أرشيف التصنيف: عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

أسباب تخلف التحديثيين

تعول عملية تخلف التحديثيين عن الوحدة وتشكيل جبهة مشتركة لتبعيتهم لقوى غير تحديثية، أي هو بسبب عملية شق الصفوف التي قام بها البعض لهذه الجبهة الضعيفة عموماً.
ولسنوات اعتمد هذا البعض على التفرد وشق الصفوف الوطنية التحديثية لكي يصل إلى صدارة العملية السياسية، لكن سياسة التفرد والمغامرة قادت إلى إنهاك صفوف التحديثيين التي كان (اليساريون) أبرز القوى بينها.
كما أن اعتماد سياسة التفرد وابعاد العناصر الليبرالية والدعوة لشعارات (اشتراكية) قد أدت إلى جعل جماعات قليلة من البرجوازية الصغيرة تسود الساحة، حتى لم تعد هذه الشعارات اليسارية قادرة على فهم متغيرات المنطقة الكبيرة.
فقد كانت المنطقة على صعيد الشعارات السياسية تتراجع وتتخلف، نظراً للعجز عن القيام بمهمات التحول الديمقراطي، وتمكن المحافظين في المنطقة من إعادة الوعي السياسي إلى الوراء .
ولكن انقلاب مثقفين من البرجوازية الصغيرة على خط التطور الفكري السابق، تمثل في زيادة تفكيك صفوف التحديثيين والترويج لمقولات المحافظين والعمل معهم، وبالتالي ضاعت حتى المكاسب الفكرية التحديثية التى تشكلت في صفوف ما سمى باليسار.
من الواجب البحث عن مثل هذه الأسباب بدلاً من دفن الرؤوس في الرمال، أي علينا التمعن في الأسباب التي قادت نقراً صغيراً إلى التعاون مع الديكتاتوريات السياسية المحافظة في المنطقة، وهو التعاون الذي كان ينخر النسيج الذي كان قوياً لهذه الحركات.
وتغدو السياسة اليسارية الكارثية الآن هي جزء من هذا المسلسل المتهاوي.
علينا أن نبحث أسباب هذه الخيانة التاريخية بشكل مستمر ومتواصل وعبر المواد الجديدة التي تتوافر كل يوم، فبدلاً من أن تقوم العناصر التحديثية بتثقيف الدينيين، وسحبهم من قواقعهم الطائفية، يقوم الدينيون بحرق الورق الفكري لليسار، وتشويه تاريخه وفكره، من أجل أن يتحلل ويذوب، ويعجز عن التغلغل إلى صفوف الفقراء الذين جروهم إلى مواقع متخلفة معادية لبعضها البعض.
يتمنى اليسار المتحلل أن يعطيه الدينيون أي جزء من الكعكة السياسية، فقد عاش هذا على التسول من موائد الطغاة، لكن هؤلاء لديهم «تكتيكاتهم» الأخرى في تحطيم القوى التحديثية، وسيادة منطقهم السياسي المذهبي .
وهكذا فقدت أضاعت القوى التحديثية فرصة مهمة لتثقيف الجمهور العادي وسحبه من الزنازين الطائفية، وتكوين مد ديمقراطي شعبي، بحيث يرتفع على التقسيم الطائفي في جمعياته ونقاباته، وبحيث أتاحت الخيانة التاريخية تصعيد المذهبية السياسية إلى مستوى خطر جديد .
وبما أن كتل الإقطاع الديني والسياسي تلعب بأوراق الدين والإدارة وجر الجمهور إلى الطائفية، وتخريب العملية الديمقراطية بمماحكات سخيفة، وتوجيه الأصلاح السياسي والاقتصادي إلى مزيد من الفوائد للشرائح الطفيلية، فقد راحت مجموعات من القوى التحديثية تنزلق في البرنامج الشمولي الطائفي، وتعرقل التطور التحديثي بأبسط أشكاله المعاصرة.
يقود هذا إلى ربط الجمهور بكتل مذهبية خطرة، سوف تقودها الصراعات المتزايدة بينها إلى وضع البلد في مأزق تاريخي، وتبرير الجمود والجنون السياسي . وإذا ربطنا هذه التصعيدات بالمحاور السياسية في المنطقة بين الدول الكبيرة واحتدام الصراع بينها، وبالتالي فإن هذه التقسيمات المذهبية ستجر الناس إلى أتون ساخن مدمر.
هكذا تتحول سياسة الخيانة التاريخية من قبل بعض التحديثيين إلى بذور فتنة كبرى قادمة، وإلى تبرير عمل المجموعات الطائفية، التي أنكرت بدورها الإسلام الوطني التحديثي الديمقراطي وتقوقعت في هيمنة الإقطاع الديني.

ثقافة الانتهازية

يتوحد الانتهازيون في ثقافة ذات أنماط عامة، وهي الثقافة الأكثر انتشاراً في العالم العربي والأخطر حضوراً، ولا بد من درس قوانينها وتجلياتها كماة خام للدرس.
تنقسم هذه الثقافة إلى شكلين أساسيين، الشكل اليميني والشكل اليساري، لأن هذين النمطين يصوران نفسيهما بالدفاع الأقصى عن الناس، لكن هذا الدفاع الأقصى هو شكل من خداع الناس كذلك!
إن هذه الحمية والعاطفية الشديدة والكلمات الحادة ولغة الأستعراض والأدعاء هي أمور توحد الفريقين رغم تعارضهما الظاهري، فهما يعتمدان على خلق مزايدة ما سواء بهذا الاتجاه أو ذاك ويبتعدان قدر الإمكان عن التفكير الموضوعي.
فهناك دائماً فيهما انتفاخ ذاتي، يغطيانه بألفاظ ملتهبة، ليغطيا به عن ضحالة تحليلهما، عتمدين على المساعدة الضمنية المتوارية التي تأتي من القوى السائدة في المجتمع.
حين يكره الاتجاه الانتهازي قوى المعارضة فهو يضخم أخطاءها بهدف الكسب من جهة أخرى.
وحين يضخم من أخطاء الحكومة فهو يهدف للتقرب إلى أتجاه آخر.
إنه لا يقدم تحليلاً موضوعياً يمكن عبره تطور الحالة السياسية وتغيير الظروف الاقتصادية دون أن يبالغ في الصواب أو الخطأ.
كما أن الحالة الدينية وأهميتها في حياة المسلمين تجعل بعض الاتجاهات تبالغ فيها، فجأة يصبح بعض الأشخاص المنافحين عن جماعة معينة من المسلمين ويقوم بالضخ التشنجي التعصبي فيها، بغرض إستغلالها واستثمارها لمصالحهم، وينبهر بعض البسطاء بهذه الحالة، فهم لا يتحدثون عن أخطاء هذه الاتجاه، بل يتعمدون ذكر فضائله من أجل أن يستغلوا هذا الشحن العاطفي لمصلحتهم.
وتتناقض مثل هذه الآراء الشخصية في كلها، فهم يمدحون هذه الاتجاهات في بلد بعيد، فإذا جاءوا لبلدهم انتقدوها!
وأقرب شيء لذلك هو مدح الزعماء وإستغلال أسماء الرموز، وجاءتنا فترة غثة سابقة أندفع بعض (المثقفين) فيها لتأييد شخصيات دكتاتورية فقط لمجرد إرضاء مشاعر عابرة هنا أو هناك!
لماذا يتركز المدح أو الذم على الأسماء الحادة في سياستها؟ !
فمثل هذه الشخصيات عرفت بالحدة في السياسة والتعصب وقيادة شئون البلدان إلى حافات الهاوية؟
لماذا لا تتوجه أفكارنا للتخفيف من حدتها من أجل الحفاظ عليها ومن أجل تطوير نهجها بدلاً من سيول المديح التي تفقدها الرزانة والعقلانية فتتوهم إن كل ما تفعله صواب؟! ومن البشري الذي لا يخطئ؟ !
لماذا لا نحافظ على هذه الشخصيات بشكل عقلاني نقدي فلا نضخمها ونحولها إلى آلهه!
وإذا كانت شخصيات دكتاتورية تمت إزالتها ينهمر عليها نفس المديح بغرض إيجاد بدال لها، وهي قد خربت ما خربته؟
ألسنا قادرين على تطوير النهج الإسلامي والنهج القومي بشخصيات موضوعية رصينة تدافع عن هذه الثوابت بشكل حديث ونقدي؟
هل عدمت الأمة إلا من شخصيات السحل والحرب والمحو للآخر؟
ولماذا تكون الشخصيات المعتدلة والزعامات البعيدة النظر والداعية للسلام هي في نظر هذه الكتابات والسياسات الانتهازية هي العدو؟
لماذا خلق هذا التشنج؟

