أرشيف الكاتب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

أفاتار غير معروف

عن عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆 𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙 21.10.2014 | 1.3.1948

العناصر الفكرية في الشيوعية العربية

تمهيد

تقوم الأفكار الماركسية اللينينية على التجميع المركب بين فلسفتين متضادتين . إن الماركسية فلسفة ديمقراطية على المستوى الفلسفي وعلى المستوى الاجتماعي ، فماركس قام بدراسة قوانين البنية الاجتماعية الرأسمالية وتوصل عبر بحوث مطولة إلى نتائج أوربية هامة ، وحين جسد نتائج هذه الدراسة في العمل السياسي أشار إلى ضرورة العمل النضالي من داخل قوانين هذه البنية واعتبر الاشتراكية تتويجاً لذروة التطور النقني والعلمي والأخلاقي والكفاحي داخل هذه المنظومة .
فيما بعد قام شموليو رأسمالية الدولة في روسيا ، القوميون الروسيون ، كما سيظهرون في المجرى التاريخي لنمو رأسمالية الدولة الشمولية الروسية ، بالجمع بين هذه الماركسية الأوربية مع استبداد الدولة المركزية ، وإنتاج خليط نظري متناقض اسمه ( الماركسية – اللينينية ) .
هناك جانب علمي في الماركسية الأولى هو اكتشاف القوانين والذي عرف باسم المادية الجدلية ، وكذلك فإن المادية التاريخية كانت علماً وهي تقرأ التجربة الأوربية الغربية ، بضخامة المواد والمعلومات التي استندت إليها كما هو واضح من كتاب رأس المال .
إن هذه المادية التاريخية هي علم بتوصلها إلى اكتشاف قوانين التشكيلات التاريخية ، لكن هذه القوانين لم تكن مطبقة على تاريخ الشرق بخصوصيته ، ومن هنا كان نقل التاريخ الأوربي إلى الدول الشرقية ، بتباين مستواها لم يكن سوى نقل ميكانيكي وسياسي غائي للمادية التاريخية .
إن القوانين الأعم للمادية التاريخية المتعلقة بالتشكيلات : المشاعية ، والعبودية، والإقطاع ، والرأسمالية ، والاشتراكية ، لم تؤخذ عند مثقفي الأمم غير الأوربية خاصةً كبديهية مُلزمة ، وتم رفضها لدى العديد من الباحثين .
أي أن نمو الأمم تاريخياً لم يتم التأكد العلمي الكامل منه ، وهو يخضع للبحوث المستمرة . ومن هنا فإن هذه التشكيلات رُئيت من خلال التجربة الأوربية الغربية ، التي توفرت لديها أدوات وقوى البحث الكبرى والديمقراطية الثقافية التي أمكن خلالها الوصول إلى قراءات موضوعية لا يكرسها جهازُ سلطةٍ مستبد .
أي أن الماركسية كنظرية أوربية غربية تشكلت على أرض بحثية ديمقراطية ، أما اللينينية فأمرُها يختلف ، ومع هذا فإن الماركسية يتجلى جانب القصور فيها في طرحها نفسها كنظرية عالمية ، بدون أن تــُرفد بتجارب الأمم غير الأوربية ، وبهذا فإن السيادة الأوربية – الأمريكية على العالم يمكن أن تغدو الماركسية جزءً منها ، وبهذا يصبح اختزال تجارب ومستويات الشعوب غير الأوربية ممكناً ، بفضل هذا التفوق .
إن جرَ الماركسية من إطارها القاري إلى التداول العالمي ، سيعضدهُ ولا شك غيابُ الجامعات العلمية التي تدرسُ الماركسيةَ وتفحصها وتنقدها ، في العالم الثالث ، بحكم اعتبار الماركسية لدى هؤلاء نظرية انقلابية مدمرة مع ارتباطها بالدولة الروسية فيما بعد ، وكذلك لتطورات الماركسيات وتناسخاتها في العالم الثالث التي اتحدت مع الأبنية الشمولية .
إن جذر القضية يقع في أزمة روسيا ودول العالم الثالث في الانتقال السلس إلى الرأسمالية ، ومن هنا لعبت ( اللينينية ) باعتبارها الحلقة الأولى في نشر وأدلجة الماركسية على المدى العالمي .
وكان الجمع بين النظرة الماركسية كنتاج أوربي ديمقراطي شعبي ، وبين الفكر المعارض الروسي ، قد كرسته ثقافة روسيا المتخلفة ، فعبر هذا المحيط الشمولي تم تداول الماركسية وتصوير خيانة أوربا الغربية لها ، وأمانة روسيا في احتضانها .
فروسيا المتخلفة التي تملك بحراً من الفلاحين هي الجديرة بتطبيق النظرية العمالية الحديثة ، في حين أن أوربا التي تملك ذلك البحر العمالي والعلوم لم ترتفع إلى مستوى تطبيق الماركسية وإنجاز الاشتراكية .
وفي سبيل هذا الزعم ابتكر العقل الشمولي الحكومي الروسي مجموعة من الخرافات ( العلمية ) لتبرير هذه القفزة غير العقلانية ولحرق المراحل وقيادة العالم الثالث في هذا السبيل الصعب المكلف .
كان من أولى الخرافات ( العلمية ) التي ابتكرها العقل الشمولي الروسي هي [ نظرية الحلقة الأضعف في مسار التطور الرأسمالي ] . فقد قام هنا بتعميم المسار الروسي باعتباره مساراً رأسمالياً ، في حين أن هذا الوعي الروسي نفسه يضع روسيا في خانة الدول الإقطاعية ، وبين المسارين تضيع روسيا .
فأوربا الغربية حين انتقلت إلى الرأسمالية من الإقطاع احتاجت إلى عشرة قرون ، فبدءً من تفكك الإقطاع وانكسار سطوة البابوية وظهور البروتستانتية ، ثم مجيء عصر النهضة ، ثم عصر الكشوفات الجغرافية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر ثم عصر الثورة الصناعية في القرنين السابع عشر والثامن عشر ، فعصر الثورات الرأسمالية والاستعمار في القرنين التاسع عشر والعشرين الخ . .
أما روسيا فكانت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر متحجرة عند الإقطاعو العبودية وأخذت في القرن العشرين تتململ اجتماعياً لما يمكن أن يُسمى عصر نهضة روسي ، وبهذا فإن ثمة بوناً شاسعاً بين إمكانيات أوربا الغربية وروسيا ، وإذا أمكن لأوربا أن تنتجَ الماركسية ضمن نظريات علمية عدة ، أمكن لروسيا أن تحيل نظرية علمية كالماركسية إلى إيديولوجيا ، بمعنى أن تقوم أجهزةُ الدولة بتبني هذه النظرية العلمية وأن تخنقها .
فكان على روسيا لتستوعب الماركسية أو أية نظرة علمية أخرى أن تتشرب بيئتها الاجتماعية والثقافية الكثير من النظريات والآراء التي تحفرُ في البناء الاجتماعي وتخرجه من التكلس الأبوي والنظام الإقطاعي والأمية الخ . .
بمعنى إن النظريات العلمية في أوربا الغربية هي تتويجٌ طويلٌ لعصر نهضة أبعد النظرات الدينية الشمولية وحفر تعددية دينية ديمقراطية ، وهو أمر على سبيل المثال لم يتحقق حتى اليوم في روسيا ، وتتكرس المسيحية الأرثوذكسية كفكر مسيحي مُغلق ، تتماهى فيه الألوهية وتقديس التماثيل والصور وحكم الكنيسة الهائل . وهو ما تحقق في الماركسية – اللينينية على مستوى تحويل الزعماء إلى أيقونات وأصنام للهيمنة على الشعب المقدس لهم .
وعلى مستوى الديمقراطية فلم يجرب الشعب الروسي الانتخابات كشكل أولي من العملية الديمقراطية ، فهو من الشعوب المتخلفة المتكتلة وراء القيصر والكنيسة ، وكان يحتاج إلى زمن موضوعي لكي يخرج من حالةِ القطيع التاريخي .
لم تقم هذه الرؤية السياسية النخبوية بالحفر في هذه الكتل الشعبية المتخلفة ، وهي الإشكالية الكبرى التي تواجهها نظم العالم الثالث كذلك ، وسيتم الإبقاء على أبويتها الاجتماعية وتدني مكانة المرأة فيها ، وسيطرة المؤسسات الفوقية وضعف وجود الفردية المبدعة الخ . . ، أي على كل الخصائص السلبية التي أنتجتها أنظمة ما قبل الرأسمالية ، الُمجسَّدة في روحية القطيع والجمود والحفظ النصوصي .
لم يحدث هذا الحفر النهضوي والديمقراطي وتفجر الفردية وتفكك الكتل الأبوية الإقطاعية ، وانغمار البلد بتعددية فكرية وفلسفية واشتراك الجمهور في هذه الاتجاهات والانقلابات الفكرية العميقة ، ولهذا فإن المؤسسات السياسية القيصرية القديمة أُستبدلت بسهولة بمؤسسات جديدة ، فحدث تغير في الشكل ولم يتغير المضمون . إن المؤسسات السوفيتية لم تحدث فيها الانتخابات الديمقراطية إلا في توصيل مندوبي الأحزاب ، وسرعان ما رُفضت التعددية الحزبية ، وهيمن طاقمٌ بيروقراطي واحد ، فتم دفن المؤسسة البرلمانية الشعبية والصحافة الحزبية ثم الحرة الخ . .
أي أن البنيةَ المتحولةَ من الإقطاع إلى الرأسمالية شهدت سيطرة المؤسسات الحكومية مجدداً ، فأبقت الكتلَ الجماهيريةَ بدون الدخول في عصور النهضة والتنوير والإصلاح الديني والتغيير الديمقراطي الواسع ، وبالتالي تم الحفاظ على الطابع ( الآسيوي ) للجمهور، ولم يتأورب ، أي لم يتحدث ، ولم يُعط الفرصة ليعرف التنوع والحداثة في الأسرة وتنوع الأفكار وفعالية المؤسسات الشعبية الخ ..

اللينينية
ليس بالضرورة أن تكون الآراء عن النفس صحيحة ومطابقة للواقع الموضوعي ، فالواقع كما قال لينين أكثر تعقيداً وتركيباً ، وهذا ما ينطبق على كل قائد كبير ، وعلى كل مسيرة سياسية كبيرة ، فغالباً ما ينخدع الناس بالظاهر والمرئي ، في حين يكون للتاريخ كلمته الفصل .
لكن كيف تحول لينين من قائد للثورة الاشتراكية العظمى التي وعدت بإزالة الطبقات وإذابة الدولة بأن يصير في خاتمة المطاف مؤسساً لنظام انبثقت عنه رأسمالية المافيا البشعة ؟ !
علينا أن نقرأ بشكل موضوعي مسارات التاريخ المركبة والمعقدة التي قِبل لينين بها نظرياً ورفضها عملياً .
لقد انضم لينين مبكراً إلى الحركة الاشتراكية – الديمقراطية ورفض طريقة الشعبيين الفوضويين في العمل السياسي الإرهابي ، وهم الذين اعتبروا الاغتيالات وسيلة أساسية لعملهم السياسي ، وراهنوا على طبقة الفلاحين كطبقة قائدة للتحول السياسي الديمقراطي في روسيا ، حيث أن هذه الطبقة كانت هي الغالبية من السكان المنتجين ، وهم قد انبثقوا منها ، وهي طبقةٌ مفتتة إنتاجياً ، تخضع لأسلوب إنتاجي عتيق ومتخلف ، وتتراكب فوقها ظلماتُ القرون الوسطى من أمية وخرافة وفقر الخ . .
فلم يكن لهذه الطبقة عبر التاريخ من نضال منظم ، إلا عبر الثورات الفجائية ، لكن العمل السياسي في القرن التاسع عشر الأوربي بدأ يخرج إلى تنظيمات جديدة .
وقد أحست معظمُ الإمبراطوريات الشرقية الإقطاعية كالإمبراطورية العثمانية والروسية والصينية بضرورة الإصلاح ، وهي كلمةٌ تعني الحفاظ على أسس النظام القديم وتطعيمه بعناصر جديدة لا تلغي السابق ، ولهذا قامت الإمبراطوريةُ الروسية بمجموعة إصلاحات منذ الستينيات من القرن التاسع لتجاوز ظاهرات العبودية والتخفيف على الفلاحين الأقنان ، وإتاحة الفرص للنبلاء لكي يتحولوا إلى رأسماليين أو نبلاء حديثين كما فعلت ألمانيا ، وكانت التجربة الألمانية رهن التداول في الإمبراطوريتين التركية والروسية ، إلا أن مستوى تطور الرأسمالية في كلا الإمبراطوريتين لم يكن يسمحُ بهذه النقلة التحديثية وهذا يعود للتركيبةِ السكانية الشعبية المتخلفة ، فكان الريفُ بنمطهِ العائلي واعتماده الكلي على الزراعة المتخلفة لا يسمح بمثل هذه القفزة .
وهكذا كانت روسيا أمام مهمات التطور الديمقراطي كأفق راهن مهم ، وقد أكد الحزب الاشتراكي – الديمقراطي الروسي هذا المسار ، لكن مسألة ( الاشتراكية ) هذه خضعت للتطور السياسي في أوربا الغربية ، باعتبارها قارة القيادة في الصناعة والعلوم والتجربة السياسية .
لقد اعتبرت الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية الغربية مسألة الاشتراكية مسألة تطور تاريخي طويل ، باعتبار أن أسلوبَ الإنتاج الرأسمالي لا يمكن تجاوزه في أوربا بمستوى التطور الاقتصادي الراهن وقتذاك ، وأن الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة هي التي سوف توصل ممثلي الطبقات العاملة إلى الحكم من خلال الأدوات البرلمانية ، حيث سيقومون بإصلاحات ديمقراطية ويخضعون لأصوات الناخبين .
لم يكن قادة الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية سوى مثقفين غالباً ، أي لم يكونوا عمالاً ، وكانوا من الفئات الوسطى التي تتأثر باتجاهات الطبقات السفلى والعليا ، ورسوخ رؤاها من أجل تطور الطبقات العاملة ومصالحها التاريخية مسألة تتعلقُ بمستوى هذه القيادات وأفكارها والتزامها بتلك المصالح ومدى ثقافة القوى الشعبية التي تــُصعّد تلك القيادات .
فالقوى العمالية ذاتها تتأثر بمختلف تيارات الفكر والسياسة ، ويمكن أن تتغلغل بينها الانتهازية لمصالح قوى أخرى ، وهذا ممكنٌ بسبب دور الاستعمار في جلب ثروات الأمم المستعمرة ورشوة هذه القوى المختلفة ، كما أظهر لينين في تشريحهِ لهذه الظواهر .
لقد كان لينين يعملُ في خضمِ الحركة الاشتراكية – الديمقراطية الروسية والأوربية عامة ، وقد استقرت هذه الحركة عموماً على فهم معنى الاشتراكية باعتبارها في العصر الراهن هي إصلاحات مختلفة في ظل النظام الرأسمالي الغربي لمصلحة تطور الطبقات العاملة ، حتى تغدو لها المشاركة السياسية الواسعة في النظام لتقوم بإصلاحات جذرية فيه . لكن الأمر لا يصل إلى الثورة والاستيلاء على الحكم بالقوة والتأميم الشامل وضرب الملكية الخاصة الخ ..
وقد استقرت الحالةُ السياسية في الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية الأوربية ، وبما فيها الحزب الاشتراكي – الديمقراطي الروسي ، على هذا الفهم العام للتغيير ، والكلمة الشعارية المكونة من الاصطلاحين ( الاشتراكي والديمقراطي ) معاً ، كانت تشير إلى أن الاشتراكية ديمقراطية وهي تـُخلق من خلال أدوات البرلمان والانتخابات ، أي هي سياسة اشتراكية ضمن النظام الرأسمالي السائد .
إن هذا المصطلح المُركب كان يثير البلبلة ، والحوارات النظرية العميقة كذلك ، فالرأسمالية الغربية ذاتها كانت تنتقلُ من مرحلة إلى مرحلة ، وعمليات إفقار الجمهور وفي العالم الثالث خاصة وإثارة الحروب العالمية وهدر الإنتاج ، كانت تجتاح العالم وتستدعي النظر في هذا الشعار ، فظهر جناحان أساسيان ، جناحٌ يميني يؤكدُ على البقاء ضمن الشعار والاكتفاء بالإصلاحات ، وكان حين يصل للحكم يتمادى في خدمة رجال المال أكثر من خدمة الناس .
أما الجناح اليساري فكان لا يستطيع في ذلك الوقت الوصول للحكم ، فيطرح شعاراته ويجندُ الناسَ ويقود المظاهرات الخ . .
كان العالم في العشر سنوات الأولى من القرن العشرين يمر بأزمة عامة ، فالرأسماليات الكبرى لم تتوصل إلى طريقة في اقتسام غنائم الإمبراطورية العثمانية وبقية المستعمرات وتريد ألمانياً توزيعاً جديداً لهذه المستعمرات ، يراعي التطورات الاقتصادية في البلدان الرأسمالية الكبرى ، وهذا ما جعل الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية متأثرة بشكل كبير بصراع الدول .
وعلى درجات هذه الدول الرأسمالية الكبرى ومدى نجاحها الداخلي في استقطاب الطبقات العاملة ونقابييها ، كان يجري استقرار النظام السياسي، ومن هنا كانت إنجلترا في حالة مختلفة عن ألمانيا المضطربة المتحولة تواً إلى الرأسمالية ، في حين كانت روسيا تعاني أزمة كبرى في عملية الانتقال إلى الرأسمالية .
كان لينين يعترف وليس مثل زعماء الحركة الشيوعية فيما بعد ، بالتشكيلات الخمس لتطور البشرية وهي : المشاعية البدائية ، والعبودية ، والإقطاع ، والرأسمالية ، وأخيراً الاشتراكية . ولهذا كان يحلل روسيا كمجتمع إقطاعي في طور الانتقال إلى الرأسمالية، وإن هذا الانتقال يحتاج إلى ثورة اجتماعية ديمقراطية تقوم بتغيير الأساس السياسي والاقتصادي للمجتمع .
لكن هذه الآراء للتحول خضعت لنمو الدكتاتورية السياسية داخل الحركة الاشتراكية – الديمقراطية . كان لينين يصرُ على وجود حزب ( حديدي ) ، مركزي ، تخضع فيه الأقلية للأكثرية ، والقواعد للقيادات ، ويحطم التكتلات الفكرية السياسية داخله . كان هذا النمط من الحزب الدكتاتوري ليس فقط مقنعاً للنخبة في مواجهة نظام تعسفي ، بل كان كذلك يتحولُ هو نفسه إلى بناءٍ دكتاتوري مماثل لقمعية النظام . لكن الأكثر تأثيراً هو قيام الحزب الدكتاتوري بضم القوى والجماعات الُمجيشة والمنضبطة بشكل عسكري والتي سترفدُ ببشر عاميين مؤدلجين وخاضعين للزعماء .
وفي مثل هذا الحزب ستكون البذرة الأولى للدكتاتورية القادمة ، التي سيظهر منها ستالين ، وسيؤكد ستالين دائماً على رفد الحزب الذي دخل فيه مثقفون لامعون ومفكرون كبار ، بالعامة ( البروليتارية ) أي بأنصاف المتعلمين والمتحمسين لكي يتم القضاء على الفكر النير في الحزب .
وهكذا فإن لينين قام بمواجهة الكتل التي سُميت ( انشقاقية ) و ( انتهازية ) ورفض اطروحات التحول الديمقراطي البعيد المدى ، عبر أحزاب ذات تعددية داخلية وفكر حر ، فحدث الانشقاق في الحركة بين من يسمون ب ( البلاشفة ) و ( المناشفة ) .
مع نمو الدكتاتورية داخل الحركة الاشتراكية – الديمقراطية الروسية أخذ هذا الشعار المزدوج بالانشراخ ، بين الشموليين الاشتراكيين والديمقراطيين الاشتراكيين ، وقد قوت مواقفُ الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية اليمينية وتفريطهم بحقوق العمال والشعوب ، من مواقف الاتجاهات الشمولية ، وقد قوى ذلك من توجه لينين لخرق موضوعة التشكيلات الخمس للبشرية ، فقد كانت أزمة الحرب العالمية الأولى ، وأزمة التحول في روسيا ، ونمو الحزب البلشفي الذي يقوده، تحول الأزمة في روسيا إلى مناخ ثوري مفتوح .
إن خرق لينين لهذه الموضوعة وخروجه عن الماركسية تم تحت غطاء الماركسية ، ولهذه مواد سياسية وفكرية كثيرة ، ملخصها إنه خلط بين مرحلة الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية ، وبين عملية الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية ، فلم تكن روسيا مجتمعاً رأسمالياً لكي يجري الانتقال فيه إلى الاشتراكية ، بل كان مجتمعاً إقطاعياً يحتاج إلى تطور رأسمالي كبير ، كأمرٍ موضوعي بغض النظر عن رغبات السياسيين ، ولكن لينين وجد أن الماركسية ( الموضوعية ) أصبحت تعرقل مشروعاته السياسية التحولية السريعة .
وهكذا أخذَ يفسرُ تفسيرات مختلفة النصوص المعروفة ، فبعد خرق موضوعة التشكيلات الخمس ، وطرح إمكانية الانتقال من الإقطاع مباشرة إلى الاشتراكية ، سيّح عبارات لماركس عن كومونة باريس التي تقول بضرورة وجود [دكتاتورية للبروليتياريا ] أي بضرورة تنفيذ قوانين المجتمع بالقوة ضد المتمردين عليه ، ولكن ماركس يقصد هذه الإجراءات [ الاستثنائية ] التي تقومُ في مجتمعٍ رأسمالي متطور عبر مؤسساته الشرعية والتي أصبحت الطبقات العاملة أغلبية فيها ، في حين كان لينين يضعها في خانة القفز من المجتمع الإقطاعي المتخلف إلى الاشتراكية وبدون تطور رأسمالي وبدون مؤسسات شرعية منبثقة من إرادة الملايين !
وثمة فرقٌ كبير بين إجراءات استثنائية مؤقتة تــُتخذ في ظلِ برلمانات منتخبة وبين إقامة دولة ذات مؤسسات استبدادية تتحكمُ في الطبقات المختلفة ، وبطبيعة الحال لن تكون هذه دكتاتورية العمال في دولة ديمقراطية بل دكتاتورية الأجهزة البيروقراطية العسكرية التي ستقع السلطة في قبضتها !
وهذه الفئات البيروقراطية – السياسية – العسكرية هي جنين الطبقات البرجوازية الحكومية التي ستنقض على السلطة السوفيتية بعد أن وصلت هذه السلطة إلى العجز عن أن تكون مع العمال أو مع البرجوازية . ولكن الفرق بينها وبين الطبقات البرجوازية الحاكمة في الغرب بأن الأخيرة شكلت نظامها عبر الديمقراطية ، فأمكن للعاملين أن يتقدموا فكرياً ونقابياً ، في حين رأسمالية الدولة الروسية حولت العاملين إلى جمهور مدمن ومنهار نفسياً ومُدمر اقتصادياً وكاره للسياسة ولرموز الثورة ( الاشتراكية ) ، إن لم نقل أنه تابع للمافيا !
لقد أصبحت البنيةُ الروسيةُ الاستبدادية تجرُ لينين إلى هياكلها ، وقد حدث ذلك عبر بنية الحزب الشمولية ، وبنية الوعي الشمولي ، وبالتالي فإن الأفكار الاشتراكية – الديمقراطية أخذت تــُجّير لتحولات دكتاتورية عبر مؤسسات الدولة الفوقية وعبر نقض قوانين التطور الاقتصادي الموضوعية ومن خلال الإرادة السياسية النخبوية ، التي أعطاها زخمُ الجماهيرِ الشعبية المتحمسة إمكانيةَ التحليق الخيالي بأنها تستطيع أن تقوم بالقفز فوق التشكيلات التاريخية .
ولهذا يمكن رؤية الجماهير الغفيرة التي كانت تشارك في أحداث التحولات في العشرينيات ثم تنسحب تدريجياً حتى صارت في النهاية هي التي تنقض على مؤسسات الدولة السابقة .
علينا هنا أن نرى أن ثمة تغيرات إيجابية كبرى فيما سُمي ب ( ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى ) ، ونستطيع أن نسميها ثورة روسيا البرجوازية الحكومية التي جمعت العمال والبرجوازية تحت قبضتها الإدارية . إن تلك التغيرات كانت تحول روسيا فعلاً إلى دولة رأسمالية حديثة ، كالإصلاح الزراعي الواسع ، وهو الإصلاح الذي رفضه البلاشفة حين كانوا في المعارضة ، وتبنوا برنامج حزب الفلاحين الشعبيين ، وهو إصلاح ديمقراطي اجتماعي ، ضخم ، جعل حزب البلاشفة ذا جماهيرية كبيرة ، فالتف الناس حول النظام الاجتماعي الذي قدم لهم الأراضي ، وواجهوا جيوش التدخل الأجنبية والقوى الاجتماعية التي أيدتهم .
وهنا لم يتواجد حزب روسي مؤيد للتحولات الاجتماعية الديمقراطية هذه ، وكذلك بأن يعمل لمواجهة دكتاتورية البلاشفة السياسية كذلك .
كذلك فإن إجراءات التصنيع والكهربة ومشروعات التقدم الاجتماعي والثقافي الواسعة كلها تحسب للنظام ، لكن كلها تمت عبر أدوات العنف والشمولية الإدارية ، فأخذت أجهزةُ الدولة القيصرية تتبدل بشكل بلشفي ، وراحت الأجهزة العسكرية والبوليسية تتسع ، وتقلصت الديمقراطية داخل الحزب البلشفي نفسه ، فحيث كان يقرر الأمور اللجنة المركزية اقتصر الأمر بعد ذلك على المكتب السياسي، ثم على الزعيم الأوحد ، الذي ظهر بشكل لينين ثم ستالين . ثم تعرض ( الماركسيون ) داخل الحزب للقمع والقتل .
لقد تحولت الدولة إلى المالك الأكبر لوسائل الإنتاج ، وهكذا فقد فهم لينين أن تملك الدولة لوسائل الإنتاج هو النظام الاشتراكي ، فعبر المصادرة ينشأ النظام الحكومي للملكية فتظهر الاشتراكية .
لكن الرأسمالية ليست هي الأموال فهي بناء اجتماعي واقتصادي وثقافي عميق ، فنشوء المصانع والتقنية ليس هو مسألة مالية وإدارية ، بل مسألة بناء اجتماعي قائم على التطور الموضوعي الداخلي عبر قوانين موجودة في كتاب ( رأس المال ) . ( 1 ) الذي قرأه لينين ولخصه ولكن لم يفهم مقولات الرأسمال كمقولات تاريخية وليس كمقولات تقنية أو سياسية . وهكذا فمع عدم وجود رأسمالية في روسيا كان ينبغي بناءها من أجل بناء الاشتراكية فيما بعد ! أي ترتب على أفكار لينين أن يقوم هو ببناء الرأسمالية ، فصار من قائد للثورة الاشتراكية إلى قائد لبناء الرأسمالية الحكومية الشمولية .
فبعد الكوارث التي ظهرت في روسيا بعد الحرب العالمية الأولى كان عليها أن تدخل حرب التدخل الأجنبية ثم الحرب الأهلية التي راح ضحيتها الملايين . ولكن ليس لتقيم الاشتراكية وتزيل الطبقات وتطفئ مؤسسة الدولة غير الضرورية بل لتتعلم كيف تطور رأس المال وتخرجه من جحوره التي اختبأ فيها ، وتحدث تراكماً رأسمالياً ، فبدأ لينين ما سُمي بالسياسة الاقتصادية الجديدة ( النيب ) منذ 1920 ، لكن هذه العودة للرأسمالية لم تكن عودةً ديمقراطية ، أي أن لينين لم ير أن مشروعه ( الاشتراكي ) فاشل ، وأن عليه أن يعود للرأسمالية الديمقراطية فيسمح للأحزاب ولحرية الصحافة ويشكل دولةً ديمقراطية تقرر فيها الطبقات المختلفة تطوير البلد بالشكل المناسب ، بل واصل استخدام أدوات السلطة السياسية والعسكرية في الحكم ، لكنه أعطى للملكيات الصغيرة والمتوسطة في الزراعة والصناعة والحرف الحق أن تنمو ، بشكل لا تتحول إلى ملكيات كبرى وتتعاون مع قوى سياسية لتغيير النظام ، بل سمح لها بالتطور الاقتصادي الحر المفصول عن التطور السياسي .
راح الحزب البلشفي يعمل لإيجاد الرأسمالية تحت غطاء الاشتراكية الحكومية ، ولا بد للرأسمالية من تراكم أولي ، يسمى التراكم البدائي ، حيث توفر الدولة رؤوس الأموال المنتزعة من الفلاحين من أجل الإنتاج الرأسمالي الموسع ، من هنا عمل خليفة لينين ستالين على تجريد الفلاحين الأغنياء والمتوسطين من مدخراتهم وتشكيل التعاونيات بالقوة ، وسحب فيوض المال للصناعة ، وتمت إجراءات وحشية هائلة هنا ، لا تقل سوءً عن إجراءات التراكم البدائي في أوربا الغربية .
كانت نمو ملكية الدولة الضخمة تتم بالأشكال الإدارية ، فتتحول كافة المؤسسات الحزبية والسياسية والنقابية إلى ذيول للدولة ، وكان الفكر الرأسمالي الحكومي يصير نظرية أسمها ( الماركسية – اللينينية ) حيث يمكن القفز على المرحلة الرأسمالية بمساعدة الدولة الاشتراكية الأم .
ويحدث وهمٌ هنا في الدول الاستبدادية الشرقية بأن بإمكانية الدولة أن تتلاعب في التاريخ وتقفز على المراحل وتحقق المعجزات الاقتصادية ، بسبب أن التخلف يتيح لماكينة الدولة الضخمة أن تقوم بمعدلات تنمية كبيرة ، لكن هذا بشكل مؤقت ، لكن هذا لا يحقق اشتراكية بل رأسمالية حكومية ، ولكي تتحول إلى رأسمالية حرة تحتاج إلى ثورة لوضع حد لهيمنة الهياكل الإدارية – البوليسية . وهنا على الطبقات العاملة مهماتٌ جديدة مركبة باستثمار المرحلة السابقة ونقدها والتعاون مع البرجوازية الصناعية لتغيير مشترك .
والآن لم تكتمل الثورة الديمقراطية في روسيا بعد وتحتاج للتخلص من الجوانب الشمولية من فكر لينين وتبقي إنجازات فكره الديمقراطي والعلمي .
وستلعب هذه ( الماركسية – اللينينية ) دورها في بث الأفكار العلمية وكذلك الأفكار الإيديولوجية ، وعملية الفصل بين هذه العناصر هي مهمة دقيقة وقد ظهر مفكرون عرب كان لديهم هذين العنصرين المتداخلين .

