أرشيف الكاتب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

أفاتار غير معروف

عن عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆 𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙 21.10.2014 | 1.3.1948

أسئلة الصمت والقهر في الاستفاقة على أوجاع التاريخ ! 

صراعاتُ الوعي العربي تاريخياً

ظهرَ الإسلامُ في ظروفٍ شديدةِ التخلف عند العرب والأمم المجاورة لهم ، وبهذا فإن شكلَ الوعي المكرس فيه يقومُ على شكل مثالي ديني ، تلعب فيه الكائنات الغيبية دوراً محورياً مهيمناً على الوجود ، وذلك بسببِ غيابِ العلوم بمختلفِ أقسامها عند أهالي المنطقة البدوية خاصةً.

  ومع تطور المسلمين واحتكاكهم بالحضارات التي سبقتهم والمنتجة للفلسفة فإنهم اتجهوا للاستفادة من هذه المنتجاتِ الفكرية المتطورة القديمة، بصفتهم أكثر شعوب الأرض وقتذاك تقدماً.

  وهكذا راح المسلمون يستثمرون هذه المنتجات في تطورهم الحضاري المستقل، ومن هنا كيفوها مع الموروثِ الإسلامي الأولي، ومع الموروث الإسلامي الجديد الحضاري الذي تكون حين شكلوا تلك الحضارة ، منقطعين عن المستوى السابق.

  والذي قام بهذه العملية ليس المسلمين ككل، ولكن تلك الفئات المثقفةَ التي يعود تكوينها للفئات الوسطى عموماً، وقد أبقت على المنظور المثالي للفترة السابقة، مطورةً إياه في منظور مثالي موضوعي.

  بين المنظورين المثاليين الديني الأولي، والديني الفلسفي ، ثمة نقاط تشابه ونقاط افتراق ، في كون الأول يمثل الفئات الوسطى المكية المثقفة ، وهي تقودُ عمليةَ التحولِ في ظروف شديدة التخلف، وبأدوات النضال الجماهيرية.

  واعتمدت تصوراتها على الرؤية المثالية الدينية في أبسط أشكالها، حيث الجمع بين الواقع والميراث الأسطوري الفكري القديم، المستفيد من الدينين السماويين السابقين، اللذين هما كذلك مستفيدين من الإرث الفكري للعصر القديم.

  وفي الجزيرة العربية أتيحَ للفئةِ الوسطى التحرك بحرية تاريخية نسبية ، لعدم وجود الحكم المركزي القوي، فغدت المثالية الفلسفية واقعية تحليلية – أسطورية – تصويرية – مغيرة للواقع المتخلف. فهذا الجمع المركب الهائل بين أشد فاعليات التغيير ورصد الحياة والاعتماد على الغيب لم يتجل مرةً أخرى.

  في حين واجهت المثالية في عصر الحضارة الإسلامية التالية إمكانيات فكرية وعلمية كبيرة، فتخلص أغلبُها من الشكل الأسطوري التصويري، ودخل في الشكل الأسطوري المفاهيمي، متوجهاً إلى المقولاتِ والتركيبِ النظري الواسع واعتماد المنطق الأرسطي وطرح استقلال الطبيعة والمجتمع من التدخلات الغيبية المباشرة الحادة.

  لكنه اعتمد المثالية كذلك عبر جعل هذه المقولات تخلقُ العالمَ، وتشكلَ الوجودَ، مع اعترافها بموضوعيةِ هذا العالمِ ووجود قوانين لتطوره. لكن هذه القوانين تتمثل في الجانب الطبيعي بدرجة أساسية ، وإن كان هناك بحث مستفيض في البنى الاجتماعية.

  وهكذا فإن الوعي الديني والوعي الفلسفي تماثلا في إعطاء القوى الماروائية إمكانيات تحويل الحياة ، مرة ً عبر الرسول، ومرة عبر الفيلسوف، ومرة باعتماد الجمهور الشعبي للتحويل وعبر الدخول الجريء في الحياة ، ومرة عبر العلوم والانسحاب إلى الزهد كفاعليةٍ سلبية هادمة للبذخ، فهنا حدث تغير في طبيعة الفئة الوسطى القائدة ، فالأولى كانت غير تابعة للقصور، والثانية كانت تابعة.

  والأولى إذ غيرت العالم فإنها أسست مدنيةً مسيطراً عليها ثقافياً من قبل مستوى بسيط سابق، في حين أن الثانيةَ كانت أكثر تقدماً ثقافياً لكنها عاجزة سياسياً وتاريخياً!

  وهذه التحولات المتضادة أُزيلت بإيجابياتها في المرحلتين، المرحلة الإسلامية التأسيسية، وفي المرحلة الحضارية المدنية، في عصر الانحطاط فلم يبقْ من الثورة التأسيسية والارتباط بين التقدم والجمهور الشعبي، ووجود برنامج نهضوي مطبق على الأرض، ولا كذلك ضخامة الإنتاج الفكري والفلسفي والتداخل مع إنجازات العصور السابقة واستيعابه ثروة الأمم!

  وجاء العصرُ الحديثُ متردداً متناقضاً، غير قادر على فهم العصرين السابقين وعصره هو.

  أطروحةٌ، فنفيٌ، فنفي النفي، أي عصور ثلاثة متضادة، راحت تتشكلُ على مدى الألفين سنة من عمر العرب والمسلمين، كلُ عصرٍ يقومُ بنفي العصر السابق، ليس بشكل كلي، ولكن بشكل أساسي، والعصرُ الحديث لم يفهم إنه تركيبٌ، وإنه جمعٌ بين العصرين السابقين ونفي لهما معاً.

  إذا أخذنا سلسلةَ التطورات التي حدثت خلال القرنين الأخيرين، فسنجدُ ثلاثةَ فتراتٍ كبرى: الأولى تمثلتْ في استيعابِ المنجزات الغربية، الثانية: في تشكيل تجارب لرأسمالية دولة شمولية، توهمت إمكانية تجاوز العصر الرأسمالي، الثالثة عودة متدهورة للفترة الليبرالية الأولى مع عودة كذلك للإقطاع السياسي والديني الشموليين، وبالتالي فإن هذه الفترات في العصر الحديث العربي شكلت هي الأخرى أطروحة فنفي فنفي للنفي، أي أننا نعيش في الزمن الراهن أكثف فترات التجاوز .

  كان النهضويون الأوائل في القرنين 19 و 20 يتصورون إن التماثل مع الغرب هو كفيلٌ بخلقِ النهضة، وحين تزعزعَ هذا الوهمُ راح الدينيون يتصورون وهماً آخر هو استرجاع الفترة الأولى من العصر الإسلامي.

  أي أن دراسةَ العصرين العربيين السابقين ورؤية تضادهما والخروج بتركيب منهما، وفي ظل ثقافة الحداثة المسيطرة، كان يمكن أن يكشف للعقول قوانين التطور الاجتماعي، وبالتالي أن يؤدي إلى التحكم فيها.

  إن عصرنا العربي الإسلامي التحديثي الراهن هو عصر التركيب، للعصرين العربيين السابقين، تداخل معهما ونفي لهما معاً. إنه عصر نفي النفي. وهو لهذا عصر التمثل العميق للحداثة العربية على مر الزمن والصعود بها إلى لحظة نوعية جديدة مقاربة للمستويات العالمية.

  فأخذ إنجازات الثورة المحمدية، والجوانب الإيجابية من نضال الفئات الوسطى التحديثية في العصر النهضوي الأموي – العباسي السابق، وتشكيل نضال نهضوي للفئات الوسطى المتحالفة مع العاملين بشروط الحداثة المعاصرة.

  وهكذا فإن إنجازاتِ التحالف الشعبي الديمقراطي الإسلامي النهضوي الجريء في اقتحامهِ العالم، يُضاف إلى تراكميةِ الثقافة الفكرية الموسوعية والانفتاح وعقلنة الفقه وعصرنته، وقد تم كل ذلك بوعي ديني مثالي مسيطر على أجهزة الحكم، تعبيراً عن القوى العليا مرة في تحالفها مع العاملين ومرة في انقطاعها عن التحالف مع العالمين.

 وبهذا فإن طيفاً اجتماعياً واسعاً لا بد أن يتشكلَ ليعيدَ إنتاج الحضارة العربية المستقلة الحديثة ، وهذا التحالف الذي في جوهره تحالف الفئات الوسطى والعاملين ، له مضمون اجتماعي هو إعادة تغيير طابع الدولة ، في ملكيتها الاقتصادية الشاملة، وفي مذهبيتها السائدة المتحكمة، وفي تحرير كافة هذه الجموع من الدولة الإقطاعية – المذهبية، وفي خلق طبقات وسطى وطبقات عاملة حرة، تتداول السلطة حسب برامجها المقبولة للجمهور .

  وعمليةُ إجراءِ الإصلاحات في جسم الدولة – المجتمع الاقتصادي والديني والاجتماعي والسياسي، يعتمدُ على سلسلة من الإصلاحات في ظاهرات الوعي المختلفة .

  إن جسمَ الدولةِ – المجتمع الذي يعيش النظام الإقطاعي المذهبي ، يعيش المفردات الدينية الشمولية، كخلفيةٍ متحكمة فيه عبر القرون.

  وإذا كانت صورُ الإلهِ الواحد هي التي تهيمنُ على الكون فإن الحاكم الواحد هو الذي يهيمن على السلطة – المجتمع. إي أن هذه (الصور) تعبيرٌ عن مذهبيات شمولية تفكيكية للجسد الإسلامي، وتقارب هذه الصور، أو ظهور صورة مختلفة مميزة عن العصور القديمة، سيكون تعبيراً عن الإصلاحات العميقة الجارية في البــُنى ، وللتقارب العربي والإسلامي والعالمي .

  وقد قامت الفلسفاتُ في العصر الوسيط الإسلامي بخلقِ وسائطَ غيبيةٍ متعددةٍ في المشرق الإسلامي، ثم في المغربِ الذي أخذ يتخلصُ من هذه الوسائط بحكمِ توجههِ السني العقلي، بحيث غدت فلسفةُ ابن باجة – ابن رشد تشقُ الطريقَ نحو مثاليةٍ موضوعية صافية من الغيبيات المشرقية الواسعة.

  لقد استغرقت العمليةُ بين التكوين الديني الصوري القصصي الميثولوجي الحكمي، وبين تكون الفلسفة المثالية بمعمارها التعددي المفاهيمي عدة قرون، ثم إلى أن تكونَ مثاليةً موضوعية جنينية في الأندلس على بضعة قرون أخرى. وهذه المثالية الموضوعية الجنينية ترحلت إلى أوربا لتبدأ رحلةً جديدة في بُنى اجتماعية مختلفة وتكونُ فتيلَ النهضة الفكري فيها.

  وحين وصلت الفلسفةُ من أوربا للعرب والمسلمين محملةً بكل هذا الزخم التحولي المتضافر الداخلي، فإنها لم تـُفهم من قبل الجيل الأدبي، جيل التنوير الأول، فقد كان تاريخُ أوربا الوسيط والنهضوي والمعاصر معروضاً أمامه، بشكلٍ غامض، بحيثيات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية ، فكانت الوقائع الاجتماعية المباشرة كمظاهر التقدم في مختلف جوانب الحياة هي الطافحة على سطح الوعي النخبوي، وهذا ما كان يمثل له صدمةً على صعيد أنه كان عبر موروثه يعتبرُ نفسَه محور العالم والبقعة الأكثر حضارة فيها، ودينه يمثل أرقى تكون ٍ فكري.

  ومن هنا كان هذا الوعي ينقلُ وقائعَ الحياة والثقافة بعناصرها المشتتةِ متقبلاً المظاهرَ الحديثة الأكثر  وظيفية ونفعيةً والتي تغدو عبر التجارة مستخدمةً في حياته، محتفظاً ببنائه التقليدي المحافظ، حيث يعبرُ هذا الاحتفاظ عن جانبي الاستخدام الوظيفي وبقاء أسس النظام التقليدي التي تسيطرُ عليه القوى الاجتماعية العليا، ومهما كانت التغيرات السياسية التبدلية في هذه القمة فإنها لم تغير هذا البناء، إن لم تحافظ عليه بقوةٍ أشد.

  من هنا كان الوعيُ التنويريُ أدبياً ثقافياً تقنياً عاماً، لا يستطيع أن يطرحَ المنظورَ الفلسفي الواسع الشامل النقدي، وأن يشكلَ نظراتٍ عامةً إلى الوجود ، حيث أن وجودَهُ الاجتماعي هو ذاتهُ مقلق وغير مفهوم له.

  فكان عليهِ أن يعي أساسياتِ وجودهِ (الوطني) أولاً، أي أن يقومَ بخلقِ لحمةٍ في بنائه السياسي التابع والمتخلف، وهو أمرٌ يجعل البنى العربية والإسلامية المفتتة تقومُ ولهذا فإن الاحتكاكَ بأوربا كان يتيحُ استخدامَ بعضِ الأسسِ السياسية الاجتماعية الأوربية في العمل لتشكيل هذه البُنى، وكلُ بنيةٍ عربية وإسلامية لها ظروفها وسيرورتها الخاصة، والمتداخلة مع السيرورات الأخرى كذلك.

  إذن كان الوعي وهو يشكلُ البنيةَ العربية التقليديةَ – الحديثة، يمرُ بمرحلةِ التأثر الأوربي – والعودة إلى الماضي، عبرَ استخدامِ مفهومِ النهضة، وهو الذي كان يتيحُ استعارةَ الأشكال الأوربية وتركيبها فوق الجسد القديم، مع الزعم بأنه يتحدث ، فهو يغرفُ من الماضي (المجيد)، وكذلك يستفيد من الخبرة الأوربية، التي كانت (وليدة التأثير العربي) .

  ولكن لم يكن يدرسُ هذا التداخلَ العربي – الغربي في سيرورته التاريخية المعقدة والمتوارية، أي أن يدرسَ رحلةَ المثالية الموضوعية وتبدلاتها العميقة في أوربا، من الرشدية الُملاحقة إلى الديكارتية المنفصلة كثيراً عن تقاليد الفلسفة الدينية للعصر الوسيط.

  إن ثمة عدةَ قرونٍ أخرى بين الرشديةِ الُملاحقة وبين الديكارتية الأوربية، وهذه السيرورة لن تــُدرس عبر هذا الوعي الأدبي – الفني العربي وهو يقابلُ أمثالَهُ في الإنتاجين الأوربي والعربي القديم، لكن هذا الدرسَ المتعددَ الأشكالِ سوف يضعُ مادةً ثقافية كبيرة للمرحلة التالية وهي مرحلة الوعي الفلسفي.

  وهناك عناصرٌ فلسفيةٌ مشتتة في داخلِ هذه المرحلة، فكان التأكيدُ على الخلق الإلهي للعالم ، يتداخلُ مع الإيمانِ بالضروراتِ الموضوعية للوجود ، وهو أمرٌ يشيرُ إلى هذه الثنائيةِ بين الجذورِ المتواصلة الحضور، أي بين النظامِ المحافظ بصورةِ الألوهيةِ المطلقةِ التي صنعها خلال سيطرته الطويلة، وبحكامه المطلقين، وببنائه الاجتماعي الذكوري – الأرستقراطي – وثقافته السحرية – الدينية، وبين ضروراتِ التحديث التقنية.

  فكان التقنيون فوق الجسدِ المحافظِ يستوردون المنجزاتِ البنائيةَ والتقنية والأدبية والديكورية الخ.

  إن فكرةَ الخلقِ الإلهي والسببية المحدودة، تتماثل وعملية التداخل العربي – الغربي في مرحلةِ الاستعمار والتجارة وإنتاجِ المواد الخام، فهما تتيحان الحفاظَ على النظام التقليدي بأسسهِ الدينية، التي يتم تصورها بأنها(جوهر الأمة)، وأيضاً بتطويرِ بعضِ الجوانب في الحياة الأكثر إلحاحاً كتغيير الحرف و نمط المدن والإدارة ونظم التعليم الخ.

  إن الحوارَ بين فرح انطون ومحمد عبده يمثلُ هنا ذروة الصراع الفكري، والمثقفان المعبران خلال هذا الصراع يكشفان لنا حول ابن رشد، كيفية عدم حسم الوعي العربي استيعابِ لحظةِ ابن رشد وتجاوزها تاريخياً، بمعنى ضرورة قراءتها في تطورها التاريخي العربي – الأوربي، فقد غدت لحظةُ ابن رشد وفلسفته متجّاوزةً تاريخياً في الإنتاج الغربي عموماً، وحتى في الفلسفات المثالية الموضوعية، ودع عنك الفلسفة الهيجلية والماركسية.

  أي أن فلسفةَ ابن رشد وصلت إلى فكرة تحييد صورة الإله المهيمنة على الوجود والمتدخلة، والتي تعكسُ المجتمع العربي الرعوي – الزراعي البسيط، عبر هذا التداخل الذي أقامه ابنُ رشد بين الأرسطية ومنجزات الحداثة الإسلامية.

  لكن هذه الفلسفة الرشدية لم تدخل في القوانين الموضوعية المتجسدة في تكون الطبيعة والمجتمع، أي بفهم الحركة، وأن تلعب دوراً في تطوير الحرف والصناعة والمدن.

  وهذا ما جرى أوربياً، فكان أمامَ الفلسفةِ المثالية الموضوعية الإسلامية مادةً ثقافية غنية.

  ولكن في لحظة الصراع حول فلسفة ابن رشد عادت القضايا القديمة للفلسفة العربية، دون استيعاب لمفرداتها ومراحلها ومضامينها، إذ تمظهرَ الحوارُ حول الخلق الإلهي ومداه، وتردد فرحُ أنطون بين مثالية موضوعية وعودة لهيمنة النجوم والكواكب.

  يعبرُ هذا الحوارُ عن البحثِ في السببياتِ وبمدى قدرةِ العقل على تحدي اللاعقل، وتثبت كذلك تردد العقل بشكله الديني والليبرالي عن معركة العقل الحاسمة وعدم استيعابه للعلوم المختلفة فهو نتاجٌ لتراكمٍ نهضوي بسيط .

  إن المثاليةَ الموضوعية هنا عبر تجسيدها عند الإمام محمد عبده لم تتجرد كلياً، أي لم تصبح ذات مفاهيم مجردة واسعة وكلية، بحيث تدخلُ في تحليل الوجود تحليلاً مفاهيمياً مجرداً فتجعل القانون الكلي الشامل بلا استثناء، وتدخل بالتالي في كشف قوانين الطبيعة والمجتمع العربي الإسلامي الإنساني.

  لكن هذه العمليةَ كانت أكبر من قدرات الإمام الذي أخذ يوقف ثوريته الدينية ويلتحق بالنظام الإقطاعي المذهبي ، وعبر رؤيةٍ إصلاحية جزئية.

  إن ما حدسهُ السيدُ جمال الدين الأفغاني بضرورة إيجاد ثورة بروتستانتية في الإسلام هو أمر ظل في مجال الحدس، وهو يعبرُ هنا عن ضرورة تشكيل ثورة ديمقراطية في الإسلام ، عبرت عن قصورها تلك الاجتهاداتُ الفقهيةُ الجزئية، وعدم تشكيل مثالية موضوعية تامة التكوين ، وهو أمرٌ يتطلب الغوص في التاريخ والقرآن والبنى الاجتماعية.

  أي أن (البروتستانتية)الإسلامية هنا هي استكمال للوعي الاجتهادي السني التحديثي باتجاه المفارقة عن الإقطاع المذهبي في الجسم الديني الأساسي للمسلمين .

  إذن فإن ذاك القصور نجده في العلمانيين والليبراليين الذين وسعوا عمليات التحليل الاجتماعي والسياسي للبنى العربية التقليدية واعتمدوا على الاستيراد التقني .

   لقد توصل فرح أنطون إلى مثالية موضوعية تامة عن قانونية الوجود بدون القبول بخرق لهذه القوانين ، وكان هذا يتطلب الغوص في تجسيد هذه المثالية الموضوعية على النصوص الدينية والمجتمع ، ولكن هذه العملية لم تبدأ ، لأنه انشغل بقضايا الحياة الاجتماعية والسياسية بدون ربطها بمقولات الفلسفة .

  إن عمليات التغيير العربية تتجه إلى جوانب أكثر عمقاً بطبيعة تطور الحياة ، وسواء بسببِ من اهتراءِ القديم ، أم من هجوم الجديد، وهذا يمكن ملاحظته في تعمق الأشكال الأدبية كالقصة والرواية والمسرح، وتوجهها نحو عمليات تحليل الواقع بصورٍ متزايدة، وكذلك عمليات اتساع العلوم ونمو تخصصاتها ، والتبدل المستمر بين حجم الزراعة وحجم الصناعة، واستعادة المدن العربيةِ دورها النهضوي ، وبدء إلحاق الريف والبادية بتحولاتها.

  ومن هنا فالسببيةُ سوف تتزايدُ عملياتها في الوعي ، وتصبح الظواهرُ المشتتة في الوعي التنويري الأولي أكثرَ ترابطاً ، فلم تعدْ العمليةُ هي استلالُ عنصرٍ وحيد من التراث ، أو من الغرب ، بل أخذت عمليات النظرة التركيبية بين الثقافة والوجود الاجتماعي والتاريخي ، تتشكلُ في العقل النهضوي الجديد ، وأصبح العالمُ العربي الإسلامي بتطوراته الكبرى مرئياً في هذا العقل ، ولكن في ظاهراته الفكرية الروحية المستقلة عن البنى الاجتماعية التي يتشكلُ فيها .

  يمكن هنا أن تتشكل لمحاتٌ من العرض الاجتماعي ، لكن الوعي يظل مستقلاً ، وبه سببياته الداخلية المترابطة الأعمق ، والمنفصلة عن البنى الاجتماعية .

  ومن هنا تبدأ المثالية الموضوعية في الظهور والتشكل ، واقفةً فوق قاعدتها الدينية للمنطقة ، القاعدة الإسلامية – المسيحية ، فيستمر العالمُ مخلوقاً من قبل الصور الإلهية التي يصنعها الوعي الديني – الفلسفي الحديث ، بتنوعات مغايرة عن الصور القديمة ، أي أن المثاليةَ الموضوعيةَ الرشديةَ هنا تعودُ ولكن بغنى ثقافي أتاحته القراءاتُ المعاصرةُ الواسعة ، فلم تعد النجومُ والكواكبُ روحيةً مهيمنة على الوجود الأرضي إلا في بعض أنماط الوعي الشعبي السحرية ، وغدا الاحتكاك بالأعمال الفلسفية الأوربية مغذياً للاختزال في زمنية البحث والتشكيل الفكري .

  لكن الاستيرادَ من جهةٍ أخرى يؤدي أحياناً إلى القفز إلى مستويات جديدة واختزالية ، للمدارس ، وخاصة في النزعات الحديثة كالوضعية المنطقية ، والمادية الجدلية ، نظراً لبطء المثالية الموضوعية في التشكل وتوقفها أحياناً لأسباب خاصة ، مما يؤدي إلى عودة المثالية الذاتية بشكل فلسفي وصوفي .

 إن تشكلَ المثاليةِ الموضوعية سيظهرُ لدى بعض الدارسين والمتخصصين في الجامعات أو الحوزات الدينية كما رأينا في النموذجين المدروسين وهما يوسف كرم ومحمد باقر الصدر ، وقد لاحظنا أن نصوصهما الفلسفيةَ تتشكلُ في حالةِ مواجهةٍ مع الفلسفاتِ التجريبية الذاتية أو مع المادية الجدلية .

  فهما يرفضان التصورية أو المثالية الذاتية حين ترفضُ هذه المثاليةُ الاعترافَ بأساسياتِ الوجودِ العامةِ فتقومُ بحصرِ مركز الوعي في الذاتِ المفصولة عن الوجود الموضوعي ، ويقوم المفكران المسيحي والمسلم كلٌ من جهته ، بربطِ الوعي بالوجود والاعتراف بموضوعية المعرفة ، وهذا يفتحُ البابَ لقراءة المجتمع ونقده  والمطالبة بإصلاحه بهذا الشكل أو ذاك .

