أرشيف الكاتب: عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

أفاتار غير معروف

عن عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي

𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆 𝓦𝖗𝖎𝖙𝖊𝖗 𝒶𝓃𝒹 𝓝𝖔𝖛𝖊𝖑𝖎𝖘𝖙 21.10.2014 | 1.3.1948

انتهازيةُ التحديثيين

تعددت علاقات فئات البرجوازية الصغيرة بالإقطاع وهي تعتمد على طبيعة العصر ونمط الإنتاج. حين نقرأ كيف يتدهور وعي هؤلاء ويتراجعون من الحداثة إلى المحافظة والطائفية فلا بد من قراءة ثقافة المرحلة، وزمنية الإقطاع السياسي فحين تكون الدولةُ العربية أقوى من نفوذ رجال الدين ممثلي الإقطاع الديني، هنا تكون لديها من الموارد ما يكفي لشراء ذمم هؤلاء وحين تفقدها يلجأون لغيرها.
إن توجه مجموعات و-لا نقول تيارات فكرية سياسية- إلى النفخ في الجماعات الدينية الطائفية بشكل كبير ثم التراخي عن ذلك بسبب قلة الدفع المالي لها من الجماعات الدينية التي صارت هي الممول الكبير يوضح طبيعة التدخلات السياسية الفوقية والأجنبية وحرف هذه الجماعات عن التجذر في أرضها والتغلغل في تحليله ودرسه وكتابة بحوث وبرامج مؤصلة لقضاياه.
إن هذا الوعي المسطح التجهيلي يقود الناس للكوارث، سواء في اختياراتهم التشريعية أم في نضالاتهم اليومية المجمدة عموماً، ولهذا فإن مبدأية التحديثيين وتوجههم لنشر الخيارات الفكرية الوطنية والديمقراطية والتقدمية غدت طوق النجاة.
أثبتت المرحلة خطورة الانتهازية والكوارث التي سببتها والحصاد المالي الشخصي لبعض قياداتها التي لعبت على الحبال واختارت الدوائر الرسمية وعطائها فكانت مع الطائفيين ساعة صعودهم ومع المال والنفوذ ساعة قوته.
ونجد في انتقالاتها الجغرافية والحياتية والعملية غياباً لأي وعي متجذر وما هي سوى شعارات زائفة كتحبيذ الاشتراكية والدعوة إليها وأصحاب الدعوة همهم جمع المال!
وما تزال قواعد هذه الجماعات غير قادرة على النقد وطرد الانتهازيين من صفوفها وما تزال تعطي لهذه الوجوه المتراقصة على الحبال السياسية مكاناً مهماً.
وهكذا نرى الأشكالَ الاجتماعية من البرجوازية الصغيرة كيف تتذبذب حسب تدفق البحر الاجتماعي، فحين تكون الدولة العربية قوية وذات موارد وتجزل لهم العطاء يؤيدون الكل التحديثي من التطور، ويعادون الموجات الدينية، حتى إذا بدأت الموازين تختل وضعفت مواردُ الدولة العربية وتفاقمت أزماتُها انتشر الجرادُ الطائفي يأكلُ الحقولَ ويشيعُ القحطَ في الحياة وراحت هذه الفئاتُ نفسها تصعد يافطات مختلفة، تؤيد العودة للوراء وهدم التطور الوطني والحداثة والعلمانية.
وإذا كان الجماعات الدينية القديمة قد فككت الجماهيرَ العربية وقسمتها إلى فسيفساء وأهلتها للسيطرات الأجنبية فهذا ما يقوم به الطائفيون المعاصرون وتوابعهم من البرجوازيين الصغار الانتهازيين المتذبذبين، الذين وجدناهم في مرحلة يرفعون شعارات الثورات العمالية الحمراء والبندقية وسحق الأديان ولا يحللون أزمات الدول وعدم ضبطها للتطور والقيام بإصلاحات جذرية لصالح الجماهير العربية منساقين مع التدهور العام في وعي هذه الجماهير مكرسين التخلف فيها.
في الزمن الراهن كذلك يتصاعد الشكلُ اللاعقلاني من الوعي والتطور، فلا تعرف الجماهير كيف تغير، وتتدفق جماهيرٌ متخلفة في الدرس والعمل على المدن وتطرح مستويات فهمها المتخلفة.
وتقود هذه المعارضات وطرح البرامج المحافظة إلى انقسام الناس وتأييد الفوضى وعدم التوحد، وتتوجه فئات البرجوازية الصغيرة لتأييد الصاعد الذي يزداد طائفية وتخلفاً وتفكيكاً للصفوف والعودة للوراء.
هكذا تنقسم النقابات والمعارضة والأشكال التوحيدية في العمل السياسي وتتوجه فئاتُ البرجوازية الصغيرة لتأييد اللاعقل في المعارضة أو الموالاة، ويغدو الإقطاع الديني هو الأقوى ولهذا نرى الاقسام بين الدول الإسلامية بمنحيين، طائفيين رئيسيين خطرين متصادمين.
ويغدو الخروج من العصر الحديث وتمزيق البلدان ونشر الفوضى والتخلف والحروب هو البرنامج الحقيقي لهؤلاء الذين يركبون الموجات ولا يقدمون حفراً عميقاً في الحياة ولا يضحون بل يريدون الناس هم الذين يضحون من أجلهم. ومن هنا نجدهم يقيمون علاقات مشبوهة مع كل الجهات حسب الفوائد التي يجنونها.

