أرشيف التصنيف: عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

حكمٌ دستوري وإلهٌ عادلٌ

حكمٌ دستوري وإلهٌ عادلٌ

اتفقت الآراءُ الديمقراطية الحديثة في العالم على جعل منصب الحاكم شرفياً، غير متدخل في السياسة المباشرة، وذلك ابتداءً من النهضة الأوربية، وعلى جعل الحكومات تنبثقُ من البرلمانات الشعبية المنتخبة، بعد طول تحكم من الملوك والأباطرة والبابوات الذين كانوا رموزاً على الحكم المطلق الذي بدأ منذ فجر التاريخ وشمل الإنسانية كلها.
وقد أدى هذا إلى استقرار تدريجي وتطور كبير في أوربا الغربية وأمريكا اللتين شهدتا أكبر تقدم تحقق في التاريخ.
ومع هذا فإن المسيطرين على الحكم حاولوا العودة للحكم المطلق بأشكالٍ مختلفة، عبر المواد الاستثنائية في الدساتير وعبر إعلان حالات الطوارئ وغيرها من الجوانب التي تشكلُ ثغرات في الدساتير يستغلها الحكام لعودة الحكم المطلق.
ولا يمكن حدوث ذلك في الحكم ما لم يحدث شيء مشابه له في الدين، وهو صنو الحكم، وكان أداة سيطرته واستبداده، وذلك عبرَ نشوءِ فكرٍ ديني ديمقراطي ينتشر في أدوات السيطرة الدينية خاصة في المجمعات الدينية ومراكز القيادة، وفي القواعد الدينية وفي وعي الجمهور، بحيث تزول حكومات الحكم المطلق الدينية وهي التي ترافق حكومات الحكم المطلق السياسية وتدعمها في أحيان وتتصارع معها في أحيانٍ أخرى بقصد السيطرة الحكم وخلق نفس النظام الاستبدادي وهي تزعمُ أنها تحكم باسم السماء.
إن انتشار مفردات الديمقراطية السياسية هي غير انتشار مفردات الديمقراطية الدينية، ففي الأولى يتركز الأمر على نقل السلطات إلى البرلمانات وكتابة دساتير تضمن حقوق الشعب وواجباته وتشكيل سلطات ثلاث مستقلةالخ..
ورغم صعوبة تشكل الديمقراطية السياسية وحدوث ثورات واضطرابات طويلة حولها، إلا أنها أقل صعوبة من تسرب الديمقراطية إلى المؤسسات الدينية التي اعتبرت نفسها دوماً مقدسة لا تعرف معاني الديمقراطية البشرية الموضوعة من قبل الناس.
وهي تستند في حكمها على صورة معينة للإله، وهي صورة الإله المتدخل في كل شيء والمسيطر على كل شيء، وأن رجل الدين هو الحامي لهذه الصورة الأزلية.
ولكن صور الإله تتعدد ولم تعد هذه الصورة تتماشى والعصر الديمقراطي، فهناك صورة الإله الذي ترك للأشياء طرق حركتها ونموها، وللبشر حرياتهم وقوانين تطورهم وتطور مجتمعاتهم.
وهذه الصورة لائمت المجتمع الحديث حيث تم أكتشاف قوانين المواد والحركة في الأشياء وفي الطبيعة، وكذلك قوانين التطور في المجتمع وفي عقل الإنسان نفسه.
ولقد كانت هذه الصورة قديمة وقام الفيلسوف اليوناني أرسطو بتدوينها، فجعل للإله مكانة عليا، وجعل للطبيعة والمجتمع مكانة لها سببياتها وأحوالها، لكن مجتمعات أوربا الدينية في العصر الوسيط رفضتها، بينما تبناها بعض فلاسفة المسلمين كالفارابي وابن سينا وابن رشد، ثم رحلت هذه الصورة لأوربا في عصر النهضة وتبتنتها وجعلت الكنيسة تخرج من السيطرة الكلية على المجتمعات فينفتح عصرٌ جديد في التاريخ.
ونحن بحاجة في العصر الديمقراطي العربي إلى إعادة النظر في ثقافة التحكم الشمولية سواء في السياسة أم في الدين، وأن الحكم المطلق على المجتمع وعلى المؤمنين آن له أن ينقشع.

تفتيتُ المكونات

تفتيتُ المكونات

الكتابُ الدينيون يجسدون بوعيهم المتعددِ التكويناتِ شكلَ الأزمة الفكري في المنطقة.
إنهم يتهمون الفكرَ الليبرالي والفكرَ التقدمي بانهما تابعان للغرب، لكونهما لم يندمجا في المذهبية الدينية، وهما بذلك خارجان عن نسيجِ (الأمة الإسلامية)، وكلمة (الأمة) هذه إحدى إشكالياتِ هذا الوعي المنفصمِ عن التاريخ.
إن كلَ مذهبيةٍ تتصورُ أنها الأمة الإسلامية، فلدينا إذن مجموعات كبيرة من الأمم الإسلامية؛ الأمة السنية، الأمة الشيعية، الأمة الدرزية، الأمة الحوثية الخ!
لماذا هذا الأصرار بعد قرونٍ من الثوراتِ الفكرية التي إجتاحتْ العالمَ ونشرتْ مناهجَ علومِ الاجتماع والسياسة والفلسفة، نجدُ كتاباً ينكرون الحراكَ والصراع في المذاهب، ويشكلون أمماً وهميةً وعلى ضوءِ هذه الأمم الوهمية يشكلون برامجَ سياسية وتعليمية وإجتماعية ويحركون الخرائطَ البشريةَ من خلالِ تلك التصورات الوهمية؟
يقومُ الديني صاحبُ هذا الوعي بإطلاقِِ تلك الألفاظ على ذاته، فهو(الإسلامي) وحين يمرُ على تياراتٍ مذهبية أخرى يضعها في خانة مغايرة للإسلامي، التي إحتكرها لذاته المميزة المنفصلة.
ومن هنا، بطبيعة هذا الوعي، أن يجردَ هذا المذهبي الليبراليين واليساريين من الإسلام، ومن وطنيتهم، ومن وقوميتهم، ويعلقهم في دائرة الارتباط ب(الغرب)!
ما هو هذا الإسلام الذي يؤمنُ به؟ هو هذه المذهبية الصارمة الشكلانية في العبادة بدرجة أساسية، لأنه لا يجد خارج هذه الممارسات العبادية شيئاً جوهرياً آخر! خاصة إنه يتعامل مع عامةٍ يريدُ الهيمنةَ عليها من خلال هذه العبادات، وخارج هذه العبادات هو لا وجود له. فهو حراكٌ سياسي مذهبي وليس إنتاجاً لأمة متحضرة.
وحين يتعمق ويسير بهذه الممارسات العبادية إلى منتهاها سيُعلبُ التاريخَ، ويسقطُ فهمَهُ المذهبي على التاريخ الإسلامي. ولا نعرف كيف سيحولُ الصحابةَ إلى مذهبيين؟ وإذا لم يكونوا مذهبيين فماذا كانوا؟ وإذا كانوا رموزهُ فلماذا هو مختلفٌ عنهم؟
وإذا كان الصحابةُ ليسوا بمذهبيين فمن أين جاء بمرجعيتهِ المقدسة هذه؟! إذن هو كائنٌ جذورهُ ملتبسة، لكنه يفرضها بقوة في السياسة خاصة. فلماذا؟؟
هي معضلةٌ عميقةٌ منتشرةٌ أزّمتْ الواقع، والمذهبيون السياسيون قادة الحراك والتأثير الشعبي يشلون الشعوبَ والأمم الإسلامية عن التقدم، والأممُ الإسلاميةُ في أزمةٍ تاريخية خانقة!
حين يكونُ المذهبُ(أمةً) فعلينا أن نفتتَ الأقطار العربية الراهنة حسب مكوناتها (القومية) هذه!
آخرون لا يتحدثون بصراحة عن كون المذهب أمةً، يطرحون مسألة الأخوة المذهبية، السني أخو الشيعي، الدرزي أخو الإسماعيلي، لكن كيف يكون أخوه وهو مختلف عنه، وجذورهما مقطوعة متشكلة من خلال عداء حسب هذا الوعي؟
هي مسائلٌ تطرح بكل فجاجة العصور الوسطى المظلمة، أنها الموادُ الخامُ لتلك العصور، وقد غدتْ سياسةً يومية، وعليك أن تحاورها وتحللها.
عمليةُ جوهرةِ المذهبِ، أي جعلهُ مفارقاً لتطورِ التاريخ، وتعليقهُ في فضاءٍ مجرد، فليس هو تكوينٌ تاريخي تشكلَّ في زمن، بل هو جوهرٌ لا يقبل التغيير، هو مطلقٌ مرتبطٌ بنورٍ إلهي يتصوره هذا المذهبي، وهو قادمٌ من السماء وبالتالي من المستحيل تغييره وتبديله، ومرتبطةٌ به وقائعٌ ورموزٌ، وهو محبوسٌ في هذا الكيان الغيبي السرمدي، ومبرمجٌ في السياسة اليومية على أساسه.
لكن علينا في السياسة وعلم الاجتماع أن نعيش على الأرض ونفهم التاريخ كمادة واقعية. فالإسلام تكون في ذلك الحين من مصادر فكرية دينية سابقة ومن الثقافة العربية الجزيرية، ومن الأدب الشعبي (السحري) لكي يقومَ بعمليةٍ سياسيةٍ كبيرة توحيديةٍ تجميعيةٍ للقبائل لتكوين دولة، وبعد أن ظهرتْ الدولةُ برزتْ الصراعاتُ الاجتماعية فيها وتغلبتْ القوى الارستقراطية القبلية الغنية، ونشأتْ المذاهبُ المعبرةُ عن هذه الصراعاتِ الاجتماعية بين أسرِ الأشراف والعامة، وكلٌ منها جعل مصدره غيبياً مطلقاً ومعبراً عن الكل المقدس الخاص به، لكن الأشراف استمروا متحكمين مؤدلجين المذاهبَ لمصالحِهم ومقسمين نواةَ الأمة العربية تلك ثم الأمم الإسلامية التي تكونت بعد ذلك في خريطة الأرض الواسعة إلى مذاهب كل منها ينفي الآخر في صراعاتٍ سياسية واجتماعية. فإلى متى؟
المذهبيُّ السياسي لا يَحتارُ في تاريخه، لأنه لا يشتغلُ في تحليل التاريخ، وهو أيضاً يريدُ(ثورةً) ويريدُ تغييراً للعالم!
كانت الثورةُ الإسلاميةُ المؤسِّسة بلا مذهبيين، فلو كانت قد تشكلتْ بمذهبيين لم تقمْ أصلاً!
لماذا لم يكن الصحابةُ مذهبيين؟!
الجماعةُ المغيرة كانت تضم تجاراً وفقراءً وعبيداً، ولم تخلق بينها تفرقة مذهبية، التوحيدية النهضوية تغورُ فيها، أصولُ القبائل والطبقاتِ لم تكن أساساً للدخول في تجمعها، لولا أن قبليةَ قريش كانت بؤرة محورية فيها، لكن لم تُوضع كشرطٍ للانتماء، ووضعت المساواة بين أفرادها. لكن القرشية أنشأتْ من جهةٍ أخرى وبعد هزيمة الثورة الإسلامية: الارستقراطيات أو أسر الأشراف المتصارعة المؤسِّسة للمذاهب.
المذهبيُّ السياسي وهو يستعيدُ هذه الأسسَ التكوينيةَ ل(الأمة) ويقصدُ جماعتَهُ المذهبية، يُسقطُ عليها تاريخَه الراهن، قوقعتَهُ الطائفيةَ التي تعزلُ وتضمُ الموادَ حسب قربها من هذه القوقعة، يبعدُ من لم يمضِ في مشروعهِ الطائفي، ويوهجُ ويعظمُ من سار معها.
ويغدو التاريخ ذاتياً، الجماعة الموحدة في ثورتها التأسيسية، يفتتها حسب منطقه. وهو وليد الثورة المضادة على الإسلام يجعل من نفسه ثورياً.
وضعت الوحدةُ اللامذهبيةُ، أساسَ التاريخ الإسلامي والفتوحات والتكوينات القادمة والحضارة.
من أسسَّ التاريخَ لم يكن مذهبياً، المذهبيةُ لا تخلقُ حضارة، أو دولة، المذهبية تستلمُ منجزات سابقة، تستلم دولةً كبيرة ناجزة وتعضُ عليها بضروسِها الحديدية.
حين تستلم المذهبيةُ السياسيةُ الدولةَ التوحيدية تخربُها، حتى لو استمرتْ هذه الدولةُ قرناً كالدولة الأموية، أو قروناً كالدولة العباسية وما بعدها من دول.
تقوم المذهبيةُ بنخرِ الدولة التوحيدية التي أستلمتها، عبر ارستقراطية الشيخ البدوي المهيمن وعائلته وزوجاته وأنماط الثقافة المترافقة معه، وهي التي قفزت إلى السلطة وإنتزعتها من الدولة التوحيدية، هذه الارستقراطية غائرة في تاريخ البداوة والقبلية والاستغلال، تبدأُ من بئرِ الماءِ حتى بئرِ البترول.
يقعُ بئرُ الماء على ضفافِ الاقتصاد تكملهُ مُلكية القطعان والعبيد والتحكم في الفقراء، فلا ميزانية حقيقية، ولا رقابة، ولا ديمقراطية.
تنخر الدولةُ المذهبيةُ في الاقتصاد إستغلالاً وأثرةً لجماعةٍ دون جماعات الناس. ومهما كانت توسعاتُها ومهما كانت حروبُها وغنائُمها فهي ذاهبةٌ لزوالٍ وتفككٍ وتمزيق، فهي لا تنتجُ وحدةً أكبر، بل تنتج شظايا دول ودويلات.
قامت الدولُ المذهبيةُ بإنتاجِ التفتت: تفتيت الإسلام من وحدته ومن مضمونه النضالي التوحيدي، تفتيت الشعوب، تفتيت القبائل، تشكيل الخرافات السياسية والاجتماعية المختلفة، تفقير الفقراء مادةً وثقافةً الخ..
أما ما نراه من إزدهار في فقهٍ وفكرٍ وأدبٍ وفلسفةٍ فهو محاولاتٌ لخقِِ وحدة ونهضة على نموذج الثورةِ المؤسِّسة، وخلق تنوير ومحاولات لتجاوز المذهبية السياسية المُفكِّكة لعُرى العرب والمسلمين. لكن هذه المحاولات لم تنجحْ بسببِ عدم تحليلها العميق لأزمةِ وإنسدادِ بابِ الدولة المذهبية، وكون المعارضين الذين أنشئتهم ظهروا وهم مصابون بنفس وباء المذهبية.
فهي أي هذه النتاجاتُ الفكريةُ والدينيةُ والثقافية كانت ترتكزُ على خلايا المذهبية المصابة بالسرطان الطائفي.
الدولةُ المذهبيةُ تخلقُ دولةً مذهبية أخرى معاديةً منافسة، والدولتان تشيعان الانقسامَ بين المسلمين في كل شيء، وتنشران الانقسامَ في كل مكان، وهذا الانقسام يؤدي إلى إنقسامات مذهبية سياسية جديدة، وهكذا تتوالد التكوينات المريضة تشل الجسد الأمبراطوري الهائل وتحيله إلى فتات.
ولكن المذهبي السياسي المعاصر يتطلعُ بكل فخر لهذا التاريخ.
إنه يستخدم عمليات التنحية للأخطاء والسلبيات، يجوهرُ التكوينَ المذهبي خارج التاريخ، يلونه بالألوان المشرقة، فإذا كان من المستفيدين من الدولة المذهبية خفف أخطاءها، وإذا كان من المتضررين فاقم هذه الأخطاء، والدول المذهبية تعيش على هذه الانقسامات، ويقوم المذهبيون السياسيون المختلفون بالتصادم.
ثم إنهم يريدون تشكيل ثورات ونهضات بهذه الأفكار!
السياسي الفاسد الاستغلالي والمذهبي السياسي وجهان لعملة واحدة، فحين تنحت الدولةُ الإسلاميةُ المؤسسة عن صدارةِ التاريخ، كان هذان الوجهان من العملة غير موجودين، وحين ظهرَ الوجهُ الأولُ من العملة ظهرَ الوجهُ الثاني. هما متلازمان ويحتاج كل منهما للآخر، وأن بدا أنهما متعاديان في بعضِ لحظات التاريخ، فحين تأسست الدولة المذهبية حتى بخطواتها المتقطعة؛ أموية، عباسية، أدرك السياسي الحاكم أنه يقاطع تاريخاً سابقاً، أنه ينقضه ويؤسس تاريخاً مختلفاً، فلا بد له من تحويل الآراء الاجتهادية في الدين إلى مذاهب، لا بد أن يفتت لحمة المسلمين المتوحدة، فكما أنه استولى على أرزاقهم فقد استولى على تراثهم كذلك، فقام بتحوير التراث التوحيدي وأدلجته، مثلما كرسَّ الجانبَ الأكبرَ من الخراج له ولأسرتهِ وطبقته.
ولهذا فهو بحاجةٍ لتفتيتِ وإزالةِ المثقفين التوحيدين، وتصعيد غير التوحيديين المفتتين للناس. لا بد أن يهدمَ الاعتزالَ الداعيَّ للتوحيد من منطلقاتٍ عقلية مثالية، وأن يقوي حضورَ المذهبيين الآخرين حتى لو كانوا مخالفين له، أي مخالفين للمذهبِ الذي كرسهُ عبر إضطهادِ الأئمةِ منتجي النصوص الاجتهادية التوحيديين، وإنتاج رجال دين طائعين منتجين للمذهبية الانقسامية.
يتم خلق المذهبية السياسية الطائعة للحكم عبر صنوفٍ متعددةٍ من الاضطهاد والإستغلال. فالسياسيُّ الفاسدُ وقد استولى على الخراج، يستطيع أن يضطهدَ الاعتزاليَّ التوحيدي، ويَعيشهُ في ضنكٍ وفقرٍ حتى يتعب هذا من إنتاجه للفكر، الموحِّد، لينتج فكراً تقسيمياً، وليحول وعيه المثالي المتابع لانهيار التوحيد والبحث في جذور ذلك وسببياته، إلى أن ينظرَ لهذا التاريخ الاسلامي غير المتسق والمتناقض إلى أنه تاريخٌ متسقٌ وغيرُ متناقض، وأن الدولة الراهنة المذهبية هي إستمرارٌ للدولة الإسلامية التوحيدية، فليس ثمة فروق جوهرية، بل هي ظروف الزمان والمكان، وليس إلى ظروف السيطرة على الاقتصاد وتحويل الفوائض من جموعِ الناس لطبقةٍ مخصوصة.
وهذا ما يتم في الفقه فمن توحيديةِ الأئمة ونقدهم للانقلاب الاجتماعي، ومن إلغاء الشروط العامة للدولة من توحيدية سياسية ومن خراج مخصص للأمة، ومن إنتخاب للحاكم، يتم تبديل هذه الشروط، وإنتاج شروط جديدة من صنع رجال دين تابعين للدولة. فتصبحُ شروطُ الحاكم هو من كان سليم الجسم والعقل و(عادلاً) أي تتم صناعة شروط فردية جسمية وليس شروطاً إجتماعية شعبية أي يجري خلق شروط مطابقة للدولة الاستغلالية، حتى يغدو الحاكم أي كائن تفرزهُ ولاداتُ وصراعات الطبقة الحاكمة سفيهاً أو غبياً، أو حتى مجنوناً كما ظهرُ الحاكمُ في بعض الأحيان وهو يسكر ويضرب القرآن بالسهام، أو يتآمر مع العدو، لكنه حالته العادية غير الاستثنائية هي إهدار مال المجتمع في شؤون الذات اللاهية.
وبتجميع هذه الخصائص من فقهٍ وفكرٍ وثقافة وقد قُطعت إرتباطاتها بمصالح الناس، وبتقدم المسلمين، وصارت خادمات للسلطان، يُؤسسُ المذهبُ السياسي.
أي تتم تنحية خصائص التوحيد وتُثبت خصائصُ التفريق.
والناسُ بوعيها الغائر في الحاجات اليومية وسؤ العيش تتحسسُ من هذه المذهبية، وقد سُيست، والحاكم يدعوها لها لكنها تخشاها، إنها مثل الحاكم صارتْ بعد التطويع والعقود من السنين مذهبيةً، لكنها مذهبيةٌ إجتماعية، غيرُ مُسيسة، بينها وبين الحاكم هوة المصالح المختلفة، وإختلاف الطاحن والمطحون وخوف العامي من النار.
المذهبية الاجتماعية وقد كُرست من خلال سنين طويلة جعلت المسلم والمسلمة متقوقعين في شروط العبادة، وقد تقطعتْ بهما السبلُ لفهم الجذور، ولقراءةِ التطور وفهم السببيات. يرى المغايرَ له يتوجهُ للعبادةِ بشكلٍ آخر، فلا يصارعه، فقد قبلَّ التنوعَ، مثلما قبلَ التنوعَ في الديانات، التي الأخرى غدت عبادية.
لكن لا بد للعامة خاصة في بعض الأزمات ولحظات الصراع والاضطرابات أن تكون مُسيَّسةً، أو جزءً منها يغدو مُسيساً، فلا بد من إدخالها الجيشَ والشرطة ومصلحة الخراج وغيرها من الدوائر التي تقومُ بإنتاج القوة مع الناس أو ضدهم.
والمذهبيةُ السياسيةُ بطبيعةِ تكوينها هي من نتاجُ الخلافاتِ والصراعاتِ السياسية التفكيكية بين المسلمين، فهي صارعتْ التوحيدَ وعزلتهُ عن المسار التاريخي، وهذه الإزاحةُ لا تشتغلُ في الفراغ، بل تشتغلُ بين الناسِ وبين أفكارِهم وعواطفِهم وأحلامهم، عبر الحروبِ الطويلة والصراعات الدامية والسلمية، والعزل والرفع، فيرى الناسُ أن مقدساتَ الدين غدتْ خادمةً للسياسة، وأن كلَ حزبٍ يقومُ بتبرير سياسته عبر ذات المقدسات، والعامة لا تقدر أن تفهم هذه التناقضات، بأن تعرضَها على مشرحةِ التاريخ فتحللها، فقدارتها لا تسمح بذلك وقد قُطعتْ عن الفكر وعن العلوم، وخُصصت للخدمة وإنتاج الخراج.
لكن الحاكم يحتاج لتسيسها، وهو لا يبتكرُ المذاهبَ الأخرى المنافسة أو المعادية، بل هي موجودةٌ من صراع التاريخ نفسه. فتشتغلُ المذهبيةُ السياسيةُ الحاكمة على خلقِ العداءات، مثلما أن المذهبيةَ السياسيةَ الأخرى تقومُ بذلك من موقعٍ آخر، وبمفرداتٍ مقدسة أخرى. وتحرك عامةً آخرين.
يخافُ المذهبي السياسي من التوحيد رغم أنه يلهجُ بلفظهِ كل يوم، فثقافتهُ تقومُ على التفكيك لا التوحيد.
حين كانت عصورُ الظلام، حين كانت الأمبرطورياتُ العربيةُ والتركية والفارسية تلفظُ أنفاسها، كانت ثقافة التفكيك تنشرُ أجسامَ هذه الدول الكبيرة وتفتتها، كانوا يوحدون الناسَ بالسيف ويفرقونهم بالمذاهب.
وقد سُميت عصورُ التفكك والتخلف لأنهم كانوا يزيلون أفكار التنوير والتوحد والنهوض المشترك للشعوب والأمم الإسلامية، ويحرقون كتبَ الفلاسفة وعلماء الطبيعة وينشرون كتباً تفسر بألف طريقة ثقافة التفتيت.
ومن هنا يصرُ المذهبيُّ السياسي الآن على العداء للغرب والعلمانية والديمقراطية، فيخلطُ الاستعمارَ بثقافةِ التوحيدِ من أجل أن يُضفي عليها المظلةَ الاحتلالية ويبعدُ الناسَ عنها حتى لا يتوحدون.
وحين كانت الأمبراطورياتُ في حالاتِ الانهيار وتعرضَ المسلمون للتفتيت الجغرافي إضافةً للتفتيت العقلي، لم تستطع المذاهبُ السياسية أن تقوم بدور التغيير والتوحيد وقد كرستْ نفسها في ثقافة التمزيق. لم تستطع هذه الأدواتُ التي بقيتْ محميةً قروناً، وإنتفخت أجسادُ أصحابِها من كرم الدول، ونشرتْ ملايين الكتب أن تجعل بضعة أوراق تقاوم.
جاءَ التوحيدُ من العدو الغربي. ليس من خلال بنادقه القاتلة أو زنزاناته الواسعة بل من أفكاره. قدم ثمارَ أممٍ ناضلتْ للتوحد وخلقته، ونهضتْ، تجاوزت تفتيتة رجال السياسة المحافظين ورجالَ الدين وأدوات فكرية قديمة لم تعد قادرةً أن تواكب النهضة والتحرر، وبطبيعة الحال لم يقبل هذا الكم الهائل المنتج لثقافة التفتيت ثقافةَ التوحيد سواءً جاءتْ من رجال مسلمين متنورين كجمال الدين الأفغاني أو من مثقفين علمانيين مسلمين وعرب. ولكن معارضاتهم ذهبتْ أدراج رياح التاريخ العاصفة.
إنتجتْ ثقافةُ التوحيد العربية المتشربة بجزئيات ديمقراطية الغرب وجزئيات علمانيته أحزابَ النهضة والتحرر وخاضت معارك الاستقلال والحرية، وبعد عقودٍ من التضحيات على مستوى الأجساد والإنتاج المعرفي تحققت هذه الأهداف التي أنجزها (الديمقراطيون العلمانيون) العرب المسلمون والمسيحيون والماركسيون.
لم يكن رجل الدين المتجه لأن يكون حاكماً في الثورة الشعبية الإيرانية ثورياً، كان رجعياً، لكن الأمر إختلطَ عليه، ظن إنه ثوري مع الجموع الهادرة، وإنه مع أحلامِ البسطاء لتغييرِ حياتِهم ولإنصبابِ الفوائض الاقتصادية لتغييرِ أكواخهم وحرمانهم، ولم يكتبْ برنامجاً للخروج من الماضي للحاضر ثم للمستقبل المتطور السعيد لهذا الجمهور الذي ضحى.
بل وضع القرية فوق المدينة. جاء بنماذج الماضي وكرسها فوق الحاضر.
الفئة الوسطى الصغيرة من رجال الدين المحافظة كلها إنقسمت، والعديد منها يعرف مخاطر القيادة إلى المستقبل، وهناك أدراكٌ غائر فيها هي (أننا لسنا للمستقبل)، نحن نجعل ماضينا العتيق يبقى ويتكيف في العالم القادم، أي أن (نطور مذهبيتنا ببطء دون أن نتخلى عن أساسياتها لكن السياسة ومغامراتها وصراعاتها الحادة فنحنُ لسنا لها).
هذا هو الاتجاه الشيعي الإيراني الأصيل القديم، كما حدده آياتُ الله الكبار. لكن الاتجاه الآخر إتجاه المغامرة بدأ يطفو على هذا ويتلقى تفكيراً جديداً ظهر في كتب مثل(فلسفتنا) و(اقتصادنا)، يُطرح فيها تحدي العصر ورفضه، يتحدى الاشتراكية والرأسمالية معاً، ويطرح(الخيار الإسلامي). أي أنه يريد العودة للماضي، وبالأحرى البقاء في الحاضر الإقطاعي الديني مع تطور للرأسمالية أو للقطاع العام بشرط أن يكون الولي الفقيه مسيطراً على هذا النظام.
لسانُ حالهِ يقول علينا أن لا نتخلى عن قيادة جماعتنا ونمنعها من الذوبان في هذا العالم، نمنعها من أن تكون حديثة ديمقراطية عصرية ذائبة في هيمنة الآخرين، في صراع المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، كما يظهرُ في ذلك الوقت من الخمسينيات والستينيات، ولهذا فإن الذي يقرأ هذه الكتب الآن، لن ينتبه للتضاريس الاجتماعية والسياسية التي كُتبت فيها، وهذا هو نفسه الذي جرى لبعضِ الأديانِ كاليهودية، حين فكر سياسيٌّ كبيرٌ فيها(وهو هرتزل) أن يكون ثمة وطنٌ لليهود يغدو خارجَ الرأسمالية الحديثة كي لا يذوبَ اليهودُ فيها، ثم ظهر قادةٌ سياسيون آخرون في العالم الإسلامي يفكرون بذلك الشكل وهو:(إبعاد المتدينين عن الحداثة والعلمانية وإذا جرى تحديثٌ يكون تحت قيادتنا حتى لا يزول ديينا!).
في ذلك الوقت كان ثمة إلتباسٌ في من تقود العالم هل هي الرأسمالية أم الإشتراكية، لأن البرجوازية والعمال هم الذين يصنعون هذا العالم الحديث، ويصطرعان على قيادته بقيم وأوضاع وسياسات متضادة.
فقد حدث للاشتراكية في الشرق ما حدث للمذاهب واليهودية وهو القفزات المغامرة في المجهول. وظهر في آسيا أناسٌ يقررون سحقَ المُلكية الخاصة والفقر والأديان دفعةً واحدة! وكان لا بد أن ينتقلَ الخوفُ والتسرعُ إلى بعض قادة المذاهب المتحمسين ذوي الرأي الحاد الذين يبعدون المذاهبَ عن الفقهاء القدماء.
وبهذا كانت إيران المعمل الأول لتطبيق ذلك، وكان البرنامج هو العودة للماضي، وكان السادات يقول في نفس الوقت(ضرورة الحفاظ على أخلاق القرية)، مثلما يرفض العديد من رجال الدين في السعودية الاكتشافات الفضائية والعادات الجديدة.
لم يزد برنامج المحافظين في إيران عن إبقاءِ العلاقات الإقطاعية مهيمنة على الفلاحين والنساء والعقول والثقافة بالقهر، وهو برنامجٌ يستجيبُ لأهواء الكثير من الذكور والبيروقراطيين والرأسماليين، لكن ذلك لا ينقل المجتمع للماضي ويظلله بأجنحة الملائكة، ولا يلغي الصراعات الطبقية، لكنه يفرض عليه هيمنةً بوليسية عسكرية طاغية، تمنعُ زيادةَ أجور العمال وتطور النساء الاجتماعي السياسي، وملاحقة الفساد، مما يجعل المحافظين يزدادون شراسةً في عسكرة المجتمع وزيادة جرعات غيبياته، وهذه أيضاً لا تحل التناقضات المحتدمة، فتنتقل أوهامُ الرسالة التي يحملونها للعالم وصراعاته والمنطقة.
إنهم يجابهون يومياً الحداثة والعلمانية والديمقراطية، عبر الفضائيات والموضات والسلع والكتب والسفر وغيرها، وتتحول تلك الأساسيات لمطالب لقوى الجمهور المحروم والمستغَّل والمقيد، وفي مثل حالة إسرائيل تبقى فزاعة العرب لعدم حل إشكال النزيف اليومي وتحقيق الحلم اليهودي، وفي إيران تتوجه الطبقة الحاكمة لتصدير الأزمة للخارج، تغدو لها رسالة وهي تحريك الشيعة سياسياً، وتأزيم الدول الأخرى، وخلق حالات من الإثارة والحركة والمذهبية السياسية الساخنة المتوترة بغرضِ إشغالِ الرأي العام الداخلي، فلا تكفي حتى المواد التراثية التي تحاصرُ المواطنَ يومياً، ولكن هذه تتحول إلى صراعات سياسية وإنفجارات إجتماعية وحروب طاحنة.
والدول الأخرى جاهزة بمشكلاتها العميقة التي لا تُحل، وبأهاليها المعذبين، ولكن في العراق والخليج تغدو هذه الحواف القريبة من إيران مشتعلة يوماً بعد يوم، حسب ضخامة تناقاضاتها وكثافة بشرها ومدى حماقات أدواتها السياسية.
وهكذا عبر عقود من(الثورة) الإيرانية أسرع الملايين للذهاب للآخرة، وتفجرت حروبٌ في الخليج، وما زالت الأخطارُ تحدقُ بالمنطقة وفيها الكثير من الجمر الملتهب والحطب اليابس.
لماذا اختلف التطور السياسي في شمال أفريقيا عن المشرق العربي الإسلامي؟ لماذا قدم الشمال تجارب تحولية ديمقراطية بنائية محدودة العنف، في حين عجز المشرق عن ذلك؟
تعودُ الأسبابُ لتنامي السياسة الديمقراطية العلمانية مع تنزيه المذاهب والأديان عن العمليات السياسية.
تونس لها تجربة تحديثية طويلة ولكن مصر بقيتْ فيها الأحزابُ التقليدية والدينية تؤزم التطور وتفككُ صفوفَ المصريين، حتى نأي الشبابُ وطرحوا سياسةً وطنية تغييرية تشمل جميع المواطنين، وطرحوها بشكل يلائم غايتها أي بأسلوب سلمي توحيدي فحققوا الانجاز.
لكن الشباب بحركاتهم الجديدة الغضة لا يدركون جذورَ الدول والجماعات الدينية والحكومية ومناوراتها، وعمليات إلتفافها، الأمر الذي يبقي التجربة مفتوحة للدرس والقراءة.
أما المشرق بؤرة المذاهب والأديان المتعددة المتصارعة، فقدت تغلغلت فيه ولاياتُ الفقيه وهي أشكالٌ سياسية مذهبية دكتاتورية، لتكريس أنظمة محافظة تفكيكية للمسلمين والمواطنين، وغدا العراق المختبر الأول الدامي لهذه السياسات، فقد قامت السياسة المذهبية الإيرانية بجر المنطقة المشرقية الخليجية لأتونها، مما إستدعى ولايات فقهيه سنية باطشة لتمزق جثث المواطنين الأبرياء في مسالخ واسعة. وتغلغلتْ هذه الأفكار التفتيتية في دول وأحزاب أُعتبرت (علمانية) وبهذا فإن أزمة العودة للوراء التاريخي جرّت شعوباً كبيرة في المشرق، في حين تمكنتْ شمالُ أفريقيا العربية من توقيفِ هذا المسلسل.
تتوسع على نحو خطير هذه السياسات في منطقة الخليج، وبخلاف التراكم الثقافي الديمقراطي العلماني الذي غرستهُ حركاتُ الشباب التونسية المصرية زرعت الحركاتُ المذهبية في منطقة الخليج والعراق التمزيقَ الواسع، سواءً كان ظاهراً يشتعل ناراً أم كان متوارياً.
هنا يمكن أن تتلاقى أكبر الحركات المذهبية السياسية إتساعاً وتطرفاً، تغذيها عملية تفتت العراق، وكذلك فإن المجتمعين الكبيريين السعودية وإيران المنتجين لهذه الحركات المذهبية المُسيّسة عبر عقود، يمكن أن يقتربا من مواجهة خطيرة. إن أكبر مواجهة مذهبية سياسية يمكن أن تنتج من هذا التنامي للوعي الديني المحافظ بمختلف أشكاله المتجه لحافة البركان، وهو الذي عجزَ عن نسخ الماضي الوردي، ورفض مواكبة الحداثة السياسية الاجتماعية معاً.
وفي قرب هذا الكم الهائل من الحطب اليابس فإن تحريك العامة المأزومين في معيشتهم هو عودُ الثقاب، وهكذا تُنتجُ ظاهرةٌ معاكسةٌ حين يتم توظيف ثورات التوحيد لإنتاج حركات التفكيك، ويتم الابتعاد عن خلق التراكم الديمقراطي الوطني في مصر وتونس وزحزحة المذهبية السياسية فيهما، إلى إشاعة المذهبية السياسية وجر العامة البسطاء إلى أتونِها في الخليج والعراق.
وإذا كان المجتمع السعودي في حالةِ دفاعٍ عن النفس فإنه لم يخلق التراكمات الديمقراطية العلمانية وإصلاح أوضاع الطبقات الشعبية، وتطوير أوضاع النساء، وخلق العدالة بين الطبقات والمناطق وتطوير الفئات الوسطى الحداثية للمراكز القيادية بشكل يواكب الزمن، وهو ما تستثمرهُ مذهبيةٌ سياسية مضادة وتشتغلُ عليه سياسياً.
إن جمهورية إيران بحاجة للمحافظة على شعوبها وإنجازاتها، ولهذا تتطلب الأمورُ الانتقال من حكومة المذهبية السياسية إلى حكومة التوحيدية الإسلامية، الأمر الذي يعني أن تساعد الدولة مختلف القوميات والمذاهب، وتشكل سياسة دعم لكل الفقراء والعاملين المواطنين، وهو التوجه الذي يمهد للانتقال للدولة الديمقراطية العلمانية حيث تغدو الدولة مُنتخَّبة من قبل التيارت السياسية وليس للمذهبية وللقومية المُفتتِّة لوحدة الدولة المركزية وهي إتجاهات ستفجرُ هذه الوحدةَ مع إستمرار الكبت.
وهذا ينطبق على السعودية كذلك، أي أنه نتظرها القيام بنفس الإجراءات عبر الإصلاح المتأني.
مقاربة الدولتين الكبيرتين للتوحيدية ومن ثم الانتقال للديمقراطية العلمانية هي أمور صعبة ولاشك ، وتتطلب مراحل إنتقالية، يزدهر فيها التغيير والإصلاح لطبقات الشعب الفقيرة والمناطق المحرومة، وتنتشر فيها ثقافة التوحيد، وتجاوز التعصب والتفيت، للانتقال إلى مصاف الأمم المتقدمة والمعايير الدولية في الوجود السياسي.
إن قوى التغيير في هذه المجتمعات لم تشتغل وتراكم ثقافة التحديث المشار إليها، وتجري نحو اللحظات السياسية القريبة والعفوية، منجرةً لسطوح الظاهرات والتغييرات عبر إرادات شمولية فتعمق الأزمات بدلاً من أن تستبصرُ عروقَها الداخلية في باطن الأراضي الاجتماعية، ويبدأ ذلك من فهم تكوّنِ الأممِ الإسلامية وتواريخِها وتحولاتها، في ظل تحولات البشرية، ومسارات مراحلها، فالتحولُ من الإقطاع إلى الرأسمالية، الذي يخضُ هذه الأمم لابد من إستبصاره في هذه الخطوط العريضة لسير البشرية، وتأسيس مراحله وتطوير شعوبه وإعادادها لعواصفه وتجديداته الانتاجية والثقافية.
وهذه الأمور كلها ستجعل الديمقراطية ووالحداثة والمذاهب والأديان تزدهرُ على أسس جديدة.

