أرشيف التصنيف: عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

عودةُ الحداثيين لطوائفهم

عادتْ كتلُ البرجوازيةِ الصغيرة لطائفيتيها الشيعية والسنية.
بلدانُ عدمِ النقاء المذهبي، بلدان التجمعات المذهبية المتعددة فشلتْ في تطوير تجارب ديمقراطية، كما يتضحُ في العديد من البلدان ذات الإصطفافات الطائفية الحادة.
جرى هذا على مستويي الوعي السائد وعلى مستوى الوعي العامي.
الوعي المذهبي السني في بعض البلدان العربية إندمج بالمؤسسات الحكومية، عاجزاً عن خلق مسافة بينه وبينها، وحين يخلق مسافة تغدو أشبه بإنتحار على طريقة القاعدة، فلم يندمج بالأشكال المتعددة لليبرالية الأقرب إليه ويطورها بعدم مفارقة جذوره كذلك.
وكلُ بلدٍ له بنيتهُ الاجتماعية التي تخلقُ حراكاً مختلفاً عن البلدان الأخرى، لكن قانون التطور فيها يعتمدُ مدى تداخل الطائفة السائدة بالوعي الديمقراطي الحديث، وهكذا نجد مصر تصارع التطرف على مستوى الوعي المذهبي السني عبر الإبتعاد عن قوى العنف، وعبر الإبتعاد عن السلفية الحربية، وعبر التقارب مع الليبرالية واليسار الديمقراطي، وإذا حدث ذلك فإن الكتلة المسيحية الدينية السياسية تقترب هي الأخرى من هكذا تعاون وسطي وتقارب ديمقراطي وطني. الطائفة السنية ذات الأغلبية بالمقاربة مع الحداثة تؤسسُ شيئاً جديداً، هذا سيكون مصير إيران بعد سوريا، فلا بد للطائفة الشيعية من مقاربة للديمقراطية التحديثية عبر مركزها المسيطر ثم يفيض ذلك على الآخرين المتأثرين بها.
يصعب هذا في لبنان، ذي الفسيفساء المذهبية السياسية، التي تعبر عن تاريخ قديم مضطرب، وعن حاضر ذي مراكز مهيمنة سياسية كثيرة بعدد الطوائف وعلاقاتها.
وهو الأمر المشابه للعراق ذي المراكز الثلاثة المذهبية – القومية. فهنا نقارب قوميتين آخريين إضافة للعرب وهما القومية الفارسية والكردية المؤثرتين في هذا البلد. والطائفة السنية من خلال وعيها السياسي الرئيسي عبر القوميين والبعثيين لم تستطع إنتاج وعي ديمقراطي كما حدث في مصر رغم المنعطفات والصراعات الضارية في الأخيرة نفسها، لكن العراق كان العنفُ متجاوزاً للوجود البشري وإمكانيات تحمله، وهذا يعكس جذور صراعات الأمم والطوائف والشعوب والأقليات.
عدم خلق تراكمات ديمقراطية على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في بلدان الطوائف يقود لإنقسامات كبيرة وتفكك سياسي وطني كامل على طريقة السودان والعراق.
ومن هنا نجد الكتل السياسية البحرينية تنفرز على أساس الطائفتين في الأحداث الأخيرة. التراكمات الديمقراطية المحدودة في بضع سنوات لم تكف لخلق بنية إجتماعية وطنية مندمجة، مزدهرة بالتطور على صعيد الوعي خاصة.
منتجو الوعي من البرجوازية الصغيرة يتسمون دائماً بالاضطراب والانتقائية والانتهازية والبحث عن حلول جزئية وعدم قراءة للُبنى الاجتماعية الوطنية والعالمية في تطورها التاريخي.
ما راكموه خلال تاريخهم السياسي – الثقافي لم يكف ليكوَّن مدارس فكرية- تعبيرية- سياسية، فهي شعارات ولمحات من الرفض الحاد أو القبول الحاد. من الأشكال الجزئية والنظرات المحدودة، والتصقوا مطولاً بالأفكار العامة للرأسماليات الحكومية الشرقية الاستبدادية المنهارة أو التي في طريقها للانهيار، وهي أفكارٌ تحللتْ وذابت، ولم ينتلقلوا لجذورها الديمقراطية، وعادوا لكونهم ذكوراً مستبدين في أسرهم وعالمهم أو إناثاً تابعات لهذا الوعي نفسه، فهمشوا الأفكار العقلانية النقدية الوطنية التوحيدية داخلهم، ولم تتطور لقدرات تحليلية لتاريخ الجماعة المذهبية أو لتاريخ الجماعة السياسية التي دخلوا فيها، أو لتاريخ البلد، فوجدوا أنفسهم في النهاية مع طائفتهم، طائفيين بيافطات متوارية خادعة.
لماذا؟ لأن جماعتهم السياسية لم تتطور فكرياً، بل تحللت فكرياً، ولم يبق منها سوى الهيمنة لرؤوساء على أفراد جماعتهم غير المكرسة لأعادة نظر عميقة من الوعي، فارتفعت التبعية لدولةٍ سنية أو شيعية حسب إنتمائهم، ففصموا البلدَ سياسياً.
إنهم لا يقدرون على خلق إشاراتٍ من فكرٍ ديمقراطي فكيف يراكمون وعياً ديمقراطياً على مستوى الطبقة أو على مستوى الوطن؟
التحللُ عبر الاستقالات وعبر تكوين منابر جديدة ومواقع مختلفة غدا هنا ضرورة، لأن الشموليين المذهبيين يعرقلون التطور الديمقراطي الذي لا بد أن يشق طريقه بعد تكشف لحمهم الطائفي في الشمس السياسية، وعجزهم عن التطور الفكري السياسي، ليس هذا يجري على المستوى المحلي فقط بل على المستوى الإقليمي كذلك، فالشعوب في المنطقة تتغير. إن الطالئفة السنية بمقاربتها للحداثة والديمقراطية والعلمانية نسبياً وحدوث مراكز من دول في طريقها لتداولية السلطة، تبدأ بقيادة الأمم الإسلامية مجدداً، وهذا لا بد أن يصل لطوائف أخرى، لأن (ملة المسلمين) حسب تعبير الأوائل هي تحولٌ مشترك متداخل.

