والزراعية الحرة والعمالية والمتسم بمناخ ديني محافظ والمعرقل للثورة الصناعية التقنية في العائلة العربية والمركز على الأشكال الربحية السريعة والطفيلية.

ويتجسد هذا في قوى دينية تريد دساتير على مستوى قاماتها السياسية وفي مناخ تفرض فيه حركتها المتفردة في القرار العام في كل بلد، بغض النظر عما تؤدي له هذه التصورات من فوضى سياسية وإجتماعية وتصادم بين البلدان.

تحدياتُ الحداثة في الوعي الديني

تواجه الأمة العربية وهي تعود لإرثها وبناها الاجتماعية مرة إشكالية الحداثة من خلال الوعي الديني المسيس، فهل يتخلى هذا الوعي عن الشمولية التي مشت بها كل التيارات السابقة وقادتنا لكوارث وموقف متجمد أم تكون له نقلته ويقبل بالحداثة الديمقراطية؟

قمة الصراع السياسي في العالم هو الصراع بين الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية وهو الصراع الجدلي الخلاق، أم غيره فهو إرتدادٌ للوراء.

فليس ممكناً التطور دون المصانع، وأي مصنع يلزمه ملاكٌ وعمال، وقد أضر بنا ذلك التداخل بين الدولِ المالكة والمصانع، وضاعت الأرباحُ والأملاكُ العامة.

الصراع بين ملاك المصانع والعمال هو الصراع التعاوني الذي أنتج الفكرتين السياسيتين الكبيرتين، فيما كان أختفاؤهما سبب للشموليات المختلفة وللكوارث التي تتالى في الأمة العربية منذ تحرك تونس وتتويج ذلك في سوريا حين صار البعث هو مالك المصانع والثروة فيما العمال يعيشون تحت خط الفقر، وغياب الحريات الديمقراطية والصراع الجدلي بين أرباب العمل والعمال، وكان الصراع بين الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية هو كان الضامن لتطور الانجازات الديمقراطية والثروة الوطنية.

فصار البعثُ يصارعُ الشعبَ كله فخسرَ الناسُ أرواحَهم وثروتهم معاً.

ولهذا فإن نموذج البعث الديني وصراعه ضد الحداثة والعلمانية وغياب صيغة الصراع بين الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية يغدو تكراراً رهيباً آخر.

أمامنا النموذجان الهندي والصيني في كيفية التعامل مع الحداثة والديمقراطية، ففيما قبلت الصين النموذج الشمولي ومنعت التنوع والصراع الجدلي بين الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية، فتعيش الآن ضمن ألغام كبرى سياسية غير قادرة على نزعها، قامت التجربة الهندية على التعاون الصراعي بين الجانبين الفكرين السياسيين للعصر، وأكدت ثورتها الصناعية والعلمية من خلال هذا التنافس، وتباينت الحكوماتُ الإقليمية والمركزية في أشكالِ وجودِها بين حكوماتٍ ليبرالية وحكوماتٍ إشتراكية تعمل في إطار وطني متعدد ومتطور، ولا توجد الملكية العامة المنخورة سياسياً وغير المراقبة كما هو حال الصين.

لكن الصين أمام ضخامة مشكلات الفقر والعمالة العاطلة وإنجاراته الكبيرة كذلك في النمو الاقتصادي كانت تتخلص بصعوبات جمة من الفهم الإيديولوجي الضيق لماركسية غير ديمقراطية غدت متحجرة فيها، وتتوجه لإعطاء هونغ كونغ حرية إختيار نظامها الخاص، فيما الرأسمالية البيروقراطية تشل الأجهزة الحكومية فيها عن التطور الديمقراطي في الصين الأكبر.

تسمح الأشكال الحديثة لمختلف القوى الاجتماعية بالتعبير عن نفسها وتطور مختلف أشكال الاقتصاد، وتسمح لمختلف أنواع الأديان والمذاهب بالتعايش معاً، وأثراء أبحاثها وتقاليدها بحرية كاملة.

فتعدد أشكال الملكية ووجود سلطات منتخبة متوجهة للقضايا الاقتصادية التحولية هو المهمة الرئيسية للحكومات العربية، فيما القضايا الفكرية والدينية من إختصاص القوى المدنية.

إثارة الصراعات المذهبية والفكرية في شعوب صغيرة ذات أسواق متواضعة تعيشُ أزماتِ التحولِ المختلفة، تؤدي لمزيد من تسول هذه الأنظمة للمساعدات، فيما تمثل الهند والصين عملاقة كبيرة من حيث السكان وضخامة الأسواق ومع هذا تبحث عن مصالحها وطرق تطورها الاقتصادية بدرجة أساسية خاصة الصين التي تحاول الخروج من مأزق الشمولية ولا تدري كيف وهو مأزق قد يفجرُ أزمةً شعبية في الصين أخطر بكثير من أزمة سوريا تحت حكم البعث، فهناك أكثر من 600 مليون عاطل وقضايا خطيرة كالفقر وصراع القوميات والأديان والمناطق.

