الأرشيف الشهري: ماي 2023

في إنتاجِ دكتاتوريته الفردية يصعدُ لينين صراعَهُ ضد التعددية في الحزب، فيقسمهُ، ويصعدُ صراعَه ضد التنوع الديمقراطي في الغرب فيغدو الغرب برجوازياً لا بد له من شيوعية نافية له بكليته.

فاقدُ الشيء التاريخي لا يعطيه

حاول القوميون والشيوعيون والعديد من أصحاب الخيال السياسي قبل المذهبيين السياسيين الحاليين أن يخترعوا تنظيمات وأنظمة اجتماعية خاصة بهم من دون جدوى، وكانت الحصائل على المدى الطويل كارثية.

لا يعترف هؤلاء بالتشكيلة الرأسمالية التي سوف تستمر سنوات طويلة وتحطم تصوراتهم الخيالية وبرامجهم السياسية المحدودة التصور والآفاق.

يشترك المذهبيون السياسيون مع قرنائهم السابقين بكون البرجوازيات الصغيرة الصانعة لهذه التصورات هي منتجة هذين النشاطين النظري والسياسي، ولكن كل فصيل وجماعة تأخذ ذبذبتها الخاصة بكل ظرف وموقع، ففي حين دك الشيوعيون أنظمة الإقطاع وصنعوا رأسماليات عملاقة في روسيا والصين فإن المذهبيين السياسيين متذبذبون بين الإقطاع، معدنهم الأصلي، وبين الرأسمالية التي تظهر كعدو في مواقع متعددة هي الحرية السياسية والاجتماعية للنساء خاصة وللعقول، بينما حب المال لديهم في منتهى القوة.

  إيران تحاول بعصر ملايين الفقراء داخلها وخارجها أن تقوم بقفزة الرأسمالية الحكومية لكن عبر مغامرات سياسية وعسكرية محفوفة بأشد أنواع المخاطر.

في حين ان الإقطاعيات السنية هرّبت الأموالَ للخارج وعجزت عن استغلال العمل القروي الرخيص والثروة النفطية الهائلة في إنتاج مجتمعات مقاربة للرأسمالية الحديثة.

وقد انهارت أبنية فكرية وثقافية وسياسية سابقة، وضاع أصحابها من دون نتاجات خلاقة في العلوم والآداب، لعدم فهم التاريخ وتركيبه المعقد، ويأتي جذر الأمر من عدم رؤية الحقيقة وتحليل مواد الحياة الحقيقية وإضفاء تصورات خيالية عليها، مما يضعف عملية فهم المادة الحياتية.

فالقاص الاشتراكي يقدم الطبقة العاملة كمنقذة تاريخية من النظام الرأسمالي، وهذا صحيح على مدى كوني وفي البلدان الرأسمالية المتطورة، وليس في مجتمع تفتقد فيه المرأة حتى الخروج الحر من البيت. وقد يكون هذا التقديم من قبل القاص الاشتراكي هروباً من أسئلة حرية زوجته وابنته، ومن عجزه عن تحليل الدين، فيقدم هروباً إلى الأمام.

وهكذا يفعل الشاعر في قفزته على واقع التخلف والأمية فيرى العنف أداة لحرق هذا المجتمع المتخلف وإحضار بديل من الصين أو من فيتنام.

وتمكن أغلب أداة البرجوازي الصغير منتج الأيديولوجية الشمولية الدينية الراهن في التعكز على الدين كمظلة تساعده على الهروب من الإجابة عن أسئلة الواقع الحقيقية، فلديه الأمور بسيطة؛ (الإسلام هو الحل)، (ابتعدوا عن ثقافة الغرب)، (الرأسمالية شر والاشتراكية شر).

ولكن كيف يمكن الهروب من الشركات العملاقة المسيطرة في العالم، ومن نظام البنوك والأجور؟

كيف وأولادك يرون من خلف ظهرك كل يوم (شرور) الرأسمالية الغربية، وبناتك محجبات وتحت الحجاب كل فساتين الموضة؟

كيف وهم يتكلمون عن الفضائل وممارسة تخزين المواد الغذائية في الشركات والمخازن وملء الجيوب؟ كلام ديني وممارسة استغلالية.

ثم يطرح أناس حل الأزمات الغربية في الاقتصاد الإسلامي.

وهي عملية أدلجة لتقوية الرأسمالية الدينية وبنوكها التي تكدس أموال المودعين باسم الإسلام وهي تجري تحت بنود مضاعفة الأرباح.

لكن الغربيين لا يخفون عيوبهم، وبغض النظر عن أدلجة الليبراليين الذين يعتقدون ان الرأسمالية نظام أبدي مطلق، فإنهم يكشفون عيوبهم، ويبحثون عن مواقع الأخطاء، ويطورون الرأسمالية بمزيد من مقاربة حاجات الناس وكبح الاندفاعات الشهوانية الهائلة للرأسمال الخاص.

إن الموجات الشمولية الشرقية لا تنتج شيئاً عميقاً في الوعي والثقافة والدين، ولهذا فإن الاتباع بعد تحطم كل موجة شمولية كبرى تراهم يواصلون شعارات الموجة، بلا إنتاج أو نقد عميق، لماذا؟ لأن الموجة لم تحرر عقولهم من التزمت، ومن سلق مواد الحياة وتعليبها في شعارات عامة، لأنهم لا يقرأون ولا يدرسون، لا يشترون كتباً لكي يقرأوا قصة أو بحثاً، المآتم والبكائيات والندب والعيش بين أطلال الماضي العظيم وذكرياته الرائعة، هي ما يجمعهم.

والشموليون الدينيون الحاليون هم أسوأ الموجات، جاءوا من مناطق مغمورة بالفقرين المادي والثقافي، ذات علاقات تقليدية محافظة عتيقة، وألقتهم مصادفات التطور لكي يصطدموا بأكثر أشكال الرأسمالية العالمية تطوراً، حكم الشركات الكبرى والبنوك والعولمة وانتشار الإنترنت، فماذا فعلوا بهذه الثروة المعرفية الكونية؟

في الإنترنت استغلوها للرسائل القصيرة والشتائم وتمجيد الأحزاب المذهبية وما إلى ذلك من غايات ضحلة لا ترتفع إلى المهمات التي ينبغي أن يتصدوا لها كتحليل هذه الأنظمة التي يعارضونها ورؤية إيجابياتها وسلبياتها، ورؤية احتمالات المستقبل ودرس المنطقة التي يعيشون فيها ويسخرون منها.

ما هي النتاجات التي صنعوها؟ أين البحوث؟ أين الدرس الموضوعي للعصر واحتمالاته المخيفة؟

تجد مئات المواقع التي لا تحوي سوى هذه المساهمات المتواضعة، وتأتي الرقابات لتقفلها وتكوّن لها أهمية.

في حين تجد أن المثقفين المستقلين والقراء الموضوعيين ينشئون مواقع يدرسون فيها الأدب والفن والفلسفة ويتناقشون بعمق.

والإشكالية التي تواجهنا هي أن أعضاء الموجات السياسية الشمولية نظراً لعامل الاستقواء ببعضهم بعضا، وباستعراض العضلات، ومساعدة بعضهم بعضا لفرض مناخ معين، يكونون مسئولين عن مصير الناس، وعن مستقبل ابنائهم، ويواجهون حكومات تتلاعب بمستوياتهم المعرفية البسيطة.

إذا كنا يجب أن نخرج من تحت مظلة الثقافة الغربية فلمزيد من الثقافة الغربية الديمقراطية والإنسانية، وإذا كنا نعمل لمواجهة الشركات العملاقة فمن أجل زيادة أرباحنا الوطنية ومحافظتنا على البيئة وتطوير معيشة الأغلبية، وإذا دخلنا الإنترنت فمن أجل فهمنا لمنطقتنا بموضوعية وليس عبر إسقاط مذهبيتنا التي لا ترى العالم إلا من خلال نظارتها الضيقة.

لكن هل نستطيع أن نوقف مسار الشموليات المذهبية الراهنة وصداماتها؟

قد نستطيع أن نحد من بعض أخطارها لكنها مثل المذنبات التي لها مساراتها وأجسامها الخاصة ودورانها، فإما أن تذهب في السماء العريضة وإما أن تصطدم بالأرض مخلفة دماراً كبيراً.

وتبقى الإجابة التاريخية عند مركز المذنبات هذه، لقد كانت مراكزها سابقاً في روسيا والصين، والقاهرة، والآن صارت لها مراكز أخرى.

