كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة
≣ الشاه وحداثةٌ لم تكتمل
≣ عربٌ وفرسٌ.. تاريخ متداخل متناقض
≣ الفاشيةُ في إيران
≣ خندقان وأمّتان
≣ تصاعدُ الفاشية فكرياً في إيران
≣ الانقسامُ الطائفيُّ المشرقي
≣ الثقافة والسلطة في إيران
≣ الوضع الإيراني والتحولات
≣ إيران.. إلى أين؟
≣ الأدبُ الفارسي القديم والقومية
≣ نضال شعبي ضد الإرهاب ومن أجل الديمقراطية والسلام
≣ الصراع الإيراني العربي
≣ الفاشيةُ الإيرانيةُ وذيولُها
≣ بين ضفتي الخليج
≣ إيران و مخاطر تجربة ألمانيا الهتلرية
≣ الفقراءُ والفاشية الإيرانية
≣ النضالُ المشتركُ بين العربِ والإيرانيين
≣ الإخوانُ وولاية الفقيهِ
≣ المحورُ الإيراني – السوري يطحنُّ بعنف
≣ مشروعٌ متأزمٌ
≣ أسباب عجز القومية الفارسية عن التطور الديمقراطي
≣ فصل المذاهب عن السياسة الحديثة
≣ مير حسين موسوي من رئاسةِ الوزراء إلى السجن
≣ ولاية الفقيهِ ضد الليبرالية
≣ قضيةُ حقٍ شعبيةٍ أُريدَ بها باطلٌ إيراني
≣ حمزةُ البهلوان وصراعُ العربِ والفرس
≣ ضد الفاشية وليس ضد الإسلام
≣ المشروعُ الإيراني ينخرُ شعبَنا البحريني
≣ تطورُ الديمقراطيةِ مرهونٌ بهزيمةِ ولايةِ الفقيه
≣ حول السياسة الفاشية في إيران
≣ لا ديمقراطية بدون هزيمة الفاشية في إيران
≣ فرسُ الإمبراطورياتِ وفقراءُ الخليج
≣ المغامرات الإيرانية وتحديات السلام
≣ إسقاطُ إمبراطورية موهومة
≣ ليس صراعاً طائفياً قومياً
≣ العناصر الفاشية الإيرانية وكيانوري
≣ حزبُ الشعبِ الإيراني (توده) بين التحلل والجمود
≣ مخاطر حرق الأوراق
≣ فشلُ الطائفيين المحافظين في صنعِ ثورة!
≣ غيابُ هزيمةِ يونيو من الذاكرةِ الإيرانية
≣ تصاعدُ اللاعقلانية في إيران المعاصرة
≣ الثقافة الإيرانية من الطائفية إلى الفاشية
≣ صراعُ الأمتين العربية والفارسية ضد الدكتاتورية
≣ الثقافة الإيرانية من الآرية إلى الطائفية
≣ إيران بين القومية والدين
≣ على خطوطِ التماسِ القومية المذهبية
≣ الطائفية العسكرية ومخاطرها
≣ إيران بين الحصارِ والتراث
≣ المواجهة الأمريكية – الإيرانية
≣ العقوبات والتحولات في إيران
≣ أزمة المعارضة الإيرانية
≣ الإصلاحيون الإيرانيون
≣ مذهبية سياسية تجميدية
≣ الخليج وأصداء التجربة الإيرانية
≣ الوعي الشقي المُحاصَّر
≣ صراع الدولتين المدنية والدينية في إيران
≣ التغريب والتحرر الوطني
≣ تمهيد الثورة الخضراء الإيرانية
≣ مسار الصراع السياسي في إيران
≣ الديمقراطية الإيرانية والعسكر
≣ صراعُ الرأسماليتين في إيران
≣ المهمات الرئيسية للنضال الديمقراطي الإيراني
≣ أزمة الطبقة الحاكمة في إيران
≣ مخاطر إستيلاء الحرس «الثوري» على السلطة
≣ توصيف غير دقيق
≣ انتفاضة شعب وليست مؤامرة خارجية
≣ مصائر الثورة الإيرانية
≣ ثلاثون سنة من التجريب
≣ نسخة جديدة من الرأسمالية الحكومية الإيرانية
≣ الرأسمالية الحكومية الإيرانية
≣ المحافظون الإيرانيون والطريق المسدود
≣ تاريخ وراهن اليسار الإيراني
≣ المشروعية المؤدلجة
≣ إيران والعودة للحداثة والعلمانية
≣ رسائل خاطئة لإيران
≣ مستقبل السياسة الإيرانية المذهبية
≣ مسارات السياسات المذهبية
≣ الصراع الأمريكي – الإيراني في البحرين
≣ في الصراع الإيراني – الأمريكي
≣ مشكلات إيران السياسية
≣ الهجوم مرفوض على إيران
≣ المحور الإيراني – السوري يتوسع
≣ العواصم الإيرانية والخليج
≣ مخاطر السياسة الإيرانية على بلدنا
≣ المحور الإيراني – السوري
≣ مشكلة السلطة المزدوجة في إيران
≣ هتلر إيراني
≣ العراق وإيران والطوائف
≣ الناشطة الإيرانية والجزيرة
≣ محور الجزيرة وإيران
≣ صراع الطوائف أم صراع الطبقات؟
ليس للعصر الحديث الا منطق واحد في الحياة السياسية الاجتماعية هو منطق الصراع الطبقي.
وقد حاولت الأنظمة والتيارات التقليدية لزمن طويل أن ترفض مقولة الصراع الطبقي، وقد استخدمت كل أسلحتها العنيفة والدعائية من أجل الغاء هذه المقولة، التي هي حقيقة راسخة في علم الاجتماع والتاريخ الحديثين، وليس مقولة إيديولوجية كما تزعم المناهج الجامعية العربية المعادية للعلوم.
لقد حاولت الحكومات العربية ومن ورائها الإمبريالية الغربية ومن ثم الجماعات الطائفية أن تلغي جميعها فكرة الصراع الطبقي، وكل هذه الوحدة الفكرية بين هذه الأطياف المختلفة ترينا المدى الاجتماعي الواسع لضرب فكرة معينة، حيث تشعر هذه القوى كلها بأن هذه الفكرة تشكلُ لها هاجساً كبيراً لا تتحمل تداعياته الحضارية والأخلاقية!
هكذا ناور الاستعمار الثقافي في العالم العربي طويلاً من أجل نفي فكرة الصراع الطبقي، وهو أمر يشير إلى تخلي الاستعمار عن جذوره الثقافية الحضارية في الغرب، واعتماده على لصوصية الشركات والحكومات والموظفين الاستعماريين التي تقطع جميعها العلاقات بالإرث الديمقراطي والإنساني في الغرب، إرث جان جاك روسو وفولتير وماركس وهيجل وكتاب التاريخ الفرنسي الموضوعيين، وإنها مجردُ محصلةِ إتاواتٍ وجامعة خراج جديدة.
وهكذا فحين قامت هذه القوى الطفيلية بسرقة العالم المسَّتعمر رفضت استخدام قوانين الصراع السياسي والاجتماعي التي تجري في الغرب الذي جاءت منه، فظهر لديها نموذجان للإنسان؛ نموذج الإنسان المتقدم الذي يُعامل بقوانين الصراع الاجتماعي في أطر سياسية وبرلمانية وهو الإنسان المتحضر المثقف المتميز.
أما النموذج الثاني وهو نموذج العالم المستعمَر فهو النموذج المتخلف الحيواني الذي لا يجب ان تنطبق عليه قوانين الصراع الاجتماعي المتحضر!
ولكن الإنسان المتحضر نفسه دخل في أتون حروب عالمية ومناطقية كثيرة لسرقة المستعمرات وتقسيم أعداد الخدم والمواد الأولية ومن يسرق النفط ومن يسرق القمح ومن يسرق البشر، بحيث إن كتل اللحم المطحونة من هذه الحروب تكفي لدفن بحار
كاملة، مما أغرق لعقود الميراث الديمقراطي في الغرب نفسه!
لم تقنع كلُ هذه الكوارث صناع الفقر والاستغلال والمجازر في الغرب واليابان أن الإنسانية واحدة تنطبق عليها قوانين اجتماعية وسياسية متماثلة، حتى استمر الصراع الاجتماعي على نطاق عالمي في حقبة الحرب الباردة، والتي اخذت فيها كتلة الفقراء والعمال طابع المجابهة العسكرية مع كتلة الرأسماليين الكبار، وكانت كتلة العمال هي الأخرى تعتقد بانتهاء الصراع الطبقي، في حين كان الصراع مستمراً ومدمراً فيها نتيجة لعدم الاعتراف به!
وقد انتهى الصراع بين الكتلتين باعتراف الجميع في الكتلة الغربية والشرقية السوفيتية على السواء، بأهمية وجود الصراع الطبقي ولكن على ان يجري بشكل سلمي سواء على المستوى الوطني أو العالمي.
وبطبيعة الحال اتخذ الصراع الاجتماعي أشكالاً جديدة متدهورة مفككة لهذه الكيانات السياسية الدولتية القومية المركبة، نظراً لعدم الاعتراف الطويل به في الكتلة الشرقية والتي زعمت أنها حلت إلى الأبد مشكلة الصراع الطبقي، سواء على المستوى الوطني أو على المستوى القومي، ونتيجة في الطرف الآخر، لاحتكار السلطة في الغرب للقوى المالية الكبرى!
والآن يجري الصراع الطبقي على النطاق الإقليمي أو العالمي بأشكال تضمن سيطرة القوى المتنفذة الكبيرة بحيث أن لا يؤدي مثل هذا الصراع إلى تغييرات كبيرة في الموازين السياسية العالمية، وأن لا يحل التناقضات الكبرى العنيفة للإنسانية، وان يجعل القوى القومية الكبيرة المتمثلة في الدول الصناعية السبع وروسيا والصين والهند والبرازيل مهيمنة على مناطقها ومستعمراتها ومناطق نفوذها بشكل لا يخل بالتوازن بين الرأسماليات القومية الكبرى!
قام الاستعمار الثقافي للعالم الإسلامي على إنكار مقولات الحداثة، ومن ضمنها مقولة الصراع الطبقي، مثلما شجع السقف الفكري للمرحلة الإقطاعية الطائفية التفكيكية المتخلفة الممتدة من انهيار الحضارة العربية حتى تقطيع أوصال الإمبراطورية العثمانية ونشوء حركة النهضة العربية الأولى.
ان تشجيع الاستعمار للمنظمات الثقافية/الاجتماعية، الأبوية والعشائرية والطائفية، هو من أجل أن يبقى مضمون الفكر العربي عاجزاً عن النقد والتحليل الاجتماعيين، ومرتبطاً بتكوينات ما قبل رأسمالية، بكل ما فيها من سحرية غيبية، ورغم حدوث تطورات اقتصادية وسياسية رأسمالية إلا أن هذه التطورات لم تتبور فكرياً تحديثياً على صعيد الوعي الشعبي خاصةً، في حين ان بعض الأفكار تسربت إلى النخب التي ظلت عاجزة عن توسيع أفق الحداثة الفكري داخل الجمهور.
كذلك فان المؤسسات السياسية التي أقامها الاستعمار أثناء وبعد رحيله اعتمدت على مظلة الأفكار الأبوية والطائفية، فقد عمل الاستعمار وورثته على الإبقاء على البنية التقليدية بكل هياكلها الأساسية، ولاستمرار الثقافة الخرافية السحرية، والطائفية والأمية والذكورية سائدة بين الشعوب.
وحتى حين نشأت الحركات القومية والدينية المختلفة، فإن هذه الحركات واصلت إعادة إنتاج ثقافة الطوائف والتخلف، حيث أضفت على (العرب) طابعاً سحرياً كأمة غير مقسمة طبقياً، ومتحدة في جوهر غيبي خارج تحليل التاريخ.
وهكذا تأسس القوميون والبعثيون والجماعات المذهبية المختلفة على أساس إنكار الصراع الطبقي داخل الأمة، وداخل الطوائف المختلفة، وداخل الأوطان، وداخل القبائل، وكان هذا الإنكار يعبر عن الطابع الدكتاتوري العميق داخل هذه الحركات، والذي تجسد عملياً في قمع عنيف ومتنوع لكل من يطرح تقسيم الأمة والطائفة والوطن والقبيلة والمذهب!
وترافق هذا القمع مع تأجيج مشاعر حادة ضد كل من يطرح الانقسام الاجتماعي، وحتى فى دراسة التاريخ اعتبرت الإشارات إلى انقسام الأمة العربية و(الامة) الإسلامية كارثة فكرية وخطراً يهدد سلامة الفكر العربي!
وأخذت تسميات تاريخية قديمة تسعتيد نفسها كتسمية (الشعوبية) وأُعتبر الباحثون الاجتماعيون المدققون والأحزاب اليسارية كشعوبيين جدد، وهراطقة وملحدين وشيوعيين خونة!
ولم تستطع هذه الأفكار أن تتصدى للمد الفكري التقدمي العالمي الجارف، وتحولات ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإذا كان الوعي الطائفي لم ضعف بسبب هذا المد فذلك يعود إلى أن التغيرات التي جرت فى الخمسينيات كانت مداً وطنياً هادراً أسكت القوى الطائفية مؤقتاً بحكم هديره الانفعالي، وليس بقدرته على التحليل والنقد والتجاوز.
كذلك فإن التسييس التحديثي العلماني اقتصر على النخب المضحية، وبقيت الجماهير في أشكال سياسية هلامية وفي شعارات حماسية، وليس في تنظيمات وحقول إنتاج تعيد تشكيل مهن ووعي هذه القوى العاملة، فقد ظل الهيكل الاقتصادي العتيق مع بعض التطورات الحديثة الصغيرة التي لا تقوم بإعادة تشكيل البناء الاقتصادي عامة، ولا على التثوير التقني والعلمي لهذه القوى.
كذلك فإن تحديث القوى العلمانية والديمقراطية كان شكلياً نخبوياً فهو لم يقم على حرث الأرض الاجتماعية بالتحليل العميق، وبقراءة المذهبية السياسية كتدهور في حركة الإسلام الديمقراطية والثورية، وبعجز النظام الإقطاعي/الطائفي الذي شكلته القوى الحاكمة المتعددة، عن إنتاج الحداثة وفهم الإسلام معاً.
وهذا قد جعل الحركات العلمانية واليسارية العربية نفسها لا تخلو من جذور غائرة للطائفية، وهكذا تم فهم الصراع الطبقي في التاريخ الإسلامي بأنه صراع الأماميات المذهبية المتعددة ضد السنة، وإن الأماميات هي التي تحمل النضال الثوري للكادحين في حين كان السنة ممثلين للقوى الاستغلالية.
وهكذا حدث التباس عميق في الوعي، مما عبر عن إسقاط صراعات معاصرة على فهم التاريخ، وعن قصور في أدوات التحليل، وعجز عن فهم أسلوب الإنتاج الماضوي/الراهن وتناقضاته العميقة.
ولكن كان لهذا القصور انعكاساته على تطور الصراع السياسي الحديث!
إن عجز اليسار العربي عن فهم مسار الصراع الطبقي في الماضي والحاضر، كان أكبر ثغرة فكرية في فهمه وفي قدرته على اتخاذ مواقف سياسية مؤثرة ومتنامية.
إن عدم القراءة الموضوعية العميقة للصراع الطبقي قد أدى إلى تداخله والصراع الطائفي، واتخاذ الأخير بديلا عن الأول، لقصور في الرؤية والفعل السياسي معاً.
لقد تمت قراءة الصراع الطبقي فى التاريخ الإسلامي بوصفه صراعاً بين الطوائف، فثمة طائفة ثورية وطائفة محافظة، وهذا التعميم حدث الالتباسُ فيه لكون الطوائف الكبيرة التي حازت على السلطة وثروات الفتوح وحكمت الأمم الأخرى، شكلت وعياً إيديولوجياً معبراً عن سيطرتها، في مجموعة من المذاهب التي عرفت مذاهب السنة الأربعة الرئيسية، والتي أخذت تتمظهُر فقهياً وفكرياً وسياسياً على مدى قرون فيما عرف باسم أهل السنة، ولكن هذا التمظهر شكلته الدولُ المسيطرةُ وأجهزتها، فهي تقوم بإزاحة العناصر المعارضة والنقدية فى فقه المذاهب الأربعة، وتشكلنها، أي تجعلها شكلية ومُسيسّة لسيطرتها، والأمر لم يجر فى المذاهب الفقهية فقط بل فى المذاهب الفلسفية والتيارات الاجتماعية، كتيار الاعتزال الذي قُمع وأُفرغ من نضاله الدمقراطي!
والامر لا ينطبق على مذاهب السنة بل أيضاً ينطبق علي المذاهب الإمامية المتعددة، بدءاً بالزيدية التي تحولت من حركة معارضة إلى جماعة إقطاعية عبر بني بويه وفي اليمن، وكانت منفتحة في المغرب، والإسماعيلية التي كانت حركة اغتيالات وتمرد فصارت عبر الحكم والهيمنة على الجمهور جماعة قصور ونحلة
سرية وهيمن عليها الإقطاع كذلك، وأصبح آغا خان زعيمها الروحي يوزن بالذهب في الزمن المعاصر! ولا تشذ الإثناعشرية من هذا التاريخ حيث كانت معارضة أسرية منذ البداية، أي تريد الحكم لآل البيت العلوي ثم انتقلت إلى هيمنة رجال الدين الكبار الذين تداخلوا مع السلطات في إيران وبعض المناطق، أما الجمهور الشعبي المستقل فعجز عن تشكيل صوته الخاص!
وهكذا فإن المعارضات المذهبية اكتسبت طابعاً تقليدياً غير قادر أن يصوغ وعي الحداثة والديمقراطية، بعد أن تشبعت بالهيمنة الطبقية العليا.
ومن هنا قامت هذه الهيمنة الطبقية المذهبية العليا، وفي مختلف المذاهب، بمعارضة كافة أشكال الوحدة بين المسلمين وهذه الوحدة تفترض مبدأ الصراع الطبقي بداهةً وضرورةً، حيث لا توجد وحدة قوية دون صراع!
ولم تعارض أي سياسة استعمارية أو وطنية إلا حين تتعرض لسيطرتها الخاصة، وحين تقوم بالتحديث الذي تعتبرهُ قضاءً على تلك السيطرة المطلقة على الطوائف. لكن المجتمع الإسلامي الحديث لا يمكن أن يتقدم إلا على ضوء الحداثة، وعلى تفكيك الطوائف وتحويلها إلى شعب موحد منصهر في بوتقة وطنية، وبوتقة الوطنية تفترض انقسامه الحديث إلى طبقات لا إلى طوائف، حيث تتصارع الطبقات على توزيع الثروة وتطوير البنية الاجتماعية المتخلفة، وصراع الطبقات إذا تم بشكل حضاري سلمي يقوي الأوطان أما الصراع الطائفي فهو يقوضها، ولا بديل عن أحدهما، فإما تطوير وأما هلاك!
إن الصراع الطبقي يتماشى مع آليات الحداثة، ولا يتعارض مع الانتماءات المذهبية والعقائد الدينية، ولكن الصراع الطبقي يفكك الهيمنة التقليدية للقبيلة والطائفة والأمة، فلا يصبح لزعماء الطوائف سيطرة على الجمهور، بل يتوجه الجمهور لمصالحه الطبقية في النقابات والأحزاب.
وإذا كان أعضاء الطائفة ينقسمون إلى عمال ورأسماليين وتجار ومزارعين، فمن المستحيل تشكل وحدة سياسية واقتصادية بينهم، بسبب تعارض المصالح، فهذا في نقابة عمالية وذاك في منظمة لأرباب العمل، ويقوم زعيم الطائفة بتشكيل وحدة خيالية للطائفة المنقسمة المتصارعة، والتي تجد أقسام وحدتها النضالية ليس في كتل من طائفتها بل في كتل من طوائف أخرى أقرب إلى شقائها أو أرباحها او مصاحها!
وهكذا يصبحُ الشكل الطائفي السياسي عائقاً امام تطور الوعي الطبقي للقوى الشعبية المختلفة، والتي هي بحاجة إلى مثل هذا الوعي لوحدتها ودفاعها عن مصاحها وتصعيد رموز سياسية إلى النقابات والبرلمان يعبرون عن هذا الوعي ويجسدون تلك المصالح!
ويحتاج الفقراء والعمال أكثر من غيرهم إلى مثل ذلك لأن القوى الأخرى تجد السبيل لتحقيق مصاحها عبر ثروتها وصوتها المسموع.
وكما قلنا فإن قوى اليسار التي وهنت قواها في بعض المناطق العربية فقدت القدرة على تصعيد مثل هذا الوعي الطبقي، نظراً لانقطاعها عن الجمهور لشتى الأسباب، وحيث وجدت ان الطوائف ذات الظروف الصعبة تطرح مسائل العدالة الاجتماعية فقد اعتقدت بأن هذا هو الوعي الطبقي ولكنه تشكل عبر الشعار الطائفي!
هنا يتضافر الوعي الانتهازي والفرصة السياسية، فمع انقطاع أدوات التحليل الموضوعية، يقوم بعض ممثلي الفئات الوسطى الذين وهنت قواهم الفكرية والسياسية المدافعة عن العاملين، باقتناص الفرصة واستغلال الحركات الطائفية من أجل مصاحهم الشخصية وليس من أجل مصالح الحركتين السياسية والاجتماعية.
وهنا تأتي مفاهيم السنة والشيعة والمسيحيين وتحويلها إلى مفاهيم كاريكاتيرية، (حيث يوجد الفقراء المسلمون تكون القضية والكفاح والتضحية، وحيث يوجد الأغنياء المسيحيون أو السنة توجد الكوارث!).
هكذا تم التعامل مع القضايا المعقدة للتركيبة الطبقية والثقافية اللبنانية مثلاً !
ولكنها لا تقتصر على الانتهازية السياسية بل تجمعها مع الانتهازية الفكرية فتقوم بالتنظير لمثل هذا السقوط، لأنها هنا تخدع فقراء وعمال الطوائف المختلفة، وتسلم قيادتهم لقوى استغلالية متخلفة، وتجعل العاملين يتذابحون، فيتم منع تطور وعي العمال الطبقي المستقل ويتحولون إلى أدوات في يد قوى توظفهم من أجل مصاحها وارتفاعها السياسي الخاص.
وهكذا راينا بعض الحركات القومية والدينية واليسارية تصعد رموزاً وقيادات سياسية شمولية طائفية تقوم بذبحها واستغلال الثروات وتخريب التطور عامة.
علينا أن نقول: إن الطوائف يعاد تشكيلها مع النظام الاقتصادي الحديث، فهي تصطف فى طبقات مختلفة، ولكن ذلك يتعلق مدى تطور النظام الرأسمالي في البلد المعني، أي مدى تحوله من نظام إقطاعي مذهبي تشكل على مدى القرون السابقة، إلى نظام غير طائفي وحديث، أي ألا تكون لافتة الطبقة المسيطرة على النظام السياسي لافتة مذهب ديني معين، بل أن تكون خارج المذاهب، وأن تتشكل بفكر الحداثة، أي لا تنتمي لطائفة معينة، بل تنتمي لكل الطوائف، لأنها تعبر عن طبقة ولا تعبر عن طائفة أو عن عائلة أو قبيلة أو عن وطن أو عن أمة!
هكذا ينزاح الفكر القبلي والطائفي والوطني والقومي بمعنى أن الطبقة الحاكمة لا تزعم أنها معبرة عن الشعب كله أو الأمة كلها أوعن الطائفة كلها، فهذه تعميمات خادعة، وغير ممكنة سياسياً واجتماعياً، فهي تعبر عن شريحة من طبقة أو عن طبقة كلها أو عن مجموعة من الطبقات، بحسب تحديدها لأهدافها السياسية والاقتصادية الانتخابية وتصويت الجمهور لها، الذي من الممكن أن ينحسر فى انتخابات أخرى، وتجد أن تعبيرها الطبقي تقلص أو زال!
ومن هنا تبدأ القوى السياسية بإدراك تمثلها الاجتماعي الطبقي الحقيقي، وليس الموهوم الذي افترضته مسبقاً، بحسب وعيها الذات بأيديولوجيتها غير الموضوعية وغير الدقيقة!
إن للتعبير الطبقي هو تمُثل انتخابي، لأنه لا يوجد حزب يستطيع أن يعبر عن طبقة بشكل كلي، وأبدي، بل قدرته تتمثل في دمج أهدافها الاقتصادية والاجتماعية في برنامجه، ولهذا فإن الجماعات الطائفية ليس لديها برنامج طبقي، فلا تستطيع أن تعبر عن طبقة، ولهذا تعيش الجماعات الطائفية في مخاض سياسي لا تعرف كيف تخرج منه، وفي بلبلة فكرية واجتماعية، وهي لا تستطيع ذلك سوى عبر الخروج من تشكيلتها الطائفية، أي عبر اتحادها الفكري مع جماعات من خارج طائفتها والخروج من تسييس المذهب.
ومن هنا يغدو تفكيك الإقطاع الديني والإقطاع السياسي، وتكوين الطبقات والوعي الطبقي الحديث عمليات متداخلة، لأن الوعي الطائفي يعجز بشكل مستمر عن تمثل تطور العملية الاجتماعية الديمقراطية، كما أن آليات السيطرة الحكومية الشاملة تفتقد مبرراتها وتتشكل حالات استقطاب بين المجموعات المتحدة المصالح.
ومن هنا ضرورة أن تلعب العناصر الديمقراطية داخل الطوائف حراكاً سياسياً لتكوين حركات سياسياً مؤثرة تنسلخ من التكوينات الطائفية/السياسية، نحو التكوينات السياسية الوطنية.
ومن هنا ضرورة ألا يرتبط ممثلو القوى الدينية أنفسهم بجماعة طائفية معينة وأن يطرحوا الخيارات السياسية المتعددة أمام المنتمين إلى الطائفة الواحدة حسب مواقعهم الاجتماعية وخياراتهم الفكرية، كذلك أن تتحول الدولة من آلة فكرية دينية إلى دولة خدمات متداولة بين القوى السياسية الفائزة في العملية الانتخابية، لا شأن لها بتمثيل مذهب معين.
عبر هذا يمكن الحديث عن تجاوز مسألة الطائفة الحاكمة والطائفة المحكومة، وهذا سوف يطرح قضايا عديدة متعلقة بالتعليم والثقافة وتطور الفقه المشترك وبقاء خصوصيات الطوائف العبادية.
وفي هذه العملية المخاضية الديمقراطية ستواجه التجارب بطبيعة الحال المتطرفين والمتعصبين من كل الطوائف الذين سيرفضون التزحزح عن الأشكال الطائفية السياسية، باعتبارها الممثلة للطائفة، وسيكون هؤلاء متعاونين مع القوى القومية
والحكومية الرافضة وفي تباين في جسم الأمة والشعب والطائفة!
وهذا يعبر عن احتكار سلطوي داخل الطوائف والدول، وزعامات تقيم سيطرتها على سلطة أصبحت متجاوزة من قبل التطور السياسي.
وهذا الاحتكار السلطوي الاقتصادي هو العقبة الأساسية أمام الديمقراطية الحقيقية، وأمام أن تكون الدولة والمجتمع في صراع اجتماعي وليس في صراع طائفي.
ومن هنا تترافق الإصلاحات السياسية مع الإصلاحات الاقتصادية : تفكيك القطاع العام من سيطرة الدولة، ومراقبة ثروة البلد من قبل المجالس والقوى السياسية، وتطوير أوضاع الفقراء والنساء من التخلف والأمية والفقر .. الخ.
≣ الشاه وحداثةٌ لم تكتمل
ِ قدموا لفارس في الفترة الأولى بوابة للحرية، لكن هذه البوابة كانوا يحملون مفاتيحها هم ولم يعطوها للفرس!
هذا الجانب الشعبي الذي مثـّل لحظات من النضال المشترك بين الشعبين العربي والفارسي، حدث بسبب أن العرب كانوا قبائل حرة في الجزيرة العربية، ولم يكونوا مثل سكان بلاد الرافدين يعيشون تحت حكم استبدادي طويل يبدأ مما قبل التاريخ.
ولهذا فإنهم أطاحوا بالحكم الاستبدادي فيها، لكن لم يستطيعوا أن يشكلوا نظاماً للحرية في بلدانهم، فانتكست العلاقة الأممية مع الفرس وغيرهم من الشعوب.
إن صعود الأقليات الارستقراطية الحاكمة في قلب العاصمة العربية، في العراق، جعل صعودها في البلدان الأخرى فوق هامات الشعوب مسألة طبيعية.
ولهذا بدأت مسلسلات الثورات في كل المناطق، وخاصة لدى الفرس الذين عاشوا حكم امبراطورية عالمية وسخروا من أن يقوم عربُ الجزيرة بحكمهم!
كانت كل المذاهب الدينية الإسلامية المشكلة لدى الفرس من إنتاج عربي، ثم يضفي عليها الإيرانيون صبغتهم القومية حسب هذه القوميات والظروف التاريخية.
ولكن في التاريخ ما قبل القومي، قبل العصر الحديث، لم تكن ثمة حساسيات من الاختلاف القومي إلا ما يُسمي بالشعوبية وهي كراهية بعض الفرس للتعريب.
في التاريخ الحديث انفجر الصراع القومي الفارسي العربي حول التداخل القومي بينهم على الأطراف الجغرافية بسبب تدخلات الدول الغربية التي وجدت المنطقة حقولاً كبرى للذهب الأسود، لهذا عملت على خلق الاختلافات والصراعات فيها، فبينما لم تقع أي حروب بين الإيرانيين والعرب خلال التاريخ الطويل لهما، تفجرت حروب حين تصاعدت الاتجاهات القومية والدينية في المنطقة، ثم غرق الفرس والعرب في حروب مباشرة وغير مباشرة، وتوقفت أجزاء كبرى عن التطور والتنمية والعلاقات العادية بين الأمم.
عجز العرب والفرس عن تصعيد نزعات قومية ديمقراطية وكان انتشار التعصب المذهبي السياسي تعبيراً عن البقاء في وضع ما قبل الحداثة وما قبل القومية.
ولهذا فإن انفصال الحركات القومية في إيران عن المذهبية السائدة بسبب ما عانته من استبدادها، ولبحثها عن تطور ديمقراطي تحديثي قومي مستقل لكنها مقموعة ولا تستطيع أن تعبر عن ذاتها إلا من خلال حب الوطن بأشكال مجردة وضبابية.
فيما عجزت العديد من الحركات العربية ذات البذور القومية عن تطوير رؤاها الفكرية الاجتماعية وتحليل التاريخ الاستبدادي المذهبي المحافظ ونشر ثقافة سياسية مغايرة.
≣ الفاشيةُ في إيران
ظهرتْ في إيران نفس التأزمات التي ظهرت في البلدان ذات الإشكالية في التطور التاريخي، كألمانيا وإيطاليا واليابان وروسيا، فالتطورُ الرأسمالي تعرقله بنيةٌ تقليدية ترفض النمو الديمقراطي لتفكيكِ الإقطاع في الريف والعائلة العامة وبناء السلطة والثقافة وحرية القوميات المختلفة وسط الدولة الشمولية المركزية.
ومع هجوم الأمم الأخرى كروسيا ودول الغرب وطرحها مشروعات تحويلية من الخارج تُفرض على الأمةِ الفارسية قامت القوى السياسية والاجتماعية القومية الفارسية بطرح خيارات تغلبت فيها الخياراتُ الدينية المحافظة ذات الشكل المتخلف الذي كان يمتلك جذوراً أوسع وجمهوراً منظماً كبيراً على الخيار التحديثي الديمقراطي.
الخيارُ الروسي الذي ظهر عبر الثورة البلشفية تغلغل في إيران عبر حراك الشمال السياسي وكاد ينتزع من إيران أجزاء منها ليقيم دولة(العمال).
لكن الخيار الداخلي منه المتجسد عبر حزب الشعب الإيراني (توده) استمر في الحضور مخوِّفاً الأوساط الرأسمالية والدينية المختلفة من التحول الجذري الشبيه بما يجري في روسيا.
كما رأينا كان هذا الخيار قد أستخدم نفس أشكال العنف المستخدمة في ألمانيا، ولم يتأصل في التجربة المحلية وتاريخها.
الخيارُ الرأسمالي الغربي الديمقراطي برز أكثر بعد الخمسينيات من القرن العشرين أثناء تحولات الشاه والثورة البيضاء لكن مع وجود الاستعمار الأمريكي والسافاك، فظهر هذا التحول كتبعية للغرب ونظام الشاه أداة لها.
قبل عقود كانت عناصر الوعي الفاشي تنتشر في بعض الأوساط الدينية الكبيرة، وحازت تلك العناصر السياسية والثقافية الجرمانية على تقبل تلك الأوساط، وهي رؤى ترفض العقلانيةَ والتطور الديمقراطي وتعلي من شأن الحدس والغيبيات والصوفية، وتلغي السببيات وقوانين التطور التاريخية. وهي نفسها العناصر التي صعّدت الهتلرية، وأعلت من شأن العنف وسيطرة النخب العليا.
لقد قامت بدمج تلك الرؤى بالمذهبية الإثناعشرية، وقوت فيها العاطفية الشديدة والانغلاق.
وكانت ولاية الفقيه هي التتويج السياسي لكل هذا التحول، فقد جعلت من الارتداد إلى الإقطاع وهيمنة رجال الدين ورفض التطور العصري أساسيات للحكم.
كان هذا التحول لا ينفصل عما يجري في العراق حيث وُجدت البيئة الفكرية السياسية لهذا الارتداد عن العصر، حيث كانت مؤلفات محمد باقر الصدر قد نظّرت لرفض الاشتراكية والرأسمالية معاً، وهو ما أخذه من ارتداد الإخوان المسلمين عن الحداثة والديمقراطية.
ولهذا جاءت ولايةُ الفقيه في العراق متناقضة حتى مع الشمولية القومية في البعث التي احتوت بعض العناصر السياسية التحديثية، وهي التي كانت أقرب للسلطوية.
اكتملت العناصرُ الفاشية للنظام الديني الإيراني وأظهر التطبيق عداءها للتحديث الديمقراطي برفض سمات الثورة الشعبية الوحدوية والعصرية والديمقراطية، وسحق تلك القوى البانية للتجربة التحولية المشتركة.
فغدا الشكلُ السياسي الاجتماعي محافظاً على البنية العتيقة من حيث سيطرة الإقطاع في الزراعة والعائلة العامة وبناء السلطة والثقافة، وتغدو الرأسمالية حكومية مهيمنا عليها من قبل رجال الدين.
كما يقوم الشكل باسترجاع القومية التوسعية المذهبية غير معط لاتباع المذهب بالتحرر والمدنية الحديثة ويغدون مربوطين بسيطرة رجال الدين المطلقة.
≣ خندقان وأمّتان
تجثم كلٌ من الأمة العربية في المشرق والفارسية في خندقين متواجهين.
مجموعُ الأنظمة غير قادر على الخروج من الأزمة البنيوية السياسية الشاملة.
منذ بداية العصر الحديث وهما تصعدان لذروة هذا الموقف المتجه لحافة البركان.
الأمة الفارسية عبر السيطرة عليها من قبل قوى محافظة مأزومة في قدرتها على التغيير وتشكيل حداثة مقاربة للعصر، حيث لم تستطع خلال القرون السابقة أن تجمع بين استمرار المذهب (الاثناعشري) والعيش الآمن المتعاون مع القوميات غير الفارسية والتي أغلبها يدين بمذهبية سنية مغايرة.
تمثل المذهبياتُ الإسلامية كما صاغتها القوى الارستقراطية العليا مذاهب قوميةً متوارية سائدة عسكرياً على العامة في قومياتها والقوميات الأخرى.
ولهذا فإن الحدودَ القومية الفارسية كما صِيغت عبر العصور كانت تمنع هذه القوميات الدينية من اختراق المصالح التاريخية للفرس والتي ظهرت بشكلٍ امبراطوري في أزمنة تاريخية غابرة.
ولكن التاريخ الإسلامي الذي أزاح الشكلَ القومي للتطور ومثّل تاريخاً دينياً مشتركاً ما لبث إن أظهر في بطانتهِ التحركات القومية الأكثر عمقاً، والتي أعادت للفرس أشكالاً تاريخية حركية سابقة فوق الهضبة الإيرانية مجال النفوذ والوجود القومي.
وهذه الحركة القومية المتوارية تمت من خلال المذهبية الإثناعشرية التي إستُوردت عبر الحركات القديمة والتي توجت التطورَ الإمامي المعارض عبر العصور لمركز الخلافة العربية الإسلامية ذات الشكل المذهبي السني.
واستعادت هذا الموقع والامتدادَ الإيراني مصدمة بالقوميات الأخرى ذات الأشكال المذهبية المغايرة في الجانب الغربي خاصة، والتي صعدت مع أشكال وثقافة قومية غير مكتملة، وظلت في أجنة المذهب، كما عادت كذلك الإرث الساساني للامتداد في التاريخ الامبراطوري والتباهي بعظمته.
الاصطدام بالقوميات المتعددة تحول أحياناً لحروب وصدام خاصة مع الامبراطورية العثمانية التي بدت كالشكل السني المنافس للصعود الشيعي المقابل.
القوميات العربية والكردية والتركية وغيرها التي راحت تكون دولها حسب مستويات تطورها الاجتماعية تمايزت تطوراتها، لكنها جميعاً استمرت في الشكل الديني المحافظ وإن اقتربت الأمة التركية من الحداثة والخروج من دائرة الماضي وعدم العودة للإقطاع.
فيما لم تستطع الأمةُ العربية وأقسامها الشرقية القيام بهذا الصعود واصطدمت دولها بالتطور الفارسي القومي الإقليمي، الداخلي- الخارجي، وجاء ذلك في أكثر الدول تطوراً وعنفاً وهو العراق، الذي انكسر أمام التمركز الفارسي والتطور الكبير الحاد فيه.
التحول التاريخي الفارسي القومي المتمركز الذي اتخذ الشكل الرأسمالي الحكومي حتى الآن لم يعثر على صيغة التطور الداخلي المنسجم، بين القومي والقومي الآخر، بين الديني ذي التطور الخاص والأشكال الدينية الأخرى، بين الذات الفارسية والتطور الديمقراطي البشري.
فيما القوميات الأخرى المجاورة تصطدم بهذا التطور الذي يفرض ذاته، ويدخل في نزاعات مكلفة عليه وعلى الآخرين، ويرفع فاتورة التحول الديمقراطي الذي قد يتم بأشكال فوضوية صدامية.
≣ تصاعدُ الفاشية فكرياً في إيران
مَثّلت الاثناعشرية شكلاً فقهياً سياسياً سلمياً للشعوب في فارس. فقد تحكمتْ الزيديةُ والإسماعيليةُ في التاريخِ الديني لقرونٍ بعد الفتح العربي، وكانتا تكرسان العنفَ وترفضان الحلولَ السلمية للتطور السياسي، والأخيرةُ منهما ترسلُ الخناجرَ المسمومة لحكامٍ يختلفون معها. ولهذا انتصرتْ الاثناعشريةُ عليهما وذابتْ أفكارُ العنفِ السياسية الحادة الكبرى، ولم تكن التقيةُ وانتشارُ الصوفية في إيران إلا أشكالا أخرى لرفض الصراعات الدموية وتفجير الخلافات السياسية ومن أجل الاهتمامِ بجمال الطبيعة وتكريم الإنسان وتقدير حياته.
وبين الصوفيين أمثال سعدي الشيرازي و(الرومانسيين) كعمر الخيام الهائمين العاملين في عالم الأخوة والمحبة، وبين عالم تكريس إيران الراهنة لأغلب اقتصادها للعسكر والاستعداد للحروب هوةٌ هائلة، فكيف انزلقت إيران لمثل هذا العالم المناقض لثقافتها وتاريخها؟ ما الذي قذفها من كلمات سعدي مثل (إني أحرقتُ نفسي كالعودِ في نار الفكر لكي يفوحُ نشري في العالم) إلى أن تصنعَ الخرافة لتنفيذ الغزو؟
فكرةُ ولاية الفقيه هي ذروةٌ لتطورٍ يعودُ الى الوراء عن تلك التوجهات، فقد قام فلاسفةٌ ومفكرون بزرع بذور الانغلاق القومي وكراهية الحداثة ونتائجها الموضوعية.
وبخلاف الثقافة العربية وظهور منورين عديدين ربطوا الثقافة العربية بالاتجاهات الديمقراطية الغربية، تصاعدتْ أفكارُ المنغلقين وأصواتُ أعداء الثقافة الديمقراطية الغربية الإنسانية في إيران، ولم تفندْ دعواتَ الفاشيةِ الغربية بل تغلغلتْ فيها وزرعتها في تربةِ الكراهية، وقد كان أحمد فرديد (1914-1984) من أوائل من عبر عن رفضهِ للثقافة الغربية العقلانية والنزعات المادية متوجهاً للنزعة الوجودية اللاعقلانية لدى مارتن هيدجر أحد مفكري النازية والمروجين لها. وشغلتْ أفكارُ هيدجر مكاناً مركزياً في وعي النخب الدينية و(التحديثية) باعتبارها ذات (آثار تدميرية خارج محيطها الخاص).
تحولت أفكارُ فرديد الشفاهية غير المدونة إلى مادةٍ أساسية لدى المحافظين يبثونها في الحياة والمناهج الدراسية، وغدا فيلسوف النازية الألماني هيدجر وكذلك نيتشه المؤسس الأول لهذه الرؤية من المؤثرين الكبار في وعي النخبة الإيرانية ذات النزعة الفاشية.
عبرت أفكارُ فرديد عن مخاوف الإقطاع الريفي خاصة من تنامي الحداثة، وزادت الثورةُ البيضاء الفاشلة من معاناة الريف وتغلغل الرأسمالية بدون تطور عميق وطني إصلاحي، ومع غياب الطبقة الوسطى الحاضنة للحداثة، فإن المفكرين وبعض الأدباء ينقلبون كجلال آل أحمد، وبدلاً من تشجيع الحداثة يتحول إلى عدو لدود لها:
(إن خطاب جلال آل أحمد حيال (المكننة)، وأثرها التغريبي في الشرق، ودورها في استئصال صورة الحياة التقليدية، وتدنيسها طهرانية عالمنا، ظل هذا الخطاب محكوما بعقدة (المكننة) في غير واحد من كتاباته الأخرى، لا سيما كتابه الأثير الذي نقد فيه النخبة ووسمَ مواقفَهم بالخيانة، حسبما يشير عنوانه (المستنيرون: خدمات وخيانات). عن مقالة (مفهوم التحيز والتمركز في الفكر الديني الإيراني المعاصر) لعبدالجبار الرفاعي.
يُجري جلال تعميماً لثقافة الغرب فهي كلها شر، بدلاً من رؤية الفارق بين التوجهات الديمقراطية والتوجهات الاستغلالية المتدخلة في مصائر الشعوب، فكيف يمكن المساواة بين الإنجازات الإنسانية في حقولِ المعرفة والطب والثقافة والاقتصاد والتقنيات، وبين الأساطيل التي تدكُ البلدانَ ومنظمات التجسس؟
وقد اشتغل جلال آل أحمد عقدي الخمسينيات والستينيات خاصة في القصة والكتابة الفكرية محارباً الحداثة، عائداً الى الغيبيات الأسطورية غير الفاعلة تحويلاً للواقع، وقد رأينا في مقالةٍ سابقة مجموعة من الكتاب يسممون الوعي الإيراني بخلايا الفاشية (راجع الثقافة الإيرانية من الآرية للطائفية).
وقد أدان الباحثُ الإيراني سيد حسين نصر (1933)، (تفشي النزعة الإنسانية منذ عصر النهضة) و(أنها تنحاز للعلوم والمعارف غير الدينية باعتبارها تمثل السعادة الاجتماعية في هذا العالم)، ورفض كافة العلماء والمخترعين الذين أسسوا العالم الصناعي الحديث والثقافة الديمقراطية طالباً العودة الى الإشراق والعالم الروحي الشرقي المفارق للواقع.
عبرت هذه الآراء عن إنشاء ثقافة معادية للديمقراطية، ولتشكيل عامة متخلفة مُقادة متعصبة، وللإبقاء على الشعب من دون تغلغل الأفكار التحديثية وتمزيقه لشبكة التخلف، وحضّرت للدكتاتورية السياسية الدينية المتداخلة المسماة ولاية الفقيه.
ولهذا رأينا النخبةَ الإيرانية الحاكمة في السنوات الأخيرة تنقسمُ بين مؤيدين محافظين لأفكار هيدجر، وبين معارضيها، لكن من خلال ليبرالية محدودة كما هي لدى رفسنجاني وخاتمي، فلم يتم استئصال الفكر النازي عبر مادية تاريخية ناقدة ولم يتم إصلاح العلاقات الإقطاعية في الزراعة وفي الأحوال الشخصية والثقافة بل كُرست وقننت.
≣ الانقسامُ الطائفيُّ المشرقي
كانت المنطقة في المرحلة القومية من الجانب العربي والمرحلة المَلكية في الجانب الإيراني أقرب للتحديث وتجاوز البناء التقليدي الإقطاعي، لكنها لم تستطع أن تقوم بتغييرات جذرية على مستوى البنية الاجتماعية عبر مساواة الرجال والنساء، ولا مستوى النظام السياسي بمساواة الحكام والمحكومين.
المناخ الثقافي المتخلف الذي يهيمن على الناس لم يسمح بذلك.
ولهذا فإنه حين جاءت الحقبةُ النفطية وأنهالت الفوائض على الحكومات فإن التطور السياسي تراجع للوراء، عبر التشبث بالنظام الديني المحافظ ونشره في الدول العربية والإسلامية.
ومع التراجع للوراء واختيار النظام الديني واعتبار تلك الفترة العصيبة بأنها فترة (الصحوة الإسلامية) فإن التجذر في مثل هذا الوعي صاحبه عودة للماضي وتصعيد تفاصيل التاريخ القديم والغرق في جزئيات المذاهب بأشكالها العتيقة.
العودة للماضي وطرح الخصوصيات كلٌ من جانبه أحدثتْ الهوةُ الكبيرة، وغدا النظام الطائفي هو المرجعية.
لم تكن الثورة في الجانب الفارسي سوى عودة للقومية بشكل مذهبي، والجانبان صُدرا للخارج بشكل ثنائي مخادع، فجرى التركيز على المذهبية للعرب، فيما أُعليتْ القومية الفارسية في الداخل.
العرب الشيعة أستقبلوا الشكلَ الديني، وحركوه في واقعهم العربي المختلف.
وكان هذا مضاداً لتحرك الجانب العربي العام في مذهبيته السنية المحافظة المماثلة جوهراً إجتماعياً وسياسياً مع المذهبية الشيعية بإعتبار كل منهما إفراز للعصر الوسيط الديني الطائفي العام.
ولم ينطبق هذا سوى على دول قليلة أو مناطق فيها كثافة شيعية، أما الدول والمناطق الأخرى بمذاهبها الإسلامية المختلفة وقومياتها غير العربية فلم تشهد مثل الانقسام الثنائي الحاد.
الجانبان العربي السني والفارسي الشيعي يغرقان أكثر في الأزمة العامة، أزمة العجز عن الانتقال من النظام الديني المحافظ الإقطاعي إلى النظام الحديث العلماني الديمقراطي.
الشيعة عادة يعيشون في مناطق ريفية أو نزحوا للمدن مع جلب تراثهم إليها، ولم يكن هناك تطور سياسي تحديثي ديمقراطي في الأرياف العربية عامة والمشرقية خاصة.
ولهذا حين عادوا لإرثهم الديني بشكل سياسي لم يقوموا بأي تحديث له، وأخذوه عبر رجال الدين الذين كرسوا التراث القديم ولم يعصرونه ويجعلوه ديمقراطياً.
وليس في الإرث الديني القديم (قومية) ولهذا فإن العروبة أو الفارسية القومية لا تظهران، وفيما عبّر الفرسُ عن قوميتهم بشكل مذهبي مركب فإن العرب لم يعبروا عن قوميتهم بشكل ديني، بل جاء الوعي القومي عبر مفاهيم علمانية قامت بكسر الحدود بين المذاهب ودمجت أصحابها في دعوة قومية توحيدية ولهذا كان العربُ أسبق في التحديث.
فيما العرب السنة عاشوا نظاماً محافظاً بشكل مذهبي مختلف، وحين جاءت الدعوةُ القومية العربية أُخذت من قبل طوائفهم المختلفة.
ولهذا فإن فض الاشتباك بين المذهبيين السنة والشيعة لا بد أن يكون عبر العودة للثقافة العلمانية الديمقراطية، عبر فصل المذهبين عن السياسة بادئ ذي بدء، وفصل القوميتين الفارسية والعربية عن بعض، فلا يمكن طرح البرامج الديمقراطية بأشكال دينية محافظة وهي ترفض الديمقراطية كليةً!
عملية خداع الذات وخداع الجماهير لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، ولا بد من الشجاعة الفكرية السياسية في هذا الجانب، وتوجه الكتل الاجتماعية للتعبير عن مصالحها الطبقية المستقلة، وكون الكتل الهلامية وهذا سوف يوحد الناس والعملية السياسية.
≣ الثقافة والسلطة في إيران
تترابطُ شعاراتُ السياسيين والمفكرين الإيرانيين بمسار التحولات العاصفة في رأسماليةِ الدولة الإيرانية القوة الأكبر في الحياة الاقتصادية السياسية.
في سنوات الرئيس خاتمي كان الصراعُ يتفاقمُ بين جناحي الليبرالية الدينية والفاشيين الدينيين الصاعدين. لكن خاتمي لم يطور البرجوازية الخاصة ويحجم رأسمالية الدولة بل اعتمد على التنوير الثقافي غير المتجذر في بنية إقتصادية قوية.
فيما أعتمد تطورُ النخبِ الإيرانية الشمولية على هزيمة فكر الحداثة الغربي الديمقراطي الإنساني، بعد انكسار تحديث مصدق وهزيمته في معركته السياسية، وصعد طرح المفكر الإيراني أحمد فرديد الذي رفعَ شعار(غرب زدكي)، بمعنى أن الغرب هو مثل ضربة الشمس، وبالتالي لا بد من العودة للإرث الديني المحافظ ورفض حضارة الغرب والديمقراطية والحداثة وما إليها.
في عهد خاتمي كان الانقسامُ على أشدهِ بين التيارين، وقد تنامى طرحُ الفاشيين الإيرانيين من خلال الترويج لآراء المفكر الألماني هيدجر القريب من النازية وكذلك عبر الإعجاب بكتابات نيتشه معبود هتلر، وبدأتْ عمليةُ التعاون الكبير بين العسكريين ورجال الدين الكبار وأفكار الفاشية الألمانية:
(..أن مرشح الهايدغريين هو محمود أحمدي نجاد، والذي لعب الدور كاملا، فنجاد هو تلميذ واحد من عتاة الهايدغريين وهو آية الله محمد تقي مصباح يزدي الذي كان أحد تلامذة فرديد الموهوبين، ويزدي هو الفيلسوف الأكثر شهرة في طهران خلال العقدين الفائتين، والمدعم (طالما هو من الهايدغريين) بمعاداة السامية، ورفض الهولوكوست، والتخلي عن التقية تماماً)، علي بدر، روائي عراقي.
كان صعود نجاد يترافق مع إزاحة التيار الليبرالي الديني فأدى إلى طرد شخصيات سياسية وفكرية كبيرة من السلطة واعتقالهم أو هروبهم من إيران، لكن (الإصلاحيين) واصلوا الصراع ضد السلطة الأشد دكتاتورية المتنامية، ومعروفةٌ هي الأحداث الكبيرة التي جرت بعد الانتخابات الرئاسية، وقام أحمدي نجاد بتركيز السلطة في يده على المستوى التنفيذي وتوسيع حضور العسكر وتحويل ملكية الدولة للجيش وتوسعت الأفكار الخرافية.
يقول موسوي رئيس الوزراء السابق: (هناك في السلطة من تمادى وتوقع قرب تحقق ظهور المهدي المنتظر، وعلى هذا الأساس وضعوا السياسات الخارجية والداخلية للبلاد في إطار خرافي، البعض يعتقد أن ظهور المهدي سيكون بعد ستة أشهر أو العام المقبل ولهذا أوقفوا تنفيذ مشرعات صناعية ومشاريع أخرى متعلقة بالطاقة والمياه ويشلون اقتصاد البلاد فقط بحجة الانتظار. هناك أفراد يسيؤون تفسير فلسفة ظهور الإمام المنتظر لأغراض سياسية).
لكن القمع لليبراليين الدينيين تواصل ووصل للحرس الثوري: (قرر المرشد علي خامنئي إحالة 250 من كبار قادة الحرس الثوري إلى التقاعد وذلك بتشكيل لجنة خاصة رأسها نجله مجتبي)، موقع المهدي.
على المستوياتِ الفكريةِ والسياسية والاقتصادية تحدثُ تداخلاتٌ، فلغةُ المفكرين الألمان تزول، حيث أن السياسيين العامِين يركزون على مخاطبة الناس العاديين وإستثارة غرائزهم الدينية والاجتماعية، فركز أحمدي نجاد على الخطوط العريضة لأفكار آية الله يزدي، بتصعيدِ العلاقة مع الإمام المهدي وتحويلها لشأنٍ يومي أقرب للهستيريا، ودفعهم للتجنيد والعنف عبر هذا التصعيد، كذلك يغدو تصعيد الكراهية لليهود إلى درجة الجنون، من أجل خلق تلك الهستيريا الشعبية التي لن تقف عند الجمهور الإيراني بل سوف تتغلغلُ في الجمهور العربي، فإنكارُ مذبحةِ النازية لليهود هو إضافة لخلق الهستيريا القومية هو إعادةُ بعثٍ لهتلر، وجعله رمزاً، بحيث تغدو المذابح سياسةً يومية.
إن كبار العسكريين المصاغين بهذه الأساليب هم بحاجة لمثل هذا الجيشان والاضطراب النفسي لكي يشطبوا المشاعرَ الإنسانية من جنودهم ويخلقوا الحروبَ بين الدول والقوميات وداخل الشعوب أنفسها، مثلما يحدث في سوريا، وهذه مرحلة مستمرة ولم تستنفد ويمكن إدخال جوانب دينية أخرى فيها.
هذا لم يمنع من توسع القطاع الخاص وتوزع دخوله على متنفذين؛ وتعتبر حادثة خصخصة بعض الشركات الحكومية ومن بينها شركة الحديد والصلب من أكبر فضائح الفساد المالي في إيران، وقد تورّط فيها مصرفيون ومسئولون كبار. وتقدر الأموال المختلسة بثلاثة مليارات دولار)، الوسط البحرينية 22 أبريل، 2012.
ثمة ترد كبير في الحياة الاقتصادية وتغييرها بحاجة لتعاون مختلف القطاعات في السياسة الاقتصادية ويعبر صعود روحاني عن هذا التحول، عبر خلق بؤرة في السلطة متوازنة وتسعى لتطور مختلف القطاعات الاقتصادية العامة والخاصة والعسكرية من أجل نمو واسع لمختلف القطاعات، وهذه تحتاج لثقافة منفتحة، وليس لثقافة دينية شديدة الانغلاق وخرافية وليس لتوجه عسكري محض كذلك، فهذا هو دور روحاني عبر إنعاش القطاعات المتعددة لكن دون تطورها لمرحلة ديمقراطية سياسية! لكن هل يمكن ذلك؟!
≣ الوضعُ الإيراني والتحولات
ليست التحولات الإيرانية السياسية جوهرية، إنها لا تبلغ مستوى عظام النظام، فالسلطة الدينية العسكرية تظل هي العمود الفقري، وقد وصلت إلى مأزق بنيوي كبير تمثل في وصول المستوى السياسي العسكري للنظام إلى أزمة واسعة مستفحلة، وانعكست ذلك على حياة الجماهير المتردية وتجسد في تدهور لم يسبق له مثيل للعملة.
لكن الأوضاع لم تبلغ درجة الأزمة الثورية، فالجمهورُ الشعبي لا يزال يعيش حتى بدرجة الكفاف، ولم ينزل بإتساع للشوارع، وشاركت أقليةٌ منه في نضال الليبراليين الدينيين في أزمة الانتخابات المزورة، وكان هذا مؤشراً على رفض الشعب عامة قيادة الدينيين بألوانهم المختلفة حتى لو تصارعوا.
لقد أدت التجربة الشمولية الكابوسية في إيران إلى الارتداد المؤثر عن الدين، وإلى رفض الرؤى الدينية المحافظة. لقد كان النظامُ صدمةً تاريخيةً لها، فقد انتقل من عهد إنفتاح ليبرالي إقتصادي وشمولي سياسياً، إلى وضع إستبدادي محافظ شامل.
هذا ما جعل الجماهير الإيرانية لا تنجرُّ لصراعات الدينيين لكنها لم تبلور ذلك في رؤى سياسية ديمقراطية واضحة، فقد أُطبق على القوى السياسية المستنيرة ومُحيت من الأرض الشعبية، ولم تعد تتواجد سوى في المهاجر والفضائيات، ولم تستطع حتى أن تتواجد في العمل السري الداخلي، نظراً لطبيعة النظام الفاشية حيث القهر يتم بأشكال جماهيرية عبر المنظمات الدينية العسكرية السياسية الواسعة الانتشار.
لهذا فإن صراعات وإختلافات القوى الدينية الحاكمة والمعارضة لا تجذب الشعب إلى حلقتها، فهي تتطلعُ إلى تغيير عميق في طبيعة النظام، وليس إلى ظهور نسخة جديدة منه.
وتغدو الاختيارات الانتخابية الممكن الوحيد حيث يتم التصويت لأقل المرشحين خطراً، والذي يمكن أن يفتح ثغرةً ولو صغيرة في جدار النظام السميك.
ولهذا حدث التلاقي بين القيادة الدينية العسكرية ورغبة الناس في التغيير البسيط المحدود، وجاء روحاني كمناورة كبيرة للنظام من أجل تهدئة الشعب وتغيير طابع اللعبة داخلياً وخارجياً، ورفع الحصار والعقوبات وتسييل الأموال والتنفيس عن حالات الاحتقان الاقتصادية السياسية المتصاعدة.
وهذا يتلاقى مع هوى القيادة الأمريكية في تجنب الحروب والضربات العسكرية المضرة بإيران والمنطقة وأمريكا ذاتها، ويفتح الاحتمالات للتحول الداخلي، وللتغلغل الاقتصادي الأمريكي والغربي في السوق الإيرانية المجَّمدة حالياً والتي تكمنُّ فيها إحتمالات ثرة.
النظام الإيراني في هذه المناورة السياسية الكبيرة يدخل تناقضاً جديداً، وهو التناقضُ بين الشكل الديني السياسي للنظام والشكل العسكري.
إن الشكل العسكري حيث قوى الحرس الثوري تطبقُ بآلتِها القمعية الواسعة على الشعب، وتطبقُ شركاتُها الكبيرة الكثيرة على الاقتصاد، غدا شكلاً متجاوَّزاً، وصالحاً لمرحلة حربية إنتهت عملياً، ولم تعد تكلفتها مقبولة.
تخفيف القبضة العسكرية الأمنية والاقتصادية، من المأمل أن يفتح المجال للقوى الاقتصادية الخاصة، خاصة من داخل النظام، وهو الأمر الذي كرسه الرئيس الإيراني السابق نجاد، فلقد قامت الخصخصةُ بإثراء المسئولين العسكريين والسياسيين المقربين للنظام.
ولهذا فإن الانفتاح وجذب الاستثمارات وإنعاش الاقتصاد فرصة كبيرة كذلك للطبقة الحاكمة بفئاتها المتعددة، وهو الأمر الذي سيؤدي لازدياد الفوارق الطبقية بين الحكام والمحكومين ويغدو فيه الشكل الديني العسكري الضيق قيداً ثقيلاً على الحياة الحرة الشعبية.
وقد سعى النظام لكي يغدو الانفتاح على القوى العليا على مستوى السياسة الداخلية في المجتمع مثلما يغدو الانفتاح على القوى العليا ورأسماليات الدول الكبرى على مستوى المنطقة والعالم.
ولهذا فإن عزل القوى الشعبية العربية والإيرانية عن بعضها البعض، وعدم تطور التلاقي الديمقراطي الإسلامي الإنساني، يُظهر الطابع الطبقي لشعارات الكفاح من أجل المستضعفين، حيث أُتخمت القوى العليا الحاكمة في المجتمع الإيراني مالياً وهي خائفة من الجمهور وبحاجة لنظرائها في الدول الأخرى.
≣ إيران.. إلى أين؟
قامت مصائرُ الدولِ القومية العسكرية على تحولاتٍ مفجعة، فألمانيا وإيطاليا وروسيا واليابان والعراق والتي إنتقلتْ من كياناتٍ سياسية فسيفسائية إلى دولٍ مركزية عسكرية عبرَ إيديولوجيات تسريعيةٍ واجهتْ حروباً ضارية لتكونِها أو لتفككِها وهزيمتها.
وكلما إنتقلتْ من هزائم وضراوةِ وجودٍ إلى دولة مركزية تتشكلُ بالقوة وتعجزُ عن الاستقلال الداخلي الحر لكياناتها، كلما واجهتْ مستقبلاً كارثياً.
لا شك أن مصيراً مخيفاً ذلك الذي طحنَّ دولَ المحور وقضى على الملايين من سكانها، ولفَ الدولَ المجاورة لها بمصير مماثل ليس لشيءٍ سوى القرب الجغرافي.
مثل روسيا تكونتْ إيران عبرَ الخروج من تاريخ الغزو التتاري الضاري، فكونتا نفسيهما بعنفٍ مماثل، ووحدتُهما الصارمةُ تتفككُ بقسوةٍ في زمنٍ لاحق، لما يقوم به كياناهما المركزيان من تمددٍ خارجي عنيف، لا يعرفان غيره أما إلى مستقبل وهمي أو إلى ماض خرافي، فتجمعان الأسطورة والعنف.
وإذا إستمرتْ روسيا ككيانٍ مستقر أطول عمراً من دوراتِ إيران الانفصامية، فإنها كذلك عبر إنهيار الاتحاد السوفيتي كشفتْ عن مخاطر الوحدةِ القسرية، عبر إيدلولوجية شمولية تلفيقية.
قامت الدولُ الرأسماليةُ الغربية بهدمِ تجربة الفاشية لما شكلتُه تجاربُها من خرقٍ للحدود والأعتداء على إستقلال الشعوب، وقد كانت إيديولوجياتها تقوم على(الأسطرة والمغامرة العسكرية) بصنعِ الخرافات السياسية وخلق مجموعات سكانية متعصبة جاهزة للحروب والأعتداء على الأمم الأخرى.
تتماثل تجربةُ إيران وتجاربُ الدولِ الفاشية عبر ذلك التوحيد القسري لكيانها السياسي والقائم على الضم لقومياتٍ مستقلة، وعدم قيام تجربة قومية متدرجة تعتمد على ثقافة ديمقراطية أو دينية معتدلة.
فالثقافةُ الدينيةُ المستوردة من العرب تم إنجازها بسرعة شديدة ورُكبتْ على تعصبٍ حاد في الدين، وقُصد بها الهجوم كذلك على مسلمين آخرين والعرب المجاورين.
ومع ذلك فتجربةُ الدولةِ الصفوية الحربية التوحيدية إنتهت بكارثةٍ للشعب الفارسي وبقية الشعوب.
ولهذا نجدُ الدولَ الغربية التي وسعت صفوفها الآن بشكل إختياري تعاوني عبر ضم دول أخرى كثيرة، كما أتضح من المناورات العسكرية الأخيرة في الخليج، تابعتْ بحذر شديد عصابَ هذه الدولة وعدم قدرتها على النمو العقلاني، وتمددها ومغامراتها.
ولهذا فلا صحة لمسائل الصفقات بين الجانبين على المستوى الاستراتيجي بل هو الرصد والإحاطة والمراقبة الاستراتجية والخبرة بمواجهة الفاشيات وكيفية التخطيط لإعادتها لأحجامِها الطبيعية وتكسيرِ الجنون القومي فيها، وإعادتها قسراً للتاريخ الحديث الديمقراطي العلماني.
إن جاهزية القوميات البلوشية والعربية والكردية وغيرها للتمرد وإنتزاع أراضيها المغتصبة ليست خافية، فمع أي شلل للحرس الثوري عبر ضرباتٍ صاعقة كبرى، فإن الزنزانة تتحطم وتعود فارس للداخل بعيداً عن الخليج، وتسقط الشمولية العسكرية ويتحرر الشعب الفارسي نفسه من سطوة الطغيان، ويبث عن تقدمه في عالم الأمم الحديث الحقيقي.
إن رأس إيران المركب من أسطرةٍ ومن مغامرة عسكرية، بين شرخٍ لاهوتي يعيش في الخرافة وشرخ عسكري يتحرك عبر مغامرات السلاح في واقع العالم الحديث المضاد، يعاني الانفصام عن الواقع، فالجزءُ الأسطوري يحلقُ في خيال الماضي، فيما الجزء المغامر العسكري يصطدمُ بثوابت الشعوب وجبال الأمم، ويتضح ذلك خاصة في الممارسات تجاه شعوب الأمة العربية والتي تشتعل بصور متزايدة.
ويغدو الحل العقلاني داخل النخبة السياسية مفتقداً فترة بعد أخرى، ومشروع الانفصام يتفاقم ويقترب من الهاوية فمن الانفصال عن الحداثيين الوطنيين إلى قمع المعارضين الدينيين إلى الصراع ضد أقطاب النظام المنفتحين.
الأسطورة تتآكل والقوة الضمان الوحيد لسيطرتها على الأرض تُقاوم والشعوبُ تتسلح وتهاجمُ حيث يتسع الهجوم كلما تيبست الأسطورة وتكشفت تناقضاتها الصارخة عن ظروف الإنسان وأحلامه وتقدمه.
≣ رفسنجاني الليبرالي الذي لا يختفي
يتردد الشيخُ هاشمي رفسنجاني بين سطح الحياة السياسية وقمتها المتألقة. يظهر من فضاء الريف متوجاً في العاصمة.
يعبر عن هذه الثنائية المتضادة التقليدية والتجديدية، عن الإقطاع المسيطر والرأسمالية المتذبذبة مُحاولةً خلقَ القفزة التحديثية النوعية.
مثلما أن مزارعَ الفستق هي التي كونت أكبر شركة طيران إيرانية، فالانتاجُ الزراعي الاستهلاكي يقود إلى رأسمالية مسيطرة مُدعمةٍ بحكومة متنفذة، والنصوصيةُ التقليدية التي كوّنها في دراسته الشرعية كما يخبرنا في مذكراتهِ الشخصية حيث حفظ نصفَ القرآن وألفية ابن مالك ودرس علم المنطق وعلم الأصول، وهي لم تُغربلْ بمناهجٍ تحديثيةٍ تضعُ الثقافةَ العربية الإسلامية على سكةِ التحول الديمقراطي العقلاني التحديثي، فهي مثل الفئات الإقطاعية الريفية التي استثمرت القوى العاملة البسيطة وحولتها لفوائد توظفها فيما تشاء من طرق اقتصادية، وهو أمرٌ مفتوح لها فإما أن توظفها أو تهدرها، ولكن حسب قانونها الرأسمالي فإنها تبحث عن الربح السريع خشيةَ أن تغرق في الخسائر أو لأن تصعد بقوة، ولهذا تجري بالوسائل الممكنة، والشيخ رفسنجاني جعل من الحقل الزراعي على صلةٍ بالحقل الديني السياسي، فكلٌ منهما يغذي الآخر، وفي زمن المهمات النضالية اختلطت الأرباحُ بالاشتراكات التنظيمية، وضاعت وتنامتْ وقفزت في سنوات أخرى.
وتحولُ حقولِ الفستق إلى قوى معدنيةٍ هائلة تطير في السماء جعلها تحطلا كذلك على مطاراتِ العقول وكتب الجامعة وأوضاع النساء، لكنها لم تتمكن من الطيران الواسع.
في تحويلاته لقضايا النهضة يلجأ رفسنجاني للتبسيط ولا يعرف كيفيةَ تحويل النهضة الإسلامية القديمة إلى نهضة ديمقراطية حديثة، فهو أكتفى بالقفز من مزرعة الفستق لأسطول الطيران ولم يمرْ بالمصانع كشبكةٍ واسعة تغير الأرياف والمدن، وبطبيعة الحال هذه تحتاج لفوائض هائلة ورقابة برلمانية وحريات إعلامية وفكرية، وإلى فئات متوسطة كثيرة تصلها فوائضُ البلد، وتتمكن من تكوين تلك الغابة من المعامل، ولكن كيف تتجمع أغلبُ الفوائض بالتالي من أجل شركة طيران كبرى؟
كذلك فإن فئاتٍ أخرى كثيرة حكومية وعسكرية تصاعد حضورُها في الحرب مع العراق وقادها الشيخُ رفسنجاني نفسه كمسئولٍ أوحد عن جبهة الدم والعظام تلك، انتشرت في عروق السكان تمتص الفوائض، فما كان يمكن أن تسود غابةُ المصانع.
وهو ما جعل البلدَ تنزفُ وتحيد عن سيرها نحو النهضة والبناء، كما رأى حزبُ الشيخ كوادر البناء، بل إلى ضياع البناء، فتتدهور مقدراتها الاقتصادية الكبرى، الأمر الذي جعل الانتخابات الرئاسية الجمهورية فرصةً للصراعات الموسمية المحورية في خاصرة الجمهورية المتسنزفة.
هكذا في كل موسم انتخابي كبير ينزل الشيخ رفسنجاني محاولاً إنقاذ البلد بهذه الطريقة أو تلك، وقد وصل جسده إلى مرحلة متقدمة، لكنه في كل لحظة يحاول أن يقدم لشعبه ما يراه مناسباً، وقد أنفضّ المعانون الواضحون المباشرون وتكالب الخصوم، وبذرته التحديثية التي حاول زرعها في التربة السياسية لم تقرأ عواملَ التربة، فَزرعت في تربةٍ محافظة ذكورية أنانية حولّت الدينَ لسيطرة متخلفة، ولهذا كانت مثل التيارات التقليدية الحربية التي ظهرت في العصور السابقة، تحركُ التربةَ لزمن يسير مع كوارث كبرى، والشيخ لم يعمل مع قوى تحديثية ديمقراطية حتى لو كانت قليلة فتتنامى عبر المعرفة والعلوم والتضحيات وتقرأ الحداثة والرأسمالية والديمقراطية في تواريخها العميقة، وتؤصلها في الأرض الإيرانية الخاصة، وتقرأها عبر تحليل الإسلام، ولكن ذلك الثمر أنتج هذا الحصاد.
وليس للشيخ تجربة استعادية تحولية فهو يجري الأمر عبر التجربة والخطأ، لم يعد النظر في هذا التاريخ رغم كثرة مشكلاته، ما زال متذبذباً بين الإقطاع والرأسمالية، بين الدكتاتورية والديمقراطية، بين الكهنوت والعلمانية، بين زراعة الفستق والصناعة الثقيلة، وسيكون المستقبل إذا انتصر مثل الماضي وربما حدث انفراجٌ وتطور ولكن الأسس باقية هي نفسها، فالأرض يجب أن تُسوى، وعلى الزراعة أن تتبدل، كما أن إيران لم تعد قادرة على تجريب حارق جديد، فإما دولة ولاية الفقيه وإما الجمهورية الديمقراطية العلمانية، ولا شك أن هذه الأجيال الريفية الزراعية العسكرية قد استنفدت نفسها واستنفدت قدرات البلد وبحاجة لقوى جديدة تعيد تغيير الفلاح والتربة والبذار.
≣ الأدبُ الفارسي القديم والقومية
تمثل القوميات الكبرى في الشرق كالقومية العربية والفارسية والروسية عقداً أممية في التطور التاريخي الراهن لارتباطها بظروف نشأة دينية عسكرية توسعية، لا تقبل الانفكاك عن أشكال هيمنتها على الأقوام الأخرى الداخلة في سيطرتها.
وهذا يتجسد من خلال وعي ديني مقدس بطبيعة الحال لدى أصحابه، وقد ظهر الفرس على الهضبة الإيرانية وهم في صراع مع الشعوب الأخرى، وتمازجوا مع الأكراد والأفغان والعرب.
والشكل الفارسي ظهر وهو محاطٌ بثقافة العالم القديم، وأحتل أرضه وقاوم الغزاة واعتمد على المجوسية كشكل ديني قومي خاص مميز، ولقد عبرت المجوسية بطقوسها الكثيرة المعقدة عن نظام العبودية العامة الشرقية، حيث النبلاء يفرضون سيطرة ساحقة على العامة الذين يعيشون في منزلة العبيد. وفي أثناء تحولها إلى امبراطورية وصراعها مع الأغريق لم تكتسب أي طابع ديمقراطي، ولكن التناقضات تعمقت داخل صفوف المجتمع الفارسي. ومثلت الاتجاهات المزدكية الداعية للمساواة والمشاركة في وسائل الانتاج محاولات فاشلة لإضفاء طابع شعبي على مملكة العبودية العامة هذه من دون جدوى.
وتتضخ ضخامة جذور الاستبداد العريق عبر الشهنامة حيث يسرد الفردوسي حشوداً من الملوك المتوجين في هذا التاريخ السرمدي المتصل بالآلهة، والمليء بالحروب والصراعات مع القوى البشرية والسحرية الشريرة.
لم تنكسر صوانية العبودية المُعمّمة هذه إلا عبر شعب بدوي محتقر جداً في نظر الفرس، وهو الشعب العربي المسلم الطالع من الجزيرة العربية.
أعطتْ الطبيعةُ المختلفة كلاً من الشعبين تاريخاً مختلفاً، ففيما عاش الفرس على الهضبة تغزوهم الشعوب ويعانون طوال تاريخهم من الغزاة ويطلبون التوحيد ويقيمونه بحروب وصعوبات جمة ثم يفقدونه، كان العرب في جزيرتهم محميين يعجز الغزاة عن الدخول إليهم! فغدت العقد والمشكلات التاريخية بين القوميتين مختلفة، وأدت الظروف والثورات التاريخية أن يغدو هذا الشعب المُحتقر في نظر الفرس محرِّراً لهم، كاسراً لقوقعتهم التاريخية التي عجزوا عن كسرها آلاف السنين. فهذا الشعب البدوي البسيط كان ديمقراطياً لا توجد به نبالةٌ معبودة، وجعلَ نبالتهم تذروها الرياحُ السياسية، ولكنه من جهة أخرى فرض عليهم سيطرته التي بدت أقل من مستواهم الحضاري!
خلال قرنين من السيطرة العربية الإسلامية تداخل الشعبان، فبدايات الفتح العربية ذات الشعارات الديمقراطية الإنسانية تبدلت بسيطرة عائلات الأشراف والنبالة البدوية، وثورات الفرس للخروج الكلي عن السيطرة العربية والتي كانت بشعارات مجوسية وخرافية لم تستطع أن تؤدي إلى تقدم، وقد حدث تمازجٌ بين الشعبين وتداخلت الأفكارُ الدينية فتراجعت المجوسية وتغلغل الإسلام داخل العامة، الذي كسر لهم السيطرة الارستقراطية الحادة، وتجمع العرب والفرس كذلك ضد السيطرة الأموية التي مثلت لهم عدواً مشتركاً، بسبب بقاياها الاستعلائية وعنفها، ولهذا فإن أفكار المذاهب والأفكار المعارضة لتلك السيطرة في الجانبين العربي والفارسي تداخلت، ولهذا كانت الدعوة العباسية هي المزيجُ الارستقراطي الديمقراطي، الاسلامي الإنساني، لمقاربة الشعوب العربية الإسلامية في لحظةٍ تاريخية جديدة، وتمازجها لتكوينِ حضارة مشتركة أكثر تطوراً، وأدت الثورةُ إلى الانتصار وإقامة هذه الدولة المختلفة، التي لم تكن فيها سيطرة الأشراف العرب فحسب، بل كذلك صعدت سيطرة الأشراف الفرس وتداخلت في هذه الدولة، فصارت الخلافة عربية والوزارة فارسية.
وكما كانت القمةُ متمازجةً فقد تمازجت القواعد الشعبية، فقامت الفئاتُ الوسطى خاصة الفارسية العربية بدور كبير في بناء الثقافة العربية الإسلامية، وكشف لغتها وتقنينها وجمع آدابها وتطوير علومها المختلفة والصعود بها إلى الفلسفة، فحدثت نهضة مشتركة، ولكن أسس الصراع والاختلاف بين القوميتين المتواريتين داخل المبنى الفكري الاجتماعي الديني ظلت موجودة، فالعرب الارستقراطيون كانت الثروة لهم، والجيش، وهم يعتمدون على الخراج المجلوب من الأرياف المختلفة للأمم والشعوب الإسلامية، ولهذا حين تحول الجيش بيد الاتراك ونضب الخراج وتراكمت المشكلات زال ذلك التحالف العربي الفارسي النهضوي وبدأ عصرٌ مختلف.
بالرغم من الصراع العربي الفارسي فقد تنامت إيران في ظل التطور العربي، مثل بقية المجموعات القومية التي تنامت في ظل أيديولوجية دينية واحدة معبرة عن وحدة بشرية كبيرة تعكس تطور الأمم في العصر الوسيط وحدود هذا التطور كذلك.
وذاك التنامي الفارسي الذي جرى تحت السيطرة العربية يتجلى في عودة اللغة الفارسية بشكل جديد واعتمادها على المفردات العربية بشكل كبير، بعد قرنين من الفتح.
كان هذا تعبيراً عن التوحد والاختلاف، وبداية نمو القومية الفارسية داخل الوعي الديني الإسلامي. إن الفرس ذوي الحضارة القديمة المتصارعة مع الأقوام البدوية، والتي لجأت لتكوين قواها العسكرية بحدة خلال التواريخ السابقة تعود مرة أخرى لذات السياق بعد تنامي قواعد التطور وعلى أسس مختلفة من الثقافة الدينية، ولكن في سياق شمولي عسكري راح يلغي التوحد بين الأشقاء المسلمين.
إن الأدبَ وخاصة اللغة فيه يمثل مرحلة تكوين الأساس القومي الفارسي الذي ينتشر بين الشعب ويوحده عبر التاريخين الاسطوري والواقعي، وخاصة عبر رموز الأبطال، وهذا الأمر استمر قروناً، حيث كانت الروابط تتنامى بين مختلف بقاع فارس.
وكانت الثقافة الإسلامية هي النسيج الآخر، وقد اعتمدت على المذهبيات الإمامية، وكانت الزيدية والإسماعلية قد بذرتا بذورَ المعارضة والاختلاف في التربة بين اعتدالٍ وتطرف، لكن كان النسيج القومي المتصاعد عسكرياً ينتج وعياً توحيدياً قوياً يفصم العلاقة تماماً مع المذاهب الإسلامية الأخرى.
لهذا حدثت انعطافة شديدة على صعيد الأدب الاسطوري عبر شهنامة الملوك وعبر المذهبية الشيعية التي تم توجيهها في مسار مختلف انفصالي عن العرب. كانت الحدة تعكس الموروث الاضطهادي والثورة عليه ولكن في التماثل معه. فالتوجه للهجوم على رموز العرب الدينية والاجتماعية يهدف إلى الانقطاع والبتر والاعتماد على العنف في العلاقة فلم تتشكل قراءة موضوعية، وتكوين المظلة الاسطورية يعكس المطامح الحادة لهذه المجموعات الهامشية وهي تندفع للسيطرة على دولة كبيرة.
كان هذا بمثابة (تحرير) وتطهير عِرقي وقامت به الحركة الصفوية التي جمعت بين (الصوفية) والتنظيم العسكري مؤسسةً الدولةَ بشكل عنيف مما جعل القبائل والمذاهب الأخرى التي تعرضتْ للتنكيل أن تتوحد ضدها وتهجم عليها في حرب أخرى كارثية وتزيلها.
لم تكن صوفيةً مماثلة للصوفية الفارسية الإبداعية بل كانت دروشة معبرة عن انهيار العقلانية، والدخول في السحر وجرّ الجمهور بأشكال فيها شعوذة، وهذه ترافقت مع الروح العسكرية العنيفة معبرة كلها عن عودة قومية كاسحة.
(الصفويون هم آل صفويان: سلالة من الشاهات حكمت في بلاد فارس (إيران) سنوات 1501-1785 م. المقر: تبريز: حتى 1548م، قزوين: 1548-1598 م، أصفهان: منذ 1598 م. وقد أسس الشيخ صفي الدين الأردبيلي (1252-1334 م) طريقته الصوفية في أردبيل (أذربيجان) سنة 1300 م. أصبحت أردبيل عاصمة دينية ثم سياسية لأتباعه (مع تحولها إلى حركة سياسية)، موسوعة ويكيبيديا.
الانتقال من الدونية والهوان إلى البطش يعكس المرارات التي تشكلت في أثناء هذا التاريخ الصراعي بين الفرس والقوميات الأخرى، وتعبر المذابح التالية عن خلق هوات كبرى بين القوميات في ظل الوحدة الدينية. إن هذه الدولة الصفوية عكستْ الانتقال من النقيض للنقيض، من التعايش إلى الحروب الاستئصالية.
ولهذا فإن الجهود البنائية لهذه الدولة الصفوية نفسها ضاعت حين تحالفت القبائل وقوى المذاهب المختلفة عنها وشنت عليها حرباً وأزالتها!
وفي رمزية الشهنامة دلالة على هذا، فقد قدمها الفردوسي لمحمود الغزنوي الحاكم السني، وهذا لم يرتح لها، وعلقَّ عليها قائلاً: لماذا جعلت رستم البطل الأوحد فيها؟ فردّ عليه الفردوسي: لأنني لم أجد بطلاً مثله! كان ثمة إمكانية للتعايش ولكن اللغة القومية المتعصبة شكلت الهوة، فظلَّ الفردوسي مُطارداً وظل الغزنوي مهيمناً ملغياً أشباح رستم إلى حين.
ستظل الدولة الفارسية في إشكاليات متعددة مع دول الجوار ومع تكون الشعب نفسه، منتقلة من كيان ذائب أو مفتت، إلى كيان مركزي حاد، دون أن تعثر على الصيغة الوسطى ولهذا أسباب عميقة كذلك.
≣ نضال شعبي ضد الإرهاب ومن أجل الديمقراطية والسلام
أغرق الجانبان العربي والإيراني منطقةَ المشرق في أزمةٍ طاحنة متصاعدة، وما زال الجانبان يرددان نفس الشعارات القومية المتعصبة ولكن بواجهات طائفية مدعيةٍ بالإسلام!
ويتوضح مأزق القوى السياسية المنجرة لقوى الإقطاع الطائفية في الجانبين في البقاء الفكري على السطح، ورفع نفس اللافتات باعتبار ذلك كله صراعا دينيا وهو صراعُ قوى متخلفة غير قادرة على الارتفاع لمستوى المهمات القومية التحررية الديمقراطية العلمانية في المنطقة.
الحروبُ التي لم يكملوها في الجاهلية والأكتافُ التي لم يقتلعوها كلها تصاعدتْ في الإسلام واتخذت صراعاً على السلطة بين كبارِ الأغنياء النهمين للكنوز والجواري، وواصلوها كذلك في حرب الامبراطوريتين المظلمتين العثمانية والفارسية اللتين لم تكونا سوى السجادتين الكبريين المهترئتين المتوجتين لعالم التخلف والدروشة والسحر، حتى جاء الاستعمار ليوقف ويوظف ويتغلغل عبرهما ويحيلهما لقطع فسيفساء محروقة تابعة متخلفة.
لقد بقي أصحابُ الإبل والنخيل كلٌ في مكانه يتحملون الضرائبَ والخَراج وإرسال أولادهم للحروب ضد بعضهم بعضاً.
الصراعُ القومي المتخلف نتاجُ عالم البدواة والقرى حيث العسكر يقود الناسَ للاصطدام مع بعضهم البعض، هو الذي أنتجَّ كياناتٍ حزبيةً هزيلة تقفزُ نحو الاستيلاء على الجيش ثم السلطة ولا تملكُ برامج جدية عميقة لتغيير العالم الثنائي للبدو والقرويين المتحاربين عبر التاريخ.
وهذه الكياناتُ التي رفعتْ شعارات القوميةِ المعتصبة بشكل الإمبراطورية الفارسية المستعادة أو بشكلِ دولةِ الخلافة أو الامبراطورية العسكرية ذات الدبابات المحروقة والجيش الفار، أكدت مرة أخرى الجلود الغائرة للبدو والقرويين الذين لم يفهموا الحضارة الحديثة ومصرين على العنف وإبادة كل منهما للآخر!
لقد انهارت القشورُ السطحية للتحديث القومي والشيوعي والوطني والديني وظهرت بعد ألف مرة العظامُ القديمة، ولكنها الآن ظهرتْ بلا مكياج، ظهرت سماتُ قطاعِ الطرق والخوارج، والذين يفخخون المساجد ويستخدمون آخر المخترعات الحديثة في ذبح أخوتهم!
ظهر الطائفيون كإرهابيين معتقين نسفوا حتى تقاليد البدو والقرويين المسالمين الذي كرهوا وتناسوا عنف الأجداد، لكنهم مازالوا يتركون مساحات معتمة في رؤوسهم لتسلل هذه العصابات فتدغدغهم بشعارات التحرير والبطولة.
أما آن لهؤلاء أن ينسفوا هذه الاساطير الكاذبة التي يُراد بها سرقة دمائهم وعيالهم ويروا في بعضم البعض أخوةً ومواطنين ومناضلين من أجل تقدم الديمقراطية والحقوق والسلام؟
ماذا يستفيدون من سماع إسطوانات الأمجاد الغابرة والحروب وحكاوي القتلة المقنعين بالمذاهب المفخخة وأمامهم بناء مستقبل مختلف، يحتاج إلى وحدتهم ونضالهم المشترك من أجل الديمقراطية والسلام؟ فإذا لم يفعلوا ذلك كانت الطامة الكبرى في المشرق!
هو الفصل الأخير، هو الختام الدامي الكلي، هي المحرقة الكبرى، يجمعون أعوادَها من أهرام من العظام، من أجل أن تشبع وحوش الحروب وتجار السلاح، من أجل أن تتكاثر النجوم على الأكتاف التي لم تخض حرب تحرير، وتستحيل المدن ومعامل التكرير والمصانع إلى حطام، حتى ترجع الأرض لدورتها الأولى، ولا يبقى سوى من يبحثون بين الجثث والحطام عن قطعة لحم، ولكي يعود القرويون لمزارعهم المتفحمة، ويذهب أولادهم للعمل لدى العمال الذين كانوا يعملون هنا، وربما يحملون نفس التمائم على هيئة جماجم، وأمراض الكراهية القومية بصور طائفية أشد مكراً.
فلابد من الوحدة الشعبية المعادية للإرهاب تخترق الصفوف وتوحد الطوائف والقبائل والشعوب، التي ترفض المحرقة التي يعدونها لها، وتكرس السلام والتقدم، بعد أن خربوا نصف المنطقة.
≣ الصراع الإيراني العربي
يتأزم الصراع القومي في إيران فالفرس يعودون لقوميتهم الفارسية، وزاد الشكل الطائفي الديني السياسي من تفاقم التناقضات بين الشعوب الإيرانية والهيمنة الدكتاتورية.
فهذا الشكل الديني التوسعي مكلف والاقتصاد متأزم، وإذا كان القوميون الفرس يسعون للخروج من هذه الهيمنة وتغيير نمط الدولة الدينية العسكرية حيث تفاقمتْ الخسائر فإن الشيعةَ العرب يدفعون الثمنَ الباهظ نظراً لهذا الارتباط بمشروعٍ يتآكل وهم غير القادرين على التخلص من تغلغله وسيطرته بينهم بشكلٍ واضح وحاسم.
الوعي القومي المتصاعد عند الفرس يتمثل في العودة للتقاليد الإيرانية ما قبل الإسلامية بشكل واسع وجماهيري، لكن الوعي القومي عند العرب لا يتطور بمثل هذه الوتيرة.
حيث أن الشكل الطائفي المضاد عند العرب يخوف الشيعة العرب وبقية التيارات التحديثية من تصاعد التعصب المذهبي السني.
وهذان الشكلان من الوعي المذهبي المتعصب هما اللذان يتوسعان في مناطق جديدة حيث أصبح نصف العراق الآن في مهب الرياح.
عجز القوميتين الفارسية والعربية عن الحضور والتبلور الفكري السياسي يتشكل بطرق مَرضية، فالفرسُ يعودون لتقاليدٍ عتيقة كالاهتمام الواسع بأعياد النيروز، فليس ثمة مظاهر وتقاليد غير دينية، مثلما أن العرب ليست لديهم أعياد قومية وقد أدى ربط الأعياد بالأنظمة السياسية الشمولية وأشكالها المختلفة أن غدت المذاهب هي فقط صاحبة الحضور السياسي.
كل الأعياد والأيام الوطنية المرتبطة بنضالات سابقة وتاريخية مؤثرة في الناس يتم إستبعادها على الجانبين الإيراني والعربي، وهي التي يمكن أن تعطي المواطنين ثقافة وطنية وتوحدهم، فكل نظامٍ يأتي ما يلغي ما سبقه أو لا يعترف بنضالات وطنية فيبرزها في التعليم والأدبيات العامة فيكون ثقافة وطنية قومية.
توسع الطائفية السياسية السنية وإتخاذها أبعاداً خطيرة في سوريا والعراق ولبنان هو من آثار تطرف ولاية الفقيه وتغلغلها في البلدان العربية فيما لا يوجد هناك ثقافة وطنية قومية قادرة على أن تكون مظلات للشعوب. ولكن هذا التوسع هو من نفس العينة، ولا يمكن الرد على التطرف بتطرف مثله، والنتائج القادمة هي حروب في تلك الدول الثلاث تحطم ما بقي من نهضة وقوة.
لكن يُلاحظ التآكل في السيطرة المركزية الطائفية الإيرانية على الشيعة العرب كذلك، فالمعركة في سوريا سرعت في هذا الانسلاخ العربي من الهيمنة الإيرانية، مثلما أن الشعوب الإيرانية تضررت من الضحايا الفرس ومن تكاليف الحرب الموجهة ضد الشعب السوري، ودفع حزب الله للقيام بهذا الدور نيابة عن الكتائب الفارسية الصرفة يعبر عن إسترخاص الدم العربي وهو أمر ترك آثاره داخل حزب الله نفسه، حيث بدأت التساؤلات عن مخاطر هذا الارتباط ونتائجه الكارثية على الحزب والشيعة والشعب اللبناني ككل، وجاءت إستقالة حكومة ميقاتي تعبيراً عن السيطرة السورية الإيراني على لبنان لا يمكن أن تستمر.
كذلك فإن حراك الطائفة السنية ضد السيطرة الحكومية الطائفية في العراق حوى عناصر من الاقتراب من بقية القوى الشعبية العراقية، لولا قيام المتطرفين في كل من الجانبين بمنع هذا التقارب الوطني العراقي وهو تقارب يقوم على مستوى تعاون كتل طائفية سياسية لأهداف معينة لدى كل منها فلا يشيع ثقافة وطنية.
في بلدان أخرى يُلاحظ هذا الانفصال من الأقسام الغنية خاصة عن الحراك الطائفي الموجه من طهران، فمصالحها تتعرض للخطر، والاعتماد على الشباب قليل التجربة والفوضوي في التحركات يهدد المصالح الاقتصادية لهذه الأقسام، كما بدأت بعض الأقسام الشعبية الشيعية تتحسسُّ مخاطرَ الارتباط بالسياسة الإيرانية المغامرة وتنفصل عنها، لكنها لا تستطيع أن تجاهر بهذا.
إن حكم ولاية الفقيه على مستوى المنطقة لم يتحول إلى حكم حقيقي ومع هذا فقد إختنقت الشعوبُ الإيرانية والعربية منه، فأحدث نقلة للوراء، وافاد القوى الاستغلالية الرافضة للتحولات الديمقراطية والقوى الأجنبية التي وجدتها فرصاً للقواعد وبيع السلاح وتفتيت الأمم الإسلامية، وتقوية الهيمنة الإسرائيلية.
فبدلاً من أن تكون التحولات السياسية في إيران نقلة نهضوية ديمقراطية تحولت للعودة إلى الوراء وإلى عصر الكهنوت الإقطاعي، وهذه البابوية المسلحة أججت القوى الطائفية الأخرى وصعدت من حضورها ودخلت في معارك متصاعدة حتى تبلغ ذروة الاصطدام الكبير بين الخصمين!
ولا يوجد من يستطيع من يوقف هذا الانصهار الحراري الكبير فالتفجير قد بدأ قبل عقود وها هو يصل لذروته.
≣ طائفتانِ في مجرى الصراعِ السلبي
حين توجهت القممُ الطائفيةُ السياسية الإيرانية لاختيارِ ولايةِ الفقيه كشكلٍ سياسي أيديولوجي سائد كان هذا قفزةً من العصر الوسيط للعصر الحديث وتتويجاً لمسار الدول الطائفية منذ الصفويين التي هيمنت على معظم القوميات الفارسية والأذرية والتركية في المجال الإيراني متجهةً نحو التمدد للفضاء العربي، غرباً، غير قادرة على التحول الليبرالي الداخلي العميق، فجاءت العسكرةُ ورفض الثورة المشروطة التي حوصرت من قبل المحافظين ثم جاء صعود الشكل المَلكي الإمبراطوري وهذه الظاهرات كلها تعبيرٌ عن قومية سياسية متعصبة لا تريد حل مشكلات الحريات والديمقراطية والحداثة في عمقها المحافظ.
هذا التتويج الذي إتخذ شكلَ الثورة إلى الوراء عجز عن حل قضايا الثورة الوطنية الديمقراطية وهي الإصلاح الزراعي عبر توزيع الأراضي على الفلاحين وتوسيع حريات النساء وتصعيد دوري العمال والرأسمالية الوطنية ونشر الديمقراطية والثقافة العقلانية.
لقد انقلبت الثورةُ إلى دكتاتورية ضد الشعب، وصار تحالف رجال الدين الكبار والعسكر هو شكلُ النظام القمعي بطرفيه المذهبي والبوليسي، مما جعله في خوفٍ مستمرٍ من إعادة إنتاج الثورة والعودة لتطبيق برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية، ولهذا كان القفز للأمام وتصدير الثورة أي نشر البرامج الطائفية التمزيقية للشعوب العربية خاصة.
فنفسُ الشكلِ الأيديولوجي عبر الشعارات الثورية الزائفة وعدم الاعتراف بمضمون الثورة الديمقراطية جرى نقله للدول العربية.
وكان ذلك لابد أن يتم من خلال الحراك الطائفي والعديد من الدول العربية قابلة لهذا المرض.
الأمةُ العربيةُ من جهةِ ظروفها وتكوينها هي ذاتُ مسارٍ مختلفٍ عن مسار الأمة الفارسية المُحاصرة بين قومياتٍ كبيرة، ولكن الأمة العربية تقع عبر دولها وشعوبها في نفس مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية بمسارات متعددة ومستويات مختلفة في مقاربة الثورة الديمقراطية بين هذه الدول غير المنجزة حتى الآن.
لقد جمدت رأسمالياتُ الدول البيروقراطية والشمولية في العديد من شعوب الأمة العربية مهمات التحول الديمقراطي فلم تجرِ إصلاحاتٌ زراعية وتحررية للنساء وثورات ثقافية عقلانية وحريات ديمقراطية واسعة، رغم الاستثناءات القليلة في بعض لحظات التطور السياسي الاجتماعي، لكن هذه الاستثناءات لم تخلق تجاوزاً للثورة الديمقراطية المطلوبة التي ظلت ممتنعة التحقق الواسع.
لكن في الدول العربية المتعددة لم تحدثْ مركزيةٌ عسكرية شمولية على غرار التجربة الإيرانية، وأعطت نماذجَ مختلفة، ومساحات أكبر لليبرالية، كما تواجدت فيها مشكلات عميقة، مثلما كانت المذاهبُ السنية ذات تعددية في دول مختلفة، ولم يكن بإمكان دولة مذهبية ما أن تنتج تجربةً مركزية قومية مذهبية غازية، والدول العسكرية العربية كانت هي الأخرى تصدرُ مشكلاتِ عجزِها عن حل قضايا الثورة الديمقراطية إلى الخارج كالنموذج الإيراني وتحطمت عبر ذلك وعبر التطور الديمقراطي الشعبي الداخلي.
لقد وَجدت العديدُ من شعوب الأمة العربية حل مشكلاتها الاجتماعية والاقتصادية عبر التطور السياسي الداخلي المتعدد الطرق والإيقاعات، ولهذا فقد اصطدمتْ بالمسار الإيراني الذي يعملُ على رفض تطورهِ الديمقراطي الداخلي بعرقلة التطورات الديمقراطية في الشعوب العربية.
وكانت الأقسامُ الشيعيةُ المُسيَّسة من الشعوب العربية هي المدخلُ لخلط الأوراق، عبر عرقلة التطور الديمقراطي للشعوب العربية وتفجير حراكها ومشكلاتها عبر الطائفية السياسية، خاصة من خلال الأقسام الريفية والشبابية المحدودة التجربة وعبر نقل النموذج الإيراني القاصر الشمولي ونفخه بالتعبيرات الثورية الفضفاضة.
وقد جاءت التطوراتُ الثوريةُ للشعوب العربية ومقاربتها للديمقراطية وبدء مطالبتها لإصلاحات عميقة وتولي الجمهور قيادة التطور لتضرب النموذجَ الإيراني وعمليات اختراقه لجسم الأمة العربية وتصاعد ذلك في بدءِ تصفيةِ نفوذه وتكشفُ مضمونَ نظامه على نحو جماهيري عربي إيراني مشترك واسع، وهو الأمر الذي حاول الالتفافَ عليه عبر اختراق معاكس لبعض الدول والتيارات العربية الدينية لحرف مسارات الثورات العربية ولخلق صداماتٍ داخلها وبينها وبين الدول العربية، ولكن الاندفاع العربي الديمقراطي لم يتوقف وراح يقترب من حدوده.
إن وقوف التحولات العربية عند الجانب المذهبي سوف يعززُ النظامَ الإيراني ليحولها لحربٍ دينية تكرس وجوده المتصدع لكن تقدم العرب لتقديم نماذج ديمقراطية تحديثية لن يكون في صالحه ويعزز قيام الشعب الإيراني بدوره النضالي الديمقراطي ليكمل حراكه في ثورته الناقصة المسروقة من قبل الإقطاع الديني لأن الأممَ العربية الإسلامية تتبادل التأثيرات وتنمو كمجموعةِ شعوبٍ متقاربة في عمليات تجديدها الديمقراطية التحديثية.
≣ الفاشيتانِ العراقية والإيرانية: تبادلُ أدوارٍ
حين يجري التطورُ الجمهوري بشكلِ قفزةٍ مغامرة، وليس ثمة تراكمٌ ديمقراطي ولا حراكٌ تنويري علماني تقوم به المدنُ فإن الشكلَ الجمهوري يغدو ليس نتاجَ الجمهور وتطوره السياسي الديمقراطي.
وقيامُ النخبِ العسكرية بالدور الحاسم في لحظات التأزم البنيوية العميقة يقودُ إلى حكم عسكري عنيف واسع القمع للجمهور.
العراق وإيران الملاصقان للخليج والجزيرة العربية أشعلا فتيلَ النظام الجمهوري، وهزا التطور المتدرج للأنظمة الملَكية، بدون ذلك التراكم الديمقراطي الطويل، حيث الشعبان بلا منظمات ديمقراطية واسعة وحيث الثقافة التقليدية وهيمنة الأرياف والبوادي المحافظة على المدن.
وكان يُفترض لو كانت الجمهورية شكلاً متطوراً في المشرق أن تُثري المنطقةَ الرعويةَ المتحركة نحو التقدم وإستخدام النفط.
ولكن الجمهوريةَ كشكلٍ سياسي صاعق إبتدأَ من العراق كان وليدَ نخبٍ محدودة في الجيش والسياسة، لم تَنتج تراكماً ديمقراطياً عميقاً ولذا كانت الأحزابُ الشمولية هي التي تصارعتْ حول الشكل السياسي الفارغ من حداثتهِ وديمقراطيته، وكان الجمهور يُحركُ كأجسامٍ عاطفية حادة في الشوارع، فيما تبقى علاقاتُ الانتاج التي تكبلهُ في الزراعة والعائلة، وهيمنة الدولة الشمولية، متحكمةً في هذا الجمهور آسرةً إياه في علاقات ما قبل رأسمالية تحديثية سائدة.
وإذا كان الانتاجُ الحديث هو مؤسسُ البنية التحتية للشكل السياسي الديمقراطي فإن الشكلَ الجمهوري المنفصل سيغدو مفتوحاً للمغامرات حيث سيتحول لحكمِ أفرادٍ عصابيين.
الجمهور العراقي الذي كان يُفترض أن يملأَ المضمونَ بعمالٍ أحرار متطورين، كان أبعد ما يكون عن الوجود الواسع المؤثر، ولهذا فإن البرجوازيةَ الصناعية الحرة كانت قوةً صغيرة كذلك. وحتى الشكل الجمهوري المنقطع بحدةٍ عن الشكل المَلكي قام بتخريب تطور حراك الجمهور نحو الحرية والصناعة والديمقراطية. ولهذا كانت الجمهوريةُ العراقية سلسلةً من المغامرات والانقلابات والتدخلات الأجنبية.
وفي غربِ أوربا حين إنفجرَّ الشكلُ الجمهوري في فرنسا إحتاج لقرن من أجلِ تغلغلِ البرجوازية الصناعية فيه، فيما كان حضورُ العمال تالياً ومتأخراً في السياسة الحاكمة، فحضورُ حتى العمال الأنجليز المتقدمين أوربياً في المَلكيةِ البريطانية إحتاج لثورة الشارتيين (النساجون)في القرن التاسع عشر فقط ليؤكدوا حضورَهم ومطالبهم الملحة وكونهم أساس الانتاج والديمقراطية السكانية.
ولهذا مع هيمنة القوى العسكرية والبيروقراطية العراقية فإن الشكلَ الجمهوري المُبعّدَ عن الواقع والناس أصبح أكثر فأكثر بيدِ المغامرين الدمويين. لهذا كانت اللحظةُ الصَدامية ذروةَ التلاعب بأسسِّ الواقع والخريطة السكانية والبشر خاصة. من هنا يأتي التأسيسُّ الأمريكي للجمهورية العراقية مرةً أخرى شكلاً آخر للتلاعب بالمفرداتِ الموضوعية، وتدعيم البيروقراطية وقوى ما قبل الرأسماليةِ واللصوصية السياسية. فلم تنقلْ الجمهوريةُ الأمريكيةُ حتى سيادة البرجوازية المتطورة صناعياً في بلدها وإرثها العلماني الديمقراطي للعراق، وهي التي تدهسُّ العمالَ الأمريكيين في زاوية المسرح السياسي حتى الآن.
ومن هنا فإن الفاشيةَ العراقية حركتْ العناصرَ الفاشية المتنامية في إيران. وراحت كلُ دابةٍ وحشيةٍ تتغذى على الأخرى.
فلم تكن الجمهوريةُ في إيران نتاجَ ديمقراطية الجمهور وحراكه الحر، بل فُرضتْ عليه قبل أن يعي السياسة عبر الهيمنة الدينية الرجعية، بعد أن ضُربتْ القوى البرجوازية الوطنية والعمالية خلال عقود من قِبل نظام الشاه. وساهم النظامُ العراقي الصدامي في تصعيد القوى العسكرية الريفية المتخلفة الإيرانية، وكانت المذبحةُ المشتركة في الحرب دليلاً ساطعاً على فاشية النظامين وتحويلهما البشر لمادةٍ محروقة.
وهكذا بدلاً من أن يتحول شكلي النظامين الجمهوريين الزائفين العراقي والإيراني إلى زخمٍ تجديدي لحياة العرب والمسلمين في المنطقة غديا كارثتين على تطورهِ وسلامة حياةِ شعوبه وصارا مركزين لإعادتهِ للوراء وللحروب والعداء الطائفي القديم.
إن الشكلَ السياسي الحديث سواءً كان جمهورياً أو مَلكياً ينبغي أن يرتكزَ على تطور مقومات الحداثة وتطور حياة المنتجين ومساهماتهم في السياسة والثقافة وأن يكون العامة متطورين لا متخلفين يُستخدمون ضد مصالحهم.
إن قيام مجموعات من المجرمين واللصوص بالهيمنة على الشكل السياسي الجمهوري هو كارثةٌ مناطقيةٌ وليست كارثة وطنية للبلد التي تحلُّ به فقط.
≣ الفاشيةُ الإيرانيةُ وذيولُها
غدت الفاشيةُ الإيرانية الحاكمة في عالم محاصرٍ ولكنها تقومُ بالهجوم في كل مكان.
إستطاعت هذه الفاشية أن تسيطرَ على المجتمع الإيراني الذي فيه أكثر من سبعين مليوناً، عبر الشبكات الدينية الجماهيرية، وتصعيد التعصب فيها، وهي الخطة التي نُفذت في الدول العربية، فاستثمرت الشبكات الدينية وسيطرتْ على مفاتيحها السياسية ونشرت الكراهيةَ بين العامة.
والقصد من هذه السيطرة ليس حل مشكلات المجتمعات العربية والإسلامية بل إتخاذ هذه الجماعات كقوى تابعة منفذةٍ لسياساتها، ولهذا فإن الحديث عن حل مشكلات بعض الدول العربية بمفردها هو منهجٌ مجزأ فاشل، أو أن هذه القوى التابعة للفاشية الإيرانية يمكن أن تتوطن هو خرافة أخرى.
فالقوميةُ الفارسية الشوفينية هي مركز القرار ومصالح الطبقة الحاكمة هي الأساس، وعلى ضوئها تتحرك الذيولُ في الدول العربية والإسلامية.
وبالعكس فقصد السياسة الفاشية الإيرانية تحويل هذه المجموعات التابعة في الدول الأخرى لمستوى السياسة الفاشية، كرها لشعوبِها وتصعيداً للعنف وتدريباً عليه كوسيلة تجنيد وتجييش للجمهور عبر الجمل الثورية الزائفة.
كيف إستطاعت هذه الفاشية أن تسحق الشعبَ الإيراني والشعب اللبناني والآن الشعب السوري والعراقي لولا هذه الشبكات الخارجية وإمداداتها المختلفة؟
والسياسة الفاشية تقوم على جمل ثورية كذلك، وبدون هذه الجمل الثورية المزعومة لا يمكن خداع الشعوب، وخاصة الأجيال الشابة القليلة الخبرة السياسية، وكذلك عبرَ التغلغل في التنظيمات اليسارية والقومية السابقة الفاسدة، أي التي عاشت على العلاقات مع دول الرأسماليات الحكومية الاستغلالية والتي تشربتْ الفسادَ على مدى عقود.
قوى اليسار والقومية الشمولية لعبتْ أدواراً مهمة في هذا السبيل.
عربياً نجدُ قوى سياسية متصارعة بحدة ضارية سابقاً تتجند وتتجمع على تناقضات مواقفها وتاريخها.
ذات الفئات البرجوازية الصغيرة المشرأبة الأعناق للثراء فوق ضلوع العمال تصطفُ معاً، وهي إيديولوجياً من حيث الظاهر السطحي شديدة التباعد.
القومي المتطرف الذي سحق الفئةَ المذهبية يجد نفسه مع هذه الفئة يشاركها في سحق الشعوب وتخريب تطورها.
حين قامت هذه الفئات بالثورات وصنع رأسماليات حكومية شمولية أنتجتْ لنا إيديولوجيات مفصلةً حسب بدلات الحكومات الدكتاتورية في روسيا أو في العراق أو الصين أو سوريا أو إيران حالياً المتسلمة وراثة الاستبداد وراية تفجير أوضاع الشعوب خدمةً للهيمنة الحكومية القومية المتعصبة التي لا تريدُ التغييرَ الديمقراطي الإنساني داخلها وتنقلُ تناقضاتها للخارج.
القومي العلماني يجد نفسه في خندق مع الطائفي الفاشي، ولم لا؟ كانت علمانيتُهُ برانية زائفة، وأعتبرَ الدينَ مجرد أداة لاستغلال الناس، مثل قوميته، ويساريته زائفة فهو إنتهازي يتاجرُ بكلِ شيء فكيف لا تكون المبادئ متقلقلة متغيرة حسب الدكان الجديد؟
لكن هذه الاصطفافات من جهة أخرى تشيرُ لضعف مواقع القوى الديمقراطية في المنظمات الأهلية والحكومية، وعدم تعاونها وعدم فهمها للعدو المركزي.
إن كل الشعوب العربية والإسلامية تعاني من التدخلات الإيرانية لكنها لا تعمل معاً في مواجهة هذه الدكتاتورية المتصاعدة التي يتسارع جنونُها كلما أشتدت أزمتها، خاصة في معركة سوريا المفصلية التي تتراخى الشعوبُ والحكوماتُ العربية عنها.
مثلما هي لا تقدم شيئاً للشعوب الإيرانية وإلى كل تلك الملايين من المقموعين داخلياً والهاربين في شتى بقاع العالم.
وهذا يتطلبُ خاصةً من كبريات الدول العربية سياسةً تعاونية مشتركة صلبة مضادة للفاشية الإيرانية، بإعتبار أن لا حياة للشعوب العربية الإسلامية وتطور المنطقة مع وجود هذه السياسة.
وإذا كانت الدول الغربية هي قوى الردع الكبرى لهذه السياسة لكنها لا تريد أن تكرر تجربتي العراق وإفغانستان اللتين طبقتاها بشكل رديء فاشل فلم ترتكز على قوى المنطقة العربية الإسلامية الديمقراطية والمعتدلة في التصدي للدكتاتوريات، ولهذا فهي خسرت هذه القوى، وتعرضُ المنطقةَ كذلك للتآكل بل وبعض البلدان للدمار الشامل.
لهذا فإن التعاون الواسع بين الدول والقوى العربية والدول الإسلامية والجماعات الإيرانية المختلفة والقوى البشرية عامة المناهضة للفاشية هو الطريق لحصار هذا الخطر وهزيمته في خاتمة المطاف.
≣ بين ضفتي الخليج
بين ضفتي الخليج لم تأت دعوةٌ للتعاون، خلال قرون كانت الشعوبُ تتبادلُ حملات التصفية والغزو وإنكار الآخر.
الحوارُ بين الكبار لم يأتِ.
إصطبغَ الدمُ بالدين.
خلال قرون غدت المذاهبُ أقنعةً تغطي وجوهَ المتسللين والمغامرين والقافزين نحو السلطات، وثمار الأشجار التي تسقيها الشعوبُ بالعرق والدم.
الفقراءُ والعمال والبدو والمزارعين والبحارة يُؤخذون في حملاتِ الحروب ويتناولون فتاتاً من الغنائم ليعيشوا أبداً في جهنم الحياة.
الحوارُ بين الكبار لم يأت.
وحدهم (الصغار) يدفعون الثمن.
لماذا أصبحنا صغاراً؟
كلُ الأنبياء والأئمة والثوار وعدوا الصغار بأنهم يرثون الأرض فلماذا لا يرثون سوى الكراهية والأراضي المحروقة؟
لماذا أصبحوا أدواتٍ للكبار؟
هل لأن الانتهازيين متسلقي المواسير الصدئة للأنظمة والجماعات هم وحدهم الذين دخلوا المطابخ الحزبية والحكومية وسرقوا ثمارَ الشعوب؟
هل لأن التجارب الكبرى كان يهيمنُّ عليها اللصوصُ ويخدعون العمالَ والعرب والمسلمين والكادحين ويضربون بعضهم بعضاً؟
هل لأن الأحزاب التي دفعتْ أثماناً باهظة من الهياكل العظمية التي رُصفت بها السككُ السياسيةُ الحمراء للبلدان خارتْ قواها وسلمتْ أمورَها لانتهازيين صغار طامعين بدكاكين صغيرةٍ ووكالات سفر ومكاتب متوارية في شوارع المعارض؟
هل لأن خريجي السفارات الأجنبية تغلبوا على خريجي السجون وضحايا الثورات ومنتجي الخلايا الذين صاروا خاوين من الإبداع النضالي وحشوا جيوبَهم بالضفادع التي تنقُّ في مستنقع السياسة الطائفية؟
هل لأن مندسي السفارات الأجنبية صاروا سكرتيرين عامين للطائفية السياسية ومنتجين للعداوات بين الشعوب والطبقات الكادحة وصار شعارهم يا إنتهازيي الطوائف تصارعوا؟
في كلِ الأزمنةِ الطبقية المُضللةِ سوف يتسلق الانتهازيون مواسيرَ الأنظمة الاشتراكية والقومية والإسلامية والوطنية وسيدفع المنتجون ثمنَ غفلتهم وعدم وعيهم الطبقي وحربهم غير المقدسة ضد بعضهم البعض.
هل غدت الغفلةُ هائلةً وداميةً لأن ملايين المناضلين التقدميين هجروا طهران والمدنَ الكبرى في إيران وصاروا ضيوفاً على المدن الغربية يبيعون الشاورما وكأنها لحمُ الشعبِ الإيراني المحروق في القارات الخمس؟
هل غدا النوم السياسي منتشراً في الجزيرة العربية وذباباتُ النوم تغطي العيون؟
هل صار البدوي والفلاح العراقيان يعيدان مأساةَ الدم بين قابيل وهابيل بعد ألوف السنين؟ ألم يتعلما شيئاً بعد كل بحار الدموع والدم وقارات المقابر؟
أين القرامطةُ أين الصعاليك أين الخوارج أين تلاميذُ الأئمةِ العظام أين المعتزلة أين المتنورون وهم كانوا على قسوتِهم أو براءتهم في عصور الظلام كانوا أكثر منا تعاوناً بين الضفاف المتعادية باسم دين التوحيد؟
لو كانوا معنا ألن يصرخوا بملءِ حناجرهم: يا الله كيف يقودونا المجانينُ السياسيون العسكريون لحربٍ نووية وكيمائية وطائفية في البلدان والمدن والأرياف التي رفعتْ اسمكَ بين الأمم؟
تأكدْ وأنت تقفُ في الخندق الحربي الطائفي أن الذي تقتلُهُ لن يكون أخاك أو أباك أو أمك!
لن يغوص حذاؤكَ العسكري سوى في أرضكَ وترابَ بلدك ودم شعبك.
تأكدْ وانت تحرق حارةَ جيرانك أن لا يكون فيها أطفالك!