الزعيم الديني وغياب الوطنية

الزعيم الديني عاش مثل التاجر المبتعد عن السياسة، فهو كائن بدوي قبل أن يكون كائناً مدنياً، فالمذاهب الإسلامية كانت مذاهب متحولة، والمنطقة التي كانت سنية تتحول إلى شيعية والعكس، كان العرب في ترحال مستمر وانتقالات عبر القرون، ومن هنا لم يوجد فيها شيءٌ اسمه الوطن، ولم تظهر حركات وطنية، والوطن لدى البدوي هو الخيمة والنجعة ومورد الماء والنهر والمضارب.
والزعيم الديني يعطي إنتماءه للنص الديني، فهو وطنه، وهو عدة الشغل الاجتماعية والسياسية، التي تتبدل حسب التواريخ والصراعات والتحولات، وقد يعيشُ في بلدٍ غيرِ بلدهِ الأصلي لكنه يحوله إلى بلده، عبر العيش فيه دون أن ينتمي إليه إنتماءً عميقاً، وقد يعود لبلده السابق دون أن تتغير الأحكام الفقهية ولا ذاته. فلم تكن ثقافتنا الدينية السابقة ممتلئة بقيم النضال الوطني.
الزعيم الديني ذو جذورٍ بدوية ترحالية، ورغم أن الركائز القومية تبقى غائرة عبر اللغة، فإن اللغة ذاتها تتبدل ويبقى الأنتماء القومي ضارباً ومضطرباً وغائماً في القاع في زمن الملة، حتى إذا أخذت البلدانُ العربية والإسلامية تتقسمُ على أيدي الاستعمار، لم تستطع الحركاتُ الدينية أن تؤسسَ الحركات الوطنية أو أن تشاركَ فيها مشاركة واسعة، ووجدتْ نفسَها غريبة لأن ثقافتها قائمة على ما هو غير الوطن، ولم تبدأ الحركاتُ الدينية بالظهور إلا حين لاحَ غروبُ الأوطانِ وتمزقها بين المذاهب.
وهكذا حين تستعيدُ الأوطانُ وحدتها ستجدُ هذه الحركات نفسها خارج تاريخها التوحيدي.
وإذا تنامتْ عند رجلِ الدين المشاعرُ الوطنية الفياضة فإنها لا تظهر عبر الدين بل عبر الحداثة، ولهذا تجدُ الأفغاني أو محمد عبده عميقي الوطنية، لأنهما جعلا الحداثة أداتهما في النضال الإسلامي.
وقد كان سكانُ شمالِ أفريقيا العرب يستغربون بشدة أن يكون في المشرق أشخاصٌ عربٌ وغيرُ مسلمين وغير عملاء للاستعمار كذلك، نظراً لغربتهم عن الحداثة!
تماهى لديهم الدين والقومية والوطنية واستمرت خريطة العالم الإسلامي القديمة في نفوسهم رغم تبدل الأوضاع السياسية ونشؤ دولٍ مستقلة، لكن هذه الكيانات تغدو لديهم مصطنعة، زائفة، والأصل هو الملة الإسلامية، فقراءتهم للإسلام قراءة بدوية عتيقة، لا تعترف بالأوطان ولا بنتاجاتِ الحضارات الإسلامية فهي لديهم مشوشة ضالة حتى بدون قراءتها وفحصها.
والبدوي الديني هذا المتصحر عقلاً يعتقدُ إنه مصيبٌ في كل شيء، لحفظهِ بعض الجمل المقدسة، وعلى أساسها يريدُ أن يحكم العالم، وإذ لم يستطع ذلك دمره، فليس عنده شيءٌ اسمه تاريخ وعصور متغيرة وظروف اقتصادية وأمم وشعوب إسلامية متبدلة، ويظل يعيش في جملهِ الدينية باعتبارها هي الملة والوطن، وهي متعالية موجودة مسبقاً، تعيشُ في الفضاء المقدس، غير قابلة للنزول للأرض وفهم العالم والاحتكاك بمشاكل البشر العميقة.
والإسلام لديه أحكامٌ مُبسَّطة عن الشعائر الدينية، ويعتقد إنه يتطابق وأحكام السلف الصالح كما يفهمُ السلفَ عبر تلك النصوصية المُبسّطة، التي تتركز على الديكورات الخارجية في الشكل والملابس والعلاقة مع الغير، وحين يجثم في مسرح الديكورات هذا يرضى عن نفسه أشد الرضا وينطلق في محاربة العالم الوثني.
وهذه التبسيطية الدينية راحت تواجه عالماً مغايراً أصبحت فيه الوطنية أساساً للوجود السياسي، وانبثقتْ حكوماتٌ وظهرتْ أعلامٌ ملونة متعددة ومؤسسات وطنية وعالمية ومواثيق أممية، لكن الزعيم البدوي الديني لا يعبأ بهذه التغييرات والخرائط (الزائفة).
فهو يريد أن يحطم ويهزأ بالزمن الراهن الذي لا يحكمهُ السلفُ ولا عقيدتهم، بل تسود فيه عقائد الكفار، وهنا يغدو من الصعب أن يفهم الوطن المعاصر، الذي هو شيءٌ مختلف عن المذهب والجمل الدينية ذات التاريخ الخوارجي غير المدني.
ويبدو الحال أن الكثير من الحركات الدينية تعترف وتقر بوجود أوطان مختلفة عن بعضها البعض، لكنها في الممارسة خارج الأوطان وتتبع حركات لا تعترف بالحدود، وبالدول وظروفها المختلفة ودرجات تطورها المتباينة، مثلما فعلت الحركات الشمولية السابقة.
لو وجدنا حركة دينية لها اهتمام كبير بوطنها، فإن هذا الاهتمام ليس وطنياً، فالنص الديني المقولب الشكلاني هو الوطن، فترى إن الطائفة فقط هي الموجودة في الوطن وأنها البؤرة لديها، هي القلب الذي تدق نبضاته السياسية عبره، والطائفة تتجاوز الوطن إلى أن تلغي الأوطان، وحتى هذه الطائفة تتحولُ في النهاية إلى نص، إلى كلامٍ فقهي مقدس مفصول عن مشكلات الطائفة وقضاياها وتطوراتها، ويتركز النصُ على العبادات والأحوال الشخصية حيث الذكورية المتطرفة سيدة عالم البدوي الاستراتيجية، وفي نهاية النص يقفُ الفقيهُ المحافظ، وهو بدوي متوارٍ في ملابس دينية، لم يغدُ مهاجراً مترحلاً كما في السابق، لكنه مترحل عبر البيانات التي تأتيه من زملائه رجال الدين في المراكز الطائفية المخلتفة، ويغدو المركز هو مركز الجمل الدينية المسيطرة على عقله، لا مركز المشكلات الشعبية التي يعاني منها المسلمون في كل بلد له ظروفه الخاصة!
وحتى هذا المركز يمكن أن يتغير فليس المهم المركز بل الجمل الدينية.
في مثل هذه الأحوال تغدو العموميات السياسية القديمة مسيطرة، فعالم الإيمان والكفر يتصارعان ولا بد من نصرة الأول ضد الثاني، والغربيون كفار فيجب مواجهتهم والدفاع عن الإيمان والوطن الذي هو وطن المسلمين سواء كان في الجزيرة العربية أم في إفغانستان أم مصر، لا فرق بين بلد وآخر، والسلاح هو ذاته يصلح لكل مكان.
تمت إستعادة مناخ الحروب الصليبية عند الزعيم الديني بسبب إنه لا يفهم العالم المعاصر، وكلُ شيءٍ يرجعُ لديه لمؤامرات صليبية وغربية وأمريكية!
ولهذا تجد الكثيرين من التحديثيين شكلاً هم مثل هذا البدوي الخوارجي حيث الكره العميق للديمقراطية والحداثة ومن أجل سيادة قيم الذكورة المستبدة والعداء الزاعق الشكلي للاستعمار.
ونجد أن زعيم الدينيين في دولة عربية تطورت يستخدم نفس اللغة السياسية التي يستخدمها زعيم الدينيين في الريف الباكستاني، فثمة عالم مجرد محدود داخلي ثقافي يعيشه الأثنان، ولا فرق إذا تم تشريد الملايين أو عاشت هذه الملايين في المقابر أو هاجرت للصحارى، فالوطن شيء غير موجود، وتستخدم هنا عبارة مقدسة لإضفاءِ شرعية على مثل هذه الفوضى وغياب الأنتماء والمسئولية، فـُيقال كلها أرض الله.
توحدُ الدفاعاتُ عن الذكورية المتطرفة والعادات العتيقة والخيمة الدينية المتجولة وقانون القبيلة، زعماءَ الدين اللاوطنيين، تغدو هي وطنهم، وتغدو الهجرة من ديار المسلمين للبادية، وإلى الجبال هي الحق، أو أن الريف المحافظ يريد فرض هيمنته الذكورية على المدن الاسلامية المتوجهه للحرية والتطور.
الرعبُ من حداثة النساء والعقول هي المخاوف الدائمة للزعيم الديني، فيعرقل تطور المجتمعات الإسلامية وتوحدها وتحررها، ويجلب لها الجيوش الأجنبية، ليس هذا إلا لأنه لا يفهم الدين ولا يفهم العصر ويريدُ فرضَ قراءته المُبسّطة المحدودة في عالم كثير التعقيد والتنوع ويحتاج لخطط نضال في مستواه، ويجد الزعيم لسؤ الظروف إن لديه من البسطاء الجهلة من لا يعرف أسباب مآسيه فيتوحد بهذا الانتحار الجماعي الواسع النطاق!
علاج المشكلات لدى الزعيم الديني اللاوطني هو الانتحار في حين تريد الشعوب الحياة.

