أرشيف الكاتب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

أفاتار غير معروف

عن عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆 𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙 21.10.2014 | 1.3.1948

الوعيُّ العربيُّ وتطوراته : عبـــــــدالله خلــــــــيفة


مع التحولاتِ العارمةِ في البلدان العربية إنقسم التطورُ بحدة بين المغرب والمشرق العربيين، فعاد المشرقُ لسببياته القديمة في هيمنةِ الصراعاتِ الطائفية القومية، فالصراعُ العربي الإيراني لعب دوراً مؤثراً، وتنامت الفسيفساءُ الطائفية ولم تسمح بمقاربةٍ ولو قليلة للديمقراطية العلمانية، فيما كان شمالُ أفريقيا العربي أكثر قرباً لهذا.
تجاربُ التحديثِ في تونس والمغرب التي تشكلتْ في النصف الثاني من القرن العشرين خاصةً، والتي لعبتْ فيها أحزابُ الفئاتِ المتوسطة والعمالية أدواراً نهضوية هامة سمحت لتلك المقاربة.
إن أساس تلك المقاربة هو مدى التعاون أو التحالف بين هذه الفئات المتوسطة والقوى العمالية، وقد تجسدَ ذلك في تونس على سبيل المثال في التعاون بين الحزب الدستوري والنقابات العمالية(إتحاد الشغل) والتي طُرحت فيها تسمياتٌ إيديولوجية غيرُ دقيقة كتسمية التجربة الاشتراكية، والتي تراوحت فيها الخيارات الاجتماعية بين التأميمات والتعاونيات وبين التنامي الواسع للملكيات الخاصة الاستهلاكية الخدماتية.
ثم لعبت أجهزةُ الدولة بتناميها وبتغييب الديمقراطية وإنفراط أدلجة الاشتراكية دورها في تصعيد رموز الشمولية.
وكان نقدُ حزب النهضة لهذه التجربة بإعتبارها تغريباً ومحواً للإسلام جزءً من نشاط فئات وسطى أخرى مرتبطة بالريف والقوى المتأخرة في وعي الديمقراطية والحداثة، لكن تواجد قيادات من النهضة في فرنسا وتأثرها بالثقافة الديمقراطية فيها، جعلت عداوتها للعلمانية غير إلغائية وحربية. ولهذا كانت تحالفاتُها مع قوى حديثة جزءً من هذه المراوحة الإيديولوجية بين الإقطاع والرأسمالية، بين الارتداد الماضوي الفوضوي التخريبي وبين الصعود للحداثة.
لكن القوى الديمقراطية التحديثية واسعة في تونس، بسبب دور البرجوازية والعمال التعاوني في مرحلة الاستقلال والتطور الوطني المستقل، ورغم ضعف التصنيع إلا أن العوامل الذاتية كانت لها تأثراتها على بُنية الوعي.
وهو ما يمثل قاسماً مشتركاً مع  المغرب، لكن المغرب كانت تجربته مختلفة وأقل تجذراً، حيث قام حزب الاستقلال وحزب القوات الاشتراكية بمماثلة ذلك التحالف التونسي بين الفئات المتوسطة والعاملين، لكن تجربة المغرب يغلبُ عليها الضعف، بسبب إتساع المساحة الإقطاعية في الزراعة وبناء الدولة، وقد تداعى ذلك التحالفُ بسبب مصالح الصعود والانتهازية التي تغلغلت في الفئات العليا من الحزبين النهضويين الوطنيين، مما جعل الجمهور يبحث عن قوى أخرى تواصل شعارات التقدم وتغيير حال الأغلبية الشعبية ووجدوها في الطائفيين المحافظين وكشفت التجربة التداولية مدى نقص الوعي الجماهيري والمستوى المحدود لتمثل واقع ومصالح العاملين لدى هؤلاء.
وقد مثلت مصر مستوىً أقل من ذنيك البلدين في تمثُل الحداثة العلمانية الديمقراطية، فقد كسرَّ الحكمُ العسكري الفئات الوسطى والعمالية المستقلة ولم تنشأ إمكانياتٌ للتحالف إلا بعد تدهور النمط العسكري الأخير المتحلل منه وهو نظام مبارك، لكن الإخوان كانوا مغايرين لحزب النهضة التونسي فقد ذهبوا للجزيرة العربية واستقوا الثقافة الإقطاعية ذات التوجهات البدوية، فنقلوا المستوى الحربي الغزواتي من هذه الثقافة، ومن الرغبة المريضة بالاجهاز على الثقافة الديمقراطية العلمانية العربية، وممثليها، وإقامة حكم طائفي محافظ، وهو ما فجّر مقاومة الشعب الذي كان يراكم التحديث بتضحيات جسام عبر قرنين من الزمن.
ولهذا فإننا إذ نشهد تفسخاً سياسياً إجتماعياً في السودان الذي هو أقل من جاره المصري في تمثُل الحداثة وأكثر إستجابةً لعوامل التخلف والتفكك، فهذا هو الشاطئ الذي تنتهي فيه شمالُ أفريقيا، وحيث ننتقل للمشرق الذي تتسع فيه عوامل التفكك والطائفية بسبب تاريخيته الشمولية القديمة وضخامة الطوائف الدينية داخله على مر  التاريخ.
هنا لم يزدهر الوعي ويتقارب مع عوامل الحداثة العلمانية بل غرقَ في الطائفية وراح يحرقُ خرائطَه بلداً بعد بلد.
التماسك المحدود في اليمن بسبب قواه الشعبية التحديثية بين جماعاته الشمالية والجنوبية التي وصلت لتقارب غير حاسم، وهو التعبير عن عدم وجود تجربة تاريخية سابقة للتلاحم بين الفئات الوسطى والعمالية المعبر عن مستوى معين للتصنيع والترابط الاقتصادي الحديث بين الشمال والجنوب.
ولا تختلف بقية دول المشرق عن هذا المستوى ورغم تقدم بعضها إقتصادياً وإجتماعياً وثقافياً لكن الاتجاهات التحديثية العلمانية ضعيفة وغير مؤثرة وبسبب طبيعتها الذيلية فقد غلغلت الطائفية والصراعات الجانبية داخلها وفتت الخرائط الوطنية.

تباين طرقِ التطور العربية : عبـــــــدالله خلــــــــيفة


رغم الكمية الكبيرة من المواد الفكرية والاجتماعية والسياسية التي أنتجتها الانتفاضاتُ العربية الشبابية إلا أنها لا تزال بكراً في تحليلها معبرة عن نفس زخم الأجيال الجديدة الحماسية.
إنها بلا مرئيات تاريخية عميقة، وتعيش على سطوح المجتمعات العربية، إنتقائية من مواقعها الدينية التحديثية، محافظة على مستويات المضامين، فهي تجثم على المجتمع المحافظ المذهبي الموروث الذكوري السائد.
الديقمراطيةُ الانتقائية خلافيةٌ مع الجهة الوحيدة التي تعارضها حسب تلك المواقع الانفعالية، فإذا كانت سلطةً ركزتْ كل السلبيات فيها، وإذا كانت عسكراً شنعت على تاريخها، وإذا كانت قوى مذهبية عرت محافظتها بفصلها عن جذورها ومجمل البناء الاجتماعي المحافظ الموروث التي تشارك هي فيه كذلك، وإذا كانت صديقة لها ضخمت من إيجابياتها ونست سلبياتها.
الديمقراطيةُ الانتقائية عند هذه الأجيال مؤدلجةٌ مفصلة حسب مصلحتها، ولحظتها الزمنية السياسية، فربما يتغير موقعها، وحينئذٍ يتبدل الكلام.
كذلك فإن مواقع  الدول العربية مختلفة من حيث التطور الاجتماعي السياسي، فنقل المقاييس الانتقائية من بلد إلى آخر، هو ما تفعله الاتجاهات الشمولية العربية الكلاسيكية خلال العقود السابقة وهي التي سلمت الدول العربية للتوجهات الطائفية التي هي الوريثة لها.
ولهذا فإن جر دول الخليج لنفس أجندة دول الانتفاضات وتطبيق نفس المقاييس التجريبية والديمقراطية المؤدلجة الانتقائية هو خلق فوضى أكثر منها تحولات.
ولهذا فإنه بدون معايير الديمقراطية العلمانية العقلانية الغربية الإنسانية مطبقة على جميع القوى الاجتماعية السياسية حسب التطور السياسي لكل بلد، فإنها تغدو إنتقائيات تفجيرية.
ولهذا فإن مكافحة ظواهر العشائرية والطائفية في الحكم السياسي، والتغلب على الفساد، ودفع قوى التنمية الصناعية الجماهيرية وتغيير هيمنة العمالة الأجنبية وتغيير البيروقراطيات منتجة البطالة المقنعة وغيرها من الأهداف، تتم بالتدرج والخطط الشاملة، وليس بتلك التجريبية التجزيئية من مواقع القوى التابعة للطائفيين السياسيين.
هذه القوى التي تستهدف عرقلة التطورات الديمقراطية الوطنية في دول الخليج عبر الجمل الملتهبة فاقدة التبصر الموضوعي، وهي سبق تجريبها في البلدان العربية الأخرى وأنتجت أشكال الطغيان المعروفة.
القوى السياسية الطائفية لا تريد تطبيق المقاييس الديمقراطية عليها، ولا تريد عمليات تطور ديمقراطية خليجية مشتركة، فهي التي تحدد وقت وأشكال الديمقراطية، ولا تعترف بهذه المنظومة وظروفها المختلفة، ومستويات عيشها المتقدمة نسبياً عن غيرها من الدول العربية.
ضرب معايير الديمقراطية العقلانية العلمانية هي ما تقوم به في ضجيج حاد خالط للأوراق، وبدونه تظهر في عريها الشمولي وتخلفها، ورغبتها في عودة العرب والمسلمين للوراء، إلى النمط الذكوري المستبد المحافظ، وليكن ذلك في تشنجها حتى لو تم بالعنف.
التغيير المتدرج العقلاني في دول المنطقة يتطلب وعياً نقدياً صارماً للظاهرات السلبية، عبر طرح موضوعي، يكشف العلل ويدعو لتغييرها، مطوراً الايجابيات محافظاً على التطور وما تحقق فيه.
وليكن النقاد السياسيون يكشفون المشكلات ويدعمون التطور بلا إنتقائية وتجزيئية.
الانفجارات الفوضوية التي قامت بها هذه القوى عرقل مصالح الجماهير وكرس التخلف والبيروقراطية فكانت مساندة للسلبيات مؤكدة لبقائها الطويل.
كذلك وضعت الدول العربية والإسلامية بين الخنادق المتقاتلة، وساعدت القوى الغربية في تدخلاتها وتفكيكها للمسلمين، بدلاً من أن ترتقي بوعيها لفهم الإسلام والتاريخ المعاصر وخلق التعاون بين الدول العربية والإسلامية.
أسلوب النقل الميكانيكي لشعارات في بُنى وأوضاع مختلفة لدول أخرى سبق أن تم تجريبه وتجاوزه لكن ليست ثمة ذاكرة وطنية هنا.