لينين في محكمةِ التاريخ

لينين في محكمةِ التاريخ

إنتقلتُ في علاقتي بلينين من المحبة إلى العداء، ثم إلى القراءة الموضوعية دون محبة أو عداء، أي إلى قراءة تحليلية أتجنب أن تكون ذاتية.
ظللَّ هذا الرجلُ مرحلةَ شبابنا، وكان معبوداً، وتدمر في تواريخ لاحقة حتى غدا مرفوضاً ملعوناً، لكنه صعد بشكل آخر حين تنامت القراءة الأعمق للتاريخ.
لينين دكتاتور، وكرسَّ نفسه لكي يكون ديكتاتوراً، وهذا لم يخفهِ، لكنه دمجَ دكتاتوريتَهُ الشخصيةَ الحزبية بالطبقة العاملة، بإدخال دكتاتوريته الشخصية الحزبية فيها.
العمالُ غير قادرين على المشاركة في السياسة فكيف أن يكونوا قادة دولة كبرى؟!
العمال لكي يكونوا قادة دولة يحتاجون لعشرات السنين وربما لمئات السنين، فكيف يحدث ذلك؟ المثقف التقدمي يتكلمُ نيابةً عن العمال، إنه يختزلهم في شخصه المنتفخ سياسياً بشكل متصاعد تاريخي، أي مع تطور حركته السياسية التي تُصعدُ دكتاتوريتها ودياكتاتوريته بين العمال والجمهور وكلما تغلغلت زادت البرامج شمولية وضخامة في التغيير.
هذه إزاحةٌ من برجوازي صغير لذاتهِ الطبقية الغامضة، المترددة بين الاشتراكية الديمقراطية والاستبداد الشرقي، والعمال يكونون مادة خاماً غير معبرة ولا مهيمنة.
البرجوازية الصغيرة بإحدى فئاتها وهي البلاشفة تتكلم عنها وتتداخل معها، وتصعدُ نفراً منها، كأدواتٍ لها. فالعمالُ لا يعبرون عن أنفسهم بل يُعبرُ عنهم.
هنا حدسٌ تاريخي وتحليل موضوعي من لينين، ومقاربة للعالم الشرقي الذي ينتمي إليه، وهو عالم إستبدادي لم يعرف التغيير عبر الورود.
إن التغيير في الشرق يتم عبر القوة ومن ليس لديه قوة لا يستطيع أن يغير، لينين يعيش وضع الشرق الاستبدادي ويتكلم من خلاله، فهو قد عبر منذ البداية عن هدفه الدكتاتوري وطريقه الديكتاتوري، ولم يقل عن الانتخابات الحرة والديمقراطية الغربية، بل قال أنا السلطة وأنا النظام.
الشرقيون في تحولاتهم عبر الماضي إعتمدوا على العنف، ومن لم تحمهِ قبيلةٌ وينهض على أكتاف مقاتليها أو من لم يجد قوة تنضم إليه لا مستقبلَ له في السلطان والتغيير على مدى قرون!
المسيح وغاندي لم يعتمدا على العنف بل على الأفكار والمحبة وفي المضمون حركا الجماهير الشعبية عبر نضالات سلمية عازلة للطبقات الحاكمة بحيث تمكنا من هزيمتها. وقد كان تولستوي الروائي الروسي الكبير هو معلمُ غاندي، لكن لينين في كتابته عن تولستوي لم يأبه بمسألة اللاعنف، وتغاضى عنها، وركزَ على الصراعات الاجتماعية وأن تولستوي المسالم لم يدخلْ الثورةَ في رواياته ولم يحول الفلاحين إلى ثوريين وإنه ركز على مسائل الضمير والأخلاق والتغيير الروحي وكان هذا نقص في رؤيته حسب قراءة لينين. وقد كان تولستوي يهدف بشكل أساسي إلى عدم إدخال العنف في نضالات شخوصه وعوالمه، بل ركز على النضالات السلمية، والمحبة، وعلى(البعث الروحي) وهذه إعتبرها لينين ثغرات في وعي تولستوي وليست ثغرات في وعيه هو!
وبين مسارِ هند غاندي المتحولة من نموذجهِ وبين مسار روسيا العنيف مفارقاتٌ هائلة، فقد وصلتْ الهندُ لنفس مسار روسيا بدون كل تلك المذابح اللينينية والستالينية وبدم مائة مليون قتيل، بل من خلال مغزل وعنزة!
لكن روسيا كانت قائدةً للتحول الشرقي عامة، فبدون روسيا السوفيتية يصعبُ وجود وإنتصار الهند الغاندية.
روسيا قامت بدور القيادة التحررية لعالم الشرق، فإذا كانت اليابان عملت لذاتها الخاصة الأنانية وبكم هائل من الدماء، فروسيا عملت لنفسِها وللشرق والعالم المستعبد، وهي تقدمُ نموذجاً دكتاتورياً مليئاً بالتجاوزات والجرائم!
لم يستطع لينين أن يكون إشتراكياً ديمقراطياً، فالاشتراكية الديمقراطية صالحةٌ للغرب، لدولٍ راحتْ تتطورُ في رأسمالية حديثة خلال خمسة قرون وأكثر، لدولٍ فيها صناديق الاقتراع والحريات الفكرية والسياسية والحب في الشوارع، فيما عاشتْ روسيا في إستبدادٍ مطلق، فلم يعرف الروسُ صناديقَ الانتخاب، ولم يعرفوا النقابات والأحزاب العلنية، فكيف يؤيدون الاشتراكيةَ الديمقراطية؟
في روسيا مائة مليون فلاح أمي فقير حينذاك، فكيف يظهر التنويرُ وتصعدُ الديمقراطيةُ فيها؟!
هنا تنجح الدكتاتورية مثلما نجحت في بلدان أخرى لها نفس السمات كما سوف يتفجر ويتألم القرن العشرون الشرقي!
عمل لينين على تجذير الاشتراكية الدكتاتورية، وهزيمة الاشتراكية الديمقراطية، وعلى تصعيد رأسمالية الدولة وعلى الدولة القومية الروسية.
منذ البداية في(ما العمل) أكدَ ضرورة وجود حزب دكتاتوري، يعمل على إسقاط النظام وإحلال الاشتراكية فيه. وإنقسم الاشتراكيون تبعاً لذلك، بين إشتراكيي التعددية والتغيير التدريجي الديمقراطي وبين الفصيل البلشفي الدكتاتوري الذي يقوم بالتحولات النهضوية بشكلِ دولةٍ جبارة تقع كل الخيوط في يديها.
الشرقيون إلى زمنٍ طويل أقربُ للبلشفية منهم للديمقراطية، لأنهم دكتاتوريون محافظون، وذكوريون إستبداديون، ويريدون التحولات بسرعة ومن خلال (القداسة) التي تحقق التحولات السريعة القافزة المتلاحمة لهم، دون أن يقوموا بتحولات في شخوصهم وعائلاتهم ويغلغلوا الديمقراطية في أوضاعهم ونفوسهم وحياتهم الشخصية.
وقد تمكن لينين بعبقرية من فهم المجتمع ومن وضع برنامجه موضع التطبيق وغيرَّ روسيا والعالم وفي بلد هائل وعالم شرقي نائم، وأمام وفي مواجهة قوى إستعمارية هائلة ذات قدرات عسكرية عالمية مخيفة تدخلت وحاولت الوصول إليه ولكنه هزمها!
سبب إنقلاب لينين على الحكومة الديمقراطية وقتذاك الكثير من المآسي للشعب ولكنه حقق نهضة هائلة.
كان تصعيده للصراع ضد حكومة أتاحت الأحزاب والانتخابات لكونِ برنامجه من البداية ينادي بإبعاد البرجوازية عن السلطة، وحين جاءتْ سنةُ التحولِ في 1917 سّرع من الدعوة لتحقيق مطالب شعبية ملتهبة، وعزلَ البرجوازيةَ عبر التحالف مع الفلاحين، وكان قبلاً لا يؤيد إعطاء الأرض للفلاحين لكنه في خضم الصراع ومن أجل تفكيك الخصوم وضرب بؤرتهم جذب الحزبَ الثوري الشعبي ذا الأغلبية وتبنى برنامجه وأضافه في لعبته السياسية، فحقق البلاشفة الأغلبية لأنفسهم وجاءت الملايين لتأييده، فهذا الإجراء حقق قاعدة هائلة في بلد يحكمهُ على الأرض الفلاحون.
لكن البرنامج البلشفي ليس هو هذا، وهو برنامجٌ عامٌ مجرد في بداياته، ويتوجه نحو ضرب العلاقات الرأسمالية الخاصة بشكل أساسي، بتأميم المصانع، وبهذا فإن البلاشفة أسسوا جيشاً كبيراً ومخابرات قوية، وراحوا يصفون الخصوم الخطرين، ثم ينقلبون على الحلفاء، فالحزبُ الشعبي حاول أن يعري هذه الدكتاتورية التي هي ليست دكتاتورية العمال، بل دكتاتورية البلاشفة، فكانت ضربة الحزب العنيفة حين أعلن بعضٌ بحارتهِ وعماله التمرد وتحول لغبار بشري!
تكوين سلطة بلا جذور، وعبر إجراءات إجتماعية وتشكيل أجهزة عسكرية وإستخباراتية عملاقة، أتاح صد المعارضين والقوى المتدخلة الأجنبية على التراب السوفيتي، وكان المتصور إنها بإمكانياتها العالمية قادرة على سحق هذا النظام الغض المحاصر، لكن تلك الأجهزة وإجراءتها التحولية لمصلحة الغالبية الشعبية، وعمل إنضباط هائل ومصادرة أية حبة قمح زائدة عن إستهلاك الفلاحين، أدت لتماسك النظام وإنتصاره وحدوث قمع رهيب وضحايا ومجاعة.
لكن هذا الرجل صاحب المشروع الدكتاتوري النهضوي مرهف لشعيرات التحول، فحين رأى تجاوز المرحلة السابقة وكم الدمار والتخلف والضحايا، تبدل عن هدفه في إزالة الطبقات، وتحول بنفسه لرئيس نظام رأسمالية الدولة.
ومنذ البداية كان مدركاً لطبيعة النظام الذي يؤسسه، قال في سنة 1918 في اللجنة المركزية: إننا نبني اليوم رأسماليةَ الدولة فعلينا أن نطبق وسائل المراقبة التي تسعملها الطبقاتُ الرأسمالية). وبعد ذلك في 1921 تحول هذا إلى نظام وعادت بعض الطبقات القديمة المالكة، ومضى المجتمع في تطور إقتصادي مع بقاء الأجهزة العسكرية والأمنية المتصاعدة النفوذ، وذابت قوى المعارضة أو أُذيبت، وإنتشرت معسكرات العمل الأجباري والمنافي وتحضرت البلاد لدكتاتورية أسوأ من دكتاتورية لينين.
إن مشروع الاشتراكية في إجراءات لينين قبل موته لم يزل قائماً، ولم تُعرف تصوراته للمستقبل، وماذا كان ينوي لو كان حياً، فهذه القطاعات الاقتصادية العامة والخاصة، وبقاء الملكيات الصغيرة الفلاحية الهائلة، كان لا بد من تغييرها ونشؤ الملكيات العامة والتعاونية في كل الاقتصاد حسب التصور المفترض، وكان المكتب السياسي به قيادات مثقفة كبيرة، وكانت قادرة على متابعة فكره وتطبيقه بمرونة.
لكن الدكتاتورية المؤسَّسة بأجهزتها وبزخمها العامي وجدت في ستالين رمزها، وهو رجل داهية إستطاع الوصول لهذه الأجهزة، وقد حذر لينين المؤتمرَ العام للحزب من خطورة هذا الرجل، وبضرروة تقليص صلاحياته.
هذا الجانب ينقلنا لطبيعة الدكتاتورية التي أسسها، فهي دكتاتورية عنيفة لها أخطاء وتجاوزات كبيرة، لكن تستند على تطور المشروع بشكل ذكي، وقد نوّهَ بقياداتٍ أخرى غير ستالين، ولكن الهيمنة البوليسية صعدت داخل الحزب، وكرست الدكتاتور الأكبر.
وهذا جزء من طبيعة النظام وتاريخه وإمتداداته في العامة، وتصعيد الانتهازيين وطلاب المكاسب، وتحنيط اللغة الجدلية التاريخية تدريجياً وتحولها لقوالب، وشمولية كلية، وهذا يؤدي لغياب الغنى والتنوع وتمركز السلطة أكثر فأكثر.
المشروعُ في النهاية ظهر عبر مضمون المجتمع ومرحليتهِ التاريخية، فرأسمالية الدولة تتوسع على حساب الطبقات المنتجة، فتم عّصر الفلاحين والعمال وإنتزاع رأس المال منهم، وتحويله للصناعات والعلوم وتغدو الدولةُ أكثر فأكثر ذاتَ مضمون رأسمالي داخلي، بشكلٍ إشتراكي زائف، حتى يصل المضمون لتجليه الكامل عبر إعادة البناء، ويقوم بالتخلص من النفقات المكلفة ومن المعسكر الاشتراكي والحركة الشيوعية(الأممية الثالثة)التي تبخرت ومن مساعدات حركات التحرر ويصدرُ السلاحَ السلعة الوحيدة التي تمكن منها ويبحث بكل قوة عن النقد.
كان لينين دكتاتوراً ولكن ليس من خلال رؤية ذاتية، بل من أجل نظام آمن بتشكله عبر إجراءاته، لكن ستالين كان ذاتياً، أسقط شكوكه وكراهيته وتخلفه الفكري على إدارته، فأضاف الكثيرَ من القمع بلا مبرر.
قال أحدُ الرأسماليين المثقفين الروس في أثناء تلك التحولات العاصفة: إن لينين يقوم بإنشاء رأسمالية متطورة وبوسائل دكتاتورية وهو أمرٌ نعجزُ عنه نحن.