الانتهازيون خطرٌ على الدول

يعتمد بعض إداريي الدول على المثقفين والتقنيين لكي يقدموا لهم المعلومات من أجل أن يتخذوا القرارت التي تضمن مصالحهم وسير الأنظمة.
لكن المستشارين والتقنيين والمثقفين المرتبطين بالأجهزة الإدارية هذه لا يعملون فقط من أجل مصالح المتنفذين بل يعملون من أجل مصالحهم كذلك.
وهؤلاء المساعدون يستعينون بنظائر أصغر منهم لكي يحافظوا على مصالح المتنفذين الكبار وعلى مصالحهم هم أيضاً، فيعمل هؤلاء كذلك على حماية المصالح العليا وعلى مصالحهم أيضاً.
وهم كذلك يقومون بذات الواجبات المقدسة وهكذا دواليك حتى تصل مثل هذه الخدمات إلى أصغر موظف فيبحث عن مصالحه هو الآخر ويصير متنفذاً.
إن الطواقم الوسطى من المثقفين والتقنيين التي يــُفترض فيها أمانة الضمير وعلو الواجب الوطني والديني والإنساني، تفلسف وتبرر الضمير حسب الظروف من خدمة الوطن العزيز و(الموضوعية) و(النضال القومي) والجهاد الإسلامي والكفاح العارم والشرس ضد الأمبريالية والتطرف والعمل ضدالمعارضة إلخ وكله كلامُ حق يُراد به باطل هو الهدف الشخصي المتواري العزيز!
هم يعرفون كيف يتسلقون وكيف يجمعون الأموال ولا يكتفون بأجورهم التي أعطاها لهم عملهم بل يندفعون إلى كل وسيلة تقفز بهم إلى مكانة أصحاب الملايين!
وهناك طرق صارت مكشوفة في عمليات التحايل هذه، بحيث إن طلبة المدارس صاروا يعرفون هؤلاء، وهو أمر يحطم الأجيال الغضة، ويدفعها إلى سبل الغواية والضلال والفساد في كل مجرى.
مثقفون صغار أبتسمت لهم دنيا السذذاجة السياسية وحصلوا على رواتب عالية ليست في مستوى عملهم المحدود القيمة، فيتصورون أنفسهم فلتات تاريخية، لأن الأموال الحرام ملئت أفواههم وسدت عقولهم!
إن المشكلة هنا ليست فقط في الأموال لكن هذه التخمة جعلتهم يتكاسلون ويكونون حصالات تدفعهم للكسل في عملهم البسيط المحدود وهو التبصبيغ والمدح من جهة والذم الشرس من جهة أخرى، والواحد منهم يقول إذا كانت الدولة بمثل هذا البساطة فلماذا لا أتقوى وأصير في المستقبل مثلهم بل وأرتفع عن مستواهم وأتغلب عليهم، فيكونُ هذا المــُفسَّد دولة تحت الدولة، ويفتتح الفضائيات ويشكل الأعوان ثم يتمرد ويعلن العصيان!
مثل هذا الكائن الصفر ارتفع بغمضة عين فتخيل نفسه فريد زمانه ووحيد عصره، وإنه ملك إمكانيات لا يجود بها الزمان، ولا يعرف إنه مجرد بعوضة في آلة الدولة، متى ما أرادت طيرتها ومتى ما أرادت فعصتها!
وآخر أُعطي المال بلا حساب ليشكل جريدة أو يؤلف كتباً زائفة أو مسروقة أو يصنع حزباً أو تجمعاً برلمانياً إصلاحيا! أو يكون مؤسسة اقتصادية، فتراه نسي مصدر المال وراح يتوهم إنه يصنع إعلاماً وسياسة واقتصاداً، فيصرف الأموال، ويقرب الجماعات ذات الامية الثقافية، التي تبحث عن خلايا العسل الدولاري وليس عن خلايا العقل والنقد، ولو كان المسئول قد صرف هذه الأموال على الأطفال المصابين بالسرطان أو الحارات الفقيرة للضوء والهواء النقي، لحصل على دعاية تبقيه أمد العمر في ضمير بلده.
فالمثقفون الانتهازيون اليوم معك وغداً ضدك، حسب تدفق السائل المالي، فهم بلا ضمير ولا إله ولا مقدسات، المهم لديهم هو المصلحة الذاتية، ويستطيعون تلوين كلامهم التافه بألف لون، لكنهم لا يقدرون على قراءة شيء عميق ولا كشف مرض خطير!
بدلا من إنقاذ الأطفال من الأمراض الخبيثة والأمهات من الأمية تُصرف الأموال على الخفافيش التي تريد استمرار الظلام!
ولكن هذه هي عادات الدول حين تُصاب بمرض الكسل السياسي والغرور والخوف من كل المحبين والأصدقاء، فكل ناقد مستقل في نظرها خطر، والإنتهازي الكاذب المنافق هو الصدق كله، فتشرب السم في حليب الصباح!
وكانت تلك المرأة تبيح كل المحظورات وفجأة تغدو من أعلام الإسلام، وزميلها كان نزيل جنوب شرق آسيا الدائم صار فجأة مرشداً إسلامياً! والجاهل صار صاحب الموسوعة الفكرية والشاعر الضحل صار مشرعاً، وكلهم أغواهم رنين الذهب!
يبدلون العقائد كما يبدلون الجوارب والأحذية وكأنهم يضحكون على شعوب بلا تاريخ وبلا عقل وبلا عيون!
ألم يكن تقرير اللجنة الرقابية على ما فيه من مرارة حادة أفضل من ألف قصيدة مدح للدولة؟
ألم يجعلها في مكانة أرفع وإهتمام أجل من قبل الناس؟!