◇ من مواليد القضيبية - البحرين. ◇ خريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى سنة 1974. ◇ اعتقل من سنة 1975 إلى 1981. ◇ عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعية والثقافية في الصحف البحرينية والخليجية، ونشر في العديد من الدوريات العربية. ◇ عضو اتحاد الكتاب العرب بسوريا. ◇ ساهم في مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب، وأول مؤتمر أشترك فيه كان سنة 1975 الذي عقد بالجمهورية الجزائرية وقدم فيه بحثاً عن تطور القصة القصيرة في البحرين، وشارك في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب بتونس سنة 2002، ببحث تحت عنوان «جذور العنف في الحياة العربية المعاصرة»، وشارك في مؤتمر بجمهورية مصر العربية سنة 2003، وببحث تحت عنوان «المثقف العربي بين الحرية والاستبداد» وذلك باتحاد الكتاب المصريين. والعديد من المؤتمرات الادبية العربية. ◇ منذ سنة 1966 مارس عبــدالله خلــيفة كتابة القصة القصيرة بشكل مكثف وواسع أكثر من بقية الأعمال الأدبية والفكرية التي كان يمازجها مع هذا الإنتاج، حيث ترابطت لديه الكتابة بشتى أنواعها: مقالة، ودراسة، وقصة، ونقد. ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي قام بطبع نتاجه القصصي والروائي والفكري في دور النشر العربية المختلفة.

المسيحية وانتصار المثقف الديني

لقد قامت المسيحية بوراثة تراث المشرق [ الذي صار عربياً فيما بعد ]، وهو التراث الذي يعود إلى ما قبل أفكار الساميين الرعويين (الأكاديين )، الذين رفعوا الإله الباطش كحاكم قوي على الأرض والسماء، تعبيراً عن نزعة توسعية استرقاقية حادة، ووضعوا الإله التموزي المعذب الفادي جانباً. لقد كانت المسيحية عودة إلى إله الفلاحين الممزق هذا ، وهو إله تعمم في المشرق.

 لقد عادت المسيحية إلى الثالوث المصري والمشرقي عموماً : أوزوريس وحورس وإيزيس. وتم التخلي عن يهوه كإله باطش وكاستمرار لإله الرعاة القاسي. وجاء الأب والابن الفادي. لقد جاء الابن من السماء والمطلق وأتحد بالإنسان والنسبي، ودخلت الروح في الجسد، والنور في المادة، ثم عاد النور إلى السماء، وأعطيت الذبيحة الأخيرة الفادية لأخطاء بني آدم، أي تم تجاوز الإرث اليهودي. وتشكلت من العناصر الدينية المشرقية القديمة والحديثة مادة فكرية توحيدية أعطت للمشرقيين سلاحاً ثقافياً في وجه الاحتلال الذي غدا رومانياً.

في التداخل بين العنصرين الإلهي والبشري، المطلق والنسبي، النور والطين، الأعلى والأدنى، الأب والابن، آن وتموز ، أيل وأدونيس، علاقة سياسية تلغي الانفصال بين الدولة والناس. إنها تعطي للمنتجين إمكانية الاتصال والوصول إلى الدولة. فلم يعد الحاكم إلهاً باطشاً بل أباً حنوناً. ويتحول حب الابن والذوبان فيه صعوداً إلى المطلق وتغييراً للسلطة الجائرة المتعالية.

في ثالوث الأب والابن والروح القدس، صيغة سياسية بدت غامضة في أول الأمر ثم أخذت تتضح، عبر النضال الرهباني الطويل، وآلاف الشهداء الذين يلقون في النار وفي أفواه الوحوش خلال ثلاثة قرون من القسوة غير المتناهية.

لم يكن الأب الحاني غير المتدخل بقسوة في العالم سوى تعبير عن سلطة محايدة رفيقة، ولم يكن الابن سوى واجهة المثقف الديني وهو يرتفع فوق أكتاف الجماهير نحو السيادة على القرون الوسطى. وبدلاً من الأباطرة والملوك المطلقين كان نموذج الراهب المضحي الزاهد يُطرح بديلاً للجماهير التي أُرهقت من نظام العبودية القاسي حيث ملايين البشر تجلب وتسرق من قراها وصحاريها لتعمل في المزارع الكبرى للحكام والملاك الكبار للعبيد.

ويتحول هؤلاء الرهبان والقساوسة إلى هيكل هائل لسلطة تنمو في الحياة الاجتماعية . يقول القديس أيرينيوس أسقف ليون : [ لا سبيل إلى منع المسيحية أن تتفرق إلا أن يرضى المسيحيون بالخضوع لسلطة واحدة .. وتلك هي قرارات مجالس الكنيسة الأسقفية ].

لقد تشكلت سلطة هائلة من هذه الثورة، وأصبحت أراضٍ زراعية بحجم قارة في يدها، لكن المثقف الديني الفقير والزاهد لم يصل إلى السلطة، وحين يتحول الدين إلى مخالب دولة فلا سبيل لمنع الملاك الكبار من الاستيلاء على الثروة الاقتصادية والروحية، ومع هذا كان ذلك قفزة في التاريخ، بتجاوز عصر العبيد، للدخول في عصر الإقطاع، وما أقساه وما أكثر الظلمات فيه !

لقد تفككت قارة أوربا إلى إقطاعيات صغيرة، وذبلت المدن الكبرى، وسيطر الريف المتخلف بخرافاته وأميته، وانتشرت الزراعة والنبلاء بقصورهم الباذخة والفلاحون المدقعون فقراً، وتلاشت الفلسفات اليونانية، وقرأوا أرسطو بشكل مشوه، وأعتبر مع ذلك المعلم الأول، وتوجهت الأنظار إلى السماء والغيب، ورفضت الفنون، وتشكلت محاكم التفتيش للبحث عن المخالفين للعقيدة المستقيمة، عقيدة الكنيسة، وغاب المفكرون الأحرار والفلاسفة الخ

لقد تم تسييس صورة الابن ليتوافق مع صعود الرهبان والكنائس ولكن في النهاية لم يسيطر على الماكينة الدينية سوى كبار ملاك الأرض التي قسمت بين النبلاء والكنيسة، بطبيعة الخطاب الديني الذي لا يقوم بتحليل الصراع الاجتماعي، بل يموهه باحتكاره لفهم النص الديني وهو لا يحتكر سوى الثروة.