جذور الانتهازية العربية

منذ أن تشكلت الدولة العربية الإسلامية وامتدت وصارت أقطاراً وسيطة فحديثة، ظلت السياسة والدين مصدري تكوين الوعي السائد.
وإذا كان الخلفاءُ والحكام ومن بعدهم لا يشكلون فكراً ولا يقدمون مادةً لآلة الدولة الإيديولوجية فقد قامت بذلك الفئاتُ الوسطى الصانعة للمعرفة، تستقيها من النصوصِ الدينية وتنتج وتغزل حولها، شرانقَ لاعتقال الكائن الإنساني أو فتح ضوء له.
على الرغم من ظروف الثقافة العربية في العصر الوسيط إنتشر فيها النقد الايجابي ومحاولة التجاوز للأوضاع، نظراً لأن النظام التقليدي العربي في ذلك الحين أتاح للفئات الوسطى العديد من الحريات التجارية والاقتصادية الحرفية والإنتاج الثقافي، رغم وجود الدولة الشمولية الدينية.
وهذا ما كررته الفئات الوسطى في زمن النهضة العربية، حيث كان ثمة فضاء عالمي للتجارة والتبادل الاقتصادي والتأثير الثقافي.
لكن بعد حصول الاستقلالات العربية وبروز الدول الشمولية بقطاعاتها العامة وسيطراتها على الفضاء الإعلامي، تم خنق الحريات في العديد من البلدان باسم التقدم وباسم الوطنية وباسم الدين.
كما قال ابن خلدون غدت الدول هي السوق الأكبر، ولهذا فإن الكثيرين من المثقفين منتجي الوعي، غدوا مقدمين سلع لهذا السوق وما تتطلبه ظروفه وصراعاته.
في الصراع بين الدول الشمولية الوطنية والدول الشمولية المذهبية العربية الإسلامية، غدا الفريقان(الوطني أو الليبرالي) الخفيفان في وطنيتهما وليبراليتهما و(المذهبي، والشموليات بألوانها)، هما المعسكران السائدان.
لم تستطع الأنظمة العسكرية والدينية الشمولية أن تقدم مناخات لتصاعد الحرية، لقد قامت بإنجازات على أصعدة تطور البُنى المادية والاقتصادية، لكن داخل الانغلاق ودون معلومات عن إشكاليات هذه الأبنية ما تحقق وما لم يتحقق، من إستفاد ومن لم يستفد.
قسمات الحداثة المتعددة لم تطبق سوى أجزاء قسرية منها، وحُجبت الأقسام الأكبر أقسام وضع التنمية في دوائر التعاون الديمقراطي بين القطاعين العام والخاص، ولم تطلق الحريات الفكرية والثقافية. وأنتشرت مكائنُ الدعاية لا أصوات البحث. ومكائن الدعاية هذه هي التي تُعطى الأمتيازات المادية والنوافذ لكي تسد مسام الأجسام العربية عن التفتح والكشف.
وبهذا وجدنا هذه الأنظمة وهي تعاني الأمرين من حروب الهزيمة ومن الانفجارات الاجتماعية التي أكتسحت المنطقة.
ولا تختلف الأنظمة الدينية والمقاربة المحدودة لليبرالية عن الجوانب الجوهرية للأنظمة السابقة، أي غياب تداول السلطة والعلمانية والعقلانية، ولكن الكثيرين من المثقفين إنحازوا للصراع بين الوطني والديني، بين الداخلي والخارجي، بين هذا الفريق من السلطة أو ذاك من المعارضة المحافظة، ولم تُطرح البدائل الأخرى المتجاوِّزة لهذه الثنائية الصراعية القاتلة.
كان أجدادُنا المثقفون معذورين في غيابِ البديل وغياب التحليل الكلي للواقع والعصر، وتوجههم نحو النجوم والكواكب والغيبيات المختلفة، ولكن حتى من هؤلاء ظهر باحثون يضعون الناسَ على بداية التحليل الاجتماعي الموضوعي.