ضعف اليسار وانتشار الانتهازية

تعبر المعركة الانتخابية البحرينية الواعدة عن دخول اليمين المذهبي بقوة شديدة، مع ضعف فصائل اليسار المختلفة.
وهاتان السمتان تمثلان وجهي العملة، فقوة اليمين المذهبي تستندُ إلى ضعف اليسار وضعف اليسار يقود إلى قوة اليمين الطائفي بفصائله المختلفة.
والفئاتُ الوسطى المرتكزة على هذا الوعي اليميني المنتشر تقود بالضرورة إلى التهاون في قضايا العمال والموظفين عموماً، فالوعي المذهبي السياسي غير ملتزم بأي برنامج لمصلحة الشغيلة، وهو عبر هذا الغموض الاجتماعي يصَّعدُ بعض افراده لحيازة المكاسب.
إن الوعي المذهبي السياسي كوعي انتهازي عميق يحتاج إلى مثل هذا الغموض لعدم الارتباط بالقوى الشعبية وتغيير أوضاعها الاجتماعية، ولبقائها في خدمته.
ويجرى هنا استغلال الإسلام لخلق مثل هذا الدخان الاجتماعي لتصعيد الانتهازيين.
وبالتأكيد يجرى ذلك عبر الطائفية وليس عبر التوحيد الإسلامي.
فنحن نتمنى أن يسيروا على درب عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب في مكافحة الاستغلال، ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داود؟
والطائفية بحد ذاتها إعلان عن توسع تمزيق الشعب وتوسيع هذا التمزيق إلى مستويات سياسية عليا.
وضعف اليسار هو الوجه الآخر لقوة اليمين، فاليسار بذيليته لقوى الطائفية، قام بتمزيق صفوفه، لعدم قدرته على الارتقاء إلى مهمات الإسلام التوحيدية، والوطنية، والإنسانية، وتبعيته للطائفيين.
وتمزيق صفوفه تشكل لملاحقته الشعبية السطحية لهذه القوى، وبدغدغة عواطف الجمهور الجاهل بمصالحه، الذي يقود نفسه للكوارث، كما تشكل ذلك بالضعف التنظيمي الداخلي والصراعات الذاتية، التي شكلها أفرادٌ مرضى معقدون منفصمون عن معارك الناس، ومهووسون بذواتهم الفارغة المريضة. إن طرد هؤلاء من صفوف اليسار صار مهمة ملحة للقواعد بأسرع وقت ممكن.
ومن هنا فالوعي الوطني الذي علامته البارزة هو اليسار في هذه المرحلة والمرحلة السابقة، لم يجد ممثلين بارزين له. ومن هنا ستتواصل اللعبة الذاتية في استخدام قضايا الناس لتعبئة الجيوب.
كما يتضح ذلك في ضخامة أعداد المستقلين، الذين لم يحسموا الخيار التاريخي بالصراع الوطني ضد الطائفيين وضد الاستغلال على أغلبية الناس والعاملين؛ والذين يتمسحون بأذيال الطائفيين لتصعيدهم إلى الكراسي، وليس في نضالهم من أجل مصالح الجمهور، التي تترابط مع النضال الوطني ومع قيادة اليسار في هذه المرحلة من التاريخ.
وأقول اليسار لأن الفئات الغنية العليا صمتت عن الكفاح خلال العقود السابقة، ومن يحمل خطها الآن في المعركة، لم يثبت موقفه بشكل ملموس ومتجذر في الأرض.
ومن الواضح أن قوى التضحية تضعف مع ضخامة الجهل الشعبي، ولهذا فمن الصعوبة في هذه المرحلة هزيمة القوى الطائفية، لكن يجب عدم الاعتماد عليها حتى في هذه المرحلة؛ وبضرورة عدم خداع الناس بأن هؤلاء سيفعلون أشياء مهمة؛ والخوف أن يفجروا معارك مجانية داخل البرلمان، فنرجو أن يواصلوا التعقل الذي بدأوه مؤخراً بالركون للوحدة الوطنية والنضال السلمي الداخلي المتأني. وتتضاعف المسئولية في الخليج مع طرح الملف النووي الإيراني وما سوف يحدثه من كوارث على المنطقة.
إن ظهور برلمان وطني توحيدي يكرس نفسه للولاء الوطني ولا يكون تابعاً لقوة سياسية خارجية يصعد الأزمات والصراعات تبعاً لريموت كنترولها، هو الخندق الأساسي الذي يجب أن نصطف فيه، مدافعين عن التطور الديمقراطي الداخلي في أي بلد، وبضرورة رفض التدخلات الأجنبية وإعطاء الشعوب حقوقها كذلك.
إن مهمات النضال الوطني التوحيدي ومعالجة المشكلات الكبيرة من تدني الأجور وسياسة سيادة العمالة الأجنبية وضخامة تلوث البيئة وعدم وجود تخطيط عمراني — اقتصادي متكامل الخ، ان كل هذه المهمات وغيرها يجب أن تكون بؤرة عمل البرلمانيين. لكن توجه المذهبيين السياسيين هو توجه طبقي بخدمة شرائح صغيرة في المجتمع.