لوثتم أيها الطائفيون السياسيون كلَ شيء، قتلتم بلداناً بأكملها، صحرتم بلداناً كانت حدائق زاهرة، وأدميتم أعراساً ملأى بالأفراح والعرائسُ ذهبنَّ للمقابر، أو لخيام الثلج في العراء، والأطفال تحت الثرى بدلاً من أن يغنون في الفصول وساحات اللعب!
ألا تغلقون مدارسَ الموت هذه؟
ماذا تريدون من خدمةِ عزرائيل وإسرائيل؟
ألا تختمون قلوبَكم القاسية بالشمع الأحمر وتعودون لدين التوحيد وأعلام الأوطان وتسقطون هذه الأصنامَ التي رفعتموها فوق الناس والأحياء تنزل عليهم رمادُ البراكين؟
≣ الديمقراطيةُ أو الفاشيةُ
تحول الفاشية الإيرانية إلى الخطر الرئيسي للشعوب الإيرانية والعربية يفترضُ اتخاذ موقف مسئول وعميق وشامل ومتضامن في هذه الشعوب.
إن المواقف السطحية والساذجة والانتهازية لم تعد مقبولة مع تفاقم هذا الخطر، وحين نرى ذبحَ الشعب السوري بهذه الآلةِ الجهنمية ندركُ إدراكاً عميقاً إننا أمام وحوش سياسية وليس بشراً.
إنها مسألةٌ مصيرية كبرى، وكل المواقف السياسية في كل هذه البلدان تغدو مترابطةً يحسمها قرارُ اتخاذ الموقف إما مع جهة القتل السياسي الدموي وإما مع الديمقراطية والقوى الإنسانية والتعايش السلمي الخلاق بين الشعوب.
من يعادي الفاشيةَ قولاً وعملاً هو غير من يسندها عنفاً وقوة أو صمتاً.
الفاشية الإيرانية هي العقبةُ الرئيسيةُ في منطقتِنا ضد التطور الديمقراطي والسلام والحياة. وهي تتغلغلُ في هذه البلدان والشعوبُ العربية فيها تواجه مساندين غير مُدركين للخطر أو عملاء مدربين وقوى سياسية ربطت مصيرها بشكل آلي بالمركز الإيراني.
إن الوحشيةَ التي يُقابل بها الشعب السوري ترينا مدى طبيعة القوة التي نواجهها جميعاً متخفيةً وراء الدين والطائفية لكنها عسكرٌ دموي لابد من هزيمته.
من يقف ضد هذا المركز قولاً وفعلاً هو مع الديمقراطية، والصفوف الوطنية تتسع له.
خلال ربع قرن من الدعوة لدخول القوى المؤيدة للفاشية الإيرانية في الحراك العربي الديمقراطي لكنها لم تستطع أن تتقدم بشكل جدي، فأقدامُها مسلسلةٌ إلى قعر المحيط المظلم.
أناس عاديون لهم مشكلات كبيرة مع الفقر والاستغلال في التاريخ والواقع الراهن، وهي بحرُ الآلام والمشكلات الذي تسبحُ فيه الفاشيةُ لحراكها واصطياد الضحايا، وتصعيد وجودها، سائرةً تحت نفس العباءة التراثية (قضيةُ حقٍّ أُريدَ بها باطلٌ).
تكوين قوى واسعة معادية للفاشية عابرة للحدود والطوائف والشعوب، مرتكزة على الإسلام التوحيدي الإنساني والأممية الديمقراطية، مؤيدة حقوق الشعوب والطبقات العاملة، جاعلةً التبعية للفاشية فيصلاً بين الحق والباطل، بين الديمقراطية وتلك الدكتاتورية الدموية.
في لبنان إذا لم تكن جبهة ديمقراطية واسعة تعزل الهيمنة الفئوية المغامرة وتوحد الشعب كيف يمكن أن لا تجيئه حربٌ أهلية ثانية؟
في العراق تتقدم قضية الديمقراطية لكن الفاشية ارتدتْ قناعَ الطائفية السياسية والقومية الشمولية وتحجزُ المد في البراري والديمقراطية عاجزة لأنها التبست بالطائفية الشمولية ومحافظة شيوخ العشائر وانعزالية قادة القوميات.
لحصار الفاشية الإيرانية تلزم تطورات كبيرة في صفوف الشعوب الإيرانية والعربية.
أهمها أن يغتسل الديمقراطيون من رجس الطائفية والقومية المتعصبة ومن كره الفقراء وعدم حل مشاكلهم ويرون في إنسانيتهم وحدةً رغم كل الألوان.
يرون الخطرَ الأكبر فيتوحدون من أجل أطفالهم وبقاء شعوبهم.
حين تنضم القوى المختلفة المعارضة في الجسم العربي للوقوف ضد الفاشية الإيرانية لماذا لا تتبوأُ مختلفَ المناصب في الإدارات والبرلمانات ولكن إذا تحولت لسيوفٍ في ظهور المجتمعات العربية كيف يمكن أن تُعطى الفرص وتُترك لنشر العنف وتمزيق الصفوف لتغدو حصان طروادة؟!
دون المواقف الحاسمة قولاً وعملاً ضد مخاطر الفاشية الإيرانية لا يمكن أن تتطور الديمقراطية في الجانب العربي والجانب الإيراني كذلك!
هي عملياتٌ ديمقراطية متنامية في الأمم الإسلامية لنزع أشواك العصور القديمة وتوحيد شعوبها وإضاءة أديانها ومذاهبها ومبادئها ومقاربة مصالحة، بدلاً من تاريخ العداء والغزو والتدخل.
≣ إيران و مخاطر تجربة ألمانيا الهتلرية
ليس مستوى التطور والمسار التاريخي للبلدين؛ إيران وألمانيا الهتلرية متماثلاً، فألمانيا في زمنِ الثلاثينيات من القرن العشرين كانت بلداً رأسمالياً متطوراً بعد عقودٍ من التنمية الصناعية الواسعة وإشتغال الملايين من العاملين الألمان بقوةٍ ودأب كبيرين، بخلافِ إيران الراهنةِ ذاتِ البُنية الرأسمالية المتخلفة وضعف العمل الجماهيري الصناعي النوعي.
لكن ألمانيا المتفوقة حينذاك حتى على بعض الدول الغربية التي سبقتها في الثورة الصناعية لم تكن تملكُ مستعمرات تمدُها بالمواد الخام الرخيصة وتفتحُ فيها أسواقاً، ولهذا عملتْ الحكوماتُ الألمانية على فتح ثغراتٍ في الجدران الدولية لهذا التوسع الضئيل، وعلى الدعوة لمجالٍ حيوي للأمة الألمانية.
وكان المجالُ الحيوي خاصةً مخصصاً في البلدان الناطقة بالألمانية كالنمسا، وبلدان الأقليات الألمانية، وهذا كان يَفترضُ تصعيد الشعار القومي لدرجةِ الهوس العرقي.
من جهة الجذورِ فإن القوى الإقطاعيةَ الألمانية سارت بشكلٍ عسكري عنيفٍ لتوحيد ألمانيا، وجعلتْ القوميين الإقطاعيين يسيطرون على المدن والصناعة، ويتحولون إلى رأسماليين بالقوة.
كان هذا يتناقض مع تطور ديمقراطي سلمي وطويل للبُنيةِ الألمانية حيث بقيت الكثيرُ من العلاقات ما قبل الرأسمالية والشمولية وظهرتْ بأشكالٍ مختلفة في الثقافة والسياسة، وحدث فيها رفضٌ للتطور العقلاني السلمي للمجتمع، وأن(الألمان ذوي الدم الحار مميزون عن غيرهم من أمم أوربا الغربية الباردة الأعراق)، وأن لهم طريقهم الخاص الرافض لمسار الأمم الغربية الديمقراطية.
تم الاعتماد هنا على الإرث الديني الغيبي والهياج الصوفي وتصعيد نزعات التطرف السياسي لمرور رأسماليةِ دولةٍ إحتكارية دموية تقومُ بحل الإشكالات والتناقضات التاريخية.
بعضُ هذه السماتِ نجدُهَا في التطور الإيراني، حيث الشعب الفارسي الزراعي المُحاصر عبر التاريخ بين القوى المعادية البدوية، وهو الذي أسسَّ التضاد المطلق بين الإله والشيطان في ثقافة المنطقة الدينية، والتناقض العنيف مع العرب(أخطر)الشعوب البدوية التي طمستْ الحضارةَ التاريخية للفرس، وهو تعصبٌ قومي لقي في الاختلاف عن بقية المسلمين أدواتَ تشكله عبر قرون، ثم تتوج وتسرطن ذلك في رفض القومية الطائفية المتعصبة للأفكار الليبرالية والديمقراطية والعلمانية في القرن العشرين وهي الطريق الأقل كلفةً للمزاوجة بين الطموحات القومية وحقوق القوميات الأخرى، وبين التطور النهضوي وبين السلام، بين توحيد المسلمين وبين الارتفاع للذروة فيهم، لكن الأدوات السياسية القاصرة والزعماء السطحيين المتعصبين خلقوا طريقاً إيرانياً آخر، ألم يكن هتلر نموذجَ هذا الطريق السطحي العنيف في ألمانيا؟
لهذا عبرتْ الجمهوريةُ الإيرانية عن مجمل هذه التناقضات، فنفسُ الريفيين العسكريين المشابهين للارستقراطية الريفية الألمانية سيطروا على المدن، لكنهم ريفيون متخلفون عاشوا على الزراعة وليس على الصناعة، وغُذيتْ الحقبة بكراهية جديدة للعرب، مع الحرب العراقية، وأمكن من خلالها تصعيد العسكرية القومية الطائفية.
الغزو صعبٌ على هؤلاء الورثة حيث أن موازين القوى العسكرية في المنطقة لا تسمح به، وكذلك فتنامي الليبرالية والديمقراطية سيفككُ البلد، والبديل هو التغلغل في السكان المتأثرين بالدعاية في الطائفة وإعتبار الطائفة هي المجال الحيوي.
مثل ألمانيا فهذا المجال الحيوي لا يؤدي لتطورات إقتصاديةٍ مفيدةٍ للسكان رغم أنه يصنعُ تطوراتٍ عسكريةً صناعية متداخلة لكنه ينهكُ الدخلَ العام.
لا بد أن يصل التناقض في هذا الواقع الإيراني لمداه فالرغبة في التوسع دون حصولها والمجال الحيوي الذي يتفكك ويفلتُ من السيطرة والطائفة كذلك هي مجموعاتٌ من السكان مختلفة الانتماءات تعيش في مجتمعاتها الوطنية العربية وبدأت تتململُ من سيناريو الذبح الإيراني المخيف، كما أن التناقضَ الرئيسي الداخلي بين سلطةِ أقليةٍ ومجموع الشعب المنهك من الظروف والعقوبات يتصاعد حتى يصل إلى نقطة اللاعودة، فهذه الظروفُ كلها ستنفجر في لحظة، حين يرفض الناس في المجتمع هذا التتويج الانفاقي على السلاح والعمليات الخارجية التي تمنع معيشتهم وتطورهم بل تهدد حياتهم. وفي كل الأحوال فسياسةُ حافة الهاوية هذه رهيبة رهيبة.
≣ جذورٌ أبعد للطائفيات السياسية
حين انتصرت القوى الريفيةُ المحافظةُ المتخلفة الوعي على القوى المدنية والتحديثية الديمقراطية في إيران كان لا بد أن تنعكسَ هذه القفزة الارتدادية للوراء على الحياة السياسية والاجتماعية في إيران وعموم المنطقة.
تصعيدُ الطائفية السياسية وانتصارُ اليمين الفاشي وتمزيق الشعوب وإعادة إنتاج رأسمالية الدولة العسكرية بشكل طائفي شمولي، واستثارة الصراع الديني في المنطقة وخاصة الصراع الإسلامي اليهودي، كل هذا عبرَ عن عجز القوى المتنفذة الإيرانية عن الدخول في ثورة ديمقراطية وطنية إصلاحية عميقة.
وقد اتفق هذا مع انهيار رأسماليةِ الدولة السوفيتية التي عبرتْ هي الأخرى عن العجز السوفيتي الروسي المديد من تشكيل ثورةٍ ديمقراطية واستبدالها برأسماليات دول شمولية.
هنا نجدُ انهيارَ صيغ الماركسية اللينينية أو تحولها يافطات سياسية معلبة فاقدةً القدرة على التحليل العميق للأزمة العامة التي تمرلا بها دولُ المنطقة، ومؤدياً هذا إلى أزماتٍ عميقة إيديولوجية وسياسية في التنظيماتِ السياسية الاشتراكية والشيوعية والقومية. وقد عبرَّ هذا عن تحطم العلاقات بين تلك الرأسماليات الشمولية التنموية السابقة وبين الجماهير العادية في دول عدة.
وقد مشت الأزمةُ الإيرانية داخل دولٍ تلعبُ فيها رأسماليةُ الدولةِ العسكرية دوراً محورياً، وهذا ما تمثل في سوريا واليمن بشكلٍ خاص، حيث كان التنوعُ المذهبي السياسي قد تفاقم مع عجزِ رأسمالية الدولة في كل من البلدين عن التنمية الوطنية العادلة، ولهذا فإن توترات واضطرابات الطوائف بدأت تتصاعد.
وفيما يتعلق بدول الخليج والعراق، فإن ذات المشكلة المحورية بدأت تكبر أو تنفجر، ففيما تصاعدتْ رأسماليةُ الدولة العسكرية العراقية وأدت إلى حروبٍ كارثية فاقمت هي الأخرى حراكَ الطوائف، كانت بعضُ الدول الخليجية قد تأزمت بفعل رأسمالية الدولة الشمولية، وبدأت تبحث عن تغيير ليبرالي.
أما دولُ إفريقيا العربية، فإنها ذات مسار طائفي مختلف، حيث يلعبُ الصراعُ الإسلامي المسيحي اليهودي دوراً أكبر، كشكلٍ للصراع بين رأسمالياتِ الدول البيروقراطية وبين الشعوب الجائعة للتنمية والعدالة الاجتماعية، وكلما كانت قفزةُ الدولةِ لرأسمالية الدولة العسكرية كالسودان وليبيا والجزائر كلما كان التطور السياسي كارثياً.
الأزماتُ غدت مظاهرَ لطبيعةِ تطوراتِ الرأسماليات المختلفة المتخلفة الشرقية في عالم يزدادُ تطوراً صناعياً وديمقراطياً.
أخذ المحور الفاشي العسكري في المشرق يظهرُ مع تفاقم هذه الأزمة في الرأسماليات العسكرية الكبرى وهي روسيا وإيران وسوريا، التي توحدتْ في العجز عن إعادة المشروع الوطني الديمقراطي بين القومية السائدة وبقية القوميات، بين الطبقات الحاكمة البيروقراطية العسكرية وبين الشعوب، بين الطائفة المهيمنة عبر قياداتها المتنفذة وبين الطوائف الأخرى المُبعَّدة عن السلطات والفرص الاقتصادية.
في كلِ بلدٍ ستأخذُ الأزمةُ شكلَها من مستوى تطور البلد، وقد غدت إيران هي بؤرةُ الأزمة، وتجلى فيها الشكلُ الفاشي البارز الصارخ، بعد معاركٍ ضارية بين الجمهور والنخب الليبرالية الدينية وبين الحرس الثوري، حيث برز الأخيرُ كذروةٍ لهذا التصعيد وجسّدَ سمات الفاشية المتغلبة.
ولهذا فإن الأزمةَ الإيرانية قد تحولتْ إلى أزمةِ منطقة، ففي ظلِ انهيار المنظومات (الاشتراكية) التي كانت رابطةَ تجمعٍ واسعةٍ لرأسمالياتِ الدول التنموية الوطنية، ولكن نظراً لفقدانها الديمقراطية ولكون التنمية غدت مُحتضنةً من قبل المؤسساتِ العسكرية السياسية، فإن التأثيرات الفاشية الإيرانية تغلغلتْ فيها وغدا الحلُ الإيراني الشمولي مطروحاً داخلها، على شكلِ سحق الجماعات المعارضة.
هنا نجدُ التداخلات المعقدةَ للتطور بين دول ذات مسيرات تاريخية مختلفة، فقد كانت سوريا مركزاً للمعارضات العربية ذات البرامج الوطنية الديمقراطية، لكن التأثيرات الإيرانية السورية راحت تتغلغلُ فيها، بسببِ العمل داخل سوريا لسنوات طويلة. ففيما كانت بعضُ دول الخليج تتجه إلى التحول الليبرالي الديمقراطي كانت بعضُ التنظيمات المنتمية إليها تحملُ جراثيمَ التأثير الثنائي الإيراني السوري، وتابعهما حزب الله، وفي الخلف نجدُ الجذورَ الروسية الشمولية، وتنقلهُ إلى هذه الدول العربية الخليجية، فترتبكُ بين المشروع الإيراني المستورد وبين المشروع الوطني الديمقراطي المنتجِ داخلياً.
أي أن قوى اليسار العربي في المنطقة شهدتْ تحللاً فكرياً سياسياً طويلاً، تمثلَّ في تغلغلِ الكياناتِ الطائفيةِ الجماهيرية فيها، وعجز الوعي السياسي السطحي عن التطور خلال عقودٍ واستسلامه لضرباتِ القوى الطائفية وشرخ تنظيماته ونقاباته ومؤسساته الاجتماعية وعجزه عن فائدة شعوبه.
≣ الفقراءُ والفاشية الإيرانية
لكي تصطادَ الفاشيةُ الفقراءَ لابد لها من كلامٍ ثوري، ومن عباراتٍ مجلجلةٍ لسحق الظلم وعوز الفقراء وذلهم، وأن تهاجمَ بقذائف نارية الأغنياءَ والأشرار، ولكن ليس لديها خطة عمل، ولا برنامج اقتصاديا سياسيا لتطوير حياة العمال والفقراء.
أربعةُ عقودٍ من التحول السياسي الإيراني في زمن الشاه تراكمتْ فيها شعاراتُ الكراهيةِ للغرب والحداثة والديمقراطية والعلمانية، وأبرزتْ فقرَ كادحي القرى واستنزافهم من قبل الإقطاعيين والرأسماليين، وهاجمتْ الثورةَ البيضاء التي قدمتْ بعضَ الأراضي للفلاحين، ولكن لم توجد برامج لدى المنظمات الدينية الطائفية لتغيير حياة كادحي إيران ولا القوميات الإسلامية الأخرى التي تشاركها الدولةَ الإيرانية التي تمددتْ فوق عظامهم بقوة السلاح خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين.
حل قضايا العمال والفقراء والقوميات المضطهدة وحل قضايا التطور الاجتماعي المركب والصعب لم يُطرحا عبر برامج يمكن تنفيذها بل من خلال الخطب الدينية المتعصبة والهذيان الديني الصاخب، وعبر استغلال العبادات وتحويل المراكز الدينية لمراكز سياسية تجند الملايين من الفقراء المحبطين المعوزين التائهين في تحولاتٍ رأسمالية يرونها كفوضى وخسوف طبيعي، ولا يمتلكون الأدوات السياسية والاقتصادية والنقابية لتحويلها بشكل ديمقراطي مستمر.
كان استخدامُ الموروث الديني وشحنه بالتعصب يمثلان تناقضا رهيبا، فهذا الموروثُ المسالمُ الداعي للتعاون والحب كيف يمكن تحويله لعنف؟ كيف يمكن تحويل الشباب والأطفال لقتلة؟
هذا الموروثُ الداعي لهز الذات وعدم إيذاء الآخرين كيف يمكن تحويله لسياسة فاشية؟
تم ذلك عبر نشر العداء المذهبي، وتصوير المذاهب الإسلامية الأخرى كمذاهب معبرة عن الأغنياء الفاسدين، أو أنها تعبيرٌ عن المحافظة غير الثورية، في حين أن المذهبَ المختار هو المعبرُ عن الكادحين المظلومين، وكان تفجيرُ العصابِ المذهبي يتم حتى من خلال أسماء (تقدمية) لا تُدرك آفاق شعاراتها وتحليلاتها السطحية.
وفي مرحلة النظام العملية كان استغلالُ العبادات والشعائر يتحولُ لأجهزةٍ (بوليسية)، حيث اللجان والعصابات المسلحة في الأحياء والقرى تفرضُ ما ترتئيه بالقوة والعنف، وكان ضرب النساء والمختلفين فكريا يتحول إلى قمع واسع ثم إلى مذابح لليبراليين واليساريين والإسلاميين المعادين للدكتاتورية.
ثم في مرحلة أخرى حين يتحول الجيشُ لأداةِ حربٍ ضد القوميات الإسلامية الأخرى في الدولة نفسها ثم أداة تصدير التدخلات وتحويل الأتباع في الدول المجاورة لتنظيمات تُجرلا شيئا فشيئا لسيطرة المركز في طهران.
ولهذا فإن التنظيمات الطائفية المحافظة في الأرياف العربية يُطبق عليها هذا السيناريو عبر سنوات، حيث تظهر الأفكار النضالية (النظيفة) وشعارات الكفاح الديمقراطي وتحرير الوطن، وتحتها دعاية سوداء كثيفة ضد الأغنياء والمفسدين، وفي الداخل الطائفي تُصعدُ الشعارات المميزة للذاتِ الطائفية المنفصلة عن الشعب وعن المسلمين، وعن (النحن) المظلومة، والمحرومة عبر التاريخ، وكون السلطة قد سُرقت (منا)، و(إننا نحن) عنصر النقاء الأصيل، و(نحن) الدم النقي الذي لابد أن يُطهر من خلال القوة ومن خلال العنف.
تقوم الأجهزة الفاشية الإيرانية مع تصاعد إدارتها الفاشلة للمجتمع الإيراني، وكون الطهارة الدينية المزعومة لم تتحقق، وأن الداخل مليء بالمشكلات مع غياب الديمقراطية، والمنابر الحرة، إلى تصدير المشكلات والدعوات للخارج، والمسألة ليست نقصا في الميزانية فالميزانيةُ كانت هائلة في البداية، ولكنه نقص في البرامج، وفي الاعتراف بالتنوع الطبقي الصراعي داخل الطائفة وداخل المجتمع، وأن هذه الصراعات تُحللا في مجتمع ليبرالي ديمقراطي ولكن الفاشية هي نقيضُ الاعتراف ونقيض تجسيد الديمقراطية والإنسانية.
ولهذا لابد من تصعيد العنف، ليغدو برنامج نفي الحياة وتصعيد الحروب هو البرنامج الأصيل في عظام هذه الحركات.
في السابق في زمن الأنظمة المحافظة المتنوعة لم يصلْ العداءُ بين المسلمين الى هذه الدرجة المروعة وإلى تكوين أحلاف وخلق خندق هائل بين الأمم المتعايشة قرونا، ولكن حتى حافة الهاوية هذه خطرة وجر الشعوب لقاعها مسألة كارثية مخيفة.
≣ النضالُ المشتركُ بين العربِ والإيرانيين
لم تستطعْ العصورُ القديمةُ والوسطى أن تضبطَ تحركات القبائل والشعوبِ المهاجرة والمتداخلة مع بعضِها البعض والغازية والمترحلة بسببِ سيولة تحركات القبائل والشعوب في ظلِّ إمبراطورياتٍ مفتوحةٍ ومنهارة ومتغيرة.
هذه السيولةُ غيّبتْ الحدودَ ومواقع الشعوب لقرون ثم راحت تستقر وتتشكلُ خلال العصر الحديث وأصبحت للقوميات بلدان وبعضها بلا كيان.
في العصور القديمة والوسطى كان الفرس والعرب في تماس حاد على حدود وادي الرافدين، لكن لم يكن العرب هم جمهرة الشعوب الكبيرة بل كان الآراميون هم المادةُ السكانية الكبيرة التي تقاربُ لغاتُهم اللغةَ العربية القرشية، ولهذا فهم الذين تعرضوا للذوبان والاندماج مع العرب الذين حمتهم الجزيرة العربية من الذوبان وجعلتهم يبقون لقرون مستثمرين معرفة تلك الشعوب القديمة.
فيما حاول الفرسُ إخضاع الشعوب والهجوم على الجزيرة العربية ومنع القبائل العربية من التسلل إلى حدودهم.
وكان الإسلامُ لغةَ صراع قومي متوارٍ بين مستويين من الحضارة، فقد فرض العربُ لغتهم وحضارتَهم البدوية على هذه الشعوب العريقة وأزاحوا التكلس العبودي الطويل، وحين مرت الخلافةُ الراشدةُ بشكل وامض تاركة مُثُلاً ورموزَ المساواة، فإن الأسرَ الحاكمة التالية أثخنتْ الشعوبَ بالجراح والخراج، مثلما أظهرتْ بعضَ التطورات وبعضَ الشخصيات الحكيمة ووسعت المدن والحضارة. ولكن العربَ من جهة أخرى، ومن خلال القوى الشعبية قدموا للفرسِ الفرقَ والمذاهبَ المعارضةَ ضد تلك الأسر، وهي الفِرقُ والتياراتُ التي صهرتْ الشعوبَ الإسلامية ذات القوميات المختلفة المتوارية في حضارة واحدة.
زمنيةُ النهضة لم تستطع أن تحل التناقضات الاجتماعية والسياسية بين القوميات المتوارية، فمركزُ الخلافة المسيطرةِ لم يقدمْ ديمقراطية سياسية اجتماعية تتيح إنهاض الشعوب والحفاظ على نهضة العلوم والآداب وإبقاء تلك الإمبراطورية العالمية في وجه التحلل الداخلي، والتناقضات المتصاعدة بين المركز والولايات المنسلخة.
كان التبادلُ النضالي بين الفرسِ والعرب بين حدودِ القوميتين يتملا بأدواتِ العصرِ السياسية الثقافية الممكنة، فالعرب يغذون الفرسَ بالمذاهب المحافظة والفرس ينتجون الفرقَ المعارضةَ الإمامية.
الفِرقُ المعارضةُ كانت متطرفةً ولم تكن تمتلك المناهج والأدوات العقلانية لإنقاذ الحضارة العربية الإسلامية ولهذا فإن الفرقَ المحافظة على الجانبين هي التي سادت.
ولهذا كان عجزُ المَلكياتِ الفارسية والعربية في زمن الاستعمار عن تطوير الديمقراطية في كلٍ منها، وهي المتقاربةُ النموِّ والمشتركة على حدود، أتاحَ عودة الفِرق المعارضةِ المتطرفة ولكن بأشكالٍ عصرية، وقد ورثتْ عدمَ القدرةِ على الحفر العقلاني الديمقراطي الصبور وطرحتْ نفسَ البرامج التعجيلية السياسية الانقلابية، كثقافةٍ متوارثة للتسطيح السياسي والعاطفية القديمة للعصور الوسطى، فيما أتاح العجزان المَلكيان الايراني والعربي، للقوى الانقلابية القومية واليسارية الطفولية الانقضاضَ على لحظتي التطور الحديثتين وإجهاضهما بدون تقديم البديل الديمقراطي النهضوي المتصاعد. إن البرامجَ السياسيةَ والدساتيرَ الرسمية كلها معاً عكست في كلٍ منها مواقف القوى البيروقراطية الموجودة والممكنة، وعدم الظهور من خلال طبقاتٍ وسطى ذاتِ ثقافةٍ حديثة وإنتاج متطور وعلاقات قوية وإنسانية مع الطبقات العاملة.
إن القوى المعارضة أطاحت ببذورٍ ديمقراطية، وأعادت بلدانَ المنطقة على حدود التماس القومية الإيرانية والعربية إلى الوراء وإلى زمنيةِ المذاهب المحافظة، وأعادت صراعَ الفرسِ والعرب، والسنةِ والشيعة، والجمهوريين غير الجمهوريين والمَلكيين غير الديمقراطيين.
ومن جديد تظهر الحاجةُ إلى طبقات وسطى ديمقراطية تمثل نسيج التلاحم الحداثي داخل المجتمعات العربية الإسلامية، تعيدُ إحياءَ تلك البذور المدهوسة من قبل العسكريين والشموليات والمغامرين، وهي علاقات نضالية عصرية توحيدية تعددية، تضيءُ جذورَ النضال المشتركة وتقيم أخوةً إسلامية جديدة، وأممية إنسانية، تصنعها القوى السياسية والفكرية الديمقراطية عبر تبادل الأنشطة والمواد والخبرات والعمل المشترك ضد الحروب ومن أجل السلم والتقدم المشترك، وتخترق الراهن الحاد وتبقى في المستقبل الحافل بالمشكلات المعقدة وبالإمكانيات لتكون الأمم الإسلامية عبر قومياتها وحدودها وعبر التلاحم الانساني.
≣ الإخوانُ وولاية الفقيهِ
تأثرت جماعة حزبِ الدعوةِ العراقي بفكرةِ الإخوان لتشكيلِ تنظيمٍ سياسي طائفي في خمسينيات من القرن العشرين، والجماعتانِ تؤسسان وعي البرجوازيات الصغيرة في المذهبين الإسلاميين الرئيسيين لتشكيلِ حركاتٍ سياسية مختلفة قبل أن تذوبَ بين القوى الليبرالية والاشتراكية التي اُعتبرتْ أنها أجسامٌ خارجيةٌ منتمية الى الغربِ والشرق ولا تمثلُ الجسمَ الجوهري المستقل غيرَ التاريخي للمسلمين، وتمثلُ صراعَ البرجوازية والعمال على المستوى العالمي.
أي أن قوى المحافظة التقليدية رأت أنها ممثلة للإسلام، في حين أن القوى الأخرى هي من الخارج.
وهذا المخاضُ التاريخي للبرجوازيات الصغيرة العربية الإسلامية تنامتْ بذورُهُ في النصفِ الأولِ من القرن العشرين، حتى توسعت بشكلٍ كبيرٍ في النصف الثاني من القرن، وهو أمرٌ مثّل عجزَ قوى الحرب الباردة عن خلق تنمياتٍ كبرى في العالم العربي الإسلامي، وفشل الطبقتين الرئيسيتين القياديتين المفترضتين سواءً في الاشتراكية أو الرأسمالية في صنع نظاميهما واحترام بقائِهما معا وصراعهما الحضاري العالمي الديمقراطي المشترك.
وقد جابهتْ القوتانِ الإخوانُ وحزبُ الدعوة كل من طرفهِ القوى الشموليةَ التي طفحتْ على الحياةِ السياسية بفضل التأثيرات الغربية الليبرالية والتأثيرات الشرقية المُضادة، التي فشلتْ مشروعاتُها لعدم فهم التشكيلة التاريخية للبشرية وهو الفشل الذي تجسد بينهما بالحرب الباردة وبتناقض قوى الحداثة، أتاحَ ذلك للقوى التقليدية العربية والإسلامية المحافظة الصعودَ خاصة مع تفجر الثروة النفطية في البلدان ذات المناطق الرعوية والريفية.
وهكذا كان صعودُ اليمين المذهبي بشقيه.
وقد أدت التحولاتُ الاقتصاديةُ في تضخم هذه الطبقات الصغيرة والوسطى التي غدتْ حاضنةً لأفكارِ المذهبية المُسيَّسة.
ولكن كانت مسيرةُ كل من حزبِ الدعوة المتأثر بالإخوان وأحزاب الإخوان ذات تواريخ مختلفة، فمراكزُ المذاهبِ السنية واسعةٌ ومتعددة، وقاربتْ بشكلٍ خاص الرأسماليات الخاصة، وتصارعتْ مع الرأسماليات الحكومية الشمولية ذات اللافتات الايديولوجية غير الحقيقية، فيما صعّدتْ الرأسمالياتُ الحكومية الخليجية من جانبها الرأسماليات الخاصة من داخلها وخارجها، فتبدلت قوى السكان العربية، ولم تعد الرأسماليات الحكومية العربية الأخرى الشمولية مسيطرةً على حراك السكان العرب الاقتصادي، وغدا الوعي المذهبي السياسي التقليدي منتشرا بشكل واسع، وتضافر ذلك مع رغبةِ الدول الغربية في تنحية هذه الرأسماليات البيروقراطية المتكلسة بعد انتهاء الحرب الباردة العالمية وتكشفتْ حقيقةُ الطابع العالمي للتطور الاقتصادي الرأسمالي الواحد المتعدد المستويات، وكانت الجماهيرُ العربيةُ العمالية هي التي لعبت الدور الأكبر في التنحية وجاءتْ البرجوازياتُ الصغيرة لتقطفَ النتائج مثلما فعلتْ في زمنية الأنظمة الاشتراكية الزائفة حيث قطفتْ النتائجَ كذلك وخربتْ التجارب.
ولكن مسارَ حزب الدعوة ونظرائه في الطائفة الشيعية كان مغايرا، فالعداءُ لرأسماليةِ الدولة (المتغربة) و(المعادية للإسلام) في وعيها الايديولوجي، خاصة العراقية منها منذ عبدالكريم قاسم حتى البعث، كان مركزُ الحراك الفكري السياسي، وتنظير باقر الصدر كان هنا مهما لهذا الوعي المؤدلج، ولكن انتقالَ مركز حراك الطائفة السياسي نحو إيران وهجومَ نظامِها على قوى التحديث المختلفة، وحرب نظام صدام عليها هو الذي صعّد رأسماليةَ الدولة العسكرية الإيرانية، فتضخمتْ سيطرةُ الريفيين المحافظين على ماكينة الدولة الإيرانية، ففقدتْ الأشكالُ التابعةُ السياسيةُ من ولايةِ الفقيه والتنظيمات الشيعية الأخرى الاستقلالَ الفكري السياسي، وعجزتْ عن إنتاج مدارس ديمقراطية وعجزت عن منافسة الإخوان العرب والقوى الديمقراطية العربية على إحداث التحولات الديمقراطية الوطنية فكان حراكُها يشقُ البلدانَ العربية، بل واجه بعضُها الثورات العربية واسهم في تفكيك الدول العربية القابلة للنهوض المشترك.
إن عمليات مقاربتها للرأسمالية الخاصة كانت أقل من الجانب الآخر، وارتباطاتها بالأرياف المحافظة قوية، ولم تظهر قوى واسعة داعيةً الى التنوير والتعددية وقراءة الإسلام من منظورات حديثة.
بدأتْ الحركتانِ من شعارِ لا غرب ولا شرق، ومن رفض للرأسمالية والاشتراكية معا، لكنهما اختلفتا فيها، ففيما تغلغلتْ قوى الإخوان نحو الرأسمالية الحرة أكثر، فتقاربت مع الغرب، عادتْ الأخرى لرأسماليةِ الدولة الشمولية والحرب الباردة، وكرستْ العداءَ للغرب الديمقراطي، وعقدت علاقات خاصة مع بقايا الرأسماليات الحكومية العسكرية المتكلسة في الشرق.
≣ المحورُ الإيراني – السوري يطحنُّ بعنف
كانت الجراثيمُ الفاشية غيرَ ملاحظةٍ في خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين في منطقة المشرق العربي الإسلامي، في كل من إيران وسوريا ولبنان والعراق، حيث جرى التمدد الإيراني.
في إيران توقفتْ الماكينةُ الإصلاحيةُ عن ضخِ أي تحولٍ ممكن، والزعاماتُ المسماةُ إصلاحية عجزتْ عن تغيير أي شيء، فأُخرجتْ من السلطة أو حُوصرت أو أُعتقلت، وجاء نجاد معبراً عن هذه العامية الدينية الرأسمالية الحكومية التي تريد أن تمضي بالبلد بشكل آخر غير الاتجاه اليميني الديني التقليدي، أي أن يساعد على نمو رأسمالية خاصة من الخصخصة ومن طرحِ مقولاتِ دينية شعبية سحرية تزحزح الخطاب الديني التقليدي، لكنه فشل، لأن تغافل نمو الاتجاه الليبرالي الديمقراطي له عواقب وخيمة مع عدم وجود التراكمات الديمقراطية العقلانية بين التيارات.
الموجاتُ الرأسمالية التحديثية والعمالية الشعبية تدق أبواب إيران بقوة، وأهداف الشعب في مقاربة الحداثة الديمقراطية لم تَضعف، خاصة في الأوساط المدنية الداخلية والمهاجرة، وكذلك حصار الدول الغربية للاقتصاد الإيراني العسكري المعبر عن وقوف الفاشية المتنامية على مدى عقود والتي أطاحت بممثلي الثورة الخضراء والآن جاء دور الرأسمالية البيروقراطية الداخلية التي تريد تغيير البنية التقليدية السياسية الاجتماعية الرافضة لأي ليبرالية.
مقاربة السلطة أكثر فأكثر من العسكر لا تزال بعد في مخاض، فالجمودُ الهائلُ في السلطة الدينية السياسية وعدم التراجع عن الخط الشمولي الكاسح لأي تحديث ليبرالي، يعبر عن الغيتو القومي الطائفي التقليدي المتشدد والمرفوض كذلك حتى من مرجعيات دينية كثيرة، فهو يمثل السير نحو الهاوية، والمغامرة الكلية.
ثبات هذا الخط إحتاج لتصاعد الهجوم في الداخل والخارج، حيث أحسّت هذه السلطة الكهنوتية الحربية بأن التغيير بدأ يقرعُ بابَها، وعليها ان تستقبل الثورةَ الآن التي تصدرُ مسوخَها للخارج، وكان خلطُ الأوراق تكتيك حكومي إيراني بأمتياز لخداع البسطاء ووضع الثورة المضادة بدلاً من الثورة الحقيقية، وإدخال رمح التسلط في الكلام المعسول النضالي، وحيث تُستبدلُ شعارات الحسين بسيفِ الشمر، وهكذا كان فعل حزب الله تمزيقاً للبنان ودمار له، وتفتيتاً لصفوفه وجعل إسرائيل تسرح وتمرح، مثلما أن السلطة السورية تتفرغ لذبح الشعب وتترك الجولان.
الانقضاضُ على التحولاتِ النضالية للشعوب في إيران والعراق وسوريا والبحرين ولبنان والعراق كان مضموناً حتمياً لتصاعدِ الفاشيةِ في ولاية الفقيه، حيث لا برنامجَ للحياة بل للموت، وحيث لا تستطيع الرجعية القادمة من الكهوف أن تواكب تحرك البشر نحو الحرية، والديمقراطية والسلام، فلا بد لها من تسعير النيران وإستغلال الهوس الديني وإدخال الكثير من الجمل الثورية الزائفة في السم القومي.
وبهذا فإن الإجهاز على ثورة الشعب السوري غدا جنوناً سياسياً، والارتكاز على الشموليات العسكرية الآسيوية وضح المخاطر المشتركة لعدم تنامي الديمقراطيات، وضعف أنصاف الإصلاحات والحلول من قبل الديمقراطيات الغربية، وتماهيها مع الطائفيات السياسية وتمزيق العراق ونهبه، ونقل السيناريو الناري للجزيرة العربية، كلها أجندة تعرضُ المنطقةَ لأخطارٍ كبرى.
البؤرة المركزية للفاشية المتصاعدة وهي النظام الإيراني مثلّت الهيكلَ لكل هذه العفاريت الطالعة من الكهف الطائفي الرجعي الإيراني وتحريكها في الفضاء العربي، عبر إستغلال مشكلاته ونقص إصلاحاته وإضطرابات تحولاته الاقتصادية الكبيرة وبدء مؤسساته التحديثية الديمقراطية، لا بد أن يستدعي تحالفات جديدة بين القوى العربية تغيرب الفعل حال الناس.
كل شيء لدى الفاشية من أجل الخراب العربي، ولعدم قدرة النمو العربي على الوحدة والتقدم والديمقراطية ولعدم جذب المجموعات والطوائف في الكيانات الوطنية والقومية المتجهة للتوحد والصراعات داخل الوحدة وللتقدم والإصلاح ضمن الكيان المستقل.
النموذج السوري يقدم لنا كيف تندفعُ قوى هذه القومية الفارسية المستغلة للمذهبية إلى جنون سياسي واسع لا يقف أحدٌ بمواجهته بشكل واسع ويمكن أن تجريبه على شعوب أخرى، والقضية هي كلها في قبول التنوع السياسي في الأمة الفارسية وتخليص المنطقة من كل هذه الصراعات الكبرى.
≣ مشروعٌ متأزمٌ
بين الأيام الأولى للتسعينيات والانتفاخات الجماهيرية والحماس الحاد والاجتماعات الغاضبة، والراهن الصعب حيث البقاء في السجون وملاحقة القضايا والبحث عن معاش، ثم الاختناقات الصغيرة في مظاهرات مضطربة فئوية مكروهة شعبياً، ثمة مسافةٌ هائلة مليئة باليأس والإخفاق والتدهور المعنوي.
التحقت فئاتٌ صغيرة وعمالية كثيرة بالمشروع الإيراني لتغيير المنطقة، وعيها لم يكن يسمح لها بمعرفة جذور المشروع الإيراني الذي كان في الأصل ثورةً شعبية ثم تحول لهيمنة كبار رجال الدين المحافظين الذين أبعدوا أي نَفس ليبرالي وديمقراطي، وشكلوا أول مجزرة جديدة للحداثة والديمقراطية، بمعنى أنهم لم يشكلوا شيئاً من تحالف وطني بل اعتمدوا العنف وسيلة رئيسية للقفز فوق التناقضات الاجتماعية، وبدلاً من إختيار سبل الحداثة والديمقراطية والعلمانية والوطنية.
هذا المشروع الذي أُلتقط عربياً في المناطق الزراعية المذهبية المماثلة أساساً ثم إمتدادتها الحضرية ظل في عمومياته الشمولية الدينية، غير قادر على الفرز والتحليل والدرس والتجاوز في المناطق العربية.
فرجالُ الدين الكبارِ هم من يلتقطون خطوط المشروع ويكيفونه في البلد العربي حسب ظروف كل بلد، ولم تؤدِ التحولاتُ في بلد المصدر: إيران إلى أية درس ومراحعة من قبل هؤلاء، فهم لا يعبرون عن التنوع الإيراني، بل عن المرجعية السياسية المحافظة، وحسب مستوياتهم في كل بلد، حيث تنأى بعضُ المرجعيات في العراق عن الدخول المباشر في المشروع، فيما تتحمس أخرى بأشكال طفولية مراهقة، وتبقى السيطرة على العملية السياسية من قبل الجماعات المذهبية السياسية المرتبطة بالهيمنة الإيرانية منذ فترة وزاد إرتباطها مع تطور قوة النظام سابقاً، ويمكن أن يكون لديها هامش من التحرك بسبب طبيعة العراق السياسية المتعددة القوميات والمذاهب، وحيث يمتلك الأكراد قوة سياسية وإقتصادية لا يمكن إلا أن تُؤحذ بالحسبان، وقد وضحت الطبيعةُ الاجتماعية للمنظمات السياسية المذهبية التي تحولت لقوى عصابات وحرامية دون أن يظهر عليها أي شيء من ملامح الرسالة العلوية المناضلة، وهذا بسبب سيطرة العلاقات الإقطاعية على تكون هذه السياسة والارتباط التبعي بجهاز رأسمالية الدولة الإيراني المتصاعد في دكتاتوريته، وإنفصاله عن الجماهير الشعبية الإيرانية ولا يتيح لهم إقامة دولة وطنية عراقية ديمقراطية تعددية.
إن التابع هنا غير قادر على تشكيل سياسة نضالية ديمقراطية، خاصة مع التصاعد نحو العسكرية في المركز الإيراني وفقدان الهامش البسيط من الاستقلال.
حين نرى القواعد الشعبية للمنظمات المذهبية السياسية في المناطق المتخلفة وسيئة الخدمات وضعيفة التطور الاقتصادي، سنرى أغلبية القيادات من البرجوازية الصغيرة المسطحة الوعي، ليست لديها قدرات على قراءة التراث الشيعي النضالي، أو الثقافة الإسلامية في تطورها التاريخي عامة، وهي مقطوعةُ الاتصالِ بالثقافة الديمقراطية الإنسانية، وتقوم تصرفاتها على الانفعال والشعارية وجاءت كردود فعل لما جرى في البر الإيراني الذي كان قد عمل لقرون على خلق تبعية للمناطق العربية له، وشكلَّ روابط دينيةً وإجتماعية ذات تاريخ كلها تنسجُ على الشعارية العبادية وضح مواد الأساطير. فيما القواعد العمالية تفتقد حتى القدرة على الشعارية وتتبعُ بشكلٍ حاد تلك العناصر من البرجوازية الصغيرة التي تشعر في أحيان كثيرة بإختلافاتها مع الإقطاع الديني وتوجهاته سواءً في المركز الإيراني أم في الفرع التابع له. لكنها غير قادرة على إنتاج ثقافة سياسية وبالتالي على تشكيل قرارات وسياسات أخرى، لكن هذه العملية قد تتم في المستقبل مع وصول النظام الإيراني للفشل في سياساته.
هنا لا يمكن الفصل بين تطور الاتجاهات الدينية الدكتاتورية في المركز وفي الإقاليم العربية، فكل الاتجاهات السائدة السياسية المغامرة المذهبية ترتبط بالمركز لرأسمالية الدولة الإيرانية وتطورها، التي أتجهت للعسكرية والتغلغل والهيمنة في الجوار العربي بشكل خاص، وهي تعتمد في النمو على مشكلات الأنظمة العربية وعدم قدرتها على حل مشكلات الرأسماليات الحكومية فيها، وضعف الهيكلية القائمة على الديمقراطية وتوزيع الفوائض الاقتصادية بشكل وطني، وعدم ضبطها للتطورات العادلة بين المناطق المدنية والريفية، وعدم وجود سياسات عمالية وطنية راسخة، وعدم تطور البرجوازيات الوطنية تطوراً في مستوى التحديات وفي المساهمة بالرسملة الوطنية الانتاجية. وعدم قدرة المنظمات الدينية والتحديثية على التطور الفكري السياسي وجذب المواطنين لا المذهبيين السياسيين.
هذه كلها تجعل الفئات البرجوازية الصغيرة المتذبذبة لا تملك الحرية والاستقلال عن المركز ولا تستطيع إنتاج سياسية وطنية توحيدية نهضوية ويتبعها العمال والفقراء وهم في أحوال معيشية صعبة وعدم قدرة على الاستقلال السياسي أو النقابي، مما ينعكس بشكل إنقسامات حادة في المجتمع على مستوى الأقاليم كما في العراق ولبنان، أو إحداث إنقسامات داخلية في كل مجتمع عربي بين العمال ومختلف الطبقات التي تجد نفسها مشلولةً عن الفعل الوطني أو الحراك النقابي.
إن المركز الإيراني يصدرُ أزمته وعجزه عن الديمقراطية في منع تطور الديمقراطية والوطنية في البلدان العربية المجاورة له.
والآن ندخل في مرحلة خطيرة هي أن هذا النظام يصّدر الحروب الأهلية، وبالتالي هي مرحلة تتطلب تعاون أي قسم من القوى الوطنية لفعل إصلاحات للجماهير الشعبية وعزل قوى التأزيم وخلايا الحروب الأهلية وتفيك الأوطان.
≣ أسباب عجز القومية الفارسية عن التطور الديمقراطي
تشبه القومية الفارسية في لحظتها التاريخية الراهنة العصبية القومية العربية في زمن الخمسينيات. حيث المركز العسكري الشمولي في هياجه السياسي، يحركُ صخبَ الجماهير الزبدي، ويفجر معارك لا لزوم لها، معارك ضد حلفاء ممكنين، أو أناس محايدين.
إبتلاع الدولة الفارسية لبلدان الأتراك والعرب والكرد والبلوش منذ تكون الإمبراطورية البلهوية شكلّ آلةً حكومة عسكرية لم تقدم إيديولوجية قومية أو إنسانية ديمقراطية لجمع الشعوب الداخلة في هيمنتها.
الابتلاع الأول جرى في ظروف الاستعمار الكولونيالي:
(منذ عام 1920م، باتت بريطانيا تخشى من قوة الدولة الكعبية الحاكمة للأحواز، فاتفقت مع إيران على إقصاء أَمير عربستان وضم الإقليم إلى إيران. حيث مَنح البريطانيون الإمارةَ الغنية بالنفط إلى إيران بعد اعتقال الامير خزعل على ظهر طراد بريطاني حيث أصبحت الأحواز وعاصمتها المحمرة محل نزاع إقليمي بين العراق وإيران وأدى اكتشاف النفط في الأحواز وعلى الأخص في مدينة عبادان الواقعة على الخليج العربي مطلع القرن العشرين إلى تكالب القوى للسيطرة عليها بعد تفكك الدولة العثمانية “الرجل المريض”، وبعد ذلك عادت تسميتها القديمة الأهواز بعد سقوط الأسرة القاجارية إثر الاحتلال الروسي لإيران وتولي رضا بهلوي الحكم في إيران)، موسوعة ويكيبديا.
عملية تمدد القومية الفارسية جرت من خلال تهديدات الروس القومية المبتلعة للقوميات الأخرى من خلال شمولية رأسمالية حكومية، فقوى ذلك طابع رأسمالية الدولة الفارسية، وقدم لها الاستعمارُ البريطاني هديةً إيجابية مليئة بالنفط من أجل تقاسم النفوذ في العراق والخليج.
إن الطابع القومي العسكري لم يَهضم الحداثة الغربية إلا كتقنيات، وظل شمولياً في هيمنته السياسية الاجتماعية على الجمهور، سواء كانت هيمنة ذكورية على النساء، أم هيمنة الارستقراطية الفارسية على الشعب وهيمنة القومية الفارسية على الأقاليم غير الفارسية.
يفاقم ذلك تباينُ النسبةِ العددية للقومية الفارسية عن القوميات الأخرى:
(عدد الفرس 30% من تعداد السكان ضمن جغرافية ما تسمّى بإيران، وتشكل الشعوبُ غيرُ الفارسية النسبة المتبقية منها، وتتمثل في الآذريين الأتراك(25 مليون نسمة)، الأحوازيين(عشرة ملايين)، الأكراد(عشرة ملايين)، البلوش (أربعة ملايين)، التركمان(أربعة ملايين)، إلا أن جميع السلطات في إيران تختزل في القومية الفارسية).
إن إمكانية النمو القومي الديمقراطي غير ممكنة، ولهذا فإن الإيديولوجية القومية الفارسية الليبرالية لا تنمو، وتصطدمُ بنزعةِ هيمنةٍ كبيرة، مثل روسيا، فإذا نمت الليبراليةُ الديمقراطيةُ وركائزها من تعاونٍ إنساني وتعددية وعلمانية وحداثة فإن ذلك يعني إنهيار السيطرة على القوميات الأخرى المُلحقة بالقوة للمركز.
كذلك فإن الارستقراطية الحاكمة لم تتحول لطبقة وسطى ولم تساعد على نشوء طبقة وسطى ديمقراطية، وأعطاها نمو الموارد وتحولها من الزراعة للصناعة والنفط إمكانيات كبيرة لتقوية المركز بشكل إداري عسكري.
من هنا نجد إن الارستقراطية الحاكمة تتبدل من مَلكية إلى (جمهورية) دون تغيير في العمق الاجتماعي الثقافي.
القومية الحادة والمذهبية شكلان للارستقراطية الحكومية الفارسية في نموها، فاسم الدولة(إيران) يأتي من إقتراح ألماني نازي سنة 1936، مثلما أن خيارَ ولاية الفقيه يعكس عجز الارستقراطية القومية عن تَمثُل العناصر الديمقراطية الإنسانية سواءً في الإسلام أم في الثقافة الغربية.
العناصرُ الفاشيةُ المذهبية مكوناتٌ متداخلة ترفض العقلانية والديمقراطية وتُصّعد في الجموع الهياجَ العاطفي العصبي لتحويله لعنف، ولهذا يجري نشر هذه الثقافة خارج حدود إيران في(المجال الحيوي)وتسعير العداء القومي المذهبي.
ونظراً لضآلة عدد الفرس وعدم قدرة هذا العدد على تكوين(إمبراطورية الرايخ الفارسية) يتم تعويضه بالعنصر المذهبي حيث تتضخم القومية بشكل غير حقيقي.
لقد وجدت في المذهبية الإثني عشرية قناعاً تخفي به طابعها الاجتماعي السياسي، عبر تصعيد دور اللاعقلانية والأسطرة والعبادات الاحتفالية.
لقد شكلت لها المذهبية مخرجاً توسعياً كذلك.
كما أن وجود أهل المذهب في المناطق الزراعية المتدنية التطور يتيح للعناصر القومية الفارسية اللاعقلانية التغلغل وإستغلال الكادحين والفقراء البسطاء في وعيهم وفي ظروف عيشهم الصعبة والذين لم يعبروا زمنية نهضة ديمقراطية ليبرالية.
ومع تحول هذا المشروع لآلة حربية وإقتصادية كبيرة عبر الحرس الثوري يصل المشروع إلى مرحلة تنفيذ لا تجد منافذ سليمة ولا علاقات آمنة. لكونه يصطدم بالقوميات والأديان والمذاهب والدول الأخرى، فنجده ضد الغرب والعرب والشعوب في الداخل، ولهذا تحول القومية المتعصبة إيران لمشروع روسيا مستبدة عسكرية أخرى تنتظر التفكك الداخلي.
≣ فصل المذاهب عن السياسة الحديثة
هم مضطربون حائرون مشتتون، تتهاوى قصورُ الرمالِ التي أقاموها على ظهورِ الفقراء. يُذهلون من نجاح ثورات العرب التي حققت مكاسب ووحدات شعبية وديمقراطية تعددية وليدة!
يتساءلون، يرتعبون من المصير، فكلما وضعوا أيديهم لصنعِ حركة إنقلبتْ عليهم، شيدوا إمبراطوريةً طائفيةً يشعرون بقربِ إنفجارِها من الداخل وتهاويها!
لا يعرفون لماذا يعاندهم التاريخ؟ لا يريدون القراءة الموضوعية لقوانين التطور، لا زالوا في الأشكال السحرية من الوعي فما دامت القوى الغيبية السحرية معهم فهم قادرون على مواجهة العصر.
حين خطفت القوى المذهبية السياسية المحافظة الإيرانية الثورةَ من الجماهير الشعبية وحولتها لنظامٍ دكتاتوري عسكري، لم تفلح إرهاصاتٌ صغيرةٌ من التنويرِ أن تفككَ أسرارَهُ وتتجاوزَ مبناه الرجعي الإستغلالي.
الهيمنةُ على الفقراءِ والفلاحين، وقمعُ تحررَ النساء، ورفضُ العقلانية الحديثة البشرية، ورفضُ الديمقراطية، ومساواة الأمم في الحكم، ومعاداةُ الغرب الديمقراطي إلى درجة الهوس وتحويل هذه المعاداة لعسكرية قومية متفاقمة وأخطار جسيمة، كلها شكلت جبلاً رجعياً معادياً للشعوب وأولها الشعب الإيراني نفسه!
إن هذه الرؤى السياسية المعادية لتطور النضال الديمقراطي للشعوب لا تستطيع أن تصنعَ ثورةً، وقد إلتبس عليهم الأمرُ حين خطفوا كفاحَ الشعب الإيراني المستيقظ تواً من كابوس الدكتاتورية الشاهنشاهية ولم تثقفهُ حركاتُ نضال ديمقراطي طويلة، وقياداتٌ ثاقبة البصر وقتذاك، فظنوا أنهم ثوريون!
معاداة النضال التقدمي للشعوب راحت تتكشف، وهي تبدأ من عجز القوى السياسية الداخلية الإيرانية عن صنع نظام ديمقراطي يوآخي الشعوبَ الإيرانية، ويقدم لها فرص عيش مشتركة، فكرسوا الصيغَ الشموليةَ السياسية والمذهبية والاقتصادية التي منعتْ الشعبَ من التنوع الديمقراطي والحريات والتوحد الوطني.
لقد وقعوا في تناقضاتٍ حادةٍ بين أيديولوجيةٍ رجعية وإدعاءاتٍ ثورية زائفة، وقد قاموا بنشرِ هذه الشعارات ومضامينها المتوارية على البسطاء في الدول الأخرى مستغلين مظلة المذهب الذي تمت السيطرة على مفاتيحه السياسية التنظيمية وأُخرسَ من يتمرد أو يجتهد خارج هذه الدكتاتورية المتصاعدة التي تحولت جيشاً من العسكر والمخبرين.
في الربيع العربي من الثورات وجدوا التاريخَ يصفعُهم على وجوهِهم السياسية. إحتاروا وأيدوا ثم غضبوا، ثم إرتعبوا!
ما أقاموه من حركات وجماعات لم تحرك حجراً واحداً في المباني السياسية على كثرة الضجيج وضخامة الخسائر.
والحركات العربية تقوم بخلق أساطير من الثورات أمام عيونهم الكليلة النظر، الجامدة البصر والبصيرة. الملايين تغيرُ نسيجَ التاريخ، وتبدأُ بصنع مجتمعات مختلفة فيها بداية ديمقراطية تعددية وهم يتقلبون على الجمر الشعبي الذي يتصاعد لسعه تحت مقاعدهم المهترئة.
الثوراتُ العربيةُ تزحفُ نحوهم. وتدخلُ واسطةَ العقدِ السورية، فإذا رعبهم قد وصل لحد الحناجر المختنقة، فكيف تحول سيفُ الحسين لمدفع بشار الأسد الذي يدكُ منازلَ المساكين؟ ولماذا ظهر الشمرُ يحكمُ دمشق مرسلاً كتائبَ الموتِ لبيوت المسلمين والمسيحيين؟ ألا يوجد عاقلٌ واحدٌ في بيت الصقر الإيراني يقرأُ التاريخَ بعيونٍ مفتوحة؟
هتلر الإيراني يمشي بعبوس في قصره، غاضباً من مجرى التاريخ المعاكس، ويتساءلُ عن(الثورات الحقيقية) ودورها الخلاق!
الثورةُ في العراق التي لم تكن حتى هبة هواء صحية تحولتْ لحكم طائفي محاصصي لجماعات من اللصوص السياسيين الطائفيين.
الثورة في لبنان واصلت الحكم الطائفي وصار سلاحُ المقاومةِ سلاحَ القهر والتخويف من أي نمو ديمقراطي وأصحابه مرعوبون من توحد الشعب اللبناني وثورته.
في البحرين لم يستطع المحافظون الطائفيون أن يخلقوا بوصةَ تقدمٍ نضاليةٍ ديمقراطية واحدة.
وفي كل مكان يحدث تمزيق للبلدان والشعوب وتتفاقم الصراعاتُ الطائفيةُ ويتدهور التاريخ الديمقراطي التنويري السابق بفضل (ثوراتهم)!
يقول المبعوثُ البوليسي لهتلر الإيراني: يا سيدي فشلت المزروعاتُ الإصطناعيةُ وأملنا فقط في القنبلة النووية توقفُ الزحفَ الديمقراطي على قلعتنا الحصينة لألف سنة قادمة من حكم الفوهرر الإيراني!
لا يريد المحافظون الطائفيون أن يعترفوا بالواقع البسيط فالشعوب تتقدم وتتحد حين تقارب النموذجَ الديمقراطي، حيث المواطنة وصندوق الانتخاب وفصل الدين عن السياسة، وجعل المال العام للعامة وأن يعود السادة الدينيون لدور العبادة والدرس والبحث الفقهي الرصين.
لا تنفعُ المضامين المحافظة في إنتاج تقدم ولا يمكن لمن هو فاقد الشيء الديمقراطي أن يعطي كفاحاً، ولا يمكن لمن يحبس الطبقات الشعبية والنساء والثقافة الحرة أن يفجرَ ثورات!
المشكلةُ في المركزِ الإيراني ولا تستطيع النسخُ في البلدان العربية أن تتحرر، ودون إنتاج ثورة ديمقراطية في إيران تقطعُ مع تاريخ الدكتاتورية، لن تجدَ العرائسُ أن خيوطَها تتقطعُ وأن بإمكانها حينئذٍ أن تعودَ لواقعها العربي وتتخذ الأردية الوطنية والروح الوطنية من بلدانها!
≣ مير حسين موسوي من رئاسةِ الوزراء إلى السجن
علاقاتُ الفئاتِ الوسطى الصغيرة برأسماليةِ الدولة يحكمها طابعُ البنيةِ الاجتماعية والتيارات الحاسمة فيها، فلكل بنيةٍ اجتماعية تاريخٌ خاص، يعبرُ عن وضع الشعب وطرائق تطوره وعلاقاته بالأمم حوله ومعه.
إن الشعب الفارسي وجد نفسه محاطاً محاصراً بالشعوب منذ مئات السنين، فوق هضبته، فكانت المجوسية تعبيراً عن صراع إلهي الخير والشر، حيث الشعب يجسدُ إلهَ الخير ويغذي النورَ والخير اللذين غدتْ النار رمزاً متأججاً لهما.
وقد عكست روحية الحصار، وكانت الإثناعشرية شكلاً آخر لوعي الحصار، ولهذا كان الشعب في كل العبادات يلجأ إلى التشدد والجزئيات التفصيلية العازلة له عن الذوبان في بقية الشعوب والأمم.
ومن هنا كانت ثورة السبعينيات ضد الشاه ارتداداً للوراء وتكريساً لدوائر الحصار والانغلاق ضد العالم.
لقد هُزمتْ الشعاراتُ الليبرالية والديمقراطية التحديثية التي كانت تعني مشاركة بقية الأمم في المسار المشترك، وكان المضمون الداخلي يتمثل في اننا نحن مختلفون مميزون عن البشر، نحن الديانة الناجية والتجربة الفريدة المطلقة المختلفة عن العالم.
ولهذا ليس غريباً أن يكون المنفصل عن كل ثقافة القرن العشرين الصاخبة في التحديث هو الحاكم المطلق، فالرجلُ الذي انعزل عن كلِ ثوراتِ العالم المعاصرة يصيرُ هو القائد، ويجيءُ من كهفه ليؤسس دولةً لا تسير إلا بقانون الماضي المذهبي المحافظ الذي ساد في القرون الخوالي.
أي أن على الشعب الفارسي في نموه الجديد أن يلغي التجديدَ التحديثي وأن يهيمن على الشعوب التي تقع تحت سيطرته، ويرفضَ قيمَ الحرية والديمقراطية، فمن يستعبد عدة شعوب يعجز أن يكوّنَ شعبا حرا.
ليست المسألة فردية لكن هناك من يؤسسها فيُخرجُ مضامينَ المحافظة والتسلطَ ويصوغُها نظاماً، ومن هنا نجد جماعات البرجوازية الصغيرة الذين تسلطَّ عليهم هذا الوعي الديني يؤيدون هذا المشروعَ الظلامي وينفذونه، وتغدو كل جماعاتهم (إسلامية)، بمعنى تحوير الدين لهيمنة قوى محافظة في الطائفة تغدو هي المطلق، التي تلتقي النبوة والألوهة.
وتكوين مثل هذه المصطلحات روح الله وأسد الله وغيرهما هي شكلٌ للاستبدادِ المطلق، حين يغدو البشريّ خارجَ الزمان والمكان، متحداً في السرمدِ الإلهي فسلطته مثله.
وهذه الأدلجة تتحولُ لمؤسساتٍ ذات أسنانٍ حادة في كلِ شأن سياسي واقتصادي وثقافي، بحيث ان الحصار يكتمل على الشعب، الذي يغدو سجاناً للشعوب الأخرى.
وهذا السجن يبدأ بالبرجوازيات الصغيرة النشطة المتعلمة التي تحولهُ إلى تنظيماتٍ تهيمنُ على الناس، ومن هنا نرى هذه الفسيفساء من التنظيمات الدينية الإيرانية بحيث تتحول إلى متاهة، وهي كلها أدواتُ حصارٍ للشعب، ورغم الحديث عن متشددين ومعتدلين فإن الرؤيةَ المطلقةَ الالوهية الصاهرة للكائنات البشرية في حبسها هي نفسها، مغتنية بصوفيةٍ غيبية فقدتْ علاقاتها بالتطور والحياة بخلاف ما كانت عليه في العصر السابق، وهي تغدو لدى المتشددين عدم مقاربة للعصر بشكل كلي، فيما المعتدلون لديهم مقاربة بسيطة لا تخرج عن جوهر السجن المقام لدى عقلية المُحاصر.
فهو يدعو إلى عدم الخروج على الجوهر المطلق للجماعة، أي الحفاظ على وحدتها الصوانية، فلا برجوازية ولا عمال، ولا مثقفين ولا عامة، بل الكل في واحد، يعبرُ عنه الولي الفقيه، الإلهُ، النصُ الباقي أبداً كما هو.
ومن هنا فإن المعتدلين والمقاربين شيئاً من التفتح، لا يلغون جوهرَ الاستبداد، والدولةَ الدينية الشمولية، ويعتقدون بهذا أنهم قادرون على تغيير وتطوير هذا السجن.
ومن هنا لا نجدُ أثراً من علم مير حسين موسوي وفنه التشكيلي، في الخروج عن الاستبداد، وهو إذ ينتقلُ من مراكز دنيا في الدولة إلى رئاسة الوزراء، يبقى جوهرُهُ هو نفسه، مثلما رأينا في (عقلانية) خاتمي.
ليس ثمة انفصال عن العصر القديم والإقطاع، وثمة رفضٌ لتبني الحداثة، لكن الحداثة التقنية مطلوبة، السمكري والمهندس والفنان يأخذون من الغرب أدواتٍ ومعرفةً تقنية، مفصولة عن جوهر العلاقات الحديثية الرأسمالية من تعددية وصراع طبقي وديمقراطية.
فالتقني يأخذُ تلك المعرفة لتعمل في مرتكزات نظام الإقطاع الطائفي، متصوراً أنها سوف تعمل على تطويره وتحديثه، ولهذا فهو يقومُ بالمشروعات الصناعية والعسكرية في هذه الدولة، ويجابه الغازي العراقي الذي شكل نموذجاً شبيهاً به، فتتضخم آلته العسكرية فيصعد طغاةُ الريفِ الصغار.
عبر سيطرة الإقطاع الطائفي يتدفق القرويون على المدن والأعمال، ويكونون القواعدَ للنظام الذي يغذي فيهم البقاء في المدن، ونشر العلاقات الاجتماعية المحافظة، وحصار الفئات الوسطى (المتغربة)، ويقوم رئيسُ الوزراء موسوي ببناء هذه البنية الاقتصادية السياسية الثقافية، حيث تصعد رأسمالية الدولة، وهو يؤدلجُ الرأسماليةَ هذه بكونها قريبة من الاشتراكية وان ما يفعلهُ هو قريب من اليسار، ولهذا يصنف نفسه باعتباره من اليسار الإسلامي.
أي أن الدكتاتورية في المذهب والحكم تربط عرى الأمة الفارسية وقبضتها على الموارد والحياة وعلى الأقاليم، وتجعلها مجسدة في رأسمالية دولة، تمتصُ الفوائضَ الاقتصادية لإنتاج طبقة فاسدة من جوفها، تعصرُ العاملين لأجل التنمية كما يتصور القادة أمثال مير حسين موسوي.
الاشتراكية الإسلامية أو اليسار الإسلامي مصطلحان رددهما مير حسين موسوي، ويعبران عن شكل آخر من أشكال اشتراكية البرجوازيات الصغيرة ذات المنهج الانتقائي.
حيثُ القول بالدفاع عن (الفقراء) وإنصافهم والتقريب بين الميسورين والمعسرين، مثلما يجري في العبادات والحياة الاجتماعية بعمل المشتركات والتعاون، والأكل الجماعي والمساعدة.
وهنا تظهر رأسماليةُ الدولة كأبٍ عطوفٍ على المساكين، وتقومُ بتشغيلهم بأجورٍ متدنية، أو تخوضُ بهم الحرب الوطنية ويتحولون إلى كاسحات ألغام أرضية، ويبنون المنشآت والمؤسسات المختلفة.
هذه الاشتراكية تظهرُ فيما بعد للفقراء والفئات المتوسطة كمعسكراتِ عملٍ لامتصاصِ فائض القيمة لمصلحة الرأسماليين الحكوميين، الذين يوجهون مسارات التطور الاقتصادي السياسي حسب سيطرتهم على جهاز الدولة.
هنا نجد المشابهات بين معسكرات الشغل الروسية ورأسمالية الدولة فيها وبين الماوية و(الماركسية) الموضوعة لخدمة سحق البروليتاريا.
وكما عمل حزب الشعب الإيراني (توده) على إنهاك العمال في صراعات ضد النظام والرأسمالية بتعابير مثل الطبقة العاملة منجزة الاشتراكية، فإن البرجوازية الصغيرة الدينية المتسلقة بين النقائض الاجتماعية عبر موسوي تستخدمُ مصطلحات مختلفة مثل (المستضعفين) و(المحرومين) من أجل إغناء الرأسمالية الحكومية.
وهذا التدهورُ في المصطلحات يعبرُ عن قيام قوى(اليسار) بإلغاء التحالف الديمقراطي التاريخي بين العمال والبرجوازية الحديثة، من أجل صعود قوى الإقطاع الطائفي.
وقد رأينا كيف سلمَ حزبُ توده الرايةَ الحمراء في لحظة صراع خطيرة بالنسبة إلى الأمم الإيرانية إلى القوى الظلامية، فيواصل بعده مير موسوي تسليم الراية الخضراء للرأسمالية الحكومية.
هذا التدهور يعبرُ من جهةٍ أخرى عن تفاقم الانتهازية بين كتل البرجوازيات الصغيرة لخدمة الإقطاع الذي بفضل هذه الجهود صار رأسمالية دولةٍ ضخمة، وهذا التحول لم يتوجه للاشتراكية ولا إلى الرأسمالية الديمقراطية.
تغدو رأسمالية الدولة تابعة لمسار الصراعات الاجتماعية وللجهود الحكومية أو الشعبية بتوجهيها إلى هذا السبيل أو ذاك. القوى الإقطاعيةُ القروية الطائفية التي هيمنتْ على المدن والأجهزة العامة والوعي الشعبي ستصعدُ نحو القمة، وتستثمر التقنيات الحديثة، لا الفكر الديمقراطي الحديث، ستركبُ تخلفَها على الأجهزة العسكرية والاقتصادية وتستغلُها للبقاء في السلطة مع غياب قدرتها على مقاربة الليبرالية والديمقراطية.
ستغدو هذه القوى المسعورة للقوة وجمع المال مصعدةً أكثر للتمزق الطبقي وإضعاف الفقراء وقمع العمال والمثقفين الأحرار.
اشتراكية مير موسوي مثلما تصعد من تسمى بحثالة البروليتاريا إلى مصاف السلطة فإنها ستكون جزءًا من ضرب اليسار والعقلانية ودولة التآمر على الشعوب وعلى المسار الديمقراطي الحديث في الدول الأخرى.
إن رئيس وزراء إيران في تلك السنوات مير موسوي لن يستطيع وقف زحف تلك الطبقة على مقابض السلطة وقيامها بالقمع والعنف، يقول في إحدى حواراته:
(تتم العمليات في الخارج، من دون علم مجلس الوزراء ولا بموجب أوامر منه. أنتم تعرفون أفضل (مني) عن عواقبها الكارثية وغير المرغوبة على هذا البلد (إيران).
وأضاف «لقد جرى إبلاغنا بخطف طائرة، بعد خطفها. وتم إطلاعي بأن مدفع رشاش فتح النار في أحد شوارع لبنان ويمكن سماع صوته في كل مكان، ولكن بعد وقوع هذا الحادث. وأُبلغت عن العثور على متفجرات وسط الحجاج بعدما حدث ذلك». «للأسف وعلى ضوء الخسائر التي تكبدتها البلاد جراء هذه الأعمال، فيمكن أن تحدث في أي لحظة أو ساعة وبإسم مجلس الوزراء».
هذا وقد طلب العديد من المثقفين والمفكرين والسياسيين الإيرانيين من موسوي التعبير عن رأيه حول عمليات الإعدام الجماعية للآلاف من السجناء السياسيين في عام 1988 وأن يشرح دوره فيها.
إن القضية ليست فقط أن يشرح دوره في عمليات القتل الجماعية للمناضلين بل الأهم هو تفسير تحول الدولة من وعد بالجنة للفقراء إلى أن تكون جحيماً لهم؟
إن رأسمالية دولة تفتقد الديمقراطية وحرية الأحزاب والانتخابات الحرة ستؤدي إلى صعود قوة عسكرية تسيطر عليها وتقودها لتحولات مغايرة تماماً عن مساعدة الفقراء وانتشال المحرومين من عذاباتهم وظروفهم.
إن الاشتراكية الإسلامية ومقولات اليسار الإسلامي هي تصعيد لقوى ما قبل الرأسمالية الحديثة إلى السلطة التي تؤدي إلى تخريب التطور الاقتصادي وجعل القطاع العام يخدمها بدلاً من أن يقوم بنشر التصنيع واجتثاث التخلف.
حدثَ تقدمٌ كبير لإيران من خلال رئاسة مير حسين موسوي للوزراء، وغالباً ما تقوم رأسماليةُ الدولةِ ذاتُ المواردِ والقوى السكانية العاملة الواسعة بقفزات اقتصادية بسبب توسع قوى العمل الشعبية وقيامها بالتضحيات الجسام.
لخصتْ إحدى الدراساتِ الوضع العام الذي شكلته سياسة مير موسوي بالتالي:
(تعتمد إيران على الصادرات من النفط والغاز حيث شكل نسبة 70% من عائدات الحكومة في عام .2008 ولدى إيران قطاع عام قوي حيث يشكل نسبة 60% من الاقتصاد ويُدار بطريقةٍ مباشرة ومخطط مركزياً عن طريق الدولة. ويتميز الاقتصاد الإيراني بعددٍ كبير من المؤسسات الدينية، والتي جمعت ميزانياتها لتشكل نصف الحكومة المركزية.
مزيج من الرقابة على الأسعار والدعم، وخاصة على المواد الغذائية والطاقة. لا تشكل عبئاً على الاقتصاد، والضوابط الإدارية، وتفشي الفساد، وغيرها مما يقود نمو القطاع الخاص إلى الجمود).
هذه هي السمات العامة للاقتصاد حسب سيطرة الدولة في عهد موسوي، والتي أتاحت لإيران الخروج من دمار الحرب وإعادة تجديد الاقتصاد والحياة عامة، لكنها تشكلتْ بأدواتٍ سياسية شمولية وبأدوات اجتماعية دينية محافظة، وهو الأمر الذي أتاح صعود القوى السياسية المؤسَّسة ريفياً، فعجز الاقتصاد عن فتح الطرق لنمو الرأسمالية الخاصة بتوسع، وبالتالي فإن القوى الليبرالية والديمقراطية المدنية خُنقت.
ونلاحظ ذلك في عجز الدينيين القريبين من الانفتاح التحديثي عن خلق التعددية وتنامي الحداثة والديمقراطية، وبالتالي تمكنت القوى المتخلفة من التغلغل في الحياة الاقتصادية السياسية، وأخفق موسوي في الاستمرار في الحكم ولم يقدم خاتمي خطواتٍ تحريريةً للاقتصاد وتوسيع الحداثة وتحقيق الديمقراطية، بل على العكس هُزم خاتمي، وصعد العسكرُ بقيادة أحمدي نجاد.
ولكن تلك المميزات الايجابية التي رأيناها في الاقتصاد سابقاً ضُربت هي الأخرى، وظهرت أمامنا لوحةٌ مختلفة فهذا القطاع العام الذي كُرس بكل تلك التضحيات وجه نحو خصخصة سريعة يسيطر عليها الحرس الثوري الذي غدا هو رأسمالية الدولة العسكرية المالكة الكبرى للشركات وعبر عن التهام واسع لأملاك الشعب وتفجرت فضائح الفساد كما حدث والذي لشركة الاتصالات التي تفجرت فيها فضيحةٌ مالية كبرى.
هذه النتيجة المضادة كلياً لتصورات موسوي الاشتراكية تعودُ لاشتراكه في تأسيس رأسمالية دولة من دون ديمقراطية وعلمانية ووطنية.
فهذا أدى لتشكيل طبقة من قومية ومذهبية واحدة متقاربة المصالح، غدت عقبة لتطور المجتمع نحو الحرية والتقدم. فهو شارك في دولةٍ شمولية جعلت من المذهبية اليمينية المحافظة قناعها الإيديولوجي، وهنا فإن سمات الليبرالية والنقد وتطور الجماهير العقلاني تنتفي، وتغدو القوى العسكرية تسيطر على الناس بقوةٍ تمنعهم من الحياة الحديثة والحريات.
وحين عاد موسوي للحياة السياسية عبرَ انتخاباتِ الرئاسة لم يستطع سوى أن يكونَ تحت المظلة السياسية الإيديولوجية ذاتها، مع شيء من الدعوة لحريات القطاع الخاص. فيدعو للرأسمالية الخاصة بعد أن خنقها، ويريد ديمقراطيةً وقد ألغاها.
لم يقدر على الامتداد نحو اليسار ولا نحو اليمين الديمقراطي، وظل في قوقعته المذهبية السياسية، مع بعض الحداثة الخفيفة، ويعبر ذلك عن غياب التراكم الديمقراطي بين التيارات التحديثية، وغياب تكسيرها للحواجز بينها، فحزب الشعب تودة يظل في شعارات قديمة، واليمين الليبرالي لا ينفتح على اليسار، والسائد من الوعي لا يعرفُ تكوينَ اللوحة التاريخية وتعقيداتها.
واليسار الذي يُسمي نفسه إسلامياً لا يعرفُ جذورَ النضال وقوانينه في الإسلام.
لا شك أن تيارات البرجوازية الصغيرة الكاسحة الدينية خاصةً تعبرُ عن هذه الهيمنة لرأسمالية الدولة على الاقتصاد وعلى التصنيع بشكل خاص، وضعف الرأسمال الصناعي المستقل وضعف علاقته بالعمال ومثقفي الحرية والعقلانية وغلبة العاملين الريفيين والإنتاج الصغير.
وكل هذه جعلت من القوى السياسية التحديثية منفصلة عن بعضها البعض، بل وتواجه قمعاً شرساً يضعفها كلها. وخاصة أن رأسمالية الدولة تتجاوز الشمولية نحو الفاشية، أي أنها تتوجه للقمع الجماهيري الواسع والحروب.
وقد عبرَ موسوي عن مصير هذه المجموعات كنموذجٍ رمزي حيث ساهمت هذه الكتل في تصعيد عدوها ووقعتْ ضحايا لما قامتْ بتصعيده، وفككتْ صفوفَها بدلاً من أن تتوحد وتسمح لقوى متخلفة أن تتلاعب بمصير بلدها وشعبها.
≣ ولاية الفقيهِ ضد الليبرالية
الاجتهاداتُ الفقهيةُ المسايرة للعصر المطورة للناس، موجودةٌ وتتشكل، لكن كل فكرة حين ترتبط برأسمالية الدولة الشمولية تعجز عن إنتاجِ التحليل واكتشاف التطور الديمقراطي.
رأسماليةُ الدولةِ فيما قبل الشمولية وما بعدها، يمكن أن تكون إعادة لشعب ما في إنتاج التطور الديمقراطي المعيد تشكيل النظام التقليدي.
فرأسمالية الدولةِ عنصرٌ اقتصادي محايد يمكن أن يخضعَ لتوجهات سياسية متعددة ومتناقضة.
لكن حين تصبح ولاية الفقيهِ أداة تعبير سياسية عن رأسماليةِ الدولةِ الشمولية، فإن عناصر الإسلام النضالية من جهتي الماضي والحاضر، وعناصر الليبرالية من جهتي الحاضر والمستقبل، تتجمد وتُطرد.
لابد لاجتهاداتِ الفقهاء من مراكز متعددة تغدو مطورةً لحال المسلمين والمواطنين عبر التنوع والاجتهاد والحرية والعقلانية لكنها حين تصبح ولايةً واحدة مهيمنة متصاعدة متشابكة مع رأسمالية دولة تغدو دكتاتورية، ويتوقف الاجتهادُ والتنوع.
العناصرُ المتجمدةُ في الشرع حول تطور الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية عديدةٌ، ولكنها تتغير بفعل نشاطِ الوعي الديني المتفهم للتطور، والمسايرِ للحضارة الحديثة وهي تغدو ديمقراطية، وتعبرُ العناصرُ المتجمدة عن غياب تغيير أحوال المسلمين في الأزمنة الغابرة، وحين تظهر دولٌ فيها أشياء من التفتح والتعدد، فإن هذه العناصر يُعاد النظرُ فيها حسب مدى تطور هذه الدولة ومسايرتها للتحولات الديمقراطية العالمية.
مع نشوء سلطةٍ دكتاتوريةٍ منذ عهد الشاه الأب، فإن عناصر الديمقراطية للثورة المشروطية على سبيل المثال تُنحى جانباً، وتُؤخذُ العناصرُ الألمانية الفاشية في الإدارة، ويتم الحفاظ على البناءِ التقليدي الديني الاجتماعي المحافظ، وتؤدي الشموليةُ الحكوميةُ وترددها بين التقليد والحداثة، بين الإقطاع والرأسمالية الحديثة، إلى نشوء دكتاتوريتين: سياسية حكومية فوقية تفقدُ ركائزَها بين الناس، ودينية تتوغلُ بين الشعب وتسيطر عليه عبر أفكاره العتيقة وممارساته الشعائرية.
تغدو ولاية الفقيه معتمدةً على عنصرين كبيرين: ماض محافظ متخلف، وحاضر حكومي شمولي، يتصاعدُ في أدوات احتكار السلطة والاقتصاد والجيش.
ولاية الفقيه تقومُ بطرد العناصر الليبرالية والديمقراطية على مختلف المستويات، فالاجتهاداتُ الفقهيةُ الموجهة لتطوير أحوال الفلاحين والنساء والعاملين والحريات تتوقف، فالقطاع العام يتحول لخدمة الرأسماليين الحكوميين الذين يوجهونه حسب طرائق أحزابهم، فإذا كان هو الموسوي فإنه يقولُ اشتراكيةً إسلامية، حيث يحتكرُ الموظفون الكبار طرائقَ التوجيه، وعبر توسيع اقتصاد الحرب والعسكرة، على أساسِ وجودِ التهديد للقومية من قبل العدو، الذي يُهزم، لكنه يستمر في البقاء بصورٍ ايديولوجية موهومة، لعدم توسيع الملكيات الخاصة ونشر الليبرالية والديمقراطية وتحويل رأسمالية الدولة إلى الديمقراطية الوطنية، ثم تصبح هذه أداة الدولة المتصاعدة حوتاً يأكلُ الموسوي وجماعته، مثلما أكلَ الشيوعيين التابعين لولايةِ الفقيه، مثلما أكلَ المَلكيين، لكن الحوت لا يشبع، وهو غير قادر على تطوير العناصر الديمقراطية في الماضي والحاضر، فيعتمد على الأساطير والخرافات ونشر التعصب والحروب.
الفقيه الديني العقلاني يحتاج إلى الليبرالية والحريات على أساس أن تكونَ هذه رزقه المستقلَ عن سيطرة الدول، فيستطيع أن يفهم النصّ الديني تبعاً لحاجات المسلمين المتطورة دوماً، لا أن يتعسف تفسيره ويخضعه للسيطرات المختلفة، ولكن الفقيه حين يعادي الحريات ويقفز في معاشه من دون جهد، باعتماد أداة الدولة التي جعلته حاكماً أو متنفذاً، يغدو معادياً للعقلانية، ومروجاً للخرافات، وينشرُ بين العامة التخلف، ويبعدهم عن المقاربة بين الجنسين والمشاركة الأسرية الخلاقة، ويحولُ رموزَ الإسلام المناضلة المعتمدة على عقولها وعملها وتجارتها الحرة وديمقراطيتها إلى أيقونات وكائنات غيبية.
لهذا لا يستطيع أن ينمي الديمقراطيةَ كتتويجٍ لليبرالية والاشتراكية، أي كدولةٍ وطنية تجمعُ اليمينَ المنتج والطبقات العاملة بتعاونها وصراعها ضمن المؤسسات، لهذا يوسعُ دكتاتورية القومية الطائفة الموحدة التي لا يوجد فيها اختلاف، فلا توجد فيها ديمقراطية، وأي من يأخذ بفكرته يكرسُ النموذج نفسه، ففي خارج عالم ولاية الفقيه لابد أن تقبلَ الشعوب الأخرى بها، وتغدو شعاراتُ الديمقراطيةِ والمقاومةِ تكتيكات سياسية لا تستطيع أن تخفي الجوهر المفضوح كارثةً بعد أخرى.
هي الإمبراطورية الفارسية وقد لبستْ بذلةً عسكرية وتمشي عبر السفن الحربية والصواريخ والحرائق، والجمهور المخدر، غير قادرة على المراجعة وإعادة النظر الديمقراطية الحقيقية.
ولا شك أن الشعوب المجاورة لها تعيش في حالات قلق وعذاب مستمرة، لا تدري متى الكارثة ومتى الانقاذ، ومتى الخروج من هذه الدائرة المغلقة.
≣ قضيةُ حقٍ شعبيةٍ أُريدَ بها باطلٌ إيراني
حتى الأطفال صاروا يعرفون إنهم محبوسون هؤلاء مواطنونا الأعزاء في قمقمِ ولاية الفقيه إلا هم!
تطوير الديمقراطية ورفض التعديلات الدستورية والجماعات المذهبية السياسية التابعة لولاية الفقيه تقولُ أشياء أخرى كثيرة في البحرين ولبنان والعراق وسوريا وغيرها.
البطولة الصاروخية الحزبية الطائفية في لبنان تصرخُ بما هو أعظم خطراً، وحين يقول اللبنانيون من كل الطوائف يجب أن يكون السلاح بيد الجيش الوطني وحده ومؤسسات الدولة هي المسئولة عن الدفاع، وكفاية ما خربتم من لبنان وعرضتموه للحرق والإبادة، ترفض جماعةُ ولاية الفقيه معبرة عن الدكتاتور الإيراني بأنها المقاومة والدفاع عن الأرض وتحرير الشعب وما إلى ذلك من قضية حقٍ أُريد بها باطلُ الدكتاتورية العسكرية الإيرانية.
والعراق يعيشُ أخطر من مشكلات البحرين بفقرهِ وصراعاته من الجرائم المذابح التي تقومُ بها القاعدةُ وبقايا الدكتاتوريةِ السابقة والتنظيمات الشيعية الإرهابية، وحين يقول الوطنيون العراقيون من كل القوميات فلنتحد ونقيمُ وطناً واحداً نبعدُ فيه المذهبيات المسيِّسة الممزِّقة والقوميات المتعصبة، يجري رئيسُ وزراء العراق نحو إيران ويجلس مع القادة هناك مزيحاً علمَ بلاده!
هل يمكن أن يقف تنظيمٌ سياسي ضد تطورات بلده الديمقراطية والمساواة بين مواطنيه وتكريس دخوله من أجل الشعب وكافة الطبقات والجماعات؟
لا يمكن ذلك، ولكن الشروط المتصاعدة وفرض الهيمنة واضحة لخلق حالة تأزيم مستمرة، ولستم أنتم أيتها القواعد الشعبية والعمال الفقراء من يضعها، بل هناك القادة الذين يربطون تطور بلدنا بالتأزيم من أجل ذات الأهداف الإيرانية التي تقع في حبائلها التنظيماتُ السياسية الشيعية في لبنان والعراق.
هل هذه قضيةٌ رياضيةٌ بحاجةٍ لعلماء كي يحلوها؟
نعرف أنكم تعانون من دكتاتورية ولاية الفقيه، ومن بعض الظروف في العيش والحياة، لكن هذه المشكلات لا تُحل من خلال جماعة واحدة، ولا من خلال طائفة واحدة، بل من خلال نضال وطني مشترك، من خلال إرتقاء الجميع عبر الديمقراطية.
لقد حبستم أنفسكم في واقع هذه الدكتاتورية وتركتم بعضَ النخب تسيطرُ عليكم، ولم تقيموا تعدديةً داخلية وتبادلاً واسعاً للآراء، ولم تتسعْ صدورُكم للرأي والرأي الآخر، ولم تنشروا الفكر الديمقراطي التنويري بينكم، لكن تستطيعون أن تناضلوا داخل هذه الدكتاتورية بأن تفتحوا بعضَ الثغرات فيها وتوسعوا الترابطَ الديمقراطي بينكم، وتطرحوا الأسئلةَ الهامة حول مسائل جوهرية مثل: إلى متى نحن ممزقون شعبياً وإسلامياً؟ وإلى متى نحن مربوطون بسلاسل فرعون في طهران؟ وكيف نجنبُ أهلَنا مغامرات النظام الإيراني التي يعدها لإغراق المنطقة بالحرب؟ كيف نحمي مذهبنَا وأهلَنا من هذا التسييس البشع لرموزنا وتاريخنا؟ كيف نعارضُ من داخل الوحدة الوطنية العربية في كلِ بلدٍ عربي ونناضلُ لأجل تطوير حياة أهلنا؟ كيف نطور بلدنا عبر الصراع والوحدة معاً؟ كيف نجعل الاختلاف يؤدي لتطور مصالحنا المشتركة ويعزز من تطور الديمقراطية؟
نعم اللسانُ مقطوعٌ، والقمعُ منتشرٌ بينكم، يمنعكم حتى من إبداء أي صوت إعتراض، نحن نعرف ذلك. ولكن أدوات النضال كثيرة وما يبدأ بالأسئلة والنقد يتحول إلى إنتفاضة على الولاية المرتبطة بمشروع الفاشية الإيرانية.
التعديلات الدستورية وتطوير الديمقراطية في بلدنا وفي كل البلدان ومقاومة العدو الصهيوني ووحدة الشعوب العربية والإسلامية ضد المتدخلين هي كلها قضايا حق، ولكن عبر التوحد الديمقراطي الشعبي وعزل المذهبيات السياسية الممزقة للشعوب، ولا يمكن لجماعةٍ أن تقومَ بخرق السفينة على أساسِ إنقاذها، وهي تأخذُ الأوامرَ من سفينة أخرى، يهمها أن تستولي على قوى الآخرين، وهي تفتح ثغرات في قيعانها وتدع المياه والألغام تتفجر فيها وتغرقها!
ولو كان الربانُ الإيراني حكيماً لوحدَ السفنَ العربية والإيرانية والكردية والتركية، وما جعل السفن الغربية هي التي تهيمنُ على البحار والأجواء الإسلامية والدولية، ولكنه أحمق، فلا يجب أن نجعلَ الحماقةَ تقودنا وتعرضنا للدمار.
الربانُ الإيراني يهمه الحفاظ على نظامه الدكتاتوري المتخلف وغير راغب في التعاون مع محيطه العربي الإسلامي، وقد قرأتم كيفية تنامي الاستفزاز حول الجزر الإماراتية المحتلة، وكيف يتم التصعيد العسكري الخطير على الجميع.
ألم تسمعوا بذلك؟ هل كان لكم يوم موقف واحد ضد هذه التدخلات وقمع ملايين المواطنين (الشيعة) في إيران، ونركز على قمع الشيعة لأن القوميات الأخرى والمذاهب مقموعة من قديم، لكن هل كان لكم موقف واحد فقط مع أخوتكم وأخواتكم في المذهب نفسه؟!
أنتم لستم مع الشيعة هنا أو هناك، بل أنتم مع الدكتاتورية الحاكمة في طهران، ويجب أن تعرفوا ذلك بدقة، لأن اللبسَ هنا خطير خطير.
إنهم يستخدمون القوى المذهبية المسيَّسة التابعة كأدوات ولا يهمهم مصيرها ومصير البلدان الأخرى، ولكن نحن يهمنا ذلك ونسعى لتطوركم وبقاءكم وسلامتكم.
إن توسع المعارضة لنظام ولاية الفقيه وإنضمام قوى إسلامية وقومية وشعبية واسعة هو الطريق لتغيير منطقتنا، ونشر السلام وتوسع الديمقراطية وحقوق المواطنين.
≣ حمزةُ البهلوان وصراعُ العربِ والفرس
خلال قرون التحول والانفكاك من السيطرة العربية برزت الأشكال الجنينية للقومية الفارسية متحدة بالمذهبية، فحدثتْ تحولات المراكز في المشرق العربي الإسلامي، في هذا الحين كتبَ الفردوسي الشاه نامه يعرضُ سيرَ ملوك الفرس وحضارتهم العريقة، ويَعرض بالعرب و(بداوتهم وتخلفهم).
وهو أثرٌ مهم في تاريخ الأدب ولكن دخلته النزعات الضيقة الأفق، وفي الجانب العربي كان الارتداد عن زمنية الفلسفة والفقه العقلاني وبروز للحنبلية في قلب بغداد التي كان يُفترض أن تكون قمة الحضارة، فعادت منطقةُ المشرق إلى صراعاتها الطائفية (القومية) الغائرة، وانتقلت مركزيةُ الثقافة المقاربة لشيءٍ من التطور في مصر التي أخذتْ القيادةَ بدءًا من هذا الزمن، فتظهر السيرُ الشعبيةُ فيما الأندلس تعطي آخر أنفاسها في أشكال الفلسفة والتاريخ والفقه المغايرة للتدهور الذي جرى في المشرق من صراع القوميتين المضمرتين العربية والفارسية.
وتظهر الترجمةُ العربيةُ للشاه نامه في مصر زمن السلطنة الأيوبية سنة 1223م، مما يؤدي إلى الرد عليها بسيرة حمزة العرب، لكن من دون تهجم عنصري.
سيرة حمزة البلهوان بأجزائها الأربعة وطبعاتها المختلفة غدتْ أثرا عربيا إنسانيا، لما شكلتهُ من فنيةٍ أدبية مختلفة عن زمانها، التي قيل إن عزالدين ابن الأثير هو صانعها لكن ثمة اختلافات في الطبعات، وأحياناً لا يوجد اسم مؤلفها كما هي طبعة البحرين الصادرة عن دار الأيام.
تحتوي ملحمةُ حمزة البلهوان على بعض السلبيات المحدودة مثل غياب السياق العام الموضوعي للبلدان ووجود المرحلة الجاهلية، ومع ذلك فإن مكةَ الإسلامية بإلهها الواحد موجودة ومقدسة، كذلك تنبثقُ شخصيةُ حمزة البطولية من هذا التوحيد الإسلامي في زمن الجاهلية، كما أن فارسَ كسرى تهيمنُ على القسطنطينية واليونان ومصر في هذا العمل خرقاً للجغرافيا والتاريخ، كذلك فإن خريطةَ الأرض فيها واتساع المسافات بين المدائن والهند وسرنديب لا تُؤخذ بالاعتبار في السرد فتتم الانتقالات «الشخصوية» بسهولة.
لكن رغم ذلك فإن السيرة الشعبية (حمزة البهلوان) ذات بنية قريبة للرواية الحديثة، فالعناصرُ العجائبيةُ الساحقة في القص السابق، تتضاءل هنا.
السردُ في هذه الملحمة يجري في بنيةٍ قريبة للرواية، وفيها قربٌ من الحياة كذلك، ومن التشكيل المتلون، المتعدد الشخصيات، الذي يتتبع بعض خصائص البلدان الموضوعية.
والصراعُ الذي تقيمُهُ هذه السيرة القديمة الرائعة بين بطلها حمزة والإمبراطورية الفارسية بقيادة كسرى ووزيره الشرير (بختك)، لا يعدم هو الآخر بعض العرض الموضوعي، حيث لا يغدو كسرى شريراً أو خيراً، بل هو متلونٌ، يؤثرُ فيه وزيره ويدفعه إلى الصراع ضد حمزة وإبعاده عن الزواج بابنته عبر مهمات خطرة، وهو صراعٌ معبرٌ عن صراع الأمتين العربية والفارسية في ظروفِ تفكك السيطرة العربية عن فارس واستقلال الأخيرة وتحولها للتعصب ضد العرب، فيقوم مؤلفُ السيرة بالعودة لتاريخ بطولي سابق على التفكك الإسلامي الراهن وقتذاك، وهو أمرٌ جرى في بقية أشكال الوعي وخاصة الفقه والفلسفة.
وتعتبر المهمات الخطرة هي لب الجزء الأول من سيرة حمزة، ويعطينا هذا الجزءُ سرداً مشوقاً في مساره العام، حيث تتنامى مغامراتُ الأمير حمزة وهو يجمعُ الخراجَ الذي يأمرهُ بهِ كسرى كوسيلةٍ لجمع نفقات عرس ابنته، فخزائنُهُ فضتْ على ما أشار بهِ وزيرهُ الشرير كخطة لهزيمة حمزة والعرب عامة.
في الحراك الترحالي الذي هو شبيه بحراك يولسيس في الرواية الإغريقية، لكنه حراكُ صدامٍ مع مدن وحضارات، الساردُ يقتربُ من خصائص المدن والدول التي يدخلها حمزة ويصارعُ حكامَها، فمثلاً تظهر في بلاد الإغريق مظاهرٌ مختلفةٌ عن غيرها من البلدان، مستقاة من الخصائص الجغرافية والمدنية، وكذلك تدخلُ هذه الجوانبُ العمرانية والمدنية في الأحداث، فملكُ بلادِ الإغريق يتآمرُ على حمزة ومقاتليه، ويحول مجرى أحد الروافد النهرية، ويبنيه بشكل آخر ويدعو حمزة إلى الاستمتاع بالحياة والمكان والسباحة بالمجرى المزيف.
السرد، والوصف، وحبكة الموقف، وتفاصيل البلد اليوناني من بلاط أرضي، وتماثيل وشوارع وأزياء النساء الحرة، تنقلك إلى جو الرواية الحديثة.
وفي حراكِ جيشِ حمزة الجامع للخراج وهو الشكلُ الإقطاعي من السيطرة الاقتصادية السياسية، تبعيةٌ لكسرى، وتمردٌ عليه، عبر إعادة توزيع الخراج على الناس، وقطعه عنهم بعد سنوات سبع، وإرساله لمكة وليس للمدائن.
جانب الرومانسية السحرية والعشق من أول نظرة نجده في هذا العمل عبر التهاب مشاعر حمزة والنسوة اللاتي يلقاهن، وحدوث الحب من أول نظرة، لكن بعض هذا السحر الغرامي له اثر درامي، فابنة ملك اليونان تكشفُ خدعة أبيها وتساعد حمزة على النجاة، كما اننا نقرأ كلمات وصف وتعبير مباشرين يقدران للنساء أزياءهن الحرة المختلفة عن المسلمات.
أهم ما يمكن مدحه في هذه الملحمة الطويلة المكتوبة قبل عدة قرون قبل ظهور أول رواية عالمية مُعترف بها ومروج لها عبر المركزية الأوروبية وهي(دون كيشوت)، هو هذا السرد البسيط غير المسجوع كأنك تقرأ سطور جريدة عصرية، وبلا تزويق سجعي وشعري، وعالمُ الجن الغرائبي المحدودُ الأثر، وتطورُ الفصولِ يعتمد على فعل الشخصيات وصراعاتها الأرضية الواقعية، ويتداخل فيها الحوار والسرد والجدية بالفكاهة.
رغم وجود الصراع السلبي وتفكك الشعوب الإسلامية فانه أدى إلى نتاجات ثقافية مهمة، على العكس من الصراع الراهن.
≣ ضد الفاشية وليس ضد الإسلام
تتوهم المنظماتُ المسيّسة للإسلام بشكل شمولي عنيف ومحافظ إن التقدميين والديمقراطيين هم ضد الإسلام، لكونها تتصور إنها هي الإسلام.
نحن نعزلها عن المنظمات المُسيّسة للإسلام بشكل ليبرالي وصوفي ومتعقل. رغم رفضنا لهذا التسييس عامة، لأنه تمزيق لصفوف المسلمين وتصعيد لمستويات الشعوب الإسلامية في هياكلها القديمة المحافظة الخطيرة على تطورها.
نحن نركزُ على القوى والمنظمات التي تسيّسُ الدين والقومية بشكل عدواني فاشي، دون نظرٍ لمسألةِ الطائفة.
ألم نكن مناضلين ضد نظام صدام حسين وداعيين لاجتثثاهِ من جذوره؟
أليس في العرف السطحي وفي الخداع السياسي الديني بأنه سني؟
فهل كنا نأبهُ لأنه سني وليس شيعياً؟
فنطبلُ له وندعمه وهو يسببُ الكوارثَ لشعبه ولشعوب المنطقة؟ فأي منطق شوفيني هذا؟
وهل المذهبية هنا ذات أهمية في نظامٍ يذبحُ البشرَ بلا رحمة؟
فهل أختلف الأمر تجاه النظام الإيراني، حين صرنا ضد النظام الايراني الفاشي مثل النظام العراقي المقبور لويتم وجوهكم وتغيرتْ سحناتُكم وأظهرتم ما خفي من طائفيتكم المسيّسة المقيتة؟
وهؤلاء الذين كانوا يصرخون ضد نظام العراق السابق صمتوا صمت القبور تجاه نظام إيران وهو يقوم بنفس الجرائم ويخطط لنفس الكوارث؟!
فأي تناقض هذا وأي موقف ضد الدين والضمير والإنسانية!
أين ذهبت ذواتكم الشفافة في النضال من أجل الإنسانية ومنع الحروب وضد نشر الأسلحة الخطيرة وقمع الناس، هل تبخرت لأن النظامَ صار طائفياً مثل أعماقكم الوجدانية المتأثرة بالتربية العاطفية وليس بتطوير قيم العقلانية والديمقراطية في نفوسكم وجماعتكم وعلاقاتكم؟
نحن الديمقراطيين والتقدميين ليس لدينا مسألة الطوائف، ولا تعصب للأديان والمذاهب، ونقيمها حسب قربها من الديمقراطية والإنسانية والسلام والتقدم، ونقف بقوة شديدة ضد الأنظمة المتطرفة في سحق الشعوب وتصعيد أنظمتها العسكرية المغامرة، وهي تستخدمُ المذاهبَ مجرد غطاء لحروبها العدوانية وتنامي تهديداتها للبشرية.
هل قرأتم كلمة أيدنا فيها النظام الصدامي القاتل؟
من أيده وتحالف معه قوى أخرى، مُزيفة الهوية النضالية، متاجرة بالمبادئ وبالشعوب، وينبغي أن تعترف بإخطائها وتعتذر على ما بدر منها، لكي تبيض صفحتها وتطور من أتباعها وتعود بهم للديمقراطية والإنسانية.
وأنكم الآن ترتبكون نفس الحماقات الرهيبة التي أرتكبها من سبقوكم في التعصب وعدم قراءة الخرائط السياسية بموضوعية، فتجنونَ على أنفسكم وعلى الشعوب ما جناه صدامُ وغيرهُ من أباطرة الشر والعدوان على العالمين. مثلما يفعل القاعديون الإرهابيون سواءً بسواء.
تصبحون صداميين بأشكال طائفية في طهران والبحرين والسعودية والعراق ولبنان، وتتسع دوائرُ الجرائم وتتفشى الفاشية!
ولم يبق إلا القليل، وغدا سيكونُ السعير، ولا نريدكم أن تكونوا وقوداً لجنون الطغاة في طهران، وهم يستغلون معاناتكم ومشاكلهم وفقركم وغناكم من أجل الحرائق التي يعدونها.
غداً لن تكون ثمة مراجعة ونقد وإعتراف بالخطأ، بل يكون الدمار، وكما إنهارت إمبراطورياتُ العساكر تنهار إمبراطورية القهر والغرور والعدوان.
إنتبهوا، تخلصوا من روابطكم مع الفاشية، مع العسكرية المغامرة العدوانية، بل قاوموها لتكتب لكم الحياة!
أبدأوا منذ الآن في قطع هذه الروابط، أبدأوا منذ الآن في حماية أطفالكم وأهلكم، في البعد عن القادة المجانين أصحاب الهلوسات القومية الدينية، في نسف العلاقات مع عملائهم والطابور الخامس العامل لتنفيذ خطط هتلر المجنون في طهران، وأفشلوا مؤامراتهم، وخربوا علاقاتهم الشريرة، وأقطعوا إتصالاتهم بالمركز الفاشي، كافحوا من أجل شعوبكم وتقدمها ولشعوب المنطقة كلها، من أجل تطوير حياة الناس.
ساهموا في وقف أصابع المفخخين السياسية والعنفية.
غداً ستكون أيام وسنوات عسيرة، ستجدون كيف أن مؤامرات وأساطير قد جنت على الجميع، وخربت الكثير، وانتشر الضحايا في كل مكان ودب الخراب والدمار في أمكنة كثيرة.
في لحظات عاصفة لن يأتي المنقذ بل الدجال.
غداً ستدركون ولكن الوقت قد فات، والموتى لا يعودون، والمدن المُخربة فيها خسائر جسيمة، وما كنتم تعيشون فيه من رقي وعيش معقول لن يظهر ثانية إلا بعد تضحيات جسام وزمن مرير.
غدا ترون كيف أن الذين ساعدوا الفاشية في إيران هم كذلك خسروا، وتدمرت أجزاء من بلدانهم، وتحطمت كياناتهم، وغدوا بدلاً من الزعامات مقتولين أو مطلوبين للعدالة.
≣ المشروعُ الإيراني ينخرُ شعبَنا البحريني
عبر ثلاثة عقود تمكن المشروع الإيراني من التوغل، ارتكز على قوى عامية ريفية سطحية الوعي شديدة الانفعال وقام فعلُها على تفجير الفوضى في المجتمع البحريني عبر تقلباتها الحادة التي لا تصدر عن جذور نضالية محلية، فلم تظهر بأي مشروع ديمقراطي وطني.
المشروع الإيراني الدكتاتوري الدموي قام على الطائفية ومساعدة المنظمات الطائفية وتوغلها وخاصة في المجتمعات العربية القريبة منه.
وقد استثمر عقوداً من الجمود السياسي في الأجهزة الحكومية والجماعات الوطنية، ووجدَ قوى طائفية جاهزة للحراك.
وقد قبلت الحكوماتُ والجماعاتُ الوطنية المتضائلة الواقعَ الطائفي وكأنه قدر، لكون جهات شجعت الجماعات الطائفية الاجتماعية في مقابل تحجيم القوى الوطنية، فيما القوى الوطنية التي شَحبت وجدت القوى الطائفية الاجتماعية قد تسيست وجندت أناساً وقلبت الموازين ضدها فلم تصبر وتنضج توحداً وطنياً، بل قبلت التعاون مع القوى الطائفية واشتركتْ معها في نشر المشروع الطائفي السياسي الخطِر وتوصيل شعبنا إلى ما وصل إليه من مخاطر جسيمة.
وقد جاءتْ الإصلاحاتُ السياسيةُ البحرينية في بدايةِ القرن الواحد والعشرين قابلةً بالوضع السياسي القديم، وحاولت إعطاء فرص للقوى الوطنية والتحديثية بالظهور والتأثير.
إن المبنى السياسي العام الطائفي لم يتغير، والقوى الطائفية السياسية راحت تشتغل بقوة، وتستفيد من تخلف وعي الشعب بعد عقودٍ من غياب الديمقراطية .
الدكتاتوريةُ الطائفية التابعةُ للمشروع الإيراني وأجندته السياسية، التي فرضتْ نفسَها بقوة عبر الشبكات العبادية والشبكات التنظيمية كانت مترددة في فهم المشروع الإصلاحي من القبول الحاد حتى الرفض الحاد من دون درس عميق، وطلبت مجلساً منتخباً واحداً، ورفضت الثنائية الملتبسة للغرفتين في البرلمان، هادفة الاستيلاء على السلطة.
لكن هذا لم يحدث، وظهرت غرفتان في المجلس.
مشروع البحرين الديمقراطي لم يتطور عبر هذا التردد، ووجود جسم طائفي من الجمهور المغيّب الوعي المتحمس بتشنج، والمرتبط بالنفوذ الإيراني، كل هذا لم يسمح للمشروع بالتطور.
من بداية القرن الجديد راحت السلطة العسكرية تتصاعد في الجار الإيراني، والقوى الليبرالية الدينية أُزيحت واُعتقلت.
وصارت الجماعاتُ الطائفيةُ خطراً سياسياً واجتماعياً متصاعداً لشعب صغير ودولة محدودة المساحة، وهي جماعات تتسم بالعاطفية الحادة والتخلف الفكري الشديد والحماقة.
وكان من الممكن أن تتطور مشاركة هذه الجماعات الطائفية السياسية عبر البرلمان وعبر الصحافة وتطوير البرامج ونقد المشروعات الحكومية وكشف الأخطاء ومعالجاتها.
لكن المشروع الإيراني واصل الصعود في المنطقة، وخاصة مع الثورات العربية التي تفجرتْ في أكثر من بلد، وكانت الجماعاتُ الطائفيةُ مختلفة حول المشاركة في البرلمان والمقاطعة، وفجأة حدث التحام واتفاق على المشاركة في التحول ومحاولة الإطاحة بالنظام في البحرين.
وقد بينت أحداثُ فبراير جمود المعسكرات كافة ، فالقوى الحكومية لم تسرع بالإصلاحات ، وكان وقف مشروع المدينة الشمالية على سبيل المثال نموذجاً وكان يمكن أن يَسحب البساط من تحت أرجل المتطرف في الجماعات الطائفية السياسية.
إن عدمِ تغييرِ ظروف الجماهير ربما يكون هو من أهم الأسباب التي تعكز عليها الطائفيون المتطرفون لإثارة أزمة كبرى.
لقد جرتْ تغييراتٌ كبيرةٌ في مجالات أخرى وفي زمن قصير، لكن نظر الدولة لم يتجه لبؤرةِ المشكلة وهو وضع الجماهير العاملة وخاصة في الريف والمدن الصغيرة والأحياء القديمة، وإلى ضرورة حل مشكلات الإسكان والبطالة والأجور خاصة وتحجيم العمالة الأجنبية وخاصة السائبة منها، ومشروع المدينة الشمالية السابق الذكر كان يمكن أن يلعب دوراً مهماً في حفر مجرى جديد من التطور الاجتماعي السياسي كنموذج للتعاون بين القوى الاجتماعية المختلفة.
حين نجد المشاركين في الأحداث نجدهم من القوى الشبابية العمالية الذين وقعوا ضحايا لغياب الوعي الوطني الديمقراطي وصعدتهم الخطاباتُ الطائفيةُ في المراكز السياسية، وهم ينطلقون من ظروفهم ومشكلاتهم ولا يعرفون خيوطَ السياسة الممتدة من بعض السياسيين إلى القيادة الإيرانية.
وهناك شبكات قوية داخلهم لعزلهم عن الصحافة المختلفة ومراكز السياسة والوعي خارج خطابات التطرف الطائفية والهيمنة، بحيث يبقون باستمرار في هذه الدائرة، وبحيث تنزل المستويات للأطفال ويتم تجنيدهم من خلال المراكز العبادية وشحنهم عاطفياً وفصلهم عن إخوتهم في الوطن والعروبة.
لقد أدى تفجر الثورات العربية إلى خلط الأوراق بين الواقع البحريني والدول العربية الأخرى، ليس لأنه لا توجد مشكلات في بلدنا، ولكن لأن الخيط ضاع بين (المعتدلين) الطائفيين و(المتطرفين).
وهو حدثٌ يثبتُ أن الوعي الديني اليميني التقليدي ليس فيه عمق أو تيارات أو مستويات تحليلية مختلفة، فالمعتدلون لم يواصلوا النضالَ من داخل الأجهزة البرلمانية والبلدية، ولم يجثموا سوى بضعة شهور وكانوا يريدون التغيير الواسع الجذري!
فيما كان المتطرفون المطرودون من هيمنة الدكتاتورية الطائفية المحلية ومن الانتخابات والحصول على مقاعد وفرص سياسية، مستعدين ببساطة للقفز في الفضاء السياسي بأي شكل.
وكان من الضروري للمؤسسات الحكومية أو للمؤسسات السياسية الأهلية أن تسمح لهؤلاء المتطرفين بالوصول للمجلس المنتخب وللبلديات والاندماج في الحياة السياسية بدلاً من عزلهم.
لقد كان التقاء هؤلاء واتفاقهم على القفزة السياسية المغامرة يوضح غياب الاعتدل والتراكم الديمقراطي وانهيار ذرات الموضوعية بسرعة شديدة، مما يوضح الجذور للمواقف السياسية السطحية وعدم امتلاكهم أدوات التحليل والتجذر الوطني.
وبالتالي كان هذا جراً خطيراً بتمزيق الشعب وتعريضه للصراعات الطائفية الشوارعية وتأجيج الصراعات بين الدول الخليجية العربية وإيران التي ألهبتْ هذا التطرف وقادت خيوطه من البدايات الأولى لتأسيس المنظمات الطائفية.
وتفاقم هذا أكثر مع تحول الثورات العربية وتهديدها للنفوذ الإيراني، وصارت هذه السنة 2012 هي سنة الثورة السورية، وضرب العروة الوثقى لهذه السيطرة الإيرانية امتد من العراق حتى لبنان.
وغدت البحرين الضحية لهذا الصعود الإيراني وللانحدار الإيراني في المنطقة على حد سواء، رأت فيها الجدار الهابط الذي تقفز فوقه ووجدت قوى تساعدها على هذا القفز الإجرامي.
فمن الضروري للقوى السياسية التوجه للمواطنين وللمواطنات كافة، والدفاع عن حقوقهم ومعيشتهم من دون نظر لأي جانب آخر، وعدم الانسياق وراء ردود الأفعال ومجابهة القوى الطائفية بطائفية مضادة بل بنضالية صامدة وتضحية كبيرة من أجل الوطن وهزيمة المشروع الإيراني الطائفي.
≣ تطورُ الديمقراطيةِ مرهونٌ بهزيمةِ ولايةِ الفقيه
تجابه الأممُ العربيةُ والإسلامية قضايا شائكةً متقاربة، وفيها اختلافاتٌ كذلك بين درجات التطور لهذه البلدان حسب بُناها الاجتماعية وتطور النضالات الشعبية الحديثية التوحيدية فيها.
في القسم الشرقي من المنطقة لعبتْ ولايةُ الفقيه دور الدولة القومية الفارسية الشمولية في صعودها وتغلغلها بين دول المنطقة، واستثمار المشكلات لتوقف العمليات التحولية الديمقراطية الاجتماعية والسياسية التوحيدية، من أجل السيطرة عليها والهيمنة على المجال الحيوي (العقيدي المذهبي) فيها.
وكان استثمار العبادات والعقائد من أجل الهيمنة العسكرية والاجتماعية المحافظة لكبار رجال الدين والسلطة غدا نموذجاً لدوائر السياسة الإيرانية المسيطرة لتطبيقه على بلدان أخرى، عبر استغلال مشكلاتها الداخلية.
وهكذا غدت الأوضاع السياسية في البلدان التي تكثر فيها طائفة الشيعة وتجذرتْ فيها المنظماتُ العباديةُ والسياسية مناسبةً لهذا المشروع التوسعي.
قدرةُ المركز الإيراني نفسه على التطور الديمقراطي انتفتْ وغدا التراجع عن السلطة المستبدة العنيفة المزدوجة يعني انهيار النظام، فاشتدت القبضة على فروع المشروع خارج المركز.