بروليتاريا رثةٌ: برجوازيةٌ ضعيفة

تترابط طبقتا الانتاج الحديث البرجوازية والعمال في بناءٍ اقتصادي اجتماعي متداخل، ورغم أن الطبقة المالكة لوسائل الانتاج تعمل على تخفيض الأجور بشكل دائم، والأخرى على رفعها، إلا أن الصراع والتعاون يتطلب النمو المشترك في ظروف كل من الطبقتين ودون ذلك يعني بقاء أساليب ما قبل الرأسمالية متغلغلة مؤثرة معيدةً التاريخ إلى الوراء.
لقد بينت التجارب الغربية الترابط الوثيق بين المكونين رغم التباين الكبير في مستويات المعيشة، وبقاء فرص المغامرات الاقتصادية لدى المالكين. لكنهم لا يستطيعون السيطرة الكلية على البناء الاقتصادي.
فعلى مسار تطورهما الذي يتحدد بمدى تقدم وسائل الانتاج والعلوم ومستوى الحياة الاجتماعية تتقدم عملياتُ تغيير التخلف وازدهار نمو الطبقات المختلفة.
ولم يستطع العالم العربي خلال القرن الماضي أن يتقدم في هذا الأسلوب عميقاً، لدور الفئات الصغيرة والعليا الارستقراطية كذلك في عرقلة تنامي هذا التطور واتخاذها الدور الوسيط المتذبذب، وفتحها المجالات للأشكال ما قبل الرأسمالية وغير المنتجة في التنامي وعدم قراءاتها للواقع الموضوعي.
لهذا نلاحظ الطبيعة الاجتماعية الاقتصادية الضعيفة للطبقتين المنتجتين، فقد انتشرت فئات العمال المتدنية الأجور، وسادت مصانع العمالة غير الكثيفة في القطاعات الخاصة، ومصانع المواد الخام المُهيمَن عليها حكومياً والمؤدية للرأسمالية الحكومية وهيمنة البيروقراطية وهروب الفوائض للخارج.
فقامت هذه القوى باستقدام العمال الريفيين من الداخل والخارج، للحفاظ على أجور متدنية، وينعكس ذلك أيضاً في معيشة العمال حيث المساكن الصغيرة أو الجماعية الرثة، واستمرار العائلة الممتدة، وعمل النساء المنزلي الواسع، وتصاعد ظاهرات الهجرة، وتوجه الفوائض الاقتصادية نحو الأشكال الرأسمالية غير الانتاجية للحصول على الأرباح السريعة، وهذه الأشكال لا تحتاج لعمال متطورين، وكذلك استمرت هيمنة العمل اليدوي معبرة تخلف قوى الانتاج، مما يؤدي إلى استمرار البنية الاقتصادية الاجتماعية المتدنية.
كما أن سيادة هذه الأشكال من الرأسمالية غير المنتجة يزعزعُ الأشكالَ المنتجة، فتتدهور المُلكية الزراعية الانتاجية، عبر تحويل الأراضي الزراعية للبناء، وتنهار الحِرف، وتتدهور أسعارُ المواد الزراعية عامة، مما يدهور حياة الأرياف ويُحدث هجرات إلى المدن، وخلق عروض واسعة من القوى العاملة الرخيصة، الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من تدهور أسلوب إنتاج المواد الخام الراهن.
سيادةُ العمال الزراعيين والمهاجرين والعاطلين والاعتماد على المواد الخام المركزية، يضعفُ الرساميلَ الاقتصادية الصناعية والمنتجة، ويخلق فوضى اجتماعية فكرية سياسية في المجتمعات تتصاعدُ على مر السنين، بأشكالٍ غير ملاحظة بدقة عبر بقاء مستويات الأجور المحدودة والعيش الضيق وضعف التعليم والأمية وتدهور الثقافة العقلانية.
الجمهورُ العامل المتخلف المنهمر على المدن ينقل مستويات وعيه وعاداته مما يؤدي إلى الارتداد التاريخي إلى الوراء، وهو أمرٌ يتداخل مع تدهور الوعي الديني وتصاعد الخطابات النصوصية غير العقلانية والطائفية، عبر المؤسسات العبادية المتاحة والمتداخلة مع الكثافة البشرية المأزومة.
فيما تُحاصرُ البرجوازية الخاصة الصناعية، ويغدو الرأسمال الصناعي في المستويات الدنيا من أشكالِ رأس المال، حيث تتغلب الأشكال المالية والعقارية والتجارية، وهي أشكالٌ لا تتجذر في الأرض، وليس فيها نسبة المخاطرة والتعامل مع مواد الجغرافيا المحلية وكنوز الأرض والبحر وتصعيد الاكتشاف لها وتنمية عناصرها والارتباط الوثيق القوي بالعلوم الوطنية.
كذلك فإن الشكلَ الصناعي الخاص من رأس المال يغدو مُحاصَراً من القوى الرأسمالية العالمية الكبرى التي تدفقُ منتجاتِها المختلفة، المتطورة، وتقيمُ التحالفات مع الأشكال الأخرى من رأس المال، وتستوعب فوائضها لبلدانها.
لهذا تغدو الرأسماليات الحكومية المنتجة للمواد الخام هي الشكلُ التابعُ للرأسماليات العالمية غير المُنافس، وغير المؤدي إلى تحولات صناعية كبرى تقوم بإستيعاب العمال الكثيرين الضائعين في الأسواق، مما يعمق الأزمات الاقتصادية الاجتماعية مع تدفق المواليد الذين يتكاثرون خاصة في الأرياف والبوادي، وهي أمور تتواكب مع تدهور الوعي الجماهيري.
مع الغياب الواسع للبرجوازية الصناعية والعمال الصناعيين، وتدهور أشكال الوعي الاجتماعي، يتوسع حضور القوى السياسية غير المعتمدة على العلوم وقراءات الواقع ورؤية التطور الموضوعي المأزوم وتصويبه، فتظهر المشروعاتُ السياسية التجريبية ومشروعاتُ التبعية، ومشروعات الرأسماليات الحكومية البيروقراطية المتدهورة المؤدية إلى تفاقم الأزمات العامة.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: بروليتاريا رثةٌ: برجوازيةٌ ضعيفة

البرجوازية الصغيرة والقفز إلى الثروات

بعد سقوط الاتحاد السوفيتي أصبح من المتعذر إقامة أنظمة تسيطر عليها البرجوازيات الصغيرة لتقيم أنظمة رأسمالية حكومية، حيث كان آخرها الفاقع هو النظام الإيراني.
أعطى النموذج السوفيتي إمكانية لذلك حتى في اليمن والحبشة، لقدرة حراك هذه الفئات وتخلف الشرق، ولإقامة نهضات سريعة غالباً ما تنتهي بكوارث.
كان ذلك النظام رافعة لنهوض وتسريع التطور، ولكن الافتراق بين مصالح الفئات الحاكمة التي أستأثرت بالثروات، وحدوث الانفصال بين البرجوازية البيروقراطية والعمال، أدى إلى إنكسار أهم رؤية لعبت دوراً تحويلياً في القرن العشرين وهي الماركسية، التي تفتت بسبب هذه المصالح الذاتية للطبقات الحاكمة في هذه البلدان، بحيث غدتْ عاكسةً للمصالح القومية العليا في هذه البلدان وتغيبتْ قراءتُها للقوانين الاجتماعية الموضوعية والدفاع عن العاملين، وتنوعت حسب الخياطات الخاصة لكل دولة وجماعة وظروف بحيث فقدت في هذه التطبيقات قدرة إكتشاف القوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي.
لكن حدث في خلال ذلك كله صعود حركات التحرر الوطني وحطمت التبعية المباشرة، وأمكن لكثير من البلدان أن تتطور بأشكال مستقلة.
إن الضخ الإيديولوجي العاطفي وفرضها بأشكال دكتاتورية كل هذا جعل من الأفكار الموضوعية حطاماً، ومهد لصعود الأفكار الخيالية والقومية العتيقة، بل وحتى التصورات السحرية الخرافية لإدارة دول من العالم الثالث تمتلك أسلحة هائلة، بحيث إنتقلنا من التطبيقات الميكانيكية والانتهازية الفكرية إلى الدجل الطائفي نظراً لعدم وجود بُنى عقلية جماهيرية موضوعية تحديثية.
هذا الأمر ينعكس بقوة الآن على إستخدام الإسلام في التحولات العربية، فتحدت نفس الأدلجة، ويتم إستغلال المذاهب وتعبئتها بأشكالٍ عاطفيةٍ حادة من أجل الثروات، لكون الفاعل الأساسي لا يزال الفئات البرجوازية الصغيرة الفاقدة للرأسمال سوى رأس المال الكلام والتلاعب على حبال الطبقات والمذاهب.
قامت الثوراتُ العربية على تقدير الديمقراطية والشفافية والصحافة الحرة وهي جوانب أساسية لمنع ذلك المنزلق الذي سد وحجَّم الماركسية، لكن ثمة مخاطر لا تزال كبيرة فالجماهير العربية ليست ذات ثقافة ديمقراطية متأصلة، والمنظمات السياسية تشتغلُ على الأفكار المذهبية المحافظة غير الديمقراطية وتحولها إلى أدواتٍ للوثوبِ للسلطات والمنافع، وتستغلُ التخلفَ في الفئات الريفية والنساء والمهمشين والهياكل النقابية الجامدة أو النفعية البيروقراطية والأحزاب المتكلسة ونخب عبادات الأفراد.
إن التبلور الطبقي كما هو في الغرب ووجود المؤسسات العريقة وفصل الدين عن الدولة كل هذا أتاح تطور الديمقراطية الطويل في الغرب، أما في الشرق فإن حراك البرجوازيات الصغيرة للتلاعب بالأيديولوجيات والمذاهب، ثم التكالب على الثروات وسد منافذ التحول السياسي، مما عرقل التنمية وفجر صراعات دامية، حيث قامت حتى إعادات البناء في بعض الأنظمة كالعراق وإفغانستان بسرقة مليارات من الدولارات.
لم يعد نظام البرجوازية الصغيرة حتى إستنساخاته في مصر يوليو واليمن وموزمبيق وكوبا وغيرها قادراً على البقاء أو قادراً على ظهور نسخ جديدة، لكن المذهبيين السياسين في العالم العربي قادرين على إيجاده عبر مرتكزات إيديولوجية مختلفة، فيظهر الاستبداد وتراكم الثروة لدى الفئات الحاكمة عبر تخريجات فقهية، ويحتاج الأمر لمراقبة هذه التجربة ومدى قدرتها على تجاوز نسخ الشموليات الشرقية والاعتراف بديمقراطية حقيقية وتعددية سياسية وفكرية.
إن إنهيار الأشكال الشمولية للاشتراكية من جهةٍ، وتصاعد المذهبيات المحافظة من جهةٍ أخرى، هي قضيةٌ واحدة ذات وجهين، تعبرُ عن عن إنتقائية وإنتهازية البرجوازية الصغيرة، ولهذا فإن دخولنا إلى مرحلة إحتراق جديدة باسم الدين بعد أن كانت باسم الإشتراكية، يدعونا لرفض الشكلين معاً، فلا يخدعنا نزع القبعة ولبس العمامة، وإعادة إنتاج الدكتاتوريات بيافطات مختلفة شكلاً.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : البرجوازية الصغيرة والقفز إلى الثروات

البرجوازية والثقافة

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : البرجوازية والثقافة

لا يمكن تشكيل نظام إقتصادي حر إلا بعد إنتشار ثقافة ديمقراطية عميقة بين صفوف التجار والاقتصاديين المختلفي الأنواع، فبدون وجود طبقة برجوازية مثقفة لا يتحقق نمو حضاري كبير.
مساندة التجار لثقافة إنسانية مجردة شيء حسن، لكن الأساس في التطور هو دعم نمو ثقافة وطنية ديمقراطية حرة حديثة.
من أمسك الثقافة في كل بلد هي الأجسام الإدارية، وهي فروع التوجيه الثقافي، وكل قطاعات عامة عربية لها مشكلاتها وتفتقد للتعاون مع المثقفين والمجتمع وأهداف الدول في الديمقراطية، وغالباً ما تقف عند السطحي والرسمي من الحياة الفكرية.
وكما حدث السلف والتديُن من القطاعات الخاصة من قبل الحكومات قامت وزارات الثقافة بحملات للتبرع لها، وغيرها من أشكال التسول الاقتصادية الاجتماعية.
وحين تطلب وزاراتُ الثقافةِ المالَ من الفاعليات الاقتصادية فهو تعبيرٌ عن ذلك التسرب المالي من الحكومات، وعن عجزها المستمر، لكنها من جهة أخرى تتحكم في حركة الواقع وتحد من إمكانياته، وتبدو الفاعليات الاقتصادية من جهة أخرى بلا سياسة ثقافية وبلا علاقات ربما بالثقافة!
الفاعليات الاقتصادية لا تهتم بالثقافة، خاصة هذه الأنواع المعقدة من البحث والشعر والقصة وغيرها، وتكتفي بالمقالات السياسية الساخنة عادة والأخبار الاقتصادية والإعلانات وغيرها من المواد القريبة من الحياة المباشرة. وهو تعبيرٌ عن قهر عتيق مُضمرٍ وإبعاد عن السياسة وعن الثقافة المُسيّسة غالباً.
وتؤيد الفاعليات الاقتصادية حضور الفاعليات والمساهمات في الأنشطة الثقافة العامة التي ليس فيها دلالات سياسية مباشرة ناقدة، وتتبرع للفعاليات الحكومية الثقافية خاصة، وهي أمور تجسد التناقض بين مال بلا ثقافة وسياسة تشكلُ ثقافةً مشوهة.
في بعض الدول العربية كمصر وتونس والمغرب تكتسب الثقافة أهمية سياسية وطنية، فهي جزءٌ من فاعلية التحديث والديمقراطية، وتستطيع الدول هذه أن تتحرك في ظل قوى بشرية ثقافية واسعة، وفي ظل قيادات ثقافية مسؤلة ذات تاريخ وكتابات مشهود لها بتأصيل الأدب والفكر، لكن الثقافة في ظل أي توجهات رسمية(أبدية) تموت شيئاً فشيئاً بسبب عدم تفاعلها مع الشعب وقضاياه ولجؤها لمحاور تجريدية متعالية على الجمهور. والشعب ينأى عن الثقافة بسبب مشاكله غير المحلولة وغربته في عالمه وبلده وإستمرار أميته.
إن الحشود الاحتفالية والكرنفالات الثقافية تستنزفُ الميزانيات ثم تتعثر وتغدو مجردَ أشكال، في حين أن المجلات الفخمة تلفظُ أنفاسَها بعد حين، فهي تتكدسُ على أرففِ المكتبات ثم تموت في المخازن!
أما دول الخليج فليست عندها جذور وقواعد ثقافية كبيرة فلجأت للأنشطة المحدودة ولنخبوية ونجومية عالم الجوائز الأدبية، تعوض به عن نقص كادرها الوطني الثقافي المهمل الذي كان أن يمكن واسعاً مؤثراً لو تم الاهتمام به، ولتنفيع بعض الموظفين والمثقفين، فيما إرتبطت النتاجات المسرحية والفنية بالمواسم كالصوم والإجازات.
لقد ترنحت الفنون والآداب الشعبية من الثقافة خاصة في البلدان التي لم تصرف الأجهزة الرسمية على هذه الظاهرات والمؤسسات والأشكال الإبداعية الشعبية شيئاً يذكر.
عموماً أمسكت الدول برؤوس الثقافة وجعلتها في خدمتها، حسب سياساتها وظروفها، وأرادت من القطاعات الخاصة المساندة المالية بدون شروط، وبدون أن تدخلها في خططها أو أن تستشيرها أو توسع من حقوقها في البث الفضائي أو في النشر والتأثير في التلفزيون(الوطني) المجمد وغيرها من المشكلات.
من المهم أن تساند المؤسسات الخاصة الثقافة وتحمي الآثار وتساعد على تنامي طباعة المؤلفات الأدبية والفنية تدعم العروض ولكن في ظل أية شروط؟ هل يجري ذلك في ظل هيمنة الوزارات وتحكمها في كل شيء وغياب اللجان الوطنية المنتخبة؟
العملية الديمقراطية ينبغي أن تتغلغل في مسارات الحياة المختلفة، وأن تغدو أجناس الثقافة أدوات لتثقيف الجمهور وتقدم وعيه السياسي وأن تجذبه لكي يؤثر ويغير.

تطور الوعي الديني في المشرق القديم

مجلدات الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية

يعالج هذه الفصل قضية تطور الوعي الديني في المشرق القديم الذي صار فيما بعد عربياً، وهي تتناول جوانب البُنى الاجتماعية ومستوياتها الفكرية وظروفها الجغرافية عبر تداخل يكشف نمو هذا الوعي بسياقه البشري.

تطور الوعي الديني في المشرق القديم

1 ـ جذور الصراع


لقد حدث الاستقرار الزراعي في منطقة المشرق بعد العصور الحجرية القديمة والمتوسطة ، التي كان الناس فيها صيادين وجامعي ثمار ، وفي العصر الحجري الحديث ، وفي قمته ، بدأ الانقلاب الزراعي ، ونجد في الحضارة ( التاسية ) المصرية الشكل المزاوج بين الصيد والزراعة ، وفي حضارة (البداري) ، المصرية كذلك ، حدث الشكل الزراعي المكتمل ، فظهرت القرية الزراعية ، ( 1 ).
من هذه القرية الزراعية الأولى تطورت المدينة المهيمنة على بقعة زراعية ما ، وظهرت فيها دولة المدينة ، وتشكلت السلطة الأولى في المعبد الديني التي يبرز فيها الكاهن أو الساحر. لقد كان لهيمنة المعبد على الإنتاج دورها في التضفير بين الدين والدولة ، وفي السيطرة المركزية في دولة المدينة. إن ازدواجية دور الكاهن ـ الحاكم ، أو الساحر ـ الملك ، يضفي سيطرة شاملة من قبل الدولة على المدينة من خلال الدين . والحقيقة إن الآلهة ليست هي التي تحكم المدينة حقيقة ، ولكنه الساحر ـ الحاكم أو الملك ـ الكاهن ، ولكن السحرة والكهنة لا يحكمون إلا من خلال هذه الميثولوجيا ، فهذه الأساطير هي التي تبقى دائمة ، ويتم عبرها تشكيل السيطرة السياسية المتحولة الملموسة. إن الملوك والكهنة في المدينة وهم يسيطرون على المعبد ، مركز الملكية الإنتاجية العامة ، يسيطرون كذلك على إنتاج الوعي وخطوطه العريضة .(2).
ومن المؤكد إن ثمة جذوراً عميقة وبعيدة لهذه السيطرة ، في الملكية المشاعية وفي الأدوار الهامة التي تلعبها العناصر المثـقفة ، والتي هي من ثمار الانقسام بين العمل الذهني والعمل اليدوي ، وهي التي ستشكل المدخل للانقسام الاجتماعي بين المالكين والعاملين ، فالسحرة والملوك وإداريو المعابد ، وهم يسيطرون على إدارة المعابد يمثـلون هذه القوى الذهنية وقد بدأت بالتحكم في العمل اليدوي والخيرات التي ينتجها. إن الانقسامات الاجتماعية الأخرى تبقى متوارية ، فالانقسام بين الرعاة والمزارعين لا يتضح هنا ، لكون القبيلة التي انتقلت إلى الزراعة بدأت ذلك من زمن موغل في القدم ، ويعتمد الأمر على إنتاجية الزراعة الهامة المركزية في هذه الحقبة ، وكون الرعي يظل مهنة صعبة وملحقة بالقرية أو المدينة .(3).
وهذه السيطرة المتوارية للزراعة على الرعي ، تغدو سيطرة واضحة متصاعدة للرجال على النساء ، عبر هذا الانقلاب الذكوري المستمر . لكن في قلب الانقلاب يظهر العنصر المثقف والسياسي ، يظهر العمل الفكري وهو يسيطر على العمل اليدوي ، مثلما تتركز السلطة الروحية والسياسية تدريجياً في نموذج وحيد في دولة المدينة.
إن الإنفكاك الذي حدث في صيغة الكاهن ـ الملك ، باتجاه هيمنة الملك ، تعود إلى تنامي أجهزة الدولة ، وأتساع مهماتها ، من إدارة الدفاع وشن الحروب وتوسع الدولة ـ المدينة ، فالصرف المستمر على الطبقة المسيطرة المتشكلة حديثاً ، أو قديماً ، يتطلب التوسع في الأراضي المملوكة للمعبد ، وسيكون هذا قانون من قوانين التطور والهلاك في المدينة ـ الدولة المسيطرة . فهذا التوسع يتطلب النمو المتواصل للقوى العسكرية، وسيعتمد ذلك على حجم القبيلة أو القبائل المستقرة ، ويؤدي إلى ضم مناطق الجيران وإلحاق المناطق الرعوية أو الزراعية بسيطرة المدينة ـ الدولة ، مما يقود إلى أتساع الموارد والسوق التجارية ، وهذا يؤدي إلى المركزة في إدارة الدولة السياسية ، وتغلب الملك على الكاهن ، وصيرورة الكاهن ملكاً ، والملك كاهناً . لكنه يؤدي من جهة أخرى ، إلى الاصطدام بالجيران وقيام المناطق الأخرى والمدن والقبائل الرعوية بالهجوم على المدينة ـ الدولة ، التي غدت (الكنز) الذي تجمعت فيه تراكمات العمل المحلي والمناطقي ، لتتشكل عملية إعادة توزيع.
إن هذه العمليات الطويلة من الصراع والإنتاج والتراكم تؤدي إلى التوسع المستمر في دولة المدينة نحو التكوين الكبير ، سواء كان على هيئة دولة من عدة مدن ، أو على شكل إمبراطوريات ، تجري فيها هذه العمليات الصراعية التحولية على نطاق المنطقة ، لكن قانون هيمنة القصر ـ المعبد يظل سارياً ، فالقصر هو الذي يهيمن على المعبد ، فالسوق ، فالإنتاج وكافة مظاهر الحياة الأساسية .
وفي الوقت الذي تجري فيه هذه العمليات الصراعية الاجتماعية ، فإن الجانب الديني لا ينفصل عنها ، فهو جزء رئيسي من تكونها ، من حيث إنه نتاج عام لتشكلها وأداة لترابطها ولوعيها بالعمليات الاجتماعية ، فيظهر بأنه هو الذي يصوغ تاريخها ، وليست هي التي تشكله.
( إن الآلهة كانوا يرقبون عن كثب أحداث الساعة وقضاياها البارزة عند قيامهم بالتحديد السنوي لمصير بابل وأهلها ، كما كانوا يؤكدون وجودهم الطاغي في كل مكان ، وتأييدهم أيضاً للنظام السائد وسلطاته المستمدة منهم. ) ،( 4 ) .
ومن الواضح إن الآلهة لم يكونوا يؤكدون ذلك عبر وجودهم المباشر ، بل عبر الأجهزة السياسية والكهنوتية . لقد تم ظهور (مجمع للآلهة ) الذي يباشرون منه سلطاتهم المتعددة ، والمجمع يشير إلى العائلة الملكية الإلهية ، أو القبيلة النوار نية الحاكمة في الأعالي ، وهي ترميز للطبقة الملكية ـ الكهنوتية التي يتمثـل فيها النور والعلو والسيادة . وإذا جئنا إلى قراءتها ، في بعدها الاجتماعي، فالأسرة الإلهية المتعددة المتصارعة المتضامنة ، تشير إلى تعدد المستويات السياسية في المدينة ، فهناك الأسرة الملكية الحاكمة الحقيقية، وهناك الكهنة في المعابد المختلفة والإدارات المختلفة . وإذا كان الرجال قد فرضوا سلطتهم العامة على النساء ، إلا أن النساء متواجدات في الأعمال الزراعية وفي الحياة العامة بقوة ، وهذا ما يشير إليه الحضور الهام للإلهة الأنثويات ، أنآنا، وعشتار ومثيلاتها في المشرق.
لكن ظهور الإله المهيمن في الأسرة الملكية الإلهية يبدو واضحاً في كل تشكل سياسي عام ، بهيمنة ( آنو) وتصاعده المستمر في الميثولوجيا الرافدية ، حيث يشير إلى هذه الوحدة السياسية المتعاظمة في جنوب ووسط العراق . إن أنليل يظل مستمر الوجود معبراً عن عدم الانطفاء للمناطق السومرية النهرية ، كذلك فإن ( مردوخ ) يكبر مع تعاظم نفوذ الدولة البابلية ، وكذلك يتصاعد إله ( أشور ) مع أتساع إمبراطوريتهم.