  وإذا كان يوسف كرم لا يدخل في عملية التحليل والنقد الاجتماعية ، أي لا يربط بين هذه المثالية الموضوعية وقوانين الوجود الطبيعية والاجتماعية ، فإن محمد باقر الصدر يتوسع في هذه العملية ويبحث عن سببياتِ الوجودِ الطبيعية والاجتماعية ، دون تحديد مدى قانونية المثالية الموضوعية هذه .

  فهو هنا يواجهُ فلسفةَ المادية الجدلية في مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين حيث تتقابلُ على أرض العراق هذه المعسكرات المتضادة بشكلٍ حاد ، وتقودهُ عمليةُ ( تفنيدِ ) المادية الجدلية إلى الاعتراف بموضوعية الوجود وسببياته ، لكن قانونية الوجود الاجتماعي تصيرُ مرفوضةً لديه ، فالبُنى الاجتماعية بقوانينها الموضوعية تتحولُ إلى سببيات جزئية مثالية ، أي أن تغيرات المجتمع تعود لديه إلى أسبابٍ تربوية وفكرية ذات أساسٍ غيبي في نهاية المطاف . وبهذا فإن قانونية الوجود راحت تتكسر ، وأخذتْ المثاليةُ الموضوعيةُ عموماً تتوقف أو تتراجع إلى أشكال فلسفية مثالية ذاتية أو تعود للتصوف ، وهو شكلٌ مثالي ذاتي كذلك . فظهور واتساع البرجماتية والتجريبية المنطقية والوجودية ، خلافاً للبواكير المشجعة لنهوض المثالية الموضوعية ، تعود لعدم قدرة المثاليات الموضوعية في التطور ، فالشكل الديني المحافظ حبسها عن النمو ، فيوسف كرم عبر مسيحيته ومحمد باقر عبر أثنا عشريته ، كانا يجعلان المثالية الموضوعية تابعةً للوعي الديني المهيمن ، وإذا كان الاعترافُ بقانونيةِ الوجود الموضوعة تحت عدة أقواس ، مهماً في الوجود الطبيعي فإنه في الوجود الاجتماعي أكثر أهمية ولكن أكثر صعوبة وخطورة .

  ولكن هنا لا تظهر عملية نقدية جذرية للمجتمع عبر المثالية الموضوعية ، فهي سوف تعيدُ سببيات الحياة الاجتماعية إلى التربية والوعي ، وليس إلى بنية المجتمع الطبقية الحاسمة . رغم اتفاق مثالية محمد باقر الصدر مع المادية الجدلية على وجود قطاع عام هام في إسناد الطبقات الفقيرة وعلى دوره في عملية التنمية والقبول بالإصلاح الزراعي في حدود .

  وهكذا فإن المثالية الموضوعية بأساسها الديني سوف تقدم أساساً فكرياً للعلوم الطبيعية ، في المادة الصماء عادة ، ولكن في المادة الحية أي في الأجسام البشرية وفي تطور البيولوجيا فإنها سوف تعود إلى  أفكارها الدينية النصوصية دون القدرة على التأويل الهام في هذا الجانب .

  فنظرية التطور في البيولوجيا تغدو مرفوضةً باعتقاد أنها تناقض التصور الإلهي بنزول الإنسان كاملاً من السماء ، وهكذا فإن أساسيات التاريخ تبقى مشكوكاً فيها ، رغم أن محمد باقر الصدر لا ينفي تعاقب التشكيلات المشاعية والعبودية والإقطاع والرأسمالية لكنه يرى أن أسبابها تعود لوعي الأفراد والخصائص الروحية .

  إن عمليات التغيير العربية تتجه إلى جوانب أكثر عمقاً بطبيعة تطور الحياة، وسواء بسببِ من اهتراءِ القديم، أم من هجوم الجديد، وهذا يمكن ملاحظته في تعمق الأشكال الأدبية كالقصة والرواية والمسرح، وتوجهها نحو عمليات تحليل الواقع بصورٍ متزايدة، وكذلك عمليات اتساع العلوم ونمو تخصصاتها، والتبدل المستمر بين حجم الزراعة وحجم الصناعة، واستعادة المدن العربيةِ دورها النهضوي، وبدء إلحاق الريف والبادية بتحولاتها.

  ومن هنا فالسببيةُ سوف تتزايدُ عملياتها في الوعي، وتصبح الظواهرُ المشتتةُ في الوعي التنويري الأولي أكثرَ ترابطاً، فلم تعدْ العمليةُ هي استلالُ عنصرٍ وحيدٍ من التراث، أو من الغربِ، بل أخذت عمليات النظرة التركيبية بين الثقافة والوجود الاجتماعي والتاريخي، تتشكلُ في العقل النهضوي الجديد، وأصبح العالمُ العربي الإسلامي بتطوراتهِ الكبرى مرئياً في هذا العقل، ولكن في ظاهراته الفكرية الروحية المستقلة عن البنى الاجتماعية التي يتشكلُ فيها.

  يمكن هنا أن تتشكل لمحاتٌ من العرضِ الاجتماعي, لكن الوعي يظل مستقلاً, وبه سببياته الداخلية المترابطة الأعمق, والمنفصلة عن البُنى الاجتماعية.

  ومن هنا تبدأ أشكال الفلسفة المثاليةُ الموضوعيةُ في الظهورِ والتشكل, واقفةً فوق قاعدتها الدينية للمنطقة, القاعدة الإسلامية – المسيحية, فيستمر العالمُ مخلوقاً من قبل الصورِ الإلهية التي يصنعها الوعي الديني – الفلسفي الحديث, بتنويعاتٍ مغايرةٍ عن الصورِ القديمة, أي أن المثاليةَ الموضوعيةَ الرشديةَ هنا تعودُ ولكن بغنى ثقافي أتاحته القراءاتُ المعاصرةُ الواسعة, فلم تعد النجومُ والكواكبُ روحيةً مهيمنة على الوجود الأرضي إلا في بعضِ أنماطِ الوعي الشعبي السحرية, وغدا الاحتكاكُ بالأعمالِ الفلسفية الأوروبية مغذياً للاختزال في زمنيةِ البحثِ والتشكيل الفكري.

  لكن الاستيرادَ من جهةٍ أخرى يؤدي أحياناً إلى القفز إلى مستوياتٍ جديدة واختزالية, للمدارس, وخاصةً في النزعات الحديثة كالوضعية المنطقية, والمادية الجدلية, نظراً لبطءِ المثالية الموضوعية في التشكلِ وتوقفها أحياناً لأسبابٍ خاصة, مما يؤدي إلى عودة المثالية الذاتية بشكلٍ فلسفي وصوفي.

  إن تشكلَ المثاليةِ الموضوعية سيظهرُ لدى بعض الدارسين والمتخصصين في الجامعات أو الحوزات الدينية كما في النموذجين وهما يوسف كرم ومحمد باقر الصدر, وقد اتسمت نصوصهما الفلسفية بحالةِ مواجهةٍ مع الفلسفاتِ التجريبية الذاتية أو مع المادية الجدلية.

  فهما يرفضان التصورية أو المثالية الذاتية حين ترفضُ هذه المثاليةُ الاعترافَ بأساسياتِ الوجودِ العامةِ فتقومُ بحصرِ مركز الوعي في الذاتِ المفصولة عن الوجود الموضوعي, ويقوم المفكران المسيحي والمسلم, كلٌ من جهته, بربطِ الوعي بالوجود والاعتراف بموضوعية المعرفة, وهذا يفتحُ البابَ لقراءة المجتمع ونقده والمطالبة بإصلاحهِ بهذا الشكل أو ذاك.

  وإذا كان يوسف كرم لا يدخل في عملية التحليل والنقد الاجتماعية, أي لا يربط بين هذه المثالية الموضوعية وقوانين الوجود الطبيعية والاجتماعية, فإن محمد باقر الصدر يتوسع في هذه العملية ويبحث عن سببياتِ الوجودِ الطبيعية والاجتماعية, دون تحديد مدى قانونية المثالية الموضوعية هذه.

  علينا أن نرى في ظهور المثالية الموضوعية لدى يوسف كرم المسيحي, ومحمد باقر الصدر (الأثناء عشري), ليس فقط تجلياً شخصياً للفلسفة الدينية, المشرقية القديمة وهي تستعيدُ نشاطها في المشرق العربي – الإسلامي – المسيحي مرة أخرى, بل هي تجلٍ عام كذلك, لكنها الآن فقدت الوسائط النجومية الكوكبية التي كانت ترافق فكرة الإله أو صورته في عملية صنع الوجود.

  ولهذا فإن عملية الفقه النقدي لدى محمد باقر الصدر مهمة في تدشين حفر تحليلي للواقع يترابط والمنظومة المثالية, لكن من موقعِ الخصام العنيف مع المادية الجدلية والاشتراكية والرأسمالية, وهو أمر قاد إلى عدم تطوير لحظته الفلسفية المهمة فيما بعد اغتياله.

  فهو هنا يواجهُ فلسفةَ المادية الجدلية في مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين حيث تتقابلُ على أرض العراق هذه المعسكرات المتضادة بشكلٍ حاد, وتقودهُ عمليةُ (تفنيدِ) المادية الجدلية إلى الاعتراف بموضوعية الوجود وسببياته, لكن قانونية الوجود الاجتماعي تصيرُ مرفوضةً لديه, فالبُنى الاجتماعية بقوانينها الموضوعية تتحولُ إلى سببيات جزئية مثالية, أي أن تغيرات المجتمع تعود لديه إلى أسبابٍ تربوية وفكرية ذات أساسٍ غيبي في نهاية المطاف.

  وبهذا فإن قانونية الوجود راحت تتكسر، وأخذتْ المثاليةُ الموضوعيةُ عموماً تتوقف أو تتراجع إلى أشكال فلسفية مثالية ذاتية أو تعود للتصوف, وهو شكلٌ مثالي ذاتي كذلك. لكن نمو المثالية الموضوعية من منطلق ديني, لن يتوقف فسنجد اتساعاً فيها عبر المذاهب السنية هذه المرة, وبشكلٍ موسوعي, خاصة في أعمال محمد الجابري وحسن حنفي.

  لكن بعد أعمال يوسف كرم نجد ظهور واتساع البرجماتية والتجريبية المنطقية والوجودية, خلافاً للبواكير المشجعة لنهوض المثالية الموضوعية, ويعود ذلك لعدم قدرة المثاليات الموضوعية على التطور, فالشكل الديني المحافظ سياسياً حبسها عن النمو, فيوسف كرم عبر مسيحيته ومحمد باقر عبر (أثنا عشريته), كانا يجعلان المثالية الموضوعية تابعةً للوعي الديني المهيمن والشمولي, وإذا كان الاعترافُ بقانونيةِ الوجود الموضوعة تحت عدة أقواس, مهماً في الوجود الطبيعي فإنه في الوجود الاجتماعي أكثر أهمية ولكن أكثر صعوبة وخطورة.

  ولكن هنا لا تظهر عمليةٌ نقديةٌ جذرية للمجتمع عبر المثالية الموضوعية, فهي سوف تعيدُ سببيات الحياة الاجتماعية إلى التربية والوعي, وليس إلى بنية المجتمع الطبقية الحاسمة. رغم اتفاق مثالية محمد باقر الصدر مع المادية الجدلية على أهمية وجود قطاع عام في إسناد الطبقات الفقيرة وعلى دوره في عملية التنمية والقبول بالإصلاح الزراعي في حدود.

  وهكذا فإن المثاليةَ الموضوعيةَ بأساسها الديني سوف تقدمُ أساساً فكرياً للعلوم الطبيعية, في المادة الصماء عادةً, ولكن في المادة الحية أي في الأجسام البشرية وفي تطور البيولوجيا فإنها سوف تعود إلى أفكارها الدينية النصوصية دون القدرة على التأويل الهام في هذا الجانب.

  فنظريةُ التطور في البيولوجيا تغدو مرفوضةً باعتقاد أنها تناقض التصور الإلهي بنزول الإنسان كاملاً من السماء, وهكذا فإن أساسيات التاريخ تبقى مشكوكاً فيها, رغم أن محمد باقر الصدر لا ينفي تعاقب التشكيلات المشاعية والعبودية والإقطاع والرأسمالية لكنه يرى أن أسبابها تعود لوعي الأفراد والخصائص الروحية.

  لكن المثالية الموضوعية كما قلنا ستأخذ دفعةً قويةً عبر أعمال الجابري وحسن حنفي, وعبر الجذور المذهبية السنية, التي كانت ذروة التطور الفلسفي المحافظ للمسلمين في العصر السابق, وهي هنا تربط نفسها بالمناهج الظاهراتية والبنيوية, مؤكدةً على الصنع الإلهي للعالم, وهو بدايةُ الاعتراف بإسلامية المجتمع, لكن هذا الصنع يتوقف عند أبواب الطبيعة والمجتمع والوعي, حيث تظهرُ بعدَ الأبواب القوانينُ الموضوعية لهذه الظاهرات.

  لكن لدى الجابري وحنفي يحدثُ تعثرٌ في العثور على هذه القوانين وخاصة في مجالي المجتمع والوعي, فالمناهج الظاهراتية والبنيوية تفكك الظاهرات الفكرية عن قواعدها الاقتصادية – الاجتماعية, ثم تقطعها وتفتتها, وتستلُ خيوطاً مجردة منها, فتصل إلى استنتاجات فكرية وسياسية كبيرة خاطئة.

  لدى حسن حنفي كانت المدارس الفكرية والفلسفات بلا جذور طبقية, لكي يصل في خاتمة المطاف إلى ضرورة بقاء النظام السياسي – الديني القديم مع ملئه بمادة معاصرة. لكن الأمر يعود الآن إلى تغيير هذا النظام نفسه. أي أنه يرى بقاء النظام الإقطاعي المذهبي المستمر خلال ألف عام, وليس في تشكيل نظام ديمقراطي علماني لا ديني.

  لقد وجدنا كيف تعثرت المثاليةُ الموضوعيةُ وتوقفت عند يوسف كرم ومحمد باقر الصدر، ثم كيف توسعت لكن بقيت الأسئلة الكبرى لم تـُحل، ففهمُ السببيةِ يتمُ من الخارج هنا، وعلى الرغم من أن الصدر يتفوقُ على يوسف كرم بالوصول إلى السببيات الداخلية فإنه يؤكد أن التناقض الداخلي في الظاهرة ليس هو الخالق لحركتها، بل السبب يعودُ إلى حركة خارجية وهو ما يقربه في خاتمة المطاف من كرم ولكنه يقرُ بوجود حركة جوهرية داخلية كما قال صدرُ الدين الشيرازي.

  ولهذا فهو يرفضُ قوانينَ الجدل، قوانين التناقض والتحول من كم إلى كيف ونفي النفي، معتمداً كذلك على السببيةِ، وهكذا فإن مرحلةَ القانون لا تتشكل هنا، وهي مرحلةٌ تقودُ إلى عمليات أبعد تحليلاً للبُنى الاجتماعية وسيرورتها وارتباطها بالعملية التاريخية العالمية.

  وهي عمليةٌ تجوهرُ التاريخَ والوجود الاجتماعيين كالقول بوجود أمة إسلامية (خالدة)، أي خارج القانون، وهو أمرٌ يتشابه مع طفولية المادية الجدلية في مناخها العربي حيث تطابقُ الأمةَ العربية مع أممٍ أخرى فتستوردُ قوالبها.

  إن هذا الصعودَ المتعثر للمثالية الموضوعية من الأفغاني ومحمد عبده، حتى يوسف كرم ومحمد باقر الصدر وحسن حنفي، راوح بين الاعترافِ بالقانونية الموضوعية للوجود وبين خرق هذه الموضوعية في استثناءات معينة، ولم يستطع أن يقترب من سببيةٍ كبرى تجاه البنى الاجتماعية، وهذا يشيرُ إلى أن القوى العقلية في الفئات الوسطى راحت تميلُ خلال هذه العقود التي تجلى في هذا الميل، في مختلف الدول الإسلامية التي عبر نتاج هؤلاء المفكرين والفلاسفة عن حركتها غير المبلورة فكرياً، لم تقدر أن تخوض معارك اجتماعية وسياسية لعقلنةِ الوجودِ الاجتماعي. إن عقلنة الطبيعة الصماء هو أمرٌ ذو جذور قديمة، وكذلك فإن تدفقَ المعارف العلمية الغربية وضروراتها للحياة العربية لا يترك مجالاً هنا للتردد تجاه علوم الطبيعة.

  وإذا افترضنا أن الفئات الوسطى خاضت معارك على الصعيد السياسي للتحرر الوطني، فإن معاركها على صعيد تغيير المجتمع التقليدي لم تكن واسعة، ولهذا فإن وجودَ فلسفاتٍ نظرية طبيعية وتحويلية اجتماعية مترابطة ووثيقة لم تكن ملحة.

  إن النظرات هنا جزئية، فقد يكون ثمة تغلغل تراثي كبير، لكن لم يُفهم هذا التراث على أساس التغيرات الراهنة وبضرورةِ إعادة تشكيل الوطن – الأمة بشكلٍ حديث وجذري.

   إن الربطَ بين القسم المثالي الموضوعي الطبيعي والقسم المثالي الموضوعي الاجتماعي يحتاج إلى أدواتٍ تحليليةٍ للتاريخ والمجتمع، وقد كانت كلُ أدوات الماضي قاصرةً عن الوصول إلى هذا المستوى، كما أن عمليات الاستيراد من ثقافة الغرب التاريخية والاجتماعية كانت تتجمدُ عند استعارة الأدوات كما لدى إسماعيل مظهر أو سلامة موسى، وحتى التحديثيين الليبراليين والدينيين الأواخر، فهم ينقلون بعض عمليات التحليل وبعض الأدوات لكن لا يقومون بتحليل شامل يصل إلى أساسيات البنى وهياكلها.

  في حين أن المناهج الظاهراتية والبنيوية تدرس المباني الخارجية للوعي والمدارس رافضةً وجود ارتباط موضوعي وقانوني بين الوعي وأساليب الإنتاج. فحسن حنفي مثلاً رغم ضخامة ثقافته لكنه لم يدرس أساليب الإنتاج ولم يعقد إلا صلات وامضة بين مستويات البنية الاجتماعية، ولم يتوصل إلى كون الثقافة الدينية التقليدية هي جزءٌ من بناء إنتاجي فاته أوانه.

  وهذا ليس له أسبابٌ ذاتيةٌ فحسب بل أسبابٌ موضوعية كذلك، في انقسام الفئات الوسطى بين التبعية للغرب والتبعية للحكام، أي للإقطاع السياسي الحاكم وللإقطاع الديني المهيمن على المستويات الاجتماعية للبنى.

  إن الهيكل التقليدي للدولة راح يستعيد سيطرته على المجتمع منذ زمن الاستعمار ولم تتمكن الفئات الوسطى من هدم هذا الهيكل التقليدي، بل زاد تطوراً وراح يوسع الفئات الوسطى المستفيدة منه، ومن هنا فليس نمو الجماعات الدينية شيئاً عابراً بل جزءً من تقوية يقوم بها النظامُ السياسي التقليدي لهذه الفئات من أجل تجذير مواقعه تجميد الديمقراطية والتطور، أي تغييب قانونية العلوم، وقانونية الدساتير التي تحدُ من سلطتها المطلقة. ولكن وهو يقويها تنفتحُ عملياتُ التطرف الأقصى، حيث يختفي القانون العلمي والاجتماعي والدستوري بشكل عاصف.

  وهذه العمليةُ تزدادُ قوةً مع صعود الدول الأقل تطوراً وهي الدول النفطية في الجزيرة العربية وإيران، فتضخُ مادةً دينية لا عقلية وأسطورية في الوعي العربي الذي يزداد تدهوراً. فترتبطُ هذه الفئات الوسطى بالأنظمة المستبدة وتراثها الديني الشمولي، فهنا معنى تبعية الفئات الوسطى للإقطاع، وطموح تياراتها الأشد تطرفاً في الوصول إلى سلطة مطلقة عنيفة *.

  في حين أن الفئات التجارية والاقتصادية المرتبطة بجهاز الدولة الذي يغذيها، والتي تقيمُ علاقات اقتصادية مع الغرب وتستفيد منه، ولها رؤى تحديثية، تشكل تبعية مغايرة، تبعية استيراد الأشكال والمنتجات الغربية، وطرح تحديث شكلاني في أغلبه، ينمو في هيمنة غربية لا قانونية سواء عبر تحليل البنى الاجتماعية أو في عدم وجود قانون دستوري محلي وعالمي، يقننُ توزيعَ الثروات، فتظهرُ فوضى وانتقائياتٌ ووعيُّ تقني مفصول عن علاقات الإنتاج، وتوجهٌ للرساميل العربية الفكرية والمالية إلى الخارج، وليس إلى الإنتاج الداخلي والصناعة لحفر البنى المتخلفة وإعادة تشكيلها تحديثياً وديمقراطياً قومياً تحررياً.

  وهكذا فإن المصالحَ المنغرسةَ في هذه الفئات لخارجها، للطبقة السائدة بأجنحتها الغربية – المحلية، تمنعها من رؤية الأفق البعيد ومصالحها كطبقةٍ لذاتها، ومن هنا فممثلوها الفكريون والسياسيون، يقومون باقتطاعِ جوانبَ من التراثِ أو من الغرب أو من كليهما معاً، من دون الوصول إلى تعميماتٍ نظرية تربطُ الطبيعة والمجتمع في كلٍ تحول.

  إن تقنينَ الطبيعةِ أمرٌ ليس ابتكاراً هنا فهو محسومٌ حتى في الفلسفة الدينية القديمة كما أنه عملٌ مطلوبٌ للعلوم الطبيعية ولبناء المنشآت المادية والحياة الاقتصادية بمختلف جوانبها، أي لتطوير قوى الإنتاج الشديدة التخلف، ولكن تقنين الحياة الاجتماعية يتطلبُ تغييرَ طبيعةِ الحكم التسلطية وإزالة الملكيات الكبيرة في الزراعة وتغيير طبيعة التحكم الذكوري الشديد لبناء أسر مختلفة، وتعليل مصادر الوعي والثقافة وتكوين نظرات للجمهور وإزالة الأمية الخ..

  وكل هذا التغيير الجذري للمجتمع لا تستطيع أن تقوم به فئاتٌ وسطى متذبذبة، تميلُ قممها للتعاون الوثيق مع الطبقة الحاكمة، أي أنها لا تتوجه لإجراء تغييرات عميقة في الخريطة الاجتماعية – السياسية.

  وهذا على المستوى الفكري النظري يلجمُ تطورَ المثالية الموضعية باتجاه بحث الحياة الاجتماعية، فتلوذ بالصمت أو تطرح بعض المطالب في التغيير الإصلاحي المتدرج.

  من هنا لم تتشكل الحاجاتُ الضرورية المحركة لتفعيل نظراتها في مجال ربط التقنين الطبيعي بالتقنين الاجتماعي، أي أنها لم تقم بتشكيل نظرة واسعة لكلا الحقلين بمعيار فكري نقدي تحليلي واحد.

  إن هذا التوقف نلاحظه في قلة المفكرين والفلاسفة في هذا الاتجاه، فيمكننا أن نضيفَ بعضَ الأسماءِ القليلة للأسماء السابقة التي درسناها في هذا الكتاب، لكن هذا لن يغيرَ اللوحةَ العامة.

  إن الاعترافَ بوجود قوانين موضوعية كاملة للطبيعة، يتطلب الاعتراف بوجود قوانين موضوعية للمادة، وهكذا فإن الفلاسفة الدينيين في هذه المرحلة لم يعترفوا بوجود قوانين الصراع الموضوعية داخل المادة وأنها تتطور من ذاتها.