تركيا بين المبادئ والمصالح

التحولات السياسية في تركيا


عبرت السياسة الأتاتوركية عن علمانية خفتتْ من الغلواءِ الدينية الاجتماعية، خاصة في عزل النساء عن سوق العمل، وتحجيم الوعي العقلاني، وأسستْ قطاعا عاما مسيطرا، إلى جانبِ قطاع خاص كبير. لكن الفسادَ قلل الإيرادات كثيراً في القطاع العام، وتم استغلال هذا القطاع لأغراضٍ سياسية لدعم السياسيين المتنفذين، فاستمر العجزُ في الميزانية، وازداد التضخم، وفقدتْ الليرة التركية الكثير من قيمتها.
ومن الناحية السياسية استمرت البيروقراطية الحاكمة العسكرية – المدنية في الحكم وهو أمرٌ يشيرُ إلى وجودِ قبضةٍ سياسية قوية في العاصمة على الجمهور الشعبي، وعلى الأقليات القومية، وعلى الحركات الدينية والحركات اليسارية، من أجلِ تشكيلِ نهضةٍ وسطية تقاربُ الغربَ الديمقراطي حسب رؤية كمال أتاتورك. لكن هذه الطبقة الإدارية العسكرية واجهتْ الاختناقَ في هذا المشروع فالفسادُ الداخلي أهدرَ الكثيرَ من الفوائض، وقمعُ الأكراد والحربُ في قبرص وقهر الشعب كلها أضعفت الحكومات التركية المنهارة المتعاقبة.
منذ الأربعينيات من القرن العشرين بدأتْ الحكوماتُ المختلفةُ دعم القطاع الخاص، وغدت تركيا ذات بنية صناعية متوسطة، فالموادُ الخامُ محدودةٌ والعمالةُ المتخلفة واتساع هجرة العمالة للخارج لم تجعل تركيا ذات صناعات ثقيلة وتقنية عالية.
كما أن ذلك يرجع إلى البنية الاجتماعية وتقسيم العمل الاجتماعي:
“هناك فرقٌ كبيرٌ في مستوى المعيشة والحالة الاقتصادية بين الغرب “التركي” الصناعي والشرق الزراعي. يعتبرُ القطاعُ الزراعي أكبر قطاع من حيث تشغيل العمالة، حيث تبلغ النسبة زهاء 40% من مجمل قوى العمل في البلاد، ولكنه ينتجُ ما نسبته زهاء 12% فقط من الناتج القومي. القطاعُ الصناعي ينتجُ زهاء 29،5%، قطاع الخدمات ما يقارب 58،5% من الناتج القومي لتركيا. يعمل في قطاع الصناعة 20،5%، في قطاع الخدمات 33،7% من مجمل عدد الأيدي العاملة”، موسوعة ويكيبيديا.
هذه النسب توضحُ الطابعَ الوسطي للصناعة، واتساع حجم القطاع التقليدي، وهو المؤسسُ للحركات السياسية المحافظة عادة، ولكنه يشير كذلك إلى تنامي فئات البرجوازية المختلفة، وخاصة في الصناعة والخدمات.
قامت الحكوماتُ المتعاقبةُ بحماية الشركات الخاصة، ودعم التصدير إلى الاتحاد الأوروبي، والابتعاد عن سياسات الحروب والمجابهة، فبدأ معدل نمو الاقتصاد بالتغير والتذبذب عموماً، فكانت نسبة النمو في سبعينيات القرن الماضي بين 4% و7%، بعد تنام سلبي لعدة عقود لكن مع زوال النظام العسكري في سنة 1982، وتدفق أموال العمال المغتربين من أوروبا الذين يبلغ عددهم سبعة ملايين فرد، أخذ الاقتصاد التركي في الانتعاش.
ولكن قادت الخصخصةُ غير الشعبية والانتقال الواسع غير المبرمج لدعم القطاع الخاص في الثمانينيات إلى إحداث اضطرابات سياسية واقتتصادية كبيرة، مما أدى إلى التضخم الواسع وانهيار الليرة التركية وإلى صراعات سياسية كبيرة وتفجر المسألة الكردية في تركيا.
لابد أن نقول هنا إن هيمنة القطاع الحكومي البيروقراطي في عقود طويلة يماثل جزئيا الرأسماليات الحكومية الشرقية الشمولية حيث إن تلك الهيمنة للقطاع العام لم تصل إلى اكتساح الاقتصاد كله، وحيث استمرت التعدديتان السياسية والثقافية المهمتان في تركيا، لكن تلك الهيمنة للقطاع العام من جهةٍ أخرى أسست طبقةً مستفيدةً من هذه البيروقراطية السائدة، وقامتْ بتقنينها فكريا عبر تصوير البلد كبلدٍ ديمقراطي على الطراز الغربي، خاصة لما تسودُ فيه من حرياتِ العقائد التي غدتْ شأنا خاصا بالمؤمنين بها، لكن هذه الديمقراطية الاجتماعية المحدودة لم تكن ذات عمق ديمقراطي سياسي، لكون الطبقة المسيطرة ذات حجم عسكري كبير ورأس مدني ضئيل، وهو أمر تجسدَ في القطاعين العام المهيمن الفاسد والقطاع الخاص المُنتج شبه الملجوم.
ولكن جاءتْ موجاتٌ اجتماعيةٌ وسياسية داخلية أساساً وعالمية ثانوية متضافرة ومؤثرة لعبتا دوراً في الاتجاه بتركيا نحو آفاق جديدة.
إن سقوط المعسكر “الاشتراكي” لعب هنا دورا إيجابيا فذلك “التهديد” التاريخي المزعوم زال، والمسألة القبرصية توجهت للتهدئة، والحركات اليسارية المتطرفة خفتتْ نيرانُها، وبقيتْ المسألةُ الكرديةُ ملتهبةً، وكلُ هذا أدى إلى تصاعدِ الحرياتِ وخفوتِ دورِ العسكر التاريخي، وتنامي دور القوى المدنية، وبقيتْ علاقاتٌ ضروريةٌ جدليةٌ لابد من بروزِها بين البرجوازيةِ البيروقراطية الحربية الآفلة تلك والبرجوازيةِ المدنية الصاعدة وهي علاقاتٌ ذات أهمية في تشكيلِ وضعٍ سياسي جديدٍ مشترك، يجمعُ بين إيجابيات الماضي وإيجابيات الحاضر، وهذا لابد له من جدلٍ تاريخي وصراع سياسي بين القوتين يكشفان المضامينَ الملتبسة بينهما وهما لهما مصالح متقاربة وان طمستها اللغتان الايديولوجيتان لدى كل منهما.
كان تآكلُ العلمانية الأتاتوركية نتاجَ ذلك الشكل الإستيرادي للنهضة الغربية التحديثية الديمقراطية بدون وجود أساسها الصناعي الحر والثقافة الديمقراطية المحلية.
وقد بدت هذه العلمانية للجمهور البسيط العامل خاصةً كأنها نظام معادٍ، خاصة أنه مسنودٌ عسكرياً من حلف الأطلسي، الذي يلعبُ دوراً في حصار التجارب القومية التحررية في الشرق، كما أن هذه العلمانية وظفتها وإستفادت منها طبقةٌ عسكريةٌ بيروقراطيةٌ محدودة، قامتْ على إضطهادِ الأغلبية الشعبية.
لكن طريق القطاع العام البيروقراطي غدا مسدوداً بسبب الطريقة الإدارية الفوقية، وغياب السند الأهلي، ومعارضة التنظيمات السياسية، خاصة منظمات الطبقات المالكة التجارية والصناعية التي أتاحت لها نفسُ الحكومات النموَّ الإقتصادي المتواصل!
وبهذا بدأ التململُ اليساري الواسعُ في تركيا خلال عقود منتصف القرن العشرين الثانية، الذي لم يستطعْ إستثمارَ الحريات المتصاعدة وطرحَ هدمَ الطريقَ الرأسمالي التركي، وأعتبر البلدَ الحلقةَ الضعيفة في سلسلةِ الدول الرأسمالية الغربية فعاشَ حلمَ إسقاطِ نظامٍ كان ينمو وينعطف نحو طريق جديد كبير.
لقد تحولتْ الفئاتُ الوسطى خلال هذه العقود لطبقةٍ متوسطة مؤثرة، وأتاحَ تقزمُ القطاعِ العام والخصخصة، المجال للشركات الخاصة، ومن السيرة الخاصة لأردوغان نجد إنه كان بائعاً شعبياً، ثم مؤسساً لأعمال خاصة مهمة، وأخذت التنظيماتُ الدينية تتكيفُ مع النظام العلماني الرأسمالي التركي بشكلٍ تدريجي، فهي تتجذرُ شعبياً عبر العودة للإرث الإسلامي، عبر حشد الجمهور وراء شعاراتها التي لم تخف العداء للطبقة الحاكمة البيروقراطية الفاسدة السابقة، وكانت محطات الصراع بين النظام العلماني البيروقراطي والحركات الدينية، توضحُ الشكلانيةَ الفكريةَ السياسية عند كلا الجانبين، فالنظامُ يعتقدُ إن العلمانيةَ هي أزياءٌ ومظاهرٌ خارجية، مثلما أن الحركات الدينية تعتبرُ الإسلامَ شعائرَ حركية، وكان التصادمُ بين الشكليين العصريين والدينيين، هو خسارة لتطور السوق والإنتاج والوعي الديمقراطي عامة.
بعدها أخذت الحركاتُ السياسيةُ ذاتُ الجذورِ الدينية تبتعد عن المواجهات مع المؤسسة العسكرية الحافظة للنظام.
نرى هنا في التجربة التركية المعانيَّ الغامضةَ والمصطلحات غير المفهومة تتوضح، فالفئاتُ الوسطى لا تغدو طبقةً متوسطةً إلا عبر الرأسمال الصناعي وعبر نموهِ في البنية التقليدية، لكي يعيدَ تشكيلَها حسب التحديث وحاجات التطور، وهو أمرٌ غيرُ متاحٍ في الرأسمالياتِ الشرقية الشمولية الأخرى السائدة، التي تسيطرُ فيها الدولُ على الصناعة بشكلٍ شبهِ كامل، وهكذا فإن الفئات الوسطى التركية وهي تقومُ بالتصنيعِ وبالأشكالِ الأخرى من التوظيف الرأسمالي، تجددُ الإنتاجَ الوطني التقليدي، ولا تزالُ النسبة كما لاحظنا تراوحُ عند العشرين بالمائة.
وهذا المستوى لا يتيح إستبدال البنية التقليدية ببنيةٍ حداثيةٍ واسعة شبه كلية، ومع التطورات الاقتصادية – التقنية – الفكرية المنتظرة يمكن أن يتحقق ذلك.
هذا يؤدي إلى إعادة النظر في الثقافة الدينية التقليدية ذاتها، كما يتم تغيير طابع الثقافة الغربية المتغلغلة ذات الوجوه الشكلانية أو الثقافة السوداء أو الساحقة لتميز البلدان الأخرى وشخصياتها المتوارثة المستقلة وغير المعادية للثقافة الإنسانية كذلك، وهي عمليةٌ مركبةٌ لا تحدث إلا عبر ذلك التطور الإقتصادي والتقدم الاجتماعي، وبطبيعة الحال تحتاج إلى مثقفين من نوع خاص ولا يمكن أن تتشكلَ بطريقة آلية.
وقد تراوحُ البرجوازيةُ الدينيةُ التحديثية التركية في مسارها الراهن هذا، لأن طبيعة التغييرات في البنية الفوقية معقدة، ويمكن أن تستسهل النقل من الأقطار العربية خاصة نقل تجربة البنوك الإسلامية والسياحة وغيرها وهي عملية نقل للأموال العربية الإسلامية للغرب، وذلك سيؤدي لمشكلات كبيرة لها، لأن أهمية الفوائض أن تنتقل للبنية الصناعية – الخدماتية التركية وتعمق تطوراتها.
إن تقدمها يكونُ على الجانبين؛ على الجانب الغربي عبر العلاقات المختلفة المفيدة، وعلى الجانب الإسلامي والشرقي عامة، وهو سوق أخرى هائلة، يمكن أن تلعب فيها تركيا دوراً مغذياً للتحولات. وقد حاولت تركيا ذلك عبر تأسيس منظمة الثمان، التي لم تنشط.
لا تزال التجربة السياسية التركية التحولية في بدايتها لأن التحول الصناعي – التقني الحر في بداياته، فتغدو الأشكال السياسية التي تنمو من خلاله غير ناضجة بعد.