2 ــ السلطة والمجتمع الزراعي


إن هذه المجمعات من الآلهة تشير كذلك إلى عدم الانصهار في عملية سيطرة دولة المدينة على المدن والمناطق الأخرى ، حيث تقوم بترك السلطات المحلية في سيطرتها ، وتأخذ ( الغنائم أو الأسلاب أو الخراج ) منها ، فتتحول الآلهة المناطقية إلى المجمع العام للآلهة وكتوابع للآلهة الكبرى ، مثـلما يحدث بالنسبة للمناطق التي تغدو مُلحقة بالمدينة ـ المركز ، أو مثـلما يحدث بالنسبة للحكام الإقليميين الذين يغدون ولاة أو نواباً للملك. (5).
إن المدينة ـ الدولة ، حيث الزراعة هي العمل الإنتاجي الأساسي ، وتأتي الحرف والتجارة كمهن مُكملة ، تقوم بإعادة إنتاج نفسها على مستوى دوائر تتسع دوماً ، ملتهمة الدوائر الأخرى دون أن تلغيها ، وهدف العملية الحصول على الفوائض المالية دون أن تحدث عمليات تقدم كبرى في الإنتاج.
فكما أن الحرف الهامة متخصصة في الإنتاج للقصر ، وكما تتبع العمليات الثقافية من تنجيم وفلك وطب حاجات الأرستقراطية المختلفة ، فكذلك تتبع الآلهة تبدلات وأهداف الحكام . وعلينا أن نرى التبدلات الكبرى للآلهة كحصيلة للصراعات الشاملة غير المرئية في العراق ، بمعنى أن نقرأ أسباب العلو المستمر للإله (آنو) والانطفاء التدريجي للآلهة الأخرى.
لقد أعطى السومريون أولى الملامح والملاحم لكيفية نشؤ الآلهة ، لقد ازدهرت (الثقافة السومرية في الجزء الأسفل من حوض دجلة والفرات وحول الشواطئ العليا للخليج العربي ، منذ مطلع الألف الرابع قبل الميلاد) .(6 ).
وتقول أسطورة الخلق السومرية بأنه في بدء الكون ، لم يكن ثمة أحد سوى الآلهة الأنثوية( نمو) ، وهي المياه الأولى التي أنبثق عنها كل شيء ، وقد أنجبت الآلهة نمو ولداً وبنتاً ، والأول هو (آن) إله السماء المذكر ، والثانية (كي) آلهة الأرض المؤنثة ، وكانا ملتصقين مع بعضهما ، وغير منفصلين عن أمهما ، وتزوج الأخوان وأنجبا ( أنليل ) إله الهواء الذي كان في مساحة ضيقة بينهما ، حتى قام بإبعاد أبيه عن أمه . رفع الأول فصار سماءً ، وبسط الثانية فصارت أرضاً، وكان يعيش في ظلام دامس ، فأنجب أبنه نانا إله القمر ، الذي أنجب بدوره (أوتو) إله الشمس .
ويفسر فرس السواح هذه الأسطورة بشكل طبيعي ، فيقول إنه في البدء لم يكن سوى المياه التي صدر عنها كل شيء وكل حياة ، وفي وسط المياه ظهرت أرضٌ ، متحدة بالسماء ، ومن اتحادهما ظهر الهواء ، ولم يكن القمر السابح في الهواء إلا أبناً له الخ .. ( 7 ) .
لا شك إن التفسيرات الطبيعية والاجتماعية والنفسية التي ساقها المؤلف فرس السواح ( 8 ) ، لها جذورها ، ولكن الآلهة تعبير كذلك عن السلطات المختلفة ، وهنا نجد الأسطورة الدينية تحدد التحولات السياسية التاريخية بين المجتمع الأمومي والمجتمع الذكوري. حيث مثلت الأم ذلك المجتمع الراكد المحدود ، من وجهة نظر صائغي الأسطورة ، وهي التي كانت فيه سيدة الوجود المائي الزراعي ، والمجتمع الأمومي هو الذي شكل الزراعة عند شواطئ الأنهار ، وعبر تراكماته الاقتصادية والبشرية ، أوجد العائلة الأبوية الأولى ، حيث لا تزال الأم قوية فيها ، ولكن الابن شكلّ الانقلاب الذكوري عبر الانفصال عن سلطة الأم والأرض والزراعة فيها ، وعبر الصعود إلى السماء .إن ظهور السماء المنفصلة عن الأرض ، وتشكل السلطة الأولى المفارقة للمنتجين، عبر الإله( آنو)، حيث سيتمترس في الأعالي ، تعبر عن الانقلاب الذكوري القديم الأول ، الذي وضع التمايزات الأولى بين السلطة السياسية والمنتجين المزارعين . لقد كانت السماء في وعي القدماء هي مصدر المطر والنور والهواء ، أي كل ما يغذي الأرض والزراعة ، فهي الأصل في وجود هذه الحياة . ويعبر ذلك عن وعي المهيمنين على المعابد والمدينة ، الكهنة والملوك ، الذين ارتفعوا عن العمل في الأرض ، وصاروا قوة مسيطرة فوقية، أصبحت تتماها والسماء الرفيعة، وتضع السمات ( النورانية ) على وجودها الاجتماعي ، لكنها بعد لم تستطع الانفصال الكلي المطلق عن الأم والمنتجين.
هكذا فإن انبثاق (آنو) يضع الانقسام العام في التاريخ الديني الأسطوري والاجتماعي ، بين السماء والأرض ، بين الرجل والمرأة ، بين المالكين والمنتجين ، بين المسيطرين ذهنياً وسياسياً و العاملين . ولهذا فإن صفات الخلق والنور ستعطى للوعي ، أي للقابضين على إنتاج الفكر والسلطة ، في حين إن صفات المادة والطين والعمل والعبودية ستعطى للمنتجين الماديين.
إن عناصر التضاد بين السماء والأرض ستلعب أدواراً كبرى في مختلف تجليات الوعي الديني ، وستغدو الأرض والمرأة أكثر فأكثر، مصدراً للشر والفساد وتتشكل من طبقات الأرض السفلى مستويات الجحيم الخ ، في حين ستكون السماء مركزاً للنور والقوى المشعة الخيرة والملاذ للأرواح الطاهرة.
إلا إن ذلك كله تعبير عن السلطة السياسية والفكرية والاجتماعية ، وتمركزها في الطبقات العليا ، التي ستعيد إنتاج النور والعلو والسيادة ، عبر المقولات المنتجة في كل عصر ، وهي هنا في العصر السومري المتداخل في فضاء العراق الجنوبي البابلي لاحقاً ، تستعين بمواد الأسطورة في تفسير نشؤ الكون وتشكل السمات الرئيسية للمجتمع .
كذلك تشكل الإله السومري الخاص وهو( أنليل) .إن صعود أنليل مترافق مع تبلور سلطة المدينة ـ الدولة ، الشكل الأولي لظهور السلطة والحضارة في بلاد الرافدين ، ويعبر هذا التواصل بين الأب آنو والابن أنليل عن هذه السيرورة الاجتماعية المتراكمة بين المجتمع الأبوي في انقلابه الأول بالسيطرة على النساء والفضاء الاجتماعي ، وبين تبلور ذلك كسلطة مدنية محددة في الأجيال اللاحقة.
وتقول الأسطورة الشعرية : أنظر إلى نيبور عماد السماء والأرض هي / أنظر إلى نيبور المدينة / ترى أسوارها العالية /.. هناك أنليل فتاها الغض / هناك ننليل فتاتها الشابة/ ) ثم تبدأ الأسطورة في تمجيد الإله المسيطر : ذو العينين البراقتين ، السيد ذو العينين البراقتين / الجبل العظيم ، أنليل الأب../ الراعي ، سيد المصائر ..) .( 9 ) .
لقد تشكلت المدينة كدولة ذات موارد زراعية ومائية وفيرة وتجارة ولها أسوار ويهيمن فيها المعبد والإله الذكوري ذو الأهمية القصوى ( الراعي ، سيد المصائر) التي تقول عنه قصيدة أخرى (أنليل مليكك ، أين مضى؟) . وبهذا فإن الخطوط العريضة بين المستوى الديني والمستوى الاجتماعي التاريخي قد تشكلت ، وصار الوعي وهو يستهدف إجراء العمليات التغييرية ، يعيد إنتاج الأسطورة ، أو إنه يقوم بعملياته التحويلية السياسية ثم يضفي على الأسطورة التغيرات المناسبة لهيمنته.

3 ــ مستويات الغيب المهيمن


تمثـل صيغة التحول السابقة الخلية الأساسية في البنية الاجتماعية للمجتمع الطبقي ، في المشرق ” العربي ” ، كما يظهر في التاريخ المكتوب ، بجانبيه المادي والروحي ، فحيث يغدو الكاهن ـ الملك مهيمناً على المعبد والملكية العامة الزراعية ، فإن الجوانب الثلاثة : السياسية والفكرية والإنتاجية تتداخل ، وتصير نظاماً اجتماعياً يتبادل التأثير بين مستوياته الثلاثة.
إن الملكية الزراعية المعتمدة على الري ، تتطلب تسارع أدوات السلطة لضبط عملية الري في الجنوب العراقي ، الذي بدونه لا تتشكل الزراعة ، مما يؤدي إلى تـنامي الأجهزة العامة ، وإبقائها على الملكية العامة القبلية والقروية ، وتصاعد نفوذ الدولة على المناطق المجاورة ، وجعل إله المدينة يشكل الوحدة الفكرية لأهلها ، ثم يتمدد إلى المدن والمناطق التالية ، فيصعد على الشبكة الواسعة من الآلهة الصغرى المختلفة ، فيبدو الإله وكأنه هو الذي يصنع التطور ، وتبدو الحركة الطبيعية والاجتماعية كنتاج لمجّمع الآلهة ، أي لهذه القبيلة الإلهية الترميزية للوجود البشري القبلي المسيطر في سيرورته التاريخية.
إن الانقسام بين آنو وكي ، بين الإله الذكوري المهيمن والآلهة الأنثوية المهيمن عليها ، يشير إلى التضاد الواسع بين الرجل والمرأة ، بين الإدارة السياسية ـ الدينية والعامة ، متخذاً من المظهر الطبيعي بالتضاد بين السماء والأرض جسده الفكري ، فيتشكل هنا التضاد كذلك بين الغيب والمرئي ، بين التصورات الذهنية المفارقة والحياة ، بشكل أولي وغير تجريدي ، لكون كافة الآلهة تتكون في الملموس ، في التجسيدات المادية والتمثلات البشرية. أي لكون الوعي البشري عند المنتجين الذهنيين والمنتجين اليدويين متقارب ، مثل التقارب الاجتماعي بين الحاكمين والمحكومين.
وإذا كان ثمة غيب سماوي يبرز في الأعالي ، فإن ثمة غيباً يتشكل في طبقات الأرض السفلى ، حيث يغدو هذا الغيب السفلي مسئولاً عن ظاهرات الموت والأمراض والغياب البشري الأرضي ، ويتوحد هذا الغيب الأدنى بالكائنات ” الدنيا ” ، أي بالحشرات والزواحف ، والعديد من الحيوانات التي ترافقت مع الموت.إن الموتى في هذه الحقبة ينزلون إلى طبقات الأرض السفلى حيث ( ويخاطب الرجل العقرب كلكامش الذي يريد النزول إلى عالم الأموات قائلاً: إنه من غير مستحيل ، يا ككامش، لم يعبر أحدٌ مسالك الجبال الوعرة.حتى بعد مسافة اثني عشر فرسخاً يحلك الظلام، ولا يعود هناك نور ) ، ( 10 ) .
وفي الزمن السومري فإن الآلهة الأنثى هي التي تنزل تلك الطبقات السفلى الرهيبة ، مما يؤكد استمرار بقايا المرحلة الأمومية ، معطية دلالة تفسيرية للزمن ولتحولات الطقس ، حيث الغياب والحضور للشمس والقمر والشتاء والربيع ، وفيما بعد سيكون هذا النزول للإله الذكر (تموز) ، معرباً عن التغلغل الذكوري الواسع في المنظومة الإلهية ، وعن توظيف هذا العالم السفلي لتحولات أخرى كبيرة.
إذن فإن الغيب ، المعبر عن سيطرة الطبقة العليا، وسواء كان سماوياً أم أرضياً سفلياً ، هو الذي يمسك بدفة الوجود البشري ، عبر تمثلات المرحلة الراهنة . إن التضاد القصي بين السماء والأرض السفلى ، هو تضاد تجسده الصور الحادة بينهما ، فالأولى لها النور والمطر والهواء ولها الوجود السرمدي ، في حين إن الأخرى تتصف بالظلام والفساد والأمراض . إن الوعي البشري هنا يتمثل تناقض الحياة والموت ، والصحة والمرض ، والربيع والجفاف ، والحلم والواقع الخ .. ولا شك إن هذه التضادات الوجودية والاجتماعية مرتبطة كذلك بالتناقض بين الناس والسلطة ، فالسلطة السياسية والكهنوتية هي الحياة والنور والبقاء الأبدي ، حيث أعطى الملوك لأنفسهم صك التوحد مع الآلهة ، والإلغاء التام للناس ، مثلما يحدث في الحياة السياسية حيث تتصاعد الهيمنة المطلقة للحكام. إن ثمة هوة إذن بين السماء والأرض السفلى . لكن كلتيهما تمتلكان الحضور والسيادة في الوعي الغيبي ، بلونين متضادين ، في حين تبقى الأرض غائبة. وفي التضاد المطلق بين السماء والأرض السفلى ، بين النور الأقصى ، والظلام والمرض والموت يتشكل التضاد بين الإله النوراني الخير والشيطان ممثل الشر، وهذا التضاد الذي سيتطور في إنتاجه عبر ثـقافات شعوب المشرق المتداخلة.
إن هذه الخطوط العريضة لتشكل الدين ستغدو هي الملامح الجوهرية للمراحل اللاحقة. فوجود مدينة تطلع من عماء المياه الأولى ، من الغمر ، ومن الزراعة الأمومية ، ليسود فيها الذكر وقوته العضلية ، ملتحماً بالثور الحيوان الأقدر على شق التربة ، عبر الأدوات المعدنية ، لتتكدس الثروة في المعبد فيديرها الملك الكاهن ، فترسم في السماء الرموز الإلهية لهذا التحول الأرضي . إن هذه المدينة التي تلحق الريف والأقسام الرعوية بسلطانها ، ستعيد إنتاج نفسها في جغرافيا وتاريخ المشرق ، وفي البدء ستكون هذه المدينة مدينة زراعية خارجة من فيض المياه ، وسيشكل هذا وحدة صراعية بين المؤسسة السياسية الصاعدة المتحكمة ، وبين القاعدة السكانية الفلاحية .
إن الجغرافيا الطبيعية أعطت لهذه المدينة مصدراً للثروة ، فتصاعد دور المعبد فيها ، وفي المراحل الجنينية الأولى يحدث التداخل بين الكهانة والملكية ، حتى إذا ازدادت ثروة العمل البشري ، حدث الانفصال بين فئتي الهيمنة السياسية والدينية ، دون أن يُـلغى التداخل ، وبدون أن ينتهي الصراع.
والمدينة ليست مدينة صناعة ، بل مدينة زراعة وتجارة وحرف ، ويلعب القصر (وتابعه المعبد) دور الفاعل الرئيسي في تطورها أو اندثارها ، فمختلف تجليات الإنتاج تُلحق به ، لكونه يسيطر على الملكية العامة ، مثلما يسيطر على الملكية العامة الثقافية ، أي الدين ومنتجاته.

4 ــ صعود التضاد بين الزراعة والرعي


إذا كانت الحرف والتجارة لا تستطيع أن تكون إلا داخل المدينة ، فإن الرعي لابد أن يتشكل وينمو خارج المدينة . وفي البدء أيضاً كانت الزراعة هي أساس تشكل المدينة ، فظهرت المهن الأخرى في أسواقها ومركزها. لكن الرعي أمتلك خاصية تجاوز المدينة وحقولها ، والنمو في البراري. وقد أعطت التطورات الإنتاجية خاصة ، الرعي ، إمكانية الانفصال المستمر عن المدينة والزراعة ، دون القدرة على الإنفكاك الكلي منهما. وعبر ظهور تقسيم العمل والتبادل راحت هذه الأقسام الاقتصادية بالنمو ، كل حسب موقعه من علاقات الإنتاج. لقد تحرر الرعي من الهيمنة المباشرة للسلطة واستغلالها ، رغم عدم قدرته الكلية على الخروج من الاستغلال في عملية التبادل مع هذه المدن.
ومنذ بداية تشكل الإرث الفكري الديني في المنطقة كان هناك استشعار لتشكل التناقض بين الرعي والزراعة ، بين المنتج الرعوي الذي يبدأ بأستنئاس الحيوان والعيش في البراري وصنع سلع خاصة ، وبين المدينة ـ الدولة ذات المحيط الريفي الزراعي ، والتي تغدو دائرة إنتاجية وسياسية متكاملة . إن الرعاة يغدون خارجها باستمرار ، تدفعهم عملية البحث عن المراعي إلى الانتشار في المناطق البعيدة ، حيث تتوسع الرقع الزراعية وتنمو المدن ملقية إياهم أكثر فأكثر في الصحارى الكبرى. ويصبح النمو الطبيعي لهذين الفرعين من الاقتصاد الواحد تضاداً عميقاً ، فالمدينة تقوم بالانتشار وتوسيع رقع سيطرتها ، وهي في بداية تشكلها تجمع بين الزراعة والرعي ، حينما تكون أقرب للقرية ، ولكنها بعد ذلك تغدو متخصصة في إنتاجها ، مما يجعلها بحاجة إلى الإنتاج الرعوي . إن التخصص يؤدي إلى نمو الإنتاج المتنوع ، ولكن الرعاة يصيرون مشكلة عبر مستواهم الاجتماعي والفكري المختلف والمضاد للمدينة. والمدينة باعتبارها مركز التراكم المالي والثقافي ، تغدو في مواجهة للأقسام الريفية والرعوية ، التي تزداد انفصالا عنها.
وإذا كانت المدينة هي قرية في البداية ، ثم تنمو قدراتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية ، نافية الأقسام الرعوية ، فإنها كذلك تعلو على أساسها الريفي ، وبعدئذ تنفصل بشكل كبير عنه ، عبر تكدس الفوائض المالية فيها. لكن القرية تظل في المحيط الحضري المسيطر عليه ، في حين يفلت الرعي من هذه السيطرة ، ويتخذ لنفسه مسارات مختلفة.
وفي البدء نرى في الأساطير السومرية تنافساً غير دموي بين الآلهة الزراعية والآلهة الرعوية فـ( الأسطورة السومرية ، تحكي لنا أن الإله إنليل Enlil أراد أن يعمر الأرض ، فخلق لذلك مخلوقين أخوين ، “إيميش ” للعناية بالحيوان ، و” إيتين ” وجعله فلاح الآلهة ) .( 11 ) .
إن المدينة السومرية التي لا تزال لا تعرف التضاد التناحري بين الزراعة والرعي ، تشكل وحدة تناغمية بين الاقتصاديين الوليدين ، ولهذا فإن الإله أنليل ممثل دولة المدينة السومرية ، يجعل للفلاحة إلهاً تابعاً له ، بينما الآخر هو للعناية بالحيوان. ونجد الجانبين الزراعي والرعوي متداخلين بصورة كبيرة : فإينتين ( وجعل سمك البحر يلقي بيضه في المستنقعات والأهوار/ وجعل من نتاج النخيل والأعناب الدبس والخمر / وأكثر من ثمار الأشجار حيثما نبت الكلأ / وجعل الحقول تكثر من غلا لتها) في حين إن إيميش هو الذي ( أوجد الشجر والحقول / وجعل حظائر الماشية والأغنام كثيرة / وأكثر من نتاج المزارع / وجعل الكلأ يغطي الأرض / وملأ البيوت بغلال الحصد/ وجعل الأهراء زاخرة ممتلئة) ، (12).
إن التداخل كبير بين الشخصين الرمزين ، كالتداخل في المستويين الاقتصاديين ، إلا أن الفلاحة هي التي لها الألوهية ، وفيما بعد سينمو التضاد وسيعلو الراعي في الأساطير. فالآلهة أنانا السومرية تعتزم اختيار زوج فيشير لها الإله أوتو إله الشمس باختيار الراعي المكتنز أشياء كثيرة والذي يزخر باللالىء والأحجار الكريمة ، لكنها تفضل الفلاح ” أنكيميدو” ( الذي يكثر من إنتاج الزرع / الفلاح الذي يكثر من إنتاج الحبوب ) ، (13 ).
وفي نهاية القصة تفضل أنانا الراعي.
وتفضل التوراة كذلك الراعي على الفلاح ، ( وكان هابيل راعياً للغنم وكان قايين عاملاً في الأرض . وحدث من بعد أيام أن قايين قدم من ثمار الأرض قرباناً للرب ، وقدم هابيل أيضاً من أبكار غنمه ومن سمانها ، فنظر الرب إلى هابيل وقربانه ، ولكن إلى قايين وقربانه لم ينظر) ( تكوين 4 ـ 12 ). ولكن الحدث المساق عبر الرؤية التوارتية الرعوية هنا يحيل الفلاح إلى قاتل.
إن ذلك يعبر عن المسارات التي تشكلت في المشرق (العربي) بتعمق الانقسام بين المزارعين والرعاة.
إن المزارعين المستقرين في بيوتهم وفي مدينتهم المحصنة ، أخذوا يتخوفون من القبائل غير المستقرة التي تعيش في الصحارى ، والتي تواجه مواسم متباينة من نزول المطر أو عدمه ، وتدفعها ظروف الفقر والمجاعات إلى الهجوم على المناطق الزراعية والمدنية. وتشكل المناطق الحضرية الجيوش لملاحقة وإبادة الجماعات ” البربرية ” و” الوحشية ” ، وتتشكل مناطق زراعية ، ومناطق رعوية ، وتنمو القبائل والجماعات و” الأمم ” منقسمة بين التكوينين الكبيرين.
ونجد كيف نظر المصريون القدماء وهم في واديهم الخصب إلى الأمم الرعوية كأجانب ، ووضعوا الإله ( أست) الشيطاني كرمز للرعاة ولعالم ما وراء النهر. ولم يحدث تداخل كبير بين العالم المصري الزراعي والرعاة إلا عبر الهكسوس وشعوب البحر الغازية ، ولهذا لم تتفاقم القوى العسكرية والعنف في المجتمع المصري مثلما حدث في المجتمع العراقي ، حيث التداخل الكبير بين المزارعين والرعاة. ولكنهم بعد طرد الهكسوس خرجوا إلى المشرق وكونوا الإمبراطورية ، ثم اعتمدوا على القوى العسكرية المرتزقة فحدث انهيار عميق في الحضارة المصرية. ولكن لا بد من القول هنا إن الرعاة كانوا دائماً يعيشون على أطراف الوادي وفي سيناء.
وإذا كان الجمهور الفقير أو الغني في دولة المدينة ، أو المملكة ، المحكوم بأجهزة القهر ، أو بفائض المال، لا يستطيع تاريخياً أن يغير النظام الاجتماعي ، حيث إن الدولة هيمنت عليه وقسمته ، فإن الرعاة المنتشرين في الفيافي وهم الأحرار والمسلحون يستطيعون ذلك حين يمتلكون العناصر البشرية والمادية والفكرية التي تجعلهم في مستوى أقوى .
ولهذا نجد إن (الأمم الزراعية) فقدت كثيراً من القدرة على التغيير الثوري الداخلي ، في حين صار الحراك الاجتماعي في أغلبه من (الأمم الرعوية).
إن ذلك يعود إلى أن الطبقة المنتجة الفلاحية ُمفككة في قراها الكثيرة المتباعدة ، وليس لديها قدرات عسكرية كبيرة ، في حين تستطيع الطبقات الحاكمة تخصيص جيش مُجهّز منفصل عن المزارعين ، وهي تجده عادة في القبائل أو الأقسام غير العاملة في الزراعة وفي المرتزقة ، ثم إنها تطبق العيش الإجباري في القرية وتمنع الخروج منها، فتجعل الفلاحين عبيداً في الأرض . وهذا هو النمط المسمى العبودية المُعممة.
وحين تأتي قوى غازية تكون غالباً من هذه القبائل المسلحة الحاكمة أو المنتشرة في الصحارى ، أو أن المدن العبودية المسيطرة تستخدمها أو تستأجرها . لقد كانت الأقوام السامية الأولى كالبابليين والآشوريين والآراميين والعبريين ، أو القوى الإقليمية الغازية فيما بعد كالفرس والمقدونيين والرومان ، أو الأمة السامية الأخيرة وهي العرب ، هم حلقات من الأندياحات الرعوية الكبيرة ، وقد فطن إلى ذلك مؤرخنا أبن خلدون ، ( 14).
إن الفترات والمراحل التاريخية تعطي لكل حملة رعوية طابعها ومداها وآثارها ، وهي إذ ترتبط بمستوى تلاحم القبائل الفكري والعسكري ، عبر المناطق الرعوية التي تكونت فيها ، وبصلاتها وبتحولاتها و بمستوى إنتاجها وثقافتها ، فإن سيطرتها وديمومتها تتحدد بمستوى مقاومة المزارعين كذلك ، الذين لم يكونوا خارج التاريخ ، رغم إن الأمم المسيطرة ستجعل الأمر يبدو كذلك .

