أرشيف الكاتب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

أفاتار غير معروف

عن عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆 𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙 21.10.2014 | 1.3.1948

جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

السحرية والعقلانية الدينيتان

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

ارتبطتْ التحولاتُ الدينيةُ الأولى بالأشكال السحرية الثقافية المختلفة للشعوب، فكان لا يمكن أن تتشكلَ عملياتُ تحولٍ بدون الاعتمادِ على السحر كأكبرِ قوةٍ ثقافية في التاريخ القديم، وجاءت الأديانُ لترتفع عن هذا المستوى دون قطع العلاقة معها.
لقد جعلت الأديانُ عملياتِ التحولِ الاجتماعية والسياسية مرتبطةً بالآلهة والسماء وإنتزعتْ السلطات من السحرة، المعبرين عن فسيسفاءِ الأرضِ الاجتماعية السياسية الممزقة، وعن موادِ الخبرة البشرية المحدودة، وعلى الغموض الفكري واللغات الرمزية الإحيائية غير الدقيقة.
مثلّتْ الأديانُ ثورات، وتشكلت في إثرها الدولُ الكبيرة والأمبراطوريات، وتنامت العلوم الطبيعية خاصة.
وواجهت الدول الدينية إشكاليات الاعتماد على الزراعة والحرف وهي قوى إنتاج محدودة تظلُ مرتبطة بغيب، ولم تستطع العلوم أن تصل لفهم السببيات العميقة للمادة، أما السببيات المُفكِّكة لتطور المجتمعات فكانت أكثر غياباً. اليونانيون شكلوا أقصى تطور للعقلانية في العالم القديم، بسبب هذه المدن التجارية الحِرفية غيرِ الاستبدادية لكن أرجهلم كانت في عالم العبيد الضيق الذي خنقهم فيما بعد.
في الدول – المدن كان يمكن للتجارة أن تتطور بشكل كبير، وبالتالي فإن الحرفَ إزدهرت، وإزدهارُ الحرفِ يعني إزدهار العلوم الطبيعية، حيث تُخضعُ السلعُ والموادُ المختلفة للفحص ولمعرفةِ كياناتها ولإمكانيات السيطرة عليها وإخضاعها لقوى العمل والعلم البشرية.
هذا يعني إزدهار المعامل والتجارب وظهور العلماء، ويمكننا أن نرى المدنَ العربيةَ الإسلامية التي إزدهرتْ بالتجارة والحرف والزراعة، وهي تشكلُ فئاتٍ من العلماء الدينيين العقلانيين، ويمكنُ معرفةَ حرفِهم من إسمائِهم: النظَّام والخراز والإسكافي الخ.
إن الفئات الوسطى الصغيرة وهي تعملُ في الحرف تشتغلُ في المعرفةِ كذلك، وتنأى بالدينِ عن السحرية، وعن الغيبياتِ، وتروحُ تكتشفُ السببيات القريبة، وتتوغلُ في فهمِ جسد الإنسان والحيوانات والطبيعة، عبرَ الإمكانياتِ التي أتاحتها قوى العمل والفحص، لكن المنظارَ المكبر والتلسكوب وغيرهما من الأدوات لم تُكتشفا، فنأت الموادُ المجهريةُ والكواكب والنجوم عن الإنكشاف للعقل.
إن سدَّ هذه الثغرات المعرفية كان يعني بقاءَ الطبيعةِ مصنوعة، وعدم رؤية الكون كعملياتٍ تحوليةٍ مستمرة، فظلت الطبيعةُ مخلوقةً، وتقوم القوى الغيبيةُ بتشكيلها. وقد تجاوز أرسطو هذه المسألة بقرون عبر رؤية العالم ما تحت القمر وهو خاضعٌ كلياً للسببية، وهو ما تبناه ابن رشد، وصارت(الرشدية) من القوى المُغيرة لأروبا العصور الوسطى ثم عادت إلينا على شكلٍ أكثر تطوراً بأسم العقلانية الأوربية.
إن إمكانية المتكلمين الإسلاميين، وهم المتفلسفون الدينيون، للوصول إلى هذا المستوى اليوناني كانت محدودة. وكان العالمُ الإسلامي يطرحُ مسائلَ أكثر خطورةً من الماضي، من أجل مقاربة ثورة صناعية – علمية، لكن عجزَ المتكلمين والفلاسفةِ فيما بعد عن القيام بذلك يرجعُ لبقاء أسس التفكير السحري، الذي كان يمخرُ عالمَ الوعي الديني. فتقود مفرداتُ الصورِ الإلهيةِ لديهم إلى التوقف عن القيام بتحليلات عميقة للواقع وللطبيعة، فهم يجعلونها أدوات للهيمنة ولإيقاف العقول عن النقد والتحليل ولتجميد حراك الطوائف عن التمدن والديمقراطية والذوبان في أممٍ موحدة. وكان هذا يتعلقُ بفئاتٍ وسطى إرتبطت بالقصور وبالخلفاء وإعطياتهم، فلم يوسعوا دوائرَ التحليل نحو كشف إضطهاد الجمهور، وإختناق الزراعة وجمود الحرف، وهذا من الناحية الفكرية كان يعني جعل النجومَ والسماءَ هي التي تحددُ المصائرَ البشرية، وبترديدِ هذه العبارات المسكونة بالسحر يتوقف الفعلُ والتخطيط البشريين! وكلما ازدادَ التمزقُ كثُرتْ تلك النجوم حتى صارت الآن في الجرائد اليومية تحدد اليوم البشري!
إن وضع العقيدة الإسلامية في الدساتير جزءٌ من ذلك السحر، فتكفي الصور الإلهية لتحفظ الأمة من القدر الشرير، ويمكن للأنظمة أن تفعل ما تشاء وهي بهذه الحماية السماوية، وأن تجلبَ من العمالة ومن الأموال ما تشاء أو تهربَ كلَ ذلك وهي في حماية القدر الكوني، وليس أن الأمور مرتبطة بالتخطيط والتنفيذ البرلمانيين اللذين يحددان حركة الواقع المُراقبَّة لمصلحة الناس.
لم يقم العقلانيون الإسلاميون في الزمن السابق بالارتباط بالحركات الاجتماعية، ولا بتطوير العلوم الاجتماعية، أي بتحليلِ الموادِ التابعة لهذا العالم، وإكتشاف قوانينها الطبيعية والاجتماعية، فيعاونون المنتجين على تغيير علاقات إنتاج متخلفة، ويخلقوا الديمقراطية، ويصلوا لقوانين المادة العميقة، في الذرةِ والكون، وما الذرةُ إلا كونٌ وما الكونُ إلا ذرةٌ، واللانهائيةُ تسودُهما.
إن مستوى السلف يعني الاستفادة من التجربة وليس سحقها، فيتعين الآن درس موادنا، وعقبات تطور الإنتاج، وإقامة علاقات بين حركات التغيير وركائز الواقع، وتغيير المستوى المتخلف من العلوم العربية، والسحر يدل دائماً على الثغرات الكبيرة التي يجب تجاوزها، ومن سماته القدرية، ورفض التجريب والقوننة للظواهر، والأفكار الحظوظية، وغياب التخطيط، وغياب المسئولية البشرية الصارمة، وعبادة الرموز البشرية، والعداء للعلوم.

جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

إعادة إنتاج العفاريت

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

حين تسيطر الأغلبية الشعبية على الموارد العامة يقل حضور العفاريت في الحياة. فهي تعبيرٌ عن عدم سيطرة الإنسان على واقعه الاجتماعي وحياته وأمراضه.
وقد شكلت سورة الجن في القرآن تعبيراً ترميزاً مثالياً عن إلغاء دور العفاريت في حياة المجتمع وإبعادها عنه، بجعلها جزءً من عالم الإسلام، من عالم الخير، فانتهت تدخلاتها الشريرة، وانتهى حضورها في عالم الإنس، وغدت السيطرة لدى الإنسان.
إن الأدوات السياسية والاقتصادية لذلك العصرمحدود الثقافة العلمية، لكن المسيطر على ثروته المادية الموزعة على الأغلبية، تجعل مقاربته مع عالم الجن مقاربة دينية مثالية، فلا تتم إزالتها بل تتم إسلمتها.
ولكن المسلمين في مسيرتهم التالية وبسبب عودة الأغنياء للحكم، وإبعاد الأغلبية عن السيطرة على واقعها الاجتماعي، أعادوا حضور الجن بكثافة، وصار الجن الشرير خاصة هو المهيمن على الفضاء الثقافي.
فكلما فقدَ الإنسانُ السيطرة على واقعهِ، وتاريخهِ، وصار في مهبِ الرياح السياسية، لجأ لما هو خارج وجوده الاجتماعي، واستعان بالقوى الخفية ذات القدرات السحرية لكي تعيدَ له صحته أو ماله أو الأعزاء الذين فقدهم أو الشباب الذي مضى أو لكي تزيل العقم الجسدي والعقم الروحي، ولهذا لا بد من تقديم أعطيات لها مثل القوى الشريرة الاجتماعية وعمليات إسترضائها وخدمتها.
كانت الكلمة القرآنية والثقافية والتوحد الشعبي الواسع هي أدواتهم للسيطرة على الواقع الاجتماعي، لكن الواقع فلت من إيديهم لغياب الأدوات السياسية المناسبة، وجاءت قوى الأغنياء وحكوماتُ الأقلياتِ لتلغي ذلك الانسجامَ بينهم وبين وجودهم الاجتماعي التعاوني.
فراحوا يتصورون تاريخهم السابق كتاريخ من الأساطير ومن التدخلات السحرية العجائبية، فالكائنات والحيوانات والرموز العجيبة كلها هي التي صنعت تاريخهم الذي صنعوه هم بأيديهم، ويتراجع حضورهم الجماعي الذي تمزق فرقاً وأحزاباً.
لا يمنع من هذا إن المسلمين لم يسيطروا على ثقافة الخرافة كلياً، فهي نتاجٌ موغلٌ في القدم، فثقافتهم كانت تؤمن بالرقى والتعاويذ لكن المُسيطرَ عليها بالقرآن، وهو جانبٌ يماثل تحييد الجن وأسلمتها، والجانب التنويري الإسلامي حسمَ الخيارَ في بعض الجوانب، خاصة في تنحية الكائنات العلوية – الأرضية الشريرة، متوافقاً مع الكائنات العلوية الخيرة، والأفكار المثالية الفكرية الغيبية الخيرة الأخرى باعتبار العالم نتاج إله، وهو الذي يحكم الكون بالخير والفترة الأرضية هي فترة مؤقتة تجريبية، وبالتالي فإن الأفكارَ الدينية هي التي تعاونهُ على إستئصال الشر من حياة البشر.
ومع غياب الدولة الشعبية التي ترفدُ هذه التكوينات الفكرية العامة الخيرة، وتصاعد سيطرة الأشرار الاجتماعيين السياسيين الاستغلاليين، فإن الكائنات السحرية الشريرة تنطلق هي الأخرى في الحياة الاجتماعية.
لا يستطيع الإنسان في هذا المجتمع الذي فقدَ فيه الناسُ سيطرتهم على مصادر إنتاجهم، سوى أن يرتعب من كل بوادر الشر والموت والخراب والحروب، ولا يستطيع وعيه أن يفهمَ تاريخَهُ وكيف عجزَ عن السيطرة عليه، وما هي أسبابُ الحروب والأوبئة وسوء العلاقات البشرية، فهذه كلها تخرجُ عن فهمه، ويتصور إن مسبباتها موجودة في كائنات غيبية وفي حيوانات وطيور شريرة:
(العرب مثلا تكني البوم بطائر الخراب، إذ ينظرون إليه على أنه طائر شؤم تنقبض صدورهم لدى سماع صوته ليلا، ويتوهمون جهلاً حدوث مكروه كموتِ عزيز أو خراب ديار، ويصف الكتابُ الأوروبيين بأنهم يرون في صوتِ البوم إعلاناً لموتِ أحد الأشخاص أو أن أحد الناس يعاني في تلك اللحظة من سكرات الموت، ويتوهمون أن البومَ إذا ما حطَّ على سقفِ أحد البيوت أصابه بالشقاء!)، تعليق صحفي على كتاب مُترجم بعنوان (معجم الخرافات).
إن ارتباط البوم بالخرائب الناتجة عادة من كوارث الحروب وخراب العمران التي لها أسباب شتى، تتحول مع تكرارها في مثل هذا الوعي الشعبي العفوي إلى أن تكون هي مصدر الشر.
إن إعطاء الطيور أو الزواحف كالحيات قدرات على التدخل الواسع في الحياة البشرية تتصاعد إلى حد إعطاء الألوان والألبسة والوجوه إمكانية السيطرة على حياة البشر المستقبلية.
فالتطير والطيرة هي رؤية تشاؤمية من بعض الطيور كرؤية الغربان والاستدلال من وجودها على أحداث سيئة سوف تجري في المستقبل، مع ارتباط الغربان بالجثث الناتجة من الحروب خاصة.
ومع فقدان البشر السيطرة على واقعهم يبحثون عن مفاتيح السيطرة والتحكم خارجهم، نظراً لغياب التراكم المعرفي العلمي في حياتهم، وتظهر فئاتٌ متخصصة في مثل هذه الرؤى الغيبية، المستقبلية والمصيرية، وهي تقوم بإنتاج مثل هذا الفهم الخرافي، كشكلٍ آخر من توظيف الخرافة من أجل عيش تلك الفئة المنتجة لهذه الأشكال من الوهم.
تغدو النجومُ والكواكب والأرواح مصدراً لهذه المعرفة المستقبلية مع عجز العقول الأرضية عن التحكم في يومها، فهذه الأشياء خارج الملموس، ولها ظلال وصور لا نهائية وغير محددة، يمكن عن طريقها تسريب الأفكار والتوجيهات والنبؤات وخلق أشكال من التفكير المحتاجة للمعونة الماروائية نظراً لأزماتها المعيشية والسياسية والجسدية والنفسية المختلفة.
وإذا كانت هذه الأشكال السحرية عفوية وواضحة ببساطة فإن جر جوانب من الدين لعمليات سحرية هو الأمر الأكثر صعوبة في الكشف، حيث تجر تلك المناطق الغيبية لإنتاج ممارسات سياسية عامة مضرة بالتطور.
يؤدي ازدياد الاضطرابات في الحياة السياسية العربية إلى طريقين أما إلى توسع السيطرة العقلانية على الاقتصاد وأما السماح للقوى المتنفذة الإستغلالية التلاعب به كما تشاء مصالحها.
طريق السيطرة العقلانية يقود إلى ازدهار العلوم بما فيها علوم فهم الأديان، والثقافة عامة، وإلى إعادة لحمة القوى الشعبية وإمتلاكها لمواردها الاقتصادية، وهي أمورٌ تقود لزعزعة الثقافة السحرية والغيبية فهي ليست سوى إنعكاس لفوضوية الاقتصاد وتهميش العاملين.
أما طريق السيطرة الآخر والذي أنتج أغلب التاريخ الثقافي العربي، فهو يجعلها تزدهر، وهي تستغل مصطلحات الدين ورموزه من أجل إنتاج ثقافة لا تسيطر على واقع، ولا تجعل الجمهور يتحكم في إنتاجه الاقتصادي والخيرات التي يصنعها.
ولهذا كان نمو الموجات الأولى من الحركات الدينية يتم مع نشر السحر بصورةٍ واسعة، وهذا يتجسدُ بجعل العوالم الغيبية متحكمة تحكماً مطلقاً في الكائناتِ البشرية الشبحية، التي تفقدُ أيَّ دورٍ خلاقٍ في تغيير المجتمع بشكلٍ عقلاني مخطط.
ومن هنا فهي تتوجه للجوانب الدينية الغامضة، التي يتداخلُ فيها الواقعُ مع الغيب، وهي تلك العوالم التي حسم الإسلامُ الموقفَ منها، وجعلها سلبية فاقدة التدخل في الحياة البشرية، كالجن والأرواح.
وحتى لو فرض جدلاً بأنها غير موجودة فيزيائياً إلا أنها موجودة في الوعي البشري والوجود الاجتماعي، وهذا لا يغير من دورها.
فهناك إستغلال للمناطق المتراوحة بين الوجود والغيب كالموت، وهي منطقة خطيرة محفوفة بالأسرار والمخاوف، وذلك عبر جعل البشر يرتعدون خوفاً منها، فتتراءى لهم الثعابين والنيران والأرواح المختلفة، التي عادة ما تـُدخل في مثل هذه المناطق البرزخية عبر التعبئة السحرية التصويرية السينمائية بقصد نزع العقلانية من وعي المسلم، ويتحول المؤدلجُ السحريُّ هذا إلى قائد سياسي، يبطشُ بالعقل، ويهمشهُ، ويحيلُ الإنسانَ إلى أداة في يده من أجل المشروعات التي يخطط لها.
كما يقومُ بالتحكم في النصوص الدينية وإعطائها الأهداف التي يريدُها المتمثلة في زوال العقلانية، وإلى اعتبار التاريخ وحركة المجتمع لا تسير بقوانين، وأن الإسلام الأول لم ينتج خطة عقلانية للسيطرة على الاقتصاد، فتغدو منتجات التاريخ والتراث كلها بيدِ المنتج الساحر الحديث التي يوجهها كيفما شاءت مصالحُ الجماعات والدول الإستغلالية التي تتصرف بالمال العام كيفما تشاء.
إن الأغلبية الشعبية الجاهلة والأمية والتي عاشتْ طويلاً في ثقافةِ السحر، يُعادُ السيطرة عليها عبر مثل هذا التداخل بين السحر والدين، فتتحول الآياتُ والجملُ المُنتزَّعة من سياقاتِها إلى أدواتٍ للحكم والحروب والكوارث.
فيمكن للكلمة حسب هذا الفهم أن تحدث الانتصارات في الحروب، ويمكن إستدعاء بعض المنجمين لمعرفة مصير الحرب مع إسرائيل، وإعطاء الجنود مفاتيح الجنان وهم يدوسون على الألغام في جبهات القتال ويفقدون شبابهم، ويغدو أمراء الجماعات هم المحددون لجنس الكفار – سواء كانوا من جنس المسلمين أم من غيرهم – بعد أن التحموا بالذوات العليا، فهم الذين يستطيعون نقل المجتمعات المتخلفة والفقيرة إلى الأسلام الأول عبر دكتاتوريات المجموعات الصغيرة الأرهابية فيقررون الحياة والموت للناس.
إن حصول هذه القيادات على تلك الإمكانيات الخارقة يحيلُ الإسلامَ العقلاني التحديثي عند هؤلاء إلى شعوذةٍ سياسية، فهم قادرون على إقناع الجمهور الحاشد بأن يعود للوراء وأن يكون ضد مصالحه وتقدمه.
وهذا حدث ليس فقط لأن الجمهور جاهل وأمي، لكن لأن الجمهور يأمل في تسوية مشاكله الاقتصادية والاجتماعية الضارية بنفحةٍ سحرية، بتعويذةٍ تقدمُ له العفريتَ الهائل الذي ينقلهُ بين ليلة وضحاها إلى الجنة الأرضية، ويغدو الشباب غير المنتج وغير المشتغل في الصناعة وغير الدارس للعلوم وغير المصنعة في زنازين الدول الشرقية، يريد بلا عمل شاق أن يرى نفسه فجأة بين الحوريات، وأنهار اللذائذ حوله.
تتحول الجماعات الدينية السياسية إلى قوى خارقة ملكتْ السحرَ القادر بين عشية وضحاها على نقل المؤمنين للجنان الأرضية، فإن لم تستطع نقلتهم للجنان الأخروية، ولهذا تتحولُ سياساتـُها لبرامج سياسية فقيرة بفهم المجتمع وبفهم الدين معاً، معتمدة على زرع الأوهام في عقول الناس، فعبر روشتة حكم الأقليات أو الشركات الإسلامية أو شعارات العودة للشريعة، تجعل الناسَ تتصور أن هذه الشعارات قادرة على حل أزماتهم المعيشية في غمضة عين وانتباهتها.
في حين أن أزماتهم وتخلفهم نتاج ((علاقات اقتصادية)) متجذرة بحاجة إلى تحليلات عميقة، ومشروعات طويلة الأمد، فنقل الملكيات العامة الحكومية للناس وإحداث تنميات كبرى، وتوزيع فوائضها للمشروعات والحاجات الأهلية، مسألة تحتاج لعشرات السنين، إذا عملت وتوحدت الجماهير الشعبية وتعلمت وازدهرت بالعلوم.
إن الفانوسَ السحريَّ السياسي غير موجود، وإنه إذا لم يحدث الحراك الإنتاجي وتقلص هيمنات الدول على الاقتصاديات والدخول والعمالة والفوائض، وبقيت الجماهير في أميتها وسحريتها وتخلفها وأعمالها الحرفية المحدودة، لن يحدث أي تقدم، وسوف يزداد الفقر وتتكاثر الأرواح والأشباح.
إذا لم يحدث تعاون واسع بين القوى السياسية الديمقراطية لفهم الواقع الاقتصادي بالدرجة الأولى، وفهم عملياته ودخوله وكيفية تغييره، فلا تفيد أية روشتة أخرى، خاصة الروشتات السحرية.
لم تقم الثقافة الغربية المسيطرة على المنتجين الشرقيين أو الغربيين، بإنتاج ثقافاتهم العقلانية، فمثل هذا الإنتاج يتواكب مع تغيير ملكيات الصناعة الخاصة، التي تفيضُ عليهم بخيراتها، وإذا كانت ثمة عناصر عقلانية فيها، فهي لا تسود ولا تنتشر بشكل جماهيري.
بل توسعت الثقافات الغربية السائدة المعبرة عن أؤلئك المالكين للفوائض الاقتصادية غرباً وشرقاً، في نشر الخرافات وتيارات تغييب الحفر العقلاني.
كانت المدارس (الرفيعة) الأدبية والفنية كالسريالية والدادائية والبنيوية والشكلانية وغيرها تمثل عبادات الأشكال المفرَّغة مما هو حقيقي وما هو إنساني كفاحي، فتتركز على الخطوط والنقط المجردة والبُنى، ويُتم تغييب الإنسان وإزالة وجوده الاجتماعي، وتـُعطى لتلك الأشكال أهمية مساوية لعبادة النجوم والكواكب والأصنام، وتغدو عبادة الأشياء تخريفاً على أساس تحديثي، وتنقل للمنتجين الثقافيين لينشروها ويعطلوا ملكات الحفر النقدي في مجتمعاتهم.
لكن الجمهور العادي لا يفهم مثل هذه المنتجات الصعبة، كما هي مستوياته وظروفه، فتـُسوقُ له الخرافات عبر الأفلام، وتظهر الوحوشُ على هيئات مصاصي دماء وموتى وقوى غامضة تنبعث من الكواكب والقبور والأرواح ويجيء سكان المدارات البعيدة ليحكموا الأرض، ويتشكل أفراد بقوى خارقة، سوبرمان يرفع الطائرات على كتفيه ويحول مسارات الصواريخ في دقائق، وحيوانات قديمة هائلة يتم ظهورها في المدن الحديثة والبشرية تغوص في حروب نووية كارثية وغيرها من السيناريوهات الخرافية المرعبة والمسلية، وتـُحشدُ معها تقنياتٌ رهيبة لتجسيدها وجعلها حقيقية، مثلما يترافق مع ذلك نشر المخدرات وأشكال التسلية الخطرة والأدمان.
وتـُسمم الجامعات والثقافة وعمليات الإنتاج الفكري بالمستوى (الرفيع) فيما يُسمم العامة بالمستوى المتدني، وبهذا تجد ترنح الثقافات العربية من هذه الفؤوس الواسعة الانتشار، فالكثير من الشعر يغدو ذاتياً نرجسياً أو فقاعات، واللوحات تقلد اللاوجود الثقافي الغربي الخ..
ومع بقاء الرأسماليات الحكومية العربية الفاسدة المستنزفة للثروات وللأدمغة، وبقاء الأرياف غير مصنعة، والنساء الأميات يواصلن إنتاج الخرافة، تفيض البلاعات.
وتظهرُ مؤسساتٌ لعبادة الشيطان، ويُقال بأن ذلك جزء من الحرية الدينية، ويُقال بأن الإلهَ أو الشيطان تسميات خيالية مشتركة.
والقضية ليست الحرية هنا ولكنها في إلغاء التراث الإنساني المتمثل في الأديان، وصور الإله والملائكة واليوم الآخر هي رموزٌ لإنتاج الخير في تاريخ الإنسان، جوانبٌ روحية لتوسيع الضمائر وإحيائها في حالة الموات، ولكي لا تغدو الجريمة مبررة، والمذابح محترمة، وحين جاءت الهتلرية أنشأت الصليب المعقوف، صليبٌ يغيبُ التضحية، ويبررُ الحروب والقتل!
وهذا لا يعني جعل الفكر الديني مطية للاستغلال وهيمنة الطبقات والأمم، بل تعني رؤية التاريخ الديني كنضالٍ للإنسان في ظروفٍ فكرية مغايرة لنضاله في ظروف العلوم الحديثة.
وكم يحاول بعضُ المثقفين جعل تاريخ الأديان ومواده وسيلة لاستمرار الخرافة والقهر، ولهذا يشحنونه بما يجعل العقل يطير فوق ظروف الأرض الحقيقية، لتبرير اللاعقلانية.
فيظهر مثقفون يدافعون عن وجود الأرواح والروحانية ويعرضون فشل العلوم والسببيات والقوانين، وفي مواجهة ماديين آليين يريدون سحق الأديان بشكل لا يقل عن لاعقلانية أولئك.
يغدو الوجود صدفة، والخير صدفة، والعقول متاهة.
وفي ذات الوقت تبرز عبادة الشيطان وعبادة الدولار!
وفي ذات الوقت تفقد الكثير من الشعوب سيطرتها على أحوالها وأسواقها، ومعيشتها، وتتشردُ في أركان الأرض بحثاً عن لقمة العيش، حاملة معبوداتها وكتبها الدينية في أرجاء المعمورة، قد تغرق في قوارب أو تتلاشى في مجازر، وتنتفض الأريافُ بحروبٍ طاحنة مخربة لنفسها قبل الآخرين، وتلجأ للقرصنة وحروب العصابات لتأكيد عيشها الذائب في العولمة الرأسمالية الحديثة.
في حين إن كل أدوات الحداثة والعقلانية لم تستطع أن تضع حداً لفوضى الوجود السياسي الراهن، مع ازدهار الأنانيات الطبقية في كل مكان.
يعود الكثيرون للخرافات، ويغدو بند مطاردة السحرة في كل اجتماعات وزارات الدول العربية والإسلامية المخصصة لتنمية العقلانية وبشكلٍ مستمر، دون إلقاء القبض على الفقر والبطالة والجوع والتشرد والهجرة.
ورغم نشر بعض التقنيات في المدارس فإن الطلبة يعودون لصفحات التنجيم وقراءة حظوظهم في الجرائد، بسبب أن الخطط الحكومية لتشغيلهم غير مضمونة.
في هذا الجو العالمي تنتعش زيارات البابا وتحصل المنظمات الدينية على مساحات عمل تخصصها في زيادة نشر اللاعقلانية، وتهاجم الحداثة والعلمانية والديمقراطية سبب مصائب العالم في رأيها، وفي هذا الجو الخرافي الدموي، يبرر مثقفون المجازر بدعوى المقاومة، ويؤججون تصادم الأديان والشعوب، ويعودون لاستحضار السحر والشعوذة وإدراجها في الحياة اليومية.
لا عجب في مثل هذا الجو أن يستعين حملة رسائل الدكتواره بأرواح أسلافهم عبر القبور ويستنجدون بملاحظاتهم الهامة، وتظهر دراساتٌ عن أهمية البصل في أشعار الأمويين، وعن مدى الملوحة في مياه البحار، وتكثر الخطب عن التنوير في قرى ومجمعات قـُطعت عنها الكهرباء، وتلتهم الأغاني تسعين بالمائة من بث الفضائيات العربية، ويظهر قادة السحر في السماء وهم يرشدون الشعوب لكيفية محاربة الأمراض ودحر التخلف وهزيمة الصهيونية.