  • عبـــــــدالله خلــــــــيفة : من المجلد الرابع لكتاب
    الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية

شقة راس رمان التي عاش فيها 21 عاماً وتوفى فيها.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة : المناضل والأديب والإنسان ــ تقديم المحامي عبدالوهاب أمين

دعْ الإنسانَ حراً

دعْ الإنسانَ حراً

يتصور بعض المتشددين دينياً أن التحديثيين يؤيدون نشر الموبقات والإدمان والدعارة وغيرها من الكبائر، ولهذا يستميتون قتالاً ضدهم.

إنهم لا يتصورون أبداً إن هذه الأعمال كريهة وتُقاوم من قبل هؤلاء المؤيديون للحداثة.

يتصورون التحديث بأنه فتح البوابات لهذا السيل العرم من الشر وإنه القبول بهتك الأعراض ونشر المحرمات!

إن التحديثيين الحقيقيين المناضلين لشعوب عربية وإسلامية حرة متقدمة هم بخلاف ذلك تماماً.

ولهذا تغدو للمحافظين الشعائرَ فيصلاً بين الحق والباطل.

ولهذا تغدو أسهل الحلول لهم هي المنع والبتر والقضاء الشكلي على الموبقات والآثام!

الكائن الإنساني لديهم عجينة صناعية يتم هرسها منذ الطفولة بالعصا والأوامر فإن لم تفلح فبالزنزانات فإن لم ترض الشعوب فبالأحكام العرفية والدساتير المفصلة حسب العصا، وإن لم ترض فبعزلها عن العالم ووضعها في قمقم، ولهذا يقولون أحسن الدواء هو الكي.

العصف بالموبقات هنا مثل عصف عصابات بول بوت بالعناصر الرأسمالية الشريرة، وكانت قد تبعت في ذلك جبابرةً أنزلوا الجيوشَ لسحق العناصر الرأسمالية الاستغلالية ومحوها من الجنان حتى لو تضاءل البشر من على وجه البسيطة!

وكان في التراث العربي الإسلامي كثيرون من إمتشقوا السلاحَ لبتر الخطايا وسحق أصحاب الرذيلة، وكان الخوارجُ والعتاة يرهفون الأسماع لكي يئدوا أي نغمةٍ طربية تخرجُ من وراء جدران بيت، ويقطعوا حناجر من يحتفل ويمرح!

ولكنهم أين ذهبوا؟

التحديثيون الاسلاميون العرب الأوائل كانوا يصنعون المعرفةَ ويعادون الشر والفساد والموبقات، فلا تناقض بين الاثنين بل هما متكاملان لا ينفصمان.

فالرذائلُ تأتي من الفقر والجهل، وحين يفصل الديني المحافظ النصوصي بين تنامي الخير والفضيلة وبين عدم إنتشار الغنى والثقافة بين الفقراء والعاملين، يعلق دعوته في فراغٍ لا تتمسكُ بشيءٍ ولا تقفُ على قاعدة صلبة.

وكأن الخيرَ حسب خطاباته الدائمة في الفراغ الاجتماعي تأتي من الكلام، وكلما أكثر من الكلام أمطرتْ السماءُ فضيلةً!

وكأنه لا صلةَ بين الأجور المنخفضة والمساكن الرثة والأولاد الهائمين على وجهوهم بين الخرائب والإبر، وبين الفضائل المبتغاة الممتنعة عليهم.

وكأنه لا صلةَ بين يُولدون وفي أفواههم ملاعق من ذهبٍ وهذا الموتُ السريري البيروقراطي وهذا الرفاه الباذخ المُفسد للعقول ولزوال الإراداتِ والمواهب والبحث عن المتع الشريرة!

وكأن الخيرَ يمكن غرسه عبر شاشات التلفاز ومكبرات الخطب، وإنه يمكن إجبار هذا الكائن البشري الحر على أن يتبع روشتةً صادرةً من صيدلية واحدة متنفذة، وأن يَدهس نوازعه الشريرة ويقتل مشاعره وأهواءه المختلفة بالأوامر الصادرة من مركز كلي متحكم.

وهذا محال، فالحريةُ الفردية هي هواء البشر حتى لو أطبقتْ القيودُ على أجسادهم وأرواحهم، ولكن الحرية تتحول خراباً مع غياب الثقافة وعدم تغيير حال المجتمع الفقير المعدم الذي يتفجر بظرفه وينحرف نحو الكثير من المشكلات، كما أن الحرية موجودة بقوة في المجتمع الغني المادي لكن الذي يتلاعب بالأموال ولا يمتلك خططاً إجتماعية لتطوير غناه الروحي.

التحديثيون من يصارع الجانبين وتوجيه الأحول نحو الرفاه المادي والروحي، وهذه لا تأتي بدون معرفة جذور المشكلات و«الخطايا» وأسباب الانحرافات، والطبيب النفسي يصغي للمريض للوصول إلى جذور مرضه، فلماذا لا يعرف المربي الروحي المشكلات الغائرة وراء الأدمان والشرور؟ بل أن يصير جزءً من كتائب المناضلين لتغيير الأكواخ والمستشفيات البيروقراطية الخاسرة غير المعالجة أو المستشفيات الباذحة المعالجة الاستغلالية، والمدارس التي لا تدرس وتربي والمصانع التي تسرح العمال؟

إن التيارات السياسية والفكرية يمكن أن تلعب أدواراً مساندةً لبعضها البعض في التحويل الاجتماعي، فالمدنُ تُختطفُ شيئاً فشيئاً، فنحن جزءٌ تابع في العالم، ولسنا في كوكبٍ خاص مستقل، وبدون تعاون التيارات الدينية العقلانية والتحديثية وعملها معاً ضد ظاهرات الاستبداد والفساد والشر تتجه الظروف والأحداث للمزيد من الكوارث والموبقات!

إن مقاومةَ المحافظين للتحديث والديمقراطية والحرية هو بخلافِ أهدافهم زيادةٌ للشرورِ وتكسيرٌ لإراداتِ العقول للوقوف ضد طوفان الغرب بجانبهِ السلبي ولعدم الاستفادة من جانبه الايجابي، وترك الشباب بلا سلاح يواجهون به الاغترابَ والأدمان والتسطيح والتخريب والعهر وتضييعَ ثروات الأسرِ والأمةِ في ملذاتٍ فارغة وأهواء عابرة وأمراض متجذرة!

دعْ الإنسانَ حراً ومسئولاً عن حريته ودعْ الحياة حرة وقاوم الشرور.

الموقف الجوهري

يمثل الموقف من مساندة الفقراء سياسياً واقتصادياً جوهر المواقف النضالية عبر العصور . فلكون الفقراء والعمال والعبيد والفلاحين يتحملون عبء الإنتاج، ولا يحصلون إلا على النزر اليسير لما يسد رمقهم ويجعلهم يواصلون حمل عجلة الإنتاج الدائرة دوماً، يغدون هم أساس المواقف النضالية الاجتماعية، ومن يقترب من الدفاع عنهم يغدو هو داخل تيارات التغيير والتقدم.

فهكذا كان الأنبياء والأئمة والمناضلون عبر العصور، فهم قوى التغيير والدفاع عن هؤلاء المنتجين، ومن هنا يتلاقى المناضلون عبر العصور رغم اختلاف طرق التفكير، وأنماط الإنتاج، وأشكال التعبير، ومن هنا يصم المتجبرون من يقف مع الفقراء والمعوزين بنعوت التحقير، كقول كطغاة قريش عن المسلمين الأوائل بأنهم كانوا مع الدهماء وأراذل الناس، ومع ذلك وقف المسلمون معهم، فمالوا عن سنن قريش، واقتربوا من المنتجين ودافعوا عنهم ! والآن حين يقف المعارضون المعاصرون مع هؤلاء الفقراء والعمال، وهم لا يختلفون كثيراً عن بلال الحبشي وعمار بن ياسر وصهيب الرومي، يوصمون بما وُصم به المسلمون الأوائل، لأن هؤلاء الواصمون ابتعدوا عن الفقراء وامتلأت جيوبهم، وغيروا مواقفهم .

إن الغنى والفقر عمليات موضوعية في التطور الاقتصادي والاجتماعي، وهي عمليات ضرورية تقود إلى انتقالات كبرى للمجتمع، على صعيد التطور الاجتماعي والثقافي والسياسي، فلا يحدث أن يصير جميع الناس أغنياء، لأن ذلك مستحيل في أساليب الإنتاج القائمة على الملكية الفردية .

ولكن الحركات السياسية غالباً ما تضلل جمهورها زاعمةً أنها سوف تحقق الثروة للجميع، وتحقق العدالة للجميع، وهذه شعارات خيالية في ظل مستويات التطور الاقتصادية السابقة والراهنة. ورغم أن هذه الحركات تتحول من مساندة الفقراء بأسلوبها الخيالي السابق ذكره، فإنها تصر أنها تمثل الفقراء بعد أن راحت تصعد في سلم التطور الاقتصادي، ويتغير دخل أفرادها، ويرتفعون من الفقر إلى الغنى !

فتظل الشعارات اليسارية والنضالية مستمرة في حين تكون مياهٌ أخرى قد جرت في قنوات الحركة، وهكذا فإن الحركات الدينية الإسلامية قد تغيرت لغتها السياسية بعد الفتوح، وتراكم الأموال في أيدي قيادييها، وتحول الحزب الشيوعي السوفيتي إلى مؤسسة حاكمة مالكة لأغلبية الدخل القومي بدلاً من أن يكون المدافع عن العمال، وصار الحزب الشيوعي الصيني منتجاً للمليونيرات، وغدت الأحزاب الليبرالية الغربية غير مدافعة كثيراً عن الحريات بعد تراكم ثروات المستعمرات والعالم الثالث في خزائنها !

وانقسمت الحركات الدينية في العالم الإسلامي إلى أجنحة متضادة فبعضها اغتنى ووصل إلى الثروة، والبعض الآخر ظل مُهمشاً متدني الدخل، فراح يطرح خطابات قتالية لمزيد من الاتباع والثروات . وهكذا فإن ظهور تيارات منتفعة في الأحزاب هو أمر حتمي، وتقود هذه التيارات إلى القبول بمستوى التطور السياسي المتدني، وتتشوش الرؤية على التيارات الأخرى المدافعة عن الفقراء، خاصة إذا تم سد أفواهها بمكاسب ذاتية أو بتجهيل، بحيث تعجز تنظيمياً عن رفع صوتها وتشكيل تيارات مستقلة . والقوى الغنية والانتهازية عادة لا تريد طرح وجهها الاجتماعي بوضوح، ولا تقوم بتحويل استثماراتها عادة التي تشكلت وسط الأحزاب الثورية، مؤكدةً استمرار خطها النضالي، في حين أنها تفقد صلاتها بهذا الخط السياسي المعارض الذي تمثله، وهنا تقوده لأضرار فادحة بدلاً من أن تنسحب وتشكل خطها الخاص .

الهام حرمة أموال الناس

لا يهم بأي شكل تفكر فالمهم ما هو مضمون فكرك. إذا كنت مذهبياً أو علمانياً أو رجلاً أم امرأة، عقائدياً أم متحللاً من العقائد، فالمهم هو أن تكون مع إرادة الناس لكي تكون أموالهم لهم. لايهم إذا كانت المرأة محجبة أم غير محجبة، قارئة أم راقصة، فالمهم أن تناضل من أجل الدفاع عن حقوق الناس وتناضل لتطور الأمانة ورد الحقوق لأصحابها!

لا يهمنا المعمم إذا كان قد فتح عينيه الكبيرتين تجاه قضايا الطلاق والإرث وأغمضهما عن سرقة القطاع العام، وابتلاع الأراضي ودفن المصائد والتهام أموال اليتامى!

لا يتساءل العرب والمسلمون والصائبة واليهود والمسيحيون والمجوس وعبدة النار عن العقائد بل عن الأموال كيف سُرقت والجواري كيف سُلبت والخزائن كيف نـُهبت والمزارع كيف جُففت وحولت إلى قصور والحقول كيف شـُفطت فأزهرت أولاداً وبنات من عصي وجرائم وسرقات في المدن!

لا يتساءل الناس كيف تصلي ولمن تولي وجهك بل كيف يقبل ضميرك أن تصمت على نهب حقوق الناس، وكيف لا ترد الأموال التي سرقتها، ولا تناضل ضد الضرائب الباهظة التي أثقلت كواهل الناس وأكتاف العاملين وحولتهم إلى جذوع نخيل خاوية من الأمانة والصدق فباعوا أنفسهم لمن يدفع..

في كل الأديان والعقائد والملل هناك محاكمة للضمير، لكن الضمائر نامت على وسائد الحرير والبقشيش والعملات والعمولات، فلم يعد المؤمنون يخافون من اليوم الآخر، ولم يعد المناضلون يهابون نقد الخلايا الماركسية النائمة، فابتكر العصر المحاكم وحقوق الإنسان والديمقراطية لكي يجر اللصوص من كل الطبقات والأديان والمذاهب إلى قفص الاتهام، فلم يعد مهماً من تكون بل ماذا تفعل!

لم يعد أحدٌ في العالم السياسي يهتم بأسئلة ما هو دينك ومذهبك وحزبك واتجاهك الفكري، بل بما هو موقفك من المال العام، وكيف يناضل الدينيون من أجل استرجاع المال العام، وكيف يراقب العلمانيون مصادر رزق الناس المنهوبة من قوى اللصوص وقطاع الطرق. لقد كرست المبادئ الشريفة من كل المذاهب والأديان والأفكار المعاصرة التنافس لصالح إعطاء الفقراء والمحرومين أنصبتهم من الدواء، فماذا نفعل بكل مبادئ الحزب التقدمي العظيمة وهو لا يناضل في الحياة العملية من أجل دواء رخيص وتغيير لوضع المستشفيات التجارية الماصة لدم الجرحى والمتألمين، ولوضع المستشفيات الحكومية البيروقراطية التي هي قصور في الهواء بعيدة عن توصيل الإبرة العلاجية للمحتاج من ألم السرطان والقرحة؟

ماذا نفعل بكل مبادئ الدينيين وهي لا تفكر في عذابات المعذبين، ولا تعرف الأزقة الفقيرة إلا في مواعيد الانتخابات وتغيير إدارات الجماعات المتنفذة ؟

والمهم لديها هو مراضاة الأغنياء والمتنفذين والاستفادة منهم، لهذا قل الزهاد فيهم وكثرت الكروش السياسية المنتفخة وصار النضال لتعدد النساء الزوجات هو النضال الأكثر حمية لديهم؟ ومن هنا كثرت خلافات السياسيين وتعددت تياراتهم وجماعاتهم لأنهم لا يفكرون سوى في أنفسهم وامتيازاتهم وكيف يهبرون من لحم الشعب مثل المتسلطين والاستغلاليين!

قال السلف الصالح قديماً: في العمل من أجل الحق والدفاع عن مال الأمة فليتنافس المتنافسون، لكن الواقع كان يقود السياسيين دوماً إلى التنافس على غنائم الحكم والعظام الملقاة من  السلطان!

قانون الإنتاج المطلق

لا يكون الإنتاج الروحي إلا من أجل الناس، وبؤرتهم وقلبهم أصحاب العمل والإنتاج، قوى المعاناة والعطاء.

الفئات المنتجة للثقافة هي فئات وسيطة، لديها بعض الغنى المادي وبعض الغنى الثقافي، وتنمو حسب توجهها للناس، وتضحيتها بغناها الشخصي، لأجل أن تزدهر السعادة والغنى عند الأكثرية المنتجة.

وحتى حين كان المثقف ساحراً في العصور البدائية قبل التاريخ كان يشتغلُ من أجل الصيادين، فيرقص ويغني ويقص من أجل أن يزداد الصيد ويتكاثر الإنتاج ويعم الفرح.

وحين دبت الخلافاتُ بين الناس، وصار العبيدُ والأحرار، والفقراء والأغنياء، ظل قانون الإنتاج الثقافي هو نفسه. هل ينتمي المنتج الثقافي للمنتجين، والمعذبَّين، وللأغلبية المنتجة؟

لكن كان أغلبية المنتجين الثقافيين عبيداً في الروح، يوجهون إنتاجهم لمصلحة الأقلية، وبقي الإنتاج الذي انتمى للناس، وذاب إنتاج النفاق والاستعراض. لقد ظل مكتوباً كذكرى مؤسفة على هدر بعض الناس طاقاتهم من أجل النقود، لا من أجل سموهم الروحي.

أنظرْ يا من غيبت نفسك في طوفان الأشياء كيف أن كلمات التوراة والأنجيل جسدت معاناة أنبياء هربوا من الإستغلال وعسف الدول إلى الصحارى كي ينشئوا دولاً حرة، فتسامت كلماتهم وتواريخهم وتوحدوا مع السعادة العميقة والصلبان والزنزانات.

ولعلك لم تقرأ جيداً القرآن وهو كلماتٌ عن نبي رفض أن يخدم الملأ الاستغلالي وفضلَّ أن يكون مع العبيد والفقراء وغيّرَ التاريخ.

لعلكَ يا منْ غيبتَ نفسك وراء الأشياء تظن إن حمايتك من قبل أصحاب النفوذ سوف تعلي كلماتك الباهتة، أو لأنك مررت بتجربة سجن عاصفة وألم كبيرة سوف يحميك هذا الجبل الطيب من طوفان زحفك نحو المعدن الأصفر، فالناس تعرف استمرار مقاومتك لا تاريخك ذلك وتخليك عن أصلك الطيب.

ومهما جئتَ بأصولٍ حاكمةٍ أو أسرةٍ كريمة أو إنتماء لحزبٍ مناضل قدم الشهداءَ الكثيرين، ومهما كان أقرباؤك وأئمتك من جهابذة في الدين والتاريخ، فإن مقياسك هو شخصك ومدى إنتاجك المضيء ونقدك للأشياء السيئة والظاهرات المخربة للإنتاج وحقوق الأغلبية من العاملين.

لا تقل أسرتي وحزبي وأئمتي وقادتي، بل قل ما هو عملي وموقفي الناقد ودفاعي عن شعبي وكفاحي ضد الأخطاء.

والأديب ليست كلماته بمعزل عن قانون الإنتاج المطلق هذا، الذي يتساوى فيه الأنبياء العظام والشعراء الصعاليك، وهو ميزان الحق، فيظن أنه له فترة يجاهد ويتعذب لكي ينير ثم تأتي له فترة خاصة يتكاسل ويبحث عن المناصب ويغدو رئيس جريدة النفاق.

ميزانك هو كلمتك، مدى تحول قصصك وأشعارك ومسرحياتك ونقدك إلى كشافات تفضح مستنقعات الفساد، لا تقلْ إنني أديب ناشىء أبحث عن سبل التعبير والعيارة، ليشتد عودك وتنضم إلى الحرامية، بل أغمسْ مدادك في معاناة البشر ولا تستجدي الشهرة والمال.

لكن الكثيرين اتخذوا الكلمات مطايا، وهدايا، وضحايا، وقادة الفكر وعباقرة الكلمة غدوا مثالاً سيئاً للنشء، وهذا يحدث كثيراً في التاريخ، عندما تقبضُ الطبقة المسيطرة على الكثير من المال فتستطيع أن ترشو بكثرة، لكن ذلك مؤقت، لأن وفرة المال على هذا النحو لا تدوم، بل تدوم حين تستمع هذه الطبقة للنقاد، وترهفُ جميعُ آذانِها للضربات الكلامية والأدبية والعلمية التي توجه لتبذيرها وفسادها وحينئذ تطور سيطرتها وإنتاجها المشرف على الأفلاس بفضل جوقات النفاق والبذخ.

المال اليوم عندك وغداً عند غيرك ، فتذهب للاستلاف، فلماذا تبيع ماء وجهك وكنت عزيزاً، ولا تحفظ كرامتك وهي من كرامة الأمة والناس؟

لا تقل أصلي وفصلي وحزبي وجماعتي، بل قل هي كلمة الحق أوجهها ضد كل مخطئ ومستغل ومبذر، أرفع بها من يسمو إلى المعالي، وأعصف من خلالها بكل من أهدر ثروة الأمة ونشر الأرهاب وغزا الأخوة والجيران ووسع الاستبداد.

كلمتي هي مع الحق والحقيقة، لا مع الخزائن.

ليست كلمتي مرهونة بمديح النقاد وأن يرضى عني رئيس الجامعة والكلية، فأدبج «الدراسات والأبحاث» كما يشتهي رئيسُ القسم المريض، فأعلي من يرضى عنهم، وأخسفُ الأرضَ بمن يكرههم لكي أحصل على الوظائف والمال، فأي علم هذا الذي يكون ذاتياً وجائراً وغير منصف؟

وكيف تنشأ الحقيقة بين جماعات القول الواحد والصوت الواحد، وجماعات نحن مع الزعيم أينما توجه وكيفما قال؟ وهل تـُدار الأوطان والأحزاب بقول الفرد؟

يتباين الإنتاج الثقافي في كل هذه الأنواع في أشكاله وتعابيره، ويتحد في مضامنيه، وفي عصوره السحيقة والمعاصرة، على بعد المسافات والأشكال والأزمان، فكلمة الحقيقة تشق طرقها بوسائل مختلفة، وهي تنمو من خلال الألم الشعبي، تنور صهر الأشكال ووحدتها وتطورها، وفي الفرح والاسترخاء والغنى ظاهرات مقاربة حين تتصل بذلك الهم الإنساني العميق.

الرهان على القلم

لم تفد الكتاب المراهنة على الحكومات والدينيين، فالكلُ يتاجر بالأوطان والأديان لمصلحة موقوتة، والكل يبيع والبعض مستفيد، والأغلبية خاسرة!

الكل يدعي ولا أثر على الأرض!

ليس للكتاب سوى أقلامهم تنمو قصة ورواية وشعراً ونقداً وثروة للوطن بلا مقابل أو بمقابل ضئيل وغير شفاف!

أعطوا الوطن لكل من يدعي ويبيع، وكل من يزحف على بطنه، ويقبل الأحذية، ويأكل التراب ويلعن الإنسان.

ليس لكم سوى هذا القلم مهما توهمتم التحليق في سماء مجردة، ومهما تباعدتم، وأختلفتم، ليس لكم سوى قطرات من حبر أو من دم.

راهنوا على القلم فهو وحده الباقي

تتحولون إلى عظام وذكريات متعددة التفاسير ولا يبقى سوى قلمكم يقول ما آمنتم به وما ناضلتم لكي يتكرس في الأرض.

ليس لكم سوى أوراق فلا يخلدكم ولدٌ ولا تلد، هذه الحروف التي عانيتم في إنتاجها وتعذبتم في إصدارها هي التي تشرفكم أمام الأجيال المقبلة التي لا تحد ولا تحصى.

فثقوا بالحروف وبالإنسانية المناضلة نحو زمن جديد هو زمنكم، الذي تصيرون فيه ملوكاً متوجين، وحكاماً غير مطلقين، ومربين كباراً للأجيال.

ماذا تفعلون الآن وكيف تمتشقون سلاح الكلمة وتوجهونه للحرامية والمفسدين وتعرون شركات الأستغلال وبنوك النهب العام، ترتفعون في سماء الوطن، وتخلدون في سجلات الأبرار.

القلم ليس له شريك سوى الحقيقة، وليس لطريقه واسطة أو سلطة محابية أو كهنة مطلقين، هو الحربة الموجهة للشر لا تعرف الحلول الوسط أو الشيكات الثمينة.

سلطة القلم سلطة عالمية، تتوحدون مع القلم الأسود والأبيض والأصفر، وكل ألوان الإنسانية المتوحدة في معركة واحدة ضد الحكومات المطلقة وبيع الإنسان كما لو أنه حذاء وضد هذا العداء بين الأمم والأديان والأعراق.

أنتم رموز الإنسانية فلا تنحدروا ولا تساوموا واكتبوا بسلطة الحقيقة وليس بسلطة المال.

توحدوا في هذه المعركة الكونية، وتضامنوا مع اشقائكم المظلومين والمضطهدين في كل قارات الأرض، وضد هذه القوى التي تدهس القصة والقصيدة ولا تحب سوى الإعلان، وأخبار القتل واليأس، ولا تبجل سوى البشاعة.

لويس أرمسترونغ ــ موسيقى الحياة الوردية

لويس أرمسترونغ

الحياة الوردية

ضمني قريباً منك و ضمني بسرعة

السحر يلقى بسحره عليك

هذه هي الحياة باللون الوردي

عندما تقبلنى، تتنهد السماء

انا ارى الحياة باللون الوردي

عندما تضمني قريباً من قلبك

انا فى عالم منفصل

عالم حيث تتفتح الورود

وعندما تتحدث، الملائكة تغني من الاعلى

ويبدو ان الكلمات اليومية تصبح اغاني حب

اعط قلبك و روحلك ليّ

والحياة ستكون دائماً باللون الوردي

عبدالله خليفة ‏‏‏‏‏‏كاتب وروائي

تطور الأنواع الأدبية العربية

تمثلُ الأنواعُ الأدبيةُ قضايا جوهرية في الأدب، فهي تعبرُ عن قدراتِ شعبٍ أو أمةٍ ما على التطور الثقافي على مدى قرون، فليستْ هي بناءاتٌ شكلانيةٌ ترصفُ الكلام وتجمعُ المعاني في (قوالب) لكنها تعبيرٌ عن قدراتِ المبدعين والنقاد على الحراكِ التحويلي لمجتمعاتهم، أي على مدى تمكنهم من إقامة علاقاتٍ عميقةٍ مع البشر وجذورهم الدينية والثقافية والاجتماعية وتغييرها تبعاً لخُطى التقدم، ومجابهة قوى التخلف والإستغلال والتهميش للناس، وتصعيد القدرات على الحوار والبحث والتجديد.