5 ــ صراع الرعاة والفلاحين على مستوى إقليمي


إن الأمم الغازية (الرعوية) قد مرت بمراحل وتطورات اجتماعية وفكرية كبيرة ، ولا يمكن دمغها في تكوين مجرد كلي ، ولهذا فإن علينا تتبع الخطوط العريضة لنموها ، والمحصلة الأخيرة لتحولها إلى قوى غازية ، ولماذا تعجز أفكارها الأكثر تطوراً ربما من وعي المشرق(العربي) أن تخترق نواته الصلبة.
فالاخمينيون الإيرانيون ، القبائل الرعوية الفارسية ، والتي سيطرت على المناطق الإيرانية ، وحدث التمايز بين إدارتها الملكية وجمهورها القبلي ، اعتمدت على الفكرة المجوسية في الصراع بين إلهي النور والظلام ، لكنها لم تتدخل في صياغة أديان المنطقة المستعبدة لها ، تاركة الجمهور الشرقي في معتقداته ، ولكنها استمرت في استغلال الشعوب بالطريقة القديمة ، عبر ترك المناطق الزراعية في انفصالها ، وإرسالها للضرائب أو الخراج ، وكأنها عبر حفاظها على هذه الفسيفساء واختلافاتها ، تضمن صراعاتها الجانبية وتبعيتها. وكان هذا بخلاف الأسلوب الآشوري المعتمد على الاستغلال البشع وفرض الإله واعتماد العنف كوسيلة وحيدة للسيطرة.
لاشك إن للفرس الاخمينين دوراً في تطور المنطقة الفكري رغم هذا الاستعباد ، ففكرة النور والظلام ، و مسألة إله الخير والشر ، قامتا باختزال الشبكة المعقدة من آلهة الخير والشر ، وبلورتها في الإله الواحد أو الشيطان ، ولا شك إن هذا مثـل تقدماً روحياً على صعيد الوعي ، مما يعبر عن تقدم المنطقة باتجاه الوحدة السياسية والثقافية. وقد وضع ذلك ( الحدود) الفكرية بين إيران والعالم الخارجي ، المعادي أو التابع ، وجعلها جزءً مهماً من المشرق.
وتتشكل عبر هذا الوعي الصراعي بين النور والظلام اتجاهات الحركة الاجتماعية الإيرانية المختلفة ، فحدود النور ودوره أو اختلاطه بالظلام وغير ذلك من المسائل الغيبية ، تلعب دوراً هاما للوعي ، الذي يحولها إلى فعل اجتماعي ، وتتمكن هذه المسائل المجردة من إقامة التحالفات (النورانية ) ، حين يتسع الأفق الوطني الإيراني لشعوب مؤثرة أخرى.
وعرفت تجربة الشعب الإيراني غنى خاصاً في بلورة سمات المشرق ، فالزرادشتية مثلت المرحلة الأرستقراطية في الهيمنة المنفصلة عن الناس العاملين وتكوين الدولة ” القومية ” ، ثم تشكلت المانوية كاتجاه صوفي غنوصي معبر عن فئات وسطى رافضة لاستبداد الملكية المطلقة وبذخها وحروبها ، وتتوجت العملية الثورية الإيرانية بالمزدكية وهي التي جسدت نضال الفلاحين من أجل الأرض .
لقد عبرت المسيحية عن الآهات العميقة للفلاحين ، ولكنها تراوحت بين الثالوث الإيراني ، أي بين قوى الأشراف والفئات المتوسطة والفلاحين ، فالأب ، مثل آن أو أيل ، الإله المفارق الذي يغدو غير مفارق ، بالتحامه بالابن الذي هو مثل تموز وأدونيس ، يختزل كل ديانات واحتفالات الربيع ، فلا ينفك عن إرثه الأمومي ، لكنه يعبر عن القوى السياسية والثقافية الفاعلة في خلق الصلات بين الأب (السلطة المطلقة المفارقة) والناس ، وهم حينئذٍ الفلاحون الغامضون في المنظومة.
إن حدوث التداخل بين المسيحية والمانوية أمر يشير إلى الطابع المعبر عن الفئات الوسطى حينئذٍ ، وخاصة لأولئك المثـقفين المكافحين بصورة سلمية ، والذين يحاولون تشكيل علاقات مختلفة عن نظام العصر القديم ، أي عن نظام الآلهة ـ الملوك ، إلى نظام الآباء ـ الأبناء ، وهو أمر يشير إلى الأضرار الفادحة ودمار ثروات المنطقة بالبذخ والحروب ، فيغدو نموذج المتقشف والراهب الذي يعمر الصحراء بالزراعة مؤشراً لضرورة تجاوز نظام العبودية المعممة في المشرق .
لكن غزاة آخرين يقدمون من مناطق تداخلت فيها العلاقات الرعوية ـ الزراعية ، فالمقدنيون الذين هيمنوا على الحضارة الإغريقية كانوا نفياً قبلياً أرستقراطياً لحضارة المدن الحرة المتنوعة ، فوضعوا حداً لاضطراب هذه المدن بين طرق مختلفة للتطور ، ولم يعد بالإمكان نمو الطريق الرأسمالي ، وقد كانت الحضارة الإغريقية بتناقضاتها العميقة ، تتوجه إلى انهيار نموذج دولة المدينة الديمقراطية ، وبدء العودة إلى الدولة الاستبدادية المهيمنة على العالم الزراعي ، في حين تتآكل الحرف والصناعات ، فتتدهور الأسس المادية للعلوم ، وتتزايد في الفلسفة الاتجاهات المثالية ، وتتويجها المعروف هو الصوفية .
ولم تنتشر الثقافة الإغريقية في المشرق ، بشكل متساوق لمراحلها، فالمشرق الذي يحضر نفسه للعودة إلى ديانة الخصب بشكل موسع ، والذي رأى رعاة غزاة جدداً ، كان يتوجه لنفي التعددية الوثنية المفتتة لصفوفه ” الوطنية ” ، وكان يبحث ويؤكد العناصر شديدة الغيبية ، المعارضة لثقافة الحضارة اليونانية العقلية المختلفة ، فالعقل اليوناني عنى للسواد الأعظم استغلالا وظلاماً. وحين عكف الرهبان و” الصابئة ” على هذا الإرث اليوناني فإنهم قاموا بوضعه على سرير المشرق الديني ، فقطعوا أطرافه المادية وضخموا في اتجاهاته المثالية والصوفية.
لقد رأوا في اتجاهاتهم حماية لاستقلالهم السياسي وانبعاثا لهم ، وتفكيكاً لدولة الخصم الناهبة المسيطرة ، عبر مستوى موادهم الفكرية ، ومستوى جمهورهم الأمي الزراعي والبسيط.
وكانت الدولة الرومانية شكلاً متطرفاً من سابقتها. وقد أدت أعمالها العنفية والاستغلالية إلى التحضير لصعود القوى الإقليمية ” الوطنية ” ومن الداخل الرعوي هذه المرة.
وقد مثـلت هذه الفقرة قفزة في التحليل ، بسبب التداخل الشديد بين الخارج والداخل في المنطقة ، ولكننا نعود في الفقرة التالية لمتابعة مسار التطور الرعوي الداخلي.

6 ــ بداية حضور الرعاة


في أسطورة الخلق البابلي المسماة ( اينوما ايليش ، أي عندما في الأعالي ) المكتوبة في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد ، نجد بعض الثيمات المشابهة للخلق السومري ، فلا تزال الأم هي الخصم ، وهي هنا ( تعامة ) لكن يوجد إلى جانبها إله ذكر هو أبسو ، وقد حدث نمو الآلهة الشابة الجديدة في أحشاء الآلهة القديمة مما سبب إزعاجاً لها ، ويحاول أبسو إبادتها ، لكن الإله الشاب (أيا ) ينزع العمامة الملكية عن رأس آبسو، ويضعها على رأسه ثم يذبحه. فخططت تعامة لإبادة الآلهة الشابة التي ذعرت ، ثم أرسلت إليها الإله (مردوخ) الذي قتلها ، والذي صنع الأرض والسماء من جسدها ثم خلق الإنسان من دماء إله سجين وقتيل الخ ..
إن بابل وهي تتحول إلى مدينة مهيمنة تستعيد الأسطورة السومرية في مرحلة حضارية مختلفة ، مثلما تعيد تشكيل السيطرة السياسية في وسط وجنوب العراق ، ولكنها أيضاً تبدأ من الأسس العامة السابقة للمجتمع السومري ، حيث القصر والمعبد يتحكمان في الملكية العامة ، والملك يصعد ليتحد بالإله مردوخ ، لقد أعطى البابليون الإله (أيا) مكانة الأب الأول ، إرث الانفصال الاجتماعي والسياسي عن المجتمع الأمومي ، ولكن آبسو يشير إلى صعود الرجل في هذه القبائل الرعوية الأكدية التي استولت على العالم الزراعي بشكل متدرج ، مثلما استولت على ثروته الروحية .
إن هذه العملية التغلغلية الرعوية في عالم الفلاحين ، ستتكرر بشكل مستمر ، وتعيد إنتاج نفسها في طبعات متعددة ، ويتكشف الطابع الرعوي في هذه الدموية التي يتصف بها الإله مردوخ ، التي تبتعد كثيراً عن الروح المسالمة التي اتصفت بها الأساطير السومرية الأولى ، وستقوم الدولة البابلية بتوسيع المدى الجغرافي للحضارة السومرية ، دون تغيير الأسس العامة للنظام الاجتماعي ، ولكن الطابع التوسعي المستمر لسلطة المدينة ـ الدولة ، سيؤدي إلى التهام الجيران ، بحثاً عن الفوائض المالية والثروات ، ويقود هذا إلى الحروب ، وظهور مدينة ـ دولة جديدة ، عبر قبائل أو أمم جديدة ، يغلب عليها الطابع الرعوي ، لتقوم بالتوسع وإعادة إنتاج الإرث الديني السابق ، عبر إلهها الخاص ، أو ملكها الكاهن الخ..
إن الرعويين الساميين وهم يبدأون التحكم التدريجي في منطقة المشرق(العربي) سيكونون متداخلين مع الأقوام الزراعية الأولى، بشكل كبير. ولكن الرعاة فيما بعد سيتسعون ويهيمون . إن الأكاديين ، بفرعيهم البابلي والآشوري سيكونون القوى الأولى من الأقوام الرعوية المهيمنة وسيجعلون السيطرة تعم المشرق ، وهم الذين سيقومون بالتوسعات الحربية والسرقة المسلحة الواسعة والدموية للمناطق الأخرى ، فيتعزز الطابع الإمبراطوري ويتحول الإله ـ الملك إلى الضراوة والوحشية الهائلة.
ولاشك إن العبرانيين هم أيضاً من هؤلاء الرعاة الذين تاهوا بين الأمم القوية ، ثم سيأتي الكنعانيون ، الذين سيندغمون بالزراعة والتجارة ، ثم سيأتي الآراميون ، الموجة قبل الأخيرة للرعاة ، وأخيراً سيكون العرب التتويج النهائي لتطور الرعاة وانتقالهم إلى المناطق الزراعية.

7 ــ مقاومة أولى للاستبداد


في هيمنة الملك ـ الكاهن على المدينة لا تتشكل السلطة الشاملة الدموية إلا بصورة تدريجية تاريخية ، فهذه السيطرة المتشكلة في عالم زراعي ، لم يفقد ترابطه القبلي ، ولا جذوره الأمومية ، تتوقف على النمو المتواصل لرقعة المدينة ـ الدولة ، وقد أعطى السومريون هذا الاتساع البطيء الطويل للانتقال من المدينة ـ الدولة إلى الدول ــ المدن المتعددة. وقد لعبت قوى الإنتاج ووسائل المواصلات النهرية والحيوانية المحدودة دورها في النمو البطيء للتوحيد السياسي. لكن الأكاديين، القبائل الزاحفة على الوسط العراقي قامت بتسريع العملية التوحيدية . ولهذا فان الفئات التجارية المختلفة ، كانت تنمو وتتسع. وكان هذا مجالاً للتطور الفكري والاقتصادي المتنوع.
وكذلك كانت مجالس القبائل والمدن الاستشارية تشارك الحكام في إدارات الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
لكن الصعود المستمر لآلة الدولة العسكرية كان يقضي على هذه الأشكال الجنينية من الديمقراطية ، حتى إذا وصلنا للحكام المطلقين فإن هذه المؤسسات تتوارى ، وتصبح البنية الاجتماعية ، بمختلف مستوياتها موظفة لهؤلاء الملوك، الذين يجرون بلدانهم للحروب التوسعية التي تعود على سكان الدولة بالكثير من الموارد والعبيد ، وتوسع المداخيل والتجارة ، والإنتاج الثقافي ، غير إن الشعوب المغلوبة والأقوام الرعاة البعيدة ما يلبثوا أن يشنوا الحروب ويثوروا ، ويؤدي ذلك كله إلى الخراب للمالك الزاهرة ، وإلى سؤ الأحوال والمذابح.
في الصعود المستمر للطغيان السياسي، أو في أزمنة صعود دور الملوك والكهنة الحضاري (التقدمي) في البدء ، تتشكل الأدبيات الدينية، التي لا تضع في اعتبارها دور الناس ، وهو الجمهور المؤسس للمدينة وإنتاجها ، حيث ذوبان جمهور القبيلة في سيطرة زعماء العشائر ، المترافق مع نمو الأجهزة القسرية ، وعبر غلالة الدين التعميمية السحرية، وفي الاحتفالات الطقوسية ، خاصة طقوس الربيع والخصب ، ولكن مع تفاقم الآثار السلبية لهذا التفرد المطلق للطبقة الملكية ـ الكهنوتية ، والاستغلال البشع ، وكوارث الحروب ، فإن كل هذا يؤدي إلى تململ بعض المثقفين والأصوات المتفردة الحساسة ، مثل شكاوى الفلاح المصري الفصيح ، والمثقف البابلي الذي يقول مخاطباً إلهه بلغة شكوى واحتجاج: ( الطعام وفير في كل مكان ، لكن طعامي الجوع/ في اليوم الذي قسمت الأنصبة على الناس / كان نصيبي هو الألم والعناء.) ، (15 ).
إلا أن أفراد المثـقفين هؤلاء يختلفون عن الجمهور العام ، إنهم قادرون على إنتاج وعي غير ديني ، ولكن الجمهور العادي الأمي المنخرط في آلة الدولة العسكرية والاقتصادية والفكرية، لا يستطيع إلا أن يتقبل الوعي الديني المكرس عبر آلاف السنين ، ويتحسس مظاهره وأدواته عله يجد منفذاً ُيسّرب من خلاله معاناته. وهكذا وجد في طقوس الخصب ، التي فيها الموت والميلاد ، وعذاب إله ما ، صلة روحية واجتماعية غامضة ، بهذا الإله على مستوى ملموس ، يلغي به الاستقطابية الشديدة بين السماء والأرض ، بين الفوق والتحت ، بين الحاكمين والمحكومين ، حيث يتحمل الإله جزءً من عذاب الجمهور ، ويكون معه في احتفالاته الطقوسية ، ولا يشكل ذلك خطورة لدى الطبقة الحاكمة من أتساع ونمو مكانة هذه الإله ، الذي سيكون مسؤولا عن العالم السفلي ، أو يعطى أية وظيفة غيبية أخرى تبعده عن المسألة الأرضية للحكم وموارد الخصب.
إن المجمع الإلهي قادر بعد زمن من الصراع على إعادة تشكيل الإله ، وتوظيفه بما يخدم سيرورة النظام الاجتماعي والديني ، ولكن هذا لا يمنع من احتواء النظام الغيبي على تمردات من قبل بعض الإلهة الذين يسرقون أشياء مقدسة ومن خيانة بعض الآلهة للأوامر المركزية من قبل الإله المهيمن ، الذي أراد فناء البشر لأنهم أزعجوه بكثرة شغبهم ، مما دفع الإله لأن يخبر بموعد الطوفان القادم ، فقام هذا ببناء سفينة استطاعت أن تنقذ الجنس البشري من الغضب الإلهي. إن هذه الثغرات التي تتشكل للفعل البشري داخل المنظومة الإلهية المهيمنة في عليائها ، ليست من فعل البشر ، بل من فعل الآلهة ، حسب بناء الأسطورة ، ولكن بعض البشر يحصلون على مكانة خاصة لدى هذه الآلهة ، تجعل آلهة ما يساعدونهم أو ينقلون لهم أخباراً أو أدوات وقوى مهمة.
هكذا نجد البشر وهم يخلقون المجمع الإلهي المسيطر عليهم ، حسب مراحل سابقة طويلة ، يخلقون كذلك أشكال التأثير على هذا المجمع ، حسب فعل بشري جديد ، ولحاجات جديدة ، وفي داخل المنظومة الغيبية المسيطرة خلال هذه المرحلة. ومن هنا فإن الاستغلال الطويل للطبقة المسيطرة ومغامراتها العسكرية وتفردها بالحكم و(الخراج) ، يقود الجمهور الفقير إلى تصعيد آلهة المعاناة والتحول كتموز ، الذي يتجاوز آلهة الانفصال والانعزال ، خاصة آن أو أيل ، ذلك الإله الذكر ممثـل السلطة المفارقة ، ولكن هل يستطيع تموز أن يتغلب على الهوة بين الحكام والمحكومين ، وهل تستطيع الاحتفالات الطقوسية الربيعية ، بما فيها من أفراح واندماج بين الملوك والفلاحين ، أن تشكل تحولاً في حياة الجمهور المستغل ؟
إنها بكل تأكيد تضع أسساً ثقافية جديدة لعالم المشرق (العربي) ، عبر صعود دور الفلاحين ، المُسيّطر عليهم كذلك من قبل القوى المهيمنة ، التي تدخل الإله المعذب المتضافر مع الدورة الزراعية ، والذي يكون جزءً حميمياً من عالم هؤلاء ، فتخلق أدوات جديدة للسيطرة عليهم ، وكذلك مخارج ومتنفسات للحلم ، بحيث يصير الغيب القادم ، جزءً من الحلم الشعبي بديمومة جديدة ، ويبدأ العالم الآخر في الصعود بحيث يغدو ملكية عامة مشاعة ، وبديلاً عن الملكية العامة المسروقة . ويظهر توحد المشرق (العربي) هنا في تشكل نموذج شبه موحّد للإله المعّذب ، فتموز نجد إلى جنبه أدونيس في فينقيا أو بلاد كنعان ، أو أوزوريس في مصر . إن وحدة الآلام والأحلام هذه تشكل خلفية هامة لوحدة السكان في المنطقة ، ولما هو مشترك بين المنتجين. كما تعبر كذلك عن الاغتراب وهيمنة الدول والمستغلين.(16).
إن الغيب القادم المأمول ، وبطبيعة الحال لم يأت بلا نضال ، إذا كان مشاعاً بشكل كلي فلن يفيد النظام الاجتماعي وسيطرة الحكام الذين قبلوا به ، بعد مسيرة طويلة من الرفض واحتكار اليوم الآخر ، ولهذا فإن تعديلات وتحويرات هامة تشكلت على هذا القبول ، بحيث يكون المنتقل إلى العالم الخالد ، مواطناً صالحاً في حياته ، لم يهن الآلهة ووصاياها ، أي لم يتمرد على نظام السيطرة الذي وضعه الملوك ــ الكهنة. ولا شك إن ثمة قيماً إنسانية هامة في هذه الوصايا ، فليس الأمر مخططاً شريراً ، بل هو عملية صراع معقدة ، متداخلة ، بين ما هو استغلالي أناني وما هو شعبي باحث عن الخير ، وعلى العموم فإن حصول منفذ من نظام القهر(الدنيوي) ، الذي سدت الآفاق في تبديله والقضاء عليه ، سيكون كذلك عملية معقدة تنمو عبر التفاعلات ، بين جنة ديلمون التي صنعها الخيال والحلم السومري ، في مياه الينابيع والنهر وعلى جزيرة البحرين ، وبين المحرقة ـ المزبلة التي ظهرت شرق القدس ، والتي أسمها (جهنم) ، (17 ).
إن تصعيد عناصر المقاومة في الدين تم على نحو بطيء وطويل ، فاليوم الآخر لم يكن إلا من نصيب الطبقة العليا في مصر ، ومع صعود عبادة أوزريس تمت ” دمقرطة ” البعث ليكون من نصيب الجميع ، وأخذت الأعمال الحسنة تغدو هي المعيار ، وبطبيعة الحال فإنها لم تكن تفلت من ميزان المسيطرين ، لكن عبرها تشكلت عجينة مشتركة للمؤمنين.
وفي هذه المادة الثقافية المشتركة تتم عمليات التعبير عن الآلام والصبر والانتظار والغضب والحلم.