كلمات الاغلفة        

السحرُ وتغييرُ العصور

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

القصة ذات أطوار تاريخية عديدة، لكن الوعي المحافظ الأسطوري لا يعرفها، فقد كان السحرُ ملازماً للقصص القديمة، والقدرات خارقة للأبطال الرجال عادة حيث لا بطولات نسائية.
ومن هنا كان البطلُ قادراً على الطيران بأجنحة أو بدون أجنحة، وظهور الأجنحة المتكرر يشير للرغبة في الطيران.
الأبطال السحريون هؤلاء ينقلون مدينة من مكانها ويحضرونها أمامهم وينتقون إمراة جميلة ويحاكمون المدينة عن دينها وموروثها ويتحكمون فيها.
أو يقدرون على الدخول في جوف الحيوانات الكبيرة بدون موت أو حتى تسمم غذائي.
أو يمشون من منطقة نهرية محدودة في بلدتهم ثم يمشون مسافات هائلة بمقاييسنا المعاصرة بدون موت بل يصلون للبحر القصي.
لهذا كانوا يماثلون حتى القصص التالية في ألف ليلة وليلة حيث البطل يكتشف المصباح الذي يعطيه قدرات خارقة أو يستخدم البساط للطيران مثل المرأة العجوز الساحرة التي تستخدم المكنسة للطيران!
ولهذا حين تتداخل القصص السحرية وأشكال الوعي الأخرى يحدث اشتباك بين الفهم المعاصر وهذه العقلية القديمة التي تريد السيطرة والتحكم في السدود والمعامل والمجالس النيابية والمدارس وهي بهذه الثقافة القصصية العائدة للمجتمعات الإقطاعية الزراعية حيث لا آلات ولا مختبرات علمية ولا معاهد تحليلية للنصوص القديمة، لكن هو التمايز بين أزمنة مختلفة لكل منها ظروفها.
لكن الأبطال الخارقين يتكشفون والقصص الخيالية تُدرس باعتبارها معبرة عن مرحلة طفولية من التاريخ الشعبي، وتغدو موروثاً للقراءة وزاداً يمثل بكارة الجنس البشري في فهم الطبيعة والبشر والتطور الاجتماعي.
ملاحم مثل الأوديسة والإلياذة وجلجامش وألف ليلة وليلة تعبر عن سير شعبية كبرى فالملاحم الإغريقية عبرت عن الشعب الأثيني وهو يشكل دولته ويزيح القوى المنافسة من خلال أبطال بدوا خارقين.
لكن الوعي السحري لا يتخلى عن أبطاله، وقدراتهم الإعجازية لا يحيلها لظرف الزمان والمكان، وعقلية البشر السائدة في كل مرحلة تاريخية، فهو وعي لا يعرف القراءة الموضوعية، ويعتبرها صالحة لكل زمان ومكان، ولهذا فإن جثوم الإنسان طويلاً في جوف حيوان أمرٌ ممكن، ونقله البلدان بطرفة عين أمر سهل، وعبور الخرائط الجغرافية بصحاريها وجبالها ووحوشها لا غبار عليه حيث تكفي بعض التعاويذ والورق العتيق للقيام بهذه المهمات المذهلة لكنها تعبير عن حلم وهذه الرحلة السحرية تعقبها مرحلة واقعية يفهم فيها الإنسان سببيات التطور ويصيغ قصصاً مختلفة مبنية عن تقاربه مع العلوم.
هذه القدرات هي التي جعلت العرب يصيغون من القصص الفارسية والهندية المبعثرة ملحمة بشرية قصصية كبرى هي ألف ليلة وليلة وغذت البشرية عامة بتقنيات السحر العجائبية في حين أن أحفادهم عجزوا عن تطوير القصة في هذه الجوانب الخارقة ودمجها بالواقع المعاصر وإنتاج مركب بين السحر والتاريخ والواقع.
رغم تقدم العلوم الإنسانية تحتفظ القصص القديمة بنكهتها وتظهر أسرارها الحياتية البسيطة، وتغدو الخوارق أشكالاً تعبيرية أبنة عصورها، ويمكن تداخلها مع العصور الراهنة وأن تظهر عقليات إبداعية جامعة.
هذا ما احتفت به آداب أمريكا اللاتينية وأدب عصر النهضة الأوربي وكيف إنشات حكايات خرافية طريفة مثل رحلات جلفر وروبنسون كروزو وقصة الغوريلا العملاقة التي تغزو لندن عاصمة الحداثة والقوة!
غياب السحر والبنى المركبة في القص وغياب تحليلات الصراع الطبقي تجعل القصص العربية نثرية سطحية تعبر عن يوميات وجزئيات فاقدة للوهج والتغلغل في الحياة والوعي.

جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

بداية جديدة لانطلاق السحر

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

كان السحر جزءً من التكوين الديني العريق في المنطقة، ولم تقم الأديان بتجاوزه، فهي رغم رفضها لاستخدامه لكنها لم تستطع إلغائه، وهو لا يزال يعيش حتى العصر الراهن، فلم يحدث في العصر الديني الوسيط تحول جذري عن البنية الرعوية ـ الزراعية. وكان السحر موجوداً في الجزيرة العربية قبل الإسلام وأستمر بعده. فالقرآن يذكر (وغاسق إذا وقب) و(النفاثات في العقد) ، وهذه تعبر عن دور القوى الطبيعية والساحرات في التدخل في الحياة البشرية. إن دور القمر في التأثير على الوعي السحري ـ الديني كان كبيراً، وعبادة النجوم والكواكب كانت متأصلة في الجزيرة العربية ، والمنطقة عموماً. وكان الانفصال بين العرب وسكان المناطق الشمالية واضحاً في عبادة العرب للقمر ، ومنها تشكلت السنة القمرية ، وهي غير مرتبطة بالزراعة ، فيظهر طابعها الرعوي جلياً، في حين كان سكان الشمال، الذين سوف يصيرون عرباً، مرتبطين بالسنة الشمسية ، ذات الأهمية القصوى للزراعة ، إن هذا يوضح التضاد الأقصى بين جزئي المنطقة المتباينين.
وكما تتبعنا التداخل بين القسمين في مختلف تجليات الوعي ، عبر العملية التاريخية الصراعية ، فإن قراءة تطورات السحر هامة ، لمعرفة دور هذا العامل في التفاعلات الاجتماعية والفكرية، وكيف إن الانتقال إلى القسم الشمالي الزراعي، وبدون حدوث تغيرات صناعية هامة ، سوف يعزز الجانب السحري في الوعي، كما سيؤدي إلى نهوض الماضي الفكري.
إن كلمة (النفاثات في العقد) تعطي ملمحاً هاماً للمشترك بين الشمال الزراعي والجنوب الرعوي ، يقول ميرسيا ايلياد في كتابه صور ورموز:
(في بلاد الرافدين ، هنالك آلهة ذات سلطان مطلق مثل إنليل وزوجته نينكورساك (…) وجميعها توقع في شباكها الجناة الذين يقولون الزور، ويحنثون باليمين، وأما شاماش، إله الشمس، فسلاحه، الأربطة والحبال)، ويضيف:(1ـ هناك “الأربطة” السحرية ، المستخدمة ، أثناء الحروب، ضد الخصوم من البشر. 2 ـ وهناك ” العقد والأربطة” الدالة على اليمن وحسن الطالع ، والمستعملة كوسائل للدفاع ، ولدرء خطر الحيوانات المتوحشة ، ولتحصين الفرد ضد الأمراض، وضد الأبالسة والموت ، والمفيدة أيضاً في مواجهة رقية الشر والأذى) ،( 1 ).
وهكذا فإن العقد هي شكل سحري مستخدم بوفرة في الجزيرة العربية والمنطقة ، وتعبر عن التداخل العميق بين هذين الجزئين الجغرافيين ، هذا التداخل الذي أستمر لآلاف السنين ، ولكون الوعي السحري أعمق تجذراً في الحياة الاجتماعية ، ولا يحتاج التأثير السحري في هذا النفث سوى إلى تكوين هذه (العقد) وحلها ، عبر التعاويذ واللغة السحرية. إن كافة أشكال الرقى مبثوثة في استخدامات الوعي الإنساني لفك العقد الطبيعية والاجتماعية ، وتصل إلى ذروتها باستخدام النجوم والكواكب ، باعتبار هذه الأجرام مؤثرة على الوجود البشري.
يقول أبن خلدون حول دور الأمم القديمة في إنتاج السحر:
( كانت كتبها كالمفقود بين الناس (..) وكانت هذه العلوم في أهل بابل من السريانيين والكلدانيين وفي أهل مصر من القبط وغيرهم وكان لهم فيها التآليف والآثار ولم يترجم لنا من كتبهم إلا القليل مثل الفلاحة النبطية من أوضاع أهل بابل فأخذ الناس منها هذا العلم وتفننوا فيه ووضعت بعد ذلك الأوضاع مثل مصاحف الكواكب السبعة وكتاب طوطم الهندي في صور الدرج والكواكب وغيرهم ثم ظهر بالمشرق جابر بن حيان كبير السحرة في هذه الملة الخ..، (2 ).
لقد كان السحر موجوداً ومنتشراً لدى العرب ، ولكن تحوله إلى ظاهرة فكرية ـ سياسية واسعة أمر أحتاج إلى شروط موضوعية ، فقد رأينا السحر لدى خالد بن معاوية ، كبير المثقفين الأمويين، والذي قيل إنه استخدمه لتحويل المعادن” الخسيسة” إلى ذهب ، ولم تكن هذه سوى ظاهرة فردية ، وعبرت هذه المحدودية السحرية عن انشغال العرب بالفتوح ونشر الإسلام ، وتوفر مستويات معيشية جيدة لهم قياساً بالأمم المغلوبة ، وفي العصر العباسي الأول ، وبعد منافسة الفرس وانتشار اللغة العربية، وبدء التغلغل العربي في العالم الزراعي، وحدوث التمازج مع الأمم الأخرى ، بدأت البنية العربية الرعوية الذهنية في التبدل ، كما بدأت عملية تصعيد الأمم المغلوبة لتراثها القديم باللغة العربية ، واعتباره أداة مقاومة سياسية لثقافة الفاتحين . وكانت ركيزة هذه الثقافة هي السحر وعبادة الكواكب في المشرق خاصة.
وفي هذه المرحلة ، يبرز أبن وحشية في هذه العملية الإستعادية للإرث القديم ، يقول أحد المساهمين في كتاب(تراث الإسلام) :
( وقد اشتهر أبن وحشية كجامع وشارح للمؤلفات القديمة في العلوم ، وبأنه مترجم لكتاب في أحكام النجوم لمؤلف يعرف بأسم تانكالوشا (..). واشتهر كذلك ناقلاً لكتابات بابلية قديمة مزعومة أشهرها الكتاب المعروف باسم ” الفلاحة النبطية “. وكتاب السموم (…). وهذه الكتب ، كما نرى في هذا العرض ، ليست دائماً مؤلفات حول موضوعات غيبية، بل كان من بينها أيضاً كتابات لها قيمة علمية كبيرة ، وإن لم تكن تخلو تماماً من المادة الخرافية.) . ويقول المؤلف إن هذه الاستعادة ليست بعيدة عن إثبات تفوق البابليين على العرب الفاتحين ، كما يرى أبن وحشية. ( 3 ).
إن تمازج المنظومات المعرفية الثلاث: السحرـ الدين ـ العلم هو أمر شائع في العصرين القديم والوسيط ، وفي البدء كان السحر مسيطراً ، وحين حل الدين فإنه لم يلغه ، بسبب الطبيعة الفكرية المشتركة ، فكلاهما يعتمد على الاستعانة بالقوى الغيبية، لتغيير المادة والواقع، وكلاهما يتغلغل في الوعي البشري لإحداث الفعل المطلوب، وإذا كان الدين يعتمد على القوى الخيرة فالآخر يعتمد على القوى الشيطانية، ثم ألتحم الأخير بالقوى الغيبية المرئية كالكواكب و النجوم ، وفي تضاعيفهما لا بد من توفر المادة المعرفية الموضوعية كذلك ، بسبب إن هذه المادة لا بد منها في إثبات غيبهما. وإذا كان العلم يتشكل كنقيض للشكلين السابقين ، فإن ثمة وشائج تعاونية بينه و بين الدين ، بسبب إن غيبية الدين عامة وغير متدخلة في تفسير مختلف الظاهرات ، ولكن مع محدودية العلم فإن الشكلين السابقين يتقدمان لتفسير الحياة و الطبيعة ، ويرتبط تطور العلم بنمو الصناعة والوعي الحر المستقل ، و كما رأينا ـ في الفصول السابقة ـ فإن ذلك مرتبط بسيطرة الأشراف على الملكية العامة ، و تطورات الصراع الاجتماعي . فمع استقرار النظام الاجتماعي في علاقاته الزراعية خاصة و تدفق التجارة ونمو المدن ، تتشكل هوامش للتطور العلمي ، و مع تقلص هذه الهوامش وحدوث أزمة فإن انهمار الغيبيات السحرية والدينية سيكون حتمياً ، ونستطيع أن نعتبر ذلك أحد قوانين التطور في المنطقة.
وفي عصر الدولة العباسية الأول رأينا كيف تدفقت الفوائض المالية من الزراعة والضرائب ، فاتسعت المدن وتطورت التجارة ، وكان الدين والعلم هما الظاهرتان الناميتان في الحقل الثقافي ، وكان السحر موجود كعناصر ظاهرة، و كمثال عليه ترجمات كتب السحر كما فعل أبو جعفر المنصور، وهو موجود كعناصر متوارية لدى العامة ، وبشكل خاص أهالي البلدان المفتوحة ، كما قال أبن خلدون، و مع تصاعد الأزمة الاقتصادية وتحولها إلى حركات سياسية وثورات ، يبدأ التصدع في المستوى الفكري ، فتتشكل ظروف لزيادة مساهمة السحر في الحقل الثقافي ، وحينئذٍ تتكاثر الترجمات لكتب السحر و يظهر مؤلفون مختصون بذلك كأبن وحشية و جابر بن حيان كبير السحرة في التأليف العربي ، كما يصفه أبن خلدون.
أي أن الدين والعلم ، بوضعيهما الملحقين بسيطرة الأشراف ، يعجزان عن تحليل أسباب الكوارث المتلاحقة على البناء الاجتماعي العام ، فقد قال الدين بأن المجتمع مادام في رعاية الإسلام فهو المجتمع المعقول والمحمي إلهياً ، و لكن توالي الأزمات والحروب أخذ ينشر علامات الاستفهام حول هذه المعقولية ، و كان الدين الرسمي قد جعل العلم ملحقاً به ، و هو علم يقوم على الترجمات والمبادرات الفردية ، و نظري غير تجريبي ، و غير منتشر بين العامة ، وهكذا ظهر شخص كأبن وحشية يعتبر العودة إلى تراث الرافدين القديم بطابعه السحري وعبادته للنجوم والكواكب ، حلاً وبديلاً عن وعي الدين الجديد .
إن أزمة سيطرة الأشراف العباسيين على السلطة ، تخلق بداية أزمة فكرية عميقة في الدولة الواسعة، فإذا كانت المزدكية قد عادت إلى أقسام من إيران ، ثم فشلت سياسياً وفكرياً، و انبعثت القبطية كثورة في مصر ، وترك أهل شمال أفريقيا المذهب الخارجي و تبنوا المذهب المالكي ، ولهذا فإن أديان ما قبل الإسلام و المذاهب المتطرفة ، لم تستطع أن تسود ، و أخذت مجموعات الشعوب المختلفة تدخل في الإسلام رغم هذه القلاقل ، و تبدأ بأخذ صيغ منه تعبر عن وضعها الخاص وتجربتها.
وفي أزمة سيطرة الأشراف على المركز ، ومع حل هذه الأزمة عبر إعادة النظر في هذه السيطرة المركزية الشديدة ، فإن الخريطة السياسية والاجتماعية سوف تتبدل ، وتبدأ عمليات جديدة من التكوينات الفكرية تنمو في مخاض جديد ، يبدأ من هذه العناصر الجديدة المتكونة على مدى القرنين السابقين ، ومن العناصر الماضوية البعيدة ، فيأخذ عناصر من الإسلام وعناصر من الأديان القديمة ، من الدين والعلم والسحر على السواء ، بمعدلات تعكس التجربة المناطقية لكل أقليم وبلد.
إن محاولة المركز فرض صيغة من التجريد العقلي ، المنقطع عن أخذ المصالح العامة للأقاليم وعن التقاليد المتشكلة خلال الماضي الإسلامي ، إن هذه المحاولة تفشل ، وتبدأ صيغة مشتركة ، من المركزي والمحلي ، من ما هو إسلامي مشترك و ما ينبعث من التقاليد المحلية، ومن المجرد والملموس ، من ما هو إسلامي و من ما هو قبل إسلامي ، من ما هو ديني ومن ما هو سحري و من ما هو علمي. والنسب بين كل ذلك تخضع للفاعليات الملموسة في التاريخ الخاص والعام.
ـــــــــــــــــــ

المصادر:
(1 ): ( منشورات وزارة الثقافة، دمشق،1998 ، ص 150ـ 152).
( 2 ): ( فصل علوم السحر والطلسمات ، المقدمة ص 393 ، طبعة دار العودة ).
( 3 ):(ج 2 ، عالم المعرفة 1998ص 147 ، 148).

في إنتاجِ دكتاتوريته الفردية يصعدُ لينين صراعَهُ ضد التعددية في الحزب، فيقسمهُ، ويصعدُ صراعَه ضد التنوع الديمقراطي في الغرب فيغدو الغرب برجوازياً لا بد له من شيوعية نافية له بكليته.

عودة السحر

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

موضوعا السحر والدين واسعان جداً، ولكننا نقصد هنا الأسباب التي أدت إلى بقاء السحر بل وأنتشاره بقوةٍ في العقود الأخيرة، حتى صار للسحرة بدل البيوت المخفية محطات فضاء ذات تأثير شعبي واسع!
إن السحر والدين تربطهما وشائج وصلات قوية، فكلاهما يعتمدان على الغيبيات، فهما مرحلتان من التفكير البشري اللتان لهما أسباب موضوعية، وإذا كان السحر هو المرحلة البدائية من التفكير البشري في البحث عن الأسباب، فالدين مرحلة تالية وأعلى منه للبحث عن هذه الأسباب كذلك!
فالبشر لا يختلقون أسباب التفكير بل هي تكونُ نتاجَ تطورهم الصعب وسط ظروف الطبيعة القاسية ووسط صرعاتهم الضارية كذلك!
وما يحيط بهم من ظروفٍ وأحداث فيها السيء وفيها المفرح لا يفهمونه كل الفهم، ولهذا يلجأون لقوى أخرى من خارج وسطهم البسيط لكي تعينهم على هذا الفهم وعلى التأثير فيها والتغلب عليها!
وتتباين استجاباتهم لهذه القوى حسب مداركهم وظروفهم العامة والشخصية، وحتى صاحب النفوذ والقدرة الهائلة يحتاج للسحرة لا لشيء سوى إنه فقد القدرة على السيطرة على الأوضاع والتنبؤ بالمصير، فيتوجه المعتصم الحاكم ذو النفوذ الهائل للاستعانة بالمنجمين، في حين إن أخاه المأمون كرس حكم العقل الديني!
وحتى لو جاء العالمُ ذو الإمكانيات العلمية الكبيرة لا يستطيع أن يفهم كلَ شيء، وأن يتنبأ بالمصائر، وأن يعرف تطورات الدول والأحداث بدقة، فهو يمكن أن يعرض ملامح عامة، لكن التطورات والأحداث لا يحيط بها كل وعي مهما كانت سحريته أو تدينه أو علميته!
والمجتمعات تتباين في تطورها فإذا حدثت الأزمات الحادة وكثرت الظروف السيئة عليهم أو داهمتهم أمراضٌ خطيرة لجؤا إلى نوع ما من التفكير بأنواعه الثلاثة السابقة الذكر، حسب مستوى معارفهم، وحسب تطور حياتهم، فالمتخلفون جداً والمأزومون يختارون السحر، مثل الذي يلجأ للفانوس السحري وبساط الريح والنفث في العقد والتمائم والأحجبة وغيرها، يستعين بها من أجل تجاوز الخطر وخلق الظرف الملائم له، وعادة يجري ذلك في المستويات الشعبية، التي لا حظ لها من دين عقلي أو من علوم، أو تكون الحالة قد وصلت في الإنسان أو المجتمع إلى درجة الإطاحة بكل ثوابت العقل!
إن الإنسان المأزوم جداً أو المجتمع شديد التخلف أو المأزوم جداً كذلك يلجأ للحل الأخير المتدني، وهو إزاحة العقل بشكليه الديني أو العلمي.
إن علينا أن نحترم هذه الأشكال الثلاثة الكبرى من التفكير البشري، فهي وليدة حالة الإنسان الموضوعية، فكم من مثقف حين يعجز عن حل تناقضاته الداخلية أو حين أستفحل به المرضُ الخطير، يلجأ إلى مشعوذٍ أوساحر، وكم من عالمٍ راح يكلم قبور أهله!
وقد ازدادت موجة السحر بسبب إن الموجتين السابقتين العلم والدين اللتين كانت أملاً للتغيير بالنسبة للجمهور تحولتا إلى مشاكل بل والأسوأ من هذا إن الموجة الدينية التظاهرية الشكلانية التي لفت بعض المثقفين تحولت في العديد من الأقطار إلى حروب أهلية وصراعات ضارية، بحيث أخذ جزءٌ من الجمهور الأكثر تخلفاً ويأساً يعود بشكل واسع إلى أي خشبة طافية في نهر الجثث والخراب والحرائق!
مع الظلمات التي تحيط بالإنسان الصادق المعذب بشكل حقيقي وليس الذي يستعين بالدين أو بالسحر بشكل سياسي نفعي، فإن اليأس يدفع إلى أشد الحلول غرابة ولاعقلانية.
وإذا كان دعاة العلوم والتصنيع القذر يلفون المدن بسحب السرطان، وبدلاً من أن يحصل العامل على أجر، يكون نزيلاً في أحد المستشفيات يواجه اللحظات الأخيرة من حياته السريعة، فإن بطل العمل العلمي هذا يتحول أعمى يريد النجاة بأي شكل!
أصبح الموت السياسي والموت الصناعي يخطفان الناس الفقراء خاصة، وبسرعة مخيفة وبضربات صاعقة، وتبخرت أحلام العلميين والدينيين وارتفعت أسهم السحرة والدجالين!