أي هو التحولُ من هيمنةِ الصوتِ الواحد إلى تعدديةِ الأصوات، ومن سيادةِ الأنا المركزيةِ الاجتماعية إلى تنوع الأفراد وقدرتهم على الحوار والنقد والتغيير.

وإذا كانت صناعةُ الأنواعِ الأدبية تخضعُ للأفعال الحرة للمبدعين فإنها لا تستطيع أن تقفزَ على الظروف الموضوعية للواقع والناس. وهيمنةُ نوعٍ أو وجود كافة الأنواع هي قضيةٌ مركبةٌ من الذاتي والموضوعي، من سيطرةِ قيودٍ تعبيرية قَبْليةٍ ومن مساهماتٍ تحريرية لنزع تلك القيود. من آفاق مرصودة سلفاً نتاج سابقين ومن قدرة المعاصرين على تغييرها تبعاً لتطور الحياة والمساهمة في تغييرها.

والمبدعون يظهرون في شروط سابقة على إبداعهم، إنها تقيدهم وتجعلهم يعيدون إنتاج الماضي الثقافي أو يضيفون عليه بعض الإضافات اليسيرة والمهمة غير التحويلية الواسعة.

ومن هنا فظهور الشعراء في عالم العرب الجاهلي يختلف عن ظروف أخرى تالية حين حدثت نهضة، فسيطرةُ الصحراءِ والحياةِ الرعوية، هي غيرُ ظهورِ المدنِ وميلادِ دولةٍ واسعةٍ تختلطُ فيها الشعوب.

لكن إن تبقى الهياكلُ الإبداعيةُ الجاهلية في عمقِ المدن وتسيطرَ على الإنتاج فهي أيضاً هيمنة قَبْلية قَبَلية مستمرة.

وقد طُرحتْ بقوةٍ مسألةُ قصورِ الأنواعِ الأدبية على نوعٍ واحد بشكلٍ كبيرٍ هو النوع الشعري، ضمور النوعين الآخرين وهم النوع الملحمي والدرامي، وهي قضية ليست تجريدية بل قضية تاريخية وإجتماعية وفكرية طويلة ومعقدة.

يمثل النقدُ الثقافي عموماً قوةَ تفكيرٍ كبيرة غدتْ شيئاً فشيئاً معطلة، وكان يمكن أن ترفدَ الأدبَ والثقافةَ عموماً بطاقاتِها لكي يزدادَ الأدبُ والثقافةُ تأثيراً في الواقع لكن النقد توقف عن هذه العملية الضرورية، فما هي الأسباب؟

كان من الضروري لهذه القضية أن تُحلل بعمق ويُرى على ضوئها تخلفُ وجمودُ الأبنية الاجتماعية- الثقافية العربية، وهذا لا يمكن أن يكون بدون نقد فلسفي له شروط كبرى، أن أي أن يقوم على فلسفة تقرأُ الثقافةَ في ضوء البنى الاجتماعية وسيرورتها التاريخية.

هذا كان يمكن أن يحدث في الثقافة العربية الحديثة ويتم قراءة الأنواع وجمودها في العصر العربي القديم وأسباب تشكلها في العصر الحديث.

يقول ناقدٌ عربيٌ كبيرٌ هو إحسان عباس الذي استفاد كثيراً من (النقد الأمريكي والنقد النفسي لدى فرويد والأسطوري لدى كارل يونغ) يقول بأن الاقتراضَ الشديد من الغرب على هذا النحو (يجعل الدارس يقع في وهم فكري مزدوج: يتكشفُ الأولُ في إغفالِ التاريخ الثقافي العربي، ويتجلى الوهمُ الثاني في جهلِ التاريخ الكوني للآخر).. وهو أمرٌ في رأيهِ يقودُ إلى (التبعية الثقافية أو يفضي إلى المحاكاة الصماء)،1.

يتحسسُ الباحثون العربُ الإشكاليةَ المركبةَ في تبعيةِ ثقافتنا للعصر الوسيط ببنائه الإقطاعي، المستمر حتى الآن، وتبعيتها كذلك لما يُطلق عليه بعضهم (الآخر)، وهذا التعبير تجريدٌ آخر معاكس للماضي، فلا يقولون بأن الآخرَ هو النظام الغربي الرأسمالي.

لكن التعميم على الجهتين يقودُ إلى سلسلةٍ طويلة من الأخطاء، لأن ثقافتنا العربية القديمة مرت بعدةِ أطوار وأبنية، ولكلٍ منها واقعٌ خاص، وكانت تعيشُ تطورات ومراحل كبيرة، فالتعميمُ المنطلقُ منها، خاصة حين يساوونه بـ(الشخصية العربية) أو بـ(الذات العربية)، يقودُ إلى كوارث تحليلية.

فالشعرُ الجاهلي لا يُعرف لماذا صار بهذا الشكل ومن أين جاء وما هي علاقاتهُ بالمكوناتِ الفكريةِ والفنية السابقة، والقرآن لماذا هو بهذه اللغةِ والتراكيب والأخطر ما هو دورهُ في عمليةِ الثقافةِ التحولية، ولماذا استمرتْ القصيدةُ المتناقضةُ البناء التقريرية حتى اليوم؟ ولماذا الغيابُ للبناءِ المسرحي في الثقافة والبناء الدرامي في الشعر وغياب الملحمة؟

دخلَ النقدُ العربي القديمُ في جوانبِ المحدودِ كالصورِ الجزئية والأغراض وأشكال البلاغة، ثم وجدَ نفسَهُ في العصر الحديث أمام مدارس أوربية كبيرة، فلم تسعفهُ أدواتُ النقد العربي القديم، ليس فقط لضخامةِ الإنجازاتِ الغربية التي تشكلتْ خلال قرون النهضة والثورة الصناعية والعصر الحديث، بل لأن واقعَهُ العربي المتعدد راح هو الآخر يتغير ويصارع، فبدأت الآدابُ والفنونُ العربية في الازدهار في واقع متخلف اجتماعياً!

وككلِ نتاجِنا وسياستنا وقع بين دكتاتوريتين؛ دكتاتورية الماضي المبهمة والمتجسدة في البناء الثقافي، وفي دكتاتورية الحداثة الغربية، التي تفرضُ نفسها عبر أنماطٍ سائدةٍ قوية فتشلُ الوعي العربي عن أن يكون وعياً عربياً ديمقراطياً.

وكي نعرف إننا واقعون بين دكتاتوريتين ثقافيتين، يحتاجُ ذلك إلى فحصٍ على مستوى الماضي ومستوى الحاضر، أي القيام بنقدٍ مزودجٍ على ضفتي الزمان والمكان.

حين نقرأ فقط القصيدة الجاهلية سوف نقول لماذا الانحباس في الشكل المضطرب الممزق الانعكاسي المباشر؟ أي لماذا عجز العربُ عن إنتاج شعر أكثر تطوراً من هذا؟

وهو أمرٌ لا يتضحُ إلا في قراءةِ السياق التاريخي، بكون القصيدة العربية الجاهلية هي نتاجُ شعبٍ محبوس ممزق في هذه الصحارى الهائلة المجدبة، وبإدراكِ إن هذا الجنسَ الأدبي (الشعر الجاهلي) هو أرفعُ ما أنتجهُ هذا الشعب بعد انحباسهِ وتقطع صلاتهِ بالشمالِ، السامي، لغةً ومكاناً وتلاقحاً واسعاً، وهو أمرٌ يربطنا بتدهور الأنواع الأدبية والفنية في الشمال (العراق، وسوريا، ومصر)، فلا بد أن نقرأ فضاءَ الآداب والفنون في الحضاراتِ القديمةِ التي عجزتْ عن تنامي التطور فيها، وعن نمو أنواع: الملحمة وبالتالي النقد وغياب المسرح.

وبهذا كان النتاجُ الثقافي العربي الجاهلي هو وليدُ ظروفِ العزلةِ والتخلف المزدوج، فالاستبدادُ الطويلُ الذي أصابَ الحضارات القديمة والذي كانت إحدى سماته تحجر الآداب، انتقلَ بقوةٍ مضاعفةٍ للجاهليين، ومع ذلك قاموا في تلك العزلةِ النسبيةِ بإنتاجٍ ثقافي يعكس ظروفهم ويعكس كذلك حريتهم البدوية.

بين الغنى الثقافي الذي فجرتهُ ثورة الإسلام وبين الأشكالِ الأدبيةِ والفنية المتيبسةِ التي سادت طوال العصر الأموي، ثم تقطعتْ بفعلِ المدنية العباسية النسبية، عواملٌ من الصراع والتداخل، فقد أضفى الفهمُ الدينيُّ المحافظُ على منتجاتِ الثقافةِ المختلفة عواملَ كبيرةً من الكبح.

فقد قام بأسلمة الشعر الجاهلي، محوراً العديد من الأسماء الدينية والأفكار الوثنية، ثم جعلَ المبنى الفضفاض للقصيدة الجاهلية نموذجاً يُحتذى، وجَمدَّ الأنواعَ الأدبية كما كان متبعاً سابقاً، فغدتْ الفنونُ التجسيديةُ محرمةً كذلك.

ثم حين تطورت الآدابُ والفنونُ في العصر العباسي في المدن النهضوية المؤقتة، فإن تغيراتٍ جذريةً في الأنواعِ الأدبية لم تعدْ ممكنة، وإذا حدثتْ تطوراتٌ كما في الرسم وظهور القصة والمقامة واتساع النقد وتشكل الفلسفة، فإنها تغدو محاطةً بدكتاتوريةِ الماضي الثقافية، ودكتاتورية الحاضر الأموي ــ العباسي الجارية.

وهكذا فإن الضرورةَ تتكشفُ هنا، فالعربُ ورثةُ الدكتاتورياتِ المشرقية القديمة، فهم إذ ينقطعون عن نتاجِ الحضاراتِ المشرقية القديمة الغني في زمنِ التطورات الحضارية الخصوبية، ليس بسبب فقدان اللغات القديمة فحسب، بل كذلك رفضاً للتعرف عليها بإعتبارها وثنية، مثلما يكيفون النتاجَ المترجم اليوناني والهندي حسب وعيهم الديني التوحيدي التجريدي وتبعاً لحاجاتهم في هذا المجتمع النهضوي المتوجه للاختناق بفعل دكتاتوريات السلطات والجماعات السياسية ــ المذهبية المختلفة.

إن النقدَ هو الآخر يتعرضُ لهذا الحصارِ فيحافظُ على شكلانيتهِ العامة، بتقزمِ الأنواعِ الأدبية والفنيةِ فيه، ثم يجمدُ تطورَ القصيدةِ بإبقاءِ مبناها العامِ المضطربِ المحدود، الذي لا يغتني إلا بفعلِ نقدهِ للواقع، وتداخلهِ مع الأنواعِ الأخرى كالدراما والقصة، وهو أمرٌ غيرُ ممكنٍ إلا بشكل تعليمي ساذج.

ليست هذه الأنواعُ الثلاثةُ؛ النوعُ القصصيُّ، والنوعُ الدرامي، والنوعُ الشعري، أنواعاً منفصلةً فحسب، بل هي أنواعٌ متداخلةٌ كذلك، فهي تغذي بعضَها البعض، وعدم وجودها في واقع ما، دليل على مشكلات ثقافية وديمقراطية عميقة فيه.

إن عجزَ النقدِ العربي القديم عن كشف ذلك، هو بسببِ ذلك الغياب الديمقراطي في السياسةِ والثقافة ولظهورِ الدول الإقطاعية المركزية أو المنفصلة، وهو أمرٌ قطعتهُ التجربةُ الغربيةُ حين تم الإحتكاكُ بها في بضعةِ عقود، فتم ذلك من خلال السيطرة الأجنبية.

إن النموَ الداخليَّ العربيَّ لم يكن حراً، فلم ينتجْ الأنواعَ السابقةَ الذكر بانفصالِها وتداخلِها المركب، ولم تتحْ تجربتهُ المقموعةُ خلال تلك القرون، التي لم تزدهرْ بالحريةِ الواسعة أن يصنعَ تلك الأنواع بتلاقحِها وتنوعها، ففوجئ وهو ينمو داخلَ الحياة الحديثة الغربية التي دخلتْ حياتَهُ بقوة في عقودِ الليبرالية، أن تاريخـَهُ الثقافي ناقصٌ ومتخلفٌ في أنواعٍ معينة، فراحَ يستكملُ النقص.

ليس العربُ كلُهم منتجين ثقافيين، فالمنتجون هم أفرادٌ وجماعاتٌ من الفئات الوسطى، التي يتيحُ معاشُها أن تشتغلَ في الثقافة، وهي موزعةٌ بين الدكتاتوريتين: دكتاتورية الماضي، ودكتاتورية الحاضر، فالليبرالية العربية لم تتطور وجاءت الحكوماتُ الشمولية فكبحت التطور، لكن بعض نتاجات الثقافة خلق تطوراته الخاصة المعبرة عن حياة الناس وطموحهم للتغيير.

  هناك عباراتٌ هامةٌ لبعضِ النقاد والباحثين العرب حول تطور الأنواع الأدبية العربية تعبرُ عن إشكالياتٍ متعددةٍ تتعلقُ بتطورِ هذه الأنواع في الحياة العربية، وذلك بفهمِ هذه الأنواعِ عبرَ التاريخِ العربي والعالمي.

يقول الدكتور شوقي ضيف:

(إن الغربيين عنوا في بلاغتِهم بدراسةِ الأساليب والفنون الأدبية، بينما لم يكد يعني بهذه الجوانب أسلافنا، إذ صبوا عنايتهم على الكلمة والجملة والصورة)،2.

ويَضيفُ:

(ولو أن شعراءنا نظموا في أساليب جديدة كأسلوب الشعر القصصي أو المسرحي، أو لو أنهم نوعوا في شعرهم الوجداني الغنائي فأخرجوه من صورته الفردية الذاتية إلى صورة موضوعية واسعة صوروا فيها مجتمعاتهم ونفوس من حولهم لاختلفت أساليب الشعر اختلافاً واضحاً)،3.

وهو يعتبرُ بأن المقامات وهو الفن النثري الجديد (سرعان ما تجمد وفقد كل حيوية، إذ حمله أصحابه من صناعة السجع اللفظية ما قضي عليه قضاءً تاماً)،4.

إن تعبيراتٍ مثل (إن الغربيين اعتنوا في كتاباتهم)، (ولو أن شعراءنا)، تعبرُ عن عدمِ قراءةٍ تاريخيةٍ وموضوعية واسعة لأنواع الأدب، فهل كانت الأنواعُ الأدبيةُ المكوَّنةُ عربياً بفعل ذاتي فردي محض، أم كانت لها سببيات أخرى موضوعية كذلك، فتشابكُ الذاتي والموضوعي في نسيج ظلَّ غائباً في كثير من الأحيان.

وكما أن التاريخَ الثقافي العربي بهذه التصوراتِ فقدَ سيرورتَهُ الكامنةَ المشكلةَ له، كذلك فإن التاريخَ الثقافي الغربي غدا هو الآخر نتاجَ إبداعٍ ذاتي صرفٍ لم تتكون له شروطٌ موضوعيةٌ أهلت لتطوراته تلك.

فتغدو السيرورةُ التاريخيةُ الثقافيةُ في الجانبين العربي والغربي، غيرَ معروفةِ المسار، وإن عدمَ رؤيةِ المسارين المختلفين هو ذاته نتاج رؤية واحدة، حيث تنمو الثقافة في هذه الرؤية بدون شروط موضوعية، فيكفي حسن النوايا لكي يُصحَّح المسارَ الخاطئ الذي لم يصل للنموذج.

وتتوجه كتاباتُ الباحثين والنقادِ العربِ إلى تلمسِ هذه السببيات المتوارية، والتي تتحسسُها بعفويةٍ في بادئ الأمر ثم تتحولُ إلى جهودٍ للمقارنة ولتلمسِ ما تحت الظاهرات المرئية.

كان من العبارات الأدبية الغربية، تلك الآراء التي قدمها فيكتور هيجو في مقدمةِ مسرحيةِ كرومويل؛ (وخلاصتها أن الأدبَ قد تقلبَ مع البشرية في ثلاثة أطوار، فالشعر الغنائي كان في العصر البدائي، والملحمي في العصر القديم، والدرامي في العصور الحديثة)، وعلى هذا يكون ثمة مساران متساوقان، حيث الأدب يقطعُ المسار ذاته الذي يقطعهُ المجتمعُ الذي ينشأ فيه. ومن هنا فإن القولَ بخلو الأدب من الشكل الملحمي والدرامي يعني أن المجتمع العربي وقف عند الطور البدائي الأول من أطوار التمدن البشري.

إن مسألةَ أخطاءِ المفاهيم وقراءة التطور الثقافي العالمي سوف لن تغدو في العصر العربي الحديث عربيةً محضة، بل سوف تتشابكُ مع قراءاتٍ نتجت في بلدان أخرى كفرنسا هنا، ومع شاعر وروائي فرنسي كبير هو هيجو، كانت لديه رؤية خاصة ذاتية لتطور الأنواع الأدبية، لكن هذا التصور سوف يُرحّلُ للبلدانِ العربية وينتشرُ بين مثقفيها وسوف يدرسون على ضوءِ تلك الجملِ تطورَ ثقافتهم.

فهيجو في التصور يقدمُ آراءً ذاتيةً غيرَ مدروسةٍ لتاريخ الأدب العالمي، فهو يقدمُ تصوراً للشعر في الواقع وليس الأدب عامة، أي لنوعٍ فيه وليس لكل الأنواع، ثم إنه يؤرخُ لهذا النوعِ بشكلٍ خاطئ كذلك، فالجنسُ الشعري الملحمي هو الأول والسابق، وبعد ذلك تمخضَّ الجنسان الآخران؛ الدرامي والغنائي، لكن في تطور مجتمع خاص هو المجتمع اليوناني، فليس هو تطور الأنواع الأدبية البشرية كلها، وليس هو تطورها في كل بلد أوربي كذلك.

إن مسارات الأنواعِ الأدبية مختلفةٌ متغايرةٌ بين مجتمعٍ وآخر وفي مراحل هذا المجتمع نفسه.

ثم نأتي لكلمات أخرى عامة كذلك هي أن المؤلفين العرب قد (انتهوا جميعاً إلى أن الأدب العربي قد وقف عند الشكل الأول)، فهنا جملة من الأخطاء، فالأمرُ لا يتعلق بـ(الشكل) بل بـ(الجنس الأدبي) أي الشعر وضروبه، وفي حين أن المقصودَ هو (الأنواع الأدبية) وليس الأجناس، أي إن المقصود مناقشة الأنواع كالشعر والقص والمسرح.

وبهذا فإن العبارةَ المنقولةَ عن هيجو المتعلقةَ بتطورِ الأجناسِ الشعريةِ تغدو عربياً مناقشة للأنواع، وتـُعَّمم بشرياً وعربياً، ومن ثم يُقال بأن العربَ وقفوا عند النوع الأول وهو النوع الغنائي ولم يتطور مجتمعهم.

وبطبيعة الوعي الأوربي المركزي السائد فإن ذلك يُربط بطبيعة (العقل الشرقي)، كما حدثَ في مسألةِ قراءةِ الفلسفةِ وتطورِها العربي، وهذا يغدو تتويجاً لغيابِ القراءةِ التاريخية والتي تبدأ من هيجو حسب مناقشة الفقرة السابقة، الذي قدمَ ترتيباً تعميمياً غيرَ دقيق عن الجنس الشعري، وغدا لدى بعض الباحثين العرب تعميماً نوعياً إنسانياً فشملَ الأدبَ العربي بأنواعه والمجتمع كذلك.

انتجَ سليمان البستاني وروحي الخالدي أفكاراً في بدءِ التحديثِ العربي عن الأنواعِ والأشكال الأدبية، فيها ذات الإشكاليات، فالبستاني يقول في مقدمتهِ لترجمةِ الإلياذة بأن: (العرب قسموا الشعر إلى أبواب منها الغزل والمديح والهجاء والرثاء ونحو ذلك، ومثل ذلك موجود في شعر جميع الأمم، ولكن الأفرنج يحصرون أبواب الشعر جميعاً في بابين: الشعر القصصي (إيبك) والشعر الموسيقي (ليريك): ذلك أنه لا بد للشعر من أن يرمي إلى أحد أمرين: إما بسط أحوال العالم بمظاهره البارزة وإما التعبير عن شعائر (مشاعر) النفس الخافية عن الأبصار وإبراز التصورات الكامنة في الصدور.. فالشاعر القصصي بهذا الاعتبار يعبر عن شعائر غيره والشاعر الموسيقي إنما يعبر عن شعائر نفسه)5.

يحددُ سليمان البستاني قضيةَ الأنواع الأدبية في الشعر ويضعهُ في خطين بطريقةِ أما وأما، وهو منهجٌ تقطيعيٌّ منذ البداية، فأما أن يكون الشعر موجهاً للخارج فيغدو قصصياً وأما أن يتوجه للداخل فيغدو موسيقياً، وهذه التفرقة هي قراءةٌ أولى لمسألةِ الأنواع لكنها دخلت في الأجناس، فالشعرُ جنسٌ من ضمن نوع، والقصة جنسٌ من نوع آخر، وحين يقول البستاني بأن الأوربيين عرفوا هذين (النوعين) فهو يتحدث عن المرحلة الإغريقية والمرحلة المعاصرة، فهو يقصد كما نفهم المسألة الآن بأن الجنسين دخلا النوع الشعري، وعبر ذلك تشكل في الرافدِ الأول وهو الملحمة، وفي الرافد الثاني تشكلت القصيدة الغنائية، حيث إختصتْ الملحمةُ بالتعبيرِ الاجتماعي الواسع، وبتجسيدِ الحياة، وليس أنها لم تهتم بالذات والمشاعر، في حين أن الجنسَ الغنائي تخصصَّ في التعبيرِ عن الذات، وهذا لا يعني عدم تواجد الحياة الموضوعية وتأثيراتها فيه.

ولكن الملحمةَ الإغريقيةَ تشكلتْ شعراً، وهي ليست ذاتَ صياغةٍ نثرية، وبطبيعة الحال فإن القصيدةَ الغنائيةَ هي كذلك، ولهذا فإن وصفَ الجنس الغنائيِّ بالموسيقى هو وصفٌ غيرُ متكامل.

ويقولُ شكري عياد: (ويظهر في هذا البحث بأن البستاني ميال إلى القول بأن العرب في جاهليتهم لم يكونوا مختلفين اختلافاً أساسياً عن غيرهم من الأمم القديمة كاليونان والرومان والهنود)،6.

إن ما وصل إلينا لحد الآن من التراث العربي كما قلنا لا يعطينا دليلاً في هذا، ولا يمنع كذلك أن يكون للعرب ملاحم لم تصل إلينا.

ويضيفُ شكري عياد بناءً على قراءتهِ لمقدمةِ البستاني السابقةِ الذكر: (ويذهب أنهم عرفوا القصص أيضاً، ويستدل بأيام العرب مثل قصة حرب البسوس، ولا يستبعد أنها كانت في الأصل ملحمة ففقدت أجزاءً منها وتفرق ما بقي)،7.

هنا يتضحُ بأن البستاني يتوجهُ للملحمةِ وهي المكتوبةُ شعراً بطبيعةِ الحال، ولكنه يصفُ فترةً لم تظهرْ مثل هذه الملاحم فيها، بل ظهرتْ القصائدُ الغنائيةُ (التي يسميها الموسيقية)، وهي سائدةٌ بشكلٍ كلي، وهو الأمر الذي يدعو للتحليل، عبر الحفر في هذه القصائد وكشف إذا ما كان لها علاقة بالملحمة أم لا، وهو ما سنقومُ بهِ لاحقاً.

ثمة إدراك بكون النوعين الشعري والنثري العربيين في بدءِ تكونهما قد تشكلا بلا مساواة كمية، فالشعرُ هائلُ المساحة بينما النثر محدود، ولكننا ليس لدينا سوى ما حفظتهُ الذاكرةُ العربية بعد قرون من تشكل النوعين، ولدينا هذا الترتيب المُقر السائد بكون الشعر الغنائي العربي هو الأسبق وهو الكم الهائل المحفوظ، وفي خضم ذلك يُقال بأن الشعرَ ديوان العرب.

فهل يعني ذلك إن الشعرَ الملحمي لم يكن موجوداً لدى العرب أو أنه كان ثم اختفى؟

وبطبيعة الحال فإن المقاربةَ لتكوّن القبائل العربية وظهور لغاتها الموحدة أصبحت كلاسيكية وتم الاتفاق بشكلٍ عام على أن الشعر الغنائي هذا له من العمر مائتا سنة قبل الإسلام على الأكثر، وأما ما قبل ذلك فمجهول، وهذا الزمان التقريبي هو الزمان التقريبي لتكون التوحد القبائلي الكبير بين قبائل عدنان من جهة، وقبائل قحطان من جهة أخرى، ثم التقارب القبائلي بينها.

وعبرَ هذه اللغاتِ ــ اللهجاتِ ثم عبرَ اللغةِ الواحدة تشكلَّ هذا الشعر والنثر، وبين النوعين وحدةٌ ما، هي سيطرةُ الموسيقى فيهما، وهو الأمرُ الذي لعبَ دوره في عملية الحفظ.

إضافة إلى ذلك فنحن نقرأ النوعين عبر الرواية الدينية الإسلامية، التي حورت بعض الألفاظ وغيرت في الصياغات وربما أخفت ونحت أشياء عدة بسبب عدم تطابق هذه القصائد أو المقطوعات مع العقلية الدينية السائدة، ولكن نحن لسنا بصدد قراءة المنحول أو الصحيح بل قراءة تطور الأنواع بذات المادة المقدمة والمُعترَّف بصحتها العامة، وقد قادت عملياتُ التغييرِ والنحلِ في الشعرِ الجاهلي بعضَ النقادِ القدامي والمعاصرين إلى التشكيك الجزئي فيه كابن سلام الجمحي، وإلى التشكيك العام كما يفعل طه حسين في كتابهِ الشعر الجاهلي ثم في كتاب الأدب الجاهلي .

يقول ابن سلام الجمحي حول الشعر الجاهلي:

(.. جاء الإسلامُ فتشاغلت عنه العربُ وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم ولهتْ عن الشعر وروايتهِ فلما كثرَ الإسلام وجاءتْ الفتوحُ واطمأنتْ العربُ بالأمصار راجعوا رواية الشعر فلم يؤولوا إلى ديوانٍ مدونٍ ولا كتابٍ مكتوبٍ وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل فحفظوا أقل ذلك وذهبَ عليهم منه كثيرٌ وقد كان عند النعمان بن المنذر منه ديوان فيه أشعار الفحول وما مدح هو وأهل بيته به صار ذلك إلى بني مروان أو صار منه. قال يونس بن حبيب قال أبو عمرو بن العلاء ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله ولو جاءكم وافراً لجاءكم علمٌ وشعرٌ كثير)،8.

هذه العبارة هي التي ارتكز عليها طه حسين في دحض أغلبية الشعر والنثر الجاهليين، لكن بعد فترة من الفحص قام بها باحثون تم التأكد من صحة الكثير من هذا الشعر، وتم كشف أجزاء منحولة، ولكن الفجوات في بناء القصائد الطوال خاصة وإزالة الجوانب الدينية الوثنية هي قضايا لم تـُحسم بعد.

وبهذا فإن القراءةَ التي نقومُ بها لهذا الشعر والنثر ترتكز على ما اتفق عليه وصحت نسبته إلى الشعراء والقوالين.

إن ضخامةَ الشعر الغنائي أمرٌ لا يستطيع أحدٌ أن يلغيه أو يحوره، وهو الشعر الذي تكون في فضاء هذا التوحد الاجتماعي للقبائل العربية وهي تظهرُ على مسرح التاريخ.