ولم يقم التدخل الأمريكي في العراق بإيجاد ديمقراطية على أسسٍ حديثة فيه، وضربَ ركائزَ التوحيد في الوعي الوطني العلماني الديمقراطي، وبعثَ القوى التقليدية القومية والطائفية، بحكم الموقف الديني اليميني لمجموعات المحافظين الجدد وقتذاك المسيطرة في واشنطن وعدم مراجعة هذا الموقف في الإدارات اللاحقة.
القوى السياسية الاجتماعية الطائفية في استثمارها الإسلام للسيطرة على الكادحين والفئات الوسطى، لم تقم بأي عمليات تنوير وديمقراطية في صفوف المسلمين، فأي تعميق للثقافة الحديثة وسط الجماهير تعتبرها هادمةً لسلطاتها على الفقراء المحدودي الوعي، وهم الحصالاتُ الاجتماعيةُ التاريخية لها.
وإذا كان هذا ينطبقُ بشكلٍ كبيرٍ على تطور إيران السياسي فإنه ينطبقُ بأشكالٍ أخرى على الدول العربية، ذات التباينات السياسية ولحظات ودرجات التطور السياسية الاجتماعية المختلفة.
فقد أوضح التطورُ العاصفُ الأخير من الربيع العربي كيف أن المحافظة الفكرية والسياسية موجودة كذلك في القوى المذهبية اليمينية السنية، وهو أمرٌ موضوعي لتشابه البُنى الإقطاعية خلال عدة قرون، وحيث تغدو السيطرةُ على الفقراء المتخلفين وعياً وظروفاً وسائل لنفوذ هذه القوى الاجتماعي السياسي.
ومن هنا لا تقوم هذه الحركاتُ السياسية بتنفيذ مهام الثورة الديمقراطية الحديثة، من تحرير للفلاحين والنساء والمؤسسات السياسية وأدوات الوعي الفكرية من الهيمنات العتيقة، وإذا كانت إيران قد سبقتْ القسمَ السني في تشكيل دكتاتوريتها، بسبب المركزية الشديدة القومية وضخامة الريف وتشكل التحولات الرأسمالية في الزمن السابق لفئات صغيرة في المجتمع، فإن القسمَ السني المتعدد المستويات، حيث قامت بلدانٌ معينة بإضعاف المركزيات الحكومية وتحجيم الإقطاع بعض التحجيم، وبقيتْ دولٌ أخرى في المستوى الإيراني السابق لعهد ولاية الفقيه، حيث يتم تصدير هذا النموذج واستغلال الأقسام المتخلفة الوعي من الطائفة الشيعية للمشروع الشمولي العنيف.
هكذا يغدو الطرفان من الأمم العربية الإسلامية مترابطين، مختلفين، متشابهين، عبر هذه المستويات المركبة من التطور المتشابه، ومن التطور المتباين.
ويغدو تحقيق مهام الثورة الوطنية الديمقراطية غير المنجزة في العقود السابقة، وخاصة في قسمها الاجتماعي الفكري، مطلوب الانجاز في هذه الدول كافة.
إن ولايةَ الفقيه القوية العنيفة الخطرة في إيران مرفوضة شعبياً داخل هذا البلد بعد خبرَ أدواتها الدموية وتشويهها للإسلام، في حين أن ولايات الفقهاء في دول أخرى عربية والمتغلغلة عبر سواعد الجماهير الشعبية العربية المُستغَّلة الثائرة، ليست مرفوضة، لكونها قامتْ في خضمِ إستكمالِ الثورة الديمقراطية، ولكن لتؤسسَ دكتاتوريات جديدة بديلاً عنها مع غياب وعي هذه الجماهير العربية وعدم استفادتها من درس إيران البليغ!
قد تتفق الولايات الفقهية وقد تختلف، وقد تتعاون بعضها أو جميعها لضرب الدول الأخرى المعتدلة وضرب الأحزاب الديمقراطية والتقدمية في عموم المنطقة، وقد تتجمد في هياكلها العنيفة، وقد تتقارب مع الليبرالية، ولكن الأسسَ الإقطاعية المحافظة ظلت في كل منها قوية مرتبطةً بإعادة إنتاج الإرث الطائفي المحافظ المستغِّل للجماهير. فهم لا يريدون حريات الفلاحين والنساء وصعود الليبرالية والديمقراطية والعمال والحداثة السياسية بأسسها العالمية، وبالتالي فإن النضالات العميقة مطلوبة، وتوسع الوحدات الشعبية العربية الديمقراطية العلمانية ضرورة حياة لهذه الأمم على الضفتين معاً.
سيظل إنعاش الوعي التقدمي وانسحابه من الشموليات الماضوية والراهنة وقدرته على تأسيس النضالية الجدلية المركبة ونشر الجبهات الكفاحية مع كل بصيص ليبرالي وديمقراطي ونهضوي، هو حجر الأساس للتطور السياسي لهذه الأمم.
≣ حول السياسة الفاشية في إيران
قلنا أن المسألةَ الصراعيةَ السياسية بين البشرية المسالمة والنظام الإيراني ليست قضية مذهبية أو قومية، إنها تتعلقُ بطبقةٍ عسكرية عليا مسيطرة بشكلٍ متخلفٍ هستيري، إنها بلطجية القرى الإيرانية وقد سيطرتْ على العاصمة وبقية المدن.
وقد درسنا سابقاً العناصرَ الفاشيةَ الفكريةَ السياسية التي تم حفرها خلال عقود القرن العشرين الأخيرة خاصة والمعتمدة على الغيبيات المتطرفة ورفض العقلانية والعلوم وآثارها في درس الأديان والمجتمعات، ولكن حتى مؤسسي هذه العناصر أنفسهم ليس لهم حضور أمام الرعاع، بل إن الليبراليين الدينيين المشاركين في السلطة تم إعتقالهم!
إن ثلاثة ملايين إيراني ومعظمهم شيعة، وهم كوادرُ إيران في العلوم والآداب هاجروا وهربوا من بداياتِ العسف، وهم الذين وضعوا ركائز الليبرالية والتقنية المحدودة في الواقع الإيراني، ولم يقاموا الظلامية الدينية والشموليات المختلفة أثناء تصاعدها.
لكن هل أهتمت بهم الدولُ العربية أو حاورتهم أو إستفادت من خبراتهم ومعلوماتهم ومواقفهم؟
بلطجيةُ القرى الإيرانية أبعدوا الفئاتَ الوسطى المتنورة، ورفضوا طرقَ التطور المنفتح الديمقراطي والإنساني، لأنهم متخلفون ومتعصبون ولا يقدرون على منافسة الفئات الوسطى والعمال المتقدمين.
وقد تغلغلوا في المراكز الدينية والعبادية خلال عقود وجيّروها للتعصب ضد الديمقراطية والحداثة ووحدة المسلمين والإنسانية.
تحويل الريفيين إلى متعصبين وهم مأزومون عيشاً ووعياً أمرٌ بسيط خاصة مع ميراث التقوقع والحذر من الطوائف والقوميات الأخرى ومن الأفكار الحديثة، فلم يكن الأمرُ أمرَ مذهبٍ ولكنه تغلغلٌ سياسي عسكري، وتحويله لنظام عسكري عنيف.
الشحنُ الطائفي يأتي وسيلةً لإخفاءِ الطابع الفاشي للمؤسسة العسكرية، فتتضخمُ القوى العسكرية وتُشحنُ بهذه المواد السكانية المُغيّبة الوعي، ويجري إستخدام نفس الأسلوب في الدول العربية الأخرى لخلق أحزمةٍ سياسية سكانية حافظةٍ للبؤرة المسيطرة في إيران.
إستخدامُ العباراتِ الثورية الطنانة هو جزءٌ شائع من طرق الفاشية في الحراك السياسي الاجتماعي، فلنتذكرْ طرقَ أداء هتلر وموسوليني وصدام حسين والقذافي وعباراتهم الصارخة وإدعاءاتهم بالنضال من أجل الجماهير!
الحشود العسكرية تُقام على أساسِ الغوغاء المغسولة الأذهان المنتشية بالتعصب وإدعاءات الحسم، وهذه الحشود العسكرية المنتفخة بغرورِها وآلاتِها وأسلحتها الجبارة مشاهدٌ مسرحيةٌ لخنق الوعي في الجماهير وإخافتها وجعل الانصار في الداخل والخارج ينبهرون بما يشاهدونه من جبروت!
إن الطوابير القوية التي تمشي بنظام صارم وتدق الأرض بكعوب أحذيتها تنقل العدوى للغير، وتأتي خطاباتُ الزعماء الفاشيين الملتهبة لتخلق الوعي الزائفَ وأهدافه في الانتشار على الأرض وسحق الخصوم وإحتلال بلدانهم وخيراتهم.
وقد يكون ذلك بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر عبر العملاء والقوى السياسية الموالية أو الجمهور المخدوع.
وتتسم خطابات هؤلاء الزعماء بالعاطفية الشديدة والعبارات النارية، معتمدةً على اللاعقلانية، مثلما يحول هتلر صليب المسيحية للصليب المعقوف، ومشاعر الألمان المحبطة من الهزيمة العسكرية الرهيبة في الحرب العالمية الأولى إلى حماس قومي لأخذ الثأر!
وكما يفعل الرئيس الإيراني عبر إستغلال رموز إسلامية ملهمة وتحويلها لسلطة رمزية تكاتبهُ وتتصلُ بهِ، وتدعوهُ للثأر، وهزيمة الغرب الكافر أو سحق اليهود والهجوم على بقية المسلمين وإحتلال بلدانهم (العميلة)!
شحن البسطاء وتحويلهم لأدواتِ حرب وهجوم وخراب هي النقطة المشتركة بين الفاشيات، والدبابة حين يقودها مثل هذا المتعصب تغدو سلاحاً فتاكاً بالناس أنفسهم وهم أهلُهُ وجيرانه، وفرز الصفوف بين القوى الفاشية والجماهير الشعبية المستغَّلة مسألة حاسمة هنا عبر كشف الخطابات الزائفة وتعريتها بشكل دائب.
إن الكثيرين من المشاركين في مثل هذه الأحداث لا يعرفون جذور هذه الظاهرات ولا بمخططات القوى القيادية، فتُقدم لهم أسباب أخرى، وتؤدي الجماعات المتطرفة الأخرى دورها المشبوه في تقوية هذا النهج الفاشي، عبر قتل الأبرياء وتصعيد حمامات الدم كما تفعل قوى القاعدة في العراق.
بل يحدث التغلغل في القوى المحسوبة على الديمقراطية واليسار، عبر إبراز نواقص الأنظمة، وغياب توزيع الثروة العقلاني فيها، وإنتشار مناطق الفقر التي تغدو هي ذاتها بؤراً للخلايا المؤيدة لهذا الهياج المتعصب.
فالقوى الفاشية تستخدم مختلف العناصر الفكرية والسياسية والاجتاعية بدهاء، وتقوم بثورة مضادة، عبر خلق الأزمة وتغذيتها وتغيير السلطات في خاتمة المطاف، وهي تعمل الثورة المضادة ليس خدمة للعاملين بل لنحرهم في ميادين القتال وحرائق السياسة.
إن سياسة المحور في منطقتنا تذكرُنا بالمحور الألماني الإيطالي، حيث نشطتْ عملياتْ زعزعة الأوضاع في الدول المعادية، وسُممتْ عقولُ الجماهير بوجود مركز كفاحي حقيقي لهم وهو غير ذلك، والتخطيط للهيمنة على(المجال الحيوي) ثم الانتشار العسكري فيه، ومساعدة الحليف المنهار في إيطاليا موسوليني، ويذكرنا ذلك بالحليف المنهار الأسد في سوريا، ومذابحه، وكلها علامات منذرة بأخطار شديدة للملايين من البشر!
والتصدي لذلك يعتمد على مقدرة القوى التقدمية والديمقراطية على فهم مثل هذا الوضع، والفرز بين العناصر المخربة وبين الجمهور المنفعل، والقيام بجبهة تحالفات واسعة في بلدانها، وجذب القوى السكانية الإيرانية في الداخل والخارج للتطور السلمي الديمقراطي، عبر رموز فيها وعبر الفضائيات والصحف والقيام بتعاون معها كتابةً وحوارات وإستضافة وحشد بحيث توضع قوى الحرب والعدوان والتدخل في زاوية ضيقة لتُهزم في خاتمة المطاف.
إن شعارات مثل هزيمة الدكتاتورية العسكرية والنضال من أجل السلام، والتقدم والديمقراطية لكل الشعوب، ينبغي أن تكون أجندة يومية للأحزاب التقدمية والديمقراطية لنشرها والنضال بها بين الجمهور لنحول دون التحضيرات والأعمال الجارية كذلك لسفك الدماء وحرق البلدان.
≣ لا ديمقراطية بدون هزيمة الفاشية في إيران
تترابط مصائر شعوب الجزيرة العربية والخليج وإيران والعراق وسوريا ترابطاً دقيقاً حاداً في هذه الفترة، وفي الوقت التي تعاني فيه من مشكلات الفقر والبطالة وتراكم الإدارارت العتيقة والفساد، تريد الانتقال للديمقراطية والرفاهية.
لكن هذا غدا مستحيلاً مع تطور النظام الإيراني نحو الدكتاتورية العسكرية الدموية ومغامراتها، وتدخلاته وتفكيكه للشعوب وتصاعد حضوره العسكري الكبير في مياه الخليج وتصعيده لاحتلال الجزر العربية الثلاث فيه وتهديداته بإغلاق مضيق هرمز الدولي.
على مدى العقود الثلاثة السابقة كان قد إستخدم قوى سياسية من الطائفة الشيعية كأحصنةٍ طروادة وقوى خلفية لضرب النضال المشترك بين المواطنين العرب، وتم إستغلال المشكلات الحقيقية وعدم المساواة في الكثير من القطاعات، وأخطاء الحكومات العربية عامة في المنطقة، ولكن ليس لتطوير الإصلاح الداخلي، وتنمية الديمقراطية بل كوسائل ممهدة للتوسع والعداون.
وكانت البحرين نموذجاً في المقاربة الممكنة لديمقراطية وطنية متصاعدة حسب مدى تطور القوى الشعبية وإلتحامها وطنياً وإدارة ظهرها للمشروع الإيراني الدكتاتوري، ورغم كل الظروف التي ليست رهيبة السوء كما تصورها الخطاباتُ العاطفية والتي لا تخلو من مشكلات ونقص وسلبيات فقد صعدت عمليات التغيير وحل العديد من المشكلات، لكن رغم كل التنازلات والمقاربات، فإن هذه القوى لا تريد إلا أن تكون أداة تأزيم ونشر للإرهاب.
وليست البحرين وحدها من يعاني من الآلة الإرهابية للنظام الإيراني ومن عملائه، فهذا العراق كذلك متأزم من كل جهة، وغير قادر على خلق إرادة وطنية متعاونة، للسبب نفسه.
ولبنان متأزم من سيطرة هذا النظام ومن عدم حل مشكلاته وتعرضه للعدوان الإسرائيلي بفضل هذه السياسة نفسها، وغزة أُحرقت مراراً.
وأسوأ نموذج مرئي الآن على هذه الفاشية التي غدت مناطقية هو ما يجري للشعب السوري الذي يُذبح، تتعاون على قتله عصابات سياسية تابعة لحكومتي إيران وسوريا.
يعيش النظام في إيران مأزقة التاريخي ويصدره للخارج، بدلاً من أن يتحاور مع شعبه، ويوقف عمليات التفقير للجماهير، وبيع مؤسسات الدولة للصوص الحرس(الثوري).
لسنا وحدنا في هذه الأزمة، هناك تركيا التي تصارعها، وجمهورية آذربيجان ومشاكلها وقيام السلطة الإيرانية بالتسلل العسكري والاغتيالات فيها، لديها مشكلة المشروع النووي والحصار الغربي على هذا المشروع الخطير.
نتساءل لعملائها: ألا ترون الخطر الشديد والأساطيل وكل دول العالم تقف ضد سياستها؟
هل نحن نفتري؟
وهل يعني محاصرة هذا المشروع المهدد للسلام والتقدم يعني وقف المعارضة في البحرين والنضال من أجل تقدم شعبها؟
لا! فلا بد من الجانبين لا جانب واحد فقط، وبدون النضال ضد تمدد الدكتاتورية الإيرانية لا يمكن نمو الديمقراطية في البحرين وسائر الدول المجاورة.
عدم قيام قوى سياسية بنقد الدكتاتورية العنيفة الإيرانية وتمددها في المنطقة وتأيزم حياة شعبنا من جملتها لا يعني سوى إستمرار الذيلية التاريخية لهذه القوى لكل ما هو دكتاتوري منذ أن إنساقت مع هذه القوى الإرهابية الطائفية بدءً من التسعينيات، ومن يعتمد على هذه القوى أو يشاركها أية مشاركة في أعمالها يرتكب جريمة سياسية.
لقد قادتنا السياسة الإيرانية للاصطفاف، وعملت على حفر خندقين، وأسست مجابهات خطرة.
ولا بد من تجميع كافة القوى السياسية في المنطقة لمجابهة هذه السياسة، لا بد من إيقاظ الشعوب ورصها ضد سياسة حافة الهاوية والتلاعب بمصير المنطقة.
إن التراص بين دول الخليج العربية أساس لهذا الجبهة العريضة، فالقوى الغربية لها حساباتها وأهدافها وطريق عملها، وليس ثمة من يقدر أن يدافع عن أرضه وتقدم شعوبه غير هذه الدول وسكانها.
كما أن الشعب العراقي هو حليفنا في هذه الجبهة العريضة، ويعاني ما نعاني من الإختراق الإيراني. فلا بد من كسبه وتنشيط القوى اليسارية والديمقراطية والإسلامية فيه في ذات خط النضال المشترك.
وبدون دعم الشعب السوري في نضاله لأسقاط الدكتاتورية الدموية الأسدية لا يمكن أن تتصاعد وتيرة حصار الفاشية في إيران.
≣ فرسُ الإمبراطورياتِ وفقراءُ الخليج
إصطدمت شعوبُ الجزيرة العربية والعراق بالإمبراطوريات الفارسية عبر التاريخ، ومنذُ مجيءِ هذه الأقوام ذاتِ الأصول الهندو- أوربية، فإنها كانت تميلُ بقوة نحو وادي الرافدين حيث الزراعة الوفيرة والمياه.
صار الأصطدامُ حتمياً، وغدتْ العواصمُ الفارسية في قلبِ الأراضي لهذه الشعوب التي لعبتْ فيها ما يُسمى باللغاتِ السامية الدورَ الأكبرَ في تطورها وتوحيدها، من الآرامية حتى اللغة العربية، ليرث العرب ثقافة السابقين وتزدادُ مركزة، أي تغدو مؤسِّسةً لإمبراطورية دينية مضادة.
كانت الإمبراطوريةُ الفارسيةُ تتوسعُ فيما قبل الإسلام، وتحتلُّ قسماً كبيراً من الشرق، ويصارعها العرب، ويذكر التاريخُ محطاتٍ كثيرة لهذا الصدام.
من أهمها معركة سابور ذي الأكتاف، هذه الشاه الذي واجهه العربُ وتحدوهُ وهزموه في بعضِ الوقائع ولكنه هجم عليهم وأكتسح بلادهم، وعاقبهم بأن ثقبَ أكتاف المقاومين وحولَّ جزرَ أوال(البحرين حالياً) لسجنٍ للمعارضين.
ومعروفة كذلك معركة ذي قار، التي توحدت فيها قبائلُ شرق الجزيرة العربية وتصدت للجيش الفارسي. وأُعتبرت بداية للتوحيد، ثم جاء الإسلامُ وجاءتْ الفتوح، وقد أدتْ غطرسةُ الملكُ الفارسي وقتذاك وتحديه ورغبته في إعتقال الخليفة الراشد الثاني وإرساله الجيوش لذلك بأن أقتحمتْ الجيوشُ العربية بلاده، وتجاوزتْ خط العراق الحدودي الذي وضعهُ الخليفةُ الراشد الثاني خطاً أحمرَ لا يتم تجاوزه.
لم يستطع المسلمون الخروجَ من الإشكاليات القومية والاجتماعية السياسية، بالدخول في عالم الديمقراطية والحداثة، فوقع الفرسُ والعربُ والأكراد والترك ومختلف أصحاب الأديان والمذاهب في هذا الصراع التقليدي قروناً طويلة.
كانت هناك محاولاتٌ طفوليةٌ للخروج من هذه القومية المتوارية المتعصبة عبر الفِرق الدينية المعارضة بدءً من الزيدية حتى القرامطة، وكان القرامطةُ أكثر القوى السياسية الاجتماعية طموحاً لتجاوز تلك التناقضات ولكن بأساليب سحريةٍ لاعقلانية، لعدم قدرتهم على تحليل التاريخ والمجتمع بمنهجٍ مادي تاريخي، يكشفُ الصراعَ الاجتماعي ويفصلهُ عن الصراع القومي، فوحدوا الناسَ عبر قيادات أغلبها فارسي، وقاموا بإجراءاتٍ إيجابية في جانب ولكن عبر منهج حربي فوضوي من جانبٍ آخر.
في العصر الحديث الذي أختلفت فيه الأممُ بلغاتِها ومصالحها وشعاراتها، لم يستطع العربُ والفرسُ من إنتاجِ أفكارٍ نهضوية متماسكة مؤثرة، وظلت المذاهبُ الإسلامية بتفاسيرها التقليدية القديمة هي التي تحركُهم، وهي التي تُسيسُ في تلك التفاسير القديمة المضطربة، ولهذا لم تستطع المذاهب أن تشكل القوميات بخصائصها ومصالحها المختلفة.
فصارت الأمتان العربية والفارسية في تداخل وصراعات قومية مُضمرةٍ وإجتماعية حادة بارزة.
فإذا كانت المذاهبُ الإمامية عبرتْ عن حراك الفرس القومي حتى تتوج الأمرُ بالاثني عشرية، فإن العربَ عبروا عن حراكهم القومي بالمذاهب السنية ثم بالمذاهب التحديثية التي لم تصل لبلورة تطورهم وتوحدهم في زمنيةِ الدول العسكرية فظهرتْ ثانية حالياً عبر المذاهب السنية في إضطرابٍ وتردد وحيرة فكرية سياسية.
فالمذاهب السنية يختلطُ فيها الأمر بين التعصب للعرب وبين العالمية الدينية، وبين الشموليةِ والليبرالية، مثلما أن المذهب الجعفري في إيران يتعصبُ للفرس ويكره العربَ ويتردد في عالمية بلا وضوح كذلك، وقُمعت بقوة إتجاهاته الديمقراطية.
ومع ظهور إمبراطورية فارسية بشكلٍ مذهبي، راحت تستعيدُ الإرثَ السابق عبر هويةٍ قومية مُلتبسة، فلم تستطعْ إنتاجَ فكر قومي ديمقراطي، ولا أممية شعبية إنسانية، وهي في الوقت الذي تعبرُ عن أرستقراطية عليا، ظهرتْ بشكلٍ عسكري شمولي عنيف، راحت تجذبُ الفقراءَ على أساسِ كونها معبرةً عن المضطَّهدين والمحرومين، في الوقت الذي تدخلُهم بصراعاتٍ حادة وتفككُ بلدانَهم. أي أنها وهي تعجزُ عن توحيدِ بلدها بشكلٍ ديمقراطي حديث، تنشرُ طريقتَها في الخارج قفزةً في الفراغ لتوحيد غير ممكن لأنه يجري على حساب دول وقوميات أخرى.
كان لا بد أن يحدثَ الصدامُ بين الجانبين الفارسي والعربي وأن يُستثار المذهبان الإسلاميان في حومةِ صراعٍ قومي غير متبلور ديمقراطياً وفكرياً وسياسياً.
فتغدو الأجندةُ الإيرانيةُ الحكومية غيرُ الديمقراطية داعيةً لديمقراطيات في الخارج، فيما تحاول الدولُ العربيةُ أن تمشي أو تركضَ في المسار الديمقراطي حسب ظروفها الخاصة.
ولكن الدول العربية خائفة من التدخل في الجانب الإيراني ودعم القوى الديمقراطية المضطَّهدة والمقموعة هناك، وهذا يحدث في وقت تصاعدت فيه قوى العسكر الإيراني وحصارُ العالم لمشروعاتِها، ودخلت المنطقةُ شفير الهاوية.
ففيما تقوم قوى التطرف وجماعات الإمبراطورية العربية بقتل الفقراء والمؤمنين والمواطنين في العراق، تقوم قوى التطرف المضاد بقتل الثائرين السوريين أو بزرعِ العنف في البحرين الصغيرة التي تعاني بحجمها من هذه العمليات المروِّعة، وسكانها الفقراء خاصة يبحثون عن أبسط أشكال الرزق والعيش والانتقال والتقدم.
فمرةُ أخرى تعاني المنطقةُ والبحرين من سابور ذي الأكتاف!
≣ المغامرات الإيرانية وتحديات السلام
إننا أمام تحديات جسيمة وأمام غول سياسي يكبرُ كلَ يوم، دائساً العقلانيةَ السياسية والجيرةَ وعلاقات الإسلام التاريخية.
ولهذا فإن الراقدين على العسل النفطي ومخدة إنتهاء الأزمات فليأخذوا أقراصاً منبهة، ويشمروا عن سواعدهم للعمل وتوسيع قوى السلام والتقدم والبناء في المنطقة.
إن جبهة باعة الأسلحة والدكتاتوريين الجدد في موسكو والصين يسيل لعابها الاقتصادي لأي تدفق للأرباح، وها هو الشعب السوري يُذبح دون أن يوقفوا أسلحة القتل ومساندة النظام، وحين رأوا إنتصار التحالف الديمقراطي في ليبيا غيروا مواقفَهم.
إن الرأسماليات الحكومية الشمولية العسكرية في روسيا وإيران وسوريا والصين تمثل أخطاراً محدقة مباشرة بمنطقة المشرق خاصة مثلما تثل أخطاراً على شعوبها. فعلى الدول المختلفة أن تشكل سياسة سلمية معارضة بجسارة لهذه التنانين الصفراء في آسيا، وأن تتحول كل رصاصة موجهة لطفل سوري إلى ضربة إقتصادية على هذه الوجوه المسمارية.
إنهم بأعمالهم هذه يدفعون الغولَ الإيراني لالتهام البلدان العربية الخليجية خاصة، وهذا أيضاً بسبب برجماتية الغرب وديمقراطية المنافع التي يشكلها، فهو قد ترك هتلر طويلاً يذبحُ شعوبَ وسط أوربا حتى فاق بعد ذلك حين تمادى هتلر وأراد أن يبلع الجميع. فمتى يظهر تشرشل هذا ما تقوله الأمهاتُ السورياتُ المثكلات؟
فلا قوة لشعوب الخليج وإيران سوى ذواتها بدرجة أساسية، وهزيمة قوى الحرب والعدوان والتغلغل الباطني والصعود الطائفي الظاهري المرضي.
وهذه الجبهة النضالية الديمقراطية الموجهة للسلام وتقدم شعوب المنطقة لن يقوم بالعمل الطليعي فيها أولاً سوى قوى اليسار، اليسار الصاحي الذي لم يَفسد، وما تزال عيونهُ الطبقيةُ الشعبيةُ مفتوحةً على أكلةِ اللحوم البشرية.
إن لدى الشعوب العربية في القوى التقدمية والديمقراطية الإيرانية والعراقية العدوةِ اللدودةِ للدكتاتورية العسكرية الدينية حليفاً مهماً مشتركاً أساسياً.
كما أن بشائر التحول الديمقراطي في سوريا يجب أن تُدعم بقوة لتنتصر ولتتحول الموجة الديمقراطية نحو العراق وإيران بشكل قوي هادر.
إن تلاميذَ ورفاقَ جورج ديمتروف مؤسسَ الجبهات الشعبية ضد الفاشية، يدركون أهميةَ تحديد الخطر الأكبر على الشعوب وعدم الإستهانة بالسياسات القومية المذهبية العنصرية وبضرورة تشكيل جبهات ديمقراطية إنسانية عريضة لدرء الخطر، خطر القوى المسلحة برعونة والمستهترة بالسلام والحدود بين الدول وبعدم الاعتراف بحقوق الشعوب في الديمقراطية والأمن المتبادل.
إن القوى التقدمية والديمقراطية التي تشوهت مماراستها بسبب الدكتاتوريات(الإشراكية) و(القومية) لن تُخدع بالدكتاتوريات الطائفية وقد ذاقت الأمرين منها ومن كل تاريخ التنصل وأحياناً التواطؤ ضد الديمقراطية وحقوق الإنسان.
إن بسطاء عاملين أظهروا للعالم قيمة الحرية والديمقراطية فما بال المثقفين والأحزاب الثورية والحكومات المسؤولة راقدة؟
إن جمهوراً عربياً أظهر للدنيا قيمة التضامن الكفاحي وإلتقاط شرارة الحرية والعبور بها بسلم بين الشعوب، فلماذا يرقد الشعبُ الإيراني؟ ولماذا ينامُ الشعبُ الروسي وقد وصل هتلر إلى عنقه؟
تدرك شعوب المنطقة الآن أهمية التعبير عن التضامن وتبادل الخبرة وتوسيع المواقف النضالية ضد الخطر الأكبر في منطقتنا المتمثل في المغامرات الإيرانية العسكرية والسياسية، وإستغلال جماهير مخدرة لإثارة القلاقل والإضطرابات بدلاً من تعميق الحرية والتعاون.
لهذا فإن القوى الاجتماعية في البحرين وغيرها من البلدان المُهدّدة والتي كادت أن ُتخطفَ في مغامرة سياسية وتُدفعَ في حرب عاتية ضروس، يجب أن تستيقظ وتعمل لحل المشكلات الاقتصادية الاجتماعية وتشكل طيفاً سياساً إجتماعياً واسعاً يضع حلولاً لمشكلات الجماهير ولسيادة الأمن كسمتين كبريين قويتين، فلا يجب أن يرقد المسئولون ويكررون إنجازات ماضية، أو أن ينام أرباب العمل ويملأوا البلد بقوى عاملة أجنبية دون إعادة نظر في سياسة الأرباح الجزيلة أولاً ثم الوطن أخيراً.
يجب أن تناضل القوى السياسية الطليعية لوضع حد للعسكرة والأسلحة النووية، وأن الأنظمة الدكتاتورية العسكرية في روسيا وإيران وسوريا والصين تمثل أخطاراً على البشرية، وعلى القوى السياسية والمثقفين الديمقراطيين إقامة حملات ونقد واسع النطاق وتضامن كبير ضد سياساتها من أجل أن لا تقود هذه إلى سلاسل من الحروب بعد أن إمتلكت قوى هائلة من الأسلحة وهيمنت على الشعوب بالقمع والفساد وهي برجوازيات سوداء بينها وبين الفاشية خطوة.
≣ إسقاطُ إمبراطورية موهومة
المسألةُ ليست طائفية بل هي هل دكتاتورية أم ديمقراطية؟
يعتمد النظامُ الإيراني على تفخيخ المجتمعات وتسعيرِ نزعاتها الطائفية وتحويلها لسياسات تمزيقية.
إننا بؤرة مركزية لمؤامراته فلا بد من القراءة العميقة الموضوعية للخصم وهزيمة مخططاته.
وهي مخططات يمكن هزيمتها بسياسات حكيمة وبالصبر السياسي وتعرية الإخطاء وتجاوزها، ولكن الفاشية الإيرانية الخاطفة لأجزاء من شعوبنا في إيران والعراق والبحرين ولبنان وسوريا واليمن، ستظلُ تُحرضُ وتهيّج وتُغلغلُ المشروعَ الظلامي الطائفي، فنرى عجز الدمى السياسيةِ الدينيةِ لها من القدرة على نقد الذات والاعتراف البسيط بالأخطاء الجسيمة.
في محاولات المركز لتشكيل إمبراطورية فاشية إيرانية من خلال الدمى السياسية تتفجر المعارك الدامية وتعاني الشعوب وتكثر الضحايا.
لكن الرد الإستراتجي هو المهم، بتشكيل مجتمعات ديمقراطية لا تقوم على الهويات الطائفية، وهي مسألةٌ شديدةُ الصعوبة، كثيرةُ المزالق، خطيرة، ولكنها هي الصواب والطريق لشعوبنا للتخلص من الكابوس الدكتاتوري الإيراني.
وتبقى مسألة الإصلاحات وتطوير أحوال الجمهور الشعبي المادية والثقافية على رأس الأولويات، ومن خلال تصاعد دور القوى السياسية الليبرالية والديمقراطية والتقدمية، المعاونة في تشكيل أنظمة ديمقراطية وطنية تصدرُ القراراتُ والتحولات من داخلها.
هزيمة القوى المؤيدة لفاشية إيران تحتاج لصبر طويل وفرز عميق، والتفريق بين الجماهير الشعبية والقيادات المشبوهة التابعة، فتطوير حياة الناس وتصعيد دور البرلمانات، وتجميع القوى الديمقراطية الوطنية من داخل وخارج الأنظمة، هي مهمات جبهوية، ومهمات لمختلف القوى السياسية الإسلامية والمسيحية والماركسية والقومية، بحيث تُحاصر الدمى التابعة للفاشية الإيرانية وتُوضعُ في زوايا ضيقة، وتُسحب القوى الشعبية المخدوعة بها.
ولا يمكن أن يتم السحب عبر سياسات طائفية وشمولية وغير شعبية وغير وطنية. بل عبر سياسات توحيدية وطنية قومية إنسانية، وتغدو الدول والجماعات الموحدة نظيفة الإيدي شفافة في إجراءتها ونضالها المشترك.
هذا يؤدي لتوسع القوى المعارضة للفاشية الإيرانية ومشروعاتها التخريبية، وإلى مساعدة الشعوب الإيرانية للتخلص من نير الطغيان.
إن سياسة التوحيد صعبة في ظل صراعات طائفية، وبسبب عدم فهم من جماعات دينية وسياسية كثيرة لطبيعة المعركة التي تخوضها الشعوبُ الإسلامية ضد هذه الفاشية الإيرانية، وكأن المعركة في تصورهم الواهم السطحي ضد الشيعة، وقد كان تراث الشيعة ضد العنف والعدوان، وتكفي معركة الإمام الحسين لتدلل على السلمية والتضحية، ولكن نحن نواجه قوة ترفعُ صورةَ الحسين لتطبق عدوان هتلر، نحن نواجه قوة تزعم الانتماء للإمام علي بن أبي طالب وهي تنتمي للإقطاع وقوى الإستغلال المتخلفة في الأرياف وقد تحولت لرأسماليةِ دولةٍ عسكرية باذخة بمصاريف أدوات الدمار.
لم تدع لنا هذه القوة الباطشة بإمتداداتها الأخطبوطية سوى أن نتكتل ضدها ونتوحد ونصارعها مستعينين بالقوى الشعبية والحلفاء في الشرق والغرب.
جمهورُنا الشعبي في كل الدول العربية والإسلامية هو قاعدتنا الأساسية، متوجهين على أن معركتنا هي ضد العسكرة المغامرة في إيران وتطرفها وليس ضد طائفة أو قومية أو ضد الشعب الإيراني الشقيق.
إن أية لغة طائفية مضادة هي مساعدة للعدو الفاشي.
إن أي لغات عدوانية وشوفينية هي تقوية للعدو ومشروعه لتفجير المنطقة وذبح البشر.
ولا بد هنا من التحرك لتفعيل هذه القوى عبر المنظمات والمؤسسات والشخصيات في كل جانب ومسار.
لا بد لنا من محاصرة الخصم وعزله ووضعه في زاويةٍ وتصعيد نضال الشعب الإيراني وكافة الشعوب لهزيمته.
إن أي تعاون من القوى الغربية والشرقية في هذا المجال التحولي السلمي هو مطلوب، عبر دوره في إضعاف الدكتاتورية الإيرانية، وبقاء دولة الشعب الإيراني ووحدة شعوبه وتطور نضاله وتقدمه.
إن أية مشروعات تُطرح وأية مغامرات بدون دور المعارضة الإيرانية وبدون وجود أساس عربي إسلامي ديمقراطي ولأجل مشروعات الغرب وإسرائيل الخاصة هي مفاقمة الخطر وتفجير للمنطقة.
وهم سيقومون بذلك حين تتصاعد النضالات العربية الإسلامية ويحاولون قطف الثمار والهجوم على السوق الإيرانية.
الجبهة الديمقراطية العالمية ضد الفاشية الإيرانية تبدأ من مساندة الثورة في سوريا وهزيمتها للنظام الدكتاتوري العميل، وتحول العراق لنظام ديمقراطي وطني علماني.
وقيام الدول العربية المشرقية خاصة بالتطور الديمقراطي في هذا المسار، وأي تلكؤ فإن الفاشية بالمرصاد لكل من يتخلف وستؤجج شعبه ضده.
≣ ليس صراعاً طائفياً قومياً
منذ أن صارعت القوى القومية المذهبية في إيران الاتجاهات الليبرالية الضعيفة ونَحتها وصعّدت من عناصر الدكتاتورية والفاشية، ولم تستطع القوى الدينية المشاركة معها كذلك من تغيير المنحى العسكري المتصاعد، أُخذت المنطقةُ لأزمةٍ خطيرة مناطقية عالمية متفاقمة.
إن العناصرَ الريفية المسيّسة المتخلفة الوعي البحرينية التي إندفعت بحدة لتأييد هذا المنحى واصلت جلبه مكونةً مجموعةً من المآسي لها ولبلدها. ولم تكن في قدرتها من تصعيد الفهم الديمقراطي العلماني وكذلك لم يساعدها العلمانيون السابقون الذين تراجعوا عن علمانيتهم في سبيل الحراك اليومي الحماسي ذي النتائج الوخيمة.
وقد وصل هذا المنحى على المستوى الإيراني وعلى مستوى المنطقة لحافة الهاوية، وتكشف عن وجهه الدكتاتوري الدموي ضد شعبه وشعب سوريا وغدا مغامرات لصنع السلاح النووي وضرب تطلعات الشعوب في الحرية والسلام والديمقراطية.
ومن يركز إنه صراعٌ مذهبي هو صاحبُ رؤيةٍ مسطحة خطرة كذلك.
من يقول بأنه صراع قومي عربي لا يدرك المسألة تماماً.
تواجه الشعب الإيراني وبقية شعوب المنطقة رأسمالية دولة عسكرية ضخمة ترفض أن تعود للسلمية والعقلانية.
فالمسألة ليست مذهبية ولا قومية.
إنه صراعُ الشعوب ضد الفاشية الحربية المتصاعدة في طهران، إنه نضال الأمم من أجل العيش المشترك وتطور الديمقراطيات والحقوق الشعبية فيها والسلام والتقدم.
لكن الفاشية ماهرةٌ في خداعِ الشعوب والطبقات وتفكيك الصلات بين الجماهير في كل الدول، وجرها للصراعات وتفجير عرى أوطانها.
إنها ماهرةٌ في العزف على الأوتار التي تفجرُ ينابيعَ الدماء وبحيرات الجثث، وتخريب تطورها السلمي، والهجوم على نضالاتها وثوراتها حين تشكل خطراً على تغلغلها ومشروعات سيادتها الدموية.
إن أي محاولات لتضييق الخناق عليها وعزلها لن تجدي نفعاً دون تصاعد وتيرة الإصلاحات في كل دولة، وإعتبار الناس مواطنين متساويين، ودون تفعيل الأحزاب والجماعات الديمقراطية والتقدمية في كل بلد، ودون تغيير حياة الجماهير الشعبية ذات الظروف المادية الثقافية الصعبة. إن هزيمة المشروعات العسكرية العدوانية الخطيرة على الوجود والحياة وشروط الطبيعة من مناخ ومياه وأراض، يُستوجبُ من الدول ليس جلب المعدات الكافية للدفاع فقط بل توسيع حقوق الناس ووعيهم، ليروا أنهم يقاومون تهديداً خطيراً على عيشهم ووجود أطفالهم، فلا بد من سحب هذا البساط الكثيف من تحت الأقدام، ليروا إننا في المحنة سواء، وفي خطر الفاشية العسكرية نعيش بلاءاً واحداً.
المخطوفون من هيمنة هذه الفاشية مثل المتضررين من تخريبها ومؤامراتها وتغلغلها.
فلينظروا لما كان من عيشهم المشترك الذي لم يخلُ من مشكلات بطبيعة الظروف وتفكك القوى، وكيف صار الآن مذابح دموية في كل بقعة من العراق، وهجوماً إجرامياً هائلاً في سوريا، وتهديد السلاح وجبروت الطغيان في لبنان، وشعوب تتفكك وتتعادى في البحرين والسعودية واليمن.
يريدون جرنا لنقتل بعضنا البعض.
هذه هي خواتيم مسلسل ولاية الفقيه، حين يقبض الجنرالات على مصير الناس ويحدثون عسكرة متصاعدة ويعتمدون على المغامرات.
هذه هي خواتيم ولاية الفقيه خندقان يتذابح فيهما المسلمون.
هؤلاء يدعون إنها تلك الطائفة وأولئك يزعمون إنها هذه الطائفة.
وأناسٌ يقولون إنها القومية الفارسية.
وأناسٌ يقولون إنها الصفوية.
لا، ليستْ كل هذه، إنها الفاشية العسكرية!
وكل الأصابع تشير إلى هناك إلى الحرس الفاشي، إلى العسكر المجنون بخيلاء السلطة، ونشر الأسلحة، وعبادة السلاح النووي.
ركب الجنرالاتُ على ظهور الحركات الدينية والسياسية وأمتطوها متجهين بها للحروب والدماء.
صعّدوا في الناس مشاعرَ الاختلاف والكراهية، داسوا على القيم الدينية والسلام العظيم ولكن إلى أين وأية مآس جديدة سوف يجلبونها على الشعوب؟
أشياء كبيرة وخطيرة قادمة ولا بد لها من تحالف واسع النطاق بين البشر والشعوب.
≣ العناصر الفاشية الإيرانية وكيانوري
حين تصاعدت دكتاتورية رجال الدين والعسكر في إيران برزت عناصر سياسية قمعية معينة كالقيام بحاكمات تلفزيونية والإدعاء بوجود مؤامرات وقد واجه حزب الشعب الإيراني(توده) عمليات الارتداد في النظام بسبب قصوره في التقييم الدقيق لهذا النظام كما يبدو من خلال وعي سكرتيره العام كيانوري في بداية إختطاف الفاشيين الدينيين والعسكر للشعب الإيراني.
لقد طالب الحزب المذكور في ذلك الوقت بالسلام بين إيران والعراق وبوقف الحرب وعدم التوغل في الأراضي العراقية، فكانت الحملة ضده.
الفبركات التلفزيونية وحملات القمع الواسعة وإدعاء بمؤامرات غير موجودة شملت كافة التيارات اليسارية والليبرالية والدينية، كحركة نهضة الحرية وغيرها.
وتم كذلك القيام بتفجيرات وإتهام المعارضين بها، وقمع التظاهرات بشكل دموي إلى أن تصاعدت سيطرة النظام الشمولي، وهو أسلوب سوف يتفجر أثناء الإنتفاضة ضد تزييف الانتخابات ويتوسع في سوريا ضد الثورة.
يهمنا هنا قراءة وعي كيانوري سكرتير عام حزب توده الذي كان في السجن ومتهم ويُعدم بعد ذلك وقد تم تعذيب أهله ورفاقه، وكيف إستطاعت الفاشية الحاكمة أن تضرب مختلف القوى السياسية وتستغل صراعاتها.
يقول كيانوري في رسالةٍ مطولة للدكتاتور يطلبُ اللجؤ فيها إلى القانون وعدم تعذيبه وإطلاق سراحه وينفي عن نفسه التآمر مع الاتحاد السوفيتي وقتذاك للإطاحة بالنظام الدكتاتوري!
(كما تعلمون صيف عام 1988 ميلادية تم إعدام أعداد كبيرة من السجناء في سجون طهران وأوين ورجائي شهر ومن بينهم أعداد كبيرة من السجناء التودويين الذين ليس لهم أدنى علاقة مع مجاهدي خلق، بل بالعكس، فقد كانوا هدفاَ لحملات عدائية من قبلهم. ويكمن السبب في هذا العداء ضد السجناء التودويين هو أن السجناء التودويين وحتى أولئك المحكومين بالإعدام كانوا يساندون الجمهورية الإسلامية ونهج الإمام.).
في وعي كيانوري نجد هذه التعميمات المطلقة: الجمهورية، الإسلامية، نهج الإمام، وهي مصطلحات تغيب القراءة الموضوعية للتطور في إيران بحيث لا يستطيع قراءة كون نهج المذهبيين السياسيين هنا هو جزء من ثقافة محافظة إقطاعية مغايرة لتطور العناصر الديمقراطية الثورية في الإسلام الأول، ويتوهم بالتالي أن الحكام الحاليين في بلده هم ضمن هذه التاريخ.
عدم تحليل التاريخ ومساره يتعاضد مع تغييب الطابع الاجتماعي لحكام الفئات الريفية المرتبطة بالإقطاع والتي أستولت على الحكم وصعدت آلة الدولة العسكرية.
وهذا كان جزء من عقلية حزب توده الخاطئة عبر تقييمه الحاد للنظام القمعي الملكي السابق إلى درجة العداء الكلي، وبالتالي السقوط في أحضان الفاشية الدينية وسجونها وآلتها القمعية الضارية.
إن عدم نضاله بصبر وبُعد نظر لتطوير العناصر النهضوية والعصرية في نظام الشاه وعدم رفض الالتحاق بالقوى الدينية الظلامية، أدى إلى أن يصوت لــ(الجمهورية الإسلامية) وهي ليست جمهورية وليست إسلامية. التصويت لهذه الدولة الفاشية جعله يتوهم إمكانيات النضال داخلها وتغيير إتجاهها، بدلاً من أن يطبق نهج التراكم الديمقراطي بداية منذ نظام الشاه، الذي لم يصل إلى الدولة الفاشية ولكي يصعد قوى الفئات الوسطى والعمال المتنورة.
ليس ثمة (جمهور) يحكم هنا، ولا نظام ديمقراطي تعددي وبالتالي فإن تسمية الجمهورية غير حقيقية، كذلك ليست ثمة إسلامية بل هو نظام لكبار الملاك المحافظين الطائفيين والذين صعدوا رأسمالية الدولة العسكرية حيث يهيمن الحرس. ولهذا فإن اسم الدولة هنا زائف ومؤدلج لخداع المؤمنين البسطاء.
كما راح كيانوري بعد أن ظهرت هذا الدولة بتلك الصفات السابقة يحاول تلميعها والنضال في صفوفها، مما يعني السذاجة السياسية وإصطياده في بحرها. فكان أن أفترسته.
≣ حزبُ الشعبِ الإيراني (توده) بين التحلل والجمود
تلعب القوى الديمقراطية والتقدمية أدواراً مهمة في تحقيق التحولات في حياة مجتمعات الخليج وإيران والعراق، هذه البلدان التي تتقارب عملياتها الاجتماعية والسياسية وتحدث بينها إشكاليات مشتركة بسبب الماضي المحافظ ومغامرات النظام الإيراني الحالية.
ويمثل ميراث الأحزاب التقدمية الشمولي ثم تذبذبها وإنتهازيتها عوائق كبيرة لتحولها ولرفد المنطقة بقوى نضال مجربة وتوحيد الشعوب درءً لحربٍ يطبخها النظام الإيراني ووقودها الناس والمؤسسات الاقتصادية والبيئة والحياة.
ويعطينا نموذجُ حزب الشعب الإيراني(توده) تجربة مهمة بهذا الصدد، خاصةً حين يقوي مثل هذا الحزب دوره ويساهمُ في توحيد القوى الليبرالية والقومية والإسلامية والتقدمية ضد أخطار الحرب المحتملة فيعود لموقعه الهام لوضع حد لحكم دكتاتوري ظلامي أرهق الشعوب ويعدها لكوارث هائلة.
لقد قاوم هذا الحزب نفسه عمليات توسيع الحرب الإيرانية- العراقية ونقلها لداخل العراق، فبدأت ضده حربٌ خاصة، وتمت عبر
الفبركات التلفزيونية وبالإدعاء بمؤامرات غير موجودة شملت كافة التيارات اليسارية والليبرالية والدينية، كحركة نهضة الحرية وغيرها.
وتم كذلك القيام بتفجيرات وإتهام المعارضين بها ويذكرنا هذا بالطريقة الحكومية السورية الراهنة لذبح المعارضة، وقد قُمعت الأحزابُ والشخصيات الوطنية الإيرانية بشكل دموي، وهو أسلوب سوف يتفجر أثناء الإنتفاضة ضد تزييف الانتخابات ويتوسع في سوريا ضد الثورة.
ولكن النظام العسكري الفاشي تم تصعيده من قبل الجماهير الأمية والمخدوعة ومن قبل حزب الشعب الإيراني(توده) نفسه!
يهمنا هنا قراءةُ وعي كيانوري سكرتير عام حزب توده المسئول عن هذه السياسة والذي كان في السجن ومتهم من قبل النظام الدكتاتوري ثم يُعدم بعد ذلك وقد تم تعذيب أهله ورفاقه، فإستطاعت الفاشية الحاكمة أن تضرب مختلف القوى السياسية وتستغل صراعاتها وتستغل بحقد ضار كهنويتها وظلاميتها في سحل التقدميين الأعداء الألداء لها الذين فضحوا إستغلالها للمؤمنين.
يقول كيانوري في رسالةٍ مطولة للمرشد يطلبُ اللجؤ فيها إلى القانون وعدم تعذيبه وأهله ورفاقه وإطلاق سراحه وينفي عن نفسه التآمر مع الاتحاد السوفيتي وقتذاك للإطاحة بالنظام:
(كما تعلمون صيف عام 1988 ميلادية تم إعدام أعداد
كبيرة من السجناء في سجون طهران وأوين ورجائي شهر ومن بينهم أعداد كبيرة من السجناء التودويين الذين ليس لهم أدنى علاقة مع مجاهدي خلق، بل بالعكس، فقد كانوا هدفاً لحملات عدائية من قبلهم. ويكمن السبب في هذا العداء ضد السجناء التودويين هو أن السجناء التودويين وحتى أولئك المحكومين بالإعدام كانوا يساندون الجمهورية الإسلامية ونهج الإمام.).
في وعي كيانوري نجد هذه التعميمات المطلقة: الجمهورية، والإسلام، ونهج الإمام، وهي مصطلحات تغيّبُ القراءة الموضوعية للتطور في إيران حيث لا يستطيع قراءة كون نهج المذهبيين السياسيين هنا هو جزء من ثقافة محافظة إقطاعية مغايرة لتطور العناصر الديمقراطية الثورية في الإسلام الأول، ويتوهم بالتالي أن الحكام الحاليين في بلده هم إمتداد لهذا التاريخ.
إن عدم تحليل التاريخ ومساره يتعاضد مع تغييب الطابع الاجتماعي للحكام الطائفيين الذين ظهروا من بين الفئات الريفية المرتبطة بالإقطاع والتي أستولت على الحكم وصعدت آلة الدولة العسكرية.
وهذا مرتبط كذلك بعقلية حزب توده الخاطئة عبر تقييمه الحاد للنظام القمعي الملكي السابق إلى درجة العداء الكلي، وبالتالي السقوط في أحضان الفاشية الدينية وسجونها وآلتها القمعية الضارية.
إن عدم نضاله بصبر وبُعد نظر لتطوير العناصر النهضوية والعصرية في نظام الشاه وعدم رفض الالتحاق بالقوى الدينية الظلامية، أدى إلى أن يصوت لــ(الجمهورية الإسلامية) وهي ليست جمهورية وليست إسلامية. التصويت لهذه الدولة الفاشية جعله يتوهم إمكانيات النضال داخلها وتغيير إتجاهها، بدلاً من أن يطبق نهج التراكم الديمقراطي بدايةً منذ نظام الشاه، الذي لم يصل إلى الدولة الفاشية ولكي يصعد قوى الفئات الوسطى والعمال المتنورة لتجاوزه.
ليس ثمة في النظام الإيراني الحالي(جمهور) يحكم هنا، وليس ثمة نظام ديمقراطي تعددي وبالتالي فإن تسمية الجمهورية غير حقيقية، كذلك ليست ثمة إسلامية بل هو نظام لكبار الملاك المحافظين الطائفيين القامعين لأخوتهم وأخواتهم في الإسلام المفترض الموحد والذين صعدوا (رأسمالية الدولة العسكرية) حيث يهيمنُ الحرسُ فيتركز النضال ضدها من مختلف القوى الوطنية والدول المحبة للسلام. ولهذا فإن اسم الدولة هنا زائف ومؤدلج لخداع المؤمنين البسطاء.
إن عدم قدرة كيانوري لفهم طبيعة الإسلام بتاريخيته وتكون القوى الطائفية الاستغلالية المتحكمة في جماعات المسلمين والمفككة لصفوفهم، تتجسد في تصعيده لها، بدلاً من النفاذ لجوهرها الاجتماعي، ثم بعد أن ظهرت هذه الدولة وتصاعدتْ مخالبُها في لحم الناس، حاول تلميعها والنضال في صفوفها وهو واقع بين هذه المخالب نفسها، مما يعني السذاجة السياسية وإصطياده في بحرها. فكان أن أفترسته.
وبطبيعة الحال لم يكن مصير السكرتير العام فردياً بل جر الحزب وبعضاً من الناس في هذا المسلخ.
كيف يمكن لحزب تقدمي أن يقف مع قوى الإقطاع الدينية؟ هل يكتفي بمعاداتها للغرب والنضال العام من أجل الشعب أم يصر على الديمقراطية والعلمانية والعقلانية كسمات أساسية تكمل النضال الوطني؟
حين يؤيد دكتاتوريتها وإستخدامها للدين كأداة إستغلال وهيمنة إيديولوجية مخدرة للشعب يتناقض ذلك مع العمل معها لغايات سياسية جزئية تستغلها لتصعد وحدها وتفرض دكتاتوريتها السياسية والدينية معاً.
هذه أسئلة كما هي هامة من حصاد الثورة الشعبية الإيرانية المسروقة وهي نفسها أسئلة للثورات العربية وهي تقع في نفس الخطأ الكارثي.
(فبعد ثورة فبراير 1979 طرحت قيادة حزب توده التالي: بما أن طبيعة الثورة معادية للامبريالية علينا القبول بحقيقة ان النظام الذي وصل الى السلطة بعد ثورة فبراير 1979 ذو طبيعة تقدمية. فهو ما أنفك يحاربُ ضد الامبريالية التي تتأمر بكل نشاط ضد الشعب الايراني لجره مرة اخرى الى عهد الس اي اي والسافاك. ومن ثمة فان المهمة الاولى للشعب الايراني في مثل هذه الحالة ليس “بناء الاشتراكية مرة واحدة” وانما “تدعيم المكاسب المعادية للامبريالية)، تاريخ الحزب الشيوعي الإيراني، موقع النادي الصوتي، جمول نت.
هذا التقييم ناتج من الفصل بين سمات الحداثة، وإعتبار العداء للغرب معياراً مجرداً، دون أن يتحول هذا العداء للأمبريالية لقبول بالديمقراطية والعلمانية والعقلانية، فالغايات السياسية المحددة والجزئية لا بد أن تتضافر مع بناء عام ديمقراطي الملامح، ولا يتحول على النقيض شمولياً معادياً للشعب والتطور من خلال تصعيده سلطة دكتاتورية.
فالقبول بالثورة لم يكن يعني القبول بقوى دكتاتورية طائفية تخلق أجهزة قمعها الدموية والتي تتوسع ثم ترتد على جميع الأطراف المخالفة لها!
وتكويناتُ الأحزابِ الطائفيةِ ولغاتُها المؤدلجةُ للإسلامِ بالانتقائيةِ السياسية له، ورفضها لتوحيدهِ وثوريته، وتكريس قوى المحافظة والاستغلال، تطرحُ لغةً سياسية عامة مجردة خادعة تخفي مواقفها الطبقية العميقة.
والخطورة هي صعود هذه القوى وتنحية الوطنيين والإسلاميين والليبراليين والتقدميين وإعادة الدكتاتورية بشكلٍ متخلف أكثر ويجرُّ لفاشيةٍ أكثر خطورة.
وكانت النتائج كما رأينا ما حدث لسكرتير الحزب السابق، ولكن الأخطاء لم تُعالج بعمق وتوسع في حزب الشعب الإيراني.
فبعد الانتخابات الرئاسية وتزويرها من قبل جماعة نجاد والحرس الفاشي أصدر الحزبُ بينانات عدة قال في أحدها:
(وأدى أعلان نتائجها الى موجة عارمة من الأحتجاجات الجماهيريه التى عمت طهران والمدن الأيرانيه الأخرى. وكانت اللجنة المركزيه للحزب قد اصدرت بيانين سبقا الإنتخابات الرئاسية فضحت فيهما الأسلوب اللاديمقراطى المتبع فى أختيار المرشحين والسياسة التى جرت عليها الحكومة الأيرانيه ومن وراءها المرشد الأعلى فى استبعاد القوى والعناصر الوطنيه والعلمانية من الترشيح وأتباع الإنتقائيه فى قبول المرشحين وهذا ما حصل فى الأنتخابات السابقة والتى جاءت بأحمدى نجاد الى قمة السلطة فى إيران.).
هذا حدث هنا شيٌ من التقدم في عقلية الحزب العامة، لكن التحليل الاجتماعي غائبٌ هنا فحقيقة كون السلطة إقطاعية طائفية شمولية لم يزل يغيبُ عنها، فهذه السلطة الريفية السابقة المتحولة لرأسمالية دولة عسكرية باطشة، تتكون من العديد من الشرائح الدينية الإقطاعية والليبرالية، وقد راحت العناصر الأولى تفرض نفسها وتنحي الأخرى، وقد حدث ذلك عبر تنحية رفسنجاني وخاتمي، وهو أمرٌ تداخل مع صعود رأسمالية الدولة العسكرية، فظهرت مجموعاتُ الحرس الفاشي وصعدت إلى الهيمنة الواسعة على مقاليد السلطة، وأدى هذا ليس إلى ضرب اليسار المضروب بل ضرب القوى الليبرالية الدينية الضئيلة في جهاز الدولة.
إن تقييم قيادة حزب الشعب يتطور لكنه بعد ليس دقيقاً يتغلغل في الحركة التاريخية الاجتماعية، ويتجلى ذلك في فرديةِ تشخيصه الخاطئ لدور المرشد(الموضوعي)، وكأنه جزءٌ حيادي في صراع القوى السياسية والاجتماعية وليس فرداً من من قيادة السلطة الصاعدة في إتجاه الحرس والمنحية للفئات الأخرى.
وكأن أيضاً إنتخاب نجاد هو حدثٌ عابر، ومن جملةِ الصدف، وليس تعبيراً عن سببيات تصاعد الفاشية العسكرية.
إن الموقفَ المتذبذبَ لحزبِ الشعب الإيراني(توده) من مسائل التحول التاريخية للشعب الإيراني تعودُ لنسخهِ الماركسية- اللينينية، إلا وهي أيديولوجيةُ البرجوازيةِ الصغيرة المكرسة لرأسماليةِ الدولة البيروقراطية على النمط الروسي، والتي أَتخذتْ في إيران في بدايات القرن العشرين طابع الانتفاضات المُقلِدة لذلك النمط، ولكن في بلد إقطاعي متخلف، فكان ثمارُ هذه السياسة رهيباً على الشعب، وتطور الدولة، وأدت لتفاقم دكتاتورية الشاه الأب والابن.
إن إحدى فئات البرجوازية الصغيرة(اليسارية) التي تعبئُ نفسَها فميا سُمي بالأحزاب الشيوعية قد تمثلتْ في حزبِ توده وسياساته، المتذبذبة والتي قفزتْ من العداء الكلي لليبراليةِ وبداياتِ الرأسمالية في إيران إلى الوقوع في حضن الإقطاع الديني.
إن القفزَ للقيام بثوراتٍ إشتراكية لا بد أن يؤدي إلى مواقف سلبيةٍ تجاه النضال الواقعي الممكن، والذي تمثل خاصة في حركة مصدق وتأميم النفط وشق الطريق للحداثة والديمقراطية، فكان هذا مظهراً لتلك الاشتراكية الزائفة مما جعل الخطوات الليبرالية والرأسمالية الوطنية الديمقراطية تتدمر، وغابت السياسةُ العقلانيةُ لتصعيد القوى الليبرالية والديمقراطية الشريكة المهمة لقوى العمال في التطور الديمقراطي، وتصدعت أكثر بالصراع الضاري مع نظام الشاه، وعدم دعم الجوانب الايجابية التحديثية المحدودة في ذلك النظام، خاصة فيما تعلق بالثورة البيضاء ومحاولة تحقيق إصلاح زراعي وحصول الفلاحين على الأرض، وبنقد تلاعب البيروقراطية الحكومية في هذا الإصلاح المحدود وثرائها على حساب الريف.
إن جهود حزب الشعب الإيراني خلال هذه العقود تعود لهذا التذبذب الحاد بين الإيمان بإشتراكيةٍ غيرِ ممكنة في ذلك الواقع المتخلف الزراعي، والعداء لرأسمالية وطنيةٍ مغلوبةٍ من نظامٍ بوجهيه الإقطاعي السياسي والإقطاعي الديني.
هذا أفضى إلى إنتصار الشكلين الثنائيين للإقطاع: الإقطاع السياسي الحاكم، والإقطاع الديني المعارض، ليصيرا في زمن ولاية الفقيه واحداً ضارياً على الشعب. فيضربا الامكانيات الفكريةَ والسياسية الديمقراطية، ويمنعا تطورَ المذاهب والأديان باتجاه العقلانية والوحدة الوطنية والإنسانية.
إن أي تنظيم ماركسي لا يُسندُ ليبراليةً مغلوبةً على أمرها يخربُ الماركسيةَ نفسها، وتقودُهُ الظروفُ للوقوع في براثن الشموليات المختلفة التي تتكونُ في كلِ بلدٍ حسب ظروفه.
ونجد أن نفس لغة الصراع ضد الرأسمالية مع مصطلحات متضادة لم يعجنها وعي تقدمي دقيق حتى بعد بينت الأحداث خطورة تأييد الدينيين، فيقول بيانٌ للجماعة:.
(أن السياسات الأقتصادية والاجتماعية للنظام لا تمت بصله لعملية النضال ضد الأمبريالية الرأسمالية حيث تشير جميع المعطيات بأن حكومة الجمهورية الأسلامية تتبع بصلابة وتنفذ وبشكل واسع خطة اقتصادية بأملاء وتوجيه من صندوق النقد الدولى والبنك الدولى ومن وجهة نظر القوى العاملة، فأن القوى التى تقود مجتمعنا ترتبط بكبار التجار(البازار) والرأسمالية البرجوازية الأرستقراطية حيث يغيب التخطيط العلمى للموارد وتسيير الاقتصاد الوطنى على الأسس التى تخدم مصلحة الشعب الإيرانى)، (ولقد جرت عملية واسعة لخصخصة القطاعات الانتاجية والصناعية العائدة للدولة وبتوجيهات مباشرة من الولى الفقيه وبإتجاه الغاء المادة(44) من الدستور الذى يعرفُ الاقتصادَ الإيرانى بتكونه من القطاعات الثلاثة(الحكومى والتعاونى والخاص) والذى كان منجزاً من منجزات الثورة الشعبيه الأيرانية عام 1979.) من بيان للجنة المركزية للحزب سنة 2009.
لا يزال الحزب في صراعه ضد النظام لا يحدد طبيعته، ويعتبر المعركة ضد الرأسمالية(البرجوازية الارستقراطية!) معيداً بهذا مشروع الاشتراكية، الذي لم يكلمهُ(الإقطاعُ الديني) للأسف الشديد! وكان يجب على هذا الاقطاع أن يمضي نحو الاشتراكية عبر تصعيد المُلكيات الثلاث!
تتخفى هنا شعبويةُ الحزبِ البرجوازية الصغيرة (اليسارية) المدعية، دون أن تحددَ طبيعةَ النظام الديني، وتعتبر نفسها مناضلة ضد الاصلاحات في الاقتصاد التي خربت طبيعة النظام، لكنها لا تريد أن تناضل داخل مجتمع حديث رأسمالي ديمقراطي حر، وما تزال تبعية هذه (اليسارية) للإقطاع متغلغلة في جذورها، في حين أن النظام يدمج بين جذوره الإقطاعية الدينية الريفية وسيطرته على المدن عبر رأسمالية دولة عسكرية دموية، ولا يزال الحزبُ يطالبُ النظامَ بالابتعاد عن الرأسمالية والغرب، فيما هو مبتعدٌ تماماً ومعادٍ لطريق الحداثة، جامعاً بين نظام عتيق والأدوات العسكرية الخطيرة والاقتصادية المستغلة للناس والقاهرة لهم.
أي أن بؤرة الصراع المطلوبة هنا هي هزيمة رأسمالية الدولة العسكرية بإخطارها على حياة ومصير الشعب الإيراني، وشعوب المنطقة عامة، وإعادة فوائضها إلى الحياة الاقتصادية السملية وحاجات الناس وإنعاش الاقتصاد الرأسمالي الحر غير المرتبط بالفساد الحكومي.
من الضروري هنا رؤية القوى الرأسمالية والعمالية والشعبية عامة المتضررة من دكتاتورية النظام وتشكيل جبهة واسعة منها لهزيمة رأسمالية الدولة العسكرية الفاشية ولإعادةِ إيران للحداثة والديمقراطية.
≣ مشكلاتُ النهضةِ الخليجية العربية الإيرانية المشتركة
في إشكاليةِ تكون النهضة في الجزيرة العربية وإيران تكونت الجذور لما نعانيه الآن من عدم القدرة على حل التناقضات التي ننزلقُ فيها تدريجياً، وكأننا ننزلقُ في بئرٍ عميقةٍ خطرة.
القوى المسيطرة الغربية على منطقة النفط الكبرى هذه وخاصة حكومات الولايات المتحدة رفضت وصول القوى الديمقراطية والعلمانية إلى تقرير أحوال المنطقة وبث فكرها خلال القرن العشرين، منذ أن أزاحت مصدق حتى قررتْ تصعيدَ الدينيين ورفضتْ الخيارات الوطنيةَ التوحيدية في العراق.
الجانبان العربي والإيراني مضيا في الطريق الطائفي والتنمية الرأسمالية الحكومية البيروقراطية وكانا محافظين متقاربين لا يطرحان الايديولوجيات الطائفية المُسيّسة للإسلام، ثم تنامى الصراع بينهما تدريجياً بأشكالٍ عفوية وانفعالية عقب سيطرة الشموليين الدينيين على السلطة في إيران.
الجانبُ العربي حافظَ على تقاليد البداوة والمدينة الرأسمالية التي تهيمنُ على الوزارات لا على التجارة الحرة الحقيقية، كشكلٍ مرتبطٍ بضخِ المواد الأولية وتحويل البلدان للبضائع الغربية واليابانية عبر الانسياق لقوانين السوق الغربية وحركتها، من دون وجود خطط برامجية بعيدة المدى لإنشاء الصناعات الوطنية الخليجية العربية الكبرى.
الجزيرة العربية كانت ولاتزال شديدة التنوع: دول عديدة متنوعة لعبت فيها التجارةُ دوراً بارزاً، بحيث غدت المركزيات المهيمنة الكلية صعبة، فُخلقَ عالمٌ من التنوع، وحتى مجلس التعاون لم يستطع أن يتحول إلى قوة مركزية تمنع التعددية والتنوع، وهذا ما أدى إلى نمو المذاهب الإسلامية المتعددة بدرجاتٍ من الفهم والتفسير والأقسام السكانية المذهبية والدينية في جغرافية العصر الوسيط، وإذا تكونت المدنُ وتنامتْ فهي ليست قوى صهر مدنية كبرى بقدر ما هي أقسامٌ وأحياء منفصلة اجتماعية مذهبية متعددة، ثم أقسام لقوى العمال الأجانب المتداخلين.
الجانبُ الإيراني اندفعَ في تنميةٍ رأسمالية حكومية كبيرة تمت بشكلٍ مركزي شديدِ المركزية وتصاعدَ نحو قوى عسكرية قادمة من الأرياف ذات الرؤى المحافظة.
الأريافُ المحافظةُ هي التي سيطرتْ على المدن الإيرانية، ولم يكن للأرياف تنوع ثقافي أو تعدديات فكرية وسياسية ومذهبية، بل تنامتْ سيطرةُ مذهبٍ واحد، عبر عقدين، ثم برزَ تفسيرٌ آحادي لذاتِ المذهب وسادَ هذا التفسيرُ الآحادي وتحول لصيغةٍ سياسية حادة مقاربة لنمو المركزية في المجتمع.
اتجه التطوران المختلفان بين الجانب الشرقي للخليج والجانب الغربي إلى التناقض الشديد الذي لم يكن معروفاً في تلك البدايات، بسبب تباين التطور الاجتماعي السياسي، فجانبٌ تصاعدتْ فيه قوةٌ مركزيةٌ واحدةٌ ذاتُ فكرة واحدة غير قابلة لتحليل الحياة والتطور بصور جدلية موضوعية، عبر أفكار مسطحة مثل كون الرسالة الدينية هي الحقيقة المطلقة، وما عداها تضليل أو خيانة للإسلام، وأن الطريق الغربي الليبرالي الديمقراطي مرفوض كلياً، فتصاعدت أفكارٌ مطلقةٌ على مستوى الإسلام بتصعيدِ التناقض المطلق بين السنة والشيعة، وبعدم رؤية التاريخ المشترك. وتحويل المذهب لقوة ايديولوجية شمولية يؤدي بالضرورة إلى سلطةٍ واحدة، ومذهبية آحادية ذات تفسير واحد. ودائماً السلطة السياسية المطلقة تنتجُ فكرةً واحدة شمولية.
كذلك فإن هذه الفكرة صعدت التناقض بين الفرس والعرب، وبين المسلمين والمسيحيين من جهة واليهود من جهةٍ أخرى. وبين الشرقيين ككل والغرب (الشيطاني).
هي جملةٌ من التناقضات المطلقة بين الأفكار والبشر تتشكل وفقاً للموقف السياسي الشمولي الحاكم. وتركزُ في تصعيد الخلاف والتوتر، وهي كلها أجسامٌ تعبيرية تقود إلى الفتن والحروب.
على الجانب الغربي العربي للخليج لم يفرزْ التنوعُ الكبيرُ وحدةً تنموية، ولا تجارب ديمقراطية تتجاوز البدايات، وبقي بعضُ الاختلالات الاجتماعية الاقتصادية الكبيرة بين الأغلبية البسيطة والفئات الغنية، فلم تؤدِ الثرواتُ النفطيةُ الكبيرة إلى تغيير الأحياء والقرى الفقيرة، وتوجهتْ التحولاتُ نحو تصعيد الرأسماليات الحكومية والأقسام الاجتماعية المرتبطة بها وكذلك الرأسماليات الخاصة التي اشتغلتْ على جلب القوى العاملة الأجنبية ذات الأجور المنخفضة، فتشكلت نهضةٌ رأسماليةٌ متنوعةٌ من دون خططٍ تحويلية وطنية عربية بعيدة المدى، تغرزُ التنميات الوطنيةَ الانتاجية بديلاً عن هدر الفوائض الاقتصادية على العمالة الأجنبية وعلى المحافظ النقدية الغربية، وعلى البذخ وغير ذلك من مشكلات كبيرة لم تجد حلولاً برامجية بل حتى قراءات فكرية اقتصادية اجتماعية عميقة.
ضفتا الخليج وجدتا أنفسهما في شكلين متغايرين: شكلٌ إيراني مركزي شمولي، وشكلٌ عربي غير مركزي، تعددي، لم يستطع أن يبلور تجربة تحولية اقتصادية عميقة عبر الاستفادة من الفوائض، وأن يصهر المجموعات السكانية المتفاوتة في عيشها في كيانات وطنية عميقة، ذات مقاربة معيشية.
هذا التباين تحول إلى تضادٍ سياسي، باستغلال الجانب الأول تباينات الجانب الثاني في مشكلاته غير المحلولة، نظراً لطابعه المركزي العنيف وعدم قدرته على الانفتاح على شعبه وتمدده السياسي.
الحياة القادمة سوف تحل المشكلات في كل جانب عبر تجاوز تناقضاته كلٌ بطريقته.
≣ مخاطر حرق الأوراق
تاه شبابٌ كثيرون تحت المظلة الإيرانية، منذ أن تشكلت الهيمنة القومية الفارسية عبر المذهبية المتدخلة المغامرة، وليس كل الشباب من صنف واحد، فهناك المخلصون العاملون من أجل التغيير والدفاع عن حقوق يتصورونها، وهناك الانتهازيون الذي يستفيدون من أي حراك لأجل أن يركبوا الموجة، وهناك التائهون العفويون الذين وجدوا أنفسهم يشاغبون بلا دراية بشيء عميق أو مفيد.
ولم يكن هؤلاء الشباب المتفردون الوحيدون بالدخول في صراعات لا يعرفون جذورها، ولا امتداداتها المناطقية والعالمية، فهم موجةٌ من موجاتٍ وشبابٌ فتي قبله أجيالٌ شابتْ في السياسة ولم تتعلم أو تعلمت وصمتت، أو استغلتْ الأجيالَ الجديدة من بعيد.
وكان قبلهم من رددَ شعرَ نجيب سرور:(نحن حباتُ البذار/ نحن لا ننجو جميعاً إذا ما جاءَ الربيعْ/ بعضُنا يهلكُ في هول الصقيع/ وتدوس البعض منا الأحذية/ ويموتُ البعضُ منا في ظلام الأقبية/ غيرّ أنّا كلنا لسنا نموت، نحن حباتُ البذار!).
المظلة الإيرانية قادت الشبابَ إلى طريق بلا مستقبل، يكررون تجارب حارة ويتعذبون ويوجدون مشكلات لبلدهم وأهلهم من دون أن ينتجوا شيئاً سياسياً مغيراً على مدى أكثر من ربع قرن.
الشباب بذرة لمواقف عميقة وتعبير عن قوى شعبية خلاقة تعمل من أجل أفق اجتماعي سياسي محدد، ولم تكن قوى الشبيبة في العقود السابقة على مثل هذه الدرجة من غياب الوعي الاجتماعي، والوعي الوطني، حيث لم تجعلهم انتماءاتهم المذهبية الغائرة أن ينسوا أن الوطن بوصلة مهما كانت الأعلام الأجنبية التي توحدوا تحتها بسبب توجهاتها القومية والأممية، وعملوا على خطوط هذه الوطنية أولاً رغم الانحرافات واليأس السياسي الذي قاد بعضهم إلى تأييد أي شيء اجتماعي يتحرك حتى لو كان طائفياً أو محافظاً شمولياً خطراً على الديمقراطية نفسها.
المظلةُ الإيرانيةُ اربكت هؤلاء الشبابَ لكونها هي ذاتها مراهقة لم تستطع أن تصعد إلى مستوى ناضج، وتناحرت بين (اشتراكية) دكتاتورية بيروقراطية في زمن موسوي كرئيس وزراء وهي السياسة التي وضعتْ الأسسَ لرأسمالية الدولة العسكرية، ثم إلى ليبرالية ناقصة غير ديمقراطية عند رفسنجاني لم يستطع أن يحولها إلى تغيير ديمقراطي عميق بسبب عدم انتمائه لطبقة برجوازية حديثة حرة وظل يركض وراء المحافظين العاجزين عن إنتاج نظام له مستقبل ديمقراطي، ثم تآكلتْ الدولةُ ووصلت إلى طريق مسدود عبر العسكر، وهي في هذه الخاتمة خاصة لم ترد إلا أن تنقل تجاربها الحارقة عبر لحم الشباب، في الداخل والخارج، متسيدة على أي تنوع، أو توجهات في الاستقرار والتجذر في التراب الوطني لكل دولة، وكانت النتائج هي هذه التنظيمات الدينية السياسية المضطربة المتعددة التي لا تخرج عن خيط البوليس المركزي الإيراني.
الشباب الذي استخدم كأداةٍ بلا تجربة وتمت المتاجرة في لحمه الذي غدا رخيصاً عند هؤلاء تجار الحروب والاستغلال وتمت تعميته بسبب صمت رجال الدين الكبار وعدم نقدهم لتلك المظلة الإيرانية ومغامراتها، وعدم فصلهم الشريعة عن لغة العسكر الخطرة، ولم يستفيدوا من كل ملاحم التراث النضالي العظيم في الوقوف في وجه المخاطر السياسية الحربية، والتلاعب بمصائر الملايين.
فماذا نقول عن شبابٍ ضحلِ التجربة مُغيّب الوعي؟
إن الشباب ليس لديه وعي بهذه المظلة، فلم يُدرس في المدارس عن التيارات، ولم يُنقل له السياسيون القريبون منه أعماقَ المذهب واختلافها عن الدكتاتوريات السياسية والعسكرية، وأدلجوا التراثَ بطريقة سطحية شوفينية تمزيقية لصفوف المسلمين لخدمة أهوائهم المالية، والآن ثمة هوة هائلة يُدفع لها الملايين وهم صامتون، فيما الشباب يرقصُ على النار قرب البركان الذي قد ينفجر في أي لحظة!
هو التحريف عن الخطر البالغ وإحداث معارك جانبية تستهدف كلها شد الانتباه عن تلك المغامرات العسكرية المجنونة، وهنا يظهر غباءُ مثل هؤلاء الشباب فبدلاً من أن يناضل من أجل السلام ومنع الحروب ووقف التجارب النووية ويعمل من اجل تقدم بلده ووحدته الكفاحية الديمقراطية يُجر لتفكيك الصفوف وتبرير جنون العسكر وهم يهددون أسس الحياة في المنطقة.
≣ استراتيجية ما قبل الضربة لإيران
الاستعداداتُ الغربيةُ والإسرائيلية تجرى بكثافة لإعداد مشروع ما بعد إيران ولاية الفقيه، إيران الوسطية القادمة بعد سياسة ولاية الفقيه وقبل نظام إيران الرأسمالية الخاصة والسلمية المندمجة بشكل كبير انعطافي مع دول المنطقة، وهذه التجهيزات هي ما تعكفُ عليه تلك القوى تخطيطاً لتحويل العديد من الدول المحيطة بإيران وحتى البعيدة عنها عن مساندتها.
القوى الغربية ذات الرؤى الشاملة الاستراتيجية تربك القوى السياسية المحلية والشعوب بأعمالها الجزئية غيرِ المرئية في تلك الاستراتيجية البعيدة المدى.
هناك درسٌ عميق لإيران من قبل الغرب وخاصة لرأسمالية الدولة الشمولية العسكرية التي غدتْ تستنزفُ المجتمعين الإيراني والإقليمي، عبر صرفهما الكثيرَ من الموارد على الجيوش، والتي كان من الممكن أن تتوجه إلى التنمية وخاصة تنمية خزائن الغرب نفسه المنهكة.
كذلك فإن التوسع في السوق الإيرانية الكبيرة لشركات الغرب هو شيء مثير للاهتمام، وتبدل حال العراق من دولة مواجهة للغرب وللدول العربية سوف يفتح سوقاً أخرى ضخمة بدلاً من المتاجرة بالجثث المحروقة.
منطقة الخليج وإيران والعراق شديدة الأهمية لما فيها من موارد الطاقة وإمكانات ظهور أسواق كبرى ولهذا فإن إزالة المخاطر وعدم الاستقرار والتهديدات العابرة للقارات والدول، التي تسببها السياسةُ الإيرانية، أصبحت في تاريخ الرأسماليات الخاصة المتصاعدة الحضور على أنقاض الرأسماليات الحكومية غير الديمقراطية، مهمةً جداً للرأسماليات المترهلة العجوز في الغرب التي تواجه الثورات والأزمات.
تشبه الحالة الإيرانية الحالة السوفيتية قبل الانهيار وما فعله الغرب بها، وقد استطاع الغربُ إنهاك الدولة الإيرانية حصاراً ومواجهات، بحيث ان الشعبَ ذا المظاهرات المليونية اختبأ يحدق في الغربِ منتظراً منه المنقذ المقدس، أو الساحر القادر على تخليصه من دولة الولي الفقيه العاتية.
وحتى روسيا الشمولية المساندة للشمولية الإيرانية بدأت تتصدع من الداخل، فهو حراكٌ بنيوي اجتماعي سياسي هائل وغير مسبوق في تاريخ البشرية المعاصرة، ويمكن فقط مشابهة بعض الجوانب منه بما حدث في تاريخ أوروبا في ثورات العمال في منتصف القرن التاسع عشر.
إذاً ليس الانسحاب السريع الأمريكي غير المدروس وغير المتأني من العراق سوى فصل من هذه الاستراتيجية، كما أن ظهور العلاقات الجديدة بين أمريكا خاصة والدول الغربية مع من تسميهم الإسلاميين، إلا فصل آخر، وما الثورة السورية ودعمها سوى فصل ثالث.
وما العلاقات مع القوى السياسية الشيعية ومحاولات سحبها أو تحييدها سوى فصل رابع من أجل تقطيع العلاقات بين إيران ولاية الفقيه والقوى الكبيرة الأخرى، من أجل العالم المتجه للعلاقات الاقتصادية السلمية البناءة، والنازف من الخسائر الاقتصادية وتكاليف الحروب ومصاعب الثورات.
وقد كانت عمليات تفكيك العراق ومؤسساته التوحيدية الشمولية التي تشرف عليها قوى مذهبية محافظة أخرى دعماً لتلك القوى الشيعية من أجل أن تنحاز عن إيران وأن تكون محايدة على الأقل في الصراع القادم!
أصبح النظامُ الإيراني كالإسرائيلي يمثل عبئاً على الشعب الإيراني وعلى شعوب المنطقة، ولكن توجهات الغرب تتجه لانهاكه أو ضرب المشروع النووي في حالة وصوله للذروة.
لكن من الممكن أن تقود الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية لتبدل التوجه الديني الشمولي ولكن التوجه القومي العسكري سوف يبقى، لأن المعضلة الإيرانية متداخلة ذات نسيج واحد.
فالنظام الإيراني غير قابل للاندماج في النظام الرأسمالي العالمي المتكون المتسارع ذي الطبيعة الخاصة، ولو كانت رأسمالية الدولة على طريقة السادات أو حسني مبارك لهان الأمر، لكنها عسكرية ذات أحلام نووية.
من هنا أصبح الخيار العسكري ومجابهة الأظافر الطويلة على الأقل بدلاً من الجسم الكامل العسكري هو الحل، في غيابِ أملٍ بثورةٍ مشابهة للثورة السورية، خيار يؤدي إلى إزاحة التهديدات، وليس القضاء على النظام برمته.
وقد برزت مسائلُ الطائرةِ العسكرية والانفجارات الغامضة في المعسكرات الإيرانية واغتيالات علماء الفيزياء الكبار والهجوم الإلكتروني وتصعيد المقاطعة وحرب السفارات كلها مؤشرات منذرة بخطر جسيم من دون أن تعي المظلة الدينية المُسيّسة الكبرى المنفعلة بشدة عبر كل هذه العقود ضرورة تجنب الكارثة وخسائرها البشرية والمادية الفادحة.
≣ فشلُ الطائفيين المحافظين في صنعِ ثورة!
هم مضطربون حائرون مشتتون، تتهاوى قصورُ الرمالِ التي أقاموها على ظهورِ الفقراء. يُذهلون من نجاح ثورات العرب التي حققت مكاسب ووحدات شعبية وديمقراطية تعددية وليدة!
يتساءلون، يرتعبون من المصير، فكلما وضعوا أيديهم لصنعِ حركة إنقلبتْ عليهم، شيدوا إمبراطوريةً طائفيةً يشعرون بقربِ إنفجارِها من الداخل وتهاويها!
لا يعرفون لماذا يعاندهم التاريخ؟ لا يريدون القراءة الموضوعية لقوانين التطور، لا زالوا في الأشكال السحرية من الوعي فما دامت القوى الغيبية السحرية معهم فهم قادرون على مواجهة العصر.
حين خطفت القوى المذهبية السياسية المحافظة الإيرانية الثورةَ من الجماهير الشعبية وحولتها لنظامٍ دكتاتوري عسكري، لم تفلح إرهاصاتٌ صغيرةٌ من التنويرِ أن تفككَ أسرارَهُ وتتجاوزَ مبناه الرجعي الإستغلالي.
الهيمنةُ على الفقراءِ والفلاحين، وقمعُ تحررَ النساء، ورفضُ العقلانية الحديثة البشرية، ورفضُ الديمقراطية، ومساواة الأمم في الحكم، ومعاداةُ الغرب الديمقراطي إلى درجة الهوس وتحويل هذه المعاداة لعسكرية قومية متفاقمة وأخطار جسيمة، كلها شكلت جبلاً رجعياً معادياً للشعوب وأولها الشعب الإيراني نفسه!
إن هذه الرؤى السياسية المعادية لتطور النضال الديمقراطي للشعوب لا تستطيع أن تصنعَ ثورةً، وقد إلتبس عليهم الأمرُ حين خطفوا كفاحَ الشعب الإيراني المستيقظ تواً من كابوس الدكتاتورية الشاهنشاهية ولم تثقفهُ حركاتُ نضال ديمقراطي طويلة، وقياداتٌ ثاقبة البصر وقتذاك، فظنوا أنهم ثوريون!
معاداة النضال التقدمي للشعوب راحت تتكشف، وهي تبدأ من عجز القوى السياسية الداخلية الإيرانية عن صنع نظام ديمقراطي يوآخي الشعوبَ الإيرانية، ويقدم لها فرص عيش مشتركة، فكرسوا الصيغَ الشموليةَ السياسية والمذهبية والاقتصادية التي منعتْ الشعبَ من التنوع الديمقراطي والحريات والتوحد الوطني.
لقد وقعوا في تناقضاتٍ حادةٍ بين أيديولوجيةٍ رجعية وإدعاءاتٍ ثورية زائفة، وقد قاموا بنشرِ هذه الشعارات ومضامينها المتوارية على البسطاء في الدول الأخرى مستغلين مظلة المذهب الذي تمت السيطرة على مفاتيحه السياسية التنظيمية وأُخرسَ من يتمرد أو يجتهد خارج هذه الدكتاتورية المتصاعدة التي تحولت جيشاً من العسكر والمخبرين.
في الربيع العربي من الثورات وجدوا التاريخَ يصفعُهم على وجوهِهم السياسية. إحتاروا وأيدوا ثم غضبوا، ثم إرتعبوا!
ما أقاموه من حركات وجماعات لم تحرك حجراً واحداً في المباني السياسية على كثرة الضجيج وضخامة الخسائر.
والحركات العربية تقوم بخلق أساطير من الثورات أمام عيونهم الكليلة النظر، الجامدة البصر والبصيرة. الملايين تغيرُ نسيجَ التاريخ، وتبدأُ بصنع مجتمعات مختلفة فيها بداية ديمقراطية تعددية وهم يتقلبون على الجمر الشعبي الذي يتصاعد لسعه تحت مقاعدهم المهترئة.
الثوراتُ العربيةُ تزحفُ نحوهم. وتدخلُ واسطةَ العقدِ السورية، فإذا رعبهم قد وصل لحد الحناجر المختنقة، فكيف تحول سيفُ الحسين لمدفع بشار الأسد الذي يدكُ منازلَ المساكين؟ ولماذا ظهر الشمرُ يحكمُ دمشق مرسلاً كتائبَ الموتِ لبيوت المسلمين والمسيحيين؟ ألا يوجد عاقلٌ واحدٌ في بيت الصقر الإيراني يقرأُ التاريخَ بعيونٍ مفتوحة؟
هتلر الإيراني يمشي بعبوس في قصره، غاضباً من مجرى التاريخ المعاكس، ويتساءلُ عن(الثورات الحقيقية) ودورها الخلاق!
الثورةُ في العراق التي لم تكن حتى هبة هواء صحية تحولتْ لحكم طائفي محاصصي لجماعات من اللصوص السياسيين الطائفيين.
الثورة في لبنان واصلت الحكم الطائفي وصار سلاحُ المقاومةِ سلاحَ القهر والتخويف من أي نمو ديمقراطي وأصحابه مرعوبون من توحد الشعب اللبناني وثورته.
في البحرين لم يستطع المحافظون الطائفيون أن يخلقوا بوصةَ تقدمٍ نضاليةٍ ديمقراطية واحدة.
وفي كل مكان يحدث تمزيق للبلدان والشعوب وتتفاقم الصراعاتُ الطائفيةُ ويتدهور التاريخ الديمقراطي التنويري السابق بفضل (ثوراتهم)!
يقول المبعوثُ البوليسي لهتلر الإيراني: يا سيدي فشلت المزروعاتُ الإصطناعيةُ وأملنا فقط في القنبلة النووية توقفُ الزحفَ الديمقراطي على قلعتنا الحصينة لألف سنة قادمة من حكم الفوهرر الإيراني!
لا يريد المحافظون الطائفيون أن يعترفوا بالواقع البسيط فالشعوب تتقدم وتتحد حين تقارب النموذجَ الديمقراطي، حيث المواطنة وصندوق الانتخاب وفصل الدين عن السياسة، وجعل المال العام للعامة وأن يعود السادة الدينيون لدور العبادة والدرس والبحث الفقهي الرصين.
لا تنفعُ المضامين المحافظة في إنتاج تقدم ولا يمكن لمن هو فاقد الشيء الديمقراطي أن يعطي كفاحاً، ولا يمكن لمن يحبس الطبقات الشعبية والنساء والثقافة الحرة أن يفجرَ ثورات!
المشكلةُ في المركزِ الإيراني ولا تستطيع النسخُ في البلدان العربية أن تتحرر، ودون إنتاج ثورة ديمقراطية في إيران تقطعُ مع تاريخ الدكتاتورية، لن تجدَ العرائسُ أن خيوطَها تتقطعُ وأن بإمكانها حينئذٍ أن تعودَ لواقعها العربي وتتخذ الأردية الوطنية والروح الوطنية من بلدانها!
≣ غيابُ هزيمةِ يونيو من الذاكرةِ الإيرانية
كم تؤدي الضرباتُ الإسرائيلية والغربية الغادرة الوحشية إلى الكثير من المآسي والتغييرات التاريخية الموجعة، لكن الأنظمة القومية والدينية الشمولية لا تتعلمان ان من كل هذه الكوارث.
يجرى الاعتماد على الانتفاخات الجماهيرية الصارخة والاستعراضات ولغة اللاعقل التي تقارب الهوس الجماعي، ويتم إبعاد أي قراءات تحليلية للواقع الحقيقي، ولا تجرى استجوابات للمسئولين عن الاستعدادات والظروف العسكرية وأوضاع الجبهات ومستويات الجنود القرويين الذين يجلبونهم من مزراعهم وحقولهم الجائعة للزرع والبذور والمعرفة ليتاجروا بالنفط في الموانئ، ومن دون اعتراف بآراء الشعب في السياسات العامة والعسكرية.
العسكرُ يقررون كلَ شيء، ويقولون إنهم سينتصرون وإنهم أقوياء وسوف يهزمون العدو ويمسحون به الأرض، بل سوف يزيلونه عن وجه الخريطة الأرضية!
لكنهم لا يعترفون بالحوار بين الشعب والجيش، ولا يسألون الناس عن رأيهم في هذه النفقات المالية الخرافية، وهل يريدون كل هذه القنابل النووية والتجارب الخطرة؟ وهل يقبلون بكل هذه النفقات والأعداد الهائلة من البسطاء الريفيين الذين يدفعونهم للجبهات وهم لا يعرفون الخرائط والبوصلة وأين تقع الأقمار الصناعية وكيف ستنزل على رؤوسهم القنابل؟
هو ذات الموقف حين كان العربُ يصرخون من أجل مساعدةِ سوريا العسكرية المراهقة ويتم إنزال الجيش المصري في سيناء وتُغلق مضائق تيران وترعدُ الإذاعاتُ العربية مهددة تل أبيب بهزيمة ساحقة ماحقة، وتنام الطائرات العربية على الأرض لتكنسها قواتُ الغزو والعدوان وتغدو مثل طائرات خشبية لا تطلق قذيفة واحدة.
لا أحدَ يسألُ الشعوبَ ثم يتركونها وهم يلوذون بالفرار!
لا أحد يتحدث في إيران سوى بضعة مسئولين والشعب مغلق الأفواه، وهؤلاء المسئولون فاقوا النظام المصري في هزيمة يونيو وهم يتحدثون عن قواهم الجبارة وعن قوى غيبية مستعدة لمواجهة الصواريخ العابرة القارات، والطائرات المتطورة، ويضعون على الأرض هؤلاء الفلاحين ويختبئون هم وامتيازاتهم في المغارات.
الدفاع عن الوطن ضرورة مصيرية في كل الظروف ولكن في ظل الديمقراطية يصعد وينتصر، والدفاع عنه في ظل الدكتاتورية يصير مغامرات به وبالناس وهزائم رهيبة.
شعبٌ مغلقُ الأفواه محاصرٌ في حياته ورزقه لا يستطيع أن يقاتل بجدارة.
الأجهزةُ العسكريةُ الضخمة تتحولُ إلى كوماتِ من الحديد في ظل غياب الروح المعنوية النضالية الحماسية، فكيف يقاتل الناس وهم يُضربون من ورائهم؟
السنياريوهات العدوانية تشتغلُ وتحاورُ وتعرضُ الآراء المختلفة للمذبحة المُعدة للإيرانيين والإسرائيليون في البيوت والمقاهي والمسالخ يناقشون الطرقَ الجيدةَ الدقيقة للإبادة والمعنيون بالقتل راقدون؟! أو يتفرجون على كيفية اقتحام بلدهم وإزالة تعبهم وعرقهم وأموالهم الهائلة التي سُرقت منهم ووضعت على هيئات مختبرات ومفاعلات أسطورية من أجل المجد القومي المنتفخ بعظمته! ثم سوف تنشرُ هذه الكائناتُ الخرافيةُ الحقيقية بركتها الكيميائية على شعوب المنطقة!
حين لا يبالي الشعب بضرب بلاده وهزيمة وطنه ويشمت في طبقته الحاكمة التي أذلته في شوارع مدنه بالضرب، حينئذ لن يرتفع العلم الوطني بشموخ، ولا أن يُعزفُ النشيدُ الوطني بحب عارم ودع عنك مقاومة العدو المتسلل بخفاء شديد!
والأخطر الرهيب أن يغدو الجلادُ المجرم القادم من الخارج بتقنيته المتقدمة مفيداً لأنه يضرب الكابوس الحكومي!
نعم سيخرج المستفيدون والمنظمون ويطلقون الانفجارات المدوية في الشوارع ولكن حينئذٍ تكون الكارثة قد حَلت أو مرتْ، ويتكشف البناء العملاق عن خراب وعملاق من ورق يحترق في زمن وامض مخيف وصادم!
وحينئذٍ لا تنفع المناقشات الطويلة الصاخبة عن الهزيمة وأسبابها، وكيف جاء العدو؟ ولماذا كنا معزولين عن العالم؟ ولماذا (دويلة) حقيرة تنتشي بالانتصار؟ وأسئلة بليدة مثل أين كان الشعب؟ ولماذا هرب المسئولون؟ ولماذا هذه النجوم تظلل أكتاف كبار الضباط الذين لم يقاتلوا؟ وكيف تحولت دباباتنا وصواريخنا إلى خردة وحطام؟ وأين كان المثقفون الصادقون لينتقدوا كل ذلك؟
بعد أن تقع الوقائع الكارثية يتنادى الناس للفهم والمشاركة ولكن في ذلك الوقت يكونُ الوقت قد فات.
لهم الآن فقط أن يتساءلوا ويقفوا ويتظاهروا ضد (جرجرتهم) لحافةِ الهاوية، وليس بعد ذلك حين يبحثون عن أقربائهم المفقودين فلا يجدونهم وينقبون عن وطنهم المستباح!
≣ تصاعدُ اللاعقلانية في إيران المعاصرة
مَثّلت الإثناعشرية شكلاً فقهياً سياسياً سلمياً للشعوب في فارس. فقد تحكمتْ الزيديةُ والإسماعيليةُ في التاريخِ الديني لقرونٍ بعد الفتح العربي، وكانتا تكرسان العنفَ وترفضان الحلولَ السلمية للتطور السياسي والأخيرةُ منهما ترسلُ الخناجرَ المسمومة لحكامٍ يختلفون معها. ولهذا إنتصرتْ الإثناعشريةُ عليهما وذابتْ أفكارُ العنفِ السياسية الحادة الكبرى، ولم تكن التقيةُ وإنتشارُ الصوفية في إيران إلا أشكالا أخرى لرفض الصراعات الدموية وتفجير الخلافات السياسية ومن أجل الاهتمامِ بجمال الطبيعة وتكريم الإنسان وتقدير حياته.
وبين الصوفيين أمثال سعدي الشيرازي و(الرومانسيين) كعمر الخيام الهائمين العاملين في عالم الأخوة والمحبة، وبين عالم تكريس إيران الراهنة لأغلب إقتصادها للعسكر والاستعداد للحروب هوةٌ هائلة، فكيف إنزلقت إيران لمثل هذا العالم المناقض لثقافتها وتاريخها؟ ما الذي قذفها من كلمات سعدي مثل(إني أحرقتُ نفسي كالعودِ في نار الفكر لكي يفوحُ نشري في العالم) إلى أن تصنعَ الخرافة لتنفيذ الغزو؟
فكرةُ ولاية الفقيه هي ذروةٌ لتطورٍ يعودُ للوراء عن تلك التوجهات، فقد قام فلاسفةٌ ومفكرون بزرع بذور الانغلاق القومي وكراهية الحداثة ونتائجها الموضوعية.
وبخلاف الثقافة العربية وظهور منورين عديدين ربطوا الثقافة العربية بالاتجاهات الديمقراطية الغربية، تصاعدتْ أفكارُ المنغلقين وأصواتُ أعداء الثقافة الديمقراطية الغربية الإنسانية في إيران، ولم تفندْ دعواتَ الفاشيةِ الغربية بل تغلغلتْ فيها وزرعتها في تربةِ الكراهية، وقد كان أحمد فرديد (1914-1984) من أوائل من عبر عن رفضهِ للثقافة الغربية العقلانية والنزعات المادية متوجهاً للنزعة الوجودية اللاعقلانية لدى مارتن هيدجر أحد مفكري النازية ومروجاً لها. وشغلتْ أفكارُ هيدجر مكاناً مركزياً في وعي النخب الدينية و(التحديثية) بإعتبارها ذات (آثار تدميرية خارج محيطها الخاص)، وأن(الغربيين أضاعوا الله وإستبدلوه بإلهٍ آخر هو النفس المادية).
يحول فرديد مفهومَ الإلهِ إلى مصطلحٍ مركزي شرقي عرفاني، ويرفضُ إنتشارَ الحداثة والصناعة الغربيتان، ويلوذ به إلى غابة الأسرار الشرقية، وعالم الأرواح، فكلما تقدم العلمُ هرب هذا المصطلح الإيماني المقدس حسب رأي فرديد، وتدهورت الحياة الشرقية، وبهذا فقد وقفَ فرديد مع نظام الشاه في محافظته ومع النظام الديني في هيمنة المصطلح الغيبي عليه، تعبيراً عن تحويلِ مصطلحِ الإلهِ إلى دولةٍ غيبية لا تقبلُ الديمقراطيةَ والحداثة وتكرسُ الطقوسَ القديمة في إستلاب لوعي الشعب.
تحولت أفكارُ فرديد الشفاهية غير المدونة هذه إلى مادةٍ أساسية لدى المحافظين يبثونها في الحياة والمناهج الدراسية وغدا فيلسوف النازية الألماني هيدجر وكذلك نيتشه المؤسس الأول لهذه الرؤية من المؤثرين الكبار في وعي النخبة الإيرانية ذات النزعة الفاشية.
عبرت أفكارُ فرديد عن مخاوف الإقطاع الريفي خاصة من تنامي الحداثة، وزادت الثورةُ البيضاء الفاشلة من معاناة الريف وتغلغل الرأسمالية بدون تطور عميق وطني إصلاحي، ومع غياب الطبقة الوسطى الحاضنة للحداثة، ولهذا فإن المفكرين وبعض الأدباء ينقلبون كجلال آل أحمد وبدلاً من تشجيع الحداثة يتحول إلى عدو لدود لها:
(إن خطاب جلال آل أحمد حيال (المكننة)، وأثرها التغريبي في الشرق، ودورها في استئصال صورة الحياة التقليدية، وتدنيسها طهرانية عالمنا، ظل هذا الخطاب محكوما بعقدة(المكننة)في غير واحد من كتاباته الأخرى، لاسيما كتابه الأثير، الذي نقد فيه النخبة، ووسمَ مواقفَهم بالخيانة، حسبما يشير عنوانه (المستنيرون: خدمات وخيانات). عن مقالة (مفهوم التحيز والتمركز في الفكر الديني الإيراني المعاصر لعبدالجبار الرفاعي).
يُجري جلال تعميماً لثقافة الغرب فهي كلها شر، بدلاً من رؤية الفارق بين التوجهات الديمقراطية والتوجهات الاستغلالية المتدخلة في مصائر الشعوب، فكيف يمكن مساواة الإنجازات الإنسانية في حقولِ المعرفة والطب والثقافة والاقتصاد والتقنيات، وبين الأساطيل التي تدكُ البلدانَ ومنظمات التجسس؟
وقد إشتغل جلال آل أحمد عقدي الخمسينيات والستينيات خاصة في القصة والكتابة الفكرية محارباً الحداثة، عائداً للغيبيات الأسطورية غير الفاعلة تحويلاً للواقع، وقد رأينا في مقالةٍ سابقة مجموعة من الكتاب يسممون الوعي الإيراني بخلايا الفاشية(راجع الثقافة الإيرانية من الآرية للطائفية).
وقد أدان الباحثُ الإيراني سيد حسين نصر(1933-)، (تفشي النزعة الإنسانية منذ عصر النهضة) و(أنها تنحاز للعلوم والمعارف غير الدينية باعتبارها تمثل السعادة الاجتماعية في هذا العالم)، ورفض كافة العلماء والمخترعين الذين أسسوا العالم الصناعي الحديث والثقافة الديمقراطية طالباً العودة للإشراق والعالم الروحي الشرقي المفارق للواقع.
عبرت هذه الآراء عن إنشاء ثقافة معادية للديمقراطية، ولتشكيل عامة متخلفة مُقادة متعصبة، وللإبقاء على الشعب دون تغلغل الأفكار التحديثية وتمزيقه لشبكة التخلف ومصائد الخرافات، وحضّرت للدكتاتورية السياسية الدينية المتداخلة المسماة ولاية الفقيه.
ولهذا رأينا النخبةَ الإيرانية الحاكمة في السنوات الأخيرة تنقسمُ بين مؤيدين محافظين لأفكار هيدجر النازية، وبين معارضيها، لكن من خلال ليبرالية محدودة كما هي لدى رفسنجاني وخاتمي، فلم يتم إستئصال الفكر النازي عبر مادية تاريخية ناقدة ولم يتم إصلاح العلاقات الإقطاعية في الزراعة وفي الأحوال الشخصية والثقافة بل كُرست وقننت.
≣ الثقافة الإيرانية من الطائفية إلى الفاشية
هُزمت الثقافة الليبرالية المحدودة التي بثها كبارُ المثقفين والكتاب أمثال صادق عنايت وعلي شريعتي وجلال آل أحمد، بسبب تعاون جهاتٌ كثيرة على ضرب ثقافة الديمقراطية والتعددية والعلمانية، فكما قلنا ساهم بذلك جهاتٌ متعددة متناقضة المصالح من الشاه والاستخبارات الأمريكية وحزب توده والمجاهدين ورجال الدين بطبيعة الحال، مثلما تم تصعيد المؤسسات العبادية للجماهير البسيطة والتي لا تدري المسار التاريخي المعقد، وهي مسلوبةُ الوعي عبر خطاباتِ الشحن الديني الغامضة الأهداف والتي تستعينُ بما هو مقدس من أجل السيطرة على هذه الجماهير ودفعها للعداء ضد مصالحها وتطورها الديمقراطي.
وحين سيطر رجالُ الدين المحافظين على السلطة أخذ المضمونُ الاجتماعي العميق بالبروز، وساهمت عملياتُ الهجوم العسكرية العراقية على تصعيد القوى العسكرية بشكل خاص، مثلما أن رأسمالية الدولة تصاعدت بفضلِ موسوي المعارض اللاحق.
صعود مؤسسات الدولة الشمولية كان يناقض سياسات رجال الدين وتحالفهم السابق مع التجار(البازار)، وهو التحالفُ التاريخي الذي قضى على الشاه في دكتاتوريته غير الداعمة لليبرالية والديمقراطية.
لم يشعر التجار والقوى الليبرالية المحدودة ولا اليسار بطبيعة الدكتاتورية المتصاعدة، فثمة بعض الأنفاس الليبرالية حتى داخل السلطة الدينية.
تاريخُ التجارةِ الحرة طويلٌ في إيران، والبازار مؤسسةٌ أساسية، لكن هذا البازار هو ديني طائفي غير منتج لثقافة الحريات والموجات التحديثية العميقة، ويدعم بقوة الأسس الدينية الطائفية، فبعد ومضة الليبرالية والثورة المشروطية في أوائل القرن العشرين، جاءت دكتاتورية الشاهين الأب والابن لتجعله في حضن دكتاتورية رجال الدين.
وها هي الآن دكتاتوريةُ رجالِ الدين تتصاعد، ويشكلون حكماً محافظاً عنيفاً، يقمعُ بقسوة سكانَ القوميات غير الفارسية وخاصة العرب الشيعة في المحمرة والأكراد، ويتم سحل هاتين القوميتين في بداية (الثورة) بعد أن شاركوا بنشاط لإسقاط الشاه!
كما بدأت الدكتاتورية تزحف نحو سكان المدن وتقضي على التنظيمات اليسارية وتهدم الأشكال االليبرالية والتحديثية لزمن الشاه، خاصة تحرر النساء النسبي، والحريات الشخصية، وهو ما أدى إلى هجرة مئات الآلاف من الفئات الوسطى للغرب.
ظهور نماذج لليبرالية الدينية داخل السلطة القامعة المحافظة شكل أحداثاً مثيرة، كرئاسة رفسنجاني ثم خاتمي، ولم تكن هذه الليبرالية ذات أهمية كبيرة، لكنها جعلت المجتمع الإيراني العريق في تحرره الشخصي يستعيدُ بعض الحياة. لكن لا رفسنجاني ولا خاتمي إستطاعا أن يفعلا شيئاً ديمقراطياً مؤثراً.
وتعود أسبابُ عجز هذه الليبرالية عن الحراك داخل مجتمع القمع الديني أن الثقافة الليبرالية المطروحة محدودة سطحية ولا تصل لجذور الدكتاتورية عبر سيطرة المذهبية المحافظة، فهي تطرح بعض الحريات التجارية والثقافية ولا تصل لأحداث تحولي ديمقراطي في الريف وفي وضع النساء وحرية الفكر ولوقف رأسمالية الدولة المسيطرة على أغلب الاقتصاد لصالح نخبة سياسية عسكرية بدأت تلغي دور التجار السايسي الاقتصادي بشكل كلي.
هكذا فإن سطحية ليبرالية رفسنجاني وخاتمي وتصعيد الدلكتاتورية الاقتصادية عبر القطاع العام من قبل موسوي، ودفع الأخير كرئيسٍ للوزراء وقتذاك لدور الحرس الثوري، كل هذه الظروف أدت لبروز الدكتاتورية العسكرية الفاشية الراهنة.
ومحدودية الليبرالية وشمولية ما يُسمى بالإسلاميين وضعتْ الثروةَ الإيرانية والسلطة بأيدي مغامرين ريفيين ظهروا من فقر القرى وأستولوا على مناجم النفط وعضوا عليها بمخالبهم وأسلحتهم.
جاءتْ رئاسةُ أحمدي نجاد سنة 2005، كتتويج لهذا المسار المتصاعد للدكتاتورية العسكرية، فكان 21 من وزرائهِ ضباطاً في الحرس. وأخذ هذا الحرسُ يبلع الاقتصاد الإيراني العام في جوفه النهم، فشركاته تسيطر على 53% من الواردات، و35% من الصادرات، ولديه 500 شركة في كافة أنحاء العالم، ويسيطر على البرنامج النووي الإيراني والصناعات العسكرية المتطورة، ويمتلك 60 مرفاً بحرياً خاصاً به، والعدد العام لقواته غير محدد تماماً والأرقام متضاربة بين 150 ألفاً إلى 350 ألفاً، وحين حدثت الصفقة لتقاسم القطاع العام الإيراني حيث حدد المرشد خامئني عملية تصعيد الحرس كقوة دكتاتورية بديلة عن خطر تصاعد دور التجار والليبراليين المنهك أصلاً، حدد 80% من القطاع العام للخصخصة كان نصيب الحرس كبيراً فيها. وغدت أعمال الحرس الاقتصادية العسكرية كلها خاضعة للمرشد وأعماله السرية.
هذا كله سوف يؤدي لانقلاب في الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية وفي تصاعد التغلغل في البلدان المجاورة.
كان التجار (البازار) يمثلون إمكانية لإنتاج وعي ديمقراطي تحديثي لولا تحالفهم مع رجال الدينيين المحافظين، وحين سحقتهم آلةُ الحرسِ الثوري وبلعتْ أغلبَ الملكيات الاقتصادية الكبيرة في جوفها، ظهرَ الصراعُ السياسي بين (الإصلاحيين) وجماعة أحمدي نجاد.
مثّلَ الإصلاحيون إمكانيات الليبرالية الواعدة التي إنزلقت في الوعي الديني المحافظ، وهو يمثل جذور الإقطاع ذي التاريخ الطويل، فحُوصرت وهزمت، لكن ما هي الأسباب التي دعتْ جماهير الشعب الإيراني الواسعة بعدم النزول والاصطفاف مع هؤلاء (الإصلاحيين)؟
عبر ممارسة عقدين من السنين تكشفَ للشعب الإيراني معدنَ الشعارات الدينية، لقد ظنوها هي الخلاص فإذا بها تكون الزنزانة الكبرى التي لم يشهدوا لها مثيلاً في العصر الحديث، فهي تمثل قمعاً تغلغل في كل مكان، في أفراحهم العادية وفي ثيابهم، وفي متعهم البسيطة، وفي تشوقهم للإعلام الخارجي، والإطلاع على الثقافة الخارجية، ودعْ عنك إنشاء الأحزاب وحرية الصحافة، إضافةً لعسرِ الحياة الاقتصادية وتوجه الدولة لالتهام أغلبية الميزانية للدفاع وقوى الحرس.
مثل زمنا رفسنجاني وخاتمي تلك اللحظات من الليبرالية المحدودة في زمن الشمولية الدينية، وظنت هذه الرؤية الشاحبة لليبرالية أنها قادرة على تجاوز القمع وظهور عهد جديد، لكن مشاركتها للدكتاتورية الدينية في الأسس الفكرية السياسية العامة، كولاية الفقيه والوعي الديني المحافظ حيث غياب الركائز الأساسية للديمقراطية العلمانية، لم تجعلها قادرة على فعل أي شيء، بل تردت الأوضاع بعد هزيمتها وطردها من السلطة السياسية ثم من مواقعها في مجلس الخبراء ومنابر الجمعة، فكان صعود الحرس كفئة جديدة من الطبقة الحاكمة الإستغلالية قد أزاح التحالف التقليدي بين البازار ورجال الدين، وجاء عصرُ الضباط الكبار أصحاب الملايين والذي لم يكونوا قبل قليل سوى ضباط برواتب لا تزيد عن مائتي دولار في الشهر.
الأجهزة العسكرية والاستخباراتية بدأت هي التي تدير الحياة السياسية، وقامت بكنس الإيديولوجية الليبرالية الطفيفة المكياجية للنظام، وجاءت بأحمدي نجاد واجهةً لها.
الشعب لم ينزل لتأييد الإصلاحيين الذين واصلوا دعمَ النظام الديني الشمولي وهو يطردهم شر طردة من مواقعهم، وكانت آلةُ القمع تتواصل في ضربها لموجات التنوير والليبرالية التي نتجت عن بعض الحريات.
حُكمَ على المخرج جعفر بناهي بالسجن لمدة ست سنوات بسبب إخراجه لفيلم يصور الاحتجاجات على إعادة إنتخاب أحمدي نجاد.
معروف عن جعفر بناهي (50) سنة نظرته الليبرالية الناقدة لممارسات رجال الدين والتسلط على الحياة والثقافة.
لكن جعفر أضرب عن الطعام وكان معه حشد من المثقفين وقد أُفرج عنه وأرغم على دفع كفالة بمبلغ 200 ألف دولار!
هذا حدث بسيط لكنه يظهر كيفية تصاعد القمع حتى ضد الأفلام.
في سنة 1996 وجد الناشط فرح ساركوهي مقتولاً بعد إعتقاله.
وأُعدم في ذات السنة 1996، 110 من السياسيين المعارضين في بداية العام، وفي نهايته أُعدم137 معارضاً آخرين.
هذه عينة بسيطة من تتالي سنوات الرئيس أحمدي نجاد وتصاعد الفاشية في عهده.
بهذا الشكل فإن الشعب الإيراني المكون من قوميات عدة لم ينزل لشارع الإصلاحيين المتذبذب. لقد تراجعتْ القومياتُ غيرُ الفارسية عن دعم أي نظام ديني في المركز، فيما يواصل الشعبُ الفارسي البحث عن بديل.
لم يطرح الإصلاحيون شعار (الشعب يريد إزالة ولاية الفقيه)، وإقامة نظام ديمقراطي حر. كانوا مترددين؛ قدم مع الشعب وقدم مع النظام الديني.
إن الشعب الفارسي في بحثه عن بديل ديمقراطي يواجه عدة قرون من تبنيه المذهبية الشيعية كتعبيرٍ عن قوميته، بشكل سلمي متسامح، فقد كان هو الذي يواجه إختراقات الشعوب الأخرى لأراضيه، لكن الدولة العسكرية المذهبية القومية راحت تتصاعد من زمنية الدولة الصفوية مروراً بالدولة البلهوية وأخيراً تتوجتْ بدولةِ الحرس الثوري الفاشي.
لقد تورط في رفعه لهذه الدولة الدينية العسكرية، التي إستغلت الهيمنة الأمريكية السابقة والتوغل العراقي في أراضيها، لتطلق حملةً قومية تعبوية هائلة، كان الحفاة يسيرون فيها على الألغام، في حين يواجهون أي رجل دين في الشارع بالضرب الآن.