8 ـ الدين كوعي ( وطني ) متباين


يغدو الدين كفكرة مصاغة من قبل القوة الاجتماعية العليا فكرة قبلية و(مدنية) ووطنية ، لأنه كشكل للوعي لم ينفصل عن وعي الجماعة ، لكن يُلاحظ الفرق الكبير بين الدين في المشاعية والدين في المجتمع المنقسم اجتماعياً ، حيث كانت سمات الأمومية والخصوبة والتعاون تظلل آلهته ، في حين تصاعدت جوانب القوة والعنف والهيمنة مع آلهة النظام الطبقي ، مما يعبر عن تصاعد دور الدولة كجهاز قسر وتحكم.
وفي الفترة الأكادية التي يظهر فيها عنف الألوهية وشراستها ، تبدو كمرحلة مختلفة عن ألوهية العصر الأمومي الخصوبية ، وعن المرحلة اللاحقة وهي التي ستنمو بالتضاد مع آلهة الساميين الرعويين الباطشة ، والتي تغدو تركيباً من مرحلة الأمومية وصعود الإله الذكر المعبر عن مرحلة الدولة والطبقات ، في توليفة متجاوزة للعهد (السامي الأكادي) وسيكون ذلك تجميعاً مشرقياً ، وإن كان بصورة متفرقة ، لإله الخصوبة وقد صار ذكراً ، وتجلت فيه فعل الطبقات المقهورة كذلك ، بعد أن كانت الصياغة الأساسية في المجتمع المشرقي الطبقي ، من فعل الطبقات القاهرة.
لكن فعل هذه الطبقات المقهورة يتجلى من خلال إرثها الزراعي ، حيث تتشكل الآلهة المقاومة المعَّذبة المتمزقة ، وهو ما يعكس تغييب الفعل البشري في الطبيعة ، وجعل ذلك في رموز متفردة مفارقة في نهاية المطاف ، تزيل ملامح ما هو سياسي واجتماعي .
إن الدين لا يعبر فقط عن القاهرين بل عن المقهورين أيضاً ، فالطبقات المتعددة ترى الإرث الديني بصور مختلفة ، وقد عكست المرحلة التموزية على سبيل المثال ، فعل الطبقات الشعبية ، خلافاً للعصر السابق ، ولكن القوة المسيطرة تقوم دائماً بالتسلل إلى البنية الدينية التي غدت شعبية فتوظفها لما لم تكن لها بداية ، عبر نزع المضمون النضالي العميق لها ، وتحويلها إلى أشكال عبادية مُفرغة من ذلك المضمون ، ومؤدية إلى التهدئة الاجتماعية والاستسلام.
ولهذا سنجد في الميراث الديني عموماً هاذين الجانبين المتضادين المتداخلين ، جانبي المقاومة والاستسلام ، جانبي الكفاح للتغيير أو تأجيل الأهداف إلى الغيب.
وإذا كان الجمهور ، حسب وضعه التاريخي ، لا يجد سوى المادة الدينية ، فإنه سيقاوم داخل غيبها المموه ، وسوف يكسر بعض المحرمات والمقدسات السابقة ، ويشكل مقدسات جديدة يحرك بها التاريخ المجّمد ، في امتيازات الحكام ، وهذه اللحظة هي التي تنفث حرارة بنقد الظالمين ، فترى إن التاجر لا يدخل من خرم إبرة حسب الإنجيل ، وإن المرابين والمستغلين مدانين وإن للفقراء ملكوتاً قادماً ، وبعدئذٍ حين يكون الدين في موقع تاريخي مختلف ، وتتغير علاقته بالطبقات المتصارعة ، وينتقل من التعبير عن طبقة مستغلة إلى التعبير عن النظام الاجتماعي ، أو عن كل القبائل ، أو عن الوطن كله ، حينئذٍ تتبدل صياغاته وتستقر توجيهاته العامة في شكل تصالحي غامض ، ثم تبدأ الطبقة المسيطرة ، أو الطبقات المسيطرة ، حسب المناطق والدول ، في إعادة تشكيله ونزع مضمونه الثوري الذي تشكل في المرحلة الأولى ، حين كان وليد الطبقات المقهورة.
ولكن عملية إعادة إنتاج الدين لا تتوقف ، فهذا التكييف الفوقي ، يقابله تشكيل تحتي ، والأشكال الخارجية من العبادات التي تحاول الطبقة المسيطرة تحويلها إلى قيد اجتماعي للسيطرة اليومية والأهداف السياسية قد تتحول إلى شكل مضاد الخ..

9 ــ الزراعة كاقتصاد مهيمن

إن مساهمة فرعي الاقتصاد الأساسيين: الزراعة والرعي في تطور المنطقة ، يعتمد على عناصر مختلفة كاستئناس الحيوان وتطور الأدوات المعدنية ، وهذه العوامل كبيرة الأهمية لكون عالم الزراعة سيبقى بلا تطورات جذرية ، في حين إن استئناس الإبل والخيول وجلب المواد الحديدية ، الذي سيكون من مساهمة الأقوام الأكثر بربرية وهم ( الهكسوس ) ، ملوك الرعاة ، والذين جاءوا في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد وأحدثوا الكثير من الخراب كذلك ، إن هذا سيؤدي إلى الفعالية الكبيرة للرعاة على حساب المزارعين. إن انتشار الحديد والخيل وتغلغل الإبل في الجزيرة العربية ، سيروض المناطق الأكثر أتساعا وصحراوية في المنطقة ، والتي ستتمتع باستقلالها شبه المطلق ، في منطقتها الصعبة الوعرة، وقد حاول الرومان مرة واحدة غزوها في حملة فأصيبوا بكارثة( 18).
لقد كانت الزراعة وتوابعها: الحرف والتجارة، هي سيدة المنطقة فيما قبل غزو الهكسوس ، لكن القرون التي تلت بدأت تصعد أقوام الرعاة كالآراميين ، الممهدين الأخيرين للعرب جنساً ولغة.
وإذا كانت الزراعة لم تنفصل كلية عن الرعي في حقبها الأولى ، وقد حدث الانفصال حين تمكن الرعاة من استئناس الحيوانات ذات الأهمية القصوى في تطورهم وهي الخيول والإبل ، فإن الرعي لم ينفصل كلية عن الزراعة ، فحين تتواجد الظروف المائية الكافية كان يمكن الجمع بين الاقتصادين ، إلا أن الانفصال الكبير قد حدث ، ووجدت الساحة الأكبر لتطور الرعاة ، وهي الجزيرة العربية ، فيما بعد مجيء الهكسوس.
ويلاحظ أن الممالك العربية الأمومية في شمال الجزيرة العربية ،( 19) ثم الممالك السواحلية المتعددة في اليمن والحجاز والبحرين وعمان ، كانت أقل رعوية من الداخل ، وذلك بسبب نشؤ المدن والزراعة. إلا أن العمق الرعوي هو الذي كان يتحكم في الحركة التاريخية للعرب ، حيث لم تستطع أي مدينة أن تفرض نفسها على الرعاة الأشداء وعبر المنطقة الهائلة الاتساع.
ويمكن ملاحظة بدايات التطور الحضاري لدى العرب الشماليين القيسيين ، في مدائن صالح ولدى المناذرة والغساسنة والأنباط ، وفي الشريط الحضاري للحجاز، والذي تناثرت فيه المدن التعدينية ، حتى جاءت مكة تتويجاً لمخاض اقتصادي واجتماعي طويل ، ( 20).

10ـ الزراعة والفروع الأخرى من الاقتصاد

تشكلت المدن في المشرق من القرية الزراعية ، التي كان المعبد ثم القصر شكلي التطور السياسي الديني المهيمن فيها ، فمن الزراعة في المشرق الخصب تشكلت السلطة السياسية التي سيطرت على خريطة المدن والمجتمع ، ومن خلال فائض الزراعة ثم الحرف والتجارة كانت تتشكل الحياة الاجتماعية والثقافية المختلفة.
إن الزراعة لا تمثل تشكيلة اقتصادية ـ اجتماعية ما ، مثلها مثل الرعي، والحرف ، فهي مهن وعمليات إنتاجية وتوزيعية متعددة ، لكنها كانت حرفة واسعة ، بل المصدر الأساسي للإنتاج ، حيث تواجدت الأنهار الكبرى ، وأنتجت أوسع الحقول الزراعية. وقد هيمنت الدولة هيمنة مطلقة ، بسبب ما رأيناه من صعود سريع للأجهزة الاقتصادية والسياسية ، فخضعت الحرف والتجارة للتطورات الزراعية مستفيدة من فيضها ومؤثرة عليها بن ، إلا أنهما خضعتا لتطورها في النتيجة النهائية ، فعلى طريقة توزيع الفائض الزراعي يتحدد التطور الحرفي والتجاري.
لقد كانت الطبقة المسيطرة تستلم الفائض الزراعي بصورة عينية أو بصورة ـ عينية نقدية ، ثم تركزت الفوائض بشكل نقدي شبه كلي في سيرورة التاريخ ، حيث يمكن تحويل النقد إلى أي بضاعة أخرى. وعبر هذا الاستلام تتكون مؤسسات الدولة ، فهي ليست سوى خزانة لتراكم استغلال الفلاحين ، وبعد الخزانة تتشكل المؤسسات التي تقوم بحسابها أو الدفاع العسكري عنها.
ولا تلعب التجارة والحرف دوراً مستقلاً في تطوير الاقتصاد ، فهما مربوطتان بفوائض الزراعة ، التي تتحكم بها الخزينة الملكية ، والتي تغدو مشروعاتها الاقتصادية والاجتماعية رهن بذاتية الحاكم المطلق ، أي بأسباب مرحلته ، وأسرته ، ورغباته ، وأفكاره ، وسنه الخ..
وهكذا فإن الزراعة التابعة للطبيعة تبعية شبه مطلقة ، ستهيمن على الحرف والتجارة من خلال تحكم الأسرة الحاكمة أو القصر ، مما يلحق هاتين المهنتين كذلك بالتبعية للطبيعة و” أقدارها “. وكأن كل شيء سيتعلق بالحاكم المطلق ” الإله “.
إن ذاتية الحاكم لا تنفصل عن طبقته ، ومرحلتها وصراعاتها ، وهي لا تلعب دورها الحاسم إلا من خلال هذه العوامل الموضوعية. وإذا كان الحاكم قد توحد بالإله ، وغدا جزءً منه ، أو امتدادا أسرياً ، أو تجسيدا نورانياً له ، فما ذلك إلا شكلاً للسيطرة الشاملة للحاكم على المدينة و(الرعايا) ، أو المملكة ، أو الإمبراطورية الخ ..
إن التجارة بالتحاقها بالقصر تكون قد فقدت قدرتها على تفكيك الملكية الزراعية العامة الشاملة. فرأس المال الكبير لا ينمو إلا عبر الأرباح المتراكمة وهي التي ستأتي من التجارة بالمواد الهامة والثمينة التي يستعملها القصر ، ثم القصور الملكية المتعددة ، ومن ثم بذخ الطبقة الحاكمة كلها من وزراء ورجال دين وتجار كبار الخ.. ولهذا فإن رأس المال لا يتعامل علمياً بالحرف وأدواتها وآلاتها إلا إذا كانت ستلعب دوراً في إنشاء قصر أو عمل مركز رصد للحاكم أو قبر الخ .. ولهذا فإن العلوم ستغدو مجموعات من المعارف المُفككة ، وليست مناهج علمية تغربل المعلومات المختلفة وتنميها.

11 ــ نمو الرعي في الجزيرة العربية

وإذا كانت الزراعة هي أساس تشكيل الفائض الاقتصادي الأساسي وتوزيعه ، في المناطق الحضرية النهرية ، فإن الرعي هو أساس تشكيل الفائض الاقتصادي الأساسي في المناطق الصحراوية . ورغم أن الفوائض هنا قليلة ومحدودة ، إلا أنها تظهر وتتدفق على المدن والأسواق . فالرعي لن يكون سوى ملحق أخير باقتصاد المدينة ، حيث يسيطر الحاكم المطلق ، وسيقوم بتبادل سلعه التي ينتجها من قطعانه مستبدلاً بها السلع الضرورية كالمواد الغذائية والملبوسات والأسلحة. ولن تلعب هذه الفوائض دورها إلا في المدن الصحراوية والقرى ، التي ستمد الرعاة بالوسائل التي تجعلهم يتغلغلون أكثر وأكثر في الصحراء ، وخاصة رعاة الإبل ، الذين عبرهم ستتم عملية الانتشار الأوسع في الصحراء ، وخلق القبائل الأشد فقراً وتوحشاً. وسيبدو هؤلاء الرعاة الجماعات الأكثر تضاداً مع بذخ المدينة ومراكزها الكبيرة خاصة .
وكلما أنتشر هؤلاء الرعاة ، احتاجوا إلى المزيد من الأبناء الرجال ، فتتسع قبائلهم ويشتد الفقر في مستوياتها التحتية ، في حين ينفصل رؤساء القبائل والعشائر ، ويكونون أرستقراطية خاصة ، تشكل مصدراً آخر لاستغلال الرعاة ، ويستطيع هؤلاء الزعماء أن يحولوا القبائل إلى شرطة سياسية وعسكرية واقتصادية للدول التي تريد خدماتها ، أو لخفر قوافل التجارة ، أو إنهم يتحولون بأنفسهم إلى لصوص وقطاع طرق فيشنون الغارات على القبائل الأخرى أو المدن العامرة بالثراء.
لكن لحمة القبائل لا تتفكك مهما كانت عمليات التخلخل الاجتماعي داخلها ، ومهما ظهر الصعاليك والمتمردون ، ومهما أستغلهم رؤساؤهم ، فالوحدة القبلية أقرب للتكوين البيولوجي منها بالتكوين الاجتماعي ، فهي التي تكونت وتحجرت في الصحراء وقاست وصمدت لقسوتها. إن القبيلة تغدو هي الرحم الطبيعي للفرد ، ولهذا فإن القبائل عبر هذه الوحدة الصخرية تغدو قوى اجتماعية كبيرة منظمة في مواجهة مدن مستغلة ومفككة.
إن القبيلة هي أشبه بوحدة عسكرية متنقلة ، قادرة على الترحال والصمود في أقسى الظروف المناخية والاقتصادية ، وهي قوة موحدة وقتالية جاهزة ، وتمتلك مواردها واستقلالها الروحي والمادي ، وهي لهذا تصبح قوة مؤثرة في مواجهة المدينة ذات المصالح المتباينة ، خاصة عندما تبدأ مؤسسات المدينة في التفكك والضعف . وتصبح الأمور أشد خطراً حين تتآلف القبائل وتتحالف ، وتكون قبيلة كبرى.

12 ــ ظهور الرعاة على المسرح التاريخي

وقد تباينت التطورات الدينية بين القسمين الحضاري الزراعي والرعوي الجنوبي ، مثـلما حدث الانقسام الاقتصادي بين الجانبين ، ولكن التكوينين لم يكونا متضادين بشكل مطلق ، فالجانب الرعوي والذي يمكن أن يتحول إلى قرى ، أو قد يسكن المدن فيتحضر ، يتأثر بمنتجات المدن المادية والروحية ، لكن هناك تباينات واسعة مع ذلك ، فنحن نجد الهكسوس في احتلالهم لمصر يعبدون الإله الشيطاني فيها( ست) ، متوجهين إلى شبه توحيد ، رافضين شبكة الآلهة المصرية المعبرة عن حشود من العالم الزراعي المسالم ، وظهر التوحيد اليهودي بعد الانقلاب التوحيدي الاخناتوني ليعبر عن حلم هؤلاء الرعاة المشردين بتكوين دولة.
هنا نجد مثالاً ملموساً حول تضادات الأمم الرعوية والزراعية ، فالقبائل اليهودية عبر توحيدها ، تحاول أن تشكل سلطة سياسية وفكرية داخلها أولاً عبر الالتفاف حول إلهها (يهوه) ، رغم إنها لم تستطع بعد أن تتخلص من عبادتها لأيل الإله الكنعاني ، وهو الصيغة الأخرى لآن الرافدي ، الإله المتعالي الذي لم ينفصل كلياً عن بقية الآلهة المتشكلة في مناخ الخصب ، فهو إله المدينة ــ الدولة، التي رأينا كيف ظهرت بالهيمنة على الملكية العامة الزراعية. أما يهوه فهو إله المدينة التي لم تتشكل بعد ، أي إله الرعاة الحالمين بتشكيل دولة. وحين قام الإله بذلك عبر تشكل الدولة ومؤسساتها ، نجد التوراة تشكو من ملوك إسرائيل الذين لم ينفصلوا كلياً عن أيل وعن تقاليد المشرق (العربي) ذات التعدد الإلهي.
فقد عاد الإله الرعوي إلى منطقة أيل ذات الخصب الزراعي .
إن ظهور اليهود والعرب على مسرح التاريخ في المنطقة أحد المؤشرات على صعود دور الرعاة . وصحيح أن الرعاة كانوا قد ظهروا عبر عمليات الهجوم والاكتساح من قبل الهكسوس و” الكاسيين” ، والعديد من المؤرخين والباحثين يقول بأن اليهود والعرب هم من هؤلاء الغزاة ، (21) ، إلا أنه لأول مرة نجد الرعاة كجسم اجتماعي وسياسي مستقل ، وينبثق من داخل تكوين المنطقة ، أي من مفرداتها الثقافية.
وتتمكن القبائل اليهودية من تكوين دولتين مستقلتين بعد قرون ، إلا أن الدولتين اليهوديتين المقامتين لا تفلحان في الصمود على مسرح المنطقة ، بسبب وقوعهما بين الدولتين الكبريين الرافدية والمصرية ، أساس الكيان الاستبدادي الراسخ في المشرق.
هنا نجد الإله الرعوي يتحول إلى إله دولة ، دون أن يستطيع الإفلات من تقاليد المنطقة لقد أوضحنا كيف انبثقت الدولة ـ المدينة في المنطقة الزراعية عبر نماذج العراق وسوريا ، مما مثـل وحدة صراعية بين الإله المتعالي الذكوري المسيطر وبقية الآلهة الذكورية والأنثوية ، فهذه الوحدة يشدها قطبان دولة مسيطرة متعالية واقتصاد زراعي بتقاليده الأسطورية ، مما يمنع الأنفكاك بين قطبيها. إن آنو لا ينفصل عن تموز ، وآيل لا يلغي بعل. ورع لا يزيل أوزوريس.
ومشكلة الإله يهوه إنه يحاول أن يلغي أيل بعد أن جثم في موقعه ، لكون التميز اليهودي ومشروع احتلال فلسطين يصطدم بتواجد هذا الإله . وليس هذا فحسب بل أن كراهيته لبعل أشد ، حيث تتجسد التقاليد الطقوسية الفلاحية. وهو إله يسعى في ذله الطويل أن يعوض عن هذا الاستعباد والدونية ، دون أن يمتلك القدرات البشرية والمادية الكافية لكرامته. ولا تفعل سلسلة الأنبياء والمعجزات في تصعيد التكوين السياسي الزراعية ، وفيما بعد ، في عهد الأسر البابلي يعتبر ذلك التداخل هو سبب الكوارث والنكبات التي حلت على بني إسرائيل ، دون أن يخطر بباله إن وقوعه على طريق مرور الإمبراطوريات ، ومحاولته التميز والتفرد الإلهي بقدرته البشرية القليلة في ذلك المكان هي أ سباب كوارثه المتلاحقة.