تركيا بين المبادئ والمصالح


تبدو التيارات الاجتماعية التركية متضادة بشكل عميق متقاطع وحاد، فهي لم تتكون بشكل متدرج ديمقراطي طويل، بل تشكلتْ في حُمى قرنٍ واحد، إنتقلتْ فيه تركيا من إمبراطوريةٍ إلى دولة، ومن كيانِ خلافةٍ يقودُ أغلبيةَ المسلمين المستقلة عالمياً إلى تابعٍ للغرب الرأسمالي المعادي وقتذاك للشرق الاشتراكي وللعالم الثالث التحرري الوطني.
وفي سعيرِ هذا الانتقال إطاحَ حزبُ الاتحاديين بالخلفاء الأتراك، وشكل نظاماً دموياً إستبدادياً قفز حتى على عنف دولة الخلافة التقليدي. وكان مضمون وجود هذه الحزب وسياسته يعني قفزة عسكرية من جماعات محدودة الثقافة والجذور الحضارية؛ ففي كلِ إنقلابٍ شعبوي يقومُ به عامةٌ متخلفون لا يجدون سوى وسيلة العنف الأهوج طريقاً لتكريس مصالحهم الغامضة والتي عادةً تتشكلُ في شعاراتٍ دينية أو قومية أو طبقية صارخة.
قفز الاتحاديون (الطورانيون) على خميرةِ التشكلِ السياسي التي كانت تعتملُ في جوفِ الجسد التركي الوطني القائد للأمبراطورية الإسلامية الكبرى، فلم يقدروا على صنعِ مذهبيةٍ إسلامية تجديدية كانت تحتاج إلى تراكمات ديمقراطية واسعة في صفوف الفئات الوسطى المدهوسة من قبل الخلافة المتخلفة التي دهسها كذلك قطارُ التاريخِ الغربيِّ المسرعِ المُوحِّد للإنسانيةِ في كيانٍ غامض حتى ذلك الحين.
ووجدَ القوميون المتعصبون في هذه القفزة العنصرية المسماة (الطوارنية) حلاً إيديولوجياً لإمبراطوريةٍ جديدةٍ تستندُ على العِرق، وتجمعُ الشعوبَ التركية أو ذاتَ الأصلِ التركي والمغولي في وحدةٍ تستندُ إلى الدم.
في هذا الخيال السياسي العنصري موادٌ إيديولوجية هي متماثلة مع الصهيونية والهتلرية والفاشية، ففي هذا الزمن كانت برجوازياتٌ غربيةٌ كبرى مخنوقةٌ من غيابِ المستعمراتِ الشهية التي تزودُها باللحم البشري وبالبضائع، مثلما أن البرجوازيةَ اليهوديةَ تحتاجُ إلى مسلخٍ خاصٍ لليهود، لا يشاركها فيه أحدٌ من العمالقةِ الغربيين، وهكذا تداخلتْ وإصطدمتْ هذه القوى المأزومة، بسبب غياب المستعمرات أو بسبب إنسلاخ هذه المستعمرات من سيطرتها كما هي الحالة التركية، فتشاركتْ في الهمِ الاستعماري المأزوم، إحداها وهي الطبقة الحاكمة التركية عبر الاتحاديين مضت في مشروع مذابح على خارطة الإمبراطورية الممزقة والمنفلتة إلى شظايا من دهس القطار الغربي، تقتل الآلاف من الأرمن وتعدم قادة العرب، وتقوم بالتتريك، بشكل يدل على أن صناعة الأفكار والمبادئ في فهمها لا يقوم إلا بالعنف.
ونلاحظ إن أقصى تجليات العسكرة الدموية تتجلى في هذه النزعات الأربع، وهي الطورانية والصهيونية والفاشية والهتلرية، وتحدثُ بينها تداخلاتٌ مباشرةٌ أو غير مباشرة أو جنينية أو مستقبلية، بسبب مقاربات زمن الولادة التي جمعتها في فترةِ إنهيارِ المستعمرات أو في زمن الشهوة العارمة لها، وجعلتها متقاربة جغرافياً وتاريخياً.
لكن السيناريو الطوراني القومي الدموي لم ينجح، لأن العديد من الأوربيين دخلوا في تقطيع لحم المستعمرات التركية أو الهجوم على دارِ الخلافةِ نفسِها، وهي الأمورُ التي شكلتْ صفحاتٍ سوداءَ فيما يُسمى بالحرب العالمية الأولى، لكن بالنسبة للشعب التركي الذي خرجَ من مستنقعِ المستعمرات، ودافعَ عن إستقلالهِ بتضحياتٍ جسام، فقدْ وُلد بشكلٍ جديدٍ عبر قيادة كمال أتاتورك، وهي القيادة الممكنة المعقولة في ذلك الزمن العسير.
هذه الولادة الجديدة تمت بنفس أدوات الإيديولوجية السابقة القومية الحكومية، وقد طورها كمال نحو التغريب والعلمانية والحداثة، والإنسلاخ عن العالم الإسلامي. وقد كانت فيها مميزاتٌ إيجابية وكانت فيها سلبياتٌ خطيرة كذلك.
وكان هذا هو مستوى الطبقة الحاكمة القادمة من العسكريين والموظفين والأغنياء الكبار الذين توحدوا عبر وظائفهم ومصالحهم وثرائهم مع هذه العلمانية الغربية، ولم يعودوا قادرين على فتح باب المساءلة لهذه الفترة وإمتيازاتها وسرقاتها وعنفها ودهسها لتقاليد الناس وقيمهم الدينية.
وكانت الأوربة مفيدة في تغيير العديد من الجوانب المتكلسة من الإرث الديني المحافظ الذي عُممَّ بأنه(الإسلام)، وكأن تركيا الفتاة التي فقدتْ المستعمرات فقدتْ ذاكرتَها كذلك، وهربتْ إلى الغرب، ونسيتْ قرونَ الإستغلال لعامةِ المسلمين في المعمورة التي حولتها لكياناتٍ متخلفةٍ مهترئةٍ قابلة للبلع من شتى الحيتان الغربية.
هذه الفئاتُ العسكرية والسياسية والاقتصادية لزمنيةِ العلمانية المتغربة، وجدت نفسها قوية في زمن الصراع العالمي بين الشرق والغرب، فعاشتْ على مساعداتٍ مُميزةٍ من الغرب، فهي تسَّرحُ عمالَها الفقراء في دولِ الغنى الرأسمالي في مهنِ البؤس، والذين يجلبون لها العملات الصعبة، كما تحصل على إعانات ومساعدات باعتبارها حليفاً وصديقاً لدوداً قد ينقلب في أية لحظة للدخول مع دول المحور، أو للانتماء للاشتراكية أو للمسلمين المتنامي دورهم في العالم.
هذا الموقفُ الرجراجُ الجغرافي السياسي كان له أن يسقطَ بفعلِ عوامل النمو الداخلي التي تصاعدتْ عبر السنين وهي تأكلُ العلمانيةَ المتغربة، وتأكلُ سيطرةَ الطبقةِ الفاسدة التي إستولتْ على الحكم خلال هذه العقود ورفضتْ الديمقراطية الحقيقية.