لكن الآلة القومية الدينية ضخمة بقواها العسكرية ومن منظماتها الدينية الاجتماعية التي تعبئ المتخلفين والمتحمسين وتجذبهم من أعماق الريف وتُلقي بهم في المدن، والقوى اليسارية والليبرالية مسحوقة وهي التي قامت بتصعيد هذه الآلة. فيكف بمقدروها أن تحشد الجماهير وتدعوهم للثورة وهي التي صنعتهم؟
كان صعود الحرس الثوري الإيراني للسلطة هو تتويج لانهيار التيارات اليسارية والليبرالية والدينية العقلانية.
الهتلرية التي كانت بذرةً صغيرة في العهد الآري البهلوي غدت شجرةً ذات أغصان نارية وأسلحة هائلة.
ولم تستطع الثقافة القومية المتعصبة ولا المذهبية أن تخلقاً رموزاً عميقة تغري المثقفين وتجعلهم ينتجون إبداعاً متضافراً معها، بل غذتْ الدكتاتوريةُ الدينيةُ نزعاتَ الرفضِ والبحثَ عن الديمقراطية وتنامي التوجهات التحررية في الأسر الداخلي وفي المهجر.
نرى ذلك في تبدل النتاج الثقافي وعزوفه عن اللغة الدينية وإتساع السينما الواقعية الناقدة والمعبرة من خلال المشاهد و الحكايات الواقعية الإنسانية.
لم تملك الثقافة الإيرانية الشمولية نفس الزخم الذي شكلته الثقافة الألمانية الفاشية عبر نيتشه وغيره من رموز اللاعقلانية، فلم تجد سوى المذهب والاعتماد على قصصه ورموزه وتنحيتها عن مسارها السلمي وتوجيهها نحو اللاعقلانية والدعوة للحروب والكراهية للبشر.
محاولاتُ الرئيسِ الإيراني التشبه بهتلر نجدُهَا في النفخ القومي المذهبي وإعلاء التعصب والكراهية، رغبةً في الحصول على(المجال الحيوي) والمجال الحيوي يتجه نحو الخليج والجزيرة العربية بشكل خاص، حيث النفط وحيث ركائز من قوى مذهبية مماثلة يمكن إستخدامها في نمو المشروع، وحيث ثقافة كراهية العرب ستجد لها تأييداً.
مماثلة الفرس للألمان نجد تفسيرها في تأخر نمو الأمتين ومحاصرتهما من قبل القوميات والإمبراطوريات الأخرى، وتحويل هذا إلى عصاب سياسي وإستثارة الروح المذهبية القومية وتنمية المشروع العسكري بلا توقف.
مع غياب دور المثقفين الإيرانيين الرمزيين الكبار ومحاصرة مشروع العسكر الفاشي للتمدد، غدت الموادُ الأسطورية من المذهب هي المادة الأساسية والوحيدة لاستثارة غرائز الدهماء وإستغلالهم للحروب.
في فيلم (ظهور إمام الزمان أصبحَ وشيكاً) الإيراني مادة لهذه الثقافة التحريضية المعدة لغسل الأدمغة وتوجيهها للعدوان، يقول أحد الكتاب:
(السيد الخراساني سيثور على الفساد وأن السيد الخراساني يملكُ جيشاً كبيراً يقودهُ شخصٌ يدعى “شعيب” سيهاجمُ أرضاً تُسمى بأراضي (السفيانيين) بانتصار هذا الجيش على جيوش السفياني وفتح بلادهم سيمهدون أرضاً مناسبة لظهور إمام الزمان)، نجاح محمد علي.
من الواضح في مادة الفيلم خلق الثنائية بين الخراساني وبين السفياني، والتي تستعيدُ تاريخاً مؤدلجاً نزاعياً مطلقاً بين العرب والفرس ومن منظور التعصب القومي، لكن عرضه تم بشكل طبقي سياسي مضلل، وعبر إستعادة معارك تاريخية ودمجها بالتاريخ الراهن للعمل على تغيير خريطة المنطقة عبر الدهماء الشوفينية وعبر الأساطير.
يعطينا هذا الفيلم الذي عُرض بشكلٍ جماهيري واسع في كل مدن إيران وبشكل مجاني، السيناريو الذي يشتغل عليه الحرسُ الثوري، بخلقِ حالةٍ جماهيرية عسكرية عدوانية، شبيهة بطريقة هتلر في الدعاية وتحريض الجمهور، وقد قال مخرجُ الفيلم إنه إعتمدَ على كتاب ديني للشيخ اللبناني علي كوراني في هذا، ولكن الشيخ رفض ذلك، كما إستنكر الفيلمَ العديدُ من رجال الدين الإيرانيين. وقد مُول الفيلم وغذاه رحيم مشائي رئيس مكتب الرئيس الإيراني.
وقد أخذ إستثمار صورة المهدي المنتظر يتسع لدى النخبة الحاكمة، وإشتغل عليها الرئيسُ أحمدي نجاد شخصياً، بحيث حولَها إلى مادةٍ مهيجة غيرِ عقلانية، وغدا متصلاً بالمهدي مباشرة، بدون الرجوع للمرشد الأعلى، مما يعبرُ عن بدء إنفصال سلطة الحرس الثوري عن السلطة السياسية الدينية المحافظة العتيقة، حيث غدت كتل الدينيين تعرقل النمو المتزايد للعسكريين الكبار، وسوف نشهد لاحقاً تمركزاً للسلطة بشكل أكبر، بحيث أنها تغدو العدو الرئيسي للشعب والعالم، اللذين ينتظران ثورةً من الجمهور أو نزاعاً يضع حداً لهذا التنامي الخطر في سلطة عسكرية مغالية ومتحدية للسلام والديمقراطية وحقوق الشعب الإيراني في الوجود والعيش المعقول.
وتستثير القوى العسكريةُ الشعبَ الإيراني لكراهية دول الجزيرة العربية وإستغلال ذلك العداء القومي الكامن للعرب الذي لم يُنقد ولم يتم تجاوزه، والذي يُدمج بمسائل (الاضطهاد والثورة) و(تحرير) الأماكن المقدسة في مكة والمدينة، وقد عبر حتى رفسنجاني(المعتدل) في جريدة إطلاعات في 14-12- 1987 عن تأييده لتحرير وإنقاذ هذه الأماكن المقدسة من(دنس البداوة!).
≣ صراعُ الأمتين العربية والفارسية ضد الدكتاتورية
ثوراتُ الجمهور العربي إذ تبين إنه صانع التاريخ، تتكشفُ عن صعود الأمة العربية عبر دولها ومستوياتها المتعددة، مثل كهرباء التغيير الحر سرت في أجسام موصلة متقاربة.
الإرادةُ هنا قومية، وليست مذهبية، فأي مذهب ديني أو فكري يؤيد الوطنية والعروبة يكون جزءً من تيار تجديد الأمة العربية ثورةً في أجزاء وتحولات سياسية في أجزاء.
إن الوطنية والعروبة جزأين متداخلين، ولهذا فإن التحولات السياسية في مصر وتونس وليبيا وسوريا وجدت أغلبية شعبية ساحقة.
إن المسيحيين والأمازيغ وغيرهم من الأثنيات المختلفين عن الإسلام أو عن العرب كهوية قومية شاركوا في هذه التحولات، ولم يعترضوا على الهوية الجديدة الصاعدة، أي المشاركة في مجتمع ديمقراطي عربي متعدد الأفكار.
ثمة قوى سياسية مذهبية لم تفهم طبيعة الحراك العربي، وأنتشت بأشكاله الخارجية ولم تفهم عمقه كتحولاتٍ نحو دولة المواطنة والحداثة وفصل المذهب عن الدولة.
هنا يتحول الصراع بين القومية العربية والقومية الفارسية إلى صراع مذهبي للأسف، لقد حدث تصادم بين كوكبين قوميين مختلفين في مساريهما على الفضاء في المنطقة.
إن الدولة الفارسية عبر الخيار المذهبي توجهت للمحافظة ووقف نمو الديمقراطية داخل الشعب الفارسي والشعوب الإيرانية الأخرى.
حدث هذا بسبب المسار الشمولي الذي طُرحَ خلال عقدي الخمسينيات والستينيات وما بعدهما، وهو الخيار المتوجه ضد الغرب كأستعمار ولكنه واصل صراعه ضد الغرب كحداثةٍ وديمقراطية وعلمانية.
هنا لعبت الأفكارُ الجوهرية حول الذات الدينية القومية الفارسية وأساطيرها المستعادة دورها في شلِ فاعليةِ القوى السياسية من قومية وشيوعية وتخدير وعيها ضد هذا الخيار الحارق.
لقد وجدتْ فيه صراعاً ضد الغرب بشكلٍ مطلقٍ وهو أمرٌ يعبرُ عن شمولية هذه القوى وتخلفها، حيث لا فرق بين(الشيوعي) الذي يضطهدُ زوجتَهُ والمذهبي المحافظ، لا فرق بين وعي تعطل بعدم فهم تضليل الاشتراكية الحكومية ورجل ديني يرفعُ شعارَ ولايةِ الفقيه والدولة الدينية، وهو مسارُ دكتاتوريةِ الريف على مدينة الحداثة وتعطيل نموها.
العاميان المُضَّللان الشيوعي الزائف والقروي يرفضان الديمقراطية في بيتهما، وفي عقليهما، يرفضان مجيء الحداثة والديمقراطية والمساواة بين النساء والرجال وفصل الدين عن الدولة، فقد غدت شعاراتُ الاشراكية مجرد دولة تسيطر على الأملاك العامة بدون أن تغير التربة المحافظة النخرة، ويغدو الحزب الثوري المزعوم ذكورياً أسطورياً، كما أن الرعبَ من تحرر المرأة يظلل الثوري الاشتراكي المعلب والطائفي الريفي الذي ملأ مدينة طهران، لكن الحداثة لا مفر منها، وهي تدخلُ البيوتَ وتحرر العقول لاحقاً.
لقد تعاونتْ سواطيرُ الشاه والمخابرات الأمريكية وجملُ حزبِ توده وشرائطُ الخميني، لإنتاجِ دولة دكتاتورية طائفية عسكرية، كلٌ من موقعه.
في حين أن مسارَ الأمةِ العربية مختلفٌ في دولها المركزية؛ مصر، وسوريا، وتونس، والمغرب وليبيا واليمن وغيرها، فقد كانت في حراك للتخلص من الأنظمة الدكتاتورية العسكرية، ومن هجمة الريف المحافظ على المدن، ومن تغلغل الشركات العابرة للقارات في عروقها.
إن التشويش في العراق حدث بسبب غياب صيغة التغيير الوطنية الحداثية العلمانية، فتغلغلت القوى الطائفية لفرملة مشروع الحداثة والديمقراطية، لتحيل العراق لقطائع جديدة لأمراء الإقطاع الطائفي، في حين جاءت الثوراتُ العربية أشكالاً من التوحيد والتحديث والديمقراطية.
غدا مسارُ الأمة العربية في أقطارها المركزية متوجهاً على النقيض من التوجه الفارسي الشمولي.
لكن هذا لا يمنع من وجود تداخل ومن وجهود لعرقلة التطور التوحيدي الديمقراطي وتأخير الحداثة والمساواة بين الأجناس والطبقات أمام القانون، فغدا المركز الإيراني مذعوراً من هذا التدفق العربي نحو الحداثة وفك الارتباط بالعصر الوسيط، فلا بد أن يستخدم أدواته ويخلط الأوراقَ، عبر تأجيج الصراعات وتحريك المسألة الإسرائيلية وتفجيرها، والحفاظ على الزنزانة السورية وهي تذبحُ شعبَها، ودعوة مثقفين مصريين وجماعات سياسية لطهران من أجل وقف تدفق الشعوب العربية نحو الديمقراطية الحديثة، وتصعيد الصراع الطائفي في البحرين والكويت، وغير ذلك من أدوات.
سوف يستغل المركزُ الإيراني عمليات التداخل والبلبلة وقصور الوعي الديمقراطي في التنظيمات الدينية والقومية واليسارية الاستعراضية خاصة، لوقفِ كرة النار الديمقراطية من الوصول إليه فهناك كذلك إحتدامٌ داخلي كانت له مظاهره الصاخبة، والآن يجري في الداخل ترابط أكبر بين القوى الليبرالية والتقدمية بعد تكشف الجوهر الطبقي لنظام رأسمالية الدولة الفارسية الطائفية والمحطة السورية التي وقفت فيها كرة النار طويلاً تغدو محطة أساسية لما بعدها.
≣ الثقافة الإيرانية من الآرية إلى الطائفية
إنزلقت الثقافةُ الإيرانيةُ من نموذجٍ قريب من الفاشية إلى الطائفية، وهما شكلان غريبان حادان من الثقافة.
كما أوضحنا في مقالة سابقة (أنظرْ إيران بين القومية والدين)، فإن التنويرَ الإيراني توجهَ للفاشيةِ بشكلٍ سريع وحادٍ عوضاً أن يتجذر وينشر أفكاراً ديمقراطية وسط الجمهور، ولا يلاحظ ذلك فحسب وسط عالم السياسة حيث النظام العسكري البلهوي المتجه لإقامةِ علاقاتٍ مع دولِ المحور، والذي هُوجم من قبل حملةٍ مشتركةٍ من قبل الاتحاد السوفيتي وبريطانيا، بل كذلك نراه في العديد من الكتاب المعروفين الذي إنحازوا لأشكال قومية شوفينية وآمنوا بالآرية ولوثوا العلاقات المشتركة بين الإيرانيين والعرب.
وفيما كانت تركيا في ذات الوقت تنزعُ نحو علمانية معينة لكنها قاربتْ الديمقراطية بشكل محدودٍ، رافضة أن تنزلق مرة أخرى للكيان الألماني في حروبه الكونية المدمرة، كانت إيران تشكلُ تجربةً غامضة في المشرق العربي الإسلامي.
علينا أن نقرأَ المسارَ الشمولي الحاد في إيران بشكلٍ عميقٍ من داخل التجربة الطويلةِ للشعب الفارسي الذي إنفرد بتجربة حضارية خصبة، لكنه بدأها عبر نزول القبائل الآرية التي وجدتْ نفسَها محاصرةً على الهضبة الإيرانية بين الشعوب والقبائل الأقل تطوراً وهي الشعوب التي أسملتْ ثم صارت سنيةً كذلك فيما بعد فبقي الحصارُ في الوثنية والإسلام، فأبتكر الشعبُ الفارسي الثنائية الدينية منذ بداية تكونه: وهي ثنائية الإله أو الشيطان، والتي أضافها للديانات عامة في المنطقة. هذه الثنائية تعكس واقعاً حاداً، وكذلك تركيزاً على الذات الخيرة الوحيدة، ولسان حاله التاريخي يقول (نحن نمثلُ الإلهَ وغيرنا يمثل الشيطان). إنها خلاصة تفكيره الغيبي اللاتاريخي ومحاولته المستمرة للتميز وعدم الذوبان في الآخر وبدا ذلك في رفضه للحضارات المتقدمة الغازية لدياره حينذاك وخاصة حضارة الإغريق، وزاد من إعتزازه بذاته إقامته لإمبراطورية كبيرة، لكن الإمبراطورية هزمها عربُ الجزيرةِ العربية، هؤلاء البدو البسطاء، ثم جعلوا دينهم الإسلام ديناً شعبياً فارسياً!
كان هذا يمثلُ جرحاً عميقاً في هذه الذات العليا الارستقراطية المسيطرة عبر القرون والتي روضت العامةَ في هذا الهياج القومي الديني، فكيف يهزمهم هؤلاء آكلو الحشرات مثلما سيقول بعضُ المثقفين الكبار الإيرانيين؟!
ومثلتْ سببياتُ إنتصارِ الإسلامِ العربي في الوعي الفارسي مشكلةً جوهرية، ولهذا فإن بدءَ الوعي القومي الديمقراطي في القرن التاسع عشر والذي حاول أن يقيمَ دولةً ديمقراطية لم ينجح، في حين تصاعد الوعي القومي المتعصب، وبرزت البهلويةُ العسكريةُ شكلاً سياسياً له. ورغم الحدة في الخيار المطلق الإيراني فإن أغلبَ الأشياء الثقافية الإيرانية هي من صنعٍ عربي؛ الإسلام، وأغلب مفردات اللغة الفارسية، والأنواع الأدبية من شعرٍ ونثرٍ ومن أفكارِ الحداثةِ فهي كلها مقاربة للتطور العربي في ذات السياق. ومع هذا كله فإن (العربيَّ) ملعونٌ في هذه الثقافة نفسها!
يقول الشاعرُ الإيراني مهدي أخوان ساليس (1928- 1990): رغم الفساد الأوربي في أيامنها هذه/والذي يلعب آلاف الخدع، والذي يقومُ بغزواتٍ متكررة/ فإن قذارةَ العرب وعارهم أكثر بشاعة/والأكثر تدميراً هو هذا البلاء القديم/مهما كثر مديحه ومهما كان خيراً جميلاً/ مهما كان نفيساً وصوت الحق/هذا الشيطان (العربي) القديم قد غزا ولا يزال/قتلَ ودمرَ لا يزال).
إن هذه الكراهيةَ المنزوعةَ من قوى التحليل والنقد والتأريخ، تبدو مطلقةً، خارجةً عن التضاريس، والشاعرُ لا يدرس تاريخَهُ الوطني، بل يجعل ذاته هي الإله، والآخر العربي هو الشيطان، وسيكون الشيطان هذا رمزاً كذلك لقوى شريرة أخرى(الغرب الديمقراطي لاحقاً)، ومنزوعة هي الأخرى من التحليل.
وسنجدُ ذاتَ التعميمات حول اللغة والتاريخ، فيقولُ نفسُ الشاعر: إن التقاليدَ العربيةَ المشؤومة وعدوى التعريب الملوثةِ والفظيعةِ أفسدتْ شعرَنا التقليدي/ورزحتْ لغتنا القومية(الفارسية) ومن أجل خلفيتها الأسطورية، تحت هيمنة الخرافات العربية).
وثمة رمزٌ آخر كبير للثقافة الإيرانية هو القاص صادق عنايت (1903- 1951) الذي كانت رياح النازية الآرية تلغلغتْ في عظمهِ الثقافي فذهبَ إلى أوربا الغربية ودرسَ أثناء صعود النازية، فبشرَ بالقطيعةِ مع التاريخِ الإسلامي الإيراني كله، وربطَ تاريخَ إيران بالهند والآريين، وعرض كرها شديداً لهذا العربي المعمم العدو اللدود للحضارة.
ومن هنا ينكر كون الفنون الإيرانية هي تلاقحٌ بين الثقافة العربية الإسلامية والنشاط الثقافي الوطني الإيراني، فيقول:(إن العرب على وجه الخصوص الذين كانوا يركضون حفاة خلف السحالي، ليس بإمكان المرء أن يجد في رؤوسهم أي فكرٍ فني)، صورة العرب في الأدب الفارسي، ص 51).
وإذ يحلل صادق هدايت النماذج الشعبية الإيرانية بمهارة فنية، فإنه يعيد كافة الشرور للنموذج الديني(الإسلامي)لا يميز بين مذهب وآخر، ويعود للحقبة الزرادشتية باعتبارها الجنةَ الفارسية الموهومة، وهذا يفقدُ تحليلاته الفنية إمكانيات فهم التربة الاجتماعية المعاصرة، عبر إسقاطه الروح الشيطانية على نماذجه الدينية وعم قراءة التطور التاريخي لإيران المعاصرة.
موت عنايت في بدء صعود الحقبة المذهبية في أوائل الخمسينيات سوف يدمغ أدبه بطابع أساسي دون رؤية التناقضات التي تحتدم داخل الواقع الإيراني.
يخصص المثقفون الإيرانيون جانباً كبيراً من نتاجهم لنقد الإسلام والعرب.
لكن هذا النقد يمشي في مسار التجربة الاجتماعية السياسية المعاصرة التي تحكمها القوى الاجتماعية العليا، وقد رأينا كيف قامت البلهوية الإقطاعية العسكرية بقيادة التجربة، وصعّدتْ من العناصر القومية التعصبية، فزحفت نحو النازية التي كانت بؤرة القيادة الآرية المزعومة، حيث أن العنصرية هذه غير علمية لا من الناحية البيولوجية ولا من الناحية الثقافية الاجتماعية، ولكنها قياداتٌ عسكرية منتفخة قومياً تتوجه نحو عناصر إيديولوجية تلبي طموحاتها، وتريد القفز إلى المستعمرات وقد إنتهى تقسيم المستعمرات فجاءتْ متأخرةً، ولكن الأكثر تأخراً هي هذه البهلوية الفارسية.
إن إمكانيات القومية الفارسية بشكلها الآري عبرت عن نزعة إداريين حكوميين ومثقفين نخبويين معزولين عن حاضنة الثقافة الفارسية وذوي طموحات فاشية. وجاءت نتائجُ الحرب العالمية الثانية وبدء إنهيار العالم الإستعماري وتصاعد حركة التحرر الوطنية، لتجعل الرؤية الآرية خارج التاريخ، لكن جاءتْ تجربةُ الشاه الابن لتعمق من مأزق هذه الرؤية، والتي تحولتْ لرأسمالية حكومية غنية مفقرة للشعب البائس أصلاً. فعلى المستويين الثقافي والاجتماعي كانت التجربة تدخل طريقاً مسدوداً.
لكن الرؤية القومية المتعصبة، وإيران الإمبراطورية لم تُهزما، فأخذتا لهما ملامح الإثني عشرية بشكلٍ مركبٍ معقد. فلم يقم الأمريكيون المتدخلون في عروقِها بقبول التجربةِ الديمقراطية للجبهة الوطنية الليبرالية، والتي إندفعتْ للتأميم بشكلٍ غيرِ حصيف، وتم التركيز على ضرب القوى الديمقراطية التحديثية وتصعيد المذهبية الشيعية وتوسيع مراكزها العبادية ومظاهرها الاحتفالية الدينية.
هنا جاء بعضُ المثقفين الكبار لينفخوا من هذا الخيار المذهبي وليروجوا له بشكل تحديثي عبر الوعي اليساري القومي المتطرف وعبر الماركسية الشمولية، فصبت هذه الروافد كلها في طاحونةِ رجال الدين المحافظين.
أما أفكار الآريين الفاشيين فتم الاستفادة من كراهيتها للعرب خاصة، وهي الأنشودة المستمرة في الوعي الديني- القومي الشوفيني.
لعب الباحثُ علي شريعتي دور تصعيد الأفكار المذهبية السياسية التحولية في فترة إنتشار المؤسسات الدينية بشكل واسع لتواجه اليسار والليبرالية.
هنا بدأ الوعي الإيراني درس التاريخ الإسلامي من منطلقات إجتماعية متعددة. وقد عبر علي شريعتي (1933- 1977) عن عناصر ديمقراطية أولية في وعيه الديني الليبرالي، وقد درس في فرنسا بشكل مغاير لصادق هدايت فقد جاء من مناخ الجبهة الوطنية وتأثر بالتجارب الديمقراطية الوطنية الدينية.
وشريعتي يُخرجُ الدينَ من كونهِ جزءً من البُنية الفوقية، ويجعله أساس التاريخ، الذي يغدو ليس صراعاً طبقياً بل صراعاً دينياً بين دين مع الناس ودين ضدهم. وهو يجعلُ بعضَ الصحابة الفقراء كأبي ذر وسلمان الفارسي مؤمنين حقاً وليس مثل صحابة أغنياء مؤمنين بشكلٍ زائف! لكن شريعتي يوجه النقد كذلك لإستغلال المذهب الشيعي من قبل بعض رجال الدين المحافظين.
(..واليوم لجأتُ إلى بيت فاطمة المهجور هرباً من أولئك الطواغيت وتلك القصور والمعابد والخزائن فوضعتُ رأسي على جدار هذا البيت ولم يخدعني منذ ألف وأربعمائة أي كافر ومسلم فإن في هذا البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين وزينب.
إلا أني أرى قوماً جعلوا من هذا البيت حانوتاً لمصالحهم وجعلوا من هذه الكعبة-القبلة التي حررتني قبل خمسة آلاف عام من الرق والجور والجهل-قاعدة للجور والجهل) ، (دينٌ ضد الدين).
وكلمة (قوم) هنا تنفي الإستغلال الشامل من قبل القوى الدينية للتاريخ الإسلامي، فكأن هناك أقوامٌ لا تستغل، وهو يقصد هنا بالقوم القوى المحافظة التابعة للنظام البهلوي وقتذاك، ولكنه يعمم في حالةِ طائفة السنة فهي كلها تابعة للأنظمة الاستغلالية.
وهو يعتبرُ السنةَ أداةً دائمة لفرض الهيمنة على الشعوب فيما يقسم الشيعة إلى شيعة حسب الرؤية الصفوية المعادية لجوهر الشيعة وهو الوعي المطلق المدافعِ عن الحق دائماً كما في كتابه(التشيع الصفوي والتشيع العلوي)، بدلاً من أن يدرس البُنى ويقرأ التاريخ بشكل موضوعي، حسب إتجاهاته ومواقفه وليس حسب مذاهبه فهي لديه عناصرٌ جوهرية خارجَ التاريخ والتبدل.
كذلك فإنه يرفضُ النظامَ السياسي الديمقراطي الحديث ومؤسساته البرلمانية العلمانية الفاصلة للمذاهب عن السياسة، خدمةً لبقاء الإقطاع الديني، وهكذا فإنه يسَّوقُ تصعيدَ المذهبيين الشموليين ويقدمُ لهم غطاءً فكرياً قائماً على الجمل العامة الخارجة عن الصراع الاجتماعي، وعبر أدوات الانتقائية المؤدلجة، والعروض الخاصة المُنتزعة من الدراسة الموضوعية للتاريخ.
إن صراعَ الثقافةِ الإيرانية القومية الدينية الشمولية ضد العرب والإسلام يتبدل هنا، ويزول طابعُ النفي المطلق، وبدلاً من هذا النفي تظهرُ الانتقائية والقراءات الجزئية المؤدلجة، والمعبرة عن المذهبية الشيعية وقد أزاحت الآرية وحلتْ محلها، وظهرتْ بشكلٍ ثنائي صفوي/ علوي، رجعي/تقدمي، أي عبر مصطلحات (ثورية) يجوهرها شريعتي حسب غرضه السياسي. ورغم أن شريعتي أيد توحد المسلمين في بعض القضايا إلا أنه لم يستطع أن ينتزع نفسه من المذهبية السياسية اليمينية، في تكريسها الشمولية في المذهب وسيطرة الولاة فيه ورفض الديمقراطية والعلمانية. وهكذا فقد مهدَ للتصلب المحافظ وتحويل مؤسساته إلى قوى هيمنة باطشة.
بهذا نرى كيف أن هذه المرحلةَ الوسيطةَ بين إنهيارِ الوعي الآري وصعود الوعي المذهبي المُسيَّس، قد أسسها الاستعمارُ الأمريكي ونظامُ الشاه بالقضاء على القوى الليبرالية والوطنية، وتوسيع قواعد الطائفية الجماهيرية ومراكزها العبادية، وجاء باحثون مثل علي شريعتي وغيره ونَظروا لها، ورفضوا عدم إدخالها في السياسة، ولم ينحازوا للحداثة بشكل ديمقراطي صلب، فساهموا كلهم في تصعيد الدكتاتورية الدينية ذات المؤسسات العسكرية الخطرة على شعبها والمنطقة.
هناك مثقفون آخرون عديدون ساهموا في هذه الموجة المتصاعدة، كجلال آل أحمد (1923- 1969) الذي تَحللَ من الماركسية متوجهاً للمذهبية، ولم تخفت من الموجةِ الكراهيةُ الغريبةُ ضد العرب وكذلك أدلجة الإسلام بشكل طائفي، وتصعيد اليمين الديني عبر لغة تعميمية تعصبية، لكن هذه الموجة أُصيبتْ بالأحباط حين ظهرت الدولةُ الشموليةُ الطائفية ذاتها، وعلينا أن نتابعَ هذه القصةَ وكيف تتجلى المقاومة للدكتاتورية في الوعي الثقافي الإيراني الراهن.
≣ إيران بين القومية والدين
حين قام رضا شاه بهلوي بإنقلابهِ العسكري سنة 1921 كانت لحظةً تاريخيةً تحولية كبيرة، ويبدو أن الرجل تأثر بتحولات تركيا نحو الحداثة، لكن إيران كانت تعاني مشكلات أكثر عمقاً من تركيا، فإضافة إلى الغرق في التخلف والفقر كانت غير ممركزة ومتبلورة كدولة، فهناك العديد من القوميات والمراكز المنفصلة فأُلحقتْ المناطقُ الكثيرة بالعاصمة وسُحقتْ القومياتُ غيرُ الفارسية وأُجبر البدو على الرضوخ للاستقرار.
كانت القبضة العسكرية هي المتاح الوحيد حينذاك للتحديث، ولكنه تحديثٌ سطحي وعلمانية قشورية لا تتعمق في الجذور. والسببُ يعود لطبيعة عسكريين كأتورك ذوي ثقافة إلتحاقية بالغرب، وقاموا بتحديث براني ولكن الدولة تمركزت حقاً، ووضعتْ أسساً لتحولات قادمة.
هذه القفزة لم تكن من فراغ، فخلال نظام القاجار الطويل ساد الإقطاع بشكله الزراعي- الديني المتخلف، وتغلبت الدروشة والسطحية الدينية الجامدة، فظهر كتابٌ متنورون عديدون منذ بداية القرن التاسع عشر وراحوا يهاجمون هذه العوالم الراكدة.
لكن هذا التنوير كان ذا طابع غريب، فهناك رفض شديد لتاريخ إيران الإسلامي والعلاقة مع العرب.
يتصور(فاث علي اخونزاده، 1812- 1878 وميرزا آغا خان كرماني، 1853- 1896، وكثيرٌ من معاصريهما إيران ساسانية وأخمينية دمرَ حضارتها المزدهرة” البداةُ المتوحشون. لقد رأى كرماني في الإسلام ديناً غريباً فرضتهُ على الأمة الآرية النبيلة أمةٌ سامية،(حفنة من آكلي السحالي، الحفاة العراة، بدو يقطنون الصحراء، إنهم العرب المتوحشون)، صورةُ العربِ في الأدب الفارسي الحديث، جويا بلندل سعد، ص17.
أي لم يكن إنقلاب الشاه محض حادث فردي بل كان تعبيراً عن حاجةٍ موضوعية كبيرة، فثمة رغبة كبرى في التغيير، لكنه تم بقطع العلاقة بين إيران البلهوية من جهة وإيران المسلمة والعرب المسلمين من جهةٍ أخرى، وتم لصق تاريخ آخر هو تاريخُ إيران لما قبل الإسلام، متوجهاً ومُلصقاً كذلك بالغرب.
عملية ذاتية تعكس منهجاً قومياً عسكرياً فوقياً، لكن إستعادة المجد الإمبراطوري، وتصعيد اللغة الفارسية لدرجة الحرب ضد اللغة العربية، عكست كذلك إدارة بيروقراطية عاجزة عن التحويل النهضوي للاقتصاد والمنتجين الإيرانيين والعلاقات الاجتماعية الموضوعية التي لن تتغير بلبس القبعة أو ترجمة القوانين الفرنسية.
التقت في هذا الوعي الثقافي السياسي النخبة الثقافية لعصر تنوير القرن التاسع عشر والعسكريون، وإعتمدت على نسخة الالتحاق بالغرب نظراً لكون النخبة الثقافية تعليمية منفصلة عن الجمهور الذي كان غارقاً في التخلف.
ومن جهة أخرى فإن التاريخَ الشيعي لإيران تم عزله، فكان التاريخُ البهلوي هو مصادرةٌ للتاريخِ السابق بكلِ وجوهه. ولا عجبَ هنا من صعودِ تسميةِ(إيران) التي كانت متداولةً لكن بشكلٍ غير رسمي من أن تكون هي البديل لاسم فارس المُلغى، وأن يأتي ذلك من إقتراح قدمتهُ السفارةُ الإيرانيةُ في برلين زمن النازية سنة 1934.
هذه التضادات تعكس أوامر الإلتحاق بالحضارة الغربية (الآرية)، حسب التعميق الذي سيقدمه الشاهُ الابنُ لاحقاً، وحسب التدفق المالي وليس عبر تغيير البناء الاجتماعي العتيق. وعكستْ عنصريةً تبدت في التسمية، وعدم فهم للتاريخ.
إن العداءَ للإسلام بصورته العربية هو أمرٌ مفهوم، فكثيرة هي الصور والكتابات الكارهة للعرب، منذ أقدم الأزمنة في إيران المفتوحة من قبل العرب والمتأسلمة قسراً، لكن العداء للمذهبية الشيعية يبقى غير مفهوم. التفسير الممكن هنا هو أن الآريةَ البلهويةَ التي غدتْ دكتاتوريةً إرستقراطية كانت تعادي أي شكلٍ من الشعبية، ولم يكن لها قدرة على الاختراق الديمقراطي للكائنات الحقيقية.
ولم تكن ثمة قدرات في التنوير الإيراني في القرن التاسع عشر تجابه هذه المعضلات الجوهرية في التاريخ القومي- الإنساني لإيران. فإيران التابعة للعرب عانت كثيراً لتستقل، لكن الثقافةَ العربيةَ أسرتَها روحياً، فمضتْ تبحثُ من داخل الثقافةِ العربيةِ عن تحررِها وعبرِ منهجٍ الشخصنة والتقاليد الخصوبية الفلاحية المتجذرة.
فكان مركز هذه الثقافة الشخصية البطولية الاستشهادية الجامعة بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابنه الشهيد الحسين، وهي تلخصُ الثقافةَ البديلة التي شكلتها إيران وهي تختلفُ وتبقى ضمن الثقافة الإسلامية، حيث رمزية العدالة والكفاح، لكن هذه لم تكن مفهومة لجيل التنوير في القرن التاسع عشر، بل للجيل الديني الذي سوف يظهرُ في خمسينيات القرن العشرين. مما يشير إلى التضاد الكبير بين الجيلين وإخفاق التنوير الشكلاني على صعيدي الثقافة والدولة معاً.
عدم فهم التنويريين الإيرانيين الأوائل للإسلام بمستوياته المتعددة تعود كذلك لتحول المذهبيات إلى أشكالٍ متيبسة محافظة تعيق النهضة وتمثل فسيفساء طائفية مفتتة للبلد الواحد. لكن خلال قرن تم وضعُ أسسٍ للتطور وتحكمَ في أساسياتها التدخلُ الأجنبي، مما تطلب تحولاً مغايراً، أي التخلص من الهيمنة الأجنبية.
ظهور هذه الصيغة من التدين المرتد على ثقافة الغرب والمُلاحظ في العديد من البلدان العربية والإسلامية هو بسبب إنتشار الاستعمار، وكانت الضربة النجلاء لإيران هي في الانقلاب على مصدق. وبعدها راحت كرةُ الثلج الدينية القومية تكبر حتى تحولت إلى عداء لدود للغرب الديمقراطي خاصة!
إن تقلبَ إيران بين صيغتي القومية والدين هي مثل تقلب المسلمين عامة في علاقتهم بالغرب، ومحاولات التغيير الداخلية التي تستند على مراحل في تطور الفئات المتوسطة إقتصادياً وعلاقاتها بالشغيلة والبناء الاجتماعي عامة.
إن فشل الصيغ التنويرية والليبرالية في خلق التطور الوطني المتقدم المستقل يؤدي إلى تصاعد الدكتاتوريات الدينية والقومية والشيوعية، التي هي شكلٌ آخر من نمو الفئات المتوسطة لكن بأساليب شمولية.
وتحدث هنا عملياتُ تبادلٍ للدورين الليبرالي والدكتاتوري، في عقودٍ مختلفة، فتنامي الحرياتِ والتعليم والتطورات الاقتصادية عبر إدارات حكومية مهدرة للمال العام يشجعُ على تصاعد القوى الشمولية وتحريضها للسكان من أجل خطف السلطات، وتكوين حكوماتٍ مستبدة تعجلُ بالنمو وتعدُ السكان بالعدالة وإنتهاء المشكلات.
وهذا الوعدُ يتجلى عبرَ إستخدام الأفكار المطلقة: الدينية والقومية والشيوعية، وحين تحدث أزمات إقتصادية هيكلية وتدفع بقوى شعبية للتأزم الاجتماعي يتم إستغلالها من قبل التنظيم المركزي السائد حسب مراحل التطور والتي تؤهله دون غيره لهذه القفزة، فمرحلةُ التنويرِ الليبرالي الإيراني في القرن التاسع عشر قادت للبهلوية العسكرية، فهذا التنويرُ الشكلاني وإبعاد الدين والهجوم على تطرفه الغيبي والعبادي المتكلس كانا يلاقيان إستجابة من قوى الفئات الوسطى في المدن الساعية لتحرير التجارة ونمو التصنيع وتغيير طابع العمالة وهي مرحلة ضرورية لما بعدها وتمت في البلدان الإسلامية ذات التطور.
لكن هذه المرحلةَ إستنزفتْ نفسها، وكان فشل تأميم مصدق ظاهرة تعبر عن رفض قوى الحكم لتوجيه فيض النفط نحو التنمية والعدالة الاجتماعية، وهنا تنامى التشدد الديني، أو قلْ إنه عاد مجدداً بأشكال أكثر حدة وشمولية، فالليبرالية التنويرية الديمقراطية فشلت ولم تستطع أن تصل لأعماق الجمهور ومصالحه، ورغبته في توزيع المال العام للصالح العام، فجاءتْ الموجةُ الدينيةُ بشكلٍ آخر، فلم تلغِ سطوحَها العبادية المحافظة، ولم تقمْ بنقدٍ تحويلي للمذهب، لكنها وعدتْ بجعلِ الثروة في خدمة السكان ونهضتهم وتطورهم.
وهو أمرٌ قد حدث في بداية زخم التحول لكنه إنتكس بسبب غياب الديمقراطية كما هو الأمر في ما سُمي خطأً بالدول الاشتراكية، فالرأسماليةُ الحكوميةُ الشمولية في إيران هي التي صعدت، وهذا بسبب تنامي القوة العسكرية بسبب الحرب والأرهاب الحكومي، والمعادي للحكم، ونمو طبقة البيروقراطية الدينية والعسكرية المتداخلة، وغياب الديمقراطية حيث يغدو الولي الفقيه دكتاتوراً فيما الإدارة الحكومية تنفذ إرادته.
وهذه الأمور كلها بينت خطأ الاعتماد على كلية الدين وهيمنته، وأخذت الأوساطُ المثقفةُ والفئات الوسطى تراجعُ هذه المرحلة، وبدأ العد التنازلي لإزالة الهيمنة الحكومية الدينية العسكرية الحادة.
وهي مرحلةٌ نرى تناميها الآن كما حدث للعديد من الدول العربية التي تكلست عبر نفس الموديل.
المجتمع الذي بدأ منذ قبضة البهلوية يتمركز وتسيطر عليه إدارةٌ كلية، وينشر إيديولوجية واحدة سواء كانت ليبرالية محدودة أو مذهبية محافظة، هذا المجتمع يريدُ أن ينفضَ هذه المركزيةَ الشديدة، وهذا التوحيد الصارم لوجهة نظر واحدة، ولقومية الفرس الكلية، مما يتمظهر في حراك القوميات والمذاهب المناوئة، وفي تحرك الفئات الوسطى المدنية لنشر تصورات تحديثية تتبدى في آراء المفكرين وإبداعات السينمائيين وغيرهم، وعدم جعل القطاع العام سيطرة كلية على الاقتصاد، وبينما كان يسود الهجوم على الغرب في المرحلة السابقة صار مدحه ونقد الدين يتصاعد وعادت كراهية العرب المذهبيين خاصة.
إن فترة الصرامة الحكومية تعقبها ديمقراطية منفتحة ويعتمد الأمر على مدى نجاحها في خلق رفاهية للشعب، فإذا لم تفعل جاءت دكتاتورية أخرى أو ديمقراطية أكثر عمقاً.
يواجه المسلمون كما يقدم النموذجُ الإيراني الآن مرحلةَ التركيب وهي نفي لكلا المرحلتين السابقتين؛ مرحلة البهلوية العسكرية، ومرحلة الشمولية الدينية المحافظة، اللتين إستغرقتا ما يقارب القرنين، إنها مرحلةٌ جديدةٌ ديمقراطية تحتفظ بالجذور الدينية والمذهبية لكل بلد، في ظل إستقلال البناء السياسي المعبر عن الشعوب ككل، وتتشكل علاقة جدلية بين القطاعين العام والخاص، ويتم إصلاح جذور الحياة التقليدية؛ أوضاع النساء والحياة الريفية الجامدة، وظهور مستويات جديدة من الصناعة وقراءة الدين والتاريخ.
≣ النسجُ بخيوطٍ ملتهبة
التوجه السياسي المذهبي لكل من السنة والشيعة يعكس ضفتي الخليج والجزيرة العربية المنفصمتين.
البدو في الجزيرة العربية انتجوا مذهبية حَرفية، والقرويون في إيران انتجوا رؤية أخرى، فتجمعتْ الرؤيتان في الدول التي تداخلت فيها الطائفتان.
كانت ثمة محاولاتٌ من فئات صغيرة من الطبقة الوسطى التي لم تتكون كطبقة منتجة صناعية للم شمل الطائفتين وتكوين وعي ديمقراطي وطني لكن لم تأخذ مداها الزمني.
وجاءت هذه المحاولات قبيل تصاعد قوى النفط والحكم مثلما هي لدى مصدق، وهيئة الاتحاد الوطني البحرينية، وقوى الليبرالية في عراق المَلكية وغيرها.
لكن صعود تيارات البرجوازية الصغيرة القافزة للمراحل وصعود رأسمالية الدول الشمولية واصطدامهما مع بعض، أذاب البذورَ الصغيرة للوطنية الديمقراطية في عقد الخمسينيات وما تلاه.
كان مشروعُ الطبقة الوسطى نفسه غوغائياً لم يصبر وينضجْ أدوات ثقافته وينشرها عبر السنين. ودخل في معارك غير ضرورية، فلم يمهد طويلاً لعملية التحول، كمصدق في تأميمه، والهيئة البحرينية في صراعها الحاد والضباط في انقلاباتهم الدموية في العراق.
عبّرَ التياران السني والشيعي السياسيان عن تصاعد أموال النفط وصعود رأسمالية الدولة المحافظة في كل من الجزيرة العربية وإيران. موقع الخلل جاء من استغلال أموال النفط في غير التنمية للمجتمعات ولخدمة الدول والنخب المنفصلة عن الشعوب.
الآن مشروعُ الطبقةِ الوسطى التحديثي الديمقراطي ملتبسٌ بالمشروعات الشمولية المختلفة، بسبب تداخل فئاتها مع المشروعات الطفيلية.
عبر التياران السياسيان السني والشيعي المحافظان عن القراءات التسطيحية للإسلام، وهي قراءاتٌ تماثلُ أوضاع الفئات الوسطى المُهمشة، التي لم تمد جذورها للتصنيع والعلوم بشكل واسع، وتأتي ملكيات الدول الرأسمالية الكبيرة في اقتصاديات الشركات المنتجة للنفط ومصانع التلوث والتحويل، وعدم البحث عن مواد خام مهمة وتصنيعها، لتضعَ سقفاً محدوداً لنمو الفئات الوسطى باتجاه الصناعة، وباتجاه الديمقراطية، وباتجاه الحفر العميق في نصوص الدين والواقع.
تضخمت الرأسماليات الحكومية النفطية عبر هذه المعامل وتضخمت إدارتها وجيوشها لدرجات هائلة عبر هذا الصرف الهادر للثروة وعبر توسيع الأسواق الاستهلاكية البذخية، وهي أسواقٌ توافقت مع التغلغل الغربي الذي يريدها كمنتج للخامات وسوبرماركت هائل لبضائعه بأسعار عالية، أو مع التصدير الأمريكي والروسي للسلاح المكدس.
(الديمقراطيات) هنا ملحقة بالإدارات الحكومية، والجسمان السياسيان البدوي والقروي العربي والإيراني، يدخلان في سباق هائل للتسلح وتضييع الثروة العابرة.
ضفتا الخليج والجزيرة العربية وإيران تتحركان معاً، الاتجاهان فيهما لابد أن يكونا متماثلين أو متقاربين، فكل ضفة تصبرُ على ما يجري من تحول في الأخرى، حتى تتمكن القوى الداخلية الديمقراطية الصغيرة من توسيع التحول الليبرالي بشكل واسع فيهما معاً.
من دون انضمام البدو في الجزيرة العربية للحياة الحديثة الديمقراطية، ومن دون تغلغل هذه الحياة في معاش القرويين في المنطقتين، المنفصلتين، والمتداخلتين، يصعب أن تتوج البرلمانات كبرلمانات تجسد حداثة السلطة والعلمانية، وهما السمتان الفاصلتان للديمقراطية الحديثة.
ما قبل الديمقراطية الحديثة وهي أشكال المجالس التشاورية لا تعبر عن العصر، لكن العصر يجب أن تتغلغل علاقاته في حقل الفلاح ربما الضائع أو الباقي المرهون بالديون، وفي المعامل ذات الإدارات البيروقراطية التي يعمل فيها العمال المهاجرون، وفي القبائل التي فقدت مراعيها وأراضيها، وفي الحرفيين الضائعين في المدن.
الطبقات الوسطى على ضفاف الخليج لكي تكون ديمقراطية لابد أن تطور حياة الطبقات الشعبية العربية والإيرانية. ونموها الديمقراطي خاصة في إيران والجزيرة العربية سيكون مظلةً مهمة لانتشار الحداثة وتطور السلطة في المنطقة.
≣ على خطوطِ التماسِ القومية المذهبية
إن خطوطَ التماس بين القوميتين العربية والفارسية من بغداد حتى البحرين ستظل ملتهبة لسنوات طويلة، حتى يتغلغل الإصلاح التحديثي الديمقراطي العلماني في الجذور اليابسة لما تحت الخطوط والجذور الملتهبة.
في بلدان أخرى حين لا تصطدم المذاهبُ بالخطوطِ القومية فإن عمليات التغيير تغدو أكثر سلاسة.
في بلدان ذاتِ قوميةٍ عربية واحدة فإن التطورَ الديمقراطي يصطدمُ فقط بتباين الأديانِ التي تعكسُ جذوراً متباينة وتاريخاً ذا سيرورة معقدة. لكن القومية الآن تعلو وتغدو موجهةً أكثر للحراك السياسي فلا يحدث تصادم جوهري حاد، كما أنها تتضافرُ مع المذاهب المنفتحة أو التفسيراتِ المجتهدة فيها، وتتعارض على العكس مع التفسيرات المنغلقة والمذاهب المنغلقة وهذه لا تصير إلا مع أنظمة دكتاتورية حادة.
لكن في البلدان التي تتداخل فيها القومياتُ والمذاهبُ على نحو كثيف وتظل في واقعها الاقتصادي الاجتماعي العتيق عامة، يَصُعبُ تفريقَ الخيطين: القومي والديني، ولكنها يتداخلان على خطوط الأنهار ومساحات المياه والأسماك والنفط والموانئ.
فعلى مدى قرون كانت الشواطئُ والخلجان وضفافُ الأنهارِ ذات الخصوبة العالية في الخليج والعراق مساحاتٍ لصراعِ الشعوب والقبائل الكبرى، وقد جاءتْ القبائلُ الآرية الفارسية من مناطق بحر قزوين والشمال لتجثم على فم الخليج وتقيم عاصمتها المدائن، وتتطور من خلال ثراء وادي الرافدين حتى قضت على الحضارة الرافدية في بعض القرون.
مثلما في العصر القديمْ جاءتْ القبائلُ العربية من نفس التخوم وسكنتْ في صحراء العراق وتغلغلت في الجزيرة العربية وعلى ضفاف الأنهار وأقامت حضارتَها في العراق والجزيرة.
صراع القوميتين الكبريين العربية والفارسية لم يهدأ على مدار التاريخ، ثم تداخل عبر المذاهب الإسلامية، فيما القوميتان العربية والتركية مثلاً صاحبتا الجذور البدوية المتماثلة كان تعاونهما وإختلاطهما ممكناً بدون نزاع جوهري فكل منهما حصلت على مراعيها وعلى جغرافيتها، فيما القوميتان الأخريان متضادتان في العيش وعلى الحكم. وصار ذلك صراعاً مذهبياً موغلاً في التاريخ ملتهباً مؤرقاً لهما، على خطوطِ التماسِ خاصة.
وكان مسارُ الدولة الإيرانية بعد الشاه مضاداً لتطور المنطقة العربية، التي دخلتْ في الحضارة الغربية التحديثية، وراحت تتخلصُ شيئاً فشيئاً من العداوة غير المبررة مع الحضارة الديمقراطية العالمية، دون أن تحل خلافاتها كلياً مع التبعية وأجندتها.
كان هذا سبباً إضافياً لالتهاب خطوط التماس بين المنطقتين، وكان العراق والبحرين وشرق الجزيرة العربية أكثر المناطق سخونة في هذا الصراع، فالدولة الإيرانية لم تعترف حتى الآن بحدود العالم الحديث الديمقراطي، ولا تزالُ هناك الدولةُ العابرةُ للحدود، ورجلُ الدين المهيمن ترفضُ إرادتهُ(الخريطةَ السياسية التي صاغها الأستعمار) كما يقول، مكرراً نفس مقولات القوميين العرب التقليديين الذين لم ينتقلوا هم كذلك للخريطة البشرية الديمقراطية، فيغدو الحكمان الديني والسياسي مجتمعين غير منفصلين، وتكتسب التنظيماتُ السياسية الدينية نفسَ السمات، وبالتالي تدخلُ نفسَ البرامج والأجندات ما دامت تتنفسُ ذات الرؤية الدينية السياسية.
كذلك فإن التحولات الاجتماعية الديمقراطية على الضفاف العربية القومية تنحو كذلك منحى مذهبياً تقليدياً، ولا تتسارع وتستغلُ فيوضَ النفط العابرة الوافرة الآن في تغيير الخرائط الاجتماعية، فبقائها ضمن الحدود المذهبية التقليدية يشير كذلك إلى عدم قدرة الأموال العامة للوصول إلى البيوت والخيام والعقول والمدارس والخدمات، وإحتجازها بين العديد من القنوات البيروقراطية.
جاءتْ العملياتُ التصعيدية في الجانب الإيراني، وجاءت التحولاتُ الديمقراطية في الجانب العربي، على إيقاعاتٍ متصادمة، ملتبسة، متناقضة، فهناك في الجانب الإيراني مركزية شديدة غازية، وهنا تعددية وغياب للمركزية المتشددة إلا في لحظات الخطر الشديد، هناك خوف من الديمقراطية ومن تمزق العباءة الفارسية التي تضمُ شعوباً ومذاهبَ متعددة، في تاريخٍ لم يَعرف غير المركزية والقمع، وهنا قبولٌ للتعددية واللامركزية ولكن يُستغل ذلك للتفتيتِ والتبعية والتمزيق وبعض الإصلاح.
هناك رفض للغرب الديمقراطي ونعته بالاستعمار والوحشية وغيرها من النعوت غير المناسبة في هذا الزمن المختلف ورغبة في الصدام وإختراق الخطوط الحمراء والتعرض لأخطار جسيمة بالنسبة للشعب الإيراني خاصة والشعوب المجاورة عامة، وهنا رغبة في مشاركة الغرب تاريخه والإندماج في عالم التغيير العالمي، وتجاوز السلبيات التي تراكمت عبر عقود ورغبة عارمة في السلام.
القوى السياسية العقلانية في الجانبين مدعوة للاتصال أولاً فالخطوط مقطوعة بينها، وأن تقوم بنشر ثقافة مختلفة عن ثقافة العداء، من أجل تجاوز لغة المغامرات وتقليدية التاريخ القديم وجموده، ولسد الثغرات على المستفيدين من الخلافات وتطوير الحياة المشتركة وإحترام تطور الشعوب وإختياراتها وتقاربها.
≣ سير التطور الإيراني
وَضّح مسارُ الدول العربية الراهن وإتجاهها نحو تغيير ظروفها وإختيار طريق الديمقرطية الوطنية القومية، إن إيران بحاجة هي الأخرى لعمليةِ تجديدٍ ديمقراطية ضرورية سريعة، وأن إستمرارَ الرأسماليةِ الحكوميةِ العسكرية الشمولية آن لها أن تتحول إلى تطور إقتصادي ديمقراطي حرٍ مزدهرٍ متعاضدٍ بين القطاعين العام والخاص، في ظل برلمان يدفع لتطورهما المشترك.
الأمة العربية تنمو بشكل عفوي غيرِ مبرمجٍ في ظلِ تحولاتها الرأسمالية الديمقراطية الراهنة، ومعها مخلفات وإشكاليات من العصور القديمة الشيء الكثير، وهو ذات المسار الذي تخوضه الأمة الفارسية، وفي حين أخذت تنزعُ بعضُ الأقطارِ العربية الغطاءاتِ التقليديةِ المُحكمةِ الضاغطة فوق تطورها الحر، فإن ذلك لا يحدث للأمة الفارسية الأقل مساحة والأقل سكاناً، والتي تعيش كذلك مع قوميات أخرى عربية وكردية وبلوشية.
إن النمو القومي الخالص المؤسّس على اللغة كفيل بتغيير البناء السياسي وإنفلات القويمات الأخرى التابعة للدولة الفارسية، وهي بحاجة لهذا الإتساع وهذا السوق الكبير، كما أن المتحدثين بالفارسية في الشمال ليسوا على توافق مع الدولة الفارسية كما أنهم يعيشون في ظل أنظمة أكثر حرية وتطوراً.
ولهذا فقد توافقَ نمو رأسمالية الدولة العسكرية الإيرانية مع المذهبية السياسية وهي التي جعلتها أساس الحكم، فغدت الرغبة في الإمتداد نحو الغرب، ونحو العراق، والخليج أكثر فائدة وتلاقياً مع هذا النزوع.
الخيار الحقيقي الأكثر تطوراً وفائدة هو خيارُ الإصلاح الذي حاولتْ فئاتٌ في المجتمع الإيراني طرحه، وهو خيار التوافق مع المجتمع الدولي والحريات المتصاعدة في كل أنحاء العالم، وتفكيك منظومة رأسمالية الدولة الشمولية والقبول بإنتشار الحريات العامة.
بقيت دولٌ قليلةٌ في الشرق مصرة على خيار الدولة الرأسمالية الشمولية مكرسة أنظمة كبيرة خائفة من التغيير، ولكنها تركت خيار العنف، وإندمجت في السوق العالمية، وعبر ذلك يمكن أن تواصلَ الإزدهارَ والتحولَ وتفكك منظومتها الاقتصادية – العسكرية، ولكن إيران ليستْ بائعة سلاح كروسيا، ولا ذات قدرات إقتصادية عملاقة كالصين.
إن الحكومةَ الإيرانية خاصة مع أحمدي نجاد لم تسلك طريق الحكمة، فهي مع بعض الخصخصة وبقاء الشمولية الاقتصادية – العسكرية زادت الظروف سوءً على جماهير الشعب الإيراني العامل.
وإختارت كذلك التجارة السياسية المذهبية وتحريك الجماعات الإمامية المختلفة في الدول العربية من أجل الثروة النفطية الكبيرة في الخليج، فسلكت طريقاً خطراً.
الطريق الذي طرحه الإصلاحيون هو الطريق الصحيح، لكنه يتطلب حريات سياسية وفكرية وإجتماعية، وشجاعة من قبل هؤلاء يتجاوزون الخطوطَ المحافظة في فكرهم، وهو أمر يتقاطع مع دكتاتورية رجال الدين الحادة لكنه لا يعزلهم ويهزمهم، فالاصلاحيون لم يكونوا حاسمين في عملهم الفكري السياسي طوال عقدين، ورفضوا التحول الواضح إلى الرأسمالية الحديثة الديمقراطية وكان بعضهم مؤسساً لرأسمالية الدولة الحكومية العسكرية، ولهذا تغلبت عليهم آلة الدولة، فكان ينبغي طرح النموذج الحديث الديمقراطي بكل جوانبه، ودمج الشعب الإيراني في العصر بدون التبعية للخارج.
كان مسلكُ رجال آيات الله العظمى السابقين أكثر مرونة وتفهماً للجانبين الشرعي والواقعي، والأمر لا يحتاج سوى إعادة النظر في السلطة الدينية المباشرة، وعودة هؤلاء للقيادة الدينية، في حين تظهر سلطةٌ جمهورية منتخبة تقطع صلة التبعية بولاية الفقيه، التي تصير إرشاد الفقيه كما كانت عبر مئات السنين.
في حين أن الرأسمالية الحكومية تغدو مدنيةً وتقيم صلات عميقة مع الرأسمالية الخاصة وظروف المنتجين والعاملين لتزدهر الحياة الاقتصادية وتحل مشكلاتها الصعبة كذلك بأدوات الديمقراطية.
هذا سيؤدي إلى توسع التبادل مع الدول المجاورة وتطوير الثروات المشتركة بين الجانبين.
تطوير قوى الإنتاج عبر الحروب كما فعل هتلر وتوسيع العسكرة وقيام مستعمرات إيرانية ليس سوى إنتحار مدمر خطير.
القضية إذن تتعلق بنضال الإصلاحيين والقوى التحديثية لطرح مثل هذا الإنتقال.
≣ الطائفية العسكرية ومخاطرها
تتداخل قوى سياسية واجتماعية عديدة لتصعيد صراع طائفي مناطقي، فالضفافُ السياسية للقوميتين الكبريين العربية والفارسية قاصرة عن الصعودِ للسواحل الحداثية العلمانية الديمقراطية.
لا تمتلك القوى المحافظة ذات البرامجِ العسكرية الاستنزافية لمواردِ الشعبين العربي والإيراني سوى إبقاء هذا الغليان السياسي على حوافهِ المتوترة خدمة لبقاء تلك البرامج غير العقلانية التي لا تمتلك أفقا مستقبليا.
مثلما ان هذا التوتر يغذي المنابع الغربية المنتجة للسلاح بالفيض الذهبي ليبقي أفواهَها البركانية النهمة لا تخبو لها نار.
فكلما استمر الطرفان العربي والإيراني في إلقاء فيوضهما المالية في التنانير الحارقة تأجلتْ المشروعاتُ التنموية وركدتْ الأسواق وعانت الناس.
إن الدوائر السياسية الإيرانية في تحديدها هدفا مستحيلا غريبا عن العصر وهو إعادة الامبراطورية الفارسية بشكلٍ طائفي تغذي الكتلَ السياسية والاجتماعية في الدول الأخرى لمماثلتها، ولاتباعِ رمزيتها السياسية، وإذا لم تقم بالتطابق مع في رؤيتها تؤيد قسما منها والمهم هو ظهور المارد.
إنها تتلاعب بالمفردات الدينية والقومية ولغة الجوار لتكوين تلك الفاشية الواهنة.
إن تهيئة الاصطفافات الطائفية والقومية المحافظة هي مصدرُ براميل الماضي العفنة المفتوحة لتسميم الأجواء السياسية والثقافية لدى الشعوب، ولهذا غدت الظلامية دينا، بكل ما يمورُ بها من كرهٍ للطوائفِ وإبعادٍ للعقل وإطفاء للمناهج العلمية والنظريات الحديثة عن عقول الشبيبة خاصة، وإغراقهم في الميثولوجيا والسحر والتعصب، فهذه هي أدواتُ الفاشية الدينية حين تقتربُ لحظاتُ أكل الذبائح البشرية.
وقد بزتها القاعدة في تطبيق هذه البرامج ونشرت عقيدة وواقع المسالخ في العراق وغيره، والجماعتان هما وجها عملة التعصب الراهنة، تعكسان عجز القوى الطائفية المحافظة عن ان تخرجَ من مأزقها السياسي التاريخي الاجتماعي الراهن من دون نسف هذا التاريخ الطائفي.
وهما من الناحية الفكرية التصقتا بتاريخ طائفي منعزل غير أرضي، مكابر ويربط نفسه بألوهة لا يملكها سواه.
لقد خلقتا هذه المادة المحافظة المتخلفة القائمة على العداء للعلم والديمقراطية والإنسانية.
وهي التي تعتمد على سذاجة الجماهير ونشر الغيبيات الصارخة المبطلة لحكم الدين والعقل، ورفض القرآن والسنة الداعيين للسلام والوحدة بين المسلمين والعلاقات الطيبة مع الشعوب.
تتحول الصراعات الاجتماعية لديهما إلى صراعات عنصرية، وجودية، فلديهما يجب القضاء على الإنسان لنقضي على مشاكله، وليس ان نبقيه ونحل تلك المشكلات.
التشابكات الخطرة المفصلية قد تقع فيها الشرارة، فثمة كومات من الحطب اليابس ومن الجرائم التي لم يُكتشف القتلة فيها، والمحكمة الدولية قد تلقي مثل هذه الشرارات، وهكذا صارت المنطقة التي انطلقت فيها الذئاب الرمادية الطائفية تتوسع فيها المواد (البلقانية) المفجرة للحرب العالمية.
والعنصر البشري أثمن ما لدى المتحضرين الإنسانيين أما الفاشيون فالإنسان لديهم مجرد أداة وإذا كان مخالفا فيجب قتله، ومن هنا تغلغلت هذه الثقافة البربرية في الأحزاب (العربية القومية) والجماعات الدينية الإرهابية، وغدا حل المشكلات بالسيارات المفخخة وملء الأسواق بالقنابل وإرسال الطرود وتصفية المفكرين والمناضلين.
حين تتحجج الهتلرية بالعرقية وتصفية ما هو غير آصيل آري، ألا يعيدنا هذا إلى لغة الايديولوجية نفسها عن المذهب النقي والعنصر الآري النقي؟
لكن هذه القوى المتخلفة لم تملك تقنيات عسكرية كبرى تقوم عبرها بحروب ساحقة للأمم، فالغزوات الإرهابية والتدخلات في شؤون الدول العربية وقتل الزعماء العرب لم تنجح في تشكيل اختراقات كبيرة، مثلها مثل أفعال كوريا الشمالية النظام الباحث عن الانتحار، لا يقرب سوى زمن زواله.
ان ما عثر عليه هتلر هو شعب ألماني متطور طائع قادر على تفجير ثورة صناعية عسكرية، أما هؤلاء فغير قادرين على ذلك لكن الخطورة العظيمة موجودة، وتجميع كل القوى السياسية والاجتماعية السلمية والإصلاحية وعلماء الدين الكبار ضرورة لأجل درء خطر المغامرين وانتصار السلام.
وغياب القوة العربية التحديثية التوحيدية هو الذي يوجد هذا الفراغ.
≣ إيران بين الحصارِ والتراث
عاشتْ إيران في العصور القديمة محاصرةً بين جماعاتٍ من الشعوب البدوية الضارية، الهضبةُ الإيرانية كانت مركزَ الوجودِ للشعبِ الفارسي المتحضر الذي سكنَ هذه الأرض المجدبة، وحولها على مر القرون لمدن تقدم، ومن هنا صنعَ صورتي الإلهين المتضادين، إله النور وإله الظلام، إله الخير وإله الشر، وقد تجسد الشريرُ في هذه الشعوب البدوية الدموية.
وحتى حين شكلَّ إمبراطوريةَ سمح بالتعدديات الدينية، وجاء حتى لليهود المُبعدين عن أرضهم وأرجع بعضهم بعد تخريب ملوك بابل وآشور. كان نموذجاً غريباً لأمبراطورية غزو وهيمنة.
وعارض هذا الشعبُ الإسلامَ بعد ذلك بشكلهِ البدوي الغازي المتجسدِ في عواصم الهيمنةِ والخراج، وحاولَ إعادةَ تأسيس حضارته القديمة بشكلٍ ديني إسلامي، فبحث عن العناصر المعارضة في هذه الحضارة الإسلامية، وأخذ يتماهى مع عناصر الغضب والعنف الحاد فيها كالخراسانية تحت رمزية القائد الفذ أبي مسلم الخراساني والقدرية والزيدية والإسماعيلية وهي كلها عرضتهم لأهوالِ الهجماتِ المضادة من قبل الدول المركزية، التي إكتسحت بلدهم مراراً وتكراراً بسبب دعوات هذه الفرق للثورة العنيفة الدائمة!
جاءتْ الصوفيةُ الإثناعشرية لتخلصهم من هذه الأهوال الحربية، ومن غياب الشخصية الوطنية، وإختارتْ الطريقَ السلمي ونبذتْ العنف، وأخذتْ بالتقية، التي تعني المرونة السياسية في ظل حكم الهيمنة الأجنبي، وحدث فيضانٌ ثقافي كبير خلال هذا التاريخ.
إن العناصرَ الحصاريةَ ومواجهة الخير والشر، إستدعتْ ثيمةً تاريخيةً تراثية هامة هي حصارُ الحسين في معركة كربلاء الشهيرة، وهذه الثيمةُ إنتشرتْ وتوسعتْ في الثقافة الإسلامية الإيرانية، وغدتْ عنصراً مركزياً إستحضر كلَ ذلك الحصار التاريخي الطويل للشعب الإيراني، وهجوم القبائل البدوية، والنزيف الدموي الذي لم يتوقف، والمعاناة والحزن والنواح المُعَّذب من الفقر والإستغلال والحكومات الغريبة.
وصارتْ هيكلاً دينياً سياسياً متداخلاً وهو الذي تنبثقُ منهُ الدولةُ كجهازٍ متعالٍ على الشعب، يحكمهُ ويقهره، ويبقي سيطرةَ الأغنياءِ الكبار فيه ويغدو كذلك أداةَ تحريره من الدخلاء، ونهضته وتقدمه.
إنها ثيمةٌ ذاتُ وجهين؛ وجهُ العذابِ القادم من الخارج، ووجهُ التعذيبِ الذاتي. إنها الرغبةُ في وقفِ الألم، الممزقِ للإنسان، وكذلك الرغبةُ في بقاءِ الأشكالِ الدينية التعذيبية كأطارٍ إجتماعي ديني لوحدةِ الشعب. إنه تاريخٌ معقدٌ طويل للشعوب الزراعية.
هو تعبيرٌ عن بقاءِ الألم والعذاب ونقص الوجود الإنساني وسلبيته وغربته عند جمهور الفقراء الذين لم يجيء الإمام بعد لتخليصهم من المعاناة وسؤ الأحوال، وتمثل هذه الممارسات فرصة للتوحد والإشتراك في المحبة الإنسانية.
وفيما الشعبُ الإيراني يتحررُ ويدخلُ العصرَ الحديثَ بأحاديثه عن النور والسعادة تبقى ظروفهُ تراوح في مكانها، وعذاباته تتلون حسب الفترات المختلفة، وتنهمرُ سيولُ عذاباتهِ في العزاء وفي الفنونِ النواحية التي تغرفُ من ينابيع الأسى الدفينة الغائرة.
جاء الغربُ واعداً بالحريةِ والحداثة لكن الشركات راحتْ تنهبُ المدن والأرياف الفقيرة، ويظهر تراثٌ جديد، وفنون مختلفة، تفككُ تلك اللحمة القديمة، ويظهر إلهُ الشر وإلهُ الخير في صراع جديد، وهذه المرة من خلال صراع الغرب والشرق.
الجمهورُ يكره الحكومةَ ورجالَ الدين ويصارعهما لكن حين تُهَّدد البلدُ يقف مع الدولة بقوة!
مظهران غريبان متضادان لم يُدرسا من قبل قوى الحصار والعقوبات.
تستثمر الأجهزةُ الحكومية الإيرانية تراثَ الحصارِ القديم، وتؤدلجُ الظاهرات الدينية، وتركبُها على التاريخِ المعاصر، وتستدعي الرموزَ وتعبئها بمادةٍ جديدة مُسيّسة تحرك المشاعر وتستدعي الإصطفافَ حولها.
العقوباتُ والأزمةُ المعيشية التي يعانيها الناس، تتفاعلان وتُصوران بأنهما جزءٌ من العداءِ التاريخي للأمم التي تكره الشعب المُختار من العناية الإلهية، ويعزف الرئيسُ الإيراني على نغمات العنصرية والجذور الغيبية، في سيمفونية عسكرية سياسية، تتخلص من ثقالة الرأسمالية الحكومية حين تكون عوناً للشعب، في جهات الأكل والوقود، وتضعها على أكتافه وهي تتسلح بمشروعات عسكرية خيالية.
يستثمر النظامُ الحصارَ والعقوبات، ليبرر الأزمات، فيظهرُ نفسَهُ بمظهر الدفاع العظيم عن الأمة المُهَّددة بفقدان تراثها ودينها، وهو يعجز عن تكوين الفئات الوسطى الحاكمة الجامعة بين الديمقراطية التنموية والحرية الوطنية، بين حماية الجذور الإسلامية العريقة وتقبل ثقافة العصر الغربية الإنسانية.
فنظراً لتوجه أغلبية الفوائض الاقتصادية الكبيرة نحو التسلح وهيمنة العسكر، يصعب نمو الفئات الوسطى الصناعية والمدنية ويعاني الفقراء والكادحين هذا النزيف غير المبرر لكن الذي تبرره ثقافةُ المُحاصرين المُعذَّبين.
بينما يظن المؤسسون للعقوبات أنهم يهزمون النظامَ هم يقوونه، ويغذون لغة الحصار، وتكتيكات النظام المتلاعب على المشروع النووي، والشعب الإيراني يحتاج للمساعدات وتطوير البنى الاقتصادية المدنية ودعم الأرياف المنهكة، وتوسيع العلاقات الأخوية، التي يمكن من خلالها التعاون مع قوى السلام والآيات العظمى الحكيمة و قوى الإصلاح، أما لغة التهديد والتجبر فلا تنجح معه.
≣ المواجهة الأمريكية – الإيرانية
هذه المواجهة محوريةٌ وخطرةٌ في المشرقِ العربي الإسلامي خاصةً، فمن جهة يرفض النظامُ الإيراني أبجدياتَ الحداثةِ الراهنة من ديمقراطية علمانية وتعايش سلمي بين الأنظمة المختلفة نظراً لسيطرةِ العسكر الديني على السلطة، ومن جهةٍ ثانية فإن سياسةَ الولايات المتحدة جعلتها المتحكمة الرئيسية في الوضع السياسي العالمي، وتضعُ مصالحَها التجاريةَ التي هي مصالح كبريات شركات النفط والصناعة وغيرها كقانونٍ عالمي لا يجوز تغييره ويتجلى ذلك في ازدواجيات السياسة والثقافة.
ففي الوقت الذي عملتْ فيه على تصعيد إسرائيل كقوةٍ خارج نطاق القانون، عملتْ على استصغارِ المجتمعِ الإيراني وعلى كتمِ تطورهِ الحر.
كما عملتْ على تجميدِ تطور المجتمعات العربية الدينية المحافظة بحيث وجدنا سياستَها نفسَها تنتقدُ ما آلتْ إليهِ الأمور من تفاقم العودة للوراء والتفتت.
لم تتحولْ الديمقراطيةُ العلمانية كقانونٍ للدولِ الغربية ووجدتْ نفسَها خلال القرون السابقة تكرسُ الأنظمةَ الدينية المحافظة، وإنشاء إسرائيل هو نفسه نموذج صارخ على تأسيس دولة دينية عسكرية.
ولهذا فإن القراءةَ الأمريكيةَ الدينية لتطور المجتمع الإيراني تتشكلُ تحت هذه المظلة، وعقبَ عدة عقود من السيطرة انتجتْ لنا نظاما دينيا متشددا.
ونظراً لتكريس النظام الإيراني نفسه في سياساته الخارجية الدعائية ضد إسرائيل لكسب الشعبيتين الداخلية والخارجية، وهو أمرٌ كرستهُ الأنظمةُ والجماعاتُ الشموليةُ العربية، فقد صار هدفاً لابد من هزيمته.
هزيمة إيران صارت هي بؤرة السياسة الأمريكية، وهي الهدف الأول من أغلبِ تحركاتها، وهي تستغلُ المسألةَ النوويةَ من أجلِ مشروعية الضربة التي تريدها، لأخذ الثأر من عدة عقود من الاذلال.
من هنا تتحرك عبر بيادق الشرق الأوسط لتشكيل هذه اللعبة الكبيرة، وهناك جبلٌ من الأحقادِ والموادِ السياسية والدرامية في حقل الثأر هذا، ولاتزال المعركةُ مع العراق في ذكرياتِها الانتصارية المثيرة، وتَعقدُ مماثلةً واعيةً بين النموذجين العراقي والإيراني السياسيين، وتتصور انه ربما حالفها الحظ كما حالفها الحظُ مع النموذج العراقي الذي سقط كبيتٍ من ورق المشتعل حتى الآن.
من الناحية المذهبية السياسية كان نظام صدام قد حطمَ علاقاته بالقوى السنية الواسعة التي ارتكزَ عليها بعد أن أخفقَ في مشروعه (العلماني الشمولي) وبعد أن دمر منذ زمن بعيد علاقاته بالجماعات النضالية العربية الحقيقية.
ليس ثمة مشروع ديمقراطي علماني لدى كل من إيران وأمريكا، وكلتاهما تكرران الحروبَ السياسيةَ الدينية للعصور الوسطى. لكن أمريكا تأتي من البوابة المفترضة للغرب الحداثي، وهو غير صحيح بل تأتي من نموذج الحرب الصليبية اليهودية الآن، وهي لها إنعكاساتها الكبيرة الخطرة.
ولا تفيد بعض التراجعات الصغيرة عن هذه الحرب بل تتطلب تحولا استراتيجيا للغرب (الغازي) نحو العلمانية الديمقراطية وتجاوز نموذج الدولة الدينية الذي صار إشكالية كبرى.
فهذا النموذج سوف يغرق العالم الإسلامي في المزيد من الثارات والحروب، فهزيمة سريعة للنظام الإيراني هي غير ممكنة، بل إن أي ضربة سوف تعزز شعبية النظام ويجند الملايين لإحداث تمزيق هائل في كل ما بنته الولايات المتحدة من سياسات.
لا شك أن تطور الديمقراطية العلمانية في كل من أمريكا وإيران يعتمد على بعضه بعضاً، فكلما اقتربتْ السياسةُ الأمريكيةُ من الشعبِ الأمريكي ولم تعبرْ فقط عن مصالح الشركات الكبرى، فهمتْ مشكلات الشعوب، مثلما أن الشعب الإيراني يتلمسُ طريقَه لتجاوز النظام الشمولي الديني للعسكر ولشيوخ الدين المحافظين بصعوبات شديدة، ولكن هذا لن يتحقق إلا بالدماء الغزيرة التي ينزفها الشعبان الأمريكي والإيراني، (والشعوب المغلوبة على أمرها العائشة وسط مرمى النيران بين العدوين) ثم يكتشفان محدودية مثل هذه المعارك.
والطوائف التي تؤيد كلا من الفريقين تتصارع وتمزق دولها، ثم في أثناء المعركة الواعدة ستدمر ما بقي.
المواجهة كارثة بكل المقاييس، وإنتاج مثل هذه الحماقة الكبرى في السياسة الراهنة، فهو توسيع الصراعات وإنتاج دمار غير مسبوق.
≣ العقوبات والتحولات في إيران
كانت السوق الإيرانية واعدة بنظام اقتصادي رأسمالي (حر) خاصة أيام مصدق الذي ضربته وضربت تجربته الحكومات الأمريكية، لكن كأغلبية الدول الشرقية يغدو تشكل السوق الحرة من الطرق الصعبة، فكان الاختيار الديني ذاته تصويتاً ضد هذ المسار. والطائفية هي شكل الاقتصاد الحر المخنوق اقطاعياً. وقد تنامى خيار الرأسمالية الحكومية مع الحرب الإيرانية – العراقية، حيث برزت الدولةُ كأكبر قوة اقتصادية – عسكرية، وظهر الخيار الشعبوي (الاشتراكي) عبر موسوي، وما يسمى باليسار الإسلامي، فتفاقمت قوى الدولة الحكومية الرأسمالية العسكرية.
الخنق الاقطاعي للسوقِ الحرة يتشكل اجتماعياً بعدم تحول الأسرة إلى خلية رأسمالية، وبعدم ازدهار قوى العمل في النساء والعقول، وجمود الأرياف وتحولها إلى قنابل ضد الحداثة، وهيمنة المؤسسات العسكرية والطفيلية على خلايا الإنتاج، وهروب رأس المال الوطني وقوى التقنية والمهارات للخارج.
إن أي معركة عسكرية يدخلها النظام الإيراني هي محسومة مسبقاً، ولكن الغرب يلجأ للعقوبات الاقتصادية لكي يتفكك النظام من الداخل، فيما يصعد الحرس ليكون هو المؤسسات الكبرى الاقتصادية والعسكرية، بتقليد معين لنظام صدام حسين وجعل الحرس الجمهوري هو المتصدي لنظام العقوبات.
إن نظام العقوبات هو نظام فاشل لكنه يمثل شكل التحضير للضربات العسكرية والهجوم.
والنظام الراهن المتخلخل لنظام آخر عسكري، يتألف من تحالف رجال الدين وتجار البازار، وفيما تعملقت الدولة وأجهزتها العسكرية بقي تجار البازار في مواقعهم، يعارضون التغلغل البضائعي الأجنبي لأسواقهم، وفيما عدا ذلك فهم مع من يحكم.
وقد تجنبت السلطة التعرض لهم، خاصة وهم خارج الصراع من أجل الديمقراطية.
ولهذا فإن نظام العقوبات يتجنب المساس بمصالحهم، ويوجه ضرباته نحو الطبقة الحاكمة الجديدة، وتغدو مصالح الحرس هي التي تحدد مسار النظام، وتتوجه العقوبات لضرب سيطرته، وعزله عن حلفائه في الدول المؤثرة كروسيا والصين وسوريا وتركيا والبرازيل.
إن مسألة العقوبات غير ناجعة بسبب الاقتصاد البترولي الإيراني:
(ويعود ذلك لأن النفط يشكل سلعةَ التصديرِ الأولى فى إيران، ويمثل ما بين 80 بالمائة إلى 90 بالمائة من الصادرات الإيرانية، كما يمول تصدير النفط ما بين 40 بالمائة إلى خمسين بالمائة من إيرادات الدولة الإيرانية)،.
إن منعَ تصدير النفط غير ممكن، وبالتالي فإن الاقتصاد الإيراني يمضي في دروب الحياة. ولهذا فإن نظام العقوبات الأمريكي السابق طوال (عقود) لم يفلح في تغييرِ شيء كبير:
(وتقلص تأثير الحصار الاقتصادي الأمريكي، طبقاً لتقديرات واقعية، في حدودِ خسارة إيرانية تقدر بما بين 1 بالمائة إلى 6،3 بالمائة فقط من إجمالى الناتج المحلي الإجمالي الإيراني خلال الفترة من 1998 وحتى .2001).
أما فرض حصار بحري فهو يثير حرباً غير ممكنة الحدوث بسبب الخسائر الجسيمة التي سوف لا تقدر على تحملها مختلف الأطراف التي تقوم بها، وتعريضه الاقتصاد العالمي لأخطار فادحة وإشعاله المنطقة.
إذاً العملية السياسية تستهدف تغييرات على الصعيد الداخلي الإيراني، وما يرتبطُ بها من تحولات سياسية في الأنظمة والتنظيمات المساندة لإيران، بحيث يتم التركيز في الخصم الرئيسي وهو الحرس وهزيمته ومنع نمو مشروعاته العسكرية الخطرة وخاصة المشروع النووي.
ومن هنا تتضخم لغة العقوبات وتحاول أن توحي بأنها قادرة على شل الخصم وهزيمته، وهو أمر محل شك.
لكن علينا أن نرى خريطةَ لعبة الشطرنج العسكرية السياسية الخطرة هذه، ومدى قدرتها على فعل شيء حقيقي، ودوافعها العميقة والظاهرة، وكيف يترتب المسرح الإقليمي الدولي للقيادة الأمريكية، التي تترأس النظام الرأسمالي العالمي الراهن في العقود الأخيرة بشقيه الغربي الديمقراطي والشرقي الشمولي.
إن الدول الشرقية الشمولية التي لا تنصاع لإرادة القائد الأمريكي تتعرض آجلاً أم عاجلاً للهزيمة كما أثبتت التجارب إلا في حالتين هما تجربة فيتنام وتجربة كوبا، فهل سوف تنضم إيران إلى هاتين التجربتين؟
وهل هي مشابهة لتينك التجربتين؟
إن الشعب الإيراني مع المشروع النووي، ولكنه ليس مع الهيمنة الحكومية العسكرية التي أهدرت موارده في أعمال لا تعود عليه بالرفاهية، وهو يملك قدرات احتجاجية مشهودة فلم يخنق مثل بقية شعوب المنطقة رغم ضخامة أجهزة القهر والعنف.
فهل ستقوم حكومة أحمدي نجاد بالتحايل بين هذا وذاك، وإلى متى؟ وهل ستصل العقوبات الدولية إلى هذا التحايل وتقطع دابره وكيف؟
إن إمكانية سقوط نظام اجتماعي بالعقوبات هي مسألةٌ خيالية، ولا يمكن أن تؤدي العقوبات إلا إلى مزيد من الضرائب والصعاب الاقتصادية على الجمهور الإيراني العادي، فيما الطبقة الحاكمة بجناحيها الكبيرين المتصارعين خارج هذه المعاناة.
فيما لا تؤدي مثل هذه الضغوط على الشعب العامل إلى أن يخرج مناهضا للنظام، فرأسمالية الدولة الشرقية الشمولية المُدعمة في إيران بنظام جماهيري ديني، ووجود قنوات عديدة للصراع السياسي، تؤدي إلى نتائج معاكسة وهي التفاف الجمهور أكثر حول النظام، بسبب تأجج المشاعر الوطنية والتصور بأن العقوبات هي محاولة لتكسير إرادة الأمة.
كما أن أكبر بلد يقود نظام العقوبات وهو الولايات المتحدة علاقاتها الاقتصادية ضئيلة مع إيران، فكيف يمكن أن ينجح مثل هذا النظام؟
وبسبب ذلك فعلى النظام الاقتصادي الأمريكي أن يدفع إلى الدول الأخرى أثمان مقاطعتها ويوفر لها البديل الاقتصادي للخسائر الهائلة التي تتعرض لها بسبب الدخول في نظام العقوبات، وهذا يؤدي إلى مشاكل اقتصادية لهذه الدول وخسائر تتحملها الشعوب.
نلاحظ ذلك في التحول في السياسة التركية من دعم الخيار النووي الإيراني إلى المشاركة في نظام العقوبات، فتحولت مشروعات ضخمة إيرانية مقدمة لتركيا إلى دول غيرها.
(وبسبب هذا حصل الحرس الإيراني من وزارة النفط الإيرانية عبر شركة (خاتم الأنبياء) الذراع الاقتصادي للحرس الثوري لتنفيذ مشاريع نفطية وغازية بـ10 مليارات دولار، لتأهيل أكبر مشروع يتعلق بمراحل التطوير الثلاث لحقل الغاز العملاق “فارس الجنوبي” في الخليج العربي، بدلا من الشركة التركية للاستثمارات النفطية التي اسُتبعدت من الصفقة).
وبطبيعة الحال هنا تتداخل مسائل الصراعات السياسية الإقليمية بين الدول الإسلامية للأسف مع الصراعات العالمية، ويحدث صراع بين الدورين الإيراني والتركي في المنطقة، ويخسر الجانبان.
والصين في حالة تردد كبيرة للانضمام إلى نظام العقوبات، فهي من أكبر الدول ذات العلاقات الاقتصادية القوية مع إيران: (وحتى عام 2003 استوردت الصين 13 في المائة من احتياجاتها النفطية من إيران، وفى العام الذي تلاه وقعت الصين عقدا مع إيران لتوريد الغاز بقيمة تتعدى 100 مليار دولار، وهو ما أطلق عليه “صفقة القرن”).
إن القيادة العسكرية الإيرانية تتحمل بشكل خاص مسئولية جر المنطقة لكارثة محققة بسبب هذا السلوك الشمولي، وتفردها يقود إلى مزيد من النفوذ الاقتصادي، والهيمنة السياسية، عبر هذا التحكم في الكثير من المؤسسات القديمة والجديدة ذات الطابع الاقتصادي التقني الخطير، مثل المشروعات النفطية العملاقة.
إن إيجاد التوتر السياسي بين إيران والعالم يصب في مصلحة الحرس الإيراني وهو يؤججه بسبب ذلك، فهي مؤسسات عسكرية دخلت الاقتصاد وخيراته الكبرى، وتريد أن تتشبث بها، وتوجد مبررات الصراعات والتوترات، ومن هنا تحيل العقوبات إلى هيمنة بوليسية كذلك على الشعب وتعسكرُ النظامَ بشكل متزايد.
هنا نتذكر كيفية تصعيد النظام العراقي السابق للأزمات وجعل الحرس الجمهوري يلعب الدورين العسكري والاقتصادي، عبر التحايل على نظام العقوبات، واستغلاله المزيد من المكاسب والنفوذ.
هيمنة العسكر المطلقة وتدهور حياة الجمهور وتمزيق البلدان ونشر الفوضى والخراب في بلدان المنطقة، هذه هي ثمارُ الاستكبار العسكري النخبوي.
أي أن نظام العقوبات ينقلب كذلك ضد مصلحة الشعب الإيراني، ويقوي ضده هذه المؤسسات القوية المتنفذة، مع عدم وجود معارضة شعبية واسعة مؤثرة في عملية التغيير، وليس فقط في الاحتجاج المفيد كذلك.
أي أن نظام العقوبات ينقل الوضع إلى حافة المواجهة، العسكرية الخطرة في الخليج، ويعرض شعوبه لأخطار فادحة إذا تحول إلى مواجهة عسكرية عبر هذه الاحتكاكات اليومية المستمرة بين القطاعات العسكرية المتداخلة، ولغات الشحن والصراع، وخاصة أنها تتم مع تحركات سياسية واسعة النطاق، وزيارات ولقاءات ومؤتمرات وإحتجاجات وتحولات في المواقف متداخلة مع جبهة المواجهة الفلسطينية الإسرائيلية، الوجه الآخر لأزمة السلاح النووي الإيراني.
ليس ثمة بديل عن نظام العقوبات السلمي لكنه نظام غير مؤثر باتجاه إيجابي بل باتجاه سلبي خطر.
وعلينا أن نقرأ الوضع بدقة لا أن نتخيل ونحلم فقط.
تلوحُ الضربة العسكرية الأمريكية لإيران في ثنايا الاستعدادات السياسية الجارية التكتيكية على مستوى منطقة الشرق الأوسط، فهنا ليست العقوبات هي التي في مقدمة مسرح الصراع، بل تمزيق كل عرى النظام العسكري الإيراني بحلفائه الواضحين المعلنين وبحلفائه المتوارين والذين يشتغلون بهمة من أجله كذلك.
وتتوجه سياسة أمريكا بهذا الشأن إلى السطوح الخارجية لتضاريس السياسة في المنطقة، كربط الحلفاء باستراتيجية دفاع عسكرية قوية، والمشاركة في نظام العقوبات، بل الحصار البحري كذلك.
أما الحليف الإسرائيلي المرتبط بشكل أعمق بهذه الاستراتيجية فهو يدخلُ كشريكٍ مباشر في أيِ عملية هجومية نظراً لهذا الترابط الذي هو إحدى مشكلات المنطقة الكبرى.
أشار وزير الدفاع الأمريكي:
(إلى أنه يعلم بأن مظلة الأمن بدأت تُقام أو تُشيد بالنسبة إلى دول الخليج العربي بسبب ردة فعل الاهتمام والتطور السريع لبرنامج إيران النووي).
ويضيف: (ونحن قد طورنا العلاقات الأمنية مع معظم دول الخليج العربي الآن ولعدةِ سنين، كالدفاع الصاروخي والجوي والاستطلاع البحري رغم شكوك السعودية حول الحصار وتأثيره على نظام طهران).
إذًا إن الخيار العسكري موجود كحل أخير ومرتب له، وكذلك تجرى عمليات تغيير على تلك السطوح من القشرة السياسية، أهمها عملية الانسحاب من العراق، وتغيير سوريا باتجاه الانفكاك عن التحالف مع إيران، وحل القضية الفلسطينية بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة التي لا ترى النور أبداً، وقيام العديد من الأنظمة في المنطقة بتحسين صورها السياسية الشمولية وإعطاء الجمهور بعض مستويات المعيشة المفقودة في بلدان يسيل فيها النفط.
لكن العقدة السياسية الإيرانية لا تحل كذلك بمثل هذه الأعمال العسكرية والسياسية المختلفة، فهي عقدة خطيرة كبرى خارج السيطرة، ولها قدراتها الداخلية العسكرية الكبيرة وجمهورها المؤيد في بعض دول المنطقة.
الأخطاء الأمريكية السياسية السابقة تجاه إيران تبرز الآن بقوة هائلة، ولم تزل متصلبة حتى في مرونتها الأخيرة، فيجب أن نعي بأن النظام الديني – العسكري الشمولي هو من نتاج السياسة الأمريكية على مدى أكثر من نصف قرن، لكن السياسيين الأمريكيين الحاليين لا يريدون الاعتراف بهذه الأخطاء وإصلاحها.
كان ثمة إمكانية كبيرة لذلك تم اختطافها بسياسة العقوبات، وغلب عنصر الكبرياء المتحدي على العقلانية السياسية، مثل تحسين العلاقات والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، والاعتراف بالأخطاء السابقة والاعتذار عنها، والكف عن التدخل في الشؤون الإيرانية، وإقامة صلات وحوارات سياسية غير مباشرة ومباشرة بعد تلك الخطوات السابقة.
إن امتلاك السلاح النووي لأي دولة يعني عدم قدرتها على المضي بسياسة الحروب.
في حين أن العكس صحيح، فيغدو الوضع الراهن أخطر وأحفل بالكوارث من امتلاك السلاح النووي، الذي هو موجود لدى دول عديدة في المنطقة كالهند والصين وروسيا وإسرائيل وباكستان وكوريا الشمالية.
إن عملية الثأر الأمريكية من إيران والخصومة – العقدة التاريخية منها، والتحديات الحادة التي تقذفها السياسية الإيرانية في وجه المخططات الغربية الوحيدة الجانب، هي كلها تصنع قصر نظر على عيون السياسة الأمريكية، وتوجهها للخصومة الشديدة فقط. وهو أمرٌ يؤدي إلى المزيد من المشكلات الاقتصادية والسياسية داخلها وفي الخارج. إنه من أكبر الأسباب في تفاقم الأزمة المالية العالمية، حيث تلتهم شركاتُ السلاح أغلب الموارد.
وحتى لو أننا افترضنا جدلا وقوع حرب مأساوية وكارثية بكل المقاييس، فلن يؤدي ذلك إلى هزيمة النظام الإيراني، وربما كان العكس هو الصحيح، وتتلقى السياسة الأمريكية هزائم مريرة وكوارث لا تتوقعها، وهو أمرٌ سوف يفاقم أوضاعها وتردي مكانتها.
وحتى الآن لا تمتلك السياسة الأمريكية مقاربة واضحة وبسيطة للعالم الإسلامي، فهو مغاير لكل من تعاملت معهم، ويتلخص في التعامل بقوة مع إسرائيل واحتلالها وغطرستها في المنطقة، وترك الشعوب تشكل طرق تطورها بنفسها، أما بغير ذلك فستجد نفسها في حالات استنزاف تاريخية عسكرية في أمكنة كثيرة تؤدي إلى سقوطها عالمياً كقوة أولى.
≣ أزمة المعارضة الإيرانية
ما هي أسباب انهيار التحالف بين الدينيين الشموليين والليبراليين الدينيين الإيرانيين في إيران؟
لماذا لم تستطع شعارات الليبراليين هؤلاء باعتماد العقلانية وتطوير الحريات أن تتوسع ثم أن تنتصر؟
كان التحالف لا يستند إلى أسس موضوعية، أولاً من حيث الوعي بالإسلام الذي تشكل لدى الحركة الليبرالية الوطنية في إيران خلال العقود السابقة.
فهم كانوا أنفسهم جزءًا من البنية الإقطاعية الفكرية، فلم تستطع المذهبية الاجتماعية السياسية أن تغير ما جرى خلال الألف السنة السابقة من حياة المجتمعات الإسلامية، بالهيمنة المطلقة للرجال على النساء، والهيمنة المطلقة للحكام على المحكومين، وهيمنة الإقطاع الزراعي على الفلاحين، وهيمنة النصوص المحافظة الدينية على إمكانيات العقلانية.
قامت القوى المحافظة السياسية على مدى قرون بتجميدِ حالِ المسلمين، ولم تقمْ القوى الليبراليةُ الصغيرةُ الإيرانية في القرن العشرين بتشكيلِ تيارٍ مهم عميق بين الجمهور، من حيث الاصطفاف مع الحداثة وقسماتها الجوهرية وهي العلمانية والديمقراطية والحرية والعقلانية، وتعكزتْ على الوعي الديني المحافظ، وذلك بطبيعةِ الإنتاجِ المادي الإيراني وبسببِ ضعف المُلكيات الخاصة الصناعية، وكانت قسماتُ الفئاتِ الوسطى تجاريةً كاسحة، وكان صوت “البازار” هو الداعم لشيوخ الدين المحافظين.
وحين انتصرت الثورةُ الشعبية تم توسيع المُلكية الحكومية المتعددة الوجوه وهيمنتْ على الاقتصاد الوطني، وعمقتْ في جزءٍ كبير منها الوعي الديني المحافظ في حين كان الوعي الليبرالي التنويري لدى رفسنجاني وخاتمي مُحاصراً ولا يقوم على أسسٍ علمانية، مثل المُلكية الصناعية التي غدتْ في أيدي البيروقراطية الحكومية وجاء التخصيصُ في بعض الجوانب لصالحِ هذه البيروقراطية واستيلائها على الثروة العامة.
هكذا لم توجدْ برجوازيةٌ صناعيةٌ حرة، وتمت الهيمنة على العمالِ من قبلِ المُلكية العامة والشرطة أنفسهما، ولهذا وجدَ الليبراليون أنفسَهم بلا قواعد ماديةٍ واجتماعية تستطيع أن تطورَ مفردات الحداثةِ والحرية والعلمانية داخل السلطة الدينية. وبدا عجزُهم الاقتصادي متجسداً في ضعفِ مصطلحاتِهم السياسيةِ المتذبذبة، ومع تضخمِ الطبقةِ المسيطرة وأجنحتِها العسكرية خاصة، حدث هجومٌ معاكسٌ على بذورِ الليبرالية، فنمو الحريات السياسية والفكرية والاجتماعية يعني انهيار سلطتها.
ومثلتْ معركةُ الانتخاباتِ الرئاسية ذروةً للصراعِ بين الجناحين، التي تمتْ في ساحةِ ذاتِ الطبقةِ وبمصطلحاتِها وبأدواتِ سلطتِها وتشريعها، وبالتالي فإن الجناحَ الليبرالي الديني لا يَقدرُ أصلاً على نقضِ النظام المحافظ الإقطاعي ورأسماليته الحكومية العسكرية الخطرة، فهو مشاركٌ في غنائمِ هذه السلطة، وهو واقعٌ في ثقافتِها، التي لا يمكن أن تتشكلَ من دون نضالٍ صناعي مستقلٍ حر وبنشوء طبقةٍ صناعيةٍ حرة وبقطاعٍ عام سلمي مُسيطر عليه من قبل الشعب وبوجودِ عمالٍ أحرار.
وبالتالي فإنه ليست مفرداتِ هذه الليبرالية الدينية متناقضة وفاشلة وعاجزة عن تنامي تجذرِها في الواقعِ واستقلالِها عن ثقافةِ الإقطاع والتعبيرِ عن برجوازيةٍ حرة، وعن شعبٍ حر، بل ان أجسادَ هؤلاء الليبراليين الدينيين ذاتها معرضةٌ للقتل والسجن ومختلف أنواع التصفيات.
فالعديدُ من الليبراليين الدينيين بدأت قوى القمع تستأصلهم، فسيد مصطفى تاج زادة تم تلفيق تهم له كي لا يترشح إلى الانتخابات وهاشم آقاجري اعتقل على أساسِ الإساءة إلى الدين. ونستطيعُ أن نأخذَ المثقفَ الليبرالي الديني البارز سعيد حجاريان الذي كان من مؤسسي جهاز المخابرات بعد الثورة، واشتغلَ بنشاطٍ كبير في فاعلياتِها، ثم غيّرَ تفكيرَهُ وأدانَ التجاوزات وعمليات التعذيب وقمع المناضلين التي يقوم بها زملاؤه، فُسددتْ رصاصةٌ إلى رأسه.
وهناك المئاتُ من هؤلاء الدينيين الليبراليين الذين انهالتْ على رؤوسِهم العصي، وأُجبروا على اعترافاتٍ خسيسة تعودُ بنا لزمن محاكم التفتيش، فاكتشفوا ثقافةَ التلفيق التي وقعوا فيها خلال عقود، وكيف جروا الشعب لطريقٍ مسدود ووضعوا المنطقةَ على حافةِ بركانٍ .
إن كبارَ ناشطي ايديولوجيا الليبرالية الدينية، وأحياناً تُطرح باسم “اليسار الإسلامي”، كموسوي، هم أكثر الناس الذين تعرضوا لفشلِ مشروعِهم السياسي رغم انهم على رأسِ السلطة وأيدتهم جماهيرٌ غفيرة، بسببِ أن ليس لديهم مشروع ديمقراطي حقيقي، ولايزالون يناورون ويتذبذبون بين الإقطاع والليبرالية، بين فهمِ الإسلام بشكلٍ دكتاتوري، وفهم الإسلام بشكلٍ ديمقراطي علماني، بين تبعيتهم للقطاعِ العام الشمولي وبين تقزيمِهم للقطاعِ الخاص المُحاصر، بين تأييدهم لنظامٍ سياسي ديني محافظ شمولي وتلعثمِهم بنظامٍ ديمقراطي علماني حر.
أما القيادي البارز والمثقف الذي تتبعنا كلماته المبهمة وشعاراته المتذبذبة “بهزاد نبوي”، فقد عُذب وحُكم عليه بالسجن مدةِ خمس سنوات.
وهذا كله بسببِ أن هؤلاء المثقفين دخلوا في جوفِ السلطةِ الدينية الشمولية وأرادوا تغييرَها بذلك الشكل المتذبذب، وفتحوا ثغرةً في صفوفِها، وحاولوا توسيعَ الثغرةِ فحدثَ الهجومُ المعاكسُ ضدهم حين اقتربوا من مفاتيح السلطة الحقيقية.
≣ الإصلاحيون الإيرانيون
تداخلت التيارات السياسية والاجتماعية لدرجة شديدة في إيران، وقد رفعت تسميات ومصطلحات إيديولوجية لا تعكس حقيقتها الطبقية، وأدى ذلك إلى صعوباتٍ في فهم هذا الصراع الاجتماعي السياسي المركب ك: المتشددون والإصلاحيون، المحافظون والثوريون، وخط الإمام، وغير هذا من مصطلحات للطبقة المسيطرة في إيران المتصارعة.
إن إيران وهي تمر ككل دول الشرق في التحول والتنمية والاستقلال مضت تسير بصعوبة من الإقطاع للرأسمالية، ولعب جهاز الدولة دور القيادة، وتجسد عبر توسع الملكية العامة، التي تظل خاصة بالطبقة المسيطرة، وأسمياً تعود للشعب، ولأسباب قرأنا بعضها لدى سرد سيرة هامشي رفسنجاني، فإن المذهب الديني قام بتجاوز الدولة ولعب دورها.
المذهب لدى آيات الله العظمى يغدو محافظاً معبراً عن همينة الإقطاع بشكل واسع، لكن تجري فيه عمليات تغيير ومطابقة للعصر ببطء شديد، لكنه يغدو كما قلنا أقرب للواقعية السياسية وللعلمانية، لكن الثورة أبعد الآيات العظمى، ونزلت الربجوازية الصغيرة لتقود الحياة الإيرانية بشكل عاصف.
دخول هذه الطبقة للصراع الاجتماعي لا يعني قطعها مع وعي الآيات العظمى، خاصة في مجالات الرؤية الاجتماعية لأحوال الأسرة وتاريخ المذهب وللمبنى الفكري عامة، لكنها تقتحم الميدان السياسي وتطرح مقولات إيديولوجية جديدة، بعضها ينبع من المذهب وبعضها لا ينبع.
ومع سيطرة هذه الطبقة على جهاز الدولة، تكون قد جمعت بنية الإقطاع والرأسمالية معاً، لكنها ليستْ رأسماليةً على الطراز الحر الغربي، بل على الطراز الشرقي الحكومي الاستبدادي، فهي تقوم بالسيطرة على حراكِ الناس الاجتماعي وأحوالهم الشخصية والعقلية، فتغدو إستبداداً إقطاعياً، وهي في ذات الوقت تبني إقتصاداً رأسمالياً حكومياً وهذا يخلق ليبرالية بحدودها الدنيا؛ شركات عامة وخاصة وعلاقات بضائعية ورأسمالية تتغلغلُ في الحياة المُهيَّمن عليها من قبل الدينِ المحافظ المؤدلجِ لخدمةِ الطبقةِ المسيطرة، فهذا الحراكُ المزودجُ المتناقضُ بين الإقطاع والرأسمالية، يخلقُ مجموعةً كبيرةً من الصراعات.
هنا يحدث صراعٌ كبيرٌ على الفائض الاقتصادي بدرجة أساسية، فنرى موجةَ رفسنجاني بفترتي رئاسته تنتجُ الفئات الأولى الكبيرة المستفيدة، وتنحي الفئات البرجوازية الصغيرة التي شاركتْ في إنتاج فكر الثورة وعملها على الأرض وقدمت التضحيات وتصعد القوى الأكثر غنى والأشد قوة.
و(خط الإمام) يعني خط هذه البرجوازية الصغيرة المتذبذبةِ بين الإقطاعِ والرأسمالية، بين القراءةِ الدينية المحافظة وبين الحداثةِ، بين الاستبداد والحرية، بين هيمنة القطاع العام الكلي وبين حرية القطاع الخاص، بين القومية المتعصبة وبين الأممية الإسلامية والإنسانية، بين قمع الشعب وإطلاق سراحه، بين اليمين واليسار.
الصراع على الفائض الاقتصادي يتجسد في الأولويات المحددة للقطاع العام. ففي فترة تكون الأولوية لتنمية القطاع العام الاقتصادي الكبير والقطاع العسكري، وهي الفترة التي صعدت ما يسمى بــ(اليسار)، لكنها كذلك صعدت الفئات البرجوازية الكبيرة داخل النظام ويمثلها رفسنجاني، وجاءت فترة أخرى يمثلها خاتمي، وهي عودة لتيار البرجوازية الصغيرة المتشكل من اليساريين والليبراليين الدينيين وهم الجماعات التي نُحيت في فترة رفسنجاني.
هناك تداخلٌ بين هذه الفئاتِ الوسطى والصغيرة من الطبقةِ الحاكمة، فموجةُ النمو الاقتصادي الرأسمالي الحكومي وسعَّت العلاقات التجاريةَ والثقافية بالغرب، وحصل تطورٌ كبيرٌ للعلاقاتِ البضاعية المالية الرأسمالية، مما يعبرُ عن توجيه جزء مهم من الفوائض الاقتصادية نحو البناء السلمي.
لكن العلاقات الرأسمالية مربوطة ومحكومة بالهيمنة السياسية الإيديولوجية الإقطاعية، فالمضمون الاجتماعي المتصاعد يصطدمُ بالشكل المعرقل.
إن الشكل المعرقل يتجسد في الدستور، وهيمنة المرشد، وفي الإيديولوجية البرجوازية الصغيرة المتناقضة، وفي البرلمانية المنسوجة على قامة الطبقة الحاكمة، وفي شعار ولاية الفقيه، والعداء الغرب الديمقراطي والاشتراكية.
لا بد من تحديد الوجوه والدلالات الحقيقية للإصلاحيين ومنافسيهم المحافظين في إيران، من أجل وضوح الرؤية وتجاوز هذا الصراع بين الليبرالية والإقطاع، وهو صراعٌ يعيشه كلُ المسلمين، حسب درجاتِ تطورِ بلدانهم، وتقومُ الرأسمالية الحكومية بتصعيدهِ إلى مستوياتٍ جديدة حسب القوى المتنفذة على أجهزة السلطة.
لقد رأينا موجتي الليبرالية الحاكمة في إيران عبر هاشمي رفسنجاني وخاتمي، والفروق بينهما وهي فروقُ سنواتٍ مهمةٍ في عمرِ الثورة المتصارعة في تركيبها المعقد المتناقض، لقد تم في السنوات الأولى إبعاد قوى الليبرالية الدينية غير الواعية والمتحمسة للدكتاتورية الدينية في البداية، ثم راحتْ تبحثُ وتستقلُ برؤيتِها وتصارع القوى المحافظة في نقاطٍ معينة مهمة، ثم دخلت السلطة ثانية وحاولتْ تجريبَ مصطلحاتِها الحداثيةِ الدينية المأزومة.
ونتعرفُ هنا أولاً على آراء السيد بهزاد نبوي، وهو شخصيةٌ مهمةٌ من شخصياتِ الليبراليين الدينيين، شَغلَ مناصبَ حكوميةً مهمةً وصار رئيسُ البرلمان في فترةٍ سابقة، ونائبُ رئيسِ الحكومة في الثمانينيات والتسعينيات، وكان من نفسِ موجةِ الحدة العاطفية في بداية الثورة وفي موجةِ إعتقال الرهائن الأمريكيين في السفارة ولعبَ دوراً في المفاوضات لإطلاق سراح الرهائن ثم صارَ خصماً للمحافظين وأُودعَ السجنُ أخيراً في أحداثِ الثورة الخضراء.
اعتمدت آراؤه على الثنائية المتصارعة، أي الثنائية الدينية الليبرالية، غير المكتملتين المتضادتين، يقول:
(والشعار الثاني الذي تبنتهُ الثورةُ هو شعار «الحرية» ويعني، الحرية السياسية والاجتماعية وحرية التعبير والصحافة في إطار الدستور. إننا نؤمنُ بالدستور ونحترم أصوله. فلهذا نعارضُ ولا نقبلُ بوجهة نظر أولئك الذين يضعون الحرية والهرج والمرج في خانة واحدة. إن الحرية التي يطالب خاتمي والاصلاحيون بها هي الحريات المصرح بها في الدستور.)، من مقابلة فكرية لجريدة الشرق الأوسط، (9 يناير 2004).
تعتمدُ نضاليةُ الإصلاحيين داخلَ مؤسساتِ الدولةِ والمجتمع على الوثائق التي سنتها الطبقةُ الحاكمةُ، وهي التي تجعلُ الحريةَ للجماعاتِ الدينيةِ المحافظة عموماً، وتمنعُ بقيةَ القوى السياسية والاجتماعية من الترشح والفوز خاصة في المؤسسة البرلمانية.
وبهذا فإن بهزاد نبوي يعملُ في هذه الدائرة، وبهذا تغدو الحرية طبقيةً ضيقة ومصطلحاتها من مصطلحات الطبقة المسيطرة. يعتمد وعي السيد بهزاد على التعميماتِ الفكرية الغائمة مثل الثورة، والدستور، والثورة الإسلامية، والشعب.
فأي ثورةٍ يتحدثُ عنها؟ أهي ثورةُ الشعب العادية التي سيطرت عليها الطبقةُ الدينيةُ وكرستها لمصالحِها؟ وأي إسلام يتم الحديث عنه؟ أهو إسلامُ الأغلبية الشعبية أم إسلامُ النخبِ الحاكمة الإستغلالية؟ يقول:
(وخلال سنوات الحرب وبسببِ الظروفِ الخاصة التي عاشتها بلادنا، ومعارضة بعض ممن كانوا يعارضون، منذ بداية الثورة تطبيقَ بعضِ الشعاراتِ لم نتمكن من تطبيق شعارات الثورة الاصلية بل حصلت انحرافات هنا وهناك. والحركة الاصلاحية لا تطالب الا بتطبيق شعارات الثورة وعدم خرق الدستور من قبل أصحاب السلطة).
لم يقم الإصلاحيون بتحديد هذه (الثورة). فماذا تريد هذه الثورة وأية قوى تريد إبعادها وأية قوى تريد تكريسها؟ إن لغة التعميميات لا توضح هذا. لقد رأينا هذه (الثورةَ) وهي تبعدُ ممثلي الأغلبية الشعبيةِ العاملةِ وتكرسُ النخبَ الدينية المعبرة عن الإقطاع الريفي بدرجةٍ أساسية، فحتى ممثلي الفئات الوسطى المدنية تم إبعادهم، والإصلاحيون يشعرون إنهم من هذه القوى الوسطى، لكنهم يتحايلون على قوى الإقطاع الممسكة بقوةٍ بمؤسسات النظام السياسية والعسكرية ويريدون تضييعَ الحدود بين الطبقات وتمييع المصطلحات؟!
لقد تعاون الليبراليون الدينيون مع المحافظين الدينيين على تشكيلِ دكتاتوريةٍ عامةٍ أقصتْ أغلبيةَ الشعبِ الثائرِ الذي رفعهم لسدةِ الحكم جاهلاً بطبيعتِهم الطبقية، ثم توهمَّ الليبراليون الدينيون إن السلطةَ غائمةٌ سائحةٌ يمكنهم من الإستيلاءِ عليها بمثلِ هذه اللغةِ المائعةِ إيديويولجياً وسياسياً.
وقد حدد الدستورُ طبيعةَ هذه السلطة الإقطاعية المذهبية القومية وهيمنتها الكلية على المجتمع. فتقومُ مفرداتُ الليبراليين الدينيين تلك بتمويهِ طبيعةِ الدولةِ العضوضة التي هي إستمرار للدول الإسلامية الإقطاعية الطائفية القديمة والحالية مع تطوراتٍ عصريةٍ في الصناعة والأكسسورات الحديثة المختلفة.
ويواصلُ السيد نبوي عرضَ أفكاره:
(إن اهتمام الثورة لم يكن مركزاً على إلتزام أو عدم التزام هذه المواطنة أو تلك بالحجاب الكامل، بل أن هناك اهتمامات أكثر أهميةً مثل صيانة حقوق الشعب وضمان إحترام السلطة للحريات القانونية للشعب.).
يريد السيد نبوي هنا أن يجزىءَ سلطة الدكتاتورية السياسية، فهل تنفصلُ السيطرةُ على النساءِ عن السيطرةِ على بقية الشعب؟ ألا يتخذ الإقطاعيون مسائلَ مثل الحجاب للهيمنةِ الكليةِ السياسية على النساء؟ وكيف يمكن تنفيذ حقوق الشعب بدون تعدديةٍ سياسيةٍ وحريات وفصل للسلطات ويتم التدخل حتى في حرية الإنسان لإختيار ثيابه؟
إن السلطةَ الشموليةَ المحافظةَ هي سلطةٌ كلية، تتجسدُ في هيمنةٍ ذكورية مطلقة، وتحدد حركية النساء وحقوقهن ولباسهن من خلال قراراتها، وهي سلطةٌ شموليةُ تمنعُ الفلاحين من إستعادةِ أراضيهم أو المشاركة بها، وهي سلطةٌ تقررُ توجيه ممتلكات الدولة حسب مشروعات الطبقة الحاكمة في كلِ حقبة سياسية.
وفي الظرفِ الذي يتكلمُ به السيدُ نبوي ويقومُ فيه بانتقاداتٍ خفيفة، ويحاولُ التعبير عن تعدديةٍ موهومة، غير موجودة، ثمة رياحٌ ليبرالية في مؤسساتِ الحكم حيث هيمن خاتمي ولغتهُ في توسيع الحريات الليبرالية المحاصرة داخل النظام، لكن ذلك لم ينجحْ وجاءت عاصفةٌ محافظة.
لهذا إذن إن الحديثَ عن العمومياتِ خاصةً في عمومية الإسلام يرتكبُ خطيئةً أصلية، حيث لا بد من القول إن الإسلام المُجَّسد عبر هذه الممارسة هو إسلامُ المسيطرين على المالِ العام وعلى رؤوسِ النساءِ وعلى أكلِ الفلاح وعلى فمِ العامل المغلق.
يتجمد وعي الإصلاحيين الإيرانيين في المسائل الحداثية الكبرى للعصر وخاصةً في مسألة العلمانية. فيقومُ بمناوراتٍ إيديولوجية وسياسية حولها.
نتابعُ أفكارَ السيد بهزاد نبوي المسئولَ السياسي الكبيرَ السابق والذي حُكم عليه بالحبسِ خمس سنوات في الثورةِ الخضراء، يقول:
(أود أن أقول أولاً بأنني لستُ من العلمانيين، بل اعتقدُ بالحكومة الدينية، ونظام ولاية الفقيه هو أحدُ وجوهِ الحكومة الدينية. في الفقهِ الشيعي هناك بعضُ الفقهاءِ وعددهم ليس كبيراً ممن يؤمنون بنظرية ولايةِ الفقيهِ وكان الامامُ الراحلُ الخميني واحداً منهم. ونظراً الى انه كان قائدُ الثورة ونظرةُ ولاية الفقيه كانت نظرتهُ حول الحكومة فإننا بسببِ إيمانِنا به وبسياساته، قبلنا بولايةِ الفقيه في إطارِها الدستوري)، السابق.
تحددُ هذه العبارة تاريخيةً مبهمةً لكننا نستطيعُ أن نوضحَ أشياءَ فيها، فتشيرُ كلماتُ الضميرِ الجماعي في (قَبلنا) وغيرها، إلى الكتل التحديثية (الثورية) و(اليسارية) و(الليبرالية) التي قَبلتْ بقيادةِ الإقطاع الديني، بعد الضرباتِ الموجهةِ للبرجوازيةِ الوطنية بعد مصدق، حيث غدا هذا الإقطاعُ هو الجسم السياسي المتنامي في حضن المجتمع والذي له تاريخٌ سابق طويل، وحاولت قيادة الخميني الجمعَ بين المحافظين الدينيين وأولئك الليبراليين الرافضين خاصة للعلمانية، وتم إلتحاقُ هذه النخبِ بهذه القيادةِ الدينيةِ التي جذبت الجسمَ الدينيَّ الواسعَ للسيطرةِ على أجهزةِ الدولة والحياة الاجتماعية.
لقد عبَّرتْ الكتلُ الليبراليةُ واليسارية واليسارية المتطرفة عن هذا الفشلِ في تثقيفِ الشعبِ وتنويرهِ وعدم إتخاذ مواقف صائبة عميقة خلال العقود السابقة، عبر إعتمادِها على نقلِ الموديلات النظرية السياسية الخارجية، والأخطر كان إعتمادُ بعضِها على العنف المسلح المغامر، مما أدى إلى حرق وتحجيم هذه الكتل على درجاتٍ مختلفة.