الانتهازية والموضوعية

من الصعب أن يكون الانتهازي موضوعياً، فهو يرى الجهة التي يستفيد منها كأعظم الجهات، والجهة التي يخسر منها كأسواء الجهات، ولهذا لا يرى أي جانب إيجابي في الجهة التي تعارض مصلحته، ولا يرى أن الجهة التي يستفيد منها تسبب الأضرار للآخرين.
وحين تصبح المصلحة الذاتية مُسيرةً لوجهات النظر الفكرية والسياسية، يتشابك الذاتي والموضوعي، وتضيع الحقيقة !
ولهذا حين تصطف جمعيات عديدة مع الدولة لأنها تستفيد منها، وتختفي لغة النقد الموضوعي منها، حيث إذا رأت شيئاً سلبياً من الدولة صمتت، وإذا رأت شيئاً إيجابياً اندفعت تلهج بالمكاسب والمآثر.
وعلى العكس حين ترى شيئاً إيجابياً في الخصوم تسكت، ولا تشير إلى هذا الإيجابي وكأنه لم يكن، وحين ترى شيئاً سلبياً تندفع لإصدار البيانات والتصريحات.
بطبيعة الحال هم يستخدمون هنا لغة تتظاهر بالموضوعية، والصدق والوطنية، والحفاظ على مصالح الشعب العليا وضرورة رؤية التقدم والتسامح الخ..!
وتفعل الجمعيات الأخرى ذات الأمر ، وتتبع نفس الخط، ولكن لمصلحة مختلفة. فإذا قامت الدولة بشيء إيجابي سكتت، أو تحدثت عن النواقص الكبيرة في هذا الإنجاز، وتصبح أحياناً التحولات المهمة في الحياة السياسية بعد عقود الجفاف وكأنها تخلو من أي شيء إيجابي في المسائل المفصلية للحياة السياسية.
وحين يقوم أصدقاؤها بأعمال ما ترفعها إلى السماء، ولا تشير إلى أي جانب سلبي، وخطر على الحياة السياسية والاجتماعية، وكأنها تقدم هؤلاء كأنهم حملان أو غزلان، ولا ترى عمليات التحشيد السلبية أو تراكم الجهل في الجمهور وعدم تبصيره بالحقائق عن هذه الظواهر، فقط لأنها ظواهر صديقة، فصديقي منفوخ كالبالون وعدوي مخسوف إلى أسفل سافلين !
إن الرؤية الذاتية هنا، سواء عند مناصري الدولة الأشداء أو خصومها الأشداء، لا تنتج حالة سياسية وثقافية صحية، ولا تكون وعياً موضوعياً يتراكم عند الناس، بل تقوم على ثقافة الشحن الانتهازية التي لا تتبصر الطرق ومنعرجاتها القادمة، ويقودها سائق مسرعٌ لا يفكر سوى بالوصول إلى وجبته الساخنة، ولا يهتم بالمارة وإشارات المرور !
ولكن يظهر من هذه الحالات الذاتية المصلحية أناسٌ يتبصرون بموضوعية الأشياء، ويغدون أكثر حكمة وعقلاً، ويقومون بتغيير زوايا رؤيتهم ويكتشفون في خصومهم نقاطاً إيجابية، وفي أصدقائهم نقاطاً سلبية.
وعلى مدى نشاط هؤلاء الموضوعيين وتجميعهم للقوى السياسية، وتركيزهم على السلبي أياً كان مصدره، والإيجابي أياً كان منفذه، تتوقف العمليات السياسية والفكرية والتغييرات واتجاهها.
وكلما أزداد عدد هؤلاء في مختلف الجمعيات والتيارات وناضلوا بجرأة من أجل الموضوعية الفكرية والأمانة السياسية، كلما ترسخت خطوط العقلانية والدفاع عن المصلحة العامة، ويزداد انحصار أولئك الذين يكرسون مصالحهم الخاصة، باعتبارها هي الوطن والحقيقة والمستقبل.
لكن هؤلاء الذاتيين المصلحيين ليسوا ضعافاً، بل هم أقوياء، ويستمدون قوتهم أساساً من تفكك الموضوعيين وأصحاب النزاهة، ومن قلة المدافعين عن المصلحة العامة بشكل مستقيم وكلي، لكن النضال السياسي يعتمد على التغلب على هؤلاء بأدوات الوضوح والكشف والتعاون بين مختلف العناصر النزيهة.
إن الانتهازية تتكشف عبر التحليل الواسع والموضوعي وعبر النضال المشترك لتعرية الأقنعة المختلفة.

العلمانية والانتهازية الدينية

قوانين الانتهازية

للانتهازية سواء كانت يسارية أم يمينية، علمانية أم دينية، في السلطة أو في المعارضة، قوانين مشتركة.
وقد عمل الانتهازيون في صفوف اليسار طويلاً لعدم توحده، ولتضارب شخوصه ورموزه وقواعده، ولعدم إنتاج فكر مستقل له، بهدف عدم وجود قوانين موضوعية لفكره ولكيانه على الأرض تحاسبهم، وبالتالي يمكنهم التحرك واستغلال تلك القواعد المهلهلة، لمصالحهم الشخصية.
وهكذا هم اليوم يتعكزون على الدينيين أو على جماعات صغيرة شخصية وعديمة الوعي، من أجل وصولهم لكراسي السلطة بشتى أنواعها، وللثروة. فذلك النخر داخل الحركة اليسارية لإطفاء جذوة وعيها وعدساتها الضوئية الاجتماعية، من أجل حركتهم الفردية، وسطوتهم، وعلامات هؤلاء الفارقة هي الغرور والتضخم الشخصي وبث العداوة بين اليسار وربطه بالقوى المحافظة السياسية والدينية وقطف ثمار الثروة.
وهذا ما يقوم به الجيل الجديد من الانتهازية داخل الحركات الدينية، فهو يصعد على تضحياتها، وقواعدها، ولا يقوم بكشف قوانين الثقافة الإسلامية، عبر درس تجربتها، وأسباب انهيار حضاراتها، وتناقضات حركاتها، وكيفية توحدها بالجماهير العاملة، من أجل أن تظل القواعد عمياء، والتنظيمات بلا قوانين ديمقراطية، ولا يتم التفريق بين المضحين والشهداء وبين اللصوص.
إن انتهازيي اليسار يريدون أن يصعدوا إلى البرلمان والسلطة دون تيارات قوية على الأرض، يضحون من أجل زرعها وتكوين عقليتها الديمقراطية بل لعبوا دوراً كبيراً في تمزيقها، فيتعكزون على تضحيات غيرهم، الذي لا يوصلهم إلا بشروط هي أن ينكروا وعيهم اليساري، ويصيروا أفراداً لا يعبرون عن فكر.
وبين انتهازيي اليمين الديني وأولئك علامات مشتركة، هي أن الانتهازيين في الحركات الدينية وقد استندوا على قواعد منتفخة كماً، عاطلة من الوعي كيفاً، يحبذون هذا النوع من الانتهازية اليسارية، فالدم واحد، وهم يقولون لقواعدهم نريد مثل هؤلاء الذين يعطلون قوانين الوعي والديمقراطية، وهم يعيدون إنتاج هذا النمط داخل حركاتهم، لأنهم غير قادرين على إنتاج ثقافة إسلامية ديمقراطية، تفترض الوحدة والعودة لجذور النضال الموضوعية والاستناد على حركة الجمهور المنظم المسئول السائل.
وكما عانت حركة اليسار من الانتهازية في صفوفها فسوف تعاني الحركات الدينية من الانتهازية في صفوفها سواءً بسواء، فهؤلاء يضعون نظاراتهم المكبرة على الكراسي والثروة، ولم يكن لديهم إنتاج فكري يحدد خطواتهم على الأرض، وبالتالي تغدو حركاتهم دائماً ذاتية كيفية اعتباطية، بلا دستور يؤطرها، ولا قانون يضبطها، ولا قواعد تحاسب عليها.
ولهذا تعتمد الحركات المصنفة بهذا الشكل على عدم خلق النتاج الفكري المؤطر المـُنتج بشكل طليعي والمُناقش بشكل جماهيري بل تعتمد على فلتات الزعيم دام ظله.
فهم يومٌ في أقصى اليسار وهم يومٌ آخر في أقصى اليمين، فلماذا جرى هذا الانتقال العنيف؟ وأين ذهبت التضحيات وكيف ضاعت ساعات العمل والجهود والزمان فهذا كله لا يهم والمهم أن الزعيم جاءته علامة، وحضرت له خاطرة بارقة عظيمة، فحول مسار القطيع.
وهذا الأمر نفسه في الدولة، فالانتهازية موجودة في كل مكان، والانتهازيون الحكوميون لا يريدون أن تكون للدولة قواعد، تحدد تقاسم الثروة وكيفية إجراء المناقصات وكيف تـُحدد الميزانية بشكل علمي وكيف تنـُاقش بشكل شعبي، ولا يريدون أن تـُعرف دخول الشركات وأين تذهب، وأن يظل هناك الخيط السري لتوزيع الثروة للبعض، وهم مثلهم مثل بقية الانتهازيين يقودون المجتمع للهلاك في سبيل صالحهم.
تتفق هذه القوى كلها على إبقاء لعبة السياسة في أيديها، وكيفية توزيع الأدوار بينها، وتغذية بعضها بعضاً، وفي النهاية يبقى العمال عمالاً ومحدودي دخل بينما يصعد الانتهازيون ويحصلون على الفلل والبيوت والأرصدة ويذهبون للمؤتمرات ويصدرون الكتب عن إنجازاتهم ونضالهم الكبير من أجل الجماهير!