إن الشعوبَ لا تتغيرُ حسب الأوضاع الخارجية، بل تتغير من داخلِها أولاً، لكن الظروفَ الدوليةَ المؤثرةَ تتيحُ لتلك التحولات الداخلية الكامنة العميقة التي جرتْ عبر عقود، الظهورَ وتأكيد قوتها.
فإذا كان قد تمَّ إشتغالٌ سياسي عميقٌ بين الشعب أو لم يتم، هذا ما تبرزهُ الحياةُ السياسيةُ العالمية على مسرحِها المتحولِ دائماً.
فلم يظهرْ المعتدلون الليبراليون الإسلاميون في تركيا لأن قوةً أجنبيةً أخرجتهم من الظلمات، بل لأنهم إشتغلوا بين الجمهور العادي لعقود، وكونوا شبكاتٍ تنظيمية وإجتماعية، فالسياسةُ هي تتويجٌ للعملِ بين الجمهور.
إن إشتغالهم بين الجمهور جاء لأنهم سلكوا سبيلَ الرأسمالية الخاصة الحرة، فهذه تنتجُ المواردَ وتجعلُ أصحابَها ذوي أفكارٍ ديمقراطية، فالعلمانيةُ الحكوميةُ الشمولية المتغربة هيمنتْ على السلطاتِ السياسية والاقتصادية ومنعتْ على مدى عقودٍ ما يناقضُ أفكارَها، وبالتالي لا يستطيع الحصول على الدخول العالية.
كما أن علاقتها التابعة للغرب وهيمنتها الإستغلالية على الجمهور العامل المتعدد الأديان والقوميات، جعلت أفكاراً كثيرة تشتغلُ ضدها، ولم تحصلْ الأفكارُ الاشتراكية على الجمهور الواسع بسبب القمع، وعدم فهمها للحياة الاجتماعية الجارية المُصَّعدة للطبقةِ الوسطى، وبسبب دور تركيا الإقليمي التابع لحلف الأطلسي، وما جرى من تنفيعٍ للنخبٍ الحاكمة.
لقد ظهرتْ المعارضة الممكنة الأوسعُ من خلال الدين، ومن خلال توسع الفئات الوسطى، ودور المراكز الإسلامية العريقة، وتأثرها المستمر بالحداثة، فخرجتْ بخطوطٍ سياسية تركز على مصالح الفئات الوسطى الحرة وغير المرتبطة بتاريخ الدولة الطورانية، وعلى تجميع الأمة التركية بجذورها الإسلامية التحديثية.
وقد تشكلت مجموعات من قوى الأعمال الخاصة التي إرتبطت بالجمهور الواسع، وكان تحجرُ الطبقةِ الحاكمةِ في العلمانية الغربية الشكلانية التي إفادت في زمن سابق، قد غدا مضراً، لأن الجمهور الأوسع كان يعود لتقاليده العادية، إيجابية وسلبية، فإن العلاقات التقليدية وسيادة الذكور الاجتماعية على الإناث، ورجال الإقطاع على الفلاحين، والقوميين الأتراك على القوميات الأخرى وخاصة الأكراد، وهيمنة الثقافة التقليدية المحافظة على الحياة التركية عموماً، هذه كلها لم تزل مهيمنة على تركيا ولم تستطع أن تصل إلى الحداثة الديمقراطية العلمانية بمستوى الغرب لأن هذه يحققها التصنيعُ الثقيل الواسع وليست حتى القوانين الحديثة، وكانت تركيا مقيدة فقط بكوابح حلف الإطلسي، وحين إنهار الصراعُ بين الشرق والغرب، لم يعدْ لتركيا ذلك الدور العسكري بعطاياه، فوجدتْ نفسها في التخلف والفقر والمحافظة وسؤ الإدارة والفساد، وكأن ثورة أتاتورك لم تكن!
ولم تقبل السوقُ الأوربيةُ المشتركة دخولَها كاملةَ العضوية فيه، ولم تُعدْ كاملة لعالم المسلمين المحافظين وقد تجاوزتهُ ببضعِ ياردات حضارية! فأخذتها الحيرةُ السياسيةُ بين الشرق والغرب.
إن قوى الإنتاج البشرية التركية متخلفة وخاصة في الأرياف، ولم تستطع الصناعات المحدودة أن تعيد تجديد المجتمع بشكل تقني علمي واسع، وما أعطته إياه الثورة الأتاتوركية هو التحديث المجرد والبرلمان والحريات التي جاءت بعد صراعات طويلة ومشاق ضارية.
وجدت الأمةُ التركيةُ نفسَها حرةً لأولِ مرة في تاريخها الحديث، لأن الفئات الوسطى المشتتة تلاحمتْ بشكلٍ هام ومؤثر في الاتجاه الليبرالي الإسلامي، جامعةً بين التقاليد القديمة والخصائص الحداثية، بين جذور الإسلام وقيم الديمقراطية الحديثة السياسية، فتلك القفزة العلمانية الشكلانية كانت جارحة للحم الشعبي، فبدأ الشعب يعودُ لتقاليدهِ وراح يمزجُها بالسياسةِ وهو يعارضُ نظامَ الحكم الضيق الأفق، لكن نظامَ الحكم له طبقته القوية التي هيمنتْ على الموارد الكبيرة والمؤسسات العسكرية المختلفة، وقد قبلتْ أخيراً بالحوار وبالصراع السياسي مع الطبقةِ الجديدةِ الناشئة في أحضانِ المؤسساتِ الخاصة المستقلة.
ولهذا كان على حزب العدالة والتنمية الذي غدا هو التتويجُ السياسي لهذا المخاض أن يوسعَ الحراكَ الاقتصادي للمزيد من الآفاق والعيش للناس، وللمزيد من تطور الرأسمالية الديمقراطية الاجتماعية في تركيا، أي أنه يخدم حتى خصومه السياسيين الكبار، وذلك بإقامة العلاقات الاقتصادية الواسعة مع المجتمعات الإسلامية، وإعطاء الأكراد بعضَ حقوقهم وهوياتهم المسلوبة، دون أن يخرج كذلك من طموحاته الأوربية، وهذا كله عاد بتطور إقتصادي جيد خلال سنوات حكم حزب العدالة كما تشير الإحصائيات خاصةً على الطبقات المالكة.
أي أن كل ما يجري هو صراع بين أهل اليمين، لإنعاشِ نظامٍ تجمد بسببِ مقولاتهِ الفكرية السياسية المجردة، وإثبت إن العلمانية والديمقراطية لا تأتي من الشعارات ولبس القبعات، بل من مدى مقاربة أي نظامٍ للعاملين ورفع معيشتهم وتحريرهم من الفقر والأمية واللامساواة وهو الأمرُ الجوهري في القرآن، ولكن ذلك يظلُ بعيداً على حزب التنمية، بدون جدلٍ مع الطبقات الشعبية، وبمدى قدرة اليسار في تركيا على الإسهامِ في الديمقراطيةِ الاجتماعية، وجعل العاملين يتحركون لتطوير النظام وتطوير أنفسهم، فما يزال الفلاحون في فقرهم وتخلفهم، والقوميات خارج أقاليم الأتراك محرومة.
أي أن الشكلانية الدينية هي الأخرى لافتات مثل الشكلانية العلمانية، والأساس هو في الديمقراطية الاجتماعية وحراك الأغلبية الشعبية.