ولهذا كانت ولايةُ الفقيه هي تعبيرٌ عن إفشالٍ لإصلاحية آيات الله العظمى المتدرجة وقفزٌ عليها، كما أنها تذويبٌ للمنظماتِ الليبرالية واليسارية وعدم الإعتراف بها عملياً، أي هي شكلُ الدكتاتورية الإيديولوجية السياسية الحاكمة.
وبطبيعةِ الحال لا بدَ أن يكونَ هذا الشعارُ السياسي غيرَ مقبولٍ للغالبية من رجال الدين الشيعة نظراً لجرهِ إيران إلى مغامراتٍ سياسيةٍ وعسكريةٍ محفوفةٍ بالمخاطر كما أثبتَّ التطورُ ذلك، لكنهم لم يناقشوه ويحللوه.
ويشيرُ تعبيرُ السيد نبوي هنا إلى ذيليةِ هؤلاء الليبراليين الدينيين في العمليةِ التاريخيةِ، وقبولهم بالدكتاتورية الصاعدة، وعدم فهمهم للعملياتِ التاريخيةِ التي جرتْ للإيرانيين وللمسلمين عامة.
إن لحظةَ قيادةِ البرجوازية الصغيرة من قبل دينيي الثورة، للصراع الصعبِ المفتوحِ والمجهول تدفعُها لمقاربةِ الليبراليين، إنها لا تُظهرُ هنا في لحظةِ التشكيلِ المتلهبة كلَ شخصيتها، فهي لا تزالُ في القاع الاجتماعي ولم تتناثرْ عليها الثرواتُ بعد، وهي بحاجةٍ لهم، ويمكن أن تتقاربَ مع سماتٍ معينة كالحرية والشعب والدستور وغيرها لكنها تؤسسُ الدولةَ وبناءَها الاقتصادي، فترتفعُ الفئاتُ الوسطى الأكبر عن تلك البرجوازيةِ الصغيرة التي تجسدتْ في الأئمةِ البسطاءِ الفقراءِ، وفي المثقفين الشعبيين المضحين، ولكن حراكَ الحداثةِ لديها لا يجعلها تنطلقُ في الحرية والعلمانية والديمقراطية الحقيقية، فلجامُ الإقطاعِ يوقفُها ويضغطُ على فمِها وعقلها، فهي تنتفخُ عبرَ مؤسسساتِ الرأسمالية الحكومية التي يحددُ خطوطَها العريضةَ الإقطاعُ الديني بأهدافه.
والليبراليةُ الدينيةُ تريدُ الاستمرارَ في هذا التحول البنائي الرأسمالي الحكومي نحو الرأسمالية الحرة والانتخابات الحقيقية والديمقراطية والحريات، لكنها وقعتْ في القبضةِ العامةِ للمؤسساتِ المعبرةِ عن القوةِ الأساسية في هذه الطبقة الحاكمة وهي قوة المحافظين المعبرين عن ذلك الإقطاع الديني التاريخي الموروث الذي خنقَ الثورةَ الإسلاميةَ الأولى وشكلَّ الدولَ العضوضة على صفحات التاريخ الواسعة.
الحبلُ الأولُ من ذلك اللجامِ هو إلغاءُ العلمانية في دولةِ المحافظين، وهي المعبرةُ عن حاجاتِ الأغلبيةِ الشعبيةِ المسلمةِ خاصةً في الإنفكاكِ من «سيطرةِ» الإقطاعين السياسي والديني، الموسومة بأسم الإسلام.
يقول السيد نبوي:
(وبالطبع فان مبدأ ولاية الفقيه في الدستور يجب ألا يكون في التناقض مع بقيةِ المبادئ والاصول الدستورية. أي أن لا يأتي فوق الاستقلال والحرية والجمهورية الاسلامية. إن ولاية الفقيه التي نقبلُ بها ليستْ سلطةً فوق سلطة القانون والدستور. إن المادة 110 في الدستور حددتْ بشكلٍ واضحٍ حدودَ وابعاد صلاحيات وسلطات الولي الفقيه) السابق.
إن مبدأ ولايةِ الفقيه لم يكن في تضادٍ مع الدستور بل هو رتبَ موادَهُ لتكريسِ ذاتهِ فيه، وجعلَ الوليَّ الفقيه مهيمناً عبر مؤسساتٍ خاضعةٍ له، وهي كلها تعبرُ عن هذه البيروقراطية الدينية العسكرية المالية الحاكمة، وليستْ عن هذه التعبيرات المجردة: الشعب، والأمة والمسلمين الخ.
يفهم الليبراليون الدينيون الحقبة الراهنة كما تشاء إسقاطاتهم الفكرية، وأمانيهم الحالمة، لكن مفردات الواقع الحقيقية لها أسنان قوية سوف تعضهم بقوة شديدة.
بدأ خطُ الاعتدالِ الإصلاحي يتكسر بدءً من إبعاد آية الله حسين منتظري، لقد عبر ذلك عن تصاعدِ القوى الحكومية المتنفذة، أي جماعات البيروقراطية الاقتصادية العسكرية التي صارتْ هي المهيمنة على جهاز الدولة والمجتمع.
وفي هذا الإبعاد غدتْ المرجعيةُ السياسيةُ مرة أخرى أقوى من المرجعية الكبرى الفقهية المتخصصة، ووجهتْ الحياةَ العامةَ نحو مغامراتٍ جديدة.
لنقلْ بأن آيات الله العظمى كانت هي الحافظةُ للتطورِ التدريجي للشعبِ الفارسي المنتمي للشيعةِ ولإيران عامةً، إنها تتداخلُ مع الأنظمةِ المحافظة ولا شك، لكن مجالَ المذهب يبقى له إستقلاليته الخاصة المُصّانة والقابلة للتجديد والبحث والاجتهاد.
هي موسوعةُ المذهبِ الحافرةِ عبرَ عقودِ السنين، وتراكم الاحكام والاجتهاد والمعبرة عن شعيراتِ تطورِ الشعبِ بتراثهِ وبتناقضاتهِ ومشكلاتهِ وتخلفهِ وبحثه عن التطور والعدالة.
ولكن الجماعات السياسية المذهبية تمثلُ قفزات وشطحات وإجتهادات، تصيبُ وتخيب، وفي صوابِها مكسبٌ وفي أخطائها مشكلات كبيرة. لكونها لم تغصْ في تراث الشعب الديني مثل المرجعيات ويحركها الصراعُ السياسي اليومي، وتكتيكاتهُ المحدودةُ الرؤيةِ غالباً والخطرة، وإذا كان الفقيهُ يحتاجُ زمناً طويلاً ليُرجحَ حكماً في مسألةٍ بسيطة، فإن السياسيَّ مطالبٌ بالحكم الفوري والخطير المتقلب في قضايا مصيرية، وإذا كان ذلك متصلاً بالدين فهو يغدو مشكلةً محفوفة بالمخاطر. وهذا يعبرُ عن التضاد الكبير بين الفقه والسياسة. ولهذا كان الإمامُ الخميني رافضاً لتكوين الأحزاب السياسية الدينية لفترةٍ طويلة كما يروي الشيخُ رفسنجاني في كتابه (حياتي).
ومن هنا توجهتْ المرجعياتُ الكبرى للاحجامِ عن التدخل بالسياسةِ المباشرة، تاركةً للسياسيين الخوضَ في غمارِها اليومي المتقلب، وهي تتأنى وتدقق وتدرس، ويرتبطُ الحكمُ هنا بمصير الملايين حياةً أو موتاً!
ويرينا المرجعيةُ الكبرى السيدُ السيستاني نموذجاً في ذلك، وهو الذي يستطيع أن يزلزلَ الأرضَ بتوجيهاتٍ سياسية مباشرة.
وبطبيعة الحال فإن أغلبيةَ المرجعيات محافظة، ولكن يتشكلُ فيها بصورةٍ نادرةٍ المجددون كذلك، وعلى مدى التطورات الحاصلة في الحياةِ وفي وعي الناس، تتحددُ تلك الإنجازات الجديدة ومدى نموها داخل بُنى المذهب.
وفي الشأن الإيراني فإن المرجعيات الكبرى لم تَغبْ عن الصراع الخطير، لكنها مستمرة في العمل الذي عكفتْ عليه خلالَ عقود، وهي تمسكُ الجذورَ التحتيةَ العميقةَ للشعب، وما المؤسساتُ السياسيةُ إلا أشكالٌ مؤقتةٌ تعكس صراعات الكتل السياسية والاجتماعية المختلفة العابرة.
إن التطورات الاجتماعيةَ الفوقيةَ لم تغيرْ طابع الحياة المحافظ، لكن نظرية ولاية الفقيه أقحمتْ الدينَ في النظام الحاكم، والسياسة لا تعرفُ سوى هيمنةٍ واحدية، وهذا ورطَّ المذهبَ الرسمي الحاكم كذلك على مستوى الأحكام الاجتماعية وليس السياسية فقط، مما جعلَ قسماً من الجمهور يضجُ بالشكوى، وقد وصلت هجرة المثقفين إلى مليوني ونصف شخص من إيران إلى الغرب.
لقد برزتْ معارضةُ المرجعيات الكبرى في تصاعدِ أحكامِها الفكرية العامة. لقد قالَ بعضُ المحافظين الدينيين؛(أن لا ولايةَ مطلقةً في غيبةِ الإمام المهدي، وأن شرعيةَ النظام الإسلامي لا تقومُ إلا بظهوره، وأن التسليمَ لنظام الجمهورية الإسلامية بالشرعية الإسلامية انتقاصٌ من الشرع نفسه).
إن النظامَ السياسيَّ عبر هذا الرأي الديني من بعض المرجعيات الكبرى، يتحولُ إلى مجردِ إجتهادٍ غيرِ مقدس، وبالتالي فإن معارضته شرعية وتغييره مفتوح، وقد إستخدمتْ هذه المرحعياتُ مفردات المذهب بدون أن تدخلَ في السياسةِ المباشرة!
هذه الأحكامُ تدخلنُا في التعدديةِ الدينية ، وهي بابٌ للديمقراطية، فلا يجوز أن يفرضَ توجهٌ ما رأيه الديني الكلي، إن الآيات العظام للمذهب تعودُ تدريجياً لمكانتِها الكبرى في الحياة الاجتماعية الشيعية، وفكرة ولاية الفقيه تتآكلُ تدريجياً في الداخل.
ومن هنا فإن الإصلاحيين الإيرانيين الذين سايروا الفكرة وروجوا لها يشعرون بالإحراج الفكري، لكن هذا ليس خاتمة المطاف، فهم لم يفهموا الفكرة كشموليةٍ سياسية، وأرادوا أن يزيلوها عملياً وينقضوها في الممارسة السياسية وهم الذين أيدوها!
يقول السيد بهزاد نبوي في الحوار السابق ذكره:
(ولايةُ الفقيهِ كما جاءتْ في الدستور لا تتعارضُ مع الديمقراطية، وكون الولي الفقيه شخصية غير حزبية لا تنتمي إلى خطٍ سياسي معين، يجعلهُ رمزاً للوحدةِ الوطنية وسيادة الشعب. وكما أن رئيسَ الجمهورية مسؤولٌ أمام الشعب، فإن الولي الفقيه مسؤولٌ أيضاً، إن قراءتنا مختلفةٌ عن قراءةِ أولئكَ الذين يعتبرون الولي الفقيه سلطاناً مستبداً يفعلُ بما يشاء ومن غير الممكن مساءلته).
يتجاهل السيد بهزاد هنا المعاني الحقيقيةَ للدستور الإيراني، الذي يجعل من الولي الفقيه الحاكم الأساسي الذي يشكلُ الطبقةَ الحاكمة بتكويناتِها المختلفةِ المتغيرةِ عبر تنامي الصراع الاجتماعي، فهو الرئيسُ أو الحاكم المطلق كما يجري في العالم الثالث، والذين يختارونه يتم تعيينهم من قبله في الدورة الثانية كما هو الفقيه الولي الراهن، ولنقلْ بأن الشمولية في الطبقة تصاعدت عن السنوات الأولى، مع تنامي غنى وعسكرة الطبقة الحاكمة، حتى لم تقبل بمرجعيات أكثر علماً بل بالمرجعية الأكثر تعبيراً عن أقسام الطبقة الحاكمة المركزية. ومن الممكن أن يتحولَ منصبُ الولي إلى منصبٍ متوارث، لأن الجمهوريات تتحولُ إلى مَلكيات في العالم الإسلامي.
سنرى إن الاستبداد الذي ينفيه السيد نبوي يُطبقُ عليه، هو نفسه، وإن ولايةَ الفقيه ليست فقهاً فقط بل حكومة سياسية صارمة.
ما هي أسباب إنهيار التحالف بين الدينيين الشموليين والليبراليين الدينيين الإيرانيين في إيران؟
لماذا لم تستطع شعارات الليبراليين هؤلاء باعتماد العقلانية وتطوير الحريات أن تتوسع ثم أن تنتصر؟
كان التحالف لا يستند على أسس موضوعية، أولاً من حيث الوعي بالإسلام الذي تشكل لدى الحركة الليبرالية الوطنية في إيران خلال العقود السابقة.
فهم كانوا أنفسهم جزءً من البنية الاقطاعية الفكرية، فلم تستطع المذهبية الاجتماعية السياسية أن تغير ما جرى خلال الألف السنة السابقة من حياة المجتمعات الإسلامية، بالهيمنة المطلقة للرجال على النساء، والهيمنة المطلقة للحكام على المحكومين، وهيمنة الإقطاع الزراعي على الفلاحين، وهيمنة النصوص المحافظة الدينية على إمكانيات العقلانية.
قامت القوى المحافظة السياسية على مدى قرون بتجميدِ حالِ المسلمين، ولم تقمْ القوى الليبراليةُ الصغيرةُ الإيرانية في القرن العشرين بتشكيلِ تيارٍ هامٍ عميق بين الجمهور، من حيث الاصطفاف مع الحداثة وقسماتها الجوهرية وهي العلمانية والديمقراطية والحرية والعقلانية، وتعكزتْ على الوعي الديني المحافظ، وذلك بطبيعةِ الإنتاجِ المادي الإيراني وبسببِ ضعف المُلكيات الخاصة الصناعية، وكانت قسماتُ الفئاتِ الوسطى تجاريةً كاسحة، وكان صوتُ(البازار) هو الداعم لرجالِ الدين المحافظين.
وحين إنتصرت الثورةُ الشعبية تم توسيع المُلكية الحكومية المتعددة الوجوه وهيمنتْ على الاقتصاد الوطني، وعمقتْ في جزءٍ كبير منها الوعي الديني المحافظ في حين كان الوعي الليبرالي التنويريي لدى رفسنجاني وخاتمي مُحاصراً ولا يقوم على أسسٍ علمانية، مثل المُلكية الصناعية التي غدتْ في أيدي البيروقراطية الحكومية وجاء التخصيصُ في بعض الجوانب لصالحِ هذه البيروقراطية وإستيلائها على الثروة العامة.
هكذا لم توجدْ برجوازيةٌ صناعيةٌ حرة، وتم الهيمنة على العمالِ من قبلِ نفس المُلكية العامة والشرطة، ولهذا وجدَ الليبراليون أنفسَهم بلا قواعد ماديةٍ وإجتماعية تستطيع أن تطورَ مفردات الحداثةِ والحرية والعلمانية داخل السلطة الدينية. وبدا عجزُهم الاقتصادي متجسداً في ضعفِ مصطلحاتِهم السياسيةِ المتذبذبة، ومع تضخمِ الطبقةِ المسيطرة وأجنحتِها العسكرية خاصة، حدث هجومٌ معاكسٌ على بذورِ الليبرالية، فنمو الحريات السياسية والفكرية والاجتماعية يعني إنهيار سلطتها.
ومثَّلتْ معركةُ الانتخاباتِ الرئاسية ذروةً للصراعِ بين الجناحين، والتي تمتْ في ساحةِ ذاتِ الطبقةِ وبمصطلحاتِها وبأدواتِ سلطتِها وتشريعها، وبالتالي فإن الجناحَ الليبراليَّ الديني لا يَقدرُ أصلاً على نقضِ النظام المحافظ الإقطاعي ورأسماليته الحكومية العسكرية الخطرة، فهو مشاركٌ في غنائمِ هذه السلطة، وهو واقعٌ في ثقافتِها، التي لا يمكن أن تتشكلَ بدون نضالٍ صناعي مستقلٍ حر وبنشؤِ طبقةٍ صناعيةٍ حرة وبقطاعٍ عام سلمي مُسيطر عليه من قبل الشعب وبوجودِ عمالٍ أحرار.
وبالتالي فإنه ليس أن مفرداتِ هذه الليبرالية الدينية متناقضةٌ وفاشلةٌ وعاجزةٌ عن تنامي تجذرِها في الواقعِ وإستقلالِها عن ثقافةِ الإقطاع والتعبيرِ عن برجوازيةٍ حرة، وعن شعبٍ حر، بل أن أجسادَ هؤلاء الليبراليين الدينيين ذاتها معرضةٌ للقتل والسجن ومختلف أنواع التصفيات.
فالعديدُ من الليبراليين الدينيين بدأت قوى القمع تستأصلهم، فسيد مصطفى تاج زاده تم تلفيق تهم له كي لا يترشح للانتخابات وهاشم آقاجري أُعتقل على أساسِ الإساءة للدين. ونستطيعُ أن نأخذَ المثقفَ الليبرالي الديني البارز سعيد حجاريان الذي كان من مؤسسي جهاز المخابرات بعد الثورة! وأشتغلَ بنشاطٍ كبير في فاعلياتِها، ثم غيّرَ تفكيرَهُ وأدانَ التجاوزات وعمليات التعذيب وقمع المناضلين التي يقوم بها زملاؤه، فُسددتْ رصاصةٌ إلى رأسه!
وهناك المئاتُ من هؤلاء الدينيين الليبراليين الذين أنهالتْ على رؤوسِهم العصي، وأُجبروا على إعترافاتٍ خسيسة تعودُ بنا لزمن محاكم التفتيش، فأكتشفوا ثقافةَ التلفيق التي وقعوا فيها خلال عقود، وكيف جروا الشعب لطريقٍ مسدود ووضعوا المنطقةَ على حافةِ بركانٍ هتلري.
إن كبارَ ناشطي إيديولوجية الليبرالية الدينية، وأحياناً تُطرح بأسم (اليسار الإسلامي)، كموسوي هم أكثر الناس الذين تعرضوا لفشلِ مشروعِهم السياسي رغم إنهم على رأسِ السلطة وأيدتهم جماهيرٌ غفيرة، بسببِ أن ليس لديهم مشروع ديمقراطي حقيقي، ولا يزالون يناورون ويتذبذبون بين الإقطاع والليبرالية، بين فهمِ الإسلام بشكلٍ دكتاتوري، وفهم الإسلام بشكلٍ ديمقراطي علماني، بين تبعيتهم للقطاعِ العام الشمولي وبين تقزيمِهم للقطاعِ الخاص المُحَّاصر، بين تأييدِهم تأييدهم لنظامٍ سياسي ديني محافظ شمولي وتلعثمِهم بنظامٍ ديمقراطي علماني حر.
أما القيادي البارز والمثقف الذي تتبعنا كلماته المبهمة وشعاراته المتذبذبة (بهزاد نبوي)، فقد عُذب وحُكم عليه بالسجن لمدةِ خمس سنوات.
وهذا كله بسببِ أن هؤلاء المثقفين دخلوا في جوفِ السلطةِ الدينية الشمولية وأرادوا تغييرَها بذلك الشكل المتذبذب، وخلقوا ثغرةً في صفوفِها، وحاولوا توسيعَ الثغرةِ فحدثَ الهجومُ المعاكسُ ضدهم حين اقتربوا من مفاتيح السلطة الحقيقية!
≣ مذهبية سياسية تجميدية
إذا كانت المذاهب الإمامية عاشتْ في حياةِ وصراعِ الحصار فإن المذاهبَ السنيةَ بحثتْ عن التطورِ المحافظ، عن التطورِ البطيءِ المُـقننِ في ظلِ سيطرةِ الماضي القوية، وقد كانت قد خرجتْ من الجزيرة العربية في بدءِ التاريخ الإسلامي عَبر المالكيةِ النصوصية الاجتهادية، وازدهرتْ عبر الحنفيةِ العقلانية المتجهةِ للتجديدِ في ظلِ نموِ المدن العربية المزدهرة بالعلاقاتِ الرأسمالية في ذلك الحين. وإذا كانت الشافعيةُ قد مالتْ لشيءٍ من المحافظة في ظلِ الاجتهاد فإن الحنبليةَ مثلتْ تراجعاً على صعيدِ الاجتهاد، وبدء تكوين مذهبية الانغلاق والتكوين الجوهري المنقطع عن إنجازات البشرية.
زمنيةُ ظهورِ ونمو الحنبلية كان زمنية الصراع (القومي) العربي – الفارسي، وقد نضبتْ فيه ينابيعُ العقلانية في وعي الدين خاصة، وتضخّمت القوى البدويةُ في المدن وبدأت الشعوبُ البدويةُ بالحراك والهجوم على المناطقِ الحضرية، وجاءت الغزواتُ الأجنبية لتعزز هذا المسار الانهياري، فتداخلت الحنبليةُ بالجهادية السلفية الاقتلاعية لكل شيءٍ مغاير، وحنطت العروبةَ في أشكالٍ لا في حياة وحراك فكري جهادي، ووجدت في الجزيرة العربية البيئة المناسبة لازدهارها!
هو الوعي الفقيرُ في زمنِ الفقر ولاستغلالِ الفقراء!
النصوصيةُ، ووقفُ التفاسير العقلية، والعودةُ لهيمنةٍ ذكورية حادة، وطرد كل ما هو مؤثر حضاري من حياة الأسرة والقبيلة والمدينة، والتشدد في أحكام الحدود، والفصلُ السلطاني الحريمي بين الرجال والنساء، والحفاظُ على النصوصِ القديمة الحَرفية المُبسطة للأسلام وكأنها الحرز الحريز، اتخذ ذلك كشكلٍ من أشكال الهيمنةِ السياسيةِ المباشرة والقاسية المدعوم بالقوةِ العسكرية العامية الفظة!
فجاءتْ الجزيرةُ العربية وخاصة قلبها المملكة، كقالبٍ حديدي متراجعٍ كلياً عن مرونةِ المذاهب السنية.
وجاء النهبُ الأمريكي للثروة العربية الوفيرة متداخلاً مع الحفاظ على هذه النصوصية وعلى هذا التخلف الأسطوري، فحدث تناقضٌ هائلٌ بين قمةِ الأمبرياليةِ العالمية، حيث أحدث المناهج في القراءات والعلوم وبين قعرِ القفةِ في الكرة الأرضية، حيث أشد حالات التخلف والبؤس الفكري وجمود العلاقات البشرية!
هناك النساء على شواطئ العراة وهنا مخبآت في الغرف الخلفية فقدن كل حق!
المجلات تُقطع من مقالاتِها ومن صورِها، والكتبُ ممنوعة، والأفلام مقصوصة، والمحرمات لا عد لها، والحلال مراقب، والكثيرون من البشر ممنوعون من الدخول، فقط لأن فريقا من البشر يغرفُ بحيرات النفط ويملأ خزائنه من أرباحها الهائلة!
حدث تمزق للقراءة النصوصية السلفية المحافظة وللهيمنة الإمبريالية الأمريكية على السواء حين جرى الحراكُ السياسي في آسيا بدءاً من أفغانستان، فقد عبّرت ثورةُ أفغانستان عن التمرد الفوضوي لمثقفي المسلمين النخبويين المستوردين لكتالوجات الانقلابات الخارجية، بسببٍ من فظاظةِ الإقطاع الديني الذي تشبثَ برقابِ المسلمين وخنقَ أنفاسهم، فقام الإقطاعُ السياسي والأمبريالية بحشدِ جميع الطاقات لاستمرار احتجاز الشعب. وبالتالي فقد أعطوا هذه الحركات المحافظة كل الأدواتِ الحديثةِ من تنظيماتٍ وتمويل وأسلحة لكي تتحركَ وتدمر آخر ما بقي من أنفاس الحداثة المخنوقة!
بدا لهذه الحركات (الجهادية) أنها تماثل السلف المغير للتاريخ، خاصة أن مفردات(الاشتراكية) و(الحداثة) الغربية غدت مثل الشمع الذي يذوبُ في وهجِ الرصاص، وأنها قادرة على نسخ الزمن الماضي، وكأن عقارب الساعة الإسلامية يجب أن تعود أربعة عشر قرنا للوراء، فوق بحار من الدماء!
لكن القوى التي حضنت هذه الجراثيم الاجتماعية في حضانة الصحراء المغلقة، دفعت ثمناً باهظاً لهذا الاحتضان، لكن الثمن لم يُدفع بالكامل، وما زالت المسألةُ بعيدةً كثيراً عن التسوية، وتتلهف لضحايا كثيرين، وهو صراعٌ عميقٌ بين محافظة انتحارية وبين تحديثية هشة، بين علاقاتٍ اجتماعية استبدادية ذكورية سياسية راسخة في الجبال الاجتماعية، وبين قراءاتٍ ضحلةٍ للحداثة وهشاشةٍ ليبرالية وشكلانيةٍ استيرادية وبرجزة نفعية انانية!
الطريق طويل والصحراء مليئة بالألغاز والتحديات.
≣ الخليج وأصداء التجربة الإيرانية
عبرت إيران والسعودية من بين دول الخليج والجزيرة العربية خاصة، عن المسار النفطي الواسع التدفق بعد فقر مدقع.
بلدان كبيران عاشا زمنين تقليديين طويلين، ثم اندفعا في التحديث عبر حراك الدولتين المطلق.
تجربتا المحافظة الدينية في بلدين، تحمسا لها، ثم وجدا أنفسهما في موقفٍ آخر، ليس هو الحماسة، فيه اضطراب، وفيه حيرة، وفيه بحث! لكن إلى أين وكيف؟
ضخامةُ كلِ بلد، والعددُ الكبيرُ للشعب، وجذورُ الفقرِ الطويلة، والقفزةُ التي قام بها كل بلدٍ منهما إلى أجوازِ الفضاءِ الحضارية، وقدماه متشبثتان بالتراب وبالصحارى وبالهضاب القاسية! كلها أشكالٌ متماثلةٌ في الخطوطِ العريضة للتاريخ!
رغم أن جذورَ الشعب الإيراني مرتبطةٌ بشكلٍ أكبر بعملياتٍ نهضويةٍ ضخمة عبر التاريخ، وكذلك فإنه راكم ثمارَ هذه التجارب التاريخية النهضوية الطويلة داخل بلده وبين مؤسساته الدينية والاجتماعية المختلفة.
ومع هذا فإنه على ضخامةِ تاريخه، وغزارةِ أموالهِ المتدفقة من آبار النفط، لم يستطعْ أن يدمجَ جذورَهُ الراسخةَ الطويلة بثمارِ الحضارة الحديثة، ودخلَ في عراكٍ تاريخي حادٍ ضار مع العصر، خسر فيه الكثير من السنوات، ومن الدماء، ومن الجهود التي ضاعت هباءً!
وتجلى ذلك عنفاً وعبر خندقين ضاريين: الماضي المُحافظ عليه بكلِ صلابةٍ حادة رهيبة، من جهة، وحداثةٌ هشةٌ صغيرة تريدُ أن يُسمحَ لها بالبقاء وبالتجذر وبإعطاء فرصة لزرعِ آثارِها المفيدة، كما تفعلُ أصغرُ الشعوب على الأرض، لكن المناجلَ المرهفةَ الحد تسارعُ في قطفِ الزهرات الرقيقة وحصدِ الرؤوسِ اليانعة بالفكر!
ولعبَ الدورَ البالغ في تصعيد التقوقع الداخلي الشمولي من كان يُفترض أن يكونوا قادة النهضات ورسلَ التحرر والانفتاح والحداثة!
المفكرون هم زهراتُ الشعوبِ وذروةُ تطورِ معرفتِها، فثمة أناسٌ قلة يظهرون وتتركز فيهم شعيراتُ التبصرِ والرؤية ويرهفون الأسماعَ لخطى التاريخ، وحراكه الدامي، ويحدسون بمواقع الصدام الرهيبة المنتظرة ويشيرون إلى الدروب الأكثر سلاماً!
لكنهم لم يظهروا في تجربة الشعب الإيراني حتى بتلك الندرة المؤثرة، في ظل هذه التجربة الغنية الوافرة بالمبدعين والمتصوفين والعلماء، فماذا يمكن أن يحدث في تجربة الجزيرة العربية؟! وخاصة في السعودية أكبر هذه البلدان وأحفلها بخامات الثروات الوفيرة، وبساطة السكان؟!
عاشت السعودية في بقاع الجزيرة العربية الجرداء غالباً، وكانت المدنُ مصابيح صغيرةٌ نهضوية في محيط من الرمال، ثم اندفعت الحياة والحداثة وتعملقَ القديمُ بجبروتٍ واسع، وترددت الأجهزةُ الحكومية بين تأييد الحداثة زمناً وامضاً، ودعم القديم بكل قواه وهياكله العظمية غير المجددة، وهياكله الهائلة المُجددة!
سنقومُ بتحليلِ مواد محددة لقوى الحداثة والتقليد، متناثرة في أشكال الوعي من أدب وفكر ودين، لنقرأ بطائنها الداخلية، وماهيات هذه الحداثة المتحدث عنها كثيراً، وهذه الليبرالية ومدى ليبراليتها، لنحاول رؤية العملاق التقليدي المهيمن الذي لم ينقض بعد على الزهرات الصغيرة من الحداثة.
لا شك ان تناقضات التجربة التحديثية السعودية أكبر من تناقضاتها في إيران، كما أن طبيعة مذهبية الحصار والمحافظة الشديدة متماثلتان، لكن السعودية تمتلك أدوات تغيير مختلفة، وقد ارتبطت بالغرب التحديثي، في شكلٍ كانت فيه بدايةً معاداة كبيرة، لكنها معاداة تغيرت كثيراً، وحدث اندماجٌ مهم في التحديث، رغم بقاء الطبقة السفلى الشعبية من الواقع التقليدي في ظل القديم المعادي العنيد للحداثة.
بلدان يمثلان مستويين قاريين يتعرضان لحراك زلزالي وشعوب كثيرة تعيش في منطقة الزلازل هذه، فإلى أين؟
≣ الوعي الشقي المُحاصَّر
هي خصائصٌ جغرافية وشعبية وعنصرية وطبيعية جعلت من الشعب الفارسي على هضبة كبرى تحيط به شعوبٌ رعوية كثيرة.
حدد إلهاه الكبيران (أهورا مازدا) و(إهريمان) طبيعة الصراع بينه وبين الخارج، فمعه إله النور ضد إله الظلام.
ثنائيةٌ ستظلُ تشتغلُ في تاريخهِ البدوي المتحضر المتصاعد ضد الجيران الرعاة والغزاة، ومرةً يأتي الغزاة من الشرق ومرة يأتون من الجنوب ومرات يأتون من الغرب.
الشعبُ البدويُّ قبل الأخير الذي تحكم فيه وهو الرفيعُ الحضارة هم العرب المسلمون، وقد أخبرتهُ الرؤى والأساطير بأن البدو سوف يمزقون حضارته ويستعبدونه!
لكن هذه المرة على هيئةِ محررين وقادة تغيير ديني، يخضع له تدريجياً ويؤمنُ به بقوة، لكن التناقضَ القومي الغائرَ تحت أرديةِ الأديان والمذاهبِ والثياب هو نفسه، الشعب ضد الخارج، أو ينمو ويتطور مع تطور المجموعات البشرية عبر مصالحها ولغاتها ومذاهبها، فعاد التناقضُ بين(أهورا مازدا) و(أهريمان) بشكل صراع الله والشيطان، وهما المفردتان الإسلاميتان، وإذا كانت ذاتُ الشعبِ قد حملتْ الإيمانَ بالله، فأين هو الشيطان؟ إنه في الحكام الأمويين والعباسيين، الذين يسرقونه، الذين تخلوا عن الإسلام كما يتصور، إن (الشعب) الفارسي يندفع عبر عشرات ومئات السنين ليتخذَ الموقفَ الأقصى، الموقفَ التجريدي العنيفَ بين الله والشيطان، إنه يلغي تماماً التمايزات في الخصم، ومراحله وتعدديته، يراهُ كمجردٍ، كرمز، كأبليس الرجيم! فليس ثمة شيء مضيء في التواريخ الأموية والعباسية وماتلاها! نظرةٌ تجريديةٌ سلبيةٌ تؤدي إلى التعصب الكلي. وتغدو في النهاية مذهباً كلياً. إن ذلك هو صياغةُ القوى العليا في المجتمع وطمسها لوعي العاملين لعدم خروجهم عن إرادتها الكلية.
هذا يجردُ الخصمَ ويلغي تاريخيته، وتناقضاته، كما يجردُ الرمزَ المحبوب من تاريخيته كذلك، ومن تناقضاته، ويجعله نوراً مجرداً، رغم تعددية الأئمة وتاريخيتهم الغنية وتباين جهادهم، هذه هي عقليته التاريخية الطويلة في العبادة، وفي صياغةِ تاريخهِ السياسي، محلقاً في السماء عبر النجوم الزاهرة، وفي أجواء الأقطاب المحلقة، وعلى الأرض الملموسة إحتفاليات شعبية حزينة تنتصر للنور على الظلام، وتنتصرُ للعدل على الظلم.
من حصار الحسين، ومن حصار الأئمة، ومن النفق الأخير للإمام، من الليل المعتم والزحف الطويل فيه، يستوحي الشعبُ الفارسي رموزاً لعذابهِ، لموقعهِ المحاصرِ بين الغزاة على هضبته، لرغبتهِ في التآلف الجهادي الطويل الحزين، فيحولُ كلَ ذلك لرموزٍ دينية سياسية، رايات لصعودهِ القومي، للبهجةِ في العذاب، والمشاركة، والحرية، والحفاظ على عالم القرية الذي يخلو من الصراعات.
وهكذا عَبرَ هذا الوعي الشقي المُحاصَّر صنعَ إستقلالَُه عن مملكة الخراف المغولية، في ثورة الصوفيين، العرفانيين، العشاق، ليعيش فترةَ قرون بدون الذئب الخارجي، لكن لم يتخلَ عن إيديولوجية الصراع النور والظلام.
ومثل العرب جاء الغربُ يحملُ نوراً!
لكن جاء الغربُ من كلِ الجهات، الغربُ ليس بداوةً، الغربُ حضارةً كونية جديدة، راحتْ تدقُ أبوابَهُ ثم تتغلغلُ فيه، تقدمُ الكثيرَ من المنجزات، وتأخذ الكثيرَ من المواد، ليس ثمة شيءٌ مجاناً، لكن العلاقات الرأسمالية مختلفة بين طرفٍ فقيرٍ متخلفٍ يقدمُ الموادَ الثمينة لطرفٍ متقدم يحولها إلى ثروة كبرى، بسبب تباين وسائل الإنتاج ومستوى التطور الاقتصادي وأدوات السيطرة في كلا الجانبين، لكن الجانب الفارسي لا يتطور بالمعدل المطلوب وهو فقير، ويُستغل، ويُهاجَم سوقهُ وحرفهُ وتتدهور معيشته.
المدة التي قضاها الشعب الإيراني تحت النفوذ الأمريكي كانت وجيزة، بلا حروب، ولا تتعدى عقوداً قليلة، لكن اللاوعي القديم، لاوعي الصراع بين الله والشيطان، راح يفرضُ نفسَهُ على الوعي الاجتماعي الحديث، ثم يصيرُ قراءاتِ مثقفين كبار، يخلقون تناقضات كلية بين الشرق والعرب، يدينون الليبرالية والديمقراطية والعلمانية، يواصلون إيديولوجية القرية، فثمة قوى دينيةٍ وإجتماعية تستطيعُ أن تحولَ القريةَ إلى جمهورية، وتجعلَ من الشعب الفارسي أسرةً واحدة بلا تناقضات، يحكمها الفقيهُ إلى الأبد، ولهذا هي تحتاجُ إلى الحصار، إلى ظروفهِ الحقيقيةِ أو المختلَقَة، وتصورُ إن العالمَ كله يريدُ القضاءَ على هذه التجربة، ربما تستثمرُ الألمَ هنا، ربما تواصل لغةُ المصالحِ العليا وهدرُها مرةً أخرى تمزيقَ اللحمةِ الوطنية، ربما تعجز الفئاتُ العليا الغارقة في الإرث القديم غير المعصرن، عن التحديث والتخلي عن الأنانية، عن المزاوجة بين التخطيط والعدالة، بين الديمقراطية والنهضة الوطنية، بسبب مستوياتها الدينية والفكرية والاجتماعية، بسبب إستمرار الهياكل القروية في السيطرة على الهياكل المدنية، بسبب غلوها العسكري، لكن جاءتْ لحظةٌ تصالحيةٌ تاريخية كبرى، لحظةُ فكِ عوالم الحصار والعيش مع البشرية بشكلٍ ديمقراطي.
هل ستفعلُ ذلك أم تدخلُ المواجهةَ المدمرة؟!
≣ صراع الدولتين المدنية والدينية في إيران
بخلاف التطور الاجتماعي في الدول الإسلامية عرفت إيران تأسيس حكم المذاهب الإمامية للدولة بعد قرون من إنتشارها وتعدد صورها، فجاءتْ الدولةُ تتويجاً لهذا التطور، لا أداةً من أدواته، ولهذا فإن المجتمعَ عرف ثنائية السلطتين السياسية والدينية.
وتعبر السلطتان عن هيمنة الإقطاع بأشكالهِ الزراعية والسياسية والدينية، مثل بقية الدول العربية والإسلامية في القرون الوسطى. لكن في ظل إيران كانت السلطةُ الدينيةُ ذاتَ شبكاتٍ إجتماعية مقاتلة على مرِ العصور المكوِّنة لإستقلال (الأمة) الفارسية، فكان (الجوهرُ) هو التضافرُ الشيعي – الفارسي، لا يَغلبُ أحدٌ من عنصريهِ المكونين، بسببِ النمو التاريخي السببي الاجتماعي، لكنه ظهرَ على صعيدِ الوعي وكأنه فعلٌ سماويٌّ، فالتحمَّ نضالُ الأئمةِ ومريديهم على الأرض بإستقلالِ شعبٍ ونضاله، وبأعماله وتقدمه، وبرزُ تناقضُ بين السلطتين حين بدأ العصرُ الحديث واتجهتْ السلطةُ السياسية لمظاهر الحداثة المختلفة، وأخذت تكونُ لنفسِها إيديولوجيةً غيرَ مطابقةٍ لمؤسسات رجال الدين.
كانت بذور التحديث موجودة لدى النادرين من فقهاء الشيعة، فظهرت آراء ديمقراطية لدى بعضهم من بداية القرن العشرين متداخلة مع الثورة المشروطية.
إن الحراكَ السياسي – العسكري للدول أسرع من الحراك الفكري الاجتماعي، وإذا لم تكن ثمة قيادةٌ موحَّدة لضبطِ إيقاعِ الأمة على الجانبين الرئيسين، نظراً لتضاربِ المصالح بين أقسامِها الإجتماعية، تحدث عملياتُ الصراعِ غير المنضبطة وغير العقلانية.
اتخذتْ الدولةُ البهلوية أساسين لوجودِها السياسي: الأساس الديني المذهبي، والأساس القومي الفارسي القديم. وهي عمليةٌ مزودجةٌ تعبرُ عن هشاشةِ وجودِ الدولةِ القومية وعدم تحضرِها الزمني، وعن ركوبِ العسكريين فوق صهوتِها بسرعةٍ شديدة جرحتْ لحمَها الطري. وظهر ذلك في محاولةِ رضا شاه الملك سنة 1925 بفرضِ الديكورات التحديثية على الناس، وإلزامهم بثياب معينة وخاصة ألزام النساء بملابس(الحداثة) مما سبّب ثورةً دامية!
فكانت الظروفُ مغايرةً بين الأمتين التركية والفارسية، وعملية النقل التحديثية الكارتونية للكاربون الأتاتوركي تلك تعبر عن الهشاشة في وعي جهاز الدولة الفارسي العسكري، ولكن من جهةٍ أخرى تعبرُ عن عاصفةٍ قادمة كاسحة خطيرة، لم تكن الأمةُ الفارسية على مختلفٍ الأصعدة موحدةً تجاهها!
وتصاعد الأساسُ القومي وبرزت له مؤسسات تحديثية، ولم يعد التعليمُ الديني هو التعليم الوحيد كما كان الأمر سابقاً، وتطور التعليم المدني تطوراً واسعاً على حساب التعليم الديني، وأخذت الدولة تنتزعُ العديدَ من سلطات رجال الدين، وتُدخلُ مظاهرَ الحياة الحديثة في الكثير من مظاهر الحياة، وتغلغلت الصناعات والبضائع والمواد الثقافية الأجنبية وخاصة الغربية في المجتمع بشكلٍ واسع.
والدخول (البريء) للسلع ليس مضراً إذا لم يكن تصادمياً مع قوى الإنتاج المحلية، وهو لا يُشعر في البداية لكن إنهمار السلع وتحول إيران إلى سوق بضائعية مفتوحة بدون حمائية إقتصادية أمرٌ مقوض، كذلك فإن السلع الثقافية تقوم بإزاحة موروث عريق، وتجعل المنتجين الثقافيين من دينين وعصريين، مستهلكين مشترين مسلوبين.
إن تحول بلد قديمة كبيرة منتجة إلى سوق تابعة للرأسمالية الغربية يؤدي إلى إنهيار إنتاجها الحرفي وهو أساسُ إقتصادها القديم، وهو أمرٌ لاحظناه في صرخةِ المثقف الإيراني جلال آل أحمد ضد التغريب، والمقصود بها حماية الإنتاج المحلي بشكليه المادي والثقافي.
لكن لم يكن الصدام بين إيران والاستعمار الغربي كبيراً أو مدمراً كما كان الأمر لدى شعوب أخرى كالجزائر وفيتنام عادت علاقاتها مع الغرب بسهولة نسبياً، فحتى الإحتلال لم تذقه بشكل مؤثر، فلماذا هذه الحدة الكبرى؟! ولماذا هذه الحساسية الكبيرة تجاه الهيمنة الأجنبية؟! علينا أن نقرأ المواد السياسية والفكرية والاجتماعية لنرى هذه الدراما المأساوية.
إن الهشاشة والفجاجة التحديثيتين للشاه الأب لم تكن تقارن بالشاه الابن، فقد تفاقمت سلطته بشكل كبير عبر تدفق فوائض النفط، وغياب أدوات الرقابة، والنمو الهائل لرأسمالية الدولة، التي كانت مجموعات من الشركات الكبرى لعائلة الشاه ولأصدقائها، والمتجهة لإنتاج نفطي آحادي مع بذخ واسع وقوى عسكرية هائلة فدخل في مواجهة حادة كبرى ضد ما هو يقدم ومتدين في إيران!
كانت السلطةُ الدينيةُ تشعرُ بهذا الزحف الواسع من قبل الدولة، وبتقليصِ نفوذِها، وكان آية الله العظمى حسين البروجردي أعلى مرجع شيعي في العالم رجلُ دينٍ هادئ ومنفتح، وقد بدأ نشاطه منذ الأربعينيات وتوفي سنة 1961، مركزاً مثل الأئمة السابقين والعديد من آيات الله العظمى، على البحوث والعمل الاجتماعي الديني العميق، والانفصال عن السياسة المباشرة، فقام بالعديد من الأنشطة الكبيرة لدعم تطور المذهب الجعفري وعلاقته الأخوية بالمذاهبِ السنية كذلك، وقام ب(تأسيس إبتدائيات وثانويات جديدة تحت أشراف مدراء متدينين، والمساعدة في بناء مساجد وحوازات علمية في كافة أنحاء إيران، وحث طلبة العلوم الدينية على التخصص في باقي العلوم الإسلامية بدل إختلاق مسائل فقهية خيالية) إضافة لجهود دينية وتعليمية وإجتماعية كثيرة، (المستنيرون الإيرانيون والغرب، ص 135).
في أوائل الأربعينيات لم يكن التضاد ملموساً بشكلٍ كبيرٍ بين المؤسستين السياسية والدينية، ولكن بعد وفاة البروجردي بدأ التحسسُ واضحاً من طبيعةِ السلطة السياسة ومشروعاتها المتعالية على الشعب والعلاقة مع النفوذ الغربي الإستعماري، وأحدثت وفاته حراكاً متعدداً بين رجال الدين، وجمعتْ نخبةً من رجال الدين والقوى الفكرية المؤدية لهم، مثل مطهري وبهشتي وبازركان وغيرهم، وكان هؤلاء خاصة من مؤيدي التسييس المباشر للدين، وطرحوا ضرورة التصدي(للسلطة ولاندادهم من العلمانيين)، السابق. وقد إنتصر هذا التيار بشكل عام، وهو الذي إستمر في السلطة ومثل مستواها الفكري المحدود في الجانبين الفقهي والفكري، وإن بقي قسمٌ كبيرٌ من رجال الدين منعزلٌ عن هذا التسييس المحفوف بالمخاطر.
ثم قامت هذه المجموعات بتحريكِ أنشطتها في كل مجال، وبإصدار مجلات ذات جماهيرية يبلغ قراؤها عشرات الآلاف في حين يصل عدد قراء المجلة الفكرية ثلاثة آلاف، وتغلغلت النخب داخل الجامعات والمدارس الثانوية، ويمكننا أن نعرف هنا أن واحداً من المدرسين الثانويين هؤلاء كان محمد علي رجائي رئيس الوزراء فيما بعد، وكذلك عملوا على قيام مؤسسات مالية مستقلة للقوى السياسية الدينية حتى لا يستغل صوتها أحد وإلى آخر مثل هذه الوسائل الديناميكية في تحريك الوعي الديني السياسي.
كان النشاط الفكري كذلك للرموز الثقافية البارزة يتوجه في مسار العداء للتغريب، ولرفض التجربة الديمقراطية والعلمانية الغربية، وكان هذا يستقطب قوى واسعة من الفئات الوسطى الصغيرة، التي تعيش بين الفقراء والعمال وكبار التجار والرأسماليين الذين ازدهرت أعمالهم بشكلٍ هائلٍ من فيوض النفط، وهو أمرٌ يعبرُ عن قفزات التطور الرأسمالي الحكومي الفاسد غالباً، وغياب التصنيع، بدون أن يقوم مثقفو البرجوازية الصغيرة من يمين ويسار بتحليلاتٍ واسعة للمجتمع. وهو أمرٌ أدى لإصطفافهم التدريجي مع رجال الدين المتصاعد نشاطهم من جهةٍ أخرى.
سيادة شعارات مواجهة التغريب والعلمانية والحداثة كانت تعني في الأعماق السحيقة لتجربة هذه الأمة، الوقوف العميق ضد الآخر، ضد تغلغل عالم الأمم الأخرى، وهو أمرٌ يستعيدُ وسائلَ الدفاع القديمة التي يقفُ على رأسها رجالُ الدين المحافظون، وتعني الصدام الكلي، ولم تقم وسائل الشاه المتطرفة في التحديث الشكلاني غالباً، غير القومي، إلا بتحفيز قوى التطرف الدينية المعاكسة، للعودة الكلية الجوهرية للدين المغلق، غير المنفتح، غير المحاور للعالم، وإلى العزلة القومية المتوجسة.
ولم يكن ثمة أسهل من تحريك وسائل العمل الدينية المتوارثة، وتغيير بعض جوانب العمل الفكري الديني المحافظ وصقله بطلاء حديث خارجي، وهو أمرٌ نتج من قراءات كبار رجال الدينيين لطبيعة الخطابات التحديثية لعناصر البرجوازية الصغيرة المتقلبة، المتذبذبة، بين الحداثة والدين، بين العلمانية والإقطاع، مثل علي شريعتي، وجاءتْ أحداثُ سنة 1963 لتجعل قراءتي الحدة والتضاد الكلي وهي قراءة الشاه وقراءة الخميني، تتواجهان.
قراءةُ الشاه سحقٌ كاملٌ للموروث وقراءةُ الخميني إستعادةٌ كاملة للموروث! لم يكن ثمة حل وسط. وهما تشكلتا في زمن قصير لم يتح للتطور الاقتصادي أن يشكل أية جذور قوية للحداثة، وعصفت العمليةُ الرأسماليةُ بشكل فوضوي بسكون الريف وحرفه وعلاقاته وجيرته للخطاب المضاد، ومن الستينيات إلى السبعينيات زمن صدور كتاب الجمهورية الإسلامية، كانت قد تشكلت الكوادر السياسية المحافِظة لنظام العودةِ إلى الماضي، وسيادة الدين الشمولية، وعبّرتْ كثرةُ تنظيماتِ الألغاء الكلي وجماعاتُ العنف والأرهاب وتديين الحداثة وأسلمة الماركسية عن الفوضى العقلانية الإيرانية وتسطيح الوعي السائد وضخامة إستغلال الغرائز الجماهيرية في العمل السياسي.
من طائرةِ التحليق التي تحملُ خريطةَ إيران إلى الغرب، إلى طائرةٍ تحملُ إيران إلى الماضي الديني، إلى عالم القرية الأسطورية المغلقة، شكلان من القيادةِ الفرديةِ المطلقة تطرفَ كلٌ منها في التوجه للجهة القصية الكاملة!
بين هذا وذاك، بين الغرب الكلي وبين الشرق المطلق، بين الشاه والخميني، بين الحداثة والمذهبية المحافظة، لا بد من حلٍ وسط، هو الذي تقومُ به إيران الآن بمستواها وبتطورها السابق، تبحثُ عن لحظةِ نفي للحظتين مطلقتين متعارضتين كلياً في السابق، عن تركيبٍ بينهما، عن مصالحة مجدِّدة متجاوِّزة!
وفي الستينيات تفاقمت المعركة بين السلطتين المدنية والدينية، لقد تصور شاه إيران عبر موارد النفط بأن سلطته مثل طائرة عصرية تستطيع التحليق بإيران فوق العصور الوسطى، والنزول في الغرب العصري، كما يمكنها أن تطيرَ بها من العصر الإسلامي لتحط بها في العصر الإمبراطوري البلهوي. وكانت مظاهرُ القوميةِ الفارسية تتجلى حتى في إزالة المفردات العربية من اللغة الفارسية، وتحقير زمن التبعية للعرب.
≣ التغريب والتحرر الوطني
كانت إيران إحدى المعامل السياسية الثقافية الكبرى في العالم الثالث لإنتاج فكر ديمقراطي إسلامي إنساني، وحين نقرأ بعضاً من فقرات الأديب الإيراني(جلال آل أحمد) الذي عاش بين سنتي (1923 – 1969) نطالعُ هذا الخضمَ من البحث والمعاناة والتقلب والحوار والصدام والتيه التي إنغمرت فيها الرموز الإيرانية بحثاً عن اضواء التقدم والتحرر، وقد جاءت كتاباتُ جلال آل أحمد في خضم الخروج عن إيديولوجية الماركسية – اللينينية الإستيرادية، القادمة من الاتحاد السوفيتي، في سبيلِ حراكٍ إيراني وطني ديمقراطي تحديثي. ولهذا كان عضواً نشطاً في حزب تودة ثم إنسحب وراح يشتغل في مختلف فروع الأدب والفن والفكر.
أُعتبر كتابهُ (نزعة التغريب) مانيفستو التحرر الإيراني، بالنسبة للأقسام الوسطى التحديثية – الدينية في عدة عقود أخيرة من القرن العشرين.
(يفتتح آل احمد كتابه الجريء بتعريفِ نزعة التغريب،”مجموعة الأعراض التي تطرأ على حياتنا في جوانبها الثقافية والحضارية والفكرية، من دون أن يكون لها أية جذور في التراث، أو أي عمق في التاريخ… يسمح بالاستعداد لها، وإنما تداهمنا دفعةً واحدةً لتقول لنا: أنا هدية الآلة إليكم، أو قل إنها الممهد للآلة)، نقلاً عن(المستنيرون الإيرانيون والغرب، د. مهدي بروجردي، دار الهادي).
يصورُ آل أحمد العلاقات منقطعةً بين الأجسام الحضارية البشرية المختلفة، وكأن الجسمَ الإسلاميَّ جزيرةٌ مقطوعةُ السياق بالحضارات، السابقة واللاحقة عليها، ثم يقوم بتصويرِ نزعة الغرب الإقتحامية للشرق وكأنها تتركز فقط في (الآلة)، ورغم أن الآلة تعبيرٌ عن علاقاتٍ صناعية جوهرية، لكنها لا تنفصم عن شبكة إجتماعية إنسانية كبرى.
هذا يدفع آل أحمد إلى قراءة غير إجتماعية تاريخية للظاهرات السياسية والفكرية، فهو يدين قوى الليبرالية والإصلاح الإيرانية التي نسختْ مطالبَ الليبرالية الغربية في ثورة التحرر الديمقراطية الإيرانية في المعروفة بإنتفاضة الدستور في بداية القرن العشرين، وكانت لحظة تمهيدية لإدخال الأفكار الديمقراطية الغربية لإيران في وقت متقدم!
دون أن ينقطع أصحابها عن التراث كذلك.
لكنه يركز على نقطةٍ جوهرية هنا هي عملية النسخ التي قاموا بها للفكر الليبرالي الغربي، دون تصنيعٍ إيراني محلي لها، وكأنهم قادرون في منبتِ الفكر الإيراني الأولي العسير أن يقوموا بذلك، بدون ظروفٍ موضوعيةٍ تؤهلهم له، وأهم هذه الظروف وجود تصنيع إيراني خاص واسع، يجعل المنظرين معتمدين على طبقة وسطى قوية، وحينذاك لم تتشكلْ أيةُ عناصر مهمة إجتماعية في مثل تلك الظروف التمهيدية للتحديث الإيراني، فتعلق التنوير الإيراني في الهواء، وغدا المنورين أصحاب خطابات شخصية.
إن جلال آل أحمد تتضارب لديه الأدوات الفكرية، فمن عبارات ماركسية مقطوعة السياق بالنظرية، إلى إغترافٍ واسع من الأفكار التحديثية الغربية الشكلانية والوجودية، فهو يعتبرُ نفسه متأثراً بقوة بالفيلسوف الوجودي هايدغر إضافةً إلى سارتر وكامو، من الأول خاصة ينقل بقوة فكرته عن دور(الآلة) التحويلي، يقول:(إن الغرب ليس مجرد وجود إمبريالي، إنما هو القلب النابض للتنمية التكنولوجية أيضاً)، وهو يحيلُ تطورَ الغرب الرأسمالي إلى تكنولوجيا، وينظر للقوى المنتجة بإنعزالٍ عن علاقات الإنتاج، وكأن الآلة تشتغلُ في فراغٍ ولم تقم بتشكيل علاقات ديمقراطية في الحياة، وهو أمرٌ سوف يطرحهُ كذلك عن المجتمع الإيراني ولكن بشكلٍ مغاير!
فهو على العكس يعتبرُ توسعَ الآلة في المجتمع الإيراني كارثة!
إنها (ستعطل العاملين في الصناعات المحلية، وتشل طاحونة القرية، وتوقف عجلات المغازل التقليدية عن الدوران، وتقطع دابر حياكة السجاد والبسط والأنسجة الصوفية)، السابق.
لا يمكن إنكار الدور التدميري لقوى التحديث الرأسمالية القادمة للشرق، في غياب عمليات التخطيط التي تقوم بها سلطةٌ وطنية، الأمر الذي يترك التحولات الاقتصادية للعفوية، المفيدة من جانب والمدمرة من جوانب. لكن في خضم العمليات الاقتصادية العامة يتم تغيير طابع القوى الإنتاجية القديمة. إن غيابَ الدولة، وعبرَ هدمِ البُنى الاجتماعية القديمة، يتوجه المثقفون النهضويون من الفئات الصغيرة، إلى الدين وإلى فكرةِ الإله الحامي للمجتمع الوطني من الإعصار الغربي المدمر لحِرفهم وعوائلِهم التقليدية ونمطِ عيشهم!
وقد تابع باحثون إيرانيون عديدون رؤية آل أحمد، منهم مشاهير مثل علي شريعتي ومرتضى مطهري، وهو أمرٌ يعبرُ عن قوى الأرياف الإيرانية والفئات الوسطى المدنية المسحوقة، التي ترى إنتاجَها وثقافتَها تخضع للدمار بدونِ مظلةٍ سماوية، وعبر الهجوم اللاعقلاني اللاتخطيطي لرأس المال وقوى الإقطاع والدولة وهنا تظهرُ فكرةُ الولي الفقيه الحامي من هذه الفوضى! إن هذه العقليات الكبيرة المثقفة تنتقلُ إلى رفضِ التجربة الغربية الديمقراطية والتحررية في قفزة كبرى غير عقلانية هي الأخرى! وفي حراكٍ مضاد ينتج ظاهرات عنيفة مضادة أخرى وهذا يعكس نفسية شعب حاد كذلك.
يوجهُ آل أحمد في خاتمة مطاف رؤيته الفكرية الرومانتيكية للحفاظ على الريف، الأنظارَ لضرورةِ التحالف بين تيارات التنوير ورجال الدين، لكن في غياب التحليلات المزودجة لطبيعة هذا التنوير المتراجع عن التحديث الرأسمالي الديمقراطي، ولرجال الدين وهم في شبكة علاقات الماضي الإجتماعية، لكن رؤية آل أحمد تعبر عما سوف يتشكلُ كقوة سياسية فكرية قوية توقف التحولات الديمقراطية والصناعية المركبة التجميعية وتعلي العالم المحافظ وتخلق إستقلالاً سياسياً لكن التحرر مغاير بعيد.
≣ تمهيد الثورة الخضراء الإيرانية
تدور هذه المقدمة وما يليها كذلك من موضوعات حول الزعيم الإصلاحي الإيراني مير حسين موسوي، الذي هو في قلب عاصفة ثورية، ومع زوجتهِ الشجاعة: زهراء راهنوارد، وعن بقيةِ زعماء الإصلاح الديني السياسي الإيراني، ولا يخفي حسين موسوي ميوله التي يسميها (إشتراكية)، وعلينا قراءة هذه الإشتراكية المُتلبسة، في وعيه، وفي التجربة العامة الإيرانية كذلك، فهو من مؤسسي القطاع العام الإيراني، أساس الشمولية السياسية الراهنة، وهو القطاعُ الذي يقف ضد السوق الحرة، أساس التعددية والديمقراطية الرأسمالية.
قامت إجتهادات مير موسوي على توسيع القطاع العام الشمولي هذا وكان لا بد أن يصطدم بقوى الليبرالية الغائرة في هذا النظام والتي مثلها الشيخ رفسنجاني!
(وقد عُرف عن موسوي منذ توليه رئاسة الحكومة أنه اشتراكي النزعة، حيث قام بالعديد من الخطوات التي تشير إلى هذا الأمر، وفي محاولاته تعميق هذا الاتجاه طالب بسلطات أوسع لرئيس الوزراء من خلال طرح نفسه وحكومته للثقة في مجلس الشورى الإسلامي لأولِ مرةٍ في تاريخهِ ليحصل على شرعية ذاتية، باعتبارها جهازاً مستقلاً، يكون لرئيسه مقعد خاص على طاولة إصدار القرار، بعد أن كان رئيس الوزراء ممثلاً لرئيس الجمهورية في إدارة الحكومة. وقد اختار موسوي وزراءه ممن يمثلون اتجاهه الاشتراكي، لكنه كان يصطدم أحيانًا مع مجلس الشورى الإسلامي برئاسة هاشمي رفسنجاني).
إنها شمولية سياسية إقتصادية دينية دعمها موسوي، وهي سياسة بدأها الخميني لجعل دعم العاملين والفقراء أساس نظام الجمهورية، لكن التوجه الحكومي الإقتصادي وتكوين القطاع العام المهيمن فوق القطاع الخاص، لم يكن له رديف إقتصادي زراعي، وهو أمرٌ لم تعارضهُ القوى التقليدية الدينية القوية إقتصادياً في الريف الضعيفة في المدن، وبهذا فإن موسوي كان يقوي هذه القوى الدينية المحافظة، فينقلُ سيطرتَها الإقتصادية من الريف إلى المدن، وهو هنا يرفعُ شعارات مساعدة الفقراء وغيرها، لكنه عملياً يقوي سيطرة الإقطاع الزراعي خاصة إنه كان ضعيفاً ومتوارياً في شعاراته الفكرية الليبرالية والديمقراطية.
فقامت الرأسماليةُ الحكوميةُ عبر سيطرة الإقطاع الديني بإبتلاعه، وبمساعدةِ القوة الليبرالية المتوارية في السلطة والمتجسدة لدى رئيس مجلش الشورى وقتذاك الشيخ رفسنجاني!
لا شك إن رفسنجاني أحسَّ إن إتجاه موسوي (الإشتراكي) يقوضُ إتجاهَهُ الرأسمالي الليبرالي الغائر في النظام.
إن التصادمَ بين القوى الديمقراطية الإيرانية داخل السلطة الشمولية يعبرُ عن مواقف إجتماعية متناقضة، فالبرجوازي الصغير موسوي، المثقف التحديثي الديني، الذي وجدَ نفسَهُ على رأس المؤسساتِ الاقتصادية الإيرانية الكبيرة، تصور إنه يخلق تجربة عدالة إجتماعية كبيرة عبر دعم هذه المؤسسات التي تساعد العمال والفقراء، وهو تصور ليس خاطئاً كلياً، ولكن ما هو خاطئ هو تصوره بأن هذه المؤسسات العامة إشتراكية، وهي في نظامٍ ديني شمولي، سوف تكون ليست لمصلحةِ العمال والكادحين كما يتصور وعلى طول الخط، بل ستكونُ في خدمة البيروقراطية السياسية العسكرية الحاكمة بشكل أساسي وللفئة المهيمنة التي تسودُ في حقبةٍ معينة خاصة.
ويمكن لهذه البيروقراطية أن تعطي العاملين بعضَ المكاسب بشكلٍ مؤقت، على أساسِ زيادةِ أجر أو توظيف، لكن الملكية لن تكون لهم، ويمكنها أن توجه القطاع العام حسبما تريد.
في حين أن رفسنجاني كان يعمل لتقليص هذه الرأسمالية الحكومية المتفاقمة وهو كربِ عملٍ وذي رؤية ليبرالية دينية، يحبذُ أن تنمو العلاقات الرأسمالية الخاصة بتوسع!
ومن هنا كان الأصطدام بين ممثلي النزعات الديمقراطية داخل النظام الديني الشمولي، كل من موقعه، فرئيس الوزراء موسوي يريد نشر العدالة عن طريق القطاع العام، لنشر التقدم والمساواة ورئيس مجلس الشورى يريد توسيع القطاع الخاص لتقليص الدكتاتورية!
رجلان مؤثران في الثورة الخضراء القادمة لاحقاً وجدا نفسيهما في تناقضٍ حاد، وعمل رفسنجاني على زعزعة موقع رئيس الوزراء موسوي، وراحت تتقلصُ مكانتهما كلاهما بسبب هذا الصراع فلا القطاع العام أدى إلى الإشتراكية ولا القطاع الخاص إستطاع أن ينمو من بسبب إشتداد قبضة الدولة!
هذه هي المرحلة الأولى من بذور الثورة الخضراء القادمة لاحقاً، فموسوي الذي سوف يقودها هو نفسه من وضع الأساس الشمولي الإقتصادي للنظام، وهو نفسه يعيشُ في ضبابيةِ المفرداتِ الدينية عن الثورة المذهبية والإنسجام الكلي للمؤمنين بها، ووحدة الفقراء والأغنياء، وما إلى ذلك من خيال أيديولوجي، ويعزز من الإدارة البيروقراطية الإقتصادية السياسية، ولم يتعاون مع رفسنجاني في تعزيز القطاع الخاص ونشر الليبرالية الإقتصادية، والأخير قبع في المؤسسات السياسية التي تحولُ الملكيةَ العامة إلى سيطرة كلية على المجتمع!
قامت الثورة الدينية الإيرانية في السبعينيات على دعم (البازار) وهي فئة تجار السوق الذين شكلوا حلفاً اجتماعياً بعيد المدى عبر العقود وغائراً في جسم التجربة السياسية الدينية، ولم يكن بإمكان التجارة أن تشكل وعياً ديمقراطياً متكاملاً وجذرياً داخل المذاهب الإسلامية، فعاشت المذاهب الإسلامية على سلطة الأمراء والملوك يحددون لها السقف الاجتماعي الذي يجب ألا ترفع رؤوسها فوقه، ولم تستطع الومضة التحديثية للأفغاني ومحمد عبده أن تقوم بذلك التغيير، وما لبثت المذاهب أن استعيدت السيطرة عليها عبر صعود الدول المستعبدة أو المستقلة فيما بعد، وبهذا فإن التجار الإيرانيين أملوا خيراً في هذه الثورة الشعبية بأن تعزز الديمقراطية والرأسمالية، وبدا ذلك واضحاً في الكتل المدنية التي تحالفت مع السياسيين الدينيين شبه المجهولين وصعدتهم على مسرح الحكم.
كان هناك إيمان مشترك بالإرث الشيعي ونضالاته عبر التاريخ، وهو أمرٌ يتجلى في الممارسات العبادية التضحوية الحسينية خاصة، لكن لم يكن للبؤر البرجوازية النهضوية الإيرانية قراءات معمقة للإرث الإسلامي، وقد رأينا عبدالكريم سروش المفكر الذي نشأ في هذا المخاض وهو يتقلب في رؤاه الفكرية السياسية بين تأييد رجال الدين بحماس ثم الهجوم الكاسح عليهم، (راجع: دلالات أفكار عبدالكريم سروش للكاتب).
إذاً لقد استبشر التجار خيراً من توجهات الثورة، ولم يتعمقوا فهم الاتجاهين الداخليين فيها: اتجاه رقابة الدينيين على الحكم وعدم التدخل فيه، واتجاه التدخل الشامل والتحكم في الدولة. آية الله مطهري مؤسس الاتجاه الأول تم اغتياله بعد السنة الأولى من الثورة، ثم صعدَ الاتجاه التدخلي الشمولي وتحكم الدولة في المجتمع، مستفيداً من الغليان ضد سياسة الولايات المتحدة وحرب العراق وصعود المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية، وفرش سيطرته الواسعةَ على كل مناحي الحياة.
وبهذا رأينا أحلام التجار تتبخر، ورأينا تساقط الأزهار الذابلة للحداثة الديمقراطية المرجوة، وترنحت أحزاب القوى المدنية وهرب رئيس الجمهورية الأول وانتشرت المحافظة السياسية، وسادت في الحياة عمليات خنق الحريات، ولم يستطع أحدٌ التعبير إلا من خلال الشعارات الدينية السائدة التي تعكس سيطرة الحياة التقليدية على جماهير المسلمين.
وبهذا فإن عمليات الديمقراطية وإعادة النظر التحليلية العصرية داخل المذهب الشيعي في إيران سدت الأبواب عليها، ولهذا رأينا مير حسين موسوي يصير رجلاً تقنياً، خاليا من الأبعاد الديمقراطية التحليلية والاجتماعية، ويغدو مهندساً للقطاع العام، الجسد الاقتصادي للبيروقراطية الحكومية السياسية.
الشيخ رفسنجاني صار رئيساً للجمهورية فترة، وهو الليبرالي المقنع وسط هذه الشمولية السياسية الدينية الاقتصادية، فلم يستطع أن يشق اتجاهاً رأسمالياً ديمقراطياً واسعاً.
إن القطاع العام هو ضرورة كبرى للبلدان الفقيرة النامية، وهو الرافعة الضخمة لنقلها من التخلف للتقدم. يمكننا هنا رؤية بذرة (الاشتراكية) من حيث هي قوةٌ اقتصادية تخطيطية وتجميعية وتسريعية لقوى العمل الوطني المحشودة من قبل جهاز الدولة، ولكن هذه القوة توظف في خدمة الطبقة الحاكمة، وتتلبس هذه العملية في الشرق الدكتاتوري عبر أساليب إنتاج مختلفة، واتجاه هذه القوة عموماً في العالم الثالث الراهن هو تصعيد الرأسمالية لا الاشتراكية، ولا الإسلام ولا العدالة ولا الوطنية وبقية الكلمات العامة المجردة الضبابية. ولكن أي رأسمالية تنشأ من خلال هيمنة الجيش والمخابرات والبيروقراطية؟! إنها تخضع لمسارات النظام وللقوة السائدة فيه، وبما أن القوة التي قبضت على المداخيل هي القوى العسكرية الاستخباراتية فهي توجهها لنظام عسكري يعيش دائماً على المواجهات ليبرر وجوده.
ومن هنا فإن الفئات الوسطى الصغيرة التي صعدت هذا النظام نفسه، راحت تتساءل: ماذا فعلنا؟! إن المثقفين البرجوازيين الصغار وجدوا أنفسهم مخنوقين من قبل نفس النظام الذي شكلوه، مثلما تم قتل المفكر بوخارين على يد الجلاد ستالين في روسيا، وهكذا فإن آلة الدولة الرأسمالية الحكومية الشمولية تقوم بسحق القوى الثقافية والسياسية والإبداعية المتذبذبة التي بنت هياكل النظام، فتضيع الآفاق الرحبة لنظام مسالم وعصري!
فشلَ الشيخُ رفسنجاني في إنبات ليبرالية خضراء وسط نظام الرأسمالية الحكومية الإيرانية الدينية، فقد تصاعدَ القطاعُ العامُ وأخذ يتعسكر، أي يغدو عسكرياً، تشكلهُ قوى المخابرات والحرس، التي تنامت أدوارُها على حسابِ أدوار المثقفين الأحرار والتجار المستقلين، وراحت الفوائضُ الإقتصادية تتوجه نحو هذه البؤرة للقطاع العام ونحو سياساته الحربية المختلفة.
وظهرت محاولةٌ ليبراليةٌ أخرى تتمثل في الرئيس محمد خاتمي، الذي أخذ البلدَ نحو السلام الاجتماعي، والعقلانية السياسية، لكنه لم ينجح في جعل زهرة الليبرالية المحاصرة وسط القلعة العسكرية أن تصير حقولاً حرة.
توضحتْ في أفكارِ الرئيس خاتمي الذي قلَّلَ من سياسات المواجهات، وطرحَ حوارَ الحضارات، واللقاءَ الإنساني مع الغرب الديمقراطي لا الإستعماري، لكنه رفضَ أساسيات الحضارة الحديثة وهي العلمانية والديمقراطية التي تنبثقُ عنها، ودعا إلى ديمقراطية في ظلِ الإقطاع الديني، أي إلى حرياتِ في ظلِ سيادةٍ كبيرة لرجال الدين الذين يحددون سقفَ النظام الإجتماعي وسقفَ ما هو معقول وما هو غير معقول، وما هو حر وما هو غير حر، وفي التطبيق العملي فإن هذا يعني سيادة الرجال الكبرى على النساء وغياب المساواة بينهم، وسيطرة الحكام على المحكومين، وعائلات الإقطاع على الفلاحين، والتراث الديني المحافظ على التنوير والحداثة.
كذلك غاب عن برنامجهِ مشروع تحرير الإقتصاد من هيمنة الدولة الشمولية، وبالتالي فشل في خلق طبقة وسطى مساندة لإصلاحاتهِ في المجالِ الثقافي المجرد الذي إنغمر فيه!
كان لا بد لأغلبيةِ السكان من مساندة الرئيس خاتمي، لأسبابٍ مختلفة لكل منها، نظراً لضغوط النظام على مختلف الطبقات الشعبية، وهو أمرٌ كان يفرضُ على الرئيس بالمقابل أن يكون له برنامج إجتماعي يساند ويعالج مشكلات كافة الطبقات الوطنية من رأسمالية خاصة وفلاحين وعمال وفئات وسطى صغيرة، عبر تحجيم الرأسمالية الحكومية وإصلاح بعض الجوانب الرئيسية فيها، ولكن كان الرئيس خاتمي أضعف من أن يشكلَ مثل هذا البرنامج، بسبب إنشلالِ وعيهِ الخائف من العلمانية، والثورة الديمقراطية، وتقلبه كبرجوازي صغير بين الطبقات المختلفة، خاصة بين الرأسمالية الحكومية والرأسمالية الخاصة، وهو لا يعرف لمن ينحاز.
على كلٍ مثـّل خاتمي نقطةً مضافةً أخرى لبرنامج الثورة الخضراء الغائرةِ في جسدِ المجتمع، الذي راحتْ تتضحُ ملامحهُ قليلاً قليلاً من خلالِ الشخصياتِ السياسية الدرامية التي صعدتْ على المسرح السياسي بأقنعةٍ مختلفة، كي تؤسسَ ما هو نقيض النظام الديني الشمولي. لكنها ترتكزُ على مؤسساتهِ وأفكاره، وتريدُ أن تفتحَ نوافذَ في القلعة العسكرية، ولكنها لم تفعل سوى أن تجدد بعض الهواء، ليأتي غلق شديد بعدها، ويزداد الغلق أكثر فأكثر مع تصاعد المؤسسات العسكرية والإستخباراتية في التسيد على المجتمع، الذي راح يتململ. لكنه لا يعرف من هم خصومه في النظام، فوعيه البسيط المباشر لقراءة الظاهرات يتوجه إلى خصمه المكشوف وهم رجال الدين المحافظين، ولا يعرف الخيوط المعقدة بين العسكر والمثقفين والأجهزة الحكومية، ثم أن القطاع العام يظل هو المظلة الاقتصادية الحامية لمعيشته من مجيء وإنتشار الرأسمالية الخاصة، وقد قدم العسكرُ شخصيةً تصلح لهذا المزاج الشعبي الراغب في حلول سريعة(تثويرية) لحياته المتكلسة. وهو الرئيس أحمدي نجاد الذي لا شك أنه درس شخصية القائد الألماني هتلر، لأنه يقوم بإستخدام نفس موتيفاته الفنية السياسية، من هجوم كاسح على اليهود وإسرائيل والغرب وإستخدام الشعبوية الثورية الزائفة والوعود الدينية السحرية بالتغيير وفي المجال العملي يدعم صعود العسكر لكافة شرايين الحياة الاجتماعية ويتظاهر بالفقر ودعم الفقراء وفي الحقيقة يُصعّد البيروقراطية الحكومية ونرى هنا كيف يتم التلاعب بعقول الجماهير التي تريد التغيير تارة من الليبراليين الدينيين، لكن الذين يعجزون عن فعل شيء جذري، فيخدعها نجاد بوعودهِ الإنتخابية، فيحدثُ للناس هذا التمزق بين القوى الدينية الحكومية – المعارضة في ذات الوقت، وهذا الموقف ألتبس في التصويت عبر الإنتخابات الأخيرة فتجسد في التصويت المزوّر أو الحقيقي فعلاً.
لقد فشلت الليبرالية الدينية أو الشمولية القومية العسكرية كلتاهما، وعلينا أن نقرأ حيثيات الثورة الخضراء فعلاً لنرى الأقوال والصراعات في خضم الأحداث بين أولئك الخصوم، المتصارعين داخل نظام ديني محافظ.
≣ مسار الصراع السياسي في إيران
دَعمتْ المخابراتُ الأمريكية أثناء الثورة الإيرانية بعد التآكلِ الواسعِ للنظام السابق، من حظوظ الدينيين للإستيلاء على السلطة، فقد كان خيار اليسار مدمراً ومخيفاً بالنسبة لها.
وكان الهجوم على السفارة الأمريكية من قبل الدينيين تعبيراً عن هدم القوة المتنفذة بعد الشاه، وهو أمرٌ يقطع خيوط هذه السلطة الأمريكية مع العملاء والقوى الداخلية الكثيرة المفيدة لها، كما يخفي أوراقَ التسلم والتسليم من قبل الطرفين المنتصر والمهزوم ويضيّعُ الكثيرَ من أوراق التاريخ المتلبسة في هذه المرحلة.
عبّر حصار السفارة الأمريكية وإختراقها عن فتح المجال واسعاً للصراع الكبير المحتدم سابقاً ولاحقاً بين الشعب الإيراني والنفوذ الأمريكي، وبعد هذا الإختراق نلاحظ عمليات التنامي لضرب جمهورية إيران الإسلامية.
وهناك عدوان معروفان بهذا الخصوص في هذه المرحلة لعبا دوراً في التأجيج هما إرهاب منظمة مجاهدي خلق، والعدوان العراقي، وجاءا هذان النشاطان في توافق إن لم يكن بأمر المخابرات الأمريكية.
وبهذا فإن الصراع دخل أفقاً خطيراً، وسمح للتيار الديني المحافظ أن يسيطرَ على الحكم سيطرة مطلقة.
كان هناك رجالُ دينٍ شيعة كبار مقاربون للديمقراطية، أو إنهم مقاربون للاعتدال، ولم يتصوروا أن تتحول الجمهورية إلى دولة دكتاتورية، نذكرُ هنا على وجه الخصوص آية الله مطهري الذي كان منظراً كبيراً ووضع إطاراً عاماً لنظام يقارب الديمقراطية:
(لقد تضمنت أفكار مطهري تعددا للمرجعية الدينية، وهو ما لم يكن الخميني وتلامذته يحبذونه في ذلك الوقت، حيث كان مطهري يدعو إلى أن يكون دور المرجعية الدينية أيديولوجيًّا وليس سلطويًّا أو سياسيًّا، ومن هنا فإن تعدد المراجع سوف يكون مفيدًا وليس ضارًّا، وستكون السلطة المعنوية للفقيه أكثر تأثيرًا على النظام من السلطة السياسية، بل إنها يمكن أن تمنع المشاكل التي قد تواجه المرجع السياسي تحدياتها.)
(كما أن تأكيده على أن الإسلام لا يتعارض مع الديمقراطية، وأن الإسلام هو محتوى الجمهورية وليس قيدًا عليها، يرضي الإصلاحيين ويتجاوب مع فكرهم. وكذلك تعويله على محورية الإنسان وأنه أساس الخلق والابتكار والعمل، وأن الإسلام لا يتنافى مع التقدم والأخذ بأدوات المدنية الحديثة، مؤكدًا على أن تقوم النهضة على أساس علمي، وعلى أكتاف شباب الثورة والنظام، وهو ما يرضي توجه النظام والمحافظين الجدد.)، إسلام أون لاين.
نستطيع أن نقول بأن مطهري هو قلب القيادة لتلك الفترة، والأكثر ثقافة فكرية وبعد نظر، وحتى الآن لم تعرف الجهة التي إستهدفته، لكن الحدث له دلالة بارزة.
إغتيال هذا المرجع في بداية الثورة لم يكن صدفة عشوائية، فكان ثمة قوة خطيرة توجهُ الأحداثَ نحو إفقاد النظام الوليد التعددية والديمقراطية وإدخاله في تناقضات وصراعات داخلية ضارية عبر القضاء على قوى التبصر فيه وإنهاكه وتحطيمه في خاتمة المطاف، وبعد سنة من إغتيال مطهري جاء تفجير مقر الحزب الجمهوري وقتل مجموعة كبيرة من القادة والمفكرين سنة 1980.
وعوضاً عن المسار الديمقراطي التحديثي وبقاء الفقهاء كمنظرين وموجهين، تحولوا إلى قادة سياسيين وإداريين، وأدت الحرب مع العراق إلى صعود هذه المجموعة السياسية – المذهبية المحافظة – العسكرية.
في البداية كان الخيار الديني – الليبرالي هو المظلة السياسية المشتركة المعبرة عن ثنائية القوى السائدة المتحكمة في الشارع، وبعد هذه الإغتيالات ونتائج الحرب وفرض العزلة تفكك هذا التحالفُ وإنهار بل تمتْ ملاحقة الليبراليين والديمقراطيين الحلفاء!
هناك من دفعَ الأحداثَ والتطورات باتجاه تخريبِ التطور الديمقراطي، وليس إصطياد القادة الأكثر تفتحاً وبُعد نظر سوى إدراك من قبل الخصم للتجربة، من أجل عدم تطورها وبضرورة دخولها النفق المسدود كما هو الحال الراهن.
كانت رؤية الحرس الثوري وأسلوبه المهيمن على السلطة هو تتويج لكل هذا المسار، أي للمسار المحافظ الذي إنبثق داخل المؤسسات وكرستهُ قوى أجنبية كذلك.
لم يكن الدفع بهذا المسار نتيجة فقط عوامل ذاتية سياسية، بل كذلك نتيجة لمستوى أغلبية الجمهور المشارك في صنع التغيير، وهو جمهور ريفي ومن المدن الصغيرة، وكرس المحافظة الاجتماعية في المدن القائدة للثورة.
ومن هنا جاءت نسبة المحافظين متغلبة على المجددين، كما تم إغتيال زعيم هذا التجديد، وهو الذي كان يشكلُ حلقةَ الوصل بين القوى التجديدية الدينية وقوى الليبراليين واليسار. نعم لقد هاجمَ مطهري اليسارَ، خاصةً حزب توده، لكن كان هذا جزءً من الجدل الاجتماعي القاصر في ذلك الحين، سواءً بسبب إستيرادية اليسار وعدم فهمهِ للإسلام وجذور نضال الشعب الإيراني، كما كان ذلك أيضاً بسبب محافظة القوى الدينية وعدم تبصرها لمسائل الحداثة.
لكن هل إنطفأت قوى التغيير داخل أجهزة هذه الطبقة الدينية – العسكرية المالكة للرأسمالية الحكومية الإيرانية؟ إنها لم تنطفئ فهناك قوى ليبرالية خافتة تصاعدت عبر نضال منتظري ورفسنجاني والرئيس خاتمي وموسوي وكروبي.
وكان عملها المستمر داخل أجهزة الدولة وبين الجمهور النخبوي خاصة، قد أتاح لها العودة لمنطلقات مطهري، وبدأ النضالُ لتشكيلِ المرحلة الثانية من الجمهورية، وبدرجةٍ من علمانية تظلُ صغيرةً في عمل المؤسسات لكنها ستكون مهمة، ومقاربةً كذلك لدرجة أكبر من الديمقراطية، والمدنُ هنا تردُ على طوفان الريف، وهيمنة المؤسسات الحكومية وتسلط العسكر.
البرنامج الملموس للتغييرات هو نمو أكبر للرأسمالية الخاصة، وتوجيه أكبر للفوائض المالية نحو حاجات الجمهور والتطور، بدلاً من التركيز على الأسلحة والمساعدات الخارجية المثيرة للجدل، أي أن دولة مُراقبَّة بصورة أكبر من قبل المواطنين، وذات حريات أوسع وذات علاقة جيدة بالغرب الديمقراطي هي الملامح التي تتشكل في المرحلة القادمة.
إنه صراعٌ داخل الطبقة الحاكمة ومن أجل تغيير بعض مساراتها المضرة بالتطور الوطني عامة.
≣ الحرس: عقدة المشكلة
ليست المشكلة في الاثني عشرية وليست في الشعب الإيراني، المشكلة في الحرس الثوري الذي يريد «الثورة» في زمن إيران لم تعد فيها ثورةٌ إلا ضده.
الذين يريدون حرفَ المشكلة إلى الشيعة، فإنهم يسكبون مزيداً من الزيت على النار، الإيرانيون ونحن والعالم بأسره مشكلتنا هي مع قيادة الحرس الثوري غير المتبصرة، وغير الحكيمة.
بل لنقل ان بعض رجال الدين الشيعة الكبار اتخذوا مواقف تجاوزوا فيها رجال الدين من المذاهب الأخرى.
حتى قيادة الإمام الخميني كانت تجري في ظرفٍ مغاير عن الآن، كانت فيه ولاية الفقيه مُبررة بعض الشيء في ذلك السياق المؤقت، حيث استولى على إيران نظامٌ قمعي دموي فاسد، لم يعطِ أي مجال لنمو خيارات دينية و «نهضوية» ويسارية عقلانية سلمية وديمقراطية، وشكل قوة سافاك بمئات الآلاف من البشر، اتخذت أساليب تصفيات دموية مروعة يومية.
قادت مجازرُ السافاك إلى أنماطٍ سياسية مضادة كليا، أي إلى اتخاذ العنف والارهاب بديلاً، لكن ولاية الفقيه بعد مضي سنوات على استقرار النظام لم يعدْ لها مبررٌ البتة ولكن العسكريين والبيروقراطيين والدينيين السياسيين الذين آلت إليهم الكراسي والثروة، تشبثوا بها، وكونوا سافاك آخر أكثر اتساعاً وشمولية، وتدخلاً في شؤون المواطنين الأسرية والمظهرية والروحية.
كانت الدكتاتورية إنسانيا مرفوضة في الفكر الغربي الديمقراطي لدى اليمين واليسار، لكن بعد مجازر كومونة باريس سنة 1870 بحق الآلاف من العمال ظهرت في الفكر الاشتراكي عبارةٌ خطيرةٌ هي «دكتاتورية البروليتاريا».
لكنها ظهرتْ كفترةٍ سياسيةٍ مؤقتةٍ يقرُها برلمانٌ منتخبٌ لمدة معينة استثنائية، وليس كحكمٍ مطلق، ولكن الساسةَ الشموليين الشرقيين حولوها إلى نظامٍ سياسي مطلق.
كان الإمام الخميني يتخلى عن ثروتهِ وهو يقارعُ أركانَ الإقطاع، الذي رفضَ الإصلاحَ الزراعي، أبسط إجراء تقدمه ثورةٌ «شيعية» مُفترضة للشيعةِ أكثر الناس المُجحفين والمظلومين والعاملين في ميدان الزراعة على مدى قرون في منطقة الشرق.
وكان ناقلاً للتراث الديني اليميني المحافظ، من دون أن يقوم بنقدهِ ورؤيتهِ كنسيجٍ عبادي فقهي جيّرهُ الإقطاعُ السياسي لخدمتهِ خلال استيلائه على مصير عامة المسلمين وتفكيك صفوفهم من ناحية الأمم ومن ناحية الطبقات ومن ناحية الجنس بين الرجل والمرأة.
ولهذا كان السيد حسين منتظري قد تنامتْ نظرتهُ ووضعَ ولايةَ الفقيه بين قوسين، وبدأ ينفصلُ عن ولايةِ الفقيه كعقيدةٍ، وليس كإجراءٍ سياسي مؤقت، له مبرراتهُ في ظرفٍ تاريخي عابر، لكنه لا يمتلكُ الديمومةَ الشرعيةَ، لا في القرآن ولا في السنة، فشقَ طريقَهُ ليكونَ نظرةً هي الأبقى لرجال الدين شيعةً وسنةً بشكلٍ خاص، لأنهم، كما طرح ذلك، المسؤولون عن ديمومةِ الإسلام أكثر من بقية المذاهب. لقد وضع حجرَ الأساس لإسلامٍ ديمقراطي، بعد جهاد الإمام الخميني في رفضِ التبعيةِ للاستعمار، وفي سبيلِ دولةٍ شعبية يعيشُ فيها الناسُ برفاه.
ولا يمكن تشكلُ النظام المنتظر المعبر عن الناس دفعةً واحدة، بل لابد له من تراكم تجربة ولابد من مؤسسات ديمقراطية تتشكل بين الناس خاصة، وكان ذلك غير متوافر في بداية الثورة، فيجب عدم أخذ النصوصية السياسية وتحويلها إلى مطلق، وهو الأمر الذي فعله المكونون لأنظمة الاستبداد في القرون السابقة.
منتظري إذًا هو اكثر رجال الدين المسلمين إخلاصاً وبُعد نظر، حين رفض دكتاتورية رجال الدين، وأن يكونوا أسياداً مستبدين مطلقين خاصة داخل جهاز السلطة، وأن يستخدموا أدوات العنف، لاستمرار نفوذهم، وهذا الاجتهاد التضحوي من قبله كان يعني قوةً مستقبليةً للمذهب وللإسلام عامة، لأن تبعية الإسلام لأجهزةِ الدولِ يضرهُ ضرراً كبيراً، مثلما تدهور حال الفكر الاشتراكي لجعلهِ أداةً لتبرير سلطات شمولية عبر ولاية الفقيه الاشتراكي، مما جعله يعاني أزمة بدأ يتعافى منها الآن بعد أن خرج من استبداد السلطة.
وقد رفض أئمةُ المسلمين شيعةً وسنةً هذه التبعية لأجهزة الحكم، وفضلوا عليها الاستقلال، وقد أُحضر للإمام جعفر الصادق كتابٌ لكي يملكَ إمبراطوريةَ المسلمين من الصين حتى افريقيا من قبل أبي سلمة الخلال القائد العباسي المتحكم وقتها، فحرقَ الكتابَ على ضوءِ شمعة وفضلَ الفقهَ ودراسة علم الكيمياء، وحاول أبوجعفر المنصور أن يتحكم في الإمام أبي حَنيفة النعمان بكلِ وسيلةٍ من إغراءٍ وعنف، فما استطاع أن يلوي إرادته العظيمة، و”مات” في السجن.
فما بالك أن يكون هؤلاء الفقهاء في قمة السلطة، وفي بحار السياسة المتلاطمة، وبين أيدي العسكر وأجهزة المخابرات يحيطون بهم من كل جهة، ويراقبونهم، ويعزلونهم عن جمهورهم، ويقدمون لهم معلومات مشوهة، وتقارير زائفة، ويفسدون أصحاب النفوس المريضة من رجال الدين، وبالتالي ينشرون الفسادَ السياسي باسم الدين، وباسم رجاله الشرفاء؟
ولو كان حتى هؤلاء الضباط والحرس يعملون في ظروف دفاع عن أرض، ويكونون مُعتدى عليهم، فذلك أهون، ولكن حين يجعلون أنانيتهم ومصالحهم الفئوية ويهددون عالم المسلمين بالحرب والخراب ويعبثون بملايين الأرواح، حينئذٍ تكون المسألة كارثية، على جميع البشر.
ولهذا فإن مواجهة هذا الخطر ينبغي أن تكون من مسئولية الجميع، وأن يحددَ الخصم بدقة، ولا يتم توسيعه بلا مبرر، وأن تُساعد قوى السلام والنهضة في إيران، وقد قفز هتلر إلى الكوارث الكونية بسبب هذين الجهل واللامبالاة من قبل قوى السلام والديمقراطية في ألمانيا.
≣ الديمقراطية الإيرانية والعسكر
أوضحنا في موضوعٍ سابقٍ بعضَ جذورِ الصراعِ الاقتصادي بين الرأسماليتين الحكوميةِ والخاصةِ الإيرانيتين في تاريخهما الراهن، ولكنه أمرٌ لا يكشفُ الأدوات الفكرية المستخدمة وهي عاملٌ خطيرٌ في تشكيل الصراع وتطوره.
ولا بد من القول إنه من الصعوبة العثور على الإحصائيات عن أحجام كل من الفريقين، خاصة الرأسمالية الخاصة المُغيَّبة الحضور في الأرقام والوجود الاجتماعي معاً.
ولكن من الواضح ضخامة شركات القطاع العام التابعة للدولة وخاصة للحرس الثوري، الذي غدا من الملاك الكبار للمؤسسات الاقتصادية والعسكرية والتقنية.
ونظراً لتضاؤل حجم الرأسمالية الخاصة، رغم بروزها الكبير في السوق التجارية، فإن وجودها السياسي يغدو كذلك ضئيلاً، خاصة في هذه المرحلة.
ولهذا فإننا نلمحُ أطيافَها من خلالِ تعبيراتٍ سياسيةٍ وفكرية، أكثر منها مصطلحات حداثية منتمية بوضوحٍ للحداثة وللديمقراطية والعلمانية.
فالمضمونُ الاقتصادي الرأسمالي الحر، وخاصة المصانع المملوكة لأفرادٍ، تكادُ لا تظهرُ في اللوحةِ الاقتصاديةِ العامة، وكذلك فإن مصانعَ الدولةِ المهيمنةِ على الثروةِ النفطيةِ والغازيةِ تغدو هي المتحكمةُ في أغلبيةِ الثروة وتوزيعها، فتظهرُ هنا سحابةُ الخليفةِ الأموي المسيطر حيث يكون مطرُها النفطي في بعضِ الجيوب، وهو أمرٌ يجعلُ الرأسمالَ الخاصَ الصناعي خاصةً ذليلاً وتابعاً لرأسمالِ المصانع الاستخراجية المملوكة لجناحٍ معينٍ مهيمنٍ في السلطة.
لكن التعبيرات الإيديولوجية لا يمكن أن تتخفى تماماً، ورغم إن مذهب الجعفرية هو مذهبٌ مناضلٌ في تاريخ المذاهب الإسلامية، لكن جرى له ما جرى لبقيةِ المذاهب الإسلامية من تحكمِ الدول الغنية وهيمنتها عليه، ومن الصعب ظهور التعبير عن عامة المسلمين من خلالِ عباءاتِ هذه المذاهب بعد هذه القرون الطوال من التحكمِ وإعادة الإنتاج.
ومع هذا فإن ذلك لا يعدم من وجودِ علماء مناضلين يظلون إستثنائيين بين الجموعِ التابعةِ للدول، والتي تفتي بمعاشِها لمن بيدهِ الأرزاق، أما أن يتابعوا بدقةٍ بين ما يجري في الواقع وكيفية تمثُله دينياً وتجسيده سياسياً حداثياً وديمقراطياً فذلك أشبه بالمستحيل.
ولكن يكفي أنهم يشيرون لما هو عامٌ ديمقراطي هو في مصلحةِ الأغلبيةِ الشعبية، ولهذا جرى إنحيازُ ثلةٍ من علماء الفقه الشيعي (للثورة الخضراء)، رغم البطش الكبير بها، وقد دعتْ هذه النخبةُ للحريةِ وانتقدتْ تزويرَ الانتخابات، لكنها لم تستطعْ أن توحدَ العامة والخاصة من أجل الديمقراطية. ولذلك أسبابٌ تاريخية طويلة.
إن الأدواتِ الفكريةَ المستخدمة من قبلِ طليعة الثورة الخضراء هذه متواريةُ، ذاتَ ظلالٍ كثيفة، معقدة، لا تزالُ في مرحلةِ تقيةٍ فكرية، تتلبسُ الأرديةَ التقليديةَ في محاولتِها للتعبيرِ عن نضالٍ ديمقراطي، واقصى تجلياتها كانت لدى عبدالكريم سروش، الذي توجه حتى للإرث الفكري النبوي وقامَ بتحليلهِ، لكن منظري الثورة الخضراء ظلوا في الأردية الدينية، وهي أرديةٌ محافظةٌ، تجعلهم مع الطبقة الغنية التقليدية المتحكمة في الثروة، وهم في ذات الوقت يريدون التحديث والديمقراطية!
لا يعني هذا ضرورة الخروج من الأردية الدينية، بل تعني فصل البرنامج السياسي عن الدين، الدين الذي قامتْ نفسُ هذه القوى المتحكمة في القرون السابقة بتفصيلهِ على مقاسِ الحكام المسيطرين على الثروةِ العامة، بطريقةِ الغيمة الأموية وتوزيع خيراتِها.
ولهذا فإن الفئةَ الخضراءَ تمثلُ مرحلةً إنتقاليةً تتوجهُ نحو إبعادِ قيادة الحرس الثوري عن التحكم في الدولة، وهي قضيةٌ بالغةُ الحساسية والأهمية لإيران والمنطقة، وتغدو معركةً جبهويةً تخصُ معظم الإيرانيين من أجل تفادي مخاطر العسكرة والحروب، ولتوجيه الفوائض نحو التنمية الداخلية والسلام، ومن هنا حرص قادة الجماعة على عدم توسيع الشعارات والتحليلات، وإقتصارها على نقطة سياسية تكتيكية، لكنها تعبرُ كذلك عن جثومِهم بين الطبقة الغنية المسيطرة، وإعادة العلاقة بين كتلِها السياسية والاقتصادية، لا أن تخرجَ أو تُزاحَ هذه الطبقة كلياً.
كما تعبر التكتيكات المستخدمة في نضال الشوراع السلمي عن هذه العقلانية السياسية المحدودة، التي تضغط حتى تحقيق مطلبها. ولو تحقق مطلبها الراهن فإنه لن يتم تغيير فرد رئيس الجمهورية بل خاصة وأساساً سيتم تغيير الفئة المسيطرة من القوى الحاكمة وهي الحرس الثوري. وبالتالي فإن تغييراً جذرياً لن يحدث لبُنية النظام، ولكن إصرار القوى المحافظة على عدم التنازل سوف يوسعُ الأهدافَ والتغييرات لتغدو الحريات أعمق ويتوجه النظامُ لسياساتٍ مختلفة وهذا سيظهرُ في حينه وفي ملابساته.
≣ صراعُ الرأسماليتين في إيران
تتمثلُ إشكالية تطورِ العالمِ الإسلامي في إيران، وهي هنا تظهرُ فاقعة حادةً ثورية.
إن صراعَ الرأسماليةِ الحكومية المسيطرة والرأسماليةِ الخاصةِ المتواريةِ الزاحفةِ تحت الأردية الحكومية وتحت عُرُشها الواسعة والمستقلةِ في العديدِ من الأحيان، وصلَ إلى لحظةٍ حرجة.
للتجارِ والرأسمالِ الخاص تاريخٌ عريقٌ في إيران، لكن الهيمنةَ الحكوميةَ تسارعتْ منذ عهد الشاه، ثم تفاقمتْ في عهد الدينيين، واصبحتْ في عهدِ الحرسِ الثوري قوةً اقتصادية وعسكرية هائلة، وتتمثلُ في الأخير ذروتَها المخيفة.
تسعى الرأسماليةُ الخاصةُ لتغييرِ منحى إيران الاقتصادي، لتوقيف زحفِ الدولةِ على الاقتصاد وعلى الحياة الاجتماعية والحياة الثقافية، وهو الأمرُ الذي يتمظهرُ بشكلِ الأوامر الدينية التي هي عمليةُ تزييفٍ للوعي، بغرضِ تصوير الهيمنةِ الحكومية كشكلٍ مقدسٍ لا دخلَ للبشر فيه.
لكن زحفَ القطاعِ الخاص بدأ من داخلِ الحكم، فالثرواتُ العامةُ الهائلةُ تضيع، فتسارعتْ خطواتُ التخصيص في ينابيعَ مهمةٍ للثروةِ من دون أن تبلغَ ينابيعَها الأساسيةَ في النفط والغاز:
(مر شهر تقريباً منذ أن قرر مجلس صيانة الدستور إلغاء المادتين 43 و44 من الدستور. ويسمحُ القرارُ لكلِ الصناعات الأساسية وقطاعات الخدمات والصناعة- عدا صناعات النفط والغاز- بالتحول إلى القطاع الخاص. ويتوقع أن يتم قريباً فتح قطاعات التجارة الخارجية والمصارف والتأمين والاتصالات والخدمات البريدية والسكك الحديدية والخطوط الجوية والنقل البحري أمام القطاع الخاص)، وقد ظهرَ هذا القرارُ سنة 2004.
لكن التخصيصَ لم يجرِ بصورةٍ شفافة، فالإداراتُ الحكوميةُ والعسكريةُ لم تزلْ مهيمنةً على أغلبيةِ الاقتصاد، وهذه من إحدى المسائلِ الجوهريةِ التي جرى فيها نقدُ رئاسةِ نجاد الأولى، وفجرتْ الصراعَ ضد رئاستهِ الثانية.
إن التخصيصَ بطيءٌ والبنوكُ الحكوميةُ تهيمنُ على تداولِ الثروة:
(قال مسؤولٌ في بورصة طهران للأوراق المالية أمس الأول السبت إن إيران تعتزم عرض 5 في المائة من بنك ملت على مستثمرين من القطاع الخاص في 18 شباط (فبراير) الجاري وذلك في أول عملية تخصيص جزئية لبنك إيراني مملوك للدولة)، جرى ذلك في هذه السنة 2009 .
إن الحوزات الدينيةَ وأشكال الوعي الدينية عامةً في إيران ارتبطَتْ بالتجار وبالعلاقةِ معهم، لكنها كذلك تداخلت والوعي القومي الفارسي الحكومي، فهي منقسمةٌ لجانبين؛ جانب تأييد التجارة الحرة والحرية السياسية عامة، وجانب آخر مؤيد للشمولية السياسية الحاكمة ما دامتْ معلية للمذهب.
ولهذا انقسمَ رجالُ الدين بين هذين المنحيين، لكن جانبَ غلبةِ الدولةِ مسيطرٌ بطبيعة القوة والموارد الواسعة. وقامت جماعةُ الثورةِ الخضراء بطرحِ شعاراتٍ سياسية محددة، من دون أن تقومَ بنقدِ الواقع ومظاهرهِ المختلفة بعمق، حذراً من انفضاض المؤيدين، وتجريداً للمعركة وجعلها غائمة ومفتوحة مستقبلاً، وجعلت من وصولها للسلطة هو الهدف الواضح المباشر، وهو أمرٌ يترك خطواتها القادمة في غموض. وتسارعتْ قوتها في الآونةِ الأخيرة، وبدت السلطة معزولة والقمع الذي تفرضهُ يفقدُ دورَه.
لا شك انها لو وصلت للحكم لوسعت حضور القطاع الخاص وقوّت الحريات، لكن إلى أي مدى؟ نحن لا نعرف ذلك. في برنامج موسوي الانتخابي هناك توجهٌ لدعم القطاع الخاص بدرجة أساسية. وثمة غموضٌ كبيرٌ فيما عدا ذلك. لكن لن يكون ثمة انتصار كاسح للقطاع الخاص، بل توازنات جديدة بين القطاعين الرأسماليين العام والخاص.
≣ المهمات الرئيسية للنضال الديمقراطي الإيراني
كما أوضحنا مراراً بأن مسألة الثورات في بلدان الرأسمالية الحكومية الشرقية الكبيرة من الصعوبة بمكان، وقد وضح ذلك في روسيا وهي ذات الجذور الثورية الكبيرة، والتي أنعطف فيها الحكام مائة درجة، وتخلوا عن الأسعار المقيدة الشعبية وأطلقوا السوق الحرة التي حررت الأسعار كما تشاء قوانين السوق، وعرفت روسيا البطالة والفقر المدقع دون أن تصل الاحتجاجات إلى أي شيء مؤثر!
هل فقد الروس حسهم الثوري وحسهم الإنساني ؟ هل ماتوا؟
لا! الأمر يعود لماكينة الدولة الرأسمالية الحكومية الكبرى، وضخامة الشركات والمعامل والاقتصاد الذي تتحكم فيه الأجهزة الحكومية، إضافة للأجهزة العسكرية والأمنية الكثيرة!
وكذلك الأمر في الصين كيف أنتقل هذا الشعب من عبادة العمل اليدوي ورفض الملكية الخاصة باعتبارها جريمة إلى عبادة المال والملكية الخاصة والشركات الخاصة وبشكل حاد، وبدا أن ظاهرة الرقيق الأبيض المُصَّدرة فيما كان يُسمى بالدول الاشتراكية أكثر الظاهرات خراباً ولفتاً للانتباه والتوجه من النقيض للنقيض، من رفع كرامة الإنسان إلى إهانته بشكل مأساوي!
هذا لا ينفي النضالَ من أجل التقدم ونقد الظاهرات السلبية والجمع بين مكاسب الماضي ومكاسب الحاضر في توليفة مركبة صاعدة.
هذا جرى ويجري في كل الدول التي صعَّدت جهازَ الدولة لكي يكون هو المهيمن على العباد والبلاد، كمصر والجزائر والحبشة واليمن وغيرها، في حين نجد دولاً أخرى لم تقم بتلك الشمولية الاقتصادية، لم تشهد هذه الحركة الأعصارية من النقيض للنقيض.
إيران نموذج آخر ومتفرد من الدول الشمولية الكبيرة التي تأخرت في شموليتها، وأستخدمت غطائين سياسي وديني لعملية الهيمنة الكلية على المجتمع، ثم صعد الجهازان العسكري والمخابراتي ليتفردا بالقرارات، وما يحمله هذا التفرد من خطورة على سلامة إيران وسلامة منطقتها الحافلة بكل المتفجرات السياسية والعسكرية.
وتفرد الشعب الإيراني بخصائصه الكفاحية ومحدودية زمنية اعتقاله في ظل الرأسمالية الحكومية، أتاحا له هذا النزول الكثيف للشوارع، لكن الذي تم امتصاصه من خلال قوة الرأسمالية الحكومية هذه وما يتوفر لها من أجهزة ومن عاملين.
ولهذا فإن تركيز المعارضة الإصلاحية على تغيير أولويات الاقتصاد الإيراني والتوجه للخدمات الاقتصادية السلمية وتقليص العسكرة هو أمر شديد الإيجابية.
إن ذلك حددَّ الخصمَ بوضوح وتمَّ عزلـَه ووسع من دائرة الحلفاء للإصلاحيين، وجعل حركة الاحتجاج لا تخمد رغم ذبولها.
أي أن الحركة الاحتجاجية توجهت نحو الضغوط على الأجهزة الحاكمة المتفردة بالقرارات من أجل إعادة المسار السياسي نحو السلم والتنمية الداخلية وعدم توجيه إيران للصدامات الإقليمية.
وهذا خط حكيم، ويمكن أن تتمخض عنه تحولات إيجابية ولكنه لا يلغي الخط السياسي العام الشمولي كذلك. فهو صراع بين توجهين سياسيين في منظومة واحدة.
وقد عرفنا دائماً القوى السياسية الإيرانية كيف تتوجه لما هو ممكن سياسياً، وتركز عليه وتحققه من خلال إلتفاف شعبي واسع.
أما التحويل الجذري للنظام فهو غير ممكن كما أوضحنا من طبيعة الرأسمالية الحكومية الشرقية المتداخلة مع المذهبية وتخلف الأرياف غالباً وضعف الرأسمالية الخاصة التي أُبعدت عن التصنيع الواسع.
ولكن لماذا لم نر أي تحركات شعبية في الأنظمة المماثلة؟
هذا كما أشرنا لفرادة الحس النضالي عند الإيرانيين.
شعب عاش تاريخه على التضحيات التي تضرب جذورها عميقاً في تشكله.
وإذا أنتصر الإصلاحيون وفرضوا نظامهم فهو لن يخرج عن نظام الولاية الدينية، لكن من المأمل أن يعطي للرأسمالية الخاصة والتنمية السلمية والحرية السياسية النسبية أدواراً أكبر.
الرأسمالية الحكومية ضخمة ونمط إنتاج النفط يكرسها، ولن تتغير إلا مع تحول الرأسمالية الخاصة للصناعة بشكل واسع.
سوف تفرض القوى البيروقراطية نفوذها وإذا مالت الكفة للبيروقراطيين المدنيين على حساب العسكريين، وهي مهمة بالغة الصعوبة، فإن تحولاً جيداً وسلمياً سوف ينفتح لإيران والمنطقة.
هذا يفرض على الإصلاحيين توسيع تحالفهم مع الرأسمالية الخاصة والعمال، وتقديم حريات أوسع وخطة اقتصادية ترفع من مستوى الحريات الاقتصادية ومستوى حياة المنتجين عامة. وبطبيعة الحال لهذا لا يتأتى إلا من خلال تحجيم النفقات العسكرية والفساد الحكومي.
≣ أزمة الطبقة الحاكمة في إيران
دخلت الصراعات السياسية في إيران مرحلة بانورامية واسعة، مثل شاشة كبيرة مليئة بالألوان السياسية المتداخلة المتصارعة، بين تظاهرات نخبوية خلاقة مستمرة، ومحاكمات تتردد بين الشدة والتسامح، ورئيس متصلب يصعد ويثبت قوته يوماً بعد يوم ويبدو في كيس مشترك صاعد مع الضباط الكبار في الحرس “الثوري”، فيظهر دور جديد للمراجع الشيعية الكبيرة ذات التوجهات الديمقراطية.
والجانب الأكثر إثارة هو بروز خلاف بين المرشد الأعلى ورئيس الجمهورية، حيث يقوم المرشد بتقليص سيطرة الرئيس ويخلق توازناً بينه وبين البرلمان والقوى الأخرى، فيما يندفع الرئيس في سياسة ملونة بين مغازلة حكومات الغرب المتصاعدة والغريبة لديه وبين قمع المعارضة الديمقراطية الدينية.
مثل أي رأسمالية حكومية شرقية يتركز الصراع إما في الطبقة الحاكمة، وإما بين الطبقة الحاكمة كممثلة لهذه الرأسمالية الحكومية العامة وبين الرأسمالية الخاصة، أو في الحالة الثالثة بين الرأسماليتين العامة والخاصة وبين الأقاليم المتمردة على سيطرة العاصمة والمدن الكبرى.
وإذا كانت هذه الحالاتُ الثلاث مُضمرةً في كلِ صراع اجتماعي شرقي كبير فإن تطور علاقات الإنتاج المحددة في كل بنية اجتماعية، يحددُ الحلقة في كل بنيةٍ، أي في كل بلد حسب تطوريه الاقتصادي والاجتماعي.
وإيران تنطبقُ عليها صراعاتُ الطبقة الحاكمة الرأسمالية العامة، بين توجهيها: القوى العسكرية مالكة الشركات الحربية والصناعية، التي يقع الحرسُ الثوري في بؤرتِها، وبين القوى الرأسمالية الحكومية المدنية، التي تريدُ لجمَ التمدد العسكري الصناعي، والعودة للحكومة المدنية السلمية، وهي التي تتمثل بمرشَحي الرئاسة الخاسرَين.
فما تعترض عليه قيادة الحرس الثوري تجاه موسوي ليس ليبراليته أو تدينه بل غموض سياسته تجاه التصنيع العسكري، وعدم تأييده لها في ذلك بصريح العبارة، في حين أن منافسه يصر على ذلك.
إن ذلك مرتبط بمسائل المواجهة الزائفة مع الغرب وإسرائيل التي تتخذ حجة في إدامة مثل هذه المشروعات العسكرية الواسعة، ولكن لا يوجد خلاف على مسألة المشروع النووي، مما يعبر على اتفاق عام وطني هنا.
لكن تقليص المشروعات العسكرية يعني انتقال جناح السلطة للمدنيين، وهو أمرٌ تؤيدهُ بقوة جماهير الشعب، ويترتب على هذا الانتقال تغيير أولويات الدولة، وانتقالها من عالم المواجهة مع ما يُسمى محور الاستكبار، إلى العلاقات الطبيعية مع دول العالم.
إن غياب مصطلحات المواجهة وعالم الاستكبار والعنف من خطاب موسوي وتركيزه في الإصلاح والتنمية وتطوير الحريات في مصطلحات عامة مجردة، يشيران إلى القوى البيروقراطية الحكومية وهي تعيدُ أولوياتِها في عالم الرأسمالية الحكومية الإيرانية، التي تواجه صعاباً كبيرة في التطور الاقتصادي، لكنها تحافظ على هذا التوجه الرأسمالي الحكومي، ولا تريد الخروج منه، وهذا يتشكل لدى موسوي كسياسة (اشتراكية إسلامية) على غرار الخلافة الأولى.
إن الصعوبات الاقتصادية غدت كبيرة كتراجع مداخيل النفط التي يتوجه أغلبها للتسلح، وتردت محاصيل زراعية عديدة خلال السنوات الأخيرة، رغم التطورات التقنية في مجال الزراعة. إن استقرار الأرياف يلعب دورا مهما في استقرار السلطة في العاصمة، والفساد في القطاع العام يمثل هدراً كبيراً آخر في الاقتصاد. هذا كله يعيد صورة زمن الشاه نفسها، حيث تفاقم الأزمة الاقتصادية خاصة في الريف، لكن كانت الحريات الاجتماعية تخفف من قبضة الشاه الحديدية، بينما النظام الديني الشمولي يفتقد مثل هذه الحريات الاجتماعية التي تنفس عن الناس.
هذا ما جعل البيروقراطية الحكومية تبحثُ عن مخرج للأزمة، مخرج إعادة الأولوية للقطاع المدني، والتنفيس عن الجمهور وخاصة الشباب المحتدم بالرغبات الحديثة الذي صار يتابع الإعلام الغربي بتوسع، وبضرورة إعادة مداخيل مهمة للريف وتنميته، وتوسيع حضور النساء في الحياة الاقتصادية والسياسية.
لكن نجاد كممثل للحرس الثوري التف على هذه السياسة الشعبية المعارضة، الطفيفة في تحولها، عبر تخفيف لهجة الصراع مع حكومات الغرب وإسرائيل، ومغازلة الاتجاه الحديث بتعيين النساء في وزارته، والاصرار على وجود صهره المؤيد لحكومات الغرب، الذي صار شخصية محورية في الحكومة، كما استمر في تكسير رؤوس المعارضة.
استطاع الجناح المسيطر على الأدوات الدينية الكبرى والسياسية والعسكرية أن يتوه الجناح المعارض عبر جملة من الإجراءات السياسية التي تبدو بين الانفتاح والتشدد، وبين التسامح والقهر، لكنها تخدم عملية تفكيك صفوف المعارضة، وتجذب قطاعات شعبية معارضة، وتكرس نهج سيطرة الحرس الثوري على الحكم، وبقاء إيران في خندق “المواجهة” النازفة لاقتصادها.
≣ مخاطر إستيلاء الحرس «الثوري» على السلطة
مازلنا نقتربُ من فوهةِ البركان، المفتوحة على استيلاء الحرس الثوري على السلطة في إيران بشكل كامل.
ويعبر بقاء المعارضة صامدة رغم الملاحقات الشوارعية بمختلف أشكال القمع، والتغلغل في البيوت وضرب الآمنين والمحتجين، والقيام وإجراء المحاكمات القاسية، عن جانبين متصارعين لم يحسم أي منهما المعركة لصالحه.
المعارضة من جانبها تتسلل إلى الطرائق السلمية، وتبتكرُ أشكالا نضالية ذكية، مثل الاحتفال بالمناسبات الوطنية التي استعيدت فيها ذاكرة إيران الوطنية كما جرى في ذلك عن ذكرى مصدق وعن الثورة المشروطية، وهي ومثلها تؤكد ان سجلات الكفاح الشعبية لا تقتصر على الفريق الديني، كما توجهت المعارضة لتكوين تشكيل جبهوي واسع من القوى الديمقراطية المختلفة.
وهذا يؤكد من جانب المعارضة نياتها في تصعيد يعتمد على تحريك القوى العريضة من الناس بأساليب ديمقراطية، تؤدي إلى الضغوط المستمرة على النظام من أجل تغيير نتيجة الانتخابات، أو فتح باب التغييرات ووضع حد لسيطرة الفريق الديني المتشدد على السلطة.
وبدا واضحاً أن هيئة وزارة الداخلية لم تعد تستطيع السيطرة على الأوضاع المنفلتة تدريجيا، وتمت تنحية وزير الداخلية الذي لم يكن متشدداً، وظهرت انتقادات رئيس الجمهورية “المنتخب” في العلن له ثم احتل الوزارة بنفسه وقام بـ “تطهيرات”.