أسباب الانتهازية في اليسار

تعود أسباب انتشار الانتهازية في اليسار إلى عجزه الفكري عن التحليل، وفي الحياة السياسية تمثل تلك انتهازية من قبل القوى القيادية فيه، لمشاركة قوى الاستغلال في شيء من غنائم المال العام.
وهكذا يتم غض النظر عن جوانب والتركيز على جوانب، بهدف إظهار حسن النوايا سواء للإقطاع المذهبي أو السياسي، بحيث تبدو وجهة النظر المساقة متفقة مع نضال الشعب والديمقراطية والوطنية الخ، لكن من يطلقها يحسب حساباً طبقياً استثمارياً فهو يهدف لخدمة مصلحته.
حين يهاجم الدينيين بقسوة فهو يقصد هنا إظهار نفسه تحديثياً رسمياً وإنه يصلح للارتفاع إلى مقام الموظفين الكبار، وحين يهاجم الرسميين بقسوة مماثلة يريد مغازلة الدينيين لكي يصعدوه إلى مراتبهم العلية.
وتتشكل هنا أقسام جزئية أخرى داخلية ضمن هذا التعدد السياسي والطائفي المتنوع، فهذا يغازل طائفة وآخر يغازل طائفة وثالث يغازل جناحاً في السلطة وآخر يغازل جناحاً آخر، وخامس يغازل جناحاً في الجماعة المذهبية المنشقة وهكذا دواليك يقوم هؤلاء بجرنا إلى الخراب الطائفي..
وبدلاً من نشر الوعي الديمقراطي بين الناس كوعي أساسي يجري نشر الوعي الشمولي وتغليب العناصر الانتهازية..
إن الذين أيدوا إنجازات التحولات نسوا سلبياتها لأنهم قبضوا ثمن السكوت عن السلبي وركزوا على الإيجابي..!
والذين ركزوا على السلبي سرعان ما قفزوا لاستثمار إيجابياتها دون ذكر هذه الإيجابيات، لأن الجمهور الذي صنعوا وعيه على كراهية النظام لا يستسيغ مثل هذه القفزة البهلوانية!
وهو إذ يريد معارضة السياسة السائدة يريد تحولات في رواتبه ومساكنه وأحجام عمالته، لكن الذين يتسلقون على نضاله ومشاعره يريدون الوصول لأهدافهم الخاصة مع بعض البهارات النقدية.
وإذ استطاعت قوى اليمين أن تزيف تحركاتها الاستغلالية تحت غطاء كثيف من البخور الديني، لكن قوى اليسار تاهت ووضحت انقساماتها القائمة على الأهداف الذاتية، فشاركت في التقسيم الطائفي وتعميقه بين فئات الشعب المختلفة.
وصار الوصول للكراسي بديلاً عن إنتاج ثقافة سياسية ديمقراطية تحديثية توزع على كافة السكان، لأن التقلبات في السيرك السياسي كانت كبيرة لا تتيح خلق وعي، فيظهر موقف حاد ثم يعقبه موقف مناقض، ولا تردم الهوة بين الموقفين من خلال مواقف عقلانية صبورة في كل المواقف.
وهذا كله يفتت جبهة المعارضة وجمهورها الذي يبدأ بالانحساروالتشتت والتمزق وربما التضارب مستقبلاً!
وظهر هناك اتجاهان أساسيان في اليسار الاتجاه الأول هو اتجاه انتهازي، ويتوجه لدعم اليمين الديني، مقابل رشوة سياسية، واليمين الديني أثبت خواء تجربته السياسية سواء لدى المقاطعين أم المشاركين، بل وخطورة تسيده على القوائم والكراسي، لما يقود إليه من أخطار.
والاتجاه الثاني حائر متصارع متذبذب، بين حدة في الهجوم على التيارات الدينية اليمينية، وبين الخشوع لهجومها الخطر على التقدم الوطني.
والاتجاهان يكملان بعضهما، وهما نتاج خطة خفية مشتركة، تمهد الدروب للمتطرفين الدينيين لكي يتقاتلوا ويخربوا..

العلمانية الانتهازية

تنبع الديمقراطية من احترام تقاليد الشعوب، وتشكيل أبنية تحديثة من داخل هذه التقاليد، تعكس مصالح الأغلبية الشعبية فيها، وهذه عملية مركبة، لأنها فيها احترام وصراع مع هذه التقاليد كذلك.
ومنها تصعب على القوى الانتهازية أن تشكل هذا الموقف المركب، فهي تأخذ جزءً منه، وتترك أجزاءَ أخرى.
فالعلمانية حين تغدو انتهازية تصبح تابعة للمذهبيين السياسيين في جانب سياسي جزئي، هو التماشي مع هدف المذهبيين في تكوين ديمقراطية سياسية، تقتصر على جوانب صغيرة من الحياة، هي تلك التي تتيح صعودهم السياسي وتحولهم إلى قوة دكتاتورية في المجتمع، وحينئذٍ يكون مثل التأييد والتصعيد خطراً على الديمقراطية!
لو كان هذا الصعود يترافق وعمليات ديمقراطية فقهية وتحرر للنساء ونمو ثقافة وطنية، وصعود للفلسفة، وللنقابات الحرة، لما كان هذا الصعود يمثل خطراً.
تغدو العلمانية هنا انتهازية، وليست موقفاً شاملاً، وتسلقاً على موجةٍ شعبية ملتبسة، تسيطرُ عليها قوى محافظة غير مدركة لتعقيدات الموقف وغير قادرة على مجاراة عملية تحرر المسلمين وتقدمهم، ومن هنا حين يحاول بعضُ القادة ركوبَ الموجة فإن مسائل ذاتية تتغلب عليهم هنا، ويغدو هدفهم الشخصي طاغياً على مستقبل المجتمع.
مثلما أن العلمانية التي تجعلُ أوراقَ التحديثِ والتحرر كلها بيد الغرب، تمثل موقفاً معاكساً، ومماثلاً في الجوهر.
إن المميزات المشتركة بين هذين النمطين من العلمانية هو غياب ذلك الموقف المركب، المرتكز على مصالح الأغلبية، وعلى جذور الكفاح لدى المسلمين والمسيحيين العرب وكل التراث السابق في المنطقة، حيث لا يمكن لهذه العلمانية إلا أن تنهض فوق تلك المصالح وذلك التراث، ولكن بشكل نقدي يعري طبقات التخلف واللامساواة والاضطهاد، ويجمع تلك الأغلبية في موقف نضالي مشترك واسع وعميق.
ومن هنا يغدو عزل الجوانب المحافظة والمتخلفة في المذاهب، وتطوير الجوانب العقلاينة والديمقراطية والتوحيدية في التراث، ورفدها بإنتاج الإنسانية المعاصر الديمقراطي والإنساني، عملية سياسية بالغة الدقة، وموضوعية، لا تهدف إلى تسلط طائفة أو زعيم، بل تستهدف تجميع الناس التعاوني والخلاق لتشكيل وطن حر متقدم، يكرس كذلك احترام تقاليدهم ومذاهبهم وتطورها الحديث، بحيث أن لا تمثل تسلطاً على المجتمع أيضاً وعلى تنميته وتقدمه ووحدته.
ولهذا تحتاج العملية إلى سياسيين فقهاء علماء، أي سياسيين علمانيين إسلاميين شعبيين ديمقراطيين، في هذه العملية المركبة الدقيقة.
ومن هنا يغدو نفخُ جانبٍ واحد كالتعصب لمذهب، أو لجهة عالمية، تديناً ناقصاً، أو علمانية انتهازية، تكرس التخلف والتبعية لا التحرر والتقدم.