أردوغان والخداع السياسي

عاشت الامبراطورية العثمانية على سيطرة إقطاع عسكري سياسي متخلف أبقى المسلمين قروناً من التخلف.
لهذا كانت عظمة كمال أتاتورك في التصدي للغزاة وتحرير تركيا وتطويرها وتحديثها، فقام بمهام تاريخية جسيمة لم يستطع أي زعيم عربي في عصره القيام بها.
تحطيم العسكر العتيق وقواه من المتصوفة والدراويش كانت ثورة عصرية، لكنه لم يستطع استكمال مهام الثورة الديمقراطية بتحرير الفلاحين وتغيير ملكية الأرض، ولهذا فإن تركيا لم تغير بناءها الاجتماعي كلية، ودفعت الملايين من شعبها للهجرة وخاصة الى الغرب.
واعتبر الدينيون ذلك تغرباً على مستويين وجناية من جنايات الحداثة!
الاتاتوركيون رغم دورهم التاريخي تلاحموا مع القوى الإدارية الغنية وأخمدوا التحولات النضالية على مدى عقود، ولم ينشروا فكراً ديمقراطياً شعبياً مما جعل النزعات اليسارية والدينية المتطرفة تنشط وتخرب!
وجدها الدينيون فرصة في الاستغلال السياسي والقفز إلى الحكم، ووجدوا في اردوغان قائداً مغامراً تصدى لذلك بعكس زعمائهم المعتدلين الذين تخوفوا من آثار هذه الألعاب السياسية.
تلاعب أردوغان بالمشاعر واستغل فترة سجنه الضئيلة (أربعة شهور) في الدعاية، وقال انه صمم برامج لإخراج تركيا من أزمتها، مركزاً على الطابع الإيديولوجي، فيما كانت مشكلات تركيا بنيوية عميقة وتخلفا تاريخيا وتدفق الفلاحين الفقراء على المدن وتدفق العمال على أوروبا.
التلاعب بالشعارات وتحويلها إلى حماس جرّ الكثير من الفقراء للانخداع وصوتوا له، ولكن التغييرات العميقة لصالح القوى الشعبية لم تأت، ثم تشكلت فئة إدارية فاسدة جديدة إضافة الى القديمة.
فدخلت تركيا في أزمة داخلية مركبة، وانشطار في رأس الدولة وتفكك للمجتمع.
واستغل أردوغان ذلك في الانتشار في البلدان العربية واستغلال التحولات النفطية لصالح جماعته السياسية.

في إنتاجِ دكتاتوريته الفردية يصعدُ لينين صراعَهُ ضد التعددية في الحزب، فيقسمهُ، ويصعدُ صراعَه ضد التنوع الديمقراطي في الغرب فيغدو الغرب برجوازياً لا بد له من شيوعية نافية له بكليته.

كتب ومؤلفات عبـــــــدالله خلــــــــيفة متوفر في مكتبة صوفيا بالمحرق

   الكتاب                                                                   السعـر      

1 – عقاب قاتل.        ……………………………………………………………  4,5 دينار

2 – اغتصاب كوكب.   ………………………………………………………….     3 دينار                                        3 – رسائل جمال عبدالناصر السرية  ……………………………………………   4 دينار

4 – حورية البحر.  ……………………………………………………………….  4 دينار

5 – طريق اللؤلؤ.  ………………………………………………………………… 4 دينار

6 – رأس الحسين.  ……………………………………………………………….  4 دينار

7 – ابنُ السيد.   …………………………………………………………………..  4 دينار

8 –  ألماس والأبنوس. ……………………………………………………………  4 دينار

9 – ثمن الروح.  …………………………………………………………………..  4 دينار

10 – بورتريه قصاب. …………………………………………………………..   4  دينار

11 – مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني. ……………………………………………    4 دينار

12 – شاعرُ الضياء. …………………………………………………………..    4 دينار

13 – خَليجُ الأرواحِ الضَائعةِ. …………………………………………………  4,5 دينار

14 – هُدهُد سليمان. …………………………………………………………….  4 دينار

15 – الكسيحُ ينهض. ……………………………………………………………  4 دينار

16 – أنطولوجيا الحمير. ………………………………………………………..  4 دينار

17 – إنهم يهزون الأرض!  …………………………………………………….  4 دينار

18 – ضوء المعتزلة. …………………………………………………………  4,5 دينار

19 – سهرة.  ……………………………………………………………………  3 دينار

20 – جنون النخيل. ……………………………………………………………..  3 دينار

21 – سيد الضريح. ……………………………………………………………..  3 دينار

22 – دهشة الساحر. …………………………………………………………….  3 دينار

23 – نشيد البحر. ……………………………………………………………….  3 دينار

24 – الأعمال الروائية الكاملة، المجلد الأول. …………………………………..  5 دينار

25 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، جزء(1) – (2)  ……….  5 دينار

26 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، جزء(3)  ……………  5 دينار

27 – الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية، جزء(4)  …………….  6 دينار

28 – عالم قاسم حداد الشعري. …………………………………………………  4 دينار        

29 – تطور الأنواع الأدبية العربية. …………………………………………..  5 دينار

30 –  رأس المال الحكومي الشرقي. ………………………………………….  5 دينار   

31 – صراع الطوائف والطبقات. …………………………………………….. 5 دينار     

32 – الملعون سيرة وحوارات وما كتب عنه. …………………………………. 4 دينار

كتب ومؤلفات عبـــــــدالله خلــــــــيفة متوفر في مكتبة صوفيا بالمحرق

الدين بين الشكل والمضمون

الدين مثل غيره من الظواهر الاجتماعية له شكل ومضمون، وقد احتار الناس عبر التاريخ بين الأديان كمظاهر خارجية، وكمضامين اجتماعية وأخلاقية روحية. وكافة الأديان كانت ثورات في البداية، استهدفت تغييرحياة الناس، وتجاوز ظلم فئة واستغلال طبقة الخ..

لكن الأديان مثلها مثل الثورات لا يمكن أن تخضع لتأثير فئة ما كل التاريخ، وكثير من اللصوص والمستغلين الذين حاولت أن تجرفهم هذه الثورات الاجتماعية التي لبست لباس الوعي الديني، استطاعوا أن يتغلغلوا في أجهزة هذه الثورة، وفي شرابين هذا الدين أو ذاك.

وهكذا فإن القوى المستغلة عبر التاريخ تقوم بإعادة تفسير الدين، أو أنها تخفي مضامينة الحقيقية، أو تجرد أهدافه الاجتماعية الملموسة من طابعها السياسي والطبقي، وتركز على المظاهر الخارجية، والجوانب التي لا توجه الأسئلة إلى سيطرتها واستغلالها.

وقد احتارت الحركات الاجتماعية الإسلامية والمفكرون الإسلاميون في جذور الطابع الاجتماعي للإسلام، ولم يصلوا إلى أنه ثورة اجتماعية نهضوية تمت بأدوات عصرها، فقد قام بعضهم برفض العبادات وشكل بعضهم تنظيمات من حلقات وهياكل سياسية معقدة، يدخل فيها المريد من الخلية الدنيا ويصعد درجات حتى يصل إلى قمة التنظيم السياسي الديني، وحينذاك تتكشف له (الحقائق) التي لا تُقال له وهو في سن صغيرة وفي مكانة فكرية دنيا.

في حين شكل الصوفيون المسلمون درجات من المعرفة الصوفية يتدرج في سلالمها المريد، وتتفتح أمامه (الحقائق) بقدر ما ينزع عنه من ثياب الدنيا والعرض الزائل، ويتقدم في الحضرة القدسية.

المناضلون الإسلاميون الأوائل كانوا يحاولون البحث عن جوهر للدين خارج النضال الاجتماعي والصراع السياسي ضد المستغلين؛ فيجدونه في العزلة المطلقة والتجويع الذاتي للنفس والبعد المطلق عن الشهوات كرد فعل على الغرق في الشهوات والماديات التي تقوم له الطبقات الحاكمة.

وحتى الحركات الدينية التي وصفها المؤرخون بالحركات الاجتماعية، لم تصل إلى جوهر الدين، كحركة سياسية نهضوية تتطلب شروطاً خاصة، وحولوا الدين إلى مغامرات حربية وحملات للسلب والنهب، في حين غرقت الأكثرية المؤمنة في الاعتقال السياسي للحكام الجائرين، غائصة في أوحال العمل ومستنقعات الزراعة وكهوف الحرف، بينما كانت ثمار جهودها تضيع في الليل الطويل.

يتحول هذا الصراع بين الشكل والمضمون في الأديان إلى جنون أحياناً حينما يقوم بعض المغامرين برفض الدين جملة وتفصيلا، أو يبتكرون مذاهب من رؤاهم الذاتية ويصنعون جناناً موهومة.

أو تتحول إلى كوابيس اجتماعية حين يقوم الباباوات والملالي باحتكار الأقوال المقدسة وتفسيرها وتحديد من يدخل الجنان ومن يخرج منها.

أما التفسير الديمقراطي العصري للصراع بين الشكل والمضمون فى الدين فقد قام على ترك المؤمنين في عالمهم الديني الخاص، وأخرج المنطقة السياسية العامة منه، وجعلها ميداناً للتنافس السياسي والصراع الانتخابي.

فنهضة الأمم وتقدمها وتغيير حياتها صارت رهناً ببرامجها السياسية، ولم يعد أحدٌ يُسمح له باحتكار الحقيقة الدينية، أو أن يستخدمها في عمله السياسي، إلا لأن الدين صار ملكية عامة وتراثاً، غير مسموح بزجه في الصراعات السياسية.