من التثوير إلى الإنتهازية

في واقعةِ ثورةِ حزب العمل المصري اليساري ضد رواية(وليمة لأعشاب البحر) للكاتب حيدر حيدر، مادةٌ تحليليةٌ مهمةٌ لنسيجِ قوى وَضعتْ نفسَها في تيارِ اليسار والعلمانيةِ والحداثة والمقاومة، ثم دافعتْ عن قيم إنتهازية.
فكيف تحدثُ هذه القفزة غير المعقولة من نسيجٍ فكري يحترمُ الكتابَ في إبداعاتِهم ويثمنُ ويوسعُ هذه الإبداعات إلى أن يقفَ شرطياً متدخلاً في عمق هذه الإبداعات؟!
كيف تجري هذه القفزة من جماعاتٍ يُفترضُ أن تنمي حالات الوعي والنقد للتراثِ وللواقع إلى أن تصطفَ فجأةً مع قوى اليمين التي تفتقدُ أية قراءات في فهم الوطن والإسلام والواقع والمستقبل؟
الجواب واضح وبسيط لكلِ من يتابع هي السياسةُ الذاتية والمصالح الخاصة!
جماعاتٌ صغيرةٌ ظلتْ منعزلةً عن الجمهور لعقود، لم تملك قوى فكرية نظرية تحليلية حقيقية، وكونتْ بعضاً من تحليلاتٍ محدودة نادرة فاقعة بضرورة تجاوز الأنظمة الراهنة وقتذاك وهي الأنظمة (الإشتراكية) القومية العسكرية، إلى ضرورة هيمنة البروليتاريا وإقامة دكتاتوريتها الساحقة لكلِ أشكالِ الإستغلال. وهي _ أي هذه القراءات – لا تكتبها تلك الأحزاب بل يكتبها فردٌ فيها لأنها أحزاب أمية إجتماعياً وهي تتبعُ الفردَ في جنوحهِ للاشتراكية الصاعقة ول(لإسلام) المهاجم لكلِ تَنور ولكل ثقافة حرة والمعمق لمصالحه الخاصة المتجذرة داخله!
أفكارٌ تنتقلُ بشدةٍ من نقيضٍ إلى نقيض، ولكن إنتقالها هو هو، المضمونٌ واحد، هو عدم القراءة الموضوعية للنص الأدبي، وللنص الديني، وللواقع المنتج في تاريخهِ لكلا النصين.
النص الأدبي وهو (وليمة لأعشاب البحر) يجسدُ خطابات الثوار العراقيين الفوضويين المهاجرين للجزائر، وكلمات العراقيين ملأى بالشتائم للحياة والسلطات والناس والدين.
وقد تحولتْ هذه الشتائم لدى جماعة حزب العمل اليساري في تصوره إلى هجومٍ مخطط ضد الإسلام تقوده قوى الحكومة المصرية!
لم يخطر في وعي كاتب الرواية أن يُحَاكم من خلال أقوال شخصياته، لكن هذا يدل على أن رواد النضال (الديمقراطي) التحديثي في مصر قد إنعزلوا عن عوالم القراءة والثقافة والحداثة، وهو ديدن الأحزاب العربية عامة، فليس فيهم من يقرأ نصاً أدبياً بعمق، وأن يصبرَ على قراءته كله، وأن يقدر على فهم معناه العام، بل هو يقتطعُ جملاً ثم يتصورُ أنها هي أقوالُ المؤلفِ وتهجمه.
هذا الوعي العامي يرتبطُ من جهةٍ أخرى بوعي عامي سياسي، فهذه النخبةُ السياسيةُ التي عاشتْ في (صمودِها) على علاقاتها بالدول الدكتاتورية في المنطقةِ ومعوناتِها، إنقطعتْ علاقاتُها بالجمهور، وبالجدلِ السياسي العميق معه، وجاءتْ جماعاتُ الشعارِ الديني المعارض السطحي لتنتشر في الأزقة، وتسيطر على الناس.
في هذه الحالة لا تستطيع جماعة اليسار القديم وقد تآكلتْ أدواتُها التحليليةُ للنصِ الأدبي، وللنص الديني بتحولاتهِ عبر العصور، وفي وجوده الراهن ضمن بنية مختلة، أن تفهم هذا الواقع المركب، وأن تتصور أن هذا المؤلف الحداثي هو معها، وأن حلفاءها الدينيين والسياسيين هم خصومها، لأن مستوى وعيها هو قطعُ الجملِ من كتابٍ كامل غني بالمعاني، وتعليقها في مناخ ديني سياسي، وقطع ظاهرة في الواقع الراهن كفساد الطبقة الحاكمة، وعزلها عن سيرورة التطور والديمقراطية والحداثة، وجعلها هي الكل.
وبالتالي فإن من يعارض تلك الجمل في الرواية، وذلك المظهر في الواقع هو حليفي.
التسييس الفاقع والتسيس اليميني هو لدى إنتهازيي اليسار ظاهرة مقدسة، في مرحلةٍ سابقةٍ كان يمكن أن يرى تلك الجمل في الرواية بأنها عظيمة مبهرة، وأن يرى الفسادَ ضريبةً ضرورية في عملية التنمية، لكن ليس ثمة قراءة كلية موضوعية للإيجابي والسلبي، ومن الحماقة الكبرى أن تُهاجم رواية نقدية مضيئة لبضعة جمل فيها لا تتفق مع رؤيتك، ثم تتحالف مع قوى ظلاميةٍ ستخربُ الواقعَ كله.
يمكن أن تنقدَ الجملَ في كليةِ الرواية، لكن من المستحيل الاتفاق مع قوى دينية وسياسية تريدُ العودةَ بالتاريخ الراهن للوراء أو التمركز حول الذوات الحصالات، بدلاً من نقدها وتنويرها لتكتشف الواقعَ الحقيقي ولتتطور ديمقراطياً.
نقد الواقع أساسي لكن عبر رؤية الحلقات فيه، فأهداف التقدم والحريات وفصل الديني عن السياسي لا تنفصل عن النضال من أجل حقوق الناس وتطورهم.
وأبطال رواية (وليمة..) في صراخهم الكلامي وطفوليتهم اليسارية والانتهازية كانوا يعبرون عن فشل التفجير المدوي للجمل الثورية وللتلاعب بين المعسكرات لأجل ملء الحصالة التي لا تشبع ولغياب التحليل العميق النقدي للواقع لديهم، وغربتهم المكانية والنضالية، فكانت الروايةُ تحللهم لا أن تمدحهم!

