إن البناء الاجتماعي يحدد بشكل عام توجه أي حزب حتى لو كان قادماً من الخارج، فالبناء يعيد تكييف التنظيم حسب طبيعة المجتمع الذي يعمل فيه، رغم أن العديد من الأحزاب تحاول أن تحافظ على بنيتها الجوهرية المستوردة، لكنها لا تستطيع أن تستمر إلى الأبد في عملية التبعية، لأن الأرضَ التي تشتغلُ فيها لها طبيعة مختلفة.
ومن ثم فإن الشكل التنظيمي لحزب الله بين إيران ولبنان كان هو نفسه، وتغدو المرجعية المذهبية والمصادر الفكرية هي نفسها كذلك، وهذا أمر يقود الحزب إلى ازدواجية بين جذوره وبين البناء الذي يشتغل فيه.
وإذا كان قد تشكل في إيران كأداة لدولة شمولية، فإنه في لبنان تشكل كانشقاق من تنظيم بدأ متهادنا وغير قتالي، فصار دوره في إيران قمعياً، وتناميه في المجتمع محدودا بسبب الانفصال بين مؤسسات الدولة الدينية المتعالية وجمهور الشعب.
في حين كان الأمر في لبنان مختلفاً، فليس هو جزء من بنية الدولة القامعة، صحيح انه ارتبط بالتحالف السوري – الإيراني، وكان بعيدا عن عمليات القمع التي وجهت للمعارضة الديمقراطية، لكنه لم يحاول أن يزج بنفسه في مثل هذه العمليات، ولم يعتبر نفسه طرفاً في إضطهاد طائفة لبنانية أو فريق..
إن الموضوعية في التحليل تقودنا إلى التمييز بين جماعة وجماعة في نفس الخط الإيديولوجي، وعدم سلق النتائج والاتهامات.
نعم إن بناء تنظيم بمثل هذا الاسم يحمل دلالات سلبية، لأن الإسلام كيان فكرى مفتوح، وفي أمور الجهاد يتوجه إلى التنظيمات الجبهوية، التي تشمل كل المتضررين من الاحتلال أو الاضطهاد الاجنبي، من دون تفرقة بين مذهب وآخر وبين دين ودين، وبين فكر وفكر، لأنه لا جنسية للضرر ولا ملة للخطر.
في بناء سياسي استبدادي سوف يتحول التنظيم إلى إضافة جديدة واتساع كمي، لكنه في بلد متحضر و(ديمقراطي) سيتأثر بالمناخ، وحين ينخرط في النضال الوطني ستكون مساهمته مهمة بهذا الشأن.
إن إشكالية الفهم التقليدي المسيطر في سوريا وإيران هو الذي لعب دوره في تحجيم التطور الديمقراطي داخل هذين المجتمعين، كما أدى إلى تفجير الصدامات مع القوى الخارجية، التي بدورها استغلت عدم المرونة هذه في جر المجتمعين الإيرانى والسوري إلى المواجهات لتكسيرهما، وهي أمورٌ راحت تتحملها بلدان المنطقة وشعوبها جميعاً.
فإذا كان الحزب منخرطاً في هذه الاستراتيجية تغدو المسألة مركبة ومتعددة الأوجه، فهو يدخل لعبة سياسية أكبر منه، لعبة دول كبيرة، يغدو هو منتصرا في جانب منها، وضحية في جانب آخر.
وإذا كانت القضية نضالية وموجهة لعدو تغدو كذلك محدودة، لأن الدولتين الراعيتين للحزب لا تريدانها شعبية جبهوية ووطنية لبنانية، مثلما أن المعركة ضد القوى الغربية تغدو لديهما ضيقة ومحدودة، وللعجز عن التطور أكثر منه عداءٍ حقيقياً للتبعية.
إنها سياسة تحجم من الاصطفاف الوطني النضالي في لبنان ضد الصهيونية وتحجم كذلك الاصطفاف النضالي للدول العربية ضد التبعية، بأن تجعلها ذات مقاييس مذهبية وطريقة جامدة.
فيفترض في السياسة النضالية أن توسع القوى وتحشد الدول لما هو ممكن، وليس أن تخلق سياسة محاور تعود بالضرر على دول المنطقة أكثر من غيرها.
وفي حين ابتعدت الدولتان الإسلاميتان عن مساندة حزب الله في المعركة كان العدوان ضارياً، وثبت أن الشعب وحده هو الحامي لأي حزب، وهو جذوره وأعماقه.
كما أن القوى اللبنانية وجدت نفسها في خندق واحد، ومن هنا اتجهت التطورات اللاحقة إلى مواقف إيجابية أكثر من حزب الله تجاه التعاون مع الحكومة اللبنانية والترابط مع الشعب وعدم الرد المراهق على سياسة التعسف الإسرائيلية.
وهكذا فإن النضال الوطني رغم جسامة العدوان كان هو أقوى من الجذور الخارجية، والداخل هو الذي يصهر أي حزب على المدى الطويل.
إن عملية الانصهار هي قضية ديمقراطية عميقة تتعلق بمدى تطور الوعي الشعبي اللبناني وانحيازه للوطنية، وذوبان الطوائف، وصعود دور الطبقات الوطنية الأساسية، البرجوازية الوطنية والعمال، ومن دون هذه العوامل الموضوعية فإن الطائفية ستظل هي المحرك الإيديولوجي والسياسي للأحداث، وبالتالي فإن صراع الطوائف سيعود مجدداً برغم الهدنة الحربية.