وهكذا فإن القبضة “السلطوية” العسكرية تتوغل عبر الشوارع والحارات ثم تتغلغل عبر الأجهزة العليا، ويغدو الرئيس هو أيضا رئيساً للاستخبارات، الذي ثبت باعتباره الجهاز الأقوى، والقائد لبقية الأسلحة.
إن نمو الحرس الثوري الذي ظهر من حرب عارضة مؤقتة هي الحرب التي فرضها نظام العراق السابق، حولها إلى شيء أبدي، فكان لابد أن ينتهي مع هذه الحرب الجانبية العرضية، لكنه ظهر منها ليبقى، وليصبح السلطة المتنامية.
وقد تم رفض التحاقه بالجيش النظامي، وتتضارب الأرقام في أعداده بين مائة وخمسين ألفاً وبين مائتين، فيبدو كتشكيلة هلامية، بين الانضباط وحياة الشارع، وتم تحويله إلى قوة عسكرية – سياسية وربطه بالمرشد الأعلى، مما عبر عن اندغامه بالسلطة الأيديولوجية وهو ما يؤهله لانتزاعها قريباً.
تطور من معارك مدن، حتى سُلح بشكل كامل، وأعطي مهمات الحراسة الاستراتيجية كما لو كان شرطة، كحراسة المناطق الحدودية والمنشآت السرية، وحماية مضيق هرمز وتطوير نظم الصواريخ.
ومنه قوات الحرس الثوري (الباسيج) فهو أحد تشكيلاته وبمعنى “الحشد” واستخدم بشكل مباشر في القمع.
«كذلك أجاد الحرس الثوري إقامة علاقات وطيدة بينه وبين مصادر إنتاج الثروة، فوفقاً لعالم الاجتماع الإيراني شمس الواعظين، فإن المشروعات الاقتصادية التي تتجاوز 10 ملايين دولار فما فوق كلها تقريباً بشكل شبه مطلق بيد الحرس الثوري، كما أصبح القادة السابقون في الحرس متسيدين مجالي النفط والغاز»، (الشرق الأوسط، مقالة محمد عبده حسنين).
بدا واضحاً خلال هذا الصراع عدم تمكن القمع العسكري من وأد المعارضة المدنية.
ثمة جذور شعبية كبيرة للنضال وسط الجمهور الإيراني، وتلك المعركة الباسلة الهائلة ضد الشاه من غير الممكن تحقيقها ضد الجمهور ولا ضد النظام، لسبب بسيط هو أن الخندقين هما ابناء شعب واحد، وقضيتهما واحدة، وأن الحرس يفتعل معارك خارجية ليتكئ بها على مشروعاته الذاتية الاستغلالية التي تجاوز بها سقف الشعب وقدراته على العمل والادخار والصمت على الظروف المعيشية الصعبة.
ويسبب ضعف قوى الإنتاج وخاصة العسكرية كعدم وجود مشروعات فضاء أو لعدم كون الحرس وزارة تجارة خارجية لتوجيه بضائعه إلى السوق الدولية، في جعل قيادة الحرس تفتعل معارك ثورية وتغلي وضع المنطقة وتفكر في القنبلة النووية من أجل بقائِها كبائعٍ محتكرٍ وفوق القانون في حياة الشعب الإيراني.
ولكن هذا الطابع المغاير لنضالية الأئمة والشعب يمثل تضاداً مع قيمهم الروحية، السلمية، التعاونية مع الأمم، ومن الممكن حصرها وعزلها كلما أمكن تصاعد الأصوات، ومن الممكن حتى تقديم البدائل للحرس وللتجارة الخارجية مع إيران بدلاً من الانجرار الأعمى للعقوبات، التي تغدو مساعدة جيدة تعبوية للحرس.
إنه حتى المرشد الأعلى وأسرته والعديد من قوى الدينيين سيكونون معرضين لمخاطر تنامي قوة الحرس في الأيام القادمة ولانقلابه، الذي سيجد نفسه متوجهاً للاستيلاء الكامل على السلطة، بعد أن انهارت قوى المدنيين وابناء الثورة الأخيرين المتشبثين ببقايا التقاليد الديمقراطية، ولم يعرفوا قوانينَ تنامي الصراعات الطبقية، وكون من يملك هو من يحكم، وعاشوا في فكر خيالي سياسي، صبغوه برومانسية دينية، حتى تفجر الخلاف بين من يملكون ومن هم مستأجرون ومن هم أدوات مرحلية.
ويؤدي الطابع العسكري للملكية العامة الإيرانية إلى مخاطر الحروب، ويعبر حجم القوة البحرية للحرس الإيراني التي تبلغ 20% من قدرته، عن أن تكون قوة ضعيفة نسبيا، كما أن القوة البرية الواسعة، مفرقة بين البر الإيراني الواسع، ولهذا فهو في موقف ضعيف، وتوجهه للخيارات السلمية أفضل له، وهذا يحتاج إلى قوى دولية تعرض جسور السلام وعلاقات التعاون المفيدة بدلاً من التلويح بالعقوبات والضربات، ولكن إذا تشبث بانتحاره فسوف يكون بين جبهتين: جبهة شعبية داخلية وجبهة عالمية.
لقد أدت الصراعاتُ بين الدينيين إلى صعود الحرس الذي غدا هو القوة العسكرية الحاسمة في شؤون الصراع السياسي.
≣ توصيف غير دقيق
في ظل العواصف الثورية تغدو التقييمات السياسية مهمة، ولابد لمن ناضلَ طويلاً في هذه المنطقة من أن يتخذ القرارات الدقيقة، بأن يدرسَ اللحظة السياسية الخطيرة الراهنة، حيث تقوم جماهير طليعية معينة بتقرير أو ربما بتأثير أساسي على مصير بلد ومنطقة، وتنفتح خياراتٌ سياسية متعددة، وتتداخل الطرق وتتوهُ الخطوات أحياناً، ويضيع الهدف!
يتوه حزبُ (تودة) – حزب الشعب الإيراني التقدمي المناضل – في توصيف اللحظة السياسية الراهنة، فهو يرى بأن سبب المشكلات الحادة الراهنة في إيران هو:
( دخلت إيران الانتخابات الرئاسية العاشرة في ظروف اجتماعية – اقتصادية صعبة. فأربع سنوات من حكومة احمدي نجاد والسياسات النيوليبرالية التي اتبعتها (وأملاها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) جعلت الغالبية العظمى من الطبقة العاملة والشغيلة الإيرانية تعاني المشقة والفقر غير المسبوق. ويكشف تفحص سياسات إدارة احمدي نجاد السمات الخاصة للوجهة التي تبنتها هذه الحكومة، التي تنتمي إلى الرأسمالية التجارية الكبيرة والبرجوازية البيروقراطية في البلاد، وبعض الأسباب التي تقف وراء الحركة الجماهيرية الشعبية ضد هذا النظام. ( عن موقع الحزب الشيوعي العراقي،).
يجعلنا هذا التوصيف نتصور أن الرئيس الإيراني نجاد يمثل (الرأسمالية التجارية الكبيرة)، وهي قوى تجارية لا نعرف مدى استقلالها عن الدولة، لكنها بالتأكيد تمتلك بعض الاستقلالية عن النظام وتختلف عن (البرجوازية البيروقراطية) الحكومية، وهنا لا يحلل البيان كون القوى العسكرية الحاكمة خاصة (الحرس الثوري) هي المعنية خاصة بذلك. ويصمت عن هذه العقبة السياسية الكبيرة في النظام الإيراني.
ولنا أن نتساءل عن هذا التوافق العجيب بين صندوق النقد الدولي وحكومة نجاد.
بين سياسة حكومة الولايات المتحدة في عهد بوش وتوافقها مع حكومة الرئيس نجاد؟
كيف ينفذ الرئيس الإيراني السياسة الأمريكية في مجال الاقتصاد ثم يعارضها في مجال التسلح والسياسة الخارجية عامة؟
إن بيان حزب تودة تجاه عمليات التخصيص مبالغ فيه حسب حكم الجرائد الإيرانية نفسها. لقد فشلت خطة التخصيص ومازالت الحكومة وخاصة القطاعات العسكرية مستولية على الموارد العامة بشكل أساسي! وهكذا فإن الحديث عن التخصيص وكونه القضية الكبرى وتدميره لإيران فيه سكوت عن الحرس الثوري وبقية المؤسسات العسكرية كهادرة أساسية للأموال العامة في إيران.
إن مناطق التوتير في جنوب لبنان وغزة واليمن والعراق والخليج مطلوبة للحرس الثوري وللقوى العسكرية الأخرى، والضباط الكبار في مناطق التوتر يتلاقون في عملية واحدة هي تأزيم المنطقة وحلبها.
ولهذا فإن التوصيف العام المجرد (البرجوازية التجارية الكبرى والبيروقراطية) لا يضعُ الأصبعَ على الجرح الإيراني!
إن توسع الليبرالية والقوى التجارية والصناعية مطلوب في ظل مناخ حكومة شمولية عسكرية توجه البلد والمنطقة لحافة الهاوية، وليس الصراع الراهن في إيران حالياً سوى بين جناح عسكري مغال وبين أجنحة مدنية مهضومة الحقوق سواء كانت داخل الدولة أو خارجها.
كما ان الدفاع عن مصالح القوى العمالية والشعبية عموماً مطلوب هو الآخر، بحيث يغدو الدفاع عن الحريات الاقتصادية والسياسية والفكرية والدفاع عن معاش الناس مترابطين.
ويبين تقرير حزب الشعب الإيراني نفسه مخاطر السياسة العسكرية على الاقتصاد وحياة الجمهور ومعيشته، فيذكر من خلال نشرة البنك المركزي الإيراني ما يلي:
(وتعتقد النشرة ان الديون الخارجية لإيران في السنوات المقبلة ستتزايد، وانها سترتفع في السنة (الايرانية) 1387 (2008) والسنة 1388 (2009) الى 26،3 مليارات دولار و28،1 مليار دولار على التوالي، وسترتفع بالوتيرة المتصاعدة نفسها الى 29،2 مليار دولار في 1389 (2010).
كما تتصاعد معدلات الفقر بصورة كبيرة:
( ان عدد الاشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر ارتفع خلال اول سنتين من الحكومة التاسعة، من 18% الى 19%. وبالاستناد الى هذه الارقام، فإن ما بين 14 و15 مليون شخص يعيشون حالياً تحت خط الفقر.).
(وحسب الإحصائيات التي نشرت في وقت سابق هذه السنة، فان 80% من العمال في المصانع وفي الصناعات التحويلية يعملون بموجب عقود مؤقتة تغطي فترة تشغيل تتراوح من شهرين و10 أيام فقط الى 6 أشهر. إن جزءاً كبيراً من العمال المؤقتين المشمولين بقانون العمل يعملون في ظل ظروف بالغة القسوة).
وبطبيعة الحال فإن هذه الظروف الشعبية الصعبة لا تنعكس بشكل آلي في آراء وأهداف القادة السياسيين المتصارعين، جناحي العسكر والقوى المدنية، فرغم كون موسوي من مؤسسي الاقتصاد المدني والقطاع العام الصناعي تحديداً، إلا أننا لم نقرأ أي برنامج فيما يتعلق بتغيير الحياة الاقتصادية والحياة العسكرية لديه، بسبب صعوبة مثل هذا الطرح في اللحظة السياسية الراهنة، ولهذا اعتمد على لغة سياسية عامة غامضة، وهو يريد أن يسير في أروقة النظام بكل قوة وهي التي سوف تجهزُ عليه آجلاً أم عاجلاً.
وهو أمرٌ يشير من جهةٍ أخرى إلى كون الإصلاحات التي يقترحها ستكون ضمن أفق النظام، وعملية مساومة بين الجناحين العسكري والمدني.
إن البيروقراطيتين: العسكرية والمدنية الحكومية، لا تريدان صراعاً شعبياً عميقاً، ومن هنا يغدو برنامج موسوي عاماً، ويمثل محاولة لعزل الجناح العسكري وتجميع كل القوى السياسية والدينية ضده، لكن هذه العملية لم تحصل على مؤيدين كثيرين، فنجد أغلبية المراجع الدينية وقفت بشكل محايد أو صامت، وإن كان بعضها اعترض بقوة.
لا شك ان السياسة السلمية لإيران ستكون مكسباً للجمهورية ولشعبها وللمنطقة، فتوجيه هذه الموارد الكبيرة من النفط والصناعة لتطوير الاقتصاد وحياة الجمهور ستعطي نتائج أكثر أهمية من سياسة المواجهة.
ولكن يبقى هذا الخيار محدوداً، ويتصاعد على العكس دور الضباط وجاء تصريح رئيس أركان الجيش في مواجهة الاتحاد الأوربي بضرورة اعتذارها، ليؤكد أن القوى العسكرية ماضية في برامجها المتحدية.
وهكذا فإن القوى العسكرية قد فتحت على نفسها عدة جبهات، وحتى من حيث الحدود وميزان القوى وعدم تماسك الجبهة الداخلية، فإنها تغامر بكل شيء.
ومهما كانت النتائج والأحداث فإن انتصار القوى المدنية التجديدية على مستوى الشرع الإثناعشري، وعلى مستوى تطور الاقتصاد والحريات، لا شك قادم.
≣ انتفاضة شعب وليست مؤامرة خارجية
محاولة السلطات الإيرانية تصوير انتفاضة الشعب الإيراني بأنها نتاجُ التآمرِ الخارجي تعبرُ عن مستوى سياسي شديد الضيق والتعسف.
إنها محاولة تذكرنا بما كان تفعلهُ الأنظمة الاستبدادية في منطقتنا التي كانت تحيلُ كلَ حركةٍ نضالية احتجاجية تصحيحية تقومُ بها الشعوبُ إلى تآمرٍ خارجي، وإلى وجود أيدٍ خفية تتسلل إلى البيت المقدس النقي من كل دنس.
نتذكر هنا ما كان يرددهُ بعضُ الزعماء عن (انتفاضة الحرامية) وعن (الأولاد بتاع الشيوعية المأجورين)، ونتذكر كلمات الحكومات الصاخبة عن الاعتقالات وحل البرلمانات وسحل المعارضات وقتل بعض المناضلين، التي كانت كلها تجري باسم تسلل المخربين من الدول العدوة، وحينذاك كان التركيز على الدول الشرقية الاشتراكية المُخرِبة، وقد عبرت كل هذه التلفيقات عن عقلية سياسية شمولية ترفض التغيير والقراءة العقلانية لأوضاعها السياسية وتصحيحها.
وفي هذه التبريرات كان النشطاءُ السياسيون يتعرضون للكثير من القمع، ويمتد ذلك إلى الجماعات والمنظمات السياسية والاجتماعية حتى إلى أسر هؤلاء، بغرض فرض توجه سياسي محدود الرؤية والبصيرة ومن خلال العنف.
وعلينا أن نناقش بعقلانية وليس بمثل انفعالية الحكومة الإيرانية ومؤيديها هنا وهناك، عما أسمته بتدخلات القوى الخارجية التي تغلغلتْ بقوة وسببت الانتفاضة الشعبية.
فهذه الرؤية تصدرُ من ذات العقلية السياسية الوطنية المتطرفة التي تقول بأن الداخل الوطني سليم معافى لا توجد فيه تناقضات ولا مشاكل، وبالتالي فإن أي حركة نضالية لا يمكن أن تنبثق فيه. ونظراً لخلو الداخل من أي صراع ومن أي تناقض ومن أي سوء فإن الخارج هو الذي يصدرُ مؤامراته إلى الداخل النظيف!
إن هذه الرؤية الحكومية الإيرانية تبتعد عن تحليل المجتمع والاختلالات فيه وتغدو ذاتية مفرطة، وبالتالي ترفض وجود صراعات داخلية وتناقضات ومشكلات كبيرة، وترفض وجود أي قوة مستقلة بين الناس وتغدو هي المعبرة الوحيدة عن النظام.
إنها تقوم باحتكار القرار، وإذا ظهر مصدرُ قرارٍ آخر فلا بد أن يُسحق. ويعبر هذا أيضاً عن عدم القدرة على السيطرة على تناقضات النظام.
ولكن التناقض الحاد المرئي لعين المراقب في المجتمع الإيراني تواجد في قمة السلطة. وظهر في الشارع، ومن خلال العملية الانتخابية التي تجري كلها في هيمنة النظام ولكنها تمردت عليه، فكيف تكون مشكلة من خارج قبضته؟
وعلى كثرة التناقضات المحتدمة في إيران بين قلة الأغنياء وبحر العاملين، بين هيمنة الرجال الساحقة على النساء، بين المشروعات الحكومية المهيمنة وتقزيم المجتمع المدني التجاري الخاص، بين هيمنة القومية الفارسية على القوميات الأخرى المنبوذة من عربية وتركية وكردية وبلوشية، فعلى كثرة هذه التناقضات فإن تناقضات قوى السلطة هي التي طفحت وتفجرت.
وكيف يمكن للقوى الخارجية أن تصنع الصراع بين المحافظين من قادة الحرس الثوري والمخابرات والشرطة وبعض رجال الدين الكبار، وبين المنشقين عليهم من حزبيين دينيين وتجار في نفس الكيان؟
لو كانت القوى الأجنبية تصنع هذه القوى كلها وتملك هذا السحر كله لتوجهت لقوى الجيش وحرّكته وأطاحتْ بكل شيء.
إن رفض العقلية الحكومية السياسية الشمولية وبعض من يؤيدها ممن يعيش العقلية الدكتاتورية نفسها في مجاله، هو رفض للاعتراف بالواقع وتناقضاته وحركيته التي تتجاوزها.
إن الشعب الإيراني يرفض مشروعات القيادة العسكرية وتوجهها بعيداً عن التنمية والمشروعات المدنية، ومغامراتها الخارجية، وهو ما ظهر بوضوح لدى القادة والباحثين والسياسيين الإيرانيين المعارضين، فهم لم يطرحوا أشياء أبعد، ورؤاهم السياسية محدودة وقاصرة، ولكن هذا ما طرحوه وما عبر عن كونهم أجزاء من الطبقة المسيطرة، طبقة القوى البيروقراطية والعسكرية والدينية الاستغلالية للأمم الإيرانية، فهم لم يعارضوا سيطرة هذه الطبقة بل عارضوا توجهاً سائداً كرسته وتريدُ الاستمرارَ فيه.
ولو كانوا مفبركين ومصنوعين من القوى الخارجية وعملاء لطرحوا أشياء أبعد وطرحوا هدم هذه السلطة، فلماذا طرحوا ما يقوي النظام، ويخففُ من تناقضاتهِ الداخلية، ويوسعُ دخولـَه ويوجهها نحو الصناعات المدنية، ونحو حاجات الشعب.
لماذا حاولوا رفع بعض الغطاء عن القِدر الإيراني الواسع الذي يغلي ولم يتركوه ينفجر كعملاء مهمتهم التخريب لا البناء؟
أما أن هناك عشرات الفضائيات الموجهة نحو إيران وأن هذه كلها بريطانية وإسرائيلية وأمريكية فهي أقوال تدعو إلى تساؤل عن مدى معرفة هؤلاء بما يجري من واقع يعصف بإيران؟
فهناك أكثر من خمسة ملايين إيراني مشردون في الخارج، وقام النظامُ بسحق الحداثة الرقيقة في إيران وأدى ذلك إلى هروب قوى كثيرة متعددة من يساريين وليبراليين وقوميين وملكيين وعلماء ومثقفين ومبدعين الهروب من الملاحقات والدكتاتورية والنجاة بأنفسهم من هذا القمع، فقامت هذه الجماعات الكثيرة بتأسيس منابرها الخارجية المختلفة. ولا ندري هل يريد هؤلاء ملاحقة أبناء الشعب الإيراني حتى في المنافي؟ أما وجود أجهزة إعلامية أمريكية وبريطانية فبعضها سابق حتى لوجود الجمهورية الراهنة في إيران.
إن التدخلات والتأثيرات الغربية المتعددة أمر يجري في كل الكرة الأرضية، فلماذا لا تستطيع أن تؤثر في حكومات كثيرة ولا تستطيع أن تحرك الملايين في كل الدول. ولماذا برز نجاحها في الشعب الإيراني من دون غيره؟
وهو شعب كما يقول الشموليون الفرس والعرب خارج التناقضات والسلبيات؟
إذن لابد أن تكون هناك سلبيات وثغرات أتاحت هذا (التسلل الخبيث)، فلماذا لا نعرف ما هي، وكيف تشكلت وما هي حلولها؟
أما أن يكون القمع والمطاردات التي طالت المنبثقين من النظام والجمهور الشعبي على السواء، فهو هروب من الحوار ومن رؤية هذه الثغرات والمشكلات وحلها.
وكيف يمكن لتأثير أجنبي تافه مثل هذا أن يحرك الملايين خلال أسابيع ومع كل القمع؟
وإذا كان هذا التأثير التافه يحرك كل هذه الملايين في نشاط هائل في الشوارع، فمعنى هذا أن النظامَ بيتٌ من ورق حسب هذا المنطق الهزيل، فرموه بالنقد والإصلاح وليس بالقهر.
لابد من الاعتراف الموضوعي بأن أي نظام شمولي لابد أن يُقصم ظهره في خاتمة المطاف، وعجزه عن الوصول لحلول داخلية بين أقطابه وقواه الحاكمة يعرضه لأخطار أفدح.
إن حلول مشكلات الرأسماليات الحكومية الشرقية الاستبدادية متعددة، والنظام الإيراني ليس الأول ولا الأخير الذي يواجه مثل هذه التناقضات في تطوره، والحوارات التي تجري من وراء الكواليس سوف تؤدي إلى مخرج مستقبلي لمشكلات النظام لكن من خلال الطبقة البيروقراطية العسكرية الحاكمة، وهذا يعتمد على تطور الحكم والتجارة في الحرس الثوري، فماذا يقرر قادته، وكيف يشكلون ميزانيتهم وكيف يجلبون أفضل الأرباح؟ هنا يُقررُ مصير إيران خلال السنوات المقبلة، فالقرار النهائي يعتمد عليهم.
إن وجود الحكم في الحرس الثوري يوجه الدولة للمغامرات العسكرية والتصنيع الحربي والتدخلات الخارجية لاكتساب الأرباح، وحين يحدث تحولٌ نوعي فيه سوف يغير المعادلة السياسية الراهنة.
≣ مصائر الثورة الإيرانية
لم يجدْ الزمانُ بمثلهِ، وقد كـُثرتْ الشعوبُ الخرافُ، وليس لهذا أسبابٌ غيبية مفارقة للعيش ولكن لأن الغيبَ هنا اتحد بالثورات، وجالَ في الأزقةِ بين الفقراء، ولبسَ الأسمالَ والجوع والفقرَ فصار ناراً مرة، وصوفيين شجعاناً مرة، وتجاراً وعمالاً حداثيين في بداية الزمان الحديث، موعد المساواة والمواطنة والحرية.
وهو موعد الحزبِ، حزب المهدي قائد الجمهور، العمالي، صانع الاشتراكية في آخر الزمان.
ولأن العربَ قدموا له العدالة والقرآن مرة حين كانوا ثوريين، ثم فرضوا عليه بعد ذلك الاستبدادَ والجزية، بعد أن ملكَ الاستغلاليون الرقابَ، فلم يُفرقْ الفرسُ بين فاتح صديق، ومستبد عريق، فالظلمُ طال، والجهل عم.
فكان عليه خلال قرون طويلة أن يتخلصَ من النير العربي الملوكي الجائر، وقدم له قادة من العرب أنفسهم المذاهب الإمامية المقاتلة، فخليفة بغداد ليس هو الإمام، والإمامُ العادل مطاردٌ في الجبال، وفي الأغلال، له في جبال رضوى بشارة وإشارة، ومهما قتل مراراً فهو هناك في الجبال يشرب ويأكل.
ظهرتْ المذاهبُ الإمامية خلال قرون كثيرة، طويلة، وفي كل سنة أحداث وآلام، وقد نهض أبو مسلم الخراساني من جوف الدعوة العباسية ليرفع الأعلامَ السوداء ويثأر من عرب الإستغلال، لكن ثورته كانت فردية، وصار سفاحاً في خدمة آل عباس، حتى نهض الزيديون بالثورة وتابعوا طريق الدماء خدمة للمستضعفين والفقراء.
لكنها كانت ثورات بأسلوب واحد دموي، فكانت مناجل الحصاد تزيلُ الرؤوسَ التي تضجُ بالأفكارِ والأحلام، وتبقى الأرضُ عطشى، والشعبُ لا قواد له.
الثورات الدموية إستنزافٌ للقدرات، والزهرات التي تنمو خلال سنين طويلة تـُقطع خلال أيام، بعدها يحلُ زمنُ الصمتُ والهوان، وتغدو الحياة عزيزة حتى للعبيد والخدم.
ولكنه الشعب الذي يصعد سلماً صعباً، كلما كثرت تضحياته سما، وتطلع للحرية ولا يتوقف عن تقديم التضحيات!
جاء الإسماعيليون بعد قرون مثل سابقيهم الزيدين أصحاب ثورة لا تعرف القعود، ولا الركود، يضجون بالحيوية، ويحملون الخناجرَ لبقر بطون المستبدين، ويشعلون النيران في رؤوس الجبال، ويهجمون على المدن، ويذبحون، ويختفون!
أقام بعضُهم جناناً، يعقبها جنون، ويملأون رؤوس الحالمين بالدخان المُغيّبِ للعقول، ثم يسلمونهم خناجر ليقتلوا الحكام، ولكن القتل والجرائم لا تصنع التاريخ، ولا يصنعه الوعي المُخدّر.
حدث فراغ كبيرٌ في إيران راح الإثناعشريون يملأونهُ بهدوءٍ تاركين المغامرات العسكرية، والمذابح، والثورات الخائبة.
كان نضالهم يجمعُ بين السرية والعلنية، بين النقد والصمت، بين البحث والتحليق في الفضاء الغيبي، لقد تعلموا من بحر المذابح السابق.
في زمن الإثناعشرية الصوفية تألقتْ إيران كما لم تتألق من قبل، كثـُر الشعراء الكبار ونـُظمتْ الملاحمُ وازدهرتْ اللغة الفارسية لكنها لم تنفصل عن شقيقتها العربية وإن كرهتها، وغدا العشق هو سيد الثقافة، وتم إستبدال الخناجر بالدفاتر، وبالعلوم، وفي هذه الفترة صارت إيران مستقلة.
كان المغول قد احتلوها واضطهدوها، فقام الصوفيون الدراويش بالثورة، فهؤلاء الذين ما فتأوا يهذون بالعشق الإلهي تحولوا إلى فرسان مقاتلين وسحقوا عصابات المغول وأزالوها من الشرق!
استولى الدراويش السلاطين على الحكم والمذهب، وجيروا رجالَ الدين من أجلِ حكمهم، وهي فترة خطيرة تعبت العقول فيها من البحث، واجترت أقوال السلف، وانتشرت الخرافات، وصارت الصوفية دروشة، وصار السلاطين يخوفون الشعب من زحف (الكفار) الصليبين خاصة وأن هؤلاء ظهروا بشكل البرتغاليين حارقي المدن ومدمري الحضارة.
ثم بشكل الخبثاء الأنكليز الذين يتغلغلون مثل النمل، بنعومة وهدوء ثم يستولون على البلدان والثروات.
كان نمو الإثناعشرية خلال هذه القرون التي استقلت فيها إيران (يتطور) مثلما تطورت المذاهب الإسلامية الأخرى، مُفارِقاً لوصايا القرآن بأن تكون الأغلبية الشعبية العاملة هي الحاكمة، فقد سقطتْ هذه السلطة بعد حكم الخلفاء الراشدين، ولم تـُعدْ مرة أخرى، وهكذا تمتْ أدلجة الإسلام حسب ما تراه القوى الإستغلالية العليا، من حكوماتٍ وإقطاعيين وملاك كبار، وغدا رجال الدين جزءً من هذه القوى، يوجهون الأمور نحو العبادات، كل بمذهبه، وأما النظام السياسي فهو النظام الاستبدادي الذي وروثوه من الرومان والأكاسرة بعد أن وروثوا ثرواتهم وأضافوا عليها إستغلال العامة المسلمين.
وتوسعت السلطة الفارسية وهي تواجه الزحف الغربي محولة القوميات الأخرى التابعة لها إلى فرس بالقوة، وكان هذا بداية لمشروع قومي كامن هيمنت فيه التقاليد لمحافظة.
ومع العصر الحديث ومقاومة الاستعمار والتدخلات الأجنبية في شؤون فارس التي تحولت إلى دولة إيران كمصطلح جديد يشير إلى دولة متعددة القوميات، توجهت النخب العسكرية والسياسية إلى التأثر بالتجربة الغربية في الحكم، لكن كان ذلك غير ممكن من دولة إقطاعية محافظة تريد أن تحتذي نظاماً سياسياً ديمقراطياً يعبر عن رأسمالية حداثية.
كان التجار ورجال الدين الذين قاموا بالثورة المشروطية سنة 1902 يسعون لنظام حديث علماني، لكن العسكر المعبرين عن القوى المحافظة كانوا أكثر قوة، فظهرت عائلة بهلوي ورسخت النظام الأتوقراطي، أي نظام القلة الغنية المسيطرة.
وكان هذا مسار الأغلبية الكاسحة من أنظمة الشرق. ولهذا فإن (الجمهوريات) و(الملكيات) هي طبعاتٌ مختلفة من نفس النظام، وسواء كان إشتراكياً أم رأسمالياً، لأنه في الحراك الاجتماعي الطويل تتكشف المضامين المتوارية فيه.
ولهذا فإن الديمقراطية تعني في هذه الدول هوامش صغيرة تـُعطى للشعوب في حين تكون الخيرات والحكومات لتلك النخب الصغيرة.
ولم يشذ تفكير الإمام الخميني عن هذه الرؤى الاجتماعية السائدة، وكانت فكرة ولاية الفقيه فكرة جديدة غير موجودة لا في المذاهب الإثناعشرية ولا في المذاهب السنية.
أي أن الفقه الإسلامي عامة رفض أن يقوم الفقهاء ورجال الدين بمهام الحكم المباشر، نظراً للتاريخ الذي جرى بعد إسقاط الحكومة الأخيرة للخلفاء الراشدين، وسيطرة الملوك – الخلفاء على السلطات، فنأى الفقهاءُ عن الحكم والحكومات، واعتبروا التعامل معها أشبه بالنقيصة لرجل الدين، حتى أحكامه تصبح محل نظر وشك، ولكن هؤلاء الفقهاء الزهاد لم يصيروا هم الأغلبية لأن آخرين كثيرين بعدهم سارعوا للارتباط بالدول وحوروا وغيروا من أجل أن يعيشوا برفاهية.
كانت فكرة الأمام الخميني التي انتجها في النجف بعد إبعاده عن موطنه عن ولاية الفقيه، هي بخلاف تطور المذاهب الإسلامية، التي كانت كلها حذرة جداً في التعامل مع السلطات، فكيف أن تكون هي السلطات؟!
كانت الفكرة من الناحية الجوهرية هي إستمرار لحكم الأقليات الغنية السائد في الحياة السياسية والاجتماعية الشرقية، لكنها تضع مقاليد السلطة في يد رجال الدين بصفة خاصة.
وكما رأينا فإن الأغلبية الساحقة من رجال الدين كانت قد التصقتْ بالحكوماتِ الاستغلالية، وشكلنتْ الشريعة، خاصة من الناحية السياسية، وجمدتْ الأحكام، وركزت على ما هو تحريمي وقمعي، وعلى ما هو سحري وخرافي، وعلى تجميد تطور البناء الاجتماعي خاصة في مسألة عدم تحرير الفلاحين، وبقاء السيطرة الذكورية على النساء، وسيطرة الحكام على المحكومين، وسيطرة الدين كما يفهمه المحافظون على الوعي، وسيطرة القلة على مال الأغلبية.
فجاء حكمُ ولاية الفقيه ليرث كل هذا التراث المحافظ بسبب الأدوات السياسية التي وضعها وليس من حيث النية والهدف، فأعطى الوليَّ الفقيهَ سيطرة مطلقة على السلطة، مثلما أعطى النصوصَ الدينية المأخوذة بتعسف تفسيري عتيق، لمصلحة القوى الإستغلالية المسيطرة على المال العام وقد ظنها بأنها الحارسة الأمينة عليه.
أن النصوصَ الدينية تمتْ أدلجتها خلال قرون طويلة لمصلحة تلك الأقليات الغنية، وبسسبب خضوعها للطرق الشمولية التحكمية بالمسلمين، فتغدو ولاية الفقيه هنا دكتاتورية على مستوياتٍ متعددة: مستوى سياسي، ومستوى اقتصادي، ومستوى فقهي.
المستويان السياسي والاقتصادي مفهومان حيث تقوم الدولة باحتكار السلطة ولكن في المستوى الاقتصادي لا تستطيع ذلك كلياً، فهناك قطاع خاص قديم، لكن دولة ولاية الفقيه تضعُ يدَها على أغلبية الثروة الوطنية، خاصة مؤسسات النفط والغاز والصناعات المختلفة. وهذا مشابه لدكتاتورية القطاعات العامة المُساة (إشتراكية). وثمة هدف غائر هنا في ولاية الفقيه يتمثلُ في ضرورةِ إحداث ثورة صناعية كبيرة. ويترابط ذلك بعسكرة الحياة، وتصاعد بناء الجيش وهيمنة الشرطة على حياة المواطنين. ويُضاف إلى ذلك هنا مستوى القراءة المحافظة للإسلام عند هذه المؤسسات الذكورية الاستغلالية المتعالية.
أما على مستوى الفقه فإن الدولة الشمولية هنا لا تستطيع أن تسيطر. ففي عقر دارها توجد الأصالة الإسلامية المعارضة، حيث قامت المذاهبُ الإسلامية على التعددية، وتباين الاجتهادات والتفسيرات وكثرة المدارس والمجتهدين حتى في القراءات المحافظة المسيطرة!
لكن دكتاتورية ولاية الفقيه تمركزتْ في السياسة وحاولت جعل ذاتها هي الفكرة الشرعية المقدسة، دون أن تحصل على المشروعية الفقهية.
لقد قامت الأنظمة الماضية الدينية الإسلامية بإختلافها على فصل الحكم السياسي عن الشرع، كما وضح سابقاً من نأي مؤسسي المذاهب الإسلامية عن الحكومات، ولكن ولاية الفقيه كما نـُظرَّ لها من قبل الإمام الخميني، تقوي في رأيه من جهاتٍ سياسية واجتماعية عدة قواعدَ العدالة، فالولي الفقيه مُنتخبٌ عموماً، كما أن المُلكية الاقتصادية الانتاجية الكبرى هي بيد الشعب، كذلك توجد مؤسسات اجتماعية عديدة لخدمة الفقراء.
لكن يخرق النقاط السابق ذكرها الواقعُ الحقيقي، فالولي الفقيه يتجه إلى احتكار السلطة وتهميش رئيس الجمهورية ذي الصلاحيات المحدودة، وكذلك يقوم بتهميش البرلمان، الذي هو برلمان مراقبة بدرجة أساسية لا برلمان سلطة تنبثقُ منه المؤسسات، فهذا ليس برلماناً ولكنه لجنة مراقبة عمومية كما يحدث في بقية الدول الإسلامية خاصة.
ومع التطور السياسي يغدو الولي الفقيه دكتاتوراً، وإذا أضفنا إلى ذلك المستوى الفكري للمرشد، وكونه غير ذي دراية واسعة بالشرع والمجتمع، وتربطه علاقات خاصة معينة غير عادلة تنعكس على أحكامه، فإن المنصب يغدو ملتبساً وغير مختلف عن الرئيس الأوحد القاهر.
كذلك فإن الملكيات العامة يتم السيطرة عليها من قبل الإدارات البيروقراطية الفاسدة وبهذا فإن حلقات الشمولية تتحكم في كل شيء.
عموماً هذه هي مسيرة الرأسماليات الحكومية الشرقية وقد لبستْ هنا لباسَ المذهبية اليمينية المحافظة، ذات الجذور الريفية. فغدت مُلجمة لتطور المدن، وللثقافة الحديثة، وللحريات، ومهددة لتطور المذهب وانفتاحه وتقدم أحكامه في هذا العصر حيث الحضور الشديد للتغريب.
ويعيطنا نموذج الانتفاضة الإيرانية الآن محاولة أخرى لتكسير القيود وللخلق الشعبي الحر، وللفيض الروحي الاستشهادي، والمسير خطوة أخرى نحو الديمقراطية الحقيقية.
واعتماد ولاية الفقيه على الرجل الفاضل هو اعتماد واهٍ، فحتى حكومات الخلفاء الراشدين لم تخلُ من انحياز أحياناً للعوائل ولمصالحها، رغم الإيثار الكبير في أغلب فتراتها، مما تسبب في مشكلات خطيرة استمرت لأجيال. رغم عدم وجود جيوش جرارة لدى الخليفة ولا لأجهزة التسلط والتنصت وكونه مواطناً بين المواطنين.
فكيف يستطيع ولي الفقيه وهو محاط بكل هذه الأجهزة وبالفردية في الحكم وضعف الأجهزة المنتخبة أن يكون عادلاً؟
في النهاية ستتحول ولاية الفقيه إلى حكم وراثي كما جرى الأمر في الجمهوريات العربية الإسلامية!
إذا رأينا تاريخ إيران الطويل حيث استمرت بعض الحقب النضالية سواء كانت مغامرة أم فوضوية أم صوفية مئات السنين، فلا يجب أن ننظر لزمن ولاية الفقيه بأنها طويلة، فهي قصيرة في عمر الزمن، وصارت فيها منجزات كبيرة وأخطاء جسيمة كذلك، والطريق هو توسيع المؤسسات المنتخبة وصلاحياتها، وتوجيه الموارد نحو الصالح العام والمشروعات التنموية السلمية كما تطرح قوى المعارضة، ولا بد لإيران من مغادرة طرق الدكتاتوريات العسكرية فهي تعود بأوخم العواقب على شعبها وعلى تطورها.
≣ ثلاثون سنة من التجريب
أدت الأحداث الإيرانية الراهنة إلى خلق نوع من الصاعقة السياسية في الكثير من الأوساط التي فوجئت بأن عوامل الصراعات السياسية الحادة من الممكن أن تقتحم بقوة الجسد الفارسي (المقدس)، الذي صُور خلال عقود ثلاثة بأنه خارج مثل هذه العمليات البشرية الأرضية (الوضيعة).
وككل ثورة شرقية تـُضفي على نفسِها مثل هذا البخور الغيبي، عليها أن تدفع ثمن هذا التجاهل لحاجات البشر العادية ولتغييب الوعي الموضوعي بالعملية التاريخية الصراعية بين الحاكمين والمحكومين، بين كبار الأغنياء وبحر الفقراء، بين الإدارة الشمولية وحاجات الشعب الملحة.
وإذا كانت الأحداثُ السياسية بطبيعتِها المفاجئة تتركزُ الآن فيما هو سياسي مهم، وهو عملية التزوير في الانتخابات لصالح مرشح السلطة، وأن الشعبَ نزل للشوارع ضد هذه الطبخة السيئة، إلا أن مجريات التاريخ القادم سوف تتعدى مثل هذا الحدث وسوف تطرحُ أسئلة عن مستقبل الدولة الدينية الشمولية، وعن مسائل الإصلاح في الملكية الحكومية المركزية وامتداداتها العسكرية، وعن الحكم المذهبي وخطورته على البلد، أي بلد، وأن الحداثة والعلمانية والوحدة الوطنية والعدالة في توزيع الفوائض الاقتصادية الحكومية، هي مسائل أولى على الخريطة السياسية لأي بلد شرقي.
ومن الواضح كذلك أن المظاهرَ العفوية لهذه الانتفاضة تحددُ بعضَ ملامح الأجسام الاجتماعية التي دخلتْ حومة الصراع، فالشباب هو القوة الأساسية، والفئات الوسطى المدنية في طهران هي التي تقودُ هذا التحرك، وهذا يطرحُ أهدافاً سياسية مباشرة وهي إلغاء نتائج الفرز المزور للانتخابات، وتقف الأهداف عند هذا الحد الظاهري.
لكن ما هو متوارٍ أبعد من ذلك بكثير، فهناك سلطة المرشد وظله الأرضي الرئيس المزور له، ومباركته السريعة والقوية لهذا تضعهُ في دائرة المساءلة، ومن هنا تتكاثر الأصواتُ بأن يكون المرشد تحت القانون لا فوقه.
وهو أمرٌ لم يسبق أن طـُرح، وهكذا فإن الدولة الدينية الشمولية غدت هي موضع التساؤل الشعبي الواسع والحاد، وتتصارع المراجعُ بين مؤيد ومعارض، لكن أغلبية المراجع المحافظة المؤيدة للسلطات التي لا تـُحد للمرشد توضح هذا العناق بين الآراء المذهبية المؤيدة للاستغلال الطويل والعتيق للعامة، ومحدودية الآراء الدينية الديمقراطية المصارعة لهذا الاستبداد، لكن مع ذلك هذه بداية فقط وعملية تجديد إيران ديمقراطيا مسألة تاريخية طويلة.
إن السلطة الدكتاتورية في قمة الهرم غدت محل تساؤل، ونزول الجمهور إلى الشوارع بهذه الملايين التي لم تحرق إطاراً أو صندوق قمامة، هي تحد لقرارات المرشد بدرجة أساسية وان حاول أن يلتفَ عليها ويبعدها عبر إجراءات غير ذاتِ قيمة مع موافقته السياسية السريعة غير الحكيمة على التزوير.
لم يعد العلمانيون والأمريكيون والتقدميون هم الذين ينتقدون النظام الآن، النظام تنتقدهُ جماهيرُ الشعب الإيراني نفسه.
وليست الأهداف مشتركة بين خصوم إيران الكثيرين الذين يتوجه العديد منهم لتحطيم منجزات ثورة مهمة في المنطقة، ويريدون سحق إنجازاتها وآثارها، فهناك من أشار كثيراً إلى تلك السلبيات وعارض الدولة الأتوقراطية ولم يعارض نضال الشعب أو مذهبه الديني.
لقد نزلت الأحداث الإيرانية قبل ثلاثين سنة كصاعقة أخرى كبيرة مشتعلة بالبروق والوعود، وتوجهت الأفكار الدينية المحافظة لجعلها خارج التاريخ، وخارج الدرس، وخارج العقل.
وصارت موجة كبيرة فاقمت التوجه الغيبي السحري نحو الدين، ووسعت بشكل لم يسبق له مثيل الصراعات الطائفية في المنطقة، وغدا معسكرا السنة والشيعة بارزين بشكل مؤسف ومتنام في كل مظاهر الحياة، فتخربت شعوبٌ وبيوتٌ ونضالات بسبب هذه الأساطير.
وفي النهاية فإن الرأسمالية الحكومية الفارسية دخلت في ظروف الحياة العادية، وسقطت من التحليق السماوي إلى شؤون البشر من أجور وغلاء وفقر ومصانع عديدة منتجة وتفاقم لسلطات البيروقراطية ولعلماء الدين والعسكر، واستخدمت في ذلك قوانين قمعية من خلال فهم ديني سطحي، وتكشفت عن نفس ما جرى في الدول الشرقية ذات الملكيات الحكومية الشمولية، مع فقدها أدوات التصحيح، واستغلت القوى الوسطى الثغرات السياسية في النظام لكي تنفذ من خلالها لعملية تغيير مواكبة للعصر.
وتظل العملية السياسية الصراعية في مستواها الراهن الآن بأنها تعبير عن قيادة فئات جاءت من استغلال النظام ذاته، فالذي يجري هو صراعاتٌ بين أجنحة الطبقة المسيطرة على وسائل الإنتاج الحكومية، التي هي الكبرى في إنتاج الثروة، وهي بالتالي تضع مسار الأحداث في يديها مركزة في تحويل محدود في السلطة الحاكمة.
لكن هذا التغيير المحدود في السلطة جائز له أن يتوسع، خاصة مع جمود أجهزة مؤسسة المرشد ومؤسسة الرئاسة، وأن ينفتح الصراع على قضايا كبرى، وكلما بقيت القضية ساخنة مطروحة في الشوارع، دخلت قوى اجتماعية أخرى في أتونها، ومضت إلى مناطق جديدة من الخريطة الإيرانية، وطرحتْ مسائل جذرية في المطالب الشعبية.
ولهذا كله تأثيرات بالغة في مستقبل السياسة الإيرانية والروابط الهشة بين القوميات داخلها، وفي برامجها التسليحية الخطيرة وفي حلفائها السياسيين المرتبطين بتلك الحلقة من الرؤى الشمولية السياسية في بلدانهم. فللمركز في صعوده تصعيد لقوى سياسية وكويكبات وشهب صغيرة وفي انحداره سقوط كذلك لتلك الكويكبات والشهب الناتجة من اشتعاله الأول، فإما أن تبحث لها عن مسارات جديدة وإما تتساقط في جوانب الأرض محدثة الانطفاءات والحرائق الأخيرة.
إن متابعة الأحداث الإيرانية وقراءة أعماقها وآثارها وعلاقات المذهبية بالسياسة، وعلاقات الإصلاح الاقتصادي بالمركزية، ورؤية كيفية الصراع بين القطاعين العام والخاص، وكيفية تطور الأدوات التعبيرية والسياسية والاجتماعية، كل هذه المسائل لابد أن تـُدرس بعناية خلال الفترة القادمة.
≣ نسخة جديدة من الرأسمالية الحكومية الإيرانية
يتوجه الصراع في إيران هذه الأيام، إذا قرأناه في العمق، نحو تحجيم الرأسمالية الحكومية العسكرية بدرجة أساسية، وتصعيد الرأسمالية الحكومية المدنية.
وهذا الأفق المحدود للحركة الشعبية النضالية كان بسبب القمع الكبير الذي مارستهُ القوى المذهبية اليمينية المحافظة، على كافة القوى الشعبية من يسار وبرجوازية ليبرالية.
إن كلاً من نجاد وموسوي هما وجهان لهذه الرأسمالية الحكومية الشمولية، أي أن المطالب السياسية المرفوعة في الطبعة الثانية من (الثورة الإسلامية) لا تعدو أن تكون تخفيفاً من العسكرة ومن هيمنة الحرس (الثوري) على الحياة الاجتماعية الإيرانية.
فلماذا لم تتجاوز الجماهير الحاشدة هذه المطالب المحدودة المتمثلة في وصول موسوي لسدةِ الرئاسة ذات الاصلاحيات المتواضعة؟
هذا بسبب القمع الطويل الشرس الذي مارسته السلطة الدينية اليمينية المحافظة، وهي العملية المعبرة عن إستغلال الإقطاع الطويل للإثني عشرية في تاريخ إيران من نهاية العصر الوسيط حتى الآن، مثلما حدثَ الأمرُ في الجانب السني كذلك، فهو تاريخ موضوعي لتدهور أسلوب الإنتاج التقليدي ولتحكم كبار الأغنياء في حياة جمهور العاملين المسلمين.
الجماهير التي عاشتْ على هذه الممارسات وخرجتْ للعالم بوجودها القومي هذا، لا يمكن لها أن تغدو علمانية وديمقراطية، مع منع الاتجاهات اليسارية والليبرالية وقمعها بشكل واسع وحاد.
هناك قوى عمالية وتجارية كبيرة ومهمة لكنها لم تنمُ عبر الاتجاهات الحديثة، وإذا حدث أن نمت فمن خلال جوانب محدودة منها، وعبر تشوهات وإختطافات مبتسرة وشعارات لم تتحول إلى عمق فكري متجذر في التربة الإيرانية.
ومن هنا فإن الجماهير كان لديها خيار حكومي محدود في الانتخابات، ولتصعيد رئيس جمهورية ذي صلاحيات محدودة كذلك، ومع هذا فإن مؤسسة النظام العسكرية المتنفذة لم تسمح بفوز المرشح غير المتطابق مع برامجها العسكرية المتوسعة ومع فسادها، ومع تأجيجها للصراعات في المنطقة.
كان تقديم نسخة شعبوية زاعقة بشعاراتها لإلهاء الناس عن هذه البرامج وعن مطالب حياتهم الصعبة وفرضه من خلال التزوير قد أدى إلى هذا الانفجار، في حين كانوا يتطلعون للانفراج واهتمام الدولة بمعاشهم وحرياتهم.
فيعبر صعود المرشح الآخر المهزوم رسمياً المنتصر شعبياً، عن أن الناس ملت من العسكرة ومن الشعارات(الثورية) الزائفة وإدعاءات المواجهة ومعسكر المجابهة.
إن الرأسماليات الحكومية المتشددة في المنطقة والتي لا تريد محاسبة على ميزانياتها ولا تريد أحزاباً مستقلة ناقدة لعملها، قد وصلتْ إلى طريقٍ مسدودٍ في المنطقة، فما بالك ببقاع العالم الأخرى التي دخلتْ في ديمقراطياتِ تبادلِ السلطة؟
وفي إيران دخلت الرأسمالية الحكومية في نفق العسكرة، وغدا الحرس الثوري شركات ومستويات عسكرية كبيرة وهو اتجاه يغدو أكثر خطورة على الشعب ورزقه ومصيره.
هكذا تصارع الاتجاهان الحكوميان الرأسماليان عبر شخصيتين من نفس هذا النظام، وجاءتْ الشعاراتُ والمظاهرات لتنزل الصراع في الشارع بقوة، ولكن دون أن تتجاوزه.
فنجد أن الاضرابات العمالية وخاصة في مؤسسات النفط واحتجاجات البازار غائبة، ونرى بأن أغلب الجمهور الناشط هو من التابع للأجهزة الحكومية وللشركات العامة والجمهور العامي أو المتعلم العادي الذي ضاق بقمع النظام الاجتماعي.
إن أي تخط لهذا الجانب المحدود لم يجر، على الأقل في الأحداث الراهنة، ولكن المدى الاجتماعي مفتوح كذلك، فسواء تمت الاستجابة للمطلب العام بإعادة المرشح الفائز ، أو لم تجر فإن الحراكَ الاجتماعي قد بدأ بقوة، ولم تعد الدكتاتورية العسكرية مقبولة ولا حتى الدكتاتورية الدينية – السياسية.
وفي حدود عالم الرأسماليات الشرقية الشمولية فإن بعض الانفتاح وصعود الحريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية سيكون هو المأمول، أي أن خطابات التشدد الديني التي تقول بأن المذهبية المحافظة قد توقفت عند حدود علمهم المحدود، هو أمرٌ سيتعرضُ للتغيير، وفي تصوري فإن ثمة اجتهادات وتطورات قادمة كثيرة في هذا الفقه، فلا نفاد للفقه الإسلامي نحو الديمقراطية والحداثة.
وهذا التغيير الاجتماعي سوف يعرض مؤسسات النظام الدينية – الحكومية المشرعة للتبدل، لأن خلق تطابق بين نظرة دينية ومؤسسات لا بد أن يؤدي لتفكيك العلاقة بينهما، على مستوى القوى الفكرية والسياسية الممسكة بعمليات التحول.
أي أن النسخة الرسمية من شعار ولاية الفقيه، الشيعية المُطبقة فقط في إيران ، والتي يراها كذلك قسمٌ كبيرٌ من الشيعة داخل إيران وخارجها، بأنها ليست مُلزمة، وليست ضمن أسس الإيمان، بل هي مجردُ اجتهادٍ سياسي قابل للتغيير.
هناك احتمالات عديدة في مجرى التاريخ الراهن كتحول مؤسسة الرئاسة إلى قوة سياسية كبيرة، وليست مجرد أداة تنفيذية بسيطة، وهو احتمالٌ يقوي أنشطة المجتمع المدني وحرياته ويؤدي إلى رفد الفقه الشيعي بثمار التحول الديمقراطي، في تصوراته للحكم، وفي نمو الاتجاهات الاجتماعية باتجاه الحرية والتعددية والعقلانية. وهو أمرٌ يتجاوز ويعقب اللحظة الراهنة فالإثناعشرية وتطوراتها أكبر من أي نظام أو من أي لحظة سياسية محددة أو راهنة.
أو أن يحدث شيءٌ آخر في الأزمة الحالية وهو إستلام الحرس الثوري نفسه للسلطة، وبقاء الدكتاتورية العسكرية وصعودها إلى المسرح بشكل كلي.
وهو احتمال يؤدي لتوسع القمع ويزعزع الاستقرار في المنطقة، أي أن له احتمالات خطيرة في الداخل والخارج.
أما بقاء السلطة بشكلها الحالي المترجرج بين المدنيين والعسكريين، فإنه احتمالٌ قلق وممزق للجلد الوطني وللنظام السياسي.
هل سوف يستطيع الشق المدني في السلطة لو عاد للحكم الثانوي أن يقوم بتغييرات مهمة ويحول الدولة إلى رأسمالية حكومية لها جوانب ديمقراطية كروسيا؟
هذا أمر سبق فشله في عهد خاتمي الذي تصدت له القوى البيروقراطية والعسكرية كما أن أطروحاته كانت ليبرالية دينية محدودة.
أو أن الطبعة الثانية من الثورة الإيرانية الشعبية سوف تتجاوز هذا وتقدم المفاجآت غير المتوقعة؟
هل هناك احتمال لمشروع رأسمالي خاص ديمقراطي وعلماني في العالم الإسلامي وفي قارة آسيا عموماً؟
لم يحدث ذلك في أي دولة في آسيا (إلا لليابان والهند وإستراليا نظراً لخصائص فريدة)، وسوف تمضي إيران في سلك الدول الرأسمالية الحكومية ذات الديمقراطية المحدودة المرتبطة بهيمنة النظام، وتحتاج لسنوات أخرى وربما لعقود من أجل الخروج من هذه الصيغة المحدودة النسبية كذلك.
إن إستماتة النظام في الدفاع عن خياره السياسي وهو انتخاب نجاد سيعني صراعاً ضارياً مفتوحاً وانقساماً كبيراً في المجتمع، فهل يستحق نجاد مثل هذه الصراعات الضارية؟
الأيام حبلى بالمفاجآت فلننتظر.
≣ الرأسمالية الحكومية الإيرانية
دون تراث ديمقراطي طويل في البلدان الشرقية لا تستطيع ملكية الدولة إلا أن تتحول إلى رأسمالية حكومية شمولية.
هناك الكثير من الآراء والمناقشات حول الثورة الإيرانية وأسباب تحولها لنظام ديني شمولي بدلاً من أن تكون حتى نظاماً ليبرالياً ديمقراطياً.
لقد أسس الشاه دكتاتورية الحكم وقطاع الدولة الاقتصادي الكبير، الذي تغدو فيه ملكية النفط الحكومية أداة السيطرة الكبيرة على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
إن دينامية الثورة تعود للجماهير الشعبية التي شاركت فيها، لكن القوى السياسية الليبرالية واليسارية لم تفهم قوانين الأنظمة الحكومية الرأسمالية في الشرق. فصعودُ الدولة ذات القوة الكلية في المجتمع لا يمكن مقارنته بتطور الصراعات الاجتماعية في الغرب.
لم ينفصل النظام الملكي السابق عن المحافظة الدينية، وتجسيد القومية الفارسية، فجاءَ النظامُ الديني ليكمل ذلك التاريخ.
ورغم منطلقات الحزب البلشفي في روسيا، واختلافها عن أفكار حزب الجمهورية الإيرانية كثيراً، لكن كان تتويج النظامين في توليفة واحدة: هي دكتاتورية الدولة وهيمنتها على القطاع الاقتصادي الأكبر، ثم إنتاج بورجوازية (سوداء) من داخل مؤسسات النظام، وإذا تأخر ظهورها في إيران فإنها سوفَ تظهرُ لاحقاً.
(كان الضعف فى حركة العمال جزئياً نتيجة لعوامل موضوعية، فكان هناك أنقسام داخل الطبقة العاملة بين أولئك العاملين فى القطاع الحديث فى المصانع الكبيرة وهؤلاء العاملين فى القطاعات التقليدية فى الورش الصغيرة (والتى معظمها كانت تـُدار من أصحابها أو أعضاء العائلة). وكانت المناطق التى يسكنها العمالُ غالباً يسودها عددياً القطاعات البائسة من البورجوازية الصغيرة، فقد كان يوجد 750 الف تاجر ومن الطبقة الوسطى، وتجار صغار، فى طهران فى 1980 فى مقابل 400 الف عامل فى المؤسسات الصناعية الكبيرة. وكانت أعداد كبيرة جداً من العمال جديدة على الصناعة ولديهم تراث ضئيل من الصراع الصناعى – 80% منهم كانوا من أصول ريفية وكل عام تغرقُ الاحياءُ بحوالى 330 الف من الفلاحين السابقين، وكان ثلثهم فقط متعلماً ولذلك كان قادراً على قراءة الاعلام اليسارى، برغم أن 80% كانوا يمتلكون جهاز تليفزيونات. وأخيراً كان حجم القمع فى ظل الشاه يعنى أن عدد المناضلين الموجودين فى أماكن العمل كان قليلا جداً، (الموقع: مركز الدراسات الاشتراكية في مصر).
إن التدفق الريفي للمدن هو عامل مهم في نشر الإيديولوجية الدينية المحافظة لكنه ليس هو السبب المحوري، فالبنية الاجتماعية بنية إقطاعية قديمة، والفهم المذهبي المحافظ هو نتيجة طويلة لسيطرة الإقطاع على إنتاج الإسلام، وهزيمة النزعات الديمقراطية الأولى، ولكن ذلك يتبدى بصورة أكبر مع هيمنة الأجنحة الريفية على عملية الإنتاج هذه، وهي الأشد محافظة، ومن هنا فهذا الفهم موجود في الأحزاب اليمينية وكذلك (اليسارية).
فنظراً لعدم وجود فئات متوسطة إيرانية مستقلة على مدى التاريخ السابق، إلا من لحظات ثقافية صوفية شعبية انتقادية، ومن نزعة تحررية لبعض الشخصيات الفكرية والأدبية، فإن الفهم الإقطاعي المحافظ سيطر على الحياة بكل جوانبها وبتاريخها السابق، وتقوم الدولُ ذات الملكية المركزية بإدامة هذا التراث، في لحظات تشكيل جهاز الدولة وملكياته المختلفة، إلى مستوى معين من تطور قوى الإنتاج، ولهذا وجدنا البلشفية تتصدع في زمن، كما تتصدع الماوية في زمن آخر، فلإيران البيروقراطية الدينية لحظة تصدعها القادمة، من داخل جهازها نفسه.
إن المظلة الدينية التقليدية تظلل الجميع، ولهذا ليس وجود قوى عاملة ثورية كافٍ بحد ذاته، ما لم تكن ثمة قوى رأسمالية خاصة واسعة، ومن ما لم تكن الدولة ليس في يدها معظم الثروة، فإذا كانت كذلك تستحيل الديمقراطية!
لقد قام المحافظون على مدى ألف سنة بتشكيل وعي ديني (إسلامي) مقلوب على رأسه، وقد أقاموا ثقافتهم على رفض توزيع الأملاك الزراعية على القرويين، والهيمنة على خيرات الأملاك العامة، ونشر ثقافة السحر واللاعقل والأحكام الفقهية الجزئية العاكسة لذلك المبنى الاجتماعي، ويُكمَلُ هذا بإضعاف الأسرة الصغيرة الفاعلة المنتجة والثقافة العقلانية الديمقراطية وتأييد الأنظمة المستبدة.
وبهذا فإن الحزب الجمهوري الإيراني كان يواصل هذا الاستبداد، بإدعاءات ثورية، أما النسب الطبقية الاجتماعية المعبرة عن نشؤ أجسامٍ للحداثةِ في العهدين الملكي والجمهوري، فهو نشؤ أغلبه إستيرادي، فهذه الأجسام الصغيرة في بحر الريفيين المقتلعين من قراهم، تعتمدُ على صناعة مستوردة وصناعية نفطية (نخبوية) وصناعة إستهلاكية، وهي تنمو الآن نحو صناعات أكثر تطوراً، وهذا سوف ينعكس على مجريات التطور الاجتماعي القادم.
إن قوة الثقافة المحافظة الإقطاعية كانت تتغلغل في كافة المنشآت السياسية والاجتماعية، بقيادة جهاز الدولة، وهو يقوم عبر سيطرة فئات البورجوازية الصغيرة التي استولت على السلطة بعد ركوب الموجة الثورية، بما فعله الضباط الأحرار في كثير من الأنظمة العربية، وهو توسيعُ قطاعات الاقتصاد الحكومي، وفي إيران فإن إعطاء الأجهزة العسكرية قطاعات اقتصادية يؤدي إلى توسيع الخنق السياسي للقطاعات المدنية، وإلى مخاطر الحروب.
لهذا فقد تم نمو الدكتاتورية الحكومية عبر مراحل وأول مرحلة هي إبعاد اليسار، فقد كان الحضور اليساري الواسع يعرقل تحكم البورجوازية الصغيرة في المنشآت العامة الموجودة من العهد الملكي والمؤمّمة أو الجديدة، فهو يقوي الرقابة وحضور العمال المستقل والانتقادي لهذا التحكم في الثروة العامة.
وكانت مغامراتُ بعضِ فصائل اليسار وعدم فهم الفصائل الأخرى لطبيعة نظام الرأسمالية الحكومية الشمولية، يؤجج من تصاعد نفوذ البورجوازية الصغيرة التي تصعدُ سلالمَ النظام، والتي تجدُ في الصعود ثروة ومنافع ونفوذاً متصاعداً، وهي تتحول بهذا إلى بورجوازية أكبر، وذات يوم ستجدُ أن سقفَ النظام بات ضيقاً عليها.
ومن ثم كان ضرب الاتجاهات الليبرالية (بني صدر وحزب بازركان وغيرهما) محطة أخرى لنمو الرأسمالية الحكومية، وهو أمرٌ يعبر ليس عن ضرب العلاقات الرأسمالية الخاصة في إيران فمهما كانت توجهات الدينيين، فهم لا يقدرون على رفض هذه العلاقات لأنها مؤيدة من قبل الدين، وكان التجار عاملاً مهماً في تصاعد النضال السياسي، ولكنهم يرفضون تمدد الرأسمالية الخاصة وتحولها إلى نظام، وما يترتب على ذلك من نشؤ نظام رأسمالي خاص بأثاثه الديمقراطي وحرياته المختلفة.
كذلك فإن النظام الرأسمالي الخاص يكون تعددياً ومنفتحاً فيغدو مغايراً لمشروع الدولة القومية التوسعية أو ذات الجمهور المذهبي المُفترض المنتمي لها، فهي دولة مذهبية فوق قومية كذلك، فليس ضرب الاتجاه الليبرالي الديمقراطي هو لمجرد محاككات شخصية وتنافسية بين المتحالفين الدينيين – الليبراليين الذين استولوا على السلطة بتعاون مرحلي، بل لاختلاف المشروعين الرأسماليين، مشروع الرأسمالية الحكومية الدكتاتورية ومشروع الرأسمالية الخاصة.
ورغم أن التكتيكات السياسية لعبت دوراً في تغليب الاتجاه الأول على الثاني لكنه وحتى بدون هذه التكتيكات والمناورات فإن القواعد الاقتصادية الاجتماعية الكبرى للمجتمع تعطي الدينيين الشموليين فرصة هائلة لتشكيل دكتاتوريتهم أكبر من حلفائهم في فترة ثم خصومهم في فترة لاحقة.
ليس لينين أو ماو أو الخوميني، هم الذين شكلوا هذه الرأسماليات الحكومية لكنها الظروف الموضوعية التي جعلتهم، كلٌ في بلده وظروفه يتوجه نحو تصعيد دور الدولة الكبرى، حسب المنظار الإيديولوجي لكلٍ منهم، وهو منظارٌ يعكس تلك الظروف الموضوعية والذاتية.
إن الإجراءات ومسارات تشكيل المجتمع كانت توضح تباين طريقي الدينيين والليبراليين، وفيما كان الليبراليون يسعون لإضعافِ الدولة وتقوية المجتمع المدني، كان الآخرون على الضد منهم، ولكن لنر ما لدي الليبراليين من أدوات لتحقيق نظامهم المفترض.
كان تحالفهم مع الدينيين يتوجه لضرب الحريات التي كان يُـفترض أن يكونوا هم المدافعون عنها بوجه الموجة الدينية الشمولية:
(وافقَ كلٌ من قادة الحزب الجمهورى والليبراليون على فكرة الثورة الثقافية من خلال الفعل المباشر للجماهير الذين حرضوا على التظاهر فى ساحات الجامعات. كان ذلك بالنسبة لليبراليين وسيلة للتخلص من المحرضين اليساريين فى النقابات العامة والمصانع والمناطق الريفية، حتى يمكن اعادة الاستقرار الاقتصادى والسياسى للبلاد.)، السابق.
وبتصعيد مثل هذه الأدوات وبإدخال الغوغاء لضرب المثقفين والعمال والجرائد اليسارية، وهي أدوات طالما استخدمتها الرأسماليات الحكومية المستبدة خاصة نظام ماو تسي تونج وغيره، قام الليبراليون بعزل أنفسهم عن الجمهور الطليعي.
وكانت جذورهم الاقتصادية التصنيعية ضعيفة، ولهذا كان يُسمون قوى البازار، كما أن رفاهيتهم الكبيرة ساعدت الدينيين على تصويرهم بالقوى الطفيلية.
كما أن قواعد الدينيين الاجتماعية من جهةٍ أخرى كانت واسعة بسبب الاقتصاد التقليدي العريض؛ قطائع زراعية، وعقارات، وحرف، فكان الجمهور مشكل من غياب الاقتصاد الحديث، وعبر هذا الجمهور المتمسك بالعادات الإسلامية في اللباس والعبادات، في هذا المجتمع، كان التراث الديني التقليدي الشعائري هو السائد، ولكن الدينيين حولوه لفعلٍ سياسي مضادٍ للحريات ولهذا الجمهور الكادح نفسه، ومن أجل تركيز السلطة بين أيديهم، فتجاه التقدميين واليساريين ركزوا على الطبيعة (الألحادية) لفكرهم، وقد ساعدهم هؤلاء أنفسهم نظراً لعدم تشكل النظرة التغييرية من داخل التاريخ الإسلامي وعبر الارتكاز على التراث، فـُصورتْ غربتهم عن التراث كفعلٍ معادٍ للإسلام، وليس كنقلٍ ثقافي حضاري هام للشعب الإيراني في وقت لم تكن فيه أدواتٌ فكرية نضالية إيرانية مُنتـَّجة محلياً، خاصة وأن الإسلامَ تم السيطرة عليه من قبل المحافظين وتجييرهِ لخدمةِ السلاطين والشاهنشاهات عبر القرون السابقة، ولكن اليساريين من جهة أخرى، لم تتطور نظراتـُهم مع تصاعد الصراع الاجتماعي، وظلت شعاراتـُهم السياسية مفصولة عن فهم القوى الاجتماعية والإرث وكون الدينيين المحافظين يعبرون عن قوى الأستغلال المتصاعدة في حراكها من الإقطاع الحكومي إلى الرأسمالية الحكومية المرتكزة على تخلف القوى الشعبية الريفية خاصة، لأجل استخدامها في مشروع الرسملة المتصاعد بأجورٍ زهيدة، وبلا حقوق كبيرة، وعبر تخلف ثقافي يتيحُ لتلك القوى القيام بمختلف المشروعات السياسية.
إن إستخدام الإرث كان فعلاً سياسياً مباشراً، فعبر تصوير اليساريين بالملحدين أعداء الإسلام، وتصوير الليبراليين كخدم للغرب، كانت تجري عمليات قمع واسعة لتجسيد ما يصوروه الدينيون المحافظون بأنه الأسلام:
(احتلت عصابات حزب الله الجامعات، اصابت وقتلت أعضاء الجماعات السياسية التى كانت تعارض الثورة الثقافية، واحرقتْ الكتب والصحف التى أُعتقد أنها «غير اسلامية» ، وأغلقت الحكومة كل الجامعات والكليات لمدة ثلاثة سنوات تم خلالها اعادة كتابة مناهج الجامعات.)، السابق.
إن الهيمنة الدكتاتورية تنتقل من القيادة السياسية إلى الاقتصاد وتستثمر الفوائض النفطية خاصة في توسيع القواعد الاقتصادية والمشروعات وأنظمة التسلح وتوسيع عسكرة المجتمع، وقمع الحريات السياسية ثم الفكرية والاجتماعية، تقوية لذلك البناء الاقتصادي البيروقراطي.
وهكذا فإن الليبرالية يُقضى عليها من الجانبين عبر توسيع الملكية العامة لتغدو هي الهيكل الاقتصادي المسيطر، وبإزالة الحريات والتفكير الحر، وبفرض قالب عام مؤدلج تجري عبره الاحتفالات والمفاسد والمسالخ والحروب.
الماضي أقوى، والاقتصاد التقليدي أوسع، والجماهير أغلبها أمي، وحينئذٍ تأتي عمليات الغسل العقلية الجماهيرية لتنمية خط اقتصادي، يوسع مشروعات، لكنه يفسدها عبر التحكم البيروقراطي، وتزداد الصناعات الاستهلاكية بسبب ذلك ولعجز الاقتصاد بهذه التسربات الكثيرة والعسكرة عن خلق الصناعات الثقيلة.
وإذا كان الليبراليون متحالفين متعاونين في ضرب اليسار مع الدينيين فقد حاولت فصائل العمال الدفاع عن أنفسهم ولقمة عيشهم فانتشرت موجة من الأضرابات:
(كان اليسار مسيطراً فى أوساط الطلاب برغم الموجة الاولى من القمع الذى تعرض له فى أغسطس 1979، وكانت مجالس شورى المصانع قد انهكت نتيجة لموجة القمع ذاتها، لكن استمر الكثير منها قائما لعام آخر، وبالطبع لم يكن استعداد العمال للصراع قد انتهى – ففى عام 79-1980 كان هناك 360 اضراباً متنوعاً «الاعتصام بالمصنع أو احتلاله» و180 اضراباً فى 80-1981 و82 اضراباً فى 81-1982.)، (السابق).
لكن نظراً لكون الفصائل اليسارية ماشت الموجة الدينية بقوة في البداية، وأيدت صعود الرأسمالية الحكومية ذات القناع الديني، واعترضت على أشياء جزئية، وانساقت مع موجة العداء المضلل للاستعمار الذي يصطنعهُ النظامُ وسيلة تخديرية للجمهور، ولم تفرق بين جوانب التبعية وبين جوانب الحضارة الغربية الديمقراطية، الضرورية لمنع الاستبداد، وهذا يبين الطبيعة العقلية ليسار ديني غائر تحت الجلد السياسي، فاليسار نفسه يعيش ظروف الدينيين الاجتماعية العقلية المحافظة، من حيث العلاقة بالدين والنساء والتاريخ، ولهذا فإن حراكه إضرابي جزئي اقتصادي، أو عسكري أرهابي أو جماهيري نقدي عقلاني مفيد لكنه يُقمع وينتهي.
بقعُ اليسار والليبرالية صغيرة في هكذا مجتمع ديني محافظ، يبدو للجمهور فيه أن الدينيين هم الجذر والأصل والتراث، نظراً لطبيعة الثقافة والمهن والتاريخ القومي.
وككل الرأسماليات الحكومية الشرقية الشمولية فإن الطبقة المسيطرة من العسكريين والموظفين الكبار المتضافرين مع رجال المال والمعبرين عن مصالح هذه الرأسمالية سوف يتوجهون لليبرالية المنسوجة على قياس مصالحهم، وإلى خلقِ مجتمع أقل استبداداً، وتخفيف الطابع الديني الشمولي للنظام دون الخروج التام منه، إذا لم تفجرْ الحروبُ والثوراتُ هذا النسيج.
وهكذا فإن خيار الرأسمالية الحكومية الروسية أو الصينية الشاملة قاد إلى نشر العلاقات الرأسمالية الحديثة بصورة جذرية، مثل خيار الرأسماليات الخاصة في اليابان وإستراليا والهند، ومن منطلق آخر، ومن مستوى اقتصادي مختلف.
لكن خيار الرأسماليات الحكومية الدينية في العالم الإسلامي يستندُ إلى واقع قوى إنتاج متخلفة، ذات جذور قروية وبدوية(فتصير قوى شيعية وسنية متصارعة)، ويتم عرقلة تطور العلاقات الرأسمالية والتحديثية في الريف ولقوى الإنتاج البشرية، خاصة النساء، نظراً لتخلف العلاقات الاجتماعية والثقافة، وهو ما يؤدي إلى رأسماليات حكومية ذات تناقضات هيكلية اقتصادية كبيرة، فتتجمدُ الأريافُ والنساءُ والذهنية العقلية عن التطور، ويُعرقلُ التلاقح بين العلوم والصناعات، وتتخضم الأجهزة الإدارية وتتحكم في الأسواق، وتزداد القيودُ الحكومية في كل مجال، مما يوسعُ الفساد من جهة أخرى، ويؤدي بالكثير من الفوائض نحو الغرب أو للبذخ الخاص أو للعسكرة أو إلى جلب العمالة الأجنبية الرخيصة،(في إيران تتضخم العمالة الأفغانية) وهو تعبير عن العجز عن تطوير القوى المنتجة البشرية المحلية. وكل هذا يُصور باعتباره الطريق الإسلامي للثورة أو التطور السياسي الرشيد للدول الإسلامية!
وهذا الطابع المتخلف للرأسماليات الحكومية في العالم الإسلامي يقودُ إلى استمرار العلاقات الإقطاعية السابقةِ بكلِ مخلفاتها من عجزٍ عن توحيد المواطنين، وطبع نسخ مشوهة لاعقلانية للإسلام، وإلى تقسيم الدول إلى أثنيات متصارعة، وإلى الحروب والتدخلات بين الدول الدينية هذه، التي امتلكت الحقائق الكلية واعتبرت نفسها الخادمة الأمينة لتعاليم السماء النقية، وهذا كله يقود لهدر الموارد والدوران الدائم في طاحونة التخلف.
≣ المحافظون الإيرانيون والطريق المسدود
تحجرت آلة الدولة الإيرانية الضخمة التي تنامت خلال نصف قرن، وغدت بحاجة إلى إصلاحين سياسي واقتصادي، وظهرت الأزمة في تضخم جيوب البيروقراطيات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والدينية، التي رفضت طريق التغيير، طريق الشفافية والحريات السياسية والإعلامية، وقد ظهرت العملية المضادة لهذه المركزية الشديدة من داخل الفئات الوسطى المشاركة في الحكم، ولكن حتى هذه الفئات تم إقصاؤها، ولكن حاجات الإصلاح ملحة، وهي تقود إلى أزمة (ثورية) تهدد النظام الديني بمجمله، خاصة أن الشعب الإيراني له تقاليد في ذلك، فهو يصبر طويلاً ثم ينفجر بشكل عمل سياسي هائل.
ومن هذا الموقف العنيد في رفض التغيير ركز المحافطون على فعل السياسة الخارجية، كسبيل يمثل الهروب إلى الامام.
وكانت في أيديهم أوراق عديدة راحوا يستعملونها، من أجل نقل الأزمة الداخلية للخارج، وتصوير إيران بقوة التغيير في المنطقة، وباعتبارها اللاعب الكبير المؤثر، وأنه لا بد للقوى الغربية الكبرى أن تتركها في وضعها الخاص بها، والذي تراه الدول الغربية بأنه لا يتطابق مع حقوق الإنسان وأنه طريق يهدد الجيران والعالم، وهو وضعٌ خطرٌ تغذيه روسيا من أجل مصالحها.
كان العراق من أهم المحطات لتصدير مثل هذه الأزمة واستخدام الميليشيات للصراع الطائفي، ولرفض تطور العراق باتجاه الوحدة الوطنية والديمقراطية. وهذا ما جعل الإدارة الأمريكية السابقة تذعن لهذا الضغط وتقيم ما يشبه الإشراف الثنائي على الوضع في العراق، الذي كان يتأرجح بين قوى سياسية متعددة، وبين قوميات كل منها له تطوره الخاص، وقوى دينية متنفذة رأت ضرورة تنامي الوحدة السياسية للشعب المؤدية للخلاص الحر، وعدم الصدام المباشر مع القوى الكبيرة التي تريد التحكم في البلد.
وبهذا فإن هامش المناورة للقوى المحافظة الإيرانية في العراق راح يتقلص، وإن لم ينقطع كلياً، وفيه ثغرات كبيرة يمكن منها زعزعة الأوضاع وتوجيه أنظار الشعب الإيراني للخارج.
وكان لبنان محطة دائمة للتدخلات الإيرانية، فهو محاولة مستمرة للتذكير بالثورة الدينية المنطفئة داخل إيران، التي تحولت على العكس إلى ثورة مضادة ضد حرية الشعب وتقدمه. ومن هنا كانت معارك حزب الله في لبنان مهمة لتغذية هذا الوهم، فهي قضية حق أُريد بها باطل، وقد أدى هذا التشجيع إلى طريق مسدود كذلك لحزب الله، وكانت الحرب الأخيرة قد وضحت المدى العدواني الشاسع لإسرائيل، وعجز الطرفين الإيراني والسوري الحكوميين المشجعين عن القيام بأي رد في مستوى هذا العدوان، وهذا قد أوضح خطورة مثل هذا المنزلق بالنسبة إلى حزب الله، كما أن الصراعات الحادة التي شهدها لبنان جعلت مسألة استخدام سلاحه مختلفا عليها كثيراً، ولكن الحزب انخرط في التوحد الوطني مثل قوى سياسية عديدة يجعلها البناءُ الداخلي وقوانينه تبدل عملية الخضوع للخارج، وتنخرط في شؤون وطنها بصورة أكبر، فهذه العملية البنائية مرتبطة بجمهورها الفقير الذي يعاني ويريد السلام والغذاء والمساكن لا المواجهات. لكن ذلك ليس كاملاً حتى الآن، وإن كان التأثير الإيراني المحافظ المغذي للصراعات في المنطقة خفت لديه.
فالتأثيرات تنبع من داخل الحزب وخارجه، ومن التأثيرات الحكومية السورية كذلك، ولهذا فهو يبقى مفيداً للقوى المحافظة والاستفادة منه لأهدافها في تصدير الصراعات للمنطقة.
وحتى الشريك السوري في التحالف مع إيران لم يعد متطابقاً كلياً معها، فقد أدت الصراعات في لبنان والصراع مع إسرائيل إلى أن ترتفع أسهم الطرف السوري الحكومي لدى إسرائيل، فظهرت المفاوضات السرية ثم المعلنة، وصعد النجم التركي في سماء العلاقات السورية المناطقية، وهو أمرٌ يوحي كذلك بأن لدى الحكومة السورية طريق سياسي آخر غير الطريق الإيراني المذهبي المتشدد، طريق المرونة والعلمانية، خاصة أن لدى حزب البعث تاريخاً سابقاً مدفوناً في هذا.
إذن أخذت الأوراق المستخدمة من قبل حكومة المحافظين الإيرانيين في التساقط مثل أوراق شجرة خريف سياسية، فلا المذهبية قادرة على الانصياع الكامل، ولا الحلفاء باقون على صلابتهم السابقة.
ومن هنا قامت باستخدام ورقة البحرين، لإحداث شيء من الحراك القومي المتعصب داخل الجمهور الإيراني، فعبر هذه الادعاءات تبرز نفسها كمدافعة عن الأراضي الإيرانية، فتغذي ذلك التعصب، وتطمس الصراعات الاجتماعية المتفاقمة داخلها.
أقامت هذا بشكل دعائي ايديولوجي، لغرض ألا تتعرض مصالح اقتصادية لديها للخطر في البحرين وفي دول مجلس التعاون الخليجي، فالقضية ليست قضية فعلية، ولكن عبر تكتيكات الهجوم نفسها في الخارج وتصدير الأزمات إلى المنطقة، ولكل بلد طريقته وأدواته ومداه السياسي الخاص المحدد الذي يجب ألا يتجاوزه ويهدم كل شيء.
وتأخذ مسألة الأسلحة النووية والهيمنة في مياه الخليج مدى حقيقياً جدياً، وهي مسألة تغدو هنا ذات أهمية عالمية قصوى، فالمحافظون الذين سدوا الأبواب في وجه تطور إيران الديمقراطي لم يعودوا قادرين على التراجع، وصارت الأسلحة لديهم طريقة للبقاء في السلطة رغم الأعاصير حولهم.
هذا يجعل قوى عديدة إيرانية في الداخل ترفض عملية الانتحار هذه، ويظهر دعاة سلام وحريات وتجنيب البلد محرقة كبرى.
وإذا كان المحافظون معرضين لهزيمة نكراء في الانتخابات فإنهم يحاولون التملص من ذلك واتباع سياستهم التقليدية عبر الهروب إلى الامام وإثارة الصراعات في المنطقة تشبثاً بسلطة رُئيت أنها أبدية وإنقاذية ختامية للشعب الإيراني.
≣ تاريخ وراهن اليسار الإيراني
لكي نعرف إشكاليات اليسار الإيراني الراهن لابد لنا من رؤية تطور اليسار في الماضي، وكيف تشكل في مرحلة الانتقال التي لا تزال مستمرة وضارية وجارية في إيران من الإقطاع إلى الرأسمالية.
لقد حاول نظامُ الشاه تحقيق قفزة في العلاقات الرأسمالية خاصة خلال ما سُمي بالثورة البيضاء. لقد قـُدر عدد عمال الصناعة بأربعة ملايين عامل في سبعينيات القرن العشرين.
كانت إيران قوة نفطية عالمية كذلك :
«إيران هي رابع أكبر منتج للنفط. وسنة 1976 أنتجت 295 مليون طن من النفط «أي 10 % من الإنتاج العالمي»».
والإصلاح الزراعي الذي قام به الشاه باعتباره ثورة بيضاء كان أغرب إصلاح زراعي، فقد أدى لتقوية الإقطاعين السياسي والديني:
«كان الشاه يحاول لعب دور ملك مطلق على شاكلة الأنظمة الملكية الإيرانية القديمة. وفي الوقت نفسه كان يحاول عصرنة اقتصاد البلد. وطبق «إصلاحا زراعيا» من أجل اكتساب قاعدة دعم لنظامه. أدى هذا “الإصلاح الزراعي” إلى إثراء النبلاء والملاكين العقاريين المتغيبين الذين سيطروا على إيران. حققوا ثروات هائلة كتعويض، الشيء الذي استثمروه في الصناعة. كانت الفكرة هي تحويل النبلاء إلى طبقة رأسمالية، إلى طبقة سائدة على النموذج الغربي.»، الثورة الإيرانية، بقلم تيد غرانت، كاتب ألماني، ومن موقع إلكتروني.
إن النظام الشاهنشاي هو نظام إقطاعي بشكل عام، ولكنه يوسع العمليات الرأسمالية في المستوى التجاري، في حين إنه يقبض على المورد الرئيسي وهو النفط، وهو ما يجعل النظام الإقطاعي قوياً، فحقولُ النفط ليست سوى مزارع على الطريقة العباسية، ودخولها هي خراجٌ عصري، وحتى عملية الإصلاح الزراعي أدت إلى توسع الفئات الإقطاعية وإثرائها، وقامت بإجراءاتٍ خطيرةٍ على المستوى الاجتماعي العام فضربتْ بعضَ أملاك رجال الدين الريفية، وأدت إلى هجرةٍ واسعة من الريف للمدن، فقام النظامُ بتوحيد الإقطاع الديني والفلاحين والعامة في المدن الكبرى، وحشدها ضده في مراكز قيادته المدنية!
على المستوى الفكري قادتْ هذه الهجراتُ والضرباتُ إلى خفوتِ الأفكار التنويرية والديمقراطية، ويُلاحظ ذلك في تراجع حضور المنظمات التي رافقت حركة مصدق كالجبهة الوطنية، مما خلق مناخاً محافظاً كبيراً على المدن، وقد نقل الفلاحون المتقتلعون من أرضهم عاداتهم الدينية إليها، فشهدت طهران صعوداً واسعاً للمنظمات الدينية المحافظة خاصة العبادية منها، والتي تغدو احتفالات جماهيرية واسعة عبر المناسبات الشيعية، ولكن هذه تعرضت للحصار في بعض الفترات.
وعلى المستوى الفقهي فإن الإقطاع الديني المضروب في الريف أو المهّجر لم يقمْ بإعادة النظر في الإرث الديني التقليدي المستورد من القرون السابقة، فقد عارضَ الإصلاحَ الزراعيَّ بشكلٍ مطلقٍ وحاسم، ولم يميزْ هنا بين مصادرة الأراضي الإقطاعية وإعطاء الفلاحين بعض الأراضي، وبين عمليات التعويضات الكبيرة للملاك. فتناولها بشكلٍ عام، واعتبرها ضمن الاعتداء على الملكية الخاصة المقدسة!
كان هذا يشير ضمناً إلى تأييده للبنية الإقطاعية خاصة على مستوى الزراعة، وهو الجانبُ المرئيُّ الظاهري الواضح، ولكن على مستوى غير المرئي وغير الواضح، كان هذا يعني دعم النظام التقليدي الماضوي المتخلف.
لم تجد هذه العمليات التحديثية التمزيقية للمجتمع الإيراني من الغرب المسيطر أي استنكار أو نقد، بل أُعتبرت كعمل عظيم تحديثي من قبل الشاه، وكان ما سُمي بالاستعمار الأنجلو – أمريكي في ذلك الوقت، يعتبر الشاه قوة تحديثية مساندة للغرب في المنطقة، نظراً لسيطرة الجانبين على النفط وتوزيعه في الأسواق، ولو كان هذا قد استند على تخفيض قوة الشاه العسكرية والبيروقراطية المتصاعدة، وتمت إجراءات في المؤسسة الملكية باتجاه الديمقراطية وتوزيع فوائض النفط الهائلة على محاربة الفقر ونشر الثقافة الحديثة، لكان ذلك مهماً على مستوى تطور المنطقة ككل واستقرارها، لكن ذلك لم يحدث.
كان تضخيم آلة النظام العسكرية تلك فوق بلد فقير أمي، أكثر الأخطاء جسامة وتهوراً في عملية تبعية إيران للغرب الاستعماري وقتذاك، وهو الميراثُ الذي سوف يتبناه النظامُ الدكتاتوري الديني ويوسعهُ على حساب نفس الشعب الفقير.
وبدلاً من أن يقومَ الشاهُ برسملةِ إيران وتحديثها وسعَّ الإقطاعَ السياسي الذي يرأسه، كما انه قوى الإقطاع الديني الذي أرادَ البطشَ به!
لقد ضّخم الآلة الحربية والبوليسية للنظام وجوع الشعب، وتغدو مسألة استرجاع المجد القومي الفارسي التي كان مهووساً بها، شكلاً إيديولوجياً لجعل آلة الدولة جبارة وذات توسع إقليمي، سيكون دائماً ضد المجال العربي، وهذا ما سوف يتابعه الإقطاعُ الديني وقد استولى على نفسِ آلة الدولة وأضافَ إليها آلة المذهب المُسيّسة لصالح إستغلاله.
فهذا التوسع العابر للحدود يتضمن رؤية غير عصرية فهي رؤية لا تؤسسها برجوازية تحديثية ديمقراطية بل إقطاع سياسيٌّ باطشٌ يرتكزُ في فهمهِ التوسعي على أمجاد الأكاسرة، وهو تاريخ دموي قديم تعبرُ عملية تكرارهِ واستساخهِ بشكلٍ عصري عن العلاقات الاستبدادية الشرقية العتيقة التوسعية، لكنه هنا يجري بشكلِ إقطاعٍ سياسي، وفيما بعد وعبر سيطرة المذهبيين الشموليين سوف يجري ذلك بشكل ديني، وفي كلا الجانبين نرى القومية الفارسية الشوفينية غير التحديثية، التي لم تجرِ لها عمليات فكرية وسياسية عميقة ديمقراطية.
كما كان الشاه هو رمز النظام الإقطاعي الملكي السابق كان حزب الشعب الإيراني(توده) رمز هذا النظام على المستوى الشعبي.
إن مقاومة هذا الحزب للنظام الملكي هي طويلة ومليئة بالتضحيات الكبيرة ومريرة وفاشلة كذلك، لعدم وجود رؤية صائبة لديه.
إن تبعية حزب الشعب للإقطاع، تبدو هنا متناقضة وغريبة، فقد كان ينادي بإجراءات ديمقراطية مهمة، وكان مؤيداً لعمليات إصلاح زراعية واقتصادية ولتحرير إيران من الاستعمار الغربي وكان يعتبرُ نفسه ممثلاً للطبقة العاملة.
كان حزب الشعب مثل بقية الأحزاب الشيوعية في المنطقة ينقلُ الأفكارَ السوفيتية، وكان الاتحاد السوفيتي نظامٌ يتجهُ لأزمةٍ عميقة، عبر تضخم آلة الدولة والبيروقراطية وغياب الحريات والتفكير النقدي، وكان هذا نموذجاً لدى الأحزاب الشيوعية، لا يقبلُ النقد كذلك، وبالتالي كان لا يجري نقد هذا النموذج الدكتاتوري، ويجري إعتباره مقدساً وقدوة صالحة للتطبيق في الأقطار الأخرى، وكانت إيران تتمتع بميزة خاصة في عملية النقل هذه، فهي متاخمة جغرافياً للاتحاد السوفيتي وقد شهدت إنتفاضات عمالية سياسية مجاورة للحدود وتعرضت هذه الانتفاضات لهزائم ومذابح وتـُركت بدون مساعدة أممية.
وبسبب ذلك تعرض حزب الشعب لقمعٍ طويل وعنيف ووحشي من قبل نظام الشاه، وتعرضَ التنظيم للضعف والتحجر السياسي، وتغلغلتْ فيه البيروقراطية، فلم يعدْ قادراً على الإنتاج الفكري الخلاق، وتقلصتْ جماهيرهُ الباقية على إثر ذلك، والبقية منها مضى يجاورُ جمهورَ الإقطاع الديني المتوسع بشكلٍ كبيرٍ في المدن، والذي جعلَ المظلة الدينية والعبادات الدينية الحاشدة والنامية شكلَ مقاومتهِ ضد نظام الشاه القامع لكل الأحزاب.
وبهذا فإن حزبَ الشعب فقدَ فكرَ الماركسية النقدي والعلماني على جانبين، جانب القيادة المروجة لأفكار الدكتاتورية السوفيتية، وجانب جماهيره الملتصقة بجمهور الإقطاع الديني، وراحتْ تتسربُ إليها فتفقدُ تميزَهَا عبر مراحل.
يقومُ وعيُّ الدكتاتوريةِ السوفيتية على الألحاد العدمي، أي هو منهجٌ غيرُ جدلي، يُلغي الأديانَ بتعسفٍ بيروقراطي، ويلغي كذلك تاريخَ الجمهورَ الديني وصوته السياسي ويلحقهُ بآلتهِ الشمولية، وعبرَ قرارات القيادات يجري كل شيء.
والألحاد العدمي مثل الإيمان الجامد كلاهما حفاظ على البنية العتيقة المتخلفة للأديان كما تحكمت بها وشكلتها القوى الإقطاعية خلال قرون، أي يجري الحفاظ على طبيعة السلطة المتعالية للدولة ولرب العائلة وعدم تطورهما الديمقراطي. يجري هذا في الدولة والحزب والعائلة كنسيج واحد.
عبر نقلِ مثل هذه الأدلجة البيروقراطية المزعومة كماركسيةٍ، يُهَّمشُ تاريخُ الإسلام، ويغدو ذلك خاصة عبرَ عمليةِ النقلِ من بلدٍ مسيحي أرذوكسي، إلى بلدٍ مسلم شيعي، ملغىً وخارج الاعتبار السياسي، فتحدثُ عملية إلحادٍ عدمية، وبهذا فإن الحزبَ يتهمشُ، ويغدو عاجزاً عن التغلغل بين الجمهور المؤمن، فهو مقموعٌ ويخرجُ نفسَهُ كذلك من التاريخ الديني – الشعبي وإمكانيات تحوله السياسية.
ولا يغدو له ثمة دين إسلامي بل المذهب السائد، فقد تمازج مع الدولة المذهبية وسيادتها الطبقية الاستغلالية، فيندمجُ في شعائرِهِا، ويركزُ على اقتطاع شعاراتٍ سياسية من المذهب السائد، كدليلٍ على تقدميته، وهذا يقوده إلى الذيلية للإقطاع الديني.
وعلى المستوى السياسي العام تغدو شعاراته مقبولة من قبل الجمهور المضطـَّهد، فهي ضد دكتاتورية الشاه ومن أجل العدالة وترقية الشعب، ولكنه لا يوسع شعبيته الخاصة، لا يطرحُ فكراً مقبولاً متوسعاً ومتجذراً بشكل مستمر، لأنه غاب عن الفكر، عن إنتاج وعي وطني إيراني ديمقراطي – إسلامي – علماني، ليرتكزَ على جذوره الدينية والإنسانية، ويواجه الإقطاعين السياسي والديني كذلك في مرّكبٍ واحد.
لقد صار حزباً سياسياً تكتيكياً تقود خطاه الأيامُ العفويةُ والحركة الظاهرة وسذاجة الشعب، فيتذيلُ في خاتمة المطاف للإقطاع المذهبي المحافظ. لا يستثمر العناصر النضالية في هذا المذهب لأبعاد الإقطاع عن إحتوائه.
ولهذا نجد حزب الشعب في أثناء الثورة الشعبية فقد قدرته على التحليل والتبصر:
(في ظل هذا الوضع كان الانشغال الرئيسي للحزب الشيوعي هو الجري وراء القوى الدينية الرجعية وآية الله لطلب إقامة نوع من “الجمهورية الإسلامية الديمقراطية”، المصدر السابق).
إن عدم النضال منذ البداية من أجل طريق رأسمالي ديمقراطي علماني، يتماثلُ مع عداوة البيروقراطية السوفيتية للديمقراطية ورفضها للتطور الحقيقي، وتموه ذلك بالنضالِ المزعوم من أجل الاشتراكية، ولهذا فإن حزب توده لا يُعَّبدُ الطريقَ لنضالٍ ديمقراطي واسع النطاق ضد حكم الشاه، بل ينزلقُ تدريجياً للاصطفافِ مع القوى الدكتاتورية الدينية.
هذا الانزلاقُ سيكونُ عبر شعار الجمهورية الإسلامية، وهي ليست جمهورية إسلامية بل مزارع جديدة للإقطاع الديني، ولدكتاتورية جديدة أسوأ من دكتاتورية الشاه، وأكثر دموية، وتعمقُ الأرهابَ على نحو هائل، وتغدو شمولية متدخلة في البيوت والعقول، ويغدو بعضُ إنفتاح الشاه حلماً!
كان هذا التأييدُ الانتحاريُّ ثمناً لانهيارِ العقلِ اليساري المستقل على المستويين العالمي والوطني، وهذا ليس في إيران فحسب بل في المنطقة عموماً، لقد تكشف فقر هذا (اليسار) الفكري خاصة في تسارع الأحداث وعدم الالتقاط الدقيق لشعيرات التطور مما ساهم في تغذية كوارث جماعية وسياسية جغرافية واسعة.
لقد قاد ذلك إلى قمع هائل للقوى السياسية الإيرانية ووصل هذا إلى استنزاف كبير ودموي للقوى التقنية والاجتماعية المستنيرة ليتشكل طوفان الهجرة للخارج ولتتفجر الحروب والتدخلات ويتمزيق العالم الإسلامي.
كان هذا هو ثمن (الثورة الإسلامية) الفادح، نتيجة أعمال القوى السياسية الحكومية الملكية والدينية واليسارية، مجتمعة، ومتصارِعة، لتخلق من إيران في النهاية قنبلة كبرى في المنطقة قد تنفجر في أية لحظة بالمزيد من الكوارث!
سيلعب حزب مجاهدي الشعب شكلاً آخر من العدمية الدينية والدكتاتورية، فقد كان منافساً لدوداً لحزب الشعب (توده)، ومزايداً على طريقه النضالي، فاعتمد طريق المغامرات والأرهاب، وقد عزز دائماً قبضات الحكومات على الحياة السياسية الشمولية، سواء في زمن الشاه أم في الزمن التالي.
لقد قدم خدمات ثمينة لقوى العسكر والمخابرات المتصاعدة الهيمنة على النظام الديني الشمولي فأعطاها الحجج لتوسيع الأجهزة العسكرية التي ما لبثت أن هيمنت على الحياة السياسية الإيرانية ذات الجذور المحدودة في الديمقراطية.
كان النظام بحاجة لمثل هذا التنظيم لتبرير قمعه المتصاعد لقوى اليسار، وللخلط المتعمد بين اليسار السلمي واليسار الأرهابي.
لقد كان الإقطاعُ الديني في التهامه للخيرات الاقتصادية من قبل العسكريين والموظفين الكبار، مرتعباً من قوى الشعب الثورية التي قامت بمأثرةٍ كبرى، ولهذا فإن قمعَهُ سوف يتسع لقوى اليسار والليبرالية، لمنع كشف حساب سرقاته وإنشاء دولته العسكرية الكبيرة.
وقد حاول اليسارُ السلمي مداهنة النظام بدون جدوى، وقد حولها النظام إلى صراع الإيمان مع الكفر، لا صراع اللصوص مع التعرية الاجتماعية، هنا تأتي الجذورُ الخربة لليسار العدمي تجاه الدين لتساهم في عملية ذبح اليسار السلمي الذي رفع مثل هذه المومياءات القادمة من كهوف الإقطاع إلى مسرح التاريخ المعاصر لتتحول إلى دراكولات تلتهمُ الأخضرَ واليابسَ من لحم الناس.
وكان خراب مجاهدي خلق أكبر فقد اعتمد على ما هو دموي في التاريخ، وحوله إلى سياسة، فرجوي هو إمام غيبي له مطلق الصلاحية في إستصدار الأوامر بقتل البشر، فبدا ذلك كأنه ثنائية المجوس القديمة بين إله الخير وإله الشر، فالإلهان يتقاتلان وكل منهما يدمرُ الآخر، ولا مسرحٌ ديمقراطي يضعُ حداً لقراراتهما الرهيبة.
وهذا من الممكن أن يكون مادة مهمة لصعود فاشية عسكرية تنقل مثل الإلهام الشيطاني لخارج الحدود.
وهذه العقلية الثنائية، غير الجدلية، غير التركيبية، لا تقبل إلا بالنور أو بالظلام. أما نحن، أو الدمار، إلا بالذات القومية الدينية المرفوعة كإله معبود وحيد، وزوال الأمم الأخرى والأفكار (الدخيلة).
ومن هنا فإن الرئيس خاتمي حاول أن يلغي هذه الثنائيات المتضادة بشكل كلي، من داخل العقلية الدينية وباتجاه الانفتاح النسبي المحدود على الآخر، وعلى الأفكار الإنسانية.
والغريب هنا أن نجد بأن الأفكار الأمامية حتى في العصور القديمة كانت هي السباقة للحوار والاستفادة من الأفكار الإنسانية، ولكن عملية تجميد الإثناعشرية من قبل الإقطاع الديني، كانت نتيجة الغزوات الرهيبة للأمم الأخرى داخل إيران من عرب ومغول وإفغان، حتى تخلق الوحدة الحديدية للأمة الفارسية الصاعدة بين كل هذه الاقتحامات، لكن الطبقة البيروقراطية العسكرية الدينية المعاصرة وسعت مثل هذا الخوف ووظفته لمصالحها ولعدم وجود رقابة شعبية ولعدم حدوث انفصال من قبل الشعوب المحكومة من قبلها.
ومن هنا كان سقوط القوتين المعارضتين الكبريين توده وخلق، ومن قبلهما الليبرالية، قد جعل الساحة خالية إلا من التوالد داخل النسيج الديني الشمولي ذاك.
لقد أدى القمع الواسع وإستخدام الفقراء المتعصبين ضد الحرية والتنوير وإنشاء أجهزة ومنظمات للرعاية ولدعم عائلات القتلى واستمرار استعمال المنظمات الدينية المتجذرة خلال قرون، إلى صعوبة نشؤ معارضة جماهيرية، إلا من بعض الكتل المثقفة العاجزة عن إنشاء منابر فكرية علنية، ومن هنا نجد إن الشعب الإيراني هو أكثر الشعوب التي تنطق بشكل حر لكن من الخارج، فهناك؛ (ما يزيد على خمسين محطة إذاعية وتلفاز متصلة بالمعارضة في المنفى وتبث برامجها بالفارسية)، (فرج سكروهي، مأزق المعارضة الإيرانية، موقع قنطرة حوار مع العالم الإسلامي).
والمعارضات النخبوية كثيرة في إيران وخارجها، فما تزال القوى اليسارية القديمة موجودة، وإستعادة المعارضة الليبرالية بعض حضورها، وظهرت المعارضة الملكية، وتوجهت قوى كبيرة لمساندة الإصلاحيين داخل النظام لأهداف شتى.
لكن تظل إيران رغم التطور الصناعي الكبير فيها إلا أنها لم تقم بثورة ديمقراطية اجتماعية، أي أن مسائل حريات الفلاحين والنساء وتفكيك الهيمنة العتيقة على القرية والأسرة الأولية في كل تطور حديث نسبي لم تقم بها، فحشود القرويين الخانعين في ظلام العصور الوسطى لا يزال يخيم على هؤلاء الفقراء المستغلين بضراوة، والذين يؤيدون كذلك الوعي الديني التقليدي الذي لا يفهمونه بعمق، بطبيعة عيشهم، وهم سيطروا على أحياء المدن الكبيرة ال، في حين أن النخب من الفئات الوسطى لا تمتلك لا الفهم الشرعي ولا الفهم النضالي العصري لإقامة علاقة بهؤلاء، مثلهم مثل عمال الصناعات البسطاء كذلك، ومادامت هناك إمكانيات للعيش فسوف يستمرون في سلبيتهم السياسية، لكن إمكانيات العيش هذه تتضاءل، وتضخم الأجهزة البيروقراطية والعسكرية يلتهم الموارد، والتناقض بين هذا الجمهور وتلك الأجهزة يزداد.
إن نهج المغامرات السياسية والعسكرية يؤجج مثل هذه المعارضة الشعبية باتجاه الانفجار الفوضوي، في حين أن نهج التطور السلمي والحريات وتحجيم العسكرة يقوم بترتيب وضع بديل عقلاني متدرج يمنع إيران من الانزلاق لسيناريوهات المغامرين العسكريين والتي يبدو حلم القنبلة النووية كتتويج لها، وربما هو كذلك لحظة الكابوس فيها.
إن ذلك يتطلب من القوى الحديثة الديمقراطية فهم الإرث الإسلامي ونقد الإقطاع من خلاله، ومن خلال مواد الحياة العصرية وإمكانياتها الفكرية والتوجه لمهمات التحول الديمقراطي الأولية، أي تجميع كافة القوى السياسية لتحقيق مهمات مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية، بما يغير حياة الملايين من الفلاحين، والنساء، والفقراء، فهؤلاء هم المخزن الرئيسي للإقطاع، وهم أداة تغييره كذلك، وبضرورة إعادة إكتشاف الإرث الديني للأئمة المناضلين ولسيرورة إيران المعقدة القومية، عبر التراكم وليس عبر القفزات والمغامرات.
≣ المشروعية المؤدلجة
أخذ يبرز خلال السنوات الماضية جناحان في السلطة الإيرانية هما جناح الإصلاحيين وجناح المتشددين المحافظين والذين يطلقون على أنفسهم (الثوريين) أو (الأصوليين)، ولا يبرز أساسيهما الاجتماعيين، نتيجة تعقد وغموض أجهزة الدولة وتداخلاتها مع الطبقات الثرية الحاكمة والمتحكمة في توزيع الدخول الأساسية.
وكلا التيارين ينتميان للطبقة التي تولت السلطة بعد الإطاحة بالشاه، وورثت إمتيازاتها وإداراتها، وأوقفت نمو الفئات المتوسطة الحرة ذات العلاقة مع الغرب والمنفتحة، وجاءَ رجالُ الدين بفئات أخرى، أغلبها من القرى بوعيهم المذهبي التقليدي الذين حددوا مسار التطور.
أي إننا أمام هيمنة طبقة تعود جذورها للقرى والمدن الصغيرة بتقاليدها المحافظة.
عبرت هذه الطبقة بكل مستوياتها عن السيطرة على مفاتيح التحول من الإقطاع للرأسمالية، فهي لا تريد التطابق مع الرأسمالية الغربية بمعاييرها، وتحاول أن توجدَ معاييرَ أخرى تقول بأنها من الإسلام، وهي معاييرُ معيشتها في هذه القرى على مدى القرون السابقة، وبدون إنفتاح وبدون ديمقراطية وتقدم.
أي أنها تريد القيام بما قام به الاتحاد السوفيتي والصين وفيتنام وغيرها من دول الشرق عبر نهوض معين لا يستورد صيغ الغرب في التحول، ولكن بخلاف تلك الدول (الإشتراكية) التي تعايشت مع الحداثة بقوة، فإن العقيدة المحافظة هنا هي عقيدة مذهبية دينية، تريد أن تصنع نظاماً رأسمالياً حكومياً شمولياً نهضوياً عبر أسس دينية صارمة.
هذا الجمع بين العقيدة والنظام الرأسمالي الحكومي، هو أمرٌ صعب، خاصة من خلال قيادة القرية، بسبب إن العقيدة تنتمي لزمنٍ معينٍ هو زمنُ المذهب حين تم تشكيله في إيران بين القرنين التاسع والسابع عشر الميلاديين، وهي فترة طويلة قامت فيها القومية الفارسية بقيادة الأمراء والملوك بتفصيل مبادئ الإثناعشرية الإسلامية المستوردة من العراق لتلائم نموها السياسي الفارسي الخاص، وهي فترة محافظة جامدة، بعكس الفترة الحالية بين القرنين العشرين والواحد والعشرين، حيث ضخامة التطورات والتي تتطلب من قادة المذهب الفقهيين والسياسيين سرعة وعمق الاجتهاد.
فيتم إقتطاع عبارات من الإسلام لتركيبها في هذا التحول السريع الصعب من قيادة ريفية تحاول الهيمنة على المدينة السريعة!
وحين انقسمتْ السلطة الإيرانية بين سلطة المرشد وسلطة الرئيس والبرلمان، أي بين سلطة العقيدة المحروسة والمسيطرة على النظام السياسي، وبين المتاح لهذه الدولة الدينية أن تسير عليه في تسيير شؤون المواطنين والعلاقات التحديثية مع العالم وجدت نفسها أمام تناقض كبير وهائل.
فقد عبرتُ السلطة الجديدة عن سيطرة الماضي على الحاضر، وسيطرة النصوص الدينية على عفوية الحياة وتطوراتها النابعة من زمانها.
وإذا كانت سلطة المرشد قد عبرتْ عن سيطرة القرية، فإن البرلمان في طهران حاول أن يعبر عن سلطة المدينة المقيدة في الفضاء الإقطاعي!
وقد أقامت الطبقة الغنية ذات الجذور الإقطاعية الفارسية مطابقة بين عيشها ومبادئ الإثناعشرية كما تصورَ ذلك في خيالٍ إيديويولجي خاص بها، ولكن مبادئ الأئمة الإثنا عشرية المضحين الشهداء في سيرهم لم تكن كذلك، فقد قامت على عدم وجود سلطة مركزية متضخمة فوق الجمهور، تكون متسلطة، وعدم وجود الحواجز الاجتماعية بين الإمام والمحكومين، وعلى عدم تحول الدولة إلى المالك الأكبر للمال العام، سيراً على آيات القرآن، التي نصت بعدم وجود دولة للأغنياء بين المسلمين، كما تقول سورٌ عديدة بعد القضاء على الجبروت المالي اليهودي والمكي ومنها سورة الحشر:
((مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ)) ، (آية 7).
ومن هنا كان الإمام علي عليه السلام ينفضُ بيتَ المال دائماً موزعاً إياه على المحتاجين، ولم تكن هناك فرق المخبرين والجلادين والشرطة، وفيما بعد قامت دولُ الأسر والدكتاتوريات التي تسمت باسم الإسلام بحجز هذا المال عن التوزيع بحجج كثيرة وأغرقت جماعاتها التابعة به!
ولهذا فقد موهتْ الدولُ الإيرانية خلال حقبة الإقطاع ذلك مثل غيرها من الدول الإقطاعية العربية الإسلامية، هذا التباينَ الجذريَّ بينها وبين الحقبة الرسولية – الصحابية – الإمامية، بتغييبِ هذا المضمون، وماثلت سرقاتها وعنفها وإستغلالها بتلك الحقب. وكان التركيزُ على الأشكالِ محاولة لإخفاءِ طابع التناقض بينها وبين الجذور الكفاحية للإسلام.
لهذا ركزتْ جمهورية إيران الإسلامية على أشكالِ العبادةِ بشكلٍ رهيب وعزلت الأحكام الفهقية الجزئية عن طابع الدولة الإسلامي العام الكلي الديمقراطي الإنساني ذاك وهي تسبحُ بذهبِ النفط الغزير، تمويهاً على البسطاء الذين لا يعرفون الإسلام إلا كعبادات، وأججتهُ كسيطرةٍ شمولية عليهم، من أجل مشروعات سياسية تقوم بها والبسطاء مأسورون بتلك الأفكار العامة المؤدلجة لمصلحة الطبقة الحاكمة، غارقين في العبادات وقشور المعاملات مع نسيان الجوهري مثلهم مثل بقية المسلمين، غير أن تركيب ذلك على أجنحة دولة عسكرية كبيرة لها طموحات توسعية يفاقم الخطر كثيراً.
وقد رأينا في الحلقة السابقة بعض جذور التاريخ الإيراني البعيد، وقد رأينا كيف جثمت إيران أخيراً في قطار الرأسمالية الحكومية البيروقراطية، وظهر السائق من أهل القرى يقودها فيما يعتقدُ إن سكته هي الإسلام والفضيلة والتطور الحق.
ونظراً لهيمنة هذه الرأسمالية الحكومية على المال العام وإنتاج الوعي المسيطر والحكم، فقد ظهر جناحان، هما الوحيدان اللذان يُسمح لهما بالتعبير والتنظيم في صفوف الطبقة الحاكمة.
وهما الجناحان اللذان أُطلق عليهما؛ جناح المتشددين وجناح الإصلاحيين، وراحا ينفرزان بصعوبة شديدة، ويحكمان بشكل شبه دوري، ويتصارعان على قيادة التطور، وهما منبثقان من ملكية الدولة العامة ومن المؤسسات الخاصة المنبثقة منها أو العائشة بفضل كرمها، وتلعب المؤسسات العسكرية دور قيادة التطور والمتحكمة في النمو السياسي، ويمثل الحرس الثوري إحدى هذه المؤسسات المؤثرة، ومع هذا بل وبفضل هذا هو يغوص في فساد كبير، يقول أحد الباحثين الإيرانيين:
(وعلى الصعيد الاقتصادي، فكما يدور الحديث عن كبار مسئولي الحرس الثوري، يدور الحديث أيضًا عن هذه المؤسسة العسكرية والمؤسسات الاقتصادية التابعة لها خاصة مقر خاتم الأنبياء، وشركة “قرب” للتشييد ومئات المشروعات الاقتصادية الكبرى والثقيلة مثل «إنشاء السدود، وشبكات توصيل المياه، والنفط والغاز، والموانئ، والطرق والمساكن و…» ويذكر أيضًا دخول هذه المؤسسة العسكرية مجال تصنيع الأجهزة الإليكترونية والاتصالات.)، مرتضى كاظميان، ملفات إيرانية، يناير 2009.
مع سيطرة المؤسسات العسكرية ومشروعاتها الاقتصادية والعسكرية، تنمو مصلحة مشتركة مع النظام بتوجهه القومي – الديني التوسعي، وهي من هنا تؤيد حكم رجال الدين إلى زمن ما، وهي تنخرط في الاقتصاد والبناء فتقرأ الواقع بصورة أعمق من أولئك، ولهذا تأتي فترة ترى من الضروري التخلص من الحكم الديني، نظراً لضرورات تطور الاقتصاد والجوانب العملية فيه وفي البناء السياسي عامة وهو أمرٌ سبقَّ ظهورهُ في الدول الشمولية الشرقية ويغدو المطبخ العسكري هو المنتج للسياسة الحكومية الكبرى. ومن هنا ينشأ جناحٌ مؤثرٌ في الانتخابات منها، يرجحُ كفة مرشح ورفض مرشح آخر.
يقول كاتب إيراني:
(أما من يؤمنون بأن الملالي يجب التخلص منهم لصالح أعضاء المؤسسة العسكرية، فيتخذون صف محسن رضائي، القائد السابق لفيالق الحرس الثوري الإسلامي وأحد رجال الأعمال البارزين)، أمير طاهري، الحياة، 17، 10، 2008.
بين ثبات النظام وجموده، وبين انفتاحه وتحرره، تظهر الفكرتان الكبيرتان المتصارعتان في النظام واللتان تيعشان على الوعي الإيديولوجي المستقى من المذهبية والمكيف لصالح الطبقة ككل، ولجناحيها المتصارعين:
(والقضية لا تمثل جدلاً سياسيًّا أو فقهيًّا بين العلماء والمثقفين فقط، بل تتجاوز الجدل إلى الصراع، لأن هذه المسألة تؤثر في توجيه النظام بين أن يستسلم لولاية الفقيه باعتبارها منفذة للإرادة الإلهية في الإعداد لظهور إمام الزمان محمد المهدي، ومن ثم حشد كل الإمكانيات في هذا الاتجاه دون اعتراض، حتى لو أدى ذلك للصدام مع المجتمع الدولي أو القوى الكبرى، باعتبار أن هذا الأمر يمثل جهادًا واجبًا على الجميع في هذه الدائرة، وبين أن يتجه النظام إلى مواكبة العصر والتعامل مع المجتمع الدولي، وفك تصنيفات الاستكباريين والمستضعفين، والتعامل بفكر مفتوح مع الديمقراطية، وتطوير ولاية الفقيه، والخروج بها إلى آفاق أرحب من خلال إيجاد تبريرات دينية ومذهبية. ولا شك أن كلا الفريقين يحصل على تأييد ودعم يبدو واضحًا خلال الإعداد لانتخابات رئاسة الجمهورية، والأفكار التي تطرح مؤيدة لهذا الفريق أو ذاك، والتكتلات التي بدأت تتشكل على الساحة السياسية).
ومن هنا نجد أن الرئيس أحمد نجاد والرئيس السابق خاتمي يشكلان هذين الموقفين المتضادين المتداخلين، اللذين ينتجان في السياسة تشدداً مرة وانفتاحاً مرة أخرى، ويوسعان من الرأسمالية الحكومية المسيطرة، مثلما يفاقمان تناقضاتها، لكن هل هما يقودان لظهور ليبرالية حرة وديمقراطية حديثة؟
إن الرأسمالية الحكومية تستفيد من التوجهين، وهي تخلقُ نقيضَها كذلك ومن داخلها، فكلما نمتْ الفئاتُ البرجوازية واستقلت تفكر بإعادة النظر في النظام ككل، مثلما يفكر قائد الحرس الثوري السابق محسن رضائي والمليونير الحالي.