  فإن الإيمان بوجود خالق مهيمن لا يتناقض مع الاعتراف بقانونية المادة الداخلية وكون الطبيعة تعملُ من تلقاء ذاتها، أي بقوانينها المستقلة، ولكن هنا لم تستطع الفلسفة الدينية أن تقومَ بالتركيب الفلسفي الضروري بين هذين الجانبين.

  وبهذا فإن ميدانَ التاريخ والمجتمع كان أكثر صعوبةً في التقنين، فهنا تتدخلُ العملياتُ المباشرة للإرادات البشرية، ويواجه الوعيُ مسائلَ التراثِ الديني المكتوب وتفاسيره المختلفة لطبيعة المجتمع والتاريخ والثقافة.

   ترافق مع نشوء المثالية البطيء المتعثر نمو المثالية الذاتية ببطءٍ وتعثر كذلك، فقد كانت أعمال التجريبية المنطقية وترجمة الفلسفة الوجودية والبرجماتية تتصاعد، كما رأينا في أعمال زكي نجيب محمود وعبدالرحمن بدوي وغيرهما، وكان لهذا النمو عدة أهداف وخاصة هدفه الرئيسي بعزلِ الدين عن ظاهرات الوعي الحديث وحفر مجرى تحديثي بدون الدخول في معركة معه بل تحييده، ولهذا ركزت التجريبية المنطقية على العلوم الطبيعية وتشكيل مجرى تبريري لها، وهي قد أخذت هذا المجرى منذ الفلسفة الإسلامية الوسيطة، فلم تدخل المعركة الحقيقية وهي معركة العلوم الاجتماعية.

  كان جعلُ الحقيقةِ تجريبيةً ذاتية، وعدمُ قراءة القانون العام في الظاهرات، عمليةً تحصرُ الفلسفةَ بنتائجِ المعامل غير الموجودة باتساع في المنطقة، وهذا ما جعل التجريبيةُ المنطقية لا تتغذى على هذا الفتات العلمي، فلم يكن هناك تلامس بين التجريبية العربية ونتائج هذه العلوم، ولا تحليلات غنية أو فقيرة لها، مما جعل زكي نجيب محمود يترك هذه اليافطات الغربية البراقة ويدخل في تحليل للتراث والوعي السائد بتلك التجريبية الانتقائية التي رفضت قراءة القوانين في البُنى الاجتماعية.

  اعتمد زكي نجيب محمود على تطبيق معيار الفائدة، فالظواهر والنتاجات المفيدة لـ(الأنا) الاجتماعية التي يعبرُ عنها هي التي تــُنقلُ من التراث، وهو كذاتٍ تحديثيةٍ يتوجهُ للظواهر المفيدة والمضيئة القديمة ويحاول بعثها، لكن هذا هو معيارٌ ذاتي، قد يعودُ لجماعةٍ تماثل المفكر هنا، ولكن ثمة جماعات كبرى سوف تستعيد ما هو مفيد لها، وقد تتعارض العمليتان، أو قد يقوم وعي زكي نجيب بتبرير الاستعادات غير المضيئة الأخرى.

فيشكل هذا معياراً ذاتياً لا يقوم بدرس التراث درساً علمياً، ويكشف مختلف تجلياته وتناقضاته بغض النظر عن الفائدة الذاتية.

  وهذا ما تفعلهُ الوجودية حين تتراءى لها ظاهرات التاريخ بوصفها أعمالاً فرديةً عبقرية، فكأن إضاءات التاريخ هي إنجازات (الأنا الفردية).

  وكل هذه الاقتطاعات من التاريخ والتراث تقودنا إلى إسقاطات ذاتية على الوجود الموضوعي، وليس إلى عملية تشريح علمية لتلك السيرورة التاريخية والفكرية المركبة والمعقدة.

وهنا سنجد أن الفئات الوسطى التي انبثق منها هؤلاء المفكرون تركز على أناها الذاتية، فمصالحها الشخصية – العامة هي في بؤرة نظرتها، وهي تقطعُ وشائجها بهذه الفئات نفسها التي تنبثق منها، فهي لا تقيمُ دائرة واسعة بشرية، ويتركز عملها على النشر، وهذا النشر الواسع والمهم لا يقود إلى انتشار مثل هذا الوعي.

إنه يقود إلى الاهتمام بالواقع والتراث وبعثِ نصوصٍ مهمة ونشر معلومات قيمة ولكن لا يحيل هذه النظرات الفردية إلى تيار مؤثر، لكنه ينشر فكرة النفعية ويبررها، وهو وعي يقوي الوعي التقليدي الذي ينظر للواقع والتراث من جانب تكريس هياكله المحافظة وتوظيف العناصر السلبية من التراث ولكن بذات النظرة النفعية وإن كانت الأهداف مختلفة كلياً.

  فكما رأينا عبدالرحمن بدوي وكيف راح يعثر عبر بحوث طويلة وشاقة على البذور المضيئة الفردية، وهي في معزل عن التشكيلتين الإقطاعية التي انبثقت داخلها، فلم تستطع فرديتها أن تفجر ثورة نهضوية كبرى داخلها، وفي معزل عن التشكيلة الرأسمالية التي استقى منها تلك الفرديةَ غير المرئية كنتاجٍ فاعل للجماعات، فأدى العزل للذات في هذين التاريخين إلى أن تنحصر الذاتية في زمنية انسحاق هذه الفردية المثقفة وتفكك روابطها في الغرب، في حين يعيشُ هو مرحلة مختلفة في تاريخ العرب المعاصر.

  إن غياب الرؤية العامة للتشكيلات والطبقات ومسارات التطور تجعل من هذه النظرات التجريبية الذاتية ومن النزعات الفردية الخلاقة تائهة وسط مخاضات التغيير والسيطرة، فنجد التجريبية المنطقية ذات مناخ غربي وأمريكي تحديداً، ثم تؤيد أي إصلاحات تحديثية من دون رؤية البنى الاجتماعية التي تتشكلُ فيها تلك الإصلاحات، أي قد تكون الإصلاحات المحدودة أداةً في قيام الإقطاع المذهبي بتجديد نفسه، وليس أن تقوم بمراكمة وعي نهضوي قطعي مع هذا البناء، بعد أن فقدت روابطها مع فئاتها الوسطى التي تنتمي إليها، ويفترض أن تتوجه لتراصها وتطوير فاعليتها الاجتماعية والسياسية النضالية كي ترى نفسها طبقة لذاتها، وليس فقط فئات تابعة للإقطاع السياسي والديني.

  وقد تترابط هاتان المدرستان مع نزعات أخرى كالقومية والوعي الديني، فتصبحان لهما مسحة عربية – إسلامية، فتغدو التجريبية المنطقية تقنية تكنوقراطية يوظفها مثقفون وعلماء في مجال تطوير العلوم وقوى الإنتاج، بغض النظر عن الدلالات التوظيفية والأبعاد الاجتماعية.

  وهو أمرٌ يحيل العلوم الطبيعة والاجتماعية إلى قوة تقنية خاضعة لاستخدام الطبقة المسيطرة على المصانع والمؤسسات العامة والجامعات خصوصاً، ويفتحُ الطريق كذلك لنشر المدارس التقنية الحديثة التابعة للقوة المسيطرة، سواء كانت في الغرب أم في البلدان العربية والإسلامية، كتدفق مستمر منذ البنيوية ومدارس الحداثة وما بعد الحداثة.

  وهذه الفئة المثقفة التقنية سوف تأخذ العلوم بدون جذور أو دلالات عامة، أو كظاهرات في بــُنى اجتماعية ذات قوانين، وهو أمر يشكل الفئة المثقفة التكنوقراطية الخاضعة لأي سياسة رسمية.

لقد وضعت التجريبية المنطقية الأساسَ الفلسفي لمثل هذه التيارات، وروجت للذاتية والنفعية، وقطعت المسار الغربي الفكري الديمقراطي التحويلي، أي تلك المدارس الباحثة عن قوانين الظاهرات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*( تظهرُ إحصاءات أنه في عام 1970، مثلت الزراعة 17 بالمائة من الناتج القومي العربي بالمقابل مع 39 بالمائة للصناعة (التحويلية والاستخراجية والكهرباء والغاز والمياه) و44 بالمائة للخدمات. وفي عام 1975 انخفض نصيب الزراعة إلى 9 بالمائة من الناتج القومي العربي، كما انخفض نصيب الخدمات إلى 30 بالمائة، وارتفع نصيب الصناعة بفروعها الثلاثة إلى 56 بالمائة، وارتفع ناتج النفط من 25 بالمائة عام 1970 إلى 52 بالمائة عام 1975)، (المجتمع العربي في القرن العشرين، مصدر سابق، ص 302).

عبدالله خليفة: صراعاتُ الوعي العربي تاريخياً

مقاربة الشعر الجاهلي

5

■  توطئة
■ الفصل الأول
■ مقاربةُ الشعرِ الجاهلي
■ الفصل الثاني
■ غنائيةُ الشعرِ الجاهلي
■ امرؤُ القيسِ
■ تحليلُ المعلقةِ
■ طَرَفة بن العبد
■ معلقتا الصدام القبلي
■ شعراء آخرون
■■ خلاصة
■ الفصل الثالث
■ الشعرُ والنثرُ الدينيان العربيان
■ في المعاني التوحيدية
■ بنائيةُ النثرِ
■ الفصل الرابع
■ صراعُ النثرِ والشعر
■ الفصل الخامس
■ القرآن في مكة
■ الفصل السادس
■ القرآن في المدينة
■ الفصل السابع
■ علاقات جديدة بين النثر والشعر
■ الفصل الثامن
■ سبل تطور النثر في العصر العباسي
■ نثر أبي حيان التوحيدي
■ العناصر الفنية واللغة الفكرية
■ البناء الحكائي في مقامات بديع الزمان الهمذاني
■ مقامات الحريري
■ سردُ السيرِ (الشعبية)
■ حمزةُ البلهوان كسيرةٍ مميزة
■ ألف ليلة وليلة
■ الفصل التاسع
■ مسارات الشعر في العصر العباسي
■ الشعر والنقد
■ الفصل العاشر
■ من السيرة الشعبية إلى الرواية والمسرحية
■ سرد المنفلوطي
■ توفيق الحكيم
■ تداخلات الأنواع التحويلية
■ غنائية السياب
■■ خاتمة

      الفصل الأول والثاني من كتاب: تطور الأنواع الأدبية العربية , 2016.

■■ توطئة

   تمثلُ الأنواعُ الأدبيةُ قضايا جوهرية في الأدب، فهي تعبرُ عن قدراتِ شعبٍ أو أمةٍ ما على التطور الثقافي على مدى قرون، فليستْ هي بناءاتٌ شكلانيةٌ ترصفُ الكلام وتجمعُ المعاني في(قوالب) لكنها تعبيرٌ عن قدراتِ المبدعين والنقاد على الحراكِ التحويلي لمجتمعاتهم، أي على مدى تمكنهم من إقامة علاقاتٍ عميقةٍ مع البشر وجذورهم الدينية والثقافية والاجتماعية وتغييرها تبعاً لخُطى التقدم، ومجابهة قوى التخلف والإستغلال والتهميش للناس، وتصعيد القدرات على الحوار والبحث والتجديد.

أي هو التحولُ من هيمنةِ الصوتِ الواحد إلى تعدديةِ الأصوات، ومن سيادةِ الأنا المركزيةِ الاجتماعية إلى تنوع الأفراد وقدرتهم على الحوار والنقد والتغيير.

وإذا كانت صناعةُ الأنواعِ الأدبية تخضعُ للأفعال الحرة للمبدعين فإنها لا تستطيع أن تقفزَ على الظروف الموضوعية للواقع والناس. وهيمنةُ نوعٍ أو وجود كافة الأنواع هي قضيةٌ مركبةٌ من الذاتي والموضوعي، من سيطرةِ قيودٍ تعبيرية قَبْليةٍ ومن مساهماتٍ تحريرية لنزع تلك القيود. من آفاق مرصودة سلفاً نتاج سابقين ومن قدرة المعاصرين على تغييرها تبعاً لتطور الحياة والمساهمة في تغييرها.

والمبدعون يظهرون في شروط سابقة على إبداعهم، إنها تقيدهم وتجعلهم يعيدون إنتاج الماضي الثقافي أو يضيفون عليه بعض الإضافات اليسيرة والمهمة غير التحويلية الواسعة.

ومن هنا فظهور الشعراء في عالم العرب الجاهلي يختلف عن ظروف أخرى تالية حين حدثت نهضة، فسيطرةُ الصحراءِ والحياةِ الرعوية، هي غيرُ ظهورِ المدنِ وميلادِ دولةٍ واسعةٍ تختلطُ فيها الشعوب.

لكن إن تبقى الهياكلُ الإبداعيةُ الجاهلية في عمقِ المدن وتسيطرَ على الإنتاج فهي أيضاً هيمنة قَبْلية قَبَلية مستمرة.

وقد طُرحتْ بقوةٍ مسألةُ قصورِ الأنواعِ الأدبية على نوعٍ واحد بشكلٍ كبيرٍ هو النوع الشعري، ضمور النوعين الآخرين وهم النوع الملحمي والدرامي، وهي قضية ليست تجريدية بل قضية تاريخية وإجتماعية وفكرية طويلة ومعقدة.

يمثل النقدُ الثقافي عموماً قوةَ تفكيرٍ كبيرة غدتْ شيئاً فشيئاً معطلة، وكان يمكن أن ترفدَ الأدبَ والثقافةَ عموماً بطاقاتِها لكي يزدادَ الأدبُ والثقافةُ تأثيراً في الواقع لكن النقد توقف عن هذه العملية الضرورية، فما هي الأسباب؟

كان من الضروري لهذه القضية أن تُحلل بعمق ويُرى على ضوئها تخلفُ وجمودُ الأبنية الاجتماعية- الثقافية العربية، وهذا لا يمكن أن يكون بدون نقد فلسفي له شروط كبرى، أن أي أن يقوم على فلسفة تقرأُ الثقافةَ في ضوء البنى الاجتماعية وسيرورتها التاريخية.

هذا كان يمكن أن يحدث في الثقافة العربية الحديثة ويتم قراءة الأنواع وجمودها في العصر العربي القديم وأسباب تشكلها في العصر الحديث.

يقول ناقدٌ عربيٌ كبيرٌ هو إحسان عباس الذي استفاد كثيراً من(النقد الأمريكي والنقد النفسي لدى فرويد والأسطوري لدى كارل يونغ)يقول بأن الاقتراضَ الشديد من الغرب على هذا النحو(يجعل الدارس يقع في وهم فكري مزدوج: يتكشفُ الأولُ في إغفالِ التاريخ الثقافي العربي، ويتجلى الوهمُ الثاني في جهلِ التاريخ الكوني للآخر).. وهو أمرٌ في رأيهِ يقودُ إلى (التبعية الثقافية أو يفضي إلى المحاكاة الصماء)،(1) .

يتحسسُ الباحثون العربُ الإشكاليةَ المركبةَ في تبعيةِ ثقافتنا للعصر الوسيط ببنائه الإقطاعي، المستمر حتى الآن، وتبعيتها كذلك لما يُطلق عليه بعضهم (الآخر)، وهذا التعبير تجريدٌ آخر معاكس للماضي، فلا يقولون بأن الآخرَ هو النظام الغربي الرأسمالي.

لكن التعميم على الجهتين يقودُ إلى سلسلةٍ طويلة من الأخطاء، لأن ثقافتنا العربية القديمة مرت بعدةِ أطوار وأبنية، ولكلٍ منها واقعٌ خاص، وكانت تعيشُ تطورات ومراحل كبيرة، فالتعميمُ المنطلقُ منها، خاصة حين يساوونه ب(الشخصية العربية) أو ب(الذات العربية)، يقودُ إلى كوارث تحليلية.

فالشعرُ الجاهلي لا يُعرف لماذا صار بهذا الشكل ومن أين جاء وما هي علاقاتهُ بالمكوناتِ الفكريةِ والفنية السابقة، والقرآن لماذا هو بهذه اللغةِ والتراكيب والأخطر ما هو دورهُ في عمليةِ الثقافةِ التحولية، ولماذا استمرتْ القصيدةُ المتناقضةُ البناء التقريرية حتى اليوم؟ ولماذا الغيابُ للبناءِ المسرحي في الثقافة والبناء الدرامي في الشعر وغياب الملحمة؟

دخلَ النقدُ العربي القديمُ في جوانبِ المحدودِ كالصورِ الجزئية والأغراض وأشكال البلاغة، ثم وجدَ نفسَهُ في العصر الحديث أمام مدارس أوربية كبيرة، فلم تسعفهُ أدواتُ النقد العربي القديم، ليس فقط لضخامةِ الإنجازاتِ الغربية التي تشكلتْ خلال قرون النهضة والثورة الصناعية والعصر الحديث، بل لأن واقعَهُ العربي المتعدد راح هو الآخر يتغير ويصارع، فبدأت الآدابُ والفنونُ العربية في الأزدهار في واقع متخلف اجتماعياً!

وككلِ نتاجِنا وسياستنا وقع بين دكتاتوريتين؛ دكتاتورية الماضي المبهمة والمتجسدة في البناء الثقافي، وفي دكتاتورية الحداثة الغربية، التي تفرضُ نفسها عبر أنماطٍ سائدةٍ قوية فتشلُ الوعي العربي عن أن يكون وعياً عربياً ديمقراطياً.

وكي نعرف إننا واقعون بين دكتاتوريتين ثقافيتين، يحتاجُ ذلك إلى فحصٍ على مستوى الماضي ومستوى الحاضر، أي القيام بنقدٍ مزودجٍ على ضفتي الزمان والمكان.

حين نقرأ فقط القصيدة الجاهلية سوف نقول لماذا الانحباس في الشكل المضطرب الممزق الانعكاسي المباشر؟ أي لماذا عجز العربُ عن إنتاج شعر أكثر تطوراً من هذا؟

وهو أمرٌ لا يتضحُ إلا في قراءةِ السياق التاريخي، بكون القصيدة العربية الجاهلية هي نتاجُ شعبٍ محبوس ممزق في هذه الصحارى الهائلة المجدبة، وبإدراكِ إن هذا الجنسَ الأدبي (الشعر الجاهلي)هو أرفعُ ما أنتجهُ هذا الشعب بعد انحباسهِ وتقطع صلاتهِ بالشمالِ، السامي، لغةً ومكاناً وتلاقحاً واسعاً، وهو أمرٌ يربطنا بتدهور الأنواع الأدبية والفنية في الشمال (العراق، وسوريا، ومصر)، فلا بد أن نقرأ فضاءَ الآداب والفنون في الحضاراتِ القديمةِ التي عجزتْ عن تنامي التطور فيها، وعن نمو أنواع: الملحمة وبالتالي النقد وغياب المسرح.

وبهذا كان النتاجُ الثقافي العربي الجاهلي هو وليدُ ظروفِ العزلةِ والتخلف المزدوج، فالاستبدادُ الطويلُ الذي أصابَ الحضارات القديمة والذي كانت إحدى سماته تحجر الآداب، انتقلَ بقوةٍ مضاعفةٍ للجاهليين، ومع ذلك قاموا في تلك العزلةِ النسبيةِ بإنتاجٍ ثقافي يعكس ظروفهم ويعكس كذلك حريتهم البدوية.

بين الغنى الثقافي الذي فجرتهُ ثورة الإسلام وبين الأشكالِ الأدبيةِ والفنية المتيبسةِ التي سادت طوال العصر الأموي، ثم تقطعتْ بفعلِ المدنية العباسية النسبية، عواملٌ من الصراع والتداخل، فقد أضفى الفهمُ الدينيُّ المحافظُ على منتجاتِ الثقافةِ المختلفة عواملَ كبيرةً من الكبح.

فقد قام بأسلمة الشعر الجاهلي، محوراً العديد من الأسماء الدينية والأفكار الوثنية، ثم جعلَ المبنى الفضفاض للقصيدة الجاهلية نموذجاً يُحتذى، وجَمدَّ الأنواعَ الأدبية كما كان متبعاً سابقاً، فغدتْ الفنونُ التجسيديةُ محرمةً كذلك.

ثم حين تطورت الآدابُ والفنونُ في العصر العباسي في المدن النهضوية المؤقتة، فإن تغيراتٍ جذريةً في الأنواعِ الأدبية لم تعدْ ممكنة، وإذا حدثتْ تطوراتٌ كما في الرسم وظهور القصة والمقامة واتساع النقد وتشكل الفلسفة، فإنها تغدو محاطةً بدكتاتوريةِ الماضي الثقافية، ودكتاتورية الحاضر الأموي– العباسي الجارية.

وهكذا فإن الضرورةَ تتكشفُ هنا، فالعربُ ورثةُ الدكتاتورياتِ المشرقية القديمة، فهم إذ ينقطعون عن نتاجِ الحضاراتِ المشرقية القديمة الغني في زمنِ التطورات الحضارية الخصوبية، ليس بسبب فقدان اللغات القديمة فحسب، بل كذلك رفضاً للتعرف عليها بإعتبارها وثنية، مثلما يكيفون النتاجَ المترجم اليوناني والهندي حسب وعيهم الديني التوحيدي التجريدي وتبعاً لحاجاتهم في هذا المجتمع النهضوي المتوجه للاختناق بفعل دكتاتوريات السلطات والجماعات السياسية – المذهبية المختلفة.

إن النقدَ هو الآخر يتعرضُ لهذا الحصارِ فيحافظُ على شكلانيتهِ العامة، بتقزمِ الأنواعِ الأدبية والفنيةِ فيه، ثم يجمدُ تطورَ القصيدةِ بإبقاءِ مبناها العامِ المضطربِ المحدود، الذي لا يغتني إلا بفعلِ نقدهِ للواقع، وتداخلهِ مع الأنواعِ الأخرى كالدراما والقصة، وهو أمرٌ غيرُ ممكنٍ إلا بشكل تعليمي ساذج.

ليست هذه الأنواعُ الثلاثةُ؛ النوعُ القصصيُّ، والنوعُ الدرامي، والنوعُ الشعري، أنواعاً منفصلةً فحسب، بل هي أنواعٌ متداخلةٌ كذلك، فهي تغذي بعضَها البعض، وعدم وجودها في واقع ما، دليل على مشكلات ثقافية وديمقراطية عميقة فيه.

إن عجزَ النقدِ العربي القديم عن كشف ذلك، هو بسببِ ذلك الغياب الديمقراطي في السياسةِ والثقافة ولظهورِ الدول الإقطاعية المركزية أو المنفصلة، وهو أمرٌ قطعتهُ التجربةُ الغربيةُ حين تم الإحتكاكُ بها في بضعةِ عقود، فتم ذلك من خلال السيطرة الأجنبية.

إن النموَ الداخليَّ العربيَّ لم يكن حراً، فلم ينتجْ الأنواعَ السابقةَ الذكر بانفصالِها وتداخلِها المركب، ولم تتحْ تجربتهُ المقموعةُ خلال تلك القرون، التي لم تزدهرْ بالحريةِ الواسعة أن يصنعَ تلك الأنواع بتلاقحِها وتنوعها، ففوجئ وهو ينمو داخلَ الحياة الحديثة الغربية التي دخلتْ حياتَهُ بقوة في عقودِ الليبرالية، أن تاريخـَهُ الثقافي ناقصٌ ومتخلفٌ في أنواعٍ معينة، فراحَ يستكملُ النقص.

ليس العربُ كلُهم منتجين ثقافيين، فالمنتجون هم أفرادٌ وجماعاتٌ من الفئات الوسطى، التي يتيحُ معاشُها أن تشتغلَ في الثقافة، وهي موزعةٌ بين الدكتاتوريتين: دكتاتورية الماضي، ودكتاتورية الحاضر، فالليبرالية العربية لم تتطور وجاءت الحكوماتُ الشمولية فكبحت التطور، لكن بعض نتاجات الثقافة خلق تطوراته الخاصة المعبرة عن حياة الناس وطموحهم للتغيير.