الانتهازية كاسحة

يقول: إن فيلم (كلنا يا عزيزي لصوص)، فيلم مبالغ فيه وأنت تمدحه بقوة!
أقول له: هذا زمن سادت فيه الانتهازية وأنت لن تعرف فيه المناضل من الحرامي، والكاتب كان رغم تشاؤمه ذو استشعار دقيق، فحتى معارك الكفاح والسجون والتعذيب قد تـُجير للانتهازية والتلاعب بالمشاعر والمواقف!
ـــ كيف ذلك ؟ أنت تخيفني؟
ـــ الناس عامة تعيش سذاجة سياسية، خاصة بعد غياب طويل للممارسة السياسية المباشرة، فما بالك أن تكون عندها ثقافة نقدية عقلانية تزن الأشياء بمعايير الحقيقة لا بمعايير التحزب والتطبيل، وأي جماعة وأي ثلة سياسية لديها طابور من المنافقين والمداحين، بغض النظر عن تاريخها السياسي ومدى عمقها الفكري ومدى إخلاصها للوطن ولتحوله إلى الديمقراطية.
ـــ هل تشير بهذا إلى تجربة معينة؟
ـــ العديد منا عاش فترة مؤلمة في السجون، واكتشف هناك قبل أن يكتشف هنا أن الكثيرين من السياسيين ليست لديه أية أمانة أخلاقية ونضالية، وإنه مستعد أن يتعاون مع مهربي المخدرات والقتلة قبل أن يتعاون معك وأنت معه في زنزانة واحدة! ليس لشيء سوى لأن هؤلاء المجرمين قادرون على إعطائه بعض السكر والشاي وعلى تهريب رسائله!
ـــ إلى هذه الدرجة ؟ أين المبادئ؟ أين الأخلاق؟
ـــ أي وضع كنا فيه، أكلٌ يجعلُ أمعاءك تتفجرُ ويُسمع دويها عن بُعد كبير، وأولئك المجرمون الممسكون بمطبخ السجن يتلاعبون في المواد المعيشية، ولكن زميلي في الزنزانة يجد لهم كل المعاذير! وبعد هذا كله تريدني أن أثق بهؤلاء؟! هؤلاء بلا ذمة وبلا شرف سياسي، وإنما هي المصلحة الشخصية ومصلحة العصابة الحزبية وهي فوق كل شيء لديهم. يبحثون عن مصلحتهم أين توجد فيندفعون إليها، فلا أهمية لحركة ديمقراطية، ولا أهمية لحركة وطنية، اليوم مع الله وغداً مع الشيطان، اليوم ضد الحكومة وغداً معها، اليوم مع الطائفيين وغداً ضدهم. المصلحة فوق كل شيء! ألمانيا فوق الجميع!
ـــ للأسف حدث هذا حتى في زمننا مع الدينيين أيام السجن، كانوا يعتبروننا أنجاساً مثل الكلاب، ويغسلون محل مشينا وملابسنا المعلقة على حبال الغسيل المشتركة!
ـــ أحدث هذا؟ ياللعار!
ـــ لكن ألا يوجد أحد فوق هذه الانتهازية؟
ـــ لا تعرف تماماً، فما دام هؤلاء البرجوازيون الصغار، مثقفو الجمل الثورية، مسيطرون على حركة الحياة السياسية، ويضللون بها العامة، وهم يستهدفون إنتقالهم إلى صفوف البرجوازية الكبيرة، فيتلاعبون بالقواعد النائمة الساذجة، لكي ترفعهم على الأعناق الحزبية نحو الثروة والمجد، ثم يقلبون ظهر المجن لها، كما تقلب آخرون كثيرون، وقالوا أن الظروف تغيرت وعلينا بالتكتيكات المرنة، وهم يقصدون الدفاع عن مواقعهم الاجتماعية الجديدة، فلا أمان للجمهور العامل منهم، وعليه أن يستقل عنهم، وينأى بنضاله عن صفقاتهم وألاعيبهم. وأن يؤسس عمله
المستقل بعيداً عن كل هذه الجماعات.
ـــ ألاحظ كيف كنا نركض وراء هيئة الاتحاد الوطني ودفعنا الكثير من التضحيات وعاد بعضهم ليكسب الغنائم، وذاب الشهداءُ في الذكريات الجميلة، وكذلك جماعات القوميين والتحديثيين والليبراليين، تكلموا كثيراً عن النضال والتضحيات ثم رسوا على الغنائم من الدول، والقواعد خبر خير!
ـــ ذكرتني بالشهداء، الغريب أن كل حركة سياسية عربية من العصور القديمة حتى الزمن الحالي، تبكي على الشهداء، دون أية جردة حساب على ميزانية التنظيم والجماعة على مدى تاريخها الحافل بالاشتراكات والتبرعات، ولماذا لا يجري تقييم دقيق لدور الجماعة ومشكلاتها وتطوراتها، وأسباب إخفاقاتها وما تثيره من نزاعات بين القوى السياسية، وما تسببه من كوارث للقوى الوطنية؟! وتسأل أين ذهبت وثائقها وأموالها ومن أعطاها كل ذلك ولماذا هذا المسمار الدائم في الظهر وأي وأين . .؟ والتاريخ سري غامض مريب، ولا يبقى لأعضاء الجماعات سوى البكاء على الشهداء؟! فهل تتحول الأحزاب العصرية إلى مراكز للبكاء؟
ـــ هذا ضمن وحدة القوى النضالية على مستوى الماضي والحاضر، أي على مستوى الانتهازية التراثية والعصرية! بكاء وسرقة!
ـــ النضال هو من أجل الأحياء، وهؤلاء السياسيون الانتهازيون على مدى التاريخ الحديث يحرنون دوماً على مسألة قومية ما، في السابق حين ننتقد عبدالناصر أو العروبة يحرقون الأخضر واليابس، والآن انتقد هذين الرمزين فلا أحد يهتم! وصار الدفاع الآن عن الطائفيين وسيطرتهم على الحركة الوطنية هو الراية المرفوعة، فهؤلاء صاروا المقدس! فكيف تجري التحولات وتصير الشعارات والكلمات كالأحذية والجوارب العتيقة!
ـــ كما قلت ليس سوى أن العمال ينأون بأنفسهم عن هؤلاء، ويتوجهون لمصالح طبقتهم، أوسع الطبقات في الناس، وأكثرها فقراً، هنا تتوضح المسائل وتتحدد، فمن يناضل عنهم ويرفع من حياتهم المعيشية وظروف عملهم السيئة فليتقدم، هنا تخرس الإيديولوجيات والمزايدات، كذلك فإن العمال ابتعدوا عن الفوضى والعنف، وشقوا طريق العقلانية النضالية، يحدثون بها تغييرات في حياتهم وظروف عملهم، ويجمعون الطوائف والأمم في طبقتهم، وبدلاً من أن يسمحوا للسياسين والبرجوازية الصغيرة بسرقتهم والقفز فوق ظهورهم يطورون حياتهم بأنفسهم، ويعرفون إلى أين تمضي أموال النقابة وكيف تتوزع ويتفاوضون مع الشركات على زيادات وتغييرات محددة.
ـــ لكن حتى في هذا فإن القوى السياسية اليمينية وأنصارها قادرون على التلاعب بكل شيء وتمييع القضايا الوطنية التوحيدية وتمزيق صفوف الشعب، فلديهم حجج وتلاعبات وحيل يصنعونها بكل طول نفس وذكاء، فلا تظن إن القضية هينة.
ـــ على العمال أن يعرفوا ذلك، وعلى القواعد الشعبية أن تبصر، وتحدد مصالحها الطبقية وتناضل من أجلها، فلن يعطيها أحدٌ شيئاً، وعليها أن تعتمد على أدمغتها الواعية المخلصة وساعدها، عبر النضال القانوني وتكوين وحدتها، ولا تلتفت لألاعيب السياسيين الانتهازيين حتى لا نصير كلنا لصوصا!
انتهازيةٌ نموذجيةٌ
منذ أن أخطأ بعضٌ من أفراد الجيل الوطني القديم في التحالف مع الطائفيين، نظراً لهشاشة جذورهم الفكرية السياسية العلمانية الوطنية، والأعشاب الضارة تتالى من هذا المنبت.
قام الجيل بتضحياته ومغامراته وكان من الضروري نقده، لكن الحالة النموذجية الانتهازية رغم تكرارها لأهمية العقلانية والهدوء التحليلي وبعد النظر تروح تصرخ هائجة وتحيل الموقف وتشريح الجيل القديم لحالةِ تشنجٍ شخصية بدلاً من تطبيق تلك المفردات الكبيرة في الموضوعية والعلمية لكون القائل الناقد لا يعجبها ولا يقترب من مستنقعها وانتهازيها.
ويمكن أن يستفيد بعض المتعلمين من خلفياتهم السابقة، ويتلاعبوا أكثر بقضايا النضال بدلاً من تجاوز الجيل القديم الذي لم تتح له فرص الدراسة الأكاديمية.
خلطهم بين العمل السياسي والدين يغدو تلاعباً، فهم من المتعبدين ومن الانتهازيين. فأي جهة تجلب مصلحة ذاتية يمكن تسويقها. من حقك أن تصلي لكن ليس من حقك أن تلغي تاريخ التيار الوطني في العلمانية وفصل الدين عن السياسة!
حين يغدو الصراع السياسي الطائفي حالة اشتباك عامة يجري تصويرة كثورة وجر الوطنيين إليه، وحين يفشل يتبدل القناع، وتـُفضل المصلحة الخاصة. ولا تـُنقد هذه الأخطاء وتـُحلل بل تـُترك للاستفادة من غموضها!
حتى كوارث الشعب العارمة لا تنجو من الفلتر المصلحي الذي يقضم بعض خيراتها رغم الضحايا والكوارث!
كتاباتٌ هزيلة تستفيد من أي موقع، ويهمها التراكم المالي لا النقدي، لا تقوم بتجذير أي تحليل، وتحاول التقليل من شأن الكتابات الوطنية التقدمية وتخريب حتى أسماء أصحابها والتصغير من نتاجاتهم والتعتيم على وجودهم بأشكال صبيانية.
هذا الحقد نتاج تضخم ذاتي وإعطاء هذه الذات الهزيلة فكرياً مقاماً رفيعاً، فهي يجب أن تكون القائد الأول والزعيم المعترف به رغم الهزال الفكري والتلاعب السياسي وغياب النتاج الموضوعي الدارس للبنى الاجتماعية والصراعات الطبقية.
تخريب التيار هو جزء من المصلحة الذاتية فكلما كثر العميان المتخبطون في الليل السياسي كلما وجدت هذه الذات فرصاً للتلاعب بمصير الوطن والناس.
هي جزء من هذا الخراب الذي أمتد عقوداً وهو خريف اليسار حيث لا جدل عميق ولا شخصيات تؤصل الماضي وتصعد بإنجازاته، فهي مشغولة بمنافعها واستغلالها للماضي والحاضر، أو هي جامدة لا تقرأ وتدرس.