في التطورِ العربي العام : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

في التطورِ العربي العام


الدول العربية ذات مستويات تطور مختلفة، وهي مشدودة ككل دول العالم إلى التطور التحديثي العلماني الديمقراطي، ونرى الآن كيف أن فرنسا هي قمة التطور الصراعي الاجتماعي الديمقراطي الحديث، حين نضج هذا التطور خلال القرون الثلاثة الأخيرة، وكون هذا المستوى الذي هو محصلة لمستويات التطور الاقتصادية الاجتماعية الثقافية الطويلة.
ومن هنا نرى النموذج التونسي ومقاربته لهذا التطور وكيف راح الصراع الاجتماعي يتبلور، فالطبقتان البرجوازية والعمالية واضحتان وضوحاً سياسياً كبيراً، فمنظمات قوى رأس المال والمصالح الخاصة، متبلورة مثل منظمات العمال والحرفيين والشغيلة عامة.
أحزاب اليسار وأتحاد الشغل تعبر عن الانفصال الاقتصادي الفكري الذي لم يكتمل تماماً، فالفئات الوسطى الصغيرة وجمهور من الشغيلة كذلك لا تفرق بين الوعي الديني والحقيقة، فالوعي الديني الإسلامي المحافظ هو شكل الحقيقة لديها، ومن يعتنقه يعبر عن الناس ككل كما تتصور في وهمها الإيديولوجي.
ولهذا فرغم ظروف عيشها الصعبة ومعاناتها من الاستغلال الحكومي حيث الرأسمالية الحكومية البيروقراطية مركز الاستغلال في العالم الشرقي، فإنها تؤيد هيمنة إستغلالية جديدة على هذه المُلكية العامة وقد كانت باسم الحزب الدستوري وتغدو الآن باسم حزب النهضة.
وقد ساهم وعي اليسار الجامد في هذا الوهم، فلم يفهم الإسلام الحالي كأشكال محافظة مذهبية معبرة عن الطبقات العليا الاستغلالية القديمة وبعض التفسيرات الجديدة المحدودة، وبالتالي كان لا بد أن يمتلك تفسيره الشعبي النقدي لرؤية الإسلام، لأن اليسار الديمقراطي هو وريث كل التجليات الشعبية المناضلة عبر التاريخ، ولهذا يهتم بكل الحقب التاريخية دون أن يذوب في مستوياتها ومستوياتها الفكرية، وهو أمرٌ لا ينفصل عن علمانيته، وفصله الدين عن السياسة، وهو موقفٌ مركب دقيق كذلك.
التبلور الفكري الناضج في تونس يحتاج لخلخلة الوعي المذهبي السياسي المحافظ وإكتشاف جمهور النهضة لمصالحهم الطبقية المختلفة، وتجاوز الصيغة المحافظة هي مسألة قراءات معمقة في التراث وفي عمق الصراع السياسي الراهن.
هذا التبلور بين الطبقتين الحديثتين نجده يتقارب في مصر والمغرب، ومصر إستطاعت إحداث قفزة، لكن جمهور العمال والبرجوازية أو الفئات الوسطى عامة، متداخل هنا مع أجهزة الدولة، وإذ راح يبلور أيديولوجيته السياسية التحديثية في الدستور الجديد لا يزال يصارع من أجل هذه البلورة والأنتماء الراسخ للديمقراطية الحديثة على النمط الفرنسي المتبلور.
إن خروج الصراع الطبقي إلى الوضوح وإلى المؤسسات الديمقراطية الحديثة، وقد منعته مخاوفٌ أسطورية رهيبة خلال قرون، هو الحل السياسي المعاصر للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية.
والإيديولوجيات الدينية هي ضبابٌ فكري سياسي راجع للعصور الماضية، وحين تتكثف وتمنع الرؤى الاجتماعية والطبقات والفئات من إكتشاف مصالحها والدفاع عنها بشكل حضاري تُحدث صراعات مَرضية في المجتمعات تدفعها للانهيار، فبدلاً من المصالح الحقيقية المتعارضة تظهر مصالح ذاتية معرقلة هي تدخلات الدول ونَزعاتها  الدينية والقومية المعبرة عن قوى بيروقراطية وعسكرية وتقليدية.
لهذا فإن تبلور هذا المستوى من التطور الاجتماعي السياسي في بعض دول شمال أفريقيا العربية لم يصل لدول المشرق العربي الإسلامي، الذي راح يغوص في صراعات ما قبل الحداثة، فالطبقتان الحديثتان المتبلورتان لم تظهرا على مستوى الخرائط الوطنية بوضوح من خلال أشكالها السياسية الاجتماعية وحضورها في المؤسسات العامة.
ولهذا فإن كثافة حضور المنظمات الدينية المذهبية القومية المتصارعة يجسد هذا التخلف على المستوى الاقتصادي الاجتماعي.
فهذه المنظمات لا تريد التعبير عن فئات بل كذلك عن مذاهب كلية وقوميات لم تتبلور وتعيش في إضطرابات خلال قرون، وهي بهذا تجرُّ الخرائطَ الوطنية للتمزق والحرق في أثناء إنسحابها للعصور الوسطى.
إن منظمات أرباب العمل والعمال خاصة في مستوياتها السياسية النقابية لم تتبلور وتغدو ذات أهمية وطنية، كما يحدث في تونس عبر تضامن ووحدة مؤسسات أرباب العمل وإتحاد الشغل على المستوى السياسي الوطني، مع وجود المصالح المتباينة على المستوى الاقتصادي.
إن الديينيين ذوي العقلية المحافظة يفرضون نفوذهم في المشرق على نحو عنفي شديد، معطين الصراعات الاجتماعية البسيطة أشكالاً مذهبية وقومية رهيبة غير ممكنة الحل خوفاً من ظهور أشكال الحداثة الديمقراطية التي تنزع سلطاتهم المتكلسة عبر قرون.

العربُ ونقدُ الواقع : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

العربُ ونقدُ الواقع

العربُ ونقدُ الواقع
أعتمد الوعي العربي على عدم نقد الواقع الكلي، وهو الواقع كنظام إجتماعي معرقل للتطور، وتوجه لصورٍ جزئية ماضوية وحاضرة ومشكلات جزئية، يكررها أو يرتفع عنها للخيال، متجمداً أمام واقع لا يتوقف عن الحركة، ويزداد تعقيداً فيما يوارب الوعي ويتوقف عند الظواهر الثانوية.
في الوقت الراهن تنفجر القضية من خلال جذورها الدينية التاريخية غير المُحلّلة، غيرالمنقودة بعمق، مع بقاء نفس النظرة الإيديولوجية الزائفة في رؤيتها والمدعية فهم الواقع والتعبير عن الناس.
شكلان إقتصاديان إجتماعيان متقاربان يضم الفرقاء المتصارعين: رأسمالية حكومية تغدقُ أغلبَ الفوائض على جماعة، ورأسمالية دينية تقوم بنفس التصرف.
هذا الشكلان يعبران عن مستوى واحد من العلاقات الانتاجية والاجتماعية، فالعرب والمسلمون في قارب تاريخي واحد، لكن يحدث صراع بدائي بينهما يتسم بسمات الأنظمة ما قبل الرأسمالية ومشكلاتها.
ثمة فوارق جزئية هنا وهناك: تشدد ديني في جهة، وتشدد أقل في الجهة الأخرى.
هيمنات عسكرية متماثلة وضياع موارد في تسلح وصراع وحروب.
لكن المناظير الإيديولوجية تصور الفريقين وكأنهما مختلفان جوهرياً وكلٌ منهما حسب نظر أصحابه يعبر عن الحقيقة والتطور والمصلحة الشعبية والدين.
أعتمد النظر عند الفِرق والتيارات العربية الدينية على فرضِ منظور إيديولوجي خارجي على الواقع وعدم قراءة الواقع.
كالخوارج أرادوا حكم المدينة عبر شعيراتٍ دقيقة ملتهبة من الأحكام والجمل الدينية الباترة.
وقام المعتزلةُ بصناعة جملٍ عقلانية صغيرة لرؤية الواقع لكنها جملٌ محدودة تتوجه للبناء الديني وتعزله عن الصراعات الاجتماعية والاقتصادية، فكان هذا يجعل نقدهم المحدود يتضاءل في قيمته، ويعجز عن الامتداد في قضايا المال العام والخراج والجزى وتوزيع الدخول على الناس حتى تنقطع أنفاسهم النقدية وتتركز أنظارهم على جيوبهم.
هذا ما يفعله معاصرون في تعميمهم لسمات الدول العربية وإلغاء جذورها في البُنى الاجتماعية والهياكل الاقتصادية التي تجمعها في سماتٍ بيروقراطية شمولية وتوزيعاتِ دخولٍ متخلفة وغير عادلة وكلها تحتاج للالتحاق بنظم العالم الديمقراطية الحداثية.
وهكذا فإن الصراعات بين التيارات السياسية تتركز في هذه الخنادق الضيقة، فأغلبها لا يقبل أن ينضم للديمقراطية المعاصرة العلمانية، مبعداً قسماً إجتماعياً وإمتيازات معينة وثقافة فكرية عتيقة عن النقد وعن ضرورة التغيير.
فرقاء حداثيون يكتشفون في مجرى الصراع السياسي أن الجماعة التقليدية غير ديمقراطية وغير وطنية وأنه يجب إبعادها عن الحكم.
والجماعة التقليدية بقيت طوال عقود تكرسُ نفسَها في تنمية الدكتاتورية وخلق عامة عنيفة، لكن النصوص الحداثية الوطنية لم تعالجها نقدياً وتعريها سياسياً فأنتشر وعي زائفٌ لدى الجمهور عن هذه الجماعات: الغائبة عن النقد.
الجماعة الحداثية نفسها منزلقة للتقليدية والانتهازية والمناورات السياسية مع الجماعات التقليدية وينفجر صراعها مدمراً أوضاعاً وكتلاً مختلفة وتكتشف أجنحةٌ متعددة إنها تتحطم وتنشل سياسياً فجأة.
يعبر التجريب في اللحم الشعبي عن الانفصال بين النخب الفكرية السياسية عن العلوم والواقع، وعن نموها الشمولي وعدم إقامة علاقات فكرية حوارية ونقدية مع الأجسام الشعبية المختلفة، فكرست نفسها في التكوين الشللي والعصبوي والمنفعي، وحين تنمو ديمقراطياً بشكل فعلي يعتمد هذا على طبيعة الأفكار السياسية التي تتبناها ومدى ديمقراطيتها وكشفها لحقائق الواقع وعدم صدورها عن إيديولوجية شمولية متيبسة وبضرورة علاقتها الحية مع الجمهور، ولهذا تصبح مسائل تحويل الواقع بالغة الصعوبة وبحاجة لمنجزات العلوم الاجتماعية ولمناضلين مفتوحي العقل لفهم الواقع ونقد الذات والتاريخ السابق واللاحق.
السلطة الكلية العربية الغائرة الممتدة تاريخياً للزمن التقليدي وهياكلها الاقتصادية الاجتماعية تُضفي على القبائل والجماعات والفِرق والتيارات مضامينَها  الغائرة المسيطرة، مضامين هيمنة الذكور وملاك الأرض  الكبار  والموارد، وهيمنة النصوص المسبقة والتفسيرات الذاتية المرتبطة بأشكال إنتاجية مقيدة ومحدودة.
وكلما تأخر تحويل تلك البنية كلما أهترأت أشكال الوعي وتعقدت المشكلات وتنامت، كما من الصعوبة أن تنفصل أشكال الوعي التقليدية عن مصالحها ولهذا تغدو المكشلة تاريخية معقدة.