أسباب تخلف التحديثيين

تعول عملية تخلف التحديثيين عن الوحدة وتشكيل جبهة مشتركة لتبعيتهم لقوى غير تحديثية، أي هو بسبب عملية شق الصفوف التي قام بها البعض لهذه الجبهة الضعيفة عموماً.
ولسنوات اعتمد هذا البعض على التفرد وشق الصفوف الوطنية التحديثية لكي يصل إلى صدارة العملية السياسية، لكن سياسة التفرد والمغامرة قادت إلى إنهاك صفوف التحديثيين التي كان (اليساريون) أبرز القوى بينها.
كما أن اعتماد سياسة التفرد وابعاد العناصر الليبرالية والدعوة لشعارات (اشتراكية) قد أدت إلى جعل جماعات قليلة من البرجوازية الصغيرة تسود الساحة، حتى لم تعد هذه الشعارات اليسارية قادرة على فهم متغيرات المنطقة الكبيرة.
فقد كانت المنطقة على صعيد الشعارات السياسية تتراجع وتتخلف، نظراً للعجز عن القيام بمهمات التحول الديمقراطي، وتمكن المحافظين في المنطقة من إعادة الوعي السياسي إلى الوراء .
ولكن انقلاب مثقفين من البرجوازية الصغيرة على خط التطور الفكري السابق، تمثل في زيادة تفكيك صفوف التحديثيين والترويج لمقولات المحافظين والعمل معهم، وبالتالي ضاعت حتى المكاسب الفكرية التحديثية التى تشكلت في صفوف ما سمى باليسار.
من الواجب البحث عن مثل هذه الأسباب بدلاً من دفن الرؤوس في الرمال، أي علينا التمعن في الأسباب التي قادت نقراً صغيراً إلى التعاون مع الديكتاتوريات السياسية المحافظة في المنطقة، وهو التعاون الذي كان ينخر النسيج الذي كان قوياً لهذه الحركات.
وتغدو السياسة اليسارية الكارثية الآن هي جزء من هذا المسلسل المتهاوي.
علينا أن نبحث أسباب هذه الخيانة التاريخية بشكل مستمر ومتواصل وعبر المواد الجديدة التي تتوافر كل يوم، فبدلاً من أن تقوم العناصر التحديثية بتثقيف الدينيين، وسحبهم من قواقعهم الطائفية، يقوم الدينيون بحرق الورق الفكري لليسار، وتشويه تاريخه وفكره، من أجل أن يتحلل ويذوب، ويعجز عن التغلغل إلى صفوف الفقراء الذين جروهم إلى مواقع متخلفة معادية لبعضها البعض.
يتمنى اليسار المتحلل أن يعطيه الدينيون أي جزء من الكعكة السياسية، فقد عاش هذا على التسول من موائد الطغاة، لكن هؤلاء لديهم «تكتيكاتهم» الأخرى في تحطيم القوى التحديثية، وسيادة منطقهم السياسي المذهبي .
وهكذا فقدت أضاعت القوى التحديثية فرصة مهمة لتثقيف الجمهور العادي وسحبه من الزنازين الطائفية، وتكوين مد ديمقراطي شعبي، بحيث يرتفع على التقسيم الطائفي في جمعياته ونقاباته، وبحيث أتاحت الخيانة التاريخية تصعيد المذهبية السياسية إلى مستوى خطر جديد .
وبما أن كتل الإقطاع الديني والسياسي تلعب بأوراق الدين والإدارة وجر الجمهور إلى الطائفية، وتخريب العملية الديمقراطية بمماحكات سخيفة، وتوجيه الأصلاح السياسي والاقتصادي إلى مزيد من الفوائد للشرائح الطفيلية، فقد راحت مجموعات من القوى التحديثية تنزلق في البرنامج الشمولي الطائفي، وتعرقل التطور التحديثي بأبسط أشكاله المعاصرة.
يقود هذا إلى ربط الجمهور بكتل مذهبية خطرة، سوف تقودها الصراعات المتزايدة بينها إلى وضع البلد في مأزق تاريخي، وتبرير الجمود والجنون السياسي . وإذا ربطنا هذه التصعيدات بالمحاور السياسية في المنطقة بين الدول الكبيرة واحتدام الصراع بينها، وبالتالي فإن هذه التقسيمات المذهبية ستجر الناس إلى أتون ساخن مدمر.
هكذا تتحول سياسة الخيانة التاريخية من قبل بعض التحديثيين إلى بذور فتنة كبرى قادمة، وإلى تبرير عمل المجموعات الطائفية، التي أنكرت بدورها الإسلام الوطني التحديثي الديمقراطي وتقوقعت في هيمنة الإقطاع الديني.