2006-9-6
الجذور الاجتماعية والفكرية لحزب الله
إذا كان حزب الله قد تشكل في خضم الثورة الإيرانية الشعبية فهذا أمرٌ قاد إلى مجموعة من الظواهر المتشابكة الإيجابية والسلبية، فذلك قد حرك الجمهور الفقير الواسع النطاق الريفي المتدفق على العاصمة وعلى المدن أن يكون له تأثير على ساحة الأحداث وصياغة المستقبل السياسي للجمهورية. فلم يعد التاريخ تصنعه النخب والحكومة المتفردة بالقرارات، بل صار يتشكل كذلك في الأزقة.
ولكن نمو الأحداث كذلك، وتوجه القوى المهيمنة للنظام القديم لتسليم السلطة لرجال الدين، قد جعل ذلك الزخم الشعبي الديمقراطي الثوري يتجمد في سلطة نصوصية محافظة، هي نتاج سيطرة الإقطاع خلال ألف سنة سابقة، مظهرت الوجود الإسلامي في شعائر وتنظيمات اجتماعية لا تصل إلى زخم الثورة الإسلامية التأسيسية، التي أقامت ديمقراطية مباشرة، وأعطت الأرض العامة والدخل للجمهور.
ولم يكن أمام المحافظين الدينيين إلا أن يفرملوا زخم الاندفاع الجماهيري ويؤطروه في مؤسسات يسيطرون عليها، وتحد من حركة الجمهور الحرة.
وهكذا عاشت عملية الارتداد عن الثورة طابعين متضادين، الأول تمظهر في تحول الدولة إلى (الأب) الراعى للجمهور الفقير. فأقامت المؤسسات الراعية له، كمؤسسات الشهداء وجعلت القطاع العام الهائل تابعاً لها، وهو القطاع الذي يجمع في يديه أكبر الثروات. وهو الذي يقدم وظائف كثيرة لجمهور عاطل وزراعي مقتلع من أرضه.
ومن جانب آخر، فإن الدولة كانت راعية كذلك لتجار البازار وقوى الملكية الخاصة المختلفة، وهو القسم الذي كان يتطور باتجاه الحد من هيمنة الدولة على الفضاء الاقتصادي.
وهكذا فإن فقراء حزب الله وجدوا أنفسهم معادين لليبرالية والديمقراطية، وهم أبناء الثورة، حيث ساندوا بقوة تضخم الدولة وسيطرتها وتدخلها في شتى نواحي الحياة، لأنهم في المتواري من لا وعيهم، يرغبون في اشتراكية، لكنها دينية، يهيمن عليها الإقطاع بمظلته الفكرية، حيث تكون الملكيات الأساسية للناس، وبالتالي كانوا يقرأون جميع المسائل بشكل خاطئ تاريخياً.
فالرأسمالية تشق طريقها، وقد قيل للشعبيين الروس في القرن التاسع عشر إن الرأسمالية منتصرة، لكنهم رفضوا ذلك، وقد حقق لهم البلاشفة حلمهم إلى حين، وهكذا فإن أعضاء حزب الله هم هؤلاء الشعبيون لكنهم إيرانيون، ولهم قرناؤهم في كافة البلدان التي تواجه العمليات التمزيقية للرأسمالية، لكنها الضرورية في مجرى التاريخ الراهن، والقليل منهم سوف يتغلغل في مطبخ الحكومة ليكون ثروات، في حين ستقع الأغلبية في حضن العمال.
إن (الاشتراكية) الدينية هذه تُرفد بالتراث الشيعي الإمامي غير المقروء بفكر حديث، والذي غطت على لآلئه أفكار الغيب وقطع جذوره عن الفعل الشعبي الديمقراطي للإمام المؤسس، ذلك الفعل الذي لا يعترف بالقسوة والاصطياد ويتوجه للعدل والكرامة الإنسانية، بشفافية وبحضور الناس الفاعل، ولكن القمع الذي تشكل في عهد الدول غطى على تلك الجمرات المتوارية، فقُدمت أشكالٌ وتنظيمات شعبية تعاضدية بسيطة لكنها لا تجمع بين التعاون والحرية، بين النضال الجماعي والديمقراطية، بين الانتماء للإمام وبين الثورة المعاصرة الحديثة.
وهكذا غدا حزب الله مع نمو سيطرة المحافظين، أصحاب الملايين على الدولة والثروة، باتجاه التخلي عن أحلام الفقراء الذين ظهر من بينهم، وبدلاً من أن يتجاوز هيمنة الدولة الشمولية بدولة يسيطر فيها القطاع العام بشكل ديمقراطى، ارتهن بهذه الدولة الشمولية التى تسرق الفقراء باسم الإسلام وتنمي ثروات البرجوازية الحكومية وتجار البازار باسم النظام (الإسلامي)..
إن عدم انضواء حزب الله تحت مظلة الفكر الديمقراطي هو بسبب تصوره بأن الديمقراطية ليس لها سوى شكل غربي، يترافق مع الاباحية، وأن المسلمين عاجزون عن إنتاج شكل ديمقراطي حقيقي وغير متضاد مع جذورهم ومثلهم الأخلاقية، وهو وهم لا تزيله سوى قدرات القوى الطليعية بالجمع بين الديمقراطية والإسلام، بين الجذور والمعاصرة.
وهو وهم تكرسه قوى المحافظين الخائفين على الأموال التي سرقوها بهذه الدكتاتورية الدينية.
2006-9-2


