أسباب تخلف التحديثيين

تعول عملية تخلف التحديثيين عن الوحدة وتشكيل جبهة مشتركة لتبعيتهم لقوى غير تحديثية، أي هو بسبب عملية شق الصفوف التي قام بها البعض لهذه الجبهة الضعيفة عموماً.
ولسنوات اعتمد هذا البعض على التفرد وشق الصفوف الوطنية التحديثية لكي يصل إلى صدارة العملية السياسية، لكن سياسة التفرد والمغامرة قادت إلى إنهاك صفوف التحديثيين التي كان (اليساريون) أبرز القوى بينها.
كما أن اعتماد سياسة التفرد وابعاد العناصر الليبرالية والدعوة لشعارات (اشتراكية) قد أدت إلى جعل جماعات قليلة من البرجوازية الصغيرة تسود الساحة، حتى لم تعد هذه الشعارات اليسارية قادرة على فهم متغيرات المنطقة الكبيرة.
فقد كانت المنطقة على صعيد الشعارات السياسية تتراجع وتتخلف، نظراً للعجز عن القيام بمهمات التحول الديمقراطي، وتمكن المحافظين في المنطقة من إعادة الوعي السياسي إلى الوراء .
ولكن انقلاب مثقفين من البرجوازية الصغيرة على خط التطور الفكري السابق، تمثل في زيادة تفكيك صفوف التحديثيين والترويج لمقولات المحافظين والعمل معهم، وبالتالي ضاعت حتى المكاسب الفكرية التحديثية التى تشكلت في صفوف ما سمى باليسار.
من الواجب البحث عن مثل هذه الأسباب بدلاً من دفن الرؤوس في الرمال، أي علينا التمعن في الأسباب التي قادت نقراً صغيراً إلى التعاون مع الديكتاتوريات السياسية المحافظة في المنطقة، وهو التعاون الذي كان ينخر النسيج الذي كان قوياً لهذه الحركات.
وتغدو السياسة اليسارية الكارثية الآن هي جزء من هذا المسلسل المتهاوي.
علينا أن نبحث أسباب هذه الخيانة التاريخية بشكل مستمر ومتواصل وعبر المواد الجديدة التي تتوافر كل يوم، فبدلاً من أن تقوم العناصر التحديثية بتثقيف الدينيين، وسحبهم من قواقعهم الطائفية، يقوم الدينيون بحرق الورق الفكري لليسار، وتشويه تاريخه وفكره، من أجل أن يتحلل ويذوب، ويعجز عن التغلغل إلى صفوف الفقراء الذين جروهم إلى مواقع متخلفة معادية لبعضها البعض.
يتمنى اليسار المتحلل أن يعطيه الدينيون أي جزء من الكعكة السياسية، فقد عاش هذا على التسول من موائد الطغاة، لكن هؤلاء لديهم «تكتيكاتهم» الأخرى في تحطيم القوى التحديثية، وسيادة منطقهم السياسي المذهبي .
وهكذا فقدت أضاعت القوى التحديثية فرصة مهمة لتثقيف الجمهور العادي وسحبه من الزنازين الطائفية، وتكوين مد ديمقراطي شعبي، بحيث يرتفع على التقسيم الطائفي في جمعياته ونقاباته، وبحيث أتاحت الخيانة التاريخية تصعيد المذهبية السياسية إلى مستوى خطر جديد .
وبما أن كتل الإقطاع الديني والسياسي تلعب بأوراق الدين والإدارة وجر الجمهور إلى الطائفية، وتخريب العملية الديمقراطية بمماحكات سخيفة، وتوجيه الأصلاح السياسي والاقتصادي إلى مزيد من الفوائد للشرائح الطفيلية، فقد راحت مجموعات من القوى التحديثية تنزلق في البرنامج الشمولي الطائفي، وتعرقل التطور التحديثي بأبسط أشكاله المعاصرة.
يقود هذا إلى ربط الجمهور بكتل مذهبية خطرة، سوف تقودها الصراعات المتزايدة بينها إلى وضع البلد في مأزق تاريخي، وتبرير الجمود والجنون السياسي . وإذا ربطنا هذه التصعيدات بالمحاور السياسية في المنطقة بين الدول الكبيرة واحتدام الصراع بينها، وبالتالي فإن هذه التقسيمات المذهبية ستجر الناس إلى أتون ساخن مدمر.
هكذا تتحول سياسة الخيانة التاريخية من قبل بعض التحديثيين إلى بذور فتنة كبرى قادمة، وإلى تبرير عمل المجموعات الطائفية، التي أنكرت بدورها الإسلام الوطني التحديثي الديمقراطي وتقوقعت في هيمنة الإقطاع الديني.

أضف تعليق