ضعفُ العقلِ النقدي : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

ضعفُ العقلِ النقدي

 
تدهور العقل النقدي في الأنظمة العربية بسببِ عدم قيام المفكرين الكبار والباحثين بدورهم التحليلي الموضوعي لدراسة الحياة العربية، ونقدها بصورة شجاعة وحاسمة.
هؤلاء المفكرون دخلوا السجون وعاركوا الأنظمةَ المستبدة ولكن لم يواصلوا رحلة التشريح النقدية العميقة.
ما هي الأسباب التي تجعل هؤلاء يقطعون رحلات عمرهم المضيئة بانهيار أخير؟
الفارق بين المنورين الغربيين وبين هؤلاء أن الموسوعيين والفلاسفة الغربيين واصلوا رحلتهم رغم التشرد والغربة والسجون وبقيت كتبُهم متسقةً في النضال من أجل الديمقراطية والحرية، ولم تثنهم العقبات المختلفة أو الإغراءات.
هل لأن (المعدن) العربي معدنٌ هشٌ لا يستمر في صلابته ويتكشف جوهرهُ في خاتمة المطاف؟
ليست المسألة قدريةً وغيبية بل هي واقعية صرفة.
إن الفارق بين جان جاك روسو المفكر الرومانسي وهو قدرتهِ على التشريح النقدي حتى لجسده الفكري الروحي وكشف عريه. وهو في هذا التشريح لا يعطي فرصة لنفسه للتخاذل.
أو حين يكتب جان جينيه المسرحي المعاصر في القرن العشرين عن نقاط ضعفه بكل صراحة.
لا يتابع المفكرُ العربي أخطاءهُ وتدهور رؤيته وتسلقه على مواسير الأنظمة، وانقطاع روحه النقدية شيئاً فشيئاً، فيبدو في آخر مسيرته الفكرية منقطعاً عن جرأته الأولى وتعريته للأوضاع السياسية.
إنه يقدم صورةً وردية عن ذاته، لا يعري تراجعاته وأسبابها، فلا يكشف كزوج عقبات الزوجة والعائلة التي حاصرته وأرجعته للوراء، وربما كان امرأةً والعقبات أمامها كثيرة فصمتت عن التخاذل الذي أصيبت به.
ربما يبدأ المفكر من أشكال فلسفية هامة ويكشف رؤى عربية محافظة، عبر فلسفة عالمية، كما فعل محمود أمين العالم، أو عابد الجابري حول الوعي العربي الذي جرده الثاني في بنية العقل العربي، لكن الأول نقل فلسفة روسية شمولية عجزت عن الحفر النقدي في الأنظمة العربية، فماشت أنظمةً رأسمالية حكومية على أساس أنها(الطريق العربي نحو الاشتراكية) والثاني غيّب الصراع الاجتماعي في الأنظمة العربية ولم يدرس تنامي هذا الصراع وأشكاله المعقدة عبر الارتداد الديني للنظام التقليدي، وضعف القوى التحديثية وضعف نقدها للبنى الاجتماعية الراهنة وبالتالي لم تجر المعركة المفترضة للقوى التقليدية الديينة والسياسية.
بعد ذلك تأتي مجرياتُ الحياة الاجتماعية الملموسة للمفكر وصعوده في مؤسسة صحفية أو سياسية وتبدل نمط عيشه ليخفف من حفرياته النقدية وموضوعيته. ثم يرى المتابعون الانهيارَ بشكل فاقع في سنوات لاحقة.
يواجه المفكر والكاتب العربي إغراءات معيشية في مجتمعات بلا قوة حضارية، فالاحزابُ الديمقراطية التحديثية غيرُ ذاتِ جذورٍ شعبية، وقوى التخلف والانتهازية واسعة، والنقابات صفراء، ولا يوجد قراء كثر يقفون معه ويشترون كتبه ودور النشر والمكتبات تسرقه.
كذلك فإن رجال الأعمال الذين يفترض مساندتهم للتنوير والديمقراطية ومساندتهم للمفكرين بتعضيد دور النشر والمجلات الموسوعية كما حدث في غرب أوروبا يبتعدون عن هذه المساهمات التي تغذي الفكر وتؤدي لمجابهة التيارات الظلامية.
كان الانسكلوبيدون وهم الكتاب الفقراء قد ارتفعوا فوق الصحف والمجلات الشعبية وصنعوا الثورات الحديثة، فتعاضدت الأسباب الذاتية في مجالات الصناعة والتجارة وفي مجالات الفلسفة وغيرت مجرى الإنسانية.
تضحياتٌ من الجانبين المنتجين المادي والثقافي، وبدونها لا تتكون التحولات.

طفوليةُ الكلمةِ الحارقة : عبدالله خليفة

طفوليةُ الكلمةِ الحارقة

عبدالله خليفة

حين يهاجم مثقفٌ متنورٌ معتقدات الناس القديمة المتوارثة المتواصلة وهم في غياهب الظلمات غارقون في البؤس، ويضربُ مقدساتهم بسياط كلماته، لا يجني سوى الشقاء.
وهذه بطبيعة الحال ستكون شرارة. أما احترقتْ أجسادُ المتنورين في نهاية العصور الوسطى بنيران الكهنة؟ لكن حيواتهم الثمينة احترقتْ مع جلودهم وأدمغتهم والعطاء المأمول منهم.
أحمد القبانجي أو تركي الحمد بنقدهما لمقدسات الناس يتم اصطيادهما في السجن وتُهدد حياتهما.
الهجماتُ ضد المقدس التي تطال الرموز البشرية والاعتقادية جزئيةٌ، انفعالية، غيرُ مبنيةٍ على درس عميق وتحليل مديد.
هي التنويريةُ الطفولية، وحرقةُ مثقفِ التيارات الاجتماعيةِ الثقافية القلقة المعبرة عن الفئات الصغيرة ولعدمِ وجودِ الطبقات المنتجة الجماهيرية بثقافتِها المتأصلةِ الواسعة الانتشار، وهذه التنويريةُ الساطعةُ في لحظةٍ حادة كأنها انفجارُ نجمٍ، فهي تريدُ دهسَ الظلام دفعةً واحدة، كأن الظلامَ هو شخصٌ ماضوي، أو فهمٌ أعوج لحادثةٍ، مركزيةٍ في الذهن الشعبي السحري، وهذه التنويريةُ الفردية الشجاعة والطفولية كذلك تَحدث في العالم العربي الإسلامي بشكل مستمر وهو يعيدُ إنتاجَ الشموليات والتخلف على مدى قرون.
ولكنه كذلك يشكلُ تجديداً ويراكم طبقات صغيرة من التحولات.
لهذا نجد التنويري مثل لحظة طه حسين أو أحمد القبانجي أو تركي الحمد، ذا صلة هشة بالطبقة الوسطى مشروع النهضة الاجتماعي، حيث نجدُ هذه الطبقة في اللحظة التاريخية المعينة أجساماً صغيرة مُفتتةً، تركزُ على دكاكينها ووكالات تجارتها، وإيجاد مقاولات وأعمال لدى ملاك الزراعة الكبار والحكومات.
فلا تجد هذه الفئات أي صلة بين نقد الشعر الجاهلي ومشروع النهضة والتحرر من الاستعمار وقيام الدولة الوطنية.
وكان انفجارُ طه حسين جاء في جُملٍ صغيرة تسخرُ من تاريخ ديني، في حين أن الكتاب ليس ذا صلة وثيقة بهذه الجُمل التي حُذفت في الطبعات التالية ولكن الكتاب حرك سلسلةً طويلة من البحوث في تاريخ العرب.
الناس الذين ينتقد المتنور تصوراتهم الدينية السحرية ُ يعيشون في عالم ذي أسس موضوعية تكرس العلاقات غير السببية، فالفلاحون يحرثون الأرض بمحاريث تقودها الثيران، والتجار مشدودون لمخازنهم يكدسون البضائع يريدون بيعها بأعلى سعر ويستغلون المشترين ما أمكن ويتهربون من الآلات والمصانع إلى بناء العمارات السهلة الربح.
وإذا جاء القليلُ النادر منهم للمتنور في جامعته أو كتابه أو برنامجه الفضائي سيغضبون من جمله الناقدة لتراثهم الديني المقدس.
إن كل ما كتبه وحرق عمره من أجله لم يصل لهؤلاء الناس، فراح يسلطُ عليهم نيرانَ عباراتهِ من أجل أن يحركهم ويستثيرهم ولكنه جرحهم وبلبلهم.
وما يكتبهُ من آراء تنويرية مثالية لا تصل لتحليل العلاقات الموضوعية التي يعيشون فيها، ولو كان كذلك ما صفعهم بجُملهِ، فهو يسخر من رموز يقدسونها، لا يجدون بينها وبين مشكلاتهم علاقة. وهو يتصور أنه بقلقلةِ وجود هذه الرموز يتمكن من تغييرهم وهدايتهم للتقدم المنشود.
إن هذه الفئات الوسطى الصغيرة غير قادرة على تجميع رؤوس أموالها الصغيرة لبناء المصانع الحديثة، التي تُخرج الناس من المزارع الصغيرة ومن الحِرف ومن الجثوم في المقاهي، وعبر هذه التحولات تظهر ظروفٌ جديدة لهم، للثقافة، ولمحو الأمية، والارتباط بالأجهزة التقنية المتطورة، وإنتاج أجيال من المتعلمين المختلفين، حيث يحدث هنا تراكمٌ للمعرفة الجماهيرية العلمية، وحيث يبدأ الناس بفهم الحياة والمجتمع بأشكال موضوعية.
لهذا نجدُ أن لحظةَ طه حسين تم تجاوزها مصرياً حيث حدثت تطوراتٌ كبيرة ولكنها لم تكتمل بعد، في حين أن أحمد القبانجي العراقي لاتزال بلاده غير قادرة على خلق مثل تلك التطورات المركبة ولم يتواجد الحضن الجماهيري الديمقراطي الحديث الواسع. في مصر تُطرح مسألة فصل السياسة عن المذاهب بقوة الآن من أجل التركيز على برامج التحول الاقتصادي الشعبي، وهو البرنامج الذي يرسخُ أكثر بنيةَ المصانع وبنية الحداثة والمعرفة العلمية، فيما تغدو تصورات الإنسان الدينية من حريته ومن حقه.
ولكن إضاءةَ المتنور المغامرة تُستخدم من قبل القوى المتطرفة دينياً في تكريس التخلف والقمع، فهي تقتنص الخطأَ الإجرائي في عرض المعرفة التي لم تأتِ في سياقها الديمقراطي الجماهيري الحديث فتجعلها جريمة.
هكذا كان أصحابُ المغامراتِ اللادينية في العصور الوسطى يهاجمون المعتادَ الشعبي من الدين دون قدرة على تغيير وعي الناس، لأن هذا الوعي مرتبط بظروفِ إنتاجهم ومعاشهم وتقاليدهم وحياتهم الشخصية، فيذهب المتنور ضحية الفخاخ التي يصنعها المحافظون وضحية مستوى المعرفة المحدود في الناس.