إن هذه العملية العصرية أخرجت الدين لأول مرة من التداول السياسي التجاري؛ وأصبح المؤمن يذهب للكنيسة ويصوت للحزب اليساري أو اليميني حسب ما يراه من دور لهذا الحزب أو ذاك في قضاياه الاقتصادية والاجتماعية.

ولأول مرة في التاريخ يعطى للدين مكانته المقدسة واحترامه، ولا يؤجر لخدمة الاستغلال السياسي والاجتماعي.

قصة أول مايو

كتب : عبـــــــدالله خلــــــــيفة

الرفيق المناضل محمد أمين محمدي رحل يوم الجمعة  7  يونيو 2024

لم يكن ثمة من يعمل لتحويل أول مايو إلى احتفال بحريني، فهذا الاحتفال يشير إلى تكريم طبقة لم تحصل سوى على أشد أنواع العمل قسوة، وأقلها أجوراً..

ولهذا مرت جل سنوات الخمسينيات وأغلب سنوات الستينيات من دون اهتمام بعيد العمال العالمي, رغم بداية الحضور السياسي المكثف للعمال في الحركة الوطنية, حيث كانت الطبقة التي رفعت الزعماء الى اهدافهم, ومنذ الستينيات أخذت طلائع العمال بالتعبير عن الطبقة كطبقة مستقلة لها مصالحها المتميزة عن عموم الطبقات الوطنية.

وكنا كطلبة أو مثقفين في تنظيم عبر عن حركة العمال وهو جبهة التحرير الوطني, لم نكن ندخل في خصوصيات الطبقة وعالمها اليومي, وصنوف صراعها المعيشي على الأرض المتفجرة بالعرق, والدم, بين الآلات والدخان. أما الجيل القديم جيل الغوص الذي كان قاعدة الصناعة والأعمال اليدوية فكان بالكاد يعرف ماذا تعني نضالية الطبقة العاملة الحديثة!

وكان هذا من نصيب شباب العمال وقتذاك الذي أمتلك نصيباً من المعرفة, وزجت به ظروف الفقر والاستغلال تحت سيارات الشحن والنقل وفي (سالم الخطر) وعرف أفران الموت الصاهرة. خاصة شباب مدرسة بابكو الفنية التي ازدهر فيها الوعي التقدمي خلافاً لإرادة الشركة وطابع عمالها المسالم المسترخي في ظل امتيازات تفصله عن بقية العمال.

كانت الحورة كغيرها من الأحياء الشعبية تضج بحركة هذا الشباب, وكان العامل محمد أمين الذي عمل في بابكو طويلاً, من العمال الشباب المهتم منذ أواخر الستينيات من القرن الميلادي الماضي, بقضايا العمال المعيشية والعملية, وقد خطرت له هذه الفكرة البسيطة بأن يكرس جزءاً من وقته لتعريف العمال بقصة أول مايو, وأي مراجع لجريدتي الأضواء وصدى الأسبوع في تلك السنوات سيجد أسم محمد أمين أو أي أسم مستعار, يتعمد الكتابة قبيل شهر مايو عن حدث أول مايو وكيف ظهرت المناسبة بعد أحداث أمريكا والتعسف ضد العمال الذي جرى في نهاية القرن التاسع عشر. لكن هذه التعريفات والكتابة لم تحول المناسبة الى فعل احتفالي, ولهذا فقد تحول محمد أمين إلى التنظيم لكي ينتبه المثقفون والعمال للمناسبة ويجعلوها تسري بين العمال, ولهذا أقترح كتابة ملصقات صغيرة شعارية ورسومات تعلق في الشركات والمصانع عن المناسبة. هنا تحولت الفكرة من فكرة فردية إلى انخراط حشد من العمال الشباب والطلبة في الكتابة والرسم وتوزيع الملصقات والمنشورات عن اول مايو, ومن المجموعة الصغيرة إلى أن غدت الفكرة تضم عدداً كبيراً من العمال.

وبدلاً من شباب عمال بابكو المتميزين دخل عمال شركات المقاولات والشركات الصغيرة الذين كانوا رئة العمال في التحركات, حيث كانت الأجور الهابطة وعدم وجود عمل ثابت, تجعلهم يجمعون بين الإضرابات والدعاية النقابية وليدخل مطلب أول مايو أجازة محسوبة.

وتوجهت الملصقات إلى التعبير عن المشكلات الرئيسية للعمال كالعمل من أجل تحديد ساعات العمل أو المطلب التاريخي بتحديد الحد الأدنى للأجور الخ..

تم نقل الشعار الى احتفالات حقيقية فيما بعد, لكن يوم العمل ظل بلا إجازة فتجري الاحتفالات بشكل ليلي, ومن خلال تجمع حشود العمال, وتحولت الفكرة في التنظيم الى مطلب سياسي ضمن المطالب المدرجة عن الديمقراطية.

وهكذا حين تشكل أول مجلس منتخب رفعت كتلة الشعب مطلباً بضرورة تحويل أول مايو إلى يوم إجازة, أسوةٍ بمختلف بلدان العالم.

وتم الاعتراض على هذا المقترح من قبل كتلٍ متعددة بالقول أن أول مايو لا يندرج في اعياد المسلمين كعيد الحج والفطر, وحين احتج نواب كتلة الشعب بأن البلد تحتفل بعيد الاستقلال, وهو ليس عيداً دينيا, تحكم التصويت بإجهاض المقترح.

ورغم دخول البلد في عواصف الانقلاب على المجلس المنتخب وتوسع البناء الاقتصادي وانهمار العمالة الاجنبية فان المناسبة أفلتت من يد النخب الصغيرة وغدت مناسبة شعبية يتم الاحتفال بها بأشكال غير رسمية, رغم غياب النقابات وسرية المنظمات.

وفي السنوات القليلة الماضية لم يحتج البلد إلى صراعات ومناشدات لكي يتحول أول مايو إلى اجازة, بل غدا ذلك بعد أن ذاب الجليد, لكن لا يزال بعيداً أن يكون عيدا بهيجاً يحتفي به أغلب العمال ولهذا فانضمام أغلبية العمال ينتظر تحوله من يوم اجازة وتذكير سياسي إلى أن يكون عيداً احتفالياً سعيداً.

محمد امين محمدي

جسد فهم المجتمعات للمادة، وهي الأشياء والعالم الخارجي الموضوعي، خارج العقل البشري، مدى قدرة البشر على السيطرة على الطبيعة والمجتمع، ومدى قدرتهم على التصنيع وخلق تراكم للعلوم الطبيعية والاجتماعية.

الديمقراطية والتقليدية

الديمقراطية من جهة، والأنظمة والحركات التقليدية من جهةٍ أخرى، في حالةِ تضادٍ لا يمكن التوفيق بينها.

الديمقراطية حداثة، ووطنية، وعلمانية، وديمقراطية وتقدمية.

والتقليدية طائفية، ودينية، وشمولية، ونظرتها الوطنية ملتبسة وأفقها التاريخي غائم وشائك!

كيف سيحاولون التوفيقَ بين هذه المتناقضاتِ وإلى متى؟

أي نظامِ يطبقُ هذين التوجهين المتضادين سيجدُ نفسه بين طرق شتى متعاكسة تحفر في كيانه من جهات مختلفة، وسيحاولُ أن يوفقَ وينشىءُ الفلسفةَ التوفيفيةَ بين الثلج والنار، بين الشرق الإقطاعي والغرب الحداثي الرأسمالي، بين العالم الطائفي والعالم العلماني، بين أناس يقولون ان المرجعية للمذهب، وأناس يقولون إن المرجعية للشعب، أناسٌ أدلجوا الأديانَ وحولوها إلى حصالات للعيش على حساب الفقراء، وأناس يريدون بصيصاً من النور لسياسة حرة تخدم الشعب ولا تفرق بين الطوائف، وتغدو المرجعية للدساتير المصونة.

حين تقوي الديمقراطيةُ المفترضةُ القوى التقليديةَ فسوف تتمردُ على الديمقراطية حين تتطور وتقترب من السمات العالمية، وتقلص من نفوذها، لكن بعد أن قويت وامتدت لجذور الحياة الاجتماعية السياسية.

يجب عدم الاعتماد على مرجعياتِ وزارات الخارجية الأمريكية والبريطانية في لحظاتٍ مقطوعةٍ من لحظاتِ سياساتها المتبدلة دوماً بحسب ظروفها ومصالحها، وليس بحسب المرجعية الغربية الديمقراطية العلمانية ومصالح الجماهير الشعبية في تلك الدول كذلك.