  هناك عباراتٌ هامةٌ لبعضِ النقاد والباحثين العرب حول تطور الأنواع الأدبية العربية تعبرُ عن إشكالياتٍ متعددةٍ تتعلقُ بتطورِ هذه الأنواع في الحياة العربية، وذلك بفهمِ هذه الأنواعِ عبرَ التاريخِ العربي والعالمي.

يقول الدكتور شوقي ضيف:

(إن الغربيين عنوا في بلاغتِهم بدراسةِ الأساليب والفنون الأدبية، بينما لم يكد يعني بهذه الجوانب أسلافنا، إذ صبوا عنايتهم على الكلمة والجملة والصورة)،(2).

ويَضيفُ:

(ولو أن شعراءنا نظموا في أساليب جديدة كأسلوب الشعر القصصي أو المسرحي، أو لو أنهم نوعوا في شعرهم الوجداني الغنائي فأخرجوه من صورته الفردية الذاتية إلى صورة موضوعية واسعة صوروا فيها مجتمعاتهم ونفوس من حولهم لاختلفت أساليب الشعر اختلافاً واضحاً)، (3) .

وهو يعتبرُ بأن المقامات وهو الفن النثري الجديد (سرعان ما تجمد وفقد كل حيوية، إذ حمله اصحابه من صناعة السجع اللفظية ما قضي عليه قضاءً تاماً)،(4).

إن تعبيراتٍ مثل (إن الغربيين اعتنوا في كتاباتهم)، (ولو أن شعراءنا)، تعبرُ عن عدمِ قراءةٍ تاريخيةٍ وموضوعية واسعة لأنواع الأدب، فهل كانت الأنواعُ الأدبيةُ المكوَّنةُ عربياً بفعل ذاتي فردي محض، أم كانت لها سببيات أخرى موضوعية كذلك، فتشابكُ الذاتي والموضوعي في نسيج ظلَّ غائباً في كثير من الأحيان.

وكما أن التاريخَ الثقافي العربي بهذه التصوراتِ فقدَ سيرورتَهُ الكامنةَ المشكلةَ له، كذلك فإن التاريخَ الثقافي الغربي غدا هو الآخر نتاجَ إبداعٍ ذاتي صرفٍ لم تتكون له شروطٌ موضوعيةٌ أهلت لتطوراته تلك.

فتغدو السيرورةُ التاريخيةُ الثقافيةُ في الجانبين العربي والغربي، غيرَ معروفةِ المسار، وإن عدمَ رؤيةِ المسارين المختلفين هو ذاته نتاج رؤية واحدة، حيث تنمو الثقافة في هذه الرؤية بدون شروط موضوعية، فيكفي حسن النوايا لكي يُصحَّح المسارَ الخاطئ الذي لم يصل للنموذج.

وتتوجه كتاباتُ الباحثين والنقادِ العربِ إلى تلمسِ هذه السببيات المتوارية، والتي تتحسسُها بعفويةٍ في بادئ الأمر ثم تتحولُ إلى جهودٍ للمقارنة ولتلمسِ ما تحت الظاهرات المرئية.

كان من العبارات الأدبية الغربية، تلك الآراء التي قدمها فيكتور هيجو في مقدمةِ مسرحيةِ كرمويل؛ (وخلاصتها أن الأدبَ قد تقلبَ مع البشرية في ثلاثة أطوار، فالشعر الغنائي كان في العصر البدائي، والملحمي في العصر القديم، والدرامي في العصور الحديثة)، وعلى هذا يكون ثمة مساران متساوقان، حيث الأدب يقطعُ المسار ذاته الذي يقطعهُ المجتمعُ الذي ينشأ فيه. ومن هنا فإن القولَ بخلو الأدب من الشكل الملحمي والدرامي يعني أن المجتمع العربي وقف عند الطور البدائي الأول من أطوار التمدن البشري.

إن مسألةَ أخطاءِ المفاهيم وقراءة التطور الثقافي العالمي سوف لن تغدو في العصر العربي الحديث عربيةً محضة، بل سوف تتشابكُ مع قراءاتٍ نتجت في بلدان أخرى كفرنسا هنا، ومع شاعر وروائي فرنسي كبير هو هيجو، كانت لديه رؤية خاصة ذاتية لتطور الأنواع الأدبية، لكن هذا التصور سوف يُرحّلُ للبلدانِ العربية وينتشرُ بين مثقفيها وسوف يدرسون على ضوءِ تلك الجملِ تطورَ ثقافتهم.

فهيجو في التصور يقدمُ آراءً ذاتيةً غيرَ مدروسةٍ لتاريخ الأدب العالمي، فهو يقدمُ تصوراً للشعر في الواقع وليس الأدب عامة، أي لنوعٍ فيه وليس لكل الأنواع، ثم إنه يؤرخُ لهذا النوعِ بشكلٍ خاطئ كذلك، فالجنسُ الشعري الملحمي هو الأول والسابق، وبعد ذلك تمخضَّ الجنسان الآخران؛ الدرامي والغنائي، لكن في تطور مجتمع خاص هو المجتمع اليوناني، فليس هو تطور الأنواع الأدبية البشرية كلها، وليس هو تطورها في كل بلد أوربي كذلك.

إن مسارات الأنواعِ الأدبية مختلفةٌ متغايرةٌ بين مجتمعٍ وآخر وفي مراحل هذا المجتمع نفسه.

ثم نأتي لكلمات أخرى عامة كذلك هي أن المؤلفين العرب قد(انتهوا جميعاً إلى أن الأدب العربي قد وقف عند الشكل الأول)، فهنا جملة من الأخطاء، فالأمرُ لا يتعلق ب(الشكل) بل ب(الجنس الأدبي) أي الشعر وضروبه، وفي حين أن المقصودَ هو(الأنواع الأدبية) وليس الأجناس، أي إن المقصود مناقشة الأنواع كالشعر والقص والمسرح.

وبهذا فإن العبارةَ المنقولةَ عن هيجو المتعلقةَ بتطورِ الأجناسِ الشعريةِ تغدو عربياً مناقشة للأنواع، وتـُعَّمم بشرياً وعربياً، ومن ثم يُقال بأن العربَ وقفوا عند النوع الأول وهو النوع الغنائي ولم يتطور مجتمعهم.

وبطبيعة الوعي الأوربي المركزي السائد فإن ذلك يُربط بطبيعة(العقل الشرقي)، كما حدثَ في مسألةِ قراءةِ الفلسفةِ وتطورِها العربي، وهذا يغدو تتويجاً لغيابِ القراءةِ التاريخية والتي تبدأ من هيجو حسب مناقشة الفقرة السابقة، الذي قدمَ ترتيباً تعميمياً غيرَ دقيق عن الجنس الشعري، وغدا لدى بعض الباحثين العرب تعميماً نوعياً إنسانياًفشملَ الأدبَ العربي بأنواعه والمجتمع كذلك.

انتجَ سليمان البستاني وروحي الخالدي أفكاراً في بدءِ التحديثِ العربي عن الأنواعِ والأشكال الأدبية، فيها ذات الإشكاليات، فالبستاني يقول في مقدمتهِ لترجمةِ الإلياذة بأن:(العرب قسموا الشعر إلى أبواب منها الغزل والمديح والهجاء والرثاء ونحو ذلك، ومثل ذلك موجود في شعر جميع الأمم، ولكن الأفرنج يحصرون أبواب الشعر جميعاً في بابين: الشعر القصصي (إيبك) والشعر الموسيقي (ليريك):” ذلك أنه لا بد للشعر من أن يرمي إلى أحد أمرين: إما بسط أحوال العالم بمظاهره البارزة وإما التعبير عن شعائر(مشاعر)النفس الخافية عن الأبصار وإبراز التصورات الكامنة في الصدور . . فالشاعر القصصي بهذا الاعتبار يعبر عن شعائر غيره والشاعر الموسيقي إنما يعبر عن شعائر نفسه)،(5)

يحددُ سليمان البستاني قضيةَ الأنواع الأدبية في الشعر ويضعهُ في خطين بطريقةِ أما وأما، وهو منهجٌ تقطيعيٌّ منذ البداية، فأما أن يكون الشعر موجهاً للخارج فيغدو قصصياً وأما أن يتوجه للداخل فيغدو موسيقياً، وهذه التفرقة هي قراءةٌ أولى لمسألةِ الأنواع لكنها دخلت في الأجناس، فالشعرُ جنسٌ من ضمن نوع، والقصة جنسٌ من نوع آخر، وحين يقول البستاني بأن الأوربيين عرفوا هذين (النوعين) فهو يتحدث عن المرحلة الإغريقية والمرحلة المعاصرة، فهو يقصد كما نفهم المسألة الآن بأن الجنسين دخلا النوع الشعري، وعبر ذلك تشكل في الرافدِ الأول وهو الملحمة، وفي الرافد الثاني تشكلت القصيدة الغنائية، حيث إختصتْ الملحمةُ بالتعبيرِ الاجتماعي الواسع، وبتجسيدِ الحياة، وليس أنها لم تهتم بالذات والمشاعر، في حين أن الجنسَ الغنائي تخصصَّ في التعبيرِ عن الذات، وهذا لا يعني عدم تواجد الحياة الموضوعية وتأثيراتها فيه.

ولكن الملحمةَ الإغريقيةَ تشكلتْ شعراً، وهي ليست ذاتَ صياغةٍ نثرية، وبطبيعة الحال فإن القصيدةَ الغنائيةَ هي كذلك، ولهذا فإن وصفَ الجنس الغنائيِّ بالموسيقى هو وصفٌ غيرُ متكامل.

ويقولُ شكري عياد:(ويظهر في هذا البحث بأن البستاني ميال إلى القول بأن العرب في جاهليتهم لم يكونوا مختلفين اختلافاً أساسياً عن غيرهم من الأمم القديمة كاليونان والرومان والهنود)،(6)

إن ما وصل إلينا لحد الآن من التراث العربي كما قلنا لا يعطينا دليلاً في هذا، ولا يمنع كذلك أن يكون للعرب ملاحم لم تصل إلينا.

ويضيفُ شكري عياد بناءً على قراءتهِ لمقدمةِ البستاتي السابقةِ الذكر :(ويذهب أنهم عرفوا القصص أيضاً، ويستدل بأيام العرب مثل قصة حرب البسوس، ولا يستبعد أنها كانت في الأصل ملحمة ففقدت أجزاءً منها وتفرق ما بقي)،(7).

هنا يتضحُ بأن البستاني يتوجهُ للملحمةِ وهي المكتوبةُ شعراً بطبيعةِ الحال، ولكنه يصفُ فترةً لم تظهرْ مثل هذه الملاحم فيها، بل ظهرتْ القصائدُ الغنائيةُ(التي يسميها الموسيقية)، وهي سائدةٌ بشكلٍ كلي، وهو الأمر الذي يدعو للتحليل، عبر الحفر في هذه القصائد وكشف إذا ما كان لها علاقة بالملحمة أم لا، وهو ما سنقومُ بهِ لاحقاً.

3

ثمة إدراك بكون النوعين الشعري والنثري العربيين في بدءِ تكونهما قد تشكلا بلا مساواة كمية، فالشعرُ هائلُ المساحة بينما النثر محدود، ولكننا ليس لدينا سوى ما حفظتهُ الذاكرةُ العربية بعد قرون من تشكل النوعين، ولدينا هذا الترتيب المُقر السائد بكون الشعر الغنائي العربي هو الأسبق وهو الكم الهائل المحفوظ، وفي خضم ذلك يُقال بأن الشعرَ ديوان العرب.

فهل يعني ذلك إن الشعرَ الملحمي لم يكن موجوداً لدى العرب أو أنه كان ثم اختفى؟

وبطبيعة الحال فإن المقاربةَ لتكوّن القبائل العربية وظهور لغاتها الموحدة أصبحت كلاسيكية وتم الاتفاق بشكلٍ عام على أن الشعر الغنائي هذا له من العمر مائتا سنة قبل الإسلام على الأكثر، وأما ما قبل ذلك فمجهول، وهذا الزمان التقريبي هو الزمان التقريبي لتكون التوحد القبائلي الكبير بين قبائل عدنان من جهة، وقبائل قحطان من جهة أخرى، ثم التقارب القبائلي بينها.

وعبرَ هذه اللغاتِ- اللهجاتِ ثم عبرَ اللغةِ الواحدة تشكلَّ هذا الشعر والنثر، وبين النوعين وحدةٌ ما، هي سيطرةُ الموسيقى فيهما، وهو الأمرُ الذي لعبَ دوره في عملية الحفظ.

إضافة إلى ذلك فنحن نقرأ النوعين عبر الرواية الدينية الإسلامية، التي حورت بعض الألفاظ وغيرت في الصياغات وربما أخفت ونحت أشياء عدة بسبب عدم تطابق هذه القصائد أو المقطوعات مع العقلية الدينية السائدة، ولكن نحن لسنا بصدد قراءة المنحول أو الصحيح بل قراءة تطور الأنواع بذات المادة المقدمة والمُعترَّف بصحتها العامة، وقد قادت عملياتُ التغييرِ والنحلِ في الشعرِ الجاهلي بعضَ النقادِ القدامي والمعاصرين إلى التشكيك الجزئي فيه كابن سلام الجمحي، وإلى التشكيك العام كما يفعل طه حسين في كتابهِ الشعر الجاهلي ثم في كتاب الأدب الجاهلي .

يقول ابن سلام الجمحي حول الشعر الجاهلي:

(.. جاء الإسلامُ فتشاغلت عنه العربُ وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم ولهتْ عن الشعر وروايتهِ فلما كثرَ الإسلام وجاءتْ الفتوحُ واطمأنتْ العربُ بالامصار راجعوا رواية الشعر فلم يؤولوا إلى ديوانٍ مدونٍ ولا كتابٍ مكتوبٍ وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل فحفظوا أقل ذلك وذهبَ عليهم منه كثيرٌ وقد كان عند النعمان بن المنذر منه ديوان فيه أشعار الفحول وما مدح هو وأهل بيته به صار ذلك إلى بني مروان أو صار منه . قال يونس بن حبيب قال أبو عمرو بن العلاء ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله ولو جاءكم وافراً لجاءكم علمٌ وشعرٌ كثير)،(8)

هذه العبارة هي التي ارتكز عليها طه حسين في دحض أغلبية الشعر والنثر الجاهليين، لكن بعد فترة من الفحص قام بها باحثون تم التأكد من صحة الكثير من هذا الشعر، وتم كشف أجزاء منحولة، ولكن الفجوات في بناء القصائد الطوال خاصة وإزالة الجوانب الدينية الوثنية هي قضايا لم تـُحسم بعد.

وبهذا فإن القراءةَ التي نقومُ بها لهذا الشعر والنثر ترتكز على ما اتفق عليه وصحت نسبته إلى الشعراء والقوالين.

إن ضخامةَ الشعر الغنائي أمرٌ لا يستطيع أحدٌ أن يلغيه أو يحوره، وهو الشعر الذي تكون في فضاء هذا التوحد الاجتماعي للقبائل العربية وهي تظهرُ على مسرح التاريخ.

أما ما قبله فمجهول، ولهذا فإن التساؤلات هنا تتوجه هل نستطيع أن نعمم ونقول بأن الثقافة العربية لم تعرف الملاحم الشعرية، وهل يمكن لمثل هذه القبائل التي تشكلت خلال آلاف السنين أن تعبر عنها هذه الفترة الأخيرة فقط التي وقف الوعي الوسيط الديني المحافظ والوعي المعاصر المتعدد الرؤى عندها عاجزين عن الولوج لما ورائها بحثاً موضوعياً؟

كذلك فإنه لا بد من حسم موضوع(العقل العربي) والعقل السامي الذي لا يعرفُ الملاحمَ عبر قراءة التواشج الثقافي مع حضارة وادي الرافدين التي هي حضارة قريبة ومؤثرة على التطور الاجتماعي العربي عامة، فهذه الحضارة الرافدية عرفتْ الملاحمَ الشعرية والقصص ولكن الملاحم ليست هي ملاحم قصصية صراعية جماعية واسعة، بل هي أقربُ للقصةِ الشعرية الفردية المطولةِ كملحمةِ جلجامش، وبهذا فإنها لم تستطع أن تشكلَ ملحميةً واسعةً قادرة على تحليل شبكة من الشخوص وعلى قراءة الواقع بالتالي، وعلى طرح نماذج خصبة منوعة، وقد تمكن الإغريق من خلقها بسبب ترافد الماضي (البربري) الديمقراطي مع ثقافة المدن الحرة التي ترتبتْ على طبيعة الجزر، المتعددة، وعلى نمط التجارة الفردية الواسعة، في حين كانت الثقافة البدائية شبه الديمقراطية في وادي الرافدين والوادي المصري قد تم كتم أنفاسها مع تشكل الدول الاستبدادية الكبيرة.

ومع هذا فإن هذه المخاضات والانجازات للشعوب في منطقة الشمال لم تصل إلى عرب الجزيرة إلا عبر بعض الومضات التي نفثتها الأديان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر:
(1): (نقلاً عن سعد البازعي في كتابه استقبال الآخر)، ص 36 ، 37).
(2)، (3):(البلاغة تطورٌ وتاريخ، شوقي ضيف، دار المعارف، ط 8 ، ص 376).
(4): (المصدر السابق، ص 377) .
(5)،(6)،(7):(نقلاً عن المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين، شكري محمد عياد، عالم المعرفة، عدد 177، ص 81).
(8):(طبقات الشعراء، ابن سلام الجمحي، كذلك طه حسين في كتابه “الشعر الجاهلي” حيث يقول بأن(هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي لا يمثل اللغة الجاهلية ولا يمكن أن يكون صحيحاً)، ص 29 ، مطبعة دار الكتب المصرية، ط 1)).