كلمات الاغلفة        

الدين بين الشكل والمضمون

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

الدين مثل غيره من الظواهر الاجتماعية له شكل ومضمون، وقد احتار الناس عبر التاريخ بين الأديان كمظاهر خارجية، وكمضامين اجتماعية وأخلاقية روحية. وكافة الأديان كانت ثورات في البداية، استهدفت تغيير حياة الناس، وتجاوز ظلم فئة واستغلال طبقة الخ..
لكن الأديان مثلها مثل الثورات لا يمكن أن تخضع لتأثير فئة ما كل التاريخ، وكثير من اللصوص والمستغلين الذين حاولت أن تجرفهم هذه الثورات الاجتماعية التي لبست لباس الوعي الديني، استطاعوا أن يتغلغلوا في أجهزة هذه الثورة، وفي شرابين هذا الدين أو ذاك.
وهكذا فإن القوى المستغلة عبر التاريخ تقوم بإعادة تفسير الدين، أو أنها تخفي مضامينة الحقيقية، أو تجرد أهدافه الاجتماعية الملموسة من طابعها السياسي والطبقي، وتركز على المظاهر الخارجية، والجوانب التي لا توجه الأسئلة إلى سيطرتها واستغلالها.
وقد احتارت الحركات الاجتماعية الإسلامية والمفكرون الإسلاميون في جذور الطابع الاجتماعي للإسلام، ولم يصلوا إلى أنه ثورة اجتماعية نهضوية تمت بأدوات عصرها، فقد قام بعضهم برفض العبادات وشكل بعضهم تنظيمات من حلقات وهياكل سياسية معقدة، يدخل فيها المريد من الخلية الدنيا ويصعد درجات حتى يصل إلى قمة التنظيم السياسي الديني، وحينذاك تتكشف له (الحقائق) التي لا تُقال له وهو في سن صغيرة وفي مكانة فكرية دنيا.
في حين شكل الصوفيون المسلمون درجات من المعرفة الصوفية يتدرج في سلالمها المريد، وتتفتح أمامه (الحقائق) بقدر ما ينزع عنه من ثياب الدنيا والعرض الزائل، ويتقدم في الحضرة القدسية.
المناضلون الإسلاميون الأوائل كانوا يحاولون البحث عن جوهر للدين خارج النضال الاجتماعي والصراع السياسي ضد المستغلين؛ فيجدونه في العزلة المطلقة والتجويع الذاتي للنفس والبعد المطلق عن الشهوات كرد فعل على الغرق في الشهوات والماديات التي تقوم له الطبقات الحاكمة.
وحتى الحركات الدينية التي وصفها المؤرخون بالحركات الاجتماعية، لم تصل إلى جوهر الدين، كحركة سياسية نهضوية تتطلب شروطاً خاصة، وحولوا الدين إلى مغامرات حربية وحملات للسلب والنهب، في حين غرقت الأكثرية المؤمنة في الاعتقال السياسي للحكام الجائرين، غائصة في أوحال العمل ومستنقعات الزراعة وكهوف الحرف، بينما كانت ثمار جهودها تضيع في الليل الطويل.
يتحول هذا الصراع بين الشكل والمضمون في الأديان إلى جنون أحياناً حينما يقوم بعض المغامرين برفض الدين جملة وتفصيلا، أو يبتكرون مذاهب من رؤاهم الذاتية ويصنعون جناناً موهومة.
أو تتحول إلى كوابيس اجتماعية حين يقوم الباباوات والملالي باحتكار الأقوال المقدسة وتفسيرها وتحديد من يدخل الجنان ومن يخرج منها.
أما التفسير الديمقراطي العصري للصراع بين الشكل والمضمون فى الدين فقد قام على ترك المؤمنين في عالمهم الديني الخاص، وأخرج المنطقة السياسية العامة منه، وجعلها ميداناً للتنافس السياسي والصراع الانتخابي.
فنهضة الأمم وتقدمها وتغيير حياتها صارت رهناً ببرامجها السياسية، ولم يعد أحدٌ يُسمح له باحتكار الحقيقة الدينية، أو أن يستخدمها في عمله السياسي، إلا لأن الدين صار ملكية عامة وتراثاً، غير مسموح بزجه في الصراعات السياسية.
إن هذه العملية العصرية أخرجت الدين لأول مرة من التداول السياسي التجاري؛ وأصبح المؤمن يذهب للكنيسة ويصوت للحزب اليساري أو اليميني حسب ما يراه من دور لهذا الحزب أو ذاك في قضاياه الاقتصادية والاجتماعية.
ولأول مرة في التاريخ يعطى للدين مكانته المقدسة واحترامه، ولا يؤجر لخدمة الاستغلال السياسي والاجتماعي.

جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

الوعي والمادة

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.
وقد بدأ العرب يقاربون الحضارة الحديثة منذ أن تفتحت عيون المثقفين في النهضة الحديثة، ومن ثم راحوا يراكمون وعياً جديداً مختلفاً عن (المادة) منذ الأنظمة الملكية الليبرالية فالأنظمة العسكرية الوطنية والثقافة التنويرية العلمانية وراح يتصاعد بتقطع وضعف دون أن قطع بجذورهم الإسلامية والقديمة والإنسانية.
وهذا التصاعد والتقطع والاستمرارية تعبر كلها عن حصيلة الصناعة والعلوم والحرية وعن جذور ضعيفة في حفر الأرض المادية.
لقد كان الحصول على معنى المادة ومعنى العلم وكشف سببيات الوجود لتلك القبائل التي خرجت من الجزيرة العربية أمراً صعباً محفوفاً بالمخاطر ولجماعاتٍ أميةٍ محدودة الأرث العلمي، والتي إنتجت منها فئات وسطى حرفية وثقافية في ظل الإمبراطورية وراحت تتساءلُ عن معنى الوجود وكيفية فهمه وكيف السيطرة عليه؟
إن الشعوبَ لا تفهم الطبيعةَ والمجتمعَ بشكلٍ مجرد سحري غيبي تلقائي عجائبي بشكلٍ أساسي، وإن كانت هذه هي المراحلُ الدنيا لتشكلِ العقول، لكنها تتجاوزها، لأنها ذات مستويات دنيا، ولاعتمادها على الحدس وهو أدنى أشكالِ الفكر وعلى التجارب البسيطة غير المعللة وغير المجربة تجريباً حديثاً.
لكن هذه الأشكال الدنيا ملاصقة كثيراً للعرب والمسلمين لأنهم في المستويات الدنيا من الإنتاجين الصناعي والعلمي، ومن هنا فالأشكال الأخرى من السحر والدين غير العقلاني تبقى مترافقةً مع هذا التطور ذي المستوى المنخفض.
ومن هنا كانت الجهود الجبارة للعلماء العرب والمسلمين في إنتزاع أسرار الطبيعة والمجتمع، وهم في بدايات الحضارة، وهو أمر مهدهُ علماءُ اللغةِ والكلامِ ثم الفلاسفة، الذين وضعوا جميعاً القواعدَ الأولى لبناءِ العقلية العربية الموضوعية النقدية، التي تراكمُ لبناتِ المعرفةِ الموثَّقة، والتي تكشفُ خلايا المادةِ وعملياتِ التغلغلِ فيها بشتى أشكالِ تمظهراتها، سواءً كانت جسم إنسان أو حيوان أو أشياء مادية بمختلف حالاتها، أو كانت كوكباً أم نجماً.
ولا تنفصلُ العلومُ الإنسانيةُ هنا عن العلوم الطبيعية، بل كانت هي مقدمتها، فتطورُ علومِ النحو والصرف والبيان ودراسة جذور اللغة وحياة العرب الاجتماعية، قادَ إلى وضعِ لغةٍ كبيرة ذات إمكانيات تعبيرية وإشتقاقية حيوية تحت تصرف علماء الطبيعة والرياضيات والطب والفلك والكيمياء وغيرهم.
فتغيرت الرياضيات بداية من تغيير الأرقام إلى جعل الصفر فيها وجعلها بالتالي سهلة ولا نهائية الحساب، لأن المادة لانهائية، وعبر الجبر تم إظهار الكم المجهول من الكم المعلوم، فغدت الرياضيات أداةً أخرى، وتطورت الهندسة الأقليدية، خاصة عبر التلاقح مع الثقافة اليونانية، ثم بدأت الكيمياء والفيزياء بالتطور مع تطور الحرف والصناعات.
لكن هل تنفصل العلوم هنا عن الشعوذة خاصة مع هذه النشأة الأولى الضعيفة؟
(أخذ جابرٌ«بن حيان» مادة الكيمياء – كما هو معلومٌ – من مدرسةِ الإسكندرية التي كانت تقولُ بإمكانيةِ انقلابِ العناصر وتحولها بعضها إلى بعض، وأخذ مع هذه الكيمياء فيضاً من الفلسفة الهيلينية والآدابَ السحريةَ والتصوف والروحية الإيرانية)، (الجامع في تاريخ العلوم عند العرب، الدكتور محمد عبدالرحمن مرحبا، منشورات عويدات ط2، 1988، ص 315).
إن إمكانياتِ الوصولِ إلى الأبعادِ المتعددة للمادةِ مسألةٌ مرهونةٌ بقوى الإنتاجِ السائدة في المجتمع وتجلياتها في البحثِ العلمي خاصةً مدى تقدم الحرف ومن ثم وجود معامل الإختبار، وظهور وتعمق تخصصات العلماء، وتنوع أدوات السبر والصهر والتحليل المختلفة.
ولهذا فإن حدوثَ جدلٍ عميقٍ بين الصناعة والعلوم لم يحدث:
(مزجَ العلماء العرب والمسلمون الذهبَ بالفضة، وإستخدموا القصديرَ لمنع التأكسد والصدأ في الأواني النحاسية، وإستخدموا خبرتَهم الكيمائية في صناعةِ العطور ومواد التجميل وصناعة الأقمشة والشموع..) الخ، الموسوعة العربية العالمية، ص 460.
لنلاحظ هنا كيف أن منهجيات البحث العقلي كانت محدودة وكذلك فإن توجه الطبقات الحاكمة للاستئثارِ بجانبٍ كبيرٍ من الفيضِ الإقتصادي، وجهَ الصناعات نحو الصناعات الاستهلاكية التابعة للقصور وكبارالتجار، مثلما أن الحركة الفلسفية لم تقمْ بتحليلات عميقة للمواد الطبيعية والاجتماعية.
إن المادة هنا باعتبارها مواداً وكواكب ونجوماً، أي مادةً كونيةً، لم تتغلغلْ الأبحاثُ فيها، فجثمت أشكالُ الوعي العربي العلمية على سطوح المواد والعمليات، وهي الموادُ المقاربةُ للاستهلاكِ أو للصحةِ الجسدية البسيطة، أو للتنجيم، وهو الثقبُ الأسودُ الذي إنهالتْ فيهِ موادُ الخرافةِ الواسعة وبلعتْ العقولَ والحضارة العربية.
وحتى شبكة العلوم الطبيعية كانت خاضعةً لأهدافِ الطبقاتِ العليا، فالطبُ والتنجيمُ والصيدلةُ يتمُ الصرفُ عليها، في حين لا تحظى علومٌ أخرى بمثل ذلك.
إن أشكال الوعي من دين وفلسفة وعلوم لم تستطع أن تصل إلى المادة إلا بمستويات محدودة وعجزتْ عن كشفِ تنوعاتِها والوصولِ إلى مكوناتِها الأصغر، وفي مختلفِ تجليات المادة الحية والجامدة على السواء، كما لم تصلْ – تلك الأشكال- إلى فهم عمليات المادة الأكثر تطوراً وهي الحياة الاجتماعية البشرية ونتاجها الأعمق وهو الظاهرات الفكرية.
ومن هنا فقدتْ مفاتيحَ إستمرار النهضة والتقدم وتوقفت وتخلفت.
إن أحجامَ إكتشاف المادة في الحضارتين الكبريين الإغريقية والعربية والحضارات الأخرى كذلك مثل الصينية والهندية، لم تصل إلا لكشف سطوح المادة، لكن في الحضارة الغربية التي تصاعدت منذ القرن الخامس عشر بدأت ظروف جديدة تتشكل، فقد أزيلت الدولة الكلية الإستبدادية وأُبعدت أحجارُ سيطرتِها وهي الأديان الكاتمة على حريات العقول وإنفتح المجال للتجريب العلمي الحر.
لكن ذلك إستغرق زمناً طويلاً وبتفاعل البُنى الاقتصادية والفكرية لكل المجموع النهضوي الغربي، بحيث تمَ تجاوزُ الحرفةَ، بظهورِ الصناعتين اليدوية فالآلية، والأخيرة هي الذروة ولأول مرة في التاريخ، وبهذا فإن المادة بمختلف تجلياتها الكونية والأرضية وُضعت تحت أصابع وعيون البشر لتفحصها، بشكلٍ تاريخي متدرجٍ يعكسُ تطورَ الصاعاتِ والملاحةِ وسيطرتهم على الأشياء والمنتجات والخريطة الأرضية.
إن الأجسامَ الفضائية كالكواكب والنجوم أُعيد النظر إليها، ورئُيتْ حركةُ الأجسام الكوكبية بشكلٍ صحيح، فبدأت المناظير تتجه إلى المواد الأصغر فالأصغر، دون أن يتوقف تحليل المواد الكبرى.
وهذه المراحلُ الأولى من الإكتشافاتِ الجغرافية والصناعة أعطتْ إقتراباً من الأجسامِ الفلكية الكبرى وساهمَ ذلك في إستعادةِ وحدةِ الكرة الأرضية، وبتواضعِ الأرض في المجموعة الشمسية لكنها صارت أقوى، ودخلتْ في تشكيلةٍ تاريخية جديدة هي الرأسمالية جعلتْ المادةَ البضائعية هي محور الاقتصاد والمعامل.
أعطت هذه المرحلة تغلغلات كبيرة في المواد الصناعية، فتمكن تشارلس داروين من فهم سببيات تطور الأحياء، وكشف كارل ماركس مادة البضاعة وتناقضاتها الاجتماعية، وهو مستوى لا يعود للبيولوجيا بل للعلوم الإنسانية، وتغلغل فرويد في فهم مادة العقل وطبقاته في الوعي واللاوعي إضافة لعلماء آخرين كشفوا جوانب أخرى من هذه المادة المُـفَّكرة، وهذه كانت ذروة العلوم في القرن التاسع عشر والثلث الأول من القرن العشرين.
في القرن العشرين تعرت المادة تعرية واسعة جداً، إتسع الكون إتساعاً عظيماً، ورُئي كمجراتٍ تشكلتْ في الانفجار العظيم، وهو الكون المرئي التاريخي لنا، أي كوننا، لأنه من الممكن أن تكون هناك أكوان أخرى، وكذلك فإن مادة هذا الكون دُرست وحُللت.
(المادة في الفيزياء الكلاسيكية هي كل ما له كتلة وحجم ويشغل حيزاً من الفراغ)، الموسوعة. لكن هذا هو الشكل الكلاسيكي للمادة فقد تداخلت المادة والطاقة، صارتا نوعاً واحد بوجهين.
وكما أن المادة لانهائية في الكبر فهي لا نهائية في الصغر، والحديث عن وجود حدود لها هو مجرد ظن:
(تتكون المادة من جسيماتٍ بالغة الصغر تسمى الجزيئات، وهي عبارة عن تجمعات لجسيمات أصغر هي الذرات. وتلك بدورها تتكون من جسيمات أصغر. ويُعتقد حالياً أن المادة تتكون من أجسام صغيرة جداً لا تتجزأ، حيث أنها لا تتكون من جسيمات أصغر بل هي أصغر شيء. وتـُسمى هذه الجسيمات بـ”الجسيمات الأولية”، ومع هذا فليس من المُثبت بعد أنها فعلاً أصغر الأجسام المكوّنة للمادة.)، موسوعة
كشفتْ المادةُ عن كونِها حركةً صراعية، فأجزاء الذرة الداخلية متضادة، دائبة الحركة، والمادة الطبيعية الكونية في صراع دائم بين مكوناتها وفي العلاقات بينها، وهي في حالة سيولة دائمة من الحركة.
المادة هي جزء من كوننا، ولا يُمكن إطلاق هذا المطلح على ما وراءه. ويُعتقد حالياً أن المادة تـُشكل 27% من كلتة الكون، 4% فقط هي المادة الطبيعية، والتي تنقسم إلى نوعين رئيسيّين: مادة مضيئة وغير مضيئة، وتــُشكل الأولى 0.4% من كتلة الكون، في حين أن الثانية تـُشكل 3.6% من كتله. أما الـ23% الأخرى فهي المادة المظلمة، والـ73% الباقية هي الطاقة المعتمة.
ليست قدرات العلوم الغربية وإمكانيات الثورة التقنية التي عصفت بالقرن العشرين هي مجرد إهرامات من الأفكار المجردة بل هي تحولات كبيرة في العلاقات الدولية قادت إلى إنقلاب أوضاع الدول وتأكيد الغرب لقيادته للمسيرة العالمية تبعاً لمصالحه ومن خلال موقعه المتميز، وبالعصف بنظم ماقبل الراسمالية والرأسماليات الحكومية الشرقية.
لقد برز صراع العلوم والثورة المعلوماتية والتقنيات الغربية في مواجهة وأمية العالم الثالث وتخلفه الثقافي ومحدوديته العلمية وتبلور في كونهِ صراعَ أساليب إنتاج وثروات تنتقل من جهة الشرق لجهة الغرب، فقد بلغ نسبة إنتاج العالم النامي 7% من الإنتاج الصناعي العالم، وبلغ حجم ديونه 2 تريليون دولار، رغم ضم هذا العالم النامي 70% من سكان العالم.
إن مجموع الارباح التى حولتها الاستثمارات الغربية لبلادها قد بلغ 139,7 بليون دولار خلال عقد 1970 – 1980.
فليست الثورة العلمية والتقنية هي مجرد أفكار مجردة، وليست هيمنة العلوم على المواد، هي أشكال ثقافية، بل سيطرة على المواد الخام، والاستثمارات والثروة المعرفية الجديدة.
إن عجز العالم النامي، ومنه العالم العربي، هو في أبنيته الاجتماعية – الثقافية المتخلفة، فعقلنة العالم وقراءاته السببية والقانونية، تترافق مع تغيير العلاقات بين الثقافة والتربية والتعليم وبين الإنتاج، مع تغيير الهياكل الاجتماعية الذكورية، مع تغيير الهياكل الحكومية البيروقراطية، مع الإنتقال للديمقراطية.
إن الثورة العلمية والتقنية الغربية تتغلغل كذلك في تغيير المواد التي ينتجها العالم النامي كذلك، فهي تطيح باقتصاده التقليدي كذلك:
(ومن الأمثلة على الصناعات التى قامت على الهندسة الوراثية (التكنولوجية الحيوية) والتى تم بها ايجاد منتجات تحل محل الانتاج الزراعي في العالم المتخلف التوصل الى انتاج النيلة(منتج صناعي يُستخدم في الصباغة) التى تنتجها الهند، وانتاج خيوط مخلقة لتحل محل السيزاك والمطاط، وانتاج حبوب الفانيليا بدلا من الطبيعية التى تنتجها مدغشقر وإنتاج حوالى ثلاثين بديلاً للصمغ العربي الذي ينتجه السودان)،(تاج السر.
إذا قرأنا هذه التحولات العاصفة الغربية وإنعكاساتها على المستوى الفكري، وربطنا بين إنهيار العقلانية العربية بعد ابن رشد، وعجز القوى الفكرية المختلفة عن العودة حتى إلى هذه العقلانية الفلسفية الدينية المثالية، فسوف نرى إنهيار المجتمعات العربية وعجزها عن الارتفاع لتحديات العلوم الغربية وثورتها المشار إليها، فغياب العقلانية الفلسفية يشير إلى عجوزات مختلفة؛ عدم القدرة على نشر التصنيع وخلق قوى عاملة متقدمة ماهرة تقنياً، وضعف وعي النساء وحضورهن التقني والعلمي، وهيمنة الثقافة السحرية على الوعي العام الخ.
أي أن الحضور العربي الراهن هو بسبب إنتاج المواد الخام الثمينة وأهمها البترول، الذي يجعل العديد من الدول العربية لا تعلن أفلاسها وإنهيارها الاقتصادي، ولما سببه البترول من حراك إقتصادي شمل دولاً عربية عديدة كذلك.
وقيام الاقتصاديات والأبنية الاجتماعية العربية على إقتصاد نفطي يؤكد غياب العرب عن ثقافة العالم المعاصر العلمية، وتشكل هذا العالم على الوعي غير العلمي.
فليس الوعي بالمادة كرؤية فلسفية مسألة تجريدية، بل تتعلق بصميم التطور البشري، فحين يرفض أبوحامد الغزالي السببية في زمن الثقافة العباسية، ولا تدخل هذه كرؤية شاملة في مختلف تجليات الظاهرات الطبيعية والاجتماعية، وأن لا تزال هذه الرؤية سائدة في الثقافة العامة، فهذا يظهر الفرق بين ثقافة غربية أحتوت عالم المواد وصنعتها كذلك وبين ثقافة لا تزال تعيش على الحرف وإنتاج المواد الخام.
لقد غدت هذه الثقافة الغربية التقنية تدخل إلى نسيج المواد وتغير تركيبها الطبيعي، وقد أمكنها صناعة الخلية الحية والقيام بالاستنساخ.

أهمية الديالكتيك!

لم تستطع الحضارة العربية الإسلامية أن تجذر كلمة مثل (الديالكتيك)، وهي التي تعني رؤية التناقضات في الأشياء باعتبار هذه التناقضات هي المحركة للظواهر السياسية والاجتماعية.

 فهناك دائماً نظرة إلى جهة وحيدة، وإلى زاوية صغيرة بدلاً من رؤية التضادات والجوانب المتصارعة والجوانب السلبية في الأشياء الإيجابية، والجوانب الايجابية في الأشياء السلبية.

 فحتى في الاستعمار هناك جوانب إيجابية، فالاستعمار يقوم على ضرورة، وعلى مستويات من التطور الموضوعي المختلفة بين الشعوب، فهو يشكل قواعد اقتصادية وثقافية مختلفة عن الماضي، وفي حالة الشعوب المتخلفة الضعيفة تحتاج إلى سنوات كي تستوعب هذه القواعد وتتجاوزها، تهضمها من أجل أن تنفي الاستعمار، أن تستوعب منجزاته الحضارية: السكك الحديد، والعلوم والحرية، الخ.. لكي تكون أفضل منه.