الانتهازية الفكرية : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

الانتهازية الفكرية

إن انتشار الانتهازية الفكرية بين المثقفين العرب بشكل واسع يطرح أسباب هذا الخراب الاجتماعية والسياسية، فلماذا هذا الحول الفكري الكبير ؟ ولماذا يتم ابصار جهة معينة فقط من الطريق، وترك جوانب أخرى متعددة في هذا الطريق والتي تؤدي بالسائر إلى الإصدام وإلى السير في زقاق مسدود في أحيانٍ كثيرة؟
لماذا لا تتشكل الموضوعية التي ترى الأسود والأبيض، وتبصر مجموعة السلبيات والإيجابيات؟ لقد قلنا مراراً حول قوانين تشكل الفئات الوسطى وعلاقاتها بالقوى المسيطرة، وكيف تتذبذب حسب مصالحها، ولكن لا بد الآن من الدخول إلى الآليات النفسية التي تكوّن الأنماط الرئيسية من المثقفين المخادعين والتي تجعل الكذاب يتصور نفسه محقاً، وإلى اعتقادات المنافق بأنه بطل، وإلى البهلوان الذي يتصور نفسه بأنه يخدع الجميع ويقبض من الجميع دون أن يلاحظه أحد؟ هناك تصور ساذج لدى المثقفين بأنهم أذكياء جداً وأن أحداً لا يعرف ألاعيبهم، وأن الشعب هو كومة من الناس الأغبياء، دون أن يدرك أن ثمة حساسية خاصة، ووعي غائر تاريخي يتكون في هؤلاء البسطاء، ويشكل معرفة تاريخية أكثر عمقاً وبقاءً من هلاميته وبالونات اللغة التي يطلقها في الفضاء، معتقداً بأنه يشكل ألعاباً سحرية لا أحد يستطيع أن يبزه فيها! تقوم عقلية المثقفين الانتهازية على مقولة خدمة الأنا المطلقة، باعتبارها هي المحور في كونه الضيق، فكل القضايا والتحولات والمشكلات سوف يراها من خلال مصلحته الشخصية، وسيغير كل الحقائق الموضوعية الصلدة في الحياة، لكي يفصّلها على مقاس مصلحته، ومن هنا فكل المقاييس الأخلاقية سوف تضيع في هذه الحالة، وستغدو الشاشة الفكرية التي يفترض أن تبحث عن الحقيقة، تائهة ومائعة، وستتآكل القيم الإيجابية في النفس من شجاعة ونزاهة وأمانة، وتحل صفات أخرى مذمومة من نفاق ورياء، وهي الصفات التي تقود المرء للهلاك الأخلاقي. والفرق هنا بين كتلة الشعب الغامضة تلك، وكتلة هذه النمطية من المثقفين، هي أن كتلة الناس لا تحتاج في أحكامها وقراءتها البطيئة المحدودة والمبعثرة إلى مجاملة أصحاب السلطان، ولهذا تكون وهي في بيوتها وحرفها البسيطة، منتجة للموضوعية الفكرية التي عجز المثقفون الانتهازيون عن إنتاجها. حين تظلل المثقفين المصلحية فإن أحكامهم عن الحقيقة وعن الأخلاق تتبدل، ويقومون بطرح معايير فاسدة، كالقول بأن الشعب مجموعات غوغائية لا يمكن الوثوق بأحكامها، وأنه لا توجد معايير للحقيقة، وأن كل شيء نسبي، وأن المعرفة خادعة، أي أنهم يطرحون كل الأفكار التي تحاول ترميم ضمائرهم المنخورة بالفساد، وبالمصلحية. ولهذا تتعرض الأحكام الفكرية والمناهج النقدية والآداب والأفكار والفلسفات التي ينتجها هذا النمط من المثقفين إلى التلون بمظلات الدول والقوى المهيمنة والمصالح السائدة. إن ثمة نظارات توزع على هذا النمط من المثقفين لكي يروا العالم من خلال زجاجها الخاص، فهم يرون المذابح كأنها عرس نضالي، و الحارات الكثيفة بالفقر باعتبارها دليل على جهل الشعب وحيوانية الإنسان الخ..! إن هذه النظارات ذات الزجاج الخاص سوف تتغير إذا تم إعطاؤهم نظارات جديدة من قبل مورد جديد لديه فيض مالي ووظائف، وحينئذٍ سوف تتغير المعايير وتتبدل الرؤى ويرون ما لم يروه سابقاً. ولكون اللسان ليس فيه عظم ولا ضمير عند هؤلاء، فإن الكلام يتبع المصلحة الشخصية، ويتمدد ويتقلص كالطين اللزج حسب المناخ وزجاج النظارات. أما أن الناس ليسوا معياراً أبدياً للحقيقة فهذا صحيح، ولكن الناس يراكمون المعرفة الموضوعية عبر عقود طويلة، ولهذا ينفرز المثقفون في وعيهم، فثمة كلمات تغوص وتتشربها أعماقهم وثمة كلمات تتبخر في الهواء. والناس ليسوا كائناً خرافياً فيه الصواب المطلق ولا الخطأ الأبدي، ولكنهم الأرض التي تستقبل البذور، وتشكل من الرموز الحقيقية المضحية أشجاراً، ومن الانتهازيين الثقافيين أشباحاً وارواحاً شريرة وعفاريت خطرة!

الانتهازية الفكرية

تكويناتُ الطبقةِ العاملةِ البحرينية : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

تكويناتُ الطبقةِ العاملةِ البحرينية

عبرتْ الأشكالُ النقابية البحرينية عن انقسامٍ عميق في الشعب والقوى المنتجة عامة، فالانقسامُ السياسي الطائفي عكس نفسه على التكوينين النقابيين، ولمحدودية حضور البحرينيين في الانتاج المادي (26%) من العمل العام للسكان المواطنين والأجانب، وجسَّد كذلك صغر حجم الانتاج الرأسمالي الكبير الخاص والعام وضخامة الانتاج الصغير وهي نفس السمة التي تمثلُ أسلوب الإنتاج العربي ذا المواد الخام الرئيسية المُحاطة بشبكةٍ من المؤسسات التجارية والمالية والسياسية الاستنزافية له، وأعطى هذا الجسمُ الاقتصادي تكويناتٍ نقابيةً محدودةً ضعيفة العضوية وشبابية بالدرجة الأولى وبحرينية لا تضم العدد الكبير من العمال الأجانب والأجيال القديمة من العمال البحرينيين أنفسهم.
ضعفُ هذه التكوينات النقابية لا يعود فقط إلى انقسامها بل أيضاً لطبيعة الجسم الاقتصادي الاجتماعي، من حيث قلة عدد الشركات والمصانع الكبرى، وكونها كما قلنا لانتاجِ وتحويل المواد الخام: النفط، والألمنيوم، والحديد المستورد، وإعادة تصديرها، مما يجعل جسم الطبقة العاملة لا يعتمد على التكوينات البشرية الكبيرة، وهذا التكوين الاقتصادي للبلد لا يقوي البناءَ الصناعي العلمي للسكان، فالشركاتُ الصغيرة الكثيرة العمال المتناثرين، تعتمدُ كذلك على غالبيةٍ عمالية أجنبية، ووراءهم أيضاً ما يُسمى بحثالة البروليتاريا، أي عمال كثيرون هامشيون، هاربون، أو باعة جوالون، أو عارضون لقوة عملهم في الشوارع!
طبيعةُ أسلوبِ إنتاجِ المواد الخام، لا يجعلُ الصناعةَ تضم القوى الرئيسية للسكان رجالاً ونساءً، وهذا الأسلوبُ الصناعي القديم يضعفُ الصناعةَ والتطور الاقتصادي عامة، وينعكسُ في الطبقة العاملة، المنتوج البشري لهذا الأسلوب، الذي يهدرُ الكثيرَ من الفوائض، ولا يقومُ بإعادتِها للبناء الاقتصادي لأجل تغييره وتحديثه بالصناعات الجماهيرية أو بالصناعات المتطورة التي تبدل نمط السكان الاقتصادي.
لهذا يغدو الهدرُ الاقتصادي وتوجه الفوائض المالية خارجَ الانتاج كما أن القسم الأكبر من الفوائض يعيدُ إنتاجَ نفسِ البنيةِ الاقتصادية المتخلفة ولشروطِ تجديدها في الإدارة والتعليم والصحة الخ.
ينعكس ذلك في تكويناتِ الطبقة العاملة، من حيث ضخامةِ القوى العاملة الأجنبية(مائتا ألف عامل وعاملة)، يعمل أغلبهم في مصانع المواد الخام أو في المهن الثانوية الكثيرة، وتذهب أغلبيةُ الأجور للخارج.
وتغدو التكويناتُ السياسيةُ والمالية والاقتصادية تعيدُ إنتاجَ هذا النمط وتوسعه بأشكالٍ غيرِ مخططةٍ وتلقائية حسب قوانين السوق العفوية.
هذا الأسلوبُ الانتاجي (القَدري) المعتمدُ على هباتِ الطبيعة المباشرة، وهو الشكلُ الأولي من الانتاج الرأسمالي العالمي، والذي يغدو تابعاً للأشكالِ الرأسمالية المتطورة في الغرب والشرق، يعتمدُ على هذه المواد الخام الثمينة ومراكز إنتاج الطاقة لكي يحصل على فوائض يبددُهَا في الاستهلاك، فيخلقُ عمالاً ذوي رؤى دينية، يعيشون هم كذلك على هبةِ الطبيعةِ المباشرة بدون تطوراتٍ علمية مهنية وفكرية وسياسية كبيرة في مهاراتهم العملية وفي أنشطتِهم السياسية والنقابية، ولهذا فإن العمال اليدويين أغلبية كاسحة.
ومن هنا هم ينقسمون نقابياً بحسب المذاهب الاسلامية المحافظة التي سيطرتْ على إنتاجها قوى الإقطاع القديمة، وينقسمون بحسب أديانهم في مجموعات العمال الأجانب القومية والدينية غير المنظمة نقابياً والمتجمعة بأشكالٍ جماهيرية خاصة.
كما أنهم ضعفاء لصغر أحجامِهم في المؤسسات الاقتصادية، الميكروسكوبية، مع قلة العمال المنظمين للنقابات، وغياب القاعدة الرئيسية من العمال، كذلك فإنهم يضعفون أنفسَهم بتبني الآراء الطائفية المحافظة المغرقة في الرجعية الفكرية، والانتهازية السياسية، ولهذا فإن توسع مثل هذه الجماعات النقابية يمثلُ مشكلةً وخطراً نظراً إلى نشر الانقسام والصراعات الطائفية وتغلغلها في الشركات وبين العمال والناس!
وكانت الطبقة العاملة سابقاً تلعبُ دوراً طليعياً في توجه المجتمع والشعب نحو الوحدة والتحرر والديمقراطية بسبب طبيعة الطلائع في ذلك الوقت، لكن الطائفيات السياسية لم تواجه الواقع بموضوعية، وتوجهت للصراع السياسي الفوضوي فأضعفتْ النقابات وشلتْ الوعي العقلاني والدارسَ لبُنية الطبقة العاملة وكيفية تطويرها، ولسبب قيادة الإقطاع الطائفي الذي وجهها للصراعات السياسية المغامرة فكانت النخبوية الصغيرة والانقسامات وعجز العمال عن رفع أجورهم حتى بدولار واحد!
إن الجسم الوطني من الطبقة العاملة هو الذي يلعب الدورين السياسي والنقابي، وسنجدُ تغيراتٍ كبيرةً في هذين الدورين خلال المرحلتين السابقتي الذكر: مرحلة الوطنية ومرحلة المناطقية العالمية.
لقد انقلبَ الواقعُ في الحياة الاقتصادية عنه في الحياتين السياسية والنقابية، فقد ساد العمالُ الأجانبُ في بُنية العمال وتحجم العمالُ الوطنيون.
كان العمال المسيسون الوطنيون والنقابيون البحرينيون في الشركات الكبرى قد مارسوا دورهم من خلال ذلك بالتناسق مع الحركة السياسية الوطنية الاجتماعية من خلال مطالبها المختلفة.
وهذا الواقع تعرضَ للتغيير مع تبدل البنية الاقتصادية، وفيضان العمال الأجانب.
يُلاحظ من خلال الإحصائيات تدفق العمال الأجانب نحو الخدمات الإنشائية، والأعمال الهامشية، وأعمال الملكيات الصغيرة الاسمية قانوناً، وقلة منها تتجه نحو الأعمال الإدارية الكبيرة، وهذه الفئة تنضم إلى القوى المالكة للمؤسسات الاقتصادية أكثر من ارتباطها بالعمال.
يوجهُ هذا التكوينُ العددي الكبير الواسعُ سهمَهُ الحاد في مجتمعٍ صغيرٍ على العمال اليدويين وذوي التعليم المحدود وغير ذوي الإمكانيات التقنية والعلمية، سواءً كانوا في المدينة أو القرية، لكن ما يجعل أكثرَ ضرباتهِ تتجهُ للعمالِ في الريف هو تماثلُ الشروط العملية بين العمال الأجانب والعمال الوطنيين الفقراء في القرى، واختلافها في الشروط الاجتماعية، فالمشرعُ يجلبُ عمالاً ريفيين ذوي أجور زهيدة جدا ويلقي بهم في سوقٍ ضيقةٍ مكتظةٍ وبشكل كثيف.
فوجدَ عمالُ القرى والأحياءِ الشعبية المدنية أنفسَهم يواجهون منافسين أشداءَ كثيرين، وبشروطٍ معيشيةٍ غير متساوية، فتغدو قوانين حساب قوة العمل الوطنية بشروط تجديد إنتاجها هنا غير شروط تجديد العمال الأجانب عيشاً وكلفة وفروق أسعار للعملات، بسبب تباين قيم المساكن وإعادة إنتاج العائلة معيشيا وتعليميا وغير هذا من متطلبات الحياة المختلفة بين البحرين والبلدان التي جاءَ منها العمالُ الأجانب، فمجيئهم من الأرياف والمناطق المهمشة في بلدانهم يجعل كلفتهم متدنية جدا، وردود أفعالهم على سوء المعيشة وفقد الحقوق ضعيفاً.
كما ان إسكان أغلبهم في المناطق الرثة، وحملهم الأمراض الجسمية، وغياب أي حس وطني أو حضاري في المناطق الجديدة التي سكنوا فيها وأغلبها في مدن البحرين العريقة في الحارات القديمة، يدمرُهم إنسانيا، ويجعل تجميع النقود لديهم بأي صورة عملية ملغية لطبيعتهم العمالية الكفاحية المفترضة، إضافة إلى سوء الطعام المقدم والمبيع إليهم من المطاعم الرخيصة السيئة المواد والطبخ، ورداءة المساكن التي يعيشون فيها بأشكال جماعية تعاونية، وغياب زوجات الأغلبية منهم، ان كل هذه الظروف أهلت الأغلبية الأجنبية من العمال لتلعب دورا سلبيا في تطور الحركة العمالية البحرينية، خاصة مع مجيء قيادات نقابية عمالية بحرينية ذات رؤى معينة.
ولقد ظهرت الحركةُ العماليةُ النقابية خلال العقد الأخير كنتاج ردود فعل لهذا الواقع الاقتصادي العمالي المتناقض، فثمة تدهور لمراكز تجمع العمال المواطنين، وغياب أي دور نضالي عمالي عام، وثمة كثرة للجزر العمالية المفصولة عن بعضها بعضا، وكثرة للعمال الموجودين خارج النقابات، إضافة إلى وجود الأغلبية العمالية الأجنبية جسماً موجوداً في البحرين ومؤثراً في اقتصادها وظروف معيشتها ولكنه خارج النقابات فعليا.
وليست مصادفة هذا التقابل بين قيادات نقابية دينية وجسم عمالي أجنبي معزول. لقد جاءت القيادات النقابية البحرينية ذات التفكير المذهبي كردِ فعلٍ على اقتحام العمال الأجانب الحياة البحرينية، مثلما دخل جمهور العمال الريفيين خاصة في تأييد كبير للحراك السياسي الديني.
ولهذا فقد واجهت الوجود العمالي الأجنبي الكثيف بشكل سلبي، فلعله يختفي بالتجاهل، وبالتالي فقد أضعفت من أوراق الطبقة العاملة في البحرين ككل، من حيث غياب درس هذا الوجود العمالي الأجنبي ورؤية مشكلاته وأوضاع بشره السيئة المنعكسة على البلد صحة وسكناً ومعيشةً ومصيراً عماليا.
إن الوعي الديني المحافظ انعكس في مشاعر كراهية الأجانب، وعدم إدخالهم في التكوينات النضالية المحلية، وبالتالي ضيع هذا أوراقاً مهمةً في النضال العمالي وفي التفاوضات وفي الصراع ضد الاستسهال في جلب العمال الأجانب ونشرهم في أي مكان وفي غياب حقوقهم وبجعلهم مادةً مؤثرةً ضد العمال البحرينيين.