🌴  الفصل الأول
     
                           🌾مقاربةُ الشعرِ الجاهلي

     إن تطور القراءة للعصر الجاهلي ولتاريخ المنطقة ، تقود إلى تحليلات جديدة حول قضية وجود العرب وجذورهم في الجزيرة العربية وتطور لهجاتهم وآدابهم وفنونهم ، وهي قراءة لا تتعدي قرنين قبل الإسلام كما قيل وهو مدى قصير لا يمثل عمر الأمم ، فذهبت جذور الثقافة العربية الجاهلية في ظلمة التاريخ ، مما لا يمكن معه معرفة نتاجاتهم السابقة وليس لدينا سوى عملية انحصارهم التاريخية في الجزيرة العربية وتبديهم وهو التبدي الذي حجم تشكيل الأنواع الأدبية . إن ذلك يعود إلى عدم معرفة المدى الزمني لانتشار العرب في الجزيرة الواسعة ، من القسم الشمالي للجزيرة العربية ، حيث قدم من يسمون الإسماعليين أو العدنانيين أو المضرين وهم العرب المستعربة الذين سيطروا على القسم الشمالي الغربي من الجزيرة العربية ومن ثم ظهر فيهم الإسلام وقيادة العرب . ومن البديهيات أن هذه الأقوام القبلية البدائية وقتذاك ، كان ينطبق عليها ما ينطبق على الجماعات البدائية من أساسيات الثقافة ، حيث التمازج بين الفنون والدين والسحر ، وحيث لا يوجد رقص ولا شعر ولا نحت بدون الأسطورة ، وبالتالي فإن تلك الأقوام المتغلغلة في الجزيرة العربية كان لديها شعرها وفنها المرتبط بالسحر ، كظاهرات متداخلة للتأثير على الواقع ، سواء في صيد الطرائد أم في التصدي للأمراض الخ . وهكذا فإن المكانة المميزة التي سيأخذها الشعر الجاهلي كجنسٍ أدبي طاغٍ هو بسبب هذه السيرورة التاريخية التي تشكلت من هذا الزحف الاستعرابي للجزيرة . إن العدنايين الذين كانوا يزحفون من شمال الجزيرة العربية كانوا على قرب واحتكاك مع الحضارة العراقية القديمة ولا شك ، لكن كان ثمة هوة هائلة بينهم وبين تلك الحضارة والحضارة المصرية ، وشكلوا خصوصيتهم وهذه الخصوصية التي سيغدو الإسلام تتويجها ، ولا يمكن إلا أن تكون هناك علاقات ثقافية ما بينهم وبين الحضارة الأقرب لهم . لقد كانت الحضارة العراقية ذات جذور عريقة في التاريخ :(اخترع السومريون الكتابة في الحقبة الواقعة بين 3500 – 3200 ق . م ، وقبل حدوث الطوفان ) (1) ، وقد عرفوا الأنواع الأدبية المختلفة من ملاحم وشعر غنائي وديني وقصص وحكايات ، ولم نجد آثار مباشرة للتأثير العراقي القديم على الثقافة العربية الجاهلية بل جاء ذلك عن طريق اليهودية التي استفادت من تلك الثقافة العراقية ونقلت الكثير منها : (وكان بناء البيت الشعري في العصر البابلي القديم يقوم (على وحدات إيقاعية ، وتجزئته إلى صدر وعجز كبيت الشعر العربي التقليدي ، وتكوين القصيدة من وحداث ثنائية ، أو رباعية ، أو مقاطع متفاوتة الأطوال ، حتى يتم توضيح المعنى وإكماله) ، (2). كذلك فإن العديد من جوانب الإرث الديني تم تناقله وتحويره من تلك الحضارة للحضارات التي ستتشكل فيما بعد عبر هذه الأوقام البدوية المتأثرة بالحضارة كاليهود والعرب . في مجال القصة نقرأ نصاً { يعيد أصل الإنسان إلى زوجين شابين أولين هما ” أوليغرا” و”زاليغرا ” ( آدم وحواء ؟) خلقهما إلهُ الحكمة ” أيا ” ( وأعلى من شأنهما على جميع المخلوقات)} ، (3). وتسيطر طريقة الإلهِ الغاضب على المذنبين في الأدب الديني في الإرث الرافدي القديم واليهودي وهي طريقة ستنتقل لليهود وللمسلمين : (في ذلك اليوم ، بعد أن حكما بدمار شامل / على أور/ بعد أن قرار قتل أهلها ، / يقيناً إنني لم أبرحْ مدينتي/ ولم أتركْ بلادي في ذلك اليوم ، / بل سكبتُ ماءَ عيني لآنو / وتوسلتُ إلى إنليل بنفسي/ قلتُ لهما لا تدمرا مدينتي/ قلتُ لهما لا تهلكا أهلها / لكن آنو لم يغير كلمته/ وأنليل لم يذهب الحزن عن قلبي) ، (4). كما أن الشعر الجاهلي له مراحل هي مراحل الرجز والقريض والقصيد ، لكن حتى هذه ليس فيها عمق دراسي ما . لكن الذي تهمله القراءاتُ العربية القديمة هو هذه السبيكة المشتركة للفنون ، أي تداخل السحر بالشعر بالنحت والرقص ، وهي السبيكة التي راحت تتفرع وتتكون أجناساً وأنواعاً . والذي يهمنا هنا هي علاقة الشعر بالسحر ، فقد نشأ الشعر عامة عبر عملية السحر ، حين يقوم الساحر بأعماله العجائبية لتذليل الطبيعة ومساعدة الجماعة على قهر الأشياء . إن اسم الشِعر يرتبط (بمعنى العلم) ، كما يرتبط بشـَعر الرأس ، حيث يغدو هذا الشـَعر مقدساً . ومن تطور المصطلح نقرأ كذلك : الشعار (العلامة في الحرب والسفر) ، الشعيرة ج شعائر ، العلامة ، واحدة شعائر الحج أي مناسكه وأعماله ومعالمه ، مشعر ج مشاعر : موضع مناسك الحج) ، (5) . إن ارتباط الشعر بالأعمال الدينية هو نتاج هذا التطور ، فرغم إنه ينسلخ من الأعمال السحرية المباشرة ، التي تأخذ تخصصاتها المختلفة واستقلالها ، إلا أنه يظلُ مُرتبطاً بمصدرهِ السحري ، وهو الغيبُ ، وسواء كان جناً أم وادياً سحرياً ، أم آلهة . وفي المدى الزمني الجاهلي الذي نعرفه فإن الشعرَ انسلخ من التركيبة الفنية الكلية المتمازجة ، فصار هناك شِعرٌ مستقل ، ونثرٌ مستقل ، ونحتٌ الخ. وتتنوع صلاتُ هذه الأجناس والأنواع بالدين ، فإذا كانت فنونُ النحتِ والرسمِ والرقصِ متلاصقة شديدة الالتصاق بالدين وعمارة الأمكنة المقدسة عبر تشكيل التماثيل وتلوينها والأحتفاء بها وغير ذلك من مهمات ، فإن الشعر اتخذ مساراً أوسع . وكما جرتْ عملية تحطيم لهذه الفنون بعد انتصار الإسلام فإن تغيير بعض كلمات الشعر أو حذف فقرات شعرية من قصيدة هو وارد كذلك ، لكن أمر النحل الواسع غير ممكن . ومما لا شك فيه بأن الاحتفالات الدينية التي كانت تجري تختلط بشعر او بعبارات شبيهة بالشعر ، مثلما ترتبط الأعمال الحرفية وحداء الإبل بالغناء والشعر . وكان تطور الشعر باتجاه الانتشار الهائل ، وتقزم الفنون التجسيدية ، هو أمرٌ يرتبط بطبيعة هذه القبائل الرعوية حيث العمل اليدوي محدود كما أن مواد الفن التجسيدية نادرة . ولا شك إن المصير المشترك للقبائل القحطانية والعدنانية بعد تصدع الحضارة اليمينية ذات المادة الفنية التجسدية الكبيرة وارتحال بعض أصحابها له علاقة بهذا التركيز على أدوات القول . أي أن قيادة قبائل قيس أو نزار أو عدنان الشمالية ككل لتطور اللغة والشعر تحديداً في سيطرة رموزها الشعرية الغالبة وسيطرة لغتها وكتابتها ، في تغلب وبكر تحديداً ، وتشكل وحدة شعرية لديها ، هي ظاهرة واضحة . فالصورة التاريخية المرئية الرسمية هي التي أعطانا إياها التاريخُ المدون بأن المهلهل أول من ههلهل الشعر أي رققه ، وكان ذلك مرتبطاً بالغناء في عرف هذه المصادر: (وقد سبق أن أشرنا من قبل إلى أن الشعر الجاهلي ارتبط – في بداية مراحل نموه – بالغناء ارتباطاً وثيقاً ، حتى إن الشعر والغناء أصبحا يمثلان شيئاً واحداً عند العرب في تلك المرحلة المتقدمة ، وكان الشاعر مغنياً وقاصاً في الوقت نفسه ، ومن الأدلة القاطعة على ذلك الارتباط أن العرب القدماء كانوا يلقبون عدداً من الشعراء الذين ذاع صيتهم بألقاب تنم عن مدى ذلك التلاحم بين الشعر والغناء ، فقد لقب عدّي بن ربيعة التغلبي أخي كليب وائل بالمهلهل ، من الغناء بالشعر أو التهليل به ، وهو عند العرب من قصّد القصائد وذكر الوقائع ، وقيل سمى كذلك لأنه أول من هلهل الشعر أي رققّه وغناه .) ، (6) . أي أن المسألة في عرف هذه المصادر بأن علاقة الشعر – الموسيقى هي نتاج تطور الشعر ، وليس أنها جزءٌ من طبيعته الداخلية بارتباطه بعملية السحر ، واعتباره جزءً من بنية الفنون الأولى ، ويمكن أن نأخذ علاقة الشعر – الموسيقى باعتبارها تطوراً في تلك العلاقة القديمة حين انفصلت الأجناس والأنواع وتداخل بعضها كالشعر والموسيقى في علاقة جديدة لم يعد السحر هو موحدها وصاهرها . لكن هذه العلاقة بين السحر والشعر ، بين الكهانة كما تطورَ السحرُ إليه ، وبين الشعر ، استمرتْ حتى زمن ظهور الإسلام ، كما سنرى بشكل كبير بعد ذلك . وكان في كلا الجانبين بأن ثمة مصدراً(علوياً) للعمليتين المختلفتين المتداخلتين ، وهذا ما كان يُصرحُ به بشكل واضح ، حتى أن الشعراء قيل بأن لهم جناً مخصوصاً في هذا التلقي العلوي . وفي وحدة التلقي العلوي تكمنُ مرجعية واحدة هي مرجعية القوى الغيبية والعلوية ، وهي تمثل القوى الاجتماعية العليا في الواقع في مرحلة صعودها ، فتتراوح المصادرُ تبعاً لدورها السياسي الاجتماعي ، ومدى أهميته ، ومدى وظائفيته . وهذا الصعود له شكلان ؛ هما مرحلة الوثنية حيث التفتت والمرحلة الدينية حيث المركزة والتوحد . وهكذا فإن الشعرَ المتوحدَ بالسحر والدين راح يشارك في المناسبات الدينية الطقوسية الجاهلية المختلفة ، ومن أهم هذه المناسبات مناسبة الحج إلى مكة خاصة ، والتي لم تغدُ بؤرة طقوسية مشتركة عربية كبرى إلا عبر عوامل التوحد الاجتماعية العريضة التي كانت تجري في الاقتصاد واللغة والعادات . والأحاديث الكثيرة المضطربة عن المعلقات وتعليقها على الكعبة ليست كلها خاطئة ، وتسميتها بالمذهبات لأنها كــُتبت بماء الذهب ، هي رواية ممكنة ، تدل عليها عملية الانصهار العربية والتوجه إلى مكة باعتبارها المستودع الديني للعرب ، فهي قمة تطور الروحانية لديهم ، أي الذروة المقدسة ، ولذلك فهي كذلك ذروة البيان الشعري ، وأدة التوحيد اللغوي – الخطي عبر اللغة الآرامية – النبطية ، وتلك الذروة تمثلها (المعلقات) والكتابة بماء الذهب هو شكلٌ تقديسيٌ لها(7). (إن العرب كانت في الجاهلية يقول الرجلُ منهم الشعرَ في أقصى الأرض فلا يعبأ به ولا يـُنشده أحد ، حتى يأتي مكة في موسم الحج فيعرضهُ على أندية قري ، فإن استحسنوه روي وكان فخراً لقائله وعلق على ركن من أركان الكعبة حتى ينظر إليه ، ولم يستحسنوه طـُرح ولم يعبأ به) ، (8) . وإذا كان الشعر جزءً من الظاهرة الدينية فإن تعليقه على الكعبة هو جزء من عملية طقسية ، وتغدو الملعقات السموط المذهبة . يقول أحد الباحثين: ( فالسموط تفيد معنى التعليق ، كما أنها تفيد إكباراً ومدحاً لما يوصف من فنون القول ، فالاسم اختيار عربي قديم قصد به إلى الدلالة على حالة التعليق كما قصد به إلى التعظيم ، وهو اسمٌ يطلقه على القصائد جيلٌ من الناس يدرون من أمور هذا التقليد ويقبلون منه بالمشاهدة وبالتجريب ما يجعل هذا الاسم أكفى في الدلالة وأوفى في بيان التقدير ، وأعلق بالتقديس الطقسي العبادي الذي كان التعليق تجسيداً له) ، (9) . ولا يمكن إنكار التعليق في الكعبة عموماً : ( ومن الممكن الاستئناس بتعليق قريش للصحيفة حين قاطعت الرسول وبني هاشم .) ، (10) . إن مركزية مكة وتصاعد دورها القيادي ، تتداخل إذن مع نمو الشعر الجاهلي ، ثم صعوده إلى مرحلة الذروة عبر المعلقات ، وتداخل كل ذلك مع الظاهرة الدينية الطقسية لموسم الحج ، كما أن ذلك كله يترافقُ مع التحولات السياسية الدرامية التي كانت تحدث ، وعجز قبائل شرق الجزيرة العربية أن تكسر السيطرة الفارسية في ذلك النطاق ، رغم معركة ذي قار ، فكانت الضرورة الاجتماعية تقود للتوحد في مكانٍ مغاير هو الحجاز البعيد عن السيطرات الأجنبية ، وعاصمته مكة التي أخذت الخيوط المالية والثقافية تتجمعُ في أيديها . إن عملية الانصهار في الحج وتداخل هذه القبائل مع بعضها البعض ، وتشكيلها شيئاً أدبياً مشتركاً ، كانت تؤكد إن الأدب أخذ دوراً مركزياً طليعياً هنا ، واستطاع نوعٌ فيه وهو النوع الشعري أن يلعب ذلك الدور ، ونقول نوعاً شعرياً رغم إن المعلقات تمثل جنساً شعرياً ، لكن القصد من ذلك هو أن نتبين لماذا هذا الجنس ، وما هي إنجازاته ومشكلاته ، ولماذا الإنقطاع عن الملحمة الشعرية والدراما الشعرية ؟ فهذا يحتاج لقراءة هذا الجنس الشعري الذي ساد .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصادر : (1) ، (2) ، (3 ) ، (4) (نظرات جديدة في أدب العراق القديم ، سامي مهدي ، دار أزمنة ، الأردن ، ص 155، ص 103 ) ، 105 ، 34 .

( 5 ) : ( المنجد ص 390 – 391 ) .

( 6 ) : قضية القيم في الشعر الجاهلي ، اتحاد الكتاب العرب).

(7) : ( الشعر الجاهلي ، شوقي ضيف ، ط 26 ، دار المعارف ، ص 35).

(8 ): (خزانة الأدب ، البغدادي ، جزء 1 ، ص 89).

( 9 ):(المعلقات سيرة وتاريخاً ، نجيب البهيبي ص 28 دار الثقافة المغرب ، نقلاً عن شرح الملعقات العشر ، مفيد قميحة ، دار ومكتبة الهلال ، ط 2001 ، ص 18) .

(10): (الشعر الجاهلي خصائصه وفنونه ، الدكتور يحيى الجبوري مؤسسة الرسالة ، بيروت ، ط 2 ، ص 183) .