أما ما قبله فمجهول، ولهذا فإن التساؤلات هنا تتوجه هل نستطيع أن نعمم ونقول بأن الثقافة العربية لم تعرف الملاحم الشعرية، وهل يمكن لمثل هذه القبائل التي تشكلت خلال آلاف السنين أن تعبر عنها هذه الفترة الأخيرة فقط التي وقف الوعي الوسيط الديني المحافظ والوعي المعاصر المتعدد الرؤى عندها عاجزين عن الولوج لما ورائها بحثاً موضوعياً؟

كذلك فإنه لا بد من حسم موضوع (العقل العربي) والعقل السامي الذي لا يعرفُ الملاحمَ عبر قراءة التواشج الثقافي مع حضارة وادي الرافدين التي هي حضارة قريبة ومؤثرة على التطور الاجتماعي العربي عامة، فهذه الحضارة الرافدية عرفتْ الملاحمَ الشعرية والقصص ولكن الملاحم ليست هي ملاحم قصصية صراعية جماعية واسعة، بل هي أقربُ للقصةِ الشعرية الفردية المطولةِ كملحمةِ جلجامش، وبهذا فإنها لم تستطع أن تشكلَ ملحميةً واسعةً قادرة على تحليل شبكة من الشخوص وعلى قراءة الواقع بالتالي، وعلى طرح نماذج خصبة منوعة، وقد تمكن الإغريق من خلقها بسبب ترافد الماضي (البربري) الديمقراطي مع ثقافة المدن الحرة التي ترتبتْ على طبيعة الجزر، المتعددة، وعلى نمط التجارة الفردية الواسعة، في حين كانت الثقافة البدائية شبه الديمقراطية في وادي الرافدين والوادي المصري قد تم كتم أنفاسها مع تشكل الدول الاستبدادية الكبيرة.

ومع هذا فإن هذه المخاضات والانجازات للشعوب في منطقة الشمال لم تصل إلى عرب الجزيرة إلا عبر بعض الومضات التي نفثتها الأديان.

________________________

تبعية العلمانيين للدينيين ــ جذورها ونتائجها

تعتبر العلمانية الديمقراطية العربية المعاصرة هي الصيغة السياسية العامة لخلق الهياكل السياسية لتجاوز وضع الأمة العربية التابع للعصور الوسطى التقليدية، حيث غرقت البلدان العربية القديمة في التمزق الطائفي وتكونت فسيفساء سهل ابتلاعها من قبل الدول الغازية المختلفة، سواء كانت الدولة العثمانية باسم الدين أو الدول الغربية باسم الاستعمار.

ويعبر القرن العشرين عن الصعود الكبير  للعلمانية في وجه الشبكات الإقطاعية الطائفية القديمة في شتى جوانب الحياة، فالتعليم الكتاتيبى أخلى المكان للتعليم النظامي، وبالتالي أمكن تغلغل جوانب من العلوم في الوعي الشعبي، مثلما بدأ القضاء على الشعوذة والسحر في العلاج ونشوء شبكة من المستشفيات، وخرجت النساء من البيوت والاعتقال القديم، ودخلن الحياة العملية والإنتاجية، وانتشرت وسائل الثقافة الحديثة من صحف وكتب وأشكال ثقافية معاصرة كالرواية والمسرح والفنون التشكيلية، مما جعل وسائل التأثير الدينية بمحتواها المضاد للتحديث تتراجع إلى خلفية المسرح.

بل أخذت القوى الدينية ذاتها تستعير الأفكار العلمانية الحديثة، وما التنظيمات الدينية سوى أشكال من الاقتباس من النزعات القومية والفاشية الحديثة وقد لبست قوالب من التراث المقطوع عن مضامينه التقدمية العربية القديمة.

وتغلغل شيءٌ من الوعي العلماني في الحياة الاجتماعية، عبر تحرر المرأة وتغيير بعض القوانين المضادة للمساواة، ولكن ذلك لم ينتشر بقوة في الميدان الاجتماعي الأسري العربي، حيث تبقى الأسرة الحصن الأخير للأبوية والتقليدية، وانتشرت قوانين جديدة للأحوال الشخصية تطورت في بلدان إلى الذروة كتونس، لكن الرجعية الدينية بثقلها النكوري والسياسي الكبير عرقلت التطور في هذا الميدان الحساس والهام فتغلبت القوى التقليدية في بلدان أساسية كمصر والعراق فعرقلت تطور الحرية العربية.

صاحب هذا التطور العلماني على المستوى الثقافي والاجتماعي تطور سياسي كبير، حيث تمكنت القوى العلمانية ممثلة في أحزاب الفئات الوسطى من تحقيق انتصارات تحررية كتفجر الثورات في مصر والعراق وسوريا وتونس والمغرب على الاحتلالات الأجنبية في النصف الأول من القرن العشرين.

وقد قاد ذلك كله القوى الاستعمارية لتقوية الشبكات الطائفية وفتح المجال لنموها وتطورها، فبرزت في الثلاثينيات الأحزاب الدينية، وتم تحويل الدين كبعبع لمهاجمة القوى الوطنية والتقدمية العربية، فكانت تقوية الشبكات الطائفية كالوهابية والسنوسية والاخوان وإعادة ضخ الأموال في المؤسسات الطائفية التي أقفرت في سنوات النضال الوطني والقومي التحرري، وتم التركيز على بعث الهياكل النصوصية العتيقة وسجن العقل العربي في تضادات العصور الوسطى، كالتركيز على الحلال والحرام، وعلى نشر الخرافات وإلغاء العلاقات العقلانية والسببية، والهجوم على الأشكال الحديثة في الثقافة كمهاجمة الشعر الحديث، والحداثة بشتى صورها.

وقد أمكن للاستعمار والصهيونية والرجعية العربية من محاصرة العلمانية العربية عبر الهجوم على الاتحاد السوفيتي ومحاصرته ومهاجمة التجارب الوطنية والتحررية في مختلف بقاع الأرض، وقد كان لهذه التجارب مجموعات من الأخطاء سهلت القضاء عليها ثم ساد التفرد الغربي الاستعماري في كل الكرة الأرضية.

ولا شك أن الأنظمة التحررية العربية قد ارتكبت العديد من الأخطاء الكبيرة التي سهلت للقوى الطائفية الرجعية من استلام زمام المبادرة، والانتشار، فقد كانت هذه التجارب الوطنية غير علمانية بشكل جذري، فهي قد رفضت التجارب العلمانية السابقة والتى كانت أكثر جذرية منها في رفض الجماعات الطائفية وأفكارها، واعتمدت الأساليب الدكتاتورية في الحكم، ورفضت مواصلة جهود التنويريين العرب السابقين كطه حسين وسلامة موسى ولويس عوض الخ.. في الثقافة والسنهوري في القانون، وشبلي شميل في نظرية التطور، وجمدت عملية تحرير المرأة، وأوقفت محوالأمية ومقاومة الخرافات والأساطير، وغيبت الحرية الشخصية الفردية وخاصة في المجال العقلي التحرري، ونشرت عقلية القطيع وأحزاب الحكومة المصفقة لكل أمر.

تتضح طبيعة الأحزاب العلمانية التحررية القومية التي انهارت في نضالها العلماني، بعد وصولها لغنائم الحكم، في تجارب مصر والعراق وسوريا بالأخص.

فبينما كان بورقيبة يواصل عملية تحرير المرأة التونسية وخلق شفافية سياسية وفكرية مع الشعب، كانت هذه الأنظمة تغرق في الفساد والرجعية الفكرية، فلا تجد سوى أن تمد أيديها للقوى الطائفية وفكرها العتيق. فكانت تعيد تقوية المؤسسات الدينية بذلك الفهم الطائفي، فنجد مؤسسة مثل الأزهر بدلاً من قيامها بثورة في الفهم العقلاني للإسلام تعيد ضخ القوة في الوعي النصوصي والمحافظ، ولم يكن ثمة نظام قومي تحرري لم يضطلع بمهمة بعث الهياكل الطائفية واستغلالها ضد التقدميين والعلمانيين العرب والمسلمين، عبر تشكيل مؤسسات دينية كبرى والصرف عليها بالملايين.

وإن تتحول هذه القوى القومية إلى جماعات منتفعة شمولية فإنها تواصل اعتقال الجمهور العربي بمختلف أديانه، وعلى الإبقاء على الهياكل الاجتماعية والثقافية المتخلفة، وينعكس هذا على استغلالها للدين في الحياة السياسية بعد أن أفلست في فكرها العلماني المزعوم.

فنجد النظام العراقي والذي كان يفرق في مجموعة من التناقضات يعود لاستغلال آيات القرآن استغلالاً كاريكاتيرياً، أو استخدام المصطلحات والرموز التراثية بصورة تكشف مدى التهلهل في هذا الوعي «العلماني»، ويقوم النظام بعقد مؤتمرات للأحزاب القومية والدينية تردد هذه الآيات فيها، ويتم اعتقال الشعب في زنازين من الأمية والتخلف العلمي والعسكري.

ومع تفاقم أزمات الأنظمة المرتدة عن العلمانية والحرية القومية، فإنها تنقل هذه الأزمة للجماعات التابعة لها، والمتاثرة بها، والتي تنعم بـ«مساعداتها» في بقية الأقطار العربية، فتتدهور الشعارات السطحية العلمانية فيها، ولا تجد مقاومة فكرية عميقة داخلها لهجوم الطائفية على قياداتها وأعضائها. فهذه الجماعات تعاني مثل الأنظمة القومية من غياب الديمقراطية فيها، الأمر الذي يقودها إلى تخلف ثقافي، تكون علاماته تدهور الوعي العلماني داخلها، وتبعيتها السياسية ومن ثم الفكرية للجماعات الطائفية.

فالجماعات العلمانية التي كان يُنتظر تحرر نسائها وأفرادها يعود الوعي الرجعي إلى صفوفها، بعدم تقوية وتنمية الثقافة التقدمية في شتى مجالات الوعي،حيث يتطلب الوعي السياسي إجابات على كثير من الأسئلة المعقدة التي تُطرح في شتى جوانب الحياة الاجتماعية. مثلما يعجز هؤلاء القادة والأفراد عن التطور بوعيهم وأسرهم وكياناتهم في سلم الحداثة.

ولكن إذا كانت الأنظمة البعثية والتيارات القومية تواجه الاستعمار والصهيونية بتلك الأسلحة الفكرية والاجتماعية العتيقة، وتدخل المعارك ضد الاستعمار بتلك الهياكل الرثة من الجيوش والأفكار، فإن الجماعات التابعة لها، والمتأثرة بها، أو الجماعات الدينية التي اصطفت معها، تقوم بالدفاع عنها بذات الأساليب والأفكار وترديد تلك الجمل المنتزعة من التراث الدينى، الأمر الذي يعبر عن سقوط وعى كامل من الأبنية شبه العقلانية والتى تدخل الخرافة من أبوابها الواسعة. أي إن انتهازية القيادات في هذه الانظمة والجماعات بعد أن غرقت في عوالم الشمولية والاستبداد، أخذت الظلامية الفكرية تزحف فى قنواتها السياسية التى تهيمن عليها بالحديد والنار أو بالدجل السياسى، وتتكون العقلية الانتهازية التي تستغل الكتب المقدسة والتراث، لمصالح ومآرب نفعية ولمعارك فاشلة.

إن قواعد هذه الأنظمة أو الجماعات السياسية التي كانت علمانية، والتي تبدأ في الغرق في ثقافة الجهل والتجهيل، والانتهازية والوصولية، تكون مستعدة لجميع الخطوات السياسية المغامرة ولتأييد الأنظمة الفاشية، بعد أن تم الحجر على عقولها.

وعلينا أن نقرأ العلة الأولى في رؤوس هذه الأنظمة والجماعات التي تلاعبت بالدين وحولته إلى مطايا لاستغلالها، مستثمرة كل الجوانب الرديئة من التراث، زاعمة أنها عودة للإسلام.

فمن هناك من العواصم العربية تم التداخل بين الدين والهياكل السياسية الدكتاتورية، وليس التدهور السياسي في هذه الدول والجماعات، سوى انعكاس لانهيار مشروعها النهضوي التحرري، والتحامها بالطبقات الإقطاعية والبيروقراطية القديمة، وبرؤساء القبائل وبزعماء الطوائف والكيانات العتيقة المختلفة. وبالتالي قامت ببعث الموروث الطائفي والمحافظ.

ففي الوقت التي شاركت هذه الرؤوس في سرقة الدم العربي من عروق العاملين فلا مكان للعلمانية والتقدمية لديها.

كانت تقوية القوى الاستعمارية والرجعية العربية والصهيونية للشبكات الطائفية العامل الرئيسى فى صعودها في العقود الأخيرة من القرن العشرين، غير أن الشبكات الطائفية تجاوزت الخط الأحمر غير المسموح بتجاوزه، وتوهمت بقدرتها على وراثة النفوذ والحكم في المنطقة.

إن التشكيلة الإقطاعية/ المذهبية التي كانت تحاول بعثها، كان لا بد أن تؤدي إلى بعث كل الأسس غير الحديثة الميتة، وأن تصعد الشبكات الطائفية بكل اختلافاتها وأحكامها الراجعة إلى ما قبل العصر الحديث، والتي شجع الاستعمار بقاءها في الأنظمة التابعة لكن العلمانيين التابعين لهذا البعث الطائفي، بعد أن فشلوا في البعث القومي، لم يروا سوى الاختلاف والصدام بين هذه الشبكات الطائفية والسلطات والاستعمار.

أي لم يقوموا بقراءة جذور هذه التكوينات الطائفية، وخطورة نموها على الفكر العقلاني والحريات الاجتماعية المختلفة، ولم يروا سوى طابع الاختلاف بينها وبين السلطات والاستعمار، وهكذا قاموا بعزل القضية السياسية عن أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وسمحوا لأنفسهم بالتعاون بل التبعية السياسية للشبكات الطائفية. بدلاً من تشكيل تحالف ديمقراطي علماني إسلامي نهضوي يهزم مشروع البعث الطائفي.

نتائج ذلك كانت خطيرة على حياة المسلمين والمسيحيين العرب وعلى تطور الوعي والحريات لهم، في إيران وجهت السواطير لقطع رؤوس التقدميين والعلماء والوطنيين، والحركات النسائية والديمقراطية المختلفة، وتم إعادة قوانين رجعية، دون أن يحدث تغيير في حياة الجمهور بل عادت الأشكال المتخلفة من حكم الإقطاعيين الطائفي والسياسي.

وقاد تدهور الدولة الديمقراطية والعلمانية في مصر إلى كوارث ومذابح وتم إعادة مصر إلى الوراء على الأصعدة كافة.

لكن العديد من المجموعات العلمانية الانتهازية لم تقطع عملية التبعية للشبكات الطائفية، رغم كل هذه الشواهد والأحداث الفظيعة، وتعود هذه إلى محدودية النظرة السياسية، وقراءتها للقريب دون البعيد، واعتمادها على الحماس الشعبي المتخلف، وهو أمر غير ثابت، وعجزها عن النظر بشكل مركب لعمليات الإصلاح والصراعين السياسى والاجتماعى، وعلى إقامة تحالفات ديمقراطية واسعة، وتشبثها بسيطرتها الشللية، وهذه كلها أمور تؤدي إلى تدهورها السياسي والفكري على المدى البعيد.

ويرجع ذلك ايضا لتخاذل القوى العلمانية الجادة في النضال، وضعف وعيها في قراءة جذور الشبكات الطائفية، وأهمية تفكيكها وتغيير قواعدها الشعبية بخطاب يجمع النضال الإصلاحي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي في حزمة واحدة.

فهي كذلك ترى النضال ينحصر في المجال السياسي، وغالبا ما تتخبط بين الاتجاهات الحديثة والطائفية، عاجزة عن شق الطريق الرئيسي للحداثة والنضال الوطني والقومي بمحدودية فهمها لكل هذه الجوانب المترابطة.

كما لا تعارض الدول الطائفية في سماحها بتشكيل الشبكات السياسية الطائفية التي تمثل خطورة على السلامة الوطنية، نظرا لقيام هذه الدول باللعب على الورقة الطائفية واستخدامها في تفكيك صفوف المعارضة ولا تؤدي عملية استخدام هذه الورقة لتفتيت صفوف المعارضة فحسب بل إلى هدم الكيانات الوطنية كما سيحدث في العقود التالية وإلى حدوث مذابح وكوارث كبيرة.

كذلك فإن القوى العلمانية الجادة ليس لديها وعي بموروثها ولا تفرق بين القوى الطائفية السياسية والمذاهب الشعبية الموروثة، بين الشبكات الطائفية المسيسة والإسلام، نظرا لغياب قراءتها لتاريخها الوطني والديني.

تتطلب عملية فك الارتباط بين العلمانيين والطائفيين الكثير من الجهود والصبر السياسي والتثقيف، فعلى العلمانية يتوقف مستقبل العرب والمسلمين في العقود القادمة.

جذور العنف في الحياة العربية المعاصرة

جذور العنف في الحياة العربية المعاصرة

[نحو موقف علماني عربي شامل]

يطرح المسار العربي الراهن، بكل ضجيجه الدموي العنيف، وخاصة في منحدراته العميقة المعتمة: عن ذبح للبشر، وتدمير العمران، وتشكيل الجماعات والدول #الطائفية، وصنع الخنادق العربية والإسلامية المتقابلة المسلّحة، ووضع الملايين تحت الإقامة الجبرية في قفص السيد المطلق المتجدد أبداً، ضرورة تشكيل مواقف عربية عميقة وجريئة و#ديمقراطية #علمانية تعيد رؤية #تاريخ #الأمة_العربية بشكل جديد وجذري ليصل النقد والتغيير إلى #جذور_العنف المتكلّس في تاريخنا وأبنيتنا #المادية والروحية. إنه في هذا العصر الذي أدار ظهره للمنحوتات الحجرية المؤبدة للقمع الشامل، تتراءى ضرورة المعرفة الحقيقية، كمحاولة أولية وهامة لوقف مسلسل الدم والانهيار، ولوقف سير العربة العربية نحو هاوية الطائفية والتخلّف.

 

انه الزمن العالمي الذي وضع كل شيء تحت مجهر وتلسكوب العين #الإنسانية الفاحصة، وصنع الوعي ثورات وأجهزة تعيد تشكك النسيج الاجتماعي والجسدي والفكري.

فآن لنا نحن العرب أن ندخل العصر بقوة، وأن نعرّي كل شريط الاعتقال الطويل للشعوب، الذي كان مسلسلات كابوسية لتشويه وتقزيم إرادتنا وأرواحنا، وحبسنا في زنازين الحكم الشامل، الذي لم يدع حلماً من وعينا وجسدنا إلاّ قيّده.

آن لنا أن نقول أيها الحكم الفرعوني الطويل، لقد أتخمنا بجبروتك وتسلطك على نسائنا وأطفالنا وأغانينا وفرحنا، آن لنا أن نعرّيك ونهدمك. ليس في هذا المسرح الأرضي المنكوب سوى الإنسان العربي قمّة المخلوقات، صانع القيود الحديدية والغيبية، وهو الذي يشكلها وينفيها.

لم نعد الآن قادرين، وأشلاء الضحايا تقطر فوق رؤوسنا رعباً وأسئلة، وتصنع المذاهب المفخّخة أنقاض دولة وتعدّنا لحروب أهلية طويلة ومريرة، ان نتجاهل آلاف السنوات من الحكم العنفي الشامل، حيث طبقة صغيرة ترث الامتيازات والخيرات، وتقيم تركيبة اجتماعية متحجّرة، يقف على قمتها السيد الرجل المطلق، وتجعل الحكام آلهة والمحكومين عبيداّ، والذَكَر سيداً ابدياً، والأنثى جارية مولّدة، والملاك الكبار يتوارثون الأرض والبشر.

اتّسم تكوّن الدولة #الإسلامية الأول بالسيطرة على #الطبقات المختلفة عبر #وعي واحد شامل. ولكن ذلك لم يكن لاّ مؤقتاً، حيث راحت التناقضات #الاجتماعية تتفجّر، وخاصة مع #حروب_الردّة ثم #حروب_الفتوح التي أغدقت على #الارستقراطية القرشية والعربية خيرات #البلدان_المفتوحة، وأدى هذا إلى احتدام الصراعات، مرة بقتل الخليفة عمر بن الخطاب ومرة ثانية بقتل عثمان بن عفان، ثم بالحرب مع أو ضد علي بن أبي طالب، ومن هنا توسّعت الخلافات والصراعات الطبقية التي تمؤهت من خلال #الوعي_الديني، الذي تحول إلى #وعي_مذهبي.

لقد حاول عمر بن الخطاب أن يقيم توازناً اجتماعياً، وأن يوزع غنائم البلدان المستغلة بشكلٍ متساوٍ على الفاتحين #العرب، إلاّ ان التناقضات العميقة فجرت الصراعات الدموية وطلعت الأرستقراطية #العربية الباذخة لتشكل ملكاً عضوضاً جيرّ مختلف المفردات #الفكرية والأدوات السياسية لحكمه الطويل.

لقد قام النظام الإقطاعي – العبودي بعد سيطرته على ملكية الأرض والفلاحين، بتفصيل بدلة دينية ــ مذهبية على مقاس امتيازاته ومصالحهم مواصلاً إستلام ملكية البشر، من اسلافه الفراعنة والأكاسرة والقياصرة، محافظاً على التركيبة السياسية الاجتماعية المتحجّرة: سيطرة مطلقة للحكام، سيطرة شاملة للذكور، استغلال لا يرحم للمزارعين والعبيد (1).

لقد انجرّت القوى المعارضة، بحكم شروط الوعي والوجود الاجتماعي إلى استخدام ذات العباءة الدينية في تبرير اختلافها وصراعها مع الحكم الديني والمذهبي المركزي، فابتكرت مذاهبها الأخرى، لتعكس مصالح جهاتها وأممها وجماعاتها، ورغم أنها لوّحت بالعدالة وتحقيق المساواة،وخدمة المناطق والأقاليم المختلفة وحققت إنجازات ملموسة وقتية في سبيل ذلك، إلا أن الأغنياء الكبار والمتسلّطين ما لبثوا أن سيطروا على شبكة إنتاج المذاهب كذلك، وضخّوا السلطة والثروة إلى خزائنهم، فغدت الحروب المذهبية الدامية المستمرة تعبيراً عن حروب اجتماعية يتم إخفاؤها، ولا تجد الأدوات السلمية والقانونية لكي تظهر وتتبلور وتحل.

إن المعارضين العرب بلجوئهم إلى #الدين وتفسيره مذهبياّ خسروا عملية التغيير العميقة الشاملة ودمّروا الدولة التي أرادوا إنقاذها.

لقد غدا الكفاح من أجل العدل والمساواة ملتبساً بالخلاف #الطائفي الفقهي، وصار انفصالياّ، مناطقياً، مما أدّى إلى تمزيق الدولة العربية ــ الإسلامية، وتحطيم بناها الاقتصادية وشبكتها الاتصالية المادية والفكرية.

لم تكتف الطبقات المهيمنة في كل المذاهب المنقسمة المتعادية، وعبر كل الأبنية الاجتماعية في حركتها التاريخية، بأدوات القمع العادية، وعنف الشرطة والجيوش والسجون وفرض الجزية والخراج، بل جعله من المذهب الديني قمعاً وسيطرة، عبر إزاحة ما هو انساني، ومراكمة ما هو شعائري وعبادي شكلي.

لقد تمّ التركيز على ما هو حزين ويائس ومجمّد لانطلاقة الروح والجسد والفرح ونزع علاقات #التضامن و#الكفاح بين العرب، وتغييب لما هو مساواتي بين #الرجل و#المرأة، وبين الأمم، وبجلّ ما هو تراتبي وشوفيني وذكوري مسيطر.

ويحاول المنقبون المعاصرون في مناجم الماضي، أن يروا بعض البصيص في كفاح العرب عبر قراءة بذور النور العقلانية المنتجة في حقول اللاهوت.

لقد حاولت #الأمم_الإسلامية عبر الأوعية المذهبية ان تتحرر، وكانت الفرق الدينية تحاول بأدوات الفكر الديني الخروج من سطوة المذهب المركزي المسيطر، وحاول #الفلاسفة المتنوّرون أن يزحزحوا تلك المركزية الشمولية #المذهبية #الإقطاعية، عبر تخفيف مراكزها ومن أجل تعدّد أقطابها، ومن أجل وعي موضوعي بقوانين المادة والطبيعة، فكان كل هذا النشاط العظيم كفاحاً داخل الممر المعتم، ونضالاً ضد #الأساطير بأدوات أسطورية، وصراعاً ضد الظالمين بحديد قيودهم، وجاء المتصوّفة ليسبحوا في البحر حتى قاعه المعتم، ،فكافحوا العقل المذهبي الرسمي الشمولي الظاهر، بلا #عقلانية #باطنية، فسيفسائية، أسلمت #الوطن_العربي في خاتمة المطاف إلى سلطات #الدراويش والدولة العلية المعلولة.

وعندها بدأ #رجال_الدين النهضويون المسلمون والعرب في #القرن_التاسع_عشر كفاحهم المتصدّي للسيطرة الأجنبية المحدقة وللتخلّف المزمن، جعل كثير منهم الدين مرة أخرى أساساً لعملها السياسى. ومنذ ذلك الحين وُضع الأساس الحديث لمشكلاتنا الراهنة.

إن شعارات #النهضة ومقاومة #الاستبداد والدعوة للحكم البرلماني واصلاح التعليم ونشر المعارف الخ .. كانت خطوات إيجابية في سبيل النهوض العام للأمة العربية غير المستقلة والمتداخلة مع بقية الأمم الإسلامية، ولكن بقيت الشعارات الدينية ــ النهضوية غير مدركة لطبيعة الجسم السياسي الديني المحافظ الكبير الذي راحت تستثير نشاطه، ليغرقها في النهاية بشبكته الطائفية الواسعة، وبجذوره الممتدة قروناً مديدة.

إن الأفكار الحالمة لم تكن على دراية بحجم وعمق التركيبة الاجتماعية السياسية الفكرية المحافظة، والتى راحت تستعيد سطوتها على الحياة العربية، عبر تغذية القرى الاستعمارية لها والتي وجدت فيها أرضية أساسية لتمزيق الأمة العربية والتي تم تفتيتها سياسية وادارياً، وغذيت تنوّعاتها الإقطاعية والعشائرية والمذهبية والمناطقية، وتم ربط اقتصادها المنتج للمواد الخام بالدول المسيطرة وهمّشت قواها الاقتصادية والثقافية التصنيعية. ورفضت قوى علمانية تنويرية صغيرة مسار الانبعاث الديني ــ القومي المتضافر، طارحة استيراد النموذج الحداثي الغربي، ولكن ظلّت طاقاتها العقلية الهامة والمفيدة، معتمدة على تشكيل الإنتاج الثقافي، غير المترابط مع الوعي السياسي وإنتاج الممارسة الثورية(2). ولقد تلاقح هذان الاتجاهان الرئيسيان في بعض الخطوط الصغيرة العابرة. حين استعارات بعض القوى القومية بعض الجوانب #العلمانية، وبشكل محدود. ونظراً لانعزالية الاتجاه الثقافي العلماني عن الممارسة الكفاحية #الوطنية، بدا وكأنه مرتبط بالسلطات الأجنبية، ونموذج لتبعية فكرية للغرب.

إن الاتجاه #القومي الديني في عملية تغلغله بين #الجمهور_العربي، أعتمد النفعية والعفوية، ووجد أن استغلاله لمشاعر المؤمنين، وتنشيطه لبعض المفاهيم الدينية والشعائرية قد وسّع شعبيته، مما أدّى إلى إحجامه عن تعميق الوعي العلماني في صفوفه، وتركيزه على الجانب الديني. ولا شك أن تسييس الإسلام بشكل وطني وقومي قد أدى الى توحيد بعض #الشعوب_العربية ضد #الاستعمار، وعبّر عن #علمانية محدودة، وبيّن أن البعد عن الشبكة الاجتماعية المحافظة، هو بذور لنمو #ديمقراطي هام، ولكنه نمو لم يكتمل، ليس لأن تلك الشبكة ذات قرون من التأهيل في البنى الموضوعية والذهنية للعرب فحسب، بل لأن القوى التحديثية العربية لم تواصل مهماتها العصرية، وعجزت عن تغيير نظم الامتيازات، وكانت هي جزء من القوى المستغلة للجماهير، ووجدت أن من مصلحتها الإبقاء على الوعي المحافظ تثبيتاً لنفوذها.