إن الحفاظ على النظام الديني المتشدد هو حفاظ على طريقة هذه الفئات الاجتماعية الحاكمة في إستغلال الموارد العامة لصالحها، وعبر إشغال الشعب بهذه اللعبة السياسية، وعبر تشديد القبضة المحافظة على الأخلاق وحياة الناس العامة.
ولهذا يتشكل طابقان من البناء السياسي، طابق فوقي ظاهري عن الحرية والثورة و الأخلاق الفاضلة، وطابق تحتي سري للفساد ولنمو الاقتصاد الطفيلي وتجاوز الأخلاق.
ومن المؤكد إن الجناح الليبرالي المنفتح في النظام هو أفضل بكثير من الجناح المتشدد والمغامر، ولكن الجناح الليبرالي لا يتوافق كلياً مع إرادة العسكر ومشروعاتهم إلا إذا تم انتقال واسع منهم للرأسمالية الخاصة، كما حدث لقائد الحرس السابق الذكر.
حين تتفق قيادات الحرس الثوري والجيش والمخابرات والرأسمالية الحكومية والخاصة الكبرى على تجاوز النظام الراهن يحدثُ ذلك، ولكن الآن تبقى لعبة البحث عن مخرج للمأزق التاريخي لإيران.
تشير المعطيات السابق عرضها إلى الموقف العام الذي تندرجُ في إطاره عشرات السنين، وهي المختصة بالصراعات السياسية الكبرى وواقعها وآفاق تطورها، ولكن المعركة الانتخابية الإيرانية التي سوف تجري بعد شهور قليلة، تندرج في إطار الراهن.
وكما أن التاريخ هام لكن اللحظة الراهنة تكتسب أهمية كبيرة كذلك، بسبب خطورة نهج الرئاسة الإيرانية الحالية على المنطقة وتوجهها لمغامرات قد تؤدي إلى كوارث على الحياة السلمية للشعوب.
ولهذا فإن مجيء رئيس آخر ذي توجهات سلمية بدرجة أولى حتى في الإطار الديني السابق ذكره، فهو أمرٌ هام.
وإذا كان هذا الرئيس يحمل توجهات ليبرالية وديمقراطية أيضاً فذلك يوسع من التطورات السلمية والديمقراطية التي تتنامى بصورة بطيئة ولكن مهمة سواء على صعيد تغير الحكم في أمريكا، أم في تطور الوضع العراقي.
ويبدو إن نجاد غدا حتى لمناصريه السابقين قد أصبح ورقة محروقة أو مضرة للمحافظين.
(إن نهج الأصوليين في الانتخابات الرئاسية العاشرة، سيختلف عن نهجهم في الانتخابات السابقة، فخلال انتخابات عام 2005، وبالرغم من تعدد مرشحيهم في الانتخابات، إلا أنهم كانوا متفقين بشأن ضرورة عدم تكرار حكومة الإصلاحات. لكن بالرغم من أنهم سعوا حتى لا يصل الإصلاحيين إلى السلطة، إلا أن البعض منهم لا يعنيه تكرار حكومة أحمدي نجاد، حتى أن المناقشات الدائرة وسط التيار الأصولي تتمحور في كيفية تحقيق هذا الهدف، بل وتنشأ أحيانًا خلافات في هذا الصدد. يرى بعض الأصوليين في ضرورة تقديم مرشح آخر غير أحمدي نجاد، وجماعة المؤتلفة، وأتباع خط الإمام، والمرشد وجمعية المهندسين الإسلامية، تتبنى هذه الإستراتيجية، لكن في المقابل يصر أنصار وداعموا الحكومة التاسعة على ترشيح أحمدي نجاد فقط، ويعتقدون أن أحمدي نجاد أكثر الشخصيات شهرة بين الأصوليين.
ــ جواد دلبري ، مقتطفات إيرانية ، ديسمبر ، 2008 ).
إن خوف المحافظين من تكرار نموذج حكومات الإصلاحيين، هو خوفٌ مبررٌ منهم، فقد نشأوا على اقتصاد إستغلال الموارد العامة لمصلحتهم، وكلما تنامت الحريات البرلمانية والصحفية والاجتماعية كلما ضاقت الدوائر عليهم، وهذا من شأنه توسيع تطور الإصلاحيين باتجاه الرأسمالية الحرة، في سنوات لاحقة وحسب مواقف القوى الاجتماعية، أما تحالف الإصلاحيين مع القوى الشعبية واليسار لتشكيل نظام يقوم على ملكية عامة مُراقبة بشكل شعبي، وبحريات حقيقية، فهو أمر بعيد في هذه المرحلة.
إن إيران تحتاج لحكومات إصلاحية مستقرة ومتواصلة توسع الحفر الديمقراطي وتطور الأرياف المستنزفة وحياة العاملين، بدلاً من الكلام في التنوير المجرد كما فعل خاتمي في رئاسته السابقة.
إن المحافظين يشعرون بالارتباك بسبب تخبط الرئيس الحالي وتفاقم الفساد واتساع التذمر الشعبي، ولهذا يبحثون عن وسائل أخرى لضبط سيطرتهم المترنحة:
(صرح حبيب الله عسكر أولادي سكرتير عام جبهة “أتباع خط الإمام والزعامة” ضمن التأكيد على أن الأخبار التي نشرت بشأن تكوين مجلس حكماء الأصوليين لا تخرج عن حيز التنبؤات والتخمينات، قائلاً: “الأصوليون الآن بصدد البحث عن استراتيجيات لتحقيق الوحدة فيما بينهم، وخلق آلية لها تتناسب مع العقل الجمعي الإيراني، وإلى الآن لم يؤسس شيء باسم مجلس حكماء الأصوليين، وما طرح ما هو إلا تنبؤات، لكن لا وجود لمثل هذا الشيء حتى الآن، ولم يتم إدراج موضوع الانتخابات بشكل جاد على قائمة جدول الأعمال حتى الآن أيضًا.
ــ فرنك آشتي ، مقتطفات إيرانية، ديسمبر 2008)
هناك حيرة للمحافظين تعكس هذا التدهور في شعبيتهم، فقد نفد صبر الشعب من تدخلاتهم الواسعة في الاقتصاد لمصالحهم الخاصة، ومن تضييقهم على الحريات العامة، وتدخلهم في الحياة الشخصية للمواطنين، ولهذا يطالب الناس بحكومة حريات على صعيدي الاقتصاد والحياة الاجتماعية، ولهذا فإن مرشحاً مشهوراً كالرئيس خاتمي سيكون محل استقطاب هام، ولكن هل سيتجاوز تنويريته المجردة ويدخل في تحالف اجتماعي مع التجار واليسار لإحداث إنعطافة في النظام باتجاه الحرية؟
هذا يعتمد بدرجة أساسية على مواقف المؤسسات العسكرية، لكن سقوط نجاد سيكون مدوياً، وسيكون الرئيس المنتصر قد حرك الشارع بقوة، ولعله يستفيد من دروس الماضي، ومن صعود الرئيس أوباما، ويتحاوران ويتعاونان لتحول هام في إيران والمنطقة.
إن تزمت المحافظين وصل حداً رهيباً وهو يؤجج الشارع الإيراني ضدهم على نحو غير مسبوق فلا بد أن يأتي تغيير باجاه التنفيس على الأقل.
إن فئات الشباب الواسعة تعكس مثل هذا الصخب النقدي ضد نظام سياسي متحجر، فحتى الاحتفالات البسيطة تواجه بضراوة:
(وهم، بما يمثّلون وبما يفعلون يرسمون المدى الذي قد تبلغه قطاعات أخرى في الشبيبة الإيرانيّة. يكفي القول إنهم، في سبيل علاقة وأحياناً إحياء حفل ليليّ (بارتي)، معرّضون للسجن والجلْد ودفع الغرامات، لا بل التزويج القسريّ أيضاً،(حازم صاغية، 12 – 6 – 2008 ).
سوف تحدث الانتخابات القادمة تغييراً إذا لم ييأس الشعب من نظام الانتخابات ويقاطع، وباتجاه تحجيم سيطرة رجال الدين التي هي الشكل الإيديولوجي لسيطرة البيروقراطية العسكرية والسياسية.
وربما يكون هذا التغيير مهماً لمنطقة تصاعد فيها التوتر لدرجة خطيرة، ويضاف لرصيد التحولات باتجاه علاقات سلمية وتعاون أخوي.
≣ إيران والعودة للحداثة والعلمانية
ماذا لو تصورنا بأن إيران تنقلب فجأة إلى دولة تكرس الحداثة والعلمانية في المنطقة؟!
التصور غير مستبعد فشعب إيران هو أول الشعوب التي كرست الحداثة في المنطقة في صراعها مع الاستعمار الغربي بألوانه المختلفة، منذ القرن السابع عشر، ثم كانت من أوائل الدول في الشرق التي ثارت من أجل الدستور والديمقراطية في أوائل القرن العشرين، فيما يُسمى بالثورة المشروطية.
وقد كانت ثورة مصدق التي لم تأت في حينها الدقيق ولا أُديرت بذكاء كبير، قد حجمت الفئات الوسطى التحديثية بسبب القمعين الأمريكي والمحافظ.
ولهذا فإن التوجه نحو الحداثة والعلمانية ليس مستبعداً، وقد يحدث بصورةٍ مفاجئة حادة، فهناك تراكماتٌ تجري على صعيد نمو الفئات الوسطى التي اختنقت من السيطرة الحكومية المتشددة، مثلما أن أجهزة الدولة أفرزت مثل هذه الفئات التي انتعشت بفضل سياسة الحكومة المركزية لكنها صارت تخاف على رساميلها من شبح الحكومة.
ولم تأتِ سياسة الخصخصة بتحول كبير لمصلحة الفئات الوسطى الحرة، بل كسبتها الفئات الحكومية.
ومع هذا كله فإن الفئات المتوسطة يساندها عمالٌ مناضلون لهم تاريخٌ حافل في الصراع، قادرة على الانعطاف بالسياسة الإيرانية الرجعية على مدى السنوات السابقة نحو التحديث والحرية.
لقد كان رفنسنجاني وخاتمي لحظتين سياسيتين في نمو هذه الفئات الوسطى باتجاه الغرب والحداثة، وإن جاء ذلك في قالب ديني، وفي رئاستيهما الحكيمتين شهدنا مرونة في السياسة الخارجية وبعض الانفتاح، لكن كبار الضابط في الجيش والداخلية والمؤسسات العسكرية الأخرى، لا يريدون إنفتاحاً وعلاقات ودية مع دول الغرب والمنطقة، فهذا يقوض سياسة التسلح المتصاعدة ومكاسبهم منها.
إن احتمال فوز الرئيس نجاد في الانتخابات مجدداً مثل احتمال دخول أبليس في الجنة.
لقد كان نقطة تدهور في الحياة السياسية وفي العلاقة مع الأمم الحديثة ودول المنطقة، فلم يكن يتصرف بطريقة تليق بدولة ذات أهمية كبيرة، وذهبت كلماته عن دولة الكادحين والمستضعفين أدراج الرياح.
بل تفاقمت سيطرة الجنرالات والبيروقراطية الحكومية واتسع الفساد وضاعت أموالٌ كبيرة.
لا نستبعد في خطوة مفاجئة في جمهورية المفاجآت والتطورات المباغتة أن يظهر رئيسٌ ثالث يضيف للرئيسين السابقين رفسنجاني وخاتمي، دورة رئاسية تحولية كبيرة.
أن الشعب الإيراني يتحفز من أجل رئيس يعبر عن الأغلبية الشعبية المحرومة، وأن يعيد للإسلام ارتباطه بالفقراء والكادحين لا بالبيروقراطية الاستغلالية، وأن يفتح الدرب للحداثة الإيرانية – الإسلامية – الإنسانية.
ورغم هذه التمنيات فإن الانتخابات القادمة الإيرانية لا يمكن إلا أن تعيد السيد خاتمي للحكم ثانية، وهو الرجل التحديثي الواقع في شباك الدينيين، لكنه مع ذلك سيجعل إيران أكثر مقاربة مع الحداثة.
لا يستطيع أي رئيس إيراني قادم أن يلغي النظام الديني الاستبدادي إلا حين يلغي السلطات الاستثنائية لرجال الدين، ويجعلُ البرلمانَ هو السلطة التشريعية والتي تنبثق منها السلطة التنفيذية، وهذا لا يمكن أن يكون مع وجود القوى العسكرية البيروقراطية المسيطرة.
فيغدو حراك أي رئيس في هوامش النظام وقد تؤدي الأزمة الاقتصادية وتقزيم القطاع العام البيروقراطي وسياسة السلام أن توسع من حضور الفئات الوسطى التحديثية لإحداث تحول حاسم في النظام الإيراني باتجاه العلمانية والديمقراطية.
ومع رئيس جديد للولايات المتحدة، وحوارات أمريكية إيرانية ، تنتظرُ فوز خاتمي في الانتخابات، فإن مساراً جديداً ربما يتشكل في السياسة الإيرانية.
وسيعمل الطاقم الديني المتمسك بسياسته المحافظة العنيدة التي دهورت حياة شعب إيران، على إفشال التقارب الإيراني – الأمريكي، ومقاربة إيران الحثيثة مع الحداثة والعصر، وعلى إفشال سياسة الرئيس الإيراني الجديد.
هذا يتطلب جبهة شعبية إيرانية حداثية وعلمانية ذات حضور شعبي، تضعُ العلمانية في بؤرة عملها، وأي كلام آخر يكون مصيره إنتصار آخر للرجعيين.
ولا بد من إعادة تجديد إيران وعودة ملايين القرويين إلى قراهم، وإحداث سياسة إصلاح زراعي عميقة، وتجديد الفقه الإسلامي باتجاه الحداثة، فهل سوف ستقوم مقولات خاتمي المترددة المحافظة في جوانب عديدة منها بفهم هذا وتحويله إلى نضال شعبي؟
من الصعب حصول ذلك، لكن إذا أصرت القوى المحافظة على عبور الخط الأحمر، والاستمرار في مغامراتها فإن ضربات عسكرية قد توجه لها وتحدث بالقوة تغيرات رهيبة فيها وفي المنطقة.
لإيران أشهر مهمة حاسمة قادمة فأما أن تمشي مع الركب الإنساني الصاعد وأما أن تواجهه.
ووجود رئيس ديمقراطي قوي غير متردد ومشكل لجبهة حداثية شعبية من شأنه أن يقود لتغييرات مهمة تبعد شبح الحرب عن المنطقة وتعيد إيران لصف الحداثة والديمقراطية الذي غادرته.
إن الفئات العسكرية والبيروقراطية أقوى وهي محيطة بأي رئيس كما أن القوى الدينية المحافظة موجودة بثقل كبير، وقد قادت هذه القوى إيران بحماقتها وعدم تبصرها لمثل هذا الاصطفاف الرهيب.
لقد كان نظام صدام حسين أقوى وزعم أشياء كثيرة ثم قـُبر فسياسة العنف والتوسع والدكتاتورية مآلها الفشل.
≣ رسائل خاطئة لإيران
دعوة قمة مجلس التعاون للرئيس الإيراني إلى الحضور هي دعوة عليها علامات تعجب واستفهام كبيرة، فهي تقوم في وقت لا تتم دعوة رئيس اليمن أو العراق للحضور في هذه القمة، رغم أهمية كلا البلدين وعروبتيهما المتجذرتين، مما قد يوحي للقيادة الإيرانية بإيحاءات سياسية غير دقيقة.
كمثل أن تتصور ان عرب الخليج والجزيرة العربية خائفون منها ومن تمددها وبطشها، وليس كما يعتقد العرب في الضفة الأخرى أنها دعوة لتليين القيادة الإيرانية، وفتح حوار مستمر أخوي معها، في حين انها تطلق كل يوم ذات التصريحات الشوفينية.
لعل المسئولين في الخليج يواصلون نسج خيوط علاقة صداقة وأخوة بين الجارين، سوف تكون أبدية بين الشعبين العربي والإيراني وفي تاريخهما المشترك الذي لن تزيله أي أنظمة مهما رفعت من شعارات قومية فاشية، لكن الإدارة الحاكمة السياسية في طهران الراهنة لا تمتلك مثل هذا البعد للأسف.
هي لم تتخل عن السيطرة على الجزر العربية المحتلة في الخليج وهي مستمرة في التدخل في الشأن العراقي، وبسط نفوذها بأدوات سياسية وعسكرية فيه، وهو أمرٌ يثير أشد القلق في الجانب العربي.
وهي مستمرة في التدخل في العديد من البقاع العربية، وصرف الأموال الهائلة للتسلح والتفوق الحربي وفي التدخل في العديد من المناطق العربية وتأليب الأوضاع فيها.
كما أنها تواصل سياسة امتلاك السلاح النووي بكل طرائق التحايل والعبث بمصير المنطقة، وتعريض شعوبها لأفدح الأخطار ضاربة عرض الحائط بالجوار الإسلامي، والأخوة العربية – الإيرانية، وأوضاع الشعب الإيراني الشقيق البائسة.
إن أي محاولات تدليل للنظام الدكتاتوري الإيراني قد تجعل لعابه يسيل لمزيد من الأطماع، وقد يفهم منها خوف دول الخليج منه، وأنها مستعدة للمزيد من الصمت على الاحتلال الغاشم لبعض أراضيها، وهؤلاء مثل السياسيين في ألمانيا النازية يتصورون رعب الشعوب والدول منهم، وأنهم قادرون على التوسع والهيمنة.
لقد فهم هتلر أن تلكؤ الدول الغربية عن الدفاع عن بعض المناطق التي احتلها، يجيز له أن يشن الحروب ويقتحم الدول، وقد فشلت سياسة الحكومات الغربية الجبانة هذه، وتمت تنحيتها ومجيء حكومات قوية شجاعة تتصدى للهتلرية بقوة.
فيجب عدم توجيه رسائل خاطئة للجانب الإيراني، وأنه دولة مثل بقية الدول في الخليج والعالم، ليس له حق في الغزو والاحتلال، وأن السكوت عن ذلك هو أمرٌ يجري فقط بسبب سياسة دول الخليج السلمية وعدم رغبتها في الحروب وإحداث الأضرار على كلا الجانبين.
وأن الشعوب العربية والإسلامية متأكدة أن ثمة فجراً قادماً للشعب الإيراني يزيل الدكتاتورية فيه، وحينذاك سوف تتشكل علاقات أقوى بين الأشقاء عبر الخليج.
إن هذا كله يعود لعدم وجود سياسة ديمقراطية إسلامية إنسانية في الدول الراهنة، فقد تـُرك الشعب الإيراني يعاني قبضة الفاشية الدينية، وتـُركت القوى الإيرانية الديمقراطية تتعرض لنظام بوليسي عنيف، مثلما سكتت القوى السياسية في المنطقة عن فاشية النظام العراقي السابق، يذبح وينكل بالشعب الشقيق فكانت ظلاله السوداء عليها أيضاً.
لكن أي صمت تجاه الأنظمة الفاشية يزيدها ضراوة في سحق الشعوب وتفجير الحروب.
ولهذا فإن على دول مجلس التعاون الخليجي أن تواصل سياسة دفاعية قوية متحدة، وتطالب بكل السبل بتحرير الأرض العربية المحتلة، وتنقل المطالبة بها على أصعدة أقوى.
والنظام الإيراني الديني الشمولي يواصل منزلق الانهيار والعزلة على الصعيد الداخلي بصفة خاصة، والشعب الإيراني بأغلبيته يتجه إلى إسقاطه والتخلص منه، ولا يجعله قويا سوى الأشكال العسكرية الواسعة التي يخدع بها البسطاء باعتباره ممثل مذهب معين، وهو لا يمثل سوى القوى الحاكمة العسكرية والبيروقراطية التي نهبت إيران خلال العقدين الأخيرين.
ويتعرض رجال الدين الكبار فيه بصفة خاصة للعزل والطرد حتى في المحلات العامة، بسبب جلبهم لنظام شمولي، ولما سببوه من كوارث للشعب الإيراني من فقر وبطالة وعسكرة رهيبة ابتلعت ثروتهم العامة.
إن على الشعوب والقوى الديمقراطية مد يد العون للشعب الإيراني وعدم الانبهار باستعراضاته العسكرية، فهو نمرٌ من ورق، وبيتٌ من زجاج، وكما كانت الأنظمة العسكرية العربية الدكتاتورية تسبح في دعاية عن قوتها وجبروتها، ثم تأتي بعض الصواريخ والضربات الجوية فتسحقها، ثم ينهار البيت المصنوع من الرمال والكذب.
فهذا هو نموذج جديد متوارث من الأنظمة العربية الزاعقة بالقوة ثم الراضخة الزاحفة لكل طلبات الغرب.
وتتكشف للشعوب الخدعة الكبرى التي عاشوا عليها.
لكن يتكشف ذلك لهم بعد أن بذلوا أولادهم في المحارق، وبعد أن ضاعت مواردهم في التدخلات والحروب.
إن علاقات العرب والإيرانيين هي علاقات خالدة بين اخوة ومناضلين في جسم الإسلام، والعلاقات بين الأنظمة علاقات عابرة، فإذا رسخت هذه الأخوة تكون من سيرورة التاريخ وإذا رفضتها تكون خارج التاريخ.
≣ مستقبل السياسة الإيرانية المذهبية
لا بد لنا من نظرة تحليلية ملموسة لبعض الأنظمة والحركات الدينية الإسلامية من أجل تبصر آفاق هذه الكيانات السياسية وكيفية نموها، وهل ستكون كوارث على الأمم الإسلامية أم ستقدم التنمية والحرية والرفاه للشعوب؟
لدينا جمهورية إيران الإسلامية كنموذجٍ واعدٍ للتجارب التحولية وعلينا قراءة خريطتها الموضوعية، فماذا قدم هذا النظام وكيف هي الأرض الواقعية له، وسنلجأ للأحصائيات في ذلك، لأنها تكشف المنجزات والمشكلات.
ولكنها وحدها لا تستطيع أن تكشف الصورة كاملة.
(تتكون إيران من خليط من القوميات الفسيفسائية، فالقومية الفارسية تبلغ 50% من عدد السكان، تليها القومية الآذرية بنسبة 24% وهي قومية تعود لجمهورية آذربيجان، تليها القومية المازندارنية التي تبلغ 8% ثم القومية الكردية بنسبة 7%، تليها القومية العربية التي تبلغ 3%، وهناك عناصر قليلة كالتركمان واليهود، والأرمن، والآشوريين)، من كتاب إيران الأبدية، تأليف
ولكن يقوم المذهب الشيعي بتوحيد السكان فعدد السكان الشيعة يبلغ 90% في حين تصل نسبة السنة إلى 8%.
ومن الناحية الاقتصادية يشكل البترول والغاز عصب إيران الاقتصادي، أي 80% من صادرات إيران للخارج، ولكن إيرانَ بلدٌ زراعي أيضاً فيقدر إنتاج إيران الإجمالي من النفط والزراعة بملبغ 100 مليار دولار سنوياً.
وإيران كذلك ليست بلداً يعتمد على تصدير المواد الخام فقد بدأت التصنيع ولكنه تصنيع محدود، فقد حققتُ إيران نجاحاتٍ في صناعة السيارات وفي الصناعات الإلكترونية والصيدلة.)، المصدر السابق.
تشير تلك الحيثيات المختلفة إلى جوانب متضادة في البناء السياسي الإيراني، فتمثل المذهبية السياسية الشيعية عصب النظام وهيكله العظمي، فهي الموحدة لفسيفساء هذه القوميات، التي تم دمجها في مسار نمو النظام السياسي – المذهبي المتكون خلال أربعة قرونٍ خلت، وإذا انفصلت خاصة القوميات خاصة الآذرية والعربية فإن هيكل الدولة يتحطم، وهو أمر ٌسياسي مرفوض لكون تمزيق الحدود المعترف بها هو كارثة. ولكن هذا الفهم العصري لا يدخل في وعي المذهبي السياسي، الذي يعتقد إن الدينَ(ويعني مذهبه الخاص) سابقٌ للحدود. أي أنه لا يعترف بما يقوي لحمة النظام.
ويذكرُ دستورُ جمهورية إيران الإسلامية طبقاً لمادته الحادية عشرة عالماً قومياً سياسياً واحداً بين المسلمين، فتعتبر إيران نفسها جزءً من نظام سياسي إسلامي واحد، حيث تقول(يعتبر المسلمون أمةً واحدة، وعلى حكومة جمهورية إيران الإسلامية إقامة كل سياستها على أساس تضامن الشعوب ووحدتها، وأن تواصل سعيها من أجل تحقيق الوحدة السياسية والاقتصادية والثقافية في العالم الإسلامي).
يوجد في هذا النص عدم اعتراف بتعددية الأمم الإسلامية، فلا توجد أمة واحدة، بل أممٌ، وفهم الأمة الواحدة يعود للعصور الوسطى، حيث المسلمون (ملة) واحدة، لكن الشعوب الإسلامية تصادمت بسبب الأمبراطورية الواحدة وشكلت استقلالها فتوجهت لتكون أمماً متعددة فتباين الطابعُ الملليُّ عن الطابع القومي، وهذا لا ينفي وجود دين واحد يمثلُ جذورَها الحضارية، بل أن تطورات السياسة الحديثة جعلتْ بعضَ الشعوب التي هي أجزاءٌ من أمةٍ كالأمة العربية أو الآذربيجانية دولاً مستقلة.
إذن يقومُ دستورُ جمهورية إيران على توهم إيديولوجي بوجود أمة واحدة مُفترضة، وعدم الاعتراف بالتكون الحديث لها وهي أنها أصبحت أمماً وشعوباً، وهذا التكون ينهلُ من الإسلام وليس مضاداً له، وبالتالي تغدو أية عملية تعاون ووحدة تجري بين أمم ودول مستقلة لها سياساتها وطرق تطورها الخاصة.
ولا يجوز هنا وجود مركز يلغي هذا التنوع ويعتبر نفسه موحِّداً لها.
لكن عدم الاعتراف الإيراني السياسي المذهبي بوجود أمم إسلامية متنوعة، هو جزءٌ من الرؤية الخاصة بتطور المذهبية السياسية المسيطرة داخلها، فمع سيطرة الأثناعشرية بفهمِها الإيراني الخاص، تصاعدَّ دورُ رجال الدين فوق شبكةٍ هائلة من التنظيمات الدينية الاجتماعية، التي راحت تضخُ الأموالَ لكبار رجال الدين، وهي شبكةٌ مختِرقة لتكونات الشعوب والأمم الإسلامية، استمرتْ قبل وبعد تكون هذه الأمم المستقلة، وأنشأتْ ثقافةً عابرةً للحدود كثقافة المذاهب السنية كذلك والمسيحية في العصور الوسطى والحديثة، ونظراً لتشابك مصالح رجال الدين والمنظومة الاجتماعية ولضخامة هذه المصالح فصارت تكويناً فريداً معاكساً لتطور بقية الأمم، وعبر عن تصاعد هيمنة كبار رجال الدين على الحياة، لكن ليس من موقع الشريك لرجال السياسة بل من موقع المسيطر من أعلى.
يقول فهمي هويدي في كتابه عن الثورة الإيرانية وكان متحمساً لها بأن آيات الله العظمى يمتلكون موارد مالية هائلة تتجاوز إمكانية دول.
إن رفض التطور القومي المستقل للشعوب الإسلامية من قبل الحكومة الإيرانية يتشكلُ لوجود هذا الالتحام بين المذهب في إيران والدولة، وتعبرُ عن ذلك بعضُ موادِ الدستور خاصة المادة (12).
فكما يتمُ تعميمَ وتجريدَ تاريخِ الإسلام يتمُ تعميمَ وتجريد تاريخ الأثناشعرية، وجعلها مُلحقةً بوعي الدولةِ الراهن، فالأثنا شعرية المقوننة هنا تعتبرُ الطبعةَ الأولى والأخيرة من المذهب كما يتجسدُ ذلك في وثائق الحكومة المحورية كالدستور، ولا يتمُ رؤيتَها كطبعاتٍ متعددة تعكس تطور وجهات النظر والخبرة والتنوع الأممي للشعوب والطبقات الإسلامية لتغتني باستمرار، بل هي طبعةٌ أولى ومتوقفة عند وعي رجال الدين الكبار الراهن، وهذا الدمجُ بين رؤيةِ الدولة ورؤيةِ المذهب نابعٌ من ذلك التاريخ المحافظ وللسيطرة الطبقية لقوى الإستغلال الكبرى العتيقة على أجهزة الحكم والجماعات التي قلنا بأنها سيطرتْ على فائضٍ مالي كبير خلال تشكل الدولة الإيرانية خلال قرون ولم تعرف التحديث في أساليبها.
وانتقل هذا الإرث للإدارة في العهد الجمهوري، لهذا فهي غير قادرة حالياً على التحديث الديقراطي، ومصالح فئاتها الواسعة القابضة على مقاليد الجيش والوزارات والحرس، لا تستطيع أن تجمعَ بين التغيير الداخلي التحديثي وفهم المذهب الأثناعشري باعتباره مذهباً غنياً لا تـُستفدُ طاقاته، وتجسيد ذلك بخط التفتح الديمقراطي، لكن مسار تطور الدولة وتشابهكها بالصناعة والتجارة العصرية وغيرها يفرض تبدل وجهات النظر الدينية التقليدية ببطءٍ شديد.
وهذا يعني بأن المذهبَ قادرٌ على ذلك في إيران أو في مواقع أخرى من العالم الإسلامي، ولكن هي السيطرة السياسية الآنية وأفقها المحدود في موقع إيران الراهن.
وسببيةُ ذلك تكمنُ في نظام رأسمالية الدولة الشرقي عموماً الذي يتمظهرُ في إيران، بصيغةِ سيطرة الملكية العامة على أهم نوابض الإنتاج، فتقول المادة(الرابعة والأربعون) من الدستور:
((فالقطاع الحكومي يشمل الصناعات الكبرى كافة، والصناعات الأم، والتجارة الخارجية، والمناجم الكبيرة، والعمل المصرفي، والتأمين، وقطاع الطاقة، والسدود، وشبكات الري الكبيرة والإذاعة والتلفزيون والبريد والبرق والهاتف، والنقل الجوي والبحري والطرق والسكك الحديد وما شابهها فإنها تعدُ من الملكية العامة، وحق التصرف فيها للدولة.
والقطاع التعاوني يشمل الشركات والمؤسسات التعاونية للإنتاج والتوزيع والتي تـُؤسسُ في المدن والقرى وفق القواعد الإسلامية.
والقطاع الخاص يشمل جانباً من الزراعة وتربية المواشي والدواجن والتجارة والخدمات، مما يعد متمماً للنشاط الحكومي والتعاوني)).
تتضحُ هنا ضخامةَ ملكيات الدولة الشاسعة، لكن هذه الملكيات العامة لا تمتد إلى ملكية الأرض، فهي تقومُ بتقزيم (البرجوازية) الصناعية وتحجيم (البرجوازية) التجارية، لكنها لا تمتدُ قلامةَ ظفرٍ إلى أملاك الإقطاع الزراعي، حيث تـُمنع هنا الملكية العامة ويُرفضُ الإصلاح الزراعي أي توزيع الأرض على المعدمين. وهو أمرٌ ليس غريباً.
ويعبرُ ذلك عن جذور الإقطاعِ السياسي الحاكم، الذي تشكلَّ في الزراعة لقرون وامتد إلى العقار والتجارة والصرافة، ومع ظهور واتساع الملكية العامة في العهد الملكي السابق تضخمتْ الملكيةُ هذه في العهد الجمهوري،(وكانت “الثورةُ البيضاءُ” علامةً فارقةً على تباين الإقطاع السياسي الأمبراطوري عن الإقطاع المذهبي) فتنامت أجهزةُ الحكم المذهبي السياسية والعسكرية، فحصلت الفئاتُ الوسطى على مكانةٍ كبيرة في هذه الأجهزة وغدت بيروقراطيةً كبرى متنفذةً ومُلحقةً بحكم رجال الدين الكبار، وهي أمورٌ تضعُ الميزانيات في خدمة جناحيها البارزين هذين، وليتسرب منها شيءٌ بسيط للشعب، كما هي العادة في ظل ملكيات الدولة الرأسمالية الشرقية. ولهذا تجمدُ هذه القوى الاجتماعيةُ من كبارِ رجالِ الدين إلى هذه الفئات الوسطى المتنفذة في الأجهزة الرسمية خيارَ إيران الاجتماعي، وتفرملهُ عند فهمها المذهبي الخاص الراهن. أي تؤدلجُ تاريخَ الأثناعشرية عند فهمهما ومصلحتها الحالية، وحين يتبدل هذا الأساس سوف تتغير النظرات.
وهذا يوجه التطور الاقتصادي من هيكلية الميزانية وبنودها المحورية حسب برامج هذه القوى التي تتضمن العسكرة وتشديد القبضة البيروقراطية الأمنية وحلب الموارد لمصلحتها وترك الأغلبية الشعبية في معيشةٍ متدنية، فيما يعبرُ برنامجُها السياسي عن تصعيد التوجه القومي المتواري تحت طبقة المذهبية، ويستثمرُ الشبكةَ الاجتماعية السكانيةَ ما فوق القومية، أي تلك الشعوب الواقعة خارج الدولة الإيرانية، فيعكسُ الدستورُ الإيراني بموادهِ هذه الرؤية ويقننها. وبالتالي فهناك التوجهات المذهبية الإثنا عشرية الوطنية التي تتشكلُ ببطء في الدول الأخرى التي تراعي خصائص بلدانها وظروفها وتنسحبُ من المشروع المركزي الإيراني.
ولهذا فإن تخفيضَ العسكرة في إيران لو حدث يؤدي على العكس إلى تطور القطاعات الاقتصادية، خاصةً إذا ترافق ذلك مع تقليص حضور الدولة في كل كيان اقتصادي حتى لو كان صغيراً، ولكن ذلك يتطلب تصعيد البرجوايات في الصناعة والتجارة وتوسيع الحريات الخ، وهذا لا يستقيمُ مع نظامٍ شمولي.
لكن الانتقالَ من نظام آيات الله الشمولي إلى نظامٍ ديمقراطي ممكنٌ عبر وجود قادة دينيين ديمقراطيين ينتمون للجمهور الشعبي المتنوع الطبقات ويستعيدون إرثَ الأئمةِ الكبار المناضلين من أجل الفقراء، وهذه طبعةٌ أخرى قادمة من الإثناعشرية لا بد أن تنضجَ تحت نيران الصراع الاجتماعي والعودة لجذورِ الإثناعشرية وقراءتها بشكلٍ حقيقي.
أما ما يُقال عن عودة الإيرانيين للمجوسية فهي مساراتٌ واهمة، وتعبيرٌ عن يأس واختناق.
إن استمراريةَ ذات الخط الديني المتشدد يتطابقُ مع وجودِ الصراعات العسكرية مع الدول الغربية، التي يحتاج بعضها لهذا التشدد ليبرر حضوره العسكري في الخليج، مثلما أن القيادة الإيرانية تحتاجه لتظهر بمظهر الُمحاصَّر، وبالتالي الذي لا يستطيع أن يلبي حاجات العامة والديمقراطية ويمضي مضطراً للنفقات العسكرية الباهظة، مما يقود إلى خيار الصدام الحتمي الذي قد يؤدي إلى فوضوية سياسية وتقود إيران إلى صراعات شبيهةٍ بالعراق والسودان والصومال.
إن الصراع المحوري بين رجال الدين الكبار والقوى العسكرية والسياسية البيروقراطية من جهة وقوى الليبرالية والجمهور الفقير من جهة أخرى، لا تتسارع وتتجذر بسببِ ضخامة سيطرة الدولة على الحياة الاقتصادية وعلى إنتاج الدين والثقافة، ولكن لن الخصخصة لن تغير من هذا وسنرى محدوديتها لاحقاً، وتؤدي إلى اضطرابات متعددة كذلك، فيغدو الخيارُ الليبرالي الديمقراطي في عيون الجمهور الفقير الواسع مكروهاً، بسبب تحميل الجمهور فاتورات الإصلاح الاقتصادي الزائف وهو الفقير المعدم، فيؤيدُ الخيارَ الأبوي الحكومي الاستبدادي، لما وراءه من مؤسساتٍ جماهيرية تعضد معيشته الرثة المؤمَّنة على الأقل، (هناك مؤسساتٌ كثيرة في هذا السياق مرتبطة بالتجييش المذهبي السياسي).
إن ظهور شخصيات إصلاحية على غرار خاتمي لم يتعمق، فأفكارها لا تتعمق في التاريخ المذهبي ولا في رؤية العصر، فهي لا تتجرأ على رفض الدكتاتورية الدينية الشمولية، وعلى طرح الخيار الديمقراطي الإسلامي الليبرالي، في حين أن منتظري المعتقل هو الأقرب إلى ذلك. لكن الاعتقال المطول وعدم تكون كادر واسع له يرثُ الحكم يضع البلاد كذلك في قبضة التشدد أو الاحتمالات المفتوحة لانقلاب.
يقتطعُ الدستورُ الإيراني بعضَ الآيات من القرآن ويضعُها في سياقِ مواده، معبراً بهذا عن استمرارية تمسك الأمم الإيرانية بالإسلام، وهو أمرٌ جيد، ولكن بأي فهم يجري ذلك؟ وإلى أية غايات؟
يستخدم آية (وأمرهم شورى بينهم)، ناقلاً إياها من سياقها التاريخي القديم، إلى سياق تاريخي معاصر، وقد عبرتْ هذه الآيةُ عن المرحلةِ المدنية وظهور بداية الدولة الإسلامية، فلم يكن هناك سجونٌ ولا شرطةٌ وبرلمان منتخب، فأخذت الدولة الوليدة ما هو شائع من عقوبات عند العرب وما في الدينين السماويين اليهودي والمسيحي، كما حولت مؤسسة القبيلة التشاورية إلى هيئة سياسية عفوية، ولكن مؤسسة التشاور البسيطة والشعبية المؤثرة هذه كان يرفدها نظامُ اقتصادي للغنائم التي توزع على المقاتلين والفقراء عموماً بشكل توسيع للملكيات الصغيرة، فلم تكن هناك مؤسساتُ دولةٍ اقتصادية هائلة وأجهزة عنف متمرسة وقديمة، ولهذا كانت القيادة تلتقي بالمؤمنين خصوصاً بشكل حر، وكان النصُ القرآني الآلهي نفسه يرتبطُ بهذه العملية الحوارية، هنا تغدو(الشورى) معبرةً عن سياق تاريخي محدد.
أما حين تكون الدولةُ تملكُ الأخضرَ واليابس، كالدولة الإيرانية وغيرها من دول الشرق فأية شورى حينئذٍ تكون؟! إن الدولةَ هنا قادرةٌ على خياطة بدلة برلمان مناسبة لسطوتها، فالتحكم في ملايين العاملين في الدولة والمنظمات الجماهيرية التابعة لها يكفي لتشكيل برلمانات تابعة لجهازها أو لأجهزتها، وليس دور البرلمان سوى نقد بعض السلبيات في ملكية الدولة هذه.
ولهذا فنقلُ تلك الآية من سياقِها التاريخي الديمقراطي ووضعُها في سياقٍ آخر مضاد، استبدادي، يكونُ جملةً من التعمية للوعي الديني المسيطر على الحكم وعلى الجمهور، في حين أن المطلب هو تطبيق آية الأخماس القرآنية وتوزيع الثروات على الناس وتفكيك سطوة الملكية العامة الهائلة عن الأسواق ورقاب البشر. وإذا كان هذا ممكناً سينعكس على السياسة الخارجية.
لكن تلك الآية وتوظيفها المؤدلج يترافقُ مع جملةٍ من الأدوات التحكمية، حيث تطبق عقوبات لا تعبر عن إنسانية الإسلام، وبجعل رجال الدين من مساهمين في الحكم ورقباء عليه إلى حكام مطلقين يوقفون الاجتهاد.
وهكذا فإن إيران بحاجة إلى حلقة وسط من التحكم الكلي لرجال الدين إلى أن يظهر رجالُ دين يخففون من هذه الملكية العامة، ويدعمون حضورها الديمقراطي الاجتماعي المسعف لفقر الناس ومساعدتهم، مثلما ينشطون المنظمات الجماهيرية باتجاه الحرية.
ومن هنا فإن الدستور الذي يضعُ السلطةَ الحقيقية الكلية في إيدي رجال الدين الكبار، يكّونُ سلطةً شموليةً بزحزحة آيات القرآن من دلالاتها الحقيقية، وجعلها في خدمة القلة الغنية الكبرى، مثلما حدث في زحزحة الجمهور الشعبي عن الثورة ووضعها في أيدٍ أخرى.
وهذا السياقُ المضاد للآية السابقة الذكر يرينا المسارَ المعاكسَ الراهن للدول التي ترفعُ الآيات بهذا الشكل، أي تؤدلجها خلافاً لجوهرها، مثلما فعلتهُ الدولتان الأموية والعباسية، التي أخذت الملكية العامة المتكونة في عهدي عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وبلعها أمراؤها وخلفاؤها، وقد كانت توجهت للتوزيع العادل، بتجاوز خاص لآيات الأخماس، ينقلُ العدلَ السابق إلى مرحلة أكثر تطوراً وأوسع شمولاً للفيء، بخلاف ما جرى في الدولتين الأموية والعباسية، وإذا كان لدى القطاع العام في إيران بعض الجوانب الاجتماعية المفيدة إلا أن أحجام البيروقراطية الهائلة ومشروعات الدولة العسكرية وغياب الديمقراطية تؤدي إلى نفس التوزيع الأموي – العباسي.
إن السلطة العليا هي بأيدي رجال الدين الكبار، وليس رئيس الجمهورية والبرلمان والوزراء سوى التجسيد البشري للسلطة العليا الإلهية، ثم يخفت النور كلما نزل للأرض السياسية الاجتماعية، ويمكن لهذه السلطات الأرضية المتعددة أن تختلف لكنها لا تستقل وتصبح مستقلة.
يؤسس ذلك الفيضُ النقودي البترولي، فأغلبية الدخل القادمة من النفط لا يعادلها دخل مالي من قوة أخرى، ولم تستطع البرجوازية الصناعية الإيرانية أن تمثل ثقلاً كبيراً بهذا الصدد، وحين تصل إلى مقاربة الدخل الحكومي يكون لها شأن آخر فيبدأ هذا البناء السياسي بالتغير.
وعلينا مراجعة وجود هذه البرجوازية الصناعية والخاصة عموماً ومدى قدرتها على الحراك الاجتماعي المغاير.
خلافاً للدستور الذي يركز أغلبية الملكية في يد الدولة بدأت الحكوماتُ المتعاقبة الإيرانية في العقد الأخير سياسة الخصخصة واحتضان رؤوس الأموال الأجنبية.
ففي سنة 2004 وصل حجم الرساميل الأجنبية إلى أكثر من 30 مليون دولار، وساهمت الدول العربية في استثمارات النفط والغاز والبتروكيماويات.
وفي ذات الوقت تمت خصخصة ما قيمته ألف وثلاثمائة مليار ريال (الدولار يعادل 9300 ريال).
وقد أعلن مرشد الجمهورية علي خامنئي عن تخصيص ما نسبته 85% من حصص المؤسسات العامة ووسائل الإعلام والنقل وقطاع المعادن والبنوك.
ويقول تعليق صحفي بأن (خطة الخصخصة تتطابق مع المادة 44 من الدستور، التي تتحدث عن الملكية الخاصة في قطاعات الصناعة والزراعة، وتبقى ثلاثة أرباع الاقتصاد بيد الدولة).
وهذا أمر غير متناقض إذا عرفنا بأن أغلبية الملكية العامة من حيث القيمة في البترول والغاز، وبهذا تترك الدولة القطاعات قليلة الربح.
ويشوب سياسة الخصخصة بعض الغموض كما أعلنها الرئيس أحمد نجاد، فقد اعلن سياسة بيع بعض الأسهم للفقراء كما عبر، ويصل البيع إلى ربع المؤسسة الحكومية. لكن هل يستطيع الفقراء شراء مثل هذه الأسهم؟
إن سياسة التغيير الاقتصادي هنا أشبه بالحصول على موارد مالية جاهزة سواء عبر مساهمات الشركات الأجنبية، أو الاستعانة بالفائض عند المقتدرين من الإيرانيين أو الشركات الخاصة، لكن تظل القوى الاقتصادية الكبرى لدى الدولة كما جرت الأمور في رأسماليات الدول الشرقية المتحكمة في الموارد الهامة. وهي سياسة لا تغير من الأوضاع العامة. فتغدو الفئات الوسطى مجرد ملاحق بآلة الدولة عاجزة عن تكوين رؤوس أموال صناعية قوية.
إن سياسة التغيير هي استمرار لتضخيم الدولة، وهذ التضخم السياسي – العسكري – الاقتصادي.
حين بحثنا مسألة مستقبل السياسة المذهبية الإيرانية الرسمية أكدنا بكونها تعبيراً عن علاقات اجتماعية واقتصادية ذات جذور طويلة، وكذلك بأن هذه السياسة تتعرض في الوقت الراهن لصراعات كبيرة، ولكن خمسة قرون من التاريخ لن تنتهي في بضع سنوات، فلا بد من عوامل موضوعية تتشكل في الأرض وأهمها كون الملكية العامة تغدو تعبيراً عن ملكية الشعب، وبالتعبير الإسلامي أن يصيرَ فيءُ المسلمين عائداً إليهم، وليس لجماعةٍ صغيرةٍ مخصوصة، سواءَ كان ذلك بالديمقراطية الحزبية الحرة والرقابية أم بنمو قطاع خاص وطني صناعي كبير مستقل عن وصاية الدولة.
وكلا الأمرين دونه خرط القتاد كما كانوا يقولون، وتجسيد نفي ذلك أن تتجاوز الدولة سياسة المواجهة ضد الشعب أو ضد الخارج، في تبدل مظلة الملكية العامة الشاسعة هذه، وتصغير الميزانية العسكرية وسياسة التصنيع الحربي غير المجدية، وفتح قنوات التعددية للتيارات الوطنية المكافحة لتقدم شعب إيران.
وإذا كان هذا يعني العودة بالمذهبية الضيقة إلى جذور الكفاح الإسلامي فإن ذلك يعني ثقافة ديمقراطية إنسانية تحتاج إلى عقود لتفتحها، فالإسلامي النضالي كان في جوهرهِ إنسانياً ثورياً متجاوزاً لحكم الدراويش والسلاطين.
وتلك القرونُ المديدة السابقة لن يُقفزَ عليها بلمح البصر، وهي تواجه ليبراليةً فوضويةً إباحية غربية، أخذت تسكنُ الطوابقَ التحتية من العمارة الإيرانية الكبيرة، وجموداً مذهبياً وسياسياً يسكنُ الطابقَ الأعلى، وتتحكمُ في ديمومة ذلك فئاتٌ عليا مستفيدةٌ من ضخ مالي كبير، تمنع إعادة النظر في العمارة أو النظام.
ولكن السياسة الإيرانية الرسمية كانت تتحكمُ فيها السياسة الأمريكية سلباً أم إيجاباً، فالسياسة الأمريكية هي التي اختارت طريق الحكم المذهبي المتشدد لإيران، فكانت المخابرات الأمريكية هي التي تتحكم في خيارات إيران أثناء الثورة، وفضلت الخيارَ الديني المتشدد ورفضت الليبرالي والماركسي بطبيعة الحال بالنسبة للأخير.
كان ذلك بالنسبة لها أقل الخيارات خطورة. ولكن لم يكن كذلك بالنسبة للشعب الإيراني أو المنطقة الإيرانية العربية. ثم وجدت أن هذا الخيارَ مفيدٌ جداً، فهو يعني خلق صدامات كبرى بين السنة والشيعة، وخلق صدام بين العراق وإيران وقتذاك وتخويف دول الخليج الصغيرة ونشر القواعد الأمريكية.
ثم عملت على بقاء هذا الخط الديني المتشدد المفيد، فقد أدى هذا الخيار إلى أرعاب المنطقة، وخلق توترات مخيفة فيها، وإلى إزدياد هائل في المشتريات العسكرية الأمريكية التي هي أكبر الموارد لما يُفترض أن تكون أمبريالية متفوقة اقتصادياً!(تبلغ المبيعات العسكرية الأمريكية من المبيعات العالمية 45% وهي لبضع شركات أمريكية قليلة).
راحت أمريكا توسع الخطر الإيراني بأشكالٍ مختلفة، فلم تجدْ دولةً أخرى بمثل هذا الاستعداد لتقبل المؤامرة، فلديها كل الخصائص والتاريخ السابق المتكون بتبرير (معقول). فقد تجمع الحماس إلى جانب الغفلة إلى جانب التغلغل القديم. ولا عجب أن تكون شبكة الصواريخ الأمريكية المنصوبة في شرق أوربا تـُقام تحت ذريعة الصواريخ الإيرانية المحدودة المدى!
ووجدت السياستان الأمريكية والإيرانية نفسيهما معاً على صعيد الفعل السياسي لتوتير المنطقة، ومتضادتان على صعيد الكلام.
ولكن كانت سياسة التسلح الإيرانية بعد انتهاء الحرب مع النظام العراقي السابق في نزول مستمر، فقد هبطت النفقاتُ العسكريةُ الإيرانية من سبعة مليارات سنوياً إلى 2 – 4 مليار طبقاً لتقارير مركز الدراسات الاستراتجية والدولية بواشنطن.
وهبطت واردات إيران من المعدات العسكرية من 7 مليارات دولار سنة 1988 إلى 700 مليون دولار حالياً.
وهناك مشروعات عسكرية أمريكية كونية هائلة ليس لها ما يُبررها سياسياً فوجدت ضالتها في إيران.
لقد أعلنت إيران عن صناعة مجموعة من الأسلحة كدبابة ميدان رئيسية، ولكن إنتاجها ليس بذاك المستوى وليس بكم مهم، مثل الطائرة النفاثة المقاتلة ذات المهمات المتعددة التي هي نسخة من طائرة أمريكية ومعدات روسية وقد صُنعت منها عدة طائرات قليلة، أما الغواصة فكانت صغيرة تسع لخمسة بحارة! ثم استمرت السياسة الإيرانية العسكرية تنتج معدات وتجرب صواريخ كانت كذلك محدودة القيمة العسكرية، وفي الجانب الأمريكي يتم التركيز على هذه التجارب باشكال مدوية!
كل هذه التهاويل الأمريكية والإيرانية المشتركة قـُصد منها على الجانب الأمريكي مشروعات عسكرية وسياسية معروفة، ومن الجانب الإيراني تعبئة الشعب وقمع أصواته المحتجة على هدر الأموال.
ثم جاءت مسألة القنبلة النووية، لتكون وسيلة إيران للخروج من مأزق محدودية سلاحها العسكري، وتجاوزاً لنفقات السلح الهائلة التي تراجعت نظراً لغياب حرب مُبررّة أمام المواطنين الإيرانيين.
ووجدت فيها أمريكا وسيلة أخرى لتبرير انتشارها العسكري واستراتجيتها.
بهذا نرى أن النظام الإيراني غير قادر على التراجع عن سياسة التشدد فأي تراجع عن ذلك يطرح سلسلة من التغيرات الفكرية والسياسية والعسكرية والاجتماعية، مما يتطلب نظاماً جديداً يقوم على رؤية ديمقراطية للمذهب وللإسلام، وعلى تعددية واتساع الحريات وإزالة مشروع الدولة العظمى ونفقاتها العسكرية الكبيرة، وكل هذا محال في ظل قيادات تربت على مثل هذا الخيار.
ربما كان اختيار مرشد جديد وظهور قوى عقلانية في قيادة رجال الدين تفتح الباب لتحول سلمي ولكن دون ذلك مواجهات على الصعيد الخارجي والداخلي مؤسفة ومكلفة في آن واحد.
≣ مسارات السياسات المذهبية
لن تستمر السياساتُ المذهبية مهيمنةً على الساحة المشرقية العربية خاصة، مع هذا الانفصال السياسي المتصاعد بين الأمتين العربية والفارسية، وتنامي الاتجاهات العلمانية الديمقرطية وفهم الشعوب للأديان.
لقد حدث التداخلُ بين الأمتين العربية والفارسية في العصور الوسطى حين هيمن الوعيُّ الديني الإسلامي، وصار التوحيدُ مظلةً لشعوب تمتدُ من الصين حتى أواسط أفريقيا.
فراحت الأمةُ الفارسية تبحثُ عن استقلالها، مثل بقية الشعوب والمناطق والبلدان، في داخل مظلة الوعي الديني الإسلامي.
لكن كان الطريقُ طويلاً لتبلور هذا الوعي، الذي بدأ منذ الدعوة العباسية وقيادة خراسان لتكوين الأمبراطورية الجديدة، تحت راية أبي مسلم الخراساني والدعوة للرضا من آل محمد، مروراً بالزيدية، فالإسماعيلية، ثم الإثنا عشرية كتتويج لهذا المسار، حيث رفضت الأخيرةُ الأشكالَ المتطرفة من الصراع واتخذت الطابعَ السلمي التطوري المتدرج، مماثلة للمذاهب السنية المعتدلة لكن داخل إيران بصورة كبيرة وقوية.
ومَن يتخذ التدرجَ والعقلَ طريقين له في وعورة السياسة يبقى، وهكذا تلبستْ الدعوةُ القوميةُ الفارسية شكلَ المذهبِ الإثنا عشري، وحينئذٍ لم يكن يظهر الفرقُ بين المذهبِ والقومية، مثلما أن المذاهبَ السنية توارتْ تحتها القوميةُ العربية والقومياتُ الأخرى في بلدان آسيا، وهو أمرٌ لن يتكشف مضمونه العميق إلا بتطورات اقتصادية واجتماعية كبيرة تضع هذه البلدان على سكة الثورة الصناعية.
لكن القوميةَ العربية كانت أسرع في الخروج من أسر الأمبراطورية الدينية، التي كانت تركيةً محافظةً جامدة، في حين كانت فارس دولةً مستقلة ناهضة، لم تنكأ جروحَها سيطرةٌ دينية أجنبية وقتذاك، ومن هنا كان العربُ أقرب للعلمانية من الفرس، ولعب تحالفُ العرب مع الغرب الاستعماري دوره في تصعيد هذا الانفكاك، الذي تجسدَ فيما بعد بحكوماتٍ نهضويةٍ عربيةٍ تابعة، خلقتْ بعضَ التطور المرحلي لكن لم تستطعْ خلقَ التحرر والديمقراطية، لتذبذبها في عمليات الإصلاح الجذرية وهي تحريرُ الفلاحين والنساء والعقل من السيطرات التقليدية.
لكن الدعوات القومية العربية تأججتْ خاصة في المرحلة العسكرية، في حين ظلت إيران في حالةِ التباس بين الدين والقومية، وكانت قبضةُ رجالِ الدين على السلطة الاجتماعية قد تصاعدت خلال أربعة قرون من السيطرة شبه الكلية، ولم تكن السيطرة السياسية(الأمبراطورية الشاهنشاهية) سوى قشرة فوقية، انتهتْ مع قيام الدولة الدينية الكلية.
هيمنت حالةٌ أمبراطوريةٌ على الحياة السياسية الإيرانية الحاكمة خلال هذه العقود، وقد جعلتْ السياسةَ المذهبيةَ أداةً للحكم الشمولي الداخلي وللتغلغل الخارجي وهو أمر ترافق مع تفكك أمبراطوريات أخرى(غربية وروسية).
إن ظهورَ سياسةٍ قومية حديثة ديمقراطية في إيران بين الفرس خاصةً يعني حدوث قلاقل سياسية كبيرة داخلية، وتزعزع لسيطرة طهران على الإقاليم القومية المغايرة، ولم يفعل الوعيُّ التحديثي الإيراني شيئاً كبيراً لردم الهوة بين الدين والحداثة، بين سيطرة المركز الفارسي وتمرد القوميات التي يتمظهرُ تمردُها عبر المذاهب السنية أو القومية العربية( فيما يُسمى بإقليم عربستان)، فكانت الأقاليمُ الفقيرة مُلحقةً بالمركز المسيطر الذي لا يأبه بتطورها وحاجاتها، فتغدو المذاهبُ الإسلامية شكلاً لصراع اجتماعي متفاقم مع تنامي وعييها المذهبي والقومي.
إن آمال القيادتين الدينية والسياسية بظهور أمبراطورية إيرانية يتجسد في تصاعد الأجهزة العسكرية وتضخم الأجهزة العليا وهي أمور تؤدي إلى تفاقم التناقضات الداخلية بين الفرس أنفسهم، وبينهم وبين الإقاليم، فلم توجد الصيغ الديمقراطية داخل المذهبية، ولم يعمل هذا الوعي التقليدي على مثل هذه العناصر، ومن هنا هذا الانفصال بين القمة الدينية والمذهبية والجمهور العريض الذي كان حدث الثورة ضد الشاه لحظة اتفاق من أجل تطوير معيشة الجماهير لا من أجل هيمنة عليا جديدة تواصل ذات السياسة الأمبراطورية. وإذا قلنا بأن أساس هذا الجمهور الملتف على الحكم هو جمهورٌ ريفيٌّ متمسكٌ بقوة بعاداته فإن التغيير التحديثي يعني أزمة كبرى في تاريخ إيران الحالي.
وإذا كان الوعي المذهبي السني لم يشهد هو الآخر تطورات ديمقراطية كبيرة، واقتصرت على رواد هذه المذاهب في العصر الحديث، فإن القوى السياسية العربية الحديثة توجهت بعيداً في مضمار استيعاب الحداثة، وظهر ذلك على تطور الجماهير السنية وتقاربها مع الحداثة بصورة أكبر من بقية المذاهب، فلم تكن هناك هواجسُ التكتل الشديد ضد الحكومات، الذي يشبه (الغيتو)، ولكن كما رأينا فإن السياسات التحديثية العربية القومية وصلت إلى طريق مسدود، وكان اكتشاف النفط وتنامي الدخول في المناطق الصحراوية – والعراقية – الإيرانية، عاملاً في انقلاب المنطقة السياسي، حيث ابتعدت عن المركز المصري – السوري التحديثي، القومي، وهذا ما أدى إلى تفاقم الصراعات المذهبية وتحولها إلى هياج سياسي.
ومع تحول المركز المهيمن على الخريطة العربية بين شبه الجزيرة العربية وإيران عادت الأشكال المذهبية المحافظة إلى السيطرة على الأشكال السياسية التي انفلتت في فترة طويلة من هذه الهيمنة، وغذت تطورات تحديثية كبيرة.
لقد كان دائماً مركز التطور العربي في المشرق، بين العراق وسوريا ومصر، وأدت السياساتُ النفطية إلى انضمام الجزيرة العربية وإيران إلى هذا المركز.
إن تعقيدات الصراعات المذهبية والتيارات العصرية كبيرة والكثير منه متوار فليس هو سوى صراع مذهبي، وأن تلبسَ لباسَ تلك التيارات الحديثة التي لم يتمْ استيعابها حتى في بلدانها المصدرة كروسيا.
فبماذا نفسر الصراع في الحركات القومية التي نشأت بعد الانقلابات في مصر والعراق وسوريا؟ لقد قيل بأنها صراعات بين نظام جمال عبدالناصر وعبدالكريم قاسم ثم البعث بعد ذلك وأن خلافها كان قومياً؟
لكن الصراع بين نظام عبدالناصر وعبدالكريم قاسم اتخذ له طابع الصراع بين السنة والشيعة المتواري. لقد أكد نظامُ عبدالناصر ريادة المذاهب السنية التحديثية وانتشارها القومي التحرري العربي الواسع، وكانت هناك منطقتان إسلاميتان كبريان مختلفتان معه، هما المنطقة الشيعية والمنطقة الوهابية، وكلتاهما تقوم معارضتهما على دواعٍ مختلفة، فكانت منطقة عبدالكريم أقرب لليسار والعامة، والمنطقة الوهابية أقرب للارستقراطية، لكن منطقة قاسم تعبرُ عن رفدٍ شيعي واسع للحزب الشيوعي العراقي الذي كان يضم جمهوراً كبيراً منه والداعم لنظام قاسم، وهكذا أخفى الصراع الذي دار بين قيادتين شموليتين فرديتين، قيادة عبدالناصر وقاسم، صراعاً بين يمين الفئات الوسطى في مصر ويسارها في العراق، وفي الأعماق كان ثمة صراع بين التوجه السني الحاكم في مصر والتوجه الشيعي المتواري في العراق. مثلما كشف ذلك أيضاً عن الصراع بين أمريكا وروسيا أيضاً. إن الرفدين الشيعي والشيوعي عبرا عن هواجس مذهبية ضد تنامي حركة القومية العربية وقتذاك، ذات الأغلبية السنية الكاسحة، وبين هذا محدودية الأفكار السياسية والفقهية في كلا الجانبين، فهناك قصورٌ في فهم الفكر التقدمي والإسلامي معاً. ودفع الطرفان ثمناً باهظاً في ذلك أثرَّ على مسارهما التالي.
إنها عدة مستويات من الصراع. وهي تعبرُ عن محدوديةِ وعي القوى السياسية العربية وقتذاك، وكون القيادات العسكرية الفردية التي صعدتْ بسرعة شديدة وتهاوت بسرعة كذلك، لم تقمْ على قواعد شعبية قوية، وتنظيمات جماهيرية ديمقراطية، أو على معرفة دقيقة بالعصر والإسلام. إن الضباط الأحرار والحركات الشيوعية ورجال الدين المسلمين الذين أيدوا الأنظمة العسكرية، في هذا الطرف أو ذاك، اعتمدوا على فتاتٍ فكري مستورد أو محافظ لم يُصنع في الأرض العربية العلمية.
بعد سقوط نظام عبدالكريم قاسم وصعود البعث وبقاء النظام الناصري متجدداً باتجاه اليسار، أكدتْ الاتجاهاتُ السنيةُ سيطرتها على خريطة المشرق السياسية، وكانت اللحظة اقصى ما بلغته تلك الاتجاهات من تطور. فقد عبرتْ عن لحظةٍ تحديثية كبيرة للأمة، فالعلاقاتُ بين الرجال المسيطرين والنساء حدث فيها تقدمٌ هام، لكن ليس جذرياً، فقوانين الزواج والإرث وغيرها تلحلحتْ قليلاً، لكن لم تصل إلى درجة تجسيد المساواة القانونية. كذلك فإن العلاقات بين الحكومات والشعوب طرأ عليها تقدم، فالجمهور صار على المسرح مؤثراً، وراحت الحكوماتُ تدخلهُ في تنظيماتها السياسية، ولكن كان عليه أن يكون تابعاً لها، وظلت قوانين الطوارئ تحكم، وحريات النشر والتجمع بيد السلطات.
ومن جانب المذاهب السنية الحاكمة فقد تمت تنحيتها، فلم تلعب دوراً مؤثراً في صياغة الحياة السياسية أو في المشاركة المؤثرة فيها، نظراً لكون الحركات التحديثية – التقليدية هذه جاءت عبر انقلابات فوقية كما قلنا فقدرتها على صياغة نظرية تحولية عربية – عالمية، محدودة جداً، وهي تعيش على الأوامر والسيطرة الفوقية، ولهذا كانت استعانتها بالمفكرين الإسلاميين استعانة وظيفية (برجماتية)، فنذكر هنا كيف جعل (محمد عمارة ) الإسلام اشتراكياً، وكان ذلك توظيفاً سياسياً حكومياً أكثر منه قراءة عميقة للإسلام، أي أن هذا المفكر لم يطرح العلمانية والديمقراطية، وعدم طرحه ذلك ينقض دكتاتورية الحكم والحركات المذهبية معاً التي لا تقدر على فهم هذا المركب.
إن ثلاثَ دولٍ كبيرة في المشرق وهي مصر والعراق وسوريا تقاربت في حركة سياسية تحديثية، ولكن الحرث في الأرض لم يتعمق ثم ذهب، بسبب عدم جذريتها التحديثية، فهي ظلت أنظمةً استبدادية، وتقومُ فيها الفئاتُ العليا في الحكم بنخر الثروة فتتهاوى الثورة. وبهذا فإن التجديدات على مستوى التراث والعصر تغدو مصلحية مرهونة بالحكم. وبهذا فإن هذا الخليط من الإيديولوجيات: القومية والسنية المذهبية والماركسية والليبرالية وصل إلى التفكك الداخلي، والتضارب، لكون أي فكر يربط نفسه بسيطرة دولة يذوي، وبهذا نرى محمود أمين العالم الماركسي يتفق مع (محمد عمارة) على اشتراكية النظام.
وفيما يتعلق بموضوعنا وهو قراءة التوجهات المذهبية فإن التوجهات السنية الرسمية في هذه الأنظمة أخذت تبتعد عن الناس، فقدرتها على ربط المذهب بالعصر محدودة، وهو أمرٌ يتعلقُ بالتحديات النظرية خاصةً تحديات الماركسية والليبرالية، كذلك غدت مُلحقةً بالنظام وفتاويها تدورُ في فلكه، مثل (عدم رفض الاشتراكية والتأميمات) أو بقبولها ببعض الحداثة القشورية للأنظمة. أي أنها وجدت نفسها مؤدلجة وغير متربطة بالحركة الشعبية الناقدة للأنظمة. في حين أن حركة الأخوان المسلمين ربطت نفسها بذلك، وتوجهت وقتذاك إلى معاداة حركة الحداثة العربية حتى بمستواها الوسطي المتقلقل، بسبب الصراع على السلطة في مجلس قيادة الثورة ثم في الحياة، وبهذا حدث انقسامٌ كبيرٌ في التوجهات السنية السياسية السائدة.
علينا هنا أن نرى التأميمات ومصادرة الأملاك الخاصة من قبل الحكومات(العسكرية) للملكيات الصناعية بدرجة أساسية في ذلك الحين ليس ضرباً للملكية الخاصة في وسائل الإنتاج فحسب، ولكن كذلك بأنها حركة تتسم بالمغامرة وبغياب بُعد النظر ومؤدية لتباطوء صناعي على مستويات عدة وتصعيد للبيروقراطية والفساد.
وبطبيعة الحال كانت هذه التأميمات من وجهة نظر الماركسية والقومية والسنية الرسمية إنجازاً، بتبريرات مختلفة، ولم تقم هذه الحركات بمقاربات دقيقة لهذه القضية الحساسة على مستوى الدين والعصر.
وبطبيعة الحال وضعت ذلك الحركات الدينية السنية أو الشيعية في العراق وقتذاك، مثل هذه المصادرات المرعبة للملكية الخاصة في خانة الكفر.
فصار الصراعُ السياسي المذهبي بين السنة والشيعة المتكون في الساحة العراقية خاصة، صار صراعاً بين مستويات السنة نفسها، بعد سقوط نظام عبدالكريم قاسم، فوجدنا الصراعَ بين الجمهوريات والملكيات العربية السنية هو المستعر كما في اليمن.
كان هذا يعبر ليس فقط عن هروب قيادات الأخوان المسلمين إلى السعودية، بل عن حركة أكبر هي حركة تبدل مراكز الثروة، وبالتالي تبدل السكان وانتقالهم وحركة أفكارهم. ونظراً لتحول المراكز الصحراوية والريفية إلى الهيمنة على أهم مصادر إنتاج الثروة فقد راحت تضخُ ثقافتَها للمراكز المدنية المسيطرة سابقاً خاصةً في مصر، وتبدى ذلك إيديولوجياً في خفوت الناصرية والليبرالية والماركسية والبعث، فمراكز الجزيرة العربية راحت تضخُ موادَ المذهب السني الشديد النصوصية والحرفية، وهو مذهب لا يُعملُ العقلَ كثيراً في مواد الدين، ويأخذها كمادة خام مقبولة بشكل متوسع، وهو أمرٌ يسايرُ الأوساطَ البدوية وشبه الحضرية، ولكن تغلغله في مدن كبرى كالقاهرة ودمشق وبيروت، يعبر عن هذه الهجرة الواسعة للسكان الريفيين إلى هذه المدن المتسعة، وتفاقم الأزماتُ فيها، فإذا دُعمَّ ذلك بتنظيم قوي كالأخوان مرفود بثروة نفط ضد نظام أخذت تتفاقمُ تناقضاتهُ الداخلية، يحدثُ ذلك تبدلٌ للصراع السياسي، ويظهرُ تفاوتٌ للمذاهب السنية وصراع في مستوياتها، فالآراء المجلوبة من مستوى صحراوي تناقض المستوى المدني الهش غير المتجذر في المدينة الحضرية، التي تعيش أوساط كثيرة منها في القرون الوسطى معيشةً ومقاماً مهمّشاً من سلطة مستبدة. وهكذا فإن التشدد في اللباس والمظاهر والشعائر الدينية تأخذ في السيطرة على المفهوم الديني الساعي سابقاً لمواكبة الحداثة.
لا بد لنا لفهم حركات المذاهب السياسية الإسلامية من العودة الوامضة لتاريخية هذه المذاهب وعلاقاتها بالسياسة بدرجة خاصة، فقد تمحورت المذاهبُ السنيةُ على ذاتِها في بدءِ نشأتها في القرن الثاني الهجري خاصة، وكان موقفها من علم الكلام موقف التقبل بعض الوقت ثم الرفض، وأخذت تعالجُ مسائلَ التطور من خلال النصوص الدينية وحدها، قبولاً أو تأويلاً.
كان علمُ الكلام حينئذٍ يتمظهرُ بحركة الاعتزال السنية التي كانت تتأولُ حرفيةَ النصوص من أجل مزيدٍ من الانفتاح على العصر وقتذاك، ثم كانت الفلسفةُ قفزةً أخرى في عملية التأويل، ولكن الفلسفة حين صاغها فلاسفةُ السنة وهم ابن خلدون وابن باجة وابن رشد، كانت ذروة تطور وعي المسلمين النظري في فهم العصر الوسيط برمته، وهي الخميرةُ التي انتقلت إلى أوربا، وأسست بداية النهضة الحديثة العالمية.
ولكن المذهبية السنية عند الأئمة ابي حنيفة النعمان ومالك والشافعي وابن حنبل، رفضتْ التفلسفَ، وإن كان أبو حنيفة والشافعي قد قبلا اجتهادات الفلسفة من داخل قراءتهما للنصوص الدينية بخلق عقل ديني متفتح على تطورات الحياة، ولكن الأئمة الأربعة رفضوا التبعية للحكومات، وتوجه الثلاثةُ الأُولُ إلى درجاتٍ مختلفة من الاجتهاد. والأربعة كذلك رفضوا (الثورة) ورفضوا التوظيف السياسي من قبل الدول، وشكلوا الاستقلال السني المذهبي، وهو الأمرُ الذي قاد المذاهبَ السنيةَ للتنوع والاجتهاد والمقاومة، وإن كان الكثير من تلامذتهم لم يلتزموا نظراتهم العامة هذه ودخلوا في تبعية للحكام وعدم التطوير للاجتهاد، وكان ابن حنبل رغم رفضه الشديد للاجتهاد لكنه لم يقبل الثورة وانعطفت أفكار تياره إلى الاعتراض على الحكم ومرونته وليس على تشدده. وهو خطٌ انغرس بعدها في زمن غياب الاجتهاد مع تصعيد الجهاد ضد الغزو الصليبي وشكل ما عُرف بحركات السلف الجهادية، وكان تركيز هذا الخط على التقبل الكلي للمأثورات الدينية قد عكس تدهور العلوم عند المسلمين.
في حين قامت الأثنا عشرية على أساس مختلف، على وعي دولة مكتملة، لها نصٌ واحد، من القرآن حتى أقوال الأئمة، وأدت الصراعات ضد هذا الاجتهاد الإسلامي إلى محاصرته وإلى رفضه للتنوع والتعددية وجاءت التعددية لديه فقط داخل واحدية النص، وعدم القبول بأي حكم خارج التناسل الإمامي. وكان المسار الأثناعشري المتوجه نحو إيران قد جعله يتشكلُ وفقاً لنمو القومية الفارسية الملكية المطلقة المتوارية تحت أطروحاته، فظهر الحكمُ السلاليُّ الإلهي، والذي راحَ يبحثُ لنفسهِ عن شكلٍ سياسي عبر العصور، وليست غيبة المهدي سوى شكل هذا البحث عن نظام سياسي عادل متوافق مع الجذور والتطورات السائدة في الوعي المذهبي.
ومن هنا كان التباين مع التوجهات السنية التي كانت في جذورها بدوية جمهورية، لا تعرف المراتبية الطبقية والسلالية، ومن هنا كان عدم القبول بحكم أسرة مقدسة أو بجماعة دينية مطلقة، وقد أخذ هذا المسارُ يُضرب من قبل الحكومات الدينية الأسرية المطلقة ويُجير لها.
هذا المسارُ الديني المزدوج العام يخضعُ للأوضاعِ الملموسة في كل عصر ومرحلة، وكنا قد رأينا كيف أخذت الحركاتُ العصرية التحديثية العربية الإسلامية تعودُ إلى التقليدية والشمولية مثلما حدث ذلك للحركات المعارضة الإسلامية القديمة:الاعتزال والقرامطة والزيدية الخ، نظراً لإبقائها على النظام التقليدي بثوابته، وعدم تغييره، فالماعون الإقطاعي هو نفسه، وهو الذي يعيدُ طبخَ المواد المستوردة ويعيدُ تشكيلَها، فلم يحدث تغيير لهذا الماعون، ونوافيه هي عمليات تحرير الفلاحين وتحرير الإسلام من أقلياتِ الاستغلال النصوصية وتحرير النساء وتحرير الحكم من الاستبداد.
وتمظهر ذلك في العراق بذوبان حزب البعث في الهياكل السياسية الإقطاعية البدوية، فيظهر الدكتاتورُ كنتيجةٍ لتمركزِ السلطات بين يديه، ولنمو الفساد وهدر الثروات على التسلح والبذخ، ومن هنا كان الصدام مع الثورة الإيرانية واستغلال ضعفها للتوسع، فكان هذا الغزو يشيرُ لخللٍ عميق في النظام، الذي لم يجدْ سوى التراجع عن رؤية البعث القومية العلمانية والذوبان في الشكلانية السنية المحافظة، وتحويلها إلى رايةِ حربٍ ضد الإثناعشرية، وكان انجرارُ بعضِ الدول العربية لهذا علامةً أخرى على تفاقم الطائفية، وبدء اتساعها السياسي المخيف، فغدا ذلك مبرراً للقوى السياسية الحاكمة في إيران لتوقف مد الثورة الشعبية وتسليم الحكم لكبار رجال الدين التقليديين.
نستطيع أن نقول بأن هذه الارتدادت للوعي الطائفي بين الضفتين الفارسية والعربية، تعكس الصعود الكبير للأقليات الحاكمة الاستغلالية وتضخم ثرواتها، وغياب أية علاقات ديمقراطية مع الجمهور ومع التراث الإسلامي، وراحت الضفتان تضخان الموادَ العتيقة وتعيدان إحياءها وإعادة عقارب الساعة للوراء.
لعب قانون الصراع الاجتماعي التقليدي دوره في الحركات المذهبية السياسية التي نشأت على أساس تغير الخريطة التجديدية العربية وانتقال مركزها إلى مواقع إنتاج النفط، وهو قانون التفتت المستمر لهذه الحركات نظراً لانتاجها السياسة داخل الدين، فلا يغدو الخلاف السياسي سوى خلافاً دينياً، وهو أمر يتنامى مع تفاقم الصراع السياسي.
يدخل الصراع الطبقي المحوري في كل مجتمع إلى داخل كل حركة دينية، لكن الفارق بينها وبين الحركات التحديثية اللادينية، أنها لا تفهمه وترفضه، وهو ظاهرة موضوعية مثل قانون الجاذبية، فيبدو لها ذلك الصراع كانحراف عن الاستقامة الدينية وكنزوع للكفر والانحراف عن الإيمان الحق.
وهكذا فإن حركة الأخوان المسلمين بعد التآكل المستمر للنظام الناصري ومجيء الضربة الإسرائيلية العدوانية، راحت تسود في وعي الفئات الوسطى المصرية وتتغلغل في عامة الناس. ويؤدي القمع إلى تقبل الناس لمثل هذه الحركات ووصولها للقاع الاجتماعي.
ولم يستطع علم النظام أن يتنبأ بالهزيمة في يونيو أو أن يكشف الفساد في مراتبه العليا، فاصبح خاضعاً لقدر غير مرئي، وتداخلت عودة قيادات الأخوان من السعودية بمناخ الهزيمة والارتداد الفكري عن الحداثة، وبظهور نظام السادات الذي عكس صعود الأقلية الاستغلالية في النظام البيروقراطي الناصري إلى سدة الحكم بشكل كلي.
وإذ هي شجعت القوى المذهبية السياسية فإنها اعتمدت سياسة فرق تسد بين القوى المذهبية الدينية وقوى التحديث، لتصعيد استغلال ونفوذ تلك الأقلية التي فتحت لها الأبواب على مصاريعها. وكان النظام الناصري قد لجم الصراع الطبقي، وكون معيشة معقولة للعمال والفقراء. فجاءت التطوراتُ لتفجر الصراع الاجتماعي المحبوس، خاصة إن النظامَ الجديد قد فتحَ بعض القنوات السياسية العلنية، فوسع المشكلات الاجتماعية بشكل خطير ثم صعّد أدوات سياسية معارضة تفجر هذه المشكلات، فتمظهر ذلك بثورة أسعار وجياع وقتل رئيس النظام نفسه.
عبر هذه التطورات دخل الصراع الاجتماعي المصري العميق إلى حركة الأخوان التي كان صراعها الوجودي مع النظام الناصري، المقارب في وعيها لصراع الكفر والإيمان، الألحاد القرشي والنبوة، قد جعلها تعيش في لغة ماضوية، فتكرس مثلها مثل الحركات المذهبية السياسية تجريدات ذلك الصراع ومستواه المعرفي، فكانت رؤيتها لكون النظام الناصري نظام كفر ونظام فرعوني واستيرادها مختلف المقولات الجاهزة من العصر القديم، قد أدى إلى أن تبث في جماعات من العامة مثل هذه المقولات الخطرة، وكانت لها سابقاً قبل هذا الاحتدام مع النظام العسكري الشمولي بعض الآراء الليبرالية الواعدة كما كان لها وعيها الشمولي العسكري هو الآخر المصَّور على أساس إنه الجهاد.
وهكذا فإن الدكتاتورية السياسية أضرت بكلا الفصيلين المناضلين الناصريين والأخوان، ولكن مع ذهاب النظام الناصري تبدلت الحياةُ السياسية وحدثَ اصطفافٌ جديدٌ للقوى الاجتماعية، وأخذ الصراع الاجتماعي يحتدم، ولم يكن ثمة قنوات وحتى الآن سبيل لتغيير ذلك، دون وحدة القوى السياسية الشعبية المصرية ضد البيروقراطية الاستغلالية الحاكمة لنصف قرن.
لكن اليافطات الدينية كانت تفرق الشعب المصري أولاً بين مسلمين ومسيحيين، ثم بين المسلمين أنفسهم على أساس المذهبية السنية ودرجات تطبيقها وفهمها، فهناك المعتدلون وهناك الغلاة. وهناك العلمانيون الاجتثاثيون للإسلام الخ..
لقد غدا فكر الأخوان المسلمين هو فكر البؤرة النضالية السياسية لأغلبية النشطاء السياسيين، وبسبب المقولات الدينية السابق ذكرها للجماعة، فإن التطبيق الحرفي للإسلام التأسيسي، المأخوذ بشكل غير دقيق، قد أدى إلى مدرستين، إلى تأويل النصوص لشيء من الليبرالية والحداثة، وهو الطابع السني الغائر المتدرج الإصلاحي العقلاني، وإلى البقاء عند النصوصية الحرفية ورفض الحداثة والديمقراطية تماماً.
كان هذا الانقسام بسبب بث الخطاب الديني المسيس عبر مقولات: الجنة أو النار، المؤمنون أو الكفار، وهو خطابٌ يسترجعُ ليس وعي السنة بل وعي الجماعات الخارجية، غير المدنية والبدوية، وهو أمرٌ يعبر عن الانقسام في الجماعة نفسها بين القلة الغنية والقطاعات العامة المفقرة والرثة، فتم استخدام المقولات الأخوانية الأولى وخاصة لمرحلة سيد قطب، التي هي أقرب لمقولات الخوارج منها للسنة، والتي عادت تتجسد في بيانات حارقة لأهل الكفر، والرفض العارم (للجاهلية) الجديدة.
ومن جهة أخرى فإن الجماعة الوسطية السنية مع تقاربها مع التحديث لم تتبن التحديث كلية، أي لم تنقل إلى وعي العلمانية والديمقراطية والوطنية، متصورة ذلك كنفي للإسلام، لكن ثمة اجتهادات أخرى صغيرة في الجماعة تحاول أن تخلق مثل هذا المركب الصعب.
وهذا ليس صراعاً على المقولات والنظريات بقدر ما هو تعبير عن مستوى هذه الفئات الوسطى المتذبذبة بين القديم والحداثة، والتي غذت فئات شعبية مُعدمة بمثل هذه الأفكار فحولتها نظراً لمحدودية فهمها للإسلام والعلوم إلى (جهاد) دموي وهجرات للمناطق المهجورة والجبلية، وإلى تقبل للمأثور مهما كان، فغدت موجات من اللاعقلانية والأرهاب.
إن عدم قدرة الجماعة على الفهم العصري الديمقراطي للإسلام يعود لضخامة أفكار التقليد الموروثة، ولتحويل الدين إلى دولة، وبالتالي إلى عدم تبني التصورات السياسية العصرية اللادينية، وهي تعني قيام دولة مصرية علمانية، أو عراقية علمانية الخ، بمعنى أن تجعل الاشتغال بالسياسة سياسياً فقط، أما الحقول الأخرى فهناك حريات للمؤمنين بما يعتقدون.
وهذا يعود لإرث الجماعة، التي عاشت على مقولات المؤمن والكافر، وعلى شحن أعضاء الجماعة السياسية بالموروث الديني، الجاذب، والمقدس، والذي يغدو واسعاً وشعبياً، يمكن من خلاله الوصول للحكم، ولمقاعد البرلمان ومجالس النقابات.
ولكن لهذه الشعبية التسلقية آثارها الخطيرة، فسوف يأتي زمنٌ يتفاقم فيه الكفر بالإسلام، نظراً لهذه الوعود الخلابة التي تـُعطي بلا حساب باسم الدين، ويجد العامة المخبولون بهذه الجنان الأرضية، أنهم يعودون لذات السياسة القديمة للطبقات الاستغلالية. وإذا أضفنا بأن الاتجاهات التحديثية ستعمق عداءها للإسلام، بسبب هذه السطوات، فإن زمناً من الفوضى وسيطرة الليبرالية المنفلتة من كل انتماء وطني أو ديني أو عقلاني يلوحُ في الأفق، وهذا ما يتغلغل في جمهورية إيران الطائفية التي تبنت هذا الدواء الداء.
≣ صراع المحورين في البحرين
لا تزال جذور المحور الإيراني – السوري – حماس وبقية القوى الدينية والقومية المُنضمة إليه بحاجةٍ إلى تحليلٍ أوسع، حيث بدا أن هذا المحورَ محاصرٌ ومعرضٌ للضربات في حين أنه يتقوى ويتعاظم.
وإذا كانَ يبدو رسمياً حكومياً متوطداً كما في جمهوريتي إيران وسوريا فهو ذو طابع شعبي في لبنان وفلسطين الخ..
وأصبح تمسك هذا الخط بالملكية العامة الرئيسة في الاقتصاد وطرح الصراع مع الاستعمار كخطٍ استراتيجي، وتحجيم الليبرالية والديمقراطية وهي من سماته كذلك، فإنه لا يعني ذلك عدم وجود شعبية كبيرة له في بلدانه.
وإذا أضفنا بأن جماعة الأخوان المسلمين في مصر هي أقرب لهذا المحور من المحور الغربي الليبرالي التابع وكذلك منظمات (النهضة) في تونس والجزائر، فمعنى هذا بأن أغلبية قوية راحت تنمو وتعارض، مستعيدة شكل حركة التحرر العربية بشعاراتٍ وأهداف متعددة مختلفة، بوعيها غير القادر على تمثل سياسة مركبة جدلية بالجمع بين الديمقراطية والتحرر، بين الحداثة والتمسك بالجذور.
وهي تتفقُ على شعاراتٍ سياسية كبيرة كتحرير فلسطين كلياً أو القضاء على إسرائيل، والتصدي للاستعمار، كما أنها ترتكز على الجماهير العربية الذكورية والنسائية المحافظة وهي أغلبية السكان المسلمين التي تعيشُ في الغيبيات وذات الظروف الاقتصادية الصعبة أو المتردية. وبطبيعة الحال فإن تجربة الجمهور في حال هذه الأنظمة مغايرة لأحوال بلدان لم تذق فيها الجماهيرُ الشموليةَ الدينيةَ والسياسيةَ المطبقة. لكن بقاء النظامين الإيراني والسوري لا يعتمد على القمع وحده ولكن أيضاً على المؤسسات العامة التي تريحُ الجمهورَ من العصفِ الكامل للسوق الرأسمالي.
إن ذلك يوضح بأن سنوات الردة على الحركة القومية العلمانية والفكر التقدمي قد انتجت موجة شعبية محافظة كبيرة، ولكنها مع ذلك استجابت للتناقض الرئيسي الذي لا مهرب منه في كل البُنى الاجتماعية العربية وهو التناقض بينها وبين الغرب المسيطر.
وهذا بسببِ تغيرِ خريطة توزيع الموارد والسكان في المشرق العربي الإسلامي، حيث انتقلت بؤرتهُ المركزيةُ من مصر إلى الخليج والعراق وإيران، بحكم تدفق النفط وقيامه بإعادة توزيع الثروة والسكان فخلق ذلك قيادات إقليمية مغايرة لزمن الناصرية والتحرر القومي السابق.
وقد تفاقم ذلك التناقضُ الرئيسي بفعلِ جملةٍ من العوامل السياسية والاقتصادية المتعددة المتداخلة، كالحروب التي تـُشن ضد العالم العربي الإسلامي، والتي تـُؤخذ غالباً في الوعي الشعبي الُمبسّط بصورةٍ دينية (أي أنها حروب صليبية جديدة)، ثم هناك عملياتُ استنزافِ الموارد النفطيةِ وإبقاءِ الخليج والجزيرة العربية كبقرةٍ حلوب، ليس للغرب فقط بل لشركائهِ وتابعيهِ في الهند وجنوب شرق آسيا، ثم هناك سياساتُ ضربِ القطاعات العامة وتفاقم الفساد والبيروقراطية وهي كلها تعبرُ على تضادِها عن صعودِ القوى البيروقراطية الاستغلالية في كل هذه الأنظمة والذي يعبرُ عنهُ الوعيُّ الديني غير العقلاني بل النصوصي الغيبي الفقهي الجزئي، فلا يجد هذا الوعي أمامه سوى انقساماته الطائفية.
ونرى إن هذه العواملَ تعبر عن غزو رأسمالي غربي واسع النطاق على الأسواق، ومترافق مع العولمة واتساع نفوذ الشركات العابرة للقارات.
وقد قاد إلى تكونِ تياراتٍ شعبية معادية للهيمنة، لم تتبلورْ على مستوى البرامج الاقتصادية والاجتماعية الدقيقة، ولكنها عكست نفسها في شعاراتٍ كالعداء لأمريكا ومحاربة إسرائيل وفي ظل مناخٍ ديني غيبي يتصور الحلولَ السحريةَ عبر القائد الملهم والجماعات المؤمنة النقية الخ..
فالبرامجُ الليبرالية الهزيلة المطروحة من قبل الأنظمة المؤيدة للغرب لم تتحولْ إلى برامج تقفُ ضد الخصخصة والبطالة ومص الأموال العامة والخاصة للمحافظ النقدية والأسواق الغربية والشرق آسيوية.
كما أن هجومَ هذه (الحداثة) الشكلانية غالباً والمعتمدة على الأزياء ووجبات الأكلاتِ السريعة والثقافة الغربية غير الرفيعة(خاصة ما تجسده أغلبية أفلام السينما الأمريكية)، أدت إلى الكثير من الجوانب السلبية في حياة الشباب وخلقت العديد من مناطق الصراع مع الثقافة الدينية التقليدية.
وهكذا فإن المحورَ الإيرانيَّ السوري ازدادَ اتساعاً بخلاف ما تقولهُ الدعايةُ العربيةُ والغربية الموالية للأنظمة، فإن دخول غزة واليمن ولبنان على هذا الخط بشكلٍ متقاربٍ متفجرٍ قد أوضحَ بأن هذا المحورَ هو الذي يقومُ بالهجوم الاستراتيجي، وأنه يزعزعُ حلفاءَ الغرب ويوسعُ دائرةَ مؤيديه بين الجمهور العربي والإسلامي.
◄هل يعني هذا بأن المحور على صواب؟
نحن لا نرصد الصواب والخطأ، بل نقرأ اللوحة الموضوعية المتشكلة أمامنا، فالمسألةُ ليستْ مسألةً أخلاقية مجردة، ففي جوهر هذه الأنظمة والحركات هناك دكتاتوريةٌ كبيرةٌ كما سبق القول، وقد قامت حركاتُ التحرر العربية والإسلامية على هذه الدكتاتوريات غالباً، لكونها بحاجة إلى قوى شعبية متحركة على الأرض وإلى أجسام بشرية صلبة تصطدمُ بالأنظمة وتجعلها تتراجع او تـُهزم، فهذه الأنظمة والقوى الغربية لا تأبه بالكلام.
أما الأجسامُ الليبراليةُ فهي لم تقدر أن تشكل قوى ضاغطة مهمة إلا في أزمنة المد الوطني الكبير السابق البعيد، أما الآن فهي تهتم بعيشها الخاص وبترحيلِ فوائض الرساميل العامة والخاصة للغرب والشرق، وظلت الدولُ المعتمدة على القطاعات العامة ونفوذ البيروقراطيين والعسكريين هي القادرة على تعبئة الناس حولها بالحق أو بالباطل، من أجل أن تقرر سياساتها كما تريد.
وهو أمرٌ يجعل هذه الدول والحركات تقوم بتفعيل الميراث الديني والقومي والأسطوري والخرافي، ولهذا نجد طوابير من البشر مثل الآلات مستعدة للموت في أي بقعة، وقد قامتْ هذه الطوابيرُ بأعمال مخيفة لتنفيذ سياسات دينية طائفية أو نضالية.
ولكن لا يعني ذلك بأن مثل هذه الأشكال صحيحة أو باقية ولكنها في لحظتنا السياسية الراهنة تلعبُ دوراً كبيراً.
وإذا أخذنا بعيِن الاعتبار بأن هذه الموجات تتشكلُ حتى من أقسام سياسية متصارعة وكيانات طائفية متناحرة، كتداخل المحور الإيراني السوري بالقاعدة وظلالها الشبحية، فإن المدى يبدو شديد الاتساع ومتنامٍ.
◄التداخل المحلي
وفي هذه الظروف المؤديةِ لتفاقم المحور الإيراني السوري ولبروز القاعدة والتصدي لظروف التبعية بوسائل أرهابية وسياسية مختلفة، فإن النظامَ في البحرين وهو يقوم بعمليات (الإصلاح) لم يستوعب الدروس ولم يقرأ بجدية خريطة المنطقة وأخطارها المتصاعدة.
فقد اعتبرَ (الإصلاحَ) بأنه ضربٌ للطائفة الشيعية بدرجة أولى، ويتمظهرُ ذلك بحشود كثيرة من الأدلة والحثيثات المتراكمة في خلال هذه السنوات القليلة الماضية.
أي أن تفكيك الطائفة الشيعية وخلق صراعات داخلها وشراء المنسلخين السياسيين منها واستعمالهم التكتيكي وإثرائهم، وتصعيد الهجوم على هذه الطائفة وخلق جريدة خاصة لهذا الغرض، إضافة للأصواتِ الأخرى السابقة، وخلق برامج تلفزيونية تصبُ في هذا الاتجاه وغيرها من المظاهر تثبت اتجاه السهم الحكومي الأساسي.
ونكادُ أن نقولَ بأن خلق النقابات والجمعيات السياسية الحديثة لم يكن من أجل وجودها الحقيقي الجيد الفاعل!، بل كان من أجل تحجيم المنظمات الشيعية السياسية بدرجة أساسية.
ومن هنا نجد هذا التسارعَ لشراءِ أي صوت (شيعي) مرتد أو متحول إليهم، وبذل الملايين في سبيل ذلك كما حدث لوزراء وكتاب!
أن الأجهزةَ الحكومية لا تنقضُ على المتمرد الشيعي فقط بل هي أيضاً (تنقض)على السياسي الذي يوجهُ سهامَ نقدهِ لطائفتهِ وجماعته، فيتم احتضانَهُ وتصعيدهُ بطريقةٍ مثيرة، وهو تخريبٌ مزودج، ففي داخل الطائفة تقومُ هذه التكيتكاتُ بتوسيعِ الحزازات وتشكلُ سياجاً طائفياً ضد أي انفتاح وديمقراطية فتسهمُ في تصعيد الدكتاتورية داخل الطائفة الشيعية، ومن خارج الطائفة تفسدُ هؤلاءَ المثقفين الدينيين أو اللادينيين كذلك الذين كانوا يتحسسون طريقـَهم الفقهيَّ والفكري المستقل فتم اقتناصهم ورشوتهم وتم منع تطورهم الفكري الموضوعي.
وإذا كان ذلك يدلُ على هشاشةِ هؤلاء المثقفين وضحالةِ استقلالهم، وعدمِ إنجازهِم لفكر ديني تحديثي وديمقراطي، فإنه يدل كذلك على جمود المرجعيات داخل الطائفة الشيعية وعدم مرونتها في هذه المعركة المزدوجة، لتوسيع حلفائها وجذب المفكرين والباحثين والمعارضين من القوى الأخرى ومن الطائفة الأخرى لتكون سياج وطني قوي ضد هذا التمادي في استخدام الثروة الوطنية للشر والفساد، وهو سياجٌ لا يشكله سوى وعي وطني ديمقراطي يصنعُ ويبثُ بين الناس.
فالبنية الفكرية السياسية الدينية هي ذاتها، في كلا الفريقين، ولكن في حالة الطائفة الشيعية فإنها تدافعُ عن جماعة كبيرة يُراد تذويبها في بحر التجنيس والأجانب المنهمر والإصلاح الموظف للهيمنة، والبنية الفكرية السياسية الدينية هي السلاحُ المهمُ القوي الذي تملكهُ في حين تملكُ السلطةُ كلَ أدوات التذويب والعنف بل وحتى تغيير الخريطة السكانية بمجملها.
في حين تقوم الأجهزةُ التنفيذيةُ بعرضِ سياستها الطائفية على الملأ دون أي خجل أو أحساس بالمسئولية، فهناك المشروعاتُ الحقيقيةُ أو المزعومة التي تتدفق على المحرق وكأن (المسئولين) يمضون إلى دولة أخرى، في حين يتجاهلون المناطق القروية الكبيرة الفقيرة وحاجاتها كالمدينة السكنية المشالية التي مضت سنوات عديدة دون بناء شيء فيها، وكل هذا من أجل إذكاء الحقد عند الطرف الوطني الآخر، فأية سياسة طفولية هذه؟! وكذلك اهمال الأحياء الشعبية في المنامة كالمخارقة والحمام والحورة التي تحولت إلى ما يشبه المقابر والمناطق المخاصرة!
وهكذا فإن الشعارات التي تطرحها السلطةُ عن الوطنِ الواحد والشعبِ الواحد هي كلامٌ فارغٌ بامتياز.
ففي محاولاتهم لخلط الأوراق والنأي بأنفسهم عما هم فيه من طائفية فاقعة ومن إستغلال أسطوري لموارد الشعب والبلد، يوجهون تهمة الطائفية للجماعات الدينية السياسية الشيعية فقط، ليس لشيء سوى أنها تمثل ثقل المعارضة الكبير والمتماسك خلافاً لبقية القوى والقادر على فعل شيء في هذا الزمن الطائفي بامتياز، ولو كانت هذه القوى الدينية الشيعية تقفُ مع الحكم في محاربةِ قوىً أخرى لبدلوا رأيهم فيها، كما فعلوا قبل عقود حين تم استخدامها ضد الوعي التقدمي، فمقياسهم هو في مدى تحول المواطنين إلى خدم وليس المقياس هو وطنيتهم ومنقابهم الأخلاقية والسياسية!
ونحن إذ نرفضُ الطائفية عند كلا الفريقين المتعاركين طويلاً جداً، والذين مروضوا المجتمع بأمراضهم، نذهل أشد الذهول حين تطرح الجماعة السياسية والإعلامية الصانعة للطائفية بأنها وطنية!
لقد تشكلت الطواقمُ الحاكمة الارستقراطية القبلية عبر التسلط على الموارد على مدى قرنين مديدين فتكاد أن تكون الطبقة شبه الوحيدة في هذا العصر التي قامت بمثل هذا الاحتكار في هذا المدى الزمني الطويل حتى بخلاف عائلة آل صباح التي لم تقم على مثل هذا التجبر، وهم يضعون شعار (السنة) الفضفاض الخادع من أجل أن يفرقوا الشعب.
واستطاعت هذه الارستقراطية أن تفرق بين الناس فعلاً وتكرس الطائفية بشكلها المتعالي المتخلف، وجعلت من الموارد العامة وأغلبية الوظائف، خاصة في الأجهزة العسكرية والسياسية، لها وللمقربين منها.
وهناك (ثقافة) بث طائفي خاصة وأجهزة حكومية سرية مخصصة في نشر هذه القذارة وخلق التشويش والمعارك بين الشعب الواحد، وعملاؤها موجودون في كلا الجسمين الاجتماعيين من أجل خلق هذا الصراع المحموم!
فإذن لا تحدثونا عن الدولة (الوطنية) وعن الثقافة (الوطنية) ولاعن شعارتكم لمحاربة الطائفية، فأنتم مؤسسو الطائفية ومنتجوها والمرجون لها، وإذا هي لم تكن موجودة فأنتم راحلون مع رحيلها، واذا زالت طارت المليارات التي تسرقونها من موارد الطائفتين اللتين يجب أن تبقيا دائماً متصارعتين.
وتبلغ الأمورُ الغريبةُ حداً كبيراً حتى إنه لم يعد الأمر إزالة الطائفة الشيعية بل إزالة الطائفة السنية كذلك، فهناك إغراقٌ للبلد بالأجانب من كل حدب وصوب، فلم يشهد أي مجتمع في التاريخ المعاصر شرقاً وغرباً مثل هذه الحملة الرهيبة على شعب صغير وإغراقه بكل الجنسيات، وتدمير عاصمته (المنامة) وتحويلها إلى ماخور وأسطبلات بشرية، حتى محيت أحياء وظلت أحياء المواطنين الفقراء خرابات!
هل هي مذمة للشيعة أنهم تماسكوا وتضامنوا واتحدوا في طوفان تذويبهم فقط لأنهم معارضون؟
إلى أين تقودنا هذه العقلية الاستئصالية؟
◄الداخل والخارج
واذا قرأنا الآن علاقة هذا كله ببعضه البعض، بمعنى أن ندرس نمو المحور السوري الإيراني الغزاوي اليمني المصري القاعدي، بالعمليات الاجتماعية والسياسية في البحرين فكيف سنرى الأمور؟ هل سنشهد إندراج البحرين الكبير في هذا ويكون لدينا حزب الله القوي؟
إن الآراءَ المبسطةَ تقولُ بهزيمة إيران الحتمية في المواجهة مع أمريكا وإسرائيل وهو قول غير مؤكد، بسبب أن الدولتين نفسيهما تعلنان بصراحة بأن معركتيهما محدودة ومركزة على المجال التجريبي النووي، ولا تستطيع أن تكون أبعد من ذلك.
فإيران قوة إقليمية كبيرة والجمهور الملتف حولها والقوى الشعبية المسلحة التي تملكها كبيرة، ولا تستطيع المعارضة الإيرانية وكراهية الشعب لحكم رجال الدين أن تصلا إلى شيء مهم من هذه القوة.
كما أن التورطات الأمريكية في المنطقة جعلت قدميها عالقتين في مستنقعين كبيرين لا قرار لهما، كما أن هذه الدول المشرقية الدينية (المتخلفة) طالما غلبتْ غزاةً أقوى منها وأشد علماً و(حضارة).
وهكذا فإننا يمكن أن نرى الصورة معاكسة فماذا لو تغلبت إيران على القوة الأمريكية؟ ماذا سيحدث؟ وما هي السيناريوهات المتوقعة في مثل ذلك؟
ربما يُعتبر هذا الكلام مثل شطح الخيال، لكن لا شيء يمنع تحققه.
إن ما يمنع من الهجوم النووي على إيران هو حصولها على القنابل النووية، فيغدو السلاح النووي خارج المعركة. والسلاح النووي هو سلاحٌ حيادي أكثر منه حقيقي، فإيران لا تستطيع استعماله فإذا استعملته حكمت على نفسها بالزوال لكنه يبقى لها بمثابة سلاح ردع. وهذا هو تفكير المجموعات الحاكمة في حين أننا نرى إن المنطقة بحاجة لنزع السلاح النووي من جميع الأطراف.
فلا تبقى إذن سوى القوى البشرية المقاتلة ومدى صلابتها وتضحياتها.
ونحن نعرف طبيعة القوى الأمريكية وكيف تفر من كثرة الضربات البشرية عليها، في حين إن القوى الخليجية العربية العسكرية وصلابتها القتالية هي أمورٌ لم تجُربْ وقد فشلتْ في حروب لم تقع أصلاً وقد كرست هذه القوى للقمع الداخلي ولهدر الميزانيات، خاصة في البحرين التي تعددت فيها القوى العسكرية المختلفة مستنزفة الموارد كذلك.
وهكذا فإن مصيراً قاتماً يواجه الأنظمة الخليجية في تبعيتها للسياسة الأمريكية، وخاصة النظام (البحريني) الذي شذ حتى عن الأنظمة الخليجية نفسها في تذويب الشعب وإحلال جيوش العمالة الأجنبية محل المواطنين وقام بإفقاره وإذلاله.
أما في وقت هذا السلام الهش الراهن الذي نرجو أن يدوم ويتدعم بإجراءات سلام فعلية وأن يحدث حوار بين حكومة الولايات المتحدة وإيران، فإن الحوارات بين الدول المتنفذة والتحولات السياسية الحالية لا لا تبشر بسلام وخير.
هناك صدام على مستوى إقليمي وعلى مستوى وطني، فسياسة الحكومة الأمريكية الراهنة هي الصدام مع إيران وتغيير الوضع فيها، وهذا ما يمثل سياسة النظام في البحرين، ولكن هنا يجري على شكل تفتيت مبرمج للشيعة كما أوضحنا سابقاً، ونظراً لهدف المشروع الأمريكي بضرب تجربة إيران تجري عمليات أصغر في البلدان الأخرى التي فيها الطائفة الشيعية فيجري تحييدها وتغييرها بحيث تتم عمليات سيطرة مجزأة ولكن متكاملة على المستوى الإقليمي.
إن قدرة الطوائف على حشد المجموعات الكبيرة ودفعها في الصراع هو ما يثير قلق الدوائر الأمريكية والعربية المحافظة، وهذا الحشد يكبرُ ويتصاعد متجهاً للأدوات العسكرية.
ويقدم النظامُ في البحرين مادةً جديرةً بالدرس في هذا الجانب، فقد عارض انخراط أفراد الطائفة الشيعية في التشكيلات العسكرية الكثيرة:قوة دفاع، وحرس وطني، وشرطة، وقوات شغب وقوة نواطير. وهذا المنع يصيبُ الشبابَ الريفيَّ بدرجةٍ خاصة، فإمكانيات التعليم وحياة الفقر لم تسمح بمهن متطورة، مثل ابناء السنة الفقراء في المدن، وقد أدى رفض إلحاق شباب الشيعة في المجموعات العسكرية إلى انخراطهم الكبير في المعارضة. خاصة مع سياسة التجنيس وإعطاء المجندين المهاجرين العرب والباكستانيين امتيازات عديدة تمثل استفزازاً للمشاعر الوطنية وتهييحاً اجتماعياً أحمق، ولا يجد الشباب الشيعي مجالاً إلا في المخابرات حيث يتحولون إلى عدو يومي لأبناء شعبهم.
ومع اشتداد الأزمة السياسية وبقاء قوى الفساد في الحكم واستمرار سياسة التذويب وفشل الحقن الاجتماعية والاقتصادية المنشطة للهيكل الشعبي البحريني المصاب بأنيميا الفقر والبطالة، والتي تعبر عن بقاء مؤسسة الفساد الوزاري في حين تمثل الحقن سياسة القصر، فإن عملية الإصلاح التي تجري في مستشفى الجنون السياسي هذا، جرت كتخدير مؤقت لحين تقومُ السياسة الأمريكية بتنفيذ ضربتها تجاه إيران، مثلما لها أهداف أخرى عديدة.
وهكذا فإن السياسة الأمريكية الإصلاحية تعطي القوى الشعبية إمكانيات تكتيكية محدودة بعيدة عن الهيكل العظمي للنظام، كما أن النظام استغل ما يجري للحصول على أرباح كبيرة مالية لأقطابه ومن أجل تدفق الرساميل التي يقتطع منها باعتباره إقطاعاً سياسياً.
وهذه السياسة تُنفذ في السعودية على شكل بطئ وعلى مراحل، وقد جُعلت البحرين كمختبر لدول المنطقة الخليجية من أجل تطبيق نظام السيطرة العالمي – الإقليمي.
وهذه (الإصلاحات) الأمريكية المرتبطة بمنطقة الدولار ومشكلاته وبنـزول القوة الأمريكية عالمياً، وبالاعتماد على سياسة القوة والقواعد والحكومات المحافظة المبهرجة بشيء من المكياج الديمقراطي، من شأنها تفاقم المشكلات على الجمهور خاصة الشيعي منه، فتؤدي إلى زيادة فاعلياته وحركاته ضدها، ويؤدي أبعاده عن الحياة العسكرية إلى تحوله إلى عسكر شعبي، فيقومُ بابتكارِ أسلحته الخفيفة. وليست (قضية المولوتوف) سوى بداية الغيث الحارق.
لقد جاء البناءُ التحوليُّ بدون أسس تغيير جادة بعيدة المدى وأقيمَ فوق سياسةٍ طائفية ارستقراطية متعالية مانحة بأبوية، فلم يصل إلى جذور الفساد والطائفية، ومثلَّ بشكلٍ موضوعي تكتيكاً أمريكياً للتهدئة ولفصم الحلقات الشيعية والدينية المختلفة تمهيداً للسيطرة على المركز في إيران.
أي أن المستوردين البحرينيين الحكوميين للخطة الأمريكية لم تكن لديهم القدرة على صناعة دولة وطنية. وهذا أمر سوف تستفيد منه الحكومةُ الإيرانية عبر استثمار هذه التناقضات وتصعيدها في أي لحظة هجومية أمريكية أو إسرائيلية، وقد يصل جنون التاريخ إلى احتلال إيراني لبعض مناطق الخليج والجزيرة العربية، بحكم القوى السكانية الحربية الكبيرة، كما أن السعودية مقبلة على تفكك وتصاعد قوى القاعدة وانفصام نجد واستقلال الإقليمين الآخرين هو أمرٌ وارد. ولا نستبعد حرباً جديدة تحشد لها أمريكا وتهدر مليارات أخرى من ميزانيات المنطقة بعد فترة من تعملق المحور الديني القومي.
إن العام في التكون السياسي العربي الراهن هو تصاعد القوى الدينية المحافظة وهذا التصاعد له آثاره السياسية، وخاصة بالقرب من الصفيحتين القاريتين السنية والشيعية في الجزيرة العربية وإيران، ويمكن أن تكون هناك أيضاً تبعاً لهذا علاقة بين إيران والقاعدة من أجل تقاسم الدويلات والنفوذ في بركان التحول القادم.
إن قدرة الدول الغربية على تحطيم هذه الموجة الكبيرة تبدو ضعيفة كما يجري في النموذج الأفغاني الذي سيكون له دور التصعيد في هذا السياريو الجهنمي. فماذا تمثل أفغانستان بالنسبة لإيران؟
يُفترض عبر قراءة هذه الاحتمالات أن تتجه الحكومة في البحرين إلى تغييرات جذرية حقيقية، وإلى إصلاح فعلي وليس إلى تكتيكات سياسية ومراضاة لقوى الفساد والتسلط الفردي والقبلي ووقف سياسة التجنيس وغمر البلد بالفيض السكاني العالمي وتقزيم المجلس المنتخب الخ..
بطبيعة الحال إنني لا أرى إمكانية ذلك وسوف تتصاعد قوى المواجهة كما تتصاعد في بقية المنطقة إلى أن تأتي لحظات الصراع الخطيرة، فلا أحد من المتسلطين يتعظ حتى تأتي ساعته.
≣ الصراع الأمريكي – الإيراني في البحرين
تتوسع رقعة الصراع الأمريكي – الإيراني في منطقة الشرق الأوسط ليجمعَ كلُ طرفٍ قوىًّ جديدة من الحلفاء يستعينُ بها في هذا الصراع المحفوف بالمخاطر والمتصاعد بلا ضابط.
وقد نشأ هذا الصراع المناطقي – العالمي في أعقابِ خروج إيران من السيطرة الأمريكية المباشرة وقيامها بأشكال من التحدي العنيف بعد الثورة الإيرانية التي هيمنَّ على مصائرها رجالُ الدين، وتجلى ذلك في حصار السفارة الأمريكية، ثم في نشر العداء لأمريكا وللغرب في المنطقة، وتشجيع الحركات الدينية المماثلة للتيار الذي سيطر على مقاليد السلطة.
وبطبيعة الحال فإن التوجيهات الإيرانية ما كان لها أن تؤثر في كلِ بلد، له ظروفه التي تختلف عن الآخرين، دون الارتكاز على الظروف الموضوعية والذاتية فيه.
وأهم المرتكزات المعتمدة بهذا الصدد هو وجود (الطائفة) المؤيدة للسياسة الإيرانية، فقد تماثلت السياسة الداخلية والخارجية هنا، حيث كانت هيمنة التيار الديني في المركز السياسي للعاصمتين الإيرانيتين السياسية والدينية في كل من طهران وقم، يعني نشر هذا التيار ودعمه خارجياً، سواء بشكل سياسي أم بشكل ديني، كما كان لا بد أن يتوطد داخلياً في نظام السيطرة القوميات الأخرى ذوات المذهبية السنية، حيث أن الطائفة – الدولة هو الشكل الوطني أو القومي لهيمنة القوى العليا لمرحلة ما قبل الرأسمالية في العالم الإسلامي عموماً.
وقد عبر هذا كله في مجرى التطور العنيف والمركب عن توجه النظام الإيراني لخلقِ دفعةٍ قومية اقتصادية تنموية وقفزة سياسية واجتماعية تعبر عن (الأمة) الإيرانية، وتقودُ هذه القوى الفئاتُ الاجتماعية البرجوازية المتوسطة والصغيرة، والتي تجلت في صعود هيكل القطاع العام وسيطرته على الحياة الاقتصادية بشكلٍ واسع واتاحة النمو للقطاع الخاص في ظل هذه السيطرة، وهو أمرٌ سبق أن رأيناه في دول أخرى مجاورة كالباكستان، وعبرَّ ذلك كله عن هيمنة القوى العسكرية والبيروقراطية، ولكن هنا في إيران جرى ذلك عبر سيطرة رجال الدين الحاسمة أيضاً، مما يعني دعم السيطرة الكبرى للدولة واستمرارية البناء المحافظ في الحياة الاجتماعية والفكرية، فتغدو العلاقات الإقطاعية (في مستوياتها الاجتماعية والفكرية خاصة) رديفة ومهيمنة على تطور العلاقات الرأسمالية المضادة.
إن وجود طبيعة شمولية لهذه القفزة وهو أمرٌ مماثلٌ كذلك لما حدث للأمم الشرقية؛ روسيا، والصين،ومصر الخ.. إن هذا الوجود الشمولي له قوانينه في الاقتصاد والحياة الاجتماعية والثقافية في العلاقة المعقدة بين القطاعين العام والخاص ووفي مجرى صراع الطبقات وكيفية عملية الانتقال من الإقطاع للرأسمالية الحديثة.
لقد وجدت فئة رجال الدين المسيطرة على مواقع القرار إنه من مصلحتها هذه الشمولية السياسية الاقتصادية، حفاظاً لسيطرتها على الجمهور واستمرار استغلاله.
وهكذا فقد ظهرت فترة من سياسة (تصدير الثورة) عكستها مرحلة الحرب مع العراق وهي التي انتهت بفشل وبمذبحة مروعة في الجانبين الإيراني والعراقي، وهي حربٌ فجرها طاغية العراق السابق، لكن القيادة الإيرانية واصلتها رغم هزيمة الجيش العراقي الغازي.
ثم تلا تصدير الثورة إقامة علاقات (طبيعية) مع الدول المجاورة، حيث نهضت باتساع القوى المذهبية المؤيدة للتجربة الإيرانية الدينية، وقامت بتقليدها عبر نقل الأفكار السياسية والتنظيمات وتحريك الحياة عبر صداماتها المستمرة.
وتجلى ذلك أيضاً على مستوى المنطقة فيما عُرف بالتحالف الإيراني – السوري، حيث واصلت القيادات الإيرانية عملية الصراع مع الغرب، رافضة استحياء النموذج الغربي الديمقراطي البرلماني، مقيمة دولة شمولية مع أشكال مظهرية من الانتخابات والبرلمان، حيث تظل مقاليد السلطة الكلية في يد مرشد الجمهورية ومجلس صيانة الدستور.
وعبرَّ التحالفُ الإيراني – السوري عن ذات السمات من هيمنة للقطاع الحكومي العسكري البيروقراطي ومن رفض للرقابة الشعبية عليه، ومن تحكم حزب سياسي عسكري عبر مليشيا كبيرة وأجهزة مخابرات متنفذة ومن وجود مشروع ديني – قومي تجاوزي لتعددية العصر.
ويحدو التجربتان أمل بتحقيق قفزة كبرى وتجاوز للديمقراطية الغربية، وكذلك التطلع للهيمنة على الدول المجاورة والطوائف الموالية.
وهكذا فإن إيديولوجية القفز فوق الرأسمالية التي تمظهرت في روسيا سابقاً أو الصين حالياً، تعني إجراء عملية الانتقال للرأسمالية الحديثة من خلال هيمنة حكومية بيروقراطية مما يفتح الطريق لاحقاً، بعد عواصف مجهولة، ل(الرأسمالية السوداء) على طريقة المافيا الروسية.