فالبرلماناتُ تفوزُ فيها عادةً القوى اليمينية الممثلة للشركات الكبرى وهذه تريدُ نفطاً رخيصاً وأسواقاً مفتوحةً وقطاعات عامة مهدمةً وغيرَ ديمقراطية، فتدعو البلدان العربية لسياساتٍ (ديمقراطية) مبنيةٍ على حراكِها السياسي المؤقت، أي أن تخففَ الصراعات بها بشكلٍ راهن عابر، حتى تقوم بمهماتِ شراء النفط الرخيص، وتغدو أسواقاً مفتوحة، وأن تُحضرَ منها الرساميل الكبيرة وأن ترتبط بعملتها، ولا تنظرُ نظرةً بعيدةَ المدى من أجلِ الاستقرار الطويل الأمد وإلى تطور هذه البلدان وإلى نمو تحديثها وازدهار صناعاتها. فهي ديمقراطيةٌ غربية تسويقية استنزافية للعملات الوطنية والخزائن الناضبة يوماً بعد يوم!

ولا توجدُ من جهةٍ أخرى سياساتٌ وطنيةٌ بعيدةُ المدى في الدول العربية الإسلامية، تثمنُ هذه الجوانبَ التكتيكية الغربية(الديقراطية) لكن أن ترى أبعد منها وتضعها في مرحلتها وتحدد القوى الراهنة المستفيدة منها والمؤثرة فيها، وتشكلُ استراتيجياتها الخاصة القائمة على سياسةٍ علمانية ديمقراطية متدرجة شعبية في بلدانها، وأن تسحبَ عملاتها من تحت مظلة الدولار، وتعمل على إيجاد سلة من العملات، وإنشاء ترسانة من الذهب في خزائنها، وتطور بلدانها صناعياً تحديثياً تقنياً معاصراً، وتتخلص تدريجياً من العمالات الأجنبية الاستنزافية، وتطور عمالاتها الوطنية.

السياسة العلمانية الديمقراطية استراتيجية بعيدة المدى تقوي اللحمة بين الدول العربية والإسلامية، وتعمل على إيجاد سوق إسلامية عالمية، وشيئاً فشيئاً تقلصُ مساحات الاستثمار السياسي الاجتماعي في الأديان، ولكن من دون توسيع مجالات الرأسماليات الخاصة والعمالة المحلية المتقدمة، تحدث إشكاليات الصراعات الدينية السياسية.

بطبيعة الحال مثل هذه السياسات مسألة تشكلها تياراتٌ فكرية وسياسية عبر سنوات والخطورة أن يكون ذلك من خلال الصراعات الداخلية الضارية.

كلُ شيءٍ يتغير إن التناقضَ هو أساسُ حياة البشر، وبدون تناقض يزول البشر.

كلُ شيءٍ يتغير

يقول البعض بأن هذه الأشكالَ والتجاربَ الفنية والأدبية العظيمة باقيةٌ إلى الأبد، وليس تلك الأشكال والتجارب الدنيا، فهي إلى زوال.

وهذه الأنظمةُ أبديةٌ وتلك ليست أبدية.

ولكن منذ قرون وهناك أقوالٌ تتحدثُ عن زوال الأدب الأغريقي الذي ظهر قبل ميلاد المسيح بقرون وملئته عوالم السحر، ومع هذا فهو مستمر ويشكلُ متعاً وذائقة، وكذلك الأدب الجاهلي، وكانوا يقولون بأن هذا الأدبَ إلى زوال لأنه مصاحبٌ للوثنية ومع هذا يستمر.

الحديث عن زوالِ تجارب دخلتْ عالمَ الأدب والفنون، حديث يتصور بإمكانية وضع خطوط مطلقة بين الرؤى والأنواع الأدبية والفنية والفلسفات السياسية والدينية.

لكن حتى الفنون التهريجية والروايات البوليسية والأغاني الماجنة ما زالت تعيش، وستبقى.

نعم العالم يرتقي لكن بصعوبات شتى ويظل نسبياً.

وتغدو تطبيق هذه التصورات في عالم السياسة والفكر والمعتقدات محفوفاً بالمخاطر، وتغدو الآراء المثالية صعبة التطبيق، ولهذا من الصعب تصديق تصورات مثل الديمقراطية الخالصة النقية المعلبة في زجاجات، لأن الديمقراطيةَ ترتبطُ دائماً بالدكتاتورية، فالديمقراطيةُ الخالصةُ خيالٌ مثالي، إنها تتطور ضد الديمقراطية لكن هل سوف تخلص منها نهائياً؟

هذا مرتبطٌ بتاريخ البشرية ككل، وقد قيل بأنه حالما تزول الدكتاتورية تزول الديمقراطية معها. لأننا حينذاك لسنا بحاجة لأجهزة القهر والضبط، ولكن متى سوف يحدث ذلك ومتى ستخلو المجتمعات من الإختلاف؟

لا أحد يعلم.

إن التناقضَ هو أساسُ حياة البشر، وبدون تناقض يزول البشر.

ولهذا فإن أفكار الجنان تبقى مفتوحة كذلك للتناقضات.

يقولون بوجودِ الإنسان اللاحيواني، ولكن الإنسانَ مركبٌ من إنسان وحيوان. فأين هذا الإنسان الذي يخلو من بعضِ مادةِ الحيوان؟

والآخرة حين تنقسم إلى جنة ونار تغدو تناقضاً حاداً، أي ليس فيها تناقضٌ جدلي يمشي على مواد البشر، فلا يمكن أن لا يفكر أهلُ الجنانِ بعذاب أهل النيران، ولا يمكن أن يصبرَ أهلُ النار على عذاباتهم إلى الأبد؟ لا بد أن ثمة علاقة.

وربما تحدث صراعاتٌ وتداخلات ويتشكلُ تاريخ.

وقد تصور شاعر عراقي قصةً خياليةً تمردية لأهل النار!

وهل يمكن أن تكونَ هناك شيوعية ويتوقفَ التاريخ؟ كيف سيتشكل كلُ هؤلاء البشرِ في نمطٍ واحد؟ ألن تحدث سرقات؟ ألن يرتد كثيرون للملكية الخاصة؟ هل سوف تزول الأنانية بشكل مطلق؟ هل يمكن ذلك؟

تاريخٌ بلا تناقض يغدو ناقصاً أو خيالياً، تاريخٌ بلا مستويات متعددة يغدو سطحياً، وبشر بلا صراعات وتناقضات بشر يعيشون في عالم غير واقعي.

ومن هنا فإن الثقافةَ الرفيعةَ لا يمكن أن تكونَ وحدها في الميدان، فليس الأديب صاحب البيان العظيم وحده الموجود في العالم، كما أن الممثل الهزلي سيكونُ مع الممثلِ منتج الأفلام والمسرحيات الواقعية والشعرية.

قالوا بأن الممثلَ الكوميدي الذي تحبهُ العامةُ (الجاهلة) سوف يزول لكنه لم يزل، ويظهر عامةٌ آخرون يحبونه، ويبقى وربما زاد جمهوره عن السابق، فيما تلقص أو زاد جمهور الممثل المثقف.

هناك مستويات من الواقع والبشر والثقافة والسياسة مرتبطة بتناقضاتٍ ومستوياتٍ بشرية لا تُحل ولا تُصهر في نسخةٍ واحدة، أو تُوضع في ثلاجة فكرية وسياسية وتبقى هناك.

بدون التنوع والتناقض والصيرورة ولا نهائية التاريخ البشري وغموضه المستمر ومفآجاته التي لا تنضب تزولُ الحياة.

قالوا بأن الرأسماليةَ الغربيةَ هي خاتمةُ المطاف للتطور التحديثي في العالم.

الآن لدينا رأسماليات آسيوية ذات تطورات أكثر خصوبة من الرأسماليات الغربية، ولم تشكلْ حروباً، ولم تعش على نهب الشعوب، لديها عناصر إنسانية أكبر، وسيكون لذلك تأثيره في التحولات القادمة وفي ديمقراطيتها التي لا تخلو من دكتاتوريات.

ولهذا فإن نماذجَ الإشتراكية لن تنضب من التاريخ، ستتكرر وتتعدل، وتتداخل مع الأشكال الأخرى.

سابقاً قالوا أن الالكترون هو نهاية المادة لكن ظهر أن المادةَ لا نهاية لها، مثل الكون الذي نراه كوناً واحداً، والقادمون سيرونه أكواناً.

ولهذا فإن إعتقالَ الوعي في الزنزانات السياسية والثقافية المؤدلجة يجعلهُ محنطاً جامداً، يدهوره ويدهور علاقاته بالبشر مصدر طاقاته وتحولاته، وتغدو القدرات السياسية قصيرة، والآفاق مغلقة، فيما العالم لا ينفد من التطورات.