كما أن القوى الاستعمارية والعربية التابعة واصلت تعميق وتعزيز دور المؤسسات المذهبية، فكانت تركيبة التخلف شرطاً من شروط ديمومة النهب الاجنبى والداخلي.

إن القوى الحديثة النامية حينذاك، بتركيبتها الإقطاعية والبرجوازية المتداخلة، لم يكن من برنامجها إنتاج أدوات نظرية وسياسية لبناء مجتمعات ديمقراطية علمانية. وقد وجدت مصلحة في إبقاء التركيبة القروسطية. مع إجراء إصلاحات اجتماعية وسياسية مهمّة عليها، وكان إغفالها لأفكار #المتنوّرين_العرب العلمانيين، خاصة في مسائل #فصل_الدين_عن_السياسة_و_الدولة، تعبيراً عن وشائجها القرابية مع تلك التركيبة المتخلفة.

أن عجز الطبقات الرأسمالية ـــ الإقطاعية عن قيادة معركة الاستقلال الاقتصادي والسياسي وتحقيق «العدل»، ،قد هيّأ الفرص لبروز القوى الاجتماعية الوسطى والصغيرة للتصدّي لهذه المهمة، ولاستقطاب الحماس وتوظيف المعاناة #الجماهيرية لأجل تشكيل خطوط سياسية نظرية تسريعية وشمولية نتجاوز #الليبرالية والتحديث الديمقراطى.

وإذا كان ذلك لم يتبلور بصورة سريعة عند القوى القومية واليسارية، واحتاج لسنوات أخرى ليتشكل بصورة أحزاب قومية ويسارية شمولية، فان #الأصوليين_الإسلاميين كانوا أسرع في التقاط المنحى الفاشي الذي كان مخيّماً على العالم. إن رفض الأصوليين الإسلاميين لاتجاه الليبرالية الإسلامية الذي تشكل لدى #الأفغاني وكوكبته، والذي شرع لحرية الاختلاف والتعدّد، وأسبقية #العقل على #النص، بدأ يتصاعد ويتبلور لديهم حين رأوا التحديث الرأسمالي يقوم بهدم جوانب من التركيبة #الإقطاعية المسيطرة على المسلمين. ويزعزع بعض أشكال وجودها بمظاهر #الحداثة المنتشرة وعبر الدعوات الرافضة للخلافة وبأفكار #فصل_الدين عن المؤسسات السياسية.

وقد كانت الأشكال المذهبية ــ السياسية تعبير عن التركيبة الاجتماعية التي صار الغرب الرأسمالي نفياً لها، بنموذجه التحويلي للإقطاع المسيحي، وفصله عن للدولة، وبإلغائه للطبقات الإقطاعية المتحكّمة في #ملكية_الأرض والبشر والعقل. ولم يكن الغرب نفياً نظرياً لتلك التركيبة، بل كان تدخّلاً عملياً لوضع حدّ لأكثر أشكالها تطرّفاً كملكية الرقيق والاتجار به والسخرة، وقد وضع تلك الحداثة الجزئية رهن التجسيد الملموس، تمريراً لتغلغل امتيازاته.

وحين تشكّلت ونمت #البرجوازيات_العربية ــ الاقناعية في حضن هذا التحويل التابع، قامت بانجازات نهضوية مهمّة، وكان الإسلام الليبرالي شكلاً لنموها وتجليها، لكن تلك البرجوازيات كانت ضعيفة التكوين الصناعي. ذات جذور إقطاعية واسعة، فدخلت في علاقة تناغم مع البنية المحافظة العتيقة(3). إنها لم تستطع إنجاز المجتمع الليبرالي بشكل شامل. فإن الثنائية الصراعية بين الإقطاع والرأسمالية كانت في عميق وجودها، كانت جزءاً من امتيازاتها وأفكارها. ولقد غدت الحداثة الرأسمالية هى هذه الأحزاب والدساتير والكيانات الجديدة، ولكن الجسم الإقطاعي بقى هو الملكية الواسعة للأرض وللفلاحين وللنساء وللأفكار وللحياة الشعبية. 

كان للتغيير الليبرالي العلماني الواسع يتطلب تحويلاً صناعياً ــ علمياً ــ اجتماعياً، لم تستطع نصف الرأسمالية هذه أن تحققه، أو أن يسمح لها الاستعمار المسيطر أن تحققه.

ومن هنا تزايد التناقض بين التكوين الحديث الليبرالي غير الواقف على قاعدة صناعية ــ اجتماعية قوية، والحياة الشعبية المستغلة وغدا النموذج الليبرالي فاقداً لمعقوليته السياسية مع تزايد الصراع. وقد جاءت الحرب العالمية الثانية لتُسرّع في ذلك، فصارت الأفكار الشمولية الدينية أو فيما بعد القومية ـ واليسارية هي المستقطبة لقطاعات الرأي العام المؤثر.

إن ردود الفعل الأصولية الأولى ضد الحداثة المقتحمة المترافقة مع غزو استعماري، كما تمظهرات في #الوهابية و#السنوسية الخ… ارتدت طابعاً وطنياً مقاوماً، ولكن ذلك المظهر عبّر عن مضمون إقطاعي. يهيمن بقوة على البنى الاجتماعية ويمنع تحديثها إلا في سياق تعزيز سيطرته المتشددة. إن ردود الفعل هذه، والتى كانت في مناطق صحراوية وريفية عربية شديدة التخلّف، عبّرت عن الوعي الاقطاعي المذهبي التقليدي للإسلام، الذي ظلّ مسيطراً بشكل كلّي على الجمهور، مانعاً إياه من أي بصيص حضاري في تلك المناطق المحبوسة بالسيوف والرمال.

لقد أعطى مثل هذا الوعي للإسلام في مراكزه البدوية الحصينة، موديله القمعي والمتخلف إلى الوعي الأصولي المسيّس للإسلام المستيقظ في المدن العربية، والذي أفاق على دوي المارشات العسكرية الفاشية، وحرب الرأسمالية اللاعقلانية الهمجية ضد الرأسمالية الديمقراطية ليأخذ الأزياء الموحدة والطوابير العسكرية وسلطة الدكتاتور المطلق وإرادة القوة، مدمجاً معها سيادة النص الحرفي على التأويل الإنساني، معتبراً المرحلة الإقطاعية العتيقة نموذجه الأمثل.

وستعبر القسمات الأصولية الأولى حينئذ عن المسار المعاكس للعصر الديمقراطى، فعلى هذا ‏الوعى أن يدافع عن تركيبة اجتماعية منهارة، وأن يحتفظ بابنيتها السياسية والاجتماعية والفكرية مع القبول بأجزاء أساسية من العلاقات الرأسمالية الاقتصادية، وإضفاء طابع ديني شكلي على الأجزاء الأخرى.

إن ما أكدته المرحلة #الليبرالية_العربية من سيادة للامة، وقدرة الشعب على اعادة النظر في مجمل البنية الاجتماعية المتوارثة وعصرنة ودمقرطة كافة القوانين والعادات والأفكار العتيقة يتم منعه ايديولوجياً لتقف الأصولية ضد حكم الشعب. ومن أجل استمرار البنية التقليدية في المرحلة الرأسمالية.

لقد تمّ رفع مصالح الأرستقراطية الذكورية المتزمّتة، الاجتماعية والطبقية، إلى مصاف المقدّس والأزلي، والذي لا يجوز لنهضة العرب الجديدة أن تمسها وتعيد النظر بها. إن مرحلة التداخل والتعايش بين النظام التقليدي والنظام الرأسمالي قد وصلت هنا إلى نقطة الافتراق، وتم وضع العصر الحديث، عبر الوهم الأيديولوجي، بشكل مضاد كلياً للمرحلة القديمة والتي ينبغي استعادتها بالقوة(4).

إن أساس المشروع يعتمد على حكم الإرهاب الشامل. وذلك بتحويل هذا الفهم المضاد للعقل وتطوير الحياة. إلى دكتاتورية واسعة كلّية تعتقل الأفراد والجماعات في مختلف تجليات وجودهم الملابسية والديكورية والفكرية. إن هذا الأسلوب الدكتاتوري: يستهدف جعل التركيبة الاجتماعية المحافظة خارج العقل والزمن. متّحدة كلياً بالغيب، ومصانة بعنف شامل.

ومع هذا فسنجد هذه الرؤية نفسها في تناقض مزمن بين إعادة تفسير الدين رأسمالياً، وبين الحفاظ على التركيبة التقليدية. إن التفسير الرأسمالي يقود الى اعادة بلورة بعض المفاهيم بشكل حديث، في حين أن الحفاظ على التركيبة يؤدي إلى العنف والتشدد. إنها لا تستطيع أن تتخلى عن أسسها #الايديولوجية الشمولية #الإقطاعية، لكنها تضطر لرسملة العديد من تصورّاتها، في حين أن بعض القطاعات القاعدية التي استثارها هذا الخطاب العنفي المضاد للحداثة تقوم بإنتاج شعارات أكثر تطرفاً وعداء للحداثة فتصير أكثر عنفاً وإرهاياً.

إن الموديل الحديث من #السلفية الذي أُنتج في #مصر، سيتأثر وينمو بالتطورات المحافظة في بقية الدول العربية والإسلامية. كما انه سيغذّي مناطق أخرى بذات الأيديولوجية الشمولية الدينية وبتناقضاتها المختلفة.

كانت البرجوازيات العربية تعمل بعد انهيار #الدولة_العثمانية واستعمار الدول العربية للخروج من علاقات الإنتاج الإقطاعية المسيطرة في القرون السابقة طالعة من #ملكية_الأرض والعقار نحو المتجر والمصنع، ومن انتاج الناس الديني إلى إنتاج العقل التابع والمؤول للدين.

لقد تنامت شعارات #التحرر_الوطنى وتحققت تعددية سياسية وتشكلت حريات اجتماعية مهمة، لكن النظام التابع ذي البنية الرأسمالية الضعيفة والعلاقات الإقطاعية المتحكمة في أغلبية الأرض الزراعية والمستوى الأكبر من البنية الاجتماعية ــ الذهنية، عجز عن الرسملة والدمقرطة الواسعة للحياة. ولقد تشكّلت قوى قومية ووطنية ضد تلك الأبنية الرأسمالية ووجهت قواها وخططها لإلغاء تلك الأنظمة إلغاءً عسكرياً عنفياً.

لقد اعتمدت القوى القومية والشيوعية على التسريع الكبير للتطور وسلق المراحل، وتجاوز التكوينات الرأسمالية الليبرالية الجنينية التى تشكلت بصعوبة على مدى قرن #النهضة السابق. ولم يكن لدى هذه القوى تصور واضح لطبيعة البنى الاجتماعية المراد تشكيلها معتمدة على بعض المطالب الاجتماعية والسياسية لقطاعات من الجماهير، وعبر تسييس نخب معينة مثقّفة وشعبية، ودفعها في صراع طويل، للإطاحة بالتحالف الرأسمالي الإقطاعي المهيمن. 

إن الرافد القومي من الحركة الاجتماعية العربية اعتمد على توجيه النخب السياسية ــ العسكرية نحو انبعاث الأمة واستعادة نهضتها ووحدتها معتمداً على الترابط بين القومية والدين، باعتباره حلقة أساسية في ذلك النهوض(5). إن الأمة في هذا الوعي تغدو جوهراً مفارقاً للتاريخ، مثلها مثل الأمة لدى #الأصوليين. وهو جوهر غير مرتبط بسيرورة اجتماعية وتاريخية محددة، وعبر تكوينات اجتماعية متناقضة، لم يأخذ هذا الوعي أن القبائل العربية ووحدتها كانت شكلاً جنينياً لتكوّن #الأمة_العربية، وهي وحدة دينية قبائلية تمت بسرعة، واندمجت بعملية فتوح واستيلاء على أراضٍ عربية أخرى تحررت، وعلى أمم مختلفة تعرّبت، وعلى أراضي أمم غير عربية ظلت تابعة.

وعبر هذا التداخل والتناقض بين الأمر قامت الأمة العربية، ولمصلحة الأرستقراطية العربية، بقيادة واستغلال بقية للأمم التابعة التي ولدت وتبنَّت وطوّرت في كفاحها ضد التبعية الإقطاعية العربية المركزية افكاراً ومذاهب مستقلة مضادة للدولة، فظهر الصراع القومي والاجتماعي عبر أشكال دينية، فككت الدولة العربية الواسعة.

إن الأمة العربية باستيلائها على أراضي الأمم الأخرى عبر الدين، أعطت الأمم الاخرى فرص الاستيلاء على أراضيها بنفس الدين. وإذا كانت فتوح الأمة العربية، قد جاءت في أزمنة وأوضاع كان النظام الإقطاعي العالمي في بدء تشكّله، فإن الأمم البدوية الطَرَفية التي استولت على الأرض العربية بعد قرون، جاءت في مرحلة الإنهاك النهائى للنظام الإقطاعي الإسلامي المركزي وفي بدء تحول قسم من البشرية الى العصر الرأسمالي. إذا كانت الأمة العربية قد أسهمت في إثراء تطور الأمم الأخرى غير العربية عبر نقلها الى مراحل أعلى، مثلما استفادت هي من تجربة الأمة الفارسية التى تطورت بالاحتكاك معها، فإن الأمم البدوية قد حافظت على أسوأ أشكال النظام الإقطاعي، عبر تحويله إلى إقطاع عسكري.

ولم تفهم الحركة القومية في بدء تشكلها إن الدولة الشمولية السابقة قد قضت على إمكانية نمو البرجوازية العربية النهضوية إبان العصر العباسي، التى أنهكت وسحقت داخل الأقبية الاقتصادية السياسية الفكرية للنظام القروسطي وأن استعادة الدول العربية الإسلامية القديمة، لا يؤدي إلا لتشكيل نظام استبدادي نصف رأسمالي نصف قطاعي، يعيد إنتاج الهياكل الطائفية و#الدكتاتورية العتيقة الرابضة في البنى الاجتماعية التقليدية التي لم تتمقرط عبر البنية الرأسمالية الليبرالية. إن النزعات القومية بعدم نقدها #العصر_الوسيط نقداً ديمقراطياً علمانياً حاسماً وعميقاً، احتفظت بالتركيبة التقليدية المحافظة، ودمجها في رؤيتها القومية الانبعاثية التى ازدحمت بالمفردات #الرومانتيكية، التي تخفي التناقضات الاجتماعية. في سبيل تشكيلة قومية صلبة وعنيفة. 

إن استلهامات القومية من الوعي الالمانى القومي، تعبّر عن إعادة إنتاج تجربة الأمة الألمانية الممزقة قبل وحدة القرن 19، من خلال الأداة #البسماركية العسكرية. ثم امتداداتها #الهتلرية في القرن العشرين، داخل تجرية الأمة العربية الممزقة، والمُراد توحيدها وتطويرها عبر التسريع العنيف. ويمثل ذلك رفضاً للتطور الرأسمالي الليبرالي، والغاء للتطور الموضوعي للحياة العربية، والقفز عليه بإرادة نخبوية، عبر نشاط الحزب الطليعي الرافض للتضادات الاجتماعية والموحد لها بإرادة شمولية قوية. وقد تجسّد هذا بتوجّهها إلى المؤسسات العسكرية وجعلها القوة المهيمنة على الواقع، فأعادت إنتاج النظام الشمولي بتركيبة جديدة، تتجمع فيها علاقات رأسمالية نامية وعلاقات اقطاعية.

وكما رفضت الاتجاهات القومية المرحلية الرأسمالية الديمقراطية في التطور العربي، ومثلما فعلت الأصولية الدينية برفضها جوانب أساسية من هذه المرحلة، كذلك فإن التيارات الشيوعية قامت بالقفز فوق التشكيلة الرأسمالية. لقد غدت الرأسمالية. في وعي «الماركسية ــ اللينينية» طريقاً مسدوداً يجب تجاوزه، عبر الانتقال إلى #الاشتراكية. لقد كانت #الماركسية العربية تستورد الخطوط العامة للتفكير من خارج الوضع الموضوعي للامة العربية. فلم تتوجّه هذه الأحزاب إلى التعاون الاستراتيجي مع البرجوازيات العربية لأجل تشكيل أنظمة ديمقراطية علمانية، تحقق عملية الثورة الوطنية الديمقراطية، بل قامت بالقفز على الشروط #المادية والذاتية، في كفاح يتسم يحرق المراحل، واعتماد الارادية الثورية الذاتية المليئة بالتضحية غير الصبورة، وكان من جراء هذا إقامة أحزاب شمولية ذكورية، تسيطر فيها إرادات الزعماء المطلقي الصلاحية، وتستغل كافة الشعارات المادية والدينية لتحقيق عملية التسريع الثوري التي نتجه إلى دولة شمولية بالضرورة.

إن الجذر الديني يغور في الشعارات #الشيوعية العربية، عبر تشكيل دعي غيبي مستقبلي، تتحقق فية الجنّة الشيوعية الخالية من الطبقات، في الغد المبهم والكلي غير المنظور للإنسانية، فتتم التضحية بالاجيال الحاضرة ويتم العجز عن حل المشكلات العميقة الراهنة، عبر قفزة تسريعية نحو الغد. ويبدو الطابع الديني في الشعارات الشيوعية كذلك عبر النظرة التقديسية لوطن الاشتراكية الأول وللمكتب الشيوعية، وعدم القدرة على معالجة فصل الدين عن السياسة والدولة.

لقد تحققت نتائج مهمة من هذه التجارب القومية والشيوعية عبر نهوض القوى الشعبية وتشكلت تجارب اجتماعية مهمة؛ إلا أن معاندة الواقع الموضوعي، والقفز على التطور الرأسمالي، دمّرت في النهاية الكثير من المكتسبات الكفاحية التي تحققت على مدى عقود سابقة. إن التجربة القومية والشيوعية في استلهامها التجارب الفاشية أو الشيوعية، ونقل نموذج حكم الحزب الواحد، وفرض قيادته على المجتمع؛ وإبعاد القوى البرجوازية العربية، ساهمت في إشاعة مناخ شمولي، وألغت الجوانب الليبرالية والديمقراطية التي تحققت في الحياة العربية.

لقد تحولت النقابات والجمعيات والثقافة إلى أدوات للحزب الواحد، بدلاً من أن تخدم طبقاتها وفئاتها، وتنمي تطورها العصري. وفي سبيل تحقيق هيمنتها تصارعت الاتجاهات القومية والشيوعية بضراوة في الواقع العربي، من أجل الوصول أو البقاء في الحكم؛ وفي سبيل ذلك ألغت أسس الدولة العصرية. إن الاستخدام النفعي الانتقائي للشعارات القومية والدينية والشيوعية في عجينة شمولية، قد حافظ على البنى التقليدية الأساسية: سيطرة الدولة المطلقة ــ سيطرة الدين التقليدي على الوعي والحياة ــ سيطرة الذكور واضطهاد #النساء ‏ــ سيطرة الأغنياء المتحكّمين في أجهزة الدولة وذهاب الفائض الاقتصادي إليهم ‏ــ سيطرة #القبلية و#العشائرية والطائفية الخ…

إن استمرار بقايا المرحلة الإقطاعية في تجارب #الأحزاب القومية والماركسية؛ بعدم كفاحها من أجل الدمقرطة الشاملة للمجتمعات العربية، وترسيخ التطور الرأسمالي بكافة جوانبه، قد جعلها موضوعياً تواصل إبقاء مجتمع الاستبداد الشرقي، مشكّلة قشرة «تقدمية» فوقية تآكلت هي الأخرى.

بدء من الخمسينيات، من #القرن_العشرين بدأت إجراءات إصلاحية ضد الإقطاع في مجال #الملكية_الزراعية بعدد من الدول العربية والإسلامية، ورغم أنها إصلاحات لتحديد حجم الملكية الكبيرة، ومن أجل إدخال تطور رأسمالي في #الأرياف، إلا أن هذه الإجراءات أثارت #الحركات_الدينية المدافعة عن #الإقطاع؛ وبدأت تعيد تنظيم صفوفها وبرامجها، منتقلة إلى الرد الاستراتيجي الشامل ضد الإصلاحات الرأسمالية على صعيد الملكية وبعض الجوانب الاجتماعية(6). كذلك فإن بعض دول #الجزيرة_العربية لعبت دوراً كبيراً في الدفاع عن النظام الإقطاعي، وللوقوف بوجه التطورات التحولية الإصلاحية.

ورغم أن الزراعة محدودة في منطقة الجزيرة العربية، إلا أن سيطرة الدولة على القطاع البترولي أعطى للأسر الحاكمة إمكانيات مالية كبيرة، وامتدادات واسعة في قطاعات #العقار والتجارة و#رأس_المال_المالي والخدمات. لكن هذا النمو الرأسمالي القاعدي الواسع، غير التصنيعي بدرجة كبيرة، لم يخلخل التركيبة الإقطاعية على مستوى البناء الاجتماعي والأيديولوجي والسياسي، ويلعب «الدين» هنا، المفصّل على مقاس هذه السيطرة؛ دوراً محورياً في إخفاء التناقضات وتوحيد الشعب بالقوة.

كذلك جاءت #حركة_التحرر_العربية حينذاك، لتشكّل تضاداً سياسياً وفكرياً حاداً مع هذه الأنظمة. ورغم التباينات السياسية والاقتصادية والفكرية بين النظم العربية المختلفة وقتذاك، إلا أن ثمة تشابهات هامة بينها، فالدولة كانت استبدادية شمولية في مختلف تجلياتها الوطنية أو التابعة، ويلعب المصدر التشريعي الديني، بدرجات متفاوتة، مرتكزاً أساسياً في تشكيل الوعي العام والحكم. أي أن الدول العربية المختلفة حافظت على بنى إقطاعية قوية في أنظمتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وقد يصل ذلك إلى تحول البلد إلى قلعة يحكمها ملك مطلق، يصادر المجلات والأفكار الجديدة، أو إلى جمهورية تسمح بجوانب من الحداثة لكنها لا تصل إلى العظم الاجتماعي للنظام(7).

ورغم أن التحديث الرأسمالي كان يجري على الجانبين التابع والوطني، إلا أن الرسملة لم تقم بإعادة تشكيل الأبنية الاجتماعية، وبناء صناعة واسعة في هذه الأنظمة، وظل فائض كبير فيها موجه للاستهلاك الترفي ولصناديق النقد الغربية. وكان النمو الرأسمالي يقترب من البنى التقليدية السياسية والاجتماعية، عبر تفكيك #الأسر_الأبوية الكبيرة والقبائل، وتحررت أقسام من نساء المدن، طرحت قضية المساواة المرأة بالرجل في كافة شؤون الحياة، وصارت مسألة تحرير المرأة قضية محورية لإحداث تحول نوعي عميق في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية.

وفي هذه الحقبة وصل مشروع رأسمالية الدولة الوطنية إلى الأزمة العميقة، بسبب عدم تجذّر التطور الرأسمالي الشامل وانسداده، وسيطرة الدولة الدكتاتورية على الفائض الاقتصادي وإهداره، وقادت التحوّلات الاقتصادية وهبوط أسعار المواد الخام الزراعية إلى تضخّم المدن المهاجرين الريفيين المقتلعين من أراضيهم وعوالمهم. وتواكب تآكل الأبنية الفكرية والسياسية للجماعات القومية والشيوعية مع وصول نموذج التسريع الشمولي الحداثي إلى مأزقه الاقتصادي والسياسي، وأدت الصراعات الجانبية ‏ والحروب والمغامرات العسكرية أدوارها الأخيرة في تقويض هذه البنى.

وفي هذه الأثناء كان النموذج المحافظ يتصاعد في الحياة السياسية والفكرية العربية، عبر استمرار العلاقات الإقطاعية في #الريف، ونقص قوانين #الإصلاح_الزراعي المطبقة سابقاً، و تصاعد دور بعض دول النفط المحافظة في السياسة العربية، وغذى صرفها الأموال الهائلة على تنامي #الجماعات_الأصولية، وكذلك بسبب تفجر الثورة في #إيران وسيطرة قوى #الإقطاع_الديني على مسارها السياسي، ومساعدة الاستعمار الأمريكي والرجعية الدينية لتسلم قوى الإقطاع المذهبي السلطة في أفغانستان، إن كل ذلك قد جعل عودة المد المحافظ اليميني يغذي الاندفاع الأكثر صوب الماضي، فالتسريع هذه المرة نحو الخلف لا للأمام.

لقد استطاع المد اليميني المحافظ أن يشكّل هجوماً عاماً واسعاً على قوى الحداثة العربية لمنع تنامي عمليات التطور الرأسمالي والديمقراطي في الأبنية الاجتماعية والسياسية. وتعيش أقوى وأغلب قوى هذا اليمين على علاقات ما قبل التطور الرأسمالي، إما باقتطاع مباشر من أرزاق وأموال المؤمنين بها، وإما باستخدام جهاز الدولة لسرقة #المال_العام، وقد يتداخل هذان الأسلوبان في العديد من التجارب والأوضاع. وجاءت هذه الأموال الكثيرة لتدعم الجماعات الدينية، وشركاتها المالية.

لقد تبادلت الرأسمالية المتخلّفة، على مستوى العلاقات الاقتصادية، والإقطاع، على مستوى الحياة الاجتماعية والوعي، تداخلهما ووحدتهما. فسيطرة المصدر الإقطاعي على هذا المال، يجعل المحافظة على ينابيعه، السلطوية والفقهية ضرورة أساسية، لإعادة إنتاجه المستمر. كما إن توسّع السيطرة الدينية على المنتمين لهذه الطوائف التابعة، يغدو مصدر أرباح مستمرة. من هنا يغدو الحفاظ على التركيبة الاجتماعية والسياسية المحافظة ضرورة‏ لاستمرار الاستغلال الموسع للجماهير.

إن تشجيع بعض الأنظمة العربية والإسلامية للجماعات الأصولية، دفع وعي المنطقة للارتداد السريع نحو الماضي، لتطبيق النموذج المثالي «النقي» وأدى إلى إبراز آليات المنظومة الإقطاعية العتيقة، عبر تشكل الفرق المذهبية، وأفكارها التي تواصل التشدد مع تنامي عملية التطور الرأسمالي، وبدء تفكك الدول الوطنية دينياً، وتدفق العنف بكل أشكاله.

تعود بنى العنف العربية المعاصرة بجذورها العميقة إلى تكوينات الدولة الإقطاعية العربية ــ الإسلامية، حيث تم بناء واستمرار الدولة، أو معارضتها، عبر العنف. وإذا كان العرب قد عرفوا العنف على أساس صراع القبائل على الموارد، فإنهم واصلوه عبر أشكال الصراع السياسي في العهد الإسلامي. وتشكّلت سياسة القوى المسيطرة عبر حروب الفتوح، واستثمار غلال وخزائن البلدان المفتوحة، ثم لمواصلة تحصيل الخراج، وجلب العبيد والجواري، ولتحطيم قوى المعارضة الدينية غير المركزية، وللسيطرة على القوى الشعبية.

وقد تم استخدام مختلف وسائل العنف للحفاظ على الامتيازات في الملكية والحكم والاستثمار. فكانت أشكال التعذيب وأدواته كثيرة كالجّلد والرّجم وقطع اليد وقطع الأيدي والأرجل معاً والصلب وقطع الرؤوس والأوصال والسلخ والإعدام حرقاً والتشميس وقرض اللحم وإخراج الروح من دبر وقلع الأظافر والتعذيب الجنسي الخ..(8). لقد استخدمت هذه الوسائل كافة القوى السياسية الحاكمة والمحكومة؛ بحيث إن المناخ العنفي القهري شكّل جذور الحياة السياسية والاجتماعية العربية المعاصرة.

وحين جاء الاستعمار كان عنفاً ساحقاً ضد الحياة العربية، وقام بتشكيل سلطاته عبر العنف، ورد عليه العرب بكفاح وطني وقومي واسع، عبر حروب التحرير والثورات.

وحين تشكلت بعض الأبنية الرأسمالية الملكية الليبرالية قامت بإرساء بعض أسس دولة القانون الحديثة، وتم استبدال أشكال العنف القروسطية البشعة بعقوبات معاصرة وأشكال حديثة. إلا أن هذه الإشكال المتحضّرة نسبياً، لم تستطع أن تعالج جذور العنف والتفاوتات الطبقية الصارخة في البنى الاجتماعية. فالعنف ضد الطبقات الشعبية والنساء والأقليات القومية والمذاهب غير الرسمية استمر بقوة.