 🌴 الفصل الثاني

                            🌾غنائية الشعر الجاهلي

                           💐امرئ القيس

  تعبرُ حياة الشاعرِ الجاهلي امرئ القيس بن حجر الكندي عن تضاريس ملحمية كبيرة ، لكنها لم تتحول إلى ملحمة شعرية ، مثله مثل أي شاعر آخر ، والسببُ يعودُ إلى طبيعة القصيدة العربية في لحظتها الجاهلية التأسيسية . فمثلها مثل بقية القصائد تنطلقُ من(الأنا) الذاتية ، فرغم أنها تعبر عن القبيلة ، والشاعر جزءٌ مترابط مع قبيلته ، إلا أن الأنا الذاتية هي التي تطبعها بطابعها . فالشاعرُ يعبر عن أناه المتواشجة مع العام القبلي ، لكنها القبيلة التي انقسمت إلى قوى اجتماعية متضادة صار الشيوخ هم المعبرون عن أناها . وعند شعراء آخرين فإن هذا الانقسامَ الاجتماعيَّ لا يتضح كثيراً ولكن لدى امرئ القيس هو واضحٌ وبارز . فهو ابن ملك فكان يحكمُ مجموعة من القبائل ، وكان الملك جزء من دولة كندة التي تحالفت ثم تصارعت مع دولة المناذرة واسيادها أمبراطورية الفرس ؟ لقد عبرت دولة كندة عن الحراك القبلي الذي نشأ بعد انهيار سد مأرب وتفرق قبائل اليمن (إيدي سبأ) (حتى إذا اتسعت فتوحات حسان بن تبع في بلاد العرب عين حُجر بن عمرو الكندي ، الملقب بآكل المرار ، ملكاً على نجد ، فنزلها وحارب اللخميين يساعده البكريون ، وأزال نفوذهم واستقل بالسلطان دونهم) ، (1) لقد توسعَ نفوذ كندة وقامت بطونٌ منها بالتحكم في مناطق واسعة . هذا يرينا بأن القبائل المُسماة قحطانية راحت تستولي على مناطق القبائل المُسماة عدنانية ، وهو أمرٌ خلقَ التداخلَ والصراع والوحدة ، التي انعكست على اللغة وتقاربها وسيطرة لغة قبائل عدنان على العرب عموماً ، ثم انعكستْ على اللغة الشعرية في خلقِ معيارٍ شكلي لها ، (أي موديل) يتسمُ بالتفكك ، حيث تتعدد الأغراض من وقوفٍ على الأطلال فالغزلِ فوصفِ كائناتِ التوصيل والرحلات المضنية ، وهي الإبلُ والخيلُ والحمير ، وغرض المدح والصيد واللهو وغير ذلك من أغراضٍ يتحكمُ الشاعرُ في ترتيبها وكمِها العددي ومساحة التنويع بها . ولكن هذه اللغة الشعرية التي تنطلقُ من ذاتٍ فردية ، معبرةٍ عن ذاتٍ جماعةٍ منغلقة ، أي جماعة قبلية ، تغدو هي ذاتهُ العامة ، كما يغدو هو صوتُ هذه الجماعة ، ومن هنا فليس ثمة معايير موضوعية في قراءةِ الحياة ، فالشاعرُ لا يرى الحياة سوى من نظاراتِ قبيلته ، فأي شر تراه يراه شراً وأي خير تراه يراهُ خيراً ، فهو صوتُ هذه القبيلة في صراعها مع القبائل الأخرى ، وبالتالي فإن الصوتَ الواحدَ المسيطر يخلق الغنائية لا الملحمية . فهو غيرُ قادرٍ على سماع أصوات القبائل الأخرى ووجهات نظرها ومعاناتها ، غير قادر على الولوج إلى ظروفها ، وتبني صوتها ، فلا يقدر أن يخلقَ أصواتاً متعددة ، وبالتالي لا يستطيع أن يخلقَ شخوصاً مستقلة ومغايرة لشخصه ، لصوتِ قبيلتهِ الواحد المسيطر ، فيغدو وتغدو نشيداً واحداً. لكن القبيلة – الوحدة غدتْ منقسمة ودخلت حالة الحضارة ، حيث الانفصال بين البادية والمدن ، وبين أهل الرعي وأهل الزراعة ، وصارت القبيلة فيها الشيوخ أصحاب الأملاك وفيها الفقراء والعبيد الذين لا يملكون شيئاً. والشاعر الذي لا يستطيع أن يخرج من أنا قبيلته لأنا قبيلة مضادة ، هو أيضاً لا يستطيع أن يخرج من أنا الفئة الاجتماعية التي وجدَ نفسها يعبر عنها ، وهي عامةً فئة المسيطرين على القبيلة. وهكذا نجد أمرئ القيس ابن هذه الفئة الارستقراطية قادراً على اللهو الطويل ، واتاحت له فترة الفراغ هذه ، وحساسيته الشخصية المأزومة بسبب طرد أبيه له ، وذاتيته المفرطة ، أن يشكلَ لغة شعرية جميلة تتغلغلُ في التعبير عن الطبيعة المحيطة به ، وعن مشاعره ، بشكل دقيق وحي. وهو بعكس الشعراء الشيوخ كالحارث بن حلزة الرصين ، فهو شابٌ يعكس تجارب الشباب المرح المستمتع بالحياة ، ثم هو يعكس تجارب التجربة السياسية التي دخلها على إثر قتل أبيه. وهكذا فهو إذ يعبر في غزلياته عن لهو ابن الملك المطرود وشقاوته ، فإنه يعبرُ عن العمل لأخذ الثأر لهذا الملك المقتول . فهو لم يخرج من السيادة بشكلها السلبي والإيجابي ، كما أن هذه السيادة تتشكلُ من خلال الرؤية القبلية ، لكنها لا تخبئ هذه السيادة الارستقراطية المتعالية . وفي غزلياته يتضحُ المدى النسائي الواسع الذي يتعامل معه ، وإذا كان في ذلك خبرة اجتماعية وألواناً شيقة تعكسُ مواقع ولحظات التعامل مع هذه النسوة ، فهي تخلق لديه حساسية فنية في التقاط اللقطات الجزئية وتضفيرها في بناءِ قصيدته العام. وشعرهُ يعكس كما يعكس شعر الجاهلية عملية التفكك الاجتماعية العميقة في الحياة ، أي يصور هذا التحلل في وضعٍ اجتماعي – تاريخي لم يعُد قادراً على الاستمرار . فقبيلة كندة التي جاءت من اليمن محملة بسلطة طبقية طويلة متوارثة هناك ، وبمهاراتٍ حضارية لا تتواجد لدى قبائل نزار – عدنان ، تستطيع أن تفرض سطوتها وتؤسس سيادة ، وتتحالف مع جهتين متضادتين الفرس والروم ، لكنها تواجه عمليات الصراع مع الدولتين ، والضرائب المخيفة في دفع أثمان التبعية والإستغلال ، في حين إن قبائل نزار – عدنان التي وجدت نفسها في حالة إبعاد عن مواطنها ومراعيها ، راحت تتعاون تارة مع الفيض اليمني السكاني وتتصارع تارة أخرى وتواجه بضراوة في حالة ثالثة. ومن هنا فالتركيز على الأنا القبلي له ظروف اجتماعية قوية ، والشيوخ المستولون على هذه الأنا القبلية صاروا يواجهون تحديات من قواعد في هذه القبائل ، ومن قبائل منافسة أخرى ، ومن المملكتين المحتكمتين في الشريط الشمالي الحدودي ومن الإمبرطوريتين اللتين تقفان وراء هذا الشريط ، وخلف هذا الشريط المراعي الكبرى والأنهار والثروات والحرية! وقد أدت ظروفٌ مركبة أن تكون قبيلة كندة في هذه البؤرة الدرامية ، فقد استولت على حكم رقعة واسعة ، ودخلت في حكم دولة المناذرة في مغامرة سياسية محفوفة بالمخاطر قام بها الحارث السابق الذكر ، وحين عاد الملك السابق لجنوب العراق من قبل كسرى أنوشروان تبدلت الخريطة السياسية لدولة كندة ، حيث قام المنذر بن ماء السماء بمطاردة الحارث وقتله ، وقام بهدم ملك كندة عبر تحريض القبائل لهدم هذه السلطة القبلية الرعوية ، فكان ما كان من أمر قتل حُجر والد أمرئ القيس فتنطع الشاعر المتضخم الذات والذي أدى لهوه الطويل إلى غياب الخبرة السياسية لديه ، إلى قيادة القبيلة نحو كوارث متتالية . إن هذا الوعي الذاتي المنحصر في الأنا الشخصية والقبلية سوف يصيغ لنا معلقة من المعلقات . تحليل المعلقة إن الأمكنة التي تبدأ بها المعلقة (سقط اللوى) ، (توضح) ، (المقراة) ، تعبر عن هذه الأمكنة المجهولة قليلة القيمة في دراما التحول الصحراوية الضارية ، وعن النسبية البشرية في هذا المطلق الساحق ، وعن محدودية القبلية في زمن الأندثار والمدنية ، كما تعبر عن (الأنا) المتألمة تجاه قسوة الظروف ووحشة المكان ، (2). وتلعب بقية مفردات النسج الطللي دورها في إكمال اللوحة القاسية ، فالمكانُ المُدمَّر ينقلب حاله كلياً ، فهو يغدو مسرحاً ل (بعر الأرام) الذي ينتشرُ في ساحاتهِ وأعماقهِ معبراً عن التضاد بين الحياة والموت ، عن الوجود الحي المزدهر الفرح واللاوجود الحجري الكئيب . والشاعرُ لا يُحللُ بل هو يصفُ الثمارَ الأخيرة للمشهد الحياتي المتضاد العميق ، عبر هذه الصور الجزئية الحسية المنتزعة من شريط طويل ، يسودها تصوير حسي دقيق: ترى بعرَ الآرام في عرصاتِها وقيعانِها كأنهُ حبُ فلفلِ إن الطريقة الفنية حيث التصوير الجزئي المنقطع عن التاريخ والأعماق ، تعتمدُ على التشابهات الحسية بين موقع وآخر ، فبعر الآرام يُشبه بحب فلفل ، وبعر الآرام الذي هو جزئية حسية حقيقية في المكان يمثل المفارقة للمكان ، لكنه يُصَّور بحب فلفل نتاج شجرة معبرة عن حياة ، لكن الشاعر لا يقصد سوى الشكل ، وليس جذور شجرة الفلفل وظلالها على المشهد. إن هذا التقطيعَ من الجانبين جانب دمار المكان وجانب الطبيعة الحية ، يرتكزُ على تلك اللقطةِ لتوحي بالخراب ، وقد صارَ مشهداً حسياً ، مركزاً ، بلا تاريخ ، وبلا دراما ورائه. وهذه اللقطة الخارجية حيث العدسة موجهة على الشيء تعقبها اللقطة الجامعة بين الشيء والأنا ، حيث يدخل الشاعرُ المشهدَ بوضوحٍ معبراً عن أساه عند هذه الأطلال ، لكنه ليس وحده ، فهذا موقفٌ جماعي عربي بدوي عام ، تحددهُ ثيمات الموقف وكائناته ؛ سمرات الحي ، والمطي ، والرسم الدارس والحنظل. وكلها تعبيرٌ عن تضادِ الحي والميت ، والراحل والباقي ، والإنسان والأثر ، والناطقُ والساكت ، والملتهب المحترق والجامد (البارد) والشخصية الإنسانية وظلالها المادية . فالشاعرُ عبر هذه اللقطاتِ الصغيرة المكثفة وضعنا في مشاعرهِ الملتهبة ، بإدخالنا التضاد الكبير بين المحب الباحث عن أحبابه وبين ذكرياتهم وبقاياهم المُجسَّدة أحجاراً متآكلة ، ومخلفات ميتة ، بين مشاعره الحية وبين الأشياء اللامبالية ، المندثرة ، بين الأنا البدوية العامة الترحالية وبين شقائها المستمر بفقدان الأهل والأحبة ، بين حالتها الترحالية وبين فقدان الاستقرار . وتلعبُ المفرداتُ دورها في تزكيةِ هذه النار النصية المتوارية : البعر، الفلفل ، الأشجار الشوكية ، ناقف الحنظل المتفجر مرارة في يده وفمه ، الرسم الدارس ، الرجل الباكي . . ولكن هذه اللقطات الجزئية الراسمة بتوترٍ وومضاتٍ سريعة أشبه بالشررِ التصويري اللغوي ، تظلُ لقطات صغيرة ، مقطوعة بسياقات كثيرة ، بالترحال والبشر الساكنين ، وبتاريخِ المكان ، وبمشهدياتِ الحضور فيه ، وهذه النفثات الحارقة تظلُ عامة مُنمَّطة ، نظراً لتلك اللقطات التصويرية الجزئية الصغيرة ، والتي ستــُقطع بلقطاتٍ أخرى من مواقعَ مختلفة ، لا علاقة لها باللقطات التمهيدية الافتتاحية ، وقدرة الشاعر الكبيرة تكمنُ في ملءِ هذه الفجوات بين الأغراضِ والمقاطع وخلق حالة عاطفية منسجمة . ومن مقطع (كدأبك من أم الحويرث قبلها وجارتها أمِ الرباب بمأسلِ) ، إضافة للفجوات الانتقالية بين البكاء على الأطلال وتذكر الحبيبات ، فإن مشهدية البكاء الطللية تغاير لقطات الحب العارمة السعيدة التالية ، حيث التركيز على وصف جمال النسوة ، لكن البكاءَ يستمرُ في البيت التالي (ففاضت دموع العين مني صبابة) ، لكن مشهدية (يوم دارة جلجل) حيث كان العري النسائي المحبوب المُراقب ، ثم ذبح البعير وتوزيع لحمه على النسوة ، فهذه كلها مشهديات فرحة ، كذلك دخوله خدر عنيزة بعد ذلك ، وركوبهما معاً البعير ، فهي كلها تقطعُ موقفَ البكاء . وتأتي قولة المرأة عنيزة مفاجئة ومقطوعة ويبدو بعدها فراغ ، يقول (ويوماً على ظهر الكثيب تعذرت عليّ وآلت حَلفة لم تحلل) . فما هو مضمون هذه (الحلفة) وحلفت بأي عقيدة وبأي إله ؟ ونجدُ بعد هذا البيت قفزة أخرى ؛ (أفاطم مهلاً بعد هذا التدلل / وإن كنتِ أزمعتِ صرمي فأجملي ) . وتبدو دينية النص الجاهلي الفاحش هنا واضحة في قول تلك المرأة وهي تصد الشاعر : (فقالت : يمين الله ما لك حيلة / وما أرى عنك الغواية تنجلي) ويكمل الشاعر: (خرجتُ بها أمشي تجرُ وراءها / على أثرينا ذيل مرطٍ مرحل) . فهذه المرأة التي تهجسُ باليمين الديني العام تعبر عن كون مفردة (الله) منتشرة وأنها بدأت في الهيمنة على المناخ الديني . في الفجوات الضائعة من النص نتحسسُ وثنية احتفالية مقطوعة ، ثم نرى كلمة الإله الإسلامي ، تعبيراً عفوياً عن تصاعدِ مفهوم الإله التوحيدي . ويمضي الشاعرُ بذاتِ أدواتهِ التصويرية فهو برسمه للحدث الشخصي من خلال التذكر والحوار ، يقوم كذلك بتشكيل اللقطات الجزئية المتنامية هنا ، حيث تغدو لوحة كبيرة مترابطة ، مصوراً الأشياء الصغيرة بدقة تشكيلية ؛ فهو يصفُ الكساءَ النسائي بألوانه ، ويجسدُ المواقعَ الرملية الترابية التي يجري عليها مشهدُ الحبِ المفترض ، ويدخلُ في وصفِ الجسد الجميل عبر صورِ الأشياء الجميلة المماثلة كالمرآة ، ولون جسد المرأة الشبيه بلون بيض النعام الأبيض المُصفر المُغذى بنمير الماء ، وتشبيه أصابع المرأة بدودٍ يكونُ (في البقل والأماكن الندية) من حيث النعومة أو تشبييها بالمساويك ، وهي كلها تعبر عن تصوير الجسدي بالمادي الطبيعي الموجود في البيئة والقريب من وعي البدوي المثقف الخ . إن اللوحة الكبيرة هنا لا تشكلُ علاقة حدثية متنامية ، بل تصويراً تشكيلياً جسدياً متنامياً ، مفتوحاً على ظاهرات الطبيعة البدوية الغناء . إن ارتباطات اللوحة بالخارج الاجتماعي نادرة ، فالمرأة (نؤوم الضحى) ، وهي إشارة لعدم علاقتها بالعمل كالبدويات البسيطات ، ونورُها يشبه منارة راهب متبتل ، وهذه الإشارة الدينية هنا التي لم يقطعها الرواة الإسلاميون فيما بعد ، تؤكدُ الحضور المسيحي القوي لدى الشاعر ، فيصفُ الراهبَ بالسهر الطويل حيث تسودُ الظلمة ولا يبقى سوى مصباحه المنير . ثم يأتي إنقطاعٌ جديدٌ في المعلقة حين يصف الشاعر الليل (وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله) ، فليس ثمة علاقة هنا بالمشهد السابق ولا اللاحق ، فهو مقطعٌ مقطوع ، يتشكلُ كجزئيةٍ خاصةٍ ذات إحساسٍ مرير ، يتضادُ مع المشاعر البهيجة الاحتفالية السابقة ، ويجسدهُ بصورة الجَمل كذلك ، في حركته البطيئة ، مُصِّوراً تثاقلَ الليل بتثاقلِ الإبل في نهوضه ، فتظهر أجزاؤه ، لكن يغيب تصوير الليل بأشيائه ، فهو ليس سوى زمن بطيء ، أو نجوم جامدة مشدودة بحبال إلى جبل . إن المشاعر كما هي سابقاً تتجسدُ من خلال الصور المادية الخارجية المحيطة السائدة ، لكنها تعبرُ عن نفسيةٍ مغايرةٍ حزينة ، لكن أدوات التصوير تبقى نفسها رغم انتكاس الحالة الشعورية . إن تصويرَ الحالةِ النفسية بالمظاهر الطبيعية والكائناتِ الوحشية وأدواتِ الحضارة كالنسيج وغيره ، عملية مستمرة متداخلة ، حتى تبلغ أن يصور الشاعر نفسه بالذئب : (ووادٍ كجوفِ العير قفرٍ قطعتهُ / به الذئبُ يعوي كالخليعِ المعيلِ) . يقيمُ الشاعرُ علاقات حية بين ذاتهِ المركزية المسيطرة وبين أشياء العالم وكائناته ، فهي انعكاس لهذه الذات وتقلباتها وترحالها ، فالحالة النفسية الاغترابية الفردية الشاعرة بنفسها في حالة دخول في عالم صعب ضيق مرير ، تتجلى عبر الوداي الذي يغدو كجوفِ الحمار بما توحي هذه الصورة العنيفة من وساخةٍ وتعفن وصعوبة ، ومن توحش للمكان ، ولم يكتفِ بهذهِ الصورة البالغة القوة بل أضافَ إليها صورة الذئب يعوي جائعاً ! ومرة أخرى تطلُ صورة اجتماعية نادرة أخرى في المعلقة حين يشبه الذئب بالخليع ، وهو الفقير الذي فقد كل شيء عنده ولديه أسرة تصرخ بطلب القوت والنفقة ! بيتٌ هو أشبه بلوحة كبيرة ، وتغدو ذات الشاعر المركزية ترينا جوانب منها عبر كسرات من المرايا الساطعة ، فنرى توحدها وعذابها واغترابها فيغدو الآخر والشيء تصويراً للأنا ، لكن الشاعرُ (يخرجُ) فجأة من هذه الذات المحورية عبر الحوار الأصم مع الذئب: (كلانا إذا ما نال شيئاً أفاته / ومن يحرثْ حرثي وحرثك يهزلِ) إن الشاعرَ يسقط ذاتَهُ على الذئب ، فهو يحولهُ إلى صدىً لنفسهِ ، بطبيعةِ الذاتِ المتمركزة التي يمتلكها ، فالذئبُ الذي لا يملكُ أيَّ شيءٍ في هذا الوادي باحثاً عن كسرةِ عظم ، مثله مثل هذا الأمير الذي يمتلكُ الكثيرَ من الأشياء ويبعثرها بسببِ نهمهِ للملذات ، فهو لا يراكم بل يبعثرُ ويهزل مادياً رغم التضخم في الذات ! وسرعان ما ينتقلُ أو ينقلهُ الراوة ، إلى مقطعٍ جديد حركي هو الآخر لكنه بهيج ، مليء باللوحات عن الفرس ، الذي يعبرُ عن ذلك التضاد مع (الذئب الشعبي) رمز الناس الغائبين في هذا الشعر . (وقد اغتدي والطيرُ في وكناتها / بمنجردٍ قيدِ الأوابد هيكل) فالشاعرُ يخرجُ صباحاً ، مُصوِّراً ذلك في صورةٍ جزئيةٍ ثانوية ، لكن همهُ التصويري هو في تشكيل لوحات للفرس ، فالفرس هي كالمرأة الحبيبة الجميلة التي ترافقُ حياته ، ولا بد أن تـُصور بما فيها من خصائص جمالية ، من سرعةٍ وقوة وضخامة ورشاقة ، وتتوجه اللوحاتُ لتصوير الحركة الفائقة في هذه الفرس عبر الصورة الحركية من الطبيعة في لقطة الشلال وهو يقذفُ بصخرة للأسفل ، كما أن راكبهُ يزلُ من عليهِ كما يزلُ الحجرُ الأملسُ المطرَ المتدفق فوقه . وهو سابحٌ في الجري إذا ما تدفقت الخيولُ حوله وأثارت الغبار ! لوحاتٌ مستمرة متضافرة تنمو وتتشكلُ عبرَ مواد الأرض الطبيعية ، ولا يجد هنا من صورة اجتماعية للفرس سوى (الخذروف) وهي لعبة الأطفال الحجرية المثقوبة والتي يوضعُ خيط فيها ويحركها الصغارُ حول رؤوسهم بسرعة شديدة . أو يشبه أجزاءه بأجزاء من حيوانات لها خصائصه الخ . مقطوعاتٌ جزئية ذات موضوعاتٍ مختلفةٍ ، تتناسجُ مع بعضها بفعل الشاعر الراوي ، وبفعل الوزن والقافية الموحدين ، لكن في هذه المقطوعات أزمنة مختلفة ، وأمكنة متباعدة ، وموضوعات شتى متعددة النواحي والمناخات والاهتمامات ، يجمعُ شتاتها الشاعرُ عبر أناه حيث تدور كلها عبر اهتماماته العاطفية المتأججة بجسد وعلاقة غريبة غير مألوفة ، شبه مرضية ، ثم تنغمرُ هذه الذاتُ المأزومة في الخارج الشيئ ، حيث اللهو والكائنات الجميلة التابعة لها ، لكنها تعجز عن علاقة صحية ما ، وتـُبهر بالظاهرات العجيبة ، وبكرم هذه الذات ، وهي كلها تشير إلى سيطرة الذات المركزية على الأشياء المصوَّرة ، وتغييبها لحركيتها الخارجية المستقلة ، وعدم رؤيتها في ذواتها ، فتلامس الخارج من الأشياء ، فتبدأ من الأنا وتنتهي بالأنا والحصيلة رويٌ طبيعيٌ خارجي جميل يعكس ذات مركزية متضخمة . ولهذا فإن هذه الذات المركزية حين جاءت للصراعات الاجتماعية ، وتصير في قلب هذه الصراعات سوف تعبرُ عن ذات النظرة في مجال آخر ، في مجالٍ مفضوحٍ ، أزيحتْ منه غلالات الجمال الطبيعية وتصوير أشيائها الفاتنة ، لتظهر الذات على حقيقتها : (عجبتُ لبرقٍ أهـــلّ / يضــيءُ بأعلـــى الجبـــلْ أتاني حديثٌ فكذبتهُ / وأمرٌ تزعزعُ منــه القـُــلل لقتل بني أسدٍ ربها / ألا كـــلُ شيء سواهُ جـــلل فأين ربيعة عن ربهم / وأين السكونُ، وأين الحَولْ ألا يحضرون لدى بابه / كما يحضرون إذا ما أكــلْ) (3) لا تختلفُ هذه الأبياتُ عن أي نسجٍ عاديٍّ في الشعر الجاهلي ، فليس ثمة تلك الغنائية المتوحدة بحركية الطبيعة ، بسبب أن الذات في حالة أزمة واسعة ، فنجد أن البرقَ الذي يضيءُ بأعلى الجبل فيحركُ الأحجار لكن الشاعر لا يكشف دراما القتل ولا يصورها ، ولا يتتبع قصصها أو جذورها ، وهي بمثل ضخامة قتل ملك مهيمن على قبائل كبيرة عديدة ، في رقعة جغرافية واسعة . ما يسيطر عليه هو أن المقتول هو أبوه ، وهو ربُ هذه القبائل ، فتغدو الطبيعة خاضعة للحدث الأسري الخطير ، لكن البشر لم يخضعوا لنفس الحدث ، بل أن بعضهم شارك في هذه العملية ، في حين أن قبائل ربيعة ليست متحمسة ضد (الجريمة). وتعبر مفردة الرب هنا عن ضخامة الحاكم ، وتوحده بالآلهة ، وبهذا فإنه ينقطع عن أبناء التراب ، وتغدو هذه الربوبية القبلية مسيطرة على وعي الشاعر فيتماهى بها بدلاً من أن ينسلخ عنها ويراها كمأساة متعددة الأبعاد . والشاعر تجاه هذا الحدث يقولُ المقاطعَ الصغيرة ، كهذا المقطع ، لسيطرةِ تلك العاطفة – الموقف عليه ، ولعمله الشعري السابق الطويل المخصص في علاقة الذات باللهو والصيد والحب . ومن هنا فهو في عمق هذه المأساة يواصل قصائد الغزل المطولة التي يعودُ فيها لذات الغنائية السابقة ، كالقصيدة التي يقول فيها : (أحارِ بنْ عمروٍ كأني خِمرْ / ويعدو على المرءِ ما يأتمرْ فلا وأبيك، أبنة العامري / لا يدعي القومُ أني أفــــــــر تميم بن مرٍ، وأشياعها / وكندة حولي جميعاً صبــــرْ إذا ركبوا الخيلَ، واستلاموا / تحرقتْ الأرضُ، واليوم قرْ تروحُ من الحي أم تبتكر / وماذا عليك بأن تنتظــــــــرْ) إن الشاعر يخاطبُ رجلاً اسمه الحارث بن عمرو فيصف نفسه بأنه في حالة (خِمر) أي يعيش بقايا السكر ، ولم يعد كأنه قادر على السيطرة على نفسه ، وهي صورة تحليلية ذاتية مستقاة من خبرته الطويلة ، ولكنه على العكس من هذه الحالة الرجراجة لا يهرب من ميدان القتال ، خاصة وهو في قبيلتي تميم وكندة . ولكن هذه الحالة القتالية الحوارية لا تتوجه لتحليل مثل هذا الحدث الجلل ، بل يعود إلى اهتماماته الذاتية العاطفية : (وهرٌ تصيدُ قلوبَ الرجالِ / وأفلتَ منها ابنُ عمرو حُجُرْ رمتني بسهمٍ أصاب الفؤاد / غداة الرحيل، فلم انتـــصر فأسبل دمعي كفضِ الجُمانِ / أو الدر رقراقهُ المنحـــدرْ) ،(4) إن الشاعر يصفُ (هراً) مركزاً عليها قاطعاً شخصها من ذلك الحوار ، ومن مشاهد الحروب المتتالية ، فخرج من الدرامية أو الملحمية المحتملة في مثل هذه المشاهد العامة الصراعية الكبرى ، وعاد إلى لقطاته الشخصية الجزئية ، متتبعاً جمال المرأة بشكلٍ مطولٍ وتفصيلي : (وإذ هي تمشي كمشي النز / يفِ، يصرعه بالكثيب البهرْ برهرهة، رؤدة، رخصة، كخرعوبةِ البانةِ المنفطـــــر) يصورها كسكران فتمشي كمن فقد عقله واضطرب ، وهي رقيقة الجلد ، لدنة ، تمثل شجر البان وقد أنشق وأخرج ورقه ، وهي صور مستمرة معبرة عن هذه الحالة الذاتية المندغمة في حالتها المركزية الشخصية ، وبهذا التوله في المرأة ومتابعة أدق حالات جسدها ، ثم يخرجُ من المرأة بعد أن ارتوى إلى القنص : (وقد أغتدي ومعي القانصان / وكلٌ بمــــــــــربأةٍ مقتفر فيدركنا فغمٌ، داجــــــــــنٌ، / سميعٌ، بصيرٌ، طلوبٌ، نكر) وبذات الخروج الصباحي المبكر يمضي الشاعر إلى الصيد ومعه القانصان ، وكل واحد من الثلاثة مشرف فوق جبل أو مكان مرتفع على الوحش ، ويدركُ الثلاثة كلبٌ سميع بصير مجرب للصيد . هكذا فإن الشاعر في غمرة عمله من أجل الانتقام من قتلة أبيه ، يواصل هوياته الخاصة ، فينغمرُ فيها ويكون لديه وقت لها ولوصفها ، ثم يعود لحربه ، دون أن تكون لهذه الحرب قصائد كاشفة أو محللة ، فتبدو ثمة هوة بين الخاص والعام ، وهذه الهوة سببها سيطرة الذات المركزية بغنائيتها ذات الأدوات السابقة الذكر ، التي جعلت الآخر من قبائل عدوة ومن جذور تاريخية واجتماعية لهذا الصراع تتوارى ، فهي مغيبة ، وملغية ، فلا توجد سوى الأنا وثأرها وحالة تملكها . طرفة بن العبد تدور معلقة طرفة بن العبد حول تداعيات شاب متجذر في مباهج الحياة ومساعدة الناس ، وهذان الجانبان غير متناقضين ، لكنهما يصبحان كذلك إذا حدث تطرفٌ في طلب تلك المباهج بحيث تؤدي إلى تحلل شخصيته ودمارها . وطرفة في معلقته يقدم شخصَهُ وما ينتفعُ به من حيوان وأشياء وعلاقات ، فهو بؤرة العالم ، وعبر رؤيته الذاتية يتجلى الخارج . وهو كأمرئ القيس يعبر عن الصور الحسية بصورٍ أخرى ، وامضة ، دقيقة ، فاتنة ، فيوسع دائرة الأشياء المكتشفة . وعبر تضاريس منطقة البحرين ، الجامعة بين البحر والصحراء ، يشكلُ صوره : (كأن حدوج المالكية غدوة / خلايا سفين بالنواصفٍ من دد عذولية أو من سفين ابن يامن / يجورُ بها الملاحُ طوراً ويهتدي (5) فهو إذ يصورُ القافلة يجمعها بالسفينة وهي تمخرُ عبابَ البحر ، فكأن الرملَ بحرٌ ، ويتداخل هذان الأفقان في الرؤية الحسية للشاعر ، كما تتداخلُ ظواهرُ الحياة الأخرى الصغيرة ؛ لعب الأطفال بالرمل وشقهم إياه ، وتغدو هذه الظواهر الجزئية عابرة ، في حين تتصدر الناقة المشهد الشعري بمساحةٍ وقوة كبيرة ، فهي أداة الحياة بين البحر والبر ، وأداة التوغل في البحر الرملي اللامتناهي . تصيرُ الناقة مرآة الوجود ، فالشاعرُ يقتحمُ كلَ جزئياتها ، واصفاً قوتها وسرعتها ، فتلتحمُ بالنسور والظباء ، بل وتتداخلُ بظواهر حياتية أخرى كالسفن التي تشق عباب دجلة ، وبقناطر الرومي المجصصة ، وبالقراطيس والمرايا ، وكل هذا يشير إلى علاقة التداخل بين رحيل الشاعر والمظاهر الحضارية التي تومضُ عبر ذاتيته الصحراوية المحورية . وأحياناً تبلغ عملية التصوير حداً كبيراً من الدقة والاتساع والغرابة : (وعينان كالماويتين أستكنتا / بكهفي حجاجي صخرةٍ قلتِ موردِ) . فعينا الناقة تغدوان كمرآتين بكهفين عظميين في بقعة مائية في جبل . هذه الصورة المركبة تتشكلُ من هذا الرحيل الدائم ، وبتحسس الطبيعة ومظاهرها برهافةٍ شديدة كما يفعل أمرؤ القيس ، وعبر بناءٍ متنام متناسق ، وبطبيعة الحال هنا مبالغة مطولة في مشهد الناقة ، وكأن المشهدَ تعبير عن اغتراب طرفة ، فنحن لا نجد هذا الحبَ الكبيرَ للإنسان كما نجدُ هذا الحبَ للناقة ، وكأن علاقته بالمجتمع هامشية ، في حين أن علاقته بالناقة محورية . فلا يوجد مع معانقة الناقة تضاد ، لكن حين يتجلى المجتمع في هذه الرؤية الذاتية الاغترابية تتكاثر الصدامات والصراعات ، فما أن يتجاوز البرية وتتوارى الناقة حتى يشكلُ ردوداً على الآخرين ودفاعاً عن الذات وخياراتها : (فإن تبغني في حلقة القوم تلقني / وأن تلتمسني في الحوانيت تصطد) . فهو يقدمُ لنفسه لوحة متوازنة بين المواقع الاجتماعية المختلفة ، سواءً بوجودهِ في مجالس القوم وما يتطلبُ ذلك من صرامةٍ وجديةٍ ، أو تجدهُ في الحانات كذلك ، وهو أمرٌ ممكن ، ولكنه في حالةِ طرفة يبدو غير حقيقي ، وهو دفاعٌ عن شخصية غير متوازنة ، فما يلبث أن يغور في مظاهر اللذة والأنس التي يقدمها مُختزلةً كذلك ، مركزة على الخمرة والمرأة والغناء ، وهذا جانبٌ احتفالي مستمر الحضور كذلك لدى الشعراء الجاهليين . لكن الموقف المتوازن الذي يدعيه الشاعر بين مواقع الجدية ومواقع الأنس ، يتداعى بسرعة ، ويأتي صدى ذلك من الخارج ومن انتقادات الآخرين ، وكأن الأمر غير موضوعي ، وأن الذات محور العالم الشعري هي صوت الحقيقة دائماً : (إلى أن تحامتني العشيرة كلها / وأفردتُ إفرادَ البعير المعبد رأيتُ بني غبراءَ لا ينكرونني / ولا أهلُ ذاك الطراف الممددِ) إن سلوكه المستهتر استدعى تجنبه من قبل العشيرة التي تؤدي تصرفاته إلى المسِ بسمعتها ، ولهذا فأنها تتجنبه وتعزله ، ومع ذلك فهو يعتقد بأنه على حق ، وأن الفقراء والأغنياء لا ينكرونه فقد أجمعَ على تفردهِ وانسجامه كلُ الناس ! وتتحول دعوة الأهل الأخلاقية لكي يتوازن ، في رؤيته الفردية ، إلى أن يحولها إلى مسألة وجودية وإلى تضادٍ مطلقٍ بين الحياة والموت ، بين اللذة والفناء . وهو أمرٌ يعبرُ عن عدم قدرته على ضبط جموحه ، وتحجيم سكره الدائم ، فيناورُ في مجالٍ آخر ، مختلف ، لكي يبررَ لذاتهِ بأنها على حق في غلوها : (فإن كنتَ لا تستطيعُ دفعَ منيتي / فدعني أبادرها بما ملكتْ يدي) فهو يذهبُ للموت بسرعةٍ شديدة ، معتبراً النصيحة عاجزة لأنها لا توقف الموت ! كذلك فإن النصيحة بأن يخفف إسرافه تصيرُ مقارنة وجودية بين الحياة والموت ، وتساوي كل أنواع البشر في مجيء العدم الحتمي ! (أرى قبرَ نحامٍ بخيلٍ بماله كقبرِ / غوي في البطالة مفسدِ) إنه قول حقيقي ولكنهُ مستلٌ من شبكة الموقف ، وهو إسقاط ذاتي ، وهذا الاسقاط يتحول إلى تعميماتٍ فكريةٍ عميقة كذلك ومفصولة عن الموقف الذاتي المتراجع : (لعمرك أن الموت ما اخطأ الفتى / كالطول المرخى وثنياه باليد !) وهكذا فإن الحماقة والحكمة تجتمعان ، والمغامرة والشجاعة تتضافران ، ولكن المعلقة تتكرسُ حول هذا الصراع الذاتي بينه وبين أهله على السلوك وعلى ظلمه وأخذ حقه المادي ، في حين أن صراعه السياسي مع حكم المناذرة لا يتجلى ولا يتجسد ، مما يشير إلى إنشائه للمعلقة جاء في الفترة الأولى من حياته ، مما جعل المعلقة تتركز حول (الذاتي) ، وهو ذاتي به صراعاتٌ شخصية – اجتماعية كثيرة ، غير أنه لا يوفر أساساً لمدى ملحمي كبير . وهو يقدمُ ذلك من خلال أداتهِ الفنية التصويرية التي تجسدُ الصراع الذاتي داخل الأسرة وداخل ذات الشاعر بأشكالٍ تجسيدية نابضة ، وهو في تصويرهِ هذا الصراع يلجأ للحوار الداخلي والحوار الخارجي وإلى بناءٍ مشاهد قصصية صغيرة داخل البناء الشعري . (فمرت كهاتٌ ، ذاتَ خيفٍ ، جلالة / عقيلة شيخ كالوبيل يلنددِ) يقولُ وقدْ ترَّ الوظيفُ وساقها / ألستَ ترى أن قد أتيت بمؤيدِ وقال ألا ماذا ترون بشاربٍ / شديدٍ علينا بغيــــهُ متــــعمدِ ) ( معاني الكلمات : يلندد : شديد الخصومة ) إن صراعَهُ مع الشيخ الشديد الخصومة يتفجرُ حين يعتدي طرفة على ناقته ، ولكن طرفة يصورُ الموقفَ ومقالة الشيخ بموضوعية ، فهو يأتي بقولهِ ، ويصفُ ناقتـَهُ العظيمة المُصابة ، ونتائج هذا ، ويعبرُ الموقفُ القصصي هنا عن هذه العدسةِ الدقيقة في تصويرِ الشخصيات ، وتسجيلِ الحوار ، لكن يحدث القطعُ بعد هذا ، وعدمُ نسجِ هذه اللقطة بلقطاتٍ أخرى ، بل تتوجهُ القصيدة نحو البوح الذاتي : (فإن متّ فانعيني بما أنا أهلهُ / وشقي عليّ الجيبَ يا ابنة معبد) إن هذه الحالة المريرة من سكرٍ وضنى وصراعٍ وفقر تجعلهُ يرنو للموت دائماً ، مرة بشكلِ حكمةٍ تبريرية ، ومرة بشكلِ تنبؤ ، واستعطاف ، وهذه الحالة النفسية الحادة لا تجعل من التصويرِ القصصي المتجهِ للمحلمية ممكناً ، فهي تكتفي بمقطعٍ تصويري وامض غني في تكوينه ، ثم تتبعهُ بحالةِ بوح وفخر وهجاء متعددة : (فلو كنتُ وغلاً في الرجال لضرني / عداوة ذي الأصحاب والمتوحد ولكن نفى عني الرجالُ جراءتي / عليهم ، وأقدامي وصدقي ومحتدي) . وإذا كان لهذا التوتر العنيف الذي يعيشه أسبابه مع الأهل ، فما سببُ ظهورهِ واحتدامه مع الناس ؟ وهو توترٌ عامٌ لا يتجسدُ كما تجسد في الصراع مع الأهل أو مع الشيخ الوبيل اليلندد ، من وجهة نظر طرفة ، بل يظهرُ بشكلٍ ذاتي كلي ، لا بأدلة ، فقد وصلَ إلى ذروةِ توزيع الأحكام المتدنية على الآخرين ، في لغةِ الذاتِ المندفعة في تسجيلِ عظمتها الخاصة ، ثم يختم المعلقة بحكمٍ كاملة مقطوعة السياق عن السابق ، تمثل وصوله إلى (كمال العقل): (ستبدي لك الأيام ما كنتَ جاهلاً / ويأتيك بالأخبار من لم تزود ويأتيك بالأخبار من لم تبعْ له / بتاتاً ولم تضرب له وقت موعد) إن هذه الحكم التي يختمُ بها المعلقة تعبرُ كذلك عن فوضويةِ الحياة كما تتجسد لدى طرفة ، فأمورُ نفسهِ مبلبلة ، وقواهُ متضادة ، ولهذا فإن الأخبارَ – العلمَ تتشكلُ من هذه الفوضى غير المُسيطر عليها في العالم ، في خارج الذات ، وهو إذ يخاطبُ الإنسانَ السامعَ العام ، مرتفعاً فوقه ، يعبرُ كذلك عن مشاعره الداخلية ، وإنه سوف يشهدُ أموراً ليست كما يريد ، لأن الحياة مليئة بالمفاجآت ! وطرفة ليس محصوراً منغلقاً في ذاته ، لكن تكوينه المضطرب لا يستطيع أن يحلَ تناقضاته الحادة ، فهو (اجتماعي) بقوة وذاتي بقوة أكبر ، فيساهم في المشكلات والصراعات الاجتماعية السياسية ، من جانب مساعدة الفقراء ، ومواجهة نظام المناذرة والدخول في صراعاته : (أبلغ قتادة غيرَ سائِلهِ / جزلَ العطاءِ وعاجلَ الشـَّكمِ إني حمدتك للعشيرة إذ / جاءت إليك مـــُرقـَّة العظمِ القوا إليك بكل أرملةٍ / شعثـــاءَ تحملُ مُنقع البُرم ففتحت بابك للمكارم حي / ن تواصتِ الأبوابُ بالأرم) إنه يوجهُ الثناءَ هنا لأحدِ أغنياءِ عشيرته ، لأنه فتحَ أبوابَهُ من أجل مساعدة الجياع ، وهو يصورُ ذلك عبر هذه اللقطة الدقيقة المُعبرة المجسدة للأرامل المشعثات الشعور ، حاملات القدور الفارغة المتوجهات بها لبيتِ الرجلِ الميسور ، ثم أن البابَ يُفتح للعطاء في حين كانت بيوتُ الأغنياء الأخرى مغلقة . إن الوعيَّ القرابي ، يدفعُ الشاعرَ هنا ليكون جزءً من العشيرة ومن تحسسِ آلامها ، فلا بد أن يدفعهُ ذلك للتعاطف مع أغلبيتها المحرومة ، في حين لا يجد هذا الصدى في نفسه تجاه الأقلية التي أوصدت أبواب بيوتها وذواتها . ويقول الدراسون بأن طرفة انخرط في صراعات حكم المناذرة : (وهناك سبب آخر دفع طرفة إلى هجاء عمرو بن هند ، وهو قصة إبل كانت له بتبالة سُرقت واستبيحت ، ويتهم طرفة زوج أخته عبدعمرو بن بشر بأنه يقف وراء استباحة الإبل وسرقتها وكذلك عمرو بن هند على الرغم من أن هذه المنطقة كانت في إقليم قابوس ، وكان قابوس وعمرو ابن قيس الشيباني يليان هذا الإقليم . فكانت هذه الواقعة سبباً من أسباب هجائه عمراً وقابوساً) ، (6) . وهذا سببٌ ذاتي إضافي يهيجُ من يمتلك تلك الذات الحساسة التي لا تقبل نقداً ، فكيف بسرقةِ أرض ، وهو أمرٌ يتداخلُ مع نظامٍ أقيمَ على هذه الأسس تجاه القبائل العربية اللقاحية . كذلك قيل بأن ثمة مشاركة لطرفة مع أخ الحاكم عمرو بن هند وهو عمرو بن أمامه في التمرد عليه لا بد أن تكون سبباً إضافياً في نقمة عمرو بن هند على طرفة ، (7) ، لكننا ندهشُ من مشاركة طرفة في تمرد ثم يكون نديماً للملك دون أن يعرفَ الحاكمُ بذلك إلا من خلال نديم له ! يقولُ في هذا النقد : (فليتَ لنا مكان الملك عمرو / رغوثاً حول قبتنا تخورُ لعمرك إن قابوس بن هند / ليخلط ملكهُ نــــوكٌ كثير قسمتَ الدهر في زمنٍ رخي / كذلك الحُكم يقصدُ أو يجورُ لنا يومٌ وللكروان يومٌ تطير البائســـات ولا نـــــطيرُ فأما يومهن فيومُ نحسٍ تطاردهن بالحـــــدب الصقور وأما يومنا فنظل ركباً وقوفاً ما نحلُ وما نسيرُ ) ، (8) (رغوث : نعجة) وكما في شعره الآخر فإن طرفة يصورُ النقدَ في لقطاتٍ ساخرة هنا ، فهو يتمنى أن يكون للناس بدلاً من الملك نعجة تصوتُ ، أما اخوه قابوس فتخلط سيطرته حماقاتٌ كثيرة ، وقد جعل الملكُ للطيور يوماً تطيرُ فيه في حين يتجمد الناس في مواقعهم ممنوعين من الحركة ، فيبدو النحس للجانبين الطيور التي تطير فـُتصاد وللبشر المشلولين ! ولا شك أنه من الصعب أن تكون هذه القصائد لطرفة أو أن يكون قد قالها وهو في ضيافة الملك وأسرته ، مثلما تدور أقاصيص شعبية كثيرة حول قصر المناذرة كما سيروي القصاصون ، وهو مورد هام لتطور جنس القصة مثه مثل المصادر العربية القبلية والسياسية القديمة ، لكن من الممكن أن تكون قيلت دون أن تنتشر ، أي قيلت في نطاقٍ ضيق ، وهو أمرٌ جائز لكنه غير محسوم . ومهما كان فهذه الأبياتُ الرسمية الكاريكاتيرية تعبرُ بأسلوب رشيق هنا ، وبشكل تصويري ساخر ، لا شك أنه تخففَ من بدويته القوية السابقة ، ولكن يظل في خانة المقطوعات القصيرة كالعادة ، ولا تعطي هذه التجربة السياسية – العسكرية التمردية أية آثار شعرية على النسج ، فيظل الشاعر في أناه الكبيرة ، ولحظات إنتاجه الوامضة . ويتداخلُ هذا الجانبُ الذاتي غير الموضوعي بجانبٍ ذاتي موضوعي ، حيث يقوم بعضُ أهله بسلب حقه المادي ، فيتشابك الجانبان في خلق مرارة ووحدة وغربة ورحلة من أجل المال وعلو الذات ، وفي تصاعد الذم من جهة وتصاعد المدح من جهة أخرى ، وهما غرضان يعبران تقزم الذات في المواجهة . وهو يعبرُ عن ذلك بالحوار الذاتي والخارجي ، فمراراً يخاطب نفسه ، ومراراً يخاطب الآخرين ، ويصور أقوالهم ومواقفهم . معلقتا الصدام القبلي (ذكروا أن عمرو بن هند أصلح بين بكر وتغلب ، فأخذ من الحيين رُهُناً من كل حي مائة رجل ، وألف من أولئك كتيبة تسير معه في مسيره .. وذات يوم ذهبت الكتيبة في شأنٍ من شؤون الملك فأصابتهم ريحٌ سموم في بعض مسيرهم .. فغضبت تغلب واتهمت بكر بالتسبب بمقتل التغلبيين وطالبت بالدية ورفضت القبيلة الأخرى فعرضوا الخلاف على ملك المناذرة .) (9) ، وصار ملك المناذرة في زمن الصراع بين القبيلتين هو القاضي . كان المدافعُ عن قبيلةِ بكر هو الشاعر الحارث بن حلزة ، وكانت قبيلته في تحالفٍ مع مملكة المناذرة في هذا الوقت الذي ألقى فيه الشاعر الحارث قصيدته على مسامع الملك عمرو بن هند كما يُقال في التاريخ الثقافي المشبع بالصراعات الحقيقية وبالحكايات الشعبية . والحارث بن حلزة رجلٌ هادئ حكيم مجرب ، يشكلُ قصيدتـَهُ بروحِ القائد القبلي المسئول ، ومن هنا فمقدماته الغزلية والطللية هادئة ليس فيها شجن كثيف أو حرقة عاطفية حادة بل هي تمضي بما يشبه الرتابة: (آذنتنا ببينها أسماءُ / ربَّ ثاوٍ يملُ منه الثواءُ آذنتنا ببينها ثم ولت / ليت شعري متى يكون اللقاء) بعد هذا الافتتاح تأتي تعددية الأمكنة التي تهاجر وتلوح فيها الحبيبة : (بعدَ عهدٍ لها ببرقةِ شما / ء فأدنى ديارها الخلصاءُ فمحياة فالصفاحُ فأعلى / ذي فتاقٍ فعاذبٌ فالوفاءُ) ،(10) إنها أمكنة متعددة من هضابٍ وجبالٍ وأودية وروابي الطين والرمل وهي كلها تعبرُ ليس عن ترحال المرأة الحبيبة فقط بل عن ترحال القبيلة الصوت الجماعي للشاعر . وليس هناك صوت ذاتي مستقل وواضحٌ ، فأسماء بلا خصائص ذاتية ، مجرد رمز للأنثى ، ثم تتحول إلى هند شخصية أنثوية أخرى وعبر أمكنة ترحال جديدة ، ولكن الأنثى الجديدة مثل القديمة مجرد رمز . والشاعرُ الكهلُ لا يرى هذه الرموزَ مبعث انتفاضة عاطفية ما ، بل هي مواقعٌ مجسدة لمعاناة مضمرة للمحبوب والقبيلة في الأرض القاحلة الصعبة . تأتي الناقة بعد ذلك تكويناً أنثوياً تعويضياً عن الأنثى الغائبة ، لكنها أنثى مغايرة ، فهي مادة التسلية الترحالية وأداة الاتصال بالأنثى الغائبة ، وبكلِ الحياة ، وصفاتُ الناقةِ مغايرة للمرأة الأنثى ، فهي على العكس نحيفة ، مثل النعامة ، وإذا كانت المرأة الأنثى مغيبة عن الوصف الحسي وعن العلاقة العاطفية الحميمية ، فإن الأنثى الناقة موصوفة بكل خصائصها . وهذا الاغترابُ واستبدالُ الإنسان بالحيوان هو شكلٌ من أشكال هيمنة الذكورية ، والعلاقة القوية بهذا الكائن الأقرب للرجل والذي يحققُ الانتصارَ على الأرض ، والشاعر سرعان ما يتحول كذلك إلى بؤرة المعلقة وهي الصراع بين بكر وتغلب ، وحين يصل إلى بيت القصيد فهو أيضاً يعرضهُ بشكل متروٍ ، ويبدو الحدث في البدء على شكل اتهامات قادمة ( وأتانا عن الأراقم أنباءٌ / وخطب نـُعنى به ونــُساءُ ) ، فقبيلته ليست متعدية وإنما تعيشُ بمسالمةٍ لكنها ترد الاعتداء بقوة ، فتغدو الأبيات الشعرية دفاعاً سياسياً نثرياً ، تسلسلُ الموقفَ السياسي الصراعي بعرضٍ متوازن متصاعد ، ليس فيه مجال لانفجارات العاطفة . (زعموا أن كلَّ من ضرب العي / ر موالٍ لنا وأنا الولاءُ أجمعوا أمرهم بليل فلما / أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء من منادٍ ومن مجيب ومن تص / هالِ خيلٍ خلال ذاك رُغاء) إنه في وصفهِ للمعركة يمتازُ بذاتِ الحس الدبلوماسي فهو يصفهُ بنفسِ الهدوء والبرود ، وسرعان ما يقطعُ الوصفَ بنداءاتٍ مباشرة ، تمنعُ تصويرَ الطابع الصراعي المجسد ، وتحيلُ الشعرَ مرة أخرى للمنطق البارد محيلاً القبيلة إلى الذات المركزية الشعرية المتضخمة ، فهو لا وجود خاص له بل الوجود للقبيلة : (فبقينا على الثناءة تنمي / نا حصونٌ وعزةٌ قســـــــــــعاءُ وكأن المنون تردي بنا أر / عن جوناً ينجابُ عنه العماءُ) فالشاعر لا وجود شخصي له ، بل هو فم القبيلة الناطق ، بجدودها الذكور الذين يتماهون مع الدهر والجبال ، وحين يمزجُ الشاعرُ الفخرَ الجماعي الاجتماعي بشيءٍ من التصوير الطبيعي (ينجابُ عن العماء) ، جاعلاً الذات القبيلة جبلاً والأعداء مثل الغيم الرقيق ، فهو يعبر عن الصلابة اللامبالية بالرهافة . وهكذا فإن القبيلة تغدو متحدثة ، تتجسدُ أيامُها ونشاطـُها في المكان ، وتصيرُ هي صانعة الانتصارات والأمجاد التي ليست هي سوى غزو قبائل أخرى أو امتلاك السبايا : (إذ رفعنا الجمالَ من سعفِ البح / رينِ سيراً حتى نهاها الحساءُ ثم ملنا على تميم فأحرم نا وفيــــــنا بنــــــــــــاتُ مرًّ إماءُ ) يعبرُ الضميرُ الجماعي عن حراك قبلي عسكري يتجاوز الحدودَ ويتوغلُ في المناطقِ القبيلة الأخرى ويشحنُ الغنائمَ المادية ويصلُ للبحر ، ويهاجمُ قبيلة أخرى ويغنمُ غنائمَ بشرية ، وتتحولُ القبيلة مخترقة المكان والزمان ، وتردُ على ضربات القبائل أو تغزو في عقر دارها ! لكن الشاعرَ الدبلوماسيَّ سرعان ما يعود إلى لهجة الحذر والهدوء ، مادحاً ملك الحيرة (المنذر بن ماء السماء) ، داعياً قبيلة تغلب إلى العودة لحلف المجاز ، وإلى السكون والتبعية لملك المناذرة . ثم يعدد هجمات القبيلة وانتصارتها ، ونرى لوحة واسعة من هجمات ضارية وصراعات حادة ، وهي كلها وصف لعمليات كر وفر قبلية ، تغدو فيها القبيلة الأنا المركزية هي بؤرة الوجود الصحراوي . (ليس منا المضربون ولا قيس / ولا جنـــــــدل ولا الــحداءُ أم علينا جرى إيـاد كما قي / ل لطسم أخوكــــــــــم الأباء عنَـناً باطلاً وظلماً كما تـُع / ترُ عن حجرة الربض الظباء) يغدو الشاعر صوت القبيلة أداة ذاتية غير موضوعية ، فهو مع القبيلة في مواقفها ، فهو يعيرُ فخذاً من تغلب أسمه المضربون ضُرب بالسيوف ، ثم يرفضُ الشاعرُ أن يتحمل معارك أياد ضد كسرى وهزيمته ، فهو عربي لكنه لا يقيم وزناً هنا لصراع قبيلة مماثلة ضد عدو مشترك ، ثم يستنكر أن تتحمل قبيلته (أخطاء) القبائل الأخرى ، مثلما يفعل الرجل الذي ينذر أن يذبح شاة عن كل عشرة شياه ، فيبخل بذلك ويصطاد غزالاً ويذبحه نظراً لبخله . هذه من الفلتات الصورية الوثنية التي فاتت مقص الرقيب الإسلامي الراوي الجماعي بعد ذلك ، فالرجل الذي يذبح (العتيرة) وهي ذبيحة تــُقدم في رجب للآلهة تكثيراً للقطيع ، وهي طقسٌ وثني لا يتناقض هنا مع ذكر كلمة (الله) التي تأتي في مقطع آخر معبرة عن تنامي حضور مفردة الإله الواحد في هذا العالم الوثني كذلك . فالطقوسُ أو الكلماتُ الدينية ، كلها تعيش في مناخ القبيلة ، وتستثمرها في عاداتِها الاجتماعية القديمة الراسخة ، أو في علاقاتها مع المؤمنين النصارى واليهود ، حسب كل لحظة وموقع ، فالأفكارُ تـُجيشُ كذلك للقبيلة وحياتها ، والشاعر الذي يذكر الله هو نفسه الذي يتشهد بالصور الوثنية ويدغمها ببساطة في نسجه الشعري الخطابي . * * * أما معلقة عمرو بن كلثوم فهي نشيدٌ حماسيٌّ صاخبٌ ، يعاكسُ البناءَ الهادئ لمعلقة الحارث بن حلزة ، وكأن علاقة التحالف لقبيلة بكر مع المناذرة انعكست على صياغة تلك المعلقة ، في حين جاءت معلقة عمرو بن كلثوم من الموقف المضاد ، بل من موقع الهجوم الحاد . هذا الجو الحماسي الدرامي لهذه المعلقة جعلها تشذ عن بقية المعلقات ، وتقتربُ من أجواءِ الطقوس الوثنية القديمة الصاخبة ، المفعمة بروح الشراب والاحتفالية . (ألا هبي بصحنك فاصبحينا / ولا تبــــقي خمور الأندرينا مشعشعة كأن الحص فيها / إذا ما المـاءُ خالطها سخينا) إن كلمة (الهبة) في بدء القصيدة تلقي بشحنتها على اللغة ، فيغدو كأسَ الشراب صحناً ، وهو كأس كبيرة ، وتندفعُ أفواهُ الشاربين فلا تبقي أروع الخمور ، وهي تتدفقُ في تلك الكؤوس متفجرة مشعشة يشتعلُ (الحص) فيها وهو هذا النبات ذو الزهر الأحمر الذي يشبه الزعفران ! إنها لغة نداء جماعية ، وحول الشاعرِ سواعدٌ وأفواهٌ كثيرة ، غير انها لا تظهرُ في مجرى التشخيص . إن الشاعرَ لا يتوجه إلى العلاقة النمطية بالحبيبة تاركاً الأطلال ومنظرها الرث الحزين ، ويصورُ العلاقة بالمرأة وهو يحملُ كأسَهُ في مدنٍ متعددة ، في لمحة عن ترحالية قبيلة تغلب : (وكأس قد شربتُ ببعلبك / وأخرى في دمشق وقاصرينا) لكن الصورَ تتقطع ، وننتقلُ إلى محطات جديدة بسرعة وامضة ، ولا تزال في مخليتنا إشعاعاتٌ سابقة ، والشاعرُ يخاطبُ فجأة الضعائن ، طارحاً أسئلة غريبة مبتورة الصلة بالسابق واللاحق : (قفي قبل التفرق يا ضعينا / نخبرك اليقين وتخبرينا) إن الطقسَ الاحتفالي الفردي – الجماعي المقطوع ، الذي يتحولُ إلى حكمةٍ وهمهمة ، ونداء لقافلة غامضة ، يقف قليلاً عند المرأة الجنس – الرمز . فالمرأة هنا شكلٌ لجمال الجسدِ المنتِّج ، إنها الحبيبة – الأم : (ومتنى لدنةٍ سمقتْ وطالتْ / روادفها تنؤُ بما ولينا ومأكمة يضيقُ البابُ عنها / وكشحاً قد جننتُ به جنونا فما وجدتُ كوجدي أُمُ سقبٍ / أضلتهُ فرجعتِ الجنينا) ،(11) هي المرأة الضخمة التي تشبه البقرة ، والشاعرُ هو الرجلُ الثور ، الذي يحتفلُ منتعشاً ويندفع لهذا الجسد ، لكنها صورٌ متقطعة ، غير ذات مقاطع بنائية . فبيتُ : (ولا شمطاء لم يترك لها شقاها / لها من تسعة إلا جنينا) ، يعرضُ حكاية مقطوعة كذلك ، ثم يتوجه الشاعر لبؤرة القصيدة بعد ذاك الشحن الخمري الغزلي المتأجج ، والبؤرة هي الصراع مع عمرو بن هند وقد اتخذ تحدياً . تعكس هذه البؤرة الصوت القبلي الجماعي في لحظة التحدي الحر الشجاع ، تعبيراً عن لقاحية القبائل العربية في وجه السيطرة والأذلال : (أبا هندَ فلا تعجل علينا / وأنظرنا نُخــــبرك اليقينا بأنا نوردُ الرايات بيضاً / ونصدرهن حمراً قد روينا) لكن هذا التعبير يتخذ طابع الأنا الجماعي ، فالشاعر وقد صار لسان القبيلة ، صارت القبيلة تجسيداً لشخصه العنيف المنفعل الغاضب ، والقبيلة في حركتها الحرة في الصحراء ترفضُ القيودَ التي يسلسلُ بها نظامُ المناذرة القبائلَ ، وبالنسبة للشاعر – القبيلة يغدو النظام شخصاً أسمه عمرو بن هند ، وهو الملكُ المقتولُ بسيفِ عمرو بن كلثوم ، حسب الحكاية الشعبية والتاريخية ، ولكنه كذلك المُخـَّاطب كأنه حي أو هو حي فعلاً لكن القصيدة تنتمي لزمن مُسبق ، وهذا الاضطراب في موقع الرجلين المتصارعين ، وفي حياة المعلقة ، هو جزءٌ من هذا الروي المكتوب بعد عقود طويلة من الحدث الحقيقي ومن الحدث الشعري . لكن الدفقة الشعورية الذاتية تبقى تصدحُ طويلاً متغنية بأمجاد الفتك بالقبائل الأخرى ، وتتشكلُ رحى حربِ القبيلة في قلب نجد ويكون ثفالها الجغرافي وبساط الرحى التحتي شرق نجد أما دقيقها المطحون من البشر فتصيب قضاعة كلها . والقبيلة لا تعتدي ولكن في حال الاعتداء عليها تضرب بالسيوف وتشق الرؤوس وتقطع الرقاب حتى كأن جماجم الأبطال أحمال الإبل وهي تتساقط ! صورٌ ملحمية صراعية ولكن في صوت الأنا القبلي ، حيث يغدو النشيد العسكري صراخاً ذاتياً تغيبُ عنه الأشياء الخارجية ومعالم القبائل الأخرى ودلالات شخص عمرو بن هند الاجتماعية ، حيث لا يبدو سوى فرد في مواجهة قبيلة ذات شجاعة وكرامة . فإذا كانت القبيلة كلها من الأبطال الصناديد شيباً وشباناً ، وتغمرُ العالمَ كله بالسفن والخيول ، فإن عمراً بن هند ليس سوى رجل وحيد ، مقطوع الصلة بالجيوش والفرس ، وبهذا فإن القصيدة الغارقة في الأنا الجماعية لا تكاد تبصرُ شيئاً آخر غير ذاتها الهائلة المنتفخة التي ملأتْ الأفقَ ، فلا يعودُ بمقدورها أن تتغلغلَ في الظواهر الخارجية والشخصيات المغايرة ، فتكررُ صورة ذاتِها غير الصراعية ، التي ليس فيها خلل أو نقص ، وبالتالي فإن الصراعَ بين الشاعر – القبيلة والملك عمرو بن هند ، لا يغتني بنسجٍ منوعٍ ، ولا يمتدُ في شخوصٍ أخرى ، وإلى حالاتٍ ملونةٍ تحولُ البذرة الملحمية الشعرية في القصيدة إلى بناءٍ ملحمي . وكلا المعلقتين ، معلقة الحارث بن حلزة ومعلقة عمرو بن كلثوم ، تعبران بهذا عن الأنا القبلية ، في لحظتين مخلتفتين من العلاقة بالمَلكية المسيطرة ، لحظة العلاقة الندية ولحظة الثورة الفوضوية ، وكلتاهما تصدران من ذات شعرية قيادية ، الأولى تتصف بالحكمة ، والأخرى تتصف بالغضب الحاد ، وكلتاهما تجعلان مصلحة القبيلة فوق كلِ شيء ، حسب لحظة قرار هذه القيادة . وكلتاهما تصوران القبيلة كنسجٍ اجتماعي موحدٍ ، غير قابل للإذلال والخضوع لسيطرة خارجية ، وإذا كان أحدهما يضعها في علاقة حذرة واقعية ، فإن الآخر يضعها في موقف صعب مأزوم ، وإن صرخ بالقوة . فتغدو القصيدة الغنائية الفردية قصيدة جماعية ، ذاتية ، تجعل الأنا محور العالم ، فيغيب الوعي ويتجسد الوهم ، فلا يعرف الشعرُ الحالات المتضادة ، والرسم الموضوعي ، وتضمين الأصوات الأخرى ، ويغدو هيكله العضوي مفتتاً ، تجمعهُ موسيقى خارجية . شعراء آخرون النابغة الذبياني من أكثر الشعراء الجاهليين في خلق صياغة شعرية عميقة واضحة ، تعبر عن أولى أشكال تطور الشعر العربي باحتكاكه بالمدنية ، فتطورت لغتهُ وأحتوتْ شيئاً من الفكر المجرد ، وإضافة إلى تلك الصياغة نجد بناءً يتجاوز وحدة البيت بصياغة قصيدة ذات محور واحد خاصة في اعتذاراته . ويعبرُ في حياته عن بداية توجه الشعراء العرب للالتحاق بالدول المتنفذة ومدح ملوكها وزعمائها . (أما اتصاله بالنعمان فيعود إلى تلك العلاقات التي كانت تربط قبائل نجد بلموك الحيرة بعد قضائهم على دولة كندة ، فقد كان من الطبيعي أن تقيم ذبيان كغيرها علاقات مع ملوك الحيرة وتدين لهم بالولاء ، ولذلك نرى النابغة ييم وجهه شطر الحيرة ليمدح ملكها النعمان ، وليعزز مكانة قومه في بلاطه ..) ، شرح المعلقات العشر ، مفيد قميحة ، دار ومكتبة الهلال ، بيروت ، (12) في معلقته نجد ذات الموضوعات التي طرقها الشعراء الآخرون ، لكن وقوفه على الأطلال موجز ، ووصف الناقة موجز ، ويغدو محور القصيدة هو الموضوع السياسي . (فتلك تــُبلغني النعمان إن لهُ / فضلاً على الناس في الأدنى وفي البعدِ ولا أرى فاعلاً في الناسِ يُشبههُ / ولا أحاشي من الأقوام من أحدِ) إن هيمنة الموضوع السياسي هو جزءٌ من طبيعة النابغة الحضرية ، فلم يمكثْ طويلاً في وصفِ الصحراء وعالمها ، بل أسرعَ إلى بؤرةِ اهتمامهِ وهي علاقته المقطوعة بالنعمان ، فيصيرُ الملكُ ذروة عالية بين الناس ، ولكن الشعر هنا ينزلُ عن تصويرية لغة المعلقة الأولى ، فتغدو الألفاظ شديدة الوضوح فقيرة المعاني إذا قسناها ببيته السابق: (أضحت خلاءً وأضحى أهلها احتملوا أخنى / عليها الذي أخنى على لـُبدِ) (لبد : طائر ضرُب به المثل في طول العمر). ولكنه في مدحه للنعمان يتجنب هذا التبسيط بتضفير المدح بثقافته العالية ، فيقول مستدركاً بعد البيتين السابقين المذكورين أعلاه : (إلا سليمان إذ قالَ الإلهُ لهُ / قـــُمْ في البرية فأحددها عن الفندِ وخيـّسِ الجنَّ إني قد أذنِت لُهم / يبنون تدمرَ بالصُّفاحِ والعَمدِ) إن المرويات الشعبية الدينية عن معجزات النبي سليمان عليه السلام شائعة عند أهل الثقافة الدينية التوحيدية ، وهي تعطيه قدرات كبيرة خارقة ، فالإلهُ يمدهُ بالجن ليبني مدينة ، وهو تعبيرٌ عجائبي عن تغييبِ القوة الفاعلة الجماهيرية الرخيصة التي تـُستخدمُ في ممالكِ العبودية وإعطائها للغيب ، مثلما يفعلُ النابغة وهو يمدحُ النبيَّ سليمان ، ثم يمدحُ النعمان لكن في هداياهِ ، وكرمه ، وكأن كل هذه الثروة هي من عمله ، وليست مأخوذة من الناس . (الواهبُ المائةِ المعكاءَ زينها / سَعَدانُ توضح في أوبارها اللبدِ والأدمُ قد خيستْ فـُتلاً مرافقها مشدودة برحالِ “الحيرة” الجدد) (معاني الكلمات : المعكاء :الغلاظ الشداد ، السعدان : نبات يسمنُ الإبل ، اللـِّبد : الوبر المتلبد ، الأُدم : النياق البيض ، خيست : ذ ُللت) . إن النعمان وهب مائة إبل للنابغة والتي تأكل العشب من نوع (السعدان) الذي يسمنها ، والنياق البيض مشدودة سروجها بحبال الحيرة . وفي تغييبه عن سليمان عمل الإنسان يقوم بذات الأمر مع النعمان ، فالخدمة الشعرية التي يقومُ بها تجعله يقرأ المظاهر الخارجية للأشياء والأحداث وحركة الحياة عموماً ، ومن هنا فهو يغرقُ في هذه الخدمة ويحولُ هذه اللغة الشعرية الحضرية إلى خدمات من أجل القبيلة أو من أجل مصلحته الشخصية ، فلا تتطور إلى قصائد فيها صراعات درامية أو ملحمية . في وعي النابغة يتداخل السياق المسيحي والسياق الوثني ، فهو مؤمن بإيمان مغاير للوثنيين ومع ذلك فهو منخرط في تقاليدهم الوثنية : (فلا لعمر الذي مَسحتُ كعبتهُ / وما هريق على الأنصاب من جسدَ والمؤمنِ العائذاتِ الطيرِ تمسحها / ركبانُ مكة بن الغيلِ والسعدِ) (معاني الكلمات : كعبتهُ : الضمير في هذه الكلمة يعود إلى الله ، العائذات : الحديثة النتاج من الحيوان) . إن التقاليد الجاهلية الوثنية مسيطرة على الحياة وعلى حياة الشاعر ، رغم الومضة الدينية التي تظلها دون أن تتمكن من الغور فيها وتغييرها ، وهذا يشير إن مفردة الله كما قلنا راحت تحفر لنفسها مجرى عميقاً لدى العرب . خلاصة إن الشعر الجاهلي عموماً والمعلقات خاصة يعبر عن سيطرة التفكك في كل مظاهر الحياة والوعي والفن ، ففي القصيدة هناك تفككٌ كبيرٌ ، وتتحول كلُ قطعةٍ إلى مقطع عن جزء محدود من مظاهرة مرئية ، ومن علاقة اجتماعية مباشرة ، ويقوم الوزنُ بالتوحيد المقطعي ، ومع جمع تلك السبيكة الشعرية المفككة ، بذات الوزن ، تغدو قصيدة كبيرة أو معلقة . إن الوزنَ نتاجٌ للموسيقى الاحتفالية السحرية ، ثم يغدو قوة خارجية مسيطرة على المعاني ، فتتأطرُ القصيدة بالبناء المُفكك ، وبالتوجه نحو الأغراض المباشرة ، وبسيطرة الإيقاع الخارجي . إن سيطرة الأغراض مثل البكاء على الأطلال وتسجيل وقائع القبيلة هو تعبير عن سيطرة القضايا العامة على الذات الفردية ، مما يعني أسبقية الجمع على الفرد ، الذي لا يغدو سوى تعبير عن الجماعة ، ومن خلال إرثها وموضوعاتها يقوم بالتعبير . كما أن ذلك يعبر عن توجه النخب القبلية في مكة العاصمة الدينية عن خلق نموذج عام لحياة عرب المرحلة ، حيث تتفكك كل قصيدة وتتشظى القصائد عامة معبرة عن صراعٍ ضار بين الحشود الاجتماعية المقدسة لهذا الشعر ، وعن تشردها في الصحراء وضعفها ومقاومتها . إن المعلقات تعبير عن التفكك على جميع المستويات ، وعن ضعف الوعي في كشف واقعه ، وعجزه عن التحكم فيه ، وتسليمه تراثه الروحي للغيب المكي ، المُجسّد في الكعبة . إن كونه غنائياً هو تعبير عن التناقض بين الجماعة والفرد ، فالشاعر تعبير عن القبيلة ، بخيرها وشرها ، فعجز عن تطويرها وعن جعل شعره أداة لرقيها ، وأداة لتحررها . إن تحرر وتقدم كل قبيلة يستلزم وحدتها ، والسلام العام بين القبائل ، وخلق تقدم مشترك ، وهو ما يعني تشكيل شعب أو أمة ، وهو أمرٌ يستلزم شروط وعي وكتابة ومستوى متقدماً ، ومن هنا كانت المعلقات هي مقدمة للإسلام . وكان شعر الصعاليك هو محاولة أخرى لخلق وحدة تتجاوز التوحد القبلي ، أي خلق توحد قيمي واجتماعي جديد على أسس جديدة تعاونية خيرة ، وكان ذلك ممكناً على صعيد جماعة صغيرة ولكن ليس على صعيد حشود من القبائل ، فالصعلكة عند عروة بن الورد تعاون وبحث عن مشاركة بديلة عن الصراع الضاري على العيش ، يقول : (إني امرؤٌ عافي إنائي شركة / وأنتَ امرؤٌ عافي إنائك واحدُ أتهزأ مني أن سمنتَ وأن ترى / بجسمي مسَ الحقِ والحقُ جاهدُ أفرقُ جسمي في جسومٍ كثيرةٍ / واحسو قراحَ الماءِ والماءُ باردُ) ، (12) ويقول ابو هراش الهذلي : (وإني لأثوي الجوعَ حتى يملني / فيذهبَ لم يدنسْ ثيابي ولا جـِرمي وأغتبقُ الماءَ القراحَ فانتهي / إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعمِ أردُّ شجاعَ البطن قد تعلمينه / وأوثرُ غيري من عيالكِ بالطعمِ مخافة أن أحيا برغمٍ وذلةٍ / وللموتِ خيرٌ من حياةٍ على رغمِ) هذه تعابير عن محاولة خلق وحدة في ظل تمزق اجتماعي متصاعد ، في حين أن الصعلكة عند آخرين ك (تأبط شراً) هي أقرب للصوصية ، فتغدو تمزيقاً للجماعة وليست بحثاً عن أفق اجتماعي جديد . وتعبر الصعلكة عن التفكك داخل البناء القبلي ، حيث يتم طرد أناس منها يلغون قيمها ، كما تعبر عن عدم إدخال أفراد غرباء كالعبيد وغيرهم ، لكن دون أن تتحول الصعلكة إلى بديل للمؤسسة الطاردة وهي القبيلة . ومن هنا فإن العديد من الفقراء والمهمشين الكبار داخل قبائلهم كعنترة بن شداد يرفضون الخروج من رحمها ، في حين أن أغلبية الشعراء متمسكون بها . ثم سوف تبقى الصعلكة وتمتزج بظواهر أخرى كالفرق الدينية مثل الخوارج والمعارضة ، لكن القبيلة ستظل هي المؤسِسة للمدنِ الجديدة والتحولات القادمة . وتحول الصراع القبلي الضاري إلى حالة عامة يجد دعوات محدودة ضده كدعوة زهير بن أبي سلمى السلمية ، وكتحول لبيد بن ربيعة مع قدوم الإسلام ، لكن الشعر الجاهلي كشعرٍ وثني هو تعبير عن العجز والصراع الداخلي الهادم وعن عبادة الأشياء الملموسة وعن ضعف التجريد وغياب للوعي المتطور ، لأن الأوثانَ ذاتها تجسيدٌ لدولٍ قبلية ، وجثومٌ على الأرض الاجتماعية المحدودة ، ورفضٌ للسلطة التوحيدية ، ومن هنا بدأ الشعر الديني في الظهور والانتشار .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصادر : (1) : ( ديوان إمرى القيس ، دار الجيل ، بيروت ، ط 1 ، سنة 1989) ، ص 14 – 15) ، في نقش النمارة وهو من النقوش الفريدة الباقية كُتب عليه: ( هذا قبر امرئ القيس بن عمرو ملك العرب كلهم الذي حاز التاج وملك الأسدين نزنزاراً وملوكهم. هزم مذحج بقوته. وجاء إلى بزجي في حبج نجرا مدينة شمر وأخضع معداً وأنزل بنيه على القبائل وأنابهم عنه لدى الفرس والروم . فلم يبلغ ملك مبلغه إلى اليوم توفي سنة 223 في اليوم 7 أيلول وفق بنوه للسعادة ، نص موجود في كتب عديدة وهو غلاف كتاب :الدين في شبه الجزيرة العربية ، أبكار السقاف ، دار العصور الجديدة ، القاهرة، 2000).