وقد عانت روسيا ولا تزال تعاني حتى الآن من رفض نموذج الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية التعاوني الصراعي، فأوجدت إشتراكية متصلبة ثم تخلت عنها نحو نظام غامض لا هو إشتراكي ولا هو ليبرالي حر. وهي ذاتها تعيش المأزق السوري نفسه، في دولة هائلة والانفجار خرابٌ كبير فيها.

فيفترض في الأنظمة العربية الجديدة والقديمة كذلك الانتقال لهذا النموذج بدلاً تحويل النموذج الديني لشمولية كما فعلت روسيا والصين وسوريا، لكن لا يوجد ما يبرهن بأن هذه التجربة يمكن أن تزدهر عربياً في السنوات القادمة.

فروق عجيبة

ثمة فرقٌ كبيرٌ بين رجل الدين البوذي ورجل الدين المدعي بالإسلام، ذاك يعيش في غابة أو عزلة، وهذا يعيش في العاصمة بين الحكام والعبيد!

هذا البوذي يكتفي بطبقِ أرزٍ صغيرٍ أو بمعوناتٍ محدودة من المؤمنين، وهذا يعيش في فيلا أو منزل كبير، بين الخدم والحشم!

ذاك البوذي عاش بين جمهوريات كبرى يدعو للحكمة والتخلي عن الأموال والجواري والضياع وعدم قتل الحيوانات والبعد عن السياسة، وهذا مؤيد لسفك الدماء والتدخل في كل ساعة في شؤون السياسة ويطمح أخيراً في جعل إتباعه حكاماً وسلاطين وقتلة في الشوارع ومتدخلين في الضمائر ومتسائلين عن الإيمان والكفر!

 وفي حين ترك البوذي الديني السياسيين يشكلون  نهضات كبرى هائلة في الشرق، حقق هذا المتاجرُ بالإسلام الكوارثَ والتمزقات لبلدان المسلمين وحروبَ العصابات وتخريب المدن وتضييع الميزانيات وحروب البلدان ويحرق الإطارات في الشوراع لينشر السرطان والأوبئة بين المسلمين والسكان؟!

انظروا لحال الصين التي يعيش فيها مليار وثلاث مائة إنسان وحققت نهضة كبرى وصناعات وتغزو الغرب ببضائع القماش والدمى والسيارات، وهذا الذي يغزو الغرب بالطائرات التي تضربُ الأبراجَ الإقتصادية ويفخخ نفسه ويقتل الأبرياء ويضع المتفجرات في المطارات والطائرات ويصنع القنابل الذرية لكي يدمر بلدانه ويسحب الدم الأخير من فقرائه!

جاء هؤلاء بجراثيهم ينشرونها في الجو ويبشرون المساكين بالحلول النهائية لمشكلات الفقر والبطالة والفساد والكفر وجنوح النساء للرذيلة ولمشكلات الرقص والغناء واللعب على السواحل وشرب البيرة والغناء وغياب الحجاب وكثرة الإختلاط وغير هذا من مشكلات يبتكرونها نظراً لرعبهم من الحداثة وعجزهم عن التطور الإنساني، وخوفهم الأسطوري من النساء.

رجلُ الدين البوذي لا يخاف من النساء ولا من الجوع ولا من البطالة ولا من الحكومات، ويمشي بسيطاً في شوراع المدن، ليرفع طبقه من أجل كمية بسيطة من الأرز، ومستعد أن يحرق نفسه إذا أعتدت الحكومات الأجنبية على شعبه المسالم، وهي تضحية رهيبة  لا تصيب الآخرين بسؤ!

وهي أعمالٌ نادرةٌ قاسية رهيبة أتخذها الرهبانُ البوذيون في حربِ فيتنام وقنابل الأمريكان تنهمرُ على المدن! وأي إحتجاج كبير كان بالنفس؟!

 أنظرْ إلى رجل الدين البوذي هذا لا يَصعقُ الناسَ بأصواتهِ الحادة المزعجة، ولا يستخدم الآلات للبطش بالبشر وفرض كلامه، ولا يتصور أن الناس سوف تنحرف عن الدين في كل لحظة ولا يضربهم بسوطه، في حين أنظرْ إلى هذا المتاجر بدينك العظيم السمح كيف حولهُ إلى زنزانةٍ يسجنُ فيها العبادَ والبلاد؟!

ذلك لا يتاجرُ بالدين فأزدهرتْ بلادهُ، وتعاظمتْ خيراتهُ، وتعملقتْ شعوبهُ، وهو لا يملكُ لا نفطاً ولا ذهباً، حررَ النساءَ والشبابَ من سلاسله، وشعوبهُ بمئات الملايين، وهذا لديهِ النفطُ والذهبُ وقلة من السكان في بلدان واسعة ملآى بالأنهار والغابات والبحار، ولكنه عاشَ في خراب دائم، وحروب لا تتوقف، وكوارث كلما أنقضتْ قال هل من مزيد؟

                                   🌴

                                         🌻

                                         🍁