وفي فترة صعود التيارات القومية ‏ اليسارية اعتمد العنف كسياسة منظّمة لانتزاع الحكم وتثبيته. كانت القوى القومية سبّاقة في الوثوب إلى الحكم عبر الانقلابات العسكرية، وتشكّلت كإرادة شمولية قهرية ضد المسار الديمقراطي السلمي وقد أُعتمدت لغة الثنائية المطلقة في تبرير هذا العنف. فهناك معسكران: معسكر العملاء، ومعسكر الوطنيين. فمهما كانت بعض الجوانب الديمقراطية في أنظمة التبعية فهي عميلة وشريرة. ومهما كانت الأنظمة العسكرية شمولية وقهرية فهي وطنية طيبة. 

وهذه الثنائية الإطلاقية ستستمر مع الجماعات الشيوعية، حيث المعسكرين المتقابلين: معسكر البروليتاريا، ومعسكر البرجوازية.

ولن يكون ثمة جديد في ثنائية الدينيين المطلقة حيث معسكر المؤمنين يقابل معسكر الكفار.

إن هذا الوعي التضادي، المُشكّل على أساس جذور دينية، حيث التفاوت المطلق بين «الإله» و«الشيطان»، يغدو العالم فيه بلونين لا ثالث لهما، ولا بد أن يسلّم الخصم في الجهة المضادة تسليماً أو يُلغى جسداً.

لقد استخدمت الأنظمة والجماعات الحديثة المختلفة العنف ضد بعضها البعض عبر هذه المناظير الضيقة، ملغية الهوامش البسيطة لعصر النهضة، ومزيحة مفردات دولة القانون، مدمرة بعضها البعض، ومحجمة بنية التحديث الرهيفة العربية.

ولقد وقفت الأصولية فوق هذا #التراث_العربي القديم والمعاصر الحافل بالعنف، وأطلقت أدواته إلى أقصى حد ممكن، وهو عنف يستند في نظرها إلى امتلاكها الحقيقة المطلقة، ولديها النصوص الواضحة التي تدعوها للفعل وتحقيق نموذجها وسيطرتها. فلقد تشكّلت في مناخ جعلت فيه قادة التحول التحرري العربي كفاراً، وصورت فيه كل مسار الأمة البطيء الصعب والطالع من أغلالها القروسطية، ومستنقعات التعذيب والجلد والرجم، باعتباره هو الكارثة، وكوّنت لها نموذجاً خيالياً من الماضي، هو عصر صدر الإسلام، انتفت منه المشكلات والصراعات والمظالم. وهو نموذج تّم تقديسه لقرون طويلة، ومُنع النظر العقلي فيه لدى كل التيارات العربية. فتربّت هذه الجماعات على عنف يومي ضد الحداثة والتطور والديمقراطية، وصار النموذج الماضي معدّاً للتطبيق الحرفي بالقوة في كل مكان. وشجعت الأموال والمناخات المحافظة والارتدادات عن التحديث، هذه الجماعات التي تحوّلت إلى عصابات مسلحة للانقضاض على حاضر ومستقبل الأمة.

لقد كان العنف بتجميع السلاح والإرهاب هو خطوات عادية في سيرورة أي جماعة أصولية. إن الأصولية نظام شامل للعنف. عنف ضد الحداثة. عنف ضد المرأة وتحررها. عنف ضد الفنون. عنف ضد الشعوب وتقدمها. عنف مدمر مجاني. عنف طائفي تعصّبي. عنف لعرقلة المسار التحديثي والانتقال إلى المجتمع الرأسمالي بكل مستوياته.

«11»

فقدت البرجوازية العربية تصف التحديثية، نصف العلمانية، زخمها الاقتصادي والفكري والسياسي، وجاءت قوى اجتماعية بعد الحرب  العالمية الثانية من البرجوازية المتوسطة والصغيرة، لتواصل عملية التجديد بأدواتها العسكرية، وقد انهار عملها التغييري واتضحت الأزمة بقوة في بداية السبعينات. ومنذ ذلك الوقت بدأت القطاعات ما قبل الرأسمالية ودول النفط والفئات البرجوازية الكبيرة القديمة والجديدة، بتشكيل الواقع العربي. أما بقية الأنظمة العسكرية فقد تحوّلت إلى أنظمة ‏استبدادية فاسدة، وبدأت تعاني من مجموعة من  الأزمات العميقة الشاملة، فتراكم العجز المالي بسبب سرقة المال العام، وبتفجر الحروب مع الجيران أو بسبب الصراعات الداخلية.

‏وجاء انهيار #الاتحاد_السوفيتي و#المعسكر_الاشتراكي ليعمّق أزمة هذه الأنظمة، والجماعات المؤيدة أو التابعة لها. فهذه الأنظمة والجماعات لم تستطع أن تستوعب النموذج التحولي الديمقراطي الرأسمالي في دول المعسكر الاشتراكي، لتنتقل إلى رأسمالية ديمقراطية. فأسس الدولة الاقتصادية – الاجتماعية العربية لم تزل بعد أسس نصف إقطاعية ــ نصف رأسمالية. ولم تصل إلى مستوى الدول الاشتراكية السابقة، التي أعادت تشكيل بناها في ظل تسريع رأسمالية الدولة الخاص بها.

وعلى العكس فإن معظم دول رأسمالية الدولة العربية «الوطنية» أوصلت مجتمعاتها إلى إعادة بعث للهياكل التقليدية والطائفية والقبلية، وأدى نمو دول النفط في الجزيرة العربية وخارجها إلى تشجيع نموذج رأسمالية الدولة الشمولية ذات الأجزاء الإقطاعية. وعبّر كل هذا عن عدم قدرة الأمة العربية، بهياكلها الإنتاجية ــ الاجتماعية ‏ــ السياسية ‏ــ‏ الأيديولوجية للانتقال إلى المرحلة الرأسمالية الصرفة.

إن الأنظمة العربية المختلفة بعجزها عن تغيير السوق الوطنية، تغييراً رأسمالياً شاملاً، عبر الإلغاء الشامل الإقطاع سواء في ملكية الأرض أم في ملكية النساء أم في الأفكار والنظم السياسية والحقوقية، هيأت الشروط الموضوعية والذاتية لصعود قوى اليمين المتطرّف بطرق الفاشية، لاستلام السلطات في أغلب الدول العربية.

وفي هذا المناخ التحولي الانهياري، اتضح عجز الأدوات السياسية العربية الوطنية والتقدمية، عن #المراجعة العميقة لأدواتها الفكرية والسياسية، وعدم مقاومتها لمسار الارتداد الرهيب في #الوعي والحياة.   

إنها عبر ميراث الدكتاتورية الضارب في وعيها وعملها، لا توجه الكفاح إلى بؤرة المرحلة وقضيتها المحورية. فالكفاح  ضد الدكتاتورية، مهما كانت مدنية أم دينية، في السلطة أم خارج السلطة، في الحكم أم في المعارضة، هو الكفاح المحوري الذي يُبعد القوى الوطنية العربية عن الانتهازية والانتقائية والعفوية.

إن الكفاح من أجل الديمقراطية، هو كفاح ضد الجماعات الأصولية والسلطات الشمولية معاً، وهو كفاح لتحرير القوى الشعبية من كافة أشكال الهيمنة.

إن الدول الدكتاتورية والجماعات الفاشية وأوهام الشعب وسيطرة الذكور المطلقة على النساء، وتذليل المنظمات السياسية والجماهيرية لمصلحة الأنظمة الدكتاتورية، الخ .. كلها ينبغي أن تُواجَه بنضال ديمقراطي واسع وعميق ومتنوع. إن الكفاح من أجل الديمقراطية هو كفاح من أجل العلمنة كذلك، ففصل الدين عن السياسة المعارضة والحاكمة، هو مقرطة سياسية واجتماعية عميقة، وحين يتم الفصل بين هذين الجانبين يتحوّل الكفاح الديمقراطي إلى شعارات سياسية انتهازية.

«12»

يطرح الواقع العربي الراهن أفقاً عاماً عريضاً لحل المشكلات العميقة المتراكمة عبر الحقب السابقة، وعبر التقارب بين مختلف القوى الليبرالية والديمقراطية، المهدّدة من قبل الأصوليات الدينية، والمجمدة أو المضروبة من قبل الأنظمة الحاكمة. إن الأهداف العامة هي استعادة مطالب التطور الديمقراطي العربي، التي تم القفز عليها عبر مراحل التسريع الأمامية السابقة، أو المواجهة من قبل مشاريع التسريع الماضوية الدموية الراهنة، وهي #تحرير_المرأة، وتحرير الدولة عن الدين، وتحرير الدين من سيطرة الإقطاع، وتشكيل وتعميق الحريات وتجذير المسار الصناعي الوطني والعربي الخ ..

إن الخط الأساسى لهذا المسار العربى المتلوّن حسب مستويات تطور البنى الاجتماعية، هو في تشكيل تحالفات ديمقراطية واسعة، تعزل القوى الدكتاتورية وتهزمها.

إن الدول والجماعات السياسية نصف الدينية والتي تريد مقاومة التيارات المتشددة، الداعية إلى أقصى تطبيق حرفي للدين، وأوسع اعتقال للإنسان، تجابه بالمزيد من المشكلات وفقدان المصداقية، كما تؤدي عملية الاستغلال البرجماتي للدين إلى إعطاء فرصة لمزيد من نمو التيارات الأصولية.

إن السلطات العربية التي تقاوم الجماعات الدينية من خلال الدين، تتجه إلى الحقل الأيديولوجي للجماعات المتطرفة، وتنزلق تحت ذات المظلة الفكرية، عبر تنامي لغة المزايدة حول الدين وتمثيل المؤمنين. إن هذا الإنزلاق من قبل الأنظمة الرأسمالية العربية المتخلفة، يشبه انزلاق الجماعات الحديثة السابقة نحو الشبكة القعرية العميقة للإقطاع؛ ولهذا فإن الأنظمة العربية تقوم بتقويض أساسها الفكري الهش، وحينئذ فإن المعركة تنتقل إلى مسألة السيطرة على الحكم(9).

إن السلطات العربية بتعبيرها عن قوى برجوازية كبيرة أو برجوازية عسكرية بيروقراطية وعن ملاّك الأرض الكبار، تعبّر عن استمرار التركيبة المزدوجة بين الإقطاع والرأسمالية؛ وبين العصر الوسيط والعصر الحديث، فتضع كل قدم في عصر، مواصلة رحلة الانشراخ العربية.

إن هذه الازدواجية هي المدمرة، فلا بد من اقتلاع جذور الإقطاع الاقتصادية والاجتماعية وفصل السياسة عن الدين، وتحرير الدين من الاحتكار الإقطاعي القروسطي له، وتشجيع برجزة الإسلام، والقيام بإصلاحات عميقة في التركيبة الاجتماعية التقليدية، عبر المساواة بين الرجل والمرأة، وجعل الدولة لا دينية، ومساواة كافة المواطنين أمامها.  وإن ذلك لا يتشكّل دون نضال واسع من قبل القوى الحديثة العربية الديمقراطية، وهي تقوم بتجديد نفسها  ديمقراطياً، وعلمانياً وتوجيه القوى الشعبية والبرجوازية الصناعية خاصة، والنساء والمثقفين.

إن إعادة ترتيب الأولويات السياسية والاجتماعية يبقى ضرورياً لمواجهة انتكاسة التطور، فلم يعد أساساً تحرير الشغيلة، بل تحسين ظروفهم وتطورهم الفكري والسياسي، وغدا تحرير المرأة والدين والعقل ركيزة أساسية لإعادة تشكيل البنى. وإن التعاون الواسع بين العمال والبرجوازية الصناعية، سيغدو مهمّاً لتشكيل قوة مشتركة تؤسس رأسمالية حديثة، ولا يجب أن يتوجّه النضال المطلبي وتطوير حياة العمال إلى تجاوز الرأسمالية.

إن توسع الأشكال الطفيلية من #رأس_المال، وتفاقم السياسة الليبرالية الجديدة الموجهة ضد الشغيلة، وتدفق الشركات المتعددة للنجنسية وعمليات القفز فوق الأطر الوطنية والقومية كلها مشكلات كبيرة، ولكنها لا تقود بالضرورة إلى تجاوز للرأسمالية بصيغ متسرعة، بل إن تدعيم رأسماليات عربية صناعية ــ‏ زراعية ‏ــ‏ علمية هو الأمر الذي يضع القواعد المالية لتغيير التراكيب التقليدية المحافظة في المجتمعات. إن الدفاع عن الطبقات الشعبية ومصالحها في الحياة والتقدم،  يترافق مع الكفاح من أجل الديمقراطية والعلمنة. عبر الصراع ضد مختلف تجليات الاستبداد القديمة والحديثة.

خلاصة

حين بدأ أنهيار الدولة العثمانية، وتغلغل الرأسمال والسيطرة الأوروبية، بدأ النظام الإقطاعي العربي المجزأ في الانهيار التدريجي البطيء، عبر مستويات عدة، وعبر مناطق وبلدان وأزمنة متفاوتة. لقد كانت المراكز المدنية الأساسية هي البقع الأولى في هذا الخروج الحديث، ثم تبعتها الأقاليم القريبة في الأرياف والمناطق الصحراوية، التي جاءت كحلقات أخيرة من الانهيار الإقطاعي والنمو الرأسمالي، وعبر فترة زمنية امتدت من أوائل القرن التاسع عشر حتى أواخر القرن العشرين. ولكن الانهيار الكلي على مستوى الملكية وعلى مستوى البنى الاجتماعية والسياسية لم يتم حسمه حتى هذه السنوات الأخيرة من القرن العشرين، ويبدو أنه بحاجة إلى عقود أخرى من القرن الواحد والعشرين.

لقد حدث تباين وتداخل بين بنيتين متصارعتين مختلفتين: بنية تقليدية آفلة لها كل مفرداتها الاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية، والتي لم تُخترق إلا في جوانب معينة، وخاصة في الاقتصاد. وقد عبّرت عن هذه البنية الأصوليات الدينية المختلفة وثمة بنية رأسمالية حديثة تنامت عبر جوانب عدة، ولكنها لم تحسم انتصارها الكلي على البنية القديمة. وعبّرت عنها مختلف التيارات السياسية الحديثة.

وكما إن البنية الاجتماعية القديمة راحت تتخلخل وتتساقط أجزاء منها، فإن مفرداتها الفكرية والسياسية راحت تتآكل هي الأخرى، بفعل تيارات التحديث المتتالية، التى تكوّنت كحلقات مرتبطة بنمو الجماعات وصراعاتها، وبتشكل قاعدتها الاقتصادية غير الحاسمة. ومع تعرّض النظام التقليدي للانهيار التدريجي، بدأت قواه بمقاومة واسعة؛ تجسّدت بإحياء وتنشيط الهياكل العبادية والمؤسسات ‏الدينية والقبلية.

وبدأت الاحتجاجات الأولى ضد الإجراءات الاجتماعية الحديثة المتخذة ضد الإقطاع الزراعي والأسري، تتحول إلى منظومة أيديولوجية – سياسية، تختبيء وراء المقولات الدينية المقدسة لدى المؤمنين بها، وتستثيرها بقوة سيطرة على الناس ووقفاً لمسار التحول الديمقراطي ولتحلل سيطرتها على شبكاتها الطائفية ــ البشرية. 

وراح الاختيار الحاسم بين بنية تقليدية وبنية رأسمالية صاعدة يتحول إلى مجابهة عميقة وواسعة ودامية، وكلما ازداد التطور الرأسمالي عمقاً ازدادت نزعات الارتداد والمقاومة، خاصة مع تفاقم المشكلات المترتبة على التطور الرأسمالي الدولتي البيروقراطي الفاسد أو الرأسمالي الفوضوي.

لقد قاد الكفاح ضد الرأسمالية والحداثة إلى عصاب فكري وسياسي، مع تشكّل الحركات الأصولية، التي وضعت التركيبة القديمة المحافظة في مجابهة لا تقبل المساومة ضد التركيبة الحديثة، محوّلة المجابهة إلى حرب أهلية عربية حقيقية أو مضمرة.

أما أشكال التداخل والتلاقح المختلفة التي أيّدتها وكرّستها معظم الاتجاهات السياسية العربية بين الإقطاع والرأسمالية، خاصة مع تعثّر هذه الرأسمالية ومشكلاتها الكثيرة المؤلمة، فقد غدت لا مبدأية ولا أخلاقية ولا عملية. وإن أشكال التلاحقات بين العصرين وبين البنيتين، غير المبدئية والثقافية، قد عرتها الأصولية بقوة شديدة مركزة على تهافتها. جاعلة من هذه المبدئية الارتدادية الظلامية قوة حماسية كبرى، ونشيداً عسكرياً قروسطياً لاحتلال المدن المتذبذبة.

إن ارتباط النمو الرأسمالي بسيطرة الدولة الشمولية سواء كانت وطنية أم تابعة، قد أوقف التطور وعرقله بسبب الفساد وتحجيم الرأسمالية الصناعية، وضرب الحريات المختلفة.  وجاء تصاعد دور بعض دول الخليج العربية، وإيران، عبر رأسمالية الدولة الغنية المحافظة؛ ليعزز الارتداد الماضوي، ثم وصلت الرأسماليات العربية الدولتية غير الديمقراطية والهجينة إلى أزمة واسعة مع بداية التسعينيات.

لقد وجدت الجماعات الأصولية في هذا المناخ المحافظ والمأزوم رأسمالياً وحداثياً. العاجز عن خلق الرأسمالية مع ادعائه الانتساب إليها، القدرة على الادعاء بأنها مؤهلة لإنقاذ الأمة. إن سيطرة الدول على أجزاء مهمة من الاقتصاد، وضعف مستوى البنى الصناعية – العلمية، وسيطرة القطاعات الزراعية والرعوية والحرفية «وهي القاعدة المادية للماضي» وتوجّه الرأسمالية العربية نحو القطاعات المالية والتجارية وإرسال الفوائض المالية الهائلة إلى الغرب واستنزافها بشتي الأشكال، وعبر الأزمات العسكرية والاقتصادية، وتضارب التيارات الحديثة العربية، إن هذا جعل إمكانية تشكيل أنظمة شمولية باسم الدين أمراً فعلياً. إن ذلك يفتح الباب لحمامات دم غزيرة، ويؤدي لانهيارات الوحدات الوطنية وتفجر الحروب المذهبية.

إن المبدأية والتماسك الفكري والأخلاقي غدت أساسية في الصراع ضد التيارات السياسية التى تستغل الدين لأهداف أنانية ومتخلفة؛ ولم يعد من المقبول التلاعب بمشاعر المؤمنين عبر انتهازية وانتقائية المواقف، وبعدم كشف الحقائق الموضوعية عن التاريخ والواقع لهم؛ استخراجاً لعلمانية شعبية كامنة صارعت كثيراً لوقف تقدم الهيمنة الدينية الإقطاعية الشاملة على كل شعرة من جلودهم.

إن تكوين البنى الحديثة الديمقراطية صار هو الخط الاستراتيجي الذي يشكل العمود الفقري لتحالف. علماني عربي واسع النطاق، يستهدف وقف تقدم الشموليات الإرهابية الجديدة، وهزيمتها.

إن وطناً كبيراً ينتظر جهوداً جريئة وكبيرة لكي يطلع من مستنقع الدم المعد بجهل وقسوة. 

إن نظرة نقدية عميقة، علمانية أصبحت ضرورة لإعادة تشكيل وعينا بالتاريخ وبالواقع المعاصر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) (أن.. غياب الملكية الخاصة للأرض، واحتكار الدولة، أي قمتها، لريع الأرض، والاستئثار بالفائض الاقتصادي، ووضع الأسس الراسخة للاستبداد السياسي، ووضع في أيدي الحكام وسائل إضافية للقمع والطغيان) #عبدالله_حنا (النهضة والاستبداد) ص 31، دار الأهالي، دمشق الطبعة الاولى.

– راجع: #سوسيولوجيا_الفكر_العربي #محمود_اسماعيل الجزءان الثاني والثالث.

(2) #رفعت_السعيد (حسن البنّا)، دار الثقافة الجديدة. مصر، ص 13 ـ 50، الطبعة الخامسة.

(3) (ارتفع نصيب الرأسماليين المصريين في الشركات. حيث بلغ في منتصف الثلاثينيات 47% مقابل 53% للأجانب، ونظراً لتخوفهم من إيداع تراكمات أموالهم في المصارف، فقد اتجهوا الى توجيهها لشراء أراض زراعية بالريف)، د. #محمد_حافظ_ذياب: «سيد قطب: الخطاب والأيديولوجيا» ص 26، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الاولى.

(4) المصدر السابق. الفصل الثاني ص  79 – 109.

(5) «الفكر العربي وصراع الأضداد»، د. محمد جابر الأنصاري ص 363- 441، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت. الطبعة الأولى.

(6) «المادية والفكر الديني المعاصر»؛ #فالح_عبدالجبار، ص 192: مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية؛ بيروت.

(7) المرجع السابق ص 210.

(8) «فصول من تاريخ الإسلام السياسي»: #هادي_العلوي، ص 285 مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية بيروت، الطبعة الأولى.

(9) «هم يعارضون المجتمع المدني، هم يواجهون كل ما بنته مصر عبر قرن ونصف القرن من الزمان من دستور وقانون وضعي، وفكر ليبرالي، وحريات وديمقراطية نسعى كي تكتمل، هم ضد العقل والعلم والثقافة وحرية الرأي، هم ضد الفن والأدب والموسيقى، وكل ما أبدع المصريون طوال تاريخهم الحديث» د. رفعت السيد: «الإرهاب إسلام أم تأسلم» ص 262، دار سينا للنشر.

رأس المـــال الحـكومــــي الشـــــــــــــرقي ــ أو أسلوب الإنتاج الكولونيالي

لا شك أن المفكر اللبناني الراحل مهدي عامل من المساهمين البارزين في تحليل الواقع العربي المعاصر من منطلقات نقدية عميقة وخاصة من رافد الماركسية البنيوية ، التي قام بتطبيقها على الواقع العربي بصورة حرفية ، دون رؤية الاختلاف بين مستوى التطور الغربي ، وتطور البُـنى الاجتماعية العربية .
ونحاول في هذه الموضوعات قراءة آرائه وتحليلاته لندوة جرت في الكويت في السبعينيات من القرن الماضي ، اتخذت لها عنواناً هو (أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي) ، وقد ناقشها في كتابه : (أزمة الحضارة العربية أم أزمات البرجوازيات العربية ؟) .

يفترض مهدي عامل مسبقاً ، ودون دراسات ، بأن المجتمعات العربية هي مجتمعات رأسمالية . فهو يصر على أن ( نمط الإنتاج الرأسمالي المسيطر في البنيات الاجتماعية العربية) ، (9) .

إن هذا يبدو لوعيه شيئاً بديهياً ، صحيح إنه يقول أن ثمة علاقات ما قبل رأسمالية في هذا الإنتاج غير أنها ليست سوى بقايا .

فيقول بوضوح : إن فهم تطور بنية علاقات الإنتاج الرأسمالية مثلاً في البلدان العربية في الوقت الحاضر ، وفهم أزمات هذا التطور يستلزم بالضرورة الانطلاق بالتحليل من هذه البنية بالذات في شكل وجودها القائم في كل من البلدان العربية. ) ، (10) .

وليس ثمة من الضرورة بحث جذور هذه البُنى (مع ظهور الإسلام مثلاً ، أو مع الجاهلية ، أو مع بدء العصر العباسي أو الأموي أو الأندلسي أو عصر الانحطاط الخ . . ، بل هو يبدأ مع بدء التغلغل الإمبريالي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.) ، (11) .

وهو يعترف بأن ثمة (أشكالاً من الإنتاج سابقة على الإنتاج الرأسمالي لا تزال حاضرة في البنيات الاجتماعية العربية) ، غير أنها ليست سائدة فيه ، بل الإنتاج الرأسمالي هو السائد .

ونحن نحاول أن نفهم كيف استطاع الاستعمار أن يجعل من هذه العلاقات سائدة ؟ أي كيف استطاع أن يجعل العلاقات ما قبل الرأسمالية لا تسود بل أن تسود العلاقات الرأسمالية ؟

لا يقوم مهدي عامل ببحث هذه المسألة تاريخياً ، بأن يعطينا أمثلةً عن بلد عربي ومنذ القرن التاسع عشر تحول إلى الرأسمالية ؟ فلا نجد .

ولا أن يقوم بتحديد متى استطاعت البرجوازيات العربية أن تستولي على الحكم وتنشر النظام الرأسمالي الشامل ؟

ومن جهة أخرى فهو يؤكد بأن ( كثيراً من علاقات الإنتاج الاجتماعية ، سواء في الحقل الاقتصادي أم السياسي أم الإيديولوجي ، التي تنتمي إلى أنماط من الإنتاج بالية ، أي بالتحديد ، سابقة على الرأسمالية ، لا تزال قائمة في البنيات الاجتماعية المعاصرة ) ، ( 12 ) .

ينطلق مهدي عامل لتحديد هيمنة الرأسمالية على العالم العربي منذ القرن التاسع عشر بشكل مضاد للقراءة الموضوعية ، وهو يفترض رأسمالية سحرية تتشكل منذ أن تطأ بوارج بريطانيا وفرنسا الشواطئ العربية ، في حين إن الرأسمالية تتعلق بمدى تشكل الرأسمال الخاص في القطاعات الاقتصادية المختلفة ، ومدى انتشار العمل المأجور على بقية أنواع العمل في النظام الاجتماعي .

وتتحددُ سيطرةُ البنيةِ الرأسماليةِ بوصولِ منتجي البضائع إلى سدة الحكم ، وإزاحة ملاك الأرض وإقطاعيي السلطة السياسية ، وسيادة العمل بالأجرة ، وهي كلها أمور لم تتحقق في نهاية القرن التاسع عشر ولا في نهاية القرن العشرين العربيين !

ولكن مهدي عامل يُصادر ببساطة ، قبل أن يبحث ، فهو منذ البدء يقول : ( أزمة البرجوازيات العربية. .) فأفترض إن هذه البرجوازيات قد حكمت وتعفنت في الحكم وهي مأزومة الآن ؟ ! في حين إن البناء الاقتصادي والسياسي لم تتحقق فيه شروط انتصار الرأسمالية !

ولكن ذلك لا يتعلق فقط بالبحث الفكري بل والأخطر بالمهمات السياسية المباشرة ، فيقول بأن :

( المهمة الأساسية لحركة تاريخنا المعاصر بهذا الشكل ، لاتضح لنا أن تحققها يمر بالضرورة عبر عملية معقدة من الصراع الطبقي ضد البرجوازيات العربية المسيطرة . .) ، ( 13 ) .

ولكن كيف يمكن إسقاط أسلوب إنتاج لم يُسد وطبقات لا تحكم ؟

علينا أن نناقش مسألة أسلوب الإنتاج الكولونيالي التي طرحها مهدي عامل ، كي نقوم بتفكيك تفكير هذا المفكر ، وهي التي اعتبرها حجر الزاوية في نظريته حول تطور العالم العربي .

كما رأينا سابقاً ، ( راجع الفقرة حول التاريخ العربي ) إن مهدي عامل يرفض تحليل البنية الاجتماعية العربية الحالية من خلال جذورها ، وهو ينتقد المفكرين العرب المجتمعين في الكويت لمناقشة ( أزمة تطور الحضارة العربية) بسبب قيامهم بالعودة إلى جذور التاريخ العربي ، طالباً الوقوف عند العصر الراهن والنظر إلى الماضي من خلال البنية الاجتماعية الراهنة .

إن مهدي عامل ينظر للبُنى الاجتماعية العربية الراهنة وكأنها صياغة أوربية غربية ، فقد قام الاستعمار الغربي برسملتها ، أي بتحويلها إلى رأسمالية ناجزة ، وهذه الرأسمالية الناجزة يُطلق عليها أسم ( أسلوب الإنتاج الكولونيالي ) ، وبهذا قام مهدي بخطئين كبيرين مزدوجين ، فهو قد قطع السيرورة التاريخية للبُنى العربية الاجتماعية ، أي قام بإزالة طابعها الطبقي التاريخي ، وهي عملية يقوم فيها بالتمرد على القوانين الموضوعية لرؤية المادية التاريخية عن التشكيلات الخمس : المشاعية ، والعبودية ، والإقطاع ، والرأسمالية ، والاشتراكية.