الفكرة ونارها : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

الفكرة ونارها

لا يمكنك أن تلغي الفكرة بالإجراء، بالموقف الإداري، أو حتى بالعصا!
الفكرة تقاومها فكرة، والكلمة تدحضها كلمة.
في العالم التقليدي الدينار يكبر الرؤوس والسياط تشل الألسنة، والكهوف تقوي الأبصار، ولهذا فإن جرجرة الصحف والكتاب للقضاء ومراكز الشرطة لن يفت في عضد الكلمة بل سيغمر أصحاب الدعاوى بالعار. الكلمة تنمو بالجدل، واحتكاك الكلمات وتصادم الأفكار يولد شرارات المعرفة.
ألا ترى صحفاً في العالم الشرقي المتكلس هي عبارة عن نشرة واحدة؟
ولم تحدث هذه الصحف عقلاً بل جهلاً وتصادماً وانهيارات؟
لقد تداخلت قوى التخلف والمحافظة خلال عقود لشل الكلمة وتحنيطها، وملء صفوفها بالمبتذل والسطحي، وبالتالي تجميد المجتمعات عن التطور.
مرت عقود منذ أن نشأت الصحافة البحرينية نشأة متفردة ترتقي إلى مستوى هام للصحافة العربية، فكانت سياسة وأدباً وتحقيقات عميقة وتشكيلاً لرموز ثقافية وطنية كبيرة كتاباً يصنعون كتباً في شتى الآداب والفنون لا معقوين بالكاد يفكون الخط.
ولهذا فقد ماتت كل الأفكار لأن الفكرة لا تستيقظ إلا بخلافها، والمطبوعة لا تتجلى بدون منافسها.
أما أن كل كلمة تستدعي ناطوراً، وكل مطبوعة تقف خلف سطورها كشافات الاستادات الرياضية فهي تغدو معوقة ونزيلة مستشفى عظام.
أما أن تتزايد القوى الأهلية التي تراقب الكلمة وتطاردها وتتفاقم تدخلاتها فهذا دليل على ضعف فكري لغوي سياسي، فلن يغير الفكرة الأجراء الإداري، أو الخطب العصماء في المؤسسات الأهلية الدينية التي كان ينبغي أن تنتج مثقفين ومبدعين ومتغلغلين في الثقافة العربية.
الفكرة شرارة تتغذى بالفكرة وتغدو ثقافة وعلوماً وحضارة، أما العصا فهي تصنع المستنقعات.

سردية الانكسار والانتصار في رواية  «التماثيل» : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

عبدالرحمن التمارة*

  1ـــ «التماثيل» محتوى المحكي:

   ترتبط أحداث رواية «التماثيل»1 للروائي عبدالله خليفة بمرجعية سردية اجتماعية، فتنبني على ما يمكن وصفه بسردية «الفضح والتعرية»، بوصفهما فعلين قادرين على كشف الخلل بين الفرقاء الاجتماعيين، خاصة إذا تعلق الأمر بالأصدقاء والأقرباء، ونظام العلاقات التي تربطهم.

   هكذا تحكي الرواية عن المسار الحياتي المثير للسارد «حسان يوسف» وصديقه «ياسين كافود» الذي صار معروفا بـ«ياسين الفينيقي». إنه مسار أساسه المفارقة والتباين بين «الفينيقي» الذي لم «يكن ثمة شيء مبهر في عالمه»2، وبين صديقه «حسان» على مستوى الوظيفة والطموح والقيم والوضع الاجتماعي والفكري. لقد توجه «ياسين» لدراسة الطب البيطري بالخارج، وصار «حسان» موظفا بقسم الأرشيف بالمحكمة بتدخل من رجل ذي نفوذ، فتمكن من دعم أسرته الفقيرة، ومن الاطلاع على ملفات الأرشيف، منها ملف يضم «حكاية علي البحراني وكيف جاء إلى الصحراء وأسس مملكة العيون وكيف تآمر عليه أتباعه الذين أعطاهم البساتين فقتلوه..»3. غير أن الوظيفة بقسم الأرشيف بالمحكمة أشعرت «حسان» بأنه يعيش حياة الموتى والسجناء، وازداد إحساسه بالمأساة حينما عاد صديقه «ياسين» من الخارج وقد تغيّر كليا. وبعدما عاد «ياسين» إلى مهجره الدراسي بدأت تنشط المراسلة بينه وبين «حسان»، فأطلعه على «تاريخ الأرض منذ أن صنعها الشيخ علي البحراني»4. لكن تلك الرسائل كانت وراء اعتقال «حسان» بتهمة «خيانة الأمانة»، بالرغم من أن «ياسين» ادّعى ادعاءات فكرية بحثية تؤكد اعتكافه على تقصي المعلومات النوعية التي لم يسبق نشرها.

   بعدما فُصل «حسان» من وظيفته بالمحكمة اشتغل صحفيا يقوم بالتحقيقات، فتعرض مرة ثانية للاعتقال بسب اعتراف «ياسين» عليه بتزويده بأرشيف المحكمة. لهذا بدأت أزمته وانحداره الأخلاقي، لكنه التحق محاسبا بالبنك بوساطة من «نرجس» زوجة «ياسين»، فصار يمارس معها المحرّم إلى أن غدت حاملا منه، حينما كان «ياسين» في السجن، فاستفاد من معلومات «عبدالمحسن» التي دلته على الكنوز الدلمونية. إنها الكنوز (تماثيل، عقود، لؤلؤ دلمون المتحجر) التي رفعت «ياسين» إلى مَصاف الشخصيات البارزة، ودفعت بـ«حسان» إلى سراديب السجن مرة أخرى، بدعوى اختفاء خريطة مواقع الآثار الدلمونية. لهذا حين غادر «حسان» السجن استقبله «ياسين» بحفاوة، وبدأ مناورته من جديد كي يحصل على «خريطة الآثار» النفيسة المخبأة منذ عهد الدلمونيين العظام، فاهتدى إلى تزويجه ابنته «ندى» علَّها تنتزع منه الاعتراف بخرائط الكنوز (تماثيل، ذهب، آثار)، وقد تحقق ذلك بعدما اشتد تعذيب «حسان» من لدن جميع أفراد أسرة صديقه. بيد أن ما قام به «ياسين» سيصير تهمة ملفقة لـ«حسان»، كما أخبره ابنه «علي» من الزنى مع «نرجس»، بأنه «متهم بسرقة تماثيل بلد، وبيع ممنوعات، وتوزيع منشورات»5.