 أما الفكر الشمولى المنغلق غير الديالكتيكي فيوجه الناس إلى الجانب المضاد إلى كراهية الاستعمار والعودة للتخلف، أي الانحصار في الحياة لما قبل الحداثة، وعدم رؤية التنوع والانحباس في النظرة غير الموضوعية، والعودة لتراث غير علمي، لا يرى خصوبة التناقضات والقراءة الموضوعية للواقع، ويجعل العرب معلقين في فراغ خيالي وعاطفي.

 كل شيء سيئ فيه جانب إيجابي، والظواهر الدينية المنغلقة فيها جانب إيجابي كذلك، وهو العودة للجذور وقراءة الماضي وهو سبب التخلف وسبب التقدم أيضاً.

 لقد حاول العرب تغيير أنفسهم بالاستيراد دون أن يغيروا البدلات القديمة التي لبسوها طوال قرون. وعودتهم المرضية إلى التراث هي بسبب سيادة النظرات الوحيدة الجانب، بسبب عدم القدرة على الجمع بين الحداثة والجذور، ولهذا يندفعون إلى جهة وحيدة، إلى زقاق مسدود، ثم يندفعون إلى زقاق مسدود آخر، وتدخل في ذلك عمليات سياسية واجتماعية مركبة، لكن النظرة الوحيدة، المنغلقة، هي أنهم لا يرون الماضي كلوحة مليئة بالتناقضات، فهي ليست فردوساً.

 كل شيء فيه تناقض، وكل شيء سيئ فيه بذرة خير، وصراعات العرب في القديم موجودة وهم ليسوا خارج التناقضات، والتطور الإسلامي مليء بالتناقضات التي لم يستطع أن يحلها كلها، كما أن التطور الغربي المعاصر مليء بالتناقضات، والأمم تنمو عبر التناقض، تجمع جوانب إيجابية صغيرة وتراكمها، حسب قدراتها الاقتصادية والثقافية.

 كان العديد من المثقفين العرب في الماضي يبحثون عن عالم بلا تناقضات، فيرون السماء والكواكب كمكان يخلو من الصراع، فيحاولون التخلص من أجسامهم، التي يعتبرونها أقفاصاً لأرواحهم، لكي تطير هذه الأرواح نحو الحديقة السماوية التي لا صراع فيها!

 ولم يختلف الوعي السائد العربي حالياً عن ذلك، حيث يغدو له الماضي كالجنة التي تخلو من التناقض، كالواحة التي تهفو إليها روحه المعذبة من أسر المادة الحديثة، مثل الكهل الذي يحن لطفولته، ولهذا يريد الوعي السائد آراءً لا تناقض فيها، ولا تنمو، وتتعدل، يريد ماركسيةً تخلو من الأخطاء، وأن تكون نقية، مقدسة، ويريد إسلاماً يخلو من التحول والتغيير ونقد الذات، يريد قومية صافية كالنبع يتوحد الفقراء والأغنياء فيها كأسرة رومانسية سعيدة، يريد مجتمعاً لا يعرف التناقضات والصراع، دون أن يدرك أن الكون كله صراع، ولكن الصراع الاجتماعي والثقافي والديني لا بد أن يجري بشكل حضاري تراكمي، تنمو فيه الإنجازات!

تحدياتُ الحداثة في الوعي الديني

تواجه الأمة العربية وهي تعود لإرثها وبناها الاجتماعية مرة إشكالية الحداثة من خلال الوعي الديني المسيس، فهل يتخلى هذا الوعي عن الشمولية التي مشت بها كل التيارات السابقة وقادتنا لكوارث وموقف متجمد أم تكون له نقلته ويقبل بالحداثة الديمقراطية؟
قمة الصراع السياسي في العالم هو الصراع بين الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية وهو الصراع الجدلي الخلاق، أم غيره فهو إرتدادٌ للوراء.
فليس ممكناً التطور دون المصانع، وأي مصنع يلزمه ملاكٌ وعمال، وقد أضر بنا ذلك التداخل بين الدولِ المالكة والمصانع، وضاعت الأرباحُ والأملاكُ العامة.
الصراع بين ملاك المصانع والعمال هو الصراع التعاوني الذي أنتج الفكرتين السياسيتين الكبيرتين، فيما كان أختفاؤهما سبب للشموليات المختلفة وللكوارث التي تتالى في الأمة العربية منذ تحرك تونس وتتويج ذلك في سوريا حين صار البعث هو مالك المصانع والثروة فيما العمال يعيشون تحت خط الفقر، وغياب الحريات الديمقراطية والصراع الجدلي بين أرباب العمل والعمال، وكان الصراع بين الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية هو كان الضامن لتطور الانجازات الديمقراطية والثروة الوطنية.
فصار البعثُ يصارعُ الشعبَ كله فخسرَ الناسُ أرواحَهم وثروتهم معاً.
ولهذا فإن نموذج البعث الديني وصراعه ضد الحداثة والعلمانية وغياب صيغة الصراع بين الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية يغدو تكراراً رهيباً آخر.
أمامنا النموذجان الهندي والصيني في كيفية التعامل مع الحداثة والديمقراطية، ففيما قبلت الصين النموذج الشمولي ومنعت التنوع والصراع الجدلي بين الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية، فتعيش الآن ضمن ألغام كبرى سياسية غير قادرة على نزعها، قامت التجربة الهندية على التعاون الصراعي بين الجانبين الفكرين السياسيين للعصر، وأكدت ثورتها الصناعية والعلمية من خلال هذا التنافس، وتباينت الحكوماتُ الإقليمية والمركزية في أشكالِ وجودِها بين حكوماتٍ ليبرالية وحكوماتٍ إشتراكية تعمل في إطار وطني متعدد ومتطور، ولا توجد الملكية العامة المنخورة سياسياً وغير المراقبة كما هو حال الصين.
لكن الصين أمام ضخامة مشكلات الفقر والعمالة العاطلة وإنجاراته الكبيرة كذلك في النمو الاقتصادي كانت تتخلص بصعوبات جمة من الفهم الإيديولوجي الضيق لماركسية غير ديمقراطية غدت متحجرة فيها، وتتوجه لإعطاء هونغ كونغ حرية إختيار نظامها الخاص، فيما الرأسمالية البيروقراطية تشل الأجهزة الحكومية فيها عن التطور الديمقراطي في الصين الأكبر.
تسمح الأشكال الحديثة لمختلف القوى الاجتماعية بالتعبير عن نفسها وتطور مختلف أشكال الاقتصاد، وتسمح لمختلف أنواع الأديان والمذاهب بالتعايش معاً، وأثراء أبحاثها وتقاليدها بحرية كاملة.
فتعدد أشكال الملكية ووجود سلطات منتخبة متوجهة للقضايا الاقتصادية التحولية هو المهمة الرئيسية للحكومات العربية، فيما القضايا الفكرية والدينية من إختصاص القوى المدنية.
إثارة الصراعات المذهبية والفكرية في شعوب صغيرة ذات أسواق متواضعة تعيشُ أزماتِ التحولِ المختلفة، تؤدي لمزيد من تسول هذه الأنظمة للمساعدات، فيما تمثل الهند والصين عملاقة كبيرة من حيث السكان وضخامة الأسواق ومع هذا تبحث عن مصالحها وطرق تطورها الاقتصادية بدرجة أساسية خاصة الصين التي تحاول الخروج من مأزق الشمولية ولا تدري كيف وهو مأزق قد يفجرُ أزمةً شعبية في الصين أخطر بكثير من أزمة سوريا تحت حكم البعث، فهناك أكثر من 600 مليون عاطل وقضايا خطيرة كالفقر وصراع القوميات والأديان والمناطق.
وقد عانت روسيا ولا تزال تعاني حتى الآن من رفض نموذج الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية التعاوني الصراعي، فأوجدت إشتراكية متصلبة ثم تخلت عنها نحو نظام غامض لا هو إشتراكي ولا هو ليبرالي حر. وهي ذاتها تعيش المأزق السوري نفسه، في دولة هائلة والانفجار خرابٌ كبير فيها.
فيفترض في الأنظمة العربية الجديدة والقديمة كذلك الانتقال لهذا النموذج بدلاً تحويل النموذج الديني لشمولية كما فعلت روسيا والصين وسوريا، لكن لا يوجد ما يبرهن بأن هذه التجربة يمكن أن تزدهر عربياً في السنوات القادمة …

الكلمة من أجل الإنسان

الكلمة من أجل الإنسان الجزء الاول

(كلمة من أجل الكاتب)
تميّز عبدالله خليفة ‏‏‏‏‏‏بالجمع في شخصيته بين المفكر التقدمي والأديب والروائي والمناضل الذي لم يتراجع في كل الظروف عن أفكاره وعن مواقفه. وقاده إلتزامه بأفكاره التي دافع عنها بشجاعة الى السجن اكثر من مرة. لكن من اهم ما عرف عنه وهو في السجن، الذي أدخل إليه في عام 1975. من موقعه في قيادة جبهة تحرير البحرين، أنه لم يترك القلم لحظة واحدة. وصار معروفاً أنه ألّف عدداً من كتبه ومن رواياته على وجه الخصوص داخل السجن على ورق السيجارة. وكانت تهرّب إليه الأقلام و أوراق السجائر ليمارس عمله الأدبي والفكري. وكانت تهرّب أعماله الأدبية من السجن وتطبع ويتم نشرها. وهو بتلك الصفة التي ندر شركاؤه فيها تحوّل الى أيقونة بالمعنى الحقيقي المناضل اليساري الحقيقي و لصاحب الفكر النيّر.
تعرّفت الى عبدالله خليفة ‏‏‏‏‏‏عندما زرت البحرين في عام 2000. أنني و أنا أستحضر اسم عبدالله خليفة ‏‏‏‏‏‏كمفكر وأديب وروائي مناضل لا استطيع الا ان اعلن لنفسي وللقارئ كم كنت معجباً بهذا الانسان. فهو الى جانب ما أشرت إليه من صفات فكرية وأدبية وسياسية كان إنساناً رائعاً بالمعنى الذي تشير اليه وتعبر عنه سمات الانسان الرائع بدماثته وبأخلاقه وبحسه الانساني الرفيع. قرأت مقالاته وقرأت جزءاً من موسوعته التي تحمل عنوان «الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية». وهو كتاب من أربعة أجزاء يحتل مكانه في مكتبتي.
المفكر اللبناني كريم مروة

المفكر اللبناني كريم مروة


‹ ……….♦❖♦ ……… ›

ثمة شخوص، تحفر عميقاً في الذاكرة والروح والوجدان، وتبقى ماثلة شاخصة، بأبعادها الذاتية والإنسانية وعطائها اللامحدود، تعرفت على الكاتب والروائي والمفكر عبدالله خليفة‏‏‏‏‏‏ لأول مرة في منتصف الستينيات وهو في بدايات تجاربه القصصية الأولى.
عبدالله خليفة ‏‏‏‏‏‏كما عرفته قامة إنسانية، بقدر ما هو قامة كتابية وفكرية شامخة، وكما عرفت عبدالله في كتاباته القصصية والروائية والفكرية، عرفته أيضاً في جانبه الإنساني العميق.. البالغ العمق.. عبدالله غيري لا يكترث لذاته.. لا يكترث بالأنا بقدر اكتراثه بالآخر.. كان لعبدالله أن يكون من أصحاب الثراء والوفرة والنفوذ، حيث كانت الأبواب مفتوحة باتساعها لو أراد، لكن عبدالله أبى إلا أن يكون عبدالله، وآثر أن يكون إنساناً يقبض على الجمر بيد ويواصل رسالته الإنسانية باليد الأخرى. كم كنت أتمنى، لو أن عبدالله قد قيض له أن يكتب تجربته الإبداعية بما حف بها وداخلها من وقائع وأحداث، وما تمخض عنها من حراك ثقافي وأدبي وفكري واجتماعي وسياسي، لكن عبدالله آثر «تواضعاً» أن يكتب هذه التجربة بأبعادها ومعطياتها بعيدا عن أناه المباشرة. كما نجده في رواياته العديدة، التي تعتبر منجزاً وطنياً إبداعياً، ولعله الوحيد الذي يحسب له كتابة تاريخ البحرين الحديث «روائياً» في ثلاثيته «ينابيع البحرين» التي ستظل مرجعاً تأصيلياً مهماً لتاريخ البحرين والرواية السردية على السواء.
لقد رفد عبدالله خليفة ‏‏‏‏‏‏المكتبة الروائية في البحرين والخليج والمحيط العربي بنهر ثري من العطاء الروائي والدراسات الأدبية والنقدية، وتوج ذلك العطاء بكتابه الموسوعي القيم «الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية» وهو دراسة فكرية موضوعية رصينة في العقل العربي الإسلامي بدء بالزمن الأسطوري حتى العقل واللاعقل الدينيين.
رحم الله عبدالله خليفة ‏‏‏‏‏‏الكاتب والإنسان الذي لا يقل عطاؤه الوطني والإبداعي عن عطائه الإنساني، وقد كان غيابه المبكر وهو لم يزل بعد في ريعان العطاء الإبداعي فاجعة مني بها الإبداع التخيلي وخسارة كبرى للساحة الأدبية في البحرين والخليج والمحيط العربي.
الشاعر البحريني الكبير يوسف حسن