الانتهازية وغياب الإنتاج

لا يقوم الموظف المستند على كرسي فوقه بتحقيق إنتاج حقيقي.
والسياسي والمثقف والصحفي الذي يرتكز على قوة سياسية تسنده مردداً شعاراتها العامة، دون قدرة على الخروج أو النقد، لا يستطيع أن ينتج سياسة أو ثقافة أو صحافة!
هكذا فإن التيارات السياسية التي ارتكزت على سند مادي لم تنتج شيئاً في النظر السياسي أو في الفكر العام أو في الثقافة، فتجد أن التيار الذي تسلق أنابيب الخير الحكومية لم يكن قادراً على نقد واقع أو التعبير عن رفض، ولهذا عجز عن إنتاج تفكير مستقل، فنجد أنه لا توجد حيثيات تؤيد إبداعه في مجال من المجالات، إلا حين كان أفراده بسطاء، يقفون في الشوارع ويشاركون في الصراخ السياسي، لكن حين راحوا يتسلقون وينظرون للمعاشات أكثر من نظرهم للآلام الشعبية، تخثرت اللغة في حناجرهم وذبلت الأفكارُ في عقولهم!
وحين تحولت التيارات إلى ثنائية الداخل والخارج، ثنائية النضال السري والنضال الخارجي العلني، التضحيات الجسيمة في الداخل ومهرجانات الدعاية في الخارج، تكونت فئتان؛ فئة داخلية مضحية، وفئة خارجية مستثمرة، ويمكن القول بتعميم حذر بأن بعض الانتهازيات تشكلت في الخارج أكثر من الداخل، وأن الطرق الانتهازية في الخارج ربما قادت إلى يباس الوعي وعدم الإنتاج فحدث لها استرخاء كفاحي وعجزت عن تطوير المفاهيم الوطنية العلمانية، فصدّرت هذا الاسترخاء للداخل المُنهك العاجز عن إيجاد قوى قيادية علمانية ديمقراطية مستقلة.
لكن مناخ الاسترخاء والانتهازية لم ينته لأن ثمة فرصاً جديدة تكونت مع عملية التحولات السياسية، وكان (التشعبط) على أكتاف الحركة المذهبية السياسية هو المحاولة ربما شبه الأخيرة، خاصة بعد أن تجمعت الحركات المذهبية السياسية تحت قبة واحدة، وصارت هي المرجعية السياسية الرسمية المعارضة من داخل النظام.
لا تختلف الحركات المذهبية السياسية في تكوينها عن الحركات الوطنية العلمانية جوهرياً، فهي كذلك ترتكز على غياب الإنتاج الفكري، وإنما على سواعد الجمهور البسيط المضحي، والذي تبين لبعض النفر فيه، كيف أن المصالح المادية تلعب دوراً كبيراً في تكوين التيارات السياسية، وأن قادة التيارات المذهبية (تشعبطوا) هم كذلك على سواعده، لكي يرفعهم إلى فوق، وفي البدء كان سقف هذا الفوق كبيراً حتى يصل إلى تغيير شاسع، ثم تواضع بحكم عدم قدرة الخطاب المذهبي السياسي أن يغيرَ شعباً متعدد المذاهب، لكن هذا الخطاب كذلك غير منتج فكرياً، فهو مثل قرناؤه السابقون مجرد مرددٍ للشعارات.
وكل هذه الفئات الاجتماعية السياسية المتداخلة مرت بزمن سابق مختلف، فيه العسف وصعوبات المعيشة لتيارات تكافح، ولكن الآن تغيرت الظروف وصار بإمكانها الجمع بين المعيشة الجيدة والإنتاج الفكري، بين المعارضة وتحقيق مطالب الجمهور، ولهذا إذا استمرت في نفس الماضي الإنشادي، وتحويل المنظمات إلى مآتم للبكاء على الراحلين، واستمرت في البطالة الإنتاجية، وعدم القدرة على الحفر في عالم الأبحاث والدراسات وتحليل ظروف الإنتاج والاقتصاد والسياسة والبيئة الخ، فتكون قد غلبت حياة الدعة ونقلت تقاليد الانتهازية الماضوية، ولم تستفيد من التحولات الراهنة، وهذا يقودها إلى ممارسات سياسية سطحية عاطفية، تظل الغوغائية هي المسيطرة عليها، بدلاً من تراكم ثمار التجربة والعلوم.
وإذا كات البطالة السياسية من نصيب القوى العلمانية الوطنية، فهذا مفيد كثيراً، فهو زمن مهم للدرس وإعادة النظر في التاريخ والتجارب، وليس لتكوين حلقات الأنشاد البطولي مع البخور، ولتبيان أوجه النقص خصوصاً، وتكوين التحالفات المبدأية القائمة على ترسيخ الرؤى، وتشكيل التعاون كذلك مع القوى المذهبية السياسية بما يقوي من تطور الوطن.