تسلقُ البرجوازية الصغيرةِ الديني

في زمنيةِ الرأسماليات الحكومية القومية (الاشتراكية) كان تسلق البرجوازيات الصغيرة على أساس الشعارات اليسارية التوحيدية، حيث كانت الأنظمة بحاجةٍ لتوحد شعبي واسع من أجل بناء البُنى التحتية.
لكن التسلق على ظهور العمال والفلاحين عبر رفع شعاراتهم لم يؤدِ لتغييرٍ كبير في حياة هؤلاء العاملين. والبرجوازيات الصغيرة العسكرية من ضباط وموظفين ومثقفين إغتنى بعضُها وفرشتْ الأرض الاقتصادية السياسية لرأسمالياتٍ نصف ليبرالية وفوضوية في أغلب نماذجها، ولم تخلُ من القبضة الحديدية، إرتفعتْ فيها جماعات حكومية إلى مصاف النبلاء وتهدمت فيها شعارات الجمهورية والاشتراكية.
وحين أفلستْ شعاراتُ القومية والاشتراكية الحكومية الشمولية ظهرتْ البرجوازياتُ الصغيرة بديكوراتٍ جديدة هي الديكوراتُ الدينية.
لم تستطع أنظمةُ الرأسمالية الحكومية إزالةَ الإقطاع، وأدت فوائضُ النفط الوفيرةِ التي جرتْ في البلدان الصحراوية إلى إنعاش الإقطاع الديني مجدداً حيث سال لعابُهُ من التحول الجديد.
وهو إنعاشٌ غذى الشركات المالية والنصوصية الدينية وعودة الأساطير الخرافية للطائفيين السياسيين.
فجأة ظهرت دعاوى الإيمان وحجَّ اليساريون المتطرفون الذين كانوا يزعمون أن الإسلامَ دين وثني، وتحول آخرون لفتح المكتبات الدينية يستوردون الكتب والأشرطة الصفراء يعيدون الجمهور بها الجمهور للعصور الوسطى.
وفيما كانت بعض المكتبات تزخر بالمؤلفات الإنسانية الأدبية والعلمية صارت على كل الواجهات الكتب الدينية المطبوعة في مطابع حكومية.
وفجأة إختفت الفروق بين التنظيمات الوطنية العلمانية والتنظيمات السياسية الطائفية.
وتبدل المروجون للسياحة والمشروابات الكحولية كذلك إلى مروجين للتدين وطاعة ولي الأمر والاقتداء بالسلف الصالح، مثلما يكتشف قادةُ بعض الفصائل أهمية اللحى لمنع إنتشار الجراثيم في الذقون.
الترويج للجماعات الطائفية السياسية من قبل هذه المجموعات التي إنهار وعيها النضالي الديمقراطي الحديث جاء في أعقابِ ظهور قطبي الصراع الحكوميين السني والشيعي في المنطقة حيث يزخُ كلُ قطب ماكينته الطائفية بالمواد المطبوعة والمروجين المتنقلين بين الجمهور بشكل مكشوف أو مقنع ثم صارت الفضائيات والوسائط الحديثة تغذي بشكلٍ هائل نقل التخلف والعداوات بين المسلمين.
عودةُ الإقطاعِ أو إستمراره في البلدان الصحراوية والقروية النفطية قبل البلدان العربية الحكومية العسكرية المتجهة للأزمة ثم الانهيار، هو بسبب عدم تحولاتها مثل البلدان الأخرى العسكرية التي أجرت ضربات أكبر للحياة التقليدية، فجاء تأخرُها الفكري السياسي بسببِ عدم وجود فئات وسطى وعمالية تحديثية واسعة، فكانت أشكالُ الوعي والثقافة غيرُ منتشرة بتوسع بين الجماهير، فيسهلُ خداعها من خلال بعض الشعارات وإستثمار تقاليدها وإرثها وجرها للنشاط السياسي العنفي الكامن أو الظاهر، كما أن جذورَ المنظمات الطائفية السياسية وأعتبار هذه البلدان مركز الهروب للجماعات الدينية، كل هذا جرّ جماهير هذه البلدان للحراك السياسي الجماهيري الفوضوي.
ولهذا فإن الجماعات البرجوازية الصغيرة المتذبذبة بطبيعتها وعدم رسوخ الرؤى التقدمية والديمقراطية داخلها تنجرُّ للسائد دائماً، ولكن قفزة هائلة من الاشتراكية والقومية والحداثة إلى الطائفية وثقافة الإقطاع كانت مفضوحة.
ضخ الأنظمة لجزء من ثروات البلدان لهذه الجماعات وتوسيعها وهي الواسعة أصلاً كجزء من بُنى الحرف ومعامل ومصانع المواد الأولية التي تغدق الفوائض على القوى المتنفذة نظراً لعدم وجود أسلوبِ إنتاج وطني متجذر يغذي مختلف الطبقات، يؤدي لتحولات الفوضى والانقلابات الخطرة على التطور.
وهكذا تنقلبُ تنظيمات كانت تتعيش على التسول من الأنظمة إلى أن تكون عدوة لها وتجد سببيات واهية للفوضى السياسية، وتتحالف مع تنظيمات يسارية كانت تعتبرها لوقت سابق قصير ملحدةً خطرةً على الإسلام!
اللاعقلانيةُ والذاتيةُ والمصالح العابرة وإنتهاز الفرص والتلاعب بالمذاهبِِ والأديان والقيمِ والركوب على ظهور الجماهير غير الواعية وعدم خلق التراكمات التحديثية بصبر وحكمة وبإقناع للشعب وكل هذا لكي تصبحُ هي في مركز الزعامة والسيطرة ويتفق معها أناسٌ لهم مثل هذا الطموح الذاتي وعدم التجذر في المصالح والمبادئ العامة.
إستخدم العلمانيون المرتدون نفس طرق الكهنوت في إستغلال الدين وإفراغه من مضمونه النضالي وتأجيره للقوى الاستغلالية للهيمنة على الناس بدلاً من الانتاج العقلاني التحديثي وتطوير الوعي.

من العنف الثوري إلى الانتهازية

حين نرى المسار المؤلم للجماعات التحديثية التي بدأت حادة مخيفة في أطروحاتها ثم انتهت وهي تبحث عن المال بأي صورة، لا بد أن نقوم بدرس ذلك، فهو مسار معقد وقد يتكرر لدى المجموعات الدينية كذلك وربما بطريقة أكثر حدة وتعقيداً.
لنلاحظ ان الاهتمام بالأشكال والجوانب التحديثية المفصولة عن مضمون تغيير أحوال الناس، أي الاهتمام بالأنا على حساب النحن، وكذلك لغة الهجوم الحادة على الإرث والتقاليد وتوجيه المجابهة بين قوى المعارضة، تماثل الطرح قبل عقود أن حل كل المشكلات يمكن عبر البندقية ولغة النار.
ولكن مجموعات الفئات الوسطى المعبرة عن تجربة أقصى اليسار، كانت وهي تدفع ثمناً باهظاً من حياتها لمثل هذه الأفكار، لم تتعلم منها أثناء التجربة، وإذا غدا الحرمان مكروهاً، وتطوير وعي الذات الحزبية بالواقع وبالفكر غير ممكن لأسباب كثيرة، لهذا كان الاتجاه نحو النقيض، نحو المال والمراكز والشهرة والصداقة مع الأنظمة والحركات الشمولية ومع المهيمنين بشتى ألوانهم، والمهم خدمة الأنا.
كان هذا الإفلاس الفكري يتجلى بالوقوف عند المرتكزات الشمولية للنظام الشمولي القديم، (الاتحاد السوفيتي، والصين وكوبا) أو بالارتهان كلياً للتجربة الغربية، وتأتي عدم القدرة على فهم النظام العربي التقليدي الراهن، وتشجيع الأنظمة كذلك لانفتاحية الفئات الوسطى، في التوجه للانتهازية اليمينية هذه المرة، أو التشدق بألفاظ اليسار عبر جمل باترة وامضة؛ مع غياب الموقف التوحيدي لليسار والقوى الديمقراطية عامة..
إن هذا ينطبق على انهيار أنماط الوعي المستخدمة، كغياب الدراسة العلمية، وتخثر الشعر، وجمود القصة، وشكلانية اللوحة التشكيلية وموتها، وسفر الأغنية الثورية إلى الصمت والتجارة، وانتهازية القانون حسب مواقف الجماعة الخ..
إن العجز العميق عن التطور يولد أمراض جنون العظمة، وتشجيع الشلل لتخريب الثقافة الوطنية ومعاييرها الموضوعية، وتكريس النجومية وحب المال، وتفكيك الجماعات اليسارية والوطنية عموماً.
إن الخراب كان كبيراً في العمق، وهو خرابٌ غير مدروس، وغير معروفة آثاره، ولكن ظاهرة العجز عن الفعل، وتكرارية اللغة الميتة، والعودة للمأتمية، والاصطافات اللامبدئية، والعجز عن النقد العميق، هي وغيرها تشير إلى تخثر فعل ممثلي هذه الفئات الوسطى، وعجزهم عن العمل الاجتماعي الفاعل.
ومن هنا نجد أن الثقافة الرسمية السائدة في بعض الدوائر تشجع على كل ما هو منقطع عن الموقف المبدئي، والاحتفاء بالخارج، ولهذا فهم يشجعون ثقافة من موزمبيق لكن لا يمدون ايديهم للمنتج المنهار المحلي، إلا إذا تخلى عن ثقافته الوطنية المنتجة وتحول إلى أراجوز سياسي أو شعري أو تشكيلي أو مسرحي، فالمهم هو الاستعراضات.
لغد قامت القوى (التحديثية) بتقزيم بعضها بعضا، فتلك الجماعة تحتكر أغلب جوانب الثقافة المفيدة المدرة للأرباح، ولكن إلى ماذا قاد ذلك؟ إلى التخلي عن نقد الواقع، وعدم قدرة النتاجات ان تعري الأخطاء، وهذا الجانب لم يتغير حتى بعد أن أخذت الدوائر الرسمية تنقد نفسها. وتغدو التحالفات غير مبدئية، فالسياسي الذي ينقد بقوة وحِدة الواقع السياسي، يصمت عن نقد الواقع الثقافي الفاسد، فلم يمتلك منهجين مختلفين؟