الشاعر البحريني الكبير يوسف حسن


‹ …….♦❖♦ …… ›

قوة الكلمة


لا تأتي قوة الكلمة من شقشقة اللغة، والتلاعب بالألفاظ، وترفيع المؤدلجين الكذابين، وتغييب الكتاب الحقيقيين، بل من التعبير عن المعاناة العامة، وقضايا الوطن المتخثرة في الدهاليز والفساد وثقافة الكذب.
كلما امتلكت الكلمة سحر التعبير الشعبي، وصور البطولة اليومية ارتفعت في سماوات الأدب البشري الخالد.
الكلمة ليست حروفاً مجردة بل قوة تعبير سحرية عن مضمون شعبي مقاوم يتصدى للصدأ والغبار التاريخي ونشر الجهل، هي صور للبسطاء وهم يُدهسون في شوارع الحياة، وتصوير لأصابعهم وهي تتحرك ضد الحشرات.
ليس الكاتب الخائب، والصحفي المنعزل، ومروج الأكاذيب اليومية المليئة بالصواريخ الفضائية، بل الكاتب المدافع عن شعبه، المعبر عن تاريخه، عن قضاياه المضيعة في ثرثرات المثقفين، وورق الدجل اليومي.
هو من يصور في قصصه وقصائده ومقالاته ما يدور في الواقع، وليس من يصنع صوراً زائفة، ويتباهى باتصالات الوزارات، والمؤتمرات الفاشلة المقامة لسرقة الشعوب، يتباهى بالرسائل المصنوعة من الدوائر العامة الفاشلة، وإقامة علاقة رفيعة عليا مع الحرامية، بل هو الذي يعيش في زاوية العتمة وقلبه على الوطن، يُجلد ويُحبس ويتعطل ويُغيّب ولا تزال القضايا العامة تنبضُ في حروفه.
سجل كلماته أرشيف كاشف للبلد، للحارات، للمحرومين، لم يقل أنا طوال حياته ويعرض سفراته المدفوعة الأجر مسبقاً من فاشلين إدارياً، لو أُعطي تذكرة كشف أرقامها وكيفية صناعة الخداع فيها.
الصحف الفاشلة تموت، وسجل التمويه لو أستمر قروناً لا يصمد للزمن، والبلدان المقطوعة اللسان تتفجر وتتساقط حممها على الرؤوس، ويهرب كذابو الكلمات خارجاً حاملين الغنائم، وسجل الثورات الهائل يعري التحولات المذهلة حيث لم يبق طاووس مهما طال به الزمن، ولا يتعذب شعبٌ إلى الأبد.
الكلمة تتصحر بين أيدي المنافقين لا يجدون أنهم قادرون على الكلام، وببغاء واحدة أفضل صدقاً من مليون كاتب مزيف، لا يَسمع سوى السخرية من كلماته لأنه أصم وبلا معرفة تاريخية منفصم عن الواقع، يعيش في قصر من المرايا التي تعكس ذاته العظمى، ومن يملك ذرة من الصدق ينزوي ويحترم نفسه.
الكلمة نار الحقيقة إلى الأبد، ومن الكلمة نشأت الحضارات والرسالات، وظهرت الرموز والدساتير تشع للبشرية الخير والجمال، والمنافقون لديهم كافة مجلدات اللغة، وموسوعات العطاء المدفوعة، لكنهم غير قادرين على صنع كلمة واحدة مؤثرة تنزل في التربة الوطنية الشعبية التاريخية وتزهر.

‹ ……….♦❖♦ ……… ›

لم يؤسسوا تنويراً


حديثُ الأنوارِ الذي ظل يبهروننا به، تصورنا إنه سوف تنبثقُ منهُ كتبٌ ومرجعياتٌ وموسوعات.
حين كتب الفيلسوف الفرنسي ديدرو موسوعته ورواياته أثرى الثقافة الإنسانية. لكن كيف كان سيفعل ذلك إذا لم ينعزل ويداوم على القراءة والبحث؟
كيف كان لجان جاك روسو أن يكتبَ إعترافاته ويُظهر جسدُهُ الروحي الحقيقي عارياً أمام البشر لو أنه إحتفظ بذرةٍ من غرور؟
كيف للفلاسفة والمفكرون والكتاب أن يمهدوا لتطور الإنسانية إذا بقوا في المستنقعاتِ ولم يصعدوا للجبال المعرفية الشوامخ؟
في الوعي العربي نشأتْ نماذجٌ من ذلك، كالعلامة العراقي (جواد علي) الذي حفر كثبان الجزيرة العربية الورقية اليابسة وكشف أخاديدها ووديانها التاريخية القديمة، بحيث تمكن الباحثون القادمون اللاحقون من السير نحو فهم العربية والإسلام والفلسفة؟
ولهذا فإن الخليج الثقافي يعيش ما قبل التنوير، ومع تأجج معاركه السياسية تبدو التربة الغضة لفكرهِ وثقافته، فالعربُ غيرُ عربٍ، والتحضرُ لم يتحول إلى تحضرٍ إلا في العمارة والأشياء، والمثقفون ليسوا مثقفين، والتنويورن ظلاميين، والغنمُ الاجتماعي أسرع لـ(المريس) النفطي يأكلهُ بسرعةٍ وشهوةٍ وحشيةٍ لا يريدُ حتى أن يبقي للأجيالِ القادمة إلا المباني النخرة والمؤسسات المحلوبة.
أول ما يمنع ظهور التنوير هو الإنتفاخات الشخصية، فالمسرحُ المليءُ بالشخوصِ المتضخمةِ يمنعُ رؤية أين يقع الظلام وكيف ينبثق النور.
حين تظهر المؤسساتُ ذاتُ المصروفاتِ الهائلة من أجل أن تشير لعظمة دولة لا تبقى دولة.
ثمة نفط وثمة غاز ولكن الغاز حين ينفخ البالونات ويطيرها في الهواء لكي يرى العالم كم يمتلك الخليج من بالونات ملونة رائعة، تنفجر من أي ضربة ريح.
كان يُفترض لأي تنوير أن يقف أمام المشكلات المحورية المفجرة للصراعات الدائمة ويكشفُ البقعَ المظلمةَ فيها.
لذلك أن الكتابَ والمبدعين يشكلون طلائع التحسس للأرض الشعبية وما فيها من حكايات وقصص وأمثال تكمن وراءها مشكلات البشر ومعاناتهم فتحدثُ هنا قراءات للإنسان الملموس الحقيقي، وليس الإنسان الموهوم المؤدلج، ومن هنا إمتلأت الموسوعات بمعرفة الشعوب.
لهذا فإن الفاعلين في الثقافة السياسية ظهروا كنبتٍ صحراوي، يغيبُ التحليلُ عن أعمالهم، وحين تحدث الأزماتُ الصاخبة وتُظهر الحصادَ الهزيل المريع، تتفجر لغةُ الشتائمِ والسخرياتِ والاحتقار والإلغاء وهم قبل قليل كانوا يتحدثون كلهم عن لغةِ الديمقراطية وإحترام الآخر وضرورة أن نصعد مثل بقية الدول حتى العربية منها إلى عالم الحداثة والديمقراطية.
لماذا حدث التغييب الكلي في زمن صعود أي طرف؟ لماذا تعني البلاغة الألغاء والدوس؟
بسبب إن التنوير وتعلم الديمقراطية وثقافة التعددية والتبادلية لم تصل إلى الداخل.
الدكتاتور في الداخل صعد وحصل على فرصة، وهنا سوف يلغي مظهر التنويري والموسوعي الزائف ويصيرُ (شوارعياً) بذيئاً، يعودُ إلى مستوى العامي الأمي البسيط المحترم في زمنهِ ولا يرددُ حكمَهُ بل شتائمه في حالةِ ضيقه ويأسه وتتحول أمثاله المُنتزعة من خبرته ومعاناته إلى زجاجات مكسورة في جسمه وروحه.
البلد الذي تضخم بالمباني والعلوم والمؤسسات يعودُ مثل (الفريج) العتيق المنقسم إلى ناحيتين وكلٌ منهما (تردح) ضد الأخرى.
الوعي لم ينحدرْ لأنه لم يتأسس، ولكن ثقافةَ (الردح) والاستعانة بـ(قبضايات) من الخارج، أظهرتْ أن ما تم النضال من أجله خلال عقود كأنه لم يكن، في ظل ثقافة التسييس الفاقع، وإنفلات الأعصاب، حيث عادت مناظرُ الشجارات في المقاهي ودور السينما الرثة، لكن بصورة مناطقية عالمية، وحدث الانكسارُ للمزهريات الصغيرة التي تجمعت فيها بعضُ الورود، وغاصتْ الشظايا في الأرجل الحافية.

‹ ……….♦❖♦ ……… ›

الرهان على القلم


لم تفد الكتاب المراهنة على الحكومات والدينيين، فالكلُ يتاجر بالأوطان والأديان لمصلحة موقوتة، والكل يبيع والبعض مستفيد، والأغلبية خاسرة!
الكل يدعي ولا أثر على الأرض!
ليس للكتاب سوى أقلامهم تنمو قصة ورواية وشعراً ونقداً وثروة للوطن بلا مقابل أو بمقابل ضئيل وغير شفاف!
أعطوا الوطن لكل من يدعي ويبيع، وكل من يزحف على بطنه، ويقبل الأحذية، ويأكل التراب ويلعن الإنسان.
ليس لكم سوى هذا القلم مهما توهمتم التحليق في سماء مجردة، ومهما تباعدتم، وأختلفتم، ليس لكم سوى قطرات من حبر أو من دم.
راهنوا على القلم فهو وحده الباقي
تتحولون إلى عظام وذكريات متعددة التفاسير ولا يبقى سوى قلمكم يقول ما آمنتم به وما ناضلتم لكي يتكرس في الأرض.
ليس لكم سوى أوراق فلا يخلدكم ولدٌ ولا تلد، هذه الحروف التي عانيتم في إنتاجها وتعذبتم في إصدارها هي التي تشرفكم أمام الأجيال المقبلة التي لا تحد ولا تحصى.
فثقوا بالحروف وبالإنسانية المناضلة نحو زمن جديد هو زمنكم، الذي تصيرون فيه ملوكاً متوجين، وحكاماً غير مطلقين، ومربين كباراً للأجيال.
ماذا تفعلون الآن وكيف تمتشقون سلاح الكلمة وتوجهونه للحرامية والمفسدين وتعرون شركات الأستغلال وبنوك النهب العام، ترتفعون في سماء الوطن، وتخلدون في سجلات الأبرار.
القلم ليس له شريك سوى الحقيقة، وليس لطريقه واسطة أو سلطة محابية أو كهنة مطلقين، هو الحربة الموجهة للشر لا تعرف الحلول الوسط أو الشيكات الثمينة.
سلطة القلم سلطة عالمية، تتوحدون مع القلم الأسود والأبيض والأصفر، وكل ألوان الإنسانية المتوحدة في معركة واحدة ضد الحكومات المطلقة وبيع الإنسان كما لو أنه حذاء وضد هذا العداء بين الأمم والأديان والأعراق.
أنتم رموز الإنسانية فلا تنحدروا ولا تساوموا واكتبوا بسلطة الحقيقة وليس بسلطة المال.
توحدوا في هذه المعركة الكونية، وتضامنوا مع اشقائكم المظلومين والمضطهدين في كل قارات الأرض، وضد هذه القوى التي تدهس القصة والقصيدة ولا تحب سوى الإعلان، وأخبار القتل واليأس، ولا تبجل سوى البشاعة.


‹ ……….♦❖♦ ……… ›