فهو عبر هذه المقولة قد ألغى كون البُنى الاجتماعية العربية بُنى إقطاعية ، فحين لا نبحث ألف سنة من التطور الاقتصادي والاجتماعي السابق ، ونعتقد أن أسلوباً جديداً للإنتاج قد تشكل ، وأسمه الأسلوب الكولونيالي ، في خلال بضع سنين ، وأن علينا أن ننظر للتاريخ من خلال هذا الأسلوب غير المحدد والغامض ، فتتشكلُ لدينا هنا رؤيةٌ سياسية دكتاتورية تحاول أن تفرض نفسها على جسدِ التاريخ الموضوعي ، بمعطيات غير مدروسة .

إن رفضَ تحليل الماضي ، أي رفض بحث التاريخ الإقطاعي للعرب ، يتضافرُ لدى مهدي عامل ، ورفض تحليل الحاضر ، أي قراءة عمليات التداخل بين الإقطاع والرأسمالية ، كأسلوبين للإنتاج موضوعيين في التاريخ العربي الراهن ، ويطالب بمناقشةِ أسلوب إنتاج من اصطلاحاته هو أسلوب الإنتاج الكولونيالي .

ومع هذا فعلينا أن نناقش تسمية أسلوب الإنتاج المقترح ، فمهدي عامل لا يُنكر وجود بقايا نظام تقليدي في هذا الأسلوب الذي انتصرت فيه العلاقات الرأسمالية ، ودون أن يطرح أية أرقام أو معطيات على انتصار العلاقات الرأسمالية الموهومة ، لكنه يعتبر إن العلاقات الرأسمالية المنتصرة في العالم العربي تشكل علاقة تبعية مع العالم الغربي حيث العلاقات الرأسمالية الأقوى ، وهذه الأخيرة الغربية هي التي تقوم داخلها بتقويض أساليب الإنتاج الأخرى ، في حين تعجز الرأسمالية العربية في علاقتها التابعة من تقويض أساليب الإنتاج السابقة داخلها ، وبهذا فإن أسلوبَ الإنتاج الكولونيالي الذي سادت فيه البرجوازياتُ العربيةُ يحتاج إلى ثوراتٍ عمالية لتقويضه والانتقال إلى الاشتراكية .

تتشكلُ هذه العمومياتُ الفكريةُ من منهجٍ مجردٍ يفرضُ قوالبه على الواقع الحي غير المدروس ، فتـُـلغى مسألةُ التشكيلة الإقطاعية بجرة قلم ، ويتم تحويلها إلى تشكيلة أخرى متطورة بقفزة خيالية أخرى هي التشكيلة الرأسمالية الكولونيالية ، ثم تحدث القفزة الأكبر إلى الاشتراكية . . ولا يزال الباحث لم يحلل الإقطاع العربي وسيرورته السابقة والراهنة .

والغريب إنه في كتابه هذا ( أزمة الحضارة العربية . .) يناقش جملةً من المفكرين العرب الذين يقدمون له مادة تحليلية ممتازة ، ولو أنه أبعد فرضياته الإيديولوجية المسبقة ، أو استفاد بعمق من الماركسية البنيوية التي نقل تطبيقاتها لفهم البنية الاجتماعية ، لأمكنه أن يدخل إلى دائرة التاريخ العربي وتشكيلته التي تضاربت أسماؤها لديه . ولكنه حدد منذ البدء هؤلاء الباحثين كمنظرين للبرجوازيات العربية المستولية على الحكم والتي وصلت إلى الأزمة ، وبالتالي يجب نقد وعي هذه الطبقات المسيطرة عبر وعي الطبقات الثورية الخ . .

حين يناقش مهدي عامل الباحث العربي شاكر مصطفى يتجاهل مهدي المادة الفكرية الثمينة التي يقدمها شاكر لتوصيف تطور المجتمعات العربية بقوله :

( إن الاستمرار الاجتماعي الذي تعيشه الشعوب العربية إنما تحكمه عناصر عديدة في مجموعها التركيب العربي القائم . . وأن لامتدادات التاريخ في هذه العناصر المكان الواسع إن لم يكن الأول. . ) وهذه (العناصر الأساسية الباقية عند أربعة جوانب :

أ ــ طرق الإنتاج المادي ب ــ تكوين نظام السلطة ج ــ طبيعة العلاقات الاجتماعية د ــ قيم الفكر التراثية..)، ( 14 ) .

هكذا نرى لدى شاكر مصطفى نظرة تاريخية موضوعية واقتراباً دقيقاً من فهم أسلوب الإنتاج الإقطاعي العربي الإسلامي المستمر عبر ألف سنة ، الذي يتأسس في نظام السلطة والإنتاج معاً ، ثم يتمظهرُ في العلاقات الاجتماعية : الأبوية ، هيمنة الذكور ، اللامساوة الجنسية ، الطائفية الخ . . ثم يصل النظام الإقطاعي إلى المستوى الثقافي : الأمية ، الخرافة الخ . .

إن شاكر مصطفى يمثـل مقاربة علمية ( ماركسية ) من فهم التاريخ ، ولكن ماذا يفعل مهدي عامل بمثـل هذه المقاربة ؟

بدلاً من أن يقوم بفهمها ودرس التاريخ العربي يقوم بالمصادرة السريعة ، فيقول :

( أما أن يكون هذا التاريخ الذي تكونت فيه البنية الاجتماعية للواقع العربي الحاضر ، تاريخاً يرجع إلى ما قبل عشرة قرون خلت ، أي إلى العصر العباسي أو أواخر العصر الأموي ، فهذا ما نختلفُ فيه جذرياً مع الدكتور مصطفى ) ، ( 15 ) .

فهو يحتار كيف أن هذه البنية المزدهرة يوماً ما تصبح هي نفسها سبب التخلف ؟ فيقول بلغته :

( فالبنية هذه ليست في حاضرها ، من حيث هي بنية ، أي كلٌ معقد متماسك ، سوى البذرة التي كانتها في الماضي ، تنامت ، فتنافت وتواصلت في حركة من تماثـل الذات بالذات ، وما الذات هذه إلا الذات العربية نفسها . ) ، ( 16 ) .

إن مهدي عامل الذي ينتقد شاكر مصطفى على أنه صار يفكر بمنهج هيجل الجدلي المثالي ، يعجز عن اكتشاف رؤية الوعي الموضوعي لدى مصطفى شاكر في فهمه للتاريخ العربي ، ويصبح هو هيجلياً مثالياً .

فالبنيةُ العربيةُ الإقطاعية في زمن الإمبراطورية العباسية كانت نظاماً مركزياً ، والإقطاع المتحكم في الخراج الهائل يصرفه على البناء الترفي والثقافة المقربة المفيدة للنظام ، ثم يتحلل هذا الإقطاع المركزي بسبب ثورات الشعوب ، ليجيء نظام الإقطاع اللامركزي ، وتظهر الدول والدويلات الإقطاعية ، وتكرر بشكل أوسع إنجازات ومشكلات النظام السابق ، ثم يتهرأ هذا النظام الإقطاعي الديني العام بتشكيلاته المتعددة ، ليغدو أنظمة وإمارات إقطاعية صغيرة مذهبية الخ . .

إن هذه السيرورة التاريخية تحافظ على قسمات عامة أشار لبعضها شاكر مصطفى في المقطع السابق ذكره ، حيث يغدو الحكام هم المستولون على القسم الأكبر من الثروة العامة ، وتتواشج السلطة والثروة ، ويشركون رجال الدين في السيطرة على العلاقات الاجتماعية ، أي ينقلون العلاقات الإقطاعية إلى البيوت والأحوال الشخصية الخ . .

وإذا لم نقم كما يريد مهدي عامل بقراءة هذه السيرورة التاريخية الاجتماعية التي امتدت خلال ألف سنة ، والتي تتغلغل في أبنيتنا الاجتماعية وقوانينا الوراثية وفي سلطاتنا المطلقة، وفي شعرنا ونثرنا وعاداتنا ولاوعينا ، فكيف نقوم بتغيير هذه البنية التقليدية وتشكيل النهضة ؟ !

إن مهدي عامل يخرق قوانين الوعي على مستوى قراءة الماضي ، وعلى مستوى قراءة الماركسية ، فعبر قراءة الماضي يتجاهل البنية الإقطاعية وسيرورتها الراهنة ، وعلى مستوى الماركسية يقوم باختراع مغامرات سياسية محفوفة بالكوارث ، عبر اختراعه مقولة أسلوب الإنتاج الكولونيالي وتصفية البرجوازيات العربية .

فهو بدلاً من قراءة الماضي ورؤية أسباب عجز البرجوازيات العربية القديمة عن تشكيل النهضة ، والقيام بثورة رأسمالية ، وقراءة أسباب ضعف البرجوازيات العربية الراهنة وعدم قدرتها على تغيير أسلوب الإنتاج الإقطاعي وتشكيل تحالف معها لتغيير التركيبة التقليدية يقوم بوضعها في خانة العدو والقفز ضدها إلى مهمات غير حقيقية ومكلفة كما دلت تجربة الشعب اللبناني .

يمثـل المفكرون الذين تواجدوا في الكويت لمناقشة مسائل النهضة العربية وكيفية إيجادها ، نخبة اشتغلت في حقول الدراسات لزمن طويل ، وبغض النظر عن اجتهاداتها ومدارسها فإنها تعبر عن عقول مهمة تعارض المجتمعات العربية التقليدية من منطلقات مختلفة ، لكن المفكر اللبناني مهدي عامل نظر إليها كخصوم وليس كقوى مساندة للطبقات العاملة العربية في تغيير مجتمعات التخلف ، وبهذا كان يرفض العديد من الآراء المهمة التي تقدمها كما فعل مع مصطفى شاكر .

ويعترض مهدي عامل كذلك على زكي نجيب محمود الذي يمثل المدرسة الوضعية أو التجريبية المنطقية في دعوته لاحكام العقل في النظر إلى الأشياء ، وخاصة في جملته التي قالها بضرورة ( الاحتكام إلى العقل في قبول ما يقبله الناس وفي رفض ما يرفضونه) ، ودعا زكي نجيب العربَ إلى التوجهِ لتمثل الحضارة المتقدمة ، واعتبر إن الاحتكام إلى العقل ميز الحضارات العقلانية ، معطياً نماذج أربعة على حضارات احتكمت إلى العقل وهي :

أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد ، وبغداد في عصر المأمون ، وفلورنسة في القرن الخامس عشر ، وباريس في عصر التنوير في القرن الثامن عشر .

أي إن زكي نجيب يقدم درجات من صعود البرجوازية عبر العصور ، أعطى إنتاجها المادي قدرة على الفهم الموضوعي للطبيعة المجتمع ، على درجات متفاوتة .

ويعترض مهدي عامل على هذه التصنيفات ويقول :

( وهنا تظهر الدلالة الطبقية لهذا المنطق من التفكير : فانتفاء الطابع التاريخي ، أي النسبي ، من شكل العقلانية الخاص بالبنية الاجتماعية الرأسمالية يجعل من هذا الشكل الخاص مطلقاً ، فيظهر ما هو تاريخي – أي ما يحمل فيه ضرورة تخطيه ونفيه – بمظهر ما هو طبيعي – أي يحمل فيه ضرورة تأبده – ويظهر الشكل الطبقي البرجوازي للعقلانية بمظهر العقلانية الإنسانية ، أي بما هو طبيعي ملازم للحضارة كحضارة . .) ، ( 17 ) .

إن فئاتٍ برجوازيةً عربية تعاني من هيمنة تقليدية متخلفة ، وحين تقوم باستعادة لحظات من فعل الفئات المتوسطة عبر التاريخ الماضي إنما تريد شحذ عقلها وإرادتها من أجل تشكيل عالم نهضوي عقلاني عربي ، يمكن حتى للقوى الشعبية فيه أن تناضل بصورة حديثة ، لكن زكي نجيب محمود هنا يفصل العقلانية عن أسلوب الإنتاج ، ولا يرى إن العقلانية في أسلوب إقطاعي ( عباسي ) هو غيره في أسلوب رأسمالي جنيني في أوربا ، وبالتالي كان هذا يحتاج لقراءة العنصر العقلاني في سيرورته التاريخية .

إن النموذج الذي يختاره مهدي عامل في الفصل الرابع من الكتاب السابق الذكر ، هو الشاعر والباحث أدونيس ، الذي صاغ دراسة حول الإمام أبي حامد الغزالي في ذلك المؤتمر مُستنتجاً ــ أي أدونيس ــ بأن الفكر الديني :

[بقواعده وغاياته ، هو الذي يسود المجتمع العربي ، اليوم . ولذلك فإن الإيديولوجية السائدة ، سواء في المدرسة والجامعة والبرامج التربوية ، والصحافة والإذاعة والكتاب ، إنما هي قوة ارتداد نحو الماضي ، وقوة محافظة على الراهن الموروث . . فعلاقات الإنتاج الموروثة . . ما تزال هي السائدة . . والبنية الإيديولوجية التقليدية . . ما تزال كذلك هي السائدة] ، ( 18 ) .

هذا الكلام يقوله أدونيس في سنة 1974 ، وبالتالي استطاع أن يشخص الواقع العربي تشخيصاً مهماً بحيث أننا الآن ( سنة 2005 ) ندرك الفجائع المترتبة على هذه السيادة الماضوية . ولكن اليسار حينذاك لم يكن ير مثل هذا التشخيص ، كرفيقنا الراحل مهدي عامل ، الذي يتصدى لهذه المقولة قائلاً رداً وتحليلاً للرأي السابق :

[1 – الفكر العربي هو نموذجه ، ونموذجه هو الغزالي ، فالفكر العربي إذن هو فكر الغزالي .

2 – الفكر السائد في الماضي هو الفكر السائد في الحاضر .

3 – البنية الإيديولوجية السائدة في الماضي هي البنية الإيديولوجية السائدة في الحاضر.

4 – علاقة الإنتاج المتوارثة – أي السائدة في الماضي – هي علاقات الإنتاج القائمة في الحاضر .

إذن الماضي هو هو الحاضر ، لا شيء تغير. ( خلاصة ). ] ، ( 19 ) .

من الواضح إن مهدي عامل يقوم بتبسيط نظرة أدونيس إلى التاريخ الفكري العربي ، فالغزالي لدى أدونيس هو كل الفكر العربي الديني المحافظ ، ولكن أدونيس يقول إن هذا الفكر المحافظ المذهبي هو الذي ساد ، وإذا طورنا مقولة أدونيس كما توصلنا إليها ، فنقول إن رؤية الغزالي كانت هي ثقافة الإقطاع السائد . ولكن ثقافة الإقطاع المذهبي متعددة ، وحتى تسود قامت بالقضاء على التيارات الدينية المعارضة ، وهذه لها حراك وصراع استمر إلى وقتنا الراهن ، فليس معنى ذلك سكون الخريطة الفكرية الاجتماعية ، بل أن لها ألواناً وتضاريس معقدة . ولكن من الناحية الجوهرية فإن المنظومة العربية الإسلامية لم تخرج عن التشكيلة الإقطاعية ، ومعرفة وتحديد التشكيلة هذه هي الخطأ الجوهري لدى مهدي عامل كما بينا سابقاً ، في حين أن الباحثين المنبثقين من الفئات الوسطى الحديثة كأدونيس وشاكر مصطفى ، يرون أنها مستمرة ، لكنهم لا يعرفون كيف يبلورن ذلك نظرياً .

يضع مهدي عامل بعض ممارسات الفلاسفة العرب كابن رشد في دائرة ما يسميه [بالممارسة الإيديولوجية لما يمكن تسميته بالطبقة الأرستقراطية العربية المسيطرة في المجتمع الاستبدادي في القرون الوسطى.] ، وبغض النظر عن جمله من المفاهيم الخاطئة في هذه العبارة ، فإن مهدي عامل يضع الممارسات النقدية للمفكرين العرب المسلمين السابقين في سياق [مجتمع استبدادي] ، وليس في سياق التشكيلة الإقطاعية المعروفة بداهةً للمادية التاريخية ، ثم يقوم بوضع الحركات والفكر الديني الإسلامي المعاصر في سياق آخر فيقول :

[ أما في الحالة الثانية ، «فالإسلام» موجود بالشكل الذي يتحدد فيه بحقل آخر من الممارسات الإيديولوجية الطبقية ، خاص ببنية اجتماعية مختلفة ، يغلب عليها الطابع الكولونيالي، في انتمائها التاريخي إلى نمط الإنتاج الرأسمالي .] ، ( 20 ) .

إن هذه البنية الحديثة التي يضع مهدي عامل الوعي الديني السابق فيها ، هي بنية يغلب عليها ( الطابع الكولونيالي وتنتمي تاريخياً إلى نمط الإنتاج الرأسمالي) ، وهي توصيفات نرى كيف أنها بذاتها قلقة مضطربة ، وهو يلجأ إلى كلمة ( كولونيالي) الأجنبية المنتفخة ، لكي يُشعر القارئ بأنها مصطلح غني في حين يمكن القول بأن البنية العربية هي بنية تابعة ، ووجود التبعية لا يخلق تشكيلة جديدة ، أي أنه حين تقوم الرأسمالية المسيطرة غربياً بإلحاق البلدان الفقيرة الإقطاعية في العالم الثالث باقتصادها ، فإن هذه البنية التابعة تظل في تشكيلتها الإقطاعية السابقة ، لأن الاستعمار لا يقوم بثورة اجتماعية فيها بحيث يحولها إلى نموذجه أو نموذج الرأسمالية ، بل يبقيها في بنيتها السابقة ويجري تغييرات سياسية واقتصادية بحيث تقوم بضخ المواد الأولية إليه وتغدو سوقاً لمنتجاته الخ . . لكن عمليات الإلحاق والتغيير الرأسمالية المحدودة تكون في إطار التشكيلة الإقطاعية ، أي أن التشكيلة السابقة لم تتبدل بثورة تبدل البناءين ؛ التحتي بثورة اقتصادية ، والبناء الفوقي بثورة ثقافية ، بل جاءتها عناصر رأسمالية فقامت باستيعابها في قوانين التشكيلة الإقطاعية التقليدية .

إذن عدم فهم مهدي عامل للقضية المحورية وهي قضية التشكيلة يقوده إلى سلسلة من الأخطاء اللاحقة ، حيث ينفي كون الدين أيديولوجية فكرية مسيطرة في الحاضر ، لأنه نفى كون التشكيلة المعاصرة تشكيلة إقطاعية ، وبهذا لم يُدرك المهمات الفكرية والسياسية الأساسية الراهنة ، وهي تغيير التشكيلة وبناءها الفكري التقليدي .

ولهذا يقوم بنقد أدونيس لأنه يقول باستمرار التشكيلة الإقطاعية ووعيها الديني الأساسي ، ( ويجب أن نقول هنا وعيها : المذهبي السياسي ) ، منتقداً إياه بأنه ينقل :

[مركز الثـقل في الممارسة الإيديولوجية للصراع الطبقي ضد البرجوازية المسيطرة ، من صراع ضد إيديولوجية هذه الطبقة ، بمختلف تياراتها ، إلى صراع ضد الشكل الديني أو الطابع الديني من هذه الإيديولوجية..] ، ( 21 ) .

وهنا يواصل مهدي عامل عدم فهمه وخلطه للأمور ، فأدونيس في نقده للشمولية الدينية ينقدها في ظل نظامها التقليدي الإقطاعي ، أي باعتبار الوعي الطائفي المحافظ تجلياً فكرياً واجتماعياً للممارسة الإقطاعية المهيمنة على المسلمين (والمسيحيين) ، وليس باعتبارها نضالاً ضد الشكل الديني ، أي بأنها قضية فك علاقة الدين بالسيطرة السياسية والاجتماعية الإقطاعية الراهنة ، وتشكيل منظومة سياسية حديثة علمانية .

أي أن مهدي عامل يريد تجيـير النقد ضد الدين ، ويجعله بإطلاق ، وليس ضد الوعي السياسي الطائفي المستغل للإسلام في تأبيد البنية الإقطاعية المتخلفة ، وبالتالي يريد توجيه الوعي الفكري ضد البرجوازية العربية الحديثة ، باعتبارها سبب الأزمة والعائق ، أي أنه في النهاية يقوم بالدفاع غير المباشر عن الإقطاع الديني ، أو أنه بالهجوم على البرجوازية الحديثة يفتت الصفوف الموجهة ضد الإقطاع الديني والسياسي .

فلنحلل أكثر التباس المفاهيم والمراحل واستراتيجيات النضال لدى مهدي عامل .

يقول :

[ فالعلاقة هذه التي تمنع تطور الإنتاج الرأسمالي ، في شكله الكولونيالي ، من أن يميل ، في قانونه العام ، إلى القضاء على علاقات الإنتاج السابقة عليه ، في سيطرته بالذات عليها ، هي نفسها العلاقة التي تمنع البرجوازية الكولونيالية ، في ممارسة سيطرتها الإيديولوجية / من القضاء على مختلف الإيديولوجيات السابقة على الإيديولوجية البرجوازية ، في سيطرتها بالذات .. ] ، ( 22 ) .

يعتمد مهدي عامل على منطق ارسطي شكلاني يجرد التاريخ من سيرورته الحقيقية ، ويضعه في قوالب لا تاريخية ، أي لا توجد إلا في وعيه الذي يقع خارج التاريخ الحي .

فهو أولاً قد أثبت انتصار الإنتاج الرأسمالي في العالم العربي ، في القرن التاسع عشر كما سيقول لاحقاً أيضاً ! لكن هذا الانتصار تم في إطار كولونيالي ، ورغم إن البرجوازيات العربية التي انتصرت على أشكال الإنتاج ما قبل الرأسمالية قد انتصرت إلا أنها مع ذلك تحافظ على الأيديولوجيات ما قبل الرأسمالية وهو ذات السبب الذي يجعلها تحافظ على أساليب الإنتاج ما قبل الرأسمالية !

فأولاً حين جاء الاستعمار إلى العالم العربي في القرن التاسع عشر ، كرس الإقطاع والطائفية والأمية ، ولم تستطع الفئات الوسطى ( البرجوازية ) أن تنمو إلا بشق النفس ، وخاصة الفئة الصناعية ، وبقيت الأبنية الاجتماعية تسود فيها عبودية النساء وعدم خروجهن للعمل والإنتاج، وهيمنة الإقطاع الطائفي الخ . .

وبهذا فإن نضالات الفئات الوسطى كانت تتحدد في كل بنية اجتماعية عربية ، حسب تطورها الاقتصادي الاجتماعي ، فإن تنمو فئة وسطى وتقود نضالاً ديمقراطياً كان ذلك يحتاج إلى عقود ، وليس كما يظهر في وعي مهدي عامل ، بشكل أزرار سحرية ، وكأن تشكل علاقات الإنتاج الرأسمالية تتم في الذهن وليس في الواقع الحي . أي أن الرأسمالية تحتاج إلى شروط موضوعية وهي انتشار الصناعة وانتشار العمل بالأجرة وتحرر النساء الخ . .

ولو افترضنا جدلاً بنشؤ الرأسمالية الواسعة في نهاية القرن التاسع عشر ، وهذا محض خيال ، فإن أشكال الوعي الدينية ، المرافقة للتشكيلة الإقطاعية ، لا تنهار بسهولة كبيت من ورق .

إن الوعي الديني المترافق مع التشكيلة الإقطاعية العربية تأسس فوق بنية زراعية / حرفية / رعوية ، وداخل صراعات اجتماعية ( قومية ) ومناطقية ، وقادته الصراعات السياسية الاجتماعية إلى الانقسام المذهبي الكبير في عصر الثورة والمعارضة ، بين التيارات المحافظة والتيارات المعارضة ، بين التيارات الإقطاعية الناجزة وتيارات الفئات الوسطى الفاشلة ، ثم إلى الانقسام المذهبي الكبير الثاني حين انتصرت التيارات والدول المحافظة ، أي الانقسام بين السنة والشيعة .

إن هذه السيرورة الاجتماعية الإيديولوجية المتلونة بمراحلها وآثارها لا يمكن أن تزول آلياً مع الانتصار الموهوم للرأسمالية كما يظن مهدي عامل ، بل إن هذا البناء الفوقي يحتاج إلى قرون لكي تتم زحزحة خطوطه المتكلسة ، ولكن الأمر أعقد من ذلك لأن هذا البناء الفوقي يتأسس تحت بناء قاعدي لم يتغير كثيراً.

وكما أوضح شاكر مصطفى في عبارته الهامة التي اقتطعاها مهدي عامل ورفضها ، بأن النظام الإقطاعي العربي الديني تتداخل فيه مسألتي السلطة والُملكية ، أي تتواشج فيه جوانب من البناءين التحتي والفوقي ، فالمسيطرون على الثروة والملكية العامة والأوقاف الخ . . هم الإقطاعيون السياسيون والدينيون ، وهو أمر يتمظهر مذهبياً في البلدان ذات المذاهب المتنوعة ، ودينياً في الأقطار الإسلامية ذات الاختلاط مع المسيحية ، وهذه الهيمنة الإقطاعية تظهر على شكل مَلكيات استبدادية وهو أمر استمر حتى منتصف القرن العشرين في بعض الدول العربية وليس في أغلبها ، وعلى شكل جمهوريات رئاسية أو ملكيات لم تستطع أن تـُنجز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية المكتملة ، أي في جميع الأقطار العربية الإسلامية حتى الوقت الراهن .

يحكم مهدي عامل على البرجوازيات العربية منذ تشكلها وصراعها ضد الإقطاع والاستعمار ، بحكم سياسي واحد ، فبعد أن شكلها بشكل ناجز في ذهنه فحسب ، وبعد أن شكل الأنظمة الرأسمالية العربية في وعيه فحسب ، غدت متطابقة مع البرجوازية الاستعمارية المسيطرة وبالتالي غدت منذ البدء عدواً .

لهذا فإنه لا يقرأ سيرورتها الفكرية والاجتماعية وبالتالي مراحل تطورها ومن هنا لا يرى فرقاً بين (ما نراه في أيديولوجيتها من مفاهيم «عصرية» ليبرالية ، وما نراه أيضاً في بدء ” تاريخها الإيديولوجي ” من مفاهيم أرادت أن تكون مثيلة مفاهيم الثورة الفرنسية البرجوازية ، كما هو الأمر عند رفاعة الطهطاوي ولطفي السيد وغيرهما ) ، ( 23 ) .

ومهما كانت عدم الدقة في المطابقة بين آراء الثورة الفرنسية وآراء الطهطاوي ولطفي السيد ، فإن عدم رؤية أهمية آراء المنورين العرب في ذلك الكهف الإقطاعي التي كانت ولا تزال الشعوب العربية تحاول الخروج منه ، فذلك يدل على وعي الأرادوية الذاتية ( الثورية ) في إلغائها للقوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي ، مثلما تفعل في مسألة الوعي بالتشكيلة وبالوعي المهيمن فيها ، حيث يلغي مهدي عامل أهمية أفكار البرجوازية النهضوية ويثبت آراء الإقطاع الديني ، فيقول بأن الإيديولوجية الدينية :

( ليست هي الإيديولوجية المسيطرة ، أو التيار الإيديولوجي المسيطر في الإيديولوجية المسيطرة ، أو أيديولوجية البرجوازية الكولونيالية المسيطرة ) ، ( 24 ) .

إذن إنه في عدم وعيه بسيرورة الإقطاع السياسي الديني في الماضي : بقوانين تشكله وصراعاته وظهور الفئات الوسطى بين أشداقه وأسباب انهيارها وغلبته ، فإن مهدي عامل لا يرى قوانين استمراريته وانهياره في العصر الحديث العربي ، وأسباب ضعف الفئات الوسطى ، وصراعها معه ومع الاستعمار.

إن عدم رؤية قوانين البنية الاجتماعية في الماضي ، هي ذاتها تتجلى في عدم رؤية قوانينها في الحاضر ، ويقود ذلك إلى عدم رؤية قوانين التشكيلة الإقطاعية عامة ، خاصة عملية تفكيكها وتغييرها المعاصرة ، وإذا أحلنا آراء مهدي عامل الفكرية العامة إلى الميدان السياسي ، فيعني ذلك تقوية الإقطاع .