   تُتابع نجاحات «ياسين» على حساب إخفاقات «حسان»، لكن في لحظة إشراق نوعية يعود لحياة طبيعية، بعدما رُزق بطفلة من «ندى»، فكتب كتاب «لصوص القلعة» الذي لقي استحسانا من لدن القراء، لكنه كتاب دفع به إلى سراديب السجن مرة أخرى، بدعوى أن «الكتاب الذي أصدره المدعو حسان يوسف عن سرقة آثار قلعة الشمال هو بلا أدلة وتشهير غير مسؤول وغير مبرهن عليه»6. وقد عانى «حسان» في سجنه المهانة والتعذيب، وحينما أُطلق سراحه وجد “العالم” من حوله قد تغيّر، لكنه عاد، بفعل الحاجَة المادية والمعنوية، إلى مساعدة «ياسين الفينيقي» الذي عينه رئيسا لتحرير جريدته الواقفة على حافة الإفلاس. غير أن ذلك لم يمنعه من التعرض لمكيدة جديدة، فبعدما رغب جملة من الشباب في الحصول على «الكنوز الدلمونية» اقتادوا «حسان» واحتجزوه كي يدلهم على خريطة المآثر، فاهتبل «ياسين» تلك الوضعية كي يضخ الأموال في رصيده البنكي، ويعلن أن «حسان يوسف» «أخذ أموال الإعلانات من العديد من الشركات والبنوك والمؤسسات الرسمية التي أعلنت في الجريدة خلال الفترة الماضية، ثم اختفى وهرب.. وتقدر الأموال المسروقة بحوالي مليون دينار»7. وستزداد مأساة «حسان» حينما تفجرت المواجهة بين الشبان الذين يحتجزونه، وبين خصومهم الراغبين في الحصول على المآثر النفيسة، فألقي عليه القبض ووجهت إليه محكمة عسكرية تهمة الانضواء لجماعة إرهابية، إضافة إلى قضايا مدنية مختلفة: «سرقة أموال، وحيازة ثروة وطنية وإخفاؤها»8.

   يتضح أن النسق الجمالي والدلالي العام المؤطر لمحكي رواية «التماثيل» هو نسق (التوازي) (parallèle)، فتصير الوضعية الدينامية لشخصية «حسان يوسف» داخل الأحداث مقابلا ضديا للوضعية الدينامية لشخصية «ياسين الفينيقي». لذلك لا ينتج نسق التوازي النمو المتكامل للشخصيتين، بل نموا مفارقا لهما، فيتكرس الصراع بوصفه مبدأ جماليا ودلاليا يؤطر علاقات الشخصيات (خاصة ياسين وحسان)، ويفضي بها إلى الانتصار أو الانكسار، باعتبارهما مستويين يمثِّل كل واحد منهما كوْنا دلاليا مفتوحا على تنوع المدلولات.

   يظهر أن رواية «التماثيل» لـ عبدالله خليفة تستدعي مقولتين رمزيتين متلازمتين جدليا، الأولى دالة على الانتصار، والثانية معبّرة عن الانكسار. لهذا سنبرز الدلالات الرمزية التي تنفتح عليها المقولتان السابقتان، والجماليات البانية لتلك الدلالات، انطلاقا من التأويل بوصفه (قراءة ماكرة ليست غايتها أن تفرض معنى محددا على النص بل تقترحه عليه)9  كما يلي:

 2 ـــ «التماثيل» : مستوى الانتصار:

   يتشكّل (الانتصار) داخل النص الروائي «التماثيل» عبر دينامية تخييلية أساسها جمالية (التعرية)، لأن الانتصار يضمر مشروعا رمزيا قادرا على تعرية المسكوت عنه في امتدادات الشخصية داخل محكي الرواية، سواء كانت أفعالا، أم مواقف، أم حالات.

   من زاوية تصنيفية، واعتمادا على نسق التوازي، يمكن اعتبار شخصية «ياسين الفينيقي» هي المقترنة بمتخيل الانتصار. بيد أن انتصار تلك الشخصية يكرس واقعا مخترقا بالمآسي، ومؤطرا بانحدار قيمي وأخلاقي، وموجها بسلطة وعلاقات. لهذا يغدو الانتصار مفارقا لحقيقته الدالة على النمو التطوري للشخصية، فيصير الانتصار عنصرا رمزيا يعري زمنا يعمّه الانحلال والنمو الارتكاسي، وواقعا يحتضر ويتجه نحو موته الحتمي. لهذا يمكن بناء شبكة دلائلية متنوعة يفصح عنها تأويل مستويات الانتصار المضمرة، أو الدلالات المتضمنة والمحتملة داخل هذه المستويات، ومن أهمها:

انتصار (المثقف) المزيف: أو انحراف الكلمات والحروف

  يقول «ياسين الفينيقي» متحدثا عن تجربته بالمهجر، وموجها الحديث لصديقه «حسان يوسف»: «هناك وراء الحجر والأسلاك الشائكة يوجدُ النورُ. لو أنك رفعتَ رأسك قليلاً لرأيتَ سحبَ العصافير التي تعبرُ للحقولِ الخضراء ، في هذا المدى وجدتُ الرسالة، سطورها من عزرا باوند وإليوت، هناك كلمتني الملائكة وقالت لي كونَّ سرباً من النوارس، أمحو هذا الرمادَ الشرقي وشواهدَ القبور والعباءات، هناك تعلمتُ الكيمياءَ ورأيتُ النساءَ حرات، في تلك الأزقةِ التحمتُ بوجوهِ الشعراء والكتابِ وأصبحتْ لرسالتي حروفٌ وكلمات . .»10. إنه مقطع سردي يحمل رمزية التناقض الصارخ بين فضاء الوطن المسيّج بالقيود (الأسلاك) والثقيل بالإكراهات (الحجر)، وبين فضاء المهجر المنير (النور) المنتج للحرية، فتشتعل الذات المثقفة وتنبعث من رمادها و«أرضها الخراب»، وتتحرر من قبرها وتقاليدها البالية. وهذا يسمح للذات بأن تبني (المثقف الحقيقي) والحر، فيصير الكلام مسموحاً به، والتعبير لا خطوط تحده أو رقابة تمنعه. إن ذلك ينتج سببيا إبداعا وفكرا تؤطره جمالية التأثير، لأن المثقف له رسالة وغاية ومعنى، فيتجلى جزءا من نسق سوسيوثقافي يعطي أهمية للأدب والإنتاج الثقافي (رمزية الحروف والكلمات)، ويجعله أحد عناصر صناعة التوجيه وإصلاح الخلل.

   وتفصح نبرة «ياسين الفينيقي» التوجيهية (هناك..) والانتقادية (لو أنك..) والتوصيفية لشكل الحياة في المهجر عن ولادة مثقف حقيقي، ستكون عودته للوطن منطلقا لتأسيس فعل ثقافي قوامه التغيير من جهة، وأساسه التعالي على التبعية لمؤسسات التدجين من جهة ثانية. بيد أن تطور أحداث الرواية أفصح عن ولادة (مثقف مزيف)، فكانت الانتصارات حليفه، لأنه دشن شهرته الثقافية بخذلان صديقه «حسان»، حينما اتخذ «الادعاء» آلية لتشييد صورة المثقف الباحث والنوعي المحب لوطنه والمنقّب عن تاريخه: «حين عدت لقراءة الجريدة المحلية فوجئت بحلقة يكتبها ياسين عن «الأرض الخراب».. كانت صفحاتي وشخبطاتي وأسطري نفسها مع مسحة تزويقية صغيرة هنا وهناك، وعناوين مبتكرة وادعاءات فكرية بحثية من قبيل (إن المؤلف عكفَ عدة سنوات على تقصي هذه المعلومات ورجع إلى مراجع كثيرة وغاص في بطون التاريخ، ولم ينشرها إلا بعد التأكد الدقيق منها)»11. إنها عفونة (المثقف) الذي يرسم شهرته الثقافية على جهود الآخرين، إنها الدلالة الرمزية لمجتمع منحط يقدم فيه الكثير من المثقفين دروسا في الانتهازية، فيبدو (المثقف) كائنا معرفيا ينتصر لثقافة البريق والشهرة، ويهندس مساره بسلطة الخديعة ومنطق الادعاء والتهافت.

   وبهذا تضيء شخصية «ياسين الفينيقي» داخل رواية «التماثيل» عالما رمزيا معاصرا قوامه (المثقف) الحربائي؛ فهو أولا إنسان يمتهن الثقافة، مما يمكنه من حياة مريحة ماديا، ومن حركية دائمة فيزور المؤسسات الثقافية الكبرى، ويجني الجوائز المشبوهة، ويقترب من منابع السلطة. وهو ثانيا مثقف لا يبني مجده بالمعرفة والفكر، بل بالمال والثروة، أو بنظام العلاقات السلطوية. لذلك يخاف من ضياع مجده الثقافي إذا ضعفت علاقاته القوية، أو نضب مورده المالي المحرم (التماثيل المسروقة في الرواية). وبهذا يمثل «ياسين» نموذجا رمزيا للمثقف المزيّف الثري والسلطوي؛ حيث يتحدد وضعه الثقافي بثروته وعلاقاته، وليس بثورته والتصاقه بقضايا الجماهير وبوضعه الثقافي وإنتاجه المعرفي. لذلك يبدو «ياسين» خائفا على مكانته الثقافية، وما يستتبعها من مكانة اجتماعية ووضع اعتباري، حينما يعتزم «حسان» فضح امتلاكه «تماثيل» تراثية مسروقة، فيخاطب زوجته قائلا: «بعد هذه الحياة المرفهة والسفر وحضور الاحتفالات في السوربون واليونسكو والحصول على الجوائز الثقافية العالمية والأكل مع رؤساء الدول في مآدب واحدة، ندع هذا المراهق [حسان] يفسد كل شيء»12.