13 ـ تناقضات يهوه

هكذا رأينا الإله الرعوي محملاً بالبروق والرعود ، أي بعناصر القوة الرمزية، وهو يخرج من مصر بتقاليدها الزراعية ، داخلاً في منطقة زراعية أخرى ، فلا يستطيع الانفكاك من شريط العالم الأخضر بتقاليده الطقوسية ، إلا عبر تكريس نفسه في العزلة ، والعيش في الصحراء ، واستثارة التقاليد الحربية حتى يقتحم الأرض (الموعودة). إن هذا الحراك الرعوي أنتج الإله شبه المجرد ، رغم إن المرحلة الفكرية للشعب(المختار) لم تكن قادرة على تجسيد الإله إلا بشكل حسي . فالرعاة مثلهم مثل الفلاحين ، لا يستطيعون الوصول إلى التجريد ، خاصة وإن الإله المجرد غير ممكن تشكيله في المرحلة الدينية الأولى في المشرق ، حيث تتطلب العلاقة بين القائد السياسي(النبي ) والجمهور الأمي ترابطاً قوياً يتيح للقائد تحريك الجسم الرعوي، الذي يتم تدريبه وتوجيهه، لاحتلال المنطقة الزراعية المقصودة. ولهذا فإن تشكيل الإله المجرد أمر غير ممكن وغير مفيد، ومع هذا فإن هذا الإله لا بد أن يكون مختلفاً عن آلهة الأمم المجاورة ، وهي الفضاء الفكري الوحيد المتاح. وهي كلها آلهة مجسدة ومنظورة.
إن المهمات السياسية المطلوبة من نمط الإله ، والمستوى الفكري لحملته المدعوين لتنفيذ تلك المهمات ، هي التي تجعل صورة الإله اليهودي تنوس بين التجريد والملموسية ، بين أيل وبعل. إن هذه الانفصالية غير ممكنة للشعب العادي ، وإذ تحدث العملية شبه التجريدية للإله فهي لا تدوم ، سواء إذا غاب النبي لوقت وجيز ، أو إذا أسس خلفاؤه مملكته.
إن الرعاة أنفسهم مرتبطون بالتقاليد الزراعية الأقوى حضوراً حتى ذلك الحين. وهم في ذات الوقت مرتبطون بالفضاء الفكري للمنطقة ، والمتسم بالتجسيم المادي للآلهة ، والتجسيم ليس سوى تعددية للآلهة تعكس تعدد مستويات السلطات في العالم القديم المفكك اقتصادياً ، سواء على مستوى المدن أم الأقاليم أم القبائل أم الأسر ، وكل هذه تخلق آلهة، والآلهة المضادة كذلك وهي الشياطين والعفاريت ، فالأبيض النوراني يخلق الأسود الشرير ، وقد نشأت الدولة الاستبدادية في المشرق عبر تجاوز هذه التقسيمات وعبر السيطرة عليها ، فآن أو أيل يهيمن بشكل علوي ، ويترك شبكة الآلهة الأقل ، أو السلطات المحلية المختلفة، تعمل وتستقل ذاتياً، وهذا ما يتيح الوحدة و التعددية والاختلافات والصراعات بين الآلهة ، مما يشكل إمكانيات للدراما المسرحية والسياسية والفكرية ، مثـل هذا المناخ يمكن أن يبرر الصدامات والتباينات في العالم الأرضي ، الذي هو حسب الوعي السائد ، لا يمتلك إمكانية تشكيل مصائره بنفسه ، بل يعتمد على القدر الإلهي ، وعلى خرق هذا القدر عبر مساعدة آلهة أخرى ، فيمكن رد مختلف تباينات الوضع الإنساني ، إلى اختلافات علوية ما.
إن ألواح القدر التي تكتب وتقدم في بدء موسم احتفالات الخصب في بابل ، معبرة عن مقادير الإنتاج التي يقدمها الناس ، هي التي تحدد مصائر السكان لسنة كاملة غير قابلة للنقض ، وقد يكون في هذه الألواح طوفان أو هجوم أجنبي أو خير عميم ، وفي الواقع فإن الأقدار لا تعرف إلا بعد حصولها ، ومن ثم تكتب لاحقاً ، ولكن هذه الطريقة توضح الحالات التجسيمية التعددية للوعي الديني ، ولكن مع صعود الإله الواحد المسيطر بشكل مطلق على الوجود ، تدريجياً أم دفعة واحدة ، فإن هذه الإمكانيات للصراع والتباين الإلهي ـ البشري تزول ، حيث يغدو الوجود من صنع إله واحد ، ويحدث التساؤل في الوعي الديني التوحيدي عن أسباب الخلل والتناقض في الحياة المخلوقة من صنع إله واحد .
إن الضرورات السياسية في مصر في عهد إخناتون ، حين أراد أن يجهز على سلطة الكهنوت ويمركز السلطة في يديه ، وجهته نحو تعميم عبادة آمون ، مثلما قادت الضرورة القبائل اليهودية إلى إله واحد مخصص لها ، لم يصبح الإله الكوني الوحيد إلا بعد أن تفاقمت الهزائم والكوارث على هذا المشروع السياسي ، فوجه الحاخامات الشعب اليهودي نحو الإله الواحد تجسيداً مطلقاً لحلم زال.
لكن توجيه الأمور نحو ظهور إله واحد لا بد أن يعيد النظر في الإرث الديني التعددي والتجسيمي السابق ، فيزيل كل عوامل الصراع الإلهي ـ السياسي ، ويمركز السلطة في ذات وحيدة ، في سلطة واحدة مطلقة.
إن الفلاسفة فيما بعد سوف يتصارعون بشدة حول هذا الإله الوحيد ، الذي رأينا كيف تتجه صورته إلى التجريد أكثر فأكثر ، نظراً لحاجات الشعوب للمركزة السياسية أو تكوين دولة جديدة ، ولن يعرف هؤلاء الفلاسفة كيف يجمعون بين إله مجرد، وهو أيضاً ذو تدخل وملموسية وحضور مادي ، عبر مناهجهم المجردة واللاتاريخية.
إن الحاجة تدفع لبروز الوعي بإله وحيد مجرد ، لتذويب الوحدات السياسية ـ الاقتصادية المتباينة وتشكيل دولة موحدة ، ولتجمع السلطات بين يديها، ولكن تجميع السلطات في لحظة تاريخية ما لابد أن يقود في لحظة أخرى إلى تفكيك هذه السلطة المركزة ، فتتراوح صورة الإله المجرد بين لحظتين متضادتين: التجريد الأقصى والوحدانية ، وبين التعددية والملموسية المباشرة.
في التجريد الأقصى تقع صورة في العزلة والنأي عن الوجود المادي ويستحيل معرفة كيف تتم العلاقة بين المجرد الكلي والأشياء ، وفي التعددية والملموسية ، تقع صورة الإله في دائرة الامتداد والحركة والتجسيم.
إن الرعاة وهم يريدون تشكيل دولتهم يستعينون بفكرة الإله الوحيد ، تعبيراً عن الرغبة في الدولة الموحَّدة ، وحين يقتحمون البلاد الزراعية ، يريدون الاحتفاظ بهذه الواحدية ، التي يرفضها سكان المناطق الزراعية.
إن صورة الإله الوحيد المطلق تظهر إذن وهي لا تزال في دوائر التجسيم ، لم تصر شيئاً مجرداً ، لكونها تمثـل تطوراً في نمو الأساطير ، وليس نتاج الفكر المجرد. إن الأسطورة العبرية ، وقد تشكلت من رغبة في تشكيل دولة وإله خاص مسلح ، تحتك وتصارع أساطير أمم المشرق(العربي) ، ثم يقوم مثـقفوها بالاستفادة من التراث الرافدي والمصري ، ليغنوا صورة إلههم الفقير روحياً ، والمنتزع من براكين البحر الأحمر ، فيأخذوا من هذا الإرث مسألة الخلق الأول لأبي البشر وقصة نوح وأيوب وغيرها من القصص والعناصر ، وتلغى تعددية الآلهة بما يتوافق مع مركزية السلطة وواحدية الإله. ثم يعود هذا الإرث إلى فلسطين ليبدأ نزاع جديد.
لقد أنتصر الإله الرعوي بإرث المناطق الحضارية ، فعرف العبرانيون كيف يستغلون ثروة أمم المشرق الروحية والمادية ، ودون أن تتشكل الدولة ـ الحلم.
ولكن حين جاء الإغريق ثم الرومان المحتـلون لم يستطع هذا الإله أن يكون أداة مقاومة ، فهو لم يكن موجهاً للأمم الغريبة ( الأغيار ) ، وهو مع تواجده في منطقة الخصب الزراعي ، وقف نائياً ورافضاً تقاليدها وطقوسها الاحتفالية الربيعية ، وهي ذات المكانة المركزية في حياة الفلاحين ، إن عداءه لأيل وبعل ، كان يدفع أمم المشرق لإنتاج وعي جديد يتجاوز الديانات الوثنية من جهة ، والديانة الرعوية الانعزالية اليهودية ، من جهة أخرى.
إن نمو المسيحية من رحم اليهودية لم يحدث إلا بسبب إنتاج اليهودية لصورة لإله غير وثـني ، وهي التي ستكون تجاوزاً للتفتيت السياسي ، ففيها حلم توحيد المشرق ( العربي ) عبر سلطة واحدة ، هي نفي للماضي المتشرذم ، وللهيمنة الأجنبية ، وهي كذلك استعادة لآن وأيل ورع ، وقد تخلصوا من ثيابهم الوطنية ، ولكن المسيحية هي أيضاً تموز وبعل وأدونيس وأوزوريس ، هي الابن الفادي ، والإله الذبيح ، أي هي أيضاً استمرار للاحتفالات الطقسية القديمة ، إرث شعوب المشرق الزراعية الطويل. هكذا يغدو الأب والابن تجاوزاً للمسميات وتوحيداً لها في أسمين عائلين مجردين وعامين ومخصوصين. لكن المسيحية وقد اعتمدت اللاعنف ، وتغلغلت بين الفلاحين وسكان المدن والعبيد ، عجزت عن الوصول لتوحيد سكان المشرق العربي ، مركز الفعل الحضاري في الشرق الأدنى ، وخاصة الأقسام الرعوية الواسعة ، التي أصبحت تمتلك قدرات سكانية كبيرة. ثم دخلت المسيحية في انقسامات وتم استيعابها من قبل الإمبراطورية الرومانية ، فلم تستطع القيام بمهمات توحيد المنطقة و”تحريرها”.
إن الأديان المشرقية : اليهودية والمسيحية والإسلام تمثـل إذن درجات المقاومة المتصاعدة من الحلقة الأقل حضوراً إلى الحلقة الأوسع والأقوى سكاناً.

15 ـ التوحيد العربي

كانت هذه المهمة من نصيب القوم الرعاة وهم العرب ، الذين أتاحت ظروف جزيرتهم العربية ، المحكمة الإغلاق أن يتكاثروا فيها ويتطوروا ، ولا توجد منطقة رعوية بها هذه الخصائص الفريدة ، حيث القرب من المناطق الحضارية المركزية ، واستيعاب منجزاتها ، والنأي أيضاً عن سيطرتها .إن عشرة قرون من الاحتلالات الأجنبية للمشرق الذي أخذت تتشكل فيه جذور للعروبة ، والتي تمتد من عمق الجزيرة حتى بوادي الشام ، لم تظهر فيه قوة محلية قادرة على طرد الغزاة ، وقد أصبحت السيطرتان الرومانية والفارسية عبئاً ثقيلاً على المنطقة ، حيث تذهب الفوائض المالية إلى العاصمتين فتهدرانها في البذخ والحروب ، ولهذا فإن المناطق الرعوية والريفية تعيشان أزمة اقتصادية . ومن المعروف كيف تدهورت حياة أسرة هاشم بن عبد مناف ، وكيف تفاقمت الديون وحياة الفقر في مكة على سبيل المثال.
وقد أخذت الجزيرة العربية منذ زمن بعيد الإرث الثقافي للمشرق ، وخاصة للقبائل والشعوب السامية الشمالية ، وقد كان الاحتكاك بين الجانبين كبيراً وعميقاً على مر التاريخ.
( يبدو أن مفهوم ” آن ” ـ (السيد) ظهر في التاريخ في حوض النهرين الأدنى قبل الألف الرابع ق .م. وظل كصفة للقوة والسلطة المطلقتين اللتين توحي بهما السماء (الله بمفهومنا) مترسخاً في الذهنية الحضارية السورية لأكثر من ألفي سنة. وفي العصور المتأخرة ساد هذا المفهوم أيضاً في العربيتين الشمالية والجنوبية ) ، (22 ).
ويذكر المؤلف في العديد من الصفحات الأماكن التي التصقت بآن وأيل في مختلف أنحاء المشرق كظهران وجيزان وغمران ، أو سعد إيل وتيم إيل (23) .
إن تحرك إيل أو آن نحو المناطق الأشد رعوية كان لا بد أن يؤدي إلى تغيرات في بنيته ، فقد ظهر في عالم المدينة ـ الدولة ذات المحيط الزراعي ، وداخل شبكة من الآلهة المتعددة ، تعبيراً عن الوحدة الصراعية بين الدولة المتعالية والجسم الفلاحي.
لم يحدث الإنفكاك بين صورة الإله المجردة ومحيطه الزراعي إلا في لحظتين سياسيتين ، هما لحظة الإله آتون ولحظة الإله يهوه ، وكلتا اللحظتان تشيران إلى مشروعين سياسيين تحوليين هامين في المنطقة ، فإخناتون حاول الإطاحة بتعددية السلطات الدينية والسياسية ، وتركيزها في يديه ، فواجه الكهنة ولكن لم يستطع أن ينتصر لأسباب تاريخية واجتماعية عميقة ، فتكوين الإله المجرد المفارق كلياً للأرض الاجتماعية الزراعية التي تكون منها ، وظل على علاقة صراعية متداخلة بها ، أمر لم يحدث ولم يتشكل.
إن هذه الإمكانية ممكنة فقط في حالات مخاض العالم الرعوي عن مشروع تكوين سياسي جديد ، ولعل ثمة علاقات بين إخناتون والعالم الرعوي ، أي أن ثمة مواداً مشرقية تغلغلت في الوعي المصري السائد وراحت تحفزه للتوحيد الاجتماعي وتذويب الوحدات الاقتصادية والسياسية والفكرية المفككة ، في تكوين سياسي واحد وصلب . إلا إن هذا يحتاج إلى أساس اجتماعي مختلف ، أي إلى تنام لعلاقات اقتصادية لا تسود فيها الحياة الزراعية. وكان هذا أمراً غير ممكن موضوعياً في مصر.
واللحظة الثانية ، وقد أشرنا إليها سابقاً ، وهي لحظة الإله يهوه ، المنتزع من عالم غير زراعي ، والتي أعطته فترته السياسية التكوينية ، بين المشروع وتجسيده ، إمكانية التجريد والعلو فوق العالم الزراعي وبنيته ، دون أن يتمكن من المفارقة والتجريد الحقيقي ، فظل إلهاً ملموساً لقبائل تريد غزو أرض زراعية ، وحين حكمتها ، لم تستطع إلا أن تتردد بين صورتي الإله المختـلفتين. ولم يصبح هذا الإله مجرداً ومنفصلاً عن البنية الزراعية إلا حين أصبحت الجماعات اليهودية مالية وتجارية ، وانفصلت بشكل كبير عن فلسطين ، وغدت قوة النقود واستغلال الأمم الأخرى هو ما يوحدها.
ونستطيع أن نلاحظ إن ثمة قوة مقاومة للاحتلال الروماني والفارسي عبر هذا الحراك الفكري الذي تشكل من المخاض الاجتماعي السياسي الطويل في المنطقة على مدى عشرة قرون ، فإذا كان اليهود قد جمعوا فسيفساء الوعي الديني وأدلجوه لصالح تجربة القبائل اليهودية لتشكيل وطن أو للعودة إليه ، فإنهم كذلك ناضلوا من أجل الإله الواحد الذي يحاول أن ينسحب من التقاليد الزراعية الوثنية التعددية ، فيدعو للقوة وعسكرة القبائل ، لكن المادة البشرية اليهودية المحدودة لم تكن مؤهلة لخلق الوحدة وطرد الغزاة.
في حين إن المسيحية التي كانت أبنة التطور الفكري والسياسي للمنطقة ، استطاع مثقفون ينتمون للحضارة الإغريقية ـ الرومانية أن يحولوها إلى استجابة فكرية أيديولوجية لحاجات الإمبراطورية الرومانية في التوحيد والتجميع. ومن هنا تغلغلت المسيحية في العالم المسيطر والعالم المسيطر عليه ، في البلد المهيمن والبلدان المهيمن عليها والمنهوبة. ولم يعد ثمة فرق بين من يستغل ويتلقى العذاب ، ومن يقوم بالاستغلال والتعذيب ، عبر مجموعة من الأفكار التي راحت تنمو وتتجير لصالح توليفة من الانسجام والتوفيق بين الأطراف المختلفة المتصارعة ، سواء عبر أفكار تتجاوز اليهودية المحصورة ، أي عبر إلغاء ” الخطيئة ” الأصلية الذي يعني تجاوز اليهودية واستيعابها ، ومن خلال نشر ثـقافة اللاعنف والتسامح ، بحيث يتشكل مخرج تاريخي لنظام العبودية المتعدد الألوان بين الغرب والشرق ، وتستعيد الزراعة دورها التاريخي ويتم تخفيف العبودية الخ .
وهكذا فإن المسيحية عبر تطورها ، الخاضع لهيمنة الثـقافة الإغريقية ـ الرومانية ، انفصمت حينئذٍ عن الحاجات السياسية والاجتماعية الملحة للمشرق ، وغدت وعياً سياسياً يتجه لتغيير بؤرة السلطة في العاصمة السياسية للإمبراطورية. وغدت تخفيفاً من الهدر الإلهي التعددي الوثني وتركيزاً له واختزالاً لبذخه ، فصار انتصار التثـليث موظفاً للحاجات السياسية للإمبراطورية أكثر منه للشعوب ، وخاصة المشرقية ولشعوب شمال أفريقيا المستغلة كذلك ، وسوف يكون تغلغل المسيحية في عالم الغرب الزراعي أكثر منه في عالم المشرق الزراعي ـ الرعوي.
وقد أستمر الغليان المسيحي في المشرق ، مركز إنتاج الفكر الديني ، وظهرت حركات المعارضة المسيحية الكبيرة فيه ، مما يعبر إن صراع المصالح ، صراع الطبقات ، لم توقفه المظلة التسامحية ، وعبرت النسطورية عن مهاجمة قلب العقيدة الرسمية التي شكلتها الدولة ، فألغت التثليث الإلهي ، وهذا ما فعلته الفكرة الآريوسية بإنكار أن يكون المسيح إلهاً.
إن هذه الإنشقاقات الفكرية كانت الشكل الفكري للاستقلال السياسي ، ولكن كما أوضحنا أعلاه ، كان المسيحيون العرب والمشرقيون بلا قوة عسكرية كبيرة ، وكما قلنا كذلك فإن التغيرات الثورية الداخلية كانت شبه مستحيلة للسكان المزارعين والعامة المدنيين ، ومثـلت المسيحية ذاتها شكلاً للتوافق والتصالح والمسالمة.
لقد أخذت الاتجاهات التوحيدية تنمو في الجزيرة العربية ، بسبب المصالح المشتركة لقبائلها العربية ، ولتنامي العلاقات الاقتصادية والفكرية بينها ، وكانت العبادات الوثنية ، التي عبرت عن مصالح مستقلة للقبائل والمناطق ، لم تعد تستجيب لعلاقات التوحيد الاجتماعية والسياسية المتصاعدة.
إن شبكة الإلهة الوثنية عبرت عن مكانة مركزية منهارة للمرأة ، فقد سيطرت الإلهات الأنثى : اللات والعزى ومناة ، على القبيلة الإلهية ، ولكن الإله الذكوري(هبل) كان يتمتع بمكانة خاصة ، غير أن سيطرة الآلهات الأنثويات يمثل تناقضاً كبيراً مع تنامي العلاقات الأبوية الذكورية القوية ، ولم يكن ثمة من المرحلة الأمومية سوى بقايا أسماء ، وكانت كافة أسس الحضارة قد تشكلت بين القبائل المسماة عدنانية ، وهي التي كانت ضاربة في البداوة ، بخلاف القبائل القحطانية التي استقرت في اليمن وكونت دولاً ، غير إنها لم تستطع القيام بالتوحيد السياسي للمنطقة ، لأسباب تتعلق كذلك بالبنية الزراعية المفككة ، وقد ضعفت الزراعة مع انهيار سد مأرب ، وعودة الكثير من القبائل اليمنية للارتحال والبداوة. إن هذا قد وضع كذلك أسساً للتقارب بين التجمعين العربيين الكبيرين ، إلا أن التمايز القبلي سيظل لفترة طويلة.
لقد أدى هذا إلى المزيد من التدهور المعيشي لغالبية السكان ، وأزداد ذلك باستمرار الحروب ، كما أشرنا ، بين الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية، وكذلك الحروب الأهلية العربية .
لقد تضخم عدد القبائل الرعوية في الجزيرة ، وأصبح العدنانيون (القيسيون) القوة الكبرى فيها ، وتشكلت لهم مدن هامة ، خاصة مكة التي أخذت تلعب دوراً توحيدياً تجميعياً ، وكان موقعهم المتميز الواسع في الشمال والغرب قد جعلهم قادرين على توحيد الجزيرة وقبائلها.
كيف كانت استجابة الوعي الديني للعمليات الاقتصادية والاجتماعية التوحيدية ؟
بطبيعة الحال كان العرب في وضع استقبال طويل للمؤثرات العربية الشمالية خاصة ، حيث كان التداخل والتفاعل الطويل.
( في أوغاريت ، ومنذ الألف الرابع قبل الميلاد ، قام أتباع إيل وبشكل حاسم ، بإلغاء كل حضور للأرباب من الطقوس الدينية للبلاد ، فبعل أقوى الأرباب الأوغارتيين ، صار الآن شيطاناً أكبر ، وزعيماً للأبالسة ، وكذلك عشتار التي أصبحت علة للانحلال الخلقي ومصدراً للإباحية الجنسية. ) ، (24 ).
إن حصول الصراع بين أتباع أيل وبعل ، بين الإله الممثل للسلطة العليا ، وآلهة البنية الزراعية ، هو ظاهرة أخذت تتنامى في المنطقة الشمالية من المشرق ، بسبب تصاعد العمليات التوحيدية السياسية ، وبسبب تدفق الرعاة المستمر ، الذين أخذوا يجعلون المنطقة بدوية أكثر فأكثر. كذلك فإن مهمة توحيد المنطقة وطرد الغزاة ، كانت تنمو عبر القرون. لكن هذا الصراع ظل مستمراً دون حسم بسبب التداخل بين البنيتين الرعوية والزراعية ، وعدم قدرة المؤسسات السياسية على الانفصال الكلي عن الجمهور.
لقد رأينا كيف توغلت الآلهة الشمالية في الجزيرة العربية ، وكان إندغام أسمي أيل وآن بمناطقها ومدنها وأسماء البشر والآلهة فيها مؤشر على الترابط والتلاحم بين الجزئين العربيين ، ولكن تطور مكانة أيل خاصة ، يعبر عن النفوذ الفكري المتزايد للشمال السوري مثلما أخذت البادية السورية تصبح امتداداً لتدفق الرعاة من الجنوب.
( لاحظ جورجي كنعان في كتابه ( تاريخ الله) أن النقوش التي عثر عليها في الإمارات الآرامية تتضمن إشارات واضحة إلى التطور الذي لحق باللفظ ( إيل ) منذ الألف الأول ق. م . من حيث البنية والمدلول ، فمن حيث البنية ترددت في النقوش صيغ متعددة ل ” إيل ” مثل (ال ه ) ، ( ال ها ) ، ( ال هه ) ، (ال هم) ، ( اله ى ا ) . ومن حيث المدلول تحولت الصفة ( إيل ) عند العرب القدماء إلى لفظة (الله ) فكان من الطبيعي أن يدخلوه في تركيب أسمائهم مثل : ماء الله ـ سعد الله ـ الخ ) ، (25 ).
وفي اليمامة كانت عبادة (الرحمن) منتشرة ، وهو أسم يجمع بين الرحم ، وهو صلة القرابة المقدسة ، والإله آن .
لا نستطيع أن نقول إن إيل قد تخلص من الآلهة الزراعية ، وصار تجريداً كاملاً ، فالبقع الزراعية قد شهدت الاحتفالات الطقوسية الاخصابية ، وقد كانت جذور الحج الوثني إلى مكة تحمل سمات ذلك ، عبر شرب الخمور ولبس ملابس قليلة وتقديم الذبائح إلى الأصنام.
لكن ضخامة الجسم العربي الرعوي ، وضآلة المناطق الزراعية ، وعملية التوحيد المستمرة في بنية الجزيرة العربية ، والدور القيادي المكي في ذلك ، جعلت عملية التجريد الواسعة تكبر في رمز الله ، نفياً للإلهة الأنثى الملحقة به وهي (اللات) ، تعبيراً عن الانفصال الحضاري الكامل عن المجتمع الأمومي ، ولكافة شبكة الآلهة المفتتة للجسم الاجتماعي ، و تعبيراً عن تشكل المؤسسات السياسية الحاكمة وصعود الحاكم الفرد كذلك ، والانتقال إلى الحضارة.
هنا حدثت عملية التجريد الثالثة دون صعوبات هائلة كما حدث في عمليتي آمون ويهوه ، بسبب محدودية الإرث الزراعي وطقوسه ، والدور الكبير الذي تلعبه القبائل الرعوية ، فغدت عملية التوحيد الدينية والسياسية عسكرة لهذا القبائل وتوجيهها نحو التوسع وتغيير طابع المنطقة وطرد القوى الأجنبية منها وإحداث عملية تقدم حضارية كبرى بها.