وقد تحققت التجربة الإيرانية في ظل تفكك مشروع الدولة الشمولية الشرقية الكلية السيطرة خاصة في روسيا والصين التي بلغ فيهما تطور القوى المنتجة حداً يزيحُ(الاشتراكية الحكومية) الصارمة في بناء القطاع العام القومي النهضوي، فمضت إيران بشكلٍ مضاد، آملة باختراق هذه العملية الواسعة النطاق عالمياً، لكنها لا تفعل سوى أن تنسخ التجارب الشرقية.
◄الصراع السياسي بين الدولتين
وبهذا وجدت حكومتا إيران والولايات المتحدة إنهما على طرفي نقيض، كذلك فإن إرث الهزيمة الأمريكية في إيران، والجراح السياسية المترتبة على تلك الهزيمة، وصعود الولايات المتحدة لموقع القطب الدولي الأول، ودعوة إيران لخطٍ معاكس، له ما يبررهُ كذلك في عملية استغلال ونهب دول العالم الثالث، قد جعلتْ من الدولتين قطبي الصراع الكبير في المنطقة.
انطلقت حكومات الولايات المتحدة المتعاقبة المتعددة لتحقيقِ أهداف رئيسية مشتركة، تتمثل في فتح الأسواق للرساميل الأمريكية، وتذويب القطاعات العامة القائدة للتنمية في الدول النامية، ومواجهة الجماعات الدينية والقومية المتشددة وخلق حريات ليبرالية وغير ذلك من الأهداف المعبرة عن توسيع دوائر النفوذ الاقتصادي والسياسي.
وهكذا كانت سياساتها في دول المنطقة تعكس هذه الأهداف بأشكال مختلفة، ففي الململكة العربية السعودية تؤيد إصلاحاً للنظام التقليدي المتخلف بحيث يضمن استمرار هيمنتها على السوق النفطية والاقتصادية السعودية ويخففُ من التطرف الديني والذي يأخذ أشكالاً عنيفة جماهيرية متنامية.
في حين يختلفُ الأمرُ في العراق ولبنان حيث تؤيد التطور الداخلي للقوى غير التابعة لإيران وسوريا الخ..
فتجد السياستان الإيرانية والأمريكية نفسيهما في صدام مستمر، فالأولى تعملُ لــ(إزالة) إسرائيل في حين تعملُ الأخرى على بقائها وتحولها إلى دولة قيادية في المنطقة، وإيران تدعم حماس في حين تعبر أمريكا حماس منظمة إرهابية، وتريد أمريكا خروج سوريا الكلي من لبنان وانتصار حلفائها بينما تعمل إيران على بقاء سوريا مؤثرة فيه ومن أجل أن يتوسع نفوذ حزب الله والقوميين السوريين، وفي العراق تحاول أمريكا أن تحتوي النشاط الإيراني وتطور الوضع الداخلي المتمايز عنها الخ..
هكذا نجد أن السياسيتين الأمريكية والإيرانية على طرف نقيض، وهما تحتكان بشدة في مواقع معينة هي العراق والخليج ولبنان، فيما تخفت حدة الصراع في المواقع الأخرى .
◄في البحرين
قام النفوذ الحكومي في البحرين على شكل سيطرة قبيلة على الموارد الاقتصادية وهو أمر تشكل على أرضية الصدام مع السكان الشيعة خلال القرنين الماضيين (التاسع عشر والعشرين)، وتجلى ذلك بمصادرة الأراضي الزراعية واحتكار العديد من الجزر والمداخيل، وهو أمر لم تقم بمعالجته الحركة الوطنية خلال نهوضها الديمقراطي منذ الخمسينيات، بل عالجت الموقف الوطني ومعارضة الأحتلال، لكن المطالب الاجتماعية أخذت تتصاعد بعد انحسار الجانب الأكبر من القضية الوطنية، وجاءت فترة هيمنة أجهزة الحكم المطلقة بعد حل البرلمان في سنة 1975 لتصعد القضايا الاجتماعية، بسبب قيام تلك الأجهزة بتوسيع حضور العمالة الأجنبية لتحجيم القوى العاملة الوطنية والتحكم في عيشها وحركتها، وتحويل الخدمات الإسكانية إلى تجارة إستنزافية للمواطنين وتصاعد الغلاء والعديد من المشكلات الأخرى.
وفي هذه السنوات نفسها كان محور الحراك الاجتماعي – السياسي المناطقي ينتقل من بؤرته المصرية الوطنية القومية التنويرية السابقة ليتوجه نحو بؤرة جديدة هي بين القطبين:إيران والسعودية، لما فعلته مداخيل النفط المتزايدة من تغيير هيكل السكان في المنطقة ومن تحكم دول النفط في الحياة الاجتماعية.
وهذه البؤرة هي أقل تطوراً من البؤرة السابقة بسبب الطابع السكاني البدوي والقروي الغالب، وهو أمرٌ أدى إلى تغذية الجماعات الدينية الصغيرة المتواجدة على هيئة جمعيات وتحويلها إلى تيارات سياسية سنية وشيعية ، فجرى تنظيم قسم من السكان في المنطقة بسرعة شديدة وتم زجها في قضايا الصراع الذي اتخذ أشكالاً قطرية مختلفة حسب تاريخ كل بلد وظروفه.
وفي البحرين فإن الجمعيات الشيعية الصغيرة المنشأة بدعم الحكومة نفسها، لمناهضة التيارات اليسارية، وجدت زخماً كبيراً من الأحداث الإيرانية ومن الدعم الإيراني، خلافاً لآفاقها المنتظرة من قبل الحكومة.
وبسبب طرحها مشروعات للصدام فقد حازت على تأييد كبير من الناس الشيعة خاصة.
إن هذا الحراك السياسي هو مظهرٌ حديثٌ من التحرك الشيعي السياسي عبر العصور الماضية، فهو ليس منقطعاً عن جذور قديمة متأصلة منذ الحركات الفاطمية والقرمطية والأثناعشرية، وقد ظهر فوق التربة الفقهية المحافظة بعد هزيمة الفكر الديني الإمامي المتمرد، وليعبر عن معارضة جديدة مساوقة لقوى الفئات المسيطرة في الحياة التقليدية رجال دين، تجار، ملاك أرض، فاعتمد على الدعم الإيراني الحكومي، رغم أن بعض بؤر التنظيمات تكونت في مناطق أخرى كالعراق، أو من تنظيمات مستقلة، لكنها في مجرى التحول إلى بنية البحرين الاجتماعية نقلت ما هو خارجي من أشكال تنظيمية وشعارات خاصة في المرحلة الأولى.
إن تقليد نموذج الثورة الإيرانية كان في البداية قوياً، وقد جرى ذلك عبر فيض الوعي الديني غير الآبه للحياة الموضوعية، ولكن الضربات والأحداث العنيفة راحت تكيفُ الشكلَ العامَ للحركة لواقع بنية البحرين وظروفها الخاصة.
كان الشكل الأول الذي ساد في هذه الجماعات على مدى عقد هو شكل الصدام الذي كان منظماً بشكل نخبوي ثم غدا واسعاً جماعياً بعد أن رسخت الجماعات المذهبية السياسية نفسها بين الجمهور بشكل فوقي.
وكان من نتائج مثل هذا الوضع هو إدخال النظام والبلد الصغير في مأزق تاريخي شامل، وهو أمر لم تدرك خطورته قيادة الحكم في تلك السنوات.
لقد ظهر خطان أساسيان في هذه التشكيلات الدينية المعارضة، فهناك خط الصدام المستمر مع النظام عبر الكتلة المنظمة من الطائفة حتى يجري تغيير أساسي في النظام السياسي، وقد اتفقت هذه الكتل على وجود الخط الأساسي بوجود برلمان له كافة الصلاحيات الدستورية، فلم يتم طرح تغيير النظام برمته، أو هذا ما ظهر على السطح.
والخط الثاني هو الذي ظهر بعد ذلك وهو خط القبول بالبرلمان المنقوص الصلاحية وتغييره من الداخل، وتوظيف الحركة المذهبية السياسية في خدمة التغييرات الواسعة المنتظرة.
لكن في عظام هذه الحركة المتوارية هناك الصدام التاريخي مع القبيلة الحاكمة واعتبار هذا الصدام هو جوهر الحركة، لتغيير واقع جرى قبل قرنين، لكن هذا الخطاب المسكوت عنه المتواري، هو الذي يجعل الحركة ذات هيكل تنظيمي طائفي، وبالتالي فإن الامتداد الإيراني، وهو السند الورائي لهذا التكتل وامتداده التراثي والجغرافي، خاصة قبل اسقاط نظام صدام حسين، وبعد هذا السقوط دخل الجنوب العراقي في التأثير، وهو ما جعل الطائفة السياسية تحصل على بديل آخر وهو أن المصدر الإيراني لم يعد وحيداً، وهو ما عبر عن حراك اجتماعي تاريخي للطائفة الشيعية في منطقة الشرق الأوسط كلها، وأنها تريد المساهمة في الحراك ولكن من خلال قواعدها الريفية والعقيدية ومن خلال المراكز المعروفة لديها.
وهو حراكٌ نشأ بفعل عمليات التطور الرأسمالية المتفاوتة والضاربة للأرياف الإسلامية، وهو حراك ضد تغلغل فوضوي وإستغلالي واسع النطاق، تم في عدة دول وبأشكال مختلفة، ولكنه يعبر عن تبديل هذه الأرياف الغارقة في الاقتصاد والثقافة التقليديين لصالح المسيطرين على السلطات، ولكن السلطات الدينية الشيعية المحلية تحاول عبر الوعي السياسي الراهن المتنوع أن تحافظ على مراكز سيطرتها داخل هذه الطائفة وترفض عملية تذويبها في المجتمع لصالح السلطات السياسية – الاقتصادية المسيطرة التي ترفض وجود مركز معارض.
ومن هنا فالمركز الإيراني هو القائد لهذه المناطق بحكم حجمه السكاني والاقتصادي وبحكم أسبقيته في قيادة الطائفة الشيعية على مدى تاريخ يمتدُ إلى عشرة قرون، رغم إن المركز العراقي لعب دور المؤسس والقائد الفكري، لكن المركز القيادي انتقل إلى ما وراء جبال زاجروس التي تفصل الدولتين المتصارعتين دوماً في التاريخ، وهذا الانتقال هو بسبب التحاكك والتصادم بين (القوميتين) الرئيسيتين والمتنافستين في قيادة المجموعات الأثنية المختلفة وهما العربية والفارسية، فغدا المركز بعيداً في طهران.
ومن هنا فقدرة المركز الفارسي أكبر في توجيه مصير الطائفة، في حين يقوم المركز العراقي بلملمة نفسه في هذا الوقت دون أن يتركه المركز الإيراني قوياً في زمن هذه اللملمة الصعبة، ويلعب النفوذ الأمريكي هنا دوراً متعدد الأشكال على هذه المراكز.
◄الدور الأمريكي
عبرَّ الدور الأمريكي في التأثير على مصائر المنطقة السياسية في الوقت الراهن عن إعادة تشكيل الأنظمة التقليدية في المنطقة التي عجزت عن إنتاج قوى تغيير تحديثية، بسبب نفس السياسة الغربية والأمريكية في ضرب قوى التحديث وخاصة اليسار في عقود التراكم السابقة مما قوى الاتجاهات التقليدية وأبرزها للسطح.
وبعد انهيار المجموعة (الاشتراكية) الشرقية فإن عمليات التغلغل الرأسمالي الغربي، وعولمة السوق الدولية، تأخذ أبعاداً كبيرة، ومن هنا كان لحكومات الولايات المتحدة برامج متعددة في تغيير الدول الشرقية، بفتح الأسواق والتأثير على شركات النفط وهدم القطاعات العامة المسيطرة على الملكية الاقتصادية، وذلك كله يجري في صراع بين الدول الرأسمالية الكبرى على الحصص، وبينها وبين الدول الشرقية على الخطوط العريضة للتنمية والتسليح والحقوق القومية ونفوذ الدول، أي كل ما يتعلق باعتراف الدول الشمولية الشرقية بنظم العالم الحديث المرفوضة لدى هذه الدول والحركات.
ومن هنا كانت الولايات المتحدة مشجعة على قيام تغييرات سياسية في الدول العربية ومن ضمنها البحرين، وقد جاء ذلك ضمن الخطوط العريضة السابقة، وكذلك بسبب تململ حاكم البحرين الشيخ حمد من السيطرة الكلية لمجلس الوزراء ورئيسه على الوضع العام، فتقاربت الأهدافُ بين المركز الأمريكي المسيطر وبين الشريك البحريني ذي البلد الصغير لكن الذي يمثل بارجة عسكرية جاهزة للأمريكيين وفندقاً ترويحياً للجنود كذلك، عبر القيام بتغيير في الوضع السياسي بما يحقق الرؤية الأمريكية للمنطقة ويجعل الحاكم يسيطر فعلاً على الوضع السياسي الداخلي المنفلت من يده لدى جهتي؛ مجلس الوزراء وقيادة الطائفة الشيعية.
وهكذا فإن الحديث عن مشروع (الإصلاح) لا بد أن يُوضع بين قوسين، فهل هو إصلاح أم إعادة تشكيل سيطرة على البناء الاجتماعي؟
إن الظاهرة تجمعُ بين هذين الجانبين فهناك تغييرات سياسية واقتصادية قادت إلى حراك سياسية وتغيير معيشي، ونمو اقتصادي وحريات، وفي البداية جرت عبر المؤسسة القديمة ثم قامت المؤسسة الجديدة باختراق المؤسسة القديمة وتحجيم دورها المسيطر الكلي السابق.
ويبدو إن صيغة التسوية هذه ليست أمريكية ولكن تعود للرؤية القبلية الارستقراطية المسيطرة في المنطقة بعدم خلق هزات كبيرة في قيادة الدولة، واستمرار الثنائية بين القيادتين القديمة والجديدة، ومن أجل تنفيذ بعض التغييرات التي تعبر بالبلد عنق الزجاجة الذي كادت أن تختنق فيه.
وهو أمر جعل للدولة إرادتين متضادتين، وخلق مجلسين منتخب ومعين، وهو شأن كان غامضاً في البداية حتى اتضحت صورته، المعبرة عن خلق وضع لا يتيح للمذهبية الشيعية السياسية الوصول إلى تصادم كبير وغير مسيطر عليه في السلطة التشريعية، أي بعدم الحاق القوى(اليسارية) بهذه القوة المذهبية السكانية الكبيرة ومن ثم قيامها الموحد بالانقضاض على النظام من خلال هذا المجلس التشريعي الذي سوف يرفع سقف مطالبه السياسية للوصول إلى مطلب الوزارة وما بعدها.
أما خلق مجلسين فهو استمرار في السيطرة على اللعبة الطائفية ومحاصرة القيادة السياسية الشيعية في مربع التغيير الاقتصادي – الاجتماعي الجزئي، غير المرتفع إلى السياسي الجذري، بإعادة تشكيل الدولة حسب أحجام الطائفتين كما يتراءى ذلك لهذا الوعي المذهبي السياسي.
أي عملت الدولة على رسم خط أحمر فوق لوحة التغييرات بأن تبقى ضمن الاقتصادي – الاجتماعي لا تتعداه، بما يتيح تطور الحياة المعيشية، كذلك يتيح هذا ومن جهةٍ أخرى تفكيك (الطائفة المغبونة) المعارضة، وهي المُعبرُ الأكبر في هذا الوقت عن القوى العمالية والشعبية، المتغربة عن وعيها التقدمي، والتابعة للقوى الدينية المتخلفة حالياً.
ولكن القيادة القديمة البحرينية كانت لا تريد لهذا السيناريو أن ينجح لأن هيمنة القيادة السياسية الجديدة على الخريطة العامة، يؤي إلى ذوبانها وانتهاء دورها، ومن هنا دخلت في لعبة تأجيج الأوضاع والاكثار من استيراد العمالة الأجنبية والمساهمة في توسيع التجنيس وتحجيم حضور النقابات وخلق معارك جانبية ضدها، وتأييد التطرف الشيعي من جهة أخرى وتأجيج الصراع الطائفي، بهدف زعزعة موقف القيادة الجديدة.
ومن هنا كان الدور الأمريكي في مساندة القيادة الجديدة، والتغاضي عن هجوم القيادة القديمة على الدور الأمريكي، والذي يتجلى في صرخات بعض الصحف المحلية والتي يتمحور فيها نفوذ تلك القيادة.
لكن الصراع المناطقي الكبير بين أمريكا وإيران يتغلغل في كل الدول في المنطقة، وقد وجدنا القيادة الإيرانية تؤجج الصراعات في مختلف مناطق السيطرة الأمريكية كالعراق أو التي لها نفوذ سياسي كبير فيها كلبنان، ومن هنا نرى الصراعات بين الجماعة السياسية الشيعية البحرينية والنظام لا تهدأ، عبر هذه الخلطة المركبة المتداخلة بين القيادتين القديمة والجديدة وبين المعارضة الداخلية المذهبية، وبين النفوذ الأمريكي عامة.
≣ مشكلات إيران السياسية
من الصعب الوصول إلى استنتاجات كبيرة تجاه الوضع السياسي الحكومي في إيران، نظراً لعدم المعرفة بعلاقة النخب الدينية والسياسية والعسكرية الهائلة الحاكمة بالشعب، ومدى التباين بين النخب الإصلاحية والنخب الشمولية.
فلو تذكرنا صخب الرئيس (الإصلاحي) السابق محمد خاتمي، وكيف لم تسفر عاصفته السياسية عن أي تغيير جدي، ثم جاء رئيس مناقض فيما يبدو كلياً للرئيس السابق، لو وضعنا كل هذه الجوانب المتضادة الغريبة في مسار سياسي متعقل لها، لسوف نجد تخطباً غريباً في الطقم القيادية المهيمنة على القرار، وحيرة سياسية.
فكيف يمكن أن يصوت نفس الجمهور لرئيس متشدد كلياً فيما يُقال بعد أن صوت لرئيس إصلاحي؟
فلا بد أن يكون ثمة نقاط مشتركة بين الرئيسين، ومن غير المعقول أن يكون الشعب الإيراني بمثل هذا التضاد الذي يقترب من الانفصام العقلي!
ففي الواقع أن الشعب الإيراني، بأغلبيته هذه المبهمة الغامضة، التي تتحسسُ طريقـَها في نظامٍ شمولي ديني قوي، يقومُ بمعاقبة الطبقة الحاكمة السياسية بما في يديه من أوراق انتخابية محدودة، تغدو تنفيساً من قبل النظام كما هي عادة (الديمقراطيات) في مجتمعاتنا الإقطاعية، فيقومُ بتوجيهِ ضربةٍ لها، حسب توفر مرشح شعبي له جوانب إيجابية مهمة لدى هذا الشعب.
وهكذا فإن تصعيد نجاد يمثل مثل هذه الضربة للطبقة الحاكمة السياسية، عبر هذه الشعبوية (الهتلرية) التي يمتلكها، وهي تعبرُ عن تصعيدٍ للحسِ القومي المتواري المُجهَّض في الدولةِ المذهبية الشمولية، وتعزيز هذا الحس القومي، عبر تركيز نجاد على ضرب إسرائيل والقنبلة النووية، يهدف من خلاله إلى تقليص مساحة الدولة الشمولية الدينية في امتدادها المناطقي، أي هو يشتغل على الحس القومي وليس على الحس المذهبي، للتخفيف من الدولة الدينية الشمولية التي تمثل لأغلبية الإيرانيين كارثة حضارية، لكن هذا الاشتغال لا يتم مباشرة، حيث إن مراكز السلطة الحقيقية ليست متواجدة في رئاسة الجمهورية.
وهكذا فإن الأسلوب الليبرالي لخاتمي يُستكمل عبر نجاد، ومن خلال تلك الشعبوية القومية المتغطرسة، ذات الشعارية الرنانة دون فعل على الأرض، فتغدو توظيفاً لهذا الشعور القومي أكثر منه تحقيقاً على صعيد تلك الشعارات!
لكن بالتوازي مع هذه الشعارية الصاخبة نجد مرونة وعقلانية في العلاقات السياسية الخارجية، وقد تبدت في مواقف الحوار مع الولايات المتحدة وكانت خطاً أحمر حتى في زمن خاتمي، ثم في الانفتاح على دول الخليج حتى غدت العلاقات الإيرانية – السعودية تحولاً كبيراً في حياة المنطقة.
وهذه السياسة الليبرالية لنجاد سنجدها في توجه حكومته للهدم التدريجي للقطاع العام، وتوسع الخصخصة، وترفيع الفئات البيروقراطية لتلتهم الملكيات العامة وتصبح الطبقة الوسطى الحاكمة تدريجياً بعد زمن، خاصة مع تنامي الصناعات الإيرانية، وضخامة السوق المحلية.
لكن قوى بيروقراطية مدنية وعسكرية، عديدة تعارض هذا النمو الليبرالي السفلي، وإذا حدث مثل هذا التغيير فهو سيتشكل على هيئة عاصفة، لكن الخيار التحولي (الصيني)، وهو خيار إزالة هيمنة القطاع العام على طريقة الصين والذي اختارته سوريا وأقنع رئيس إيران كذلك فيما يبدو، إن هذا الخيار مُعارَض كذلك من قبل حشود الفقراء ومؤسسات الثورة والشهداء شكلاً والمتنفذين مضموناً.
وهذه المعارضة تتجلى في وضع العصي في عجلات السلطة السياسية الجمهورية، سواء تجلى ذلك في تفجير علاقاتها الخارجية، أم في استمرار التشدد الديني ومنع تنامي الحريات.
لقد اختلطت أوراق المحافظين والإصلاحيين، نظراً لتنامي عمليات (الرسملة) في القاع السفلي للنظام، والشكل السياسي – الفقهي الذي اختاره المحافظون كسقفٍ للنظام، يجري اختراقهُ عبر العمليات الموضوعية للتطور الاقتصادي المتسارع، لكن الطبقة الحاكمة بجناحيها الكبيرين، غير قادرة على توحيد مواقفها، والجمع بين المذهبية المحافظة وبين التطورات الاجتماعية المنفلتة، بين المذهب والليبرالية، وبين القطاع العام والقطاع الخاص، بين الانفتاح والانغلاق، بين سياسة وطنية مستقلة وبين التبعية، بين سياسة سلمية وسياسة حربية.
≣ الهجوم مرفوض على إيران
رغم محاولات قادة إيران الجدد وحتى السابقين بالحوار مع حكومة الولايات المتحدة إلا أنها أن هذه الحكومة ترفض إجراء مناقشات، مصعدة المواقف ضد جمهورية إيران الإسلامية ككل.
لماذا لا تقبل أمريكا مبدأ الحوار الذي تجريه مع كوريا الشمالية وسابقاً مع الصين الشيوعية، فــُـتخرجُ إيرانَ وكذلك كوبا من مبدأ الحوار، وكأنهما ليستا من قائمة الدول؟
هنا نجد إن عقلية الثأر البدوية هي التي تتحكم في عقلية الأمريكيين المسيطرين على الحكم، بخلاف الشعب الأمريكي الطيب، الذي يرفض معاملة إيران وكوبا بشكل متطرف ومتجنٍ.
إن هذه المعاملة السيئة الصيت هي نتاج الهزائم المريرة التي مــُنيت بها الإدارات الأمريكية في كوبا وإيران، فنشأت عقدة الثأر، وإستغلال أية مواقف لتبرير سياسة الهجوم هذه.
ومن جهة أخرى فقادة إيران لم يكونوا أقل ثورية وتحطيماً لقيادة أمريكا من فيتنام، ولكن قادة فيتنام عرفوا كيف يضمدون جراح الأسد المهزوم، بعد أن أخذوا أغلب حقوقهم منه، وقاموا بمبادرات ترضية، كمسألة البحث عن الجنود المفقودين ودعوة العائلات الأمريكية للبحث عن أبنائها وغيرها من التكتيكات الفيتنامية الذكية التي جعلت القيادات الأمريكية تتعطش إليها من أجل سد عار الهزيمة ومحوها من الذاكرة الأمريكية!
وكما فعلت القيادة الليبية كذلك من مبادرات دبلوماسية واقتصادية جعلت محاصرة ليبيا وضربها تغدو مسألة بعيدة.
وهكذا فإن عنتريات الرئيس الإيراني بإزالة ربع الخريطة الجغرافية العالمية تغدو مثل كلام الأطفال في الروضات المدرسية، ولا يصح لزعيم دولة مهمة وذات تأثير خطير على رقعة هائلة من آسيا وأوربا، أن يتحدث بمثل هذه اللغة!
إن الشعب الإيراني العظيم لا يحتاج إلى قنابل نووية بل هو بحد ذاته قنبلة تاريخية وثورية في المنطقة!
فشعب يكافح عبر ثلاثة آلاف سنة ويشكل الثورات ويبني النهضات، ولديه مفكروه الكبار ومثقفوه، وشعبه المضحي، لايحتاج إلى قنابل نووية، بل يحتاج إلى الحريات لكي يفجر طاقاته.
ومن جهة أخرى فإن دولاً عديدة انضمت إلى النادي النووي بدون هذه الاستعدادات العسكرية، وخطط الثأر الأمريكية تجاهها، كالهند والصين وباكستان، ولم تفعل هذه القنابل أي شيء سوى أن رقدت في المخازن.
ولم تقم الإدارات الأمريكية المتعاقبة بمثل هذه الزفة المسلحة، إلا أن الخلفيات الصراعية الأمريكية – الإيرانية، ووجود تعنت أمريكي صرف وصلف تجاه إيران مشهده الأساسي يكمن في إذلال حصار السفارة الأمريكية، عطل وحطم رؤساء معتدلين كرفسنجاني وخاتمي، حاولوا أن يأسسوا علاقات جديدة غير أن الأمريكيين الحكوميين رفضوا ذلك.
ويبدو إن الحجج المستمرة للتواجد في الخليج هي من الأسباب الأخرى التي تصعد مثل هذا التعنت، فهناك مصالح شركات كبرى يهمها السيطرة على نفط الخليج، وكذلك فإن السياسة الإسرائيلية عامل آخر في تأجيج العداء الأمريكي لطهران.
فهذه الدولة العداونية لها قوانين خاصة غير الأمم الأخرى وغير ميثاق الأمم المتحدة فتستطيع أن تكون بلا حدود رسمية وتستطيع أن تحتل البلدان الأخرى وتهاجمها، بدون أي عقوبات وهي تريد خريطة خاصة للمشرق على مقاس مصالحها!
ولهذا تتحول تصريحات الرئيس نجاد كأنها تنفيس عن غضب عارم في المنطقة على مثل هذا التحيز الأسطوري!
لا بد من سياسة مرنة ومنفتحة مع إيران تشجع الفئات الوسطى على النمو وتنشر الحداثة وهو أمرٌ سوف يتشكل ولكنه يحتاج لوقتٍ موضوعي، هو غير الوقت الذاتي للحكومة الأمريكية التي لديها وقتها الذاتي الخاص لتبديل الأنظمة!
≣ المحور الإيراني – السوري يتوسع
يختلف المحور الإيراني – السوري في معاداته للغرب عن طرح نموذج تحرري نهضوي، عن مثيله السابق الوجه القومي الناصري الذي قام بتغيير واسع في المنطقة وبناها الداخلية.
ورغم إن كلا التوجهين الناصري السابق، والإيراني – السوري المشترك، يتفقان في سيطرة الملكية العامة البيروقراطية على الحياة الاقتصادية، ومعاداة الغرب، إلا أنه تغلب المحافظة اليمينية المذهبية على المحور الأخير، وعدم قدرته على الانفتاح الداخلي على جمهور نظامه، وتكوين شمولية على أساس طائفي، واستمرار النظام في زمن تحولات ديمقراطية عالمية عاصفة، ووجود شعبين متحرقين للحرية ولهما تراث نضالي كبير، كل هذه العوامل تدفع النظامين لتصدير الأزمة إلى الخارج.
وإذا كانت الدول المحافظة في السابق قد قامت بمقاومة الناصرية والتحررية العربية عامةً عبر التنظيمات الطائفية المتشددة وتصديرها للخارج، وهي التي تسببت في إشعال حروب أهلية في الجزائر ومصر والسودان، فإن المحور الإيراني – السوري يقوم بتصدير طائفية مختلفة، ومركزاً على شماعة فلسطين من أجل أبعاد الأنظار عن أزمتي النظامين الداخلية وطريقيهما المسدودين.
ويترافق التطرفان الصهيوني والطائفي في تأزيم المنطقة وتفجيرها.
إن تصدير الأزمة للخارج يستهدف عدم متابعة قضايا الديمقراطية في الداخل لكل من البلدين، ولعدم تكوين ضغط عليهما للإفراج عن شعبيهما، ولكي يستمر البرنامج العسكري لكلا النظامين تحت حجة العدو.
وكان بالإمكان إذا كان القصد دعم نضال الشعب الفلسطيني دعم سلطته الوطنية وترسيخ مشروعاتها الاقتصادية بحيث يكون لهذه السلطة قوة متنامية تغير موازين القوى المختل مستقبلاً، ولكن النظامين لا يريدان أن تنتهي شماعة فلسطين، واستغلا منظمة حماس من أجل تأزيم الأوضاع وتفجيرها بحيث يتوقف حل الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وقد ساعدتهما في ذلك القوى الصهيونية الحاكمة كالعادة التي لا تريد هي الأخرى أن تحيل المؤسسة العسكرية المهيمنة بشكل شامل لديها إلى الانسحاب من الحياة المدنية.
وهكذا فإن الحريق ينتقل من بلد إلى بلد آخر، وتـُزج شعوب جديدة في لهيب الصراع فتخسر منشآتها وبشرها نظراً لأن قوى الإقطاع السياسية والطائفية في المنطقة لا تريد الالتحاق بقطار البشرية الديمقراطي.
لقد انعكس دور المحور الإيراني – السوري في العراق بشكل لم يبق شيئاً في هذا البلد سليماً. وهنا نجد البلدان المتدخلان يقومان بسياسة طائفية مختلفة، فكل منهما يكرس طائفة سياسية متطرفة مغايرة للأخرى، هذا عبر السيارات المجنونة المفخخة والاغتيالات والسماح للقاعدة بالعمل الواسع والآخر عبر المليشيا الإرهابية، والضحايا هم أبناء الشعب العراقي. وما يتفقان عليه هو إضعاف السلطة العراقية الجديدة بكل الطرق، وجعل الأرض العراقية مقسمة وملحقة بحدودهما.
والآن يأتي دور الخليج العربي كمحطة يتوجه إليها الصراع، وهنا يتفرد النظام الإيراني بالدور الرئيسي، ويتم جر شعوب الخليج المسالمة إلى هذه الدوامة فقط بسبب موقعها الجغرافي الذي جعلها جار لإيران.
≣ العواصم الإيرانية والخليج
تبدلت العواصم الإيرانية على مر التاريخ، فقد كانت عواصم القبائل الإيرانية في مناطق نائية عن الخليج، حين كانت الحضارات تتشكل في وادي الرافدين بدءً من السومريين، لكن ثروة وادي الرافدين الهائلة، اجتذبت هذه القبائل، فأقامت مدناً في محاذاة هذا الوادي الخصب.
وإذا كانت الجبال الوعرة تغطي معظم الحدود بين العراق وإيران فإن المنطقة الجنوبية الملاصقة للخليج هي سهل فسيح مشترك بين البلدين. وهذا السهلُ الفسيحُ غدا هو مدار الصراع بين القبائل الإيرانية المختلفة وبين الدول الرافدية المتعددة المتنامية عبر التاريخ.
وقد كانت القبائل الإيرانية ضعيفة تابعة لوادي الرافدين، تستفيد من إنجازاته الحضارية الكبيرة، خاصة مع تضخم الدول العراقية، وتبدلها من طبيعة مسالمة كما هو الحال لدى السومريين إلى تحولها إلى دول مفترسة كما هو شأن الدولة (الاشورية ) التي توسعت بشكل دموي في جميع أنحاء المنطقة.
ولكن القبائل الإيرانية لم تبق ضعيفةً، فقد توحدت وتحولت هي الأخرى إلى أمبراطوريات تلتهم المدن الأخرى الثرية والأودية الخصبة.
لقد كانت الحضارات لا تتبادل الخبرة الحضارية المفيدة بل كذلك أدوات القتال وأشكال الغزو والتوسع!
وفي حين كان معظم إيران جبال ومناطق محلية، فإن المنطقة الخصبة الكبرى كانت متاخمة لقومية أخرى متنامية هي قومية العرب التي انتقلت تدريجياً من صحاريها الجافة إلى المناطق الخصبة في سوريا ومصر والعراق.
لقد كان الصراعُ كبيراً بين الجانبين، وقد نقلت إيران الأمبراطورية عاصمتها من المناطق البرية والجبلية إلى العراق، في (المدائن). فغدت كائناً سياسياً في الشرق الأوسط بشكل أكبر من الشرق الأقصى. ومن هنا كان صراعها المستمر مع الرومان.
لكن القبائل السامية وجدت في العرب أقوى قوة موحِّدة، أزالت الفرس من المدائن، بل أزالت الدولة الفارسية نفسها.
لكن (القومية) الفارسية راحت تنمو عبر الإسلام، وبدأت أشكال الدول الفارسية الجنينية تتشكل من الجزر العسكرية الإسماعيلية في الجبال، إلى الدويلات المستقلة، فظهرت (الري) عاصمةً في الشمال الإيراني مبتعدةً عن الثقل العربي والعاصمة العربية القاهرة.
وساهمت الري في إيجاد عاصمة إيران الحديثة وهي طهران.
إن هذا الابتعاد للعاصمة الإيرانية عن منطقة الصراع في الخليج، كان قبل ظهور الثروة النفطية، وحين بدأت الثروة النفطية في التفجر خاصةً حول الخليج، أخذت المناطق الحضارية القديمة الإيرانية باستعادة أهميتها.
لقد أخذ الاقتصاد الإيراني يعيشُ بفضل المناطق العربية حول الخليج. لكن الصراع هذه المرة اتخذ طابعاً دينياً مذهبياً وكذلك طابعاً قومياً. فأقليم إنتاج الثروة هو إقليم عربي، ولكنه متوافق مذهبياً مع الفضاء الإيراني، ويجري العكس في مناطق أخرى في العراق.
استعاد الصراع القديم نفسه بأشكال أخرى، وغدت المنطقة الخصبة الرسوبية ذات امتدادت نفطية، فاقتربت إيران سياسياً من منطقة الشرق الأوسط، وتركت فضاءها الشمالي، وبنفس أسلوب التدخل الإمبراطوري القديم ولكن بوسائل أخرى.
ولكن المنطقة تشهد كذلك صراعاً مناطقياً ضارياً عالمياً، فتداخلت الصراعات حول الثروات بشكل ضارٍ !
≣ مخاطر السياسة الإيرانية على بلدنا
ليست السياسة الإيرانية المقصودة هنا هي أي سياسة إيرانية، بل هي السياسة الحاكمة، سياسة القوى المسيطرة على الدولة، والتي لم تعد مقبولة من قبل الجمهور، لكن هذا الجمهور عاجز عن إنتاج سياسة معارضة ديمقراطية.
ولو كانت هذه السياسة الحكومية دينية محافظة لما كان الكلام هنا عن (مخاطر)، ولو كانت هذه سياسة للمذهب الإثنا عشري لما كان الحديث بهذا السياق، ولكن هذه السياسة تمضي في باب (المغامرة)، والمغامرة هنا في سياق أكثر خطورة عبر الدخول في عالم السلاح النووي مع وجود غابة من الصواريخ لدى الجيش الإيراني.
إن الحديث عن (المغامرة) الذي جرى في الساحة اللبنانية ولدّ الكثير من الكوارث لذلك البلد، والمغامرات في الساحة العراقية ولدت الكثير من الكوارث كذلك..
من هذا التخوف من المغامرات يتولد تفكيري في الشأن المحلي.
لا يستطيع أحدٌ مهما كان مخلصاً في ولائه لإيران أن يقول بأن السياسة الإيرانية الرسمية الحاكمة اليوم تتمتع بالحكمة!
فهي لديها شهية قوية إلى المغامرات وإثبات الوجود واستعراض العضلات، بدلاً من أن تستدير إلى شعبها وتقوم بإجراء تغييرات ديمقراطية في حياته، وما كان من إبعاد رفسنجاني وخاتمي سوى دليل على أن الهيئات العسكرية والأمنية قد تولت كلَ مفاتيح السلطة، وهي ترفض أن تتنازل للقوى المدنية. وترفض أن تلغي الميزانيات الهائلة للعسكرة ولجيوبها، وهي مستعدة لأدخال المنطقة في تلك (المغامرات)، وقد رأينا طعم هذه المغامرة على الساحة اللبنانية.
وهذه السيطرة للقوى العسكرية العليا ما كان بالإمكان تشكيلها لولا صعود وسيطرة الوعي المذهبي اليميني، الذي أستغل تضحيات الفقراء لكي يؤسس سلطته ويصعد قواه الاستغلالية لتتمكن من فرض هيمنتها على هذا الجمهور الجائع للخبز والمساكن والحرية، وهو لا يجد نفسه قادراً على إعادة النظر في استعلائه الفرعوني، متذكراً هنا الراحل (علي شريعتي ) وهو يرثي العمال المصريين وهم يبنون الأهرامات، التي هي من حجر، والآن يقوم الضباط الكبار الإيرانيون ببناء أهرامات من السلاح ومحطات الرعب النووي دون أن يعلو صوت مضاد يرثي الناس والميزانيات المهدورة!
إن الأثنا عشرية التي كانت صوتاً للفقراء والمضطهدين عبر التاريخ تمكنت النخبُ العسكرية والبيروقراطية من شل فاعليتها الكفاحية، وقمع نضالها العقلي باتجاه العقلانية، والديمقراطية، وهو أمر يحتاج إلى عقود من البحث والتأصيل والحوار والنضال من أجل حياة كريمة للعاملين في ظل نظام ديمقراطي فما بالك بمجتمع تصاعدت فيه قوى الجيش والمخابرات ..
وبغياب هذا الإنتاج العقلاني، والجو المنفتح، صدرت السياسة الحاكمة هذا النموذج إلى بلدان أخرى، مثل سوريا ولبنان والعراق والسودان والبحرين والجزيرة العربية عموماً.
إن انسداد أبواب التحول الديمقراطي الداخلي يدفع الطبقة الحاكمة الإيرانية إلى المواجهات الخارجية والصرف على الأحزاب والمؤتمرات، بشكلٍ يذكرنا بحضارات نضالية توقفت عن التطور الداخلي والأصغاء لشوارعها الشعبية!
إذا كانت مخاطر السياسة الإيرانية قد توضحت بشكل كارثي ومأساوي في لبنان الشقيق المدمر، مع بـُعد المسافة ومحدودية المخاطر النفطية في لبنان، وقلة صواريخ حزب الله، مقارنة مع الترسانة العسكرية الإيرانية، فماذا سنقول عن منطقتنا وبلداننا؟
وتوجه إيران إلى الامتداد الخارجي من أحد أسبابه جمود المذاهب الإسلامية عن استيعاب الديمقراطية الحديثة، وكان صراع القوميتين العربية والفارسية خلال الحقبة العباسية، قد تجلى في تبلور صراع الإماميات والمذاهب السنية، حيث نحت الأولى إلى النمو في الفضاء الإيراني، في حين نمت الأخرى في الفضاء العربي وفي القوميات الأخرى وراء إيران.
وإذ عبرت الإسماعيلية عن التطرف في المجال الشيعي، عبرت الحنبلية السياسية عن التطرف في الجانب السني، لكن المذاهب المعتدلة السنية والشيعية لم تستطع أن تبلور خطاً ديمقراطياً بسبب عدم تبلور القوميتين العربية والفارسية بسبب عوامل موضوعية عديدة.
وما زالت القوميات غير المبلورة بنظام حديث تبحث عن تجلياتها السياسية والفكرية. فامتدت القومية الفارسية في الجانب العربي ووقعت شعوب عربية وطوائف سنية تحت الحكم الإيراني، وجاء الصراع في العراق الراهن نموذجاً على الأزدواجيات الحادة وأهمية ثقافة نهضوية ديمقراطية توحيدية.
إن الشيعة العربية لم تستطع أن تنمو خارج العباءة الإيرانية، وراحت في السنوات الأخيرة تبحث عن تميزها، دون أن يـُترجم ذلك في استقلال فكري قومي، لكنه حبا في اختلافات فقهية وسياسية، كتوجه مرجعيات شيعية عراقية إلى رفض ولاية الفقيه. في حين عبرت ولاية الفقيه عن النموذج الإيراني الحكومي وتصديره إلى الخارج.
وسبب ضعف التوجه الديمقراطي الشيعي في العراق شمولية نظام صدام وقمعه. ومازالت التوجهات السنية غير قادرة على طرح مشروع سياسي ديمقراطي تجذب الأثنيات الأخرى تحت لوائها، فالمذاهب السنية هي تشكيلات العروبة الأساسية.
ومن هنا فإن التوسع الإيراني في العراق كان أقوى من التوجهات الديمقراطية الصغيرة والمحدودة، بخلاف لبنان الذي تمكنت القوى اللبنانية الديمقراطية من التوسع فيه، وتحجيم النفوذ الإيراني ولكنها لم تستطع أن تمنع النفوذ الإيراني من التلاعب بمصير لبنان بشكل كارثي.
وهذا ينطبق على التوجهات المذهبية السنية كذلك، التي غدت أدوات للدول الشمولية، ولم تستطع أن تنتج تجربة ديمقراطية، لضخامة الموروث الاستبدادي داخلها، والذي يحتاج للكثير من المعالجات الفكرية والفقهية والسياسية.
وهكذا فإن التوجهات المذهبية السياسية الشيعية والسنية تمثل مجالاً للأصطدام المستمر وللتدخلات الأجنبية. وكلما ضعفت عمليات الديمقراطية و(العدالة) وتضاءلت أجهزة الدول كلما كان الخطر أكبر والخطر على السكان أشد. فحجم الكوارث في لبنان والعراق تناسب طردياً مع ذلك.
لكن الخطر الإيراني أكبر بسبب القرب الجغرافي وبسب التواجد الأمريكي، الذي يغدو سبباً للتحدي وأداة لتحجيم المغامرة الإيرانية في الخليج أيضاً وتمثل السياسة الأمريكية الراهنة عموماً غياب المقاربة الديمقراطية لفهم المسلمين والتطلع للأسواق.
ولا شك أن التوجهات الديمقراطية العلمانية العربية لا تستطيع أن تكون بديلاً للقوى الطائفية بسبب التخلف الديمقراطي، كما أن مشروعات الدول لتوزيع الفائض الاقتصادي على السكان مُعرقــَّلة بسبب الهيئات البيروقراطية الملتهمة للخيرات العامة في الجيوب، ولهذا كلما ركزت القوى السياسية على هذا التوزيع العادل بين السكان قلت مخاطر التبعية للخارج والحلم بالمنقذ الأجنبي.
إذا كانت المواجهة بين التيارات المذهبية السياسية تنمو دون أن تحقق أي تعاون مهم، فإن تواجدها في البرلمان القادم أما أن يكون مفيداً أو مضراً.
ولن تكون الفائدة متحققة دون تعاون وفهم مشترك، فأما أن تعبر هذه القوى عن نوابض أجنبية أو غير شعبية وأما أن تكون جزءاً من الوعي الشعبي الهادف إلى إصلاحات وتغيرات في وضع الجمهور البحريني الواسع الفقر.
لقد رأينا القوى المتطرفة المذهبية تنزاح تدريجياً عن القوس الشعبي الوطني المتكون، والعامل من أجل تغييرات في وضع الناس. لكن هذا الانزياح ليس شاملاً، فما زالت القوى الأجنبية والمكتسح نفوذها توظفها من أجل تشويش الساحة وعرقلة النمو الديمقراطي.
وهكذا ستواجه القوى المذهبية السياسية في المجلس القادم مشكلات ومهمات مركبة ومعقدة، على صعيد السياسة الداخلية وعلى صعيد السياسة الخارجية.
وإذا كانت القوى المتضررة سوف تسعى إلى حرف الإصلاح عن التحول الاقتصادي وعن تفكيك ملكية الدولة الشمولية وعن توزيع الدخول بعدالة بين فئات السكان والمناطق، فإن الصراع الإقليمي سوف يتوغل في هذه المشكلات الداخلية وقد يفجر العلاقات بين القوى السياسية.
ولا شك إن النفوذ الإيراني سوف يستخدم كافة الساحات من أجل تأكيد وجوده وزعزعة السياسات العالمية المتوجهة لمحاصرته والتقليل من مخاطر الأسلحة لديه.
ومن هنا فهل ستكون الجماعات المذهبية السياسية بمنأى عن هذه التدخلات والتأثيرات؟ وكيف ستكون مواقفها؟
إن البرلمان القادم سيكون في وضع لا يُحسد عليه من حيث تفاقم شتى الصراعات في المنطقة، خاصة:
تصاعد الحرب الأهلية في العراق، وأنفجار حرب أهلية جديدة في لبنان وصراع متلهب مع إسرائيل، وصعود تنظيم القاعدة والتطرف الخاص به، والأخطر وصول الملف النووي الإيراني في العام القادم إلى مرحلة الحسم العسكري.
وفي هذا الغليان نجد بطء التحولات الاقتصادية في البلد وتدفق العمالة الأجنبية ومشاكلها وتزايد التباين بين الفقر والغنى الخ..
فهذا يتطلب وحدة كبيرة بين التيارات السياسية المؤثرة في البرلمان وليس تشاحنها وتحويلها الإصلاح إلى صراع فقهي ومذهبي.
وبطبيعة الحال فإن التأثيرات والتدخلات الأجنبية سوف تتفاقم بل أن خطر الموقف العسكري الملتهب سيكون وارداً . .
أي أنه كلما وصلت القوى السياسية إلى تعاون في الطوفان السياسي الأقليمي والعالمي القادم ربما تجنبت بعض المخاطر..
لهذا يغدو وجود برلمان هو صمام أمان وأداة تلاحم وتغيير وداعية سلام نشط في المنطقة هو المطلوب وليس العكس..
ومن هنا كذلك كلما ابتعد البرلمان القادم عن المسائل المذهبية وركز على القضايا الوطنية المشتركة، خاصة قضايا الإصلاح الاقتصادي وتغيير وضع الفقراء والعمال البحرينيين والحد من تدفق العمالة الأجنبية والفساد كلما تبلورت وحدة وطنية أكبر وسار الزورق البحريني في العاصفة الخليجية بأمان.
≣ المحور الإيراني – السوري
لا نعرف على أي أساس يتشكل هذا المحور الإيراني – السوري ولماذا لا يستطيع أن يضم بقية الدول العربية والإسلامية إذا كان يقوم على أساس المصلحة القومية والدينية المشتركة بين العرب والمسلمين؟!.
هناك مجابهة للنظامين مع المجتمع الدولي على أساس واهٍ، فإيران تريد أن تمتلك أسلحة نووية، وسوريا تريد أن تتدخل في لبنان وتهيمن عليه!
وكلا القضيتين تعبران عن أن السلطتين الشموليتين في إيران وسوريا ترفضان الحوار مع شعبيهما بالدرجة الأولى.
إن أي سلطة الآن في المشرق العربي الإسلامي على سبيل الحصر، تقبل بالحوار مع شعبها، سواء من عُمان إلى اليمن مروراً بالبحرين ولبنان الخ.. إن كافة هذه الأنظمة (التقليدية) قبلت بالحوار مع شعوبها وبتشكيل سلطات منتخبة وبفتح مجال حرية التعبير والتجمع، ولكن النظامين في إيران وسوريا يرفضان مثل هذه الحريات!
أنتما تقولان بأنكما نظامان ثوريان وإسلاميان وقوميان وفي منتهى العدالة الخ وهذا قد يكون شيئاً صحيحاً وعظيماً، ولكن لم تخافان من شعبيكما إذا كنتما على هذه الدرجة من المثالية والتفوق السياسي، ولماذا يقوم البوليس بإدارة الحكم ؟!
ثم أن الوقوف المعاند والمتصلب في قضايا خارجية مثل امتلاك الأسلحة النووية أو التدخل في لبنان، لا يشكل مقياساً تاريخياً وكبيراً إذا قسناه بحرية الشعبين الإيراني والسوري وحرياتهما وتقدمهما، فهؤلاء الغربيون والجهات الدولية لا تطالبكما بتغيير أجور العمال وزيادتها أو بتوسيع المشاركة السياسية لشعبيكما، مثل بقية الشعوب في العالم أو في منطقتكم الأقل تطوراً في هذا المجال، ولكنهم يطالبونكما بعدم الاقتراب من امتلاك الأسلحة النووية، ومن ضرورة الكشف عن قتلة الحريري، وهذه قضايا لا تمس نظامكما الداخلي من قريب أو بعيد، كما يفترض المنطق المعقول!
فلماذا هذا التشدد والتصعيد، وهو أمر لو كان موجهاً لقادة النظام، بشكل شخصي، ولو كانوا رعاة بقر في الصحارى الفارغة، لقلنا هذه حسابات تتم تسويتها بدون الأضرار بالسكان الأبرياء، ولكنكم كقادةٍ ومسئولين عن هذه السياسة، موجودون بين الملايين من البشر سواء من شعبيكما أو من الدول المحيطة بكما، والتي لا ناقة ولا جمل لها في مثل هذا الصراع، وأنتم تجرون كل هذه الملايين إلى الخراب والموت برفضكما الامتثال للقانون!
إذا كانت لكم ثورية وإسلامية وغيرها من هذه الاصطلاحات فلم لا تكونوا أكثر إنصاتاً لشعبيكما وعدم الخوف من أصواته واعتراضاته ولماذا تحولون مأزق نظاميكما إلى معركة في المنطقة وتريدون جرها إلى الحروب والكوارث والعقوبات والاختناقات ؟
ولماذا هذا المحور ولماذا لا تشكلان تعاوناً لا محدوداً مع الدول الديمقراطية كالهند وتستفيدان من تجربتها الديمقراطية، والإنسانية الكبيرة، أو مع تجربة تركيا التي تقوم بالجمع بين الديمقراطية والعلمانية والإسلام والتقدم ؟
بل أن كلمة المحور تشير إلى معنى خطر في السياسة الدولية، والمحورية تعني الخروج عن الإجماع الدولي وتكوين تجمع خارج القانون، وما أحرى الدولتين العزيزتين الغاليتين على الأمة العربية والأمم الإسلامية قاطبةً، بتجنب هذا المنزلق، والرأفة بشعبيهما اللذين تعذبا كثيراً خلال العقود الأخيرة.
فلا داعي للتطرف والمكابرة وإدخال الشعوب في امتحانات خطيرة وحادة، ولابد من سلوك المسلك العقلاني الرزين ورفض سياسة حافة الهاوية، فهي تقود في النهاية إلى السقوط في الهاوية وتفجير الحروب بجمل يقولها مسئول عديم التبصر لكنه يجر الكوارث على أمة بأسرها، ويعرض النساء والأطفال والبشر جميعاً للقتل والحرمان.
≣ مشكلة السلطة المزدوجة في إيران
يتضح يوماً بعد يوم مشكلة ازدواجية السلطة الحاكمة في إيران ، فهي سلطة دينية وحديثة معاً ، تابعة لرجال الدين يشاركهم مثـقفو المجتمع المدني ، دون أن يتمكن أحدٌ من الفريقين من السيادة الكاملة على النظام.
تسود فكرة أساسية لدى المهيمنين على السلطة في إيران جميعاً ، وهي ضرورة أن تكون الدولة دينية. وهذه الفكرة تقود الجميع إلى الصراع العميق والمرير ، فكل من الفريقين يقول إن لديه الدين الصحيح ، وهي فكرة لم يستطع البشر حسمها على مدى أربعة آلاف سنة ، وحاول المسلمون على مدى أكثر من ألف سنة أن يحسموا ذلك دون أن يتوصلوا إلى قاسم مشترك ، وظلت الصراعات الاجتماعية والسياسية تدور كلها بأسم الدين.
وفي الواقع إنه لا يوجد حل لهذه القضية سوى أن تصبح الدولة لا دينية ولا أيديولوجية ، وأن تصبح جهازاً سياسياً لجميع الفرقاء الاجتماعيين.وهذه الفكرة تعني إبعاد الدين عن السياسة.
بطبيعة الحال تقود هذه الفكرة ، أي أن تكون الدولة الإيرانية علمانية ، إلى مشكلات وقضايا سياسية واجتماعية معقدة ، فالدولة تقوم على سيطرة مذهب ديني معين ، وهو يمثـل القومية الغالبة في المجتمع، وأي تراجع عن هذه الفكرة قد يقود إلى انفصال القوميات الأخرى.
كذلك فإن الدولة الإيرانية أقيمت منذ أن انتصر الصفويون على المذهب الأثني عشري ، الذي كان راية المقاومة الوطنية في تحرير إيران من الغزاة المغول وغيرهم ، ومنذ شاه إيران الأخير حاولت الدولة أن تكون شبه علمانية ، عبر التخفيف من المذهبية ، إلا أن دكتاتورية سلطة الشاه الدموية وتبعيته للاستعمار الأمريكي ، جعل من تلك العلمانية شكلاً مشبوهاً عند أقسام من الشعب الإيراني البسيط ، ولكن هذه العلمانية تصاعدت بقوة في السنوات الأخيرة حين أصبح الحكم الدين الشمولي ، مشكلة في تطور إيران السياسي والاجتماعي.
وحتى الآن فإن العلمانيين الإيرانيين لم يطرحوا فكرتهم بصورة ناضجة ، وبحيث تكون مقبولة لأكثر الأوساط ، فالعلمانية تطرح لديهم كمحاربة للإسلام ، وربما أيضاً كعداء للعرب وتراثهم [المتخلف!]، وغالباً ما يُؤخذ الإسلام كنقيض للحضارة والتمدن الغربي ، ولهذا نجد إن الليبراليين الإيرانيين [حركة مصدق] هي القوة المناوئة الآن للحكم الديني ، فتظهر قوتان سياسيتان متعاديتان بشكل كلي ، الدولة الدينية والمجتمع الليبرالي العلماني اللاديني.
وقد ظهرت الحركة الأخيرة كرد فعل حاد على ممارسات الدينيين ، ولكنها لم تفهم الإسلام بصورة موضوعية ، فالعلمانية ليست عداءً للأديان ، فالأديان تراث مشترك للمجتمعات ، والإسلام لا يخص طرف دون آخر ، بل هو تراث نضالي وجذور وطنية مشتركة ، ولهذا فإن احتكاره أو التحدث باسمه من خلال طرف مطلق يقود إلى مثل هذه الأزمة العميقة التي يعانيها المجتمع الإيراني.
إن بعض الأحزاب اللاديمقراطية تقوم لتمويه دكتاتوريتها السياسية بتصوير نفسها متحدثة باسم الإسلام ، مما يقود أطرافٌ أخرى إلى رفض الإسلام ، وهكذا تصير المعركة السياسية معركة لاهوتية ودينية.
إيران تتقدم الآن إلى مثـل هذه المعركة ، دون أن تظهر قوة فكرية وسياسية معتدلة واسعة تقدم القسمات الأساسية الضرورية في هذه المرحلة وهي قسمات الديمقراطية والعدل الاجتماعي والتحديث والعلمانية والوحدة السياسية للمجتمع ، معاً.
إن هذه القسمات تستند إلى الإرث النضالي للمسلمين بعدالة توزيع [الفيء] ، أي بضرورة سيطرة الناس على المال العام وملكية الدولة ، وبالتعددية وحرية التجارة والصناعة الخ.. ، وبفصل الدين عن توظيفات الأحزاب ، واعتباره ملكاً عاماً للأمة ، والحفاظ على وحدة الدولة وتعاضد الأمم الإسلامية.
مثل بقية الأمم العربية فإن الشعب الإيراني لم يصل إلى الصيغة العصرية للإسلام ، والأمر ليس فكرياً فحسب ، بل يتطلب دخول الناس إلى الاقتصاد الحديث بصورة واسعة ، وبشكل يحافظ على حقوق الأكثرية ، كذلك فإن تحويل رجال الدين إلى مستثمرين عاديين في الاقتصاد ، وفتح المجال لهم في الأشكال العصرية من الإنتاج ، والحوار معهم حول التراث الإسلامي العميق والواسع والتعددي ، يخفف من هذه الغلواء الدينية ، ويفتح السبل لتعاون أغلبية الإيرانيين من أجل تطور بلادهم بصورة خلاقة ، بدلاً من استغلال صراعاتهم من قبل أمريكا والنفاذ إلى نسيج المجتمع الإيراني والتحكم به ثانية.
≣ هتلر إيراني
تعود أزمة النظام الإيراني الديني الشمولي إلى زمن الشاه الذي عجز عن إنتاج ثورة بيضاء حقيقية، أي ثورة برجوازية ديمقراطية، ووضع أساس الوجود الكبير رأسمالية الدولة بمؤسساتها العسكرية والاقتصادية الكبيرة، وعوضاً عن ذلك قام بإصلاحات اقتصادية محدودة في توزيع الأرض الزراعية، وحرية المرأة. وعجز الشعب الإيراني في ثورته الوطنية التحريرية التي قادها الإمام الخميني عن إدراك خطورة تصاعد نفوذ المحافظين الدينيين ممثلي الإقطاع، الذين طوروا رأسمالية الدولة الكبيرة الشاهنشاهية لكن لتبقى تحت سيطرتهم المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية موسعين فيها ومتجهين بها للجانب الاجتماعي، عبر الصرف على عدة ملايين من الفقراء التابعين لهذه المؤسسات الاجتماعية والدينية «المعوقين، أسر الشهداء ضحايا الحروب الخ»، ليكونوا قواعدهم السياسية الأمنية وسط البحر الشعبي، وأداتهم القمعية ضد خصومهم المتعددين، والذين يطالبون بتغيير النظام الشمولي.
وقد لعب الإقطاع المذهبي في الاثني عشرية دوره على مر التاريخ لنزع الطابع العقلاني والثوري عن هذا المذهب المناضل خلال التاريخ الطويل، وتوجيهه صوب الغيب والصوفية الإشراقية، والاحتفالية المظهرية بدلاً من الغوص في تضحيات الأئمة العظام ونضالهم لتغيير حياة الجمهور المعيشية والاجتماعية.
وهكذا تواجهت في سنوات النظام اسئلة ونضال الجمهور لتغيير وضعه عبر إحداث الإصلاح الزراعي، أبسط الإجراءات في ثورة ديمقراطية، إضافة إلى المطالبة بديمقراطية سياسية وفكرية، لكن الإقطاع الديني الحاكم رفض الإجراءات التحولية كافة، زاعماً أنها ضد الدين والمذهب، مع أن سيرة الإمام علي بن أبى طالب تشهد على خلق التحولات على الأصعدة كافة، خاصةٍ فيما يتعلق بدعم القطاع العام الزراعي «ذي الملكية العامة» الذي تأسس في عهد أمير المؤمنين عمر وواصله الإمام علي مع التوسع في دعم الفلاحين والعاملين، ونضاله ضد دكتاتورية السلطة والفساد فيها خاصةٍ أيام الخليفة الراشدي عثمان وفي عهده كذلك وحتى لو كان الفاسدون من خيرة اقربائه الخ..
لقد اعتمد الإقطاع الديني المستولي على الملكية العامة في العهد الجمهوري الإيراني ملكية الدولة على عكس توجهات الإمام علي كأداة ضد النضالات الشعبية، وكأساس اقتصادي للشمولية السياسية وتركز السلطة في يد المرشد وجماعته من مجموعة صيانة الدستور من كل نفس ديمقراطي.
لقد كان الاعتماد على الجمهور الريفي في الثورة ضد الشاه كبيراً واستمر ذلك الاعتماد بسبب العقلية الريفية البسيطة، والتي تجذبها الشعارات الدينية المحافظة، والتي تقوم الحكومة المركزية يتنفيذ بعض الإصلاحات الصغيرة لها كشق الطرق وبناء المدارس مع إدامة حياتها العائدة للعصور الوسطى، والحفاظ على الأشكال العبادية المظهرية، لكي تكرس الوحدة الموهومة للأمة الإيرانية، التي لا تعترف بصراع الطبقات، والتي تنظر للحداثة كفساد وانحلال أخلاقي، في حين أنها تعمل في الارض العائدة للاقطاعيين وموظفي الدولة الكبار بشروط اقتصادية لا تختلف عن زمن الشاه.
وقد رفض مجلس صيانة الدستور مطلباً للخميني بتوزيع الأرض زاعماً هذا المجلس أن الملكية الخاصة مقدسة وأن أحداً من الأئمة لم يقم بنزع ملكية في عملية تمويه اجتماعية ورفض للمضمون الحقيقى للاثنى عشرية.
أما الإصلاحيون المزعومون الذين أعطاهم الجمهور فرصة تاريخية لكي يحققوا شيئاً فقد اعتمدوا على الأسس الفكرية نفسها للإقطاع في فهم الاثني عشرية والإسلام، أي عدم الرجوع لأفكار الإمام علي، وإبقاء سيطرة الإقطاعيين على الأرض وعلى الدولة وأملاكها الحديثة، التي تمطهرت بشكل فساد وسرقة للأموال العامة.
فهؤلاء الإصلاحيون كان الإصلاح بالنسبة اليهم بعض الأفكار الحديثة يكتبونها في الصحف، وكذلك السماح للموسيقى، وبعض الحريات الفكرية، أما حياة الملايين الناقعين في الفقر والاستغلال وفي الملكيات الزراعية الشاسعة وتحت قطاع عام فاسد فهذه كلها خارج الأصلاح!
إن سيطرة الإقطاع الديني على ملكية الدولة الإيرانية أعطاه قوة اقتصادية وسياسية هائلة، إضافة لقوته التاريخية بالسيطرة علي الجمهور خلال قرون، في حين كانت القوى الرأسمالية المنتجة عادة للخطاب الديمقراطى تابعة من الناحية الاقتصادية العامة لهذا الإقطاع، فتجسد ذلك سياسياً بضعف الجبهة الوطنية العائدة للزعيم السابق مصدق، وهي قوى تعتمد أساساً على فكر ليبرالي مستورد، وليس على أساس قراءة الخبرة التاريخية للبرجوزايات الغربية في مرحلة النضال ضد الإقطاع خاصة، والقراءة الأخرى الخاصة بتطور إيران الاجتماعي، ولهذا فإن حفرياتهم في الموروث الاثنى عشري كانت سطحية، أما الأحزاب العلمانية المتطرفة فهي أكثر رغبة في استئصال الإسلام وتجليه القومي في إيران.
ولهذا فإن مقاطعة الانتخابات لديها كانت تعبيراً عن هذا البعد عن الشعب، وتراثه، وواقعه، إذا غضضنا النظر عن تجاهلها للموروث الإسلامي وعدم القدرة على النفاذ داخله، وابتكار أشكال سياسية فكرية ملائمة من تربته، تجمع بين الجذور والوصول إلى معاناة الشعب، ولهذا هم يرفعون اللافتة السخيفة بوجود القمع والدولة الشمولية؛ وهو أمر كان موجوداً طوال التاريخ واستطاعت القوى الحية النفاذ منه، كما فعلت الاثناعشرية نفسها في تحرير إيران من المغول ومن الإمبريالية الأمريكية!
علينا أن نرى هزيمة القوى العلمانية المتطرفة كجزء من التعالي الذي يشكله المثقفون النخبويون أصحاب الصيغ الاستيرادية، غير القادرين على إنتاج فكر وطني – عالمي، ولهذا فإن اليمين المتطرف هو الذي يتقدم، أولاً فوق جسد صيغ اليسار الجامدة بمحاربة ورفض الإسلام، وثانياً عبر عجز البرجوازية الاستيرادية الكمبرادورية عن إنتاج صناعة، وإنتاج فكر نهضوي إسلامي إيراني ديمقراطي شعبي.
عبر احتقار الشعب الضمني هذا، عجزت المعارضة عن الوصول للقاع، للفلاح الإيراني، أصل المشكلة وأصل حلها، فتبدو المشكلات للنخب الإيرانية ثقافية بحتة، وهي كيف يمكن السماح بانتشار الموسيقى والرقص وكيفية القضاء على الجمود الديني وكيف تنتشر حرية الأفكار، يريدون سحب الموديل الغربي الجاهز من الحضارة، مثلما يريدون جلب سيارة غربية من أخر طراز بدلاً من إيجاد سيارة إيرانية، في حين يناضل الجمهور الأمي من أجل توليفة بين الحضارة الغربية والجذور الدينية والقومية.
وكانت آخر وأكبر فرصة للإصلاحيين التابعين للإقطاع أن يظهروا تحررهم في عهد الرئيس السابق خاتمي، لكنهم أصروا على أن يعيشوا في خدمة الإقطاع، ويكرسوا ثوابته، في رفض العلمانية والديمقراطية والإصلاح الزراعي وتحرير الاقتصاد من هيمنة المافيا الحكومية، والهبة التي هبها الجمهور البسيط في تأييد الخاتمية أرجعها كنصل مضاد وعاطفي ضدها ومع المحافظين ورمزهم نجاد، بعد أن خيبوا أمله.
لقد كتبتُ خمسة عشر عموداً في الحوار مع خاتمي في أول رئاسته أثبت فيه خطأ النهج الفكري الذي يعتمده، وأن هذا النهج الفكري ليس سوى تقوية للمحافظين واستيلائهم الخطر على شؤون الحياة كافة. فبدلاً من الهجوم على ركائزهم في حياة الشعب، وتنفيذ مطالب ملايين العاملين في الأرض ومدن الصفيح، قام بالجعجعة حول الثقافة والإنسانية والضمير وكل هذه السفاسف الليبرالية التي لا قيمة لها أمام جوع وضياع الفقراء.
ليس نجاد المتفاخر بالدكتاتورية وسحق الديمقراطية والديمقراطيين سوى رأس الجبل المغمور تحت المياه المحافظة المتصلبة لأشكال استغلالها الفظة والمتخلفة للفلاحين الإيرانيين، والجمهور العمالي في معامل النفط الكبرى التي لا يحوز منها سوى على تومانات متبخرة، وقد وصلت إلى الانتفاخ المغرور بقدراتها على استعباد الناس وكتم أصواتهم بأشكال تلاعبية من الانتخابات.
إن هزيمة الاعتدال في إيران يجب أن تكون مجموعة من الدروس لجميع الدول والمجموعات السياسية التي تتصور أن الإصلاح هو خطب رنانة وأنه بعض الأضواء البراقة المستوردة، وأنه أصوات لبضع من النساء في المجالس المنتخبة بل هو تغيير وضع الناس العاملين المأسورين فى الأمية والفقر في الازقة الخلفية للدول، وليس برشوة المثقفين وبعض الفئات الوسطى الميسورة أصلاً. إنه القدرة على جعل النساء يصلن إلى المصانع والفنادق.
فغضب الناس على الإصلاحات الفاشلة يكون ارتداداً للوراء، وتسليم أوراق التاريخ للقوى المتطرفة التي تطرح عمليات استئصال القوى السياسية المتعددة وتفتح البلدان للحروب الأهلية الطائفية.
لقد جرى مراراً في التاريخ إنتاج زعماء مثل هتلر وصدام حسين، زعموا أنهم أبناء الشعب الفقير الكادح، ولفوا حولهم ملايين المتعصبين وأعطوهم مختلف أنواع السلاح، ثم عجزوا عن إيقافهم إلا بعد كوارث تاريخية كبرى.
حين يقوم الشعب نفسه بتسليم السواطير للجلادين لكي يذبحوه فإنها تكون لحظة سياسية شديدة الخطر!
حين يتطوع الشعب لفتح الطرق أمام الكوارث واصلاً إلى عمق اليأس السياسي من انسداد الطرق التاريخية للإصلاح ويتعلق بسيف سمك القرش ليقوده للنعيم والحدائق، فتلك كارثة ليست وطنية للشعب الإيراني بل كارثة للمنطقة والعالم.
إن الوضع الإيراني المتوجه لتشكيل دولة شمولية محافظة تامة سوف يؤدي إلى مشكلات عميقة في إيران واضطرابات، لا بد أن تأخذها دول الخليج العربية بكل جدية وبعد نظر.
فهي ليست دولة محافظة تكتم أصوات شعبها المتطلع لأشكال بسيطة من الحداثة والتعبير فقط، بل هي دولة عسكرية كبيرة، استطاعت أن تسيس جمهوراً كبيراً بشكل فاشي، أي لديها القدرة أن تدفع مئات الآلاف من البشر لمواجهات عسكرية محفوفة بكل أنواع المخاطر، وتصوير ذلك كقضية عليا وحماسية، فتغدو مياه الخليج المحترقة دوماً، ميداناً لهذه المواجهات والاضطرابات التي تلوح في الأفق.
إن قضية التسلح الإيراني المتزايد بشكل هائل والملف النووي الإيراني وغيرها من القضايا الكبيرة الخطرة، لا ينبغي أن تكون من اختصاصات الدول الغربية فقط، وألا تبدي دول الخليج أي اهتمام بها، فهى لديها أوراق العلاقات الاقتصادية الواسعة، وعلاقات الجوار، وهي كلها قادرة على التأثير.
وفي حالة تصلب القيادة «الجديدة» وتعبيرها عن نهج سياسي وعسكري مغامر، فإن الأمور تخرج عن لحظة دفن الرؤوس في الرمال والصمت على الوضع المتنامي بخطورة.
أما إذا كانت مجرد ديكور كما يحاول المتعاطفون مع الشمولية الدينية تصوير الموقف، فإن الأمر يتطلب كذلك الإسراع في تصليب الموقف الوطني في كل دولة من دول الخليج، والإسراع في الإصلاحات السياسية والاقتصادية، وإشراك الشعب في السلطة والتخفيف من العمالة الأجنبية التي لا تمتلك أي حس وطني وقومي بالدفاع عن دول الخليج في أي لحظة خطر تحدث.
ومن الضروري هنا إحداث تحولات عميقة في جسم مجلس التعاون وتعريبه بشكل خاص، وتوسيع تلاحمه الداخلي لتنفتح الحدود وتزال الموانع الاقتصادية والسياسية دون وحدته شبه الاندماجية.
ولحسن الحظ فإن الملايين من الشعب الإيراني ترفض المحافظين، وهذه الانتخابات ليست انتخابات حقيقية، معبرة عن الشعب حقاً ، لكنها كذلك صورة لما يمكن أن تفعله الدكتاتورية بشعب وكيف تلقيه في اليأس والانتحار!
ألم ينتخب الشعب الألماني المتحضر الفوهرر هتلر؟!
≣ الطائفية والقومية
نشأ الصراع الطائفي بين السنة والشيعة في بغداد إبان القرون الثاني والثالث والرابع الهجرية بسبب الصراع «القومي» المتواري بين العرب والفرس، حيث كان العراق هو ميدان المنافسة التاريخية والجغرافية بين أكبر قوميتين متواريتين في النسيج الديني الذي كان ومازال يواري الوعي القومي داخل مفرداته.
لقد أُزيح العرب تدريجياً من المركز الأول في الدولة لحساب الفرس، خاصة لصالح الأقسام الأرستقراطية، وكان مجيء المأمون وإزاحة الأمين قد اُصطحب بجيش فارسي، الأمر الذي أدي إلى انتفاضة من السنة، وكان بعد ذلك إعطاء ولاية العهد للإمام الرضا، ومعركة خلق القرآن، محاولات فاشلة من الدولة لاتخاذ موقف وسط من الصراع المذهبي المتفجر.
وقد وظفت الأرستقراطية العباسية المذهب الحنبلي الذي نشأ كرد فعل لتفاقم هيمنة الفرس، ضد التيارات العقلية والمعارضة، فتحول المذهب من مدرسة أهل الحديث إلى حزب سياسي معادٍ لكل نزعة من نزعات التحرر الفكري والاجتماعي، ورغم نموه كحزب جماهيري فإن طبيعة المدينة الحديثة التي تمثلها بغداد والتطورات الفكرية والسياسية التالية، جعلت المذهب الحنبلي يتجه إلى المناطق الصحراوية حيث «يتواجد» السكان الذين يقبلون بطريقة التفكير النصوصية الشديدة والخالية من الاجتهاد.
كما أن مجيء البويهيين الفرس أفسح المجال للمذاهب الوسطية الإسلامية، لكنه لم يقض على الصراع القومي المشتعل بين العرب والفرس على السيطرة على العراق. ومع مجيء الأتراك ومن ثم المغول وإعلاء المذاهب النصوصية السنية، تم إبعاد الفرس نحو العمق الداخلي لإيران، حول مدينة الري، وهي المنطقة التي تحولت إلى عاصمة إيران الحديثة.
هذا الضغط القومي ذو الأشكال البدوية عامةً، حصر الفرس في المذاهب الإمامية، الزيدية، فالإسماعيلية وأخيراً الاثناعشرية، وقد تجلت الدولة الصفوية عبر المذهب الجعفري فقهاً، والصوفية روحاً، حيث انفتح الغيب ولم تستطع الطبقة الحاكمة أن تجسد نضالية الإمام علي إلا عبر الأشكال الخارجية.
وحينذاك حدثت نهضة ثقافية وقومية إيرانية، لأن إيران تمتلك قدرات فكرية واجتماعية كبيرة طوال تاريخها، وقد أتاح ذلك لها استعادة وطنها الجغرافي التاريخي، لكنها لم تتوقف عند ذلك بل راحت تغزو وتتغلغل في المناطق العربية وغير العربية، التي تسكنها مجموعات مذهبية مختلفة.
كان النمو عبر المذهب الاثناعشري قد جمع بين المضمون القومي الفارسي والهيمنة الأرستقراطية للحكام الزمنيين والدينيين، وفي هذه القرون من غيبة الشكل القومي الصريح والديمقراطي، فإن صلات كبيرةً تشكلت بين البر الإيراني والمنطقة العربية، حيث لم يكن بامكان العاملين الإيرانيين والعرب أن يروا مصالحهم الخاصة، في إطار الفضاء المذهبى المشترك، وقد تبادلوا العديد من المواد الفكرية والثقافية عبر هذه القرون التي سبقت ثم تخللت الغزو الأوروبي للمنطقة، بدءا من البرتغاليين فالإنكليز فالأمريكيين.
وقد اعتمدت الثقافة المذهبية المشتركة على المظاهر العبادية وأشكال المعاملات، وتوجه الوعي الديني المثقف عموماً نحو الغيب الكثيف، وما سُمي في التاريخ الإيراني بـ(العرفان) حيث الاهتمام الشديد بالنور الإلهي وتجسداته وبالغنى العاطفي الداخلي وبالشعر وبالتاريخ العلوي ومآسيه الخ…
ومن الناحية الاقتصادية كان نمو الزراعة والاهتمام بها هما اللذان وسعا أنواع المزارع المختلفة في منطقة إيران وشرق الخليج، خاصةً في منطقة البحرين والإحساء، ولكن ظل القسم الكبير من الموارد يوجه للعاصمة الإيرانية، وللمناطق الدينية والمزارات.
لكن هذا التطور السياسي والثقافي كان يواجه بالتوجه الآخر المضاد.
لم يستطع العرب أن يحصلوا على شكل ديني يلائم قوميتهم المتوارية، كما فعل الفرس عبر الاثناعشرية، فالحنبلية التي عبرت بشدة وعنف عن الصدام مع النزعات العقلانية الفارسية والعربية المشتركة، انزوت حضارياً نحو المناطق الصحراوية، ووجدت فيها تجليات ساعدتها على النمو.
كانت أفكار ابن تيمية المرتكزة على فقه ابن حنبل أساساً، قد توجهت إلى الفكر العام خلافاً للمؤسس، فركزت على رفض العقلانية الفكرية والفلسفية خاصةً، وإلى الدعوة لحكم النص، وكانت في الواقع تعبر عن أقسام من المثقفين والفئات العربية البدوية عامة، والطامحة إلى وجود عربي مستقل، لكنها لا تميز بين القوميات الملتبسة بملابس المذاهب، نظراً لتركيزها على النص البسيط الخام، ورفعها له إلى مقام المقدس المطلق.
ومن هنا رحبت بالسيطرة التركية على العالم الإسلامي، والتي حافظت على الأحكام الشرعية الشكلية، ولكنها حضّرت وهيأت العالم الإسلامي للسيطرة الأوربية وتقسيماتها ولمشكلة فلسطين وغيرها.
كانت الاستكانة للغزو وللسيطرة التركية العثمانية لا تمنع من توجه الحنبلية إلى المناطق الأكثر بدوية وتشكيل دول منها.
لكن ظل الصراع السني/الشيعي هو المؤثر والمسيطر على هاتين القوتين السياسيتين، وقد ارتدى الصراع هنا عباءة الصراع القومي المستترة، بين الأتراك والفرس، فى حين كان العرب بلا هوية قومية فى هذا الصراع الطائفي، والذي احتل أراضيهم بشكل شامل، وينطبق هذا على المشرق العربي الإسلامي.
أن التبعية المذهبية من قبل العرب للأتراك ونومهم الطويل في هذه التبعية، قد أجهض عناصر المقاومة والتطور الثقافي، وهذا ما جعل العرب الممزقين الضحية الكبرى للاستعمار، في حين كان الأتراك والفرس أقل خسائر في هذه المواجهة.
وحين تشكلت الحدود القومية الحديثة في الصراع ضد الاستعمار، أخذت تركة العصور السابقة تلقى بظلالها على الزمن الراهن، فسيطرت في إيران الأغلبية الشيعية، في حين سيطرت في القسم العربي المقابل الأكثرية السنية، ووُجدت أقسامٌ متداخلة بين الطرفين، وبنسب مختلفة.
هذه الخريطة السكانية السياسية المذهبية المتداخلة والتي تعود لتطور العصر الوسيط، لم تُطرح بشكلها التاريخي والفكري من قبل القوى السياسية والقومية خاصةً، والتي ظهرت على ركائز العداء القومي والمذهبي، والتي كانت تحمل إرثها القديم وصراعاته دون أن تدري بجذوره ومشكلاته.
في الجانبين العربي والإيراني أصبح المختلفون مذهبياً مع مذهب الدولة، ليسوا مواطنين من الدرجة الأولى، فبدأ العزل الإيراني للسنة، والعزل العربى للشيعة، معبرين عن أنظمة ما قبل الحداثة الديمقراطية، أي عن أنظمة المساواة التامة للمواطنين بغض النظر عن مذاهبهم.
وتلون ذلك كذلك بطبيعة الصراع السياسي السائد في كل حقبة، ففي حقب الاستقلال والمعارك الوطنية العامة، كان النظر إلى الطوائف شبه ممنوع ومداناً سياسياً واجتماعياً، وفي حقبة النضال الديمقراطي واليساري فإن الجذور الطبقية الكادحة للمواطنين هي التي ترفع إلى الذروة من قبل الحركات التقدمية المنتشرة بقوة.
وفي الحقبة التالية ركزت حكومات المنطقة على تنمية الجماعات المذهبية وشحن مؤسساتها في مواجهة التيارات التقدمية المنتشرة، ولعب عامل النفط دوره في تقليص مساحات الطبقات العاملة المحلية التي كانت الحاضن الاجتماعي لذلك الفكر.
كان من شأن هذه السياسة صعود القطبين المتضادين للعصر الوسيط السابق، وهما الاثناعشرية والحنبلية بشكليهما السياسيين، وقد أدى هذا الصعود عبر بؤر سياسية تاريخية معينة مثل هزيمة شاه إيران وحرب أفغانستان وغيرهما، إلى بروز الصراع السني/الشيعي مجدداً بعد سنوات طويلة من الركود وغياب التسخين رغم كمونه كذلك.
كان بروز الاثناعشرية والحنبلية كواجهتين سياسيتين وفكريتين لمنظومتين مختلفتين هما المنظومة الفارسية والعربية، يعبر عن هيمنة الشمولية على النسيج الاجتماعي، أياً كان الناس المنتمون لمثل هذه الحركات لا يطرحون قضايا التغيير الاجتماعي والديمقراطي بقدر ما يطرحون قضايا مذهبية عبادية شكلية.
إن سيطرة رجال الدين المحافظين على النسيج الاجتماعي في الجانبين العربى والفارسى، وانتفاخ المنظمات العبادية وتحويلها إلى الشؤون السياسية كان مساراً مفجراً لخريطة الدول ولتفكيكها وهي خرائط لم تأخذ في حسبانها كون المذهب الديني متطابقاً مع خريطة الدولة.
أي أن عدم انتقال هذه الدول إلى المنظومة الحضارية الحديثة واحتفاظها ببناها التقليدية العائدة لعصر سابق، أخذ يقود رجال الدين في التشيكلتين القوميتين المختلفتين، الفارسية والعربية، إلى التصدى للقيادة السياسية، فأصبحت الحداثة ومفرداتها التي اندفعت هذه الدول في مواجهتها كرهاً للمد التقدمي، معرضة لخطر الزوال والسحق، من قبل الموجات الدينية المتصاعدة، والتي أبرزت قطبيها المتضادين السابقين السابقي الذكر.
وفي حين نجح رجال الدين في الوصول إلى السلطة في المنظومة القومية الإيرانية، تطلع أقرانهم في المدى العربي إلى إعادة التجربة السياسية الإيرانية وتطبيقها على النسيج العربي.
كان من جراء صعود النزعات المذهبية المتطرفة الاعتداءات على الطوائف غير المسيطرة في كل منطقة سنية أو شيعية، لكن كان هذا في البداية، ثم سعت كل نزعة ديكتاتورية مذهبية إلى إحكام قبضتها السياسية أو العسكرية، أوكلتيهما معاً ، ففى إيران أفرغت الدكتاتورية المذهبية الحكم من شعبيته المذهبية، بسبب اتضاح هويتها الاجتماعية الأرستقراطية والمحافظة. فى حين غدا الشكل الشيعي الجماهيري الأبوي مجرد شكل خارجي لسيطرة إقطاعية تعتمد السيطرة عبر رأسمالية الدولة والإقطاع الزراعي والاجتماعي.
وهكذا فإن هوية الطبقات أخذت تستعيد نفسها، وراحت الجماهير في الفضاء الإيراني تبحث عن أيديولوجية ثورية غير دينية، بدءاً من التحلل من المذهب إلى العودة للملكية إلى الليبرالية الفاقعة والغربية التابعة الخ.. وهذا المخاض الفكري والسياسي الإيراني سوف يكون له مردود على العملية السياسية المستقبلية.
في حين كان مخاض الجانب العربي مختلفاً ، فلم تستطع نزعة متطرفة مذهبية أن تصل إلى الحكم، وهذا ما فتح مجالاً للإصلاح المتدرج الحاضن لتنوع المذاهب.
لكن التطرف المذهبي كان موجوداً في التنظيمات السياسية، وقد قامت الحنبليه السياسية بدور خطر في بعض البلدان العربية، وفجرت فيها حروباً أهلية بدعم مالي كبير، ولكن حكومات الجزيرة العربية لم تأخذ هذا المنحى الخطر بعين الاعتبار.
وحين أخذت الحنبليه السياسية تنقل عملياتها إلى داخل الخليج والجزيرة العربية، اتضح المدى المروع لتشجيع التطرف المذهبي، فحدثت انعطافة سياسية باتجاه مختلف المذاهب الإسلامية وعمليات إصلاح سياسي.
أما التجمعات السياسية الاثناعشرية فهي مشدودة بين طرفين: شمولي تقليدي معارض بمواجهة عنيفة أو بمذهبية جامدة، وجماعات معتدلة لم تستطع أن تبلور إصلاحاً سياسياً واجتماعياً داخلها يقود إلى تحولات ديمقراطية وطنية.
لكن في هذا الجانب نجد اقتراباً أكبر من القوى الوطنية ومن قضايا الديمقراطية المعاصرة، أكثر من الطرف الآخر الحنبلي المتشدد، والذي يرفض أي دخول فى العصر الحديث. ولا تزال تسيطر عليه جوانب المواجهة العائدة للعصر السابق، نظراً لرفضه للأفكار الحديثة القومية والليبرالية والتعاون الإسلامي المتعدد المذاهب والرؤى.
إن الفصل بين المذهبي والقومي غدا ضرورة سياسية، وكذلك الفصل بين الديني وبين التحول الديمقراطي الوطني، أي عملياً توسيع التحالفات بين القوى الوسطى والعاملة لأجل إحداث تغييرات ديمقراطية تتوجه للمواطنين بغض النظر عن مذاهبهم، وهذه العملية التي تجري عند الإيرانيين والعرب معاً، هي انعكاس للعصر الحديث وتفكيكه للمنظومات التقليدية.
≣ العراق وإيران والطوائف
عملية التدخلات الايرانية الواسعة في العراق تطرح مسألة لماذا تعرقل إيران التطورات السياسية هناك؟
هل بالضرورة أن كافة الاتجاهات السياسية العراقية هي عميلة وتابعة للسياسة الحكومة الأمريكية ؟
ألا يعمل العديد من الاتجاهات السياسية العراقية على تحضير الحياة الاجتماعية والاقتصادية لبناء المؤسسات السياسية العراقية الوطنية المستقلة، وإعادة بناء الاقتصاد المنهار، والتحضير عموماً للتخلص من الأمريكيين ؟
ألا تحتاج الاتجاهات العراقية الوطنية والدينية إلى فترة لتشكيل قواعد وأبنية لها بعد العراق الذي دمرته أربعون سنة من القمع والحروب؟!
لماذا لا يعطى الساسة المنفذون في طهران وقم الدوائر الوطنية والمذهبية والمراجع الشيعية الكبرى فرصةً لتشكيل وحدة وطنية وعملية استقرار تعيد بناء العراق الوطني النهضوي المتحرر؟!
لا شك أن هناك العديد من المراجع الدينية والدوائر السياسية العقلانية في إيران الحريصة على تطور العراق، وهي تطرح العديد من المبادرات لتحسين العلاقات بين البلدين الشقيقين، والعرب يعتبرون إيران عموما بلداً شقيقاً للعلاقة التاريخية الطويلة، ولكن هذه الدوائر الحريصة على التعاون الأخوي بين البلدين، يبدو أنها لا تصل إلى القرار الفعلى على الأرض، فلا نشهد أي تنام للعلاقات بين البلدين، وقد قامت إيران حتى في أواخر حياة النظام السابق، بمبادرات كبيرة لتحسين العلاقة مع العراق، ولكن الدوائر المتنفذة في إيران تصعد من تدخلاتها في العراق، وتستخدم بعض القوى الدينية العراقية المراهقة لضرب ليس الأمريكيين، بل وحدة العراقيين ونضالهم الوطني !
قامت هذه الدوائر المتطرفة في إيران بغزو بشري بري للمدن العراقية، ومن النتائج المؤسفة لهذه التدخلات هي الوجود الأكثف والأوسع للقوات الأمريكية والبريطانية، وإضعاف السلطة العراقية الوطنية الوليدة الهشة اساساً، وجعل القوى الغربية تتحكم فيها على الأرض بشكل واسع، عبر استمرار التدفق للقوات المتعددة الجنسية.
لقد أوضح المرجع الأعلى للشيعة في العراق السيد السيستاني، أنه مع التدرج في النضال السياسي الوطني لتقدم وتحرير العراق، فلا بد ان تعطى الفرصة للوطنية العراقية المختلفة، بشتى ألوانها السياسية، لكي يمسك العراقيون بلدهم بأيديهم.
وللأسف فإنه ليس للسلطة في إيران سياسة واضحة وجريئة، ولا تعلن هل هي بصدد القتال ضد الأمريكيين في العراق ؟ أم هي تعمل لتخريب التوافق الوطني في العراق ومع تصعيد القوى الطائفية غير الوطنية ؟ أم هل هي مع الشيعة ومرجعيتهم في العراق أم هي ضد هذه المرجعية وسياستها المسئولة ؟
هناك عمليات من المناورات والاستغفال والدهاء، ولكن لا توجد سياسة إسلامية، سياسة صريحة وشجاعة تتجه لمساعدة الأشقاء وتمكينهم من التحرر والنهضة !
إن الأغلبية الساحقة من القوى السياسية الشيعية العراقية أعلنت بصريح العبارة رفضها سياسات التدخل من القوى والدول الأخرى مهما كانت، وأشارت إلى إيران مثلما أشارت إلى بقية الدول، وهذه السياسة الوطنية العراقية تثمن لهذه القوى، وتجعلها مقدرة ومحترمة من كافة القوى السياسية العربية والعالمية، بما فيها حكومتا الولايات المتحدة وبريطانيا !
إن شعوب المنطقة تتطلع إلى أن تقوم الحكومة الإيرانية بمنع تسلل مجموعات التخريب والتدخل في العراق، وأن تدع العراقيين يعملون للتقدم والتخلص من القوى المحتلة بطريقتهم الخاصة وبمستوى تطورهم ومن خلال إرادتهم الوطنية.
وبالتأكيد فإن الخلافات بين المرجعيات الشيعية الكبرى يجب ألا تنعكس على تطور العراق وشعبه، بل لا بد ان تتعاون هذه المرجعيات لتطور العراق الديمقراطي وتقدمه، وهو أمر سينعكس على تطور البلدان كافة وعلى نهضة المسلمين.
≣ خاتمي: الاسفنجة السياسية
انتقلت الأزمة السياسية في إيران إلى قمة السلطة، وتحول الصراع بين من يسمون بـ«المحافظين» و«الإصلاحيين» على المجلس التشريعي القادم، إلى أزمة عامة مفتوحة، دخلت فيها أقسام من الشارع عبر الإضرابات العمالية المحدودة والصدامات، إلى الصراع بين الجناحين الحاكمين في السلطة الدينية الواحدة.
وقد لجأ اصلاحيون إلى أسلوب سلبي للدفاع عن حقهم في الترشيح وهو الانسحاب من مواقع السلطة المختلفة والمقاطعة.
وكعادته لعب الرئيس خاتمي دور التهدئة والتوفيق، بدلاً من اتخاذ أسلوب الهجوم المنتظر ضد المحافظين ودعوة الشعب للصراع ضدهم، وحسم هذه العملية المريرة التي تمكن فيها المحافظون من تفريغ مشروع «الإصلاح» من مضمونه الاجتماعي التحويلى، وحصره أخيراً على حق الإصلاحيين في الترشيح للسلطة البرلمانية، بدلاً من أن يكون تغيير السلطة التقليدية.
ولعب وعى خاتمي ومستوى أطروحاته دوراً فى تفريغ هذه العملية النضالية، وحصرها في زاوية ضيقة، فهو قد رفض منذ البداية الطريق العلماني الديمقراطي، بنقل إيران من الإقطاع والطائفية إلى الحداثة والرأسمالية المعاصرة، واعتبر المحافظين شكلاً معيناً جامداً في فهم الدين، وليس قوة اجتماعية إقطاعية مهيمنة على الاقتصاد والحياة الاجتماعية، وقام بتحويل الإصلاح إلى شعارات ثقافية، وليس إلى صراع اجتماعي لتحرير الفلاحين من الإقطاع وإعطائهم الأرض والحرية، وتحرير المرأة من العبودية المنزلية، وهيمنة الأبوية، وتحرير أملاك الدولة من سرقة البيروقراطية الحكومية.
وهذا ما جعل صراعه ضد المحافظين ينحصر في عملية سياسية فوقية، أخذت تتوجه إلى الصراع على الكراسي والوزارات والمناصب، وتحول المحافظون والإصلاحيون إلى ما يشبه العجينة الواحدة، فلا تدري من أين تبدأ الأولى وتنتهي الثانية، وما هو هذا الإصلاح الذي لا يصلح، ولا يجر الشعب للنضال ضد امتيازات المحافظين والتركيبة التقليدية.
وقد فهم المحافظون دور خاتمي واستخدموه لمناوراتهم في الاحتفاظ بالسلطة، فحين يزداد الضغط عليهم يلجأون إلى خاتمي للقيام بتسوية معينة، وإلى إبقاء القضية في دهاليز السلطة بدلاً من انتقالها إلى الشارع، ومشاركة الجمهور في حسمها.
وتتحول المسألة أحيانا إلى ما يشبه المسرحية، حيث يقوم خامنئي بطرح كلمة الفصل، ليرجع المعسكران إلى مواقعهما لتبدأ لعبة جديدة, وتطرح التسويات وتقاسم الحصص، وأحداث التنفيس المطلوب من القدر الإيراني الذي يغلي.
تساعد آلة الدولة الضخمة، أي مؤسساتها الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية، على عدم جعل الجمهور الواسع مشاركاً فى عملية التغيير، حيث توفر له هذه الآلة لقمة العيش الصغيرة المحدودة المغموسة بانتظار الفرج من الغيب.
لكن عملية التآكل في قاعدة النظام تستمر وتتصاعد، ولا تصل إلى الطرح الواسع بإيجاد دولة علمانية ديمقراطية تفصل السياسة عن الدين، أو بالأحرى تحرر الإسلام من هيمنة الإقطاع، وتحرر المؤمنين من الكهنوت، وهذا هو ما علمه خاتمي، عبر منع تشكل هذا البديل، وتمويه وعي الناس الفكري، وتفجير قنابل دخانية في طريق الحداثة.
الإسفنجية الخاتمية مصيرها إلى زوال، فليس ثمة بديل عن دولة علمانية حديثة، فأما الماضي والاستبداد وأما التغيير والحرية.
وقد كان أمام الإصلاحيين جمهور الشعب يطرحون عليه قضايا التغيير الحقيقية، ويجعلونه مساهماً في ردع القوى الرجعية، ولكنهم جبنوا وعادوا إلى لغتهم التكتيكية ومساوماتهم التي لا تنتهي.
في حين أن خاتمي أصيب بمرض أثناء تفجر الأزمة، ويقال بأنه مرض عضوي، وليس مرضاً سياسياً، هو مرض الشلل الثوري.
إن عدم تطوير خاتمي لآرائه بشأن الإسلام والحداثة وسبل التغيير للشعوب الإسلامية، جعله أسيراً في يد القوى التقليدية تستخدمه لامتصاص الغضب واتجاهات التغيير الجذرية.
≣ الناشطة الإيرانية والجزيرة
حاولت محطة (الجزيرة) الموجهة من قبل القوى المحافظة الطائفية أن تتصدى لزعزعة مواقع الأنظمة الشمولية في المنطقة دون جدوى، فتساقط هذه الأنظمة يجري رغم ذرف الدموع الغزيرة من قبل المحافظين المعادين للتحولات الديمقراطية التحديثية في العالم العربي والإسلامي في هذه المحطة.
يستعمل معدو المحطة تكتيكات خبيثة لخداع الجمهور العربي الإسلامي المتعطش للحرية والديمقراطية والعدل، هو الظهور بمظهر المدافع عن هذه الأهداف، لكن الدفاع عن أنظمة مثل طالبان وصدام وإرهابيي الجزائر والسودان، لا يجعل المساحيق الدعائية الثقافية التي تعلمها المقدمون في المحطة البريطانية السابقة، بقادرة على إخفاء المواقف المحافظة المتخلفة.
ولهذا فإن الهجوم على الإيرانية الحاصلة على جائزة نوبل للسلام، يتماشى والغريزة العدوانية للمحطة ضد كل ما هو مضيء وتقدمي في العالم الإسلامي، والمساحيق المستخدمة في هذه القضية تقوم على ربط جائزة نوبل بالمشبوهية، وأن هذه الجائزة قد مُنحت لبيغن وبيريز، وبهذا يقوم المقدمون الأذكياء جداً باستثارة الغريزة الجلدية للمشاهد العربي، الذي يتصورونه غبياً جداً، فسرعان ما يتلقف أسماء هؤلاء الجزارين الصهاينة، فيتحول كلعبة أطفال ضد المناضلة الإيرانية..
وهكذا اعتمدوا سياسة إثارة الغرائز الدينية والقومية عند المشاهدين ليدافعوا عن أنظمة أوغلت سواطيرها في أجساد العرب والمسلمين، وتجري الاتصالات التليفونية والحوارات (الموضوعية) مع أناس مبرمجين مسبقاً، ومملوءة أفواهم بالكراهية والنقود ضد تحرر هذه الأمم الإسلامية من الأنظمة الشمولية. أو مع أناس متعصبين لا يقرأون التطورات المعقدة والمركبة للأحداث.
ولهذا لا يستعرضون في البرنامج نضال هذه المرأة الإيرانية من أجل حقوق الإنسان في إيران، ولا يتساءلون لحظة واحدة لماذا هم وغيرهم تجاهلوها في حين يلتقطون لحواراتهم أصغر نملة شمولية فاسدة في العالم ؟!
كان الدفاع عن الأنظمة والحركات الدموية مثيراً للقرف والسخرية معاً، لكن هؤلاء تبلدت مشاعرهم حين انتفخت جيوبهم بالفلوس الخليجية والعراقية والإيرانية، وانسدت كاميراتهم وضمائرهم أمام الجثث الطالعة من تحت الأنقاض والأسوار والأحجار، وحادت عن الخراب الواسع الشامل الذي لحق بالأرض والإنسان..
لم تتحرك مشاعرهم حين حولت طالبان بلاد أفغانستان إلى مسلخ لأن أموال بن لادن كانت تتدفق على جيوبهم، ولم يكن ثمة خدمة للدين أو للعروبة، ومن يستطيع أن يملأ الأفواه غير الشموليين الذين لا تخضع حساباتهم للجرد الديمقراطي أو التساؤل الشعبي؟ فيقولون للدكتاتور أنت اقتل ونحن نحمي ظهرك، ونعطر سيرتك، ونجلد وجوه المعارضين والمكافحين. وأمريكا لا تدفع لنا وتضرب أصدقاءنا المحبوبين الذين يغمروننا بذهبهم.
ولهذا كيف يهتمون بمدافعة إيرانية عن السجناء والباحثة عن المتاعب في الإمبراطورية الشمولية الإيرانية التي تغمر الجزيرة بحبها وعطفها ؟ لو أن هذه اللغة الإعلامية كانت هادئة وموضوعية وباحثة عن المشكلات الحقيقية للعالم العربي والإسلامي، ألم يكن ذلك افضل وأبقى من المراهقة السياسية ولغة الإعلام العاطفي المؤجج للمشاعر الخارجية ؟ بطبيعة الحال ذلك مستحيل من أناس ارتبطوا بقوى مهيمنة لا يهمها تطوير وعي الإنسان العربي، بل يقوم عملها على استغلال مشاعره، والقبض من جهات دكتاتورية يهمها الدفاع عن أنظمتها.
وحين ترتبط المحطة بجهات شمولية وتقبض منها فمن غير الممكن أن تكون وجهات نظرها مستقيمة وأخلاقية، فهي تبحث عن من يدفع لا أن تتوجه للدفاع عن المظلومين كما يتوهم أناس تتم دغدغتهم بكذا شعار سياسي متوهج فينخدعون بسهولة. إن الإثارة والاستعراضات السياسية الشعاراتية، والارتباط بالأنظمة الشمولية كلها نسيج إعلامي واحد، هدفه الربح من جهة، والتضليل من جهة أخرى.
≣ محور الجزيرة وإيران
فى نشاط سياسى غامض، كانت محاصرة القاهرة الناصرية تعبيرأ عن صعود قوى المحافظين الدينيين في المنطقة تسندهم الحكومات الأمريكية والإسرائيلية، لقد أخذ مركز الثروة في المنطقة ينتقل من المناطق العربية الشمالية الأكثر حضارة إلى القسم الجنوبي، وبدأت إعادة توزيع السكان في ظل الحدود الراهنة؛ وتبديل السياسات العربية السائدة.
لم تستطع الفئات الوسطى العربية المؤثرة في التجارب القومية أن تنتقل إلى تجربة حضارية ديمقراطية واسعة، بحيث لا تجعل التطور الثوري بيد فرد، وإنما في مؤسسات منتخبة، وكان هذا تعبيراً عن هيمنة الشرائح البيروقراطية المختلفة وتحكمها في توزيع فوائض الإنتاج.
وفي هذا المناخ المشرقي المتصدي لنفوذ المعسكر الاشتراكي، الذي قامت فيه رأسماليات الدول القومية فيها بنقلها إلى التطور الصناعي والثقافي القريب من الغرب، وجهت القوى المحافظة والاستعمارية حرابها إلى نظام الرئيس عبدالناصر بسبب اقترابه من نموذج رأسماليات الدولة القومية الشرقية، ولكن من دون أن يحسم خياره تماماً في الخروج من نظام الاقطاع المذهبي العربي والديني.
لم يكن أمام الغرب الامبريالي حينئذ سوى تصعيد ذلك النموذج القروسطي، نموذج الاقطاع المذهبي، الذي كان عبدالناصر يحاول الخروج منه، وكانت مراكز هذا النظام القوية في شبه الجزيرة العربية وإيران؛ أما في الشمال العربي فإنها كانت مضعضعة.
فى إيران الشاه ودول الخليج وجدت المستويات الاجتماعية والموارد لجعل أنظمة الاقطاع تسود بقوة في العالم العربي والإسلامي، وكان الصعود المستمر لهذا النموذج لا بد أن يقوي التراث الديني المحافظ الذي تم إنتاجه على مدى سنوات هزيمة النهضة فى العصر الوسيط الإسلامى، حيث المذاهب النصوصية المعبرة عى سيطرة أسر الأشراف المختلفة على عامة المسلمين المنتجين، والذين حولوا الإسلام إلى طقوس وفقه شكلاني تجزيئي، حوّل تجربة الثورة الأسلامية الأولى إلى صراعات فقهية بين أجنحة الاشراف المختلفة على فيء الفقراء.
كانت هذه الإعادة حسب الرسم الأمريكي، الامبريالي كافية لوقف زحف الثورة الاجتماعية إلى ديار المسلمين، ولرفض الاشتراكيات الهدامة والإلحاد ولنشر بركات الإيمان على الخلق.
كانت الاشتراكيات العربية ذاتها خائفة من بحث التاريخ والتراث الأسلاميين بصورة عميقة، ولإعادة النظر في مجمل الوعي والوجود العربيين، اللذين اخضعا لسيطرة الدول المطلقة، والتي افرغت الأديان من مضامينها الإنسانية، لكن ما كان بقدرتها أن تفعل وهي امتداد تسلطي مطلق آخر، رغم أنه لصالح المعدمين والفقراء هذه المرة.
ولذلك كانت أدواتها المعرفية ليست قادرة على قراءة جذور الأزمات العربية، ومن هنا كان ذلك التجميع من آراء الشرق والغرب، من التراث والمعاصرة، من دون منهجية عربية قومية وتجديدية اجتماعية عميقة.
لم يكن بالإمكان فهم الأديان والإسلام خاصة باعتبارها ثورات مجهضة، استطاع المسيطرون والاشراف القوميون والقبائليون السيطرة على إنتاجها، وبالتالي السيطرة على المنتجين من خلالها؛ وكيف كان تنوع هذه السيطرة هو ثمار هذه الأديان و المذاهب المختلفة المتضادة.
ولهذا فإن المحافظين طرحوا الإسلام والمسيحية واليهودية كقوى مضادة لعمليات التحديث العربية التي تمت تحت اسم الثورات العربية، ولم يكن ثمة أقوى من محور إيران والجزيرة العربية وإسرائيل لهزيمة مشروع الثورة العربية، المشروع النهضوي الثاني الذي تم على أسس انقلابية عسكرية.
كان الشاه هو الشكل الذي اختاره الغرب الاستعماري ليكون وجه التحديث المطلوب, هذا التحديث الذي تساوق مع قمع رهيب وتقوية القوى العسكرية والحفاظ على النظام الإقطاعي المذهبي, الذي لم يقم العرب بالتخلص منه, لأن إنشاء رأسمالية إسلامية متطورة, عبر مستوى قوى الإنتاج السائدة حينذاك, لم يكن يعني سوى التخلص من الرأسمالية العربية المهيمنة.
ولهذا كان لا بد من بقاء الأنظمة الاقطاعية المذهبية, وأحداث عمليات تنمية رأسمالية محدودة لا تصل إلى توليد نموذج التنمية والحداثة الغربية بشكل كامل, وبالتالي يبقى الكثير من مظاهر الاقطاع: سيطرة المذهب الديني, عدم العلمانية, اللامساواة في العلاقات الجنسية, ابقاء التخلف الفكري مهيمنا على الجمهور.. الخ.
كان تصعيد إيران في خريطة المنطقة السياسية في مواجهة النظام الناصري ثاني محاولة لاستعلال التباين المذهبي وتصعيده بشكل واسع على مسرح السياسة الإسلامية, بعد محاولة استغلال عبدالكريم قاسم والتي لم تنجح. كانت محاولة الغرب المستمرة لاسنتعلال الإسلام والأديان ضد مشروع الثورة العربية, تجري بشكل محموم في كل مجال, ولهذا كان تضخيم المذاهب المحافظة وإعادة احضارها في مخططات السياسة العربية, وربط الصناديق المالية والبنوك بالجمعيات والمؤسسات الدينية يجري على قدم وساق منذ الخمسينيات.
من إيران والجزيرة العربية بدأ توجيه الأديان لعرقلة مشروع الحداثة العربية, وكانت المذاهب التي سيطر على إنتاجها المحافظون عبر القرون تعطي مادة ثقافية كبيرة لترسانة الهجوم على العقل والثورة والتقدم, فالمواد التراثية الرجعية التي تعادي الاجتهاد والاستحسان العقلي والتي تتركز على أشكال العبادات باختلافاتها الفسيفسائية يتم ضخها, ويبدأ استعادة وعي التكفير في النمو عبر المؤسسات الرسمية والأهلية, فكل ما هو خارج دائرة الإسلام هو كفر, وتبدأ بالبروز دائرة الإيمان المغلقة على الذات, والتي تعادي كل ما هو خارجها.
ولكن الإسلام هنا ليس هو سوى المذهب الرسمي, الذي تفرض أحكامه الجامدة في شتى شئون الحياة, والذي يرفض اجتهادات ورؤى المذاهب الأخرى. وبطبيعة الحال كان يُنتزع من الإسلام والأديان الأخرى كل ما هو إنساني ونضالي, خاصة عقلية التحالفات الثورية الاجتماعية لنضال المسلمين وتفتحهم على الآخر وتراكم وعي نهضتهم, ويستبدل بالانغلاق والتعصب وتغييب الجوانب الإيجابية في المذاهب الإسلامية التي تدعو إلى البحث والاجتهاد.
إن تشكيل كتائب دينية نصوصية مُسيجة بالكراهية للآخرين وللحداثة برعاية معاهد التخصص الأمريكية والبريطانية, لمجابهة الثورة العربية, يتضافر مع توزيع جديد للثروة في العالم العربي والإسلامي.
فقد أدت ثروة النفط المتدفقة في المناطق الصحراوية العربية إلى أن يعود الرعاة العرب (البدو) بإرثهم القبلي والشفاهي والمحافظ إلى مسرح العالم العربي, كان النفط وأسعاره المتصاعدة يعلن فترة انطفاء المراكز العربية الشمالية بين العراق ومصر من القيام بدورها النهضوي التنويري.
أن تفجر الثروة في البلدان الصحراوية هو جزء من الطبيعة, ولكنه خاضع لتقسيمات سياسية عصرية محددة, فلم يصبح عربياً, كما كان خاضعاً لفترة الصراع المقروءة سابقاً, حيث الارتباط بين الأقسام العربية والإسلامية المحافظة وفي المناطق الأقل تطوراً, فلم يؤد، إلى تقوية التطور الرأسمالي الواسع والعميق, بل إلى تقوية مجتمعات الأقطاع المذهبي, ورأسماليات الدولة المركزية والبيروقراطية فيها, مع الارتباط براكز المال الغربية, وكان هذا كله يعني عدم ايجاد ثورة رأسمالية ديمقراطية وتحديثية عربية.
فعلى المستوى البعيد كان التراكم الرأسمالي محدوداً داخل مجتمعات ليس فيها طاقة بشرية كافية, كذلك كان التراكم يتعرض للإهدار على مستوى بذخ القوى الحاكمة والأجهزة المتعالية, والفئات المرفهة, ويتوجه إلى محافظ النقد الغربية, كما يتعرض للابتزاز الامبريالي عبر الحروب ومقاومة الحداثة واليسار في العالم العربي والعالم.
كان تصعيد الأنظمة الملكية بأفقها المحافظ يتضافر مع حصار الثورة العربية, التي بدأت تختنق في أنظمتها البيروقراطية المتآكلة جمهورياً, وعبرت هزيمة يونيو67 عن انكسار الموجة الثانية من التحديث العربي, لتبدأ بعدها رياح المحافظين والقوى الاستعمارية والإسرائيلية في الهبوب معاً لتصفية الفكر العربي التنويري والنهضوي.
وكان اتفاق هذه الأطراف معاً يتم بأشكال متباينة, وفي مستويات مختلفة, لكن العملية الاجهازية على الثورة العربية كانت مركبة.
لقد استطاعت القوى المحافظة العربية والاستعمارية في السبعينيات أن تعتلي عرش المشرق العربي والإسلامي، فغدت المذاهب المحافظة السنية والشيعية الرسمية والمرتبطة بتلك القوى، مهيمنة على الشرائح المؤثرة السياسية.
لكن هذا الانتصار كان لا يمكن أن يغيب الصراع الاجتماعي المحتدم في ظل هذه الأنظمة؛ الذي لم تؤد عمليات تصفيات القوى النهضوية والتحررية إلى افراغ ناسه من البحث عن حلول للمشكلات العميقة في هذه المجتمعات.
لقد بدت إيران الشاه والجزيرة العربية النفطية انهما بمأمن عن العواصف، وهكذا كانت القراءات الأمريكية الاستعمارية تصور هذا العالم الذي ازاح محور القاهرة الناصري من السيادة في المشرق، بأنه عالم الاستقرار الأبدي في ظل أسعار نفط هابطة وأنظمة شديدة الولاء. لقد أخذ الصراع الاجتماعي المتفاقم يبحث لنفسه عن قنوات وقد وجدها في أشكال الوعي المذهبي التي تم نشرها بقوة، فكان انفجار الثورة الإيرانية الشعبي المثير الذي كان الوعي الديني هو الشكل الوحيد المسموح به في ظل الهيمنة الأمريكية، حيث كان الشكلان الرأسمالي واليساري مرفوضين؛ فكان الخيار الديني في تصور الأمريكيين هو الخيار الأقل خطراً، فكان هو المدعوم.
لكن الفهم الامبريالي الأمريكي لعمليات التطور السياسية والاجتماعية العربية والإسلامية كان ضيق الآفق، مدمرا كعادته، فبدلأ من خرائط الاستقرار والنهضة التي نشرها الأمريكيون في السبعينيات، انفجرت الثورات والفوضى وعمليات الإرهاب في المنطقة.
لقد اعتمد الأمريكيون على المذهبيين الدينيين وعلى إزاحة وعي الثورة العربية بتياراته المختلفة، ودعم المحافظين، فكان انتشار المجموعات الدينية بهذا الشكل الواسع، ثم تدريبها على السلاح، ونشر خلاياها في كل العالم الإسلامي، قد قاد القواعد الدنيا في هذه التنظيمات إلى التمرد والعنف، فهذه القوى لم تعرف النضال المنظم والبناء، فكان أن انفتحت أبواب جهنم..
كان من أهداف هذه العملية المحافظة على إيران والجزيرة العربية من دون تطور سياسي كبير، من أجل أن يبقى النفط تحت الاشراف السياسي والاقتصادي الأمريكي.
لكن هذه العملية السياسية كانت لها آثارها الخطيرة على المجتمعات العربية المختلفة، من حيث تدهور الثقافة، فالجماهير العربية الأمية أصلاً؛ كانت عملية ضخ تلك الكميات الكبيرة من الجهل الديني والتعصب والمحدودية، كانت كافية لتنتج الجنون فيها والمتنوع الأشكال. جنون العودة لركوب الإبل أو إنتاج العلوم «الإسلامية» المفارقة للبشرية؛ وخلق الانفصامات بين الفرد والعصر، والفرد والفرح والحياة، وتدمير الأسرة العربية بعودة الأبويات المريضة، المرعوبة من حرية البنات، وإعادة ثقافة القدر واعتقال الأرادة والعداء للعلوم.. الخ.
كان لابد أن تصل الرعاية الأمريكية لهذين النظامين العربي والإيراني المحافظين إلى نهايتها، سواء بشكلها المدعوم بالسلب في إيران، أو المدعوم بالإيجاب في الجزيرة العربية، فكانت فوضى الصدام بين القوتين؛ هذا الصدام الذى لا أفق فيه، سوى زعم الادارة الأمريكية الجديدة بأنها قادرة ومن جديد على معالجة المشكلات العميقة فيه.
وينتج هنا رأيان، الأول: ليبرالي يقول بفائدة التدخل الأمريكي وأهميته، والآخر: وهو السائد يعارضه ومن منطلق حماية نفسه، ومن أجل بقاء نظام الاقطاع المذهبي.
الرأي الأول يقول: إن الأمريكيين هم الذين سيدخلوننا عهد الحداثة، والرأي الأخر الذي رفعته السياسة الأمريكية يخشى من إسقاطها له.
رأيان كلاهما يعبران عن فئات وسطى تابعة للغرب او لأنظمة الاقطاع المتعددة، وهي فئات لم تنتج إرادة التغيير الحديث ولم تتحد لأسباب تتعلق بتطور قوى الإنتاج وأشكال الملكية السائدة، وبالوعي المتخلف وغير المركب.
إن العودة لفكر النهضة وفكر الثورة العربية مجدداً لا بد أن يتم بتجاوزهما معاً، في نفي جدلي، وتركيب أعلى، يجمع بين الخصائص الإيجابية لكلتا المرحلتين، من نهضوية وعلمانية وديمقراطية، وقيادة لقطاع عام طليعي، وتشجيع للقطاع الخاص، ومن استلهام لمضامين الأديان الثورية، وتحليل الجذور.
-
إيران.. إلى أين؟ … نقد التجربة الإسلامية في إيران
كتب : عبـــــــدالله خلـــــــيفة ≣ الشاه وحداثةٌ لم تكتمل≣ عربٌ وفرسٌ.. تاريخ متداخل متناقض≣ الفاشيةُ في إيران≣ خندقان وأمّتان≣ تصاعدُ الفاشية فكرياً في إيران≣ الانقسامُ الطائفيُّ المشرقي≣ الثقافة والسلطة في إيران≣ الوضع الإيراني والتحولات≣ إيران.. إلى أين؟≣ الأدبُ الفارسي القديم والقومية≣ نضال شعبي ضد الإرهاب ومن أجل الديمقراطية والسلام≣ الصراع الإيراني العربي≣ الفاشيةُ الإيرانيةُ وذيولُها≣…