   يظهر أن «ياسين الفينيقي» لا يتحدد بثقافته، بل بوضعه المادي. لذلك يتراءى لنا هذا التصنيف (الثري – المثقف) بوصفه رمزا لفئات اجتماعية تنتصر لثقافة اليافطات الرمزية، لأن بعض الأثرياء، وليس الكل، يحاولون بطرق غير مشروعة تسويق صورة المثقف. وهذا يجعل (الثقافة) يافطة تبعد أو تؤجل إمكانية التساؤل عن أصول الثروة، بالنظر إلى الوضع الاعتباري والرمزي للمثقف اجتماعيا وأخلاقيا. غير أن هذه الصورة الذئبية للمثقف قد تظهر جلية في اعترافاته المحكومة بمجاراة السلطة، والخضوع لبريق المال وسلطة الجشع، والإذعان لقيم المكر والتحايل، يقول «حسان» في هذا المقطع السردي: «ياسين يرسل لي رسالة يستهزئ بوجودي كله:

   ــ حصلت على قلادة وطنية كبرى وجائزة دولية، فماذا حققت أنت؟.. طريقي طريق التحايل وخداع الحاكمين والبصق في وجوههم سراً، والضحك على عقولهم، وسلب أموالهم، وتجسيدهم في صور كاريكاتيرية وتقبيل أيدهم ظاهرا، والأصل في الباطن»13. يظهر «ياسين» مثقفا ذكيا ومخادعا، ولكن عمق المقطع ومدلولاته الرمزية تعبّر عن (مثقف) انتهازي تحكمه إيديولوجية الثروة والشهرة (قلادة، جائزة). ناهيك عن كونه (مثقفا) غير فاعل في مجتمعه، حيث لا شيء يرجى من مثقف مخادع متحايل ينغمس في المال المجني من تقبيل الأيادي، فتتعطل لديه السلطة المعرفية التي تغلّب الانتقاد المباشر (ما جدوى البصق في الوجوه سرا؟)، وتتقوى لديه ملَكَة رصْفِ كلام زائف لا محالة يكرس رمزية الثبات السلطوي في (صور كاريكاتيرية) تتكرر باستمرار، ويجسد الانفصال الداخلي المرضي لهذا الصنف من المثقفين.

   إن مثقفا مزيفا مثل «ياسين الفينيقي» يعدّ راهنا نموذجا رمزيا للإنسان المثقف المنتصر للخطابات الزائفة، مما ينتج عنه، لزوما، هزيمة مدوِّية لهذا (الإنسان) حينما يكتشف معالم الزيف المتعددة المشكلة لكينونته ووجوده؛ وهو ما تعبر عنه رمزية الضياع والتّحلّل في قول «ياسين الفينيقي» التالي: “أين ذهبت كتبي؟ اختفت؟ تحللت في المكتبات دون أن يشتريها أحد”14.

انتصار سلطة القناع:

   يرى «فولفغانغ إيزر» (أن القناع بمثابة قناة يمكن بواسطتها تجاوز المحظور)15. ينطوي القناع، إذا، على جمالية امتلاك جرأة الخوض في المحظور، وعلى الاحتفاء بسلطة المبادرة المؤجلة حينما تكون الذات غير مزيفة بالأقنعة، وعلى الارتياح لإرادة التحول الدائم للذات والعالم من حولها. لهذا ثمة دلالات متعددة تؤطر (انتصار القناع) في رواية «التماثيل»، بناء على مداخل جمالية مختلفة. إن القناع، هنا، أداة فنية تعمّق الوعي برمزية الانحدار الإنساني الذي يوحي به محكي الرواية، انحدار يتخذ مستويات مختلفة ومتعددة، فيتكرّس الاختلال الفردي والجماعي، وتتعمق تراجيدية الكائن البشري في واقع نصي وخارج نصي مختل.

   يتجلى ذلك أولا في انتصار القيم الذئبية، فتسيطر على الشخصيات قيم المكر، وتتأسس العلاقات على الخداع: «قلْ شيئا آخر يا صديقي، كيف لم أفهمْ إنك بالونة منفوخة من أكسيد الكذب»16. إن انتصار قيمة الكذب خلخل العلاقة بين الأصدقاء الأعداء، وجعلها مبنية على الرغبة في مَحْوِ الآخر كي تتحقق كينونة الأنا، وهو ما تعبر عنه الاستعارة الحيوانية في قول السارد: «سأبتعد عن دروب العظايات والضباع»17، واللوحة التشبيهية التالية: «ياسين حيّة أسطورية، سمها كالمحيط»18. إنه منطق الصراع الحيواني، حيث يتراجع قانون اللغوس (العقل) فاسحا المجال لسلطة الغرائز، فتتعمق جمالية الانحدار الإنساني.

   وتتجلى رمزية الانحدار الإنساني ثانيا في تراجيدية التّعهُّر، لأنها تنتج واقعا نصيا، يحيل على واقع خارج نصي، تهيمن عليه سلطة القناع التي تجعل الصديق يمارس المحظور مع زوجة صديقه. بيد أن النذالة تأخذ طابعها التراجيدي المثير حينما يرتدي الزوج قناع الجهل بسفالة صديقه، بل يرى فيه (بديلا) له أثناء غيابه، مع ما يوحي به ذلك من مأساة الوعي بعلاقة التعهر التي تجمع الصديق بزوجة صديقه: «وإذا به ذات يوم يتصل بي ويقول بحماس:

   ــ أين أنت يا أخي؟ تركتَ بيتك الذي كنتَ فيه تعيش؟ نرجس وندى يفتقدانك كثيرا. أنا لا أستطيع وحدي إدارته.

   ما هذه السفالة؟ أي وغد هذا؟»19.

   ويظهر انتصار الاختلال والزيف ثالثا في هيمنة سلطة النفوذ والمال، فصار النص الروائي مفتوحا على دلالات هيمنة (المادة) على نظام العلاقات الإنسانية، وتحكمِّه في بناء صورة الشخصية ورسم معالمها: «انظر كيف كان ياسين مناضلا عانى سنوات طويلة ثم باع نفسه بدنانير»20. يوحي هذا بثبات السلطة القائمة على تدجين (المناضلين) ذوي النفوس الضعيفة عبْر سلطة المال، فيصير الكائن البشري ذليلا أمام أعتاب السلطة والثراء، ومهزوما ومنهزما أمام الناس البسطاء والشرفاء. لذلك تنتصر نذالة الإنسان، وتشمخ حقارته، ويتقوى انبطاحه، حينما يرى الإنسان الحقير نفسه أمام المرآة دون أقنعة: «أمضي أنا ياسين العبقري وأصير ضفدعة في مسرح، وأنبح مثل كلب على باب قصر، وأغدو حيَّة في التجمعات الغاضبة»21.

   يتضح أن انتصار سلطة القناع يجعل رواية «التماثيل» توحي بانتصار زمن عربي انقلبت فيه المعايير، فصار الكائن البشري مخذولا في محيط تتهدم فيه القيم، وكائنا محكوما بتحوُّل ارتكاسي يعبّر عن الرؤية الحربائية للكثيرين تجاه الحياة والوجود، وعن ذوات تعيش أعطابا نفسية وفكرية أساسها التعدد في الوحدة، بوصف ذلك صفة سلبية، وإن كان (تجاوز المرء لذاته من خلال القناع يساعد الذات بأن تكون دائما مع نفسها بطريقة مختلفة)22.

3 ـــ «التماثيل»: مستوى الانكسار:

إن الانطلاق من (مبدأ التكاملية) الذي يوحي ضمنيا بمؤامة الأضداد23، يسعف في القول إن مستوى الانكسار داخل رواية «التماثيل» يتموقع في مسار مضاد لمستوى الانتصار، بيد أنه مكمّل له. ولهذا فإن الانكسار لا يمكن تبيّن دلالاته وأبعاده إلا من خلال الانتصار؛ فإذا كان هذا الأخير تؤسسه جمالية التعرية، فإن الانكسار داخل رواية «التماثيل» تبنيه جمالية الفضح. إن ما نقصده بهذه الجمالية هو أن انكسار شخصية «حسان يوسف» دال على إنتاج عالم رمزي يفضح الكثير من المكونات المجتمعية النصية والخارج نصية. ولا يقتصر الانكسار على الشخصية بل يصير فعلا دالا يمكِّن من فضح العالم الممكن بإبدالاته المختلفة. لذلك يشتغل الانكسار نصّيا بوصفه حالية مفضية لانهزام متعدد الشكل والهوية. وهذا ما يمكن إبرازه في ما يلي:

انكسار الهوية:

   إن التراث الدلموني العظيم بالبحرين هو هويّة تعدُّ نتاج مجهود إنساني كبير، مما أهّل مملكة دلمون للتميُّز الحضاري، وبلوغ أوج ازدهارها كقوة سياسية واقتصادية مستقلة في الفترة ما بين  2000-1700  قبل الميلاد24. إنه ازدهار أنتج تراثا غنيا في شكل آثار عظيمة: أواني مرمرية رائعة الصنع، وخرز اللازورد ومواد نحاسية أخرى25..، لا محالة تتميز به مملكة البحرين عن غيرها من الأمم. بيد أن هذا التراث النفيس تقدمه الرواية بوصفه علامة رمزية، لكنها مهددة بالإنسان المنحرف:

   «ــ ما هو عملك؟

    ــ أبحث عن الآثار، وأخبئها من اللصوص ولدي كنز…

    ــ أي آثار لديك يا عبدالمحسن ولماذا لا تسلمها للدولة؟

    ــ إنهم يسرقونها ويبيعونها في الخارج»26.

   إن رمزية اللصوص وفعل السرقة تكمن في غياب أي روح وطنية، فتغدو السرقة فعلا رمزيا تتجرد بموجبه الذات السارقة من هويتها، ما دام التراث جزءا من كينونة الذات، وأحد عناصر تميّز الوطن. إن السرقة واللصوصية فعل عبثيّ يَنِمّ عن غياب وعي حقيقي، لدى الكثير من الفرقاء الاجتماعيين، بأهمية التراث الدلموني. وبالتالي فرغبة العديد من الذوات النصية (ياسين الفينيقي مثلا) في الاستفادة من تماثيل الآثار القديمة يعبّر عن أمرين؛ غياب وعي بالخصوصيات المميزة للجغرافية المحلية (البحرين) على المستوى التاريخي، وحضور الرغبة في مَحْو الهوية المحلية عَبْر بيْعِ التراث الذي يبدو مداهما بخسارة كبرى. ولذلك قد يكون نجاح الذات مرهونا بانكسار الهوية وخسارة التراث: «فتعالْ يا حسان إلى هذا المسرح.. دعني أتسلل إلى خلاياك الصامدة النائية، أرى تلك التماثيل الذهبية، أسطو على واحدٍ منها أو إثنين أسدد ديوني وأصنع شحما لعظام نرجس التي كنتَ تحبها مثلما أنا أحببتها»27.

   تتحدد الهوية، إذا، عند البعض بقيمة ما يدلُّ عليها، وليس بطابعها الرمزي والإنساني الممتد في الحاضر منذ آلاف السنين، فما لا يدمره الزمان يهدمه السلوك الأرعن (السرقة، البيع). إن التراث الوطني عند الكثير من الذوات النصية، حيث «هناك كنوز مخبأة ثمة خرائط، ثمة آثار وتماثيل وذهب منذ عهد الديلمونيين العظام»28، لاتهمُّ رمزيته، ومكانته بصفته هويّة للكائن البشري البحريني، بل تفيد قيمته المادية، مما يعبّر عن انهيار للروح الوطنية، وانكسار للتمثل الإيجابي للهوية. لهذا فإن رواية «التماثيل» تتموقع ضمن ما يسميه د. «فيصل دراج» بـ(الرواية – الشهادة)29، التي تقربنا، بمنطق الشهادة الفنية، من عالم إنساني انتصرت فيه الماديات على الأمور المعنوية، فانكسرت الهوية وبات التاريخ المشرق عرضة للزوال.