البورجوازيون الصغار الانتهازيون

هم أساسُ العيارة والجمبزة والانتهازية وتخريب التطور، المنافقون المعاصرون، لهم في كل حزب موقع، ولهم في كل ثورة نصيب، ولهم في كل ثورة مضادة نصيب، وهم مع الفقراء والأغنياء، وهم مع اليسار واليمين، وهم مع الدينيين ومع الملحدين، وهم مع الحكم وأعدائه، وهم مع الحقيقة والباطل، كيفما شئت والمهم أن تدفع!
المهم أن تغذيهم بالأموال، أو بالشهرة والمجاملة والنفخ، فالأموال والجوائز والعطايا والكراسي تغذي النشاط الفكري لديهم، تجعل مكوناتهم العقلية فجأة تتفتق بالاكتشافات المبهرة، والثلاجات المليئة باللحوم والسيارات والأراضي.
هم متخلفون في الفكر وإنتاج الكتب، نتاجهم مزيف، ليس فيه أي تحليل للصراعات الطبقية المعاصرة، لأنهم يرفضون أن يتخذوا موقفاً بين الفقراء والأغنياء، بين العمال والإقطاع والبرجوازية، عيارون جدد، ثم يتشدقون بالكثير مع الخرافات الحديثة والقديمة، وهم جبناء انتهازيون يهتمون كثيراً بجيوبهم، وليس بالدفاع عن الحقيقة والناس. من هنا لا يتعمقون في المعارك الاجتماعية والسياسية، فكيف يواصلون ذلك وفيها قطع أرزاقهم الوفيرة؟
فتجد دائماً أن كلماتهم تنصب في اتجاه معين وحيد، مستمر أبدي، لا يتحول ولا يتبدل، وكأنهم آلات ممغنطة وكائنات موجهة، تقرأهم وأنت في البيت دون الحاجة للقراءة، يخافون من أي توجه آخر، مدارون إلكترونياً من أقمار صناعية ومن مخافر كونية، كأنهم وُضعوا على سكك الحديد، لا يلتفتون يمنة أو يسرة، يدافعون عن حكومات، أو عن اتجاهات سائدة بالشعرة مهما ناوروا أو أدعوا، ولهم البنوك والمعاشات والكراسي والجوائز والمنافع والمناصب والبلاعات، فهي أفكار مدفوع لها سلفاً، وهي كتابات مأجورة مقدماً، وسخافات لانفع فيها وضررها كثير على العقول.
بين عشية وضحاها يتقلب البرجوازيون الصغار الانتهازيون، من العلمانية والثورة التقدمية إلى مساندة التخريف الديني، التخريف الديني والشعوذة وليس إلى تصحيح هذه المفاهيم وإنتاج عقلانية دينية مفيدة مهما كانت كذلك مصائبها، وينتقلون من الدعوة للثورة العمالية وانتفاضات الكادحين إلى خدمة الملالي والمجرمين المطاردين دولياً، وتبرير الأرهاب بكل اشكاله لكن دون أن تصيب حصالاتهم وعائلاتهم المقدسة أي ضرر، ويعملون لخدمة الطائفيين وأجهزة الاستخبارات للدول القومية والدينية الدكتاتورية، (يا إلهي كيف يبيع هؤلاء الناسُ أنفسَهم بين عشية وضحاها؟!).
والأدباء واللامبدعون لهم نصيبهم الكبير الوافر من هذه الانتهازية، وقد كنا ننتظر نضالهم وفضحهم للاستغلال وجلب العمالة الأجنبية الرثة والتصدي للدكتاتوريات وحكومات السرقة، في قصصهم وأشعارهم ورواياتهم، ولكن لا خبر جاءَ ولا نشرٌ نزل!
لكنهم يتعللون أن الأدب والفن ساميان لا يتلوثان بهذا الأسفاف الشعبي، وأنهما نائيان عن المادة، وعن الجمهور البسيط ومحدودية إدراكه وسذاجة مفاهيمه، ومع هذا فنجد أنهم مشغولون بالمادة الذهبية كثيراً، خاصة في شراء اللوحات وكسب الجوائز وطباعة الكتب مجاناً والحصول على تذاكر السفر وحضور المهرجانات بأبهة، ويقولون إن ليس لهم علاقة بالأجور والسفاف الدنيوية فهم من مادة صوفية أثيرية تضحوية خالدة إلا إذا انخفضت مرتباتهم الكبيرة، فسوف يجأرون بالشكوى كثيراً، لقد جفت أشعارهم ولوحاتهم وكتباتهم فقد نأوا عن نضال الشعب، وصارت الكلمة هي الحصالة، وصار الموقف تبعاً لأسعار البورصة، وقل أعطني شيئاً أكتب لك ما تشاء، ثم صار الهراءُ الشعري المادة السماوية التي منها يمتحون كل سخافاتهم وأعمالهم المسرحية والفنية وبراءتهم من دم يوسف! دم الشهداء والمناضلين! وتجدهم يهرجون في المسرح وفي الكتابة وفي السياسة ويظنون أن القراء والمشاهدين جهلة لا يعرفون ما وصلوا إليه من إنحدار ومن عجز عن المقاومة! هل إفادتهم كلماتهم ولوحاتهم وأصنامهم شيئاً إلا ما هو عابر؟
ولا يقل مواطنوهم وأقران السؤ الآخرون (الدينيون) عن هذا المثال (المشع)، بل لقد سبقوهم في العيارة والنصب على السذج، وهؤلاء تاجروا في الدين وهذه من أعظم الكبائر، وجعلوه مصيدة وحصالة فبئس ما يصنعون! إلا من ناضل جاهراً قوياً من أجل حقوق الناس لا تهمه في الحق لومة لائم وإذا صار لا يُدفع له شيء واصل طريقه، وليس نضاله متوقف على دخله الرفيع، أو على رئيس وكرسي بائس!
البرجوازيون الصغار الانتهازيون ليس لهم من مال كبير يحفظهم من السؤال، ولا من موقف متجذر يرفعهم عن الانحدار، ولا من عمق الفكر ما يسمو بهم عن التسول، ولا من عمق الدين ما ينأى بهم عن التجارة بما هو ثمين لا يُقدر بمال!
خسروا الموقف وهو جوهر الشخصية وتراكمها الأخلاقي الرفيع وقدرتها على النمو والتأصيل والتحليل والبقاء الشامخ والنقد الشجاع الذي لا يطلب مكأفاة ولا رعاية من لصوص، ولا تقدير من الحقير ذي الجاه والمال.