المصادر :
(1 ) :(راجع : تاريخ الشرق الأدنى القديم ، د. محمد أبو المحاسن عصفور ، دار النهضة العربية1984، بيروت ص 60 ــ 62).
( 2) : ( فبما أن البشر قد خلقوا لخدمة الألوهة (…) فان كل مدينة دولة قد كانت استثمارة للألوهة خاصة ببنية قرابية (مجتمع ) مخصوصة ، ومكرسة للألوهة المطلقة في شخص أحد أرباب الكون المخلوق ) ( الميراث العظيم ، أحمد يوسف داود ، سلسلة القسام الفكرية ،1991 دار المستقبل ، دمشق ، ص302).
( 3 ) : حول هذه المدينة المسيطرة على الفضاء التاريخي نقرأ: ( مساحة المدينة ميلاً مربعاً ، وبساتينها ميلاً مربعاً آخر ،/ وتبلغ حفر الطين ميلاً مربعاً ، وكذلك أرض الفلاة المحيطة بمعبد عشتار . ثلاثة أميال مربعة ومساحة من أرض الفلاة تكون مدينة أوروك ) ( ملحمة جلجامش ، من كتاب ” أساطير من بلاد الرافدين ، ترجمة نجوى نصر ، دار بيسان،1997، ط . 1 ) .
(4 ): ( جذور الاستبداد ، عبد الغفار مكاوي ،عالم المعرفة ، العدد192 ، ص59، الكويت ).
(5 ) : إن هذه البنية الاقتصادية ـ الاجتماعية هي أساس النظام ، في حين تتبدل الهياكل السياسية دون مس كبير لأسس البنية ، يقول مؤلف كتاب (الميراث العظيم) حول تجربة مصر: (لكن وجود الدولة المركزية لم يكن يعني ـ على ما يبدو ـ تغيير الشيء الكثير في جوهر التركيب الجمعي وحتى الإداري . فقد ظلت المدينة ـ الدولة أساساً في تكوين الدولة القطرية ، وهو ما تتكشف عنه متابعة الدراسات المكتوبة في تاريخ مصر القديمة.) ، ( الميراث العظيم ، ص 299.).
( 6 ) 😦 مغامرة العقل الأولى ، فرس السواح ، دار علاء الدين ، ط10 ، ص31 .) .
( 7 ) 😦 المصدر السابق صفحات:32 ، 33 ).
( 8 ) 😦 راجع كذلك المصدر السابق، ص94 ـ 97 ).
( 9 ) 😦 المصدر السابق ، ص 39 ).
( 10 ) : أساطير من بلاد الرافدين، دار بـيسان، ترجمة د. نجوى نصر ،1991 ، ص 124 ) .
( 10) 😦 الإسلام وملحمة الخلق والأسطورة ، تركي علي الربيعو . المركز الثقافي العربي ، ط1 ،1992 ، ص114 . ).
( 11 ) 😦 المصدر السابق ، ص 115.).
(12 ):( المصدر السابق ، ص 119. ).
(14) ( يقترب أبن خلدون من رؤية تاريخ المنطقة وهيمنة القوى الرعوية فيها في كلامه عن ضرورة الاعتبار لما:(وقع في العرب لما انقرض ملك عاد قام به من بعدهم إخوانهم من ثمود ومن بعدهم إخوانهم العمالقة ومن بعدهم إخوانهم من حمير ومن بعدهم إخوانهم التبابعة من حمير أيضاً ومن بعدهم الإذواء كذلك جاءت الدولة لمضر وكذا الفرس لما أنقرض أمر الكينية ملك بعدهم الساسانية حتى تأذن الله بانقراضهم أجمع بالإسلام وكذا اليونانيون أنقرض أمرهم وأنتقل إلى إخوانهم من الروم وكذا البربر بالمغرب الخ ..) ، (المقدمة ، فصل في الملك إذا ذهب عن بعض الشعوب من أمة فلا بد من عوده إلى شعب آخر منها ما دامت العصبية ، 116، طبعة دار العودة).(15 ):( جذور الاستبداد، ص 168).
(16 ): ( وكان طبيعياً أن يصنع خيال الحكماء الشعبيين في وقت المحنة والظلم ، إلهاً يشاركهم محنتهم ومظلمتهم ، فيموت جوراً ، كما يموت المسخرون حول الأهرامات العتيدة ، وتنطبع الأسطورة الجديدة بطابع جديد على الفكر المصري ، فتحول همها إلى الفقراء ، ومشاكل العوز والحاجة ، وآمال الضعفاء وطموحاتهم ، وتصور الحل الأمثل لهذا الوضع الاجتماعي المختل ، لتصبح الأوزيرية هي التعبير الأيديولوجي عن الثورة الشعبية) ، ( أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة ، سيد محمود القمني ، كتاب الفكر ط 1 ، 1988 ، ص144.).
(17 ) : ( تاريخ جهنم ، جورج بنوا، منشورات عويدات ، ط 1 ، بيروت).
(18 ) : ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، د. جواد علي ، الجزء الثاني ، الفصل الثامن عشر : العرب والرومان ).
19 ): ( أشارت تلك النصوص الرافدية ، المدونة في القرن التاسع قبل الميلاد ، إلى ملكات عربيات ..) ، كتاب ( رب الزمان ، سيد محمود القمني ، الناشر مدبولي الصغير ، الطبعة الأولى ، ص 194).
(20 ):(النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة ، سيد القمني ، المركز المصري لبحوث الحضارة ، الجزء الثاني ، ص 238).
(21 ) : ( يقول لويس عوض في كتابه( فقه اللغة العربية) : ( ولا شك أن العرب حين نزلوا شبه الجزيرة العربية إنما نزلوا على سكان أصليين كانوا فيها من قبل ، كان منهم العماليق الذين نعرف من قصة ” الخروج ” في التوراة أنهم كانوا مستقرين من الحجاز إلى جنوب فلسطين من قبل خروج بني إسرائيل وهؤلاء أستطعنا تحديدهم بجحافل الهكسوس المطرودين من مصر في القرن الخامس عشر ق. م.) ، (سينا للنشر ، ط1 ، ص52 . ).( 22): ( تاريخ الله : إيل ـ العالي ، جورجي كعان ، بيسان للنشر والتوزيع ، بيروت ، ط 2 ، ص 179.).
(23 ): (راجع الصفحات180 ــ 204 من المصدر السابق).
(24 ): ( فرس السواح ، لغز عشتار ، ص349).
(25 ):( الأحناف ، عماد الصباغ ، دار الحصاد ، ط 1 ، ص 26).

النظر بموضوعية في تاريح الإنسان

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: النظر بموضوعية في تاريح الإنسان

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

لا يمثل تاريخ الأديان سوى واحد بالمائة من تاريخ البشر، في حين تحتل الأسطورة ال 99 % منه.
أما تاريخ العلم فحتى الآن لم يصل لشيءٍ من ذلك.
ولهذا حين ظهرتْ الأديانُ حاولتْ أن تخفف من الأسطورة بالاعتماد على بعضِ ركائزها.
تاريخُ العلوم الضئيل لا يعني عدم أهميته الجبارة ولكن نسبة وجوده في حياة البشر محدودة، وحتى في العصر الحديث فإن الاختراعات والصناعات هائلة لكن أن تتجسد كتاريخ فكري علمي في حياة الناس فهذا أمر آخر.
ومن هنا نجد أن تاريخ المجانين والطغاة والمرضى النفسيين وأصحاب الهلوسة الذين صاروا زعماء وقادة أمبراطوريات وأحزاباً وأشعلوا الحروب التي راح ضحيتها الملايين من البشر وكذلك الغابات والمدن والأشياء من الجماد والنبات، فهم أكثر بكثير من الفلاسفة العقلانيين.
وكذلك كانت الجماعات الدينية المهلوسة والعصابية والمجنونة بفكرها وسلطاتها وأحكامها الباترة بقتل البشر والتضحية بهم وإستغلالهم أكثر من قطرات المحيطات وشعور الرؤوس في شتى الأزمنة!
فكما أن العلوم مثل قطرة في المحيطات، فكذلك العقل الإنساني لحظة وامضة نادرة في الوجود.
الإنسان كائنٌ خرافي، لا يعترف بأنه جزءٌ ضئيل من الطبيعة، أمه التي انقطع عن ثديها بأوهامه الخيالية، ومع ذلك فلا يزال يعتبرُ الأسدَ ملكهُ في الغابة، والذئبَ رفيقه في حملاته لتصفية المعارضين، والحية سيدته التي تقدم له السموم،(وكان العسلُ المسموم مادة لتغيير التاريخ والحكام).
الإنسان الخرافي يستخدم شتى الأفكار ليجعل من نفسه الكائن المختلف عن الطبيعة، ولكن قوانينها سارية في جسمه، فأقل خطأ بيولوجي في تركيبه يحيله إلى عدم.
عاش الإنسان بأغلبية تاريخه على الأوهام، وذلك لأسباب موضوعية خارجةٍ عن إرادته ككائن، فالطبيعة مسيطرة عليه بميلاده وموته، وهي طبيعة ليست في خدمته، بل معادية له، لأنه نشأ داخل تطوراتها التي لم يتحكم فيها، فوجد نفسه داخلها، فراح يسيطر عليها بصعوبات جمة كثيرة خارقة، وتاريخه الحقيقي مبنى على هذه السيطرة المحدودة.
كما واجه من داخل تاريخه الإنساني عقبات لا تقل خطورة ومأساوية عن عقبات الطبيعة الضارية العائشة على لحمه وعقله، فظهرت أنظمة حيوانية طبيعية، وهي تاريخية مع ذلك، تنهش أيامه القليلة في الوجود، هي امتداد لحيوانية الأسد والذئب والحية، فغدا مثل نقطة الزيت على الصفيحة الملتهبة، فكيف ينتج منه فكر عقلاني؟
يغدو دفاع الإنسان الأول هو التمسك بالمعيشة البسيطة، أن يكون له منزل وعائلة وامتداد، أن يكون أعلى درجة من الجمل والضفدع، وحتى في هذه المكانة الحيوانية المتدنية فلا الطبيعة القاسية تتركه ولا الطبيعة الحيوانية السياسية تدعه يعيش بكرامة.
فكلتا الطبيعيتن لها البراكين والزلازل والفيض البحري والأمراض، وللطبيعة الثانية السجون والدكتاتوريات والحروب والتجارب النووية والأنظمة الباطشة اللامسئولة العداونية.
فيظل ملجئه الأمل والحلم الأسطورة والدين، هما يخلقان له عالماً سعيداً له أوله ونهايته، وقد يتحولان هما أيضاً إلى جزء من الطبيعة الحيوانية الباطشة، لأنهما جزء من تفكير الإنسان التاريخي، لهما دور نهضوي لإحداث تقدم في حياته، ولهما دور الزنزانة التي تعتقل قدراته وتحجم عقله، من أجل مصلحة القوى الحيوانية الاستغلالية التي حولتهما إلى دور تعطيلي بدلاً من الدور النهضوي.
ولهذا فإن تاريخ الإنسان بمعظمه هو تاريخ الحيوان الضاري، فأنظر إلى جيوشه واسمائها، كيف أخذت من الحيوان رموزها، ومن الطبيعة الجائرة عناوينها؛ جماعة الفهود السود، والصاعقة، والرعد، والشهاب اللامع، والأسد، والضبع، والفهد الخ..
وأخذت من الطبيعة البعيدة اللامبالية بالمشاعر والقلوب والعقول رموزها، فقالوا دولة الشمس وحددوا الضباط بأنهم ذوي رتب من النجوم ليكرسوا فيهم الابتعاد عن الإنسان، وقالوا آلهة القمر ودولة القمر والتيجان ووضعوا النسور والمناشير والسيوف رموزاً في أعلامهم لتدل على الأسنان والمخالب الضارية!
فهي تعترف صراحة بأنها جزء من الطبيعة القاسية ومن الجماعة الحيوانية الآكلة للحم البشر!
وفي الخيال تقول أنها غير ذلك، وهي الاكتمال والطهارة والقداسة، وهي دولة الوطن الواحد والقانون والدستور والديمقراطية!
لا تريد الدول أن تقول بأنها جعلت الأسود تحكم لتنهش من اللحوم وتستأثر بالأموال وتتلاعب بأموال الفقراء الهزيلة، بل أنها تضع أقنعة (إنسانية) فوق وجوهها وقد قال الشاعر (إذا رأيتَ نيوبَ الليث بارزة ..)، وهو تعبير ليس عن مشابهة شكلية بيانية بل إدراك لطبيعة السلطات.
وقال العامي الفصيح (الذيب ما يهرول عبثاً)، فحتى هرولة هذا الوحش التي تبدو صنيعاً إنسانياً تستهدف اللحم الاقتصادي أو البروتيني، وقد تداخلت اللحوم.
وكما أن العلوم تمثل شيئاً رمزياً في الأحصاء العقلاني لتاريخ البشر اللاعقلاني والخرافي فإن الجهود المناضلة لأنسنة تاريخ الإنسان هي مثل ذلك، وربما أقل، لأن الجهود في تشكيل مجتمعات إنسانية خالية من الأسود والفهود وشموس المناجل والمطارق النازلة على جماجم البشر، هي نادرة وقلما تفلح وتصمد لأن الحيوانات البشرية تظهرُ بشكلٍ مستمر من داخل هذه الجماعات والمجتمعات بسبب قصور التنظيمات والوعي والمراقبة وتخلف أساليب الإنتاج لدى البشر عموماً.
فهذه الحيوانات البشرية تريد أن تستحوذ على الغنيمة الاقتصادية وتنهشها بسرعة وتحتفظ بها، وتجعل ذلك أسلوب عيشها وسيطرتها.
وهذا يعتمد على مدى يقظة المذبوحين والمسلوخين والعمال، دجاج التاريخ الطازج، هل ينتبهون ويقاومون أم يتركون الذئاب ترعى في مرعى الغنم؟

الباحث عن أفق تنويري عربي

الشارقة – عثمان حسن:
ما الذي جعل المبدع الخليجي عبدالله خليفة يشغل نفسه دفعة واحدة بكل هذه الأشياء المغامرة في الثقافة كالرواية والقصة والشعر والرسم والمسرح والسينما، هل لأن كل واحد من هذه المجالات، لا بد أن يكون إنسانياً وفاعلا في الحياة الاجتماعية والثقافية والفكرية من دون قيد أو شرط، ربما يصح هذا في سيرة وحياة الراحل البحريني، الذي آثر أن يكون خالياً تماماً من الأنانية، التي هي مشروع مستمر ضد كل ما هو ليس ثقافيا، وألا يكون منحازا لجهة أو لتيار أو حزب، وأن يواجه كل هذه النتوءات التي تبشر بعدمية الإنسان، حيث تتقاذفه المصلحة والأيديولوجيا والنزاعات من شتى بقاع الأرض .
كان عبدالله خليفة ابن بيئته الخليجية والعربية يهجس بهواجسها ويشعر بنبضها، فكتب مقالات ودراسات سياسية واجتماعية ترصد تطورها، لكنه بدأ بفني القصة والرواية منذ أواخر ستينات القرن الماضي، كما كتب في النقد معبراً عن أسلوبه ومواقفه وتبنى خيار الانحياز للجمال والقوة والنظافة من خلال روايات: “لحن الشتاء”، “الرمل والياسمين”، “يوم قائظ”، “دهشة الساحر”، “جنون النخيل”، “سيد الضريح”، “اللآلئ”، “القرصان والمدينة”، “الهيرات”، “أغنية الماء والنار”، “الضباب”، “نشيد البحر”، “الينابيع”، “الأقلف”، و”اغتصاب كوكب” وغيرها .

كان الراحل معنياً بترجمة ما يكتب في ضوء بعده الإنساني، وهو الذي يمكن تلمسه في كل ما أنجز سواء في الرواية، ومن قبلها القصة، وفي توجهه الفكري ودراساته النقدية والاجتماعية، وهو الذي يشير إليه الشاعر والناقد البحريني جعفر الجمري الذي يرى أن مشروع عبدالله خليفة الروائي كان يرتكز على التاريخ، وهو التاريخ الذي كان يقربه من فهم الحاضر، فرواية “الينابيع” بأجزائها الثلاثة كانت رواية تاريخية، وهي أيضا تقربنا إلى محاولاته لفهم الحاضر المتحول والمتوتر، فهي إذن تتتبع قرناً من التحولات وقد سيطرت فيها لغة الشعر على الكثير من مساحات السرد، وامتازت من حيث التكنيك الفني بالنوعية في المعالجات، والأساليب، يقول الجمري: “التاريخ بدأ من معالجاته القصصية الكثيرة مثل “لحن الشتاء”، وصولاً إلى “يوم قائظ”، “سهرة”، “سيد الضريح”، “جنون النخيل”، “الرمل والياسمين”، “دهشة الساحر”، وغيرها، من دون أن ينأى عن اللحظة الراهنة والتوجه إلى المستقبل .
اشتغل الراحل على البحر، ليس باعتباره حيّزاً ومكاناً، بل باعتباره وعاء العذاب والمكابدات والصراع الذي عاشه إنسان هذا الجزء من العالم، ويمكن الوقوف على أكثر من شاهد هنا، عبر قائمة من القصص القصيرة والروايات التي تناولت تلك الثيمة .
وأثارت الرواية عند الراحل اهتمام عدد من النقاد، منهم فهد حسين الذي رأى أن الرواية البحرينية حاولت أن تجد لها مكاناً في المشهد السردي الخليجي، كما ولجت بعين الراصد والمتأمل والمتفحص للتراث والتاريخ العربي والإسلامي، يقول: “لقد انكب الروائي عبدالله خليفة على إصدار أعمال روائية ذات بعد تاريخي، فأصدر من الروايات: “عمر بن الخطاب شهيداً”، “عثمان بن عفان شهيداً”، “علي بن أبي طالب شهيداً”، “محمد صلى الله عليه وسلم ثائراً”، إضافة إلى الواقع الذي يعطيك ملامح الحياة المستقبلية، وأعتقد ما كتبه الروائي عبدالله خليفة عن تاريخ البحر والغوص، والحالة الاجتماعية والمعيشية في المجتمع البحريني يشير إلى ذلك الصراع الطبقي في المجتمع” .
وفي الميدان الفكري والاجتماعي أصدر كتاب “الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية”، إذ صدر الجزءان الأول والثاني في 600 صفحة، وفيهما يتناول المقدمات الفكرية والاجتماعية لظهور الإسلام والفلسفة العربية، فيما يتناول الجزء الثالث تشكّل الفلسفة العربية عند الكبار ممن مثّلوها في تلك الفترة الزمنية، من الفارابي حتى ابن رشد .
اهتم عبدالله خليفة كذلك بالمشروع القومي العربي، ففي واحدة من مقالاته يرصد هذا المشروع في ضوء انتصاراته وانكساراته، بدءاً من ظهوره بقوة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أدت عهود النهضة السابقة إلى تنامي التيارات التحديثية العربية، أولها المشروع الناصري والثاني “البعث” اللذان راحا يغضان الطرف عن أعمال النهضويين الديمقراطيين العرب، وركز على كثير من القضايا التي لها علاقة بهذا الجانب، ومن ذلك على سبيل المثال: إهمال المشروع القومي العربي لإنجازات الليبراليين والمتنورين، وقيام الدولة بالتدخل في الشؤون الاقتصادية وتوسع القطاع العام ومركزيته في النشاط الاقتصادي وتحجيمه للقطاعات الأخرى .
وحاول الراحل أن يقدم قراءة ثقافية في مشكلة المشروع القومي العربي الذي يقوم على التضادات غير المحلولة، مثل تضادات “الأصالة والمعاصرة”، و”الشرق والغرب”، و”الرأسمالية والاشتراكية”، و”الدين والعلمانية” وغيرها .
آمن عبدالله خليفة بدور الإعلام والصحافة في التنوير شأن أي منشط ثقافي أدبي أو أية دراسة نقدية واعية، وبناء عليه فقد انشغل في متابعة كل ما يصدر عن المؤسسات الثقافية العربية من تقارير، ومن ذلك واحد من الملفات التي أصدرتها مؤسسة الفكر العربي عن التنمية الثقافية في الوطن العربي في عام ،2010 الذي كان يشير لأزمة تتعلق بكثير من الإخفاقات، ومن ذلك مثلا ملف البحث العلمي وحجم ما يصرفه العرب في هذا المجال مقارنة بمجموعات الدول الأخرى، حتى الفقيرة منها .
في ذات السياق فقد كان الراحل معنياً بتتبع الحال الذي وصلت إليه الثقافة في الوطن العربي، دارساً لكل أشكال الفئات المنتجة للثقافة وكل أشكال الوعي، في ضوء الراهن السياسي والاجتماعي، الذي يحول دون تبلور ثقافة حرة مساندة لنمو النظام الاقتصادي المأمول، فيتوقف عند العولمة وآثارها السلبية في الثقافة، حيث كان يرى أن العولمة فاقمت الظواهر السلبية، فانتعشت علاقة التجارة بالثقافة، على نحو ملحوظ، وعلى نحو اقتصادي نفعي، فالدول صارت تروج لنفسها من خلال بريق الثقافة، لأن هذا البريق يضعُ شيئاً من الرصانة على عالمها الاجتماعي الروحي الفقير، وهي تبذلُ أموالاً ضخمةً لمظاهر دعائية، فاللقاءات والاحتفالات والعروض لا تكوّن شيئاً ثقافياً عميقاً، بقدر ما تهدر ثروات كان يمكن توجيهها لمناطق اجتماعية وثقافية محرومة .

رؤيتان للدين

عبـــــــدالله خلــــــــيفة: رؤيتان للدين

خلال القرون الأخيرة تشكلتْ رؤيتان للأديان في العالم؛ رؤيةٌ جامدةٌ غيرُ منفتحة، نصوصية، وقراءة متفهمة لتغييرات الأوضاع، مجددة.
في بلدان مثل الهند والصين وجنوب شرق آسيا لم تُطلْ الشعوبُ الهائلة الأعداد لإنتاجِ نسخةٍ تجديديةٍ للأديان الكثيرة فيها، الغارقة في تفاصيلِ الوجودِ والأرض بأشكالٍ إحيائية تجسيدية خرافية، أسطورية، لأن هذه الأديانَ دأبتْ على التسامح والغفران للبشر كذلك، وعدم خلقِِ أشكالٍ سلطويةٍ قامعةٍ متدخلةٍ في كلِ تفاصيلِ حياة الناس.
إنها تنشرُ أفكارَها وتصوراتها وهيمنتَها لكن بأرواحٍ شفافة، وقدمتْ رجلَ الدينِ البسيطِ الرحال الفقير، مقدمِ الحكمةِ، اللائذِ في الغابات، المتوجه للتصوف والنيرفانا أي الصعود للسماء والذوبان في المطلق الإلهي وترك المادة الخسيسة والتعالي عن صغائرها.
رغم الطابع المثالي الأرواحي لهذه التصورات الدينية وهو أساسٌ مشتركٌ لكلِ الأديان، وعبر تغلغل تصوراتها في ثقافة العوام كذلك، إلا أنها تركتْ مساحاتٍ كبيرةً للسياسةِ والإختلاف وحين جاءت الأفكارُ الحديثةُ الغربية لم تجد معاناة شديدة وهي تعطي الصينيين والهنود وغيرهم من شعوبِ الشرق أدوات التغيير عبر الأفكار الإشتراكية والرأسمالية الديمقراطية.
كما أن توحد هذه القارات وضخامة مشكلاتها والدور الكبير للفلاحين المسالمين الإحيائيين للزراعةِ والثقافةِ والوجودِ عامة وهو ما يتجسدُ في تقديرِ الأمِ المرأةِ المنتجة الولادة، بحيث إن هوات كبيرة لم تتشكلْ بين الأفكارِ القديمةِ والأفكارِ الجديدة فقفزوا في عقودٍ قليلة لمستويات الغرب المتطور.
فيما كانت الأديانُ السماوية هي نتاجُ عوالمِ البداوة والدول الشمولية القديمة المهيمنة بشكل كلي على البشر، وقد أعطتْ أهلَ المنطقة مفاتيح التغيير والنهضة، ليتجاوزوا عوالمهم هذه، لكن الأنظمة التي سادتْ أنتجت ثقافات أخرى تقومُ على التفتيت والتعصب والعنف.
حين غادرت المسيحيةُ البلادَ العربيةَ أخذتْ قروناً لكي تحولَ البذورَ الإنسانية فيها لديانةٍ أخرى هي البروتستانتية المعارضة للشمولية ولهيمنةِ الكنيسةِ متلاقيةً في بعض روافدها مع الحريات الاقتصادية والفكرية والسياسية والتي أنتجتْ العالمَ الحديثَ الديمقراطي المتنوع الحضارات والأفكار.
لكن الشرق العربي الإسلامي ثم اليهودي الغازي فيه، إستمرا على صيغةِ الجمود والتفتيت والصراعات الدامية، وتلك القرون الطويلة من عصورِ النهضة والثورة الصناعية والديمقراطية لم تمسْ سوى السطوح الخارجية من وجودهما.
ما زال (الباباوات) في غرفِهم المغلقةِ يختصرون مشكلات الملايين في كلماتٍ موجزةٍ لا تقبلُ الردَ والرفض، وما تزال الأنظمةُ المتوجسةُ من التغيير التي تهيمن عليها الأوامرُ العسكرية توجه القارات وتدب الفوضى التي تسمح للقتلةِ السياسيين بتوجيه الرسائل المغلومة للناس المسالمين، ويتم رفض التعدديات المنزلية والاجتماعية والسياسية وإعلاء الحروب والعداوات.
عالمُ التسامحِ وتقبلُ التعدديات والسلام والعقلانية السياسية عالمٌ مترابط، مثلما عالمُ الحروبِ الدينية والكراهية والشموليات وخنق الأسواق والأفكار الجديدة مترابطٌ هو الآخر.
سيادةُ نسخٍ صفراء من الأديان السابقة، وتشغيلُ مكائن الصحارى الحارقةِ الكارهة لكلِ جديد وآخر، والمتاجرات الواسعة بميراث الشعوب وثرواتهم، أنتجَ قتلةً لم يعرف التاريخُ مثالاً لهم إلا في قادة الأفران الغازية.
رؤيتان للدين إحداهما ديمقراطية والأخرى عنفية شمولية، الأولى إنسانية والأخرى غير إنسانية، وليس ثمة رؤية أخرى بينهما.
فلا مجال للتوسط والحل الثالث، والأولى تجددُ الحضارات والأفكارَ والأخرى تسدُ ينابيعَ التغيير والتعاون والإنسانية وتخلقُ هذا الإرهابَ الدموي الذي يستبيحُ دماءَ الناسِ في كنائسهم ومساجدهم وبيوتهم وطائراتهم وأسرتهم وينشرُ الموتَ في كل مكان.