   تحوِّل سلطة المال، إذا، التراث الوطني إلى «بضاعة ثمينة»، فيشتدُّ التنافس والصراع بين الذوات النّصية للحصول على تلك “البضاعة”، لكن ليس لحفظها من الضياع، بناء على وطنية سامية تهدف صوْن كل مكونات الهوية، بل للاستفادة منها وفق منطق الأولوية المادية: «نريدك أن تدلنا على مواقع الآثار المخبأة كلها. هذه ورثة المرحوم ولابد أن تنتقلَ لنا. نحن أهله وأصحابه»30. يظهر أن الهوية التاريخية والتراثية (الآثار) مهددة بالضياع، ومحاطة بذوات راغبة في تشييد نسق الأنانية المفرطة، مما يوحي بالتعايش مع التراث النوعي للوطن عبْر بلاغة الضياع والتفريط. وكأن الروائي «عبدالله خليفة» في هذه الرواية يفضح المآل المؤسف الذي سيعرفه، أو يعرفه، التراث الدلموني العظيم في مملكة البحرين، كما يفضح الجماعات والأفراد العابثين بذلك التراث، لأنهم يفتقرون إلى روح وطنية عالية وهوية مكتملة، مما يعرضهم لمأزق وجودي وأخلاقي، هوية ناقصة، أو شعور بالذنب بعد ضياع الآثار التاريخي النفيس.

 انكسار القيَّم:

   صاغ «فلاديمير كريزنسكي» تمثيلا شجريا لمختلف النمذجات التي تتآلف بينها لإنتاج نص الرواية31، فتبيّن من ذلك التمثيل أن (النمذجة القيمية) (modélisationaxiologique) أحد العناصر (النمذجات) المساهمة في بناء نص الرواية. وبهذا المعني يكون العنصر القيمي حاضرا في الرواية بما يلائم طابعها الجمالي من جهة، وخاصيتها المركبة من جهة ثانية. لذلك تتجلى القيَّم نصيا عبْر علامات نصية دالة وقابلة لقراءات مختلفة ومتعددة؛ قراءات تأخذ بعين الاعتبار الطابع التكاملي للنمذجة القيمية مع غيرها من النمذجات المنتجة للنص الروائي، وتمكّن من الحكم على تطوّره، لأن (فعالية تطور الرواية تقاس بوظيفة التوازن الدينامي للنمذجات المُدمَجة في الإنتاجية النّصية)32. فكيف تتشكل القيم المنكسرة في رواية «التماثيل»؟

   يتحدد البناء الجمالي والدلالي للقيم النصية في الرواية بما يناسب المتخيل النصي، لأن (خلق وقع جمالي ما هو نتاج القدرة على إعادة صياغة القيّم وفق مقاييس جديدة أو ضمن أشكال جديدة أو انطلاقا من رؤية فكرية أو وجدانية)33. بناء على ذلك تتجلى نصيا معالم الاحتفاء بانكسار القيّم الوجودية، بوصفها قيّما يتحول بموجبها الوجود الإنساني إلى حالة من الضياع. وقد يصير الكائن البشري سجينا أو ميتا موتا رمزيا، فيزامل الموتى حيّا ويشابه السجناء في صورة رمزية تتأسس على جمالية التناظر؛ حيث يتساوى القبر ومقر العمل: «أنزل في سرادبَ وأدخلُ القبو، لتتقطع بي العلاقات بالصوت والنور والأجسام، لتبدأ علاقتي بالأصداء والعتمة والأشباح»34. وقد يتشابه السجن ومكان العمل (البنك)، بيد أن السجين يطمح للحياة، في حين موظف البنك (حسان) يبدو «ميّتا» (محنطا) أو سائرا نحو موته الحتمي دونما أمل أو طموح: «وجدت نفسي عداد نقود قابعا في إحدى زنازين واجهة المصرف.. مطلوب منك أن تبتسم دائما وأنت محنّط ، تحركُ كل هذا الطابور وتغذيه بالحياة الورقية هذه، وأنت تسحبُ منك الحياة كل يوم»35.

   تغذي هذه الوضعية الوجودية سببيا وجودا معيشيا مُرعبا، مما يؤثر على نظام العلاقات الاجتماعية، فتنكسر قيم الصداقة والأخوّة والأبوّة. لهذا فالأُسرة تنبني علاقات أفرادها على معطيات مادية، وليس على معيار القرابة، في إشارة رمزية إلى تحكّم المال في كثير من قيّم العلاقات الاجتماعية التي يجب أن تتعالى على ذلك. يقول «حسان» متحدثا عن أفراد أسرته حينما بدأ العمل في قسم الأرشيف بالمحكمة: «أول نهار عمل، كان أخوتي وأمي وأبي في لحظة تجلٍّ تاريخية، أحاطوني من كل جهة، ونظروا لثوبي.. وأعطوني عطرا وورقة مالية صغيرة، بعد أن قدّموا لي لأول مرّة فطورا، ولم يتعاركوا معي»36. إنها علاقة معقدة بين الأسرة، تدمّر القيم الإنسانية النبيلة، وتبني بدلها القيم التبادلية المادية التي ترهن كل علاقة أسرية بما هو مادي خالص. أما الصداقة فتصير جزءا من علاقة قائمة على الخداع والاحتيال، وهو ما تعبر عنه رمزية «الذئاب» و«الحيات» في قول السارد: «ليست لدي قدرة على مجاراة عائلة الذئاب هذه. ندى حسبتها كائنا ملائكيا تعود بأصولها إلى الحيات»37.

   هكذا ترسم الكثير من العلامات النصية المشكلة لمرجعية رواية «التماثيل» انكسارا مهولا لكثير من القيّم الإنسانية السامية والنبيلة. لكن ما نود الإشارة إليه هو انكسار القيم المعرفية؛ ونقصد بها القيم التي تجعل الكائن البشري النصي يدرك حدود تحركه، وتحرك الفرقاء الاجتماعيين الذين يتعايش معهم، مما يساهم في انتصار السذاجة وانكسار الذكاء. وتعتبر شخصية «حسان يوسف»، في بعض امتداداتها الفكرية، تمثيلا دالا لقيم السذاجة المفضية لانكسارات شتى: «أين أوصلتني السذاجة؟ بعد هذا العمر عَليَّ أن أتعلّم»38. إن التعثر الكبير لـ«حسان» ناجم عن سذاجته، فيتجاوز خطأ بخطأ فادح أكثر تدميرا للذات. إن الوعي بالسذاجة في السياق النصي للرواية ينفتح على مقولتين: حكمة العقل تعصم الإنسان من الزلل وتقيه الشرور والانهيارات المتتالية، وإرادة الخديعة التي تؤسس كينونة الكثير من الذوات النصية والخارج نصية الاجتماعية تهدم الآخرين وتجلب لهم الهم والمآسي. لذلك فالذكاء انتصار على حياة تتبدل باستمرار، والسذاجة انكسار أمام المبادرات الإنسانية المُدمِّرة والمبنية على «منطق» المنفعة وسُلّم الانتهازية.

 تركيب:

   خلاصة القول إن الروائي عبدالله خليفة بنى روايته «التماثيل» بحس فني متميز على جمالية التوازي بين الانكسار والانتصار، حيث أنبنى الانكسار في رمزيته الراهنة على ضعف الهوية، وتراجع الحس الوطني، والارتكاس القيمي، والقلق الوجودي. بينما تأسس الانتصار على الادّعاء والنفوذ والانتهازية. من هنا تصير المفارقة بين فعلي الانتصار والانكسار إحدى الخصائص الجمالية للتخييل في رواية «التماثيل». بيد أن ذلك لا ينفي الامتدادات الرمزية للانتصار والانكسار داخل النص الروائي وفق بنية سببية، فيصير الانتصار نتيجة الانكسار أو العكس، مما يجعلهما عنصرين متلازمين تعبّر عنهما رمزيا بعض المعطيات النصية مثل الشخصيات، فيظهر «حسان» المنكسر، ويتجلى «ياسين» المنتصر: (كان هو «ياسين» يتقدم في المسرح المُضاء.. كنت في هوة الظلام)39، (ياسين شكلي الآخر، شبحي الواقف ورائي)40.

________________________

  • ناقد من المغرب

‹1›- عبدالله خليفة، التماثيل، رواية، الدار العربية للعلوم- الاختلاف، بيروت – الجزائر، ط1 ، 2007.

‹2›- التماثيل، ص: 7 .

‹3›- التماثيل، ص:14 .

‹4›- التماثيل، ص:25 .

‹5›-  التماثيل، ص:109 .

‹6›-  التماثيل، ص: 126.

‹7›-  التماثيل، ص: 173.

‹8›-  التماثيل، ص: 180.

‹9›- د. حميد لحمداني، القراءة وتوليد الدلالة: تغيير عادتنا في قراء النص الأدبي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء- بيروت ،ط1 ، 2003، ص: 91.

‹10›-  التماثيل، ص: 25.

‹11›-  التماثيل، ص: 29.

‹12›-  التماثيل، ص: 84.

‹13›-  التماثيل، ص: 130-131.

‹14›-  التماثيل، ص: 140.

‹15›- فولفغانغ إيزر، التخييلي والخيالي من منظور الأنطربولوجية الأدبية، ترجمة: د. حميد لحمداني – د. الجلالي الكدية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1 ، 1998، ص:89 .

‹16›-  التماثيل، ص: 30.

‹17›-  التماثيل، ص: 146.

‹18›-  التماثيل، ص: .144

‹19›-  التماثيل، ص: 71.

‹20›-  التماثيل، ص: 140.

‹21›-  التماثيل، ص: 98.

‹22›- فولفغانغ إيزر، التخييلي والخيالي من منظور الأنطربولوجية الأدبية، مرجع مذكور، ص:97.

‹23›- تيودور زيولكوفسكي، أبعاد الرواية الحديثة، ترجمة: د. إحسان عباس وبكر عباس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1 ، 1994، ص:41.

‹24›- هاريت كرافورد وآخرون، مستوطنة سار ودلمون المبكرة، ترجمة وتحقيق: خالد السندي وعلي يعقوب، البحرين الثقافية (مجلة)، البحرين،عدد 15، السنة الرابعة، يناير 1988، ص:7.

‹25›- نفسه، ص:10.

‹26›-  التماثيل، ص: 46.

‹27›-  التماثيل، ص: 98.

‹28›-  التماثيل، ص: 99.

‹29›- د. فيصل دراج، الرواية وتأويل التاريخ، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء- بيروت، ط1 ، 2004، ص: 213.

‹30›-  التماثيل، ص: 160.

‹31›- W. Krysinski, Carrefours du signes: Essaissur le roman moderne, Mouton étideur, La Haye, Paris- New York, p: 5

‹32›- Ibid, p: 49

‹33›- سعيد بنكراد، النص السردي: نحو سيميائيات للإيديولوجيا، دار الأمان، الرباط، ط1 ، 1996، ص: 56.

‹34›-  التماثيل، ص: 13.

‹35›-  التماثيل، ص: 54.

‹36›-  التماثيل، ص: 15.

‹37›-  التماثيل، ص: 110.

‹38›-  التماثيل، ص: 165.

‹39›-  التماثيل، ص: 120.

‹40›-  التماثيل، ص: 147.