الدساتيرُ والشعوبُ

الدساتيرُ والشعوبُ

الوثيقةُ المسماة (دستوراً) وثيقةٌ عصرية مغايرة لما عرفتهُ الشعوبُ طوال تاريخها، فهي ليستْ مواد قانونية مجمّعةً على غرارِ سلسلةِ القوانين التي عرفتها الشعوبُ القديمة كالبابليين والإغريق، أو حتى ما عرفته الأديانُ من كتب، حيث ثمة مواد قانونية تجرم وتعاقب وتحرر من السجون وتبقى في هذا الإطار المحدود، بل هي وثيقةٌ انقلابية اجتماعية تُحدثُ قطعاً تاريخياً بنيوياً بين ما قبلها وما بعدها، وتنظم قوى المجتمع العامة في علاقات سياسية مستقرة.

المجتمعات ما قبل الرأسمالية المُفتّتة، ذات الأساليب الانتاجية المبعثرة، لا تحدُث مركزةً اجتماعية سياسية، فلا تصنع عاصمةً مسيطرة على كل الأقاليم، ولا تنشئُ وثيقةً تهيمنُّ بأحكامها على الحياة السياسية التي هي المنظم الرئيسي للعلاقات الاجتماعية السياسية بين الطبقات المتصارعة التي تجد إطاراً قانونياً للاحتكامِ إليه.

حين مركزتْ الصناعةُ الاقتصادَ وجعلتهُ منظماً، قامت الطبقاتُ الثلاث: الارستقراطية والبرجوازية والعامة (العمال والحِرفيون وغيرهم) بالاصطفاف السياسي داخل أول مجالس تشريعية منتخبة، معبرة بهذا عن أول لوحة اجتماعية تميز العصر الحديث عن غيره من العصور.

لقد قبلت هذه القوى الاجتماعية الانتخابَ والتشريع كوسيلة لإدارة الحكم وتنظيم الصراع السياسي، وتنفيذ الإجراءات والتشريعات التي يراها المنتخبون وتطبيقها في الحياة العامة لتأخذ مجراها في مختلف جوانب الحياة الخاضعة للقانون.

إن هيمنة الطبقةُ الوسطى على الطبقتين الأخريين: الارستقراطية الآفلة والطبقة العمالية الصاعدة، هو نتاجٌ لتملكها وسائل الانتاج الحديثة وهي المصانع وقدرتها على الصرف المالي على الآخرين، وبهذا فإن المجتمعات الغربية الديمقراطية عرفت صراعاً آخر مديداً سوف يدمغ التاريخ القادم بسماته، هو صراعُ المالكين والمنتجين، صراع القوى الواحدة في وسائل الانتاج، أي في المصانع، ومن يوزع الفوائض وكيف!

بين العصر السابق والدستور مسافةٌ زمنية تتراكم فيها منجزاتُ العقول الحرة، من ثقافة تحرر الإنسان من عبودية العصور القديمة، وتجعل مختلف الفئات قادرةً على التفكير المستقل وانتخاب القدرات المهمة الكبيرة المتمكنة من التشريع وتطوير القانون ومراقبة السلطات وتغييرها! فهي ثقافةٌ تلغي المطلقَ والأبدي في السياسة والفكر وفي الحياة الاجتماعية وتفتحُ عقلَ الإنسان للتغيير المتواصل!

هذه الأسس الموضوعية للدستور أخذتها دولُ العالم الثالث بلا سببياتها العميقة، فسحبتْ أشكالَها من فوق أرضيتها ووضعتها في أرضياتٍ أخرى، هي أرضياتُ المجتمعات ما قبل الرأسمالية، فهي أشكالٌ حديثة مركبّة فوق أوانٍ عتيقة!

فمهما تكن أوضاع الناس من جهل وتخلف وأمية ومحدودية وعي، فإن السياسيين الشرقيين يكتبون الدساتير بحسب أوضاع لا علاقة لها بالديمقراطية غالباً.

فربما وضعت المجموعاتُ الشموليةُ الدستورَ فوق جسم انقلابي يلغي وجود الطبقة الوسطى أساساً ويحيل العمالَ إلى عبيد مصانع، أو ربما انبثق الدستورُ في ظروف مبكرة لولادة الفئات الوسطى التي بعد لم تتحول إلى طبقة وتتجذر عبر المصانع الخاصة، ولهذا فإن الدستور هنا يكون مبكراً أولياً واعداً، وغالباً ما تترافق معه ثقافةٌ هزيلة لم تشهد قوة تفكير في الفئات الوسطى أو لم تتغلغل فيها نزعاتُ الحرية والاختلاف.

وربما تأتي مجموعةٌ عسكرية وتلغي دستور الحريات المحدود، وتمتلكُ أغلبَ المصانع، وترثها هي ومجموعاتها وورثتها السياسيون والعسكريون، وبهذا فإن حرية التداول والفكر تغدو منتفية لعقود، ويصعب العودة إلى دستور الحرية ما لم يتبدل الأساس الانتاجي للمجتمع أو أن يتحكم المجتمع في وسائل العيش وليس مجموعةً واحدة! الجدل الصراعي الحر بين الطبقة الوسطى والعمال وبقايا الطبقات القديمة في مؤسسات منتخبة هو الذي يعيد بعضَ دول العالم الثالث إلى الديمقراطية وإمكانية إصلاح وسائل الانتاج والعيش وتغيير مشكلات الحياة المخلتفة! 

أضف تعليق