فعدم تثمين مقاومات الفئات الوسطى في الماضي والحاضر ، وتشكيل جبهة سياسية تحديثية واسعة ، تراكم الوعي النهضوي وتقود في الخاتمة إلى الثورة أو القطع مع المنظومة الإقطاعية ، واستبدالها بمنظومة حديثة ، يعني تصفية القوى النهضوية وتفكيكها ، وبالتالي تصعيد الإقطاع في مستويات البنية المختلفة .

علينا أن نرى إن ثمة عدم دقة تحليلية للإقطاع المذهبي وتطوره في التاريخ العربي لدى أدونيس كذلك ، أي أن أدونيس لا يرى الجذور الاجتماعية لتشكل الحداثة قديماً وحديثاً ، التي تؤسسها الفئات الوسطى العربية ، ولكنه يقترب من هذا التحديد بشكل أفضل من مهدي عامل، الذي يقول عن ذلك :

( لكن المنطق الذي قاد أدونيس إلى عدم رؤية هذا الطابع الطبقي المميز للصراع الإيديولوجي في واقعنا الراهن ، هو تلك المعادلة الرابعة التي أقامها بين علاقات الإنتاج السائدة في الماضي وعلاقات الإنتاج القائمة في الحاضر. .) ، ويضيف مهدي عامل : ( أما أن تكون هذه العلاقات الموروثة نفسها هي هي العلاقات القائمة حالياً ، فهذا ما لا يمكن للمنطق العلمي أن يقبل به ، برغم وجود الانسجام الداخلي في منطق أدونيس..) ، ( 25 ) .

ومن المؤكد إن الإقطاع العربي الكلاسيكي القائم على ملكية الأرض الزراعية والخراج ، لم يعد شاملاً ، لكن مهدي عامل لم يقم بدرس العلاقات الاقتصادية العربية الحديثة ، وكيف أن ملكية الدولة لوسائل الإنتاج تمثل شكلاً إقطاعياً حين تغدو تابعة بالوارثة لأسرة أو جماعة سياسية ، بدلاً من أن تكون هذه الوسائل بضاعة متداولة ، ولهذا ثمة استمرارية كبيرة بين حقول النفط وحقول الزراعة ، وبين الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي تتركها في تقوية الإقطاع الأسري والحزبي الخ . . ونعرض ذلك كمثال عابر فقط ، من أجل أن نرى استمرارية الحياة التقليدية ، وبالتالي فإن الحكم العام الذي يطلقه أدونيس باستمرار الوعي التقليدي وهيمنته لا يجانب الصواب .

إن أدونيس إذن عبر تلك الفقرة التحليلية يقربنا من رؤية البنية الحقيقية للحياة العربية ، فيما يعمل مهدي عامل على إخراجنا من تلك البنية وإدخلانا في بنية موهومة من قراءته ومعايشته للحياة الغربية ، فيريد نقل مهمات الصراع الطبقي فيها، إلى بلدان متخلفة ، تشكو من قلة البرجوازية والعمال والتصنيع ، دون أن يحاول العودة إلى مصادر أدونيس في قراءة المجتمعات العربية ، في كتابه (الثابت والمتحول) خاصة .

في إحدى الفقرات من كتابه ( أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية ؟ ) ، يقر مهدي عامل ضمناً بسيادة العلاقات الإنتاجية والاجتماعية التقليدية وهو يرد على أدونيس فيقول :

( إن وجود هذه العلاقات السابقة في البنية الاجتماعية الكولونيالية لا يعني أنها العلاقات السائدة في هذه البنية ، حتى وإن كانت هي تنتشر على القسم الأعظم من السكان ، كما هي الحال في الهند مثلاً، أو في كثير من البلدان العربية . .) ، ( 26 ) .

إنه يعتبر الإنتاج التابع شكلا تاريخياً محدداً من الإنتاج الرأسمالي ، فمهما كانت الأشكال ما قبل الرأسمالية منتشرة فإن ما يحدد توجه التطور هو النمط الرأسمالي . وبطبيعة الحال لا يمكن أن نأخذ بهذه الجمل إلا عبر تحليل للأبنية الاقتصادية الاجتماعية المحددة في كل بلد ، فرغم أن التطور الرأسمالي هو تطور عالمي عاصف ، إلا أن كل منطقة وبلد لهما خصوصياتهما ، أي أن الأمر يعود لتطور التشكيلات وتاريخها ، وتناقضاتها الداخلية ، فالتشكيلة الإقطاعية العربية الإسلامية ، عبر سيطرة مختلف الدول الاستعمارية على أقطارها المتعددة ، لم تقم هذه الدول الاستعمارية برسملتها بشكل شامل ، وحتى بعد مختلف الثورات الوطنية فإن المسألة الديمقراطية لم تـُحل ، أي أن هذه الأنظمة ظلت على بنياتها الإقطاعية المذهبية ، وظلت الدولة طائفية واللامساواة بين المواطنين سائدة ، وظلت قوى ما قبل رأسمالية تتحكم في الثروة العامة الخ . .

لكن مهدي عامل لا يرى ذلك ، بل يرى إن هذه الأنظمة أنظمة رأسمالية فيجب أن :

( يرفض الدولة البرجوازية ، أي هذا الشكل التاريخي الطبقي المحدد من الدولة، ويرفض علاقات الإنتاج البرجوازية الخ . .) ، ( 27 ) .

كما أن القوى العاملة مدعوة ( لممارسة العنف الثوري ، من حيث هو عنف طبقي ، بأدواتها هي وبمنطقها هي وبنظامها هي ، من أجل القضاء على سبب وجود العنف الذي هو المجتمع الطبقي ) ، ( 28 ) .

إن مهدي عامل لا يقول ذلك في فرنسا والولايات المتحدة ، بل في لبنان وسوريا والعراق والجزيرة العربية ، فبدلاً من معرفة ما يحدده شاكر مصطفى وأدونيس من دولة استبدادية طائفية إقطاعية متخلفة ، يقوم مهدي بصناعة دولة موهومة هي الدولة البرجوازية ، وقد اكتملت علاقات الإنتاج الرأسمالية فيها ، وبين النموذج الواقعي الذي يرفض الدخول فيه وتحليله ، يجر نموذجاً آخر ويريد مجابهته ، وهذا الجر يخلق مهمات سياسية وعسكرية مختلفة ، فهو هنا يريد إزالة البرجوازية بالقوة ، فتتحول هذه الكلمات في يد اليساري اللبناني إلى سلاح ، ويغدو كل الفلاحين المقتلعين من الجنوب والنازحين على المدن والفقراء ، جيش الثورة البروليتارية في مواجهة البرجوازية .

إن مهدي عامل بعد أن حول المجتمع المتخلف الطائفي التابع الجائع إلى المصانع والبرجوازية إلى (مجتمع برجوازي مأزوم بسيطرة هذه البرجوازية ) ، لم تعد المهمة سوى اقتلاع هذه البرجوازية لكي تحل الأزمة ، وهكذا يُفتح الطريق للحرب الأهلية اللبنانية من البوابة النظرية .

لا يعني ذلك بأن توصيفات أدونيس للمجتمع العربي التقليدي متكاملة ولا أن الحلول التي يطرحها لتجاوز أزمة المجتمعات العربية التقليدية ، فهي كذلك تعاني من عدم فهم سيرورة التطور العربي.

إن أدونيس يقول حسب رواية مهدي عامل بأن ( شخصية العربي ، شأن ثقافته ، تتمحور حول الماضي / القديم ) . وأنه في الحضارة العربية (لما انتفى الفرد في الموضوع وتغرب عن ذاته في الجماعة أو الدولة أو السلطة أو النظام … كان الاتباع ، وكان التخلف ، وكان حاضر الإنسان العربي أو ماضيه ) ، ( 29 ) .

نستطيع أن نقول بأن مقاربة أدونيس للتشكيلة الإقطاعية تركز هنا على غياب الوعي الفردي (البرجوازي) ولكنه يجعله مطلقاً ، والمسألة ليست مسألة انتفاء الوعي الفردي فهذا مظهر للبنية الإقطاعية التي جعلت الفئات الوسطى تابعة لها ، ولكنه وهو حين يشير إلى ( تلاشي ) الفرد المبدع أو هيمنة التقليد في الحضارة القديمة ، فهو يشير إلى شيء موضوعي لم يتبينه تمام التبين ، وهو سيطرة الهياكل الإقطاعية العامة الاقتصادية والاجتماعية والإيديولوجية ، ولهذا فإن الفردية، وتوسع الفئات الوسطى الحرة ، وبالتالي انتشار الإبداع لم يحدث بصورة جذرية ، وقد تتبعنا ذلك في قراءات سابقة ، وبينا جذور الفئات الوسطى وارتكاز قواها الأساسية على الدولة الإقطاعية . وبهذا فإن الفئات الوسطى العربية في الماضي والحاضر ، لم تستطع أن تتحول إلى طبقات برجوازية كلية ، وهذا بخلاف رؤية مهدي عامل التي تقول بأنها وُلدت كبيرة ناجزة بفعل الأزرار السحرية الغربية ، ولكنها بعد كما يقول أدونيس كذلك لم تستطع حتى الآن أن تزيح الاتباع وتنشر الحرية بشكل شامل !

تلخيصاً وتطويراً لما سبق، يقيّم مهدي عامل تقييماً سلبياً الجوانب التي يتلمسها المفكرون المنبثقون من الفئات الوسطى الحديثة والتي تميل لتشكيل النظام الرأسمالي الحديث بكل قسماته ، فمهدي عامل يقوم بإزاحة لهذا المجتمع التقليدي الحقيقي المرفوض من قبل هؤلاء المفكرين ، ويضع بدلاً منه توصيفات مستقاة من تطور أعلى ، هو تطور البلدان الرأسمالية المتطورة ، ويضع المهمات التي تواجه الطبقات العاملة في هذه البلدان الرأسمالية المتطورة ، والتي تعالج مهمات تاريخية مختلفة ، وبدلاً من تشكيل جبهات موسعة للقوى الحديثة والديمقراطية لإزاحة التشكيلة الإقطاعية الطائفية العربية ، فإن يوجه القوى ضد أحد الأجنحة المهمة في عملية التغيير الديمقراطية ، ولهذا فهو يجعل ممثلي القوى الليبرالية والعقلانية الفكرية في الندوة المذكورة ، كخصوم ألداء وليس كحلفاء في معركة واحدة ضد تشكيلة تجاوزها التاريخ .

وهذا يقوده لعدم تثمين الأحكام الموضوعية التي يطرحها هؤلاء المفكرون والباحثون، وعدم الاستعانة بهذه المواد الفكرية الثمينة لتطويرها عبر المنهج المادي الجدلي، ورؤيتها في سياق التشكيلة الحقيقية.

ولكن مهدي عامل دخل في قراءة التاريخ بذاتية ثورية تـُسقط رغباتها على التاريخ الحقيقي ، بدلاً من اكتشاف تطوره ، فكان ابتكاره لمقولة ( أسلوب الإنتاج الكولونيالي ) بداية لخرقه أساسيات المادية التاريخية ، حول أساليب الإنتاج المحددة والُمكتشفة ، وهذا الخطأ المحوري قاده إلى سلسلة من الأخطاء النظرية في تحليل الجوانب المحددة في تطور التشكيلة الإنتاجية العربية ، السابقة الذكر، فهو قد اعتبر علاقات الإنتاج الرأسمالية مُـنجزة في حياة المجتمعات العربية منذ نهاية القرن التاسع عشر ، وهذا ما دعاه إلى عدم تثمين حلقات التنوير المتعددة التي قامت بها الفئات المتوسطة العربية ، في الماضي والحاضر ، ثم الدعوة إلى خلق اصطفاف حاد إلى معسكرين رأسمالي تجاوزه التاريخ ، وعمالي يجب انتصاره .

وكان هذا خرقاً للمهمات الحقيقية لقوى الثورة والتغيير العربية التي تواجه تشكيلة متخلفة ، ولكن الخطوط الفكرية التي طرحها مهدي عامل كانت تتضافر ووضع دولي مواتٍ ، مما جعلها في حيز التنفيذ ، ولكن النتائج المترتبة على هذه الخطوط النظرية والسياسية كانت كارثية خاصة على البلدان التي طبقتها بشكل عنيف ، وأهم هذه النتائج إن القوى السياسية ما قبل الرأسمالية ، والمذهبية الاجتماعية ، هي التي استفادت من تناحر القوى الحديثة ، وهي التي برزت إلى السطح والفاعلية ، حيث ساعدتها عوامل أخرى ، مما أوضح بشكل جلي بأن مهمات حركات التغيير العربية لا تزال مواجهة الأبنية التقليدية ، وضرورة عدم التحالف مع هذه القوى التقليدية وابرازها ، رغم السهولة التي تبدو بها عمليات التحالف مع هذه القوى الماضوية ، وضرورة تكريس تحالف الجبهة النهضوية التحديثية الديمقراطية ، حتى لو كانت الصعوبات جمة في طريق تشكيله وتعزيز عناصره الديمقراطية والعلمانية .

لكون التحالف مع القوى التقليدية وتعزيزها هو تقوية للتشكيلة الإقطاعية وسيرورتها الطويلة في الحياة العربية ، لأنها تشكيلة متكاملة ومتجذرة ليس في الحياة السياسية ولكن أيضاً في الحياة الاجتماعية والفكرية.

ونظن لو كان المناضل والمفكر مهدي عامل حياً ، لكان قد راجع الكثير من أفكاره ، التي كان يعززها حينذاك وضع عالمي مختلف .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش ومصادر:

لهذا فإن القول بوجود بنية كولونيالية أمرٌ يفتقد إلى التحليل المادي التاريخي.

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=413619

البنية والوعي

اختلف مع العديد من المفكرين حول رؤيتهم لمسار المجتمعات العربية الإسلامية الراهنة، ولاسيما مع المفكر اللبناني الراحل مهدي عامل في مفهومه عن [ أسلوب الإنتاج الكولونيالي]، الذي أراد أن يجعله توصيفاً لمجتمعات العالم الثالث التي منها مجتمعاتنا.

وقد استفاد مهدي عامل من تطورات الفكر الماركسي في فرنسا، وخاصة تطورات البنيوية الوظيفية على يد غولدمان وآلتوسير، اللذين ركزا على مفهوم [ البنية]، باعتبار كل مجتمع بنية خاصة لها قوانين تشكلها، غير المنفصلة عن قوانين تطور التشكيلة الاجتماعية ـ الاقتصادية التي تضم مجموعة من المجتمعات، والبنية ذات مستويات ثلاثة: اقتصادية وأيديولوجية وسياسية، وهي مستويات متداخلة، كل منها له أهميته التكوينية في مسار البنية، وبهذا ينتهي ذلك الفصل التعسفي بين الاقتصادي والفكري والسياسي.

وقد طبق مهدي عامل هذا المفهوم على مجتمعات العالم الثالث، رافضاً إنها مجتمعات إقطاعية أو رأسمالية، أو فقط مجتمعات تابعة، مقترحاً أسلوباً جديداً للإنتاج هو الأسلوب الكولونيالي، فهي مجتمعات تابعة، غير قادرة على إنتاج بورجوازية وطنية قادرة على تشكيل مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية.

وبطبيعة الحال هذه المقولة تكمل الوعي اللينيني باستباق قيادة البرجوازية وقيام العمال بتشكيل هذه الثورة.ويواصل مهدي عامل ذلك قائلاً بأنها تابعة للرأسمالية الأقوى، وبالتالي لا يمكن أن تقوم بعملية القطع في بنية التبعية.

وفي رأيي فإن مهدي عامل لم ينطلق من درس تطور المجتمعات العربية الإسلامية، أي ما هي أساليب الإنتاج في دول المشرق الذي صار عربياً، وكيف ظهر الإسلام وفي أي بنية وما هي تطورات هذه البنية.

إذا أخذنا مثالاً بسيطاً على مفهوم البنية، فنقول عن سلطة الاحتلال الإنكليزية في الدول العربية في بدايات القرن العشرين، هل كانت سلطة رأسمالية أم إقطاعية؟

إن قانون البنية هنا يقول بأن البنية الاجتماعية لها قوانينها الداخلية، وهي التي تستقبل المؤثرات الخارجية وتعيد تشكيلها داخلياً، فنحن قد نأخذ أداة غربية متقدمة ولكن شروط وجودها في بنيتنا الوطنية تعيد تشكيلها حسب قوانينها، فالتلفزيون المنتج يغدو عندنا أداة ترفيه، وكذلك فإن قائد الاحتلال البريطاني الذي يسجن من يقوم بتعدد الزوجات في إنكلترا حين تدوس أقدامه أرضاً عربية يقبل بهذا التعدد.

وكذلك فإن كافة المنتجات الثقافية والاقتصادية تخضع لإعادة التشكيل داخل البنية، فيغدو المستعمر البريطاني رئيساً لسلطة إقطاعية.وتغدو عمليات التحديث الرأسمالي المحدودة غالباً في بنية إقطاعية مهيمنة.لكن هذا الإقطاع عرف سيرورة خاصة تمثل تطور المجتمعات العربية الإسلامية، التي تغدو فيها المذهبية شكلاً دينياً محافظاً للصراع الاجتماعي.

ولهذا فإن تكون الفئات المتوسطة في مجتمعاتنا هو تكون تابع أولاً للإقطاع، فتبعيتها للإقطاع هو الذي يجعلها تابعةً للإمبريالية. إن عدم تجذر الخطاب الفكري والسياسي للفئات المتوسطة، يعود لهذه التبعية المركبة.

لو أخذنا المجتمع اللبناني كمثال لقرأناه بوصفه مجتمعاً إقطاعياً مذهبياً نموذجياً. فكافة الشرائح التي تبدو قوى برجوازية هي قوى لإقطاعية مذهبية ودينية مختلفة. الحزب الاشتراكي التقدمي هو يافطة للإقطاع الدرزي والمهيمنين فيه، أي أن الشريحة المتوسطة في الطائفة الدرزية لم تستطع أن تغير الإقطاع المهيمن عليها، أي أن تغدو جزءً من طبقة برجوازية قائدة، وهذا يحتاج لشروط اقتصادية، عبر تعاضدها مع الشرائح الوسطى في الطوائف الأخرى، وفكرية عبر إزاحة الوعي الطائفي المهيمن في الفكر السياسي الدرزي وغير الدرزي، وبقراءة نقدية للوعي الدرزي باعتباره إحباطاً للنضال الثوري عند الفلاحين المسلمين في العصر الوسيط وهيمنة للإقطاعيين على إنتاج هذا الوعي والسيطرة على الفلاحين الذي تقسموا وفقدوا قدرتهم على الكفاح الطبقي العام، وهو أمر يُعاد إنتاجه في المجتمع الإقطاعي اللبناني الحديث، عبر مستوى آخر من تطور البنية وتداخلها مع الهيمنة الأجنبية.

ويمكننا أن نأخذ الوعي الفرنسي الملبنن كنموذج يواصل متابعة المسألة على صعيد الوعي، ونرى كيف إن وعي الثورة الفرنسية المستورد إلى لبنان تحول إلى كهنوت، أي أنه لم تستطع أفكار ديدرو وفولتير وجان جاك روسو أن تطيح بسيطرة الكنيسة والملالي على الوعي. فلماذا صار ميخيائيل نعيمة صوفياً؟ ولماذا ترنحت الثورة الرومانتيكية عند جبران خليل جبران؟ ولماذا صار الحزب الشيوعي اللبناني تابعاً لحركة القوى المذهبية عوضاً أن يقود معركة لتشكيل مجتمع حديث لا طائفي؟ أي كيف غدت الماركسية ديناً وعقيدة ؟ أي لماذا لم تستطع الفئات الوسطى والشعبية فيه أن تغدو علمانية؟ أي لماذا ابتعدت أدوات مهدي عامل من الحفر والهدم للمجتمع الإقطاعي اللبناني الطائفي كتشكيلة حقيقية وليس كمجتمع كولونيالي؟

تكمن الإجابات في الحفر المزدوج الماضوي والحديث، عبر دراسات ملموسة في تكوينات المجتمعات وتطوراتها الخاصة، أي تحولها من كيانات داخل الإمبراطورية الإسلامية إلى كيانات وطنية، وكيف تمت التطورات والصراعات القديمة والحديثة، وكيف ومتى حدثت التغيرات في البُنى الإقطاعية في كل بلد بلد، وفي المستويات الثلاثة السابقة الذكر، وهل وصلت هذه التغيرات إلى الخروج من التشكيلة؟

إننا في لحظة تاريخية فكرية كبيرة هي إعادة لصياغة المفاهيم وانقلابها، وتاريخنا كله موضوع للحوار، لأن كتلته الجامدة صارت تعيق أمة كبيرة عن المشي في الكوكب الأرضي.

عبـــــــدالله خلــــــــيفة

( 9 ) : ( أزمة الحضارة العربية أم أزمات البرجوازيات العربية ؟ ) ص 16 ، ونعتمد على الطبعة السابعة للكتاب الصادرة عن دار الفارابي ببيروت سنة 2002 .

( 10 ) ، ( 11 ) : ( المصدر السابق ، ص 21 ) .

( 12 ) : ( المصدر السابق ، ص 53 ) .

( 13 ) : ( المصدر السابق ، ص 39 ) .

( 14 ) : ( المصدر السابق ، ص 43 ) .

( 15 ) : ( المصدر السابق ، ص 54 ) .

( 16 ) : ( المصدر السابق ، ص 54 ) .

( 17 ) : ( المصدر السابق ، ص 34 ) .

( 18 ) : ( المصدر السابق ، ص 73 ) .

( 19 ) : ( المصدر السابق ، ص 74 ) .

( 20 ) : ( المصدر السابق ، ص 76 – 77 ) .

( 21 ) : ( المصدر السابق ، ص 78 – 79 ) .

( 22 ) : ( المصدر السابق ، ص 81 ) .

( 23 ) : ( المصدر السابق ، ص 82 ) .

( 24 ) : ( المصدر السابق ، ص 82 ) .

( 25 ) : ( المصدر السابق ، ص 85 ) .

( 26 ) : ( المصدر السابق ، ص 87 ) .

( 27 ) : ( المصدر السابق ، ص 104 ) .

( 28 ) : ( المصدر السابق ، ص 105 ) .

( 29 ): ( المصدر السابق ، ص 97 ) .

الثورية الزائفة لمحطة الجزيرة

تقوم محطة #الجزيرة المحافظة الدينية بعرض مؤدلج مثير بغرض خداع الجمهور، ولعدمِ فهمِ مقاصدها في الترويج لولايةِ الفقيهِ المستبد، لأن #الوليَّ_الفقيه لا بد أن يركبَ على آلام الفقراء لكي يصل للعرش المكين.

إن إستغلال وضع الجماهير المعذبة في بلدان وعرضها بطرقٍٍ مثيرة لا يستهدف تغيير حياة الجماهير بشكل عقلاني تحديثي، بل يستهدف غايات سياسية غائرة غامضة.

ولهذا فإن خطوطاً معينة تمضي نحوها هي هدم سلطات في بلدان ذات مذهبية سنية بدرجة أساسية.

إنها لا تناقش ولا تعرض خطورة إستيلاء #حزب_الله على لبنان بشكل عسكري طائفي.

ولا تعرض ما يجري في #سوريا من إستبداد لا مثيل له في العالم!؟

ولا تعرض ما يجري في #إيران من إستبداد ديني ومن ثورة ديمقراطية شعبية مخنوقة بالقمع؟!

هناك تحالفٌ بين #ولاية_الفقيه الشيعية و #ولاية_الفقيه_السنية المنتظر صعودها.

هناك تحالفٌ بين الاستبداد المحافظ في عالم #الشيعة وبين الاستبداد في عالم #السنة الذي لا بد أن يهزمَ #الليبراليةَ و #الديمقراطيةَ و #الحداثة و #العلمانية (الخطيرة على عالم المسلمين النقي).

فكيف تصعد #ولايةُ_الفقيه السنية الاستبدادية بدون مكياج ثوري، وبدون لغة تدغدغ عواطف الشباب والمشاهدين المذهولين من كلمات النضال والثورة والهجوم ضد القمع وصور تحرض على مقاومة الاستبداد، وتكشف بشكل مبهر قمع الشرطة في #مصر مثلاً!

لكن كل هذه أدوات وسيناريوهات مجزأة لمخرجٍ مناور ذكي يجثم في خلف المسرح يريد قيادة الجمهور لانتصار #حماس الطائفية المحافظة على #فتح التحديثية وعلى مشروع التجديد والعلمنة والاستقلال في #فلسطين، بأسم الخيانة والأفراط في الحقوق وما إلى ذلك من حيل تستغل الموقف المعقد للمناضلين.

ولا تعري  #الجزيرة مشروع  #الطائفية في #لبنان وعدم إنتاج دولة تحديثية #علمانية تتجاوز عالم #الطوائف.

لماذا روجت #الجزيرة طويلاً لمشروع (القاعدة) ثم سكتت عنه بعد أن صار مشروع الأرهاب الديني بغيضاً لدى الجمهور العربي والمسلم والإنساني عامة؟

فهناك دائماً أجندة مشروع #ولاية الفقيه (السني هنا)، الشمولي، المحافظ، الذي لا يريد تطور المسلمين نحو #الحداثة.

تجمعَ مشروعا ولاية الفقيه الشيعي الإيراني ومشروع ولاية الفقيه السني المحافظ على أجسام الدول العربية كـ #تونس و #الأردن و #الجزائر و #مصر، فيما كان #السودان الممزق والمدمر لجسمه مُحتَّضناً مشجعاً على البقاء في دولته الدينية الطائفية #الدكتاتورية التي لم تبقِِ شيئاً من فتاتها.

أي دولةٍ ذاتِ مذهبٍ سني معتدل ومنفتح وتنوي الاستمرار في مشروع الحداثة تغدو هدفاً للجزيرة المحافظة، لكنها تُهاجم من جهات أخرى، كوجود الفقر والبطالة وعدم توزيع الثروة بشكل عادل. وإذا أرادت تفجير المشاعر ذكرت الفنادق والمحرمات وما إلى ذلك. إنها قضيةُ حقٍٍ أُريدَ بها باطلٌ.

المجموعةُ التقنيةُ المؤدلجة العاملة لضرب تحديث المسلمين وتقدمهم تم تدريبها على #الميكافيلية الشريرة، كإستخدام الدين والأخلاق في مواضع، وإستخدام الأفكار الاجتماعية #اليسارية في مواضع، وإستخدام حتى الأفكار #العلمانية في مواضع، بقصد إيهام الكثيرين بالوجه الديمقراطي المضيء العصري للمجموعة، وخلق زوايا دينية كبيرة للفقهاء المُنظرين يسودُ فيها التبتلُ والروحانية المقدسة وهي البؤرةُ التوجيهيةُ القيادية، وهو ما فعلهُ المحافظون الإيراينون المستبدون في #إيران وما فعلتهُ #حماس و #حزب_الله وغيرهم في السيطرة على المسلمين وإرجاعهم للوراء وتمزيق صفوف العرب والمسلمين، ولمشروعِ ولايةِ الفقيه المحافظ المستبد.

تحالف المحافظين الإيرانيين والعرب تحققه إمكانياتٌ بترولية كبيرة وبدلاً من أن تُوجه هذه الموارد الهائلة إلى تطوير حياة المجتمعات في المنطقة توجه لمشروعات التسلح والحروب والصراعات وتصعيد دينيين متخلفين في فهم الإسلام والعصر لحكم دول عربية.

#مصر تجد الآن فرصتها من عطف وإهتمام #الجزيرة فقد تنامى فيها مشروعُ الحداثة والشعب يسعى للديمقراطية وحقوقه الضائعة لدى سلطة مستبدة، لكن الجزيرة تسعى لشيء آخر غير ما يريده المصريون، تسعى لسيطرة الولي الفقيه، مستغلة الأحداث والصور والموتيفات الفنية والاجتماعية، لوضعها في سرد خاص بالمؤلف الحماسي #الأخواني يسعى لتشكيل سلطته فوق أنقاض مصر وحداثتها وتطورها.

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=246695