(2) : (ديوان أمرئ القيس ، المعلقة من ص 23 – 55 ) . (المصدر السابق ، ص 227 – 228 .)

(3) : (المصدر السابق ، ص 230 – 239) .

(4) : (شرح المعلقات العشر ، دار ومكتبة الهلال ، من ص 105 إلى ص 122 ) .

(5) (ديوان طرفة ، ص 97) .

(6):(الغلام القتيل ، د.محمد عبدالقادر أحمد ، جامعة البحرين ، 2000 ، ص 79) . (7):(المصدر السابق ، ص 79) .

(8):(ديوان طرفة ، ص 101) .

(9): (ديوان الحارث بن حلزة ، الدار العالمية ، بيروت ، ط1 ، 1993 ، ص 35) .

(10): (المصدر السابق ، ص 37) .

(11): (ورد في شرح الزوزني : قال القاضي أبو سعيد السيرافي : البعير : بمنزلة الإنسان ، والجمل بمنزلة الرجل ، والناقة بمنزلة المرأة ، والسقب بمنزلة الصبي …) ، من هامش في صحفة 237 ، شرح المعلقات العشر .

(12) : الأغاني ، ج 3 ، والشعر الجاهلي ، شوقي ضيف ، ص 375 ، ط 22) .

عبدالله خليفة كاتب وروائي من البحرين

 

الشاعر البحريني الكبير يوسف حسن يستذكر عبـــــــدالله خلــــــــيفة بكل الحب

15157884741

ثمة شخوص، تحفر عميقا في الذاكرة والروح والوجدان، وتبقى ماثلة شاخصة، بأبعادها الذاتية والإنسانية وعطائها اللامحدود، تعرفت على الكاتب والروائي والمفكر المرحوم عبـــــــدالله خلــــــــيفة لأول مرة في منتصف الستينيات وهو في بدايات تجاربه القصصية الأولى بنادي جدحفص، وبرغم ذلك اليوم المبكر من عمر الحركة الأدبية في البحرين فإنك لا تكاد تجد مقعدا حيث اكتظت القاعة بالحضور.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة كما عرفته قامة إنسانية، بقدر ما هو قامة كتابية وفكرية شامخة، وكما عرفت عبدالله في كتاباته القصصية والروائية والفكرية، عرفته أيضا في جانبه الإنساني العميق.. البالغ العمق.. عبدالله غيري لا يكترث لذاته.. لا يكترث بالأنا بقدر اكتراثه بالآخر.. كان لعبدالله أن يكون من أصحاب الثراء والوفرة والنفوذ، حيث كانت الأبواب مفتوحة باتساعها لو أراد، لكن عبدالله أبى إلا أن يكون عبدالله، وآثر أن يكون إنسانا يقبض على الجمر بيد ويواصل رسالته الإنسانية باليد الأخرى. كم كنت أتمنى، لو أن عبدالله قد قيض له أن يكتب تجربته الإبداعية بما حف بها وداخلها من وقائع وأحداث، وما تمخض عنها من حراك ثقافي وأدبي وفكري واجتماعي وسياسي، لكن عبدالله آثر «تواضعا» أن يكتب هذه التجربة بأبعادها ومعطياتها بعيدا عن أناه المباشرة، حيث جسدها بصورها وأبعادها المختلفة تجسيدا فنيا وموضوعيا في إنسان الوطن البحريني العادي، فمعظم شخوص وأبطال رواياته وقصصه هم من مهمشي الفئات الدنيا أو الوسطى أو هم عصاميون معدمون، ناضلوا وكابدوا وأصروا على تدبر حياتهم وبناء ذواتهم الشخصانية، كما نجده في رواية الأقلف وفي ثلاثيته الينابيع، وفي غيرها من رواياته العديدة، التي تعتبر منجزا وطنيا إبداعيا، ولعله الوحيد الذي يحسب له كتابة تاريخ البحرين الحديث «روائيا» في ثلاثيته «ينابيع البحرين» التي ستظل مرجعا تأصيليا مهما لتاريخ البحرين والرواية السردية على السواء.

لقد رفد عبـــــــدالله خلــــــــيفة المكتبة الروائية في البحرين والخليج والمحيط العربي بنهر ثري من العطاء الروائي والدراسات الأدبية والنقدية، وتوج ذلك العطاء بكتابه الموسوعي القيم «الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية» وهو دراسة فكرية موضوعية رصينة في العقل العربي الإسلامي بدء بالزمن الأسطوري حتى العقل واللاعقل الدينيين.

رحم الله عبـــــــدالله خلــــــــيفة الكاتب والإنسان الذي لا يقل عطاؤه الوطني والإبداعي عن عطائه الإنساني، وقد كان غيابه المبكر وهو لم يزل بعد في ريعان العطاء الإبداعي فاجعة مني بها الإبداع التخيلي وخسارة كبرى للساحة الأدبية في البحرين والخليج والمحيط العربي.

اخبار الخليج 13/1/2018

محمي: ‏‏عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أفـــق ــ مقالات 2011

هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور أدناه:

محمي: عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أفـــق ــ مقالات 2010

هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور أدناه:

محمي: ‏‏عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أفـــق ــ مقالات 2009

هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور أدناه:

محمي: عبـــــــدالله خلــــــــيفة: أفــق مقالات 2012

هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور أدناه:

محمي: ‏‏عبـــــــدالله خلــــــــيفة: أفـــق ــ مقالات 2013

هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور أدناه:

محمي: عبـــــــدالله خلــــــــيفة : أفــــق ـــ مقالات 2014

هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور أدناه:

ضــــوء المعتــــــــــــــــــزلة

صدر حديثا عن دار نينوى بدمشق مجموعة قصص 2 ــ«ضــــوء المعتــــــــــــــــــزلة»  للروائي البحريني عبـــــــدالله خلــــــــيفة‏‏‏‏‏‏، هذا الاصدار الثاني بعد رواية 1ــ«الارض تحت الانقاض»  و3 ــ«الكسيح ينهض» و4«حوريــــة البــحر»  و5ــ«طريق اللؤلؤ» 6ــ«أنطولـوجيا الحميــر» 7ــ«إنهم يهزون الأرض!»  8ــ«بورتريه قصاب»  لســنة 2017.

0

وجاء في كلمة الغلاف

ضــــوء المعتــــــــــــــــــزلة

لكَ النورُ والظلالُ والحلم أيها الشراع، لك الفضاء المفتوح تتجه لجزرِ الكنوز والنساء.

وراءنا الشواطئ الرثة الضاجة التعبة المهترئة تحاصرنا تخنقنا ثم تنثرنا في البحار والمدن البعيدة والبلدان النتنة.

لا تلقي نظرةً طويلةً للوراء، حتى لو تحطم الخشب أسبحْ، أسبح، حتى تصل للجزر، للجبال فيها، للعطاء داخلها، لتصل للساحرات، النساء المتجددات عذريةً.

الهواء الحار يلفحكم، الرجال يجدفون، وينفخون بأنفاسهم وأيديهم الهواء, الظهيرة قاسية، الموج يضربُ الحطبَ اليابس ويكاد يشققه، هذه الكتلة المحدودة المثقلة بالأجساد والأشياء الموضوعة في الخن، وبالأشباح الكثيرة وذكريات الموتى ورغبات الأجساد العارمة التي تصطدمُ بعرق الرجال وزنخهم، الذين يتعرون ويساقطون في الظلمة فيم مياه البحر اللذيذة المنعشة.

ليس قربك سوى الربان طارش يهمهمُ ويغمغم، يتصلُ بكائناتهِ العليا، يتطلعُ للنجوم والكواكب والشهب ويراسلها، يلقي عليها مياهاً مقروءً عليها، متبلات بنفحِ الطيب المحمدي فتندفع المياهُ في قوالب ممتدةٍ كأنها صاعدةٍ من نافورة. رأسُهُ الصلعاء مضاءة، جمجمته فيض نور.

هذا الربان العجوز كأنه حيةٌ تجددُ شبابَها في كل سنة، يعرس، يسكن أكواخاً وبيوتاً جديدة، ينجب قبائل من الأولاد والبنات، يختفي، يظهرُ في أمكنةٍ أخرى، كأن البناتَ تغيرُ جلدَه، والعيالُ يسلخونه، يهرب للألق، للمغامرات الغريبة، يلتقي بالسحرة والعلماء والربابنة.

فكيف الآن يقشعرُ جلدُهُ من المغامرة الكبيرة القادمة؟

تلك التي أعددتَ لها طويلاً.

يلتفتُ إليه مروِّعاً:

ــ حلمت البارحة يا غانم حلماً مخيفاً، هذه السفينة سوف تتصدع!