الانتهازيون والحقيقة

نظراً لأن طواقم الدول بلا ثقافة وبلا علوم فإنهم يعتمدون على المثقفين والتقنيين لكي يقدموا لهم المعلومات من أجل أن يتخذوا القرارت التي تضمن مصالحهم وسير الأنظمة.
لكن المستشارين والتقنيين والمثقفين المرتبطين بالأجهزة الشمولية هذه لا يعملون فقط من أجل مصالح المتنفذين بل يعملون من أجل مصالحهم كذلك.
وهؤلاء المساعدون يستعينون بنظائر أصغر منهم لكي يحافظوا على مصالح المتنفذين الكبار وعلى مصالحهم هم أيضاً، فيعمل هؤلاء كذلك على حماية المصالح العليا وعلى مصالحهم أيضاً.
وهم كذلك يقومون بذات الواجبات المقدسة وهكذا دواليك حتى تصل مثل هذه الخدمات إلى أصغر شرطي فيبحث عن مصالحه هو الآخر ويغض البصر عن الحرامية.
إن الطواقم الوسطى من المثقفين والتقنيين التي يــُفترض فيها أمانة الضمير وعلو الواجب الوطني والديني والإنساني، تفلسف وتبرر الضمير حسب الظروف من خدمة الوطن العزيز و(الموضوعية) و(النضال القومي) والجهاد الإسلامي والكفاح العارم والشرس ضد الأمبريالية وإلخ !
هم يعرفون كيف يتسلقون وكيف يجمعون الأموال ولا يكتفون بأجورهم التي أعطاها لهم عملهم الشريف بل يندفعون إلى كل وسيلة تقفز بهم إلى مكانة أصحاب الملايين!
وهناك طرق صارت مكشوفة في عمليات التحايل هذه، بحيث إن طلبة المدارس صاروا يعرفون هؤلاء، وهو أمر يحطم الأجيال الغضة، ويدفعها إلى سبل الغواية والضلال والفساد في كل مجرى.
مثقفون صغارأبتسمت لهم دنيا الفساد وحصلوا على رواتب عالية ليست في مستوى عملهم المحدود القيمة، فيتصورون أنفسهم فلتات تاريخية، لأن الأموال الحرام ملئت أفواههم وسدت عقولهم!
إن المشكلة هنا ليست فقط في الأموال لكن هذه التخمة جعلتهم يتكاسلون ويكونون حصالات تدفعهم للكسل في عملهم الرسمي، والواحد منهم يقول إذا كانت الدولة بمثل هذا الضعف فلماذا لا أتقوى وأصير في المستقبل مثلهم بل وأرتفع عن مستواهم وأتغلب عليهم، فيكونُ هذا المــُفسَّد دولة تحت الدولة، ويفتتح الفضائيات ويشكل الأعوان ثم يتمرد ويعلن العصيان!
مثل هذا الرجل الصفر أرتفع بغمضة عين فتخيل نفسه فريد زمانه ووحيد عصره، وإنه ملك إمكانيات لا يجود بها الزمان، ولا يعرف إنه مجرد بعوضة في آلة الدولة، متى ما أرادت طيرتها ومتى ما أرادت فعصتها!
وآخر أعطي المال بلا حساب ليشكل جريدة أو يصنع حزباً أو يكون مؤسسة اقتصادية، فتراه نسي مصدر المال وراح يتوهم إنه يصنع إعلاماً وسياسة واقتصاداً، فيلقي بالأموال بغير حساب، ويقرب الحشرات الامية والثقافية، التي تبحث عن خلايا العسل الدولاري وليس عن خلايا العقل والنقد، ولو كان الحاكم قد صرف هذه الأموال على الأطفال المصابين بالسرطان أو الحارات الفقيرة للضوء والهواء النقي، لحصل على دعاية تبقيه أمد العمر في ضمير بلده.
فالمثقفون الانتهازيون اليوم معك وغداً ضدك، حسب تدفق السائل المالي، فهم بلا ضمير ولا إله ولا مقدسات، المهم لديهم هو المصلحة الذاتية، ويستطيعون تلوين كلامهم التافه بألف لون، لكنهم لا يقدرون على قراءة شيء عميق ولا كشف مرض خطير!
بدلا من أنقاذ الأطفال من الأمراض الخبيثة والأمهات من الأمية نصرف الأموال على الخفافيش التي تريد استمرار الظلام . .
ولكن هذه هي عادات الدول حين تصاب بمرض الشمولية والغرور والخوف من كل المحبين والأصدقاء، فكل ناقد مستقل في نظرها خطر، والأنتهازي الكاذب المنافق هو الصدق كله، فتشرب السم في حليب الصباح!
وكانت تلك المرأة تبيح كل المحظورات وفجأة تغدو من أعلام الإسلام، وزميلها كان نزيل جنوب شرق آسيا الدائم صار فجأة مرشداً إسلامياً! والجاهل صار صاحب الموسوعة الفكرية والشاعر الضحل صار مشرعاً، وكلهم أغواهم رنين الذهب!
يبدلون العقائد كما يبدلون الجوارب والأحذية وكأنهم يضحكون على شعوب بلا تاريخ وبلا عقل وبلا عيون!

الانتهازيون والفوضويون

الفئات الوسطى والانتهازية

تعجز الفئات الوسطى الوطنية والعربية عن إنتاج رؤية فكرية وسياسة حديثة مستقلة، فهي دائماً مترددة ومتنقلة بين المعسكرات الاجتماعية القوية في أي مرحلة سياسية أو تاريخية.
إن عدم تكوين رؤية ووحدة بين فئاتها، يعود لغياب ثقلها الصناعي والمالي والعلمي المترابط، ولهذا فإن فئاتها تقوم بالتنقل السياسي والفكري المضطرب بين المعسكرات ذات الثقل والجاذبية المالية والسياسية.
وفي كل بلد عربي أو إسلامي ثمة تضاريس متباينة لهذا التقلقل، حسب درجات التطور الاجتماعي والتاريخي لكل بلد، ولحظته السياسية الخاصة.
في البلدان الخارجة تواً من الأوضاع الشمولية فإن اضطراب هذه الفئات يكون شديداً، ومحاولتها للقفز واختصار المرحلة، يكون كبيراً، بخلاف البلدان التي حققت تطوراً ديمقراطياً نسبياً، والتي نرى فيها تكون الجبهات الديمقراطية وخوضها الانتخابات بقوائم موحدة.
وعموماً تقوم سياسات الفئات الوسطى على الانتهازية، فأما أنها تكون مع الدولة المحافظة، بحجة أنها أفضل من الدينيين لأنها حديثة وتمثل التطور، أو تكون مع الدينيين بحجة أنهم يمثلون الشعب.
وغالباً ما تُساق هذه الحجج بسبب المصالح المتداخلة بين هذه الفئات والأطراف السياسية القوية.رغم إن الدول المحافظة والدينيين يمثلان القوى التقليدية، الماقبل رأسمالية، إلا أن الفئات الوسطى بأفرادها ومثقفيها ورموزها تتقلقل بين الجهتين.
قد تؤدي الوظائف أو الارتباط الاقتصادي أو التجاري أو الفوائد الشخصية، من ( فلسفة ) هذه الانتهازية ووضعها في صيغ أخلاقية براقة. وقد وجد بعض الدينيين في الركون للدولة والتبعية لها، مهما كانت سياستها فاسدة، حججاً استقوها أو زوروها من الدين، حيث يقولون إن المرء لا يجب أن يبات دون دولة أو أمام.
وقد كان هذا المبدأ الانتهازي راية عتيقة، حكمت قطاعات من الفئات الوسطى، التي جعلت العيش في مخازن وغنائم الدولة وفتاتها الطريق الوحيد للعيش والصعود.ولون هذا الملالي والتجار والموظفين، وملأ أفواه الشعراء المداحين والمنجمين والمنافقين على مر التاريخ.
وبدلاً من حجج الدينيين التقليديين فإن القوى (الحديثة) لديها مبررات في هذه التبعية التاريخية، وأصبحت تجري وراء القطار ( الميري) الحكومي، وإذا فاتها تمرغت في ترابه وكوارثه أحياناً.
ولعل شيئاً من الخصخصة مفيد هنا لتحرير هذه الفئات من التبعية للقطاع العام، الخاص في جوهر الأمر، في العديد من الأحيان. كذلك فإن تقليص الموظفين والأعداد الهائلة من الموظفين العموميين ستكون على جدول أعمال التاريخ القادم شاءت أم أبت الحكومات العربية المسترخية في ظل هذا التضخم الوظيفي الذي تحوله إلى خضوع سياسي.
عن تضخم المدن وتضخم الأجهزة الوظيفية جزء من هذه الانتهازية التابعة للدولة، حيث يعيش الموظفون والتجار على فتات الدولة، وهو أمر يجري بخلاف تضخم المدن في الدول الرأسمالية، حيث يقوم هذا الأخير على نمو الإنتاج وليس على اساس سرقته كما هو الحال في الدول ما قبل الرأسمالية.
كما أن الفئات الوسطى تعيش على فتات الدولة الاقتصادي فهى تدور فى فلكها الفكرى، ولهذا فمفاهيم الحرية والعلمانية والديمقراطة السياسية لا تنمو لدى هذه الفئات خلال تبعيتها للدولة، فهى تغدو دينية وتابعة وغير قادرة على إنتاج الوعى السياسى المتحرر، بعكس الفئات الوسطى الاوروبية التى نمت من خلال قدرتها الاقتصادية خارج هيمنة الدولة. وهى غالباً ما تأخذ جوانب معزولة من مسائل الحرية السياسية، كالحداثة فى الحياة وبعض القيم الليبرالية المفصولة عن الحرية الشاملة، فى حين نراها تذل نفسها فى خدمة الدولة، فهى حداثية من الخارج، اقطاعية فى الجوهر. ويمكن أن نرى تأثير ذلك فى الإنتاجين الفكرى والفنى اللذين يصدران عن هذه الفئات، حيث يغدوان حداثة شكلانية، ويتوجه الوعى السياسى نحو التيارات الدكتاتورية، بحكم تربيتها السياسية الخاضعة والذليلة.
وفى جانب الفئات الوسطى التابعة للدينيين أو للاقطاع فى قسمه المذهبى، فإنها ترفض التحديث بدعوى الحفاظ على الأصالة والقيم، وخاصة سمات الديمقراطمة والعلمانية المترابطة، لأنها تقوم بتقطيع صلاتها وشبكة الأقطاع الدينى.
إن فئات الموظفين والتجار والمثقفين وجدت فى الصلات المذهبية وحذورها فى الحياة طريقاً للسيطرة على الفقراء، دون إعطاء الفقراء هويتهم الفكرية والاجتماعية المستقلة، وعبر ضباب الوعى الدينى التقليدى يمكن تضييع استقلالية الطبقات العاملة الحديثة.
ومن هنا تغدو الفئات الوسطى التابعة للاقطاع المذهبي غير قادرة على إنتاج المفاهيم الحديثة فى الإسلام، أي على تجاوز إرث السيطرة الاقطاعية الطويل فى التاريخ العربي، حدث كانت فئات وسطى سابقة تمارس ذات التبعية فى الماضى للاقطاع. فيجري تداول مفاهيم قديمة تواصل منع تكون المنظومة الحديثة.
وإذا أضفنا ان تقسيمات الفئات الوسطى ليست فقط للدولة أو للدينيين، بل لتيارات الدولة، إذا كانت منتحة لتيارات الإصلاح والجمود والمحافظة، وكذلك الدينيين حسىب مذاهبهم، ودرحات فهمهم للدين، أي على مستويات تحررهم من التقليد المحافظ.
وكذلك أيضا فإن الانقسامات تتواصل فى التيارات التى تحاول أن تعبر عن الطبقات العاملة، وهى كلها ابنة الفئات الوسطى، وتعبر عنها بدرجات وتتداخل مع القوى الاقطاعية الدينية بدرجات وأشكال معقدة.
إن هذا التضخم فى تيارات الفئات الوسطى وكثرة تلاوينها وخلافاتها، الناتجة من خيوط مصالحها الضيقة، يوضح كم هى مهمات طويلة وثقيلة عملية إنتاج وعي ديمقراطى في هكذا فئات.
وليست فكرة تحاوز المرحلة الرأسمالية لدى بعض التيارات اليسارية سوى شكل من أشكال هذه الانتهازية، حيث عبرها ترفض الأجابة عن سؤال المرحلة بضرورة نقد وتجاوز الأقطاع، فتقوم بالهروب إلى الأمام، مخفية صلتها بهذا بالقوى الإقطاعية/ المذهبية وتداخلاتها معها.
تتجلى انتهازية الفئات الوسطى سياسياً عبر رفض تداول وتطبيق المفردات والشعارات المرفوعة الحديثة، خاصة شعار العلمانية، فهذا الشعار يفكك صلتها بالإقطاعين السياسي والمذهبي، فمع رفعه يجب أن تطرح مختلف المفاهيم الخاصة به، وبالتالي تقوم بإنتاج وعي حديث حقيقي، فتصطدم بالقوى المهيمنة، والتى تستفيد منها، وهى لا تقدر على ذلك بسبب الطبيعة التجارية والإدارية لهذه الفئات الوسطى المتذبذبة. ولهذا تغدو مهمة مركزية في التطور تحرير القطاع الصناعى والاقتصادى الكبير من هيمنة الدول عبر الرقابة البرلمانية أو الإدارة الشعبية أو الخصخصة.