الكائنُ الذي فقدَ ذاته

أرقصْ على حبال الطبقات والتيارات وأرفعْ مصلحتكَ الخاصة لدرجة المقدس.
كنْ مع الحركة إذا رفعتك وقربتك من السلطة والمغانم وأهربْ عنها إذا حرقت شعرةً من جلدك.
كنْ ضدها إذا خسرتْ ولا تقطعْ الخيوطَ تماماً فربما أعطتك شيئاً في مستقبل الأيام.
كنْ مع الاشتراكية إذا كانت كراسٍ وتذاكرَ ودراسة مجانية وأبناءً يذهبون للنزهة.
لكنك دائماً مع الرأسمالية، هذه الملعونة اللذيذة.
كنْ مع اليسار إذا أغنى أهل اليسار، وكن مع اليمين إذا صعد نجمُ اليمين.
كن مع الالحاد إذا كان مفيداً وساعتهُ دانية وكنْ مع الإيمان إذا كانت قطوفه دانية.
كنْ ماركسياً تقدمياً حيث لا ضررَ ولا ضرار والجمهورُ الكادحُ يعطي تضحياته لها، وكنْ دينياً طائفياً حين ينقلب الجمهورُ ويصبحُ منشئاً لحصالات الخير والتبرعات ويسفكُ دمَهُ من أجل الخيال.
أنت أيها الراقصُ على حبال الطبقات والتيارات، يا لك من ذكي في زمن الغباء السياسي.
قامتك تصلُ للسماء وأنت تمشي وراء جيفارا وكاسترو وهوشي منه وتدقُ طبولَ الثورة في الغابات العربية الصحراوية، تحملُ بندقيةً من خشب وتقاتلُ في الفضاء، ولكن لا مانع من إستثمار أبناء هوشي منه في المصانع والسكوت عن الاستغلال الفظ للملايين منهم.
إذا جاء زمانُ الثورة العمالية والاشتراكية فأنت إشتراكي لا تقبلُ بربطةِ عنق برجوازية، وتدينُ الأكراميات وإنشاء المتاجر عند اليساريين المتخاذلين الانتهازيين، ولكنك لا تمانع من المتاجرة بالدولارات في الاشتراكية وبيع البضائع المهربة بالسر في روسيا السوفيتية.
جاء زمانُ الطائفيين ففجأة إكتشفتْ طائفتك، وبكيتْ على ماضيك الإلحادي، وكراهيتك للمساجد والمآتم حسب تصنيفك الطائفي، وعرفتْ مزايا مذهلةً في هؤلاء الطائفيين المقاتلين من أجل الديمقراطية وحقوق الجماهير، أو لكونهم عقلاء يؤسسون رأسمالية بنوك الخير ومساعدة الشعوب وينخرون الحكومات والأنظمةَ بدأبٍ من أجل مستقبلِ رأس المال الطفيلي، وفي الإمكان أن يقفزوا للسلطات فجأة. فأنتَ دائماً مع الخير وتقدم الشعوب والموجة الغالبة.
مع الدولةِ والرواتبِ المجزية والعلاوات والبقشيش ومع المعارضةِ الطائفية تضعُ في صندوقَها الأسود بطاقةً للمستقبل، وربما يحضرُ مقعدٌ عال في قادم الأيام، فالعاقلُ لا يفلتُ فرصةً.
مع الاشتراكية هناك ومع الشيعة هنا، ومع السنة هناك ومع الربيع ومع الخريف حسب الأسعار، ومع الألوهة ومع الإلحاد، ومع المقاومة ومع التراكمات النقدية حسب الطلبات الوطنية والعالمية والشركات المتعددة الأيديولوجية.
التناقضاتُ تملأكَ ولكنها لا تدمرك، كيف تُدمرُ حصالةٌ؟ وكيف يفلسُ بنكٌ إيديولوجي سياسي متحرك؟!
التناقضاتُ تصيبُ المناضلين الخائبين الذين لا يغيرون مبادئَهم حتى في الأعاصير، الذين إذا قلّ أنصارهم بقوا، وإذا كثروا لم يغتروا. يكتفون بضلع من بناية، ويزدهرون في البساطة والشظف والفرح.
أما أنت فعملاقُ عصرك ترتفعُ عن هؤلاء المحنطين، وتزدهرُ أسهمك ومدخراتك، وترهفُ السمع لأي تغير في الذبذبات السياسية والمالية، وتزحف وتزحف حتى تهترئ نفسك ولا يبقى عظيمٌ في روحك، تتحسُّ موجات الهواءِ الصغيرة لتتعرف الاتجاه القادم وتبقى في الاتجاه السائد.
قدمٌ في الرأسمالية وقدم في الاشتراكية، قدم في اليسار وقدم في اليمين، قدم مع الإرهابيين وقدم مع الشرطة العربية حسب مسار الأسهم.
هؤلاء أعداؤك الذين كانوا يريدون قتلك فكيف تظهر بينهم وتزرعْ زرعهم، وهذه أوراقكَ كيف توقفت وأهترات، وهذا مسرحك كيف هدمته، وهذه أدبياتك كيف توقفت وهذه صحفك كيف أهترأت، وهذه خطاباتك كيف مُحيت، وهذا تيارك كيف دمرته، وهذا شعبك كيف تلاعبتْ بمصيره؟

جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

الأدب الطائفي

مع انهيار الوعي الوطني بدأت أشكال الوعي الطائفي تتغلغل في شتى مظاهر الحياة. والأدب أحد التجليات الخطيرة لهذا الانهيار. علينا أن نرى أولاً كيفية انهيار الوعي الوطني داخل الأدب وكيف صار ذلك ممكناً.
فالأدب الذي كان أحد أشكال تجليات وعي المعارضة السياسية ارتبط على مدى قرن بعملية توحيد الشعب البحريني، سواء كان ذلك في كتابات النهضة الأولى، التي برزت زمن الغوص، أو مع ظهور الاقتصاد الجديد بدءً من الثلاثينيات، وسواء كان ذلك في الموضوعات التي توجهت لموضوعات عامة نهضوية كأهمية التعليم أو تشكيل نمط جديد للأسرة. أو من جانب المضامين التي كيفت تلك الموضوعات مع كفاح الجماعات الفكرية والسياسية التي تصدت لعملية التغيير.
إن الفقير أو العائلة أو الناس أو الرموز لم يكن لها ترب محددة، بل هي تتشكل في فضاء مجرد، وإذا كان لها بعض الملموسية هنا أو هناك، فهي ملموسية محدودة، كما يفعل إبراهيم العريض مثلاً حين يتحدث عن القرية.
أو حين كان الكتاب السياسيون يوظفون بعض مفردات القصة أو الشعر للتعليم والتوجيه، فلم يكونوا يوجهون كتاباتهم تلك لطائفة، بل كان هاجس (الشعب) مسيطراً عليهم، ومن هنا كانت المناسبات الدينية لا توظف للخصوصيات الأثنية، كما يحدث الآن بغرض التفتيت والتكسب.
ولهذا كانت المناسبات الدينية قليلة، ومركزة على التوحيدي منها، ولا تجعل في بؤر الحياة اليومية، في حين كان الشعر رأس الحربة في الأنواع الأدبية، بسبب مستواه العاطفي المباشر والذي يشكل تماساً مع الجمهور، وكذلك لجذوره العريقة.
ولهذا فإن التحديثية المبالغ بها في الشعر، أو في القصة، وصعود السياسيين المذهبيين على منبر الكلمة، واستيراد الأدب المذهبي العتيق وترويجه، والتسطيح الفكري والأدبي والانتهازية الفردانية الواسعة، وانتشار سطحية الأدب، واتساع الابتذال فيه، وعدم تطور الأجيال الأدبية الجديدة، فتنسخ ما هو سطحي ومبتذل، هي كلها مظاهر مشتركة متداخلة.
إن تدهور الوعي الوطني يتجلى في المظاهر الفكرية السياسية التي كانت بوابة التخريب في الأدب، وعبرها ولعدم قيادتها العمليات الفكرية الوطنية النضالية، وبرجماتيتها التي وصلت حد الانتهازية واستغلال ما هو رائج، لم يتبلور وعي وطني صلب للأدباء والفنانين عموماً.
ومن هنا لم تناضل ضد الشكلانية ولم تعمق الواقعية، فداخل الحركة الوطنية نفسها كان التفسخ الفكري يشتغل بقوة، حتى تلاشت الأدوات النقدية والعقلية لتحليل السياسة والثقافة، اللتان هما ضفتا الوعي المنتشر.
إن طغيان موجات الطائفية على الحياة بسبب الترويج الاقتصادي والسياسي الواسعين لها، وانتشارها، قد فل من عضد الحركة الوطنية لمقاومة هذا السرطان، وعمل البرجماتيون على استغلاله في مشروعاتهم السياسية، دون أن يشغلوا أدوات العقل والتحليل الوطنية، ويثابروا على تكريسها في مجال الأدب والفن. وتغاضوا عن نموها واستفحالها، ودخولها مجالات الأدب والفن بعد أن لم يتصدوا لها في مجال السياسة.
فمن جهة هم جهلة بتاريخ الإسلام، ومن جهة أخرى هم جهلة بتاريخ الفنون الثقافة عامةً.
وحين تحطمت طليعة الوعي الوطني، فإن الأدباء والفنانين يأتون بشكل تال في المسئولية.
ومسئوليتهم تنبع من نفس المناخ العام للقادة السياسيين وهو التقوقع في الأشكال الإبداعية الصغيرة المعزولة عن سيرورة المجتمعات العربية، وعن حركات النضال الحديثة.
وحين توارى قسمٌ كبير ٌ من جيل التحديث الإبداعي عن مسئولية الكفاح الوطنية، منغمرين في الهيئات البيروقراطية والاقتصادية والسياسية ومنافعها، تآكلت الأدوات الإبداعية الوطنية عن الانتشار والتأثير في الأجيال الجديدة خاصةً، التي وجدت نفسها في تبعية للقشور السائدة الطافحة على جسد الواقع المريض.
والتأثر بالجهل والكسل العامين، أدت إلى تضاؤل إرادة الكفاح أكثر.
جانبان أساسيان ميزا الوعي عامة هما الذاتية والانتهازية، وهذان جانبان قد دغما الفئات الوسطى أكثر من غيرها بسبب إنها منتجة الوعي والراغبة في تغيير مستوى المعيشة والباحثة عن الثروة كذلك.
إن التعليم الخاص وتدهور التعليم العام و انتشار الأدب العامي الركيك والسطحي وسيادة الغموض لدى التجريبيين وسيطرة المسرح التجاري الغبي هي وغيرها من المظاهر تعبر عن السمتين السابقتين، في توليفة مركبة.
لكن ظاهرات الأدب معقدة، فلا تظهر السمتان تلك بذات الوضوح، فتوجه القصيدة إلى الذاتية وشحوب العالم الخارجي هو شكل من الابتعاد عن نقد الظواهر الخطرة المسستفحلة، فيلجأ الشاعر للتعقيد والرموز غير المبنية على توليفة نقدية اجتماعية بحرينية، فتخبو صور المجتمع البحريني وصرعاته لأن الشاعر لا يريد أن يتخذ موقفاً تجاه الصراعات المتفاقمة حتى لو احترق جيرانه، مستمراً في نسج صور متقطعة أو ذاتية، أو صور من الهوس والفتنة الخاصة..
أو حين تدور القصص القصيرة حول الشخصية الغارقة في فرديتها، فالقاص يصور بعض صور الأحياء والشخوص عبر مشاكل فردية أو جزئية، وهذا لا يدل فقط على غياب التراكم الفكري الأدبي الوطني، بل كذلك على الغرق في الوعي الطائفي المنتشر، فهو غير قادر على تصوير المجتمع بصرعاته الحقيقية، فيتسيس وعيه الفني المسطح بذلك الوعي، لأنه غير قادر على التغلغل في المشكلات العميقة لأبطاله.
فكما تقل البطولية والملحمية والدرامية في القصيدة تقل العمليات الروائية في النوع القصصي. وتقل الدراسة التحليلية العميقة في النقد، ويغدو التعبير الصحفي المسطح، الانفعالي، اليومي، هو شكل الوعي الكتابي الغالب، فالوعي للفئات الوسطى المنتجة للفكر، تسطح وغدا مثل حركة الزئبق، تشده الأحداث، وهو غير قادر على قراءتها وتحليلها، ولهذا فإن المجموعات الحديثة، التي هي منتجة هذا الوعي بنسبة كبيرة، لا تتلاقح على مستوى إنتاج الفكر، ولا على التعاون السياسي العميق.
من هنا تصعب إن لم تستحيل الدراسة النقدية العميقة، وتغدو الكتابة (أكل عيش)، فينزلق مثل هذا الوعي السطحي الرجراج نحو سيدة الموقف السياسي؛ (الطائفية)، فيقوم المرشح وعضو البرلمان في خطبه بمغازلة طائفته، وتقوم الجامعة بالاهتمام بالأدباء المحافظين من الطائفة المسيطرة فيها، وتقوم الجمعية الفلانية بالاحتفاء بالأديب الراحل من طائفتها، وهو الأديب ذو الإنتاج المتدني أو الذي لا قيمة له، أو يروح كتبةُ الطائفة بالتركيز على فترات وأهمال فترات من التطور الوطني العام.
وسيطرة مثل هذا الوعي السياسي الطائفي على هذه النخب التي تمسك زمام جوانب فاعلة في الحياة الاجتماعية ، يقود إلى توسيع شبكته في أنحاء الحياة، وخلق الشبيبة السياسية المروجة له في المدارس والجامعات، ومن هنا نرى خبو ظاهرات الثقافة المبدعة في هذه الأجيال التي تم تسميم عقولها بالثقافة الإعلامية السطحية وبالتعصب المذهبي المنغلق على أشكال ورموز لا يتعداها، وتبعد عن قراءة الأدب الحديث، وعقله يصير مثل أشرطة المسجل، وبتكرارية الأدعية والمناسبات الدينية التي تردح بمثل هذه المنولوجات.
إن تفتت الإنتاج الفكري الوطني، يعقبه تفتت على مستوى الأنواع الفكرية والأدبية والفنية، فيحدث التدهور من العام إلى الخاص، ويصير الشعب مجموعات مفتتة، يزيد من تفتتها ظواهر العولمة؛ عمالة أجنبية، وبث فضائي يحول البيوت إلى قواقع، فيتحول العقل الوطني إلى عقول طائفية كل منها له بثه الخاص، وأدبياته ومناسباته، وكل هذا المناخ لا يخلق أدباً وطنياً.
ويغدو عمق هذه التجزيئية الفكرية أحياناً كارثة، فنظرة الطائفة وتاريخها وإرثها ينعكس في مثل هذا النتاج الذي يصدره مثقفون، وبدلاً من التوحيدية الإسلامية، يجري تكريس نقيضها، مع كم من أساطير الطائفة وتواريخها الخاصة، فتطبع كتب قديمة هائلة الصفحات وتنشر بشكل واسع.
ولا يظهر هنا وعي تحديثي يقوم بقراءة مثل هذا الإرث ووضعه في إطاره التاريخي باعتباره من أدب زمن الطائفية وتفتت المسلمين.
فهؤلاء المثقفون لا يسيطر عليهم هاجس الفكر الوطني، ومن هنا يغزلون شرانق ذاتية غير قادرة على تحليل الواقع الراهن بصراعاته الاجتماعية، غارقين في الصراع الطائفي والرؤى الطائفية، التي تذبل.