ثقافة الانتهازية

يتوحد الانتهازيون في ثقافة ذات أنماط عامة، وهي الثقافة الأكثر انتشاراً في العالم العربي والأخطر حضوراً، ولا بد من درس قوانينها وتجلياتها كماة خام للدرس.
تنقسم هذه الثقافة إلى شكلين أساسيين، الشكل اليميني والشكل اليساري، لأن هذين النمطين يصوران نفسيهما بالدفاع الأقصى عن الناس، لكن هذا الدفاع الأقصى هو شكل من خداع الناس كذلك!
إن هذه الحمية والعاطفية الشديدة والكلمات الحادة ولغة الأستعراض والأدعاء هي أمور توحد الفريقين رغم تعارضهما الظاهري، فهما يعتمدان على خلق مزايدة ما سواء بهذا الاتجاه أو ذاك ويبتعدان قدر الإمكان عن التفكير الموضوعي.
فهناك دائماً فيهما انتفاخ ذاتي، يغطيانه بألفاظ ملتهبة، ليغطيا به عن ضحالة تحليلهما، عتمدين على المساعدة الضمنية المتوارية التي تأتي من القوى السائدة في المجتمع.
حين يكره الاتجاه الانتهازي قوى المعارضة فهو يضخم أخطاءها بهدف الكسب من جهة أخرى.
وحين يضخم من أخطاء الحكومة فهو يهدف للتقرب إلى أتجاه آخر.
إنه لا يقدم تحليلاً موضوعياً يمكن عبره تطور الحالة السياسية وتغيير الظروف الاقتصادية دون أن يبالغ في الصواب أو الخطأ.
كما أن الحالة الدينية وأهميتها في حياة المسلمين تجعل بعض الاتجاهات تبالغ فيها، فجأة يصبح بعض الأشخاص المنافحين عن جماعة معينة من المسلمين ويقوم بالضخ التشنجي التعصبي فيها، بغرض إستغلالها واستثمارها لمصالحهم، وينبهر بعض البسطاء بهذه الحالة، فهم لا يتحدثون عن أخطاء هذه الاتجاه، بل يتعمدون ذكر فضائله من أجل أن يستغلوا هذا الشحن العاطفي لمصلحتهم.
وتتناقض مثل هذه الآراء الشخصية في كلها، فهم يمدحون هذه الاتجاهات في بلد بعيد، فإذا جاءوا لبلدهم انتقدوها!
وأقرب شيء لذلك هو مدح الزعماء وإستغلال أسماء الرموز، وجاءتنا فترة غثة سابقة أندفع بعض (المثقفين) فيها لتأييد شخصيات دكتاتورية فقط لمجرد إرضاء مشاعر عابرة هنا أو هناك!
لماذا يتركز المدح أو الذم على الأسماء الحادة في سياستها؟ !
فمثل هذه الشخصيات عرفت بالحدة في السياسة والتعصب وقيادة شئون البلدان إلى حافات الهاوية؟
لماذا لا تتوجه أفكارنا للتخفيف من حدتها من أجل الحفاظ عليها ومن أجل تطوير نهجها بدلاً من سيول المديح التي تفقدها الرزانة والعقلانية فتتوهم إن كل ما تفعله صواب؟! ومن البشري الذي لا يخطئ؟ !
لماذا لا نحافظ على هذه الشخصيات بشكل عقلاني نقدي فلا نضخمها ونحولها إلى آلهه!
وإذا كانت شخصيات دكتاتورية تمت إزالتها ينهمر عليها نفس المديح بغرض إيجاد بدال لها، وهي قد خربت ما خربته؟
ألسنا قادرين على تطوير النهج الإسلامي والنهج القومي بشخصيات موضوعية رصينة تدافع عن هذه الثوابت بشكل حديث ونقدي؟
هل عدمت الأمة إلا من شخصيات السحل والحرب والمحو للآخر؟
ولماذا تكون الشخصيات المعتدلة والزعامات البعيدة النظر والداعية للسلام هي في نظر هذه الكتابات والسياسات الانتهازية هي العدو؟
لماذا خلق هذا التشنج؟

جذور الانتهازية العربية

منذ أن تشكلت الدولة العربية الإسلامية وامتدت وصارت أقطاراً وسيطة فحديثة، ظلت السياسة والدين مصدري تكوين الوعي السائد.
وإذا كان الخلفاءُ والحكام ومن بعدهم لا يشكلون فكراً ولا يقدمون مادةً لآلة الدولة الإيديولوجية فقد قامت بذلك الفئاتُ الوسطى الصانعة للمعرفة، تستقيها من النصوصِ الدينية وتنتج وتغزل حولها، شرانقَ لاعتقال الكائن الإنساني أو فتح ضوء له.
على الرغم من ظروف الثقافة العربية في العصر الوسيط إنتشر فيها النقد الايجابي ومحاولة التجاوز للأوضاع، نظراً لأن النظام التقليدي العربي في ذلك الحين أتاح للفئات الوسطى العديد من الحريات التجارية والاقتصادية الحرفية والإنتاج الثقافي، رغم وجود الدولة الشمولية الدينية.
وهذا ما كررته الفئات الوسطى في زمن النهضة العربية، حيث كان ثمة فضاء عالمي للتجارة والتبادل الاقتصادي والتأثير الثقافي.
لكن بعد حصول الاستقلالات العربية وبروز الدول الشمولية بقطاعاتها العامة وسيطراتها على الفضاء الإعلامي، تم خنق الحريات في العديد من البلدان باسم التقدم وباسم الوطنية وباسم الدين.
كما قال ابن خلدون غدت الدول هي السوق الأكبر، ولهذا فإن الكثيرين من المثقفين منتجي الوعي، غدوا مقدمين سلع لهذا السوق وما تتطلبه ظروفه وصراعاته.
في الصراع بين الدول الشمولية الوطنية والدول الشمولية المذهبية العربية الإسلامية، غدا الفريقان(الوطني أو الليبرالي) الخفيفان في وطنيتهما وليبراليتهما و(المذهبي، والشموليات بألوانها)، هما المعسكران السائدان.
لم تستطع الأنظمة العسكرية والدينية الشمولية أن تقدم مناخات لتصاعد الحرية، لقد قامت بإنجازات على أصعدة تطور البُنى المادية والاقتصادية، لكن داخل الانغلاق ودون معلومات عن إشكاليات هذه الأبنية ما تحقق وما لم يتحقق، من إستفاد ومن لم يستفد.
قسمات الحداثة المتعددة لم تطبق سوى أجزاء قسرية منها، وحُجبت الأقسام الأكبر أقسام وضع التنمية في دوائر التعاون الديمقراطي بين القطاعين العام والخاص، ولم تطلق الحريات الفكرية والثقافية. وأنتشرت مكائنُ الدعاية لا أصوات البحث. ومكائن الدعاية هذه هي التي تُعطى الأمتيازات المادية والنوافذ لكي تسد مسام الأجسام العربية عن التفتح والكشف.
وبهذا وجدنا هذه الأنظمة وهي تعاني الأمرين من حروب الهزيمة ومن الانفجارات الاجتماعية التي أكتسحت المنطقة.
ولا تختلف الأنظمة الدينية والمقاربة المحدودة لليبرالية عن الجوانب الجوهرية للأنظمة السابقة، أي غياب تداول السلطة والعلمانية والعقلانية، ولكن الكثيرين من المثقفين إنحازوا للصراع بين الوطني والديني، بين الداخلي والخارجي، بين هذا الفريق من السلطة أو ذاك من المعارضة المحافظة، ولم تُطرح البدائل الأخرى المتجاوِّزة لهذه الثنائية الصراعية القاتلة.
كان أجدادُنا المثقفون معذورين في غيابِ البديل وغياب التحليل الكلي للواقع والعصر، وتوجههم نحو النجوم والكواكب والغيبيات المختلفة، ولكن حتى من هؤلاء ظهر باحثون يضعون الناسَ على بداية التحليل الاجتماعي الموضوعي.

من التثوير إلى الإنتهازية

في واقعةِ ثورةِ حزب العمل المصري اليساري ضد رواية(وليمة لأعشاب البحر) للكاتب حيدر حيدر، مادةٌ تحليليةٌ مهمةٌ لنسيجِ قوى وَضعتْ نفسَها في تيارِ اليسار والعلمانيةِ والحداثة والمقاومة، ثم دافعتْ عن قيم إنتهازية.
فكيف تحدثُ هذه القفزة غير المعقولة من نسيجٍ فكري يحترمُ الكتابَ في إبداعاتِهم ويثمنُ ويوسعُ هذه الإبداعات إلى أن يقفَ شرطياً متدخلاً في عمق هذه الإبداعات؟!
كيف تجري هذه القفزة من جماعاتٍ يُفترضُ أن تنمي حالات الوعي والنقد للتراثِ وللواقع إلى أن تصطفَ فجأةً مع قوى اليمين التي تفتقدُ أية قراءات في فهم الوطن والإسلام والواقع والمستقبل؟
الجواب واضح وبسيط لكلِ من يتابع هي السياسةُ الذاتية والمصالح الخاصة!
جماعاتٌ صغيرةٌ ظلتْ منعزلةً عن الجمهور لعقود، لم تملك قوى فكرية نظرية تحليلية حقيقية، وكونتْ بعضاً من تحليلاتٍ محدودة نادرة فاقعة بضرورة تجاوز الأنظمة الراهنة وقتذاك وهي الأنظمة (الإشتراكية) القومية العسكرية، إلى ضرورة هيمنة البروليتاريا وإقامة دكتاتوريتها الساحقة لكلِ أشكالِ الإستغلال. وهي _ أي هذه القراءات – لا تكتبها تلك الأحزاب بل يكتبها فردٌ فيها لأنها أحزاب أمية إجتماعياً وهي تتبعُ الفردَ في جنوحهِ للاشتراكية الصاعقة ول(لإسلام) المهاجم لكلِ تَنور ولكل ثقافة حرة والمعمق لمصالحه الخاصة المتجذرة داخله!
أفكارٌ تنتقلُ بشدةٍ من نقيضٍ إلى نقيض، ولكن إنتقالها هو هو، المضمونٌ واحد، هو عدم القراءة الموضوعية للنص الأدبي، وللنص الديني، وللواقع المنتج في تاريخهِ لكلا النصين.
النص الأدبي وهو (وليمة لأعشاب البحر) يجسدُ خطابات الثوار العراقيين الفوضويين المهاجرين للجزائر، وكلمات العراقيين ملأى بالشتائم للحياة والسلطات والناس والدين.
وقد تحولتْ هذه الشتائم لدى جماعة حزب العمل اليساري في تصوره إلى هجومٍ مخطط ضد الإسلام تقوده قوى الحكومة المصرية!
لم يخطر في وعي كاتب الرواية أن يُحَاكم من خلال أقوال شخصياته، لكن هذا يدل على أن رواد النضال (الديمقراطي) التحديثي في مصر قد إنعزلوا عن عوالم القراءة والثقافة والحداثة، وهو ديدن الأحزاب العربية عامة، فليس فيهم من يقرأ نصاً أدبياً بعمق، وأن يصبرَ على قراءته كله، وأن يقدر على فهم معناه العام، بل هو يقتطعُ جملاً ثم يتصورُ أنها هي أقوالُ المؤلفِ وتهجمه.
هذا الوعي العامي يرتبطُ من جهةٍ أخرى بوعي عامي سياسي، فهذه النخبةُ السياسيةُ التي عاشتْ في (صمودِها) على علاقاتها بالدول الدكتاتورية في المنطقةِ ومعوناتِها، إنقطعتْ علاقاتُها بالجمهور، وبالجدلِ السياسي العميق معه، وجاءتْ جماعاتُ الشعارِ الديني المعارض السطحي لتنتشر في الأزقة، وتسيطر على الناس.
في هذه الحالة لا تستطيع جماعة اليسار القديم وقد تآكلتْ أدواتُها التحليليةُ للنصِ الأدبي، وللنص الديني بتحولاتهِ عبر العصور، وفي وجوده الراهن ضمن بنية مختلة، أن تفهم هذا الواقع المركب، وأن تتصور أن هذا المؤلف الحداثي هو معها، وأن حلفاءها الدينيين والسياسيين هم خصومها، لأن مستوى وعيها هو قطعُ الجملِ من كتابٍ كامل غني بالمعاني، وتعليقها في مناخ ديني سياسي، وقطع ظاهرة في الواقع الراهن كفساد الطبقة الحاكمة، وعزلها عن سيرورة التطور والديمقراطية والحداثة، وجعلها هي الكل.
وبالتالي فإن من يعارض تلك الجمل في الرواية، وذلك المظهر في الواقع هو حليفي.
التسييس الفاقع والتسيس اليميني هو لدى إنتهازيي اليسار ظاهرة مقدسة، في مرحلةٍ سابقةٍ كان يمكن أن يرى تلك الجمل في الرواية بأنها عظيمة مبهرة، وأن يرى الفسادَ ضريبةً ضرورية في عملية التنمية، لكن ليس ثمة قراءة كلية موضوعية للإيجابي والسلبي، ومن الحماقة الكبرى أن تُهاجم رواية نقدية مضيئة لبضعة جمل فيها لا تتفق مع رؤيتك، ثم تتحالف مع قوى ظلاميةٍ ستخربُ الواقعَ كله.
يمكن أن تنقدَ الجملَ في كليةِ الرواية، لكن من المستحيل الاتفاق مع قوى دينية وسياسية تريدُ العودةَ بالتاريخ الراهن للوراء أو التمركز حول الذوات الحصالات، بدلاً من نقدها وتنويرها لتكتشف الواقعَ الحقيقي ولتتطور ديمقراطياً.
نقد الواقع أساسي لكن عبر رؤية الحلقات فيه، فأهداف التقدم والحريات وفصل الديني عن السياسي لا تنفصل عن النضال من أجل حقوق الناس وتطورهم.
وأبطال رواية (وليمة..) في صراخهم الكلامي وطفوليتهم اليسارية والانتهازية كانوا يعبرون عن فشل التفجير المدوي للجمل الثورية وللتلاعب بين المعسكرات لأجل ملء الحصالة التي لا تشبع ولغياب التحليل العميق النقدي للواقع لديهم، وغربتهم المكانية والنضالية، فكانت الروايةُ تحللهم لا أن تمدحهم!

الانتهازية كاسحة

يقول: إن فيلم (كلنا يا عزيزي لصوص)، فيلم مبالغ فيه وأنت تمدحه بقوة!
أقول له: هذا زمن سادت فيه الانتهازية وأنت لن تعرف فيه المناضل من الحرامي، والكاتب كان رغم تشاؤمه ذو استشعار دقيق، فحتى معارك الكفاح والسجون والتعذيب قد تـُجير للانتهازية والتلاعب بالمشاعر والمواقف!
ـــ كيف ذلك ؟ أنت تخيفني؟
ـــ الناس عامة تعيش سذاجة سياسية، خاصة بعد غياب طويل للممارسة السياسية المباشرة، فما بالك أن تكون عندها ثقافة نقدية عقلانية تزن الأشياء بمعايير الحقيقة لا بمعايير التحزب والتطبيل، وأي جماعة وأي ثلة سياسية لديها طابور من المنافقين والمداحين، بغض النظر عن تاريخها السياسي ومدى عمقها الفكري ومدى إخلاصها للوطن ولتحوله إلى الديمقراطية.
ـــ هل تشير بهذا إلى تجربة معينة؟
ـــ العديد منا عاش فترة مؤلمة في السجون، واكتشف هناك قبل أن يكتشف هنا أن الكثيرين من السياسيين ليست لديه أية أمانة أخلاقية ونضالية، وإنه مستعد أن يتعاون مع مهربي المخدرات والقتلة قبل أن يتعاون معك وأنت معه في زنزانة واحدة! ليس لشيء سوى لأن هؤلاء المجرمين قادرون على إعطائه بعض السكر والشاي وعلى تهريب رسائله!
ـــ إلى هذه الدرجة ؟ أين المبادئ؟ أين الأخلاق؟
ـــ أي وضع كنا فيه، أكلٌ يجعلُ أمعاءك تتفجرُ ويُسمع دويها عن بُعد كبير، وأولئك المجرمون الممسكون بمطبخ السجن يتلاعبون في المواد المعيشية، ولكن زميلي في الزنزانة يجد لهم كل المعاذير! وبعد هذا كله تريدني أن أثق بهؤلاء؟! هؤلاء بلا ذمة وبلا شرف سياسي، وإنما هي المصلحة الشخصية ومصلحة العصابة الحزبية وهي فوق كل شيء لديهم. يبحثون عن مصلحتهم أين توجد فيندفعون إليها، فلا أهمية لحركة ديمقراطية، ولا أهمية لحركة وطنية، اليوم مع الله وغداً مع الشيطان، اليوم ضد الحكومة وغداً معها، اليوم مع الطائفيين وغداً ضدهم. المصلحة فوق كل شيء! ألمانيا فوق الجميع!
ـــ للأسف حدث هذا حتى في زمننا مع الدينيين أيام السجن، كانوا يعتبروننا أنجاساً مثل الكلاب، ويغسلون محل مشينا وملابسنا المعلقة على حبال الغسيل المشتركة!
ـــ أحدث هذا؟ ياللعار!
ـــ لكن ألا يوجد أحد فوق هذه الانتهازية؟
ـــ لا تعرف تماماً، فما دام هؤلاء البرجوازيون الصغار، مثقفو الجمل الثورية، مسيطرون على حركة الحياة السياسية، ويضللون بها العامة، وهم يستهدفون إنتقالهم إلى صفوف البرجوازية الكبيرة، فيتلاعبون بالقواعد النائمة الساذجة، لكي ترفعهم على الأعناق الحزبية نحو الثروة والمجد، ثم يقلبون ظهر المجن لها، كما تقلب آخرون كثيرون، وقالوا أن الظروف تغيرت وعلينا بالتكتيكات المرنة، وهم يقصدون الدفاع عن مواقعهم الاجتماعية الجديدة، فلا أمان للجمهور العامل منهم، وعليه أن يستقل عنهم، وينأى بنضاله عن صفقاتهم وألاعيبهم. وأن يؤسس عمله
المستقل بعيداً عن كل هذه الجماعات.
ـــ ألاحظ كيف كنا نركض وراء هيئة الاتحاد الوطني ودفعنا الكثير من التضحيات وعاد بعضهم ليكسب الغنائم، وذاب الشهداءُ في الذكريات الجميلة، وكذلك جماعات القوميين والتحديثيين والليبراليين، تكلموا كثيراً عن النضال والتضحيات ثم رسوا على الغنائم من الدول، والقواعد خبر خير!
ـــ ذكرتني بالشهداء، الغريب أن كل حركة سياسية عربية من العصور القديمة حتى الزمن الحالي، تبكي على الشهداء، دون أية جردة حساب على ميزانية التنظيم والجماعة على مدى تاريخها الحافل بالاشتراكات والتبرعات، ولماذا لا يجري تقييم دقيق لدور الجماعة ومشكلاتها وتطوراتها، وأسباب إخفاقاتها وما تثيره من نزاعات بين القوى السياسية، وما تسببه من كوارث للقوى الوطنية؟! وتسأل أين ذهبت وثائقها وأموالها ومن أعطاها كل ذلك ولماذا هذا المسمار الدائم في الظهر وأي وأين . .؟ والتاريخ سري غامض مريب، ولا يبقى لأعضاء الجماعات سوى البكاء على الشهداء؟! فهل تتحول الأحزاب العصرية إلى مراكز للبكاء؟
ـــ هذا ضمن وحدة القوى النضالية على مستوى الماضي والحاضر، أي على مستوى الانتهازية التراثية والعصرية! بكاء وسرقة!
ـــ النضال هو من أجل الأحياء، وهؤلاء السياسيون الانتهازيون على مدى التاريخ الحديث يحرنون دوماً على مسألة قومية ما، في السابق حين ننتقد عبدالناصر أو العروبة يحرقون الأخضر واليابس، والآن انتقد هذين الرمزين فلا أحد يهتم! وصار الدفاع الآن عن الطائفيين وسيطرتهم على الحركة الوطنية هو الراية المرفوعة، فهؤلاء صاروا المقدس! فكيف تجري التحولات وتصير الشعارات والكلمات كالأحذية والجوارب العتيقة!
ـــ كما قلت ليس سوى أن العمال ينأون بأنفسهم عن هؤلاء، ويتوجهون لمصالح طبقتهم، أوسع الطبقات في الناس، وأكثرها فقراً، هنا تتوضح المسائل وتتحدد، فمن يناضل عنهم ويرفع من حياتهم المعيشية وظروف عملهم السيئة فليتقدم، هنا تخرس الإيديولوجيات والمزايدات، كذلك فإن العمال ابتعدوا عن الفوضى والعنف، وشقوا طريق العقلانية النضالية، يحدثون بها تغييرات في حياتهم وظروف عملهم، ويجمعون الطوائف والأمم في طبقتهم، وبدلاً من أن يسمحوا للسياسين والبرجوازية الصغيرة بسرقتهم والقفز فوق ظهورهم يطورون حياتهم بأنفسهم، ويعرفون إلى أين تمضي أموال النقابة وكيف تتوزع ويتفاوضون مع الشركات على زيادات وتغييرات محددة.
ـــ لكن حتى في هذا فإن القوى السياسية اليمينية وأنصارها قادرون على التلاعب بكل شيء وتمييع القضايا الوطنية التوحيدية وتمزيق صفوف الشعب، فلديهم حجج وتلاعبات وحيل يصنعونها بكل طول نفس وذكاء، فلا تظن إن القضية هينة.
ـــ على العمال أن يعرفوا ذلك، وعلى القواعد الشعبية أن تبصر، وتحدد مصالحها الطبقية وتناضل من أجلها، فلن يعطيها أحدٌ شيئاً، وعليها أن تعتمد على أدمغتها الواعية المخلصة وساعدها، عبر النضال القانوني وتكوين وحدتها، ولا تلتفت لألاعيب السياسيين الانتهازيين حتى لا نصير كلنا لصوصا!
انتهازيةٌ نموذجيةٌ
منذ أن أخطأ بعضٌ من أفراد الجيل الوطني القديم في التحالف مع الطائفيين، نظراً لهشاشة جذورهم الفكرية السياسية العلمانية الوطنية، والأعشاب الضارة تتالى من هذا المنبت.
قام الجيل بتضحياته ومغامراته وكان من الضروري نقده، لكن الحالة النموذجية الانتهازية رغم تكرارها لأهمية العقلانية والهدوء التحليلي وبعد النظر تروح تصرخ هائجة وتحيل الموقف وتشريح الجيل القديم لحالةِ تشنجٍ شخصية بدلاً من تطبيق تلك المفردات الكبيرة في الموضوعية والعلمية لكون القائل الناقد لا يعجبها ولا يقترب من مستنقعها وانتهازيها.
ويمكن أن يستفيد بعض المتعلمين من خلفياتهم السابقة، ويتلاعبوا أكثر بقضايا النضال بدلاً من تجاوز الجيل القديم الذي لم تتح له فرص الدراسة الأكاديمية.
خلطهم بين العمل السياسي والدين يغدو تلاعباً، فهم من المتعبدين ومن الانتهازيين. فأي جهة تجلب مصلحة ذاتية يمكن تسويقها. من حقك أن تصلي لكن ليس من حقك أن تلغي تاريخ التيار الوطني في العلمانية وفصل الدين عن السياسة!
حين يغدو الصراع السياسي الطائفي حالة اشتباك عامة يجري تصويرة كثورة وجر الوطنيين إليه، وحين يفشل يتبدل القناع، وتـُفضل المصلحة الخاصة. ولا تـُنقد هذه الأخطاء وتـُحلل بل تـُترك للاستفادة من غموضها!
حتى كوارث الشعب العارمة لا تنجو من الفلتر المصلحي الذي يقضم بعض خيراتها رغم الضحايا والكوارث!
كتاباتٌ هزيلة تستفيد من أي موقع، ويهمها التراكم المالي لا النقدي، لا تقوم بتجذير أي تحليل، وتحاول التقليل من شأن الكتابات الوطنية التقدمية وتخريب حتى أسماء أصحابها والتصغير من نتاجاتهم والتعتيم على وجودهم بأشكال صبيانية.
هذا الحقد نتاج تضخم ذاتي وإعطاء هذه الذات الهزيلة فكرياً مقاماً رفيعاً، فهي يجب أن تكون القائد الأول والزعيم المعترف به رغم الهزال الفكري والتلاعب السياسي وغياب النتاج الموضوعي الدارس للبنى الاجتماعية والصراعات الطبقية.
تخريب التيار هو جزء من المصلحة الذاتية فكلما كثر العميان المتخبطون في الليل السياسي كلما وجدت هذه الذات فرصاً للتلاعب بمصير الوطن والناس.
هي جزء من هذا الخراب الذي أمتد عقوداً وهو خريف اليسار حيث لا جدل عميق ولا شخصيات تؤصل الماضي وتصعد بإنجازاته، فهي مشغولة بمنافعها واستغلالها للماضي والحاضر، أو هي جامدة لا تقرأ وتدرس.

تسلقُ البرجوازية الصغيرةِ الديني

في زمنيةِ الرأسماليات الحكومية القومية (الاشتراكية) كان تسلق البرجوازيات الصغيرة على أساس الشعارات اليسارية التوحيدية، حيث كانت الأنظمة بحاجةٍ لتوحد شعبي واسع من أجل بناء البُنى التحتية.
لكن التسلق على ظهور العمال والفلاحين عبر رفع شعاراتهم لم يؤدِ لتغييرٍ كبير في حياة هؤلاء العاملين. والبرجوازيات الصغيرة العسكرية من ضباط وموظفين ومثقفين إغتنى بعضُها وفرشتْ الأرض الاقتصادية السياسية لرأسمالياتٍ نصف ليبرالية وفوضوية في أغلب نماذجها، ولم تخلُ من القبضة الحديدية، إرتفعتْ فيها جماعات حكومية إلى مصاف النبلاء وتهدمت فيها شعارات الجمهورية والاشتراكية.
وحين أفلستْ شعاراتُ القومية والاشتراكية الحكومية الشمولية ظهرتْ البرجوازياتُ الصغيرة بديكوراتٍ جديدة هي الديكوراتُ الدينية.
لم تستطع أنظمةُ الرأسمالية الحكومية إزالةَ الإقطاع، وأدت فوائضُ النفط الوفيرةِ التي جرتْ في البلدان الصحراوية إلى إنعاش الإقطاع الديني مجدداً حيث سال لعابُهُ من التحول الجديد.
وهو إنعاشٌ غذى الشركات المالية والنصوصية الدينية وعودة الأساطير الخرافية للطائفيين السياسيين.
فجأة ظهرت دعاوى الإيمان وحجَّ اليساريون المتطرفون الذين كانوا يزعمون أن الإسلامَ دين وثني، وتحول آخرون لفتح المكتبات الدينية يستوردون الكتب والأشرطة الصفراء يعيدون الجمهور بها الجمهور للعصور الوسطى.
وفيما كانت بعض المكتبات تزخر بالمؤلفات الإنسانية الأدبية والعلمية صارت على كل الواجهات الكتب الدينية المطبوعة في مطابع حكومية.
وفجأة إختفت الفروق بين التنظيمات الوطنية العلمانية والتنظيمات السياسية الطائفية.
وتبدل المروجون للسياحة والمشروابات الكحولية كذلك إلى مروجين للتدين وطاعة ولي الأمر والاقتداء بالسلف الصالح، مثلما يكتشف قادةُ بعض الفصائل أهمية اللحى لمنع إنتشار الجراثيم في الذقون.
الترويج للجماعات الطائفية السياسية من قبل هذه المجموعات التي إنهار وعيها النضالي الديمقراطي الحديث جاء في أعقابِ ظهور قطبي الصراع الحكوميين السني والشيعي في المنطقة حيث يزخُ كلُ قطب ماكينته الطائفية بالمواد المطبوعة والمروجين المتنقلين بين الجمهور بشكل مكشوف أو مقنع ثم صارت الفضائيات والوسائط الحديثة تغذي بشكلٍ هائل نقل التخلف والعداوات بين المسلمين.
عودةُ الإقطاعِ أو إستمراره في البلدان الصحراوية والقروية النفطية قبل البلدان العربية الحكومية العسكرية المتجهة للأزمة ثم الانهيار، هو بسبب عدم تحولاتها مثل البلدان الأخرى العسكرية التي أجرت ضربات أكبر للحياة التقليدية، فجاء تأخرُها الفكري السياسي بسببِ عدم وجود فئات وسطى وعمالية تحديثية واسعة، فكانت أشكالُ الوعي والثقافة غيرُ منتشرة بتوسع بين الجماهير، فيسهلُ خداعها من خلال بعض الشعارات وإستثمار تقاليدها وإرثها وجرها للنشاط السياسي العنفي الكامن أو الظاهر، كما أن جذورَ المنظمات الطائفية السياسية وأعتبار هذه البلدان مركز الهروب للجماعات الدينية، كل هذا جرّ جماهير هذه البلدان للحراك السياسي الجماهيري الفوضوي.
ولهذا فإن الجماعات البرجوازية الصغيرة المتذبذبة بطبيعتها وعدم رسوخ الرؤى التقدمية والديمقراطية داخلها تنجرُّ للسائد دائماً، ولكن قفزة هائلة من الاشتراكية والقومية والحداثة إلى الطائفية وثقافة الإقطاع كانت مفضوحة.
ضخ الأنظمة لجزء من ثروات البلدان لهذه الجماعات وتوسيعها وهي الواسعة أصلاً كجزء من بُنى الحرف ومعامل ومصانع المواد الأولية التي تغدق الفوائض على القوى المتنفذة نظراً لعدم وجود أسلوبِ إنتاج وطني متجذر يغذي مختلف الطبقات، يؤدي لتحولات الفوضى والانقلابات الخطرة على التطور.
وهكذا تنقلبُ تنظيمات كانت تتعيش على التسول من الأنظمة إلى أن تكون عدوة لها وتجد سببيات واهية للفوضى السياسية، وتتحالف مع تنظيمات يسارية كانت تعتبرها لوقت سابق قصير ملحدةً خطرةً على الإسلام!
اللاعقلانيةُ والذاتيةُ والمصالح العابرة وإنتهاز الفرص والتلاعب بالمذاهبِِ والأديان والقيمِ والركوب على ظهور الجماهير غير الواعية وعدم خلق التراكمات التحديثية بصبر وحكمة وبإقناع للشعب وكل هذا لكي تصبحُ هي في مركز الزعامة والسيطرة ويتفق معها أناسٌ لهم مثل هذا الطموح الذاتي وعدم التجذر في المصالح والمبادئ العامة.
إستخدم العلمانيون المرتدون نفس طرق الكهنوت في إستغلال الدين وإفراغه من مضمونه النضالي وتأجيره للقوى الاستغلالية للهيمنة على الناس بدلاً من الانتاج العقلاني التحديثي